الإعراب تغير أواخر الكلم، وإختلافها بإختلاف العوامل. والبناء خلاف ذلك فالمعرب من الكلم الثلاث، الإسم، والفعل. فأما حروف المعاني، فكلها مبنية، وما تختلف به أواخر الكلم للإعراب: الحركة، أو السكون أو حرف غير حركة. فالحركات على ضربين: حركة ظاهرة في اللفظ مسموعة منه. وحركة منوية، غير خارجة إلى اللفظ.
والحركات الظاهرة التي تكون للإعراب: الرفع، والنصب، والجر والسكون -هو الجزم- نحو: لم يذهب.
والأسماء على ضربين: معرب، وغير معبر. فالمعرب منها ما كان متمكنًا، وهو الذي لم يشابه الحرف، ولم يتضمن معناه. وهي أسماء الأنواع الأول، أو ما اشتق منها للصفات، ونحوها، أو ما كان منقولًا عن ذلك للأعلام المخصوصة، فالمنقول بحسب المنقول منه. وهو إما إسم غير صفة كأسد، وكلب، وحمار، وزيد،، وفضل. وأما إسم صفة كحارث، وعباس، وحسن، وسهل، وربما استغنوا ببعض الأسماء التي تجري مجرى الأسماء الأعلام من إسم النوع. فهذا جمهور أقسام الأسماء المتمكنة. وهذه الأسماء المتمكنة على ضربين: منصرف وغير منصرف.
[ ١٠٩ ]
فالمنصرف ما لم يشبه الفعل فدخلته الحركات الثلاث مع التنوين، وذلك نحو قولك: هذا رجل. ورأيت رجلا. ومررت برجل قبل.
وغير المنصرف ما كان ثانيا من جهتين، ومعنى ذلك أن يجتمع فيه ثقلان، وسببان من هذه الأسباب التسعة وهي: وزن الفعل، والصفة، والتأنيث، والعجمة، والعدل، (والمعرفة)، والجمع، وأن يجعل إسمان إسمًا واحدًا، وأن يكون في آخر الإسم ألف ونون زائدتان. فمتى اجتمع من هذه الأسباب سببان في إسم، منعاه الصرف، فلم يدخله الجر، والتنوين كما لم يدخلا الفعل. فإن أضيف شيء من ذلك، أو دخله الألف واللام، أنجرَّ لزوال شيبه الفعل لذلك، وأمن التنوين، وذلك قولك: مررت بالأحمر، وابن عيهل. فإن قلت: إذا كان السببان من هذه الأسباب، إذا اجتمعا، منعاه الصرف فهلا لم تصرف نحو طويلة، وقائمة، وشديدة في الكسرة للتأنيث، والوصف اللذين اجتمعا فيها؟ فالقول في ذلك: أن أحد السببين لم يلزم الإعتداد به. وإذا لم يلزم ذلك، كان الذي يبقى سببًا واحدًا، وهو لا يزيل ما للإسم من التمكن فيخرج به إلى شبه الفعل. ويدلك على أن التاء لا يلزم الإعتداد بها إنها غير لازمة للكلمة في حال تذكيرها، لأنه ليس فيها ما/٩ ب (يحظرها) ويمنع من إسقاطها، وما لم يلزم من الحروف، وكان قلقا في مكانه، وموضعه لا يعتدون به. ألا ترى أن الواوين إذا وقعتا أولا في التحقير والتكسير وغيرهما، ألزم الأولى منهما القلب، وذلك قولك في تحقير (واصل) وتكسيره (أو يصل) و(أواصل) وعلى هذا قوله:
[ ١١٠ ]
٩٠ - ضربت صدرها إلّي وقالت
يا عديا لقد وقتك ألا واقي
وقالوا: التولج. وقال:
٩١ - متخذًا من عضوات تولجا. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فأبدل من الأولى (التاء)، كما أبدل منها الهمزة في (أواصل) وفي التنزيل: ( ما وورى عنهما من سوءاتهما )، فلم يبدل الأولى منهما، حيث كانت الثانية غير لازمة. ألا ترى أنك إذا بنيت الفعل للفاعل، إنقلبت ألفا، فلما لم تلزم الثانية هنا لزومها في الباب (لم تلزم) الأولى منهما القلب إلا على حد (اقتت). ومن ذلك أيضًا قوله في (بيضة) و(جوزة) بتحريك العين، لم يقلبوا العين ألفا، وإن كانت في موضع حركة. كما انقلبت في دارات، وساعات، لأنَّ الحركة غير لازمة. فلما لم يلزم، كان الحرف في حال كونها فيه بمنزلة ساكنا، ومن ذلك قولهم في تخفيف موألة، وحوأبة وجيئل: موله، وحوبة، وجيل. فصحت حروف العلة حيث كانت الحركة فيهن لحروف غيرهن. ومن ذلك قولهم في تخفيف ضوء: ضو، فتحرك الواو (لأنها) صحت طرفا مع سكون ما قبلها، حيث كانت الحركة غير لازمة.
ولو كانت لازمة، لم يسغ هذا. ألا ترى أن باب (عصا) و(رحى)، لا يصح في شيء منه حرف العلة؛ فكما أن هذه الأشياء وغيرها مما لم يذكر، لا يعتد بها
[ ١١١ ]
لأنها غير لازمة، كذلك، لم يلزم الإعتداد بالتاء في هذا الضرب من النكرة. فإن قال قائل: فهلا صرف في المعرفة أيضًا وفيه هذه التاء -كما قلتم- إنه لا يعتد به في النكرة؟. قيل لزم الإعتداد به في المعرفة، وإن لم يلزم ذلك في النكرة، لأنَّ التسمية تحيل الإسم وتحظره فيمتنع من إسقاط شيء منه، وقت التسمية، وهو فيه، كما يمنع من أن يضم إليه ما ليس منه. وإذا كّان كذلك، كان معتدًا بهذا، وإذا إعتد به، إنضّم إلى السبب الآخر، فمنع الصرف، كما يمنع الصرف الرابع من بنات الأربع إذا كان الإسم مما غلب عليه التأنيث نحو: عقرب وعناث، ومن أجل ما ذكرت لك من حظ التسمية إسقاط التاء ما لم يجز النحويون في نحو: طلحة، أن يجمع إذا كان إسمًا لمذكر بالواو وأّلنون. ألا ترى أنه لو جمع به، كان لا يخلو من أحد أمرين. أما أن تثبت التاء مع حرف الجمع فيجمع بذلك بين ما لا يجتمع، ويعاقب أحدهما الآخر، أو تحذف التاء، وحذفها غير سائغ للتحريف، وبعد الإسم عما سمي به، ولا يلزم إذا (جمع) بالألف والتاء، لأن التأنيث المجتلب، يصير بدلًا من المحذوف، فكأنه لم يحذف، ومع ذلك فلم يجز جمع بيّن تأنيثه.
وقد أجاز البغداديون جمع هذا الضرب من الأسماء بالواو والنون على ضعف عندهم. ووجه فساده ما قدمناه ذكره. والذي ثبت به الاستعمال أيضًا خلاف ما أجازوه. ألا ترى أنهم حين جمعوا طلحة إسم رجل. قالوا: طلحات وعلى هذا قول الشاعر:
[ ١١٢ ]
٩٢ - نصرّ الله أعظما دفنوها
بسجستان طلحة الطلحات
فلما ثبت استعمال بخلافه، ودفعه القياس، لم يكن لإجازته وجه، واستدلوا على إجازتهم ذلك بما أنشده، أحمد بن يحيى:
٩٣ - وعقبة الإعقاب في الشهر الأصم
هذا أن سلم أنه جمع (عقبة) مع إحتماله غير ذلك، فليس فيه ما يدل على جواز جمعه بالواو، والنون. ألا ترى أنه ليس كل ما يجمع مكسرا، يجمع بالواو والنون. فإن ما له وجه الدلالة في ذلك أنه حذف التاء في هذا التكسير، وإن كانت التسمية وقعت بالإسم وهي فيه، فكما جاز حذفه في هذا التكسير، كذلك يجوز الحذف مع الواو والنون؟. قيل: لا يجوز جمعه بالواو والنون من حيث جاز تكسيره على هذا الحد، وإن اجتمع الجمعان في حذف التاء منهما. ألا ترى أنك إذا كسرت، عاقبت الإسم بالتكسير، وتأنيثه الذي كان يكون في الواحد، فصار لذلك بمنزلة الجمع بالألف والتاء. فكما جاز الجمع بالألف والتاء، لأنَّ دلالة التأنيث لا تخترم فتصير بذلك كأنها ثابتة فيه، لذلك جاز التكسير لما تعاقب الإسم به في التأنيث. وليس الجمع بالواو والنون كذلك. فإذا لم يكن مثله ولم يعاقب الإسم به تأنيث، كما عاقب بالتكسير، لم يجب جوازه في الإسم من حيث جاز التكسير. فإذا كان كذلك، لم يكن في هذا الذي أورد هذا دلالة على إجازة مما أجازوا. مما يدل على حظر الكلمة بالتسمية، وتقدير الحرف/ ١٠ آفيما كان ثابتًا فيه إمتناع تقدير ما لم يكن داخلًا عليه قبل التسمية فيه وذلك نحو: ارطى،
[ ١١٣ ]
ومعزى، ولو سميت بهما مذكرًا، لم تصرف للتعريف، وأن الألف شابهت في حال التسمية، ألف التأنيث لزيادتها. وإمتناع التاء من الدخول عليه يحظر التسمية كإمتناعها من الدخول على ألف التأنيث. ألا ترى أنّك إذا سميت بأرطى، إمتنع دخول التاء على الإسم، ولم يجز كما كان يجوز في حال النكرة، فأشبه حبلى. فكما إمتنع من أجل التسمية دخول ما كان يدخله قبل، كذلك يمتنع سقوط ما كان يسقط قبل. فإذا لزم ثباته، لزم الإعتداد به، فصار السببان يمنعان في (طلحة) الصرف، وإن لم يكن أحد السببين في (قائمة) معتدًا به. ومثل ألف الإلحاق فيما ذكرت لك من أن التاء تمتنع من الدخول عليه للتسمية.
الألف والنون في عثمان وعريان يصيران كاللتين في عطشان، لإمتناع التاء من الدخول عليهما في حال التسمية وللتسمية. كأمتناعها من الدخول في باب عطشان ونحوه، كما في باب أرطى في التسمية كباب حبلى كذلك صار نحو: سرحان، كنحو عطشان.
فأما مساجد ونحوه: فيما يمنعه من الصرف أنه جمع، وأنه ليس في أبنية الآحاد مثله، فإن قلت: فهلا لم ينصرف نحو: أفعال، وأفعل أيضًا لأنهما جمعان، وليس في أبنية الآحاد مثلهما؟. قيل: إنَّ أفعالًا، وأفعلا، يشبهان الواحد. ألا ترى أن أفعالًا جرى وصفا على المفرد نحو: (ثوب أكياش)، (وحبل أرمام، واقطاع). وقال (تعالى) ( نسقيكم مما في بطونه ) وقد تقدم ذكر (الأنعام) وقد كسر (هو) وأفعل تكسير الآحاد نحو: أبايت. وأراهط، وقربها من الآحاد أيضًا في المعنى فلما كان كذلك، لم يكونا كباب مساجد. ويدلك على أن
[ ١١٤ ]
كونه خارجًا من أمثلة الآحاد الأول، ثقل، وسبب مانع، أنه إذا وقع وافق بناء الواحد، إنصرف، وذلك نحو: الكراهية، والطواعية، وحمار حزابية. فمن ها هنا صرف نحو: صياقلة، وزنادقة. فإن قلت: (فهذا) امتنع لمكان التأنيث المعاقب لذلك البناء الأول المختص به اجمع، فإنَّ ذلك ليس بسؤال على ما قدمت ذكره لك. فهذه الأسماء التي لا تنصرف تنفتح الأواخر منها في موضع الجر. وهذه الحركة التي هي الفتحة في موضع الجر حركة إعراب، وليست حركة بناء. يدلك على ذلك أنّ البناء لا يوجد في شيء من الأسماء، إلا لمشابهة الحرف، ولا شيء في هذا الإسم من مشابهة الحرف. وإذا كان كذلك، لم يسغ الحكم ببنائه.
وكانت الحركة للإعراب، فإن قلت فإنَّ الأسماء المفردة المعربة تجرى متمكنة في أحوالها الثلاث، ولا يمنعها ذلك أن تبنى في النداء فكذلك ما تنكر أن يجرى الإسم غير المنصرف معربًا في موضع الرفع، والنصب، ويبنى في الجر؟ فإن بناء ذلك في الجر لا يستقيم من حيث بني المفرد، المعرفة في النداء. ألا ترى أنها في هذا الباب، واقعة موقع ما يغلب عليه شبه الحرف. وهو جار مجراه، وهي الأسماء المضمرة الموضوعة للخطاب. والحرفية على هذه الأسماء أغلب في معنى الإسم. ألا ترى أن كل موضع يكون فيه إسمّا،، لا تنفك فيه من شبه الحرف. وقد تتجرد حروف، ولا معنى إسم فيها، فيعلم بهذا أن كون معنى الحرف منها أعم وأغلب. فإذا وقعت الأسماء المفردة المعرفة موقعها، وجب بناؤها، كما أن سائر الأسماء ما وقع منها موقع الحرف، وسد مسده وجب بناؤه. ويدلك على أنَّ هذا الإسم معرب في هذه الحال غير مبني فيها، أنَّ هذه الحركة، وجبت فيه بعامل. والحركات اليت تجب بعوامل لا تكون حركات نباء. ولو جاز مع الجر بها بالعامل أن تكون حركة بناء، لجاز ذلك في سائر حركات (الإعراب)، فإمتناع ذلك في غير هذا الموضع، دلالة على أن الحكم بها ها هنا فاسد. فإن قلت
[ ١١٥ ]
فقد قالوا: لا رجل عندك. وهذه الحركة حركة بناء، وهي موجودة مع عامل قد عمل ذلك فيه. فما تنكر مثل ذلك في ما لا ينصرف في حال الجر؟، قيل: إنَّ العامل هنا لم يعلم حركة بناء، وإنما نصب الإسم نصبًا صحيحًا. ألا ترى: أنَّ سيبويه قد قال: أن (لا) تنصب ما بعدها كنصب (أن) لما بعدها. وبذلك على أنها نصبت الإسم.
إنّ الإسم المنفيَّ بها إذا كان مطولًا، أو مضافًا؟ ظهرت فيه فتحة النصب، كقولك: لا خيرًا من زيد. ولا أمرًا يوم الجمعة لك، فنصبها للمفرد على حد نصبها لهذا المطور. والموجب للبناء فيه غير الموجب للإعراب، وهو جعلهم الإسم مع (لا) كالشيء، الواحد. فهذا الذي هو المعنى الواجب للبناء. وإذا جعلت كلمتان كلمة واحدة، فهم مما يبنونهما على الفتح وذلك كضمهم الإسم إلى الإسم في الموضع الذي يدخلهما مع الحرف وكضم /١٠ ب الصوت إلى الإسم، أو الفعل إلى الإسم في قول النحويين، والحرف إلى الفعل، والحرف إلى الإسم، والصوت إلى الصوت، فهذه الأنواع مع إختلافها يغلب عليها البناء، فلما بنى إذا ضم الصوت كذلك، بنى إذا ضمّ إليه الحرف في هذا الباب فهذا هو المعنى الموجب للبناء. ألا ترى أن حركة البناء حدثت بعامل. إلا أنَّ حركة البناء في هذا المبني هي الحركة التي كانت تكون للإعراب في هذا المبنى قبل حاله المفضية به إلى البناء. ونظيره في هذا المعنى (قوله):
يا بان أم. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ١١٦ ]
فيمن جعلها اسمًا واحدًا. فإن قلت: فقد اتفقت الحركتان، وصارت في حالتين مختلفتين على صورة واحدة. وهذا مما يكون في المبنى. ألا تراهم قالوا: جئت من قبل وقبل ونحو ذلك. فإنَّ إتفاق الصور في هذه الأشياء لا يدل على البناء. ألا ترى أن صورتى الرفع والجر في باب القاضي والغازي متفقان وهو مع ذلك معرب. وكذلك باب المثنى والمعلى في الأحوال الثلاث على صورة واحدة، وهو مع ذلك معرب. فليس إتفاق الصور مما يوجب البناء في الكلم المبنية، وإنما الموجب ما ذكرت لك من مشابهة الحرف.
فأما موافقة الجر النصب هنا فهو كموافقة النصب الجرّ في التثنية، والجمع الذي على حدها. فلو جاز أن يكون الإسم غير المنصرف مبنيًا في هذه الحال، لكانت التثنية والجمع كذلك أيضًا، فليس هذا الإتفاق للبناء وإنما هو لإجتماع النصب، والجر في كونهما فضلتين وكاملتين بعد استعمال الجملة المتضمنة للفعل أو معنى الفعل بجزئيها اللذين هما الحدث - والمحدث عنه، ومن ثم اتفقا أيضًا في باب الضمير.
والأفعال على ضربين: معرب، ومبني. فالمعرب منها بالحركات الظاهرة هي الأفعال المضارعة، وهي التي تلحق أوائلها زيادة من إحدى هذه الزيادات، الأربع، وهي الهمزة والنون، والتاء، والياء وذلك قولك: أفعل أنا، ونفعل نحن وتفعل أنت، وهي في المؤنث الغائب، ويفعل هو. فهذه الأفعال هي الأفعال المعربة، وإنما أعربت بجملة الإعراب لمشابهتها الإسم، وخصَّ كلّ ضرب من الإعراب بعامل عمل فيه ذلك. فعامل الرفع غير عامل النصب، والجزم، كما أنَّ كل عامل من الناصب والجازم غير الآخر، فإعراب هذا الضرب من الفعل، الرفع والنصب، والجزم، ولا جرّ فيه كما كان في الإسم، وإنما إمتنع الجر فيه لأنه لا يكون إلا
[ ١١٧ ]
بالإضافة. ألا ترى (أنّ) الجرّ يكون بأحد أمرين: أما إضافة إسم إلى إسم. أو إضافة فعل إلى إسم، وكلاهما يوجب تخصيصًا، والغرض في صياغة هذه الأمثلة (التي تسمى) بالأفعال، خلاف التخصيص. ألا ترى أنها تكون الجرّ المستفاد من الجملة. والغرض في الإضافة التخصيص، وإخراج المضاف بها من الإشاعة إلى المخصوص، فمنها ما تضع اليد عليه كغلام زيد، ودار الخليفة، ومنها ما يكون ضربًا من التخصيص، وإن لك يكن كالأول، كغلام رجل، وصاحب إمرأة. فلما لم تخل الإضافة في كلا ضربيها من أن تحدث تخصيصًا، وكان الغرض في صياغة الفعل خلاف ذلك، لما أعلمتك، لم تستقم الإضافة إليه. لأنه يصير نقصًا، لذلك الغرض الذي قصد به، ووضع من أجله. فمن أجل هذا لم تضف إليه، كما لم يضف إليه، لأن الإضافة توجب التعريف، ووضع الفعل بخلافه، وكذلك لم تدخل عليه لام التعريف، لأنه في باب إيجابه التخصيص مثل الإضافة، وتوصل في محاولة ذلك فيه إلى لفظ آخر غيره، جعل بمعناه، كما توصل إلى نداء ما فيه الألف واللام حيث لم يسغ إجتماعها مع حرف النداء إلى نداء شيء آخر جرى عليه ما فيه الألف واللام، وذلك قولهم: يا أيها الرجل، فكذلك حيث لم يسغ دخول (الألف) واللام على الفعل من حيث كان مؤدي إلى نقص الذي وضع له الفعل، أدخل على ما دلّ عليه، وذلك قولهم: هذا الضارب زيدًا أمس. فلولا كون إسم الفاعل بمعنى الفعل، لم يجر هذا. ألا ترى أنك لو قلت: رأيت ضاربًا زيدًا أمس، لم يستقم. فإن قلت: هلا أضيف إلى الفعل. وإن كان لا يختص كما أضيف إلى النكرة المضاف إليها، لم توضع لخلاف التخصيص.
ألا ترى أنَّ النكرة قد يعاقبها التعريف، فعلم بذلك إنها لم يقصد بها الإشاعة في جميع أحوالها، كما كان القصد في الفعل أن يكون لخلاف التخصيص
[ ١١٨ ]
في جميع أحواله، للزوم هذا المعنى له وإمتناع تعريفه. فليس النكرة في جواز الإضافة إليها يدل على جواز الإضافة (إليه) مما يدل على جواز الإضافة إلى الفعل كذلك.
وليس في الأسماء الجزم الذي في الأفعال، لأن عوامل الجزم لا معنى لدخولها على الإسم، وعملها ذلك فيه. ألا ترى أن المجازاة، والأمر، والنهي، ونفي الماضي على لفظ الأمر /١١ آ. لا يوجد في الإسم. فهنا إمتناع من جهة المعنى. وأما اللفظ فلأن الأسماء أدخل في الإعراب من الأفعال، فلما كان جزمه يؤدي إلى ضرب من البناء، رفض ذلك على أنه لو جزم على حد الفعل، لم يخل من أن تحذف له الحركة دون التنوين. أو التنوين دون الحركة. أو يحذفا جميعًا، فلا يستقيم حذف التنوين دون الحركة، لأنه ليس بإعراب، وإنما هو حرف تابع له. والجزم يحذف حركات الإعراب. فإذا لم يكن التنوين إياها، لم يجز حذفه له، أو تحذف له الحركة دون التنوين، وهذه الحركة لا تحذفه ويترك التنوين، فلا يحذف بل قد يحذف التنوين، وتبقى الحركة، وذلك في نحو الإسم الذي لا ينصرف، فأما أن تحذف الحركة، ويبقى التنوين، فلا يكون. فإن قلت فهلا جزم ما كان من هذا الضرب من الأسماء لشبهه بالفعل.؟، فإنَّ ذلك لا يستقيم. ألا ترى أن إمتناعه من الانصراف، لم يمنع أن يضاف إليه كما يضاف إلى سائر الأسماء. فكما أجرى مجرى سائر الأسماء من جراء الإضافة إليه وأن كان ممتنعًا في الفعل، كذلك إمتنع جزمه من حيث لم يكن إلا في الفعل، لأنَّ هذا الضرب من الأسماء في أحكام الأسماء المنصرفة، وإن كان الجر مع التنوين يمنعان من الدخول إليه. وإمتناعهما من ذلك، لا يمنع من تقدير ذلك له في الأصل، ووجوبه أن كان الشبه العارض للفعل قد منع منه. وما كان مقدرًا في
[ ١١٩ ]
المعنى، كان بمنزلة المثبت في اللفظ. ويقوى ذلك إخراج الشاعر له إلى اللفظ عند الحاجة، فأنه يرده إلى ما يجب له في الأصل ولولا ذلك، لم يجز، ولم يستقم أن يحذفا له جميعًا، لأنه في الفعل يحذف شيئًا واحدًا، ولا يحذف في شيئين، فإن قلت: فقد يحذف حرفا متحركا في الفعل الذي تلحقه تثنية، الفاعلين وجمعهم، وفي المخاطب المؤنث، وذلك شيئان. فإنَّ الحركة في هذا القبيل لما كانت لإلتقاء الساكنين، كان المحذوف كأنه شيء واحد. يدلك على ذلك، حذف اللام له إذا كان حرفًا لينا، وهو حرف واحد مفرد من الحركة، فإذا كان الجزم يحذف له مفرد لم يستقم إن يحذف له شيئان لمخالفة ما يكون عليه في غير هذا الموضع. فأما إعراب هذا الضرب من الفعل، وهو الذي يلحق أوله زيادة من الزيادات الأربع، فلمشابهة الإسم. ووجهة الشبة أن لفظه وأن كانّ أصله لما كان حاضرًا فقد وقع على الآتي، وقوعه على الحاضر فصار أحدهما لا ينفصل من الآخر. كما أن رجلًا لا يدل على زيد دون عمرو.
فإذا أدخلت على الإسم حرفًا خصه لبعض ما كان يدل عليه، كما أنَّ لام التعريف إذا دخلت على الإسم، خصته بغير ما كان يقع عليه، وزالت الإشاعة التي كانت قبل دخول الحرف. فهذا وجه من الشبه الذي يختص به هذا الضرب من الفعل دون أمثلة الآتي، وأمثلة الحاضر. ومن شبه هذا الضرب بالإسم دخول لام الإبتداء، عليه في حال وقوعه خبرًا، ووجه الشبه إن هذه اللام تختص بالدخول على الأسماء المبتدأة دون الأفعال، وكان حقها في هذا الوضع أيضًا أن تقع أولًا، وصدرًا، كما تقع في غير هذا الموضع، وذلك في نحو: أزيد منطلق، ولعمرو ذاهب. فكما لم يستقم إجتماع الحرفين أولًا لكونهما بمعنى واحد. والحرفان إذا كانا بمعنى واحد، لم يجز إجتماعهما آخرًا إلى الخبر من حيث كان الخبر في المعنى هو المخبر عنه، وما يؤول إلى ما هو المخبر عنه في المعنى. فدخل على هذا الضرب من الفعل من حيث كان مشابهًا له ومقارنًا. فلم يدخل على غيره
[ ١٢٠ ]
غير موجودة في الأصل المصور
[ ١٢١ ]
وإن كانت في اللفظ قد وقعت غير صدر. يدلك على ذلك أن التقدير به التقديم، أجازه النحويون (نحو) أن زيدًا طعامك لآكل. /١١ ب فلولا أنه تقدم في التقدير، لم يجز تقديم المفعول به عليه، كما لم يجز هنا. ولو قلت: أن زيدًا آكل لطعامًا، لم يجز هنا. ولو قلت: أن زيدًا آكل لطعامًا، لم يجز، لأن حكم اللام، أن تدخل على الخبر إذا كان في المعنى المبتدأ أو ما يؤول إلى ما هو هو. فإذا اقتضى الخبر، فلا مدخل لها في ما كان فضلة. وإنما دخلت عليها حيث كانت متقدمة للخبر. لأنَّ التقدير بهذا الدخول عليه، كما كان التقدير به التقديم، وعلى هذا قوله:
٩٤ - أن أمرأ خصني عمدا مودته
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فدخلت على الفضلة حيث كان الخبر بعدها. ومما يدلك على أنَّ التقدير به التقديم قولهم: إنك لرجل صدق. فوقعت على (أن)، وصار هذا الإبدال إلى الهمزة من الفصل الموقع بينهما بالمبتدأ في المعنى، أو بالظرف، وذلك نحو: إن عندك لزيدا و( إن في ذلك لآية ) وإن زيدا لقائم، فالأبدال هنا كالفصل. ألا ترى (إنما) لم تجتمع مع الحرف على الصورة التي تكون عليها في أكثر الكلام، فأما اللام فيشبه أن تكون زائدة. ومما جاء في ذلك ما أنشده أبو زيد:
٩٥ - وأما لهنك من تذكر أهلها
لعلى شفا يأس، وأن لم تيأس
[ ١٢٢ ]
وأنشد أحمد بن يحيى:
٩٦ - ألا ياسنا برق على قلل الحمى
لهنك من برق علي كريم
وأما الحركة المنوية التي هي غير خارجة إلى اللفظ، فتكون من الأسماء والأفعال. فالأسماء المقدر فيها ذلك على ضربين: أحدهما أن ينوي في حرف إعرابه الحركة في حال الرفع، والجر ويظهر في حال النصب، والآخر أن ينوى في حرف إعرابه الحركات الثلاث، ولا يظهر شيء من الحركات في فعله، كما ظهر فيما قبل فمثال الأول قولك: هذا القاضي. وهذا الغازي، وبالقاضي والغازي، وكذلك العمي، والشقي، والمجعبي، وكذلك قلنسوة وقلنسي، وعرقوة، وعرقو، على شعرة، وشعير. وتقول في النصب: رأيت قاضيا، وغازيًا، وعميا، وشقيا، ومجعبيا، فتحركت في النصب بالفتحة. وتقول في الفعل: هو يغزو، وهو يرمي وكذلك يستجزى، ويستدعي، وتحركه في النصب فتقول: لن يغزو، ولن يرمي وكذلك هو يخشى، ولن يخشى، فالحركة في هذه اللامات منوية مقدرة. وكذلك هو يسلقى، ويجعبى، ويدلك على تقدير الحركة هنا، وحذفها لمجانستها حروف اللين أنها منها، وبعضها يحذف، وكرهت كما يكره اجتماع، الأمثال، والمقاربة. فيخفف، ذلك بأشياء تارة بالإدغام، وتارة بالحذف، وتارة بالقلب فكذلك الحركة فيما ذكرت لك، حذفت، وإن كانت مرادة في المعنى تحذف (في) نحو قولهم: علم أبو فلان وأحسنت. ونحو ذلك مما يدل على نية الحركة هنا، أن الشاعر إذا اضطر، أخرج ذلك، فلو أنه الأصل، ما كان ليفعل هذا، كما أنه إذا احتاج إلى تحريك الأول في المثالين (اللذين) يجتمع فيهما على الإدغام، بيِّن كقوله:
[ ١٢٣ ]
٩٧ - يشكو الوجا من اظلل واظلل
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وكما قال:
٩٨ - مهلا اعاذل قد جريت من خلقي
إني أجود لأقوام، وأن ضننوا
وكما أظهر الحركة هنا التي هي من أصل البناء للحاجة، أن تتحرك بها، وذلك قول الشاعر:
٩٩ - ما أن رأيت، ولا أرى في مدتي
كجواري يلعبن بالصحراء
وقال:
١٠٠ - فيوما يوافينا الهوى غير ماضي
ويوما ترى فيهنّ غولًا تغول
وعلى هذا قوله:
١٠١ - قد عجبت مني، ومن يعيليا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ١٢٤ ]
وعلى هذا قول الآخر في الفعل.
١٠٢ - ألم يأتيك، والأنباء تنمي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فهذا أسكنه من الضمة التي قدر حذفها للجزم، كما يحذفها من (يضرب) ونحو ذلك من الصحيح الذي تعتقبه الحركات، ولا يمتنع شيء منها أن تدخل عليه. وأما قول الآخر:
١٠٣ - إذا العجوز غضبت فطلق
ولا ترضاها، ولا تملق
وقول الآخر:
١٠٤ - وتضحك مني شيخة عبشمية
كأن لم ترى قبلي أسيرًا يمانيًا
(فترضاها) لا يستقيم أن تقدر فيه، ما قدرت في: (ألم يأتيك). ألا أنَّ الألف شبيهة بالياء فأجريته مجراها. وكذلك قوله: (كأن لم ترى). وبعض البغداديين يذهب في ذلك على ما حكي لي أنه حذف لام الفعل المجزم. وأن هذه الألف هي المبدلة من الهمزة، وليس هذا بالواسع على أن سيبويه قد حكى المرأة، والكماة فقياس هذا قياس لم تره في قول القائل.
[ ١٢٥ ]
والضرب الآخر هو ما ينوي في حرف إعرابه الحركات الثلاث، ولا يظهر شيء منها في حالة من أحوال الإسم فهو نحو: الرجا، والعصا، والمعلى، والمثنى، والمسرى، والمعزى، والأرطى، وحبارى، وحبلى، وقرقرى، فحرف الإعراب في هذا القبيل يكون على صورة واحدة في الرفع، والنصب، والجر، تقول: هذا المعلى، ورأيت المعلى، ومررت بالمعلى، فتستوى الصورة في الأحوال الثلاث في ظاهر اللفظ، والحركة مقدرة منوية. يدلك على ذلك إنقلاب اللامات في هذه الأشياء إلى الألف. ولولا تقدير الحركة، لم تنقلب. ألا ترى أنهم، قالوا: (الواو) و(ولي) فصحت الحروف حيث كانت في مواضع سكون، وتقول: (غزونا) و(رمينا) فتصححهما لسكونهما، ولا تقلب، كما قلبت في (غزا) و(رمى) حيث كانا في موضع حركة. وكذلك هذه/ ١٢ آاللامات، انقلبت إلى، الألف لكونها في مواضع الحركة، وتقدر ذلك فيها. وهذا مما يدل أن الغرض من الأسماء أن تكون معرضة للعوامل، والأخبار عنها. ألا ترى أن الحركة تجب لها بالعوامل، وأنك لا تجد لهذه الأسماء حالا تصح فيها هذه اللامات فهذا من أمر الإسم يدل على أن الغرض فيه الأخبار عنه، وما جرى مجرى الأخبار من التعريض للعوامل. وليس العصا، والرجا في هذا كغزا، ورمى، لأن الحركة في الفعل حركة بناء، وحركة الإسم حركة إعراب، والإعراب لا يكون إلا بعوامل. فالوجه فيه ما ذكرناه. فأما قولك: هو يغشى. وفي النصب، لن يغشى. فالألف في الموضعين في تقدير حركة. والحركة توجب القلب، إذا كانت ضمة، كما توجبه إذا كانت فتحة.
إلا أن هذه الحروف كلها تجتمع في الحذف للجزم لمعاقبتها الحركة، فإنها من جنسها، فكما حذفت الحركات للجزم، كذلك حذفت هذه الحروف له، وما يختلف آخره بالحروف على ضربين: أحدهما أن يكون الحرف زائدًا، والآخر أن يكون الحرف غير زائد.
وغير الزائد يمثله النحويون بالفاء، والعين واللام. والزائد هو النون اللاحقة
[ ١٢٦ ]
لفعل المخاطب المؤنث بعد الياء التي هي علامة لضميره، وفي فعل الاثنين والجمع المذكر، وذلك قولك: أنت تضربين، وأنتما تضربان، وأنتم تضربون. فهذه النون في دلالتها على الرفع، وكونها علامة له، بمنزلة الضمة في قولك: هو يضرب. ومن ثم حذفت حيث تحذف الضمة. ألا ترى أنك تقول: هل تضربان؟ وهل تضربن؟. فتحذف هذه النون في المواضع التي تحذف فيها الرفعة من الفعل. وتحذفها أيضًا في الجزم. وتضم النصب إلى الجزم هنا كما ضممت النصب إلى الجر في الإسم فهذا الحرف الزائد.
فأما غير الزائد، فإن لامات الفعل إذا كن ياء، أو واوا، أو ألفا منقلبا عن أحدهما، لما حذفن في الجزم لمشابهتها الحركات، ومجانستها لها، صار ثباتها يدل على غير الجزم. كما صار ثبات الحركات في الأفعال المضارعة دالًا على الإعراب. فأما الألف في يخشى فإنها ثبتت في حال الرفع، والنصب.
وتجرى الياء التي هي زائدة في نحو: يسلقى، مجرى هذه اللامات في الحذف للجزم. فالحذف في هذين الضربين قد جرى في كونه إعرابا مجرى الحركة، كما أجريت الحركة مجرى الحرف في غير هذا الموضع من كلامهم. وإنما كان كذلك لأن هذه الحركات وإن كان الصوت بها نقص عن الصوت بالحروف، من حيث كانت خارجة من مخارج بعض الحروف. ألا ترى أن الصوت ببعض الحروف، أزيد منه في بعض؟ ولا يخرج ما يزيد الصوت فيه على الآخر من مساواته له في أنه حرف كما أنه حرف، وفي أنه يعتد به إعتداد الأنقص الصوت. فكذلك قام الحرف مقام الحركة، كما قامت الحركة مقام الحرف. ومما جرى الحرف فيه مجرى الحركة أنَّ الإسم إذا كان ساكن الأوسط مؤنثا معرفًة، فمن العرب من يصرفه. فإذا تحرك الأوسط نحو: قدم، لم يصرفه أحد. كما أنه إذا كان على هنا وأجريت مجراه.
ومما أجريت الحركة فيه مجرى الحرف، أن الإسم إذا كان على أربعة أحرف
[ ١٢٧ ]
أحدهما ساكن، كان الآخر منه ألفا فإنك إذا أضفت إليه، كنت مخيرًا في إبدال الواو من الألف، وحذفها، وذلك قولك في حبلى: حبلوي. وحبلي. وفي موسى: موسوى، وموسي فإذا كان على خمسة أحرف آخره ألف، حذفت الألف، ولم تبدل منه الواو. كما أبدلت في الباب الأول، وذلك قولك في مرامي، وحباري، مرامي وحباري ليس إلا. وكذلك لو كان الحرف على أربعة أحرف آخره ألف متتابع الحركات. تقول في جمزى وملهى: جمزيّ، ملهي. فتحذف الألف، كما حذفتها من ذوات الخمسة. فقد عودل بالحركة هنا الحرف. كما عودل بها في باب (قدم) فلما جرت الحركة مجرى الحرف في هذه المواضع، كذلك جرى الحرف مجري الحركة في ما ذكرت لك في كونه إعرابا كالحركات. فأما قولهم: لم يكن. قول من قال: لم يك (إنها أن تك مثقال حبة )، وحذف النون هنا فإنها حذفت في حال السكون بعد حذف الحركة للجزم لكثرة الاستعمال، حرف يشابه هذه الحروف اللينة ويجرى مجراها. ألا ترى أنهم يدغمونها كما يدغم بعضهما في بعض وتزاد في مواضع زيادتها، وتحذف لألتقاء الساكنين في نحو: ( أحد الله) و(حميد الذي أحج داره). فأبدلت منها في: رأيت زيدا. و(لنسفعا ) وأبدلت من الواو أيضًا في: صناعني. وبهراني. ألا ترى أنها لا تخلو من أن تكون بدلًا من الهمزة، أو الواو في (صنعاني). فإن أبدلتها من الهمزة، لم يسهل ذلك لتباعد ما بينهما، وأنه لم تبدل إحداهما من الأخرى للتقارب، والتباعد، فإذا لم يستقم إبدالها من الهمزة، لذلك علمت أنها بدل من الواو التي /١٢ ب تبدل من الهمزة في الإضافة. فلما جرت النون مجرى هذه الحروف، شبهت بهن أيضًا ساكنة في هذا الموضع، فحذفت للجزم، كما حذفت الواو، والياء، والألف لموافقتها لهن في السكون، وكونها لاما. واللامات أضعف
[ ١٢٨ ]
من العينات، والحذف عليها أشد تسلطًا، كما أنَّ الفاءات أقوى من العينات، ألا ترى أن اللام تعتقب عليها حركات الإعراب، وضروب الإضافة، والتحريك لإلتقاء الساكنين، فحذفت هذه النون في الجزم ساكنة لهذه المشابهة. وإذا تركت، لم تحذف لزوال شبهها بهن بالحركة. ألا ترى أن هذه الحروف يغلب عليها السكون. ولا تحرك بالكسر في موضع. فلما صارت هذه النون في موضع تحرك بالكسر ما بينها فأثبتها في (لم يكن) القوم: (لم يكن الذين كفروا ).
من قال: لم يك زيد منطلقًا، فقد جاء في بعض الأشعار محذوفة، وهي في موضع حركة.
أنشدوا:
لم يك الحق على أن هاجه
رسم دار قد تعفي ودثر
فهذا إن قلت: فيه أن الجزم لحقه قبل إلحاق الساكن، وإجتماعه معه. فكأن الساكن لحق، وقد مضى الحذف في الحرف، ونظير هذا إنشاد من أنشد:
١٠٥ - فغض الطرف أنك من نمير
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . حرك الساكن الأول، فلحق الساكن الثاني، وقد مضى الحذف بالفتح للساكن الأول، فكذلك لحث الساكن، وقد مضى الحذف، في الحرف. وإن شئت، قلت: أن الحركة هنا كانت لالتقاء الساكنين لم يعتد بها، وكان الحرف في نية سكون فلما كان يحذفها ساكنة، كذلك يحذفها إذا كانت في نية سكون. فأما
[ ١٢٩ ]
حذف هذه النون، فعلى ما ذكرت لك من استعمالهم لها ساكنة، ثم حذفت للجزم هي وحدها لا للجزم، والحرف جميعا، لأن حذفه لها لا يسوغ. فأما حذف النون في التثنية والجمع، وهي متحركة، فلأنّ الحركة للساكنين، وحركة إلتقاء الساكنين في تقدير السكون. فكأنّ الحذف لحق شيئًا واحدًا.
ونظير قولهم: (لم يك) في أنه حذف لحق بعد حذف قولهم: لم أبال فحذفت الياء للجزم. ثم كثر استعمالهم: (لم أبال)، فكأن الحركة حذفت للجزم، كما حذفت النون للجزم في (لم يكن)، فصار (لم أبال) فاعلم. ثم قيل: (لم أبال) في الوقف ثم حذفت الألف، لإلتقاء الساكنين، فصار (لم أبل) وزعم الخليل أنَّ قومًا يقولون. لم أبله. فهؤلاء هم الذين حذفوا الألف من (لم أبل) لإلتقاء الساكنين. ثم حركوا اللام بالكسر بإلتقاء الساكنين. إنها وهي الهاء، ولم يردوا الألف المحذوفة لإلتقائهما. وإن حركت الساكن الذي من أجله حذفت الساكن الأول، لأن حركته لإلتقاء الساكنين. وكذلك كان ينبغي أن يكون ما أنشده أبو زيد:
١٠٦ - أيها فداء لك يا فضاله أجره الرمح ولا تهاله
كان القياس أن لا ترد الألف، كما يردون في (لم أبله)، وردها ضعيف، لكون الحركة لإلتقاء الساكنين. ألا ترى أن قياس هذا أن تقول: نومي الليل وهذا لا يقال. ويضعفه أيضًا قولهم: رمت المرأة. فلم يردوا اللام مع تحرك الساكن الذي من أجله حذفت. فكذلك كان قياس هذا. إلا أنه جعل الحركة غير اللازمة لإقامة الوزن والقافية. وقد قالوا مع ذلك: (ريا) فأدغموا. ونظير هذا في الضعف قول الآخر:
[ ١٣٠ ]
١٠٧ - له متنتان خظاتا كما اكبَّ على ساعديه النمر
رد اللامَّ كما رد الأول (العين) للضرورة، ولا تقول: بغت المرأة، ونحوه في الكلام إلا بالحذف، وترك الإعتداد بالحركة. وقد يمكن في هذا أن يكون حذف نون التثنية للضرورة، فلا يكون الألف علامة للضمير، وتكون كقول الآخر:
١٠٨ - إبني كليب أنَّ عميَّ اللذا. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فكما لا يكون هذا إلا علي حذف النون، كذلك يجوز أن يكون ما في البيت الآخر على حذف النون، وقد كان أبو بكر أجازه مرة في قول الشاعر:
١٠٩ - قد سالم الحيات منه القدما. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أن تكون القدمان فاعلتين، وحذف النون، كما حذفت في ما ذكرت لك، وهذا غير ممتنع.
(تمت المسائل العسكريات بحمد الله وعونه، وكان الفراغ منها في يوم السبت العاشر من شهر جمادي الآخرة من سنة خمس عشرة وستمائة، على يدى العبد الشعيف المقر بذنبه، الراجي عفو ربه، أحمد بن تميم بن هشام اللبلي، بمدينة السلام المحروسة، على الأصل المنقول منه بخط إبن بلبل، وكان فيه إسقاط كلمات، وتصحيف مواضع، أصلحت في نسختي هذه بعضها، وقت كتابتها، وعلمت على الباقي إلى الفراغ، إلى معاودة النظر فيها، إن شاء الله تعالى، والحمد لله رب العالمين، والصلاة على محمد وآله).
[ ١٣١ ]