سبحانه ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (١) [المائدة: ٣٢].
وكذلك الكاف، منه مسألة الكتاب "كما أنه لا يعلم فغفر الله له" (٢) أي لأنه لا يعلم، وما زائدة بين الكاف ومجرورها.
وأما الحال فهي وصف هيئة الفعل أو المفعول أو المفعول به، ولفظها نكرة تأتي بعد معرفة، قد تم الكلام عليها، أي على المعرفة.
ومعنى وصف هيئة الفاعل أن الفعل متى أسند إلى فاعله، فلابد أن يُسند إليه وهو على هيئة من الهيئات، وصفة من الصفات كقولك: جاء زيد، لابد في مجيئه من أن يكون راكبًا أو ماشيًا، أو ساعيًا، أو مسحوبًا مثلًا، فتبين هيئته التي جاء عليها بلفظه منكورة مشتقة، لأنها صفة في المعنى تسمى حالًا، كقولك جاء زيد راكبًا فـ "راكبًا" مشتق من ركب يركب، فقد تم الكلام على قولك زيد: لأن الفعل والفاعل جملة مستقلة، وتلك النكرة هي المعرفة في المعنى، وكذلك حكم المفعول لابد أن يقع به الفعل وهو على هيئة من الهيئات كقولك: أبصرت زيدًا ساعيًا وضربت عمرًا مشدودًا.
ولما كانت الحال زيادة في الفائدة، والفائدة متعلقة بالخبر، واصل الخبر التنكير جاءت الحال-وهي الزيادة فيه-على الأصل، ولزمها ذاك، فلا تكون إلا نكرة وإن كان الخبر قد (٣) يقع معرفة ونكرة.
ولما كانت مفعولًا فيها في المعنى أشبهت الظرف، فعملت فيها المعاني جوازًا كما يجوز أن تعمل في الظرف. ولما رفعت الاحتمال كما يرفعه التمييز لزمها أيضًا التنكير كما لزمه، ولما كانت اسمًا صحيحًا يأتي بعد
_________________
(١) «المائدة ٥: ٣٥ ﴿من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسًا ﴾.
(٢) «راجع مغني اللبيب ١: ١٧٦، ولم أعثر على هذا القول في الكتاب.
(٣) «في (ج) و(د): قد يقع معرفة كما يقع نكرة.
[ ١٦٠ ]
استقلال الفعل بفاعله أو استيفائه مفعوله أشبهت المفعول، ومع شبهها بهذه الضروب من المنصوبات، فبينها وبين كل واحد منها فرق بل فروق.
فمن الفرق بينها وبين الظرف أن الظرف تعمل فيه المعاني، ويتقدم عليها ويتأخر عنها كقولك: لك كل يوم ثوب؛ وإن شئت قلت: كل يوم لك ثوب.
والعامل في كل وهو ظرف زمان الجار والمجرور وهو لك، وهو معنى لا فعل صريح والحال إذا عملت فيها المعاني لم يجز تقديمها عليها؛ تقول: زيد في الدار قائمًا، ولو قلت زيد قائمًا في الدار لم يجز تقدم الحال.
فإن كان العامل فعلًا جاز تقديم الحال عليه؛ كقولك: جاء زيد راكبًا وجاء راكبًا زيد وراكبًا جاء زيد، قال الله تعالى ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ﴾ (١) [القمر: ٧] فـ "خاشعًا" حال، والعامل فيها "يخرجون" كما قدروه.
وأيضًا فإن الحال هي ذو الحال في المعنى؛ وهو إما الفاعل أو المفعول، وليس الظرف أحدهما. ومن الفرق بينها وبين التمييز أنها تكون في الأغلب بالأسماء المشتقات؛ والتمييز يكون بالأسماء الجامدات؛ كقولك في الحال: جاءني زيد ماشيًا؛ فـ "ماشٍ" اسم مشتق، وفي التمييز عشرون درهمًا فـ "درهم" اسم جامد؛ ولو قلت: عشرون صحيحًا لكان "صحيحًا" نعتًا لاسم جامد محذوف، كأنك قلت: دينارًا صحيحًا
_________________
(١) «القمر ٥٤: ٧ ﴿خاشعًا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر﴾ و"خاشعًا" هي قراءة أبي عمرو البصري، زبان بن قائد وحمزة بن علي الزيات والكسائي.
[ ١٦١ ]
أو درهمًا صحيحًا أو غير ذلك مما حذف، وقد علم كل العلم، ولذلك يحذف الموصوف.
وأيضًا فإن الحال تقع بعد تمام الكلام فقط، هذا هو الأصل فيها، والتمييز يقع تارة بعد تمام الكلام، وتارة بعد تمام الاسم، وهي-أعني الحال-تفسير بفي، والتمييز يُفسر بمن، إلى غير ذلك من الفروق التي بينها وبينه.
ومن الفرق بينها وبين المفعول به (١) أنها تعمل فيها الأفعال والمعاني فالأفعال ظاهرة في التمثيل والمعاني كقول النابغة (٢).
كأنه خارجًا من جنب صفحته سفود شرب نسوه عند مفتأد
"خارجًا" حال، والعامل فيها ما في "كأن" من معنى التشبيه، فكأنه قال: أشبهه سفود شرب خارجًا، أي في حال خروجه.
والمفعول به لا تعمل فيه المعاني، وإنما تعمل فيه الأفعال الصريحة المتعدية، والحال تعمل فيها المتعدية واللازمة، فالمتعدي كقولك: ضربت زيدًا قائمًا، واللازم كقولك: انطلق محمد مسرعًا، والمفعول في الأصل
_________________
(١) «به: ساقطة من بقية النسخ.
(٢) «زياد بن معاوية الذبيالي (٠٠ - ١٨/ ٦٠٤) الشاعر الجاهلي المحكم في الشعر في عكاظ. طبقات فحول الشعراء: ٤٣، الشعر والشعراء ١: ١٥٧، الأغاني ٩: ١٦٢. وصلة الشاهد قبلة: شك الفريصة بالمدري فأنفذها شك المبيطر إذ يشفي من العضد الفريصة: مرجع الكتف إلى الخاصرة، المدري: القرن، العضد: داء يأخذ الإبل في أعضادها من ثقل حمل، كأنه خارجًا يعني المدري طعن به وأخرجه. الصفحة: الجانب كله. المفتأد: المشتوى والمطبخ. وكل نار يشوى عليها. شبه قرنة والكلب فيه بسفود فيه شواء. وهو في الديوان: ١١، مجاز القرآن ٢: ١٣٢، الخصائص ٢: ٢٧٥، الخزانة ١: ٥٢١.
[ ١٦٢ ]
غير الفاعل في المعنى، والحال هي ذو الحال في المعنى، والمفعول يقع معرفة ونكرة ومظهرًا ومضمرًا ومشتقًا وغير مشتق، والحال نكرة لا تتعرف.
فأما قولهم أرسلها العراك (١)، و"طلبته جهدك وطاقتك" والعراك والجهد والطاقة أحوال، فهي في تقدير النكرات، وإن كان لفظها لفظ المعارف؛ فكأنه قال: أرسلها معتركة، وطلبته مجتهدًا ومطيقًا؛ وتحقيقه أن العراك في موضع "تعترك"، و"تعترك" في موضع "معتركة"؛ فدل العراك على تعترك، فحُذف، وأقيم مقامه؛ وكذلك دل جهدك على تجتهد، فسد مسده بعد حذفه. وكل ما جاء من الأحوال، ظاهر (٢) لفظه التعريف، فإلى التنكير يرجع إذا أحسنت التأويل.
وعبره الحال جواب لكيف، كما أن المفعول له جواب لم. وتسأل في الحال عن أشياء وهي الحال وذو الحال والعامل في الحال. فالحال قد بُنيت، وربما قيل: أي حال هي؟ فينبغي أن تعلم أن أقسام (٣) الحال الأغلب فيها المتنقلة، كقولك: جاء زيد ماشيًا، فقولك (٤) "ماشيًا" حال متنقلة، لأنه لا يلزمه أن يجئ، كلما جاء،
_________________
(١) «ورد هذا في بيت للبيد بن ربيعة العامري (٠٠ - ٤١/ ٦٦١)، والبيت بتمامه: فأرسلها العراك ولم يذدها ولم يشفق على نغص الدخال الضمير في أرسلها يعود إلى الأتن. العراك: الجماعة، يذودها، يحسبها، النغص: التحرك وإمالة الرأس، الدخال: أن تشرب بعض الأتن ثم تعود لتزاحم التي لم تشرب بعد. الديوان: ٨٦، الكتاب ١: ١٨٧، المقتضب ٣: ٢٧٣، اللسان (نغص).
(٢) «انظر الكتاب ١: ١٨٧، اللسان (جهد).
(٣) «أقسام: ساقطة من (ج).
(٤) «في (ج) و(د): فـ "ماش" حال متنقلة.
[ ١٦٣ ]
ماشيًا بل قد يجيء راكبًا وعلى غير الركوب والمشي من الأحوال. وتجيء الحال مؤكدة، كقوله:
كفى بالنأي من أسماء كافي (١)
أي كافيًا، فهذا مما أسكن فيه منصوب المنقوص ضرورة.
وقوله "كافي" حال مؤكدة، إذ كان قوله: "كفى" قد أغنى عنها، وكفى منها لدلالته على ما دلت عليه، وفي التنزيل ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ (٢) [البقرة: ٩١]، فقوله "مصدقًا" توكيد لما قبله، لأنه لا ينتقل عن تصديقه وقوله "وهو الحق" قد أبان عن التصديق.
وتجيء الحال مقدرة، ومنه مسألة الكتاب، وهي قوله "مررت برجل معه صقر صائدًا به غدًا"، أي مقدرًا الصيد به غدًا (٣)، كذلك فسره النحوي.
وربما قالوا: من ضروب الحال الموطئة، وهي مثل قوله تعالى
_________________
(١) «الشاهد من قصيدة لبشر بن أبي خازم (٠٠ - ٩٢/ ٥٣٣) وعجزه. وليس لحبها إذ طال شاف إذ: تعليلية، متعلقة بشاف، والمعنى: يكفيني بعدها بلاء، فلا حاجة بي إلى بلاء آخر، إذ هو الغاية، ولا شفاء لي من مرض بعدها مع طوله، ويجوز أن تكون الواو حالية، ويستفاد من كلام صاحب الخزانة أنه يستشهد بقوله "كافي" من وجهين، الأول وقوع اسم الفاعل مصدرًا، فإنه هنا مفعول مطلق مؤكد لقوله "كفى" فهي بمنزلة كفاية، والثاني الوقف عليه بالسكون، والمنصوب حقه أن يبدل تنوينه ألفًا. وهو في الديوان: ١٤٢، المقتضب ٤: ٢٢ المنصف ٢: ١١٥، شرح المفصل ٦: ٥١، اللسان "كفى"، الخزانة ٢: ٢٦١.
(٢) «البقرة ١: ٩١ ﴿وإذا قيل لهم: آمنوا بما أنزل الله. قالوا: نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه، وهو الحق مصدقًا لما معهم ..﴾.
(٣) «انظر الكتاب ١: ٢٤٣، المقتضب ٣: ٢٦١.
[ ١٦٤ ]
﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢] (١) فقوله: "عربيًا هو الحال، وموصوفها موطئ لها ولا عليك أن لا تذكر هذا القسم في ضروب الحال، لأنه إلى الأول من أقسامها يرجع.
فهذا هو ما يجاب به عن السؤال عن الحال ما هي.
وأما ذو الحال فهو الاسم الذي الحال صفة له في المعنى؛ والأصل فيه أن يقع معرفة كما أن الأصل في الحال أن تكون نكرة؛ فإن وقعت الحال من نكرة فعلى ضعف، كقولك: جاءني رجل راكبًا.
والمعتبر في مثل هذا حصول الفائدة، فإن نعت المنكور قرب من المعرفة بتخصيصه بالصفة، فحسن وقوع الحال منه شيئًا؛ كما جاء في الحديث «سبق الله ﷺ، بين الخيل، فجاء فرس له سابقًا» (٢) فقوله "سابقًا" حال من قوله "فرس"، وهو نكرة لكنه قد خصصه وصفه بقوله: "له" وهو الجار والمجرور، على أنه لو أجرى هذه الحال وصفًا، فقال: فرس له سابق لم يُعط المعنى الذي أعطته الحال، ولا تمحض له، ولجاز أن يفهم من الرفع أنه فرس سابق من قبل، وإن كانت الحال لا تمنع ذاك، ولكن ظاهر الأمر مع الرفع نعته بالسبق الذي يجوز أن يكون سبق له الوصف به لا الآن.
والعامل في الحال، إما فعل وإما معنى، فالعامل فيها في قولك جاء زيد راكبًا "جاء" وهو فعل، والعامل فيها في قولك: في الدار زيد قائمًا قولك "في الدار" وهو معنى لا فعل.
_________________
(١) «الزمر ٣٩: ٢٨ "قرآنًا عربيًا غير ذي عوج".
(٢) «أخرجه أبو داود من حديث ابن عمر رقم "٢٥٧٧" بلفظ أن النبي (ص) سبق بين الخيل وفضل القرح في الغاية.
[ ١٦٥ ]
وقوله: وإن أردت أن تنصب الحال عن النكرة فقدمها عليها كقولك: جاءني راكبًا رجل.
وأكثر ما يجيء مثل هذا في الشعر، واستعماله في الكلام يقل، فمن ذلك قول الشاعر:
لعزة موحشًا طلل (١)
وقول الآخر:
والصالحات عليها مغلقًا باب (٢)
يريد الأول: لعزة طلل موحش، ويريد الثاني: عليها باب مغلق.
وعلة انتصاب هذه الحال عن النكرة المحضة التي لم تقرب من المعرفة بصفة ما، أن الوصف لا يتقدم على الموصوف؛ فإذا قدم ما يجوز أن يكون وصفًا للنكرة لو أخر بطل أن يكون وصفًا، فاذا بطل أن
_________________
(١) «الشاهد لكثير بن عبد الرحمن المعروف بكثيرة عزة (٠٠ - ١٠٥/ ٧٢٣،) وينسب لذي الرمة (٧٧/ ٦٩٦ - ١١٧ - ٧٣٥) وعجزه: يلوح كأنه خلل. وروى جماعة بيتًا آخر، هذا الشاهد قطعة منه، وهو بتمامه: لمية موحشًا طلل قديم عفاه كل أسحم مستديم وهو في الأبيات المنسوبة لكثير في ديوانه، بهذه الرواية ص ٥٣٦. وفي ديوانه ص ٥٠٦: لمية موحشًا طلل وميه اسم محبوبة ذي الرمة. الخلل جمع خلة: جفن السيف المغشي بالأدم. انظر الكتاب ١: ٢٧٦، معاني القرآن ١: ١٦٧، ألأسرار العربية: ١٤٧ اللسان (خلل)، الخزانة ١: ٥٣١.
(٢) «لم أعثر على صلة هذا الشاهد ولا على قائلة، وهو في أسرار العربية: ١٤٧.
[ ١٦٦ ]
يكون وصفً أخرج مخرج الحال، لقرب الحال من الصفة، وجواز التقديم فيها.
ولا يجوز هذا في كل نكرة في قول سيبويه (١)، ألا ترى أن النكرة لو كانت مجرورة لم يستقم هذا فيها، لو قلت: مررت راكبًا برجل، والحال لرجل لم يجز عنده، لأن حال المجرور لا يتقدم عليه في مذهبه، وأجاز تقديمها عليه ابن كيسان (٢) وأبو علي وغيرهما، لأن العامل عندهم الفعل الذي يعلق به الحار.
وإذا كان العامل الفعل-هو متصرف-، فالحال جائز تقديمها (٣) على ما عمل فيها من العوامل المتصرفة؛ فأقل أحوالها حينئذ أن تتقدم على صاحبها، لأنها معمول لعاملها، فجاز تقديمها عليه كما يتقدم أحد معمولي العامل على صاحبه.
فهذه المنصوبات الخمسة ما من فعل إلا ويعمل فيها، لازمًا كان أو متعديًا؛ إلا أن يكون غير متصرف فله حكم، وهي: المصدر لدلالة الفعل عليه بلفظه، إذ كان مشتقًا منه، وظرف الزمان والمكان لاضطراب الفعل إليهما، والمفعول له لأن الفعل لا يقع من مميز إلا لغرض، والحال لأن الفعل لا يقع من فاعل ولا يقع بمفعول (٤) إلا على هيئة ما.
_________________
(١) «الكتاب: ١/ ٢٧٧.
(٢) «أبو الحسن، محمد بن إبراهيم (٠٠ - ٢٩٩/ ٩١٢) عالم نحوي أديب، كان يحفظ المذهبين البصري والكوفي. طبقات النحويين النحويين واللغويين: ١٧٠، نزهة الأنبا: ٣٠١. وتجد رأي ابن كيسان هذا في أمالي ابن الشجري ١/ ٢٨٠.
(٣) «في (ب): تقدمها.
(٤) «في (ب): من فاعل أو بمفعول.
[ ١٦٧ ]