الفصل الأول: المُصَنِّف
المبحث الأول: اسمه ونسبه ومولده ووفاته:
مصنف كتاب المنهل المأهول هو: خير الدين أبو الخير محمد بن أبي السعود ابن ظهيره١.
واسمه - كما أورده السخاوي-: محمد بن محمد بن محمد بن محمد خير الدين أبو الخير بن الجمال أبي السعود بن أبي البركات بن أبي السعود القرشي الشافعي ابن ظهيرة٢.
واسم جَدِّة الثّاني (والد جَدِّه) كما أورده الفاسي٣ والنجم ابن فهد٤: أبو السعود محمد بن حسين بن علي بن أحمد بن عطية بن ظهيرة (ت٨٠٢هـ) .
وبالجمع بين الاسمين يكون اسم مؤلف هذه الرسالة بالكامل بعد تجريد آبائه من الكنى والألقاب: محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن حسين بن علي بن أحمد ابن عطية بن ظهيرة المخزوميّ القرشيّ المكّيّ.
ولقبه: خير الدين، وهذا هو المشهور قال السخاوي: "أو قطب
_________________
(١) ١ ترجمته في: الضوء اللامع ٩/٢٧٩ - ٢٨٠، وينظر: غاية المرام ٢/٥٢٥، ٦١٠، وإتحاف الفاضل ٧. ٢ ينظر: الضوء اللامع ٩/٢٧٩. ٣ ينظر: العقد الثمين ٢/٦. ٤ ينظر: إتحاف الورى ٣/٤٢١.
[ ٣٩٣ ]
الدين"١ وكنيته: أبو الخير، واشتهر بابن أبي السعود.
وحَدَّد السخاوي تاريخ مولده ومكانه بقوله: "ولد حين خسوف القمر من ليلة الثلاثاء رابع عشر شعبان سنة ستٍّ وأربعين وثمانمائة بمكة"٢.
وينحدر خير الدين ابن ظهيرة من أسرة علم عريقة وفيرة، اشتهر كثير من أفرادها في مكة المكرمة بالشرف والرياسة والعلم، في أجيال متتابعة، طيلة ستة قرون، منذ القرن السابع الهجري، حتى القرن الثاني عشر٣، وَلِيَتْ خلالها قضاء مكة منذ القرن الثامن الهجري، وقد اضطهدهم المماليك في آخر أيامهم، ثم عاد إليهم القضاء مع دخول العثمانيين الحجاز، ثم ضعف شأنهم في القرن الحادي عشر٤، وقد عُرِفت هذه الأسرة بـ «آل ظهيرة» أو «أبناء ظهيرة» وينتهي نسبهم إلى بني مخزوم من قبيلة قريش.
ولما كثر أبناء هذه الأسرة، وبرزوا في العلم والقضاء، واشتهروا ألف فيهم النجم عمر بن فهد القرشي (ت ٨٨٥هـ) كتابًا سماه «المشارق المنيرة في ذكر بني ظهيرة» ذكره الشوكاني٥،والبغدادي٦، ولعلّه هو الكتاب الذي
_________________
(١) ١ ينظر: الضوء اللامع ٩/٢٧٩. ٢ ينظر: الضوء اللامع ٩/٢٧٩، ٢٨٠. ٣ كان من آخر علمائهم المشهورين: محمد بن يحيى بن ظهيرة المتوفى سنة (١٢٧١هـ) ينظر: المختصر من كتاب نشر النور الزهر ٢/٤٠٧. ٤ ينظر: موائد الفضل والكرم: ورقة ١١١، والعلاقات الحجازية المصرية ١٤١. ٥ ينظر: البدر الطالع ١/٥١٣. ٦ ينظر: إيضاح المكنون ٢/٤٨٥.
[ ٣٩٤ ]
ذكره عبد الله مرداد في «المختصر» في ترجمة محمد بن يحيى بن ظهيرة بقوله: "وأخبرني من أثق به - أيضًا - بأنه اطلع على رسالة البدور المنيرة في ذكر بني ظهيرة" ١.
وهذا يدلّ على أن الكتاب كان موجودًا في القرن الماضي (الرابع عشر) وقد بحثت عنه في بعض الخزائن المكّيّة وسألت أهل الاختصاص فلم أجد له أثرًا. ولم يقف عليه صاحب «التاريخ والمؤرخون بمكة» ٢.
ومن أبرز العلماء والقضاة في هذه الأسرة المكية الشهيرة:
١- محمد بن أحمد بن عمر بن أحمد بن أبي شاكر بن ظهيرة (مجد الدين) (ت ٦٧٧هـ) .
٢- محمد بن حسين بن علي بن أحمد بن عطية بن ظهيرة (جمال الدين أبو السعود) (ت٨٠٢هـ) وهو الجد الثاني للمؤلف (أبو جَدِّه) كما تقدم.
٣- محمد بن عبد الله بن ظهيرة (جمال الدين أبو حامد) (ت ٨١٧هـ) .
٤- محمد بن محمد بن محمد بن حسين بن ظهيرة (نجم الدين أبو المعالي) (ت ٨٤٦هـ) .
٥- محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن ظيهرة (جلال الدين أبو السعادات) (ت ٨٦١هـ) .
٦- محمد بن إبراهيم بن علي بن ظهيرة (جمال الدين أبو السعود) (ت ٩٠٧هـ) .
_________________
(١) ١ المختصر من كتاب نشر النور والزهر ٢/٤٠٨. ٢ ص ١٥٤.
[ ٣٩٥ ]
٧- علي بن جار الله بن محمد بن أبي اليمن بن أبي بكر بن أبي البركات محمد بن أبي السعود بن ظهيرة (ت ١٠١٠هـ) .
وولد ابن ظهيرة مؤلف هذا الكتاب بمكة - كما أشرت سابقًا - وبها نشأ، وحفظ القرآن، وصلّى به في المسجد الحرام، وحفظ الأربعين النوويّة١، ولازم خاله في العربية، والجوجري في الفقه بمكة وبالقاهرة، وأذن له بالإقراء وغيره، وحلّق لإقراء العربية وغيرها٢، وتدرج حتى تولى القضاء - كما يفهم من عبارة ابن عَلان٣ الصّدّيقيّ٤.
وأثنى السّخاويّ على رجاحة عقله ووصفه بقوله: "وهو منجمع مذكور بسكون وعقل مع حسن خط وخبرة بالشروط وبالجملة فهو فاضل ساكن"٥.
ولم تذكر المصادر التي بين أيدينا تاريخ وفاة ابن ظهيرة، ولكن يفهم من كلام السخاويّ المتوفّى سنة (٩٠٢هـ) أن ابن ظهيرة كان معاصرًا له، وكان حيًا في مطلع القرن العاشر، أمّا العزّ بن فهد فإنه ذكره ودعا له بالرَّحمة٦ وهذا يدلّ على أنه توفيّ قبل سنة (٩٢٢هـ) وهي السنة التي توفي فيها العز بن فهد، وبهذا يمكن القول: إن خير الدين أبا الخير بن أبي السعود محمد بن ظهيرة مؤلف هذا الكتاب توفيّ في أوائل القرن العاشر بين سنتي ٩٠٢هـ و٩٢٢هـ.
_________________
(١) ١ ينظر: الضوء اللامع ٩/٢٨٠. ٢ ينظر: الضوء اللامع ٩/٢٨٠. ٣ عَلان - بفتح العين وتشديد اللام، والشدة على اللام لا تظهر في الطباعة – هنا - لظروف فنية خاصة بالحاسوب. ٤ ينظر: إتحاف الفاضل ٧. ٥ ينظر: الضوء اللامع ٩/٢٨٠. ٦ ينظر: غاية المرام ٢/٦١٠.
[ ٣٩٦ ]
المبحث الثاني: شيوخه وتلاميذه
أولًا: شيوخه
المبحث الثاني: شيوخه وتلامذته:
أولًا: شيوخه:
أخذ خير الدين أبو الخير بن ظهيرة عن عدد من علماء عصره، وأهم شيوخه الذين وقفت عليهم١.
١- سارة ابنة ابن جماعة (ت ٨٥٥هـ) .
وهي سارة ابنة عمر بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة، وتعرف بابنة ابن جماعة.
ذكر السخاوي أنها أجازت لخير الدين بن ظهيرة٢.
٢- أبو جعفر بن الضّياء الحلبيّ (ت ٨٥٧هـ) .
وهو محمد بن أحمد بن عمر بن محمد بن عثمان بن عبيد الله الحلبي، الشهير بأبي جعفر بن أبي الضياء الحلبي.
ذكر السخاوي أنه أجاز لابن ظهيرة٣.
٣- الشّهاب أحمد بن عليّ المحلّيّ (ت ٨٥٨هـ) .
وهو أحمد بن عليّ بن محمد بن موسى الشّهاب المحلّيّ ثمّ المدني.
ذكر السّخاويّ أنّ ابن ظهيرة سمع منه٤.
٤- أبو الحسن الإبّيّ (ت ٨٥٩هـ) .
_________________
(١) ١ رتّبتهم بحسب تاريخ وفياتهم. ٢ ينظر: الضوء اللامع ٩/٢٨٠. ٣ ينظر: المصدر السابق ٩/٢٨٠. ٤ ينظر: المصدر السابق ٩/٢٨٠.
[ ٣٩٧ ]
وهو علي بن إبراهيم بن راشد أبو الحسن الإبّي (بكسر الهمزة وتشديد الباء)، سمع منه ابن ظهيرة١.
٥- أبو الفتح المراغي (ت ٨٥٩هـ) .
وهو شرف الدين أبو الفتح محمد بن أبي بكر بن الحسن المراغي.
ذكر صاحب «الضوء اللامع» ٢ أن ابن ظهيرة سمع منه.
٦- الزين الأميوطيّ (ت ٨٦٧هـ) .
وهو عبد الرحيم بن إبراهيم الأميوطي، سمع منه ابن ظهيرة٣.
٧- إمام الكامليّة (ت ٨٧٦هـ) .
وهو محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن علي بن يوسف الشهير بـ «إمام الكاملية» ٤، سمع منه ابن ظهيرة٥.
٨- عبد القادر المحيّويّ المالكيّ (ت ٨٨٠هـ)
_________________
(١) ١ ينظر: المصدر السابق ٩/٢٨٠. ٢ ٢/٢٨٠. ٣ ينظر: الضوء اللامع ٩/٢٨٠. ٤ ذكر المقريزي في خططه ٤/٢١١ المدرسة الكامليّة هذه، وقال: "هذه المدرسة بخطٍّ بين القصرين من القاهرة، وتعرف بدار الحديث الكاملية، أنشأها السلطان الملك الكامل ناصر الدين بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب في سنة اثنتين وعشرين وستمائة، وهي ثاني دار عملت للحديث، فإن أوّل من بنى دارًا على وجه الأرض (هكذا) الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي بدمشق، ثم بنى الكامل هذه الدار، ووقفها على المشتغلين بالحديث النبويّ، ثم من بعدهم على الفقراء الشافعية". ٥ ينظر: الضوء اللامع ٢/٢٨٠.
[ ٣٩٨ ]
وهو عبد القادر بن أبي القاسم بن أبي العباس أحمد بن عبد المعطي المحيوي المالكي، وهو خال ابن ظهيره، وإمام العربية في زمانه، يقول السخاوي: "وقد صار شيخ بَلَدِهِ في مذهبه والعربية غير مدفوع فيهما"١ ومن أهم مؤلفاته في العربية شرح التسهيل، لم يتمه.
تلمذ عليه ابن ظهيرة في العربية، ولازمه حتى تميز فيها كما يقول السخاوي٢.
٩- شمس الدين الجوجريّ (ت ٨٨٩هـ) .
وهو شمس الدين محمد بن عبد المنعم الجوجريّ.
لازمه ابن ظهيرة، وأخذ عنه الفقه بمكة والقاهرة٣.
١٠- شمس الدين السخاوي (ت ٩٠٥هـ) .
وهو محمد بن عبد الرحمن السخاوي (شمس الدين) المؤرخ المشهور ذكر أن ابن ظهيرة تردد عليه بمكة مع خاله عبد القادر المحيّويّ، ثم تردد عليه منفردًا بالقاهرة٤، ويبدو أنه أخذ عنه.
١١- ابن الفرات (؟)
وهو محمد بن العباس بن أحمد بن محمد بن الفرات أبو الحسن، شيخ العز ابن فهد، لم أقف على سنة وفاته.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ٤/٢٨٤. ٢ ينظر: الضوء اللامع ٩/٢٨٠. ٣ ينظر: المصدر السابق ٩/٢٨٠. ٤ ينظر: المصدر السابق ٩/٢٨٠.
[ ٣٩٩ ]
ذكر السخاوي أنه أجاز لابن ظهيرة ١.
_________________
(١) ١ ينظر: المصدر السابق ٩/٢٨٠.
[ ٤٠٠ ]
ثانيًا: تلاميذه
ثانيًا: تلامذته:
لم تسعفنا المصادر التي بين أيدينا في التعرف على تلامذة خير الدين بن ظهيرة، وأشار السخاوي إلى واحد منهم في قوله: "قرأ عليه حفيد الأهدل سنن ابن ماجه"٢.
والحفيد هذا هو: حسين بن صديق بن حسن بن عبد الرحمن بن محمد بن علي بن أبي بكر حفيد الشيخ البدر الحسيني الأهدل اليماني الشافعي٣. ولد سنة (٨٥٠هـ) وتوفي بعد سنة (٩٠٥هـ) .
المبحث الثالث: آثاره العلميّة وشعره:
_________________
(١) ٢ ينظر: المصدر السابق ٩/٢٨٠. ٣ ينظر: الضوء اللامع ٣/١٤٤، ١٤٥.
[ ٤٠٠ ]
المبحث الثالث: آثاره العلمية وشعره
أولًا: أثاره العلمية
أولًا: آثاره العلميّة:
لابن ظهيرة مؤلّفات في اللغة والنحو وبعض العلوم، وصفها ابن عَلان الصّدّيقيّ بأنّها «مفيدة» وأشار إلى أنّ له تحقيقات عديدة٤، وقد فقد كثير منها، ومما عرفناه من مؤلفات ابن ظهيرة:
١- رشف الشرابات السنية من مزج ألفاظ الأجرومية:
وهو شرح لكتاب الأجرومية في النحو، ذكره السّخاويّ٥.
_________________
(١) ٤ ينظر: إتحاف الفاضل ٧. ٥ ينظر: الضوء اللامع ٩/٢٨٠.
[ ٤٠٠ ]
٢- شرح الإيجاز للنووي:
وهو كتاب في المناسك، وصل فيه ابن ظهيرة إلى نحو النصف١.
٣- شرح التسهيل لابن مالك:
أكمل فيه شرح خاله عبد القادر المحيوي، من باب التصغير إلى آخر الكتاب٢.
٤- شرح لاميّة الأفعال لابن مالك:
وهو في التصريف، وصل فيه ابن ظهيرة إلى نحو النصف كما يقول السّخاويّ٣.
٥- المنهل المأهول بالبناء للمجهول:
وهو هذا الكتاب، وسيأتي الكلام عليه مفصلًا.
ثانيًا: شعره:
لابن ظهيرة شعر أشارت إليه بعض المصادر فأوردت نتفًا منه كـ «الضوء اللامع» ٤ و«غاية المرام» ٥.
ويغلب على شعره سمة النظم، كعادة العلماء في أكثر أشعارهم.
ومن نظمه مما أورده السخاوي قوله معاتبًا٦:
ماذا الجَفَا يا ظَبْيَةَ الوَعْسَاءِ أَضْرَمْتِ نَارَ الهَجْرِ في أَحْشَائي
وأَنا الّذي أَخْلَصْتُ فيك مَحَبَّتِي ووَقَفْتُ مُخْتَارًا عليك ولائي
_________________
(١) ١ ينظر: المصدر السابق ٩/٢٨٠. ٢ينظر: المصدر السابق ٩/٢٨٠. ٣ ينظر: المصدر السابق ٩/٢٨٠. ٤ ٢/٥٢٥، ٦١٠. ٥ ٩/٢٨٠. ٦ ينظر: الضوء اللامع ٩/٢٨٠.
[ ٤٠١ ]
وقوله يمدح مكان الشريف محمد بن بركات بن حسن بن عجلان بن رميثة ابن أبي نمي، المسمّى بأمّ شُمَيْلَة سنة اثنتين وثمانين وثمانمائة١:
بأُمِّ شُمَيْلَةٍ حَسُنَ المَقيلُ وطَابَ لَنَا بها الظِّلُّ الظَّلِيلُ
وهَبَّ نَسِيمُها الأَسْنَى صَحيحًا وعهدِي بالنَّسِيم هُوَ العَلِيلُ
لقد كَمُلَتْ مَحَاسِنُها فأَثنى لِسَانُ الحالِ في المَعْنَى يَقُولُ
أَهَلْ لريَاقَتي وصَفَاءِ مَائي ونُضْرَةِ خُضْرَتِي يُبْغَى بَدِيلُ
وهَلْ لمُعَمِّري بَيْنَ البرايا شَبيهٌ أو بَديلٌ أو مَثيلُ
مَلِيكٌ قد سَمَا قُنَنَ المعالي وذَلَّ لِعِزِّهِ الصعبُ المهولُ
هو البطلُ الهِزَبْرُ أبو قِناعٍ محمدٌ الأبيُّ المُسْتَطِيلُ
وقال يهنئ الشريف محمد بن بركات بالنصر والسلامة في وقعة سنة اثنتين وثمانين وثمانمائة بقصيدة طويلة مطلعها٢:
في صاَدِقِ الخُبْرِ ما يُغْنِي عن الخَبَر وفي اقتناصِ الصَّياصي غايَةُ الوَطَرِ
ومنها:
مَلْكٌ له في رَحِيبِ الفَضْلِ بَادِرَةٌ وفي حُروبِ الأعادي أيُّ مُصْطَبَرِ
_________________
(١) ١ ينظر: غاية المرام ٢/٦١٠. ٢ ينظر: المصدر السابق ٢/٥٢٦ -٥٢٩.
[ ٤٠٢ ]
قَرْمٌ هِزَبْرٌ إذا ما شِمْتَ طَلْعَتَهُ رأيتَ عجّاجَ بَحْرٍ غير مُحْتَكرِ
إن جَالَ في صَهَواتِ الخيلِ يومَ وغىً تراهمُ يُلصِقُونَ الأرضَ بالطُّرَر
ومنها:
دَعُوا السَّيوفَ لأَهْلِيها ودونَكُمُ حَرثَ النّهوبِ وجَعْلَ الحبِّ في الحفرِ
وسَلِّمُوا الخيلَ واعَتْاضُوا بها حُمُرا فكم نَرَى حُمُرا منكم على حُمُرِ
أَمَا عَلِمْتُم ولا أَخْلاقَ عِندَكُمُ أنّ الزُّجَاجَةَ لا تَقْوَى على الحَجَرِ
[ ٤٠٣ ]
الفصل الثاني: كتاب المنهل المأهول
المبحث الأول: تحقيق اسم الكتاب وتوثيق نسبته:
ورد اسم الكتاب على طُرَّة نسخة الأصل التي اعتمدناها، وهي نسخة دار الكتب المصرية، وورد - أيضًا - في مقدمة الكتاب في النسخ الثلاث المعتمدة في التحقيق، وذلك في قوله: "وسميته المنهل المأهول بالبناء للمجهول"١.
وذكره البغدادي٢، ولم يذكر اسم مؤلفه أما المصدر الرئيس الذي ترجم لابن ظهيرة، وهو «الضوء اللامع» فلم يذكر هذا الكتاب فيما ذكره من مؤلفات ابن ظهيرة، ولا غرابة في ذلك إذا عرفنا أنّ ابن ظهيرة توفّي بعد السخاوي صاحب «الضوء اللامع» فلعله ألفه في أواخر حياته في مطلع القرن العاشر.
والكتاب منسوب إلى مؤلفه خير الدين ابن ظهيرة على طُرّة نسخة دار الكتب، أيضًا، ويؤكد هذه النسبة ما جاء في مقدمة «إتحاف الفاضل» لمحمد علي بن عَلان الصّدّيقيّ (١٠٥٧هـ) في قوله: " فإنّ الكتاب المسمّى بالمنهل المأهول في الفعل المبني للمجهول جمع الأوحد الفاضل الأمجد العالم العامل الشيخ الإمام الحبر الهمام ذي التّآليف المفيدة والتحقيقات العديدة القاضي خير الدين
_________________
(١) ١ المنهل المأهول ٢ب. ٢ ينظر: إيضاح المكنون ٣/٥٩٥.
[ ٤٠٤ ]
أبي الخير ابن أبي السعود بن ظهيرة القرشي المخزومي المكي الشافعي تغمده الله برحمته وأسكنه بحبوح جنته مؤلفٌ فريد في بابه، مفيد لقاصدي معناه وطلابه "١.
وقد اعتمد عليه ابن عَلان وجعله أصلا لكتابه، وأضاف إليه زيادات من بعض كتب الأفعال، وتبين لي من خلال تحقيق «المنهل المأهول» التطابق التام بين نصوصه وما يقابلها في «إتحاف الفاضل» بما لا يدع مجالًا للشك في أن هذا الكتاب الذي بين أيدينا هو الكتاب الذي ذكره ابن عَلان، واعتمد عليه، وعزاه لخير الدين ابن ظهيرة.
وابن علان هذا قريب عهد بالمؤلف، وهو من علماء اللغة المدققين في زمانه.
المبحث الثاني: موضوع الكتاب ومادته ومنهجه:
قد يحذف فاعل الفعل فينوب عنه المفعول أو المصدر أو الظرف أو الجار والمجرور بعد بناء الفعل للمجهول، وذلك بتغير صيغته على النحو الذي فصله النحاة، وملخصه:
يبنى الماضي الصحيح للمجهول بضم أوله وكسر ما قبل آخره، سواء كان ثلاثيًا مجردًا نحو «ضُرِبَ» أو مزيدًا فيه نحو «أُكرم» أو رباعيًا مجردًا نحو «بُعثر» أو مزيدًا فيه نحو «تدحرج» .
وإن كان مبدوءًا بتاء زائدة ضمّ أوّله وثانيه (أي التاء وما بعدها) نحو «تُعُلِّم»
_________________
(١) ١ إتحاف الفاضل ٧.
[ ٤٠٥ ]
وإن كان مبدوءًا بهمزة وصل ضُمّ أوله وثالثه، نحو «انطُلق» و«اجتُمع» و«اسْتُخرج» .
أمّا الأجوف فحكم ما لم تعلّ عينه حكم الصحيح في البناء للمجهول، أما ما أعلّت عينه - وهو الكثير - ففيه ثلاث لغات:
١-كسر الفاء فتسلم الياء وتقلب الواو ياء نحو «قِيلَ» و«بِيعَ» وهي أفصح اللغات الثلاث، والأصل: قُوِلَ وبُيِعَ.
٢- الإشمام، وهو أن تنحو بكسرة فاء الفعل نحو الضمة، فتميل الياء الساكنة بعدها نحو الواو قليلًا؛ إذ هي تابعة لحركة ما قبلها.
٣- إخلاص ضمة الفاء فتسلم الواو وتقلب الياء واوًا نحو: قُول وبُوع، وعليه قول الراجز:
لَيْتَ وهَلْ يَنْفَعُ شَيئًا لَيْت لَيْتَ شَبَابًا بُوعَ فاشْتَرَيت١
أمّا الثلاثيّ المضعّف الصحيح فأوجب جمهور العلماء ضم فائه، نحو: عُدّ ورُدّ، وأجاز الكوفيون الكسر، نحو: رِدّ.
وتنقسم الأفعال بالنظر إلى بنائها للمجهول ثلاثة أقسام:
قسم اتفق النحاة على أنه لا يجوز بناؤه للمجهول، وهو كل فعل لا يتصرف، نحو: نِعْمَ وبِئْسَ، وعَسَى، وليس، وحبّذا، وفعل التعجب.
وقسم فيه خلاف، وهو كان وأخواتها.
_________________
(١) ١ الرجز لرؤبة في ملحقات ديوانه ١٧١، وينظر: أسرار العربية ٩٢، وشرح شواهد المغني ٢/٨١٩، والتصريح ١/٢٩٥.
[ ٤٠٦ ]
وقسم اتفق النحويون على جواز بنائه للمفعول، وهو ما بقي من الأفعال المتصرفة، وهو الكثير الغالب١.
وثَمّة أفعال جاءت عن العرب ملازمة للبناء للمجهول، كقولهم: عُنِيت بحاجتك ونُفِست المرأة، ونُتِجت، ودُهِشَ، وأُولِعَ، أو غلب عليها البناء للمجهول فقد تستعمل بصيغة ما سمّي فاعله (المبنى للمعلوم) مثل: زُهِيتَ علينا، حكي فيه: زها يزهو٢.
و«المنهل المأهول» - كتابنا هذا - يحوي بين دفتيه ما جمعه مؤلفه ابن ظهيرة من هذا النوع من الأفعال الملازمة للبناء للمجهول أو الذي غلب عليه الاستعمال مبنيًا للمجهول، وفي هذا يقول المؤلف في مقدمته: "فإن للعرب ألفاظًا نطقوا بها بالبناء للمجهول، وإن كانت بمعنى الفاعل لا المفعول، فتارة لا يُعَبِّرون عن معنى تلك الألفاظ إلابهذا البناء المذكور، وتارة يعبرون عنه بهذا البناء وبغيره، ويكون أحدهما المشهور"٣.
فأراد المؤلف أن يجمع ما توفّر عليه من هذه الأفعال التي لم تجمع في كتاب مستقلّ بها قبله، وهو في ذلك يقول: "ولم أعلم أحدًا تصدّى لجمع هذه الألفاظ من السّلف والخلف، ولا أفرد لها مؤلّفًا يَعْتَمِدُ عليه من وقف"٤.
وأتى على قدر وافر من هذه الأفعال الملازمة للبناء تجاوز عددها المائتين
_________________
(١) ١ ينظر: شرح الجمل لابن عصفور ١/٥٣٥. ٢ ينظر: الصحاح (زها) ٦/٢٣٧٠. ٣ المنهل المأهول ٢ ب. ٤ المصدر السابق ٢ أ.
[ ٤٠٧ ]
فقد بلغ أربعة ومائتي فعل مبني للمجهول (٢٠٤) عدا المكرر، وهي مادة زاخرة إذا قيست بما في «الفصيح» لثعلب الذي احتوى على ستة وثلاثين فعلًا، ومنظومة الدَّميري التي احتوت على ثلاثة وأربعين فعلًا، ولهذا يعدّ كتاب «المنهل المأهول» أغنى كتاب بالأفعال المبنية للمجهول في زمانه، فضلًا عن كونه أول كتاب يؤلف في بابه، وظلّ على تفوّقه حتى منتصف القرن الحادي عشر تقريبًا حين ألف محمد بن عَلان الصّدّيقيّ (١٠٥٧هـ) كتابه «إتحاف الفاضل بالفعل المبني لغير الفاعل» فأفاد من المنهل المأهول، وجعله أصلًا لكتابه.
وقد اختار ابن ظهيرة لعرض مادته منهجًا معجميًا، وهو المنهج المعجمي الهجائي الألف بائي القائم على ترتيب الألفاظ بحسب أصولها بالنظر إليها من أولها، وجعل لكل حرف بابًا ليُيَسِّرَ مراجعة الكتاب، وليأمن بعض التصحيف، وفي ذلك يقول: "ورتّبت ذلك على حروف المعجم؛ ليسهل الكشف عليها، لمن خفي عليه ضبطها أو استعجم، معتبرًا في الترتيب أول الكلمة والأصول من أحرفها لا ما هي به مُتَمَّمة"١.
وبتأمّل مواد الكتاب يمكن الخروج بالملحوظات المختلفة التالية:
أ- لم يخل حرف من الحروف من مادةٍ لغوية، فجاءت أبواب الكتاب بعدد حروف المعجم، وأوسع الأبواب هو باب الميم وفيه عشرون فعلًا، وأقلها بابا الباء والظاء، وفي كل منهما فعل واحد، ويليهما باب الياء، وفيه فعلان.
ب- جميع الأفعال التي أوردها ابن ظهيرة هي من الثلاثي الأصول، وأكثرها مجردة من الزوائد، وبعضها مزيد بحرف، كالهمزة نحو (أُهدر) أو
_________________
(١) ١ المنهل المأهول ٢ب.
[ ٤٠٨ ]
المبحث الثاني: موضوع الكتاب ومادته ومنهجه
No pages
[ ٢٣ ]