قال [أبو علي -أيده الله-: كان] أبو بكر يقول -في قولهم-.
"هذا معطى زيدٍ الدرهم أمس": إن "الدرهم" ينتصب بمضمر يدل عليه "معطى"، ولا يكون أن ينتصب بـ "معطٍ"، لأنه ماض.
وهذا كما كان يقوله في قوله "وكانوا فيه من الزاهدين" إن "فيه" متعلق بمحذوف يدل عليه قوله "من الزاهدين".
ألا ترى أن كل واحد من المعمولين لا يصح أن يعمل فيه العامل الظاهر.
وكان يقول -أيضًا في قولهم-: "أنا زيدًا غير ضاربٍ" أنه ينتصب بمضمر يدل عليه هذا المظهر.
ألا ترى أن "ضاربًا" لا يجوز أن يعمل فيه؛ لأنه مضاف إليه، والمضاف إليه لا يجوز تقديمه على المضاف.
يدل على ذلك أن الناس جميعًا لم يجيزوا: "أنا زيدًا مثل ضاربٍ".
قال أبو بكر: وكان شيخنا يحمل هذا على المعنى، قال: كأني قلت:
[ ١ / ٥٤١ ]
أنا زيدًا لا ضارب؛ لأن "غيرا" بمعناها، قال والقول عندي فيه أنه على فعل مضمر.
قال [أبو علي -أيده الله-]: ونظير هذا عندي أنا قوله "إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله" "من" وما بعدها من الجملة التي هي استفهام في موضع نصب بفعل دل عليه "أعلم".
ألا ترى أن "أعلم" لا يجوز أن يعمل عمل الفعل.
فإن قلت: فكذلك تقول في قوله: "إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله"؟.
فإنه عندي قد يجوز أن ينفصل من هذا؛ لأن ما لا يتعدى من العوامل بلا حرف قد يتعدى بحرف.
ألا ترى أنك تقول: ذهب، وذهبت به، فتعديه بحرف، وتقول: "هذا مار بزيدٍ أمس" فتعديه بالحرف وإن كان لا يتعدى بغير حرف.
فكذلك قد يتعدى "أعلم" بحرف وإن كان لا يتعدى بغير حرف كما أن اسم الفاعل كذلك.
فأما "من" في قوله "أعلم بمن ضل عن سبيله" فليست كـ "من" في قوله "أعلم من يضل عن سبيله"؛ لأن "من" في "أعلم" استفهام
[ ١ / ٥٤٢ ]
كما أنها في قوله "فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه" و"فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار" وقوله "إن الله يعلم ما يدعون من دونه" ونحو ذلك استفهام، والجعل في مواضع نصب، وليست في قوله "أعلم بمن ضل عن سبيله" باستفهام؛ لأن ما قبل الاستفهام من الفعل لا يضاف إلى الاستفهام بالحرف كما لا يعمل فيه بغير الحرف. ألا ترى أنه لا يجوز: "أحسن ممن أنت" فكما لا تضيف "أحسن" يعني إلى "من"؛ لانقطاع ما قبل الاستفهام عن الاستفهام كذلك لا يجوز أن تكون "من" استفهامًا، وتضيف إليها "أعلم" بالباء. فإذا لم تكن استفهامًا كانت موصولة. يدلك على ذلك عطف المؤقت عليها وهو قوله "وهو أعلم بالمهتدين" فالصلة في التوقيت مثل "المهتدين".
فإن قلت: ما الدليل على أن "ما" في هذه الآي استفهام وما تنكر من أن تكون "علمت" في الآي بمعنى عرفت؟
فإنه لا يمتنع ذلك إلا أن حملها على العلم أسبق إلى النفس؛ ولذلك حملها النحويون على معنى العلم في هذه الآي.
[ ١ / ٥٤٣ ]
"فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون" فإن "يبصرون" لم يصل إلى "أيكم" بالباء؛ لأن "أيكم" لا يكون إلا استفهامًا هنا، ولكن "يبصرون" -فيما ذهب أبو عثمان إليه- وقف، و"بأيكم" متعلق بما بعده مما هو في حيز الاستفهام.
فإن قلت: فبم يتعلق مما قبله [بعده]؟
فإن في ذلك خلافًا: فأبو عبيدة/ ٦٩ ب يقول: الباء زائدة، كأن المعنى عنده "أيكم المفتون".
وقال أبو [العباس] "بأيكم فتن المفتون".
وقال أبو [الحسن]: المفتون: الفتنة، كأنه قال: "بأيكم الفتنة"
[ ١ / ٥٤٤ ]