أعلم أنَّ الشاذ في العربية على ثلاثة أضرب:
شاذ عن الاستعمال مطرد في القياس.
ومطرد في الاستعمال شاذ عن القياس.
وشاذ عنهما.
وهذا قول أبي بكر (﵀).
فأما الشاذ عن الاستعمال المطردّ في القياس، فكما في (يدع) و(يذر)، فماضي هذا لا يمنع منه القياس. ألا ترى أنه لا تجد في كلامهم مضارعًا لا يستعمل فيه الماضي، سوى هذا، فلهذا شذَّ عن قياس نظائره، فصار قول الذي يقول: (ودع) شاذًا عن الاستعمال. وقد حكى أبو العباس أنَّ بعضهم قرأ " ما ودعك - ربك - وما قلا". ومثل هذا لا تستحب قراءته للشذوذ، ولرفضهم ذلك وإستغنائهم عنه بتركه. وكما رفض مثال الماضي منه، فكذلك رفض المصدر. وإسم الفاعل. فإنَّ بعض البغداديين (أنشد).
[ ٧٦ ]
١٦ - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . حزين على ترك الذي أنا وادع
وهذا في القلة كما تقدم، ومثل (يدع)، (يذر) غير أني لا أعرف ماضيه، وإسم فاعله استعمالًا في موضع. ومثل هذا في الشذوذ عن الاستعمال -وإن كان غير ممتنع في القياس- رفضهم وصل كاف التشبيه بعلامات الضمير، واستغني عنه بقولهم: أنا مثلك. وأنت مثلي. فصار قول الواصل له بهما شاذًا عما عليه استعمال لكثرة، والجمهور. فمن ذلك بيتا الكتاب:
١٧ - حيىّ الذنابات يمينًا كتبًا
وأم أو عال كها أو أقربا
وقال:
١٨ - فلا ترى بعلا ولا حلائلا
كه، ولا كهنً إلا حاظلا
وأجازه (عند) أصحابنا مجراه هذا المجرى.
ومن هذا الباب قولهم: أرأيتك زيدا ما فعل؟. وفي التثنية والجمع ارأيتكما،
[ ٧٧ ]
وأرأيتكم. والتاء هي ضمير الفاعل مفردة في جميع الأحوال (وإن) كان المخاطب واحدا مذكرا، أو مؤنثا، أو مجموعا، والقياس لا يمنع تثنية ذلك وجمعه، كما لم يمنع من ماضي (يدع) و(يذر) إلا أن الاستعمال لم يأت في ذلك، واستغنوا بما اتصل من حرف الخطاب بعلامة الضمير على أن يثنى ويجمع. وقد وجد كذلك أمثل في كلامهم كقوله: " ذلك أدنى ألا تعولوا فجعل الخطاب للواحد من الجماعة فهذا مثل (أرأيتكم) في المعنى، وفي التنزيل: "قل أرأيتم أن أخذ الله سمعكم وأبصاركم ". ولو قلت في نظيره في التثنية والجمع وتأنيث المؤنث، لكان مقيسا مستعملا.
فأما الكاف في (أرأيتك) و(أرأيتكم)، فقد اختلف فيها. فقال أصحابنا: إنها لا موضع لها من الإعراب. وقال بعضهم، موضعها (نصب)، وقال آخرون: موضعها (رفع). ولا يخلو القول فيها من أن يكون على أحد هذه الوجوه. فالذي يفسد قول من قال: إنها رفع أن التاء هي الفاعلة، وموضعها رفع، كما أنها في قولك: علمتك خارجا. ونحو ذلك في موضع رفع فيمتنع إذًا أن تكون الكاف مرفوعة لإستحالة كون فاعلين لفعل واحد في كلامهم على غير وجه الإشتراك. ألا ترى أنَّ الآخر يغير حرف العطف، فهذا القول بعيد جدًا، ويدلك على إمتناع الكاف من أن يكون في موضع (نصب) أنها لو كانت في موضع (نص) أو أنها المفعول الأول من المفعولين اللذين يقتضيهما (رأيت) - والمفعول الأول في المعنى هو المفعول الثاني - (لكانت بمعنى الغائب).
فأنت إذا قلت: أرأيتك زيدا هذا الذي أكرمته؟. لا يصح استعماله أن يكون المخاطب غائبًا، فما يكون إذن المفعول الأول، فإذا لم يكن إياه، علمت أنه لا موضع - هو - أن زيدا في موضع المفعول الثاني.
[ ٧٨ ]
فإن قلت: فمن الأفعال ما يتعدى إلى ثلاث مفعولات، والمفعول الأول منها لا يكون الثاني. فلم لا يكون (أرأيتك) أيضًا؟، قيل: إنَّ هذا الفعل ليس من تلك الأفعال التي تتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، ولو كان منها، جاز تعديه إليها في غير هذا الموضع، وإمتناعه من ذلك -فيما عدا هذا- يفسر هذا الإعراب (وإذا كان كذلك، فهو ملحق فلا يكون في) موضع الإعراب. وكثير في كلامهم، من ذلك إلحاقهم إياه في (ذلك وتلك وهولئك، وهنالك وأولئك). وقالوا: /٦ آأبصرك. وحكى بعض البصرييين وصلها بـ (ليس) وفي مواضع آخر لم يحكها أصحابنا، فإذا إمتنع أن تكون في موضع نصب، أو رفع، علمت أنها لا موضع لها من الإعراب، وأنها في كونها للمخاطب فقط كتاء.
ويحكى عن عيسى أنه كان يحذف الهمزة من (أرأيتك التي بمعنى العلم. وهذا أيضًا ليس بمطرد في القياس. ألا ترى أن التخفيف القياسي في هذا أن تجعلها بين بين،، ولا تحذفها ولا تقلبها قلبا. وقد جاء قلب الهمزة في الشعر للضرورة. ولم يبلغ القلب -عندي- في هذا أن يكون سائغا عند الجميع مطردا. وقد سمع في بعض الأشعار، وقال الراجز:
١٩ - أريت أن جاءت به املودا
مرحلا ويلبس البرودا
ومن هذا الباب قولهم: ظننت زيدا منطلقا. وإمتناعهم من نقله بالهمزة ليتعدى إلى مفعول ثالث. وقد حكى أبو عثمان إجازته عن أبي الحسن وذهب هو إلى الإمتناع من إجازته، وأنِّه قد استغنى عنه، بقولهم جعلته يظن كذا، أو
[ ٧٩ ]
صيرته يظن. وقال أبو زيد يقال للجبان: مفؤود، ولا فعل له وقال: وقالوا: مدرهم، ولم يقولوا: درهم. وحكي عنه: أعين: بين العين. واشيم: بين الشيم، ولم يعرف له فعل. فإن قلت: كيف يكون قوله: " بماء معين" على هذا، وإن لم يستعمل؟، فقلت: منه على هذا المعنى، فإنّ ذلك لقلته لا نحمله عليه، وإن كان في القياس غير ممتنع. ولكن نجعله معتلا. قال أبو الحسن: معن: بمعنى معانة. وقال أحمد بن يحيى: أمعن بحقه، وأذعن، وطابق. وحكي عنهم: سألتع معاناته. فواحد هذا في القياس (معين) -كقضيب وقضبان- وهو سائل الماء، وحكى أبو إسحاق عن الأصمعي في قوله:
٢٠ - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فإن ضياع مالك غير معن
قال: غير سهل. فالمعنى على هذا وصف. والميم فاء الفعل. معناه: سهل غير معتاص، وأما المطرد في الاستعمال، الشاذ في القياس فنحو قولهم: (استحوذ) وإن كان في الاستعمال مطردًا، ومثله قولهم: القود. ورجل روع، وقال أبو زيد: طعام قضض. فيه حصى. وقالوا: قوم ضففوا الحال، ولا نعلم التصحيح في اللام جاء في شيء من كلامهم كما جاء العين في نحو (القود). ومن ذلك قولهم: القصوى. وقياس هذه الياء. ألا تراهم قالوا: الدنيا: والعليا. ومن ذلك
[ ٨٠ ]
قولهم: عساكم تضربون. ومنه "كاد الغوير ابؤسا" ألا تراك لا تقول: كاد زيد قائمًا. وإنما المستعمل هنا (المضارع) و(أن) في (عسى). فأما إسم الفاعلين، فلم يجئ في هذا الباب فيما علمنا ألا في هذا المثل. وهذا يدلك على مشابهة هذا الضرب من الأفعال الموضوع للمقاربة كباب كاد وأخواتها، ومن ثم أجاز سيبويه كون فاعلها ضمير القصة والحديث المفسر بالجمل وعلى هذا قوله: " من بع ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ". فيزيغ على هذا في موضع نصب. وقد يحتمل أن يكون فاعل (كاد). في الآية ما تقدم ذكرهم. ألا أن الضمير عاد ذكر الواحد من حيث كان يعبر عنهم بالقبيل والفريق، وما أشبه ذلك من الأسماء العامة المفردة اللفظ. ومن هذا الباب تسكينهم الياءات التي هي لامات في موضع النصب في الشعر، وإنما ذكرناه في هذا الفصل، لأن أبا بكر حدثنا عن أبي العباس، أنه كان يقول: ل جاء هذا في الكلام، لكان عندي جائزا حسنا، فمن ذلك ما أنشدناه أبو بكر: عن أبي العباس عن أبي عثمان قال: أنشد يونس أحسبه لعروة بن الورد.
٢١ - أكاشر أقواما حياء وقد أرى
صدورهم باد على مراضها
[ ٨١ ]
وأنشد أيضًا لبشر بن أبي خازم:
٢٢ - كفى بالناى من أسماء كاف
وليس لحبها إذ طال شاف
قال أبو بكر: قال أبو العباس: أنشدني أبو محلم بيت الخطفي.
٢٣ - يرفعن بالليل إذا ما سدفا
أعناق جنان، وهاما رجفا
وهذا في الشعر منه كثير، وفي الكتاب منه غير بيت، ووجه القياس فيه أن الألف قريبة من الياء، وواقعة موقعها في مواضع تراها. فكما أنَّ الألف من المثنى في الأحوال الثلاث على صورة (واحدة)، كذلك الياء فيهن عليها. ومما يقوى قول أبي العباس في ذلك أنَّ هذا النحو قد جاء في الكلام، والنثر، وحال السعة، فمن ذلك قولهم: لا أكلمك صبرى دهر. بإسكان الياء. ومن أضاف نحو: (معدي كرب)، لم يفتح الياء من (معدى كرب) وهو في موضع نصب. ومن أجاز حركة هذه الياء، كان مخطئًا تاركًا لكلامهم، وأن كان القياس غيره. كما أن من أعل (استحوذ) كان تاركًا لكلامهم. وفي معدى كرب ضرب من الشذوذ وهو أنَّ (معدى) لا يخلو من أن يكون (فعلي) من معد في الأرض إذا بعد، أو يكون
[ ٨٢ ]
(مفعلا) من (عدا) يعدو، وليس في الكلام (فعلي) و(المفعل) بكسر العين من المعتل اللام، إنما يجيئ على (مفعل)، كالمعتدى، والمنتمي ٦ ب والمعني، فلا يحمل هذا على (فعلي) لأنه ليس في الكلام، ولكن على (مفعل) لأمرين، أحدهما: أن يكون هذا الحرف، قد جاء على قياس الصحيح، ليؤذن أنه الأصل كما جاء (القود) كذلك. وكما جاء (المطلع)، والآخر: أن الأسماء الإعلام قد تجيئ في غير شيء مخالفة لغيرها، ومختصة بأمثلة لا يشركها فيها غيرها. ألا تراهم قالوا: موهب ورجاء بن حيوة وموهل. وليست واحدًا مثل ذلك في غيرها، فكذلك يكون هذا الإسم على حدهن في المخالفة.
ومن الشاذّ في القياس والاستعمال، قولهم. (اليجدع). وإدخال لام التعريف فيه على الفعل فهذا شاذ عن القياس لأن موضع الفعل على خلاف التخصيص، وشاذ في الاستعمال أيضًا، ولم يوجد ذلك إلا في شعر أنشده -أبو زيد وهو:
٢٤ - يقول الخناء وأبغض العجم ناطقًا
إلى ربنا، صوت الحمار اليجدع
وفي هذا الشعر:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . اليتقطع
وأظنُّ حرفًا، أو حرفين آخرين.
وأنشد أبو زيد:
[ ٨٣ ]
٢٥ - وداع دعا هل من مجيب. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فقلت: وهذا أوسع من الأول وقد حكاه يونس، وأبو عبيدة، وخلف الأحمر وأبو الحسن الأخفش. وأنشد أبو عثمان عن أبي زيد، عن خلف عن أبي خليفة.
٢٦ - تزوجتا رامية هرمزية
بفضل الذي أعطى الأجير من الرزق
فأضاف إلى الإسمين جميعا وليس ذلك بمعروف في شيء آخر. وأنشد عن أبي عثمان. قال: أنشدني كيسان لإبن همام السلولي.
٢٧ - لا يمسك المال إلا ريث يرسله. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فأضاف (رث) (إلى الفعل). وأنشد أبو الحسن:
٢٨ - يا ابن الزبير. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٨٤ ]
والأبيات
فإن شئت، قلت: أبدل من (التاء) الكاف، لإجتماعها معها في الموضغين، وإن شئت، قلت: أوقع الكاف -وإن كان في أكثر الاستعمال للمفعول - للفاعل لإقامة القافية - ألا تراهم يقولون: رأيتك أنت، ومررت به هو فتحمل علامات الضمير المختص بها بعض الأنواع في أكثر الأمر (فتقع) موقع الآخر، ومن ثَّم جاء (لولاك). وإنما ذلكّ لأنَّ الإسم -لا يصاغ معربا، وإنما يستحق الإعراب بالعامل، وأنشدنا أبو الحسن الأخفش عن الأحول عن أبي عبيدة:
٢٩ - وكم موطن لولاي طحت. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فأما إبدال (الياء) من الألف في (قفا) في الإضافة، فإنها أبدلت كما أبدلت الألف منها، فيمن قال: رأيت هذان. وقالوا أيضًا: عليك، وإليك، وقد أطرد هذا في بعض اللغات، وعلى هذا:
٣٠ - سبقوا هوى، وأعنقوا لهواهم
فتخرموا ولكل جنب مصرع
وقال أبو داود الأيادي
[ ٨٥ ]
٣١ - فأبلوني بليتكم لعلي
أصالحكم، وأستدرج نويا
فأبدل الياء من الألف في (نوا). ومثل ما أنشده أبو الحسن:
٣٢ - يطوف بي عكب في معد
ويطعن بالصملة في قفيكا
وكما أبدلت الألف منها في حاحيت، وعاعيت حيث أريد إزالة التضعيف فيه كما أريد في نظيره من الواو. وهو ضوضيت وقوقيت. وهذا مذهب أيضًا، وفي التنزيل: " من أن تأمنه بدينار " وفيه: " .. فهي تملى عليه بكرةً وأصيلا" وأما قول الفرزدق.
٣٣ - وباشر راعيها الصلا بلبانه
وكفيه حرُّ النار ما يتحرف
فقد يكون على العطف على عاملين كقول الآخر:
[ ٨٦ ]
٣٤ - أوصيت من قسوة قلبا حرا
بالكنة خيرا، والحماة شرا
فإن أضمرت في قول الفرزدق، الجار لتقدم ذكره كما ذهب إليه بعض الناس في قوله: " وإختلاف الليل والنهار لآيات "، لم يخلص مع ذلك من عيب آخر، وهو الفصل بين المعطوف وحرف العطف وذلك ما لا تكاد تجده في مصطلح حال السعة والاختيار. فأما قراءة من قرأ: ومن وراء إسحاق يعقوب" بالفتح، فلا يخلو من أن تعطفه على الباء الجارة، كأنه أراد أنها بشرت بهما أو لحمله على موضع الجار والمجرور على حد من قرأ "وحور عين" بعد "يطوف عليهم وكأس ".
والوجه الأول ليس بالسهل، لأن الواو عاطفة على حرف الجر، وقد فصل بينهما، وبين المعطوف بها بالظرف، والآخر أيضا كذلك، وأن كان الأول أفحش وهذا كما أعلمتك إنما تجده في الشعر، وعلى هذا قوله:
٣٥ - أبو خش يؤرقنا. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ففصل بالظرف أيضًا بينهما، وفيه ضرورة أخرى، وهي أنه رخِّم في غير النداء. ومن زعم أن ذلك محمول على الفعل على غير وجه الترخيم. فما روته
[ ٨٧ ]
الرواة من أنَّ هؤلاء قوم لا يذاع هذا الذي غاب عنهم، فهو يراهم في النوم، لتسوقه إليهم بدافع أن يكون على ما ذكره. وأما قول العجاج:
٣٦ - قواطنا مكة
فمن /٧ آذهب فيه إلى أنه أراد به (حمام)، ورخم ثم أبدل من الألف الياء، كما ذكرت لك من مناسب الألف لها، فإنَّ ذلك لا يصح إنه لا يخلو من أن يكون رخمه، وفيه الألف واللام، أو لم يكونا فيه، فإن كانا فيه، لم يصح ترخيمه. ألا ترى أن ما فيه الألف واللام في النداء لا يبنى كما يبنى المفرد المعرفة. فإذا لم يجز فيه بناء النداء، فإن لا يجوز فيه الترخيم أولى. وإن رخمه بعد نزع لام التعريف منه، لم يجز أيضًا لأنه إسم جنس، وليس واحدًا مخصوصًا. والترخيم يجيء في الأعلام، ولا يجيء في الأسماء الشائعة إلا فيما كان واحده تاء التأنيث كقوله:
٣٧ - جاري لا تستنكري عذيري
وليس هذا الإسم كذلك، وإذا كان على ما وصفت لك، لم يجز تقدير الترخيم في هذا، لأن التجوز للضرورة إنما هو أن يجوز في غير النداء ما يجوز في النداء. فأما ما لا يجوز في النداء، فكيف يتجوزه إلى غيره؟. ولكن الأمثل من هذا أن تقدر حذف الألف من (الحمام) للضرورة، كما يقصر الممدود. فإذا حذف الألف، اجتمع مثلان، فأبدل من الثاني (الياء) وليس ذلك في الكثيرة كأمليت، وتقضيت ونحوه في الفعل. ولكن حكى أحمد بن يحيى. لا وربيك ما أفعل، يريد: لا
[ ٨٨ ]
وربك. فأبدل من المثل الثاني في الياء.
قال أحمد: وهي عمانية. فهذا نظيرهما في البيت. وأما قول العجاج:
٣٨ - خالط من سلمى خياشيم وفا
فإني أذكر لك أصله لتتبين مواضع الشذوذ فيه.
أعلم أنَّ أصل هذه الكلمة (فعل) الفاء منها مفتوحة نسمعها كذلك، والعين منها (واو)، واللام منها (هاء). وحروف العلة إذا كانت لامات، فقد تحذف لما يعتورها من من الحركات، وهي مستنكرة فيها لمجانستها لها فحذفت للتخفيف، ولكن لا يكثر في كلامهم جملة ما يستثقلون. وأما ما سبق لهذه الحروف لخفائها، وقربها من مخرج الألف، وكونها بمنزلة في بيان الحركة ومن ثم كان الإختيار، والأقيس في نحو: (عليه) "س وألقي عنده "، و" خذوه فغلوه"، حذف الحرف اللين اللاحق لهذا الضمير في الوصل-، فلما أشبهت الهاء هذه الحروف، فأجريت مجراها فيما ذكرت لك، حذفت لاماتها أيضًا، كما حذفت لامات في غير موضع، فمن ذلك قولهم: سنة، وعضة وشية، وشاة، وكان حذفها أجدر لما ذكرت. إذ قد حذف من هذه الحروف ما هو أدخل في الفم منها، وأبعد شبها بحروف اللين منها، ومن ثم أيضًا اعتورها الحرف اللين في الكلمة الواحدة، وذلك قولك في عضة: عضاة، واللام هنا على هذا القول، ومن ثم قال:
٣٩ - وعضوات تقطع اللهازما
[ ٨٩ ]
كان اللام هذه واو. وكذلك (سنة). فمن قال: ليست السنهاء، اللام هاء عنده. ومن قال: المساناة، وأسنتوا، أن اللام عنده (واو). واللام والتاء في (أسنتوا) من الياء على حد (أعزب).
فأما شفة، فليس فيه إلا (التاء). تقول: شفاه، وشافهت، فكذلك هذا الحرف، لما حذفت لام منه، كما حذفته مما ذكرت لك، وبقيت العين التي هي حرف علة، حرف إعراب.
وهذه الحروف إذا وقعت حروف إعراب، لزم إنقلابها ألفا، لكونها متحركة طرفا. واقعة بعد متحرك. وإذا إنقلبت ألفا، سكنت، ويلحقها التنوين فليزم أن تحذف لإلتقاء الساكنين فيبقى الإسم على حرف واحد. فلما كسرت، أبدت من هذه العين الميم لمشاركته لما في المخرج، كما أبدلت من الياء (الواو). وكذلك يبقى الإسم على حرفين.
وكون الأسماء على حرفين من هذه المحذوفات غير ضيق. فمن ثم قالوا: في الأفواه (فم) فإذا أضفت إلى مالك، لم تبدل، وتركت العين على حالها، لأن بقاء الإسم على حرف واحد لمعاقبة الإضافة، والتنوين. ومن ثمًّ لم يستعمل في حال الإضافة بالميم، إلا في شعر كقوله:
٤٠ - يصبح ظمان وفي البحر فمه
وكان القياس على من أفراد أن يبدل من العين الميم، لما أعلمتك. فلما ترك هذا القائل إلا بدال، صار العين حرف إعراب فانقلبت ألفا، ولحق التنوين، فانحذف الساكن الأول فبقي الإسم على حرف واحد، فكان خارجًا. وجملة الأمر الأكثر مما عليه الأسماء المظهرة المتمكنة. ألا ترى أنك لا تجد إسمًا مظهرًا في كلامهم
[ ٩٠ ]
على حرف واحد؟. فإن قلت: فقد قالوا في القسم (م الله لأفعلن)، ومن النحويين من ذهب إلى أنه محذوف من (ايمن)، كان اللام حيث كانت نونا، حذفت، كما حذفت من قولهم دد تراهم أتموا فقالوا: ددن. مثل حزن. وهو أيضًا مشاره في الخفايا للحروف اللينة، وواقع أيضًا مواقعها في الزيادة، وكونها إعرابًا، وإغامًا في (الياء) و(الواو). فلما كان كذلك، حذفت لامها، كما حذفت لامات، وحذفت الفاء التي هي ياء، لأنها تعتل بمواضع فيبقى الإسم على حرف واحد. فإن ذلك حرف نادر، وجاز ذلك عند القائلين بهذا القول لمشابهته الحرف، ولزومه موضعًا واحدًا. ألا ترى أنَّه لا يتعدى القسم، وليس (م) كذلك؟. على أن أبا بكر كان يقول: إنها ليست محذوفة عند من (قال) ايمن، وإنما هي (من الله) فحذف النون، ألا تراهم قد إستعملوا هذا الحرف في القسم فقالوا: (من ربي لأفعلن). وغيروا أيضًا، فضموا الميم منه. والنون قد تحذف لإلتقاء الساكنين حذفا كالمطرد. ألا ترى أن بعض القراء قد قرأ " أحد الله ". "وقالت اليهود عزير إبن الله " وقد جاء: "حميد الذي أحج دراه" وأنشد أبو عمرو.
٤١ - وحاتم الطائي وهاب المئي
وهذا كثير في الشعر، وأجري ٧ ب النون مجرى حرف العلة في الحذف
[ ٩١ ]
لإلتقاء الساكنين، ومن ثُّم قالوا: لم تك منطلقًا. فإن قلت: إنَّ هذه النون من نفس الحرف، تقع أيضًا في موضع، الحركة فهذا لم يمتنع تأويله هنا. كما لم يقولوا: لم يك الرجل منطلقًا، ولكن أثبتوا لمفارقته حرف اللين في هذا الموضع، لمكان الحركة. قيل: إنها وإن كانت تقع موقع الحركة فقط جاءت محذوفًة. ألا ترى أنهم قد أنشدوا:
٤٢ - لم يك الحقُّ على أن هاجه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فحذفت مع كونها في موضع الحركة. فكذلك لا يمتنع الحذف في ذلك التأويل، لمكان الحركة، فإن قلت: أن الحروف لا يحذف منها إلا أن تكون مضاعفة، وليس في (من) تضعيف؟، قيل: قد حذفت النون بعينها لإلتقاء الساكنين في الحروف في قوله:
٤٣ - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولاك أسقني إن كان ماؤك ذا فضل
وقالوا: هلمَّ فإذا كان كذلك، كان حمله على هذا الوجه أسوغ من حمله على أنه مظهر على حرف واحد. لأن ذلك لم يجيء في موضع. وقد حكي أن كثيرًا من الناس قد لحنوا العجاج في قوله هذا. ووجه ذلك غير جلي.
ومما يجري مجرى (فم) في الإضافة في كونه على حرفين أحدهما حرف لين لأمن التنوين قولهم: ذو مال. ومنه أيضًا ما حكاه أبو الحسن، عن يونس، عن أبي عمرو من أنه كان ينشد:
[ ٩٢ ]
٤٤ - أبى جوده لا البخل واستعجلت به
نعم من فتى لا يمنع الجود قاتله
فهذا على قول أبي عمرو مضاف كما ترى. فإذا أضافه، جعله إسمًا، وإذا جعله إسمًا، لزمه أن يكون على ما تكون عليه الأسماء، وليس في مفرداتها شيء على حرفين أحدهما حرف لين. وهكذا القياس في هذا، إذا آثر أن يجعله إسمًا. إلا أنه لما كان مضافًا، كان بمنزلة ما ذكرت لك من قولهم: فوك، وذو مال. وساغت الإضافة لأن (ل) قد تكون للجود، كما تكون للبخل. فقياس الألف في (لا) أن تكون عينًا في موضع حركة، ولا تكون على حدها قبل النقل. ألا ترى أن الضمة في قولك: هي الفلك غير الضمة في قولك: هو الفلك. ومن ثم رد النحويون الفاء في ترخيم (شيه) إسم رجل على حدّ من قال: يا حار. فأجمعوا على الرد، وإن اختلفوا في غيره، فقد تعين لك من جملة ما ذكرنا موضع الشذوذ في هذه الكلمة. فأما قوله:
٤٥ - هما نفثا في فّي من فمويهما. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فمن النحويين من يذهب إلى أنه أوقع الحرف موقع اللام، واجتمع مع ما هو بدل منه. قال أبو بكر: والذي حسن ذلك له أن الكلمة كانت قبل الرد ناقصة، ولولا نقصانها، لم يسهل هذا. فإن قلت: فلم لا تكون (الواو) بدلًا من (الهاء) التي هي لامها، وتكون هي والهاء تتعاقبان على الكلمة، كما تعاقبتا في (عضة) و(سنة)، فإنك لا تجد (الواو) لا ما في هذه الكلمة في غير هذا الموضع. فليس
[ ٩٣ ]
هو إذن كما ذكرت لك في سنة وعضة، فإن قلت: إني وإن لم أجده في موضع، لم يمتنع أن أحمله عليه لأني لا أجد العوض والمعوض فيه يجتمعان. فهو مذهبه. ومما يجيزه النحويون في إضطرار الشعر، قطع همزة الوصل في الدرج، ووجه ذلك أن الوصل يجري مجرى الوقف، كما أجرى الوصل مجرى الوقف في (سيسبا) و(عهيلّ) وأمثل ذلك أن تكون في نصف البيت كقول الشاعر:
٤٦ - أو مذهب جدد على الواحة
الناطق المبروز والمختوم
وفي هذا ضرب آخر من الضرورة، وهو قولهم: المبروز. والمراد: المبروز به، فحذف، وحكم الضمير المنصوب إذا إتصل بإسم الفاعل الداخلة عليه الألف واللام على معنى الذي أن لا يستحسن حذفه من الفعل في صلة (الذي) قال أبو عثمان: فإن حذف الضمير من إسم الفاعل كان قبيحًا، وهو جائز في القياس، ولا يكاد ذلك يوجد في كلام، ولا شعر. فإذا لم يحسن حذف الضمير المتصل من إسم الفاعل مع حسن حذفه من صلة الذي، فإن لا يحسن حذف الضمير المتوصل بالجار المنفصل من إسم الفاعل مع إسم الفاعل، أجدر إذ كان حذف ذلك من صلة الذي غير مجوز. ألا ترى أن من قال: الذي ضربت أخوك، لم يقل الذي مررت زيد، وهو يريد به. كما لا تقول: الذي ضربت عمرو وهو يريد: ضربت أخاه. لإجتماع الضمير في الموضعين في الإنفصال عن الفعل، فإذا كان كذلك، علمت أن هذا الحذف في هذا البيت قبيح، ولا يستقيم إلا على هذا التقدير.
ألا ترى أنك تقول: برز زيد، وأبرزته، وبرزت به. وعلى هذا قال:
٤٧ - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وأبرز ببرزة حيث اضطرك القدر
[ ٩٤ ]
وكان الذي يسوغ ذلك في الضرورة أن الجار مع المجرور في موضع نصب. بدلالة أنك تعطف عليه، كما تعطف على المنصوب، وكما إستجاوزا حذف الجار مع المجرور، ولم يكن الجار وإن كان منفصلًا عن الصلة -كأخه وغيره من الأسماء المنفصلة، لأن ذلك يقصد في نفسه، وليس الجار كذلك، لأنه متعلق أبدًا بالمجرور، فكأنه من أجل ذلك بمنزلة ما هو من جملة الإسم. وإستجازتهم لهذا مع أنه لم يجر ذكر حرف جار يدل على المحذوف، مما يقوى مذهب الخليل وسيبويه وأبي عثمان في قول الراجز.
٤٨ - إن الكريم وأبيك يعتمل
إن لم يجد يوما على من يتكل
والمعنى عندهم: إن لم يجد يوما على من يتكل عليه. فحذف، وكان حذف هذا /٨ آأحسن من الأول لجري ذكر حرف الجر. ألا ترى أنه إستجاز: (على من تمرر، أمرر). وعلى أيهم تنزل. إنزل. فتحذف الجار من الفعل الثاني. ولو قلت من تكرم، أنزل عليه، لم يسغ، كما ساغ في الأول من حيث لم يجر ذكر الحرف كما جرى في الأول.
فأما (على) في قوله:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إن لم تجد يوما على. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مزيدة في قولهم، والمعنى: إن لم تجد من تتكل عليه. تعدى الفعل بالحرف
[ ٩٥ ]
كما تقول: ضربت لزيد. وفي التنزيل: ( ردف لكم ) و( إن كنتم للرؤيا تعبرون) وقال تعالى: (ألم يعلم بأن الله يرى) ( ويعلمون أن الله هو الحقُّ المبين). فوصل الفعل مرة بالحرف ومرة بلا حرف، فكذلك: هذا وجدته، ووجدت عليه، بمعنى. فأما المحذوف من الصلة، فيكون على أنه حذف الجارَّ والمجرور، كما قرئ: (.. ولا تجزي نفس عن نفس شيئًا ) أن فيه مرادًا. وإن شئت، قلت: حذف الحرف، فوصل، واتصل الضمير، ثم حذف، كما حذفت في نحو: ( أهذا الذي بعث الله رسولًا)، وهذا التقدير أسهل من الأول. وأشندنا عن أبي العباس:
٤٩ - فمن يك لم يغرض، فإني وناقتي
بفلج إلى أهل الحمى عرضان
أحنُّ كما حنت وأبكي صبابة
وأخفي الذي لولا الأسى لقضائي
يريد: قضى علّي، فحذف، وأوصل. قرأ بعضهم: ( من فضة قدرها ) يريد: قدروا عليها، فأوصل الفعل بعد الحذف. وقول البغداديين في البيت (إن لم تجد يوما) بمنزلة: يعلم، كأنه: (إن لم علم على من يتكل)، فالكلام في تأويلهم
[ ٩٦ ]
هذا إستفهام وموضع الجملة نصب. كقوله: (إنَّ الله يعلم ) كأنه قال: إن لم ( يعلم ما تدعون من دونه ) (إن ربك هو أعلم بمن يضل عن سبيله ) فالجاز في قولهم متصل (بيتكل) وهو المجرور في موضع نصب بـ (يجد) وقول الرياشي في هذا كقول البغداديين.
ومن الضرورة غير المستحسنة ما أنشده أبو بكر عن السكري عن أبي حاتم.
٥٠ - أضرب عنك الهموم طارقها
ضربك بالسيف قونس الفرس
الباء متحركة بالفتح على تقدير إرادة النون الخفيفة، ولا يخلو من أن يريد به الوقف، أو الوصل فإن أراد الوصل، كان الحكم أن تثبت نونا في الصلة كقوله: ( لنفسعا بالناصية). وإن أراد الوقف وجب أن يبدل منها الألف كما يبدل منها في (لنسفعا) فلم يجيء على واحد من الأمرين، ولكنه حذف الحرف لدلالة الفتحة عليه، ومثل ذلك في خروجه عن حد الوقف والوصل جميعًا قول الشاعر:
[ ٩٧ ]
٥١ - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ما حجَّ ربه في الدنيا ولا اعتمرا
الوصل في هذا أن تلحق الواو، وأجرى الوصل مجرى الوقف (في) (ربَّه في الدنيا).
كقول الآخر:
٥٢ - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ومطواي مشتاقان له أرقان
فهذا أجرى الوصل مجرى الوقف. والآخر ليس من ذلك. ولكن حذف الحرف له في الوصل لدلالة الضمة عليه، وحذف هذا أسهل من حذف الواو من الضمير المنفصل المرفوع، لأنَّ هذه الواو قد تحذف في الوقف، والوصل جميعًا إذا سكن ما قبلها. والواو في (هو)، والياء في (هي) لا تحذفان في حال سعة، وإنما جاء في ضرورة الشعر في قوله:
٥٣ - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إذه من هواكا
وقول الآخر:
٥٤ - فبيناه يشري رحله. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وعلى وجه التشبيه بهذا الحرف اللين اللاحق بضمير المنصوب، أو المجرور، لإجتماعهما في أنهما علامتا ضمير، وأن الحروف في القبيلين حروف لين، وإن اختلفا فيما ذكرت لك، فإن قلت فهل يكون هذا البيت المحذوف فيه الخفيفة على قياس قول من حذف التنوين من الإسم في موضع النصب كقول الأعشى:
[ ٩٨ ]
٥٥ - إلى المرء قيس أطيل السرى
وآخذ من كل حي عصم
فحذف البدل من التنوين، كما يحذفه من المجرور والمنصوب. والخفيفة ثبت البدل منها إذا انفتح ما قبلها، كما ثبت البدل من التنوين إذا إنفتح ما قبله، فإن ذلك لا يكون على هذا القياس لثبات الفتحة. ألا ترى أنه، لو كان على قياس (عصم)، لوجب أن تسكن اللامّ كما سكنت منه. فإن تحرك اللام منه. دلالة على أنه على هذا الحد.
وأما قول الآخر:
٥٦ - لا تهين الفقير غلك أن
تركع يومًا، والدهر قد رفعه
فعلى تقدير الخفيفة، وهو مستقيم مقيس إلا أنك حذفتها لإلتقاء الساكنين، ولم تثبتها في: زيد العاقل. وكذلك حدهما في الكلام، وحال السعة، وأخبرنى أبو بكر عن أبي العباس؛ عن أبي عثمان قال: أخبرني إبن قطرب عن أبيه أنه سمع من العرب من يقول:
٥٧ - ألا أيهذا الزاجري، أحضر الوغى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بنصب (أحضر) على إضمار (أن) وهذا قبيح. ألا ترى أنَّ (أن) لا تكاد تعمل مضمرة حتى تثبت عنها عوضًا نحو: (الفاء، أو الواو) تعطف على إسم. فأما
[ ٩٩ ]
أعمالها على هذا الحد، فغير موجود، إلا أنَّ نصب الفعل يدل عليها، كما أن الفتحة في البيت تدل على النون المحذوفة. ومما حذف منه في الضرورة ما لا يستحسن حذفه في حال السعة والإختيار كقوله /٨ ب.
٥٨ - وقبيل من لكيز شاهد
رهط مرجوم، ورهط إبن المعل
حذف الألف من (المعل) في القافية تشبيهًا بالياء في قوله:
٥٩ - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بعض القوم يخلق ثم لا يفر
فقد أريتك بعض ما بين الألف والياء من التشابه فيما تقدم. فكما حذفت الياء من القوافي والفواصل، كذلك حذف هذا الألف، ولم يكن ينبغي، لأنَّ من يقول: ( ذلك ما كنا نبغ )، ويقول (والليل إذا يغشى) فلا يحذف، كما أن الذي يقول: هذا عمرو، يقول: رأيت عمرا (وقال الراجز).
٦٠ - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قد رابني حفص فحرك حفصا
إلا أن (المعلى) في الضرورة لا يمتنع للتشبيه ويؤكد ذلك أن (أبا) الحسن قد أنشد.
[ ١٠٠ ]
٦١ - فلست بمدرك ما فات عني
بلهف، ولا بليت ولا لوانى
فقال: (ليت) وهو يريد: (ليتني) فحذف النون اللاحق مع الضمير للضرورة ثم أبدل من الياء الألف، ثم حذف، وقد يمكن أن يكون.
٦٢ - يا إبن أمّ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . على هذا كأنه محذوف من قول من قال:
٦٣ - يا إبنة عمي لا تلومي واهجعي:
فأبدل، ثم حذف، وعلى هذا تأول أبو عثمان قول من قرأ ( يا أبة لم تعبد ) ومن الضرورة غير السهلة ما أنشدناه أبو إسحاق.
٦٤ - إن العرارة والنبوح لدارم
والمستخف أخوهم الأثقالا
قال: مروى (والمستخف) بالرفع، والنصب على موضع (أن) ولفظها، ولم يذكر لنا غيره، ولو انشد منشد بالجر، لكان أسوغ، فانتصب المفعول بها في الصلة، ولم يحتج بأن تقدر له ناصبًا آخر. ومثل هذا في القبح:
[ ١٠١ ]
٦٥ - لسنا كمن جعلت إياد دارها
تكريت ترقب حبها أن يحصدا
وليس هذا كما أنشده أبو إسحاق عن الأحوال للبيد:
٦٦ - لعمرك أن كان المخبر صادقا
لقد رزئت في آخر الدهر جعفر
إذا كان أما كلُّ شئ سألته
فيعطى، وأما كلُّ ذنب فيغفر
ألا ترى أنَّ في التنزيل: (يوم يرون الملائكة، لا بشرى يومئذ للمجرمين )
وقال (ينبئكم إذا مزقتم كلُّ ممزق أنكم لفى خلق جديد). ومن الضرورة التي تستقيم لا تستجاز في الكلام ما يفعله الشاعر لإقامة الوزن من تحريف الإسم، ووضعه موضعه لفظا على معناه، وإن لم يكن العلم المتعارف، من ذلك ما أنشده أبو الحسن الأخفش:
٦٧ - بني رب الجواد فلا تفيلوا
فما أنتم فنعذركم لفيل
قال أبو بكر: أراد: ربيعة الفرس، فلم يستقم الوزن له. فعدل إلى (رب الجواد) قال:
[ ١٠٢ ]
ومثل هذا قول الآخر:
٦٨ - وفاء عليه الليث أفلاذ كبده
وكله قلد من البطن من دم
ومثله:
٦٩ - تنادوا فقالوا: أردت الخيل فارسا
فقلت: أعبد الله ذلكم الردي
وفي هذا الشعر:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أنا غضاب لمعبد
فجعله مرة (معبد). وأظنه قال الإسم (عبد الله) ومثله:
٧٠ - ربَّ مسقي بغيلي أسد
قد تقدمت بقراظ السباء
ومن ذلك قول البعيث في جرير بن عطية:
٧١ - أبوك عطاء ألأم الناس كلّهم
فقبح من كهل، وقبحت من نسل
فأما ما أنشده أحمد بن يحيى:
[ ١٠٣ ]
٧٢ - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . من نسج داود أبي سلام
فالأولى أن يكون اشتقه من لفظ (سليمان) كما اشتق (عطاء) من عطية، ولا يحمله على الغلط كقوله:
٧٣ - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كأحمر عاد. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وكقول الآخر:
٧٤ - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الركب عثمان بن عفانا
ومن قبيح الضرورة قول الشاعر:
٧٥ - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مثل الحماليج بأيدي التلام
قالوا: يريد التلامذة، فحذف، وقد أعلمتك أن ذلك لا يكون على الترخيم في ما تقدم إلا أنه قد جاء من هذا النحو ما لا يكون في الترخيم كقوله:
[ ١٠٤ ]
٧٦ - درس المنا بما بمتالع فأبان
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قالوا: يريد المنازل. ومثل ذلك ما أنشده لأبي دواد الأيادي:
٧٧ - يجعلن جندل حائر لمتونه
فكأنما تذكي سنابكها حبا
قبل: يريد الحباحب. أي: نار الحباحب، وفي التنزيل:
(فالموريات قدحا) وأنشد أحمد بن يحيى:
٧٨ - من لي من هجر ليلى من لي
والحبل من حبالها المنحل
(فالمنحل) لا يخلو من أن يكون محمولًا على الحبل، أو على الحبال، وكلا الأمريين قبيح. وأنشد الكسائي:
٧٩ - مثل الفراخ نتفت حواصله
وفي هذه الأرجوزة.
[ ١٠٥ ]
٨٠ - تعرضت لي بمكان حبل
تعرض المهرة في الطّول
تعرضا لم تعد عن (قتلا) لي
قال أبو الحسن يكون عن (قتلا) على الحكاية، ويكون أن يريد (النون) فيبدل منها العين. يريد على ما يجيء في لغة تميم من القلب في هذا النحو، وهو الذي يسمى (عنعة) تيم كقول الشاعر منهم:
٨١ - إعن تغنت على ساق مطوفة /٩ آ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي هذه الأرجوزة
٨٢ - أن تبخلي يا جمل أو تعتلي
أو تصبحي في الظاعن المولي
إلى قوله:
موقع رجلي راهب يصلي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أنشده أبو زيد. وقال أبو عثمان: يريد بالظاعن: إسم حنس. ومثل ما قال أبز عثمان -في هذا قول الآخر:
[ ١٠٦ ]
٨٣ - إنى كاني لدى النعمان خبره
بعض الأودى بقول غير مكذوب
والمعنى: الأودين. ألا ترى أن البعض يقتضي أن يكون الكل؟ فهذا أنشاد قوم، وأنشده أحمد بن يحيى: (بعض الأود) جعله على (افعل) جمعا (لود (وحكي: رجل ودوود فاما
٨٤ - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . العيهل
و. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الكلكل
فاستعمالهما بتخفيف اللام، مقدر الوقف عليه مضاعف إرادة للبيان، وهذا ينبغي أن يكون في الوقف دون الوصل لأنَّ ما لا يتصل به في الوصل يبين الحرف، وحركته، فمن ذلك. قال من قال في الوقف: هذا خالد. فإذا وصل، قال: هذا خالد. كما ترى، ويضطر الشاعر فيجري الوصل بهذه الإطلاقات في القوافي التي تجري مجرى الوقف. وقد جاء ذلك في النصب أيضا. قال:
٨٥ - مثل الحريق وافق القصبا. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وهذا لا ينبغي أن يكون في السعة، فأما قول بعض العرب: هذا طلحة. وهذه رحمة، في الوقف، فإنه أمثل من (عيهل) ونحوه، لأنَّ الأصل (الهاء) ألا ترى أن الهاء لا يؤت بها؟. وأما قولك: هذه أمة الله. فالهاء بدل (التاء) فيجوز أن يكون أصحاب هذه اللغة جاءوا بها على الأصل، ولم يبدلوا في الوقف منها الهاء. وهذا البدل من تغييرات الوقف. ألا ترى أنك تبدل فيه من التنوين الألف إذا إنفتح ما
[ ١٠٧ ]
قبله؟. وكذلك تبدلها من النون الخفيفة. ومما جاء على هذه اللغة ما أنشده أبو الحسن:
٨٥ - ما بال عين عن كراها قد جفت. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الأبيات. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ومن الشواذ عن القياس والاستعمال، ما حكي من قولهم: نزال يريد: نزال أخبرنا محمد بن الحسن وأنشدنا:
٨٧ - لقد علمت خيلي بموقان أنني
أنا الفارس الحامي إذا قيل: نزال
والاستعمال في هذا الباب التخفيف في العين، وترك تكريرها كقولهم: تراك، ومناع، وصمي، وصمام: وأنشدنا أبو الحسن الأخفش:
٨٨ - فرت يهود، وأسلمت جيرانها
صمي كما فعلت يهود صمام
ومن الشاذ ما أنشده أبو زيد:
٨٩ - هل تعرف الدار ببيدا أنه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الأبيات. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فهذا يجيء على وجوه شاذة، وفيما ذكرنا من هذه الفنون ما يدخل إلى كثير مما يرد منها.
[ ١٠٨ ]