هذا (^٣) عجز بيت لأبي الأسود؛ ظالم بن عمرو [بن جندل بن سفيان] الدّؤلي البصري [هكذا قال ابن قتيبة وغيره] (^٤).
استشهد به أبو عليّ [على مثل ما استشهد به سيبويه] (^٥) من وقوع "الياء" السّاكنة المكسور ما قبلها في قوله: "لبيب"؛ لمكان المدّ الذي فيها، عوضًا من حذف الحرف المتحرّك في بناء الشّعر؛ [ولذلك لزمت "ردفًا" لا يقع معها غيرها] (^٦).
وشرح هذا: أنَّ "البيب" وزنه "فعولن"، وكان أصل بنائه في ضرب الشعر: "مفاعيلن"؛ فحذف منه سبب؛ وهو "لن" فبقى "مفاعي"، فنقل في
_________________
(١) التّكملة ٢٧٥.
(٢) هذا الشَّاهد نسبه المصنف لأبى الأسود كما ترى، وهو ينسب أيضًا لمودود العنبري عن السيوطي في شرحه لشواهد المغني ٥٤٢، وهو في ديوان أبي الأسود ٤٤، والكتاب ٤/ ٤٤١، والحيوان ٥/ ٦٠١، والأغاني ١٢/ ٣٠٥، والمؤتلف ٢٢٤، وابن السيرافي ٢/ ٤٣٨، والمقتصد ١١٢٣، والعمدة ٢/ ٤، والقيسي ٩٠٢، وشرح شواهد الإيضاح ٦٣٦، وشواهد نحويَّة ١٩٠، وشرح أبيات المغني ٤/ ٢٢٧، والهمع ٥/ ٢٨٠.
(٣) في ح "البيت".
(٤) ساقط من الأصل، ولم أجده في كتب ابن قتيبة التي اطلعت عليها.
(٥) ساقط من ح، وفيها "على … لبيب". وينظر الكتاب ٤/ ٤٤١.
(٦) ساقط من ح.
[ ٢ / ١٥٦٢ ]
التقطيع (^١) إلى "فعولن"، وهو الضّرب الثّالث من الطَّويل (^٢)، ولا يكون الحذف إلّا في "ضرب" (^٣)؛ فقد ناب المدّ الذي في "الياء" عن "اللّام" المتحرّكة في قولك: "لن"، [وهو السبب المذكور فأغنى عنها (^٤) فإذا كانوا قد امتنعوا من إدغام نحو: "قوم مالك" (^٥)؛ لما كان يؤدّي إليه الإدغام من تحريك "الواو" من "قوم مالك" لو قيل: "قَومَ مَّالك"، فإنّ لا تدغموا نحو، "عَدَو وَلَيد" (^٦) و"وَلِي يزيد" أجدر؛ لأنّه لا يوصل إلى إدغام "الواو" في "الواو"، ولا "الياء" في "الياء"، إلّا بفك (^٧) "واو" "فَعُول" من "الواو" التي هي لام، وبفك (^٨) "يا" "فَعِيل" الثالثة من "الياء" التي هي "لام"، ثم تسكن "الياء" و"الواو" اللتين هما "لامان"؛ لتدغمهما فيما بعدهما، فكنت تقول: "عَدُوْ وَّلَيدٍ، وولي يَّزِيد"، فكأنّ المدّ الذي ذهب من واو "فعُول" في "عَدُو"، ويا "فَعِيل" في "ولي"، يعود إليهما؛ لانفكاكهما من الإدغام في
_________________
(١) "في التقطيع" ساقط من الأصل، وفي ح "وهذا الضرب الثّالث".
(٢) أمّا الضرب الأوّل فهو "مفاعيلن" وهو السّالم. وأمّا الثاني فهو "مفاعلن" وهو المقبوض، وينظر "الكافي للتبريزي ٢٤، ٣٠".
(٣) في ح "الضروب".
(٤) في الأصل بعد عنها "والحرف المتحرك أكثر من حركة" والنص مضطرب. وينظر المقتصد ١١٢٦ - ١١٢٨.
(٥) في التكملة ٢٧٤ "قرم" في أكثر من موضع، وهو خطأ.
(٦) في الأصل "عدى"، وينظر الكتاب ٤/ ٤٤٢ والأصول ٣/ ٤١٢، والتكملة ٢٧٥.
(٧) في الأصل "يفك".
(٨) في الأصل "وبعدك يا فقيل المرابدة". والنص مضطرب.
[ ٢ / ١٥٦٣ ]
"اللّام" التي كانت متحرّكة، ثم سكنت، حين أدغمت في "واو" وليد، و"ياء" يزيد، فلا بدّ من المدّ إذًا في "واو" "عدو" (^١)، و"ياء" "ولي"؛ ليفصل المدّ بين "الياء والواو" السّاكنين، وبين "اللّام"؛ التي أسكنت للإدغام؛ حتّى يكون طول المدّ في التفريق بين السّاكنين، كالفصل بينهما بالحرف المتحرّك؛ ثمّ استدل (^٢) على هذا بسدّ حرف المدّ في "لبيي"؛ الذي هو "فعولن" مسدَّ "اللّام" المتحرّكة المحذوفة من الضّرب، وهو "مفاعيلن" فقد صار المدّ عوضًا من حذف "اللّام" المتحرّكة، وهي التي عنى بقوله (^٣): "ألا ترى أنّ حرف المدّ يكون عوضًا من حذف الحرف المتحرّك من بناء الشعر" ثم أنشد العجز. ولو سقطت "نون" "مفاعيلن" دون "اللّام"، لكان ذلك كفًّا (^٤)، وأمّا مثل هذا الحذف، فلا يكون إلّا في "ضرب"، ويجبر له بحرف المدّ؛ إذْ لا يسدُّ غيره هذا المسدّ؛ لأنَّ حذف الحرف المتحرِّك إخلال، ما لم يعاقبه إبدال، وأمَّا حذف الحرف السّاكن، فمن الزحاف المستسهل حيثما ورد؛ لا سيّما إنْ كان اعتماده الوتد.
وقال أبو الوليد (^٥) الوقشي: "هذا الذي توهّم أبو عليّ من كون
حرف المدّ فيما ذكره، وفي نحوه، عوضًا من حذف الحرف المتحرّك من بناء الشعر، لا يصحّ؛ لأنَّه ليس "ياء" "لبيي" عوضًا مما حذف في
_________________
(١) في الأصل "فعولن" ويردّه ما بعده.
(٢) أي أبو علي، وتنظر التكملة ٢٧٥.
(٣) المصدر نفسه.
(٤) سمي كفا أخذًا له من كفة القميص، وهو ما يكف من ذيله. "العيون الفاخرة ٨٤".
(٥) تقدّمت ترجمته.
[ ٢ / ١٥٦٤ ]
"ضرب" "فعولن"، من ضرب "مفاعيلن"، ولكنهما بناءان، في صناعة العروض مختلفان، وضربان متغايران، لا يدخل أحدهما مع صاحبه في شعر واحد، فكيف يكون أحدهما عوضًا من الآخر".
قال أبو الحجّاج: وهذا النقد من القاضي، ما المنصف عنه بالراضي، وما توهّمه على أبي عليّ وهم، لا ينبئ (^١) عن مَيْزة فهم؛ لأنَّه لم يقل إنَّ ذلك يكون في شعر واحدٍ، فيلزمه نقد النَّاقد، وقد تقدم من تبييني لمراده، ما يغني عن ترداده، وإنّما اتبع أبو عليّ قول سيبويه، حيث قال (^٢): "فلا بدّ فيه من حرف لين، للردف".
قال أبو عليّ: "يقول: لا يجوز وقوع حرف اللّين في القوافي المحذوفة في "الرّدف"، إذا لم تكن حركة ما قبله منه؛ لأنَّه لا يكون فيه من "المدّ"، ما يكون فيه إذا جانسته الحركة، و"لبيي" (^٣)، لو انفتحت "الباء" الأولى، لم يجز وقوعها في هذه القافية".
فقد صحّ أن "المدّ" بمنزلة المتحرّك؛ لأنَّه يفصل السَّاكن غير الممدود بالمدّ الذي فيه، فيصير الزّائد فيه عوضًا من الحركة؛ لأنَّه زيادة في الصَّوت.
قال أبو الفرج (^٤) وغيره: "خطب أبو الأسود الدُّولي امرأة من عبد القيس، يُقال لها: أسماء بنت زياد بن عثيم، فأسرّ بذلك إلى صديق له من الأزد،
_________________
(١) في الأصل "لا ينبو".
(٢) الكتاب ٤/ ٤٤١.
(٣) في الأصل "للبيي"، والمثبت من التعليقة ٥/ ١٦٦.
(٤) الأغاني ١٢/ ٣٠٥.
[ ٢ / ١٥٦٥ ]
يُقال له: الهيثم بن زياد، فحدّث بذلك ابن عمّ لها كان يخطبها، وكان لها مال عند أهلها، فمشى إليهم ابن عمّها هذا، فأخبرهم خبر أبي الأسود، وسألهم أن يمنعوها من نكاحه، ومن مالها الذي في أيديهم، ففعلوا، وضارّوها حتّى تزوّجت ابن عَمّها، ففي ذلك يقول أبو الأسود:
أَمِنْتَ عَلَى السِّرّ امرءًا غَيْرَ حَازِمٍ … وَلكِنَّهُ في النُّصْحِ غَيْرُ مُرِيبِ
أَذَاعَ بِه فِي النَّاسِ حَتَّى كَأَنَّهُ … بِعَلْيَاءَ نار أُوقِدَتْ بِثُقُوبِ
وَكُنْتَ مَتَى لَمْ تَرْعَ سِرَّكَ تنتَشرْ … قَوَارِعُه مِنْ مُخْطِئٍ وَمُصِيبِ
فَمَا كُلُّ ذِي لُبٍّ بِمُؤْتِيكَ نَصْحَه … وَمَا كُلُّ مُؤتٍ نُصْحَه بِلَبِيبِ
وَلِكن إِذَا مَا اسْتَجْمَعَا عِنْد وَاحدٍ … فَحُقَّ لَهُ مِنْ طَاعَةٍ بِنَصِيبِ
المريب: المتهم، وأذاع به: أفشاه. وكأَنَّه يعني: السرّ. والثقوب: ما تثقبُ به النَّار، وتَرْعَى: تَحْفظ. واللُّب: العقل. يقول: إنّ ذَا اللّب قد لا يمنحك نصحًا كاملًا، كما أنَّ ذا النّصح المخلص قدْ لا يكون عَاقلًا، فإذا خلص نصح اللبيب، نال النصوح من بغيته أوفر نصيب؛ وكذلك قد يخدع مستودع السرّ، إذا لم يكن من ذوي الحَزْمِ والحُجْر، فمن لم يُودع سرّه حازمًا، فجدير أنْ يكون نادِمًا. ومما أوصى به عبد الله بن حسن بن الحسن (^١) ابن عليّ بن أبي طالب - ﵁ -، ابنه محمّدًا (^٢)، "يا بنيَّ احذر الجاهل، وإنْ كان
_________________
(١) "ابن الحسن" ساقط من الأصل، وينظر نسب قريش ٥١، وعبد الله من أشراف بني هاشم وخطبائهم، ووصيته في البيان والتبيين ١/ ٣٣٢، ٢/ ١٧٤ مع بعض الاختلاف.
(٢) هو الذي خرج بالمدينة على المنصور، فقتله عيسى بن موسى بها. "نسب قريش ٥٣".
[ ٢ / ١٥٦٦ ]
لك ناصحًا، كما تحذر العاقل وإنْ كان لك عدوًا، فيوشِكُ الجاهل، أن يورطك بمشورته، في بعض اغترارك، فيسبق إليك مكروه العاقل".
قال الفقيه الأجلّ الشيخ الأستاذ الأفضل، الحافظ النَّحويّ اللّغوي الأكمل، أبو الحجّاج يوسف بن أبي عبد الملك بن يسعون من أهل تاجلة المريَّة، أدام الله رفْعته: "قد وفيت بما وأيت، من تأليف كتاب المصباح لما اعتمّ من شواهد كتاب الإيضاح، سنّة ثمان وعشرين وخمسمائة، بعد أنْ ذهبت في بعضه إلى الاختصار؛ خوفًا من سآمة الإكثار، ومع ذلك فَأَنَّى لي بالسّلامة، من ملامة ذي السّآمة؛ إلّا أنْ يزعه كَرَمُ طباعٍ، أو يوزعَه أَمَمُ انتفاع، فإنّى قد جَهدت جُهدي في إيضاح ما أشكل، وسمت عقلًا طال ما أعقل، ونبهت على كثير مما حُذِف، ودلّلت على سقوط من اعترض المؤلف، رجاء في شكر منصف، لا يغمط الإحسان، وإقامة عذر في تقصير إن كان، فقد يجول في غير سبيل مراده الإنسان، ويحول بينه وبين ما يعلمه النِّسيان، ولن يسلم المتحفّظ من زلل، ولا يعدم المتيقظ غَفَلات الكسل، فسبحان من خصّ نفسه بالكمال، وجلّ عن النظير والمثال، وله واجب الحمد على المعونة والرِّفد، وصلواته دائمة النّماء، على خاتم الرّسل والأنبياء؛ محمَّد بن عبد الله، وعلى آلةِ الكرماء، وسلامه عليه وعليهم مدّ الإناء، والحمد لله على ذلك] (^١).
_________________
(١) من قوله "وهو السبب المذكور" حتّى "على ذلك" ساقط من ح. وفيها "هذا آخر ما أنشده أبو عليّ في الإيضاح". =
[ ٢ / ١٥٦٧ ]
في شهر محرّم الحرام، من شهور سنة تسع وعشرين وألف.
والحمد لله وحده وصلّى الله على من لا نبيّ بعده.
* * *
_________________
(١) = وصلّى الله على سيّدنا محمّد النبيّ الأميّ وعلى آله وصحبه وسلّم وحسبنا الله ونعم الوكيل. حاشية: سبب هذا الشعر أن أبا الأسود الدئلى خطب امرأة من عبد القيس، وكان لها مال عند رجل من أهل بيتها، فكان الرّجل قد أضمر في نفسه أن يزوّجها من ابن له، فقالت المرأة لأبي الأسود أمهل حتّى أقبض ما لي وأتزوجك، وكتم أبو الأسود الحديث إلّا من صديق له، فأفشاه صديقه إلى امرأته، وأفثمت امرأته الخبر عند النّساء، ونمى الخبر إلى الذي كان عنده المال، وأفسد الأمر على أبي الأسود فقال هذه الأبيات: أمنت على السّر امرأ غير حازم … ولكنه في الود غير مريبِ أذاع به في النّاس حتّى كأنّه … بعلياء نار أوفدت بثقوبِ وما كلّ ذي لب بمؤتيك نصحه … وما كل مؤت نصحه بلبيبِ ثم الجزء الثاني وهو النصف من كتاب المصباح في شرح أبيات الإيضاح شرح الشّيخ الأديب أبي الحجّاج يوسف بن يسعون الأندلسى. وبتمامه نجز الكتاب بأسره. وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم تسليمًا. نقل بحكم البيع الصّحيح إلى العبد الفقير إلى رحمة ربّه تعالى إبراهيم بن عبد القرشي الكاتب النّحوي بالقاهرة. كاتبه الفقير إلى الله ﷿ يوسف بن عليّ بن عبد الخالق البهنسي".
[ ٢ / ١٥٦٨ ]