[كان] سيبويه: يقول في تحقير ملهوى: مليهى.
قال أبو علي -أيده الله- فأقول: إن الذي تحتمله القسمة في هذه المسألة أمران: أحدهما أن تحذف الياءين وتقر الواو المنقلبة عن اللام، أو تحذف اللام وتقر الياءين.
ولا يكون أن تحذف إحدى الياءين وتبقى الأخرى؛ لأنهما [لا] تنفصلان، فأما (يمانى) فنادر. وقد جاء في الشعر:
[ ١ / ٣٣١ ]
٨٣ - (ابن الحواري)
ونحوه، وذا [لا يعول] عليه
فإذا كان كذلك علمت أن الأمر على أحد الوجهين.
فإن حذفت الياءين فلأنهما الكلمة بهما على ستة، وإذا كانت على ستة فلابد من حذف حرف فيحذف الآخر، لأن الميم للمعنى.
فإذا حذفت السادسة وهي الياء الأخيرة لزمك أن تتبعها الأخرى؛ لأنه لا يستقيم /٦٠ ألك أن تفصل إحداهما من الأخرى، فإذا حذفتهما بقى الاسم على أربعة أحرف فقلت: [مليهى] وإن عوضت قلت: مليهى، وفي الكتاب مليهى بتشديد الياء لا غير، ويجوز عندي التشديد إذا عوضت وإن لم تعوض جاز؛ لأن المحذوف ليس برابع فيلزم العوض، إنما هو خامس وإذا كان كذلك كنت بالخيار. وإلى هذا ذهب عندي سيبويه. ألا ترى أنه قال: لما كسرت الهاء -يعني الهاء من مليهى- انقلبت ياء.
[ ١ / ٣٣٢ ]
فهذا يدلك من قوله أن اللام غير محذوفة. ألا ترى أن المحذوفة لا يجوز أن تنقلب.
ومما يقوى هذا المذهب أن الياءين -وإن كنت قد تقول رومى وروم كتمرةٍ وتمرٍ- لا تكون في نية الانفصال؛ لأن الاسم قد يكسر عليهما في حولى وعادية ونحوه.
فإذا كان كذلك لم يكن في نية الانفصال وإن لم يكن في نية الانفصال كانت اللام بمنزلة حرف في تضاعيف الاسم، وإذا كان كذلك فقد جاء الاسم كأنه بني على ستة أحرف، والمبني على ستة أحرفٍ لابد في تحقيره من حذفٍ ليوصل إلى مثال التحقير، فكان حذف الياء الأخيرة أولى من حذف الواو؛ لأنها طرف، ولأنها زائدة والواو ليست طرفًا ولا زائدة ولا ساكنةً، ولأن الياءين ليسا في نية الانفصال لم يجز حذف اللام لالتقاء الساكنين من حيث كان حذفها لالتقاء الساكنين في مصطفين وقاضين؛ لأن حذفها لو كان لذلك مع ما ذكرنا من حال الياءين لكان ملازمًا لكون علامة النسب في نية الاتصال، وليس حذفها في قاضين ملازمًا، لأن علامة الجمع في نية الانفصال بدلالة أنه لا يجوز تكسير الاسم على علامة الجمع كما جاز تكسيره على علامة النسب، فصار المحذوف مع علامة النسب لا ينوي به الثبات والمحذوف مع علامة الجمع ينوي به الثبات.
[ ١ / ٣٣٣ ]
ولو قال قائل: إن اللام في هذا الموضع إذا حقر الاسم تحذف؛ لأن الرسم بمنزلة ما يجتمع فيه ثلاث زوائد إن حذفت إحداها لزم حذف أخرى، وإن حذفت واحدة منها لم يلزم حذف الأخريين، فإنك تحذف التي إذا حذفتها لم يلزمك حذف أخرى معها نحو: اقعنساسٍ ألا ترى أنك لو حذفت الألف قلت: قعينس فخدمت بعدها إحدى السينين، فإذا حذفت النون قلت: قعيسيس فلم يلزمك إلا حذف زيادة واحدة.
وكذلك في ملهوى لما كنت إن حذفت الياء التي هي لام لم يلزمك حذف في الزيادتين الأخريين، وإن حذفت إحدى الزيادتين لزمك حذف الأخرى لزمك أن تحذف اللام لتبقى الزيادتان جميعًا.
فإن قلت: ثم ثلاث زيادات، والواو في ملهوى ليست بزيادة إنما هي أصل فكيف عدلتها بالزيادة، وكيف صح هذا التشبيه؟
فإن الواو وإن كانت ليست بزيادة فإنها تشبه الزيادة. ألا ترى أنها ليست من أصل الكلمة، كما أن الزيادة ليست من أصلها، أو لا ترى كيف
[ ١ / ٣٣٤ ]
اجتمع آدم وصارت في قلب [إحدى] ألفيهما إلى الواو، فكذلك هنا.
ويؤكد ذلك أن هذه اللام قد سووى بينها وبين الزائد. ألا ترى أنك تقول على قول الخليل -وإن كان مضعفًا- ملهى، كما تقول: حبلى، أو لا ترى أنها خامسة لا يفصل بينها وبين الزائد في الحذف في مرامي وحبارى في باب فيه الإضافة.
فلما سووا بين الزائد والأصل في هذه اللام بعينها، كذلك ساويت أنت بينها وبين الزائد في تحقير ملهوى فحذفتها كما يحذف الزائد مع الزائدين وأجريتهما مجرى الزائد في أن حذفتها.
[ ١ / ٣٣٥ ]
ويقوى هذا أيضًا أنك قد حذفت العين في الإضافة لما كانت على لفظ الزائد. ألا ترى أنك تقول في تحيةٍ: تحوى. وقال سيبويه: تحذف منها أشبه ما فيها بياء عدىٍ فإذا استجزت ذلك في العين التي هي أقوى من اللام فاستجازته في اللام أجدر، فإذا حذفت اللام صار [الحرف] اللين رابعًا، والياء الثانية خامسةً، ولم يجز الحذف على هذا الحد كما لم يجز في "دينار"، ولأن هاتين الياءين ياءا نسبٍ ولا يكون أن تحذف إحداهما وتدع الأخرى.
فهذا ما يحتمله هذا عندي -والأولى قول سيبويه عندي لما أعلمتك وكأن هذا القول الثاني لأبي عثمان؛ لأن أبا العباس حكى عنه هذا الكلام [وقرأت]-بعد ما كملنا هذه المسألة- هذين الوجهين اللذين كتبناهما وهو.
وأما واو ملهوىٍ، وحبلوىٍ فقلبتا في التصغير، ثم حذفتا لالتقاء الساكنين، ولمن قال بالقول الثاني أن يقول: إن الياءين لما كانتا تدلان على معنى لم يجز حذفهما كما لم يحذف الميم في مغتسل، ويؤكد ذلك أن حذف حرفين إذا كانا لمعنىً إخلال متنكب. ألا ترى أن من قال في
[ ١ / ٣٣٦ ]
"قرقرى": قريقر لم يقل في "عنصلاء" ونحوه إلا بالإتمام.
ياءا النسبة في امتناع الحذف كألفي التأنيث.
وهذا كلام أصبناه عن أبي العباس.
قال أبو العباس: المازني يوافق أصحابه وجميع النحويين في تحقير "عدوىٍ" إذا لم يكن اسم رجل فيقولون: كلهم "عديىٌ"، فيقول كما يقولون؛ لئلا يلتبس بتصغير غير المنسوب إليه لو حذف علم النسبة، فإذا سمي به رجلًا حذف ياءي النسبة، ويقول: لأن هذا علم/ ٦٠ ب، وقد زال اللبس.
قال أبو العباس: ليس هذا شيئًا، لأنه يحتاج إلى الفصل بين التسمية بالمنسوب والمنسوب إليه، كما احتيج إلى الفصل في النسبة، وقال: وأما واو ملهوىٍ، وحبلوىٍ (فقلبتا) ياءين في التصغير، ثم حذفتا لالتقاء الساكنين.
قال أبو علي -أيده الله-: قول أبي العباس ليس بشيء، وذلك أن ياءي الإضافة إذا حذفتا لم تدل على ما يراد منهما، وليس كذلك العلم لأن العلم ليس يراد منه هذا المعنى.
[ ١ / ٣٣٧ ]
ألا ترى أن النحويين يمنعون من الإضافة إلى "اثنى عشر" إذا كان عددًا؛ لأنك إن قلت "اثنا عشرى" لم يجز وإن حذفت لم يدل، فإذا كان علمًا أجازوا الحذف والنسب إليه، فلم يراعوا في باب الدلالة من العلم ما راعوا في غيره، وإذا لم يراعوا ذلك في "اثنى عشر" كان أن لا يراعوا ذلك في المنسوب أجدر؛ لأن المنسوب قد يكون على لفظ النسب ولا معنى تحته، وتحت "عشرة" معنى يحيل الدلالة عليه بحذفه، ويلتبس أيضًا برجل سميته بـ "اثنين" دون "اثنى عشر". فقد علمت أن اعتراضه ساقط. ألا ترى أن أبا عمر أجاز في ندبة "البحران" "يا بحراناه" ففتح النون وقال لأن هذا لا يلتبس من حيث كان في العلم.