قال سيبويه في تخفيف همز "حوأبة": "حوبة"، واستدل على جواز إلقاء الحركة من الهمز عليها بقولهم في التكسير حوائب. فقال أبو العباس: استدلاله على صحة الواو في التكسير لا وجه له.
قال أبو علي أيده الله: وليس كذلك ألا ترى أن من هذه الحروف اللينة التي تقع قبل ألف الجمع ما لا يصح قبلها ولا يثبت، فما لم يثبت قبلها لم يجز إلقاء حركة الهمزة عليه، وإنما تلقى حركة الهمزة في التخفيف على ما يثبت قبلها دون ما لا يثبت، فلو كسرت موسرًا لقلت مياسير فلم تثبت، كما لم تثبت مع ألف الجمع كذلك لا تثبت مع حركة الهمزة.
ألا ترى أنك لو حققت مثل برأن من جئت لقلت
[ ١ / ٣٢٠ ]
"جوء" ولو خففت لقلت "جيء" فرجعت الياء.
فقد رأيت أن ما لا يصح من هذه الحروف مع ألف التكسير لم تلق عليه حركة الهمزة، وما صح ألقيت عليه حركة الهمزة. فكذلك حوأبة لما ثبتت مع ألف التكسير واوًا جاز أن يلقى عليها حركة الهمزة.
أحمد بن يحيى:
٧٨ - كالبلايا رءوسها في الولايا
ما نحات السموم حر الخدود
٧٩ - صاديًا يستغيث غير مغاث
ولقد كان عصرة المنجود
[ ١ / ٣٢١ ]
قال: وصف النساء [ورءوسهن] في خمرهن بالبلية على قبر الميت: والبلية ناقة تقتل على قبر الميت.
في الجاهلية كان إذا مات الرجل منهم أخذت ناقته وقيدت على قبره وتركت حتى تموت.
والمصرة: الملجأ، مانحات: أي بارزات وجوههن للسموم، والضريح: القبر.
ذهب أبو عمر في كتابه إلى صرف "أحمر" في النكرة، قال: ولو سميت رجلا "أفضل منك" لم ينصرف في المعرفة ولا في النكرة.
[ ١ / ٣٢٢ ]
وذهب أيضًا في قولهم: "هذا رجل أفعل" إلى أنه لا ينصرف مثل قول سيبويه.
قال أبو العباس: إذا خففت همزة "مسوء" فقياس قول سيبويه أن يحرك الواو؛ لأنه يرى أن المحذوف واو مفعول الزائد، وعند أبي الحسن يدغم، يقوله مسو.
قال أبو علي أيده الله: هذا هكذا ألا ترى أن الواو إذا كانت عينًا ألقيت عليها حركة الهمزة وإن كانت طرفًا، وذلك قولهم جميعًا في تخفيف ضوء: ضو فمسو عند سيبويه مثل "ضو"؛ لأن المحذوف عنده واو مفعولٍ.
وفي قول أبي الحسن "مسو" يقلب ويدغم كما تقول "مقروءة".
قال أبو العباس: لو قلت: أي الثلاثة رجلان لم يجز؛ لأنه لا فائدة فيه. ولو قلت: رجلان [تحبهما] ونحو ذلك من الصفة جاز.
قال: ولو قلت: أي الثلاثة رجلان تحبهما أهذا وهذا، أم هذا وهذا،
[ ١ / ٣٢٣ ]
كان جيدًا، قال: ولو قلت: هذا وهذا، أو هذا وهذا، أم هذا وهذا كان جائزًا ضممت الذي كان بقى إلى آخر.
قال أبو علي أيده الله: هذا كما قال، وينبغي أن يكون أحد الثلاثة بـ "أو" كما كتبناه.
أنشد أبو عمر:
٨٠ - يا لعنة الله على أهل الرقم
أهل الوقير والحمير والخزم
[ ١ / ٣٢٤ ]
وحكى أبو عمر عن الأصمعي عن أبي عمروٍ، قال: العرب تنصب في الاختصاص أربعة أشياء ولا ينصبون غيرها: بني فلانٍ، وآل فلانٍ، وأهل، ومعشر، وقال في قوله:
٨١ - تمناني ليلقاني لقيط أعام لك ابن صعصعة بن بدرٍ
قال: وإنما دعاهم تعجبًا من قول لقيط، وذهب إلى أن صفة الندبة لا تلحقها العلامة للندبة، وقال: تقول في البحرين: يا بحر اناه، ويا مسلماناه.
قال أبو علي أيده الله: ينبغي أن يكون "مسلماناه" اسم رجل أو شيء، لأن النكرة لا يجوز ندبتها.
[ ١ / ٣٢٥ ]
قال أبو عمر: وفتحت النون لئلا نلتبس.
قال أبو علي أيده الله: يعني أنك فتحت ولم تكسر فتتبعها الألف كما اتبعته في قولك: "واغلاسكيه"؛ لأنك لو اتبعت الكاف الحرف التبس المذكر بالمؤنث، قال وتقول: واغلام زيداه، فتحذف النون لالتاء الساكنين أو كما قال.
قال أبو علي أيده الله: هذا يحذف؛ لأنه على حذف واحد، ولأنه لا ينفصل من الكلمة. كما أن التنوين كذلك، ولأنه حرف أبدل من النون.
ألا تراهم أيدلوه منها في: رأيت زيدًا، فلما كان كذلك عاقبتهما كما أن ياء غلامي في النداء عاقب/ ٥٩ ب، التنوين في اللغة التي هي أحسن حيث كان على حرف، وحيث عاقبها، ولم ينفصل كما لم ينفصل التنوين، وكان حرفًأ قريبًا منها وحيث ثبتت في المواضع التي تحذف فيها الياء نحو: زيدن الطويل.
فلما كان كذلك كان الأحسن حذفها، ومن هنا كانت (كالتنوين) فقبح عطف المجرور المظهر عليها.
فقال لنا قائل: فهلا عاقبت التنوين علامة الإنكار في قولك: أزيد نيه، ونحو ذلك، لأنها كحرف الندبة؟
[ ١ / ٣٢٦ ]
فأجبنا أن التنوين ثبت لأنه لم يصر به الحرف الذي للإنكار بدلًا من التنوين. ألا ترى أنه ليس بلازم؛ لأنه قد يلحق بمعناه "إن" نتقول: أزيدًا إنيه، فلما كانت "إن" تلحقها وكان حرفًا مأنوسًا بزيادته مع الإنكار بدلالة زيادتهم إياه في: ما إن رأيته كانت كأنها أولى بالموضع من الحرف اللين فثبتت النون معه، وحركت لالتقاء الساكنين.
ولم يكن كالندبة؛ لأنه لا علم لها غيرها، فصارت بدلًا لذلك وإن لم يصر حرف الإنكار.
قال أبو عمر في الندبة: واعمران الظريفان.
قال أبو علي أيده الله: وندبة هذا مشكلة. ألا ترى أن عمران لا يخلو من أن يكون اسمًا لواحد، أو اسم اثنين. فلا يكون اسم واحد وقد وصفه بصفة الاثنين، فإذا لم يجز هذا ثبت أنه اسم اثنين. فإذا كان اسم اثنين صار مثل يا رجل لا يجوز ندبته كما لا يجوز ندبة يا رجل.
ألا ترى أنك إذا ثنيت العلم زال أن يكون علمًا وينكر، فاحتجت أن تعرفه بالألم واللام، وصار بمنزلة رجل في زوال تعريف العلم عنه، وكونه معرفًا بحرف التعريف في الخبر، وبالإشارة إليه في النداء، فكما [لا يجوز أن تندب يا رجل ونحوه في النداء كذلك]، لا يجوز أن تندب يا عمران.
[ ١ / ٣٢٧ ]
ومما يدلك على زوال تعريف العلم من هذا [أنك تصف به الأسماء للبهمة نحو] بهذين الزيدين، ولو كان [فيه] تعريف العلم لم يجز وصف المبهم به.