تعريف المصطلح
الفصل الأول: دراسة نزع الخافض:
وفيه مباحث:
المبحث الأول: تعريف المصطلح:
مادة: (نزع) تدلّ على القلع والإزالة يقال: نزع النجارُ المسمارَ فهو منزوع بمعنى اقتلعه، ونزع الأميرُ العاملَ عن عمله أزاله قال ابن منظور:"نزع الشيءَ يَنْزِعُه نزْعًا فهو منزوع، ونزيع، وانتزعه فانتزع اقتلعه فاقتلع. ونزع الأميرُ العاملَ عن عمله أزاله وهو على المِثْل، لأنه إذا أزاله فقد اقتلعه وأزاله"١، وفرّق سيبويه بين (نزع) و(انتزع) فقال:"وأما انتزع فإنما هي خطفةٌ كقولك استلب، وأما نزع فإنه تحويلك إياه وإن كان على نحو الاستلاب"٢.
_________________
(١) ١ اللسان (نزع) ٨/٣٤٩. ٢ الكتاب: ٤/٧٤.
[ ٢٧٢ ]
وللصبَّان تعليل آخر إذ يقول:"وإنما سمّيت حروف الجر، إما لأنها تجرُّ معاني الأفعال إلى الأسماء، أي: توصلها إليها، فيكون المراد من الجرّ المعنى المصدري، ومن ثَمّ سمّاها الكوفيون حروف الإضافة، لأنها تضيف معاني الأفعال أي: توصلها إلى الأسماء، وإما لأنها تعمل الجرَّ فيكون المراد بالجرّ الإعراب المخصوص"١.
_________________
(١) ١ شرح الأشموني:٢/٢٠٣.
[ ٢٧٣ ]
المبحث الثاني: أحوال نزع الخافض في العربية:
لحذف حرف الجرّ في العربية ثلاث حالات٢:
الأولى: أن يحذف قياسًا مطّردًا - فيصير الفعل متعدّيًا - وذلك مع الأحرف المصدرية (أنّ وأن) - وزاد ابن هشام٣: (كي) -، لطول الصلة،
_________________
(١) ٢ ينظر في هذا التقسيم: شرح الجمل لابن عصفور: ١/٢٩٩، وشرح التسهيل: ٢/١٤٩، والتصريح: ٢/٤٠٤، والأشموني: ٢/٨٩. ٣ أوضح المسالك: ٢/١٦١.
[ ٢٧٣ ]
ولأن حرف الجر لم يظهر له تأثير في العمل، والحذف هنا مشروط بأن يتعيّن الحرف عند حذفه نحو: عجبت أن يفوز مهمل، أي من أن يفوز مهمل، أمّا إن لم يتعيّن الحرف فابن مالك١ وكثير من النحاة يمنعون الحذف، لأنه يؤدّي إلى لبس نحو: رغبت أن تذهب، إذ لا يعلم المراد بالرغبة (فيها أم عنها)، ويشكل على هذا قوله تعالى: ﴿وَتَرْغَبونَ أَنْ تَنْكِحوهُنَّ﴾ ٢ إذ يصحّ أن تكون الرغبة في نكاحهنّ لجمالهنّ، ويصح أن تكون الرغبة عن نكاحهنَّ لدمامتهنّ، وأجيب عن هذا الإشكال بجوابين:
أحدهما: أن يكون حذف الحرف اعتمادًا على القرينة الرافعة للبس وبه قال المرادي٣ نقلًا عن أبي حيّان في منهج السالك، والذي في منهج السالك: "ويطّرد حذف حرف الجرّ من أنّ وأن إذا أمن اللبس فلا يجوز رغبت أن تقعد، لأنه ملبس، إذ يحتمل أن يكون المعنى رغبت في أن تقعد، ويحتمل أن يكون رغبت عن أن تقعد، فإن زال اللبس وتعيّن حرف الجر جاز ذلك نحو قول: ﴿وَتَرْغَبونَ أَنْ تَنْكِحوهُنَّ﴾ " ٤.
_________________
(١) ١ قال ابن مالك: وعدّ لازمًا بحرف جر وإن حذف فالنصب للمنجر نقلًا وفي أنّ وأن يطّرد مع أمن لبس كعجبت أن يدوا ٢ النساء: ١٢٧. ٣ توضيح المقاصد والمسالك: ٢/ ٥٤. ٤ منهج السالك: ١٢٨، نسخة مصورة عن رسالة دكتوراه في الولايات المتحدة.
[ ٢٧٤ ]
وثانيهما: أن يكون حذف الحرف لمعنى بلاغي وهو قصد الإبهام ليرتدع بذلك الطامع والمعرض١.
واختلف في محل (أنَّ) و(أن) عند حذف حرف الجر المطّرد حذفه معهما فقيل: محلّهما نصبٌ، قياسًا على الاسم الصريح، ونُسب للخليل وإليه ذهب الفراء٢ والمبرّد٣ وعزاه ابن مالك - متابعًا ضياء الدين بن العلج - إلى سيبويه، وصححه٤، وقيل محلّهما جرٌّ ونُسب للكسائي، ومال إليه السيرافي٥، واستدلوا بقول الشاعر:
وَما زُرْتُ لَيْلى أَنْ تَكونَ حَبيبَةً إليَّ وَلا دَيْنٍ بِها أَنا طالِبُهْ٦
بجر (دينٍ) عطفًا على محل: (أن تكون) إذ أصله (لأن تكون) .
_________________
(١) ١ ينظر توضيح المقاصد: ٢/٥٤، والتصريح: ٢/٤٠٨، والأشموني: ٢/٩١. ٢ ينظر معاني القرآن: ١/٢١٠. ٣ ينظر المقتضب ٢/٣٤١: قال:"وتقول: أشهد أن محمدًا رسول الله فكأن التقدير: أشهد على أن محمد رسول الله أي: أشهد على ذلك، أو أشهد بأنَّ محمد رسول الله، أي: أشهد بذلك". وقال في ٢/٣٤٦: "زعم قوم من النحويين موضع (أن) خفض في هاتين الآيتين – ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ ﴿وأنَّ المَسَاجِدَ لِِِلَّهِ فلاَ تَدْعُو مَعَ الله ِأَحَدًا﴾ - وما أشبههما، وأن اللام مضمرة، وليس هذا بشيء واحتجوا بإضمار ربّ في قوله: وبلد ليس به أنيس وليس كما قالوا، لأن الواو بدل من (رب) كما ذكرت لك". ٤ ينظر شرح التسهيل: ٢/١٥٠، وشرح ابن الناظم:٢٤٩، والتصريح: ٢/ ٤٠٨. ٥ ينظر في العزو: المقاصد الشافية: ١/ ١٤٩، وتعليق الفرائد: ٥/١٥. ٦ بيت من الطويل للفرزدق وهو في ديوانه: ١/٨٤.
[ ٢٧٥ ]
وأجاز الزجاج الوجهين١، وهو ظاهر مذهب سيبويه قال: "وسألت الخليل عن قوله جلّ ذكره: ﴿وَأنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَّاحِدَةً وَّأَنا رَبُّكُمْ فَاتَّقونِ﴾ ٢ فقال إنما هو على خذف اللام كأنه قال: ولأنَّ هذه أمتكم أمة واحدة، وأنا ربكم فاتقون، وقال: ونظيرها: ﴿لإيْلافِ قُرَيْشٍ﴾،لأنه إنما هو: لذلك ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾، فإنْ حذفْتَ اللامَ من (أنَّ) فهو نصب، كما أنك لو حذفت اللام من لإيلاف كان نصبًا هذا قول الخليل. ولو قال إنسان: إنَّ (أنّ) في موضع جرٍّ في هذه الأشياء، ولكنه حرف كثر استعماله في كلامهم فجاز فيه حذف الجار كما حذفوا ربَّ في قولهم:
وَبَلَدٍ تَحْسَبُهُ مَكْسوحا٣
لكان قولًا قويًّا وله نظائر نحو قوله: لاهِ أبوك. والأوَّل قول الخليل"٤.
الحالة الثانية: حذف جائز في سعة الكلام: المنثور والمنظوم، فيما سمع من أفعال استعملها العرب مرة متعدية بنفسها، وتارة بحرف الجرّ، مع الاتحاد في اللفظ والمعنى٥ وهي:"شكر، ونصح، ووزن، وكال يكيل، يقال: شكرت له وشكرته، ونصحت له ونصحته، ووزنت له ماله ووزنته ماله، وكلت لزيد طعامه وكلته طعامه، وكذلك: اختار وأمر يقال اخترت زيدًا قومَه واخترت زيدًا من قومه، وأمرتك الخيرَ، وأمرتك بالخير" قال الشاعر:
_________________
(١) ١ ينظرمعاني القرآن: ١/٢٩٨، و٣٠٠. ٢ المؤمنون: ٥٢. ٣ شطر بيت من الرجز معزو لأبي النجم العجلي في شرح أبيات سيبوية لابن السيرافي: ٢/١٩٠. ٤ الكتاب: ٣/١٢٦. ٥ ينظر في هذه الأفعال: شرح الرضي: ٤/١٣٦، المقاصد الشافية: ١/١٢٨.
[ ٢٧٦ ]
أَمَرْتُكَ الخَيْرَ فَافْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ فَقَدْ تَرَكْتُكَ ذا مالٍ وذا نَشَبِ١
وهذه الأفعال موقوفة على السماع، قال ابن مالك:"ومأخذ هذا النوع السماع"٢ وسمّاها المتعدية بوجهين.
واختلف النحاة في أصالة هذه الأفعال التي تتعدّى مرة بنفسها ومرة بحرف الجرّ فذهب فريق: منهم ابن عصفور٣ وأبو حيّان٤ إلى أنَّ كلّ واحد منهما أصل برأسه، وليس أحدهما متفرعًا من الآخر، وذهب فريق ثانٍ منهم الشَّلَوْبين الصغير٥ إلى أن الأصل في هذه الأفعال التعدي بنفسها، فإن دخل على المفعول حرف جرّ فهو زائد، وذهب ابن درستويه٦ إلى أن الفعل (نصح) يتعدّى إلىمفعولين أحدهما بنفسه والآخر بحرف الجر، وأنكر الكسائي٧ أن
_________________
(١) ١ بيت من البسيط وهو لعمرو بن معدي كرب في ديوانه:٦٣، والكتاب: ١/٣٧، ونسب لخفاف بن ندبة السلمي وهو في ديوانه ضمن شعراء إسلاميون: ٥٢٩، كما نسب للعباس بن مرداس السلمي وهو في ديوانه:٤٦، ولأعشى طرود في فرحة الأديب:٦٢. ٢ شرح التسهيل ٢/١٥١. ٣ شرح الجمل: ١/٣٠٠. ٤ ارتشاف الضرب: ٢٠٨٨. ٥ ينظر رأيه في ارتشاف الضرب: ٢٠٨٨، ودون عزو في شرح الجمل: ١/٣٠٠، والشلوبين الصغير هو: محمد بن عليّ بن محمد الأنصاري، شرح أبيات سيبويه، وأكمل شرح شيخه ابن عصفور على الجزولية، مات شابًا في حدود عام:٦٦٠ ٠ تنظر ترجمته في: بغية الوعاة: ١/ ١٨٧ وكشف الظنون: ١٤٢٧. ٦ ينظر رأيه في شرح الجمل: ١/٣٠٠، وابن درستويه هو: عبد الله بن جعفر بن درستويه ابن المرزبان الفسوي ولد عام:٢٥٨، وتوفي عام ٣٤٧؟ أخذ عن ابن قتيبة والمبرد وغيرهم. تنظر ترجمته في نزهة الألباء: ٢٨٣ وفيه قائمة بمصادر ترجمته لراغب المزيد. ٧ ما تلحن فيه العامة: ١٠٢.
[ ٢٧٧ ]
يقال: شكرتك ونصحتك ويرى أنَّ الصواب أن يقال: "شكرت لك ونصحت لك" وقال: هذا كلام العرب وقال الفراء: "العرب لا تكاد تقول شكرتك، إنما تقول شكرت لك، ونصحت لك، ولايقولون نصحتك، وربّما قيلتا"١
وأجاز الأخفش الصغير٢: أن يُحكم باطراد حذف حرف الجر، والنصب فيما لا لَبْسَ فيه إذا كان الفعل يتعدّى إلى اثنين أحدهما بنفسه والآخر بواسطة حرف الجرّ، إنْ تعيّن الحرف، وتعين موضعه، كقول الشاعر:
تَحِنُّ فَتُبْدي ما بِها مِنْ صَبابَةٍ وَأُخْفي الَّذي لَوْلا الأُسى لَقَضانِي٣
قال ابن مالك: "والصحيح أن يتوقف فيه على السماع"٤.
الحالة الثالثة: حذف سماعي مخصوص بالضرورة كقول الشاعر:
يُشَبَّهونَ سُيوفًا في مَضائِهِمُ وَطولِ أَنْضِيَةِ الأعْناقِ والأَمَمِ٥
أي: يشبّهون بسيوف، وقول الآخر:
_________________
(١) ١ معاني القرآن: ١/٩٢. ٢ شرح الجمل لابن عصفور:١/٣٠٧، شرح التسهيل لابن مالك:٢/١٥٠، وتعليق الفرائد: ٥/١٧، والأخفش الصغير هو: علي بن سليمان بن الفضل أبو الحسن أخذ عن الإمامين المبرد وثعلب، توفي عام ٣١٥؟: تنظر ترجمته في طبقات الزبيدي: ١١٥، ونزهة الألباء: ١٨٥، وإنباه الرواة: ٢/٢٧٦. ٣ بيت من الطويل منسوب لعروة بن حزام في الخزانة:٨/١٣٠، والدرر: ٤/١٣٦، ودون عزوفي الكامل للمبرد:٤٧،والمسائل العسكرية:١٩٢،وشرح الجمل لابن عصفور:١/٣٠٧. والأسى بضم الهمزة جمع أُسوة: وهو التأسي وما يتأسّى ويتعزّى به الحزين. ٤ شرح التسهيل: ٢/١٥٠. ٥ بيت من البسيط: للشمردل بن شريك اليربوعي وهو في شعره المجموع ضمن شعراء أمويون القسم الثاني ٥٥٢ وهو فيه: "يشبهون قريشًا من تكلمهم"، والرواية المثبتة هي رواية الشاطبي:١/١٤٢.
[ ٢٧٨ ]
كَأَ نِّيَ إذْ أَسْعى لأظْفَرَ طائِرًا مَعَ النَّجْمِ في جَوِّ السَّماءِ يُصَوِّبُ١
أي: لأظفر بطائرٍ، وقول الآخر:
لَدْنٌ بِهَزِّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ فيهِ كَما عَسَلَ الطَّريقَ الثَّعْلَبُ٢
أي: كما عسل في الطريق، وقول الآخر:
تَمُرّونَ الدِّيارَ وَلَمْ تَعوجوا كَلامُكُمُ عَلَيَّ إذن حَرامُ٣
أي: تمرون بالديار، وقال الآخر:
أَسْتَغْفِرُ اللهَ ذَنْبًا لَسْتُ مُحْصِيَهُ رَبَّ العِبادِ إلَيْهِ الوَجْهُ والعَمَلُ٤
_________________
(١) ١ بيت من الطويل دون عزو في معاني القرآن للأخفش:٢٩٥، وشرح التسهيل: ٢/١٤٨، والمقاصد الشافية / ١/١٤٢. ٢ بيت من الكامل لساعدة بن جؤيَّة الهذلي في شرح أشعار الهذليين:١١٢٠والكتاب:١/٣٦ ٢١٤، ودون عزو في أسرار العربية: ١٨٠، والأشموني: ١/١٩٧. ٣ بيت من الوافر لجرير بن عطية في ديوانه: ٢٧٨، والرواية فيه: أتمضون الرسوم ولا نُحيَّى كلامكم عليًّ إذن حرام والرواية المثبتة هي المشهورة في كتب النحاة، وهي رواية الكوفيين ذكر ذلك المبرد في الكامل: ٥٠، وأشار إلى رواية الديوان وقال عنهما:"ليستا بشيء لما ذكرت لك، والسماع الصحيح والقياس المطرّد لا تعترض عليه الرواية الشاذة" ثم قال المبرد:"قرأت على عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير: مررتم بالديار ولم تعوجوا فهذا يدل على أن الرواية مغيّرة"ا؟. ينظر: رصف المباني:٢٤٧، وابن يعيش: ٨/٨- ٩/١٠٣، والمقرّب:١/١١٥، تخليص الشواهد: ٥٠٣، والمقاصد النحوية: ٢/٥٦٠، وهمع الهوامع: ٥/٢٠، والخزانة: ٩/١١٨. ٤ بيت من البسيط دون عزو في الكتاب ١/٣٧، والمقتضب:٢/٣٢١، وابن يعيش:٧/٦٣، ٨/٥١، والهمع: ٥/١٧.
[ ٢٧٩ ]
أي: أستغفر الله من ذنب، وقال الآخر:
آلَيْتُ حَبَّ العِراقِ الدَّهْرَ أَطْعَمُهُ وَالحَبُّ يَأْكُلُهُ في القَرْيَةِ السّوسُ١
أي: آليت على حبِّ العراق، وقال الآخر:
فَبِتُّ كَأَنَّ العائِداتِ فَرَشْنَنِي هَراسًا بِهِ يُعْلى فِراشي وَيُقْشَبُ٢
يريد: فرشن لي، وقول الآخر:
مِنَّا الّذي اخْتيرَ الرِّجالَ سَماحَةً وَخَيْرًا إذا هَبَّ الرِّياحُ الزَّعازِعُ٣
أي: اختير من الرجال.
هذا مع نصب الاسم بعد حذف الجار.
وقد يحذف الجار ويبقى عمله، ولا خلاف في شذوذ الإعمال حينئذٍ ومنه قول الآخر:
إذا قيلَ أيٌّ النّاسِ شَرٌّ قبيلةً أَشارَتْ كُلَيْبٍ بِالأكُفِّ الأصابِعُ٤
_________________
(١) ١ بيت من البسيط للمُتَلَمِّس الضُّبعي في ديوانه: ٩٥، والكتاب: ١/٣٨، والجنى الداني: ٤٧٣، وتخليص الشواهد: ٥٠٧، والأشموني: ١/١٩٧. ٢ بيت من الطويل للنابغة الذبياني في ديوانه: ٧٢، وإصلاح المنطق: ٤٠٦، وشرح الجمل لابن عصفور: ١/٣٠٧، والهراس بفتح الهاء، وتخفيف المهملة: اسم جنس للشوك واحده هراسة، ويقشب أي يُخلط. ٣ بيت من الطويل للفرزدق في ديوانه: ٤١٨، وفي تفعليته الأولى خرم، وهو في الكتاب: ٣٩، والمقتضب: ٤/٣٣٠، والخزانة:٩/١١٣. ٤ بيت من الطويل للفرزدق في ديوانه: ٤٢٠ ضمن قصيدته التي منها الشاهد السابق، ورواية الديوان: برفع (كليبٌ) وكذلك في النقائض: ٧٠٢ وخرّج أبو عبيدة معمر بن المثنى وجه الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف والتقدير: أشارت الأصابعُ: هذه كليبٌ، وعلى هذه الرواية يزول الشاهد، وهو توجيه حسنٌ، وروي بنصب (كليبًا) على الأصل في نزع الخافض، وأشار إلى رواية النصب البغداديُّ في الخزانة: ٩/١١٣، وقال:"وقد رأيته في ديوانه والمناقضات منصوبًا". والرواية المثبتة هي رواية النحاة: ينظر فيها: شرح التسهيل: ٢/١٥١، وشرح الكافية للرضي:٤/١٣٧، ٢٩٩، والارتشاف: ١٧٦٠، ٢٠٩٢، وتخليص الشواهد: ٥٠٤، والأشموني: ٢/٩٠.
[ ٢٨٠ ]
بجرِّ (كليبٍ) أي: أشارت إلى كليب فحذف الجار، وأبقى عمله شذوذًا، وكقول الشاعر:
وَكَريمَةٍ مِنْ آلِ قَيْسَ أَلِفْتُهُ حَتَّى تَبَذّخَ فَارْتَقى الأعْلامِ١
بجر (الأعلام) أي: فارتقى في الأعلام.
قال ابن مالك٢: "ومن بقاء الجرّ بالحرف المحذوف قوله ﵊:"صلاة الرجل في الجماعة تضعَّف علىصلاته في بيته وفي سوقه خمسٍ وعشرين ضعفًا"٣ قال: أي بخمسٍ.
قال ومنه قوله ﵇:"فضل الصلاة بالسواك على الصلاة بغير سواك سبعين صلاة" قال: "أي بسبعين صلاة"٤.
_________________
(١) ١ بيت من الكامل: دون عزو في شرح التسهيل: ٢/١٥١، والارتشاف: ١٧٦٠، والمقاصد النحوية: ٣/٣٤١، والأشموني: ٢/٢٣٤، والدرر اللوامع: ٤/١٩٢. والتاء في: (وكريمةٍ) قيل: تاء التأنيث، لأن المعنى ونفس كريمة، وقيل هي للمبالغة وفيها حينئذٍ شذوذ، وحذف التنوين من قيس ضرورة. ٢ شواهد التوضيح والتصحيح: ٩٤، ولكنّ المحقق ضبطها سهوًا بالنصب. ٣ أخرجه البخاري في كتاب الأذان باب فضل صلاة الجماعة والرواية عنده بالنصب، ولم يشر العيني إلى رواية الجر:٤/٣٣٧ وكذلك ابن حجر: ٢/١٤٨، ورواية الجر عند السيوطي في همع الهوامع: ٤/٢٢١. ٤ وهو رواه أحمد: ٦/٢٧٢ ولفظه عنده: فضل الصلاة بالسواك على الصلاة بغير سواك سبعين ضعفًا، وشواهد التوضيح والتصحيح: ٩٤.
[ ٢٨١ ]
ومنه قوله ﷺ: "مَنْ كانَ عِنْدَهُ طَعامُ اثْنَينِ فَلْيَذْهَبْ بِثالِثٍ، وَإنْ أَرْبَعَةٍ فَخامِسٍ أَوْ سادِسٍ" ١ وقدّر ابن مالك المحذوف هنا: "وَإنْ قامَ بِأَرْبَعَةٍ فَلْيَذْهَبْ بِخامِسٍ أَوْ سادِسٍ" ٢.
_________________
(١) ١ رواه البخاري في مواقيت الصلاة باب السمر مع الضيف والأهل، والرواية عنده بالرفع في الكلمات الثلاث، ولم يذكر ابن حجر في الفتح٢/٩٠رواية الجر، وأشار إليها العيني في عمدة القاري: ٤/٢٥٨. ٢ شواهد التوضيح والتصحيح: ٩٤.
[ ٢٨٢ ]
المبحث الثالث: حكم منزوع الخافض:
منزوع الخافض يجب نصبه، نص على ذلك الأئمة من النحاة قال الشاطبي شارحًا قول الناظم:
وعدّ لازمًا بحرف جرَّ وإن حُذِفْ فالنصب للمنجرّ
نقلا ً
"يعني: أنَّ الحرف إن حذف فلا بدّ للمنجر به من النصب، فيصير الفعل متعدّيًا بنفسه بالعَرَضِ كالمتعدّي بحق الأصل، وذلك لأنه إذا تعلّق به فقد صار موضعه نصبًا، ولذلك تقول مررت بزيدٍ وعمرًا فتعطف على موضعه نصبًا"٣.
واختلف في عامل النصب حينئذٍ، فذهب الكوفيون إلى أن العامل هو نزع الخافض، وقال البصريون العامل هو الفعل نفسه قاله الصبان٤.
_________________
(١) ٣ المقاصد الشافية: ١/ ١٤٢. ٤ حاشية الصبان: ٢/٨٩.
[ ٢٨٢ ]
المبحث الرابع: المنصوب بعد (ما) الحجازية:
(ما): حرف نفي غير مختص، يدخل على الجمل الاسمية نحو: ما محمد قائمًا، وعلى الجمل الفعلية نحو: ما قام محمد، ومن حق الحرف غير المختص الإهمال، ولكن الحجازيين أعملوا (ما) عمل ليس فيرتفع المبتدأ بعدها على أنه اسم لها، وينتصب الخبر على أنه خبر لها، وأهمل إعمالها التميميون.
واختلف البصريون والكوفيون١ في ناصب الخبر بعدها، فذهب البصريون إلى أن ناصب الخبر هو: (ما) نفسها حملًا لها على ليس، وذهب الكوفيون إلى أن الخبر منصوب على نزع الخافض، والأصل جرّه بالباء، قال الفراء في قوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ ٢:"نصبت ﴿بَشَرًا﴾، لأن الباء قد استعملت فيه، فلا يكاد أهل الحجاز ينطقون إلا بالباء، فلما حذفوها أحبّوا أن يكون لها أثر فيما خرجت منه فنصبوا على ذلك) ٣، وقال ابن مالك:"وزعم الكوفيون أنّ (ما) لا عمل لها، وأنَّ نصب ما ينتصب بعدها بسقوط الباء. وما قالوه لا يصحّ، لأن الباء قد تدخل بعد هل، وبعد ما المكفوفة بـ (إنْ)، وإذا سقطت الباء تعين الرفع بإجماع، فلو كان سقوط الباء ناصبًا لنصبه في هذين الموضعين، ومثل تعين الرفع في هذين الموضعين عند سقوط الباء تعينه عند سقوطها في نحو
_________________
(١) ١ ينظر في هذه المسألة: الإنصاف المسألة التاسعة عشرة، وأسرار العربية: ١٣٩، واللباب للعكبري: ١/ ١٧٥، ومنهج السالك لأبي حيان: ٦١، وائتلاف النصرة: ١٦٥، والتصريح: ١/٦٤٥، وهمع الهوامع: ٢/١١٠، وحاشية الصبان: ١/٢٤٧. ٢ يوسف: ٣١. ٣ معاني القرآن: ٢/٤٢.
[ ٢٨٣ ]
كفى بزيد رجلًا، وبحسب عمرو درهمٌ، وتعينه عند سقوط من في نحو: ما فيه من رجل"١.
_________________
(١) ١ شرح التسهيل: ١/ ٣٧٢٠.
[ ٢٨٤ ]
المبحث الخامس: نزع الخافض والتضمين:
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: دراسة التضمين:
البحث في التضمين يطول لمن أراد أن يستوفي البحث حقه، والكلام فيه تتنازعه الحقيقة والمجاز، والنحو والبلاغة، ولكني سأُلم به في هذه العجالة، مشيرًا إلى أهم ما دون فيه من بحوث، لمن أراد الوقوف على التفاصيل فأقول:
التضمين: من مصطلحات النحو والبلاغة والعروض.
وهو عند أهل اللغة: مصدر ضمّن يضمِّن تضمينًا، كعلّم يعلِّم تعليمًا، ويريدون به٢: إيداع شيء شيئًا، يقال: ضمّنت الميّت القبر، أودعته إياه، وكلُّ شيء أُحرز فيه شيء فقد ضُمِّنَهُ، وبمعنى غَرِمَ يقال: ضمَّنته الشيء فَضَمِنَهُ، غرَّمته إياه، وضَمِنَه عنّي، التزم الغرم ومنه الغريم، لأنه ضامن، فعيل بمعنى فاعل.
والتضمين عند البلاغيين هو: "استعارة الشاعر كلامًا من غيره، وإدخاله في شعره"٣ ومثاله قول الشاعر:
_________________
(١) ٢ ينظر: العين:٧/٥٠، والتهذيب: ١٢/٤٩، والصحاح واللسان، والقاموس والتاج (ضمن) . ٣ ينظر في التعريف: الصناعتين: ٣٦، الإيضاح للقزويني: ٥٨٠، وتحرير التحبير: ١٤٠.
[ ٢٨٤ ]
لئنْ أَخْطَأْتُ في مَدْحيـ ـكَ ما أَخْطَأْتَ في مَنْعي
لَقَدْ أَنْزَلْتُ حاجاتي بِوادٍ غَيْرِ ذي زَرْعِ١
فضمَّن بيته قوله تعالى: ﴿بِوادٍ غَيْرِذي زَرْعِ﴾ من الآية ٣٧ من سورة إبراهيم.
وعند العروضيين هو:"تعلُّق قافية البيت الأول بالبيت الثاني) ٢ وهم يعدونه من عيوب الشعر.
قال الشاعر٣:
يا ذا الَّذي في الحُبِّ يَلْحى أَما تَخْشى عِقابَ اللهِ فينا أَما
تَعْلَمُ أنَّ الحُبَّ داءٌ أَما وَاللهِ لَوْ حُمِّلتَ مِنْهُ كما
حُمِّلْتُ مِنْ حُبِّ رَخيمٍ لَما لُمْتَ عَلى الحُبِّ فَذَرْني وَما
أَطْلُبُ إنِّي لَسْتُ أَدْري بِما قُتِلتُ إلاَّ أّنَّني بَيْنما
أَنا بِبابِ القَصْرِ في بَعْضِ ما أَطْلُبُ مِنْ قَصْرِهِمْ إذْ رَمى
شِبْهُ غَزالٍ بِسِهامٍ فَما أَخْطَأَ سَهْماهُ وَلَكِنَّما
عَيْناهُ سَهْمانِ لَهُ كُلَّما أَرادَ قَتْلِي بِهِما سَلَّما
_________________
(١) ١ بيتان من الهزج منسوبان لابن الرومي وهما في ديوانه: ٤/١٥٥٣، ونسبا لإسماعيل القراطيسي في عيون الأخبار ٣/١٤٣، والأغاني:٢٣/٧٣. ٢ الوافي في العروض والقوافي: ٢٢٣، وينظر: كتاب القوافي للأخفش:٦٥، والقوافي للتنوخي: ١٩٣، والشافي في علم القوافي: ٩٧، والفصول في القوافي: ٩٣. ٣ الأبيات من السريع منسوبة لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه ٥٠٠، ودون عزو في الوافي في العروض والقوافي، ولا يخفى ما فيها من تكلّف الصنعة التي لا تتفق مع الذوق العربي السليم.
[ ٢٨٥ ]
فكل بيت من هذه الأبيات تعلقت قافيته بالبيت اللاحق له.
وهو في اصطلاح النحاة: يدور حول المعنى اللغوي، إذ يعرفه ابن هشام بقوله:"قد يُشرِبون لفظًا معنى لفظ آخر فيعطونه حكمه"١ ويقول، الشريف الجرجاني: "أن يقصد بلفظ معناه الحقيقي، ويلاحظ معه معنى فعلٍ آخر يناسبه، ويُدَلُّ عليه بذكر شيء من متعلقاته"٢ ويقول الأشموني: "إشراب اللفظ معنى لفظ آخر، وإعطاؤه حكمه لتصير الكلمة تؤدِّي مؤدَّى الكلمتين"٣ ويرى الصبان أن الأولى أن يقال: "التضمين إلحاق مادة بأخرى في التعدِّي واللزوم، لتناسب بينهما أو اتحادٍ"٤.
ويرى بعض العلماء: أن التضمين النحوي من أبواب المجاز وليس من باب الحقيقة، وما سمع منه يحمل على التجوُّز في اللفظ كابن السِّيْد البَطَلْيَوْسي في قوله: "اعلم أن الفعل إذا كان بمعنى فعل آخر، وكان أحدهما يتعدّى بحرف جرٍّ، والثاني بحرف جرٍّ آخر، فإن العرب قد تتسع فتوقع أحد الحرفين موقع الآخر، مجازًا وإيذانًا بأن هذا الفعل في معنى الآخر"٥، ويرى آخرون أنه من باب الحقيقة، وليس فيه مجاز، لأن كلًاّ من المعنيين مقصود لذاته، بخلاف المجاز الذي يكون القصد فيه لازم المعنى، كالزمخشري، والشريف الجرجاني، وسعد
_________________
(١) ١ مغني اللبيب: ٨٩٧. ٢ حاشية الشريف الجرجاني على الكشاف: ١/١٢٦. ٣ شرح الأشموني: ٢/ ٩٥. ٤ حاشية الصبان على الأشموني: ٢/٩٥. وهناك تعريفات أخر للتضمين تدور حول هذا المعنى ينظر فيها: البرهان للزركشي:٣/٣٣٨ والاتقان للسيوطي: ٣/٢٧٠، والكليات لأبي البقاء:٢/٢٤، والنحو الوافي: ٢/٥٦٤. ٥ الاقتضاب: ٢/٢٦٥.
[ ٢٨٦ ]
الدين التفتازاني١، ومنهم من يرى فيه جمعًا بين الحقيقة والمجاز وعليه العز بن عبد السلام في كتابه مجاز القرآن٢.
والتضمين: يقع في ثلاثة أبواب نحوية هي: باب الأسماء المبنية، وباب التعدّي واللزوم، وباب حروف المعاني.
وكما اختلفوا فيه بين الحقيقة والمجاز، تنازعوا كذلك في قياسية التضمين من عدمها على ثلاثة مذاهب٣:
فريق يرى أن التضمين سماعيّ لا قياسي، وإنما يُلجأ إليه عند الضرورة، أمَّا إن أمكن إجراء اللفظ على مدلوله فهو أولى.
وذهب فريق ثانٍ: إلى القول بإطلاق القياس في التضمين دون قيود.
وتوسط فريق ثالث: فأجاز التضمين في الأفعال بشروط ثلاثة:
أ- تحقق المناسبة بين الفعلين.
ب- وجود قرينة تدل على ملاحظة الفعل الآخر، ويؤمن معها اللبس.
ج- ملاءمة التضمين للذوق العربي.
_________________
(١) ١ينظر الكشاف: ١/١٢٦، وحاشية يس:٢/٥. ٢ ينظر: رأيه في حاشية يس على التصريح: ٢/٤. ٣ ينظر في التضمين: الخصائص: ٢/٣٠٨، وارتشاف الضرب: ١٩٨٤، ومغني اللبيب: ٥٤٥، وحاشية الشمني على مغني اللبيب: ٢/٢٧٩، الأشباه والنظائر: ١/ ٢٤٨، ومعترك الأقران للسيوطي: ١/١٩٨، ٣٠٢، وحاشية الشيخ يس على التصريح: ٢/٤، والكليات لأبي البقاء: ٢/٢٤، وحاشية الدسوقي على المغني: ٢/٣٠٥، والنحو الوافي: ٢/٥٦٤، وفي النحو العربي: ١٢٠، وللدكتور عبد الفتاح بحيري إبراهيم بحث في التضمين في مجلة كلية اللغة العربية بالرياض العدد: الثالث:١٣٩٣؟.
[ ٢٨٧ ]
المطلب الثاني: الفرق بين التضمين ونزع الخافض:
أوّلًا: من الناحية البلاغية: التضمين أبلغ من نزع الخافض، لأن الفعل المضمَّن معنى فعل آخر يؤدِّي المعنيين في وقت، واحد أحدهما أصالة، والآخر تضمينًا، فيكون أبلغ في تأدية المعنى المراد، أما نزع الخافض فهو: حذف وإيصال فقط، وليس فيه معنى زائد عن المعنى الأصلي، وهذه المسألة تنبَّه لها ابن القيم فقال في معرض رده على من يرى أن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض: "ظاهرية النحاة يجعلون أحد الحرفين بمعنى الآخر، وأمَّا فقهاء أهل العربية، فلا يرتضون هذه الطريقة، بل يجعلون للفعل معنى مع الحرف، ومعنى مع غيره، فينظرون إلى الحرف وما يستدعي من الأفعال، فيُشربون الفعل المتعدِّي به معناه، هذه طريقة إمام الصناعة سيبويه رحمه الله تعالى، وطريقة حذاق أصحابه، يضمّنون الفعل معنى الفعل، لا يقيمون الحرف مقام الحرف، وهذه قاعدة شريفة جليلة المقدار تستدعي فطنة ولطافة في الذهن، وهذا نحو قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَّشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ﴾ ١ فإنهم يضمنون: (يَشْرَبُ) معنى (يَرْوَى) فيعدونه بالباء التي تتطلَّبها، فيكون في ذلك دليل على الفعلين، أحدهما بالتصريح والثاني بالتضمين، والإشارة إليه بالحرف الذي يقتضيه مع غاية الاختصار، وهذا من بديع اللغة، ومحاسنها، وكمالها. وهذا أحسن من أن يقال: يشرب منها، فإنه لا دلالة فيه على الرِّيِّ، وأن يقال يروى بها، لأنه لا
_________________
(١) ١ الإنسان: ٦.
[ ٢٨٨ ]
يدلّ على الشُّرب بصريحه بل باللزوم، فإذا قال يشرب بها دلّ على الشرب بصريحه، وعلى الرِّيّ بالباء فتأمله"١.
ثانيًا: من الناحية الإعرابية: الفعل اللازم الذي يصل إلى المفعول به بواسطة حرف الجر هو متعدّ بالواسطة، والجار والمجرور بعده في محل نصب، والدليل على ذلك أنه لو عطف على المجرور لنصب المعطوف يقال: مررت بزيد وعمرًا بالنصب، قال الشاطبي: "إنَّ الحرف إنْ حُذف فلا بد للمنجر به من النصب، فيصير الفعل متعديًا بنفسه بالعرض كالمتعدي بحق الأصل، وذلك لأنه إذا تعلق به الجار فقد صار موضعه نصبًا، ولذلك تقول: مررت بزيد وعمرًا فتعطف على موضعه نصبًا"٢ فمنزوع الخافض انتصب بالعَرَض الذي طرأ عليه لا بسبب تحمُّل فعله معنى لم يكن فيه ذلك المعنى من ذي قبل، أما التضمين، فلأن الفعل قد ضُمّن معنى آخر لم يكن فيه ذلك المعنى من ذي قبل، فيأخذ معنى جديدًا مع بقاء المعنى الأصلي للفعل فهو جمع بين معنيين معنى أصلي، ومعنى تضمني، وبسبب المعنى التضمنى تعدى الفعل لا بسبب نزع الخافض.
_________________
(١) ١ بدائع الفوائد: ٢/٢١. ٢ المقاصد الشافية: ١/١٤٢.
[ ٢٨٩ ]
نزع الخافض قياسًا في القرآن
دراسة أنّ وأنْ بعد نزع الخافض
الفصل الثاني: المنصوب على نزع الخافض في القرآن:
وتحته مباحث:
المبحث الأوّل: نزع الخافض قياسًا في القرآن:
وفيه مطالب:
المطلب الأول: دراسة أنّ وأنْ بعد نزع الخافض:
يري فريق من العلماء أنَّ: (أنَّ وأنْ) بعد حذف الخافض منهما في محلَّ نصب، وذهب فريق إلى القول ببقاء الجر فيهما، واضطرب النقل عن الخليل وسيبويه، فعزى ابن مالك، والأشموني للخليل القول ببقاء الجر فيهما، ولسيبويه القول بأنهما في موضع نصب، واختارا رأي سيبويه، قال الأشموني: "وهو الأقيس" وعلل ابن مالك ذلك بأن بقاء الجر بعد حذف عامله قليل، والنصب كثير، والحمل على الكثير أولى من الحمل على القليل١.
والذي في الكتاب يخالف ذلك، قال سيبويه:"هذا باب آخر من أبواب (أنَّ): تقول: جئتك أنك تريد المعروف، إنما أراد: جئتك لأنك تريد المعروف، ولكنك حذفت اللام ههنا كما تحذفها من المصدر إذا قلت:
وَأَغْفِرُ عَوْراءَ الكَريمِ ادِّخارَهُ وَأُعْرِضُ عَنْ ذَنْبِ اللئيمِ تَكَرُّما٢
_________________
(١) ١ ينظر شرح التسهيل: ٢/١٥٠، وشرح الأشموني: ٢/ ٩٢. ٢ بيت من الطويل لحاتم الطائي في ديوانه: ٢٢٤، والرواية فيه: وأغفر عوراء الكريم اصطناعه وأصفح عن شتم اللئيم تكرما وهو في: المقتضب: ٢/٣٤٨، وأسرار العربية: ١٨٧، وابن يعيش: ٢/٥٤.
[ ٢٩٠ ]
أي لادّخاره، وسألت الخليل عن قوله جلّ ذكره: ﴿وأنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأنا رَبُّكُمْ فَاتَّقونِ﴾ ١ فقال: إنما هو على حذف اللام، كأنه قال: ولأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون، وقال ونظيرها: ﴿لإيْلافِ قُرَيْشٍ﴾ لأنه إنما هو لذلك فليعبدوا، فإن حذفت اللام من أن فهو نصب، كما أنك لو حذفت اللام من لإيلاف كان نصبًا، هذا قول الخليل. ولو قال إنسان: إنَّ (أنَّ) في موضع جرٍّ في هذه الأشياء، ولكنه حرف كثر استعماله في كلامهم فجاز فيه حذف الجار كما حذفوا ربّ من قولهم:
وَبَلَدٍ تَحْسَبُهُ مَكْسوحا٢
لكان وجهًا قويًا وله نظائر نحو قوله: لاهِ أبوك، والأول قول الخليل"٣.
ووَهَّم أبو حيّان ابنَ مالك فيما حكاه عن الخليل٤.
وكثير من المتأخرين يرجحون نصب المصدر المنزوع الخافض، قال ابن هشام عن حذف حرف الجر: (وقد يحذف وينصب المجرور وهو ثلاثة أقسام: سماعي جائز في الكلام المنثور. وسماعي خاص بالشعر. وقياسي وذلك بعد أنَّ وأنْ وكي"٥، وقال الأشموني: "إنما اطرد حذف حرف الجر مع أنّ وأنْ
_________________
(١) ١ المؤمنون: ٥٢. ٢ بيت من مشطور الرجز ينسب لأبي النجم العجلي في شرح أبيات سيبويه: ٢/١٩٠، وأساس البلاغة: (طوح) ٣٩٧، وليس في ديوانه المجموع. ٣ الكتاب: ٣/١٢٦. ٤ ينظر ارتشاف الضرب: ٤/٢٠٩٠. ٥ أوضح المسالك: ٢/ ١٥٩.
[ ٢٩١ ]
لطولهما بالصلة، واختلفوا في محلِّهما بعد الحذف فذهب الخليل والكسائي إلى أنّ محلَّهما جرّ تمسكًا بقوله:
وَما زُرْتُ لَيْلى أنْ تَكونَ حَبيبَةً إليّ وَلا دَيْنٍ بِها أَنا طالِبُهْ١
بجر دين، وذهب سيبويه والفراء إلى أنهما في موضع نصب وهو الأقيس"٢.
_________________
(١) ١ بيت من الطويل للفرزدق في ديوانه: ١/٨٤، والرواية فيه (سلمى) بدل ليلى، وهو في الكتاب: ٣/٢٩، والإنصاف: ٣٩٥، وتخليص الشواهد: ٥١١. ٢ شرح الأشموني: ٢/٩٢.
[ ٢٩٢ ]
المطلب الثاني: نزع الخافض من أنَّ وأن في القرآن:
جاءت آيات كثيرة جدًا تحتوي على أحد الحرفين المصدريَّين (أنَّ وأنْ) قال عنها المعربون للقرآن: إنها منزوعة الخافض - ونزع الخافض معهما أمر قياسي عند النحاة -، ولهذا سأكتفي بإيراد أمثلة توضح هذه المسألة دون استقصاء لجميع ما ورد منها في القرآن.
قال تعالى: ﴿وَبَشِّر الَّذينَ آمَنوا وَعَمِلوا الصّالِحاتِ أنَّ لَهُمْ جَنّاتٍ﴾ ٣.
أي: بأنَّ لهم جنات.
وقال تعالى: ﴿إنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحوا بَقَرَةً﴾ ٤.
أي بأن تذبحوا بقرة.
وقال تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعونَ أَنْ يُّؤْمِنوا لَكُمْ﴾ ٥.
أي بأن يؤمنوا لكم.
_________________
(١) ٣ البقرة: ٢٥. ٤ البقرة: ٦٧. ٥ البقرة: ٧٥.
[ ٢٩٢ ]
وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ﴾ ١.
أي: بأنه لا إله إلا هو.
وقال تعالى: ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أنْ تَفْشَلا﴾ ٢.
أي: بأن تفشلا.
وقال تعالى: ﴿قالوا إنَّ اللهِ عَهِدَ إلَيْنا ألاَّ نُؤْمِنَ لِرَسولٍ﴾ ٣.
أي: بألأ نؤمن، أو على تضمين الفعل (عهد) معنى ألزم.
وقال تعالى: ﴿وَتَرْغَبونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ ٤.
أي: في أن تنكحوهنَّ، أو عن أن تنكحوهنَّ.
وقال تعالى: ﴿سُبْحانَهُ أَنْ يَّكونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ ٥.
أي: من أن يكون له ولد.
وقال تعالى: ﴿لَنْ يَّسْتَنْكِفَ المَسيحُ أنْ يَّكونَ عَبْدًا للهِ﴾ ٦.
أي: من أن يكون عبدًا لله، أو عن أن يكون عبدًا لله.
وقال تعالى: ﴿وَبَشِّر الَّذينَ آمَنوا وَعَمِلوا الصّالِحاتِ أنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ ٧.
أي: بأنَّ لهم قدم صدق.
_________________
(١) ١ آل عمران: ١٨. ٢ آل عمران: ١٢٢. ٣ آل عمران: ١٨٣. ٤ النساء: ١٢٧. ٥ النساء: ١٧١. ٦ النساء: ١٧٢. ٧ يونس: ٢.
[ ٢٩٣ ]
وقال تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكونَ مِنَ المُؤْمِنينَ﴾ ١.
أي: بأن أكون من المؤمنين.
وقال تعالى: ﴿مالَكَ ألاَّ تَكونَ مَعَ السّاجِدينَ﴾ ٢.
أي: من أن تكون، أو في أن تكون.
_________________
(١) ١ يونس: ١٠٤. ٢ الحجر: ٣٢.
[ ٢٩٤ ]
المطلب الثالث: دراسة كي في اللغة:
جاءت (كي) في اللغة على أربعة أضرب: منها وجه واحد سماعي، والثلاثة الباقية قياسية.
الضرب الأول السماعي::اسم مختصرمن كيف، كما اُختصر (سَوْ) من (سوف)، قال الفراء:"سمعت بيتًا حذفت الفاء فيه من كيف قال الشاعر:
مَنْ طالِبينَ لِبُعْرانٍ لَنا رَفَضَتْ كَيْ لا يُحِسُّونَ مِنْ بُعْرانِنا أَثَرا٣
أراد كيف لا يحسون"٤.
قال ابن مالك: "وإن ولي (كي) اسم، أو فعل ماض، أو مضارع مرفوع عُلم أن أصلها (كيف) حذفت فاؤه"٥.
وقال ابن يعيش: "في (كيف) لغتان: (كيف وكي) "٦.
_________________
(١) ٣ البيت من البسيط وهو لعمرو بن أحمر الباهلي في ديوانه ٧١، والرواية فيه (أو باغيان لبعران) . ٤ معاني القران: ٣/٢٧٤. ٥شرح الكافية الشافية:١٥٣٤. ٦ شرح المفصل: ٤/١١٠.
[ ٢٩٤ ]
وأنكر أبو علي الفارسي على الفراء أن تكون (كي) في البيت السابق مرخمة من كيف، وحتَّم أن تكون فيه حرفًا بمعنى اللام، بحجة أن كيف اسم ثلاثي خال من علامة التأنيث، والثلاثي لا يرخم منه إلا ما لحقتة علامة التأنيث، كما أنه نكرة والنكرة لا ترخم، وهو مبني لمشابهته الحروف، والحذف لا يكون في الحروف قال: "وكذلك ينبغي أن لا يكون فيما غلب عليه شبهُها وصار بذلك في حيّزها"١.
الضرب الثاني وهو قياسي: حرف تعليلي كاللام معنى وعملًا٢، وذلك إذا وليها (ما) الاستفهامية نحو كيمه؟، أو المصدرية، ويمثل لها النحاة بقول الشاعر:
إذا أنْتَ لَمْ تَنْفَعْ فَضُرَّ فَإنَّما يُرَجّى الفَتى كَيْما يَضُرُّ وَيَنْفَعُ٣
أو وليتها اللام ومنه قول:
وَأَوْقَدْتُ ناري كَيْ لِيُبْصَر َضَوْؤُها وَأَخْرَجْتُ كَلْبِي وَهْوَ في البَيْتِ داخِلُهْ٤
_________________
(١) ١ ينظر المسائل البغداديات: ٣٤٩. ٢ القول بجواز أن تكون (كي) تعليلية هو رأي سيبويه وجمهرة البصريين، ويحتِّم الكوفيون وابن السراج أن تكون (كي) مصدرية. ينظر: الكتاب: ٣/٦، والمقتضب: ٢/٨، والأصول: ٢/١٤٧، والإنصاف: المسألة الثامنة والسبعون، وابن يعيش: ٧/١٧، والتصريح: ٤/٢٨٩. ٣ بيت من الطويل نسب للنابغة الجعدي وهو في: ذيل ديوانه: ٢٤٦، ولقيس بن الخطيم في تكملة ديوانه: ١٧٠ وهو فيه بنصب الفعلين: (يضرًّ وينفعا) وللنابغة الذبياني في المقاصد النحوية ٤/٣٧٩ وأشار العيني إلى النزاع في نسبته، ونسبه البحتري في حماسته:٣٣٩ إلى عبد الله بن معاوية فثبّته جامع ديوانه بناء على هذه النسبة:٥٩، ونسب لبعد الأعلى بن عبد الله في الحيوان: ٣/٧٦. ٤ بيت من الطويل نسب لحاتم الطائي في صلة ديوانه: ٢٨٧، ولمنصور النمري في ملاحق ديوانه:١٣١ مع اختلاف في موضع الشاهد والبيت في حماسة أبي تمام ٢/٣٣٤.
[ ٢٩٥ ]
ونُسب للأخفش أن (كي) لا تكون إلا تعليلية، ولايصح كونها مصدرية١، والذي في معاني القرآن لا يحتِّم ذلك، بل يجيز كونها مصدرية، قال:"قوله: ﴿لِيَشْتَروا بِهِ ثَمَنًا قَليلًا﴾ ٢ فهذه اللام إذا كانت في معنى (كي) كان ما بعدها نصبًا على ضمير (أنْ) وكذلك المنتصب بـ (كي) هو أيضًا على ضمير (أن) كأنه يقول للاشتراء فـ (يشتروا) لا يكون اسمًا إلا بـ (أن) فـ (أن) مضمرة وهي الناصبة، وهي في موضع جرّ باللام وكذلك: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُوْلَةً﴾ ٣ (أن) مضمرة وقد جرّتها كي، وقالوا: (كَيْمَهْ) فـ (مه) اسم، لأنه (ما) التي في الاستفهام وأضاف (كي) إليها.
وقد تكون (كي) بمنزلة (أن) هي الناصبة، وذلك قوله: ﴿لِكَيْ لا تَأْسَوا﴾ ٤ فأوقع عليها اللام، ولو لم تكن (كي) وما بعدها اسمًا لم تقع عليها اللام"٥
الضرب الثالث وهو قياسي: حرف مصدري ينصب المضارع بنفسه وذلك إذا دخلت على كي اللام التعليلية ولم يقع بعدها أن المصدرية نحو: زرتك لكي تكرم محمدًا.
_________________
(١) ١ ينظر شرح الرضي: ٤/٤٨، والمغني: ٢٤٢، والتصريح: ٤/٢٩٠. ٢ البقرة: ٧٩. ٣ الحشر: ٧. ٤ الحديد: ٢٣. ٥ معاني القرآن: ١١٩.
[ ٢٩٦ ]
الضرب الرابع وهو قياسي: جواز أن تكون مصدرية وتعليلية ولها حينئذ صورتان:
الأولى: أن تكون مجرّدة من لام التعليل قبلها ومن أن المصدرية بعدها نحو: جئتك كي تكرمني.
الثانية: المتوسطة بين لام التعليل وأن المصدرية نحو: جئتك لكي أن تكرمني ومنه قول الشاعر:
أَرَدْتَ لِكَيْما أنْ تَطيرَ بِقِرْبَتِي فَتَتْرُكَها شَنًّا بِبَيْداءَ بِلْقَعِ١
وكثير من النحاة يدمجون الضرب الرابع مع الضرب الثالث.
_________________
(١) ١ بيت من الطويل دون عزو في الإنصاف: ٥٨٠، ورصف المباني: ٢٩١و٣٨٣، والجنى الداني: ٢٦٥.
[ ٢٩٧ ]
المطلب الرابع: كي في القرآن:
جاءت كي في القرآن في عشرة مواضع: سته منها مجرورة باللام، والأربعة الباقية غير مجرورة.
ووقع المصدر بعدها منفيًا بـ (لا) في سبعة مواضع، أربعة منها وُصلت كي بـ (لا) رسمًا هكذا: (كيلا)، وفُصلت في ثلاثة هكذا: (كي لا) - مع اختلاف في عدد المرسوم - ويعلل الإمام الزركشي الوصل في الرسم بأن النفي إذا كان داخلًا على معنى كُلّيّ وُصِلَ حرفُ النفي بـ (كي)، لأن نفي الكلّيّ نفي لجزئياته، ويرى أن الكلي المنفي ليس له أفراد في الوجود، وأما فصل (كي)
[ ٢٩٧ ]
عن (لا) النافية رسمًا فسببه أن النفي منصبٌّ على جزئي ولا يلزم منه نفي الكلّيّ١.
قال تعالى: ﴿ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسولِهِ مِنْ أهْلِ القُرى فَللَّهِ وَلِلرَّسولِ وَلِذي القُرْبى واليَتامى والمَساكينِ وَابنِ السَّبيلِ كَيْ لا يَكونَ دُوْلَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمْ الرَّسولُ فَخُذوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهوا وَاتَّقوا اللهَ إنَّ اللهَ شَديدُ العِقابِ﴾ ٢ يرى ابن هشام أن كي في الآية مجرورة بلام محذوفة والتقدير (لكي لا) قال:"وذلك إذا قدّرت كي مصدرية"٣ وهو يشير بقوله إذا قدّرت كي مصدرية إلى المذهب الكوفي الذي يحتم كون كي مصدرية.
فالمصدر منصوب على نزع الخافض بفعل مقدّر وهو: (فَعَلْنا، أو بيّنا ذلك، أو حكمنا بذلك) لئلا تكون الغنائم دولة بين الأغنياء، قال المنتجب:"أي فعلنا ذلك في هذه الغنائم، أو بيّنا ذلك لئلا يغلب الأغنياء على الفقراء على الفيء"٤
وقال تعالى: ﴿إذْ تَمْشي أُخْتُكَ فَتَقولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَن يَّكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتونًا فَلَبِثْتَ سِنينَ في أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يَّا موسى﴾ ٥.
_________________
(١) ١ ينظر البرهان في علوم القرآن: ١/٤٢٠. ٢ الحشر:٧. ٣ أوضح المسالك: ٢/١٦٢. ٤ الفريد: ٤/٤٤٨. ٥ طه: ٤٠.
[ ٢٩٨ ]
وقال تعالى: ﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَّلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَأَشْرِكْهُ في أَمْري كَيْ نَسَبِحَكَ كَثيرًا﴾ ٢.
يجوز في الآيات الكريمة السابقة أن تكون لام كي محذوفة والتقدير: لكي تقر عينها، ولكي نسبحك، والمصدر منصوب على نزع الخافض كما سبق في آية الحشر.
_________________
(١) ١ القصص: ١٣. ٢ طه: ٣٢، ٣٣.
[ ٢٩٩ ]
نزع الخافض سماعًا في القرآن
نزع الخافض من المفرد
المبحث الثاني: نزع الخافض سماعًا في القرآن:
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: نزع الخافض من المفرد:
نزع الخافض من المفرد موقوف على السماع، كما سبق ذكره، وقد جاءت آيات في القرآن كثيرة قال عنها عددٌ من النحاة، والمفسرين، والمعربين له بأنها منزوعة الخافض، وذلك مع أفعال لازمة، أو مما يتعدى لواحد بنفسه، وللثاني بالحرف، في غير المسائل القياسية الآنفة الذكر، منها قوله تعالى: ﴿وَاللاتي تَخافونَ نُشوزَهُنَّ فَعِظوهُنَّ وَاهْجُروهُنَّ في المَضاجِعِ وَاضْرِبوهُنَّ فَإنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغوا عَلَيْهِنَّ سَبيلًا إنَّ اللهَ كانَ عَلِيًّا كَبيرًا﴾ ٣.
_________________
(١) ٣ النساء: ٣٤.
[ ٢٩٩ ]
يتوقف إعراب ﴿سِبيلًا﴾ ١ على معرفة أصل اشتقاق الفعل (بغى) فإن أُخِذَ من (البَغْي) وهو الظُّلم فهو لازم وتكون كلمة (سيبلًا) حينئذٍ منزوعةَ الخافض والمعنى فلا تظلموهنَّ.
وإنْ فُسِّر الفعل (بغى) بـ (طلب) يقال بغيت الأمر أي طلبته، فالفعل حينئذٍ متعدٍّ بنفسه ويكون (سبيلًا) معمولًا له، والمعنى: لا تطلبوا عليهن ذنوبًا تعنتًا لتتوصلوا بها إلى سبيل من السبل الثلاثة المتاحة لكم وهي: الوعظ، والهجر، والضرب التي كانت مباحة لكم وقت نشوزهن، أو الخوف من نشوزهن.
واختتام الآية الكريمة بـ ﴿عليًا كبيرًا﴾ غاية في البلاغة والإعجاز، ففيه إعلام للأزواج الذين منحهم الله صفة القوامة والعلو على أزواجهم بأن هذه صفة محكومة بأمر الله، وتوصيتهم بعدم الظلم والإسراف فيما أبيح لهم، فلا تستعلوا عليهنّ ولا تتكبروا، وتنبيه لهم بخفض الجناح ولين الجانب، وإشارة إلى أن قدرة الله فوق قدرتهم عليهنّ، وتذكيرهم بأن العلو والكبر من صفات الله تعالى.
وقال تعالى: ﴿وَقالوا كونوا هودًا أَوْ نَصارى تَهْتَدوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهيمَ حَنيفًا وَّما كان مِنَ المُشْرِكينَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ ينظر في التوجيهات: التبيان:٣٥٥ والفريد:١/٧٢٩، والبحر:٣/٦٢٨، والدر:٣/٦٧٣. ٢ البقرة: ١٣٥.
[ ٣٠٠ ]
قراءة الجمهور بنصب: (مِلَّةَ)، وقرئ١ في الشواذ برفع (مِلَّةُ)، وتوجَّه قراءة الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره بل الهَدْيُ ملةُ، أو مبتدأ خبره محذوف تقديره بل ملةُ إبراهيم حنيفًا هدْيُنا.
وفي توجيه قراءة النصب أربعةُ أقوال:
الأول: أنه مفعول به لفعل محذوف تقديره بل نتَّبِعُ ملةَ إبراهيم٢.
الثاني: أنه منصوب على الإغراء أي: عليكم ملةَ إبراهيم، وبه قال أبو عبيدة٣.
الثالث: أنه منصوب على أنه خبر لـ (نكون) محذوفة، والمعنى حينئذٍ بل نكون أهلَ ملَّةِ إبراهيم، أو أصحابَ ملَّةِ إبراهيم، فحذف المضافُ، وأقيم المضافُ إليه مُقامه وهو رأي الفراء، والأخفش، والزجاج، والزمخشري٤.
الرابع: أنه منصوب على نزع الخافض والمعنى نقتدي بملة إبراهيم٥.
فالوجه الأول والثاني من هذه الأقوال واحد وهو أنه مفعول به ولكن العامل مختلف، والوجه الرابع مفعول به توسعًا بعد نزع الخافض، والثالث خبر كان.
_________________
(١) ١ القراء هم: يحيى بن هرمز والأعرج وابن أبي عبلة. ينظر: مختصر ابن خالوية:١٧وتفسير القرطبي:٢/٩٥،والفريد:١/٣٨٠، والبحر:١/٤٦٤. ٢ وهو تقدير الأخفش: معاني القرآن: ١٥٠. ٣ ينظر مجاز القرآن: ١/٥٧. ٤ ينظر: معاني القرآن للفراء:١/٨٢، ومعاني القرآن للأخفش: ١٥٠، ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج: ١/٢١٣، والكشاف: ١/٣١٤، وعزا هذا القول ابنُ الأنباري في البيان في غريب إعراب القرآن للكوفيين: ١/١٢٤. ٥ ذكر هذا الوجه أبو جيان في البحر: ١/٦٤٦، والسمين في الدر: ٢/١٣٥.
[ ٣٠١ ]
والوجه الرابع عندي ضعيف، لأن نزع الخافض مع غير أنْ وأنَّ وكي غير قياسي، ولا ينبغي حمل إعراب الآيات على وجه ضعيف، ما أمكن حملها على وجه أقوى منه، ولاسيما أن من الأوجه ما يدعمه السياق.
وقال تعالى: ﴿إنَّ الصَّفا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَو اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أن يَّطّوَفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيرًا فَإنَّ اللهَ شاكِرٌ عَليمٌ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أيَّامٍ أُخُرَ وَعَلى الَّذينَ يُطيقونَه ُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَنْ تَصُوموا خَيْرٌ لَّكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمونَ﴾ ٢.
في توجيه نصب (خيرًا) في الآيتين الكريمتين أربعة أقوال٣:
الأول: أنه منصوب على نزع الخافض، أي: تطوّع بخير فنزع الخافض، وانتصب (خيرًا)، وتعضد هذا الوجهَ قراءةُ ابن مسعود: (ومن تطوع بخير) ٤.
الثاني: منصوب على تضمين الفعل (تطوّع) معنى (فَعَلَ) فيكون المعنى ومن فَعَلَ خيرًا.
الثالث: مفعول مطلق نائب عن المصدر الأصلي، لأنه وصف له في الأصل، والتقدير ومن يتطوّع تطوّعًا خيرًا فحذف المصدر وحلت صفته محله.
_________________
(١) ١ البقرة: ١٥٨. ٢ البقرة: ١٨٤. ٣ ينظر في التوجيهات: التبيان:١٣١،والفريد:١/٣٩٧، والبحر:٢/٦٨، والدر:٢/١٩٢. ٤ ينظر في القراءة: الفريد: ١/٣٩٧، البحر: ٢/٦٨.
[ ٣٠٢ ]
الرابع: إذا قدر المصدر المحذوف معرفة فـ (خيرًا) حال منه، والتقدير ومن تطوّع تطوّعه خيرًا فإن الله شاكر عليم.
وقال تعالى: ﴿وإنْ عَزَموا الطَّلاقَ فَإنَّ اللهَ سَميعٌ عَليمٌ﴾ ١
وقال تعالى: ﴿وَلا تَعْزِموا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الكِتابُ أَجَلَهُ﴾ ٢.
الفعل عزم لازم، يتعدَّى بـ (على)، قال في القاموس: "عزم على الأمر يعزِم عزمًا ويضمّ ومعزمًا كمقعَد ومجلِس وعُزْمانًا بالضم وعزيمًا وعزيمة واعتزمه وعليه وتعزّم أراد فعله"٣.
وقال الشاعر:
عَزَمْتُ عَلى إقامِةِ ذي صَباحٍ لأمْرٍ ما يُسَوَّدُ مَنْ يَسودُ ٤
فـ (الطلاق) ٥ في الآية الأولى، و(عقدة) في الآية الثانية منصوبان على نزع الخافض، والأصل - والله أعلم - وإن عزموا على الطلاق، ولا تعزموا على عقدة النكاح، فحذف الخافض، وانتصب معموله.
ويجوز أن يضمّن الفعل (عزم) معنى الفعل (نوى) فينتصب ما بعده مفعولًا به.
وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إلاّ أنْ تَقولوا قَوْلًا مَعْروفًا﴾ ٦.
_________________
(١) ١ البقرة: ٢٢٧. ٢ البقرة: ٢٣٥. ٣ القاموس: (عزم) ٤/١٤٩. ٤ بيت من الوافر نسب لأنس بن مدركة الخثعمي في الحيوان:٣/٨١،وشرح المفصل:٣/١٢ والخزانة:٣/٨٧، ولأنس بن نهيك في اللسان: (صبح) ودون عزو في الكتاب ١/٢٢٧ والمقتضب: ٤/٣٤٥. ٥ ينظر: التبيان: ١٨٠، والفريد: ١/٤٦٤، والبحر ٢/٤٥٠، والدر: ٢/٤٣٥. ٦ البقرة: ٢٣٥.
[ ٣٠٣ ]
في انتصاب (سِرًّا) مع الفعل (واعد) ستة أوجه ذكرها العلماء١، وقدّروا في بعضها مفعولًا محذوفًا وهو لا تواعدوهنّ نكاحًا سرًا:
الأول: أنه مفعول ثانٍ للفعل (واعد) .
والثاني: أنه حال من فاعلِه أي لا تواعدوهنّ مستخفين.
الثالث: أنه نعت مصدر محذوف والتقدير: لا تواعدوهنّ مواعدةً سرًّا.
الرابع: أنه حال من ذلك المصدر المحذوف مع جعل المصدر معرفه والتقدير: المواعدة مستخفية.
الخامس: أنه منصوب على الظرفية أي في سرٍّ.
السادس: أن يكون منصوبًا على نزع الخافض والتقدير على سرٍّ، وذلك عند من فسّر السر بالجماع، ذكر هذا المنتجب، وابن هشام، وعزاه للأخفش٢.
وقال تعالى: ﴿وإنْ كُنْتُم مَّرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ أوْ جاءَ أَحَدٌ مِّنْكُم مِّنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدوا ماءً فَتَيَمَّموا صَعيدًا طَيِّبًا﴾ ٣.
الفعل: (تَيَمَّمَ) سمع من العرب متعديًا بنفسه قال خُفَافُ بْنُ نُدْبَةَ:
تَيَمَّمْتُ كَبْشَ القَوْمِ حَتَّى عَرَفْتُهُ وَجانَبْتُ شُبَّانَ الرِّجالِ الصَّعالِكا
فإنْ تَكُ خَيْلِي قَدْ أُصيبَ صَميمُها فَعَمْدًا عَلى عَيْنٍ تَيَمَّمْتُ مالِكا٤
_________________
(١) ١ ينظر: معاني القرآن للزجاج:١/٣١٣والتبيان:١٨٨،والفريد:١/٤٧٧،والبحر:٢/٥٢٢، الدر المصون: ٢/٤٨٣. ٢ الفريد:١/٤٧٧، ومغني اللبيب: ١٩٠، ٦٨١. ٣ النساء ٤٣، والمائدة: ٦. ٤ بيتان من الطويل وهما في ديوانه (ضمن شعراء إسلاميون): ٤٨٤، وفي الأغاني ٢/٢٩٠، والحماسة البصرية:١/١٠١، والخزانة: ٥/٤٤٠، مع اختلاف يسير في الرواية.
[ ٣٠٤ ]
وقال الأعشى:
تَيَمَّمْتُ قَيْسًا وَكَمْ دُوْنَهُ مِنَ الأرْضِ مِنْ مَهْمَهٍ ذي شَزَنْ١
وقال كُثيِّر عَزَّة:
تَيَمَّمْتُ لِهْبًا أَبْتَغِي العِلْمَ عِنْدَهُمْ وَقَدْ رُدَّ عِلْمُ العائِفِينَ إلى لِهْبِ٢
قال امرؤ القيس:
تَيَمَّمَتِ العَيْنَ الَّتي عِنْدَ ضارِجٍ يَفِيءُ عَلَيْها الظِّلُّ عِرْمِضُها طامِ٣
وقال ذو الرُّمَّة:
تَيَمَّمْنَ عَيْنًا مِنْ أُثالٍ نَميرَةً قَموسًا يَمُجُّ المُنْقِضاتِ احْتِفالُها٤
ولو ذهبتُ أتتبعُ الشواهد الشعرية في تعدية الفعل (تَيَمَّمَ) عند العرب لطال البحث وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق.
_________________
(١) ١ بيت من المتقارب: وهو في ديوانه:٦٩، ويستشهد به اللغويون في (شزن) و(أمم) وقيس: هو ابن معدي كرب الكندي أبو الأشعث، والمهمه: فلاة لا ماء بها ولا أنيس، والشزن: الغليظ من الأرض. ٢ بيت من الطويل وهو في ديوانه: ٤٦٩. لهب بكسر اللام وإسكان الهاء: قبيلة عربية اشتهرت بالعيافة، والعيافة زجر الطير، وهي مما نهى عنه الإسلام. ٣ بيت من الطويل في ملحق ديوانه: ٤٧٥. ضارج مورد ماء في بلاد القصيم يحمل الآن اسم ضاري، ولعل الجيم أبدلت ياء في لهجة بني تميم سكانه في وقت مضى، والعرمض: هو الطحلب، وطام بمعنى طاغٍ من النشاط. ٤ بيت من الطويل وهو في ديوانه:١/٥٢٥. أثال: كغراب قرية في بلاد القصيم لا تزال تسمّى بهذا الاسم، ونميرة: عذبه، وقموس: غزيرة، المنقضات: الضفادع، يصف موردًا تيمّمته حمرٌ وحشية.
[ ٣٠٥ ]
وقال ابن السكيت: "أَصْلُ التَّيَمُّم: القصد، ويقال تيمّمته إذا قصدت له، قال تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعيدًا طَيِّبًا﴾ أي اقصدوا لصعيد طيّب، ثم كثر استعمالهم هذه الكلمة حتى صار التيمُّم مسح الوجه واليدين بالتراب"١.
والياء في تيمّم منقلبة عن همزة، وأصل الفعل: (أمَّ) بمعنى قصد يقال أمَّه يؤمُّه أمًّا بمعنى قصده.
ومع أن الفعل استعمل متعدِّيًا كما رأينا في الشواهد السابقة إلا أننا نجد من المعربين للقرآن من أجاز أن تكون (صعيدًا) منزوعة الخافض، قال أبو البقاء: "صعيدًا مفعول تيمّموا، أي: اقصدوا صعيدًا، وقيل: هو على تقدير حذف الباء أي: بصعيد"٢.
وقال المنتجب: "وقيل: هو على تقدير حذف الباء أي بصعيد، وقيل هو ظرف وهذا على قول من جعل الصعيد الأرض، أو وجه الأرض، والوجه هو الأول وعليه المعنى والإعراب"٣
وقال السمين:"وصعيدًا مفعول به لقوله تيمّموا أي اقصدوا، وقيل: هو على إسقاط حرفٍ أي: بصعيد، وليس بشيء لعدم اقتياسه"٤.
وقال الجمل: "وصعيدًا مفعول به لقوله فتيمّموا أي اقصدوا، وقيل هو على إسقاط حرف أي لصعيد، وليس بشيء لعدم انقياسه"٥.
_________________
(١) ١ إصلاح المنطق: ٣١٥. ٢ التبيان: ٣٦٢. ٣ الفريد: ١/٧٤٠. ٤ الدر المصون: ٣/٦٩٣. ٥ الفتوحات الإلهية: ١/ ٣٨٥.
[ ٣٠٦ ]
وقال تعالى: ﴿قالَ فَبِما أَغْوَيْتَني لأقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ المُسْتَقيمَ﴾ ١.
جاءت كلمة (صراطَ) في الآية منصوبة، والفعل الذي يطلبها هو (قَعَدَ)، وهو لازم، وللنحاة في توجيه نصبها ثلاثة أقوال:
الأول: أنه منصوب على إسقاط الخافض وهو رأي الأخفش قال: (أي على صراطك، كما تقول توجه مكة أي: إلى مكة وقال الشاعر:
كَأَنِّيَ إذْ أسْعى لأظْفَرَ طائِرًا مَعَ النِّجْمِ في جَوِّ السَّماءِ يُصَوِّبُ٢
يريد: لأظفر بطائر، فألقى الباء، ومثله: ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ ٣ يريد عن أمر ربكم"٤.
ووافقه الزجاج، وحكى الإجماع على ذلك قال: "لا اختلاف بين النحويين في أنَّ (على) محذوفة، ومن ذلك قولك ضُرِبَ زَيدٌ الظهرَ والبطنَ"٥.
الوجه الثاني: أنَّه منصوب على الظرفية المكانية: وإليه مال الفراء قال: "المعنى - والله أعلم- لأقعدنَّ لهم على طريقهم، أوفي طريقهم، وإلقاء الصفة من هذا جائز، كما قال قعدت لك وَجْهَ الأرض، وعلى وجه الأرض، لأن الطريق صفة في المعنى فاحتمل ما يحتمله اليوم والليلة والعام إذا قيل آتيك غدًا أو في غدٍ"٦.
_________________
(١) ١ الأعراف: ١٦. ٢ سبق تخريجه. ٣ الأعراف: ١٥٠. ٤ معاني القرآن: ٢٩٥. ٥ معاني القرآن وإعرابه: ٢/٣٢٤. ٦ معاني القرآن: ١/٣٧٥.
[ ٣٠٧ ]
القول الثالث: هو مفعول به للفعل: (لأقعدنَّ) لأنه قد ضمِّن معنى (لألزمنَّ) ذكره أبوحيّان، والسمينُ وغيرهم١.
واسْتضعفَ الرأيُ الأولُ، لأن حذف حرف الجر هنا ليس من مواضع القياس.
وضُعّف القول الثاني، لأن الصراط ظرف مكان مختص، وظروف المكان المختصة لايصل إليها الفعل إلابواسطة حرف الجر.
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَّالقَمَرَ نورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَموا عَدَدَ السِّنينَ وَالحِسابِ ما خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إلاَّ بِالحقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَّعْلَمونَ﴾ ٢.
الضمير في: ﴿قَدَّرَهُ﴾ قيل: إنه منصوب على نزع الخافض، و﴿مَنازِلَ﴾ مفعول به للفعل قدّر، والفعل (قدّر) حينئذٍ على بابه، والمعنى: والقمر قدّر له منازل، قال أبو جعفر النحاس:" ﴿وقَدَّرَهُ مَنازِلَ﴾: بمعنى: وقدّر له، مثل: وإذا كالوهم"٣، ووافقه أبو البقاء٤، والمنتجب ٥، وأبو حيّان٦ والسمين٧.
_________________
(١) ١ ينظر في توجيه الإعراب: إعراب القرآن للنحاس: ٢/١١٧، ومجمع البيان للطبرسي: ٤/١٧٧، والتبيان: ٥٥٩، الفريد: ٢/٢٧٧، والبحر: ٥/٢١، والدر: ٥/٢٦٦، والفتوحات الإلهية: ٢/١٢٦، وعناية القاضي لشهاب الدين الخفاجي: ٤/٢٥٨. ٢ يونس: ٥. ٣ إعراب القرآن:٢/٢٤٥. ٤ التبيان: ٦٦٦. ٥ الفريد: ٢/٥٣٤. ٦ البحر: ٦/١٤. ٧ الدر: ٦/١٥٣.
[ ٣٠٨ ]
ويصح أن يكون الضمير مفعولًا به، ومنازل حينئذٍ إما ظرف مكان أي: قدّر القمر في منازل، ويشكل أن العامل في الظرف ليس من مادته، أو مفعولٌ به ثانٍ بعد حذف مضافٍ وإحلال المضاف إليه محلّه، وذلك إذا ضمّن الفعل قدّر معنى صيّر، والمعنى صيّر القمر ذا منازل، أو حال من الضمير إذا فسّر قدّر بـ (خلق أو هيَّأ)، والمعنى خلق الله القمر متنقلًا١.
وقال تعالى: ﴿وَاسْتَبَقا البابَ وَقَدَّتْ قَميصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدى البابِ﴾ ٢ الفعل (استبق) بمعنى (تسابق) فهو لازم يتعدى بـ (إلى)، فـ (البابَ) في الآية الكريمة منصوب إمّا على نزع الخافض، وإما على تضمين (استبق) معنى (ابتدر)، ونزع الخافض هنا ليس قياسيًا، والتضمين في قياسيته كلام٣.
وقال تعالى: ﴿آتُوني زُبَرَ الحَديدِ﴾ ٤.
قرأ٥أبوبكر شعبةُ بنُ عيّاش٦ عن عاصم (ايتوني) بهمزة وصل ثم ياء منقلبة عن همزة هي فاء الكلمة من (أتى يأتي) من المجيء، والفعل: (أتى) يتعدَّى
_________________
(١) ١ ينظر المراجع السابقة. ٢ يوسف ٢٥. ٣ ينظر: معاني القرآن للزجاج ٣/١٠٣، والفريد٣/٤٨،والبحر: ٦/٢٥٩،والدر: ٦/٤٧٠. قال الزمخشري في الكشاف: ٢/٣١٢:" ﴿وَاسْتَبَقا البابَ﴾ وتسابقا إلى الباب على حذف الجار وإيصال الفعل كقوله: ﴿واخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ أو على تضمين استبقا معنى ابتدرا"ا؟. ٤ الكهف: ٩٦. ٥ ينظر: المبسوط: ٢٤٠، والتذكرة لابن غلبون: ٥١٧، والتيسير للداني: ١٤٦، والإقناع لابن الباذش: ٦٩٣، والنشر: ٢/٣١٥، والاتحاف: ٢/٢٢٦. قال ابن الجزري: "واختلفوا في ﴿ردمًا آتوني﴾ و﴿قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ﴾ فروى ابن حمدون عن يحيى، وروى العليمي كلاهما عن أبي بكر بكسر التنوين في الأول، وهمزة ساكنة بعده، وبعد اللام في الثاني من المجيء، والابتداء على هذه الرواية بكسر الهمزة، وإبدال الهمزة الساكنة ياءً، ووافقهما حمزة في الثاني" النشر: ٢/٣١٥. ٦ هو: أبو بكر بن عيّاش بن سالم الأسدي الكوفي مقرئ روي عن عاصم، وأخذ عنه الكسائي توفي عام ١٩٣؟. ينظر ترجمته في: معرفة القراء الكبار: ١/١٣٤ وبهامشه ثبت طويل لمصادر ترجمته لمن أراد ذلك.
[ ٣٠٩ ]
لواحد بنفسه فعلى هذه القراءة يكون الفعل قد استوفى معموله في ياء المتكلم، وكلمة (زُبَرَ) على هذه القراءة منصوبةٌ على نزع الخافض والتقدير: ايتوني بزبر الحديد.
وقرأ الباقون: (آتوني) من الإيتاء وهو الإعطاء، والفعل حينئذ يتعدى إلى مفعولين الأول ياء المتكلم، والثاني (زبر) وعليها فلا شاهد في الآية ١.
وقال تعالى: ﴿وَقالَ الّذينَ كَفَروا إنْ هَذا إلاَّ إفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرونَ فَقَدْ جاءوا ظُلْمًا وَّزُورا﴾ ٢.
الفعل: (جاء) سمع متعديًا بنفسه كقوله تعالى: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَّقينٍ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿وَجاءَ السَحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ ٤، وسمع لازمًا كقوله تعالى: ﴿جاءَ بِكُمْ مِنَ البَدْوِ﴾ ٥وكقوله تعالى: ﴿مَنِ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِهَا﴾ ٦،قال صاحب التاج: "ويرد في كلامهم لازمًا ومتعديًا"٧.
_________________
(١) ١ ينظر: التبيان: ٨٦١، والفريد: ٣/ ٣٧١، والبحر: ٧/٢٢٧، والدر: ٧/٥٤٧، والفتوحات الإلهية: ٣/٤٧. ٢ الفرقان: ٤. ٣ النمل: ٢٢. ٤ الأعراف: ١١٣. ٥ يوسف: ١٠٠. ٦ الأنعام ١٦٠. ٧ جيأ: ١/١٣٠.
[ ٣١٠ ]
فعلى كون الفعل متعديًا يصحّ في إعراب (ظلمًا) وجهان ١:
الأوّل: أنها مفعول به للفعل جاء.
والثاني أنها حال في تأويل مصدر باسم فاعل أي: ظالمين، أو على حذف مضاف أي ذوي ظلم، أو جعل المصدر حالًا على حدّ: (طلع زيد بغتة) وكقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتينَكَ سَعْيًا﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهارًا﴾ ٣.
وعلى كونه لازمًا فلها توجيهان أيضًا: الأول: أنها منصوبة على نزع الخافض، أي: جاءوا بظلم وزور، ومال إلى هذا الوجه جماعة من المفسرين٤.
والثاني: أنه حال من فاعل جاء بحسب التوجيه السابق.
وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَّجُلًا فيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمونَ﴾ ٥.
﴿مَثَلًا﴾: في الآية الكريمة مفعول لـ ﴿ضَرَبَ﴾، و﴿رَجلًا﴾ بدل منه، واختار هذا العكبري والمنتجب ٦.
_________________
(١) ١ ينظر في التوجيهات: معاني القرآن للزجاج: ٤/٥٨، وإعراب القرآن للنحاس: ٣/١٥٢، والتبيان:٩٨٠،والفريد:٣/٦٢٠،والبحر:٨/٨٢،الدر:٨/٤٥٥،والفتوحات الإلهية:٣/٢٤٤. ٢ البقرة: ٢٦٠. ٣ نوح: ٨. ٤ ينظر المراجع السابقة. ٥ الزمر: ٢٩. ٦ التبيان: ١١١١، والفريد:٤/١٩٠.
[ ٣١١ ]
وروى أبو حيّان والسمين: أنَّ الكسائي قال: "انتصب رجلًا على إسقاط الجار أي: لرجل، أو في رجل"١.
وقال تعالى: ﴿وَلا يَسْأَلُ حَميمٌ حَميمًا﴾ ٢.
الجمهور على قراءة الفعل (يَسأل) بالبناء للفاعل فـ (حميمًا) مفعول به أوّل لـ (يَسْأَلُ) أي يسأله عن حاله لما هو فيه من الشغل بنفسه، أو لا يسأله شفاعة، أو لا يسأله نُصْرَةً ومَنفعةً، أو لا يسأله أن يحمل عنه من أوزاره شيئًا، وقيل بل هو منصوب على نزع لخافض أي: لا يسأل حميمٌ عن حميمٍ.
وقرأ٣ ابن كثير٤ بروايةٍ عنه، وأبو جعفر٥، وأبو حيوة٦، وشيبة٧، والبزي٨ بالبناء للمفعول: (يُسْأَلُ) فـ (حميمًا) منصوب على نزع
_________________
(١) ١ البحر المحيط: ٩/١٩٧، والدر المصون: ٩/٤٢٤. ٢ المعارج: ١٠. ٣ ينظر: السبعة: ٦٥٠، والحجة لابن زنجلة: ٧٢٢، والمبسوط: ٣٨١، والتذكرة لابن غلبون: ٧٣٠، والنشر: ٢/٣٩٠ ٤ هو: عبد الله بن كثير الكناني تابعي جليل مقرئ مكة أحد السبعة توفي عام ١٢٠؟. تنظر ترجمته في معرفة القراء الكبار:١/٨٦. ٥ يزيد بن القعقاع المدني أحد العشرة، قرأ على كثير من الصحابة، توفي عام: ١٢٧؟. تنظر ترجمته في طبقات الذهبي: ١/٧٢. ٦ شريح بن يزيد الحضرمي الحمصي، له اختيار شاذ في القراءة. تنظر ترجمته في غاية النهاية: ١/٣٢٥. ٧ شيبة بن نصاح مقرئ المدينة وقاضيها كان متعاصرًا مع أبي جفعر توفي عام: ١٣٠؟. ترجمته في: غاية النهاية: ١/٣٢٩. ٨ أحمد بن محمد بن القاسم الأهوازي المخزومي المكي مؤذن المسجد الحرام، توفي عام ٢٥٠؟. ترجمته في معرفة القراء الكبار: ١/ ١٧٣.
[ ٣١٢ ]
الخافض أي: عن حميمٍ١، قال أبو علي الفارسي: "من ضمّ فقال: ﴿لا يُسْأَلُ حَميمٌ حَميمًا﴾ فالمعنى- والله أعلم -: لا يُسألُ حميمٌ عن حميمه ليُعرفَ شأنُه من جهته كما قد يُتعرّف خبرُ صديق من جهة صديقه، والقريب من قريبه، فإذا كان كذلك، فالكلام إذا بنيت الفعل للفاعل: سألتُ زيدًا عن حميمه، وإذا بنيت الفعل للمفعول قلت: سُئل زيدٌ عن حميمه، وقد يحذف الجار فيصل الفعل إلى الاسم الذي كان مجرورًا قبل حذف الجار فينتصب بأنه مفعول الاسم الذي أسند إليه الفعل المبني للمفعول به فعلى هذا انتصاب قوله حميم حميمًا"٢.
وقال تعالى: ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ وَالسَّلْوى﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ المَنَّ وَالسَّلوى﴾ ٤.
الفعل (ظَلَّلَ) المضعّف: يتعدى إلى واحد بنفسه وللثاني بالحرف ومثاله قول الشاعر:
قامَتْ تُظَلِّلُنِيْ مِنَ الشَّمْسِ نَفْسٌ أَعَزُّ عَلَيَّ مِنْ نَفْسي
قامَتْ تُظَلِّلُنِيْ وَمِنْ عَجَبٍ شَمْسٌ تُظَلِّلُنِيْ مِنَ الشَّمْسِ٥
_________________
(١) ١ التبيان: ١٢٣٩، والفريد: ٤/٥٢٧، والبحر: ١٠/٢٧٤والدر: ١٠/٤٥٣. ٢ الحجة ٦/ ٣٢٠. ٣ البقرة: ٥٧. ٤ الأعراف: ١٧٠. ٥ بيتان من الكامل نسبا لابن العميد، ولأبي إسحاق الصابي وكلاهما ممن لا يستشهد بشعره، وإنما أوردتهما للتمثيل فقط، والبيتان في أسرار البلاغة: ٣٠٣، ويتيمة الدهر: ٣/١٨٢، ومعجم الأدباء: ٢/٥٦، وشروح التلخيص: ٤/٦٣، ١٣٧، ومعاهد التنصيص: ٢/١١٣ (ضمن أربعة أبيات) .
[ ٣١٣ ]
ذهب جمهرة من المفسرين: إلى أنَّ الغمام في الآية إنما هو آلة الظل، ولا يجوز أن يكون مفعولًا به، لأنه لم يقع عليه فعل الفاعل، إلا بتأويل: جَعَلْنا الغمامَ عليكم طبقات، فالطبقة العليا تُظِلُّ التي أسفل منها، ولهذا حكموا عليه بأنه منزوع الخافض أي ظَلَّلَناكم بالغمام، أشار إلى ذلك أبو البقاء١، ومنع أن يكون الفعل متعديًا إلى الغمام بنفسه، لأنه لم يقع عليه فعل الفاعل، وقال أبوحيّان:"مفعول على إسقاط حرف الجر، أي بالغمام كما تقول ظلَّلْتُ على فلان بالرداء، أو مفعول به لا على إسقاط الحرف، ويكون المعنى جعلناه عليكم ظُلَلًا، فعلى هذا الوجه الثاني يكون (فَعَّل) فيه بجعل الشيء بمعنى ما صيغ منه كقولهم: عدَّلت زيدًا أي: جعلته عدلًا فكذلك هذا، معناه: جعلنا الغمام عليكم ظُلّة، وعلى الوجه الأول تكون (فَعَّل) فيه بمعنى أفعل، فيكون التضعيف أصله للتعدية ثم ضمِّن معنى فِعْلٍ يُعدَّى بـ (على) فكأن الأصل: وظلَّلناكم أي أظللناكم بالغمام"٢، ويرى السمين أنَّ الغمام مفعول به للفعل ظَلَّلَ على تضمين (ظلَّل) معنى (جَعَلَ) ٣، وحكى قول أبي البقاء السابق، وقال عنه: إنه تفسير معنى لا إعراب وعلَّل ذلك بقوله: "لأن حذف حرف الجر لا ينقاس"٤، وقال المنتجب: "أي: جعلنا الغمام يُظِلُّكُم"٥.
_________________
(١) ١ التبيان: ١/٦٥. ٢ البحر: ١/٣٤٥. ٣ وإليه مال الزمخشري ينظر الكشاف: ١/٢٨٢، ٢/ ١٢٤. ٤ الدر المصون: ١/٣٦٩. ٥ الفريد: ١/٢٩٤.
[ ٣١٤ ]
وعلى هذا نجد أن أبا البقاء، وأبا حيان يذهبان إلى أن الغمام منصوب على نزع الخافض، وأن المنتجب والسمين يذهبان إلى تضمين الفعل (ظلَّل) معنى الفعل (جعل)، والتضمين - وإن نودي بقياسيته - إلا أنه محكوم بأضيق نطاق، ونزع الخافض في الآية ليس من مواطن القياس فكلاهما على المشهور غير قياسي، ولعلَّ مما يرجح التضمين على القول بنزع الخافض أن الفعل (ظلَّل) عُدِّي إلى المفعول به بـ (على) مع أنه - في الأصل- متعدّ بنفسه، ولم يكن السياق ظلّلناكم بالغمام، لأن (جعل) يتعدى للثاني بـ (على) فلمّا ضمَّن ظلَّل معنى جعل عُدّي بالحرف الذي يتعدى به جعل.
[ ٣١٥ ]
المطلب الثاني: دراسة التعليق والجمل التي بعده:
التعليق هو: إبطال العمل لفظًا لا محلًاّ، لمجيء ما له صدر الكلام بعد الفعل المعلَّق١، والأصل اختصاصه بأفعال القلوب المتصرفة، وليس كلّ قلبيٍّ يُعلَّق، ألا ترى أن: أحبّ، وكره، وأبغض، وأراد أفعال قلبية ولا أعلم أحدًا قال بأنها عُلّقت، وذكر العلماء أفعالًا عُلِّقت وهي ليست قلبية: كنظر، وأبصر، وسأل، لتلطِّفهم في معانيها بما يتلاءم مع الأفعال القلبية.
ومن الأدوات المعلِّقة٢: لام الابتداء، ولام القسم، وأدوات النفي: (ما، ولا، وإنْ)، والاستفهام، وإنَّ المشدّدة المكسورة التي في خبرها اللام.
_________________
(١) ١ ينظر: شرح الجمل لابن عصفور:١/٣١٩، وشرح التسهيل لابن مالك: ٢/٨٨، وهمع الهوامع: ٢/ ٢٣٣. ٢ ينظر في أدوات التعليق على خلاف بين النحاة في بعضها زيادة ونقصانًا: شرح التسهيل لابن مالك: ٢/ ٨٨، وشرح الكافية للرضي: ٤/١٥٩، همع الهوامع: ٢/٢٣٣.
[ ٣١٥ ]
والجملة المعلَّقة في محل نصب على نزع الخافض إنْ كان الفعل الذي قبلها لازمًا، وفي موضع نصب إن كان يتعدَّى إلى واحد، وسادَّة مسدَّ المفعولين إن كان يتعدّى إلى مفعولين، قال ابن مالك: "والجملة بعد المعلِّق في موضع نصب بإسقاط حرف الجرّ إن تعدّى به، وفي موضع مفعوله إن تعدى إلى واحد، وسادة مسدّ مفعوليه إن تعدى إلى اثنين، وبدل من المتوسط بينه وبينها إن تعدّى إلى واحد، وفي موضع الثاني إن تعدّى إلى اثنين ووجد الأول"١.
وقال ابن عصفور: "وإذا عُلِّق الفعلُ فلا يخلو أن يكون من باب ما يتعدّى إلى واحد بحرف جرّ نحو: فكَّرت، أو من باب ما يتعدّى إلى واحد بنفسه نحو: عرفت، أو من باب ما يتعدّى إلى اثنين أصلهما المبتدأ والخبر نحو: علمت، فإن كان من باب ما يتعدّى إلى واحد بحرف الجر كانت الجملة في موضع نصب بعد إسقاط حرف الجرّ"٢وقال الرضي:"الجملة بعد الفعل المعلَّق في موضع النصب، وهي: إمّا في موضع مفعولٍ يُنصب بنزع الخافض، وذلك بعد كلّ فعل يقيد الشك"٣.
وألحقَ بعضُ العلماء بالأفعال القلبية في التعليق مع الاستفهام خاصة: "نظر سواء أكانت بصرية أم قلبية، وأبصر، وتفكَّر، وسأل، ونسي، ونبّأ، وأنبأ"، قال ابن مالك عن تعليق الأفعال القلبية: "ويشاركهنّ فيه مع الاستفهام: نظر، وأبصر، وتفكّر، وسأل، وما وافقهن، أو قاربهن، لا ما لم يقاربهن خلافًا ليونس،
_________________
(١) ١ تسهيل الفوائد: ٧٣. ٢ شرح الجمل: ١/٣٢٠. ٣ شرح الكافية: ٤/١٦٦.
[ ٣١٦ ]
وقد تعلَّق نَسِيَ"١، وقال: "وعُلِّقَ أيضًا مع الاستفهام نظر بالعين، أو بالقلب، وأبصر، وتفكَّر، وسأل. وأشرت بما وافقهن إلى نحو: أما ترى أيُّ برق هاهنا؟ ٢ بمعنى: أما تبصر حكاه سيبويه٣، وإلى نحو: ﴿وَيَسْتَنْبِئونَكَ أَحَقٌّ هُوَ﴾ ٤، وأشرت بما قاربهن إلى نحو: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ٥ وعُلِّق نسي، لأنه ضد علم، والضد قد يحمل على الضد"٦.
_________________
(١) ١ تسهيل الفوائد: ٧٢. ٢ "أما ترى أيُّ برق هاهنا" هذا الكلام متسق مع أوزان البسيط، ولعله بعض بيت، وهو بهذه الصورة منثور أيضًا في الكتاب: ١/٢٣٦، ونكت الأعلم:١/٣٢٧. ٣ الكتاب: ١/٢٣٦، قال أبو عثمان المازني: " قوله أما ترى أيُّ برق هاهنا يريد به رؤية العين، لأنه أراد أن يقول: انظر إليه ببصرك، وجاز هذا في هذا خاصة، لأنها محكية، ولا يقاس عليها " نكت الأعلم: ١/٣٢٧. ٤ يونس: ٥٣. ٥ الكهف: ٧. ٦ شرح التسهيل ٢/٨٩، وينظر الارتشاف: ٢١١٧، والهمع: ٢/٢٣٥.
[ ٣١٧ ]
المطلب الثالث: نزع الخافض من الجمل المعلّقة في القرآن:
قال تعالى: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٧.
الفعل (نظر) لازم، يتعدّى بـ (إلى)، وقد عُلِّق٨ عن العمل في الجملتين بـ (كيف) و(أنَّى)، وجملتا (كيف نبيّن لهم الآيات) و(أنَّى يؤفكون) في محل نصب على نزع الخافض ٩ ونظر هنا قلبية.
_________________
(١) ٧ المائدة: ٧٥. ٨ قال أبو حيّان:" لا أعلم أحدًا ذكر أن استمع تعلّق، وإنما ذكروا من غير أفعال القلوب (سل) و(انظر) وفي تعليق (رأى) البصرية خلاف" البحر المحيط: ٦/١٢٥. ٩ ينظر الدر: ٤/٣٧٨.
[ ٣١٧ ]
وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّروا ما بِصاحِبِهِمْ مِّنْ جِنَّةٍ إنْ هُوَ إلاَّ نّذيرٌ مُّبينٌ﴾ ١.
قال أبو حيّان: "الظاهر أن: ﴿يَتَفَكَّروا﴾ مُعلّق عن الجملة المنفية، وهي في موضع نصب بـ (يتفكروا) بعد إسقاط حرف الجر، لأن التفكُّر من إعمال القلوب، فيجوز تعليقه"٢.
وقال تعالى: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضيلًا﴾ ٣.
جملة: ﴿كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ جعلها أبو حيّان منصوبة على نزع الخافض، فقال عنها: "في موضع نصب بعد حذف حرف الجرّ، لأن نظر يتعدَّى به، فانظر هنا معلَّقة، ولمّا كان النظر مفضيًا وسببًا إلى العلم جاز أن يعلَّق"٤ونظر هنا يصح أن تكون قلبية وبصرية.
وقال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرْ أيُّها أَزْكىطَعامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ﴾ ٥.
(أيُّها):يصح أن تكون استفهامًا فهي مبتدأ، خبره (أزكى)، والجملة في محل نصب على نزع الخافض لـ (ينظر)، لأن الفعل (نظر) لازم يتعدى بـ
_________________
(١) ١ الأعراف: ١٨٤. ٢ البحر المحيط: ٥/٢٣٤. ٣ الإسراء: ٢١. ٤ البحر المحيط: ٧/٢٩ ٠ ٥ الكهف: ١٩.
[ ٣١٨ ]
(إلى)، ويصح أن تكون موصولًا، فهي مفعول لـ (ينظر) على نزع الخافض أيضًا، و(أزكى) خبرُ مبتدأ محذوفٍ تقديره: هو أزكى ١، و(نظر) هنا بصرية.
وقال تعالى: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبينَ﴾ ٢.
قال أبو حيّان: جملة ﴿أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبينَ﴾ عُلِّق عنها: (سننظر)، وهي في محل نصب على نزع الخافض٣، و(نظر) هنا يصِحّ أن تكون قلبية وبصرية.
وقال تعالى: ﴿فَانْظُرِيْ ماذا تَأْمُرينَ﴾ ٤.
جملة ﴿ماذا تَأْمُرينَ﴾ في موضع نصب على نزع الخافض، والفعل مُعلَّق عنها بسبب الاستفهام ٥ ونظر هنا قلبيه.
وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّروا في أَنْفُسِهِمْ مَّا خَلَقَ اللهُ السَّمواتِ والأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إلاَّ بالحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمَّى﴾ ٦.
(ما): نافية، والجملة بعدها يصح أن تكون استئنافية، فلا محل لها من الإعراب.
_________________
(١) ١ ينظر البحر المحيط: ٧/١٥٦. ٢ النمل:٢٧. ٣ البحر المحيط: ٨/٢٣٢. ٤ النمل:٣٣. ٥ ينظر البحر المحيط: ٨/٢٣٦. ٦ الروم: ٨.
[ ٣١٩ ]
ويصحّ أن تكون منصوبة على نزع الخافض.
وأُجيز - على ضعف- أن تكون (ما) استفهامية بمعنى النفي، والجملة بعدها فيها الوجهان السابقان١.
وقال تعالى: ﴿قُلْ إنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أنْ تَقوموا لله مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّروا ما بِصاحِبِكُمْ مِّنْ جِنَّةٍ﴾ ٢
الفعل: (تتفكّر) لازم يتعدّى بالحرف، والجملة المنفية ﴿ما بصاحبكم من جنة﴾ أجيز أن تكون استئنافية فلا محل لها من الإعراب.
وأجيز أن تكون في محل نصب على نزع الخافض وهو مَحَطُّ التفكر، أي: ثم تتفكروا في انتفاء الجنة عن محمد صلى الله عليه وسلم٣.
وقال تعالى: ﴿عَلى الأَرائِكِ يَنْظُرونَ هَلْ ثُوِّبَ الكُفَّارُ ما كانوا يَفْعَلونَ﴾ ٤.
قال السمين:" ﴿هَلْ ثُوِّبَ﴾ يجوز أن تكون الجملة الاستفهامية مُعَلِّقة للنظر قبلها فتكون في محل نصب بعد إسقاط الخافض، ويجوز أن تكون على إضمار القول أي: يقولون: هل ثُوِّبَ الكفار"٥
_________________
(١) ١ ينظر الدر المصون: ٩/٣٣. ٢ سبأ: ٤٦. ٣ ينظر البحر المحيط: ٨/٥٦١. ٤ المطففين: ٣٥/٣٦. ٥ الدر المصون: ١٠/٧٢٧.
[ ٣٢٠ ]
وقال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ١.
الاستفهام مُعلِّق للفعل عن العمل، وجملة (مم خلق) في محل نصب بالفعل (فلينظر) على نزع الخافض، ونظر هنا قلبية٢.
_________________
(١) ١ الطارق: ٥. ٢ ينظر البحر المحيط: ١٠/ ٤٥١.
[ ٣٢١ ]
المطلب الرابع: المفعول الثاني منصوب على نزع الخافض والفعل معلّق عنه:
قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ٣.
﴿أيُّكم أحسنُ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محل نصب مفعول ثانٍ بعد إسقاط الخافض، والاستفهام مُعلِّق للفعل٤، قال الزمخشري:"فإن قلت: كيف جاز تعليق فعل البلوى؟ قلتُ: لِمَا في الاختيار من معنى العلم، لأنه طريق إليه فهو ملابس له كما تقول: انظر أيهم أحسن وجهًا، واسمع أيهم أحسن صوتًا، لأن النظر والاستماع من طُرُق العلم"٥
وقال تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ البَناتُ وَلَهُمُ البَنونَ﴾ ٦.
أجاز الدماميني أن يكون الفعل (استفتى) مُعلَّقًا عن العمل بالاستفهام، وجملة: (ألربك البنات) في موضع نصب على نزع الخافض قال:"الظاهر أن هذه
_________________
(١) ٣ هود ٧. ٤ ينظر الدر المصون: ٦/٢٩٠. ٥ الكشاف: ٢/٢٥٩. ٦ الصافات: ١٤٩.
[ ٣٢١ ]
الجملة المقترنة بالهمزة في محل مفعول مقيّد بالجار على ما قرروه، والفعل مُعلّق، لأن الاستفتاء طريق العلم كالسؤال فجاز تعليقه كما علّق فِعْلُ السُّؤال نحو ﴿سَلْهُم ْأَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعيمٌ﴾ " ١.
وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُناديهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالوا آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهيدٍ﴾ ٢.
الفعل: (آذن) يتعدَّى لواحد بنفسه وللثاني بالباء يقال آذنته بالسفر بمعنىأعلمته به قال الشاعر:
آذَنَتْنا بِبَيْنِها أَسْماءُ رُبَّ ثاوٍ يُمَلُّ مِنْهُ الثَّواءُ٣
وقد أجاز أبو حيّان وجماعة تعليق الفعل (آذن) في الآية الكريمة، لأنه بمعنى أعلم، وأعلم يعلّق فما كان بمعناه يأخذ حكمه قال في تفسير الآية الكريمة: "وآذنّاك معلّق، لأنه بمعنى الإعلام، والجملة من قوله: ﴿مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ في موضع المفعول، وفي تعليق باب أعلم خلافٌ، والصحيح أنه مسموع من كلام العرب"٤، وقال السمين: " ﴿مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ هذه الجملة المنفية معلِّقة لـ (آذناك)،لأنها بمعنى أعلمناك، وتقدّم لنا خلاف في تعليق أعلم، والصحيح وقوعه سماعًا من العرب"٥.
_________________
(١) ١ تحفة الغريب: ١/٣٣. ٢ فصلت: ٤٧. ٣ بيت من الخفيف هو مطلع معلقة الحارث بن حلِّزة البكري، وهو في ديوانه: ١٩. ٤ البحر المحيط: ٩/٣١٥. ٥ الدر المصون: ٩/٥٣٤.
[ ٣٢٢ ]
وقال تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعيمٌ﴾ ١.
أجاز أبو حيان والسمين٢ أن تكون جملة (أيُّهم بذلك زعيمٌ) في محل نصب على نزع الخافض مفعول ثانٍ لـ (سأل)، لأن (سأل) إذا كان بمعنى استفهم تعدَّى للثاني بـ (عن)، أو بـ (الباء) قال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿ويَسْأَلونَكَ عَنِ ذي القَرْنَيْنِ﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ ٦.
وقال علقمة الفحل:
فَإنْ تَسْأَلونِي بالنِّساءِ فَإنَّني بَصيرٌ بِأَدْواءِ النِّساءِ طَبيبُ٧
وإن كان (سأل) بمعنى (طلب) نصب الثاني بنفسه نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إنْ هُوَ إلاَّ ذِكْرٌ لِلعالَمِينَ﴾ ٨ وقوله تعالى: ﴿لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ
_________________
(١) ١ القلم: ٤٠. ٢ ينظرالبحر المحيط: ١٠/٢٤٦، الدر المصون: ١٠/٤١٥. ٣ البقرة: ١٨٩. ٤ الأعراف: ١٨٧. ٥ الكهف: ٨٣. ٦ المعارج: ١. ٧ بيت من الطويل وهو في ديوانه ٣٥. ٨ الأنعام: ٩٠.
[ ٣٢٣ ]
وَالعاقِبَةُ للتَّقْوى﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَإذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعًا﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إلاَّ المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ ٣.
وقال الشاعر:
فَلَوْ أَنْكِ في يَوْمِ الرَّخاءِ سَأَلْتِنِي طَلاقَكَ لَمْ أَبْخَلْ وَأَنْتِ صَدِيقُ٤
قال الدماميني:"ألا ترى أن سأل التى يراد بها طلب العلم لا المال إنما يتعدى إلى الثاني بالجار"٥.
فـ (أيهم) في قوله تعالى: ﴿سَلهُم أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعيمٌ﴾ معلّق لـ (سلهم)، لكونه سببًا في العلم.
ويشكل قول الفيروز أبادي:"سأله كذا وعن كذا وبكذا بمعنى"٦، إذ جعل (سأل كذا) وهو متعدٍّ للثاني بدون واسطة، بمعنى (سأله عن كذا وبكذا) وهو متعدٍّ للثاني بالحرف، ويمكن توجيه كلامه بأن سأل تفيد الطلب حيثما كانت فالأولى تفيد طلب المال ونحوه، والثانية تفيد طلب العلم ونحوه، وهذا معنى كلام الدماميني السابق (طلبُ العلمِ لا المالِ) إذ الجميع طلب.
_________________
(١) ١ طه: ١٣٢. ٢ الأحزاب: ٥٣. ٣ الشورى: ٢٣. ٤ بيت من الطويل غير معزو، والنحاة يستشهدون به في تخفيف (أن) وإبراز اسمها، وهو في مغني اللبيب: ٤٧، والأشموني: ١/١٤٦، وهمع الهوامع: ٢/١٨٧. ٥ تعليق الفرائد: ٤/١٨٦. ٦ القاموس المحيط: (سأل) ٣/٣٢٩.
[ ٣٢٤ ]
وقال تعالى: ﴿وَما أَدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ ١.
وتكرر هذا الأسلوب في ثلاث عشرة آية٢.
ذهب ٣ جماعة من المفسرين للقرآن والمعربين له إلى أن الفعل (أدرى) في الآية الكريمة السابقة نصب (الضمير) مفعولًا أوَّلًا بنفسه، وعُلِّق عن العمل في الجملة التي بعده بالاستفهام، وهي عندهم في محلِّ نصب على نزع الخافض، بناءً على أن الأشهر في الفعل (درى) أن يصل إلى المفعول به بواسطة حرف الجر، فإذا صحبته همزة النقل - كما هو الحال في الآية الكريمة السابقة - نصب الأول بنفسه، والثاني بالباء، قال أبو حيّان:" (ما): مبتدأ، والحاقة: خبر، والجملة في موضع نصب بـ (أدراك)، و(أدراك) معلَّقة، وأصل (دَرى) أن يتعدَّى بالباء، وقد تُحْذف على قلة، فإذا دخلت همزة النقل تعدَّى إلى واحد بنفسه، وإلى الآخر بحرف الجر، فقوله: ﴿ما الحاقَّةُ﴾ بعد أدراك في موضع نصب بعد إسقاط حرف الجر"٤ا؟.
_________________
(١) ١ الحاقة: ٣. ٢ وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾ . ٣ منهم الشوكاني في فتح القدير: ٥/٢٧٧، وصاحب الفتوحات الإلهية: ٤/٣٩٣. ٤ البحر المحيط:١٠/٢٥٤، وينظر١٠/٥٣٢.
[ ٣٢٥ ]
وقال السمين: "قوله: ﴿ما الحاقَّةُ﴾: في موضع نصب على إسقاط الخافض، لأن (أدرى) بالهمزة يتعدَّى لاثنين، الأول بنفسه، والثاني بالباء قال تعالى: ﴿ولا أَدْراكُمْ بِهِ﴾ ١، فلمَّا وقعت جملة الاستفهام معلِّقة لها كانت في موضع المفعول الثاني، ودون الهمزة تتعدَّى لواحد بالباء نحو: دَرَيْتُ بكذا، ويكون بمعنى (علم) فيتعدّى لاثنين"٢.
وذهبت طائفة أخرى٣ إلى أن الفعل (أدرى) نصب الجملة المعلقة بنفسه قال مكي: " ﴿وَما أَدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾: ما مبتدأ، وما الثانية مبتدأ ثانٍ، والحاقة خبره، والجملة في موضع نصب بأدراك، وأدراك وما اتصل به خبر عن ما الأولى"٤ وقال المنتجب: "ما الثانية مبتدأ ثانٍ والحاقة خبره، وأدرى تعدَّى إلى مفعولين فالكاف مفعول أول، والجملة مفعول ثانٍ"٥.
هذا آخر ما منَّ الله بجمعه وأسأل الله أن يعلمنا ما جهلنا، وينفعنا بماعلمنا، ويزيدنا علمًا، ويلهمنا رشدنا، وييسرلنا من أمرنا رشدًا بمنه وكرمه، وآخر دعوانا إن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.
_________________
(١) ١ يونس:١٦. ٢ الدر المصون: ١٠/٤٢٣، وينظر: ١١/٩٣. ٣ منهم ابن عطية في المحرر الوجيز: ١٦/٩٣، وابن الأنباري في: البيان في غريب إعراب القرآن: ٢/٤٥٦، وأبو السعود في إرشاد العقل السليم: ٥/ ٣٨١. ٤ إعراب مشكل القرآن: ٧٥٣. ٥ الفريد: ٤/٥١٦، وينظر ٤/٧١٩.
[ ٣٢٦ ]