الدراسة المنهجية، وفيه فصول:
الفصلُ الأول: مصادرُه
الفصلُ الثاني: منهجُه في عرض المسائل
الفصلُ الثالث: أصولُ الاستدلال في دراسته للمسائل النحوية
الفصلُ الرابع: التقويم
[ ١٩٨ ]
الفصل الأول مصادره
الفصلُ الأول
مصادرُه، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الرجال
المبحث الثاني: الكتب
[ ١٩٩ ]
المبحث الأول: الرجال
اعتمد ابنُ الملقن في شرحه (التوضيح لشرح الجامع الصحيح) على مصدرين عامَّين؛ هما: الرجال والكتب؛ يستكمل بهما دراسته للحديث الشريف؛ إذ رجع فيها لعلماء الحديث، واللغة، والنحو، والأصول.
أما اعتمادُه على مصدر الرجال، فنجده يستعملُ صيغًا متعددة في النقل عن هذا المصدر، كما أن له طرقًا وأغراضًا تبين حاجة الشارح لمصدر الرجال.
وابن الملقن عند أخذه من المصادر يرجع إلى علوم متعددة:
فمثالُ رجوعه لشروح الحديث: قولُه: " (حضرموت) من بلاد اليمن كما قاله صاحب (المطالع) " (١)، وكذلك قوله في (وَسادة): "قال صاحب (المطالع): الفتح أكثرُ عند مشايخنا، ووقع لجماعةٍ الضم، والأول أظهر" (٢)، وكذلك قوله في (جُرف): "قال صاحب (المطالع): هو عَلَى ثلاثة أميال إلى جهة الشام" (٣). ويقصد بذلك كتاب: (مطالع الأنوار على صحاح الآثار) لابن قرقول.
ومثالُ رجوعه إلى كتب اللغة: قولُه: "قال ابنُ السِّكِّيت: (الحميمة) الماء يسخن، يقال: أحم لنا الماء" (٤)، وكذلك قوله في (الجَرس): "قال ابنُ السكيت: الجَرس والجِرس الصوت" (٥)، وكذلك قوله في (خَزِيَ): "قال ابن السكيت: إذا وقع في بَلِيِّة" (٦). ويقصد بذلك كتابه: (إصلاح المنطق).
ومثالُ رجوعه إلى كتب النحو: قولُه: "قال سيبويه: (أول منك) أي: أقدم منك" (٧)،
_________________
(١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٤/ ١٦.
(٢) المصدر السابق ٤/ ٢٩٠.
(٣) المصدر السابق ٥/ ١٧١.
(٤) المصدر السابق ٤/ ٣١٧.
(٥) المصدر السابق ٢/ ٢٢٨.
(٦) المصدر السابق ٣/ ٢١٢.
(٧) المصدر السابق ٣/ ٤٨٨.
[ ٢٠٠ ]
وكذلك قوله في (المِربد): "قال سيبويه: هو اسم كالمطبخ، وإنما مثله به؛ لأن المطبخَ ييبس" (١)، وكذلك قوله في (فتنه): "قال سيبويه: فتَنَه: جعل فيه فتنة، وأفتنه: أوصل الفتنة إليه" (٢). ويقصد كتابه: (الكتاب).
ومثال رجوعه إلى كتب أصول الفقه: قولُه في (إنما): "واختار الآمدي أنها لا تفيد الحصر، بل تفيد تأكيد الإثبات" (٣)، وكذلك قوله في (عبادة النبي - ﷺ - قبل البعثة): "قال الآمدي: هو على شريعة نوح" (٤)، ويقصد بذلك كتابه: (الإحكام في أصول الأحكام).
أما الصيغُ التي ينقلُ بها، فتختلفُ في بنائها؛ فمنها مبنيٌّ للمعلوم، ومنها مبني للمجهول، فالمبني للمعلومُ: إما يصرِّح بالمهنة، وإما يذكرُ الاسمَ الأولَ، أو النسبَ، أو الكنية، أو اللقب، أو ينقلُ بالصفة إلى الأب.
أما تصريحُه بالاسم باعتبار المهنة، فمثل قوله: "قال القاضي عياض: في (حِراء) يُمد ويقصر".
وأما تصريحُه بالاسم فقط، فمثل قوله في (الاضطجاع): "قال عياض: الاضطجاع بعد صلاة الليل وقبل ركعتي الفجر" (٥)، وكذلك قوله في (إني أخاف ألا أذره): "قال أحمد بن عبيد بن ناصح: الهاء عائدة على الزوج، وكأنها خشيت فراقه إن ذكرته" (٦).
وأما نقلُ ابن الملقن بالنَّسَب، ففي مثل قوله عن (رُقْيَة): "قال الزمخشري: وقد يقال الذي: استرقيته بمعنى رقيته" (٧). وكذلك قوله في ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ (٨): "قال الداودي: وعد الصدق الذي وعد لعباده أن ينجي منهم المتقين" (٩).
_________________
(١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٥/ ١٧١.
(٢) المصدر السابق ٦/ ١٠٧.
(٣) المصدر السابق ٢/ ١٧١.
(٤) المصدر السابق ٢/ ٢٥٥.
(٥) المصدر السابق ٩/ ١٤٦.
(٦) المصدر السابق ٢٤/ ٥٧٣.
(٧) المصدر السابق ١٥/ ٨٩.
(٨) يونس: ٢.
(٩) المصدر السابق ١/ ٢٢١.
[ ٢٠١ ]
وأما نقلُه بالكنى، ففي مثل قوله عن (المزادة): "قال أبو عبيد: ولا تكون إلا من جلد يُقام بجلد ثالث بينهما، سُميت مزادة؛ لأنه يُزاد فيها جلد من غيرها" (١)، وكذلك قوله في (رجل من حديد): "قال أبو الحسن: من حَنِق شديد الغضب" (٢).
وأما نقلُه باللقب، ففي مثل قوله عن (سيراء): "قال سيبويه: لم يأت فِعَلاء صفة، لكن اسمًا" (٣). وكذلك قوله في (أما بعد): "قال سيبويه: معناه: مهما يكن من أمر" (٤).
وأما نقله عن العالم بالصفة، ففي مثل قوله عن (أيُجْزِي): "قال ابن التين: قرأناه غير مهموز، وضبط في بعض الكتب بالهمز" (٥). وكذلك قوله في (الطِيرة): "قال ابن الأثير: الطيرة بكسر الطاء وفتح الياء، وقد تسكن، وهي التشاؤم بالشيء" (٦).
هذا، وقد يَجمعُ بين ذكر الرجل وكتابِه، في مثل قوله في (الحديث الذي رواه فرد واحد وليس بشاذ): "قال مسلم في صحيحه: للزهري نحوٌ من تسعين حديثًا يرويها عن النبي - ﷺ - لا يشاركُه فيها أحد بأسانيدَ جيادٍ" (٧)، وكذلك قوله في (رؤية الأنبياء في السماء ومدفنهم في الأرض): "قال ابن الجوزي في مشكله: أجاب عنه ابنُ عقيل فقال: شكَّل الله أرواحَهم على هيئة صور أجسادهم" (٨).
وربما عزا القولَ إلى جماعة، في مثل قوله عن (جلس إحدى عشرة): "قال النحويون: يجوز جلستُ؛ كما تقول في واحد: جلست امرأة" (٩).
وقد ينقلُ ابنُ الملقن عن مجهول، في مثل قوله عن (الرُّجز): "قيل: الشرك، وقيل:
_________________
(١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٥/ ٢٠٣.
(٢) المصدر السابق ١٠/ ٤٠.
(٣) المصدر السابق ٧/ ٤٠٩.
(٤) المصدر السابق ٧/ ٥٥١.
(٥) المصدر السابق ٤/ ٢٩٥.
(٦) المصدر السابق ٢٧/ ٥١٠.
(٧) المصدر السابق ٢/ ١٦٢.
(٨) المصدر السابق ٥/ ٢٤٣.
(٩) المصدر السابق ٢٤/ ٥٦٨.
[ ٢٠٢ ]
الذنب" (١)، وكذلك قوله في (وتَكسِب المعدوم): "وروي: بضمها؛ أي: وتُكسِب المعدوم" (٢).
وأما الأغراضُ التي يرجع الشارحُ من أجلها للمصدر:
فتارة يكونُ رجوعُه لعَرْض وجهٍ نحوي، ومنه قوله في ﴿مَا يَهْجَعُونَ﴾ (٣): "قال إبراهيم: قليلًا ما ينامون، وقال أنس: يصلون طويلًا ما ينامون، وعن الحسن: كانوا يتنفلون بين العشاء والعتمة. فعلى قول إبراهيم: يجوز أن تكون (ما) زائدة أو مصدرًا مع ما بعدها، وهو قول أهل اللغة، وعلى قول أنس والحسن (ما) نافية" (٤). ومنه قوله في (حلة سيراء): "قال صاحبُ (المطالع): حلة سيراء، على الإضافة وقد رواه بعضُهم بالتنوين على الصفة" (٥).
ويرجعُ تارةً لترجيح رأي نحوي، ومنه قوله في (جذعًا): "النصب على الحال ورجح هذا القاضي عياض، وقال: إنه الظاهر" (٦)، وقوله أيضا: "وقال النووي: إنه الصحيح الذي اختاره المحققون" (٧).
ونجدُه قد يرجع للمصدر عند الاعتراض على وجه نحوي، ومنه قوله في (معاذ بن جبل): "واختار ابنُ الحاجب النصبَ على أنه تابع لـ (ابن)، فيصيران كاسم واحد مركب كأنه أضيف إلى جبل، والمنادى منصوب قطعًا، واعترضه ابنُ مالك، فقال: الاختيار الضم" (٨). ومنه قوله في (حلة سيراء): "وقد رواه بعضُهم بالتنوين على الصفة، قال صاحب (المطالع): وأنكره أبو مروان، قال سيبويه: لم يأت فِعَلاء صفة" (٩).
وقد يكون استعماله للمصدر عَضْدًا للرأي النحوي، ومنه قوله في (كخ كخ): "قال
_________________
(١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٢/ ٣١٢.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٢٧٧.
(٣) الذاريات: ١٧.
(٤) المصدر السابق ٩/ ٦٩.
(٥) المصدر السابق ٧/ ٤٠٩.
(٦) المصدر السابق ٢/ ٢٩٢.
(٧) المصدر السابق.
(٨) المصدر السابق ٣/ ٦٥٨.
(٩) المصدر السابق ٧/ ٤٠٩.
[ ٢٠٣ ]
الداودي: هي معربة، ومعناها: بئس، وفيها ثلاثة أوجه: فتح الكاف وتنوين الخاء؛ كذا في رواية أبي الحسن" (١)، ومنه قوله في (إذ يخرجك قومك): "استُعمل فيه (إذ) في المستقبل كـ (إذا)، وهو استعمال صحيح؛ كما نبه عليه ابن مالك" (٢).
وربما يُدحِض حجةَ قائلٍ، ومنه قوله في (ما أنا بقارئ): " (ما) هنا نافية وغلط مَن جعلها استفهامية؛ لدخول الباء في خبرها" (٣)، ومنه قوله في ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (٤): "وزعم أبو عبيدة أن (لا) هنا بمعنى الواو، وهو خطأ عند حذاق النحويين" (٥).
هذه أبرزُ الأمور التي جعلت الشارحَ يعتمدُ فيها على مصدر الرجال، مع ما لحِظناه من تنقُّله بين فنون العلوم، وطرائقه التي يُعبر بها عن المصدر. حيث تبيَّن متانةُ شرح ابن الملقن، وغاية اهتمامه في شرح الجامع الصحيح.
_________________
(١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ١٠/ ٥٧٧.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٢٩٢.
(٣) المصدر السابق ٢/ ٢٦٠.
(٤) البقرة: ١٥٠.
(٥) المصدر السابق ٢٢/ ٥٨.
[ ٢٠٤ ]
المبحث الثاني: الكتب
استكمالًا لِمَا اعتمد عليه ابنُ الملقن من المصادر، تُعد (الكتب) هي المصدر الثاني من مصادره التي استند إليها في شرحه للحديث الشريف.
حيث تنوَّعت طرقُه في النقل عنها:
فتارة يذكرُ اسم الكتاب فقط، وتارة يذكرُه مقرونًا بصاحبه، مثل قوله في (سبخة): "قال صاحب (المطالع): هي الأرض المالحة، وجمعها سباخ" (١)، وكذلك قوله في (سمعت): "قال الفارسي في (إيضاحه): لكن لا بد أن يكون الثاني مما يُسْمَع، كقولك: سمعت زيدًا يقول كذا، ولو قلت: (سمعت زيدًا أخاك) لم يجز" (٢).
كما أنه يغلبُ على تسميته للكتب الاختصارُ، فمثلًا يقول: "قال الفارسي في (إيضاحه) "؛ أي: الإيضاح العضدي، وكذلك قوله: "قال صاحب (المطالع) "؛ أي: مطالع الأنوار على صحاح الآثار.
هذا، وقد تنوعت الفنون التي ينقلُ عنها ابن الملقن في شرحه إلى عشرة فنون أو تزيد؛ فيرجع تارةً لمتون الحديث، كـ (صحيح البخاري) -وهو المتن الذي شرحه- وإلى (صحيح مسلم) في مثل (لَتَجَشَّمْتُ لقاءَه) بقوله: "وفي مسلم لأحببت لقاءه"، وإلى (سنن الترمذي) في مثل ﴿مَايَهْجَعُونَ﴾ (٣) بقوله: "وقال الضحاك: قليلا من الناس" (٤).
كما يرجع أيضًا لشروح الحديث كـ (مطالع الأنوار على صحاح الآثار) -وقد سبق التمثيل عليه- و(شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح) لابن مالك في مثل (يا ليتني فيها جذعا) بقوله: "قال ابن مالك: وأكثر الناس تظن أن (يا) التي تليها (ليت) حرف نداء" (٥).
كما أنه يرجع لكتب علوم القرآن ومعانيه، مثل (معاني القرآن وإعرابه للزجاج) في مثل
_________________
(١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٥/ ١٩٤.
(٢) المصدر السابق ٢/ ١٧٠.
(٣) الذاريات: ١٧.
(٤) المصدر السابق ٩/ ٩٦.
(٥) المصدر السابق ٢/ ٢٩٠.
[ ٢٠٥ ]
﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ (١) بقوله: "قال الزجاج: والمعنى: لا يعصينك في جميع ما تأمرهن به؛ فإنك لا تأمر بغير المعروف" (٢)، وإلى (معاني القرآن للفراء) في مثل (لبيك) بقوله: "قال الفراء: نصبت على المصدر، أي: كقولك: حمدًا وشكرًا" (٣).
ويرجع كذلك لكتب الفقه والحديث؛ كما في كلامه عن (الإجماع) في قوله عن (صيد حمر الوحش): "قال أبو بكر النيسابوري: قوله: اصطدته، وقوله: ولم يأكله؛ لا أعلم أحدًا ذكره في هذا الحديث غير معمر" (٤).
ويأخذ أيضًا من كتب التفسير، كـ (جامع البيان في تأويل القرآن) للطبري؛ كما في مثل (ألفافًا) بقوله: "قال أبو جعفر الطبري: اختلف أهل العربية في واحد الألفاف، فقال بعضُ نحوي البصرة: لِفٌّ " (٥)، وإلى (النكت والعيون) للماوردي؛ في مثل (الرَّهن) بقوله: "وقال الماوردي: هو الاحتباس" (٦).
كما رجع أيضًا لكتب النحو، كـ (الكتاب) لسيبويه في مثل (فإما لا فلا تبايعوا) بقوله: "قال سيبويه: كأنه يقول: افعل هذا إن كنت لا تفعل غيره" (٧)، وإلى (الإيضاح العضدي) في مثل (سمعت وتعديها إلى مفعولين) بقوله: "قال الفارسي: لكن لا بد أن يكون الثاني مما يُسْمَع" (٨).
ويرجع أيضًا لكتب الأدب؛ كـ (الكامل في اللغة والأدب) للمبرد، في مثل ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ (٩) بقوله: "قال المبرد: هو محمول على المعنى؛ لأن معنى الجمع والإجماع
_________________
(١) الممتحنة: ١٢.
(٢) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٢/ ٥٤٩.
(٣) المصدر السابق ٣/ ٦٥٨.
(٤) المصدر السابق ١٢/ ٣٥٠.
(٥) المصدر السابق ١٩/ ٣١.
(٦) المصدر السابق ١٦/ ١١١.
(٧) المصدر السابق ١٤/ ٤٨٢.
(٨) المصدر السابق ٢/ ١٧٠.
(٩) يونس: ٧١.
[ ٢٠٦ ]
واحد" (١)، وإلى (أدب الكاتب) لابن قتيبة في مثل (الدُّنيا) بضم الدال، قوله: "وحكى ابنُ قتيبة وغيرُه كسرَها" (٢).
كما رجع أيضًا لكتب اللغة؛ كـ (المحكم والمحيط الأعظم) لابن سيده، في مثل (الحَوَر) بقوله: "الحَوَر هو: أن يشتد بياضُ بياضِ العين وسوادُ سوادِها " (٣)، وإلى (إصلاح المنطق) في مثل (ظفار) بقوله: " قال ابن السكيت: ظفار قرية باليمن" (٤).
كما أنه رجع أيضًا لكتب التراجم والطبقات، كـ (الاستيعاب في معرفة الأصحاب) كما في مثل (حنتمة بنت هشام) بقوله: "قال ابن عبد البر: الصحيح أنها بنت هاشم " (٥).
ورجع كذلك لكتب التاريخ، كـ (تاريخ دمشق) في مثل (تسمية بني الأصفر) بقوله: "وفي (تاريخ دمشق) لابن عساكر: تزوج مهاطيل الرومي إلى النوبة، فولد له الأصفر" (٦)، وإلى (تاريخ بغداد) في مثل (التعريف بإسحاق الكِوسج) بقوله: "وقال الخطيب: كان فقيهًا عالمًا" (٧).
وإننا لنجدُ ابن الملقن -في اعتماده على هذه الكتب- يحقق أغراضًا عدة، وذلك إمَّا لعرض الآراء، كقوله في (إيلياء): "قال صاحبُ (المطالع): وقيل: معناه بيت الله، وفي (الجامع): أحسبه عِبرانيًّا، ويقال: الإيلياء كذا" (٨).
وكذلك في قوله: (غُرلًا): "قال الشيخ تقي الدين القشيري في شرح (العمدة): غُرلًا يحتمل أيضًا أن يكون مفعولًا لـ (يدعون) " (٩).
ومن ذلك أيضًا قوله في (مَن انتهى نسبه بالفارسي): "قال: قال إبراهيم بن الفرج في
_________________
(١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٣٣/ ٤٩٢.
(٢) المصدر السابق ٢/ ١٩١.
(٣) المصدر السابق ١٧/ ٣٥٩.
(٤) المصدر السابق ١٦/ ٥٧٠.
(٥) المصدر السابق ٢/ ١٣٧.
(٦) المصدر السابق ٢/ ٣٨٨.
(٧) المصدر السابق ٣/ ١١٢.
(٨) المصدر السابق ٢/ ٣٨٣.
(٩) المصدر السابق ٤/ ٢٨.
[ ٢٠٧ ]
(البغية شرح لحن العامة): الفارسي منسوب إلى فارس، وذكر ابن عبدون في كتابه (الزاهر) أنهم من ولد حارس بن ناسور بن سام" (١).
كما أنه قد يعتمد على الكتب في عَضْدِ رأيٍ أو قول، ومن ذلك في قوله - ﵇ -: "فيما سقَتِ السماءُ والعيونُ أو كان عَثَريًّا العُشرُ"، بقوله: " (العَثَري) بعين مهملة ثم ثاء مثلثة مخففة، ويجوزُ تشديدها، كما قاله الهَجَري في (نوادره)، وحكاه ابنُ سيده في (محكمه) " (٢).
ومن ذلك أيضًا قوله في (التوارث قبل انتهاء العدة): "وذكر ابنُ المنذر في (الإجماع): أنهم أجمعوا أن مَن طلق زوجته المدخولَ بها طلاقًا يملِكُ رجعتَها، وهو مريضٌ أو صحيح، فمات أو ماتت قبل أن تقضي عدتها؛ أنهما يتوارثان" (٣).
وقد يرجع إلى الكتب لترجيح رأيٍ، في مثل (الدهر) بقوله: "قال الأزهري في (تهذيبه): (الدهر) يسمى جذعًا، وقيل معناه: يا ليتني أدركُ أمرَك، قال صاحب (المطالع): والقولُ الأول أبيَنُ" (٤).
ومن ذلك أيضًا قوله: " (ما غبر من الدنيا إلا كالثَّغَبْ) هو بثاء مثلثة وبغين معجمة ساكنة ومفتوحة أيضًا، وهو أكثر، كما قاله القزَّاز، وقال صاحب (المنتهى): إنه أفصح " (٥).
هذا، وقد يكونُ رجوعُه للكتب لإبطال رأيٍ، ومن ذلك: في حديث (فيما سقَت السماءُ والعيونُ أو كان عَثَريًّا) بقوله: "ويَرُدُّ على أبي عبيد في قوله: العثري ما سقته السماء، وكذا ابن فارس، وكذا الجوهري في قوله: ما سُقي من النخل سَيْحًا، وصاحب (الجامع) و(المنتهى) - الحديثُ؛ فإن لفظَه: (فيما سقت السماءُ والعيون أو كان عثريًّا)، وهو دالٌّ على أن العَثَري غيرُ ما سقت السماء والعيون" (٦).
_________________
(١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ١٨/ ٥٧٤.
(٢) المصدر السابق ١٠/ ٥٥٤.
(٣) المصدر السابق ٢٥/ ٢٣١.
(٤) المصدر السابق ٢/ ٢٩١.
(٥) المصدر السابق ١٨/ ٨١.
(٦) المصدر السابق ١٠/ ٥٥٤.
[ ٢٠٨ ]
ومن ذلك أيضًا قولُه في (مشُورة): "وزعم صاحبُ (التثقيف) والحريريُّ وغيرُهما؛ أن إسكان الشين وفتح الواو، مما تلحنُ فيه العامةُ، وليس بجيد" (١).
ومن خلال ما تم استعراضُه من اعتماد ابن الملقن على الكتب، تبيَّنت غايتُه من اعتماده على الكتب؛ من خلال الأغراض التي رجع إلى الكتب من أجلها، مع ما لُوحظ من تنوُّعٍ في الإشارة إلى اسم الكتاب، وأن ما يغلب على ذلك هو (الاختصار) كما ذُكر من قبل.
_________________
(١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ١٤/ ٤٨٣.
[ ٢٠٩ ]
الفصلُ الثاني
منهجُه في عرض المسائل، وفيه مباحثُ:
المبحثُ الأول: طريقتُه في عرض المسائل
المبحثُ الثاني: الإيجازُ والإطناب لديه
المبحثُ الثالث: عرضُه للخلاف النحوي، وموقفُه من النحويين
[ ٢١٠ ]
المبحث الأول: طريقتُه في عرض المسائل
تعدَّدت طرقُ ابن الملقن في عرض المسائل؛ فمنها ما يكون بشكل متكرر، ومنها ما يأتي عارضًا، وفيما يلي أبرزُ الطرق التي سار عليها ابن الملقن في عرض مسائله، مردوفةً بمثال أو مثالين، وذلك استكمالًا لما بدأناه من إيضاح منهج الشارح للحديث الشريف:
يركز ابنُ الملقن في دراسته للحديث -وخصوصًا في الدراسة النحوية أو اللغوية- على الموضع الذي يريدُ دراسته فحسبُ.
ومن ذلك: في قوله - ﵇ -: (وجنِّبِ الشيطانَ ما رزقتنا)، قال ابن الملقن: "وقولُه: (فيما رزقتنا) أي: شيئًا رزقتنا " (١).
وكذلك ما ورد في قول موسى - ﵇ -: أيْ ربِّ، ثم ماذا؟ قال ابن الملقن: "وقوله (ثم ماذا)، وفي رواية: (ثم مَه؟) وهي (ما) الاستفهامية، لَمَّا وقف عليها زاد هاءَ السَّكْت " (٢).
ونجد عند ابن الملقن اهتمامًا بإيضاح المفردات الحديثية التي ستكون الدراسةُ حولها، وبيانِ معناها في السياق، وذلك قبل عرضه للمسألة.
ومن ذلك: في (مثنى مثنى)، قال ابن الملقن: "أي: اثنين اثنين، يريد ركعتين ركعتين بتسليم في آخر كل ركعتين، و(مثنى) معدول عن اثنين اثنين، فهي لا تنصرف للعدل" (٣).
ومن ذلك في قوله - ﵇ -: (كخ كخ)، قال ابن الملقن: " (كخ كخ): هو ردعٌ للصغار وزجرٌ" (٤)، وكذلك في قوله -﵇-: (ما يهجعون)، قال ابن الملقن: أي: ما ينامون" (٥).
أما من حيث عرضُه للأحكام النحوية، فربما يذكر الحكم عن طريق الجزم، وذلك بناءً على ما أجمع عليه النحويون، ومن ذلك: في قوله - ﵇ -: (فمن كانت هجرتُه إلى الله ورسوله
_________________
(١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٢٩/ ٣٣٣.
(٢) المصدر السابق ١٠/ ٤٥.
(٣) المصدر السابق ٨/ ١٦٦.
(٤) المصدر السابق ١٠/ ٥٧٧.
(٥) المصدر السابق ٩/ ٩٦.
[ ٢١١ ]
فهجرته )، قال ابن الملقن: "لا بد من تقديرٍ؛ لأن القاعدة عند أهل الصناعة " (١).
أما إذا كانت المسألة تحتملُ أكثرَ من وجه نحوي؛ فنجده يذكرُ آراء النحويين، مبينًا الإشكالاتِ التي تعترضُها، هذا، مع عزو الآراء إلى أصحابها أو إلى المذهب الذي تبنَّاها، وربما يورد علةَ تضعيفِ الرأي النحوي.
ومن ذلك في قول ورقة بن نوفل: (يا ليتني كنت جذعًا)، بعدما أورد ابن الملقن رأيَ الفراء في (يا ليتني كنت جذعًا) وأن في الجملة (كان) الناصبة المضمرة، وتقدير ذلك: انتهوا انتهاء خيرا لكم؛ قال: "وضُعِّف هذا الوجهُ بأن (كان) الناصبة لا تُضمر إلا إذا كان في الكلام لفظٌ ظاهر يقتضيها " (٢).
وربما يذكر الرأي النحوي ولا يعزوه لأحد إذا كان هذا الرأيُ محمولًا على المشهور، ومن ذلك في (يوشك أن يكون خير )، قال: "و(يوشك) أحدُ أفعال المقاربة يطلُب اسمًا مرفوعًا وخبرًا منصوب المحل لا يكون إلا فعلًا مضارعًا مقرونًا بـ (أن) " (٣).
هذا وقد يورد الأحكامَ النحوية وآراءَ العلماء في مسألةٍ ما دون إضافة أو تعليق، ونجد ذلك جليًّا في دراسته لقول الرسول - ﷺ -: (مثلَ أو قريبًا من فتنة المسيح الدجال) (٤)، ومن ذلك في (بَرَّ) قوله: "قال ابن التين: وأصله ألا يتعدى بغير حرف جر، ونُقل عن بعضهم أنه قال: لعله يريد بـ (مبرور) وصفُ المصدر فتعدى إليه بغير حرف فجعله متعديًا" (٥).
ومن ذلك أيضًا في (قيل وقال) قال ابن الملقن: "قال أبو عبيد: كناية عن قيل وقول، وقال ابن السكيت: اسمان لا مصدران، وقيل: فعلان" (٦).
_________________
(١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٢/ ١٩٠.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٢٩٢.
(٣) المصدر السابق ٢/ ٥٦٥.
(٤) لولا طول آراء العلماء في الحديث المذكور، لأوردنا ما يثبت أن ابن الملقن لم يضف على ما نقل أي شيء، وما ذكرناه إشارة إلى عدم إضافة رأي على المسألة مع طولها، المصدر السابق ٣/ ٤٣٢ - ٤٣٣ - ٤٣٤.
(٥) المصدر السابق ١١/ ٣٨.
(٦) المصدر السابق ١٠/ ٥١٤.
[ ٢١٢ ]
ونجد عند ابن الملقن في بعض المسائل ترجيحًا لرأي معين، مع عدم التزامه بذكر سببِ الترجيح. هذا وربما يكونُ ترجيحُه مراعاةً للمعنى، ومن ذلك: في قوله - ﵇ -: (عليك ليلٌ طويلٌ) لما ذكر أن رواية الرفع (ليلٌ) على الابتداء، ورواية النصب (ليلًا) على الإغراء، قال ابن الملقن: "والأولُ أولى من جهة المعنى (ليلٌ طويلٌ فارقد)؛ لأنه الأمكنُ في الغرور من حيث إنه يخبره عن طول الليل ثم يأمره بالرقاد" (١).
هذا، وقد يكون تأييدُ ابن الملقن لرأي معين أو دحضُه مبنيًّا على اللفظ والمعنى، ومن ذلك في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾ (٢)، قال ابن الملقن: "وخطأُ كونِه بمعنى الانتظار من وجهين: أنه عُدِّي إلى مفعوله بـ (إلى)، وإذا كان بمعنى الانتظار لا يتعدى بها، والوجه الثاني: حملُه على معنى الانتظار لا يخلو أن يُراد به منتظرة ربَّها أو ثوابَه، وعلى أيهما حُمل فهو خطأ؛ لأن المنتظرَ لِمَا ينتظرُه في تنغيص وتكدير" (٣).
وفي بعض المواطن نجده يقدم ظاهر المعنى على الحكم النحوي في عرضه للمسائل، ومن ذلك في قوله تعالى: ﴿إِلَّا خَطَئًا﴾ (٤)، قال: "ظاهرُه ليس مرادًا؛ فإنه لا يسوغُ له قتله خطأ ولا عمدًا" (٥).
ومن الأمثلة على ترجيح ابن الملقن مع عدم ذكر سبب الترجيح: في كلمة (مِنَى) قال: "الأجوَدُ صرفُها، وكتابتُها بالألف، وتذكيرُها" (٦).
وقد يُرجِّح ابن الملقن رأيًا قبل إيراده للآراء النحوية، ففي قوله - ﵇ - (يجعلون المحرمَ صفرَ)، قال ابن الملقن: "والصواب: صفرًا؛ لأنه مصروفٌ قطعًا " (٧)، ومن ذلك أيضًا في (نعم وبئس) قال: "فعلان لا ينصرفان؛ لأنهما انتقلا عن موضعهما، فـ (نِعم) منقولٌ من قولك: نَعِم
_________________
(١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٩/ ٨٩.
(٢) القيامة: ٢٢.
(٣) المصدر السابق ٣٣/ ٣٢٤.
(٤) النساء: ٩٢.
(٥) المصدر السابق ٣١/ ٣٥٧.
(٦) المصدر السابق ٣/ ٣٨٨.
(٧) المصدر السابق ١١/ ٢٥٢.
[ ٢١٣ ]
فلان إذا أصاب نعمة، و(بئس) فلان منقولٌ من بَئِس إذا أصاب بؤسًا، فنُقلا إلى المدح والذم فشابها الحرف" (١).
كما أننا نجد من طرق ابن الملقن في عرض المسائل أنه يلخِّصُ الخلافَ النحوي على طريقة سؤال، ثم يفصِّل في ذلك، ذاكرًا الصحيح من هذه الآراء، وما قد يحتملُه النص من أوجه إعرابية، ومن ذلك: في (سمعت) قال ابن الملقن: "اختلف النحاة في (سمعت) هل يتعدى إلى مفعولين؟ والصحيح أنه لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد، والفعلُ الواقع بعد المفعول في موضع الحال، أي: سمعتُه حالَ قوله كذا" (٢).
ومن طرق ابن الملقن في عرض المسائل النحوية: أنه ربما يكتفي بحكم نحوي واحد، ويتركُ ما سواه، مع صحة كل منهما، ومن ذلك في (حتى أفيض) قال: "صوابُه (أفض)؛ لأنه جواب الأمر" (٣).
ونجده قد يذكرُ الأوجُهَ الإعرابية لمسألة ما ثم يُثبت ما ذكر برواية أخرى، ومن ذلك في (ما أنا بقارئ) قال: " (ما) هنا نافية، واسمها أنا، وخبرها (قارئ)، والباء زائدة لتأكيد النفي، أي: ما أُحسِنُ القراءة، وقد جاء في رواية (ما أحسن أن أقرأ) " (٤).
ومن الطرق أيضًا: أنه قد يذكر مثالًا على القاعدة النحوية ثم يبيِّن مدى انطباق شروط الحكم النحوي على هذا المثال، ومن ذلك في قوله: (حتى فرجه بفرجه) قال ابن الملقن: " (حتى) هنا عاطفة، وهي عند النحويين لا تعطف إلا بثلاثة شروط: أن تعطف قليلًا على كثير، وأن يكون من جنسه، وأن يُراد به التعظيم أو التحقير، والقليل هنا الفرج، والكثير الأعضاء، وهو من جنسها، والمراد به: التحقير، فيكون (فرجه) منصوبًا بالعطف" (٥).
هذا، ونجد أحيانًا يورد آراءً نحويةً منها ما هو مؤكَّد ومنها ما هو محتمَل، ومن ذلك
_________________
(١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٣٢/ ٤٤٦.
(٢) المصدر السابق ٢/ ١٧٠.
(٣) المصدر السابق ١١/ ٥٤٠.
(٤) المصدر السابق ٢/ ٢٦٠.
(٥) المصدر السابق ٣٠/ ٤١٤.
[ ٢١٤ ]
في قوله: (لا وقرة عيني)، قال: " (لا) زائدة ويحتمل أن تكون نافية " (١).
هذه أبرزُ الطرق التي اعتمد عليها الشارح في عرضه للمسائل، وذلك حسَبَ ما اطلع عليه الباحث.
_________________
(١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٦/ ٣٠٤.
[ ٢١٥ ]
المبحثُ الثاني: الإيجازُ والإطناب لديه
سار ابنُ الملقن في شرحه للحديث الشريف وتوضيحه مسارَين، يُوضح خلالهما ما يريد دراسته، فتارةً يُوجز في شرحه، وتارة يطيل ويُطنب، ومحورُ ذلك حاجةُ الموضوع لأيهما، فمثالُ ما أوجز فيه:
في قوله - ﵇ -: (قيل وقال)، قال ابن الملقن: "قال ابنُ السكيت: هما اسمان لا مصدران، وقيل: هما فعلان" (١).
وربما يوجزُ ابن الملقن في شرحه مكتفيًا بقولٍ واحد من أقوال أهل العلم، مع أن المسألة تحوي أكثرَ من قول، ومثالُ ذلك في قوله - ﵇ -: (كان شطر الليل يبلغه)، قال ابن الملقن: "قيل: إنَّ (كان) هنا زائدة " (٢). ولم يتطرق لمجيئها تامة أو ناقصة. ومن ذلك أيضًا: في (كخ كخ) قوله: "قال الداودي: هي معربة " (٣). ولم يتطرق لأنها قد تكون مبنية.
ومن طرق الإيجاز لديه: أنه ربما يذكر فحوى الحديث ثم يعلل لهذا المعنى، ومنه في قول عمر - ﵁ -: (ما كدتُ أصلي العصر)، قال ابن الملقن: "مقتضى الحديث أن عمر - ﵁ - صلى العصر قبل المغرب ؛ لأن النفي إذا دخل على (كاد) اقتضى وقوع الفعل في الأكثر" (٤). ومظهر إيجازه في هذه المسألة أنه اقتصر على ما تثبته القاعدة النحوية.
وربما يذكر الحكم النحوي والترجيح دون أي توضيح أو تعليق، ومن ذلك: في قول ملك الحبشة: (فكيف كان قتالُكم إياه)، قال ابن الملقن: "فيه انفصالُ ثاني الضميرين، والاختيارُ أن لا يجيء المنفصلُ إذا تأتَّى مجيء المتصل" (٥).
كذلك من طرق الإيجاز لديه أنه قد يذكر الحكم النحوي مباشرة ثم يمثِّل له قبل عرض بقية الآراء، ومن ذلك في قوله - ﵇ -: (فمن كانت هجرتُه إلى الله ورسوله فهجرته ) قال ابن الملقن: "لا بد فيه من تقدير شيء والتقدير: فمَن كانت هجرته إلى الله ورسوله نيةً وعَقْدًا،
_________________
(١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ١٥/ ٤٦٠.
(٢) المصدر السابق ٦/ ٢٩٣.
(٣) المصدر السابق ١٠/ ٥٧٧.
(٤) المصدر السابق ٦/ ٢٨٢.
(٥) المصدر السابق ٢/ ٣٩٣.
[ ٢١٦ ]
فهجرتُه إلى الله ورسوله حكمًا وشرعًا" (١).
ومن ذلك أيضًا في قوله - ﵇ -: (ضربة من حديد)، قال ابن الملقن: "حذَف الموصوفَ وأقامَ الصفةَ مُقامَه" (٢).
وتارة نجد أن ابن الملقن قد أوجز في شرحه واكتفى بالمعنى دون اللفظ، وذلك في مثل (ليلٌ طويلٌ) إذ قال: "والأول أولى من جهة المعنى؛ لأنه الأمكَنُ في الغرور، من حيث إنه يخبره عن طول الليل ثم يأمره بالرقاد" (٣). يقصد الرفع.
هذا، وقد يورد الرأيَ النحوي دون شرحه، وذلك في (أما بعد) إذ قال: "وفي ضبطها أربعةُ أوجُه: ضم الدال، وتنوينها، ونصبها وتنوينها" (٤)، ومن ذلك أيضًا في (منى) قال: "الأجود صرفُها وكتابتُها بالألف وتأنيثُها" (٥).
وربما يكون إيجازُه اكتفاء بدلالة السياق، ومن ذلك في قول أبي طلحة: (أفعل يا رسول الله)، وهل هو فعل مضارع أو أمر؟ قال ابن الملقن: "والأول أولى لقوله: فقسمها أبو طلحة" (٦)؛ أي: أن الفعل للمستقبل وليس للأمر، ومثل ذلك: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (٧) قال ابن الملقن: "والقول أنه استثناءٌ أبيَنُ" (٨)، إشارة بأن الاستثناء يقتضي إخراج الثاني من الأول.
وربما يوجز إيجازًا شديدًا في بعض المسائل، ومن ذلك في (صفر)، إذ قال: "والصواب (صفرًا)؛ لأنه مصروف قطعًا" (٩).
كما أنه قد يوجز في المسألة بعدم عرض الأمثلة والشواهد مكتفيًا بالتعليل لِمَا اختاره من
_________________
(١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٢/ ١٩٠.
(٢) المصدر السابق ١٠/ ٤٠.
(٣) المصدر السابق ٩/ ٨٩.
(٤) المصدر السابق ٧/ ٥٥١.
(٥) المصدر السابق ٣/ ٣٨٨.
(٦) المصدر السابق ١٥/ ٢١٢.
(٧) البقرة: ١٥٠.
(٨) المصدر السابق ٢٢/ ٥٨.
(٩) المصدر السابق ١١/ ٢٥٢.
[ ٢١٧ ]
الأوجه، ومن ذلك: في قوله - ﵇ -: (فبكرا تزوجت)، قال ابن الملقن: "تقديره: أبكرًا تزوجت؛ لأن (أم) لا يعطف بها إلا بعد همزة الاستفهام" (١).
ومثل ذلك في قوله - ﵇ -: (لا تحرَّوا بصلاتكم طلوعَ الشمس ولا غروبَها)، قال: " (لا) هنا ناهية، ودخلت بعد الواو لتفيد النهيَ عن كلٍّ منهما" (٢).
وربما نجد من طرق الإيجاز لدى ابن الملقن الإحالةَ إلى المظانِّ والكتب والعلماء، ومن ذلك في (إنما الأعمال بالنيات)، إذ قال: "ومحلُّ بسط المسألة كتبُ الأصول والعربية، فلا نطوِّل به" (٣). ومن ذلك في (إنما)، قال: "فيه مذهبان حكاهما ابنُ الحاجب، ومقتضى كلام الإمام وأتباعِه أنه بالمنطوق " (٤).
وكذلك من طرقه في الإيجاز أنه قد يذكرُ آراءً محتملة دون التدقيق فيها، ومن ذلك في (لما أخبرتني)، قال: "يحتمل أن تكون اللام بمعنى (إلا)، و(ما) زائدة" (٥).
ومن طرقه في الإيجاز، أنه قد يُلمح إلى رأيين مختلفين، دون عزوهما لمذهب بعينه، ومن ذلك في قوله - ﵇ -: (عُذِّبت امرأةٌ في هرة حبستها)، قال ابن الملقن: "أي: بسببها، وأصل (في) للظرفية" (٦).
ومن الطرق التي اتبعها ابنُ الملقن في الإيجاز والإطناب، أنه تارة يجمعُ بينهما في مسألة واحدة؛ ومن ذلك: في قوله - ﵇ -: (فإن رأس مائة سنة منها)، قال: "على أن (مِن) تكون لابتداء الغاية في الزمان كـ (مُذ)، وهو مذهب كوفي. وقال البصريون: لا تدخل (مِن) إلا على المكان (ومنذُ) في الزمان نظيرُ (مِن) في المكان، وتأولوا ما جاء على خلافه؛ مثل قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ (٧)، أي: من أيام وجوده؛ كما قدَّره الزمخشري، أو من تأسيسِ أول
_________________
(١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ١٠/ ٧٤.
(٢) المصدر السابق ٦/ ٢٦٤.
(٣) المصدر السابق ٢/ ١٧١.
(٤) المصدر السابق ٢/ ١٧٠.
(٥) المصدر السابق ٢٩/ ١٤١.
(٦) المصدر السابق ٢/ ٤٤٤.
(٧) التوبة: ١٠٨.
[ ٢١٨ ]
يوم؛ كما قدَّره أبو علي الفارسي، وضُعف بأن التأسيس ليس بمكان. ومثله قولُ عائشة: ولم يجلس عندي مِن يومِ قيلَ ما قيل. وقوُل أنس: فما زلت أحبُّ الدُّبَّاءَ من يومئذ. وقولُ بعض الصحابة: مُطرنا من الجمعة إلى الجمعة" (١). فنلحظ أن ابن الملقن أطنب ومثَّل ورجَّح لرأي البصريين، وأما مذهب الكوفيين فاكتفى بما ذكره أول المسألة دون تعليق أو شرح أو ترجيح.
ومن طرق ابن الملقن في الإطناب خلال شرحه: أنه قد يذكر الأوجُه الواردة في المسألة، ثم يفصِّل كلَّ رأي على حدة، والأقوال الواردة فيه، وذلك في مثل: قول ورقة بن نوفل: (يا ليتني فيها جذعًا ). قال ابن الملقن: "قوله: (جذعًا) هكذا الرواية المشهورة هنا وفي صحيح مسلم؛ بالنصب، ووقع للأصيلي هنا وابن ماهان في صحيح مسلم: (جذعٌ)، بالرفع، فعلى الرفع لا إشكال، وفي النصب اختلفوا في وجهه على ثلاثة أوجه:
أحدها: نصبُه على أنه خبر (كان) المقدرة، تقديرُه: ليتني أكون جذعًا، قاله الخطابي والمازري وابن الجوزي في مُشكِله، وهي تجيءُ على مذهب الكوفيين كما قالوا في قوله تعالى: ﴿انتَهُوا خَيرًا لَّكُم﴾ (٢) أي: يكن الانتهاءُ خيرًا لكم، ومذهب البصريين أن (خيرًا) في الآية منصوبٌ بفعل مضمر يدُل عليه (انتهوا) تقديرُه: انتهوا وافعلوا خيرًا لكم. وقال الفراء: انتهوا انتهاءً خيرًا لكم، وضُعف هذا الوجه بأنَّ (كان) الناصبة لا تضمر إلا إذا كان في الكلام لفظٌ ظاهر يقتضيها كقولهم: إن خيرًا فخير.
ثانيها: أنه منصوبٌ على الحال، وخبر (ليت) قولُه: فيها، والتقدير: ليتني كائنٌ فيها -أي: مدة الحياة- في هذا الحال شبيبةً وصحةً وقوةً لنصرتك، إذ قد كان أسنَّ وعمِيَ عند هذا القول، ورجَّح هذا القاضي عياضٌ، وقال: إنه الظاهر. وقال النووي: إنه الصحيح الذي اختاره المحققون.
ثالثُها: أن تكون (ليت) عمِلت عمَلَ (تمنَّيت) فنصبت اسمين، كما قال الكوفيون؛ وأنشدوا:
_________________
(١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٢/ ٥٨٤.
(٢) النساء: ١٧١.
[ ٢١٩ ]
يَا لَيْتَ أَيَّامَ الصِّبَا رَوَاجِعَا" (١).
ومن طرقه في الإطناب: أنه قد يذكر المسألة بِطُولها دون إضافة أي تعليق، ومن ذلك قوله: " (مثلَ أو قريبَ) كذا في كثير من نسخ البخاري. قال القاضي: وكذا رويناه عن الأكثر في الموطأ، ورويناه عن بعضهم (مثلًا أو قريبًا)، ولبعضهم (مثلَ أو قريبًا)، وهو الوجهُ. وقال ابن مالك: يروى في البخاري (أو قريبَ) بغير تنوين، والمشهور (أو قريبًا)، ووجهُه أن يكون أصلُه (مثلَ فتنة الدجال أو قريبًا من فتنة الدجال)، فحُذف ما كان (مثل) مضافًا إليه، وتُرك على هيئته قبل الحذف، وجاز الحذفُ لدلالة ما بعده، والمعتادُ في صحة هذا الحذف أن يكون مع إضافتين؛ كقول الشاعر:
أمَامُ وَخَلْفُ المَرْءِ مِنْ لُطْفِ رَبِّهِ كوالئُ تَزوي عَنْهُ مَا هُوَ يَحْذَرُ
وجاء أيضًا في إضافة واحدة كما هو في الحديث.
وأما رواية (قريبَ) بغير تنوين فأراد (مثل فتنة الدجال، أو قريبَ الشبه من فتنة الدجال)، فحُذف المضاف إليه، وبقي (قريب) على هيئته، وهذا الحذف في المتأخر لدلالة المتقدم عليه قليلٌ، مثل قراءة ابن مُحَيصن: ﴿فَلَا خَوفَ عَلَيهِم﴾ (٢) أي: لا خوفَ شيءٍ، وكقول الشاعر:
أَقُولُ لَمَّا جَاءَنِي فَخْرُهُ سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الفَاخِر
أراد: سبحانَ الله، فحذف المضافَ إليه، وترك المضافَ بحاله. يقول الشاعر: العجب منه إذ يفخر" (٣).
ومن طرق الإطناب لديه: مزج أكثر من مسألة نحوية في موضع واحد، ومن ذلك في حديث أم زرع، عند قولها: (جلس إحدى عشرة نسوة)، قال: "كذا في الأصول، ووقع في مسلم بنون، وهنا: امرأة، وفي أخرى: نسوة، وللنسائي: اجتمعن، ولأبي عبيد: اجتمعت، بالتاء. قال ابن التين: وقوله: (جلس إحدى عشرة امرأة)، أي: جمعٌ، مثل: ﴿وَقَالَ نِسوَة فِي
_________________
(١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٢/ ٢٩٢.
(٢) البقرة: ٣٨.
(٣) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٣/ ٤٣٢ - ٤٣٣ - ٤٣٤.
[ ٢٢٠ ]
المَدِينَةِ﴾ (١)، قال عياض: والأحسن في الكلام حذفُ علامة التأنيث ونون الجماعة. وباب العدد في العربية: أن ما بين الثلاثة إلى العشرة مضافٌ إلى جنسه، ومن أحد عشر إلى تسعة وتسعين مميزٌ بواحد يدل على جنسه، وما بعد هذا مضافٌ إلى واحد من جنسه، وقد جاء هنا: النسوة، وهو جنس بعد إحدى عشرة، وهو خارج عن وجه الكلام، ولا يصح نصبُه على التفسير؛ إذ لا تفسير في العدد إلا بواحد. ولا يصلح إضافةُ العدد الذي قبله إليه، ووجهُ نصبه عندي على إضمار: (أعنى)، أو يكون مرفوعًا بدلًا من (إحدى عشر)، وهو الأظهر، وعلى هذا أعربوا قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعنَاهُمُ اثنَتَي عَشرَةَ أَسبَاطًا أُمَما﴾ (٢)، (الأسباط) بدل من (اثنتي عشرة)، وليس بتفسير فيما قاله الفارسي وغيره. وقولها: (جلس إحدى عشرة)، قال النحويون: يجوز: جلستْ، كما تقول في واحد: جلست امرأة، ولو قلت: قام الرجال جاز، ويجوز: قامت، بتقدير: قامت جماعةُ الرجال، قال تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعرَابُ آمَنَّا﴾ " (٣).
ومن صور الإطناب لديه: أنه قد يذكرُ أكثرَ من خمسة أقوال مع مناقشة صحتها أو خطئها ثم يرجِّح بينها، وذلك مثل: (لا يخرجكم إلا فرارًا منه)؛ إذ قال: "كذا هو بالنصب، ويجوز رفعُه، واستشكلهما القرطبي؛ لأنه لا يفيد بحكمٍ، ظاهره أنه لا يجوز لأحد أن يخرج من الوباء إلا من أجل الفرار؛ وهذا محال، وهو نقيضُ المقصود من الحديث، لا جرم قيده بعضُ رواة الموطأ: (الإفرار منه) بهمزة مكسورة ثم فاء ساكنة يوهم أنه مصدر، وهذا ليس بصحيح؛ لأنه لا يقال: (أفرَّ) رباعيًا، وإنما: يقال: (فَرَّ)، ومصدره فرار ومَفَرٌّ، قال تعالى: ﴿أَينَ المَفَرُّ﴾ (٤)، قال جماعة من العلماء: إدخال (إلا) فيه غلط، قال بعضهم: إنها زائدة كما تزاد (لا) في مثل قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسجُدَ﴾ (٥)، أي: أن تسجد، وقال بعض النحويين: (إلا) هنا للإيجاب؛ لأنها تعوِّض ما نفاه من الجملة، ونهاه عن الخروج، فكأنه قال: لا تخرجوا منها إذا لم يكن خروجُكم إلا فرارًا، فأباح الخروج لغرض آخر. والأقربُ أن تكون زائدة،
_________________
(١) يوسف: ٣٠.
(٢) الأعراف: ١٦٠.
(٣) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٢٤/ ٥٦٧ - ٥٦٨.
(٤) القيامة: ١١.
(٥) الأعراف: ١٢.
[ ٢٢١ ]
والصحيحُ إسقاطها كما قد صح في الروايات الأخر، وقال القاضي عياض: خرَّج بعضُ محققي العربية لرواية النصب وجهًا فقال: منصوبٌ على الحال، قال: فلفظة (إلا) هنا للإيجاب لا للاستثناء، قال: وتقديره: لا تخرجوا إذا لم يكن خروجُكم إلا فرارًا منه" (١).
كذا نجد عند ابن الملقن أنه: قد يورد في المسألة أكثرَ من احتمال، ومن ذلك: في (أذره) إذ قال: "والهاء في (أذره) عائدة على الخبر؛ أي: لطوله وكثرته إن بدأتُه لم أقدِرْ على إتمامه، ويعضُدُه روايةُ: ولا أقدُر قَدْرَه. وفيه تأويل آخرُ ذكره أحمدُ بن عبيد بن ناصح: أن الهاء عائدة على الزوج، وكأنها خشِيَت فراقَه إن ذكرته. وقاله الداودي أيضًا. وعلى هذا تكون (لا) زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسجُدَ﴾ (٢)، ويحتمل عدم زيادتها -كما ذكره القرطبي- وأنها خافت أن لا تتركه معها ممسكًا لها في صحبتها، ويحتمل -كما قال عياض- رجوعُ الهاء إلى الزوج تأولًا آخرَ، أي: إن أخبرتُ بشيء من عيوبه ونقائصه أفضى ذلك إلى ذكر شيء أقبحَ منه" (٣).
وآخرُ ما وقف عليه الباحثُ من مواطن الإطناب عند ابن الملقن أنه: قد يُطنب في موطن لا يستحقُّ الإطناب، ومن ذلك: قوله - ﵇ -: (حتى فرجه بفرجه)، إذ قال: " (حتى) هنا عاطفة، وعند النحويين لا تعطف إلا بثلاثة شروط: أن تعطف قليلًا على كثير، وأن يكون من جنسه، وأن يُراد به التعظيم أو التحقير، والقليل هو الفرج، والكثير هي الأعضاء، وهو من جنسها، والمرادُ به التحقير، فيكون (فرجه) منصوبًا بالعطف" (٤).
_________________
(١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ١٩/ ٦٥٠ - ٦٥١.
(٢) الأعراف: ١٢.
(٣) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٢٤/ ٥٧٣.
(٤) المصدر السابق ٣٠/ ٤١٤.
[ ٢٢٢ ]
المبحثُ الثالث: عرضُه للخلاف النحوي، وموقفُه من النحويين
سلك ابن الملقن سُبُلًا عدة عند عرض الخلافات النحوية الواردة في الحديث الشريف، حيث تبيَّن موقفُه من النحويين، وإلى أيٍّ من المذاهب النحوية ينتمي، وذلك في بعض المسائل، ويكون ذلك تلميحًا لا تصريحًا، فمن السبل التي سلكها ابن الملقن في عرض الخلاف النحوي ما يلي:
البدء بعرض الآراء التي سلمت من التقدير والإضمار، ثم ذكر الآراء الأخرى، ومن ذلك في قوله تعالى: ﴿انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ﴾ (١)، قال ابن الملقن: "وهي تجيء على مذهب الكوفيين؛ كما قالوا في قوله تعالى: ﴿انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ﴾، أي: يكن الانتهاءُ خيرًا لكم، ومذهب البصريين أن (خيرًا) في الآية منصوبٌ بفعل مضمر يدل عليه (انتهوا)؛ تقديره: انتهوا وافعلوا خيرًا لكم" (٢).
كذلك من الطرق التي يَعرض بها الخلاف: ذكرُ الآراء النحوية مع ذكر ترجيح العلماء دون أن يرجح هو أيَّ رأي، ومن ذلك في قوله - ﵇ -: (هذه مكان عمرتك) قال: "عوض عمرتك الفائتة، وبالنصب على الظرف، قال بعضهم: والنصب أوجَهُ، قال القاضي: والرفع أوجَهُ عندي" (٣)، ومن ذلك أيضًا في (ما رزقتنا)، قال ابن الملقن: "أي: شيئًا رزقتنا؛ لأن المشهور أن (ما) لِمَا لا يعقِلُ، و(مَن) لمن يعقل، وإذا كانت (ما) بمعنى شيء، وقعت على من يعقل وما لا يعقل، وقيل: تكون لمن يعقل، والمعروف الأول" (٤).
وربما يكتفي ابن الملقن برأي نحوي دون الآخر، ومن ذلك في (حتى أفيض)، قال: "وصوابُه (أفض)؛ لأنه جواب الأمر" (٥)، وهذا الذي ذكره هو مذهب البصريين، ويرى أن ما عليه الكوفيين خطأ.
ومن طرقه في عرض الخلاف: أن يذكر الأقوال، ثم يبني الأحكام عليها، ومن ذلك في
_________________
(١) النساء: ١٧١.
(٢) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٢/ ٢٩٢.
(٣) المصدر السابق ١١/ ٢٠٠.
(٤) المصدر السابق ٢٩/ ٣٣٣.
(٥) المصدر السابق ١١/ ٥٣٣.
[ ٢٢٣ ]
قوله تعالى: ﴿مَا يَهْجَعُونَ﴾ (١)، قال ابن الملقن: "قال إبراهيم: قليلًا ما ينامون وقال أنس: يصلون طويلًا ما ينامون فعلى قول إبراهيم يجوز أن تكون (ما) زائدة، وعلى قول أنس (ما) نافية" (٢). وقد يَجزمُ بالحكم دون ذكر أقوال أخرى، ومن ذلك في: (يا معاذ بن جبل)، قال: "أما (ابن) فمنصوب قطعًا" (٣).
ومن طرقه في عرض الخلاف النحوي: أنه ربما يذكر رأي عالم ثم يذكر ما يعترضه من الآراء، دون ذكر أيهما أصح، ومن ذلك: في (معاذ) قال: "ويجوز في (معاذ) النصب والرفع، واختار ابنُ الحاجب النصبَ على أنه تابعٌ لـ (ابن)، فيصيران كاسمٍ واحد مركبٍ؛ كأنه أضيف إلى جبل، والمنادى المضاف منصوبٌ قطعًا، واعترضه ابنُ مالك فقال: الاختيار الضم؛ لأنه منادًى علمٌ، ولا حاجة إلى إضمار" (٤).
وقد يعرض للخلاف ثم يبين الصحيح، ومثل ذلك في (سمعت) قال ابن الملقن: "اختلف النحاة في (سمعت) هل يتعدى إلى مفعولين؟ على قولين: أحدهما: نعم، وهو مذهبُ أبي علي الفارسي في إيضاحه؛ قال: لكن لا بد أن يكون الثاني مما يُسْمَعُ، كقولك: (سمعت زيدًا يقول كذا)، ولو قلت: (سمعت زيدًا أخاك) لم يجُزْ، والصحيح أنه لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد، والفعلُ الواقع بعد المفعول في موضع الحال، أي: سمعته حالَ قوله كذا" (٥).
ومن ذلك في (ما أنا بقارئ)، قال: " (ما) نافية وغُلط من جعلها استفهامية؛ وذلك لأن (ما) الاستفهامية لا يدخل خبرَها الباءُ، وهي لا تدخل على ما الاستفهامية" (٦).
كذلك من الطرق: ذكر المشهور من أقوال العلماء، ثم ذكر الأقوال الأخرى، دون أي إيضاح، ومن ذلك في (ما كدت أصلي)، قال ابن الملقن: "والمشهور في (كاد): إذا كانت في سياق النفي أوجَبَتْ، وإن كانت في سياق الإيجاب نَفَتْ، وقيل: النفيُ نفيٌ والإيجابُ
_________________
(١) الذاريات: ١٧.
(٢) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٩/ ٩٦.
(٣) المصدر السابق ٣/ ٦٥٨.
(٤) المصدر السابق ٣/ ٦٥٨.
(٥) المصدر السابق ٢/ ١٧٠.
(٦) المصدر السابق ٢/ ٢٦٠.
[ ٢٢٤ ]
إيجابٌ" (١).
هذا، وقد يكون الخلافُ النحوي قائمًا على اختلاف المعنى، ومن ذلك في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ (٢)، قال ابن الملقن: "فمَن قال: هو معطوف بـ (أو) على قوله: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾؛ فالمعنى عنده: ليقتل طائفة، أو يخزيهم بالهزيمة، أو يتوب عليهم، أو يعذبهم، وقيل: (أو) هنا بمعنى (حتى) " (٣).
وقد يعرض ابنُ الملقن الخلافَ مع عزوه لصاحبه، وذلك في (وإنا لوجدناه بحرًا) قال: "و(إن) في قول الكوفيين بمعنى (ما)، واللام بمعنى (إلا)، وهي عند البصريين مخففة من الثقيلة" (٤). ومن ذلك في (لما أخبرتني) قال: "يحتمل أن تكون اللام بمعنى (إلا) و(ما) زائدة، هذا مذهب الكوفيين، ويحتمل أن تكون (لَمَّا) مشددة بمعنى (إلا)، ذكره سيبويه، وأنكره الجوهري" (٥).
ومن طرق ابن الملقن في عرضه للخلاف النحوي: أنه ربما يذكر الرأي النحوي، ثم يورد احتمالاتٍ تعترضُ الرأي الصحيح، ومن ذلك في (لا أذره)، قال: "وعلى هذا تكون (لا) زائدة ويحتمل عدم زيادتها" (٦).
وربما نجده يذكر الرأي النحوي على طريقة الإنكار، ثم يبين مدى صحته، ثم يرجح بعد ذلك، ومثله في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (٧)، قال: "زعم أبو عبيدة أن (إلا) هنا بمعنى الواو، وهو خطأ عند حُذَّاق النحويين، والقولُ أنه استثناءٌ أبيَنُ" (٨).
وقد يذكر الحكم النحوي ثم يبين الخلاف فيه، وذلك في مثل (لا تُشِفوا بعضَها على
_________________
(١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٦/ ٢٨٢.
(٢) آل عمران: ١٢٨.
(٣) المصدر السابق ٢١/ ١٧٥.
(٤) المصدر السابق ١٧/ ٥٢٩.
(٥) المصدر السابق ٢٩/ ١٤١.
(٦) المصدر السابق ٢٤/ ٥٧٣.
(٧) البقرة: ١٥٠.
(٨) المصدر السابق ٢٢/ ٥٨.
[ ٢٢٥ ]
بعض)، قال: "ولا يصح حملُه على النقص مع (على)؛ إلا على مذهبِ مَن يجيزُ بدل الحروف بعضها من بعض، فيجعل (على) موضعَ (عن)، وفيه بُعد" (١).
ومن أغربِ الطرق التي عرض ابنُ الملقن بها الخلافَ النحوي: أنه قد يعترضُ على مذهب نحوي، ولهذا المذهب ما يُثبت صحتَه، ومن ذلك في (إلا خطأ)، قال: "ولا يصح أن يكون (إلا) بمعنى الواو؛ لأنه لا يعرف (إلا) بمعنى حرف الواو" (٢).
أما موقفُ ابن الملقن من النحويين، فيختلفُ من مسألة لأخرى، ففي مسألةٍ قد نجد ابنَ الملقن يسيرُ وَفْقَ ما سار عليه النحويون، ويعضدُ رأيَهم بالدليل، ومن ذلك: قول ابن الملقن: "باب العدد في العربية أو يكون مرفوعًا بدلًا من (إحدى عشر)، وهو الأظهر، وعلى هذا أعربوا قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ (٣)، بدلًا من اثنتي عشرة" (٤). ومعنى قوله: (في العربية)، أي: عند أهل العربية.
فابن الملقن اعتدَّ بما عند النحاة، وأيَّدهم بقوله: وهو الأظهر.
ومن مواقف ابن الملقن من النحويين: أنه قد يرُدُّ رأيَ عالم نحوي استنادًا إلى المشهور من كلام العلماء، ومن ذلك قوله: "ولا يصح نصبُه على التفسير، إذ لا تفسير في العدد إلا لواحد، ولا يصحُّ إضافةُ العدد الذي قبله إليه وليس بتفسير فيما قاله الفارسي، وغيره" (٥).
ومن مواقف ابن الملقن: أنه قد يعرض لخلاف النحويين دون التعليق عليه، ومن ذلك في (لما أخبرتني)، إذ قال ابن الملقن: "يحتمل أن تكون (اللام) بمعنى (إلا)، و(ما) زائدة، هذا مذهب الكوفيين، ويحتمل أن تكون (لَمَّا) مشددة بمعنى (إلا)، ذكره سيبويه، وأنكره الجوهري" (٦).
هذا، وقد يصرِّحُ بالخطأ مع ذكر قائله من النحويين، وربما لا يعللُ لهذه التخطئة، ومن
_________________
(١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ١٤/ ٣٣٣.
(٢) المصدر السابق ٣١/ ٣٥٧.
(٣) الأعراف: ١٦٠.
(٤) المصدر السابق ٢٤/ ٥٦٨.
(٥) المصدر السابق ٢٤/ ٥٦٨.
(٦) المصدر السابق ٢٩/ ١٤١.
[ ٢٢٦ ]
ذلك في ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُم﴾ (١) قال: "وزعم أبو عبيدة أن (إلا) هنا بمعنى الواو، وهو خطأ عند حُذَّاق النحويين، والقول أنه استثناء أبيَنُ " (٢).
ولا يعني هذا أن ابن الملقن يرفضُ الرأيَ ما لم يكن صحيحًا مشهورًا، بل قد يجيز الرأي المفضول أو غير المشهور؛ ومن ذلك في: (لا تشفوا بعضها على بعض) إذ قال: "ولا يصح حملُه على النقص مع (على)؛ إلا على مذهبِ مَن يجيزُ بدل الحروف بعضِها من بعض؛ فيجعل (على) موضعَ (عن)، وفيه بُعدٌ" (٣).
وقد نجد اعتدادَ ابن الملقن بآراء النحويين؛ ومن ذلك في (أكثرَ أهل النار)، قال: "بالنصب على الحال، إذا قلنا: إن أفعل لا يتعرفُ بالإضافة، كما صار إليه الفارسي وغيره" (٤).
أما عن مذهب ابن الملقن النحوي، فلم يصرح الشارحُ -حسَبَما وقفتُ عليه- بالمذهب الذي ينتمي إليه، ولكننا نجدُ إثباتَه لآراء البصريين بكثرة، وأما ذكرُه لرأي الكوفيين ففي مواطنَ قليلةٍ.
فمما أخَذَ فيه برأي البصريين: في (أفيض)، إذ قال: "وصوابه (أفض)؛ لأنه جواب الأمر" (٥)، وهذا ما يراه البصريون، والوجه الذي يراه الكوفيون يعُده خطأً بقوله: وصوابُه. ومن ذلك أيضا في (إلا خطأ) إذ قال: "ولا يصح أن يكون (إلا) بمعنى الواو؛ لأنه لا يعرف (إلا) بمعنى حرف العطف" (٦)، وهو بذلك يثبتُ مذهبَ البصريين، ويعترض على مذهب الكوفيين.
وتارة نجدُ ابنَ الملقن يأخذ برأيِ مذهبٍ دون عزوه، ومن ذلك في (مثنى مثنى)، إذ قال: "و(مثنى) معدولٌ عن اثنين اثنين، فهي لا تنصرفُ للعدل المكرَّر" (٧). وهذا رأيُ سيبويه عن الخليل.
_________________
(١) البقرة: ١٥٠.
(٢) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٢٢/ ٥٨.
(٣) المصدر السابق ١٤/ ٣٣٣.
(٤) المصدر السابق ٥/ ٥٣.
(٥) المصدر السابق ١١/ ٥٣٣.
(٦) المصدر السابق ٣١/ ٣٥٧.
(٧) المصدر السابق ٨/ ١٦٦.
[ ٢٢٧ ]
ومما أخذ فيه بقول البصريين: في (لا تُشِفوا بعضَه على بعض)، إذ قال: "ولا يصح حملُه على النقص مع (على)؛ إلا على مذهبِ مَن يجيزُ بدل الحروف بعضِها على بعض، فيجعل (على) موضع (عن)، وفيه بُعد" (١)، وبما سبق فقد تبع مذهب البصريين.
ومما أخذ فيه ابنُ الملقن عن الكوفيين: (في هرة)، إذ قال: " (في) هنا سببية، وأصلُ (في) للظرفية" (٢)، فالكوفيون يرون أن (في) تخرج عن أصلها، أما البصريون فيرون ظرفيتها.
بهذا، قد بيَّنَّا طريقة ابن الملقن في عرضه للخلاف النحوي، وكيف كان موقفُه من النحويين، مع محاولة اكتشاف مذهبه النحوي، وكل هذا بحسَبِ ما وقفَ عليه الباحثُ ورآه.
_________________
(١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ١٤/ ٣٣٣.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٤٤٤.
[ ٢٢٨ ]
الفصلُ الثالث
أصولُ الاستدلال في دراسته
للمسائل النحوية
وفيه مباحثُ:
المبحثُ الأول: السَّماع
المبحثُ الثاني: القياس
المبحثُ الثالث: الإجماع
المبحثُ الرابع: أصولٌ أخرى
المبحثُ الخامس: استعانتُه بالتعليل
[ ٢٢٩ ]
المبحثُ الأول: السَّماع
اعتمد ابنُ الملقن على هذا الأصل من أصول الاستدلال اعتمادًا كبيرًا، وقد تنوَّعت طرقُه في الاستدلال بالسماع، وتعددت أغراضُه الداعية لهذا الاستدلال.
فمن الطرق التي استخدم بها أصل السماع -من آيات قرآنية، وأحاديث نبوية، وشواهد شعرية، وأقوال العلماء- أنه ربما يستدلُّ بالحديث والحديثين في مسألة واحدة، وتارةً يستدل بمعنَى الحديثِ دون نصِّه، وتارة يوردُ الحديثَ كما ورد في كتب الصحاح.
فمثالُ ما استدل فيه بمعنى الحديث: في مجيء (في) للسببية، في حديث (في النفس المؤمنة)؛ إذ قال: "وكقوله في التي حبست هرةً فدخلت النارَ فيها، أي: لسببها" (١)، ففي هذا الحديث الأخير استدل به بالمعنى ولم يوردْه نصًّا.
ومثالُ ما استدل بنصِّه كما ورد في كتب الصحاح: في قوله - ﵇ -: (ما مِن أحد أغيرَ من الله)، قال: "وفي مسلم: (إنْ من أحد أغير من الله) بكسر همزة (إن) وإسكان النون، وهو بمعنى: ما من أحد أغير من الله" (٢).
هذا، وقد يستدلُّ بروايات الحديث غيرَ مكتفٍ برواية البخاري، كما في (ما أنا بقارئ)، إذ قال: " (ما) نافية، واسمها (أنا)، وخبرها (بقارئ)، و(الباء) زائدة لتأكيد النفي، أي: ما أحسنُ القراءة، وقد جاء في رواية: ما أحسنُ أن أقرأ" (٣).
كذلك قد يستدلُّ بأقوال الصحابة، وقد تكونُ مقتطعةً من الحديث الشريف، ومن ذلك في آية ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ (٤)؛ إذ قال: "ومثله قولُ عائشة: ولم يجلس عندي مِن يومِ قيلَ ما قيل. وقولُ أنس: فما زلتُ أحبُّ الدُّبَّاءَ من يومئذ. وقولُ بعض الصحابة: مُطرنا من الجمعة إلى الجمعة" (٥).
وقد يستدلُّ كذلك ببعض لغات العرب، عند مخالفتها للقواعد النحوية المشهورة، وذلك
_________________
(١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٢/ ٤٤٤.
(٢) المصدر السابق ٨/ ٣١٦.
(٣) المصدر السابق ٢/ ٢٦٠.
(٤) التوبة: ١٠٨.
(٥) المصدر السابق ٣/ ٥٨٤.
[ ٢٣٠ ]
في مثل (لن يصبنا - لن تعد)؛ إذ قال ابن الملقن: "هي لغةُ بعض العرب؛ يجزمون بـ (لن) مثل (لم) " (١).
ومثالُ ما استشهد به ابنُ الملقن من كلام العرب، في (حَذْفِ ما دلَّ عليه دليلٌ)؛ إذ قال: "والعرب قد تحذف (كاد) كثيرًا من كلامها؛ لدلالة الكلام عليه، كقولهم في: (أظلمت الشمسُ)؛ كادت تُظلم" (٢).
أما الأغراض التي دَعَتِ ابنَ الملقن للاستدلال بالسماع، فمتعددةٌ؛ منها: أنه قد يستدل عَضْدًا لرأي نحوي، ومن ذلك في (قيل وقال)، إذ قال ابن الملقن: "قال أبو عبيد: كنايةٌ عن قيل وقول، ويقال: قلتُ قولًا، وقيل قالًا، وقرأ ابن مسعود: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَالَ الْحَقِّ﴾ (٣)، يعني: قولَ الحق" (٤).
ومثالُ ما استدل به ابنُ الملقن عضدًا لرأيٍ نحوي، في قول عمر: (ما كدتُ أصلي العصر)، إذ قال ابن الملقن: "مقتضى الحديث أن عمر صلى العصر قبل المغرب؛ لأن النفي إذا دخل على (كاد) اقتضى وجوبَ الفعل في الأكثر، كما في قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٥) " (٦).
وربما يعضُدُ الرأيَ النحوي بأكثرَ من شاهد، في مثل (إضافة الشيء إلى نفسه)، إذ قال ابن الملقن: "قال الشاعر:
أَمَامُ وَخَلْفُ المرْءِ مِنْ لُطْفِ رَبِّهِ كوالئُ تَزْوي عَنْهُ مَا هُوَ يَحْذَرُ
وجاء أيضًا في إضافة واحدة؛ كما هو في الحديث" (٧).
وقد يجمع بين الاستدلال بقراءة وبيتٍ شعري، في مثل (حذف المضاف إليه وإبقاء
_________________
(١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ١٠/ ٩١.
(٢) المصدر السابق ٦/ ٢٩٣.
(٣) مريم: ٣٤.
(٤) المصدر السابق ١٥/ ٤٦٠.
(٥) البقرة: ٧١.
(٦) المصدر السابق ٦/ ٢٨٢.
(٧) المصدر السابق ٣/ ٤٣٣.
[ ٢٣١ ]
المضاف على حاله)؛ إذ قال: "مثل قراءة ابن محيصن: ﴿فَلَا خَوْفَ عَلَيْهِمْ﴾ (١)، وقول الشاعر:
أَقُولُ لَمَّا جَاءَنِي فَخْرُهُ سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الفَاخِرِ" (٢)
ومن طرائقه أنه ربما يستدلُّ بالقرآن الكريم لعضدِ معنى الحديث، ومن ذلك في (أن كان ابن عمتك)؛ إذ قال: "من أجل أنه ابن عمتك، كقوله تعالى: ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ (٣) " (٤).
هذا، وقد يكون استدلالُه بأصل السماع إثباتًا للقاعدة النحوية، ومن ذلك في (اتخذ)؛ إذ قال: "وقد تتعدى (اتخذ) لأحد المفعولين بحرف الجر، وقد تتعدى إلى مفعول واحد، وكل ذلك في القرآن" (٥)، ومن ذلك ما علق به بعد قول ابن الشجري: إن (اللام) قد تأتي بمعنى (في)، قال ابن الملقن: "كقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (٦) " (٧).
هذا أبرزُ ما وقف عليه الباحثُ -حسَبَ اطلاعه- من طرق ابن الملقن في الاستدلال بالسماع، والأغراض التي دعته لاستخدام هذا الأصل.
_________________
(١) البقرة: ٣٨.
(٢) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٣/ ٤٣٣.
(٣) القلم: ١٤.
(٤) المصدر السابق ١٥/ ٣٣٧.
(٥) المصدر السابق ٥/ ٦١٧.
(٦) الأنبياء: ٤٧.
(٧) المصدر السابق ١٨/ ٣٠٥.
[ ٢٣٢ ]
المبحثُ الثاني: القياسُ
اعتدَّ ابنُ الملقن بأصل القياس في شرحه للجامع الصحيح، غير أنه استعمله بقلة -حسَبَما وقف عليه الباحث من خلال المسائل التي درسها- ومع ذلك، فقد تنوَّع استعمالُ ابن الملقن لهذا الأصل؛ فتارة يقيسُ على ما هو مشهور عند النحويين، وتارة يقيسُ بحمل النظير على النظير، وفي أخرى يقيسُ بحمل النظير على ضده، وفي بعض المسائل يقيس بحمل الفرع على الأصل.
فمثال ما قاس فيه على المشهور عند النحويين: في (ما) هل هي للعاقل؟ أو لغير العاقل؟ إذ قال ابن الملقن: " (ما رزقتنا) أي: شيئًا رزقتنا؛ لأن المشهور أن (ما) لِمَا لا يعقل، (ومَن) لمن يعقل، وإذا كانت (ما) بمعنى شيء، وقعت على مَن يعقل وما لا يعقل" (١). حيث حمل غيرَ العاقل على العاقل؛ لاتصافه بما يتصفُ به العاقلُ.
ومن ذلك أيضًا في (معاذ بن جبل)، إذ قال: "واختار ابنُ الحاجب النصب واعترضه ابنُ مالك فقال: الاختيارُ الضم؛ لأنه منادًى علمٌ، ولا حاجة إلى إضمار" (٢)؛ حيث قدَّم ما لا يحتاجُ إلى إضمار، كما هو القياس عند النحويين.
وكذلك في (حتى شطر الليل أو يبلغه)، إذ قال:
"التقدير كاد يبلغه، والعرب قد تحذف (كاد) كثيرًا من كلامها لدلالة الكلام عليه، كقولهم في: (أظلمت الشمس)؛ كادت تظلم" (٣).
وفي قوله - ﵇ -: (فمن كانت هجرتُه إلى الله ورسوله ) قال: "لا بد من تقدير شيء؛ لأن القاعدة عند أهل الصناعة أن " (٤). حملًا على ما هو مشهور عند أهل اللغة.
ومن قياس النظير على النظير، في قول ورقة بن نوفل: (يا ليتني كنت جذعًا)، إذ قال ابن الملقن: "أن تكون (ليت) عمِلت عملَ (تمنَّيتُ) فنصبت اسمين" (٥). فحمل عملَ (ليت) التي
_________________
(١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٢٩/ ٣٣٣.
(٢) المصدر السابق ٣/ ٦٥٨.
(٣) المصدر السابق ٦/ ٢٩٣.
(٤) المصدر السابق ٢/ ١٩٠.
(٥) المصدر السابق ٢/ ٢٩٢.
[ ٢٣٣ ]
للتمني على (تمنيت)؛ لاتحادهما في المعنى.
ومن ذلك في حديث أم زرع (جلس إحدى عشرة نسوة)، إذ قال: " (نسوة)، وهو جنس بعد إحدى عشرة، وهو خارجٌ عن وجه الكلام، ولا يصحُّ نصبُه على التفسير؛ إذ لا تفسير في العدد إلا بواحد. ولا يصلحُ إضافة العدد الذي قبله إليه، ووجهُ نصبه عندي على إضمار (أعنى)، أو يكون مرفوعًا بدلًا من (إحدى عشرة)، وهو الأظهرُ، وعلى هذا أعربوا قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ (١)؛ الأسباط بدل من ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ " (٢). حيث قاس (أسباطًا) على (نسوة)؛ لأن كليهما جنسٌ، ولا يجوز أن تكون تمييزًا.
ومثله أيضًا في (نوح)؛ إذ قال: " (نوح) أعجمي، والمشهور صرفه، ويجوز تركه" (٣). حملا على أن كل اسم أعجمي ثلاثي الوسط فهو مصروف.
ومن ذلك أيضًا في قوله - ﵇ -: (الحب في الله )، إذ قال ابن الملقن: " (في) سببية كقوله - ﵇ -: (في النفس المؤمنة مائة من الإبل)، وكقوله في التي حبَست الهرةَ: (فدخلت النار فيها)، أي: بسببها، وأصل (في) للظرفية" (٤). حيث قاس (في) في الحديث الأول، على (في) في الحديثين التاليين، مع كون الخلافِ قائمًا حول مجيء (في) للسببية.
ومن ذلك في قوله - ﵇ -: (ما من أحد أغير من الله) قال: "وفي مسلم: (إنْ من أحد أغير من الله) بكسر همزة (إنْ) وإسكان النون، وهو بمعنى: (ما من أحد أغير من الله)، وعلى هذا (أغيرَ) بالنصب خبرُ (إن) النافية، فإنها تعملُ عملَ (ما) عند الحجازيين" (٥). حيث حمَلَ عمل (إن) النافية على عمل (ما) النافية عند الحجازيين، إذ هما بمعنى واحد.
ومن ذلك في قوله تعالى: ﴿قُل لَّن يُصِبَنَا﴾ (٦)، قال: "هي لغةٌ لبعض العرب؛ يجزمون
_________________
(١) الأعراف: ١٦٠.
(٢) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٢٤/ ٥٦٨.
(٣) المصدر السابق ٢/ ١١٨.
(٤) المصدر السابق ٢/ ٤٤٤.
(٥) المصدر السابق ٨/ ٣١٦.
(٦) التوبة: ٥١.
[ ٢٣٤ ]
بـ (لن) مثل (لم) " (١)، حيث حمل (ما) في الآية على لغة بعض العرب في المخالف للقواعد النحوية المشهورة.
ومن حمل النظير على نظيره: في قوله - ﵇ -: (مثل أو قريب) في حذف المضاف إليه وإبقاء المضاف على هيئته، قال ابن الملقن: "وجاء أيضًا في إضافة واحدةٍ كما هو في الحديث" (٢). إذ لا نظير لما عند النحويين سوى ما في هذا الحديث حسب قوله.
وكذلك: في جعله الفعلَ المبني للمجهول يرفعُ فاعلًا، وينصب مفعولًا، وذلك في مثل: (لن يُشَادَّ الدينَ أحدٌ)؛ إذ قال: "والدينَ على هذا منصوب وهو ضبطُ أكثر أهل الشام على إضمار الفاعل في (يشاد) للعلم به" (٣). والذي عند النحويين أن الفعل المبني للمجهول يرفع نائب فاعل.
ومن قياس الفرع على الأصل: في مثل (فبكرًا تزوجت)؛ قال: "تقديرُه: أبكرًا تزوجتَ؛ لأن (أم) لا يُعطف بها إلا بعد همزة الاستفهام" (٤). حيث جعل (الفاء) بمنزلة (همزة الاستفهام)؛ إذ الأصل في الاستفهام الهمزة.
هذا مجملُ ما استعمله ابنُ الملقن في أصل القياس في المسائل التي درسها الباحثُ.
_________________
(١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ١٠/ ٩١.
(٢) المصدر السابق ٣/ ٤٣٣.
(٣) المصدر السابق ٣/ ٨٤.
(٤) المصدر السابق ٢٥/ ١٥٧.
[ ٢٣٥ ]
المبحث الثالث: الإجماع
اعتمد ابنُ الملقن في شرحه للجامع الصحيح الموسوم بـ (التوضيح لشرح الجامع الصحيح)، على أصل الإجماع اعتمادًا ملحوظًا، حيث أقرَّ في كثير من الآراء ما أجمعَ عليه النحويون، ومثالُ ما أقرَّه ابن الملقن بناء على ذلك: في قوله - ﵇ -: (فمن كانت هجرتُه إلى الله ورسوله فهجرتُه )، إذ قال: "لا بد فيه من تقدير شيء؛ لأن القاعدة عند أهل الصناعة أن " (١)، فذكرُه لهذا الحكم مبنيٌّ على ما أقره النحويون.
ومنه في قوله - ﵇ -: (لها ريح مُنتن)، قال: "صوابُه: (منتنة)؛ لأن الريح مؤنثة، إلا أنه يجوزُ في المؤنث الذي لا فرجَ له أن يُعبَّر عنه بالمذكر" (٢)، وهو يشيرُ لما أجمع عليه النحويون.
وأيضًا مما أقره ابنُ الملقن لِما أجمع عليه النحويون: في قوله - ﵇ -: (ويجعلون محرم صفرَ)، إذ قال: "والصواب صفرًا؛ لأنه مصروف قطعًا" (٣).
وكذلك في قوله - ﵇ -: (فبكرًا تزوجتَ أم ثيبًا)، قال: تقديره: أبكرًا تزوجت؛ لأن (أم) لا يُعطف بها إلا بعد همزة الاستفهام" (٤). أي: عند النحويين.
ومن ذلك أيضًا في (مبرور)، إذ قال: "وأصلُه أن لا يتعدى بغير حرف جر" (٥).
وكذلك في قول عمر بن الخطاب - ﵁ -: (ما كدتُ أصلي العصر)، قال ابن الملقن: "مقتضى الحديث أن عمر صلى العصر قبل المغرب؛ لأن النفي إذا دخل على (كاد) اقتضى وقوعَ الفعل في الأكثر، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٦). والمشهور في (كاد) أنها إذا كانت في سياق النفي أوجبَتْ، فإن كانت في سياق الإيجاب نفَتْ" (٧).
هذا، وربما لا يكتفي ابنُ الملقن بما أقره النحويون فحسب، بل يزيدُ ما أقرَّه أهلُ الأصول
_________________
(١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٢/ ١٩٠.
(٢) المصدر السابق ٢١/ ٢٢٣.
(٣) المصدر السابق ١١/ ٢٥٢.
(٤) المصدر السابق ٢٥/ ١٥٧.
(٥) المصدر السابق ١١/ ٣٨.
(٦) البقرة: ٧١.
(٧) المصدر السابق ٦/ ٢٨٢.
[ ٢٣٦ ]
أيضًا، ومن ذلك: في قوله - ﵇ -: (إنما الأعمال بالنيات )، قال: " (إنما) موضوعةٌ للحصر؛ تُثبت المذكورَ وتنفي ما عداه، هذا مذهبُ الجمهور من أهل اللغة والأصول وغيرهما" (١).
وبالنظر فيما سبق يتضحُ اهتمامُ ابن الملقن بهذا الأصل، مما عرضه في هذا المبحث من ذكرٍ للحديث الشريف وتعليقه عليه.
_________________
(١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٢/ ١٧٠.
[ ٢٣٧ ]
المبحثُ الرابع: أصولٌ أخرى
تنوَّعت أصول الاستدلال عند ابن الملقن في شرحه للجامع الصحيح؛ فمن الأصول التي اعتمد عليها ما سبق إيضاحُه من السماع والقياس والإجماع، ومنها ما نجده عنده أيضًا من الاستدلال بأصول أخرى، منها: استصحابُ الحال، والسَّبْر والتقسيم، وقد ظهر استدلالُه بهذين الأصلين من خلال دراسة الباحث للمسائل النحوية.
ويمكنُ أن نُبرِزَ هذين الأصلين بعرض الأمثلة عليهما؛ فأما استدلالُه بأصل استصحاب الحال، فإننا نجدُ ابنَ الملقن يستخدمُ هذا النوعَ من الأدلة في عدة مواقف وربما يقدمُه على غيره من الأدلة.
ومثال ذلك في قول ورقة بن نوفل: (يا ليتني كنت جذعًا)، إذ قال ابن الملقن: "منصوبٌ على الحال، وخبر (ليت) قوله: فيها، والتقدير: ليتني كائنٌ فيها -أي: مدة الحياة- في هذا الحال شبيبةً وصحةً وقوة لنصرتك، إذ قد كان أسنَّ وعمِيَ عند هذا القول" (١). فكان الرابطُ في اختيار النصب: هو حال ورقةَ من الكِبَر والعمى.
ومن ذلك أيضًا في قوله - ﵇ -: (ليلٌ طويلٌ فارقد)؛ إذ قال ابن الملقن: "والأول أولى (ليلٌ طويلٌ) من جهة المعنى؛ لأنه الأمكَنُ في الغرور؛ من حيث إنه يخبره عن طول الليل ثم يأمرُه بالرقاد، وإذا نُصب على الإغراء لم يكن فيه إلا الأمرُ بملازمة طول الرقاد" (٢).
وكذلك في قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٣)، قال ابن الملقن: "حمله على معنى الانتظار لا يخلو أن يُراد به: منتظرةً ربَّها أو ثوابَه، وعلى أيهما حُمل فهو خطأ؛ لأن المنتظِر لِمَا ينتظرُه في تنغيص وتكدير، والله قد وصف أهلَ الجنة بغير ذلك" (٤).
أما أصلُ السبر والتقسيم، فقد استخدمه ابن الملقن قليلًا، ومن ذلك في: (حتى أدخل على مالك)، إذ قال ابن الملقن: "مَن قرأه بضم لام (أدخلُ) كانت (حتى) عاطفة، فمعنى
_________________
(١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٢/ ٢٩٢.
(٢) المصدر السابق ٩/ ٨٩.
(٣) القيامة: ٢٣.
(٤) المصدر السابق ٣٣/ ٤٢٣.
[ ٢٣٨ ]
الكلام: انطلقت فدخلت المدينة، ومَن فتحَها كانت (حتى) بمعنى (كي) " (١).
ومن ذلك في قوله - ﵇ -: (يضرب بعضكم)، قال ابن الملقن: "مَن جزم (الباء) من (يضرب) أوَّله على الكفر الحقيقي الذي فيه ضربُ الأعناق، ومَن رفَعها، فكأنه أراد الحالَ والاستئناف، ولا يكون متعلقًا بالذي قبله" (٢).
ومن السبر والتقسيم أيضًا لديه: في مثل ما ورد في (نِعم)؛ إذ قال: "وفيها أربع لغات: بفتح أوله وكسر ثانيه، وكسرهما، وسكون العين وكسر النون، وفتح النون وسكون العين" (٣).
هذا أبرَزُ ما وقف عليه الباحثُ في دراسته للمسائل النحوية لأصول الاستدلال.
_________________
(١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ١٨/ ٣٨٣.
(٢) المصدر السابق ٣٢/ ٣١٧.
(٣) المصدر السابق ٣٢/ ٤٤٦.
[ ٢٣٩ ]
المبحثُ الخامس: استعانتُه بالتعليل
استعان ابنُ الملقن في شرحه للجامع الصحيح بأصل التعليل، مستخدمًا ذلك لأغراض متعددة؛ من أهمها: استعانتُه بالتعليل لعَضْد رأي أو دَحْضه، أو إيضاح معنى.
فمثال ما استعان فيه ابنُ الملقن بالتعليل: في قوله - ﵇ -: (فمَن كانت هجرتُه إلى الله ورسوله )، إذ قال ابن الملقن: "لا بد فيه من تقدير شيء؛ لأن القاعدة عند أهل الصناعة أن الشرط والجزاء والمبتدأ والخبر لا بد من تغايُرِهما" (١).
ومن ذلك في قول أبي طلحة: (أفعلُ يا رسول الله)، قال ابن الملقن: "هو فعلٌ مستقبل مرفوع. وقال الداودي: يحتمل أن: افعل أنت ذاك، قد أمضيتُه على ما قلتَ؛ فجعَله أمرًا، والأولُ أولى؛ لقوله: فقسَمَها أبو طلحة" (٢). حيث جعل الفعل للمستقبل لدلالة الفعل (فقسمها).
ومثله في (ريح منتن)، إذ قال: "وصوابه: (منتنة)؛ لأن الريح مؤنثة" (٣).
ومن ذلك أيضًا (ليلٌ طويلٌ)، إذ قال: "والرفع أولى من جهة المعنى؛ لأنه الأمكَنُ في الغرور؛ من حيث إنه يخبره عن طول الليل ثم يأمره بالرقاد" (٤).
ومن ذلك في (معاذ بن جبل)، إذ قال ابن الملقن: "ويجوز في (معاذ) النصب والرفع، واختار ابنُ الحاجب النصبَ على أنه تابعٌ لـ (ابن)، فيصيران كاسم واحد مركبٍ؛ كأنه أضيف إلى (جبل)، والمنادى المضافُ منصوبٌ قطعًا، واعترضه ابنُ مالك فقال: الاختيارُ الضم؛ لأنه منادًى علمٌ، ولا حاجة إلى إضمار" (٥).
ومما استعان فيه بالتعليل لعضد رأي: في قول علي - ﵁ -: (بعثني رسولُ الله - ﷺ - أنا والزبيرَ والمقدادَ)، إذ قال: "أكد الضميرَ المنصوب بـ (أنا)، كقوله تعالى: ﴿إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا
_________________
(١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٢/ ١٩٠.
(٢) المصدر السابق ١٥/ ٢١٢.
(٣) المصدر السابق ٢١/ ٢٢٣.
(٤) المصدر السابق ٩/ ٨٩.
(٥) المصدر السابق ٣/ ٦٥٨.
[ ٢٤٠ ]
وَوَلَدًا (٣٩)﴾ (١)، وقيل: لا يؤكد بها ضمير المنصوب؛ لأنها في موضع رفع؛ ولا يؤكد المنصوب بالمرفوع" (٢).
ومن ذلك أيضًا في قوله - ﵇ -: (نِعمت المرضعةُ، وبِئست الفاطمةُ)، قال ابن الملقن: " (نعم) و(بئس) فعلان لا يتصرفان؛ لأنهما انتقلا عن موضعهما، فنُقلا إلى المدح والذم، فشابها الحرفَ" (٣).
ومن ذلك في: (فبكرا تزوجت)؛ قال ابن الملقن: "تقديره: أبكرًا تزوجتَ؛ لأن (أم) لا يُعطَف بها إلا بعد همزة الاستفهام" (٤).
أما التعليلُ الذي استعان به ابن الملقن لدحض رأي، ففي مثل (حتى أفيض)؛ إذ قال: "صوابه أُفِض؛ لأنه جوابُ الأمر" (٥).
ومن ذلك أيضًا في قوله: (ما أنا بقارئ)؛ إذ قال ابن الملقن: "وغُلط مَن جعلها استفهامية؛ لدخول الباء في خبرها، وهي لا تدخل في خبر (ما) الاستفهامية" (٦).
ومثلُه في (إلا خطأ)؛ إذ قال: "ولا يصح أن يكون (إلا) بمعنى الواو؛ لأنه لا يُعرف (إلا) بمعنى حرف العطف، ولأن الخطأ لا يُحذر، لأنه ليس بشيء يُقصد" (٧).
وكذلك في قوله تعالى: ﴿امِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾، تعليقًا على قول الفارسي: أي من تأسيس أول اليوم، قال ابن الملقن: "وضُعِّف هذا الرأي؛ لأن التأسيس ليس بمكان" (٨).
وكذلك في قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٩)، قال ابن الملقن: "وخطأُ كونه في الآية بالمعنى الأول -وهو الانتظار- من وجهين: أحدهما: أنه عدِّي إلى مفعوله بـ (إلى)، وهو إذا كان بمعنى
_________________
(١) الكهف: ٣٩.
(٢) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٢١/ ٤١٩.
(٣) المصدر السابق ٣٢/ ٤٤٦.
(٤) المصدر السابق ٢٥/ ١٥٧.
(٥) المصدر السابق ١١/ ٥٤٠.
(٦) المصدر السابق ٢/ ٢٦٠.
(٧) المصدر السابق ٣١/ ٣٥٧.
(٨) المصدر السابق ٣/ ٥٨٤.
(٩) القيامة: ٢٣.
[ ٢٤١ ]
الانتظار لا يتعدى بها، وإنما يَتعدى بنفسه " (١).
وكذلك في قوله - ﵇ -: (ويجعلون المحرم صفرَ)، قال ابن الملقن: "والصواب صفرًا؛ لأنه مصروف قطعًا" (٢).
ومن ذلك في (الإفرار) قال ابن الملقن: "وهذا ليس بصحيح؛ لأنه لا يُقال: أفرَّ رباعيًّا" (٣).
أما التعليل الذي من أجل إيضاح المعنى، فمثاله في قوله - ﵇ -: (لا تحرَّوا بصلاتكم طلوعَ الشمس ولا غروبَها)، قال ابن الملقن: "و(لا) الناهية دخلت بعد الواو؛ لتُفيد النهيَ عن كلٍّ منهما" (٤).
ومن ذلك أيضًا في (أنْ كان ابنَ عمتك)؛ قال ابن الملقن: "من أجل أنه ابن عمتك لأن أمَّ الزبير صفيةَ بنتَ عبد المطلب عمةُ رسول الله - ﷺ - " (٥).
ومن ذلك في قول عمر: (ما كدتُ أصلي العصر حتى كادت الشمسُ تغرب)، قال ابن الملقن: "مقتضى الحديث أن عمر صلى العصر قبل المغرب؛ لأن النفي إذا دخل على (كاد) اقتضى وجوبَ الفعل في الأكثر" (٦).
ومن ذلك ما علَّق به ابنُ الملقن على ما استشكله القرطبي في (إلا فرار) من وجهي النصب والرفع، إذ قال ابن الملقن: "لأنه يفيد بحكم ظاهره أنه لا يجوزُ أن تخرج من الوباء إلا من أجل الفرار، وهذا محالٌ، وهو نقيض المقصود من الحديث" (٧). ومن ذلك أيضًا، في (ثوبي حجر) قال: "وإنما نادى موسى - ﵇ - الحجرَ نداءَ مَن يعقل؛ لأنه صدَر عن الحجر فعلُ مَن يعقل" (٨).
فهذا أبرزُ ما وقفَ عليه الباحثُ من اهتمام ابن الملقن واستعانته بالتعليل.
_________________
(١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٣٣/ ٣٢٣.
(٢) المصدر السابق ١١/ ٢٥٢.
(٣) المصدر السابق ١٩/ ٦٥١.
(٤) المصدر السابق ٦/ ٢٦٤.
(٥) المصدر السابق ١٥/ ٣٤٧.
(٦) المصدر السابق ٦/ ٢٨٢.
(٧) المصدر السابق ١٩/ ٦٥١.
(٨) المصدر السابق ٤/ ٦٢٧.
[ ٢٤٢ ]
الفصلُ الرابع
التقويمُ، وفيه مباحثُ:
المبحثُ الأول: الوضوحُ والغموض
المبحثُ الثاني: الدقةُ في النقل، وعدمُها
المبحثُ الثالث: التبعيَّةُ والاستقلال
المبحثُ الرابع: تأثير آرائه في مَن جاء بعده
المبحثُ الخامس: أثرُ بحثه النحوي في دلالة الحديث
[ ٢٤٣ ]
المبحثُ الأول: الوضوحُ والغموض
من خلال ما درسه الباحثُ من المسائل النحوية في كتاب (التوضيح لشرح الجامع الصحيح)، تبيَّن له دقةُ عبارة ابن الملقن ووضوحُها، مع كونها مختصرةً، عدا النَّزْرَ اليسيرَ -غير المخوِّل للعيب- في غموض بعض العبارات.
فمثالُ وضوح عبارته: في قوله - ﵇ -: (فبكرًا تزوجت)، إذ قال: "تقديرُه: أبكرًا تزوجتَ؛ لأن (أم) لا يُعطف بها إلا بعد همزة الاستفهام" (١).
ومن ذلك أيضًا في قوله - ﵇ -: (حتى فرجه بفرجه)، قال ابن الملقن: " (حتى) هنا عاطفة، وهي عند النحويين لا تعطفُ إلا بثلاثة شروط: أن تعطف قليلًا على كثير، وأن يكونَ من جنسه، وأن يُرادَ به التعظيمُ أو التحقير، والقليلُ هنا الفرج، والكثير الأعضاء، وهو من جنسها، والمراد به: التحقيرُ، فيكون (فرجه) منصوبًا بالعطف" (٢).
ومن ذلك أيضًا في قوله - ﵇ -: (الحب في الله والبغض في الله)، قال: " (في) هنا للسببية -أي: بسبب طاعة الله ومعصيته- كقوله - ﵇ -: (في النفس المؤمنة مائةٌ من الابل)، وكقوله في التي حبست الهرةَ: (فدخلت النار فيها)، أي: بسببها، وأصل (في) للظرفية" (٣).
ومثله في قوله - ﵇ -: (الذي قلتَ له آنفًا: إنه من أهل النار)، قال ابن الملقن: "معنى (له): فيه، قال ابنُ الشجري: اللام قد تأتي بمعنى (في)؛ قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (٤)؛ أي: فيه" (٥).
ومثلُ ذلك في (ما من أحد أغير من الله)؛ إذ قال: "وفي مسلم: (إنْ من أحد أغيرَ من الله) بكسر همزة (إنْ) وإسكان النون، وهو بمعنى: ما من أحدٍ أغيرَ من الله، وعلى هذا (أغيرَ) بالنصب خبرُ (إن) النافية، فإنها تعملُ عملَ (ما) عند الحجازيين، وعلى التميمية هو مرفوعٌ
_________________
(١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٢٥/ ١٥٧.
(٢) المصدر السابق ٣٠/ ٤١٤.
(٣) المصدر السابق ٢/ ٤٤٤.
(٤) الأنبياء: ٤٧.
(٥) المصدر السابق ١٨/ ٣٠٥.
[ ٢٤٤ ]
على أنه خبر المبتدأ الذي هو (أحد) " (١).
ومن أمثلة وضوح عبارة ابن الملقن: في (أُريتكُنَّ أكثرَ)، قال ابن الملقن: " (أكثرَ) هو بنصب الراء، على أن (أريت) يتعدى إلى مفعولين، أو على الحال؛ إذا قلنا: إن أفعل لا يتعرف بالإضافة، كما صار إليه الفارسي وغيرُه. وقيل: إنه بدلٌ من الكاف في (أُريتكن) " (٢).
ومثله في (لو كنت متخذا)؛ إذ قال: " (اتخذ) تتعدى إلى مفعولين أحدُهما بحرف الجر، فيكون بمعنى: اختار واصطفى، وهنا سكت عن أحد مفعوليها، وهو الذي دخل عليه حرفُ الجر، فكأنه قال: لو كنتُ متخذًا من الناس خليلًا لاتخذتُ منهم أبا بكر، وقد تتعدى (اتخذ) لأحد المفعولين بحرف الجر، وقد تتعدى إلى مفعول واحد، وكلُّ ذلك في القرآن" (٣).
ومن الأمثلة التي تدل على وضوح عبارة ابن الملقن: في (يوشك أن يكون خير)، قال: "و(يوشك) أحدُ أفعال المقاربة، يطلُبُ اسمًا مرفوعًا وخبرًا منصوبَ المحل لا يكونُ إلا فعلًا مضارعًا مقرونًا بـ (أن)، وقد يُسند إلى (أن) والفعل المضارع؛ فيسُدُّ ذلك مسَدَّ اسمها وخبرها" (٤).
ومن ذلك أيضًا: تعليقُه على (لا يبيع أحدكم)، إذ قال: "كثيرٌ من روايات الحديث (لا يبيع) بإثبات الياء، والفعلُ غير مجزوم، وذلك لحنٌ، وإن صحَّت الرواية فتكون (لا) نافية، وقد أعطاها معنى النهي، لأنه إذا نُفي أنْ يوجد هذا البيعُ، فكأنه قد استمرَّ عدمُه، والمراد من النهي عن الفعل: إنما هو طلبُ إعدامه أو استبقاءُ عدمه" (٥).
ومثله في (إنما الأعمال بالنيات)، إذ قال: "لا بد فيه من تقدير شيء؛ لأن القاعدة عند أهل الصناعة أن الشرط والجزاء والمبتدأ والخبر لا بد من تغايُرِهما، وهنا وقع الاتحاد " (٦).
وقد يكون وضوحُ عبارة ابن الملقن بارزًا في تصويب حكم نحوي؛ كما في مثل: (ولها ريح
_________________
(١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٨/ ٣١٦.
(٢) المصدر السابق ٥/ ٥٣.
(٣) المصدر السابق ٥/ ٦١٧.
(٤) المصدر السابق ٢/ ٥٦٥.
(٥) المصدر السابق ١٤/ ٣٤٤.
(٦) المصدر السابق ٢/ ١٩٠.
[ ٢٤٥ ]
منتن)، إذ قال: "وصوابه: (منتنة)؛ لأن الريح مؤنثة، إلا أنه يجوزُ في المؤنث الذي لا فرجَ له أن يُعبَّر عنه بالمذكر" (١).
أما المواضعُ التي وقف عليها الباحثُ، وأشكلت عليه عبارةُ ابن الملقن لغموضها، ففي (منى)؛ إذ قال: "الأجودُ صرفها، وكتابتُها بالألف، وتذكيرها" (٢). مع أن المشهور في أسماء البلدان التأنيثُ والمنعُ من الصرف.
ومن ذلك في قول عائشة -﵂-: (لَمَّا أخبرتني)، قال ابن الملقن: "يحتمل آخر شيء، يحتمل أن تكون اللام بمعنى (إلا) و(ما) زائدة، هذا مذهب الكوفيين، ويحتمل أن تكون ما مشددةً بمعنى (إلا)، ذكره سيبويه، وأنكره الجوهري" (٣). فلا أدري ما المقصود بـ (آخر شيء)!؛ لأن ما بعدها يحتمل أن تكون (اللام) بمعنى (إلا)، ويحتمل أن تكون (ما) مشددة بمعنى (إلا). أم أن المقصود هو العامل؟ لأننا إن قلنا ذلك فيكون العامل ليس بالأخير، إنما الأخير هو الفعل.
هذا ما استطاع الباحثُ ذكرَه في وضوح عبارة ابن الملقن وغموضِها.
_________________
(١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٢١/ ٢٢٣.
(٢) المصدر السابق ٣/ ٣٨٨.
(٣) المصدر السابق ٢٩/ ١٤١.
[ ٢٤٦ ]
المبحثُ الثاني: الدقةُ في النقل، وعدمها
تميز ابنُ الملقن في شرحه للجامع الصحيح في جانب النقل، إذ يغلِبُ على نقوله الدقةُ والصوابُ، هذا وقد ينقل نصًّا عن عالم محتفظًا بأصل النص، وربما ينقلُ عن عالم بالمعنى، وتارة أخرى يلجأُ لاختصار المنقول، وتارة ينقلُ عن شارح للحديث، ويكون هذا النقل مخالفًا لما عليه النحويين، وفي قليل من النقول تُفتقد الدقةُ في النقل.
أما نقلُ ابن الملقن المتميز بالدقة والصواب، ففي مثل (حلة سيراء)، إذ قال ابن الملقن: "قال صاحبُ (المطالع): حلةَ سيراءَ على الإضافة، ضبطناه عن ابن سراجٍ ومُتقني شيوخنا، وقد رواه بعضُهم بالتنوين على الصفة " (١). فنقلُه عن المطالع لابن قرقول تميز بالدقة والصواب.
ومن ذلك أيضًا: في قوله - ﵇ -: (إلا الإبقاء عليهم)، قال ابن الملقن: "هو بكسر الهمزة، ثم باء موحدة، ممدود؛ أي: الرفق بهم. قال القرطبي: رويناه بالرفع على أنَّه فاعل (يمنعهم)، ويجوز النصب على أن يكون مفعولًا من أجله، قال: ويكون في (منعهم) ضميرٌ عائد على رسول الله - ﷺ - وهو فاعله" (٢).
وهذا النقل عن القرطبي نقلٌ دقيقٌ صحيح نجدُه في كتاب (المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم).
ومثله في قوله - ﵇ -: (مثلَ أو قريبًا)، قال ابن الملقن: "قال ابنُ مالك: يروون في البخاري: أو قريبَ بغير تنوين، والمشهورُ: أو قريبًا، ووجهُه أن يكون أصلُه (مثلَ فتنة الدجال أو قريبًا من فتنة الدجال)، فحُذف ما كان (مثل) مضاف إليه، وتُرك على هيئته قبل الحذف " (٣). ونقلُه هنا عن ابن مالك فيه شيءٌ من التغيير اليسير لا يصل لعدم الدقة في النقل، وذلك كما ورد في كتاب (شواهد التوضيح).
أما مثال ما نقله ابنُ الملقن بالمعنى، أو بشيء من الاختصار، ففي قوله - ﵇ -: (حتى كان شطر الليل)، إذ قال ابن الملقن: "قال ابنُ بَطَّال: التقدير (حتى كان شطر الليل أو كاد يبلغه)،
_________________
(١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٧/ ٤٠٩.
(٢) المصدر السابق ١١/ ٣٦٦.
(٣) المصدر السابق ٣/ ٤٣٣.
[ ٢٤٧ ]
والعرب قد تحذف (كاد) كثيرًا من كلامها؛ لدلالة الكلام عليه، كقولهم في: (أظلمت الشمس)؛ كادت تظلم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ (١)، أي: كادت من شدة الخوف تبلغُ الحلوقَ" (٢).
وما قاله ابنُ بطال مماثلٌ لما نقله عنه ابنُ الملقن؛ غير أن ابن الملقن اكتفى بقول العرب وبالآية القرآنية، ولم يذكر البيت الشعري الذي ذكره ابنُ بطال؛ وهو قول الشاعر:
يَتَعَارَضُونَ إِذا الْتَقَوْا فِي مَوْطِنٍ نَظَرًا يُزِيلُ مَوَاطِئَ الأَقْدَام
قال ابنُ بطال: فلم يقل: (كاد يزيل)، ولكن نواها في نفسه.
ومثله في (كره لكم قيل وقال)، قال ابن الملقن: "قال أبو عبيد: كناية عن قيل وقول، يُقال: قلت قولًا وقيلًا " (٣)، أما نصُّ كلام أبي عبيد فهو: "جعل القال مصدرًا؛ ألا تراه يقولُ: عن قيل وقال، فكأنه قال: عن قيل وقول؛ يقال على هذا: قلت قولًا وقيلًا وقالًا".
أما ما أُخذ على النقل لدى ابن الملقن: فهو أنه ربما ينقل عن شارحٍ للحديث رأيًا نحويًّا دون الرجوع إلى أهل الصناعة، مع أن الرأي الصحيح والصواب هو ما عليه النحويين، ومن ذلك: في (والوضوء أيضًا)، قال ابن الملقن: "قال القرطبي: الواو عوضٌ من همزة الاستفهام كما قرأ ابن كثير: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وآمَنتُم﴾ (٤) " (٥). هذا ما نقله ابن الملقن عن القرطبي، وموطن الخلل هو: أن القاعدة والآية التي نقلها ابن الملقن عن القرطبي فيها إبدال الهمزة واوًا؛ لوقوعها مفتوحةً بعد ضم، وذلك لا ينطبقُ على ما ورد في الحديث الشريف؛ لوقوعها بعد فتحٍ، فلا وجهَ لإبدالها فيه واوًا (٦).
وأما ما أُخذ من عدم الدقة في النقل، ففي (إذ يخرجك قومك)، إذ قال ابن الملقن: "استعمل فيه (إذ) في المستقبل كـ (إذا)، وهو استعمالٌ صحيح كما نبه عليه ابنُ مالك، وقال:
_________________
(١) الأحزاب: ١٠.
(٢) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٦/ ٢٩٣.
(٣) المصدر السابق ١٥/ ٤٦٠.
(٤) الأعراف: ١٢٣.
(٥) المصدر السابق ٢/ ١٧٧.
(٦) مصابيح الجامع ٢/ ٤٢٧.
[ ٢٤٨ ]
غفَل عنه أكثرُ النحويين" (١).
وحقيقة الأمر أن ابنَ مالك لم يقل ذلك، وإنما قال: "غفَل عن التنبيه عليه أكثرُ النحويين" (٢)، وفرقٌ بين العبارتين؛ لأمور:
١ - أن إغفال التنبيه لا يعني عدمَ معرفة ذلك الأمر.
٢ - أن الجهل بأي أمر، يتعذَّرُ التنبيه عليه؛ إذ هو أمرٌ مجهول.
٣ - في عبارة ابن مالك دلالة على أن النحويين يعرفون ذلك، لكن غفل أكثرُهم عن التنبيه عليه.
٤ - في عبارة ابن الملقن دلالة على أن أكثر النحويين لم يعرفوا ذلك، ويعرفُ بعضُهم ذلك؛ سواءٌ نبهوا عليه أم لم ينبهوا.
بهذا يتبيَّن لنا مدى اهتمامِ ابن الملقن بالدقة في النقل، وأن ما ورد من المآخذ عليه لا يعدو أن يكونَ من النَّزْر اليسير الذي لا يَضير السبيلَ الذي اتخذه ابنُ الملقن في شرحه الجامعَ الصحيح من التوضيح وفكِّ اللبس.
_________________
(١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٢/ ٢٩٢.
(٢) شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح ١/ ٦٢.
[ ٢٤٩ ]
المبحثُ الثالث: التبعيَّة والاستقلال
بعدما وقف الباحثُ على بعض المسائل النحوية في كتاب التوضيح لشرح الجامع الصحيح -بالدراسة والتحليل- تبيَّن له أن الشارحَ قد يتبعُ آراءَ غيره وقد يستقلُّ برأيه.
فمثالُ الأحكام النحوية التي تبِع فيها النحويين: في (يا نساء المسلمات)؛ إذ قال ابن الملقن: "في إعراب (يا نساء) أوجُهٌ ذكرها القاضي عياض؛ أصحُّها وأشهرُها: بنصب (النساء) وجرِّ (المسلمات) على الإضافة. قال الباجي: وبهذا رويناه عن جميع شيوخِنا بالمشرِق، وهو من بابِ إضافة الشيء إلى نفسه، والموصوفِ إلى صفته، والأعمِّ إلى الأخصِّ، كـ (مسجدِ الجامع)، و(جانبِ الغربي)، وهو عند الكوفيين جائزٌ على ظاهره " (١). فهنا نجد ابن الملقن يأخذ بقول القاضي عياض والباجي، ويتابعهما دون تعقيب أو مناقشة، والباجي توفي سنة ٤٧٤ هـ، والقاضي عياض توفي سنة ٥٤٤ هـ.
وبه يتبين أن ابن الملقن تبِع مَن قبله في هذا الرأي.
ومن ذلك أيضًا: في (ليلٌ طويلٌ)، قال ابن الملقن: "وقال القرطبي في رواية مسلم: وروايتنا الصحيحة: (ليلٌ طويلٌ) على الابتداء والخبر، ووقع في بعض الروايات: (عليك ليلًا طويلًا)، على الإغراء. والأولُ أولى من جهة المعنى؛ لأنه الأمكَنُ في الغرور من حيث إنه يخبرُه عن طول الليل ثم يأمرُه بالرقاد بقوله: (فارقد)، وإذا نُصب على الإغراء لم يكن فيه إلا الأمرُ بملازمة طول الرقاد، وحينئذ يكون قولُه: (فارقد) ضائعا" (٢).
وبهذا فقد أخذ ابنُ الملقن برأي القرطبي المتوفى ٦٥٦ هـ.
ومثال ما تبِع فيه ابنُ الملقن النحويين دون إضافة أو تعليق أو تحقيق: في (أما بعد)؛ إذ قال: "وفي ضبطها أربعةُ أوجه: ضم الدال، وتنوينها، ونصبها، وتنوينها" (٣). وهذه الأوجه مقررة عند النحويين (٤).
_________________
(١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ١٦/ ٢٧٥.
(٢) المصدر السابق ٩/ ٨٩.
(٣) المصدر السابق ٧/ ٥٥١.
(٤) إحراز السعد بإنجاز الوعد بمسائل أما بعد ٥٣ - ٥٤.
[ ٢٥٠ ]
ومثله في (حلة سيراء)؛ إذ قال: "قال صاحب (المطالع): حلةَ سيراءَ على الإضافة، ضبطناه عن ابن سراج ومتقني شيوخنا، وقد رواه بعضُهم بالتنوين على الصفة " (١).
ومثال تبعية ابن الملقن أيضًا: في (والوضوء أيضًا)، إذ قال: "قال القرطبي: والواو عوض عن همزة الاستفهام " (٢). إذ تبِع ابنُ الملقن رأي القرطبي في ذلك، وقد وضَّحنا مأخذَ هذا الاتباع، وذلك بعدما أثبتنا دقةَ نقل ابن الملقن عن القرطبي.
ومن ذلك أيضًا في (منى)، إذ قال: "الأجود صرفها، وكتابتها بالألف، وتذكيرها" (٣). إذ تبع في هذا الرأي سيبويه (٤)، وإن كان المشهور أن أسماء البلدان يغلِبُ عليها عدمُ الصرف والتأنيث.
وكذلك في قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٥)، قال: " عُدِّي إلى مفعوله بـ (إلى)، وهو إذا كان بمعنى الانتظار لا يتعدى بها، وإنما يتعدى بنفسه" (٦). تبع ابنُ الملقن النحويين في ذلك، وموضع الخلل هنا أنه قد ورد في القرآن معنى (الانتظار) متعديًا بحرف جر؛ قال تعالى: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ (٧).
ومثله في (فمن كانت هجرتُه إلى الله ورسوله)، قال ابن الملقن: "لا بد فيه من تقدير شيء؛ لأن القاعدة عند أهل الصناعة " (٨). وفي هذا السياق يتضح منهج التبعية لديه.
ومثله في (إنما الأعمال بالنيات)، إذ قال: " (إنما) موضوعة للحصر؛ تُثبت المذكور، وتنفي ما عداه، هذا مذهب الجمهور من أهل اللغة والأصول وغيرهما" (٩).
ومثله في (ما كدت أصلي العصر)، إذ قال: "والمشهور في (كاد) أنها إذا كانت في سياق
_________________
(١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٧/ ٤٠٩.
(٢) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٢/ ١٧٧.
(٣) المصدر السابق ٣/ ٣٨٨.
(٤) الكتاب ٣/ ٢٤٣.
(٥) القيامة: ٢٣.
(٦) المصدر السابق ٣٣/ ٣٢٣.
(٧) النمل: ٣٥.
(٨) المصدر السابق ٢/ ١٩٠.
(٩) المصدر السابق ٢/ ١٧٠.
[ ٢٥١ ]
النفي أوجَبَتْ، فإن كانت في سياق الإيجاب نَفَتْ" (١).
أما ما استقلَّ به ابن الملقن من آراء نحوية؛ ففي: (لا حول ولا قوة إلا بالله)، إذ قال: "وفتحهما به" (٢)، أي: (حولًا- قوةً)، ولم أجد -حسب اطلاعي- هذا الرأي عند المتقدمين والمتأخرين، بل استقل به ابن الملقن، وقد وضَّحت مدى صحة هذا الرأي عندما درستُ هذه المسألة.
ومثله في (حراء)؛ إذ قال: "بكسر المهملة وتخفيف الراء والمد، وهو مصروفٌ على الصحيح، ومنهم مَن منع صرفه، مذكرٌ على الصحيح أيضًا، ومنهم مَن أنَّثه، ومنهم من قصَره أيضًا، فهذِه سِتُّ لغات" (٣). ففيما ذكره ابن الملقن لغةٌ لم يقف عليها الباحثُ حسب اطلاعه؛ وهي لغة (حرا) بالقصر.
بهذا، ومن خلال الأمثلة السابقة الذكر؛ يتبينُ مقدار تبعية ابن الملقن واستقلاله في الأخذ أو الاستنباط للآراء النحوية، وذلك حسَبَما وقف عليه الباحثُ في دراسته للمسائل النحوية.
_________________
(١) المصدر السابق ٦/ ٢٨٢.
(٢) المصدر السابق ٦/ ٣٣٨.
(٣) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٢/ ٢٤٩.
[ ٢٥٢ ]
المبحثُ الرابع: تأثيرُ آرائه في مَن جاء بعده
فَلَكُ هذا المبحث في رحاب المتأخرين عن زمن ابنِ الملقن، الذين أخذوا منه وتأثروا بآرائه، وذلك في أكثرَ من فن، فالباحث سيعرضُ الآراء النحوية التي نقلت عنه أولًا، ثم يذكرُ بقية ما نُقل عنه في فنون أخرى على سبيل الإيجاز.
أما من حيث الآراءُ النحوية التي تأثر بها مَن بعد ابن الملقن: ففي (ما أنا بقارئ)؛ إذ قال شمس الدين السفيري: "قال العلماء: (ما) نافية، واسمها (أنا)، و(بقارئ) خبرها، و(الباء) زائدة لتأكيد النفي، أي: ما أحسنُ القراءة، قال ابنُ الملقن وغيرُه: وغُلط مَن جعلها استفهامية؛ لدخول الباء في خبرها" (١).
ومثله في (ويظهر الزنا)؛ إذ قال شمس الدين السفيري أيضًا: "قال ابن الملقن: و(الزنا) يمد ويقصر، والأولى لغة نجد، والثانية لغة أهل الحجاز" (٢).
وأيضًا في (وإنْ وجدناه لبحرا)، إذ قال القسطلاني: " (إن) في قول الكوفيين بمعنى (ما)، واللام في (لبحرا) بمعنى (إلا)، أي: ما وجدنا الفرس إلا بحرًا، وعند البصريين (إن) مخففة من الثقيلة، قاله ابن الملقن" (٣).
ومثله في قوله - ﵇ -: (انهكوا الشوارب)، قال أبو إسحاق الحلبي: "قال ابن الملقن: هو ثلاثي من (نهك - ينهك)، يعني من باب منع يمنع فهو مانع" (٤).
أما الآراء الحديثية التى نُقلت عن ابن الملقن، فمنها: في (مَن غسَّل ميتًا فليغتسل)، قال عبد الرؤوف المناوي: " هو منسوخ، أو أراد غسل الأيدي، ولو غسل ميتين أو أكثر، فهل يتعدد الغسلُ؟ قال ابن الملقن: لا" (٥).
ومن ذلك أيضًا، في (فإن صلاتكم معروضة عليَّ)، قال المناوي: "قال ابن الملقن: معنى
_________________
(١) المجالس الوعظية في أحاديث خير البرية ١/ ٢٠٧.
(٢) المصدر السابق ٢/ ١٥٣.
(٣) إرشاد الساري ٥/ ٧٦.
(٤) عجالة الإملاء ٣/ ٣٥٤.
(٥) التيسير بشرح الجامع الصغير ٢/ ٤٣٢.
[ ٢٥٣ ]
(معروضة عليَّ) أي موصولة إليَّ توصل الهدايا" (١).
ومن ذلك أيضًا في (ما أحد يسلم علي إلا ردَّ الله عليَّ ) قال المناوي: "وفي رواية: (إليَّ)، قال القسطلاني: وهو ألطفُ وأنسَبُ، إذ بين التعديتين فرقٌ لطيف كما قال الراغبُ: بـ (على) في الإهانة وبـ (إلى) في الإكرام، (روحي) والمرادُ -كما قال ابنُ الملقن وغيره- بالروح: النطقُ مجازًا" (٢).
ومن ذلك كما عند البخاري: (فقال رجلٌ من الأنصار: هذه قسمةٌ ما أُريدَ بها وجهُ الله، فقال - ﷺ -: لقد أُوذِي موسى بأكثرَ مِن ذلك فصبر)؛ قال ابن علَّان الصديقي: "قال ابنُ الملقن: وقوله في البخاري: (إنه من الأنصار) غريبٌ وإن صح ذلك فيكون معنى قوله: (إنه من الأنصار)، أي: حِلفًا ووَلاءً" (٣).
ومما أُخِذ عن ابن الملقن في (بسم الله الرحمن الرحيم) ما قاله السفيري: "ذكر ابنُ الملقن في شرحه على البخاري عن النقاش أنه قال: حين نزلت (بسم الله الرحمن الرحيم) سبَّحت الجبالُ، فقالت قريش: سحَرَ محمدٌ الجبالَ، قال: فإن صحَّ ما ذكره فلذلك معنًى، وذلك: أنها آيةٌ نزلت على آل داود، وقد كانت الجبال تسبحُ معه بنص القرآن العظيم" (٤).
ومما نقل السفيري أيضًا عن ابن الملقن، فيما ورد عن النبي - ﷺ - (من صلى في كتابٍ كتَب اللهُ له على مرِّ الأيام فضلَ الصلاة)، إذ قال: "حكى ابنُ الملقن أن بعض أصحابِ الحديث رُؤي في المنام، فقيل له: ما فعل اللهُ بك؟ قال: غفر لي، فقيل له: بماذا؟ قال: بصلاتي على رسول الله - ﷺ - " (٥).
أما من حيث الآراءُ الفقهية التي تأثَّرَ بها مَن بعد ابن الملقن: فمثال ذلك ما نقله السفيري أيضًا في حكم قطع أذن البهيمة، إذ قال: "قال ابن الملقن: يجوزُ قطعُ بعض آذان الأنعام
_________________
(١) فيض القدير ٢/ ٥٣٥.
(٢) فيض القدير ٥/ ٤٦٧.
(٣) دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين ١/ ١٨٦.
(٤) المجالس الوعظية في شرح أحاديث خير البرية ١/ ٦٧.
(٥) المصدر السابق ١/ ٧٩.
[ ٢٥٤ ]
للتمييز" (١).
ومن ذلك ما نقله البقاعيُّ عن ابن الملقن في حكم الظهار، إذ قال: "قال ابن الملقن: وهو حرامٌ كما ذكره الرافعي في الشهادات" (٢).
أما من حيث آراؤه في تفسير القرآن الكريم التي تأثر بها مَن بعده: فمثال ذلك في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (٣)، قال السفيري: "قال ابن الملقن: أنا أرى أن (وسطًا) في هذا الموضع بمعنى الجزء الذي هو بين الطرفين؛ مثل وسط الدار، وأرى أن الله تعالى إنما وصفهم بذلك لتوسُّطهم في الدين، فلا هم أهلُ غلُوٍّ فيه كالنصارى، ولا أهلُ تقصير فيه كاليهود" (٤).
هذا، ما تمكَّن الباحثُ من إبرازه من أثر ابنِ الملقن فيمن بعدَه، ونماذج مما أُخِذ عنه من آراءٍ نحوية وفقهية وتفسيرية، وهذا يدل على أن ابن الملقن بحرٌ مطلعٌ موسوعيٌّ شامل.
_________________
(١) المجالس الوعظية ٢/ ٢٠٩.
(٢) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ١٩/ ٣٤٥.
(٣) البقرة: ١٤٣.
(٤) المجالس الوعظية ٢/ ٢٧٨.
[ ٢٥٥ ]
المبحثُ الخامسُ: أثرُ بحثه النحوي في دلالة الحديث
درس ابنُ الملقن الأحاديثَ الشريفة دراسةً شاملة من جوانب متعددة: نحوية، وصرفية، ولغوية، وفقهية، وأصولية، وقد كان لدراسته النحوية للحديث الشريف رسمٌ في توجيه الحديث.
فمن ذلك في (الحب في الله والبغض في الله)، قال ابن الملقن: " (في) هنا للسببية؛ أي: بسبب طاعة الله ومعصيته؛ كقوله - ﵇ -: (في النفس المؤمنة مائةٌ من الابل)، وكقوله في التي حبَسَت الهرةَ: (فدخلت النار فيها)، أي: بسببها وأصل (في) للظرفية" (١).
فاختار ابنُ الملقن ما هو مخالفٌ لما عليه أكثرُ النحويين؛ حسَبَما يقتضيه معنى الحديث.
هذا، وقد يرفضُ ابنُ الملقن رأيًا نحويًّا لعدم استقامة معنى الحديث.
ومن ذلك في ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (٢)، إذ قال: "قال أبو عبيدة: إن (إلا) هنا بمعنى (الواو)، وهو خطأٌ عند حُذَّاق النحاة، والقول أنه استثناءٌ أبيَنُ، أي: لكن الذين ظلموا منهم، فإنهم يَحُجون" (٣).
أما كون جعل (إلا) بمعنى (الواو) خطأ، فذلك عائدٌ للمعنى؛ وهو أن (الواو) تُدخل الثاني في حكم الأول، بخلاف (إلا) فإنها تُخرج الثاني من حكم الأول.
ومن ذلك أيضًا في (لا تُشِفوا بعضَها على بعض)؛ إذ قال: "لا تزيدوا بعضَها على بعض، ولا تنقصوا، وكأن الزيادة أَولى؛ إلَّا أنَّه عدَّاه بـ (على)، و(على) مختصة بالزيادة، و(عن) مختصة بالنقصان، ولا يصحُّ حملُه على النقص مع (على)؛ إلا على مذهبِ مَن يُجيز بدلَ الحروف بعضِها من بعض، فيجعل (على) موضعَ (عن)، وفيه بُعد" (٤).
ومثله في (إلا خطأ)، قال: "ولا يصح أن يكون (إلا) بمعنى (الواو)؛ لأنه لا يُعرف (إلا) بمعنى حرف العطف؛ ولأن الخطأ لا يُحذر؛ لأنه ليس بشيء يُقصد وحكى سيبويه أن (إلا) تأتي بمعنى (لكن) كثيرًا" (٥).
_________________
(١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٢/ ٤٤٤.
(٢) البقرة: ١٥٠.
(٣) المصدر السابق ٢٢/ ٥٨.
(٤) المصدر السابق ١٤/ ٣٣٣.
(٥) المصدر السابق ٣١/ ٣٥٧.
[ ٢٥٦ ]
وقد نجدُ ابنَ الملقن يختارُ الحكم النحوي بناءً على ما يوافقه من معنى الحديث، من ذلك في (ليلٌ طويلٌ)، إذ قال: "والأول أولى؛ لأنه الأمكَنُ في الغرور من جهة المعنى؛ أنه يخبره عن طول الليل ثم يأمرُه بالرقاد" (١).
ومن ذلك أيضًا في (جذعا)، إذ قال: "منصوب على الحال، وخبر (ليت) قوله: فيها، والتقدير: ليتني كائن فيها -أي: مدة الحياة- في هذا الحال شبيبةً وصحةً وقوةً لنصرتك، إذ قد كان أسَنَّ وعمِيَ عند هذا القول" (٢).
ومثله في (لا يبيع)؛ إذ قال: "بإثبات الياء، والفعلُ غير مجزوم، وذلك لحنٌ، وإن صحَّت الرواية فتكونُ (لا) نافية، وقد أعطاها معنى النهي، لأنه إذا نُفي أن يوجد هذا البيعُ، فكأنه قد استمَرَّ عدمُه، والمرادُ من النهي عن الفعل: إنما هو طلبُ إعدامه أو استبقاءُ عدمه، فكان النفي الوارد من الواجب عندهم" (٣).
ومما سبق يتبيَّن ارتباطُ الحكم النحوي بمعنى الحديث؛ إذ قد يكونُ في المسألة النحوية الواحدة أكثرُ من وجه، ومع ذلك ربما يُقدَّم وجهٌ على غيره بسبب ما يقتضيه المعنى. وذلك من خلال ما وقف عليه الباحث في دراسته لبعض المسائل النحوية.
_________________
(١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٩/ ٨٩.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٢٩٢.
(٣) المصدر السابق ١٤/ ٣٤٤.
[ ٢٥٧ ]