قال أبو علي: فيما ذكر أنه فات سيبويه من الأبنية "كُذُّبْذُبٌ"،
[ ١ / ٦٦٦ ]
وقد رأيته في نوادر أبي زيد وأملاه علينا أبو بكر، ولم أجد له نظيرًا في كلامهم.
ألا ترى أنك لا تجد ما قد كررت عينه مرتين: أحدهما مفردة والأخرى مع اللام، فإن قلت: إنه مثل "مَرْمَرِيسٍ" في الشذوذ من جهة أن التكرار في العين مع الفاء لم [يوجد] إلا في ذا الحرف.
[ ١ / ٦٦٧ ]
فهو قول، إلا أنهما وإن اتفقا في الشذوذ، فما شذا فيه مختلف؛ لأن العين في "مَرْمَرِيسٍ" لم تتكرر مرتين كما تكررت في "كُذُبْذُبٍ" وإنما تكررت مرة كما تكررت كذلك مع اللام في "صَمَحْمَحٍ" ونحوه.
٧ - باب
إن قلت: كيف جاز في قول [يه] أن تجعل "أنَّ" الثانية في قوله "أيعدُكمْ أنكمْ إذا متم وكنتم ترابًا وعظامًا أنكم مخرجون" بدلًا والأول لم يتم، والبدل لا يصح إلا بعد تمام المبدل منه؟
والدليل على أن الأول لم يتم أن ما بعده من اسم الزمان الذي هو "إذا" لا يكون خبرًا لـ "أنكُمْ": لأن ظروف الزمان لا تكون أخبارًا للأشخاص، وإذا كان كذلك فالخبر لم يتم وإذا لم يتم الخبر لم يجز البدل.
[ ١ / ٦٦٨ ]
[ ١ / ٦٦٩ ]
إن الكلام لما طال حسن الحذف.
والتقدير الذي يحتمله هذا الكلام حتى يتم ويصير بحيث يصح البدل منه لا يخلو من ثلاثة أوجه:
١ - أحدها: أن يكون أريد بـ "أيعدكم أنكمْ" أيعدكم، إخراجكم، أو أن بعثكم، أو "حشركم" أو نحو ذلك، فحذف وأقيم المضاف إليه مقامه.
٢ - أو يكون "أنكُمْ" على ظاهره لم يحذف المضاف إليه منه، ولكن يضمر خبر [أيعدكم أنكم] كأنك تريد أيعدكم أنكم تبعثون إذا متم "فيكون تبعثون المضمر خبر "أنكمْ" وتكون عاملة في "إذا" وموضع "إذا" نصب به ويكون قد سد مسد جوابها، فإذا كان كذلك تم وصح البدلُ.
٣ - أو يكون الإضمار واقعًا بعد "إذا"، لأن "إذا" شرط، والشرط [يقتضي] الجزاء، فإذا ذكرت أحدهما دل على الآخر كما أن المبتدأ يدل على
[ ١ / ٦٧٠ ]
الخبر، فكأنه "أنكمْ إذا متمْ بعثتم، أو أخرجتم، أو نُشرتم" فيكون "إذا" في موضع نصب به، ويكون الخبر أعني خبر "أن" قد تم به.
والوجه الذي قبل هذا أسوغ وهو أن تقدر المحذوف قبل "إذا" فيصح به الخبر ويتعلق "إذا" به فيتم الكلام ويصح الخبر فيستقيم البدل فإذا تم الخبر جاز البدل لتمام المبدل منه.
ويكون التقدير: "أيعدُكمْ أنكمْ نشركُمْ إذا متمْ أنكمْ مخرجون". فتبدل الإخراج من النشر، لأن الإخراج نشر، وفي هذا دلالة أن النشر بعد الموت.
ألا ترى أنك إذا قدرت "أيعدُكمْ أنكم تُنشرون إذا متم" فكأنك قلت: "أيمدكم أنكمْ تنشرون إذا متم نُشرتم" فالنشر بعد الموت، وكذلك الإخراج الذي هو بدل منه يعلم أنه بعد الموت كما قال سيبويه.
فأما قول أبي الحسن: إن المعنى أيعدكم أنكمْ إذا متمْ
[ ١ / ٦٧١ ]
[إخراجكُمْ] وأنه مرتفع بالظرف كأنك قلت: أيعدكم يومالجمعة إخراجكم ففيه من التجوز أنه لم يأت لـ "إذا" بجواب، وليس "إذا" كيوم الجمعة؛ لأنها تقتضي جوابًا.
والأولى لا يخلو خبرها من أن يكون "إذا" هذه، أو شيء مضمر، أو استغنى بما عاد عليه من الذكر من "إخراجكم" و"إذا" لا يخلو من أن يكون لها جواب أو لا جواب لها. فإن كان لها جواب [فماذا هو وبيض] كأن التقدير: أيعدكم أن إخراجكم إذا متمْ [وإنما] لم تقتض جوابًا في اللفظ؛ لأنها لا تكون أكثر من أقوم إنْ قمتَ.
/٧٤ أوإذا كان التقدير "أيعدكم أنكُمْ إذا متم إخراجكم" اقتضت جوابًا؛ لأنها بمنزلة "إنْ قام زيدٌ، فزيدٌ" بمنزلة إخراجكم في أنه معمول للشرط ومتأخر عنه، فـ "إذا متم إخراجكم" في اقتضائه للجواب بمنزلة إنْ قام زيدٌ.
[ ١ / ٦٧٢ ]
[رجع نحو الحاشية]، وقول أبي عمر: إنها للتكرير نظيره عندي قوله "لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا"، ثم قال "فلا تحسبنهم بمفازةٍ" قبل أن يُذْكَر المفعول الثاني فهذا يدل أنه تكرير للتراخي إذا كان المفعول الثاني لم يجيء بعدُ.
ومثله في قول أبي بكر "واختلافِ الليل والنهار آياتٌ" ومثله على قول الجرمي "ألمْ يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم" كأنه عنده "ألم تعلموا أنه من يحادد فله" وكرر "أن" للتراخي.
[ ١ / ٦٧٣ ]
ودليله على هذه الأشياء أنها تكرير أنها لا يخلو من أن [تكون تكريرا] أو بدلًا، أو رفعًا بالظرف، والبدل لا يجوز؛ لأن المبدل منه لم يتم.
أل ترى أن خبر "أنكم إذا متمْ" لم يتم، وكذلك "أنهُ مَنْ يحادد الله ورسوله" لا يصح بدل "أن" التي بعد الفاء منه؛ لأن الشرط والجزاء خبر "أن" الأولى ولم يجيء جزاء الشرط بعدُ، فإذا لم يجيء جزاؤه لم يتم، وإذا لم يتم لم يصح البدل منه.
والرفع بالظرف في قوله "فأن له" لا يصح. ألا ترى أنه ليس هنا ظرف مذكور فيُرْفَعُ به.
فإن قلت: أضمر ظرفًا أرفع به.
[ ١ / ٦٧٤ ]
قيل لك: إذا كان من الظروف الظاهرة ما لا يُرْفَعُ به نحو "بعدُ" في قوله "أما بعد فإن الله قال في كتابه" فأن لا يُرْفَعَ بالمضمر أولى.
وأما رفع الظرف الذي هو "إذا" في الآية الأخرى فإنه لا يصح أيضًا، لأنه لم يُذْكَرْ له جوابٌ وهو يقتضي جوابًا، فإذا لم يكن له جواب لم يتم، وإذا لم يتم لم يرفع به كما لا يرفع بـ "بعدُ" لما لمْ يعمْ.
فإذا لم تجز هذه الأشياء كان على التكرير.
وأما قول سيبويه في قوله: "ألَمْ يعلموا أنه من يحادد الله
[ ١ / ٦٧٥ ]
ورسوله فأن له" إن قلت: كيف جاز أن تبدل الثانية من الأولى ولم يتم خبرها؟
قيل إذا مضى الشرط والفاء التي تكون جوابًا، فكأن الكلام قد تم كما كان في المسألة الأولى مقدرًا تامًا للدلالة الشرط على الجزاء، فكأنك إذا ذكرت أحدهما فقد ذكرت الآخر؛ لتعلقه به، واقتضائه له، ودلالته عليه فكأنه قال: أنه من يحادد الله ورسوله يعذب. فحسُنَ البدل من حيث كان المتقدم من الكلام لو لم يُذكر الجزاء معه البتة، وكان في الكلام دلالة عليه [لكان تامًا] جائزًا. ألا ترى أنك لو قلت: أنتَ ظالمٌ إنْ فعلتَ حذفت الجزاء البتة.
فلما كان هذا لو لم يذكر معه جزاء البتة لكان يستغنى بما في الكلام من الدلالة عليه، وكان قوله "أنه من يحادد الله ورسوله" معلوم الجواب عند المسلمين، ولم يكن كسائر الشروط التي قد لا يعرف جزاؤها حتى نذكر، صار في تقدير المذكور الجواب للعلم به، ولما عُلم تم الخبر، ولما تم الخبر صح البدل [هـ].
[ ١ / ٦٧٦ ]
ويجوز أن يرتفع عند أبي الحسن بظرف مضمر بعد الفاء كما يرتفع بظرف مظهر في الآية الأخرى. ووجهه أن "أنَّ" لا يبتدأ بها ولا يصح أن تكون بعد الفاء مبنية على فعل، لأن الفعل لا يقع بعد الفاء، وإذا لم يقع الفعل بعدها لم يخل من أن يكون مبنيًا على ظرف أو اسم، فإن جعلته مبنيًا على اسم كان التقدير: "فجزاؤه أن له، أو حقه أن له". وإن بنيته على الظرف كان "فله أن له" وإن رجحت بأنه قد بنى "أن" عليه كثيرًا نحو: "غدًا أنك راحلٌ"، ويومَ الجمعةِ أنك خارجٌ" وأن ذكر الظرف في الصلة دل عليه، وأغنى عنه كما أن ذكر الفعل في صلة
[ ١ / ٦٧٧ ]
"أنَّ" بعد "لو" أغنى عن الفعل وكما أن خبر "أنَّ" لما جرى في صلتها أغنى عن خبر "ظننتُ" في قولك: ظننتُ أن زيدًا منطلقٌ، كذلك لما جرى في صلتها هنا الظرف أغنى عن إظهاره، وإن كان الكلام يصح بتقديره فصار الظرف لذلك إضماره أولى من الاسم، لأن دلالة اقتضاء الكلام لِما يتم به تتجه على الظرف كما يُتجه على الاسم وقد رجح الظرف في أن في اللفظ دلالة عليه وما كان عليه دلالتان أقوى مما عليه دلالة واحدة.
وقد قال أبو الحسن في كتابه في القرآن في هذه الآية أعنى "أنه من يحادد" الآية وقوله "أنه من عمل منكم سوءًا بجهالةٍ" الآية "فأنه غفورٌ رحيمٌ" فقال: يشبه أن تكون الفاء زائدة كزيادة "ما"، وتكون "أن" التي بعد الفاء بدلًا من "أنَّ" التي قبلها، وأجاز أن تكسر "أنَّ" وتجعل الفاء جواب المجازاة فأجاز البدل كما أجاز سيبويه.
فأما زيادة الفاء مع الجزم بالجزاء فيعيد عندي ممتنع ولكن الوجه ما قدمناه.