فصل
نعم وبئس ما جرى مجراهما من الأفعال مما يقتضي مدحًا أو ذمًا، أو تعظيمًا مع مبالغة فيها (١). اعلم أن "نعم" و"بئس" فعلان جامدان غير متصرفين، أحدهما وهو "نعم" غاية في المدح، والأخر وهو "بئس" غاية في الذم.
يدلك على أنهما فعلان رفعهما الأسماء الظاهرة، على حد رفع الأفعال إياها، وإذا قلت: نعم الرجل وبئس الغلام، تضمنهما الضمائر، واتصالهما بهما إذ قلت: نعم رجلًا زيد، أي نعم هو، وهو ضمير جنس المقصود بالمدح أو الذم وما مثلوا به في قولهم: قومك نعموا رجالًا، وأخواك نعما رجلين فيمن
_________________
(١) «في (ب) فيهما.
[ ١٣٦ ]
أجازه، وذلك على حد قولك: الرجلان قاما والرجال قاموا، واتصال تاء التأنيث اللاحقة بأفعال المؤنث بهما كقولك: نعمت المرأة هند وبئست الجارية جمل، وعليه قول الشاعر يصف ناقة:
نعمت زورق البلد (١)
فأما جمودهما، فلما تضمنتاه من الزيادة على معنى الخبر، وذلك هو المبالغة في المدح أو الذم، والمبالغة زيادة على الأصل، وهذه المبالغة (٢) تضمنتاها وصيفتهما صيغة بواقي الأفعال التي لم توضع للمبالغة، فبذلك خرجتا عن منهاج جمهور الأفعال، فأشبهتا الحروف الموضوعة للمعاني، فألزمتا طريقة واحدة، وذلك هو الجمود وعدم التصرف.
وأصل لفظيهما "نَعِمَ" و"بئس" وكما تقول: علم وحذر، إلا أنهما لازمان، وقد نطقوا بهذا الأصل. وقال طرفة (٣):
_________________
(١) «تقدم الحديث عن هذا الشاهد.
(٢) «في (ج) و(ء): وذلك هو المبالغة.
(٣) «طرفة بن العبد بن سفيان البكري الوائلي، (٨٦/ ٥٣٨ - ٦٠) /٥٦٤). طبقات فحول الشعراء: ١١٥ - ١١٧، الشعر والشعراء ١: ١٨٥، الخزانة ١: ٤١٤. ورواية للشاهد في الديوان ص ٥٨: خالتي والنفس قدمًا إنهم نعم الساعون في القوم الشطر
[ ١٣٧ ]
ما أقلت قدماي إنهم نعم الساعون في الأمر المبر (١)
وفيها وفي الأخرى أربع لغات: نعم وهي الأصل، ونعم وهي مسكنة من الأصل كما تقول في علم وشهد، ونعم بكسر النون إتباعًا لكسرة العين، ونعم بكسر النون وإسكان العين وهي الكثيرة المستعملة، وهي مسكنة من التي دخلها الإتباع كما قالوا في شهد شِهد بكسر الشين:
إذا غاب عنا غاب عنا بيعنا وإن شِهد أغنى فضله ونوافله (٢)
وهذه اللغات الأربع مستمرة في كل اسم، أو فعل وزنه على "فَعِل" بكسر العين، وعينه أحد الحروف الحلقية الستة (٣).
_________________
(١) «أقل: حمل. وهو في الكتاب ٢: ٤٠٨، القتضب ٣: ١٤٠، الخصائص ٢: ٢٢٨، أمالي ابن الشجري ٢: ٥٥، اللسان (نعم)، الخزانة ٤: ١٠١.
(٢) «الشاهد للأخطل (١٩/ ٦٤٠ - ٨٩/ ٧٠٨)، يمدح بشر بن مروان (٠٠ - ٧٥/ ٦٩٤). الديوان: ٦٤ إذا غاب عنا غاب عنا فراتنا وإن شهد أجدى فيضه وجداوله ولا شاهد فيه في هذه الرواية.
(٣) «الهمزة، والهاء، والعين، والغين، والحاء والخاء.
[ ١٣٨ ]
فالاسم نحو فخذ، تقول فيه: فَخِذٌ على الأصل، وفَخْذٌ وفَ خْذٌ وفِخذٌ.
والفعل كقولك: شَهِدَ وشَهْدَ وشِهْد.
فأما حكم أفعال المدح والذم في العمل، فإنها ترفع من الأسماء الظاهرة أسماء الأجناس المعرفة بالألف واللام خاصة، أو ما أضيف إليها، ومن المضمرات ضمائر هذه الأسماء خاصة، ولا يرتفع بها ما عدا ذلك [إلا ما لا اعتداد به] (١) وتنتصب بها المنكرات هذه الأسماء الظاهرة المرتفعة بها على التمييز، وتكون تارة لازمة في الذكر؛ وذلك إذا رفعت الضمائر لأنها تكون مفسرة للمضمرات؛ والمضمرات فيها خارجة عن قياس بابها لأنها غير راجعة إلى مذكور في اللفظ؛ فلهذا لزم التفسير بالاسم النكرة المنصوب على التمييز في هذا الوجه، وتارة يكون المتكلم في ذكر المنصوب مخيرًا، إن لم يذكره فللاستغناء عنه، وإن ذكره فتأكيد، وذلك إذا ارتفع بها الاسم الظاهر؛ والمثال على هذا، أعني (٢) في رفعها الاسم الظاهر، قولك: نعم الرجل زيد وبئس الغلام عمرو، وكذا المضاف إلى الجنس إذا قلت: نعم غلام القوم بشر، وبئس صاحب القوم بكر.
فهذه الأسماء المرتفعة بنعم وبئس أسماء أجناس لا تخص شخصًا دون شخص، وتعريفها الاستغراق، أعني استغراق الجنس، لا تعريف العهد الذي يكون
_________________
(١) «ما بين قوسين ساقط من (ب).
(٢) «في (ب): أعني رفعهما الظاهر.
[ ١٣٩ ]
للشخص المعين المعهود، لأن موضوعها في هذا الباب يقتضي ذلك دون غيره، وذلك أنك لما قصدت مدح زيد في قولك: نعم الرجل زيد وأردت المبالغة في مدحه مدحت جنسه كله، وأبهمت ذكره وطويته فيه، ثم اختصصته من بعد ذلك بالذكر وعينته، فكان ذلك أبلغ في مدحه من سياقة المدح إليه في أول وهلة على المألوف في باب الإخبار وهذا مذهب متسع في كلامهم واستعمالهم، وإذا أرادوا اختصاص ممدوح أو مذموم بمدح أو ذم ذكروا جنسه، ثم اختصره بالذكر بعده، ليكون له-بالاختصاص بالذكر وإفراده به-ميزة عليه وتفضيل. قال الله سبحانه ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ (١) [البقرة: ٩٨] فخص جبريل وميكال بالذكر تفضيلًا لهما، وإن كان قوله: ﴿وَمَلآئِكَتِهِ﴾ قد شملهما، ودخلا فيه، وكذلك قوله سبحانه في الأخرى ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّان﴾ (٢) [الرحمن: ٦٨] في قول من جعلهما من هذا الباب، أعني النخل والرمان، بعد قوله ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ﴾.
وأما مذهبهم في الإبهام، إذا أرادوا تفخيم الشيء واختصاصه بعد الإبهام بالذكر فمعلوم أيضًا، من ذلك قوله تعالى ﴿إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ﴾ (٣) [النمل: ٩]، ولم يقل إنني أنا الله، ولو قاله لكان المعنى في التفخيم، على صحته، دون المعنى في قوله ﴿إِنَّهُ
_________________
(١) «البقرة ١: ٩٨ ﴿من كان عدوًا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين﴾.
(٢) «الرحمن ٥٥: ٦٨.
(٣) «النمل ٢٧: ٩ ﴿يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم﴾.
[ ١٤٠ ]
أَنَا اللَّهُ﴾ وذلك أن هذه الهاء ضمير الأمر والشأن؛ وضمير الأمر والشأن غير راجع إلى مذكور في اللفظ؛ فهو ضمير مبهم، وقد دخل الكلام بذكره وتفسيره بالجملة بعده، وهي قوله سبحانه من التفخيم ما لا يكون مع غيره، وإن دل الكلامان على معنى واحد؛ وكذلك حكم "بئس" وما جرى مجراها ومجرى "نعم" في الاستعمال.
وزعموا أن فاعل هذه الأفعال قد جاء مظهرًا على غير الوجهين المذكورين، أعني رفعهما الجنس أو المضاف إلى الجنس، وذلك ما أنشدوه من قول الشاعر:
فنعم صاحب قوم لا سلاح لهم وصاحب الركب عثمان بن عفانا (١)
قال أبو علي (٢): والأكثر الأعرف غير ذلك.
فأما ارتفاع الضمير بهما فقولك: نعم رجلًا زيد؛ والأصل نعم الرجل رجلًا زيد؛ ثم ضمنت "نعم" ضمير الرجل قبل الذكر، وألزمت الكلام ذكر المنصوب معها، مفسرًا لهذا الضمير ليكون لزومه (٣) إياه وتفسيره له بمنزلة
_________________
(١) «أنشد هذا البيت لحسان بن ثابت (٠٠ - ٥٤ هـ ٦٧٤)، ونسب إلى أوس بن مغراء ٠٠ - ٥٥/ ٦٧٥ وقيل هو لكثير النهشلي .. -٧٠/ ٦٩، ويستشهد به على أنه قد جاء قليلًا فاعل نعم نكرة مضافة إلى مثلها وهو رأي للأخفش، ولا يرى سيبويه ولا المبرد هذا الرأي. راجع سيبويه ١: ٣٠١، المقتضب ٢: ١٤١.
(٢) «المقصود أبو علي الفارس، وعبارته في شرح المفصل ٧: ١٣٢: "وذلك ليس بالشائع ولا يجوز ذلك على مذهب سيبويه".
(٣) «في (ب): لزومه المضمر.
[ ١٤١ ]
مذكور في اللفظ، يرجع الضمير إليه، إذ كان المفسر من جنس المفسر.
فإن رفعت بها الظاهر كنت مخيرًا في ذكر هذا المنصوب وترك ذكره، كقولك: نعم الرجل زيد ونعم الرجل رجلًا زيد، فذكره للتأكيد، وحذفه للاستغناء عنه، والشاهد على جواز ذكره قول الشاعر:
تزود مثل زاد أبيك فينا فنعم الزاد زاد أبيك زادا (١)
فأما ارتفاع الأسماء المذكورة بعد فاعل هذه الأفعال، وهي المخصوصة بالمدح أو الذم، كزيد في قولك نعم الرجل زيد، فقد وجهت على وجهين:
أحدهما أن يكون الاسم مبتدأ، وتكون الجملة من "نعم" وفاعلها خبرًا له متقدمًا عليه، ولا يحتاج إلى عائد من الجملة، لأن فاعل "نعم وبئس" يشمله، إذ كان جنسًا له، فهو داخل تحته، فاستغنى بشموله إياه عن ذكر تربط الجملة به.
_________________
(١) «البيت من قصيدة لجرير، يمدح بها عمر بن عبد العزيز ٦١/ ٦٨١ - ١٠١/ ٧٢٠، والشاهد فيه اجتماع التميز والمميز على جهة التأكيد، وأجاز ذلك أبو العباس المبرد والفارسي وجماعة من النحويين. يقصد بقوله أبيك عمر بن الخطاب (٤٠/ ٥٨٤ - ٢٣/ ٦٤٤) ﵁، إذ المعروف أن ابن عبد العزيز من نسله. الديوان: ١٣٥، الإيضاح العضدي ١: ٨٨ شرح المفصل ٧: ١٣٣، اللسان (زود) مغني اللبيب ٢: ٥١٦، شرح ابن عقيل ٢: ١١٦، الخزانة ٤: ١٠٨.
[ ١٤٢ ]
ويدل على قوة هذا القول-أعني كونه مبتدأ-جواز حذفه إذا دل الكلام عليه، كما يجوز حذف المبتدأ لذلك (١)، فمن ذلك قوله تعالى في قصة أيوب ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّاب﴾ [ص: ٣٠] (٢)، ولم يذكره بعد "نعم" ومرفوعها-وهو المخصوص بالثناء-، لدلالة الكلام عليه، إذ كانت القصة مقصورة على ذكره.
والوجه الآخر أن يكون الاسم المخصوص بالمدح أو الذم خبر مبتدأ محذوف؛ وذلك المبتدأ لا يظهر، وتقديره هو، كأنك لما قلت: نعم الرجل، قال لك قائل: من هذا المقصود بالمدح، أو الذم، إن كان ذمًا، فقلت: زيد" [أي هو زيد، ويقوى (٣) هذا القول أنه باب مدح ومبالغة فيه، وكذا الذم فيه، وهما خليقان بتكثير الجمل فيهما، وهذا الوجه، الكلام فيه كما-رأيت-جملتان، والأول جملة واحدة.
فلو حمل هذا الكلام على الوجه الأول لكانت "أن" مبتدأة، وليس من الأصول الابتداء بها، على أنها قد وقعت بعد لولا مبتدأة؛ ولكن لتلك حكم يخصها.
_________________
(١) «في (آ): كذلك.
(٢) «سورة (ص) ٣٨: ٤٤ ﴿وخذ بيدك ضغثًا ، نعم العبد إنه أواب﴾.
(٣) «في (آ) و(ب): ويقوى هذا القول قولهم شد ما أنك ذاهب، وشد من هذا الباب، فاو.
[ ١٤٣ ]
ولا يكون المقصود بالمدح أو الذم إلا من جنس المرتفع بنعم وبئس، فإن وجد كلام ظاهره مخالف لهذا الحكم، فليعلم أن هناك محذوفًا، بذكره يرجع الكلام إلى هذا الأصل المقرر، فمن ذلك قوله سبحانه ﴿سَاء مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأعراف: ١٧٧] (١)، فالتقدير ساء المثل مثلًا القوم؛ والقوم ليس من جنس المثل، فالتقدير ساء مثلًا مثل القوم، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وعلى هذا فقس.
_________________
(١) «الأعراف ٧: ١٧٧ ﴿ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون﴾.
[ ١٤٤ ]