تعدي الفعل ولزومه
تمهيد
من أراد أن يقرأ بحثًا في نزع الخافض فلا بدَّ له بادئ ذي بدء أن يقف على معنى التعدي واللزوم ويلمَّ بأحكامهما، ويعرف علاماتهما، ومعنى تعلقهما بالفعل أو ما فيه رائحة الفعل، ليدرك بنفسه الأفعال المتعدية أصالة، والأفعال التي تعدت بسبب نزع الخافض منها، وذلك لتكون أحكامه بعدئذٍ دقيقة موافقة للقواعد التي وضعها علماء العربية في هذا الشأن، ولهذا رأيت أن أتحدث عن هذه المعاني تمهيدًا للبحث، فجاءت في ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تعدّي الفعل ولزومه
للفعل في العربية تقسيمات كثيرة: من حيث الصحة والاعتلال، ومن حيث التمام والنقصان، ومن حيث التجرد والزيادة، ومن حيث التعدي واللزوم ومن حيث الزمن الماضي والحاضر والمستقبل، ومن حيث الأبنية، وغير ذلك مما هو مبسوط في علم التصريف١.
ويخصنا هنا تقسيمه من حيث التعدي واللزوم فنقول: الفعل ضربان: متعدٍّ، ولازم.
_________________
(١) ١ للوقوف على هذه التقسيمات تنظر المراجع التالية: شرح لامية الأفعال لابن الناظم، وبغية الآمال للبلي، وشرح تصريف العزي لسعد الدين التفتازاني، وفتح الأقفال لبحرق اليمني، ودروس التصريف لمحمد محيي الدين عبد الحميد، والمغني في تصريف الأفعال لمحمد عبد الخالق عضيمة، وتصريف الأفعال لعبد الحميد عنتر ٠ فهذه مصنفات أفردت في تصريف الأفعال وتصريف الفعل مبثوث في كتب النحو والصرف.
[ ٢٦٦ ]
فالمتعدّي: هو المتجاوز يقال عدا فلان طورَه أي: جاوزه، وعند النحاة هو: تجاوز الفعلِ الفاعلَ إلى مفعول به أو أكثر.
وهو يصل إلى المفعول به بدون واسطة حرف جرّ، ويسمّى متعديًا بنفسه، وواقعًا، ومتجاوزًا، وإنما سمّي بهذه الأسماء، لأنه تعدّى الفاعلَ إلى المفعول به، وتجاوزه إليه، ووقع عليه فعل الفاعل.
ولازم: وهو الذي لا يصل إلى المفعول به إلا بواسطة حرف جرّ ويسمّي أيضًا قاصرًا، أومتعديًا بحرف جرِّ، وسمّي بهذه الأسماء للزومه فاعلَه فلم يتعدَّه إلى سواه، ولم يتجاوزه إلى غيره، واللازم ينصب ما سوى المفعول به من المفاعيل وأشباهها نحو: جلست آمنًا جلوسًا أمامَ المسجد يومَ الخميس وزيدًا.
وفي العربية أفعال كثيرة استعملت متعدية ولازمة منها: غاض الماءُ، وغضته، وفَغَرَ الرجلُ فاه، وفَغَرَ فوه، وكسفتِ الشمسُ، وكسف اللهُ الشمسَ، ودَلَعَ لسانُه، ودَلَعَ الرجلُ لسانَه، وهي كثيرة١ جاء منها في القرآن قوله تعالى: ﴿ما يَأْتيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رّبِّهم مُّحْدَثٍ إلاَّ اسْتَمَعوهُ وَهُمْ يَلْعَبونَ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿وَإذا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعوا لَهُ وَأَنْصِتوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ ينظر: أدب الكاتب لابن قتيبة: ٤٥٤، والمزهر للسيوطي: ٢/٢٣٦ ٠ ٢ الأنبياء: ٢ ٠ ٣ الأعراف: ٢٠٤ ٠
[ ٢٦٧ ]
المسألة الثانية: علامات تعدّي الفعل ولزومه.
وضع النحاة علامات يُستدلُّ بها على معرفة اللازم من المتعدّي، وهي: صحة اتصال ضمير المفعول به بالفعل، ومجيء اسم مفعول تامٍّ منه، نحو القطار ركبته وهو مركوب، واللازم لا يجيء منه ذلك إلا بواسطة حرف الجرّ نحو الكرسي جلست عليه وهو مجلوس عليه.
وجعلوا للازم علامات يُستدلّ عليه بها، من هذه العلامات: كونه من أفعال السجايا، أو العوارض، أو يدلّ على نظافة، أو ضدها، ومطاوع المتعدي لواحد، وذكر ابن عصفور أنَّ من علامات اللازم ألاَّ يصحَّ السؤال عنه بأيِّ شيء وقع، نحو: (قام) و(جلس)، إذ لا يقال: بأيِّ شيء وقع قيام زيد؟، ولا بأيِّ شيء وقع جلوس بكر؟ ١، وغير ذلك مما هو مبسوط في كتب النحو٢ قال ابن مالك في علامة المتعدّي:
علامة الفعل المعدّى أن تصل ها غير مصدر به نحو عمل
وزاد في شرح التسهيل: "أن يصاغ منه اسم مفعول تام باطراد"٣.
واعترض عليه الشاطبيّ٤ والدماميني٥ باعتراضات منها:
أوّلًا: أن من الأفعال العربية ما يتعدّى بنفسه تارة، وبحرف الجرّ تارة أخرى، نحو شكرته وشكرت له، ونصحته ونصحت له، ومثل هذه الأفعال
_________________
(١) ١ ينظر: شرح الجمل: ١/٢٩٩. ٢ ينظر في ذلك باب التعدي واللزوم في شروح ألفية ابن مالك. ٣ شرح التسهيل: ٢/١٤٩. ٤ المقاصد الشافية: ١/ ١٢٦. ٥ تعليق الفرائد: ٥/٩.
[ ٢٦٨ ]
تكون داخلة تحت قاعدته وخارجة عنها في آنٍ واحد بحسب الاستعمال، ومثل هذه الأفعال تكون مشكلة، والقواعد يستلزم فيها أن تكون حاصرة.
وأجيب عن هذا الاعتراض بأن باب شكرت له وشكرته موقوف علىالسماع، والحديث عمَّا ينقاس.
ثانيًا: أن العرب تتوسع في المتصرف من ظروف الزمان والمكان، فتلحق الفعل ضميرًا يعود على أحدهما، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ َ﴾ ١، وكذلك يقال: يوم الجمعة سرته، ومكانكم قمته، وكلّ هذا على إجراء الظرف مجرى المفعول به مجازًا، ولا يقال: إن الضمير هنا ضمير مفعول به، ولكن يصح أن يقال: إن هذه الضمائر ليست ضمائر مصدر.
وأجيب عن هذا الاعتراض: بأن التوسع في الظروف مجاز على خلاف الأصل، والأصل ألاّ يصل الفعل إلى ضمير الظرف إلا بواسطة حرف الجر، والضوابط تكون بحسب الأصل، لا بحسب التوسع المجازي.
ثالثًا: أن الأفعال المتعدية في العربية ثلاثة أقسام: قسم يتعدى بنفسه، وقسم يتعدى بواسطة حرف الجرّ وهوما يطلب المجرور على جهة اللزوم كممرت به ورغبت فيه وعجبت منه، وقسم يتعدى مرة بنفسه ومرة بحرف الجرّ كما سبق في شكرته، وشكرت له.
والضابط الذي ذكره ابن مالك قد أخرج من أقسام المتعدى القسم الثاني، وهو ما يطلب المجرور على جهة اللزوم، وساوى بينه وبين ما لايطلب
_________________
(١) ١ البقرة: ١٨٥.
[ ٢٦٩ ]
المجرور على جهة اللزوم، كقام وقعد، فطلب هذه للمجرور- إن وُجد - لا يسمّى تعديًا وإنما يسمّى تعلُّقًا.
وأجيب بأن من سمّى المجرور متعدَّى إليه فهذا اصطلاح خاص به ولا مشاحة في الاصطلاح.
رابعًا: أن هذا الضابط دوريٌّ، إذ تتوقف فيه معرفة اسم المفعول التام على معرفة الفعل المتعدّي، وبالعكس، وكذلك تتوقف معرفة المتعدي على صحة اتصال ضمير المفعول به بالفعل، ويتوقف تمييز ضمير المفعول به عن غيره من الضمائر، على معرفة كون الفعل متعديًا، فجاء الدور٠
وأجيب عن هذا الاعتراض بأن المقصود التمييز وليس الحدُّ.
خامسًا: أن العرب تنصب الاسم على نزع الخافض، كـ (تمرون الديار) والمنزوع الخافض مفعول به، والفعل في مثل هذا لايصح أن يتصل به ضمير المفعول به.
وأجيب بأن منزوع الخافض بابه ضرورة الشعر، أو الشذوذ، ولاتحمل القواعد على الضرائر والشذوذ.
[ ٢٧٠ ]
تعليق الجار والمجرور
المسألة الثالثة: تعلق الجار والمجرور:
معنى التعلق: هو الارتباط المعنوي بين الحدث وشبه، الجملة بحيث لا يكتمل معنى أحدهما إلا بالآخر، ولا يتعلّق من حروف الجر إلا ما كان أصليًا فقط، وتكتفي أشباه الجمل في التعلّق بما فيه رائحة الفعل، وفي تعلّق الظرف والمجرور بالناقص، والجامد، وأحرف المعاني خلاف١
_________________
(١) ١ ينظر في (تعلق شبه الجملة): مغني اللبيب الباب الثالث، والأشباه والنظائر: ٢/٢٢٤.
[ ٢٧٠ ]
فإذا وصل اللازم إلى المفعول به بواسطة حرف الجر تعلّق به الجار والمجرور.
ويفرّق الشاطبي بين التعلّق، والتعدّي بالحرف فيقول: "إن التعدّي يطلق حيث يكون الفعل طالبًا لحرف الجر على اللزوم كمررت بزيدٍ وعجبت من فعله ورغبت في الخير، فإن مثل هذه الأفعال في طلبها للمجرور كالمتعدّي بالنسبة إلى المفعول، والتعلّق حيث يكون لا يطلبه على اللزوم بل بالنسبة إلى القصد في الكلام كذهبت معك وقعدت في منزلك وانطلقت إليك، فإن هذه الأفعال إنما تطلبه بحسب ما طلبته مقاصد الكلام، فتقول مرّة: انطلقت من عندك، وتارة: انطلقت معك، وتارة انطلقت إليك، وتارة: انطلقت بسببك، ولأجلك، ومن جرَّائك، وتقول مرّة: انطلقت لاغير فلا تُعَدِّيه، ولا يطلب شيئًا، وفرق بين فعل يطلب الحرف الجار من جهة وضعه، وفعل يطلبه من حيث هو مقصود في الكلام"١.
_________________
(١) ١ المقاصد الشافية:١/١٤١.
[ ٢٧١ ]