واعلم أن الأمثلة المشتركة في باب التعجب أربعة، أفعال ثلاثة، واسم.
فالأفعال ما أفعله، وأفعل به، ولفعل، وكقولك ما أحسنه وأحسن به ولحسن وجهه، والاسم قولك: هو أحسن القوم؛ فكل ما جاز في قولك: ما أفعله من البناء جاز في الأمثلة الباقية، وكل ما امتنع فيه امتنع فيها.
فصل
قوله (١): وأما النصب فعلى ضربين، ضرب عام لجميعها وضرب خاص.
الفصل:
الأمر كما ذكر في انقسام نصب الأفعال إلى خاص وعام؛ فالخاص ما انفرد به بعض الأفعال دون بعض، والعام ما استوت فيه بأسرها.
والخاص في ثلاثة: المفعول به، والخبر والتمييز؛ ألا ترى أنه لا يكون مفعول به إلا لما كان متعديًا من الأفعال؛ واللازم لا يكون له مفعول به، فهو حينئذ خاص ببعض الأفعال دون بعض؛ وكذلك الخبر المنصوب، لا يلزم في كل فعل أن يكون له خبر، والتمييز كذلك، وسنبين ذاك (٢).
فأما حال الأفعال في التعدي إلى المفعول به، فإن الفعل، بالجملة، ينقسم قسمين: متعد بنفسه ولازم، والمتعدي ما تجاوز الفاعل إلى مفعول به، واللازم ما لزم الفاعل ولم يتجاوزه إلى مفعول به.
والمتعدي بنفسه ينقسم ثلاثة أقسام: متعد إلى مفعول واحد، وهو على ضربين: علاج وغير علاج، فالعلاج كقولك: ضربت زيدًا، وأكلت خبزًا،
_________________
(١) «الجمل ورقة ٧/ ٢.
(٢) «في (ب): وسنبنيها.
[ ١٥١ ]
وبنيت دارًا، وغير العلاج كقولك: ذكرت عمرًا، وشتمت (١) زيدًا وأكرمت محمدًا.
ومتعد إلى مفعولين، وهو على ضربين أيضًا: أحدهما يتعدى إلى مفعولين يلزم فيهما ذكر الثاني إذا ذكر الأول، لكونه إياه في المعنى، وافتقار الأول إلى الثاني افتقار المبتدأ إلى خبره، إذ كانا في الأصل مبتدأ وخبرًا، وتلك الأفعال سبعة وهي:
أفعال الشك واليقين، وتسمى أفعال القلوب، وهي: علمت ورأيت ووجدت وهذه الثلاثة لليقين، وظننت وحسبت وخلت، وهذه الثلاثة للشك وزعمت، وهو متوسط بين الستة، فيما يرون، وربما قيل: إنه قول يشوبه شك (٢).
وربما انفرد فاعله، وربما ذكروا في هذه الأفعال "رأي" بضم الهمزة، على أنه فعل لم يسم فاعله، وإذا حقق هذا فإنه مغير من القسم الثالث من المتعدي وهو المتعدي إلى ثلاثة.
فهذه السبعة، كل منها يتعدى إلى مفعولين، الثاني منهما عبارة عن الأول، أو كلام فيه ضمير الأول على حد خبر المبتدأ، ولا تخلو أن تتصدر على مفعوليها، فيلزم إعمالها فيهما، كقولك: علمت زيدًا قائمًا وظننت بكرًا شاخصًا، اللهم إلا أن يعترض بينها وبين مفعوليها حرف له صدر الكلام، كلام الابتداء، وهمزة الاستفهام.
فإن الحرف حينئذ يعلقها، وتعليقها أن يكفها عن العمل في اللفظ، فتعمل في موضع الجملة، كقولك: علمت لزيد منطلق، وعلمت أزيد في
_________________
(١) «في (ب) و(ج): وشمت.
(٢) «في (آ) و(ب): إنه شك يشوبه قول.
[ ١٥٢ ]
الدار أم عمرو؟ وعلة ذاك-أعني التعليق-أن اللام والهمزة لهما صدر الكلام، وعلمت عامل والعامل له حكم التصدر على معموله، فتدافعا، فأُبطل عمل الفعل في اللفظ فعمل في الموضع.
(ومع ذلك فلم يخرج الفعل في وقوعه في أقوى أماكنه، وهو تصدره على مفعوليه، عن أن يكون عاملًا، لأن عمله في الموضع دون اللفظ لم يخرج به عن أن يكون عاملًا، ولهذا إذا تسلط الفعل، بل العامل على الإطلاق على مبنى لا يظهر العمل في لفظه، حكم بالعمل على موضعه) (١).
فإن دخل الجزء الثاني معنى الاستفهام كنت مخيرًا بين الإعمال والتعليق والإعمال أجود، وأريد بالإعمال ظهوره في المفعول الأول وبالتعليق كفه عنه، كقولك: قد علمت زيدًا أبو من هو، وإن علقت قلت: قد علمت زيد أبو من هو.
فالإعمال لأن الفعل لم يحل بينه وبين مفعوله الأول حائل فيعلقه عن العمل في لفظه، والتعليق لأنك عممت بالاستفهام الموجود لفظه في الجزء الثاني، وهو في الأصل خبر المبتدأ، الجملة بأسرها، فكأنه داخل على المفعول الأول، فعلقت الفعل لذلك، وجعلت المفعولين ابتداء وخبرًا.
والفرق بين المسألتين، أعني التعليق والإعمال، أن الجزء الثاني، وهو قولك أبو من هو، وإن كان مرفوعًا فيهما، إذا علقت، كان مرفوع الموضع بكونه خبرًا للمبتدأ، فإذا أعملت كان منصوب الموضع لكونه مفعولًا ثانيًا.
وربما أوهم رفع الأول في هذا الكلام الإلغاء لا التعليق، وهو تعليق لا إلغاء، لأن الفعل متصدر، لم يتوسط ولم يتأخر، فكيف يلغي متقدمًا، أو أن يتوسط بين المفعولين، فتكون مخيرًا بين إعمال الفعل فيهما كقولك: زيدًا ظننت قائمًا،
_________________
(١) «ما بين قوسين ساقط من (آ) و(ب).
[ ١٥٣ ]
لأن هذه الأفعال أفعال متصرفة، والفعل المتصرف يعمل في معموله (١)، متقدمًا عليه ومتأخرًا عنه.
ومفعولا هذه الأفعال كالمفعول الواحد، وتأخر المفعول الثاني عنها كتأخر المفعولين، وهي عاملة فيهما إذا تأخرا، كما بينا.
وبين أن تبني الكلام على الابتداء والخبر، فتغلب حكم الابتداء على الفعل فتلغيه فيرتفعان جميعًا، ويكون الفعل على هذا غير عامل في اللفظ، ولا في الموضع، وإنما يكون داخلًا لمعناه-فقط-من يقينٍ أو شكٍ كقولك: زيد ظننت قائم، أو أن يتأخر عنهما، فتكون أيضًا مخيرًا بين الإلغاء والإعمال، والإلغاء أجود، لتراخي الفعل عن أقوى أماكنه، وهو الصدر، وضعفه لوقوعه آخرًا كالزيادة والنيف، واقتضاء الأول من المفعولين الثاني اقتضاء المبتدأ خبره، فضعف معنى الفعلية في الجملة وقوي معنى الابتداء، فكان (٢) الإلغاء أقوى.
وإن شئت أعملت الفعل مع تأخره عنهما كما تعمل غيره من الأفعال المتصرفة في معموله وإن كان الفعل متأخرًا عنه، فقلت: زيدًا قائمًا ظننت كما تقول بكرًا أكرمت وعمرًا ضربت.
فهذا حكم هذه الأفعال في إعمالها وتعليقها وإلغائها في وجهيها من توسط وتأخر.
والقسم الثاني من المتعدي إلى مفعولين، هو كل فعل يتعدى إلى اثنين، الثاني منهما غير الأول، كقولك: أعطيت زيدًا درهمًا، وكسوت عمرًا ثوبًا، أنت في هذا الفعل بالخيار، إن شئت ذكرت معه مفعولًا واحدًا ولم تذكر الآخر، أيهما ذكرت دون الآخر كان لك ذاك، كقولك: أعطيت زيدًا ولا تذكر ما
_________________
(١) «في (آ) و(ب): وكان
(٢) «في (آ) و(ب): وكان.
[ ١٥٤ ]
أعطيته، وأعطيت درهمًا ولا تذكر من أعطيت.
وإن شئت ذكرت المفعولين مع الفعل، فيكون أتم للفائدة، كقولك: أعطيت زيدًا درهمًا، وكسوت بشرًا ثوبًا.
ولك عكس هذا الوجه وهو أن تذكر الفعل وحده دونهما، فتقول: أعطيت، كل هذه الوجوه جائزة، والفائدة مع ذاك بحسب المذكور في استيفاء الفائدة، وترك الاستيفاء مع أغراض تعرض للمتكلم إذا أخبر.
وعلى ذاك فالكلام تام إذا قلت: أعطيت واقتصرت على الفعل وفاعله، لأن الكلام قد تم باستيفاء الفعل فاعله، وقد أخبرت بأنك قد كان منك إعطاء. وغير خاف أن في ذا أيضًا مع تمامه فائدة، وذكر واحد من المفعولين أكثر فائدة من طي ذكره، وذكرهما معًا أتم.
ولك في هذا الفعل تقديم أحد المفعولين على الآخر، إلا أن يقع لبس، فيلزم الكلام الترتيب الذي يؤمن معه اللبس، تقول: كسوت عمرًا جبة، وإن شئت: كسوت جبة عمرًا، لأن المعنى مفهوم مع التقديم والتأخير.
فإن كان كل واحد من المفعولين يصلح أن يكون آخذًا، وأن يكون مأخوذًا ألزمت الآخذ التقديم لئلا يلتبس بالمأخوذ، كقولك: أعطيت عمرًا زيدًا، ولا يكون في هذه المسألة الآخذ إلا عمرًا، فإن كان زيد الآخذ لم تجز المسألة إلا بتقديمه خشية اللبس، وجرى الأول من الثاني في هذا مجرى الفاعل من المفعول في المعنى.
والفاعل يلزم تقديمه على المفعول متى دخل الكلام بالتقديم والتأخير لبس، كقولك: ضربت الحبلى السكرى، فإن ارتفع اللبس في مثل هذا جاز التقديم والتأخير، كقولك: أكلت الحبلى الحلوى وأسرت النجوى ليلى.
وهذا القسم أعني المتعدي إلى مفعولين، ولك الاقتصار على أحدهما، لا يدخله الإلغاء ولا التعليق كما دخل القسم الأول.
أو أن يكون (١) متعديًا إلى ثلاثة مفعولين، وذلك غاية ما تتعدى إليه
_________________
(١) «في (ج) و(د): القسم الثالث من المتعدي بنفسه، وهو المتعدي إلى ثلاثة.
[ ١٥٥ ]
الأفعال المتعدية.
والمسموع من هذا الضرب أربعة أفعال. اثنان منقولان من القسم الأول المتعدي إلى مفعولين، وهما أعلمت وأريت، فأعلمت منقول بالهمزة من علمت، وأريت منقول من رأيت التي بمعنى علمت، زاد فيهما النقل بالهمزة مفعولًا ثالثًا، وذلك المفعول الزائد هو الفاعل في المتعدي إلى مفعولين، والمثال قولك: أعلم الله زيدًا عمرًا عاقلًا، وأرى الله أباك أخاك ذا مال.
واثنان موضوعان، وهما أنبأت ونبأت، والأصل في هذين الفعلين أن يتعديا إلى مفعولين، الثاني منهما بحرف الجر، كقولك: أنبأت زيدًا عن عمرو وأنبأت بكرًا بكذا، قال الله تعالى: ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣] (١) وقال ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُم بِتَاوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٤٥] (٢)، ثم يتسع بحذف الحرف الثاني، فيقال: أنبأتك كذا، وقال الله تعالى: ﴿قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا﴾ (٣) [التحريم: ٣]، وأول الآية على الأصل، وهو قوله تعالى ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ [التحريم: ٣] (٤).
وهذا الاستعمال في هذين الفعلين (٥) استعمال أخبرت، وخبرت، ولكنهما توسع فيهما في تعديهما (٦) إلى مفاعيل ثلاثة، بأن أجريا مجرى أعلمت، لأنهما إنباء، والإنباء إخبار، إعلام، فعديا إلى ثلاثة تعدية أعلمت، فقلت: أنبأ الله بشرًا كريمًا، ونبأ أبوك أخاك عمرًا ذا مال، والمعنى: أنبأ الله بشرًا أن بكرًا كريم.
وحكم المفعول الثالث في هذا الباب حكم المفعول الثاني في الأفعال التي نقلت هذه منها وشبهت بها، فحملت عليها، كل مجاز في ذاك جاز في هذا.
_________________
(١) «البقرة ١: ٣٣ ﴿قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض ﴾.
(٢) «يوسف ٢: ٤٥ ﴿وقال الذي نجا منها وادكر بعد أمة، أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون﴾.
(٣) «التحريم ٦٦: ٣ ﴿وإذا أمر النبي إلى بعض أزواجه حديثًا فلما نبأت به قالت من أنبأك هذا، قال: نبأني العليم الخبير﴾.
(٤) «التحريم ٦٦: ٣ ﴿وإذا أمر النبي إلى بعض أزواجه حديثًا فلما نبأت به قالت من أنبأك هذا، قال: نبأني العليم الخبير﴾.
(٥) «في (ج) و(د): الأصلين.
(٦) «في (ب): تعديتهما.
[ ١٥٦ ]