وهي غير ما سبق من استعمالات "أن" الثلاثة.
- يقول أحد الشعراء المعاصرين:
أريدُ أنْ أعشَقَ أنْ ألمَسَ الـ … ـأعماقَ أن ألمسَ أعماقي
أن أعبدَ الله كما لم أكن … أعبدُه في عمري الباقي
بي ظمأٌ بي ظمأٌ قاتلٌ … فأين يَنبوعُك يا ساقي (^٢)
ويقال عنها في الإعراب "حرف مصدري ونصب" فهي حرف مصدري
_________________
(١) من الآية ٧١ من سورة المائدة.
(٢) من قصيدة بعنوان "النهر الظامئ" للشاعر المعاصر "محمد الفيتوري" وقد سيقت الأبيات للتمثيل لا الاستشهاد. وموضع التمثيل: استعمال" أن" مصدرية ناصبة للأفعال "أعشق، ألمس، أعبد" على التوالي.
[ ٣٥٥ ]
تؤول مع ما بعدها بمصدر يشغل الوظائف النحوية المختلفة، وهي حرف نصب لأنها تنصب الفعل المضارع.
لكن ورد من الشعر المجهول القائل:
يا صاحبيَّ فَدَتْ نفسي نفوسكما … وحيثما كنتُما لاقيتُما رشدا
إن تَقْضِيَا حاجةً لي خفّ محملُها … تَسْتَوْجِبَا منَّة عندي لها ويدا
أن تقرآن على أسماءَ ويحكُما … منّي السّلامَ وأن لا تُشعرا أحدا (^١)
وقد أثار البيت الأخير مناقشات حادة، إذ جاء الفعل "تقرآن" مرفوعا بعد "أن" وهذا ما دعا إلى القول بأن الحرف "أن" يهمل، فلا ينصب الفعل المضارع.
والحق أنه لا داعي لكل ذلك، فهذه لغة الشعر، ويؤيد ذلك الشطر الثاني من البيت، إذ استخدمت فيه "أن" ناصبة للمضارع، وهذا يناقض إهمالها، إذ لا يعقل أن يستخدم الشاعر لغات متعددة لحرف واحد وفي بيت شعري واحد.
الحرف الثاني: لَنْ:
لاحظ الأمثلة الآتية:
_________________
(١) يدعو صاحبيه، ثم يدعو لهما بطول العمر والرشاد؛ ليعطفهما إليه ويقول: إن لي حاجة خفيفة الحمل عظيمة النفع، وإن تؤدياها تصنعا بي معروفا لا أنساه، حاجتي أن تبلغا سلامي وأشواقي إلى حبيبتي "أسماء" سرًّا ودون أن يشعر أحد. الشاهد: في "أن تقرآن" حيث جاء الفعل مرفوعا بعد "أن" مما حمل بعض النحاة على القول بأنها مهملة، والرأي أن ثبوت النون اقتضته لغة الشعر، بدليل أنه حذف معها النون في الشطر الثاني في قوله: "أن لا تشعرا أحدا".
[ ٣٥٦ ]
لن أخونَ العهد ولن أقصّرَ في الواجب.
ولن أكذبَ ولن أغشَّ ولن أخادعَ.
يعبر المعربون عن الحرف "لن" بقولهم "لن: حرف نفي ونصب واستقبال" فهي تفيد النفي، وينصب المضارع بعدها، ويصير معناه خالصا للمستقبل بعد أن كان صالحا بدلالته على الحال والمستقبل، وإلى هنا اتفق النحاة والمعربون في شأن "لن".
أما أن هذا الحرف يفيد تأبيد النفي، بمعنى أنك إذا قلت لن أخطئ في حق غيري فمعناه أنك لن تخطئ أبدا، فيبدو أن الاستعمال العربي لا يؤيده، ولنتأمل الاستعمال القرآني:
- ما جاء على لسان مريم: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ (^١) "النفي مقيد باليوم فهو غير مؤبد".
- ما جاء عن الكفار والموت ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ (^٢) … "كلمة: أبدا أفادت التأبيد، لا: "لن".
وأما أن هذا الحرف يقيد تأكيد النفي، فإذا قلت: "لن أنافِقَ القَوِيَّ ولن أحتقِرَ الضّعِيفَ" فهو أقوى في النفي من قولك: "لا أنافِقُ القَوِيَّ ولا أحتقِرُ الضعيفَ" فإن المتأمل للاستعمال العربي يتأكد لديه أنه لا مزية للحرف "لن" على غيره من أدوات النفي في إفادة المعنى.
والخلاصة أن الحرف "لن" يفيد النفي والنصب والاستقبال، وما عدا ذلك لا يؤيده الاستعمال.
_________________
(١) من الآية ٢٦ من سورة مريم.
(٢) من الآية ٩٥ من سورة البقرة.
[ ٣٥٧ ]
الحرف الثالث: إذن:
لاحظ المحادثة التالية:
- سألتقي بك الليلةَ في الرابعة مساء.
- إذن نذهبَ معًا للنزهة.
- ولعلك تذكرُ حفل الكلية في الثَّامنةِ مساء.
- إذن نتوجهَ إليه بعد ذلك.
يقول المعربون: "إذن: حرف جواب وجزاء" فهي بذلك تأتي في جواب كلام سابق، وهي أيضا تفيد المكافأة في هذا الجواب، أما أنها تفيد الجواب فهذا أمر لازم لها لا يتخلف عنها، وأما أنها تفيد الجزاء فليس أمرا دائما والمحادثة السابقة لا جزاء فيها، لكن في المحادثة التالية:
- سأنتبهُ للأسَاتذةِ وأذاكرُ بفهْم.
- إذن تتفوَّقَ.
ففي هذه المحادثة تتضح المكافأة وهي "التفوق" فهي هنا حقا حرف جواب وجزاء، وسواء أفادت الجواب فقط أم الجواب والجزاء، فإنها تنصب الفعل المضارع بعدها، بشرط أن يتوافر لجملتها الصفات التالية:
أ- أن تقع "إذن" في أول جملة الجواب، فلا يتقدمها شيء غيرها فإن وقعت حشوا لم تنصب المضارع، بل يرفع، كما يعلق رئيس العمال في أحد المصانع على حسن سير العمل بقوله: "العمل إذن يتقدَّمُ بسرعة، والعمالُ إذن يؤدّون واجباتهم بإخلاص".
ب- أن يكون الفعل بعدها مستقبلا، أي خلص معناه للمستقبل
[ ٣٥٨ ]
فلا يدل على الحال، فإن دل على الحال لم ينصب المضارع، بل يرفع، كما يبدو في المحادثة التالية:
- نزل الفريقان أرضَ الملعبِ وبدأت المباراة.
- إذن يلعبان مباراةً شائقة.
ج- أن تتصل "إذن" بالفعل بعدها، فلا يفصل بينهما فاصل، كما هو واضح في الأمثلة السابقة، فإن فصل بينهما فاصل رفع الفعل بعدها ولنتأمل ما يلي:
- أتَمَنَّى أن تُثَقِّفَ نفسك بقراءتِك الذاتية.
- إذن -في الإجازة الصيفية- أحقِّقُ هذه الأمنية.
- وقد استثني من الشرط الأخير "الفصل بالقسم" حيث ينصب الفعل المضارع مع الفصل به، وأشهر ما ورد شاهدا لذلك قول حسان بن ثابت:
إذَنْ واللهِ نرميَهم بحربٍ … تُشِيبُ الطفلَ من قبلِ المشيبِ (^١)
الحرف الرابع: كَيْ
تأتي "كي" في اللغة بالاستعمالات الآتية: