كان كلامًا مستقلًا وهو الذي يسميه أهل العربية الجمل
أعلم أنّ الإسم يأتلف مع الإسم يكون منهما كلام، وذلك نحو: زيد أخوك. وعمرو ذاهب. والفعل مع الإسم: (نحو) قام زيد. وذهب عمرو. ويدخل الحرف على كل واحد من هاتين الجملتين، فيكون كلامًا. وذلك نحو: هل زيد أخوك؟ .. وإنّ زيد أخوك. وما عمرو منطلقًا. وكذلك يدخل الحرف على الفعل والإسم. كما دخل على الجملة المركبة من الإسمين، وذلك نحو: قام زيد. ويذهب عمرو. ولم يضرب زيد. فأما قولهم: زيد في الدار. والقتال في اليوم، فهو كلام مؤتلف من إسم وحرف، وليس هو على حد قولك: إنّ زيدًا منطلق، ولكنه من خبره الفعل والإسم، أو الإسم والإسم. ألا ترى أنّ قولك: (في الدار) ليس زيد، ولا القتال في اليوم، ولم يكونا إياهما، كان الكلام على غير هذا الظاهر، ويحتاج إلى ما يربطه بما قبله، ويعلقه، وأن يخلو ما يعلقه به من أن يكون إسمًا أو فعلًا، وكلاهما جائز، غير ممتنع تقديره، وإذا كان كذلك، كان داخلًا في جملة ما ذكرناه. وقد جعل أبو بكر هذا التأليف -في بعض كتبه- قسمًا برأسه وذلك مذهب حسن.
ألا ترى أن الكلام، وإن كان لا يخلو مما ذكرنا في الأصل، فقد صار له الآن حكم يخرج به عن ذلك الأصل يدلك على ذلك قولك: إنّ في الدار زيدًا، فلا يخلو ذلك المقدر المضمر من أن يكون إسمًا أو فعلًا -كما أعلمتك- فول كان فعلًا، لم
[ ٦٣ ]
يجز دخول (أنّ) في الكلام. ألا ترى أنّ (أنّ) مدخل لها في الأفعال، وكذلك أخوات (أنّ)، فإن قلت فقد أنشد أبو زيد:
٦ - فليت دفعت الهم عني ساعة
فبتنا على ما خليِّلت ناعمي بال
وأنشد أبو عبيدة:
٧ - فليت كفافا كان خيرك كلُّه
وشرُّك كان عني ما ارتوى الماء مرتوي
ومن أبيات الكتاب:
٨ - فلو أنّ حقّ اليوم منكم إقامة
وإن كان سرج قد مضى فتسرعا
فإنَّ ذلك من الضرورات في الشعر للحاجة إلى إقامة الوزن، وهو يجيء على تقدير الحذف لاسم - (إنَّ) المنصوب. فأما الفعل، فلا مدخل لهذه الحروف عليه، لأنها مشبهة به، وعاملة عمله. وكما لا يدخل فعل على فعل بلا واسطة إسم، كذلك لا يدخل شيء من هذه الحروف على الفعل، فلا يجوز إذًا أن يكون الفعل مرادًا هنا، ولا يجوز أيضًا أن يكون المراد الإسم، لأنَّ الإسم لو كان مرادًا،
[ ٦٤ ]
ما كان ليتخطى ذلك الإسم المراد، فيعمل في هذا المظهر. فإذا لم يخل هذا الكلام من هذين، لم يجز هذا، ثبت أن هذا قسم ونوع غير ما تقدم. من ها هنا أيضًا خالف حكمه حكم الفعل، فلم يجز تقديم ما إنتصب من الأحوال فيه عليه/ ٤ آفي نحو: ما قائمًا في الدار زيد. ولو كان حكمه حكم الفعل، لجاز هذا التقديم معه كما جوز مع الفعل، ومن ثم جعله أبو الحسن عاملًا للإسم المحدث عنه، ومرتفعًا به، إذا تقدمه في كل موضع. كما ترفع سائر الأشياء الجارية مجرى الفعل من أسماء الفاعلية، والصفات المشبهة بها. فهذا ضرب آخر من تألف هذه الكلم. وأما قولهم في النداء: يا زيد، وإستقلال هذا الكلام مع أنه مؤتلف من إسم وحرف، فذلك لأن الفعل ها هنا مراد عندهم يدلك على ذلك ما حكاه سيبويه في قولهم: يا أثلا أفلا ترى أن الإسم المنتصب لا يخلو من أن يكون العامل فيه فعلًا، وما هو مشبه به، أو إسمًا، فلا يجوز أن يكون العامل ما شبه به الفعل في نحو: (أن) و(ما) لأن ذلك العامل ما شبه به الفعل في نحو: (أن) و(ما) لأن ذلك لا يعمل مضمرًا. ولا يكون العامل فيه نحو: عشرين وخمسة عشر وبابه، لأن ذلك لا يعمل مضمرًا. وهي أيضًا لا تعمل في المعارف، وهذا الإسم معرفة، لأنه مشمر،، فثبت أن العامل فيه الفعل إلا أن ذلك الفعل مختزل غير مستعمل الإظهار، لأنك لو أظهرته، لكان على الخبر، ومحتملًا للصدق والكذب، ولو كان كذلك، لبطل هذا القسم من الكلام، وهو أحد المعاني التي تجري عليها العبارات. فلما وجدنا في كلامهم أفعالًا مضمرةً غير مستعملة الإظهار، وقع أنه لو أظهرت، لم تقلب معنى، ولم تبطل شيئَا عن حقيقته، وذلك قولهم: "رأسك والسيف" و"شرًا ونفسك". كان ترك ما كان إذا أظهر، قلب المعنى، وإزالة عما كان
[ ٦٥ ]
عليه، أجرى بحسن الإظهار مع ذلك، لأن المعتبر عنه لما كان من جنس النطق، قام مقام العبارة، ولست تجد كذلك سائر الأحداث المعبرة عنها، ومما يبين لك ترك هذا الإظهار، ومعاقبة هذا الحرف للفعل (إذ) تجده يصل تارة بحرف وتارة بغير حرف. فوصله بالحرف كقولك في الإستغاثة: يا للمسلمين، ويا لله ووصله بغير الحرف: يا زيد. ويا عبد الله، ويا رجل إقبل، فصار في هذا كقولك: (جئته، وجئت إليه) و"حشيت صدره، وبصدره"، ولهذا أيضًا، ولمكان الياء، حسن أمالة هذا الحرف مع إمتناع الأمالة في حروف المعاني في أكثر الأمر، وقد أقيمت مقام الأمثلة المخوذة من المصادر ألفاظ جعلوها إسمًا لها، فأعنت عنها، وسدت مسدها وصارت كأمثلة الأمر إذا احتملت ضمير الفاعلين، وذلك كقولهم: تراك، ونزال، ونعاء، وصه، ومه، ورويد وإيه، وما اشبه ذلك، وهذا إنما أخصَّ به الأمر، موضع يغلب فيه الفعل، ويختص به، فلا يستعمل فيه غيره، فلما قويت الدلالة على الفعل هنا، استجازوا أن يتسعوا بإقامة هذه الألفاظ مقامه، وهي في الحقيقة أسماء سميت بها هذه الأمثلة، وهذا مثل حذفهم الفعل حيث علم أنه لا يكون إلا به، وذلك قولهم: "هلا خيرا من ذلك" وعلى هذا قوله:
٩ - تعدون عقر النيب أفضل مجدكم
بنى ضوطرى لولا الكمي المقنعا
فلم يستعمل الفعل بعدها للدلالة على الفعل، والعلم بأن هذا الموضع يختص به، ولم يجيء من هذا النحو في الخبر إلا أحرف قليلة من ذلك قولهم:
[ ٦٦ ]
هيهات زيد. وشتان عمرو. وقالوا في مثل: "سرعان ذي أهالة:، هذا قولهم عند التضجر: (أف). فأما (هيهات) في قولك: هيهات زيد وقوله:
١٠ - فهيهات هيهات العقيق وأهله
وهيهات خلّ بالعقيق نواصله
فبمنزلة قولك: بعد ذلك. وبعد العقيق. والفتحة فيه على هذا فتحة بناء، اتبعت الألف التي قبلها. وقياس من أعمل الثاني من الفعلين، وهذا الذي يختار أصحابنا، أن يكون العقيق مرتفعًا، (هيهات) الثاني. وقد أضمر في الأول على شريطة التفسير، كما تقول: قام وقعد زيد. ومن أعمل الأول، كان العقيق مرتفعا، (هيهات) الأول، ويضمر في (هيهات) الثاني. فأما قوله تعالى: (هيهات هيهات لما توعدون) فليس من هذا، ولكن الفاعل مضمر في كل واحد منهما، لتقدم الذكر، فالفاعل هو البعث، أو الحشر، أو النشر، وما أشبه ذلك مما يدل على البعث، لأن في قوله تعالى: "أسعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابًا وعظامًا إنكم مخرجون" دليلًا على ذلك، وتقريرًا لما ينكرونه من البعث فكأنهم قالوا: ذهابا عن قوله تعالى: "وضرب لنا مثلا ونسي خلقه .. " بعد (إخراجكم)، وبعد (نشركم) لتعلقه بهذا الوعد/ ٤ ب وهذه الكلمة تستعمل على ضربين، مفتوحة، ومكسورة، فمن فتحها جعلها كلمة مفردة، والوقف عليها بالهاء ومن كسرها، فقال: هيهات، كان
[ ٦٧ ]
الوقف عليها بالتاء كما أنها في (أذرعات) في قول من نون، ولم ينو الوقف عليها بالتاء. ويحتمل أن يكون الفتح فيها في قول من فتح بالنصب، لأنه ظرف، ولم يدخله غير الفتح كما أن (سحرّ) إذا أريد (سحر يومك) و(ذات مرة) و(بعيدات بين) لم تستعمل إلا ظروفًا. وهو قول مقول. والأول جعلوه الأولى والأقيس، لأن هذه الأسماء الموقعة موقع الفعل يغلب عليها البناء، لوقوعها موقع المبني ألا ترى أن (شتان) و(سرعان) مستقبلان وقد بنيا مع ذلك لوقوعهما موقع المبني، كذلك قسم ذلك ما كان واقعًا موقع الأمر، ومن هنا أيضًا بني المفرد في الواو، وعلى هذا إختار أبو عثمان، قوله تعالى: "قل لعبادي الذين آمنوا: يقيموا الصلاة " فإن (يقيموا) بني لما أقيم مقام (أقيموا) لأن المعنى إنما هو على الأمر. ألا ترى أنه ليس كل من قيل له (أقم) الصلاة أقامها ولا كل من قيل له قوله: "وقل التي هي أحسن " قالها. فإذا كان كذلك، توجه على الأمر،
والأسماء والأفعال المعرفة في الأصل إذا أوقعت موقع المبني، بنيت كما ترى في هذا الموضع (فهيهات) ونحوه من الأسماء المشابهة للحروف إذا وضعت موضع المبني، أجوز بالبناء وكذلك القول الآخر وجيه وهو أنّ هذه الأسماء المسمى بها الأفعال، بعضها ظروف كقولك: دونك، ووراءك، فكما جاز الظرف من أسمائها في الأمر، كذلك يجوز أن يكون في الخبر، فمن جعل الفتحة فتحة إعراب، كانت الكسرة في الجمع للإعراب أيضا والكسرة في الجمع نظير الفتحة في الواحد. ومن جعل الفتحة للبناء، كانت الكسرة في الجمع أيضًا للبناء، كما أنّ الفتحة في (ضرب) كالفتحة في (لن يضرب) فهذه جملة من القول في هذه الكلمة. وقد بسطناه بأكثر من هذا في غير هذا الموضع.
[ ٦٨ ]
وأما (شتان)، فموضوع موضع قولك: افترق، وتباين. وهو من قوله ﷿ "أن سعيكم لشتى" و".أشتاتا ". وهذا الباب إذا كان كذلك، اقتضى فاعلين فصاعدا فمن قال: شتان زيد وعمر. (أسند إلى فاعلين) وعلى هذا قول الأعشى.
١١ - شتان ما يومي على كورها
ويوم حيان أخي جابر
فأسنده إلى فاعلين، معطوف أحدهما على الآخر، وأما قولك، شتان ما بينهما، فالقياس لا يمنعه إذا جعلت (ما) بمنزلة (الذي)، وجعلت (بين) صلًة. لأن (ما) لإبهامها قد على الكثرة. ألا ترى قوله "ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم .. ". ثم قال: ويقولون ". فعلمت أن المراد به (جميع) وكذلك " مالا يملك لهم رزقًا " ثم قال:
" ولا يستطيعون"، وقد جاء في الشعر:
[ ٦٩ ]
١٢ - لشتان (ما) بين اليزيدين. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إلا أن الأصمعي طعن في فصاحة هذا الشاعر، وذهب إلى أنه غير محتج بقوله: ورأيت أبا عمرو قد أنشد هذا البيت على وجه القبول له، والإستشهاد به. وقد طعن الأصمعي على غير شاعر قد احتج بهم غيره كذي الرمة والكميت. فيكون هذا أيضًا مثلهم. وأما "سرعان ذي إهالة" فـ (ذي) ترفع بـ (سرعان) على حد إرتفاع الفاعل بالفعل، وما بعده منتصب على التمام على وجه الحال، (وفيه) مع ذلك بيين وتفسير للمشار إليه.
فأما (أف) ففيه لغات الحركات الثلاث بلا تنوين، ومع التنوين. وحكى أبو إسحاق مثل هذه لغة سابعًة ولم نعلم لفظه أخرى أقيمت مقام الفاعل في الخبر، وغير الأمر سوى ما ذكرت لك. فأما الإسم والفعل إذا ائتلف، وكذلك الإسم والإسم. فلم أعملهما غير مستقلين ولا مفتقرين إلى غيرهما إلا في الجزاء والقسم. ألا ترى أن الفعل والفاعل في الشرط لا يستغنى بهما، ولا يخلو
[ ٧٠ ]
من أن تضم الجملة التي هي الخبر إليه. ولهذا المعنى حسن أن تعمل جملة الشرط مع الحرف الداخل عليها في الجزاء. وكذلك القسم لا يكون كلامًا مستقلًا دون أن تضم إليه المقسم عليه والمقسم. لأنه ضرب من الخبر يذكر ليؤكد به غيره جاء على حدّه النون، عليه الإخبار. فكما أن الجمل التي هي أخبار تكون من الفعل والفاعل، والمبتدأ والخبر، كذلك كانت الجملة التي هي قسم على هذين الوجهين. فما كان منه من فعل وفاعل، فقولك: (بالله لأفعلن). وهذه الجملة التي هي قولك: (بالله) متعلقة بها لا يستغنى بها عن المقسم عليه. ألا ترى أنك لو اقتصرت عليه، لم يجز ذلك، ولهذا، لم يجز الخليل في قوله تعالى: "والليل إذا يغشى" و"النهار إذا تجلى" وما عطف عليه من بعد أن تكون الواو جارة مبدلة من (الباء)، لأنك لو حملته على هذا الوجه، تركت القسم بغير مقسم عليه، فلما لم يسغ هذا، جعله عاطفا، وصار ما ذكر مشتركًا في الأول، ومثل به في الجملة التي هي من الفعل والفاعل، ما هي من المبتدأ والخبر، وذلك قولك: لعمرك لأفعلن وأيمن الله لأقومن فهذان الإسمان يرتفعان بالإبتداء، وخبرهما مضمر، والجملة بأسرها قسم ولا يستغنى بها حتى يضم إليها مّا اجتلبا لتأكيده من المقسم عليه /٥ آفإن قلت فقد أقول: أحلف بالله، وحلف بالله، فيكون كلامًا مستغنى به غيره، فإن ذلك إنما جوز إذا أردت الإفادة لجنس حلف عليه، ولم ترد هنا القسم. ولو أردت القسم، ولم يسلم (لأقسمن) حتى تذكر ما يقسم عليه، وما عدا ما ذكرت لك من الجملة المتآلفة من جزئين: أحدهما
[ ٧١ ]
خبر والآخر مخبر عنه، فهو مستقل مفيد مستغنى به عن غيره. وأعلم أن بعض الجمل قد تقوم مقام بعض، فمن ذلك قوله ﷿: " سواء عليكم أدعموتموهم أم أنتم صامتون" فهذه التي من الإبتداء والخبر موقعًة موقع التي هي من الفعل، والفاعل. ألا ترى أنها معادلة كما هو كذلك (وكذلك) قوله: " فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد ". فقوله: (أن نرد). معادلة التي من الإبتداء والخبر، كما كانت التي من الإبتداء والخبر معادلة للفعل والفاعل في الآية الأخرى. يدلك على ذلك دخولها في حيز الإستفهام بعطفها عليه، وعلى هذا يتجه ما أشنده أبو زيد:
١٣ - أقيس بن مسعود بن قيس بن خالد
أموف بادراع ابن ظبية أو تذم
فظاهر قوله: (أو تذم)، إنها معادلة لما قبله من الجملة التي هي إبتداء وخبر. وقد يحتمل أن يضمر، بينما يكون الفعل في موضع خبره. ومما وقع من بعض هذه الجمل موقع بعض قولهم: أتقى الله امرؤ فعل خيرا، يثبت عليه.
فاللفظ كما ترى لفظ الخبر، والمعنى معنى الأمر، يدلك علي ذلك جزمك للفعل بعده. وهذا الجزم جواب له، وهو في الحقيقة -عندنا- ينجزم، لأنه جواب لشرك محذوف، ونظير هذا من الإبتداء والخبر قولهم: حسبك ينم الناس (فحسبك) مرتفع بالإبتداء والخبر محذوف مراد. وحسن فيه الحذف لأمرين: أحدهما أن حسبك بمنزلة (أكفف). والآخر أنك لا تكاد تقول: ذلك عند معرفة المخاطب بالمراد، فحذف الخبر للعلم به، - وهذا تفسير أبي العباس- فهاتان جملتان ألفاظهما ألفاظ الخبر، ومعناها معنى الأمر. وجزمكّ لـ (ينام) بعد
[ ٧٢ ]
(حسبك) يدلك على ذلك. وكما يوقع لفظ الخبر موقع لفظ الأمر في هذا، ونحوه، نحو قوله تعالى: " يتربصن بأنفسهن " " ولا تضار والدة "، وما أشبه ذلك: فكذلك قد أوقع لفظ الأمر موقع الخبر، فمن ذلك قولهم في التعجب:
أكرم بزيد. وفي التنزيل "اسمع بهم وأبصر " فهذا بمعنى (خبر)، لأنك تحدث عن زيد بأنه قد كرم وبالغ. ولست في ذلك آمر أحدًا بإيقاع فعل عليه، ومن ثم كان على هذا اللفظ في خطاب الواحد، والإثنين في المؤنث والجمع. فالجار مع المجرور على هذا في موضع رفع لكونهما في موضع الفاعل. ونظير قولهم: كفى بالله. وهذا في غير الخبر واسع فلا يعلم غير هذا في الفعل والفاعل. وقد جاء في المبتدأ موضع رفع بالإبتداء. وأنشد أبو زيد.
١٤ - تجانف رضوان عن ضيفه
ألم يأت رضوان عني النذر
بحسبك في الجمع أن يعلموا
بأنك فيهم عني مضر
وقد قال أبو الحسن في قوله تعالى: " وجزاء سيئة بمثلها " أنه في موضع رفع لكونه خبرًا للمبتدأ ويدلك على ذلك قوله في الأخرى:
"وجزاء سيئة سيئة مثلها " وهنا في الخبر مثله في الفاعل لأنَّ الخبر شبيه الفاعل. ألا ترى أنه لا يستقل إلا بالجزاء الذي قبله، كما أنَّ الفاعل كذلك.
[ ٧٣ ]
فكما جاء ذلك في الفاعل، يجوز في خبر المبتدأ، ومن هذا قوله عزّ جّل " فليمدد له الرحمن
مدا ". فاللفظ لفظ الأمر، والمعنى - والله أعلم - الخبر هذا نظير قولهم: أكرم بزيد. في أنَّ اللفظ لفظ الأمر، والمعنى يعني الخبر. وأما قولهم: لا هالله ذا.
(فذا) من جملة محلوف عليها. و(ذا) خبر مبتدأ محذوف، يدلك على ذلك أنه لا يخلو -إن كان جملة محلوفًا عليها- من أن يكون خبرا، أو مبتدأ. فلو كان مبتدأ، للزم أم يحلقه (واو) البناء، والقسم من (اللام) أو (أن) ونحوهما. فلا كان قولك (ذا) (مبتدأ، إنما هو خبر) وهذا ما يذهب إليه أبو الحسن
في نحو قوله تعالى: "يحلفون بالله لكم ليرضوكم " و"ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون
بالآخرة ". يذهب إلى أنَّ المعنى (ليرضيكم) و(لتصغي). وقد إعترض بعض النحاة على هذا التأويل. والدليل على ما يذهب إليه أبو الحسن ما أنشده هو وغيره لبعض القدماء:
١٥ - إذا قلت: قدني، قال بالله حلفة
لتغتني عني ذا أنائك أجمعا
أو هو قسم لكونه جوابًا، ولا جواب له. فلا يجوز أن يخلو من الجواب، لأنه مبتدأ به، وليس بمتوسط كلام كقولك: زيد - والله - منطلق. إذا كان كذلك، لم يخل من كونه جوابًا أولا، (وليس) في هذا الكلام، ولا في البيت الذي بعده ما يصح أن يكون جوابًا غير قوله: (لتغني عني) فقد ثبت أنه جواب، فهذا يسقط
[ ٧٤ ]
إعتراض من اعترض على هذا. فإن قالوا: إن المقسم عليه، إنما يكون جملة، وليس هذا الذي ذهب إليه أنه مقسم عليه بجملة. /٥ ب لأن اللام في تقدير الدخول على (أن) و(الفعل) في تقدير - إسم مفرد، قيل: إن ذلك لا يمنع من وقوعه موقع الجملة التي يقسم عليها - وإن كان مفردًا- وذلك أن الفعل والفاعل اللذين وجدناهما في الصلة يسدان مسد الجملة فيصير المجموع بمنزلة الجملة، وسادًا مسدها، كما كانت في الجملة في نحو قوله تعالى: "أفحسب الناس أن يتركوا، أن يقولوا، آمنا " وكقولهم: علمت أن زيدًا منطلق. ألا ترى أنَّ هذا الموضع من المواضع التي يقع فيها ما هو بجملة في المعنى، وقد صد ما ذكرناه مسدها، وكذلك قولهم: لو أنك جئتني، لأكرمتك. وكقولهم: أقائم زيد؟
هذه المواضع قد استغنى فيها عن الجملة بالمفرد. ما كان على الوصف الذي أعلمتك على إنكار هذا من هذا الوجه، لا يسوغ لمن قال منهم بقول الكسائي.
وذلك أنه يجيز على ما بلغنا منه: أعلم أنَّ زيدا منطلق. فيفتح (أن) و(ان) وما بعدها في تقدير مفرد كما أن (أن والفعل) كذلك، ووجه مجاز الجميع ما أعلمتك. وهذه جمل من القول على إئتلاف هذه الكلم.
[ ٧٥ ]