أشهر ما نسب له هذه الصفة أعلام معدودة جاءت على وزن "فُعَل" وهي "عُمَر، زُفَر، مُضَر، قُثَم، جُشَم، جُمَح، دُلَف، ثُعَل، هُبَل، زُحَل، قُزَح"
قالوا: مثلا في كلمة "عُمَر" وهو علم، أصله "عامر" فعدل عن هذا الأصل إلى "عمر" ومثله الباقي؛ وهذا غريب!! فمن الذي يمكنه أن يحقق هذا الأصل المدَّعى!! الحق أن هذا تكلف دعا إليه بحث النحاة عن صفة ثانية تنضم للعلمية، فلم يجدوا غير هذا الادعاء المتكلف الذي لا ترتاح إليه النفس.
قال ابن هشام: مثال العدل مع العلمية "عُمَر، زُفَر، زُحَل، جُمَح، دُلَف" فإنها معدولة عن "عامر، زافر، زاحل، جامح، دالف" وطريق معرفة ذلك أن تتلقّى من أفواههم ممنوع الصرف، وليس فيه مع العلمية ظاهرة، فيحتاج إلى تكلف دعوى العدل فيه ا. هـ.
وخلاصة الأمر أن الأسماء الاثني عشر السابقة وردت في اللغة ممنوعة من الصرف ويعبر عنها أهل صناعة النحو بأنها ممنوعة من الصرف للعلمية والعدل
[ ٤٧ ]
ثانيا: ما يجب أن ينضم للوصفية من الصفات، وهو ثلاث صفات:
١ - زيادة الألف والنون:
لاحظ الأمثلة الآتية:
"فرحان، شبعان، ملآن، غضبان، جوعان، ظمآن".
الكلمات السابقة صفات وفي آخر كل منها ألف ونون زائدتان، فكل منها ممنوع من الصرف للوصفية وزيادة الألف والنون، تقول: "أسعد لكريم فرحان ولا آسف على لئيم غضبان"، وهذه الصفات الممنوعة من الصرف تأتي على وزن "فعلان" فقط.
٢ - وزن الفعل:
لاحظ الأمثلة الآتية:
"أجْمَل، ألْطَف، أحْسَن، أعزّ، أكْرَم، أجلّ، أشْرَف، أحْمَر، أخْضَر".
ويقصد بذلك الصفات التي على وزن "أفعل" فهذه جميعا تمنع من الصرف للوصفية ووزن الفعل؛ لأن وزن "أفْعَل" أقرب للفعل منه للاسم، تقول: "لا فرق في الإسلام بين أسودَ وأبيضَ"، وتقول "الصّبرُ أجْدرُ بالكريم عند الشِّدة"، وهذه الصفات الممنوعة من الصرف تأتي على وزن "أفْعَل" فقط.
٣ - العدل:
الصفات التي نسب إليها "العدل" محصورة في كلمات معينة هي:
أ- كلمة "أُخَر" في قول القرآن: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (^١).
_________________
(١) من الآية ١٨٤ من سورة البقرة.
[ ٤٨ ]
فهي في الآية صفة لكلمة "أيام" مجرورة بالفتحة لأنها ممنوعة من الصرف للوصفية والعدل، والوصفية أمر مفهوم فيها لدلالتها على معنى ينسب لغيرها، أما العدل فقد خضع لتصور ذهني ملخصه في الآتي:
كلمة "أخَر" جمعٌ مفرده كلمة "أخرى"، وكلمة "أخرى" مؤنث مذكره كلمة "آخر"، وكلمة "آخر" اسم تفضيل على وزن "أفْعَل" مثل "أعْظَم، أجْمَل، أكْرَم" واسم التفضيل ما دام مجردا من "أل" والإضافة فإنه يستعمل دائما مفردا مذكرا، فلا يثنى أو يجمع أو يؤنث، فنقول:
"العاملُ أكرمُ من الكسول والعاملون أكرمُ من الكسالى" فبقي اسم التفضيل مفردا في المثالين.
وعلى ذلك، فقد كان من المفروض في الآية -في صنعة النحو- أن يقال: "فعدة من أيامٍ آخر" فتكون الكلمة مفردة، لكن عدل عن ذلك إلى "أُخَر" مجموعة.
وخلاصة الأمر أن هذه الكلمة "أُخَر" ممنوعة من الصرف، وهي وصف عدل عن غيره بالتصور الذهني السابق.
ب- ما جاء على وزن "فُعَال ومَفْعَل" من الأعداد "١: ١٠" "أُحَاد ومَوْحد، ثُنَاء ومَثْنَى، ثُلَاث ومَثْلَث، رُبَاع ومَرْبَع"
وهكذا حتى عشرة، فلنلاحظ الأمثلة:
مر صف الجنود ثُلَاث، "معناه: ثلاثة ثلاثة"
تقدم الواقفون إلى شباك السينما أُحَادَ أُحَادَ، "معناه: واحدًا واحدًا"
في المساء تعودُ الطيورُ إلى أعشاشِها في جماعات خُمَاسَ وسُدَاسَ، "معناه خمسة خمسة وستة ستة"
[ ٤٩ ]
قال القرآن: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ (^١).
وقال ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ (^٢).
قال ابن هشام: وهي معدولة عن ألفاظ العدد الأول مكررة، فأصل "جاء القوم أُحَادَ" جاءوا واحدا واحدا، وكذا الباقي ا. هـ. ومعنى هذا أن هذه الألفاظ -بهذه الصورة- يستغنى بها عن أسماء العدد الأصلية مكررة فنلجأ إليها في الاستعمال اختصارا، فكلمة "رُبَاع" تغني عن "أربعة أربعة" وكلمة "مثلث" تغني عن "ثلاثة ثلاثة" فاستخدام هاتين الصيغتين -فُعَال ومَفْعَل- من الأعداد يغني عن استخدام الأعداد الأصلية مكررة، وهذا هو معنى العدل فيها.
المسائل المتفرعة على هذا الباب:
يتفرع على هذا الباب -بعد معرفة أصوله السابقة- مسائل ثلاث هي:
أ- عودة الممنوع من الصرف للإعراب الأصلي
ب- صرف الممنوع من الصرف عند الحاجة
ج- منع صرف الأسماء المنصرفة عند الحاجة
وإليك بيان هذه الأمور الثلاثة:
_________________
(١) من الآية ٢ من سورة النساء.
(٢) من الآية ١ من سورة فاطر.
[ ٥٠ ]
عودة الممنوع من الصرف للإعراب الأصلي:
لاحظ الأمثلة الآتية:
ما شيءٌ بأنبلَ من المروءة.
فالمروءة من أنبلِ الصفات.
ومن الأنبلِ لك أن تتصف بهذه الصفة.
الاسم الذي لا ينصرف -بكل أنواعه السابقة- يرفع بالضمة، وينصب بالفتحة، ويجر بالفتحة أيضا: فهذا الاسم يخرج عن الأصل في حالة الجر فقط، لكنه يعود لهذا الأصل مرة أخرى، فيجر بالكسرة في حالتين:
١ - أن يضاف
٢ - أن تتصل به الألف واللام
فكلمة "أنبل" في الأمثلة السابقة ممنوعة من الصرف للوصفية ووزن الفعل، وهي مجرورة بالفتحة في المثال الأول، وفي المثال الثاني عادت للأصل فجرت بالكسرة؛ لأنها مضافة، وفي الثالث عادت للأصل، فجرت بالكسرة لاتصالها بالألف واللام. قال ابن مالك:
وجُرَّ بالفتحةِ ما لا ينصرف … ما لم يُضَفْ أو يَكُ بعد "أل" رَدِف
صرف الممنوع من الصرف:
من صفات الاسم الممنوع من الصرف أنه لا ينون -كما سبق- لكن عند حاجة المتكلم إلى تنوينه فإنه يترك هذا الأصل، فينون مع استحقاقه منع التنوين، وتتحقق هذه الحاجة في النثر والشعر على التفصيل الآتي:
١ - في النثر: لإرادة التناسب، وذلك أن تكون بعض الكلمات منونة
[ ٥١ ]
والأخرى غير منونة فتنون الأخيرة لتناسب ما جاءت معه من الكلمات المنونة ومن ذلك:
- جاء في القرآن: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلا وَأَغْلالًا وَسَعِيرًا﴾ (^١) فكلمة "سلاسل" ممنوعة من الصرف، وكلمة "أغلالا" مصروفة، وقد قرئت الآية بتنوين الكلمة الأولى لتناسب الثانية، وجاءت القراءة: "إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلًا وَأَغْلالًا وَسَعِيرًا" لقصد التناسب.
٢ - في الشعر: للضرورة، والمقصود بذلك ضرورة موسيقى الشعر ونغمه التي تتمثل في أوزانه وقوافيه، فإذا لم تستقم هذه الموسيقى إلا بتنوين الاسم الممنوع من الصرف، كانت تلك ضرورة تبيح للشعراء هذا التنوين، ومن ذلك قول امرئ القيس:
ويوم دخلتُ الخِدْرَ خِدْرَ عُنَيْزَةٍ … فقالتْ: لَكَ الويْلاتُ إنكَ مُرْجِلِي (^٢)
فكلمة "عنيزة" ممنوعة من الصرف للعلمية والتأنيث، وصرفت في البيت لضرورة الشعر.
منع صرف الأسماء المنصرفة:
كما أبيح للشاعر أن يصرف الممنوع من الصرف، يباح له أيضا العكس،
_________________
(١) الآية ٤ من سورة الإنسان.
(٢) الخدر: المكان المخصص للنساء في البيت، والمقصود به هنا الهودج، لك الويلات: دعاء عليه بالهلاك والعذاب، ولا يقصد به حقيقته، بل هو تصوير للتدلل والإعجاب، إنك مرجلي: جاعلني أسير على رجلي لهلاك البعير. والشاهد في البيت: كلمة "عنيزة" فهي أصلا ممنوعة من الصرف للعلمية والتأنيث، وقد نونت هنا لضرورة الشعر.
[ ٥٢ ]
وهو أن يمنع صرف الأسماء المنصرفة -وهي ضرورة موضع خلاف- لأن مجال الشعر ضيق بالوزن والقافية وعدد التفاعيل، فيباح له ما لا يباح لمن ينطق نثرا، ومن ذلك:
- قول ذي الإصبع العدواني يمدح عامر بن الطفيل بالطول وفراهة الجسم:
ومِمَّنْ ولَدوا عامـ … ـرُ ذو الطّولِ وذو العرضِ (^١)
- قول الأخطل في أحد القادة الذين هزموا الخوارج:
طلب الأزَارِقَ بالكتائب إذ هوتْ … بشبيب غائلةُ النفوس غدورُ (^٢)
فالكلمتان "عامر، شبيب" في البيتين منعتا من الصرف -مع أنهما منصرفتان- لضرورة الشعر.
_________________
(١) الشاهد في البيت أن كلمة "عامر" في الأصل مصروفة، لكنها منعت الصرف في البيت لضرورة الشعر.
(٢) الأزارق: فرقة من الخوارج، شبيب: أحد زعماء الخوارج، غائلة النفوس: الموت. والشاهد في البيت: منع صرف كلمة "شبيب" لضرورة الشعر مع أنها في الأصل مصروفة.
[ ٥٣ ]
المثنى:
١ - المقصود بالمثنى وكيفية إعرابه
٢ - صفات الاسم الذي يصح تثنيته
٣ - ما ألحق بالمثنى من الأسماء
المثنى وكيفية إعرابه:
نزل الفريقان أرْضَ الملعب.
ولعبا الشَّوطين بجهد وافر.
وفاز فريقُنا بهدفين لهدفٍ واحد.
الكلمات "الفريقان، الشوطين، هدفين" كلمات مثناة، ومثلها ما لا يكاد يحصى من الكلمات مثل: "الصديقان، الوفيان، البحران، النّهران، الكتابان، الصفحتان، الزميلان، الزميلتان".
فالمثنى يقصد به كل اسم دلَّ على اثنين أو اثنتين وأَغنى عن المتعاطفين بزيادة ألف ونون أو ياء ونون في آخره ا. هـ.
وعلى ذلك فإن المثنى هو ما اجتمعت له الصفات الثلاث الآتية:
أ- أن يدل على اثنين أو اثنتين. "الصديقان، الصديقتان" لا فرق بين المذكر والمؤنث، فكل منهما يأتي مثنى.
ب- أن يغني عن المتعاطفين، وذلك أن يكون ذكر المثنى اختصارا لمفردين يعطف كل منهما على الآخر فبدلا من أن نقول: "فريق وفريق" تغني عنهما "فريقان" وبدلا من أن نقول: "هدف وهدف" تغني عنهما "هدفان".
[ ٥٤ ]
ج- أن يأتي في آخره ألف ونون زائدتان أو ياء ونون زائدتان وهذه الزيادة هي التي أفادت التثنية، وأغنت عن إطالة الكلام بالمفردات المتعاطفة.
والمثنى يرفع بالألف وينصب ويجر بالياء المفتوح ما قبلها المكسور ما بعدها، ففي المثال "نزل الفريقان أرض الملعب" كلمة "الفريقان" فاعل مرفوع بالألف، وفي المثال "لعبا الشوطين بجهد وافر" كلمة "الشوطين" ظرف زمان منصوب بالياء، وفي المثال الأخير "فاز فريقنا بهدفين" كلمة "هدفين" مجرورة بالياء.
هذا هو الأصل في إعراب المثنى، وهو اللغة الفصحى المشهورة التي ينبغي لنا اتباع نهجها والنطق على أساسها.
لكن ينبغي أن نتذكر هنا مرة أخرى ما سبق من أن النحاة جمعوا اللغة من قبائل متعددة، ومما نقلوه أن بعض القبائل تنطق المثنى بالألف دائما رفعًا ونصبًا وجرًّا، وروي من ذلك الشواهد الآتية:
- قول المتلمس:
فأطْرَقَ إطراقَ الشُّجاع ولو رأى … مسَاغًا لنَابَاهُ الشُّجاعُ لصَمَّما (^١)
_________________
(١) الشجاع: في أحد معانيه: ذكر الحيات، المساغ: المدخل السهل، صمم -كما يقول القاموس- من معانيها: عض الناب. ومعنى البيت: أن الشخص الذي يتحدث عنه صبر على مضض ولو وجد وسيلة يهاجم منها عدوه لسلكها، فهو كالحية الذكر في إطراقها وصبرها على من تهاجمه ولو وجدت مدخلا لمهاجمته لعضته بنابها. والشاهد في البيت: قوله: "لناباه" في الشطر الثاني، فإن "النابان" مثنى وهي مجرورة باللام، ومع ذلك لزمت الألف على اللغة التي تلزمه الألف دائما.
[ ٥٥ ]
- قول آخر:
تزودَ منَّا بين أذْنَاهُ طعنةً … دعتْه إلى هَابِي الترابِ عقيمَ (^١)
والذي أراه أن هذه لغة ضعيفة لا يعوَّل عليها، وينبغي معرفتها فقط دون النطق على أساسها.
صفات الاسم الذي يصح تثنيته:
ليست كل الأسماء في اللغة صالحة للتثنية، فالاسم الذي يثنى تتوافر له صفات خاصة يمكن فهم معظمها من المسلك العملي الذي تأتي عليه الأسماء المثناة، وأهم هذه الصفات -باختصار- هي:
١ - أن يكون مفردا: وهذا بدهي، فإن المثنى لا يثنى مرة أخرى وكذلك الجمع.
٢ - أن يكون معربا: وهذا أيضًا بدهي، فإن الأسماء المبنية -كما سيأتي- لا تتغير، فهي لا تثنى، أما الكلمات "هذان، هاتان، اللذان اللتان" فهي ملحقة بالمثنى لا مثناة.
٣ - أن يكون نكرة: مثل "ورقة، شجرة" نقول "ورقتان شجرتان" لكن الأعلام مثل "محمد، عمر، عليّ" تثنى، فنقول: "محمدان، عمران، عليَّان" وكذلك الأسماء التي بها الألف واللام مثل "الشوط،
_________________
(١) هابي التراب: التراب الدقيق الناعم، عقيم: يقال: طعنة عقيم إذا كانت نافذة. وخلاصة المعنى: يصف رجلا من أعدائهم قتل، فيقول: لقد نال منا طعنة نافذة ألقته ميتا على التراب وبين التراب. والشاهد في البيت: قوله "أذناه" فإنه مثنى وهو مضاف إلى كلمة "بين" وقد لزم الألف على لغة من يلزمه الألف دائما.
[ ٥٦ ]
الطريق" تقول: "الشوطان، الطريقان" فكيف يستقيم هذا الشرط مع ذلك؟
يتصور أهل صنعة النحو أن هذه الأعلام قبل تثنيتها شملها التنكير بمعنى أن الاسمين "محمد، محمد" قبل تثنيتهما اختلط كل منهما بالآخر بحيث لا يتميز هذا من ذاك ثم حدثت التثنية.
وبالمثل يتصور أن كلمة: "الشوطان" ليست تثنية "الشوط" المقترن بالألف واللام، بل هي تثنية "شوط" النكرة، ثم دخلت عليه الألف واللام.
والحق أن هذا تكلف لا داعي إليه، وأن المثنى -فيما أعتقد- يأتي للنكرات والمعارف دون تفريق.
٤ - ألا يكون مركبا: سواء أكان مركبا مزجيا مثل "مَعْدِيكَرب" أو إسناديا مثل "جادَ الربُّ" أو إضافيا مثل "عبد الله" فهذه كلها لا تثنى بطريقة مباشرة، بل هناك وسائل لتثنيتها كالآتي:
أ- المركب المزجي والإسنادي حين التثنية تسبقهما كلمة "ذَوَا" مع المذكر، أو "ذَوَاتَا" مع المؤنث وتبقى الكلمة المركبة دون تثنية، فيقال "ذَوَا مَعْديكرب" أو "ذَوَا جَادَ الرّب".
ب- المركب الإضافي تثنى الكلمة الأولى منه، فنقول "عَبْدَا الله".
٥ - أن يكون المفردان اللذان يكوّنان المثنى متفقين في اللفظ والمعنى وهذا بدهي، فلا يثنى مثلا "فاطمة، سامية" لاختلافهما لفظا ومعنى.
٦ - أن يكون المفرد الذي يثنى له نظير مماثل، وهذا أيضًا بدهي، فلا يثنى الشيء المفرد مثل: "الله، الأرض، الشمس، القمر" فوجود شيئين متشابهين ضروري للتثنية.
تلك أهم الصفات الضرورية في الاسم الذي يثنى، وهي في عبارة واحدة
[ ٥٧ ]
"أن يكون مفردا معربا منكرا غير مركب، وله مماثل متفق معه في اللفظ والمعنى"
ومعظم هذه الشروط بدهي يمكن استنتاجه دون ذكره.
ما ألحق بالمثنى من الأسماء:
المقصود من الإلحاق -عموما- ورود كلمات في اللغة تعرب إعراب ما ألحقت به، لكنها لم تستوف شروطه ا. هـ. ويتحقق هذا في ثلاثة من أبواب الإعراب الفرعي هي: "المثنى وجمع المذكر السالم وجمع المؤنث السالم" وسيأتي شرح الأسماء الملحقة بكل واحد من الأخيرين في موضعه.
والمقصود -إذن- من الإلحاق بالمثنى ورود كلمات في اللغة لها صورة المثنى وتعرب إعرابه بالألف رفعا وبالياء نصبا وجرا، لكنها ليست مثناة حقيقة لفقدان بعض شروط الاسم الذي يصح تثنيته، فهي إذن ملحقة بالمثنى لا مثناة.
والأسماء الملحقة أربع مجموعات هي:
المجموعة الأولى: هذان، هاتان، اللذان، اللتان:
ومفرداتها على الترتيب هي: "هذا، هاتِه، الذي، التي" فالأولان من أسماء الإشارة، والأخيران من الأسماء الموصولة، وكل من أسماء الإشارة والأسماء الموصولة مبني، وقد اشترط فيما يثنى -كما سبق- أن يكون معربا فهذه الأسماء إذن ليست مثناة حقيقة، ولكنها وردت معربة إعراب المثنى فهي ملحقة به.
- جاء في القرآن: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ (^١).
_________________
(١) من الآية ١٩ من سورة الحج.
[ ٥٨ ]
- جاء في القرآن: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ (^١).
المجموعة الثانية: اثنان واثنتان:
هاتان الكلمتان لا مفرد لهما على الإطلاق، فليستا من المثنى حقيقة لكنهما وردتا معربتين إعرابه، فهما ملحقتان به.
- جاء في القرآن: ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ (^٢).
- وجاء في القرآن: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ (^٣).
المجموعة الثالثة: كلا، كلتا:
هاتان الكلمتان أيضا لا مفرد لهما، فليستا من المثنى، بل هما ملحقتان بالمثنى؛ لورودهما معربتين إعرابه بالألف رفعا وبالياء نصبا وجرا، تقول: "صاحبت صديقيَّ كليهما الليلة" وتقول: "اشتركت في الرحلتين كلتيهما" لكن حول هاتين الكلمتين ينبغي التنبه للملاحظتين المهمتين الآتيتين:
الأولى: أن هاتين الكلمتين تعربان إعراب المثنى إذا أضيفتا إلى الضمير فقط، أما حين تضافان للاسم الظاهر فإنهما تلزمان الألف وتعربان بالحركات المقدرة على الألف مثل الأسماء المقصورة، فلنلاحظ الأمثلة الآتية:
الصّفتان -المروءةُ والوفاء- كلتاهما حميدتان، "مرفوع بالألف ملحق بالمثنى مضاف للضمير".
كلتا الصفتين -المروءةُ والوفاءُ- حميدتان، "مرفوع بالضمة المقدرة على الألف مضاف للظاهر"
_________________
(١) من الآية ٢٩ من سورة فصلت.
(٢) من الآية ٦٠ من سورة البقرة.
(٣) من الآية ١٤ من سورة يس.
[ ٥٩ ]
في الحياة النجاح والفشل، وقد خضت التجربتين كلتيهما، "منصوب بالياء ملحق بالمثنى، مضاف للضمير"
في الحياة النجاح والفشل وقد خضت كلتا التجربتين، "منصوب بالفتحة المقدرة على الألف مضاف للظاهر".
الثانية: أن هاتين الكلمتين -سواء أضيفتا للضمير أم الظاهر- لفظهما مفرد ومعناهما مثنى، فلهما جانبان: الإفراد والتثنية.
ويترتب على ذلك أنهما إذا وقعتا مبتدأ وأخبر عنهما، فإن الخبر يصح فيه الإفراد مراعاة للفظهما، ويصح التثنية مراعاة لمعناهما، ويصح هذان الأمران أيضا إذا عاد عليهما ضمير في كلام لاحق لهما، فلنلاحظ الأمثلة:
إن الصديقين متفاهمان وكلاهما متفق مع الآخر. "كلمة: متفق، مفردة مراعاة للفظ".
إن الصديقين متفاهمان وكلاهما متفقان. "كلمة: متفقان، مثناة مراعاة للمعنى".
- جاء في القرآن: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ (^١).
جاءت الآية "آتَتْ" بإفراد الضمير المستتر، ولم تجئ "آتَتَا" بالتثنية.
- قال عبد الله بن معاوية:
كلانا غَنِيٌّ عن أخيه حياته … ونحن -إذا مُتنا- أشد تغانِيَا (^٢)
_________________
(١) من الآية ٣٣ من سورة الكهف.
(٢) معنى البيت: كلانا مستغن عن الآخر في الحياة، ونحن أشد غنى بعد الموت =
[ ٦٠ ]
فجاءت كلمة "غني" خبرا مفردا مراعاة للفظ المبتدأ، ولو راعى المعنى لقال: "غنيان".
المجموعة الرابعة: ما سمى بالمثنى
ويقصد بذلك أن يطلق المثنى على أحد الأشخاص، فيكون اسما له مثل: "محمدين، حسنين، عزين" فهذه الأسماء مثناة في اللفظ، ولكنها تطلق على المفرد فمعناها غير مثنى، ولذلك لم تكن مثناة وإنما ألحقت بالمثنى، فترفع بالألف وتنصب وتجر بالياء بناء على هذا الاعتبار السابق.
والذي أراه -إن لم يجانبني الصواب- أن هذه الأسماء المثناة التي سمي بها يجب أن تلتزم نطقها -حين أطلقت على الأشخاص- وتعرب
_________________
(١) = الشاهد في البيت: جملة "كلانا غني" فهي مبتدأ وخبر، والمبتدأ كلمة "كلانا" وقد أخبر عنها بمفرد هو "غني" مراعاة للفظه. إعراب البيت: "كلانا" كلا: مبتدأ مرفوع بالألف، ملحق بالمثنى، نا: مضاف إليه مبني على السكون في محل جر، "غني": خبر المبتدأ مرفوع بالضمة، "عن أخيه" عن: حرف جر، أخيه: مجرور وعلامة جره الياء، لأنه من الأسماء الستة، وضمير الغائب مضاف إليه، "حياته" حياة: ظرف زمان منصوب بالفتحة، وضمير الغائب مضاف إليه، "ونحن" الواو: حرف استئناف، نحن مبتدأ مبني على الضم في محل رفع، "إذا": أداة شرط، "متنا": فعل وفاعل جملة الشرط، وجواب الشرط محذوف، والجملة الشرطية معترضة بين المبتدأ والخبر، "أشد": خبر المبتدأ مرفوع بالضمة، "تغانيا": تمييز منصوب بالفتحة.
[ ٦١ ]
بالحركات الأصلية على آخرها بالضمة رفعًا وبالفتحة نصبًا وبالكسرة جرًّا فتقول: "اسمِي محمدٌ واسمُ أخي محمدينُ" بضم النون رفعا، وتقول: "يُطلق القرويون على أبنائهم الاسمَ حسنينَ" بفتح النون نصبا، إذ إن هذه الألفاظ المثناة بعد استعمالها أعلاما لا يكاد الناطق بها يلتفت إلى معناها المثنى، فكأنما صارت علما مفردا كسائر الأعلام المفردة، وهي لا تنون نظرا لأصلها قبل التسمية.
[ ٦٢ ]
جمع المذكر السالم:
١ - المقصود بجمع المذكر السالم وكيفيه إعرابه
٢ - صفات الاسم الذي يجمع هذا الجمع
٣ - ما ألحق بجمع المذكر السالم من الأسماء
جمع المذكر وكيفية إعرابه:
- من القرآن:
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (^١).
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ (^٢).
﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (^٣).
الكلمات: "المؤمنون، خاشعون، المنافقين، الكافرين" مما يطلق عليه اسم "جمع المذكر السالم" ومثلها كثير جدا مما لا يكاد يحصى، مثل: "مهتدون، متماسكون، متراحمون، متواضعون، متعففون، راضون، نابهون، أكرمون".
فجمع المذكر السالم يقصد به: اسم دلَّ على أكثر من اثنين مع سلامة لفظ مفرده بزيادة واو ونون أو ياء ونون في آخره. ا. هـ.
ومن ذلك التعريف يعلم أن جمع المذكر السالم ما اجتمعت له الصفات الآتية:
أ- أن يدل على ثلاثة فصاعدا، فكلمة: "مواطنون" تدل على عدد يبدأ من ثلاثة إلى ما لا نهاية، وهذا يفسر لنا تسميته "جمعا".
_________________
(١) الآية ١، ٢ من سورة المؤمنون.
(٢) من الآية ١٤٥ من سورة النساء.
(٣) من الآية ١٤١ من سورة النساء.
[ ٦٣ ]
ب- أن هذا الجمع لا يطلق إلا على الذكور فقط، فكلمة "منافقون" يقصد بها جماعة الذكور فقط، وهذا يفسر لنا تسميته "مذكرا".
ج- أن المفرد يبقى -حين الجمع- كما هو دون تغيير، فقط يضاف إليه الواو والنون أو الياء والنون، مثل: "متواضع" المفرد، يأتي منه هذا الجمع "متواضعون، متواضعين" فبقي المفرد سالما دون تغيير فيه، وهذا يفسر لنا تسميته "سالما".
ولعله قد وضح تماما تسمية هذا الجمع بالكلمات الثلاث "جمع مذكر سالم".
هذا الجمع يرفع بالواو وينصب ويجر بالياء المكسور ما قبلها المفتوح ما بعدها، ففي الآيات السابقة -بدئ بها الموضوع- كلمة "المؤمنون" في الآية الأولى مرفوعة بالواو وفي الآية الأخيرة مجرورة بالياء، وكلمة: "المنافقين" في الآية الثانية منصوبة بالياء، وكلمة "الكافرين" في الآية الأخيرة مجرورة بالياء.
هذا هو الأصل في إعراب جمع المذكر السالم -بالواو رفعا وبالياء نصبا وجرا- وهو اللغة الفصحى المشهورة التي ينبغي لنا النطق على طريقها.
لكن ينبغي أن نتذكر هنا -كما قلنا غير مرة- أن اللغة رويت عن قبائل متعددة، ومما نقل عن العرب في إعراب جمع المذكر لغة أخرى لا شهرة لها ولا كثرة، والغرض من ذكرها هنا العلم بها دون التأثر بنطقها أو القياس عليها، وهي:
بعض العرب يلزم جمع المذكر الياء دائما ويأتي على النون في آخره بالإعراب الأصلي، فتشكل بالضمة رفعا وبالفتحة نصبا وبالكسرة جرا ومما ورد من ذلك الشواهد الآتية:
[ ٦٤ ]
- ما روي عن الرسول في دعائه على قريش: "اللَّهمَّ اجعلها عليهم سنينًا كسنينِ يوسف" (^١) فكلمة "سنين" وردت في الحديث أولا منصوبة بفتحة النون، وثانيا مجرورة بكسرة النون.
- قول الصمة بن عبد الله القشيري:
دعانِيَ من نَجْدٍ فإنّ سنينَه … لَعبْن بِنا شيبًا وشَيَّبْنَنَا مُرْدا (^٢)
_________________
(١) أوردت بعض كتب النحو -كالأشموني- الحديث بالصورة المذكورة لكن البخاري أورده في كتاب التفسير عن ابن مسعود بلفظ: "اللهم أعنّي عليهم بسبع كسبع يوسف" وعلى ذلك فلا دليل فيه، انظر "فتح المبدي ج ٣ ص ١٩٣". الشاهد في الحديث: مجيء كلمة "سنين" فيه مرتين ملتزمة الياء ومعربة على آخرها بالحركات الأصلية، فهي في الأولى منصوبة ومنونة "سنينا" وفي الثانية مجرورة بالكسرة على النون في "كسنين يوسف" وقد جاءت على اللغة غير المشهورة. لكن للحديث رواية أخرى، هي: "اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف" وعلى هذه الرواية يكون قد جاء على اللغة الفصحى في إعراب جمع المذكر السالم فحذف التنوين من الكلمة أولا، وحذف النون منها ثانيا للإضافة.
(٢) دعاني: بمعنى اتركاني، المرد: جمع أمرد، وهو الشاب الذي لم ينبت في وجهه شعر. يقول: اتركا ذكر "نجد" وسيرته، فأنا أضيق بذلك ولا أطيقه، لما جرى لي به من الأحداث الجسام التي هزت الشيوخ وشيبت الشباب. الشاهد في البيت: موضعه في "سنينه" حيث لزمت الياء وأعربت على النون، فهي منصوبة اسم "إن"، وتلك لغة غير مشهورة.
[ ٦٥ ]
- قول ذي الإصبع العدواني:
إنِّي أبِيٌّ أبِيٌّ ذو محافظة … وابن أبِيٍّ أبِيٍّ من أبِيِّين (^١)
وهي لغة قليلة الشهرة -كما ذكرنا- وينبغي -إن لم يجانبني الصواب- صرف النظر عنها وعن أمثالها مما ورد في جمع المذكر السالم من اللغات التي لا داعي لذكرها.
صفات الاسم الذي يجمع هذا الجمع:
الذي يجمع هذا الجمع من الأسماء المفردة صنفان:
الصنف الأول: العلم
ويقصد بالعلم: ما كان اسما لشخص أو شيء معين، مثل: "محمد، خالد" والعلم الذي يجمع هذا الجمع لا بد "أن يكون لمذكر عاقل خالٍ من تاء التأنيث"
فلنلاحظ الأمثلة الآتية:
- محمد، خالد، عامر، عمر، علي، أحمد. "يصح جمعها لاستيفاء الشروط".
- سعاد، زينب، أسامة، معاوية. "لا يصح جمعها لفقدان بعض الشروط".
الصنف الثاني: الوصف
يقصد بالوصف: ما دل على ذات وصفة، وذلك بالتحديد
_________________
(١) الأبيّ: الشهم الشجاع. وموضع الشاهد في البيت كلمة "أبيين" في آخره، فقد التزمت الياء وأعربت على النون فهي مجرورة بالحرف "من" بكسرة النون، وذلك على اللغة غير المشهورة.
[ ٦٦ ]
"اسم الفاعل، اسم المفعول، الصفة المشبهة، اسم التفضيل، صيغ المبالغة".
مثل: "ناجح، مسرور، فَرِح، أرْوَع، لَمَّاح".
والوصف الذي يجمع هذا الجمع لا بد "أن يكون لمذكر عاقل خالٍ من التاء وليس على وزن أفْعَل فَعْلاء ولا فَعْلان فَعْلَى" فلنلاحظ الأمثلة:
- مُخلِص، متفوِّق، مأمون، فَرِح، أحْسن، لمَّاح. "يصح جمعها لاستيفاء الشروط".
- ناهِد، صاهل، نابح، راوية، علّامة، أخضر، خضراء، عطشان، عطشى. "لا يصح جمعها، لفقدان بعض الشروط".
ما ألحق بجمع المذكر من الأسماء:
المقصود بالملحق بجمع المذكر -كما سبق في المثنى- أن يكون الاسم على صورة جمع المذكر، وقد ورد في اللغة معربا إعرابه -بالواو رفعا وبالياء نصبا وجرا- لكنه لا ينطبق عليه مسلك الكلمات التي تجمع هذا الجمع وشروطها، فهو جمع في الصورة، وليس جمعا في الحقيقة، ولهذا يلحق بجمع المذكر في إعرابه ولا يعتبر جمعا.
والأسماء التي تلحق بجمع المذكر تأتي في مجموعتين هما:
المجموعة الأولى:
أولو، عشرون وبابه، كلمة "أولو" بمعنى كلمة "أصحاب"، نقول: "أولو العزيمة، أولو المشورة" وباب "عشرون" يقصد به "ثلاثون، أربعون، خمسون، ستون، سبعون، ثمانون، تسعون" فهذا كله لا مفرد له من لفظه، إذ لا يقال: "أُول، عِشْر"
[ ٦٧ ]
- جاء في القرآن: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ (^١).
- جاء في القرآن: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (^٢).
- قول أبي المنهال الخزاعي يشكو الشيخوخة:
إن الثمانين وَبُلِّغْتها … قد أحْوَجَتْ سمعي إلى ترجُمَان (^٣)
المجموعة الثانية:
بنون، أهْلون، عَالَمون، وَابِلون، أرَضون، سِنَون، وبابه:
والمقصود بباب "سنون" كل ما كان مثله في المفرد والجمع مثل "مِئين، عِزِين، عِضِين" فهذه المجموعة كلها لها مفردات حقا هي على الترتيب "ابن، أهل، عالم، وابل، أرض، سنة" لكن هذا المفرد فيها جميعا لا يجمع جمع مذكر سالما؛ لأنه اسم جامد وليس علَما أو صفة.
ويضاف إلى ذلك أن بعض هذه المفردات لغير عاقل مثل "أهل، عالَم، وابل" وبعضها غير عاقل ومؤنث مثل "أرض، سنة".
وخلاصة الأمر في هذه المجموعة أن مفرداتها لا تصلح لجمع المذكر السالم ولذلك اعتبرت ملحقة به، ومن شواهدها:
_________________
(١) الآية ٢٢ من سورة النور.
(٢) من الآية ١٢ من سورة الزمر.
(٣) بلغتها: جملة دعائية للمخاطب بأن يطيل الله عمره حتى يبلغ الثمانين، ترجمان: الأصل أنه الذي ينقل الكلام من لغة لأخرى، والمقصود به هنا: الذي يبلغ الشيخ الطاعن في السن ما يقال لضعف سمعه. الشاهد في البيت: "الثمانين" فإنها ملحقة بجمع المذكر السالم، فتعرب إعرابه، وهي في البيت اسم "إن" منصوبة بالياء.
[ ٦٨ ]
- قول القرآن: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (^١).
- قول القرآن: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٢).
- قول الرسول: "من ظلم قيد شبرٍ من الأرض طُوِّقَهُ من سبع أرَضين" (^٣).
- قال الشاعر:
وما المالُ والأهْلون إلا ودائعُ … ولا بدَّ يومًا أن تُردَّ الودائعُ (^٤)
- قول أبي تمام:
أعوامُ وصلٍ كان ينسِي طولَها … ذكرُ النَّوَى فكأنها أيَّامُ
ثم انبرتْ أيامُ هجْرٍ أردفتْ … بجوى أسى فكأنها أعوامُ
ثم انقضتْ تلك السِّنون وأهلُها … فكأنَّها وكأنهم أحلامُ (^٥)
_________________
(١) من الآية ٦ من سورة الكهف.
(٢) الآية الأولى من سورة الفاتحة.
(٣) صحيح البخاري، الجزء الثالث، كتاب المظالم والغصب.
(٤) موضع الشاهد: في كلمة "الأهلون"، فإنها ملحقة بجمع المذكر السالم وهي معطوفة على كلمة "المال" المرفوعة، فهي أيضا مرفوعة بالواو.
(٥) النوى: البعد، انبرت: جاءت، أردفت: جاء في أثرها. ذكرى مؤثرة، أعوام من السعادة مرت كأنها أيام، وأيام من التعاسة طالت كأنها أعوام، وانتهى الجميع، ولم يبق إلا ذكرى كأنها أحلام. والأبيات لأبي تمام، وهو -فيما يرى النحاة- لا يستشهد بشعره، وإنما جاءت على سبيل التمثيل. وموضع التمثيل: في البيت الأخير في كلمة "السنون" فهي ملحقة بجمع المذكر، وهي في البيت مرفوعة بدل من كلمة "تلك" وعلامة رفعها الواو.
[ ٦٩ ]
المجموعة الثالثة:
ما سمي بجمع المذكر مثل: "عابدين، ابن زيدون، سعدون، حمدون".
فهذه من جموع المذكر السالم في اللفظ؛ لأنها في الأصل جمع "عابد، زيد، سعد، حمد" ثم سمي بها واحد فقط، فصار معناها غير جمع بل مفردا، فهي -لذلك- ملحقة بجمع المذكر، فتعرب -فيما يرى النحاة- إعرابه، بالواو رفعا وبالياء نصبا وجرًّا.
والذى أراه -إن لم يجانبني الصواب- أنه إذا سمى بجمع المذكر، فإنه يلتزم صورة التسمية، ويعرب بالحركات الأصلية على آخره؛ لأن هذا هو الذي يتفق مع الإحساس اللغوي بالكلمة بعد أن سمّي بها، إذ يتناسى أصلها، وتعتبر مفردا جاء على هذه الصورة الخاصة التي أطلق بها على المفرد فتقول: "من أصدقائي الأستاذُ عابدينُ" وتقول: "احترمتُ الصديقَ عابدينَ لوفائه" وتقول: "من أحياء القاهرة العريقة حَيُّ عابدينِ"، وهو لا ينون نظرا لأصله قبل التسمية.
[ ٧٠ ]
جمع المؤنث السالم "ما جمع بألف وتاء":
١ - اسمه بين الشهرة والدقة، وكيفية إعرابه
٢ - ما يجمع هذا الجمع من المفردات
٣ - ما ألحق به من الكلمات
اسمه وكيفية إعرابه:
في مجتمعنا مثقَّفاتٌ طيباتٌ وفيه أيضًا جاهلاتٌ تافهاتٌ.
وتفهمُ المثقفةُ واجباتِها وتؤديها بأمانةٍ وشرفٍ.
وتعقِّدُ الجاهلةُ حياتَها بتصرفاتٍ رديئةٍ حمقاءَ.
المشهور عن هذا الجمع أنه يطلق عليه اسم "جمع المؤنث السالم" وهذا هو الاسم الشائع بين المعربين والشَّادين في النحو.
ويحدد هذا الإطلاق المشهور علميا بأنه: كل اسم دلَّ على أكثر من اثنتين مع سلامة مفرده وزيادة ألف وتاء في آخره ا. هـ.
ومن هذا التحديد السابق تفهم الصفات التي روعيت في إطلاق الاسم السابق عليه "جمع المؤنث السالم" وهي:
أ- أنه يدل على أكثر من اثنتين، بمعنى أنه يدل على ثلاثة فصاعدا فمثلا "عفيفات" تطلق على عدد كثير أقلُّه ثلاثة، وهذا يفسر تسميته "جمعا".
ب- أن الغالب في المفردات التي تجمع كذلك أن تكون مؤنثة كما ورد في القرآن من وصف النساء الصالحات ﴿مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ﴾ (^١)
_________________
(١) الآية ٥ من سورة التحريم.
[ ٧١ ]
ومفرداتها على التوالي: "مؤمنة، قانتة، تائبة، عابدة، سائحة" وكلها مؤنثة وهكذا معظم ما يأتي منه هذا الجمع، وهذا يفسر تسميته "مؤنثا".
ج- أن الغالب في المفردات حين تجمع هذا الجمع أن تبقى كما هي دون تغيير، فتزاد الألف والتاء عليها، فتصير من هذا الجمع، مثل "مثقفة، طيبة، جاهلة، تافهة" مفردات، يأتي منها الجمع بزيادة الألف والتاء، فنقول: "مثقفات، طيبات، جاهلات، تافهات" دون تغيير في المفرد -سوى حذف تاء التأنيث منه إن وجدت- وهذا هو الغالب فيما يجمع هذا الجمع وهو ما يفسر تسميته "سالما".
وأظنه قد وضح الآن معنى الكلمات الثلاث "جمع، مؤنث، سالم" وهو اسم الشهرة لهذا الجمع.
د- أن الألف والتاء اللتين يتحقق بهما صورة هذا الجمع لا بد أن تكونا زائدتين على المفرد، وذلك بأن تكون بنية المفرد الأصلية خالية منهما، فلنلاحظ الأمثلة:
- تحيات، مباركات، طيبات، مقبولات. "جمع مؤنث سالم الألف والتاء زائدتان".
- قُضَاة، هُدَاة، بُنَاة، دُعَاة، رُقَاة. "جمع تكسير لا جمع مؤنث".
- غُزَاة، رُمَاة، سُعَاة، جُفَاة. "الألف هنا أصلية".
- أبْيَات، أصوات، أمْوات، أثبات. "جمع تكسير لا جمع مؤنث التاء أصلية".
هذا هو الاتجاه المشهور، لكن أهل الدقة من علماء النحو ﵏
[ ٧٢ ]
فضلوا على الاسم السابق اسما آخر هو "ما جمع بألف وتاء" فوافقوا بذلك الاتجاه المشهور في صفتين هما "الجمع، زيادة الألف والتاء" وصرفوا النظر على الصفتين الباقيتين وهما "مؤنث سالم" للآتي:
أ- أن هذا الجمع كما يأتي من المفرد المؤنث، يأتي أيضا من المفرد المذكر، مثل: "تصرف، واجب، بيان، مطار، حمَّام" فتجمع على الترتيب "تصرفات، واجبات، مطارات، حمامات".
وبناء على ذلك فلا داعي لأن يطلق على هذا الجمع أنه "مؤنث".
ب- أن هذا الجمع -كما يأتي من المفرد السالم الذي لا يتغير حين جمعه- قد يتغير مفرده حين الجمع، مثل "زَهْرة، صَفْحة، غُرْفة، زَفْرة، ظُلْمة، ذِكْرى، عذراء" فتقول في جمعها على الترتيب: "زهرات، صفحات، غرفات، زفرات، ظلمات، ذكريات، عذراوات". مما لو تأملتها -أدنى تأمل- لوجدت أنه قد تغير من المفرد حركة أو حرف.
وبناء على ذلك فلا داعي لأن يطلق على هذا الجمع أنه "سالم".
والذي أختاره -بعد توجيه كلا المصطلحين- هو اسم "جمع المؤنث السالم" مراعاة لقربه من أذهان المبتدئين، وشهرته بين المعربين وأغلب المتخصصين.
وعلى كل حال، فإن هذا الجمع يرفع بالضمة وينصب بالكسرة ويجر بالكسرة، فيخرج عن الأصل في حالة النصب فقط.
وإذا عاودنا النظرة إلى الأمثلة التي بدأ بها الموضوع، فإن الكلمات "مثقفاتٌ، طيباتٌ، جاهلاتٌ، تافهاتٌ" مرفوعة جميعا بالضمة، أما كلمة "واجبات" فإنها منصوبة بالكسرة وكلمة "تصرفاتٍ" مجرورة بالكسرة.
[ ٧٣ ]
- جاء في القرآن: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (^١).
- وجاء في القرآن: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ (^٢).
- وجاء في القرآن: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ (^٣).
ما يجمع هذا الجمع من المفردات:
أهم الأسماء المفردة التي يأتي منها هذا الجمع صنوف أربعة هي:
١ - ما كان في آخره تاء التأنيث مطلقًا، سواء أكان مؤنثا في المعنى أيضا مثل: "فاطمة، عائشة" أم كان مؤنثا في اللفظ فقط مثل: "معاوية، حمزة، طلحة، أسامة" وسواء أكان علما -كالأمثلة السابقة- أم صفة مثل: "مشهودة، عالية" فنقول في جمع المفردات السابقة جميعا على التوالي: "فاطمات، عائشات، معاويات، حمزات، طلحات، أسامات، مشهودات، عاليات".
٢ - ما كان في آخره ألف التأنيث مطلقا، سواء أكانت مقصورة مثل: "ليلى، نجوى، ذكرى" أم ممدودة مثل "لمياء، سمراء، لفَّاء" تقول في ذلك كله حين جمعه: "ليليات، نجويات، ذكريات، سمراوات، لفَّاوات".
٣ - ما كان خاليا من العلامتين السابقتين، ولكنه مؤنث تأنيثا معنويا مثل: "سعاد، زينب، سهير، ابتسام، إلهام" فتقول فيها جميعا: "سعادات، زينبات، سهيرات، ابتسامات، إلهامات".
٤ - ما كان خاليا من العلامتين السابقتين، ولكنه اسم جنس لغير العاقل
_________________
(١) من الآية ٣٨ من سورة ق.
(٢) من الآية ١٥٢ من سورة الصافات.
(٣) من الآية ١٦٨ من سورة البقرة.
[ ٧٤ ]
مثل: "حمّام، مطار، اشتباك، واجب" فنقول فيها على التوالي: "حمامات، مطارات، اشتباكات، واجبات".
ما ألحق بجمع المؤنث من الكلمات:
مرة ثالثة نتذكر أن المقصود بالملحق بجمع المؤنث السالم -مثل المثنى وجمع المذكر- وورد أسماء في اللغة على صورة جمع المؤنث وتعرب إعرابه ولكنها في الوقت نفسه ليست جمعا في الحقيقة، إذ لا تنطبق عليها شروطه أو لا يحمل معناه، فهي إذن ملحقة به؛ لأنها على صورته، ولكنها ليست منه، إذ لا ينطبق عليها شروطه ومعناه.
والكلمات التي ألحقت بجمع المؤنث السالم تأتي في مجموعتين:
المجموعة الأولى: أولات
وهي المقابل المؤنث لكلمة "أولو" في معناه وإعرابه، فكما أن كلمة "أولو" بمعنى "أصحاب" فإن كلمة "أولات" بمعنى "صاحبات" مثل: "أولات العفة، أولات الرِّقَّة، أولات الخلق" وكما أن "أولو" تلحق بجمع المذكر في إعرابه فترفع بالواو وتنصب وتجر بالياء، فإن "أولات" تلحق بجمع المؤنث السالم، فترفع بالضمة وتنصب وتجر بالكسرة، تقول: "تتبرج أولاتُ النفوسِ الضعيفة بطريقة فاضحة مثيرة، لكن أولاتِ العفة يراعين في زينتهن الاعتدالَ والحشمة" ومن ذلك:
- قول القرآن: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (^١).
_________________
(١) من الآية ٤ من سورة الطلاق. إعراب الآية: ﴿وَأُولاتُ﴾: مبتدأ مرفوع بالضمة، ﴿الْأَحْمَالِ﴾: مضاف إليه مجرور بالكسرة، ﴿أَجَلُهُنَّ﴾ أجل: مبتدأ ثانٍ مرفوع بالضمة، وضمير الغائبات مضاف إليه، ﴿أَنْ يَضَعْنَ﴾ أن: حرف مصدري ونصب، يضعن: فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة في محل نصب، ونون النسوة فاعل مبني على الفتح في محل رفع، والمصدر المؤول من "أن والفعل" خبر المبتدأ الثاني والمبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول، ﴿حَمْلَهُنّ﴾ حمل: مفعول به منصوب بالفتحة وضمير الغائبات مضاف إليه.
[ ٧٥ ]
- قول القرآن: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (^١).
المجموعة الثانية: سُمِّيَ به من هذا الجمع
وذلك أن تصبح صورة هذا الجمع اسما لفتاة أو موضع، وهو كثير ومنه: "عطيات، عنايات، زينات، هنوات، سعادات، عزات، أملات، عرفات، أذرعات: وهو موضع بالشام".
هذا النوع من الأسماء -كما هو واضح- جمع في اللفظ، لأن كل كلمة من هذه الكلمات لها مفرد ابتداء قبل التسمية به، ومفردات الأسماء السابقة على التوالي: "عطية، عناية، زينة، هناة، سعادة، عزة، أملة، عرفة، أذرعة".
لكن هذا الجمع قد سمي به فأصبح بصورته في الجمع يطلق على واحد فقط، فمعناه إذن واحد، وإن كانت صورته الجمع، ولذلك ألحق بجمع المؤنث السالم، ولم يعتبر جمعا بعد التسمية به.
وقد ورد في إعراب كلمات هذه المجموعة الوجوه الآتية:
_________________
(١) من الآية ٧ من سورة الطلاق.
[ ٧٦ ]
١ - إعراب جمع المؤنث السالم وبقاء الكلمات منونة، تقول: "زارت عطياتٌ صديقتها زينات في بيتها وذاكرتا مع زميلتهما عنايات".
٢ - إعراب جمع المؤنث السالم وترك التنوين: تقول "عرفاتُ جبل قرب مكة، والمسلمون يقدسون عرفاتِ بالصعود عليه والمبيت فيه في موسم الحج".
٣ - إعراب الاسم الذي لا ينصرف: فيرفع بالضمة وينصب ويجر بالفتحة من غير تنوين، تقول: "اصطحبت عناياتُ زميلتها زيناتَ ومرَّتا على أملاتَ ليذهَبْن جميعًا للنزهة".
ومن البيّن في هذه الوجوه الثلاثة أن الأول يراعي تماما الجمع قبل التسمية به، فيعربه بعد التسمية إعراب جمع المؤنث وينونه، والثاني يراعي الجمع قبل التسمية في الإعراب فقط، لكنه يلاحظ -بعد التسمية- أنه أصبح علما مؤنثا فيمنعه من التنوين، أما الوجه الثالث فيصرف النظر تماما عن الأصل -وهو الجمع- ويعتبره علما مؤنثا فيمنعه التنوين ويعربه إعراب ما لا ينصرف.
وقد ورد بهذه الوجوه الثلاثة قول امرئ القيس يتغزل في معشوقته:
ومثلِكِ بيضاء العوارِض طَفلةٍ … لَعُوبٍ تُنَسِّيني إذا قمْتُ سِرْبَالِي
لطيفة طيِّ الكشحِ غيرِ مُفَاضةٍ … إذا انْفَتَلتْ مُرْتَجَّةٍ غيرِ مِتْفَالِ
إذا ما استحمّتْ كان فيضُ حمِيمِها … على مَتْنَتيها كالجُمانِ لَدَى الْجَالِي
تنَوَّرتُها من أذرعات وأهلُها … بِيَثْرِب أدْنَى دارِها نظرٌ عالِي (^١)
_________________
(١) العوارض: جمع عارض وهو صفحة الوجه، الطفلة: اللينة الناعمة، السربال: الثوب، الكشح: الخصر، غير مفاضة: غير مهدلة البطن، مرتجة: بضة الجسم، غير متفال: ليست كريهة الرائحة، متنتيها: جانبي ظهرها، الجمان: الفضة النقية، الجالي: الصيرف الذي يعد الفضة، أذرعات: بلد في الشام، يثرب: مدينة الرسول. يصف عشيقته بأنها بيضاء الوجه، لينة الجسم، رقيقة الخصر، بضة، طيبة الرائحة، نظيفة البدن، ينسدل الماء على جسمها كقطع الفضة البيضاء، ويتخيل أنه يرى -من شوقه- نارها مع بعد المكان -بعد الشام عن المدينة- وله عذره!! والشاهد في البيت الأخير: كلمة "أذرعات" فهي ملحقة بجمع المؤنث وقد وردت بروايات ثلاث: مكسورة منونة، ومكسورة غير منونة، ومفتوحة الآخر دون تنوين.
[ ٧٧ ]
والشاهد في كلمة "أذرعات" في البيت الأخير، فقد رويت مكسورة منونه "أذرعاتٍ" على الوجه الأول، وبغير تنوين "أذرعاتِ" على الثاني ومفتوحة بغير تنوين "أذرعاتَ" على الوجه الأخير.
والذى أراه -بعد فهم كل هذه الأوجه- أن الوجه الأخير أقرب إلى استعمال اللغة، إذ إن هذه الأسماء -بعد أن سمي بها- أصبحت لدى الناطق العادي أسماء مفردة مؤنثة، حيث يتوارى وراء هذا الاستعمال الأصل الذي نقلت عنه وهو الجمع، وهذا الاستعمال والإحساس به يرجح لديّ الوجه الأخير من اعتبارها "أعلاما مؤنثة" تعرب إعراب ما لا ينصرف.
[ ٧٨ ]
١ - المقصود بالأفعال الخمسة، وكيفية إعرابها
٢ - يتفرع على هذا الموضوع المسألتان الآتيتان:
أ- اجتماع نون الرفع مع نون الوقاية
ب- حذف نون الرفع لضرورة الشعر
الأفعال الخمسة وكيفية إعرابها:
لعلماءُ يصنعون عقلَ الأمَّة والأدباء يكوِّنون ضميرها.
والأمَّةُ الواعيةُ تهتمُّ بعلمائِها ليؤدُّوا رسالتهم لها بإخلاص.
فإنهم يشعرون بالمرارةِ واليأسِ إذا لم يجدوا الرِّعايةَ والتقدير.
الأفعال الخمسة أو "الأمثلة الخمسة" هي صور خمس من الفعل المضارع تمثل نماذج يندرج تحتها كثير من الأفعال، وليس المقصود بها أفعالا معينة بذاتها.
ويقصد بالأفعال الخمسة: كل فعل مضارع اتصل به ألف الاثنين أو واو الجماعة أو ياء المخاطبة ا. هـ.
ومقتضى الكلام السابق أن هذه الأفعال ثلاثة لا خمسة، لأن المضارع من هذه الأفعال يكون مع ألف الاثنين -وهذه واحدة- أو واو الجماعة -وهذه ثانية- أو ياء المخاطبة -وهذه ثالثة- فكيف صارت خمسة؟؟
الحق أن ألف الاثنين تأتي مع المضارع للغَائِبَيْن أو المخاطَبَيْن، ومثلها تماما واو الجماعة تكون للغائِبِين أو المخاطبِين، فهذه أربع صور، ويضاف
[ ٧٩ ]
إليها صورة ياء المخاطبة، فتلك إذن خمس، فلنلاحظ الأمثلة الآتية:
- يصنعان، يكوّنان، يؤديان، يشعران، يجدان. "مضارع مسند لألف الاثنين للغائِبَين".
- تصنعان، تكوّنان، تؤديان، تشعران، تجدان. "مضارع مسند لألف الاثنين للمخاطَبَين".
- يصنعون، يكوِّنون، يؤدُّون يشعرون، يجدون. "مضارع مسند لواو الجماعة للغائِبِين".
- تصنعون، تكوّنون، تؤدون، تشعرون، تجدون. "مضارع مسند لواو الجماعة للمخاطَبِين".
- تصنعين، تكوّنين، تؤدّين، تشعرين، تجدين. "مضارع مسند للمخاطبة".
فهذه هي الأفعال الخمسة، ويعبر عنها أحيانا بالوزن الصرفي، فيقال -كما جاء في ابن عقيل- وهي "يفعلان، تفعلان، يفعلون، تفعلون، تفعلين".
وإعراب الأفعال الخمسة يكون كالآتي: ترفع بثبوت النون نيابة عن الضمة، وتنصب بحذف النون نيابة عن الفتحة، وتجزم بحذف النون نيابة عن السكون.
وإذا عاودنا النظر إلى الأمثلة التي بدأ بها الموضوع، وجدنا الأفعال، "يصنعون، يكونون، يشعرون" في الأمثلة مرفوعة -لتجردها من الناصب والجازم- بثبوت النون، والفعل "يؤدوا" منصوب -بعدم لام التعليل- بحذف النون.
[ ٨٠ ]
وأما الفعل "يجدوا" فهو مجزوم بعد "لم" وعلامة جزمه حذف النون.
- جاء في القرآن: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ (^١).
- وجاء في القرآن: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (^٢).
- وجاء في القرآن: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ (^٣).
ما يتفرع على ذلك:
يتفرع على هذا الموضوع السابق مسألتان:
الأولى: نون الرفع مع نون الوقاية
لاحظ الأمثلة الآتية:
"تَتذكرانِني، تَزورانِني، تُؤنسونَني، تُسعدونني".
من البيّن أن هذه الأفعال الأربعة أصلها "تتذكران، تزوران، تؤنسون، تسعدون" والنون الموجودة ههنا هي نون الرفع، ثم جاء بعدها نون الوقاية وهي نون تتوسط بين الفعل وياء المتكلم لتقي الفعل من الكسر -كما قالوا- فصار على الصورة السابقة باجتماع النونين متجاورتين، الأولى نون الرفع والثانية نون الوقاية، وقد جاء نطق العرب لهاتين النونين على الصور الثلاث الآتية:
_________________
(١) من الآية ٢٨١ من سورة البقرة.
(٢) الآية ٧٨ من سورة المائدة.
(٣) من الآية ١٢٩ من سورة النساء.
[ ٨١ ]
١ - بقاء النونين على أصلهما، فينطق بهما معا -كما هو واضح في الأمثلة السابقة- وكما جاء في القرآن: ﴿أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ (^١)، وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ (^٢).
٢ - إسكان النون الأولى -نون الرفع- وإدغامها في الثانية، فتصير نونًا مشددة، كما لو نطقنا الأمثلة السابقة "تتذكرانِّي، تزورانِّي، تؤسونِّي، تسعدونِّي" وقد قرئت بذلك الآية: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ (^٣).
٣ - أن تحذف النون الأولى تخفيفا للنطق، كما لو نطقنا الأمثلة السابقة: "تتذكرانِي، تزورانِي، تؤسونِي، تسعدونِي" وحينئذٍ يكون الفعل مرفوعا بالنون المحذوفة تخفيفا.
الثانية: حذف نون الرفع لضرورة الشعر
المعلوم -كما سبق- أن مجال الشعر ضيق لتقيد الشاعر بالوزن والتفاعيل المعدودة، والقافية اللازمة، ولذلك فإنه يباح للشاعر ما لا يباح للناثر، ومما يباح له أحيانًا حذف نون الرفع في الأفعال الخمسة إذا اضطر إلى ذلك، وقد ورد ذلك في شعر الفصحاء من شعراء الجاهلية والإسلام، ومن ذلك:
_________________
(١) من الآية ١٧ من سورة الأحقاف.
(٢) من الآية ٥ من سورة الصف.
(٣) الآية ٥٤ من سورة الزمر.
[ ٨٢ ]
- قول طرفة بن العبد:
يا لَك من قُبَّرةٍ بمَعْمَرِ
خلَا لَكِ الجوُّ فبيضي واصْفِرِي
ونقّري ما شئتِ أن تُنَقِّرِي
قد رُفع الفخُّ فماذا تحذرِي
لا بُدَّ يومًا أن تُصَادِي فاصْبِرِي (^١)
وقد كان مقتضى الكلام أن يقول: "ماذا تحذرين" لكنه حذف النون لضرورة الوزن والقافية.
- قول الشاعر يؤنب زوجه بطريقة رديئة:
أبِيتُ أسْري وتبيتي تدلُكي
وجهَكِ بالعنبر والمسْك الزكي (^٢)
وقد كان مقتضى الكلام أن يقول: "وتبيتين تدلكين" لكنه حذف النون لضرورة الوزن والقافية.
_________________
(١) القبرة: طائر معروف، معمر: اسم مكان، اصفري: الصفير إرسال الصوت في طلاقة. والأبيات خطاب لقبرة صفا لها الجو وخلا، فلها أن تبيض وتزقزق وتنقر الأرض حيث تشاء دون خوف من الصياد وآلته، ثم يتوعدها أخيرًا بأنها سوف تصاد فيما بعد، وبعد الفرح الحزن. والأبيات تستخدم لكل من غرته السعادة العاجلة عن الشر الآجل. الشاهد فيها "فماذا تحذري" وكان حقه أن يقول: "فماذا تحذرين" لكن حذفت النون لضرورة الوزن والقافية.
(٢) يدل على امرأته بأنه يشقى ويتعب ويكدح، أما هي فعملها التزين والتطيب، مع أن هذا من طبائع الأمور!! الشاهد في "تبيتي" وكان من المفروض أن يقول "تبيتين" ولكنه حذف نون الرفع للضرورة الشعرية، ومثلها "تدلكي".
[ ٨٣ ]
- المقصود بالمضارع المعتل الآخر وأنواعه
٢ - معنى المصطلحين النحويين "التعذر، الثقل"
٣ - كيفية إعراب المضارع المعتل الآخر
المضارع المعتل الآخر وأنواعه:
- يهوَى، يرضَى، يبقَى، ينهَى، يرقَى. "معتل الآخر بالألف".
- يبنِي، يهدِي، تفدِي، يُوفِي، يخفِي، يقضِي. "معتل الآخر بالياء".
- يرجُو، يسمُو، يعلُو، يغزُو، يعدُو، يحلُو. "معتل الآخر بالواو".
جاء في ابن عقيل: المعتل من الأفعال هو ما كان في واو قبلها ضمة نحو "يغزُو" أو ياء قبلها كسرة نحو "يرمِي" أو ألف قبلها فتحة نحو "يخشَى" ا. هـ.
وتقريب هذه العبارة أن المضارع المعتل الآخر هو -كما يدل اسمه- ما كان في آخره حرف علة ألف أو واو أو ياء.
ويترتب على ذلك بالضرورة أن أنواعه هي: معتل الآخر بالألف، معتل الآخر بالياء، معتل الآخر بالواو.
معنى المصطلحين: التعذر، الثقل
التعذر: استحالة ظهور الحركة على حرف العلة، حيث يتعذر على اللسان أن تظهر الحركة عليه.
[ ٨٤ ]
ويكون ذلك مع المعتل بالألف مثل: "يهوَى، يرضَى" ولك أن تحاول إظهار الحركة -ضمة أم فتحة- على آخر هذين الفعلين وهو الألف وإنك لن تستطيع!!
الثقل: صعوبة ظهور الحركة على حرف العلة، حيث يثقل على اللسان أن تظهر الحركة عليه، وإن كان يستطيع ذلك مع مشقة.
ويكون ذلك مع المعتل بالواو أو الياء في بعض الحالات الإعرابية فمثلا الفعلان "تهْدِي، تسمُو" لو حاولنا إظهار الضمة عليهما، لأمكن ذلك، فنقول: "تهْدِيُ، تسْمُوُ" ولكن يكون ذلك ثقيلا على اللسان ويشق عليه النطق بها على الواو أو الياء.
[ ٨٥ ]
كيفية إعراب المضارع المعتل الآخر:
لنتأمل الجدول الآتي:
الفعل في حالة الرفع في حالة النصب في حالة الجزم يرقَى (معتل بالألف) يرقَى المجدُّ في حياته يجتهد المجدُّ ليرقَى في حياته لا ترقَ في حياتك على حساب الآخرين يتَّقِي (معتل بالياء) يتَّقِي المؤمن ربَّه يعمل القوى جهرة ليتَّقِيَ الريبة لا تتَّقِ الناس، بل اتَّقِ الله يَحْلُو (معتل بالواو) قد يحلُو العيش بعد المرارة لن يَحلُوَ العيش بدون حرية لم تحلُ حياة الأذلّاء قط
[ ٨٦ ]
الاستنتاج:
مكن الاستنتاج من الجدول السابق بطريقتين أفقية ورأسية
الطريقة الأولى: الأفقية
تلخص في الآتي:
أ- الفعل المضارع المعتل الآخر بالألف: تقدر عليه الضمة في حالة الرفع والفتحة في حالة النصب، ويجزم بحذف حرف العلة.
ب- الفعل المضارع المعتل الآخر بالياء: تقدر عليه الضمة في حالة الرفع وتظهر عليه الفتحة في حالة النصب، ويجزم بحذف حرف العلة.
ج- الفعل المضارع المعتل بالواو: تقدر عليه الضمة في حالة الرفع وتظهر عليه الفتحة في حالة النصب، ويجزم بحذف حرف العلة -مثل المعتل بالياء تمامًا.
الطريقة الثانية: الرأسية
تلخص في الآتي:
أ- الفعل المعتل عمومًا: في حالة الرفع تقدر عليه الضمة.
ب- الفعل المعتل عمومًا: في حالة الجزم يحذف منه حرف العلة.
ج- الفعل المعتل في حالة النصب، تقدر الفتحة على المعتل بالألف وتظهر على المعتل بالياء والواو.
[ ٨٧ ]
والإعراب المقدر
تمهيد:
يحترمُ المواطنُ الشريفُ حرِّيَّاتِه وحرِّيَّاتِ الآخرين.
لكنْ يَحْيَا بعضُ الناسِ لرغباتِه فقط ويتعامَى عن هوَى الآخرين.
الإعراب الظاهر: هو ما كانت له علامة ظاهرة من علامات الإعراب سواء أكانت أصلية أم فرعية.
والإعراب المقدر: هو ما لم تكن له علامة ظاهرة في الكلام، وإنما علامته مقدرة؛ إذ يتخيل له علامة للرفع أو النصب أو الجر.
ويلاحظ في العبارتين السابقتين ما يلي:
الكلمات "يحترم، المواطن، الشريف، بعض، الناس، رغبات" في كل منها علامة ظاهرة أصلية، هي الضمة أو الكسرة.
أما الكلمتان "حريات، الآخرين" ففي كل منهما أيضا علامة ظاهرة فرعية هي في الأولى الكسرة وفي الثانية الياء.
لكن الكلمات "يحيا، يتعامى، هوى" ليست فيها علامة ظاهرة، فليست هناك ضمة ظاهرة على آخر الفعل "يحيا" أو الفعل "يتعامى" وليست هناك كسرة ظاهرة على ألف كلمة "هوى"، ولذلك يتخيل على آخر كل منهما علامة إعراب مناسبة لوظيفته النحوية، ضمة أو فتحة أو كسرة.
والخلاصة: أن الإعراب الظاهر ما له وجود فعلا على آخر الكلمة، أما الإعراب المقدر، فهو لا ينطق به، لكنه يتخيل على آخر الكلمة.
[ ٨٨ ]
وينبغي -بعد هذا الفهم- أن نلاحظ الأمور الآتية:
أولا: أن كل ما سبق شرحه من الإعراب الأصلي والفرعي -بأبوابه السبعة- إنما هو من الإعراب الظاهر، باستثناء المضارع المعتل الآخر وسيعرف بعد قليل الرأي فيه.
ثانيا: أن الذي يقدر من علامات الإعراب إنما هو العلامات الأصلية فقط "الضمة، الفتحة، الكسرة" ولا تقدر العلامات الفرعية.
ثالثا: الإعراب المقدر يكون في الفعل المضارع المعتل الآخر -كما سبق بيانه- على التفصيل الآتي:
أ- في حالة الرفع مع كل أنواعه "المعتل بالألف أو الواو أو الياء".
ب- في حالة النصب مع المعتل بالألف فقط.
وقد سبق شرح ذلك فلا حاجة إلى إعادته.
رابعا: يأتي الإعراب المقدر في أصناف ثلاثة من الأسماء هي:
١ - المقصور: مثل "النُّهَى، الرِّضَى، العُلى".
٢ - المنقوص: مثل "السامي، الهادي، الداعي".
٣ - المضاف لياء المتكلم: مثل "بلادِي، وطنيِ، حياتيِ".
وهذه الثلاثة في حاجة إلى بيان الإعراب المقدر فيها تفصيلا.
[ ٨٩ ]
الأسماء التي يقدر عليها الإعراب:
١ - المقصود بالأسماء الثلاثة "المقصور، المنقوص، المضاف لياء المتكلم"
٢ - معنى المصطلحات النحوية الثلاثة "التعذر، الثقل، المناسبة"
٣ - كيفية إعراب الأسماء الثلاثة السابقة
المقصود بالأسماء الثلاثة:
البُشْرَى، اليُسْرَى، الشُّورَى، الهُدَى، الرِّضَى. "المقصور".
- الهادِي، الراضِي، القاضِي، البانِي، الرامِي. "المنقوص".
- وطنِي، أسرتِي، كليتِي، إيمانِي، عزيمتِي. "المضاف لياء المتكلم".
والتحديد العلمي لهذه الأسماء الثلاثة هو:
المقصور: هو الاسم المعرب الذي آخره ألف لازمة قبلها فتحة. ا. هـ.
وهنا ينبغي التنبيه إلى أن وجود الألف في آخره إنما يقصد به النطق لا الكتابة، فكلمة مثل: "البشرى" اسم مقصور، إذ تنطق بالألف وإن كانت الكتابة بالياء، فالنحو لا شأن له -كما سبق القول- بالكتابة وإنما يدرس النطق.
المنقوص: هو الاسم المعرب الذي آخره ياء لازمة قبلها كسرة. ا. هـ.
[ ٩٠ ]
المضاف لياء المتكلم
المضاف لياء المتكلم: هو الاسم المعرب الذي كمل معناه بإضافة ياء المتكلم إليه. ا. هـ.
فالاسم المعرب يطلق عليه مضاف وياء المتكلم يطلق عليها "مضاف إليه" فمثلا "وطني" مكونة من كلمتين هما "وطن، ياء المتكلم" بالفهم الآتي:
١ - "وطن" هي "المضاف" لياء المتكلم، وآخره مكسور حين الإضافة، وهذا الاسم هو المقصود بالدراسة هنا.
٢ - ياء المتكلم هي "المضاف إليه" وهو اسم مبني في محل جر، ويقتضي كسر ما قبله دائمًا، ومما يقتضي كسر آخره -حين الإضافة- الاسم المضاف.
المصطلحات الثلاثة: التعذر، الثقل، المناسبة.
التعذر: هو -كما سبق في المضارع المعتل الآخر- استحالة ظهور الحركة على حرف العلة، حيث يتعذر على اللسان أن تظهر الحركة عليه.
ويكون ذلك هنا مع الاسم المقصور، مثل: "الشُّورَى، الهُدَى" فالألف التي في آخر هذين الاسمين لا تقبل الحركة، ولك أن تجرِّب إظهار الحركة -ضمة أم فتحة أم كسرة- على هذين الاسمين، وإنك لن تستطيع النطق بها.
الثقل: هو -كما سبق في المضارع المعتل الآخر- صعوبة ظهور الحركة على حرف العلة؛ حيث يثقل على اللسان أن تظهر الحركة عليه، وإن كان يستطيع ذلك مع مشقة.
ويكون ذلك هنا مع الاسم المنقوص في بعض حالاته الإعرابية مثل: "الهادِي، القاضِي" فالياء التي في آخر هذين الاسمين يصعب نطقًا أن تشكل
[ ٩١ ]
بالضم، بأن يقال: "الهادِيُ، القاضِيُ" كما يصعب نطقًا أن تشكل بالكسر فيقال: "الهادِيِ، القاضِيِ"، فالنطق بذلك -وإن كان ممكنا- لكن فيه مشقة على اللسان، وهذا ما يسمى بالثقل.
المناسبة: وجود حركة لازمة في آخر الاسم المعرب لمناسبة اسم آخر متصل به، وتسمى هذه الحركة حركة المناسبة، ويترتب على وجودها الضروري ألا تظهر على آخر الاسم حركات الإعراب.
ويكون ذلك في المضاف لياء المتكلم، إذ تقتضي الياء -كما سبق- كسر آخر الاسم "المضاف" دائمًا لمناسبة الياء، مثل: "وطنِي، أسرتِي" حيث توجد في الكلمتين كسرة لازمة على "النون والتاء" لمناسبة الياء، فلا يستطاع نطقًا الإتيان معها بحركات الإعراب الأخرى، ضمة أم فتحة أم كسرة.
[ ٩٢ ]
إعراب الأسماء الثلاثة:
لنتأمل الجداول الآتي:
الاسم في حالة الرفع في حالة النصب في حالة الجر الشُّورى (مقصور) تعصم الشُّورَى من خطأ الرأي الفَرْد فإن الشُّورَى مظهرٌ عظيمٌ للحرّيةِ العامة ليست من الشّورى الموافقةُ بالتّخويف الرَّاضِي (منقوص) الرَّاضِي عن الباطِل ذليل لكنّ الرَّاضِيَ عن الحقِّ حر عزيز فرقٌ كبيرٌ بين الرَّاضِي عن الحقِّ والباطل حرّيّتِي (مضاف إلى ياء المتكلم) حرّيّتِي أغلى من الحياة لكنّ حرّيّتِي لا تتحقق بدون تضحية وجزءٌ من حرّيّتي في حرِّية الآخرين
[ ٩٣ ]
الاستنتاج:
من تأمل الجدول السابق يستنتج ما يلي:
أ- الاسم المقصور: تقدر عليه الضمة والفتحة والكسرة للتعذر.
ب- الاسم المنقوص: تقدر عليه الضمة والكسرة فقط للثقل، وتظهر عليه الفتحة.
ج- الاسم المضاف إلى ياء المتكلم: تقدر عليه الضمة والفتحة والكسرة للمناسبة.
والخلاصة: أن هذه الأسماء الثلاثة تقدر عليها جميعًا الحركات الثلاث -رفعًا ونصبًا وجرًّا- مع اختلاف السبب -ما عدا الاسم المنقوص في حالة النصب فإنه تظهر عليه الفتحة.
فلنتأمل الشواهد الآتية:
- جاء في القرآن: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً﴾ (^١).
فكلمة "الوادِي" اسم منقوص مجرور بالكسرة المقدرة على الياء للثقل.
وكلمة "طوَى" اسم مقصور بدل من "الوادي" مجرور بالكسرة المقدرة على الألف للتعذر.
- جاء في القرآن: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ (^٢).
فكلمة "المنادي" اسم منقوص فاعل مرفوع بضمة مقدرة على الياء للثقل.
_________________
(١) من الآية ١٢ من سورة طه.
(٢) من الآية ٤١ من سورة ق.
[ ٩٤ ]
- وجاء في القرآن: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ (^١).
كلمة "داعيَ" اسم منقوص مفعول به منصوب بالفتحة.
- وجاء في القرآن: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ (^٢).
فالكلمتان "أهلي، أمري" مجرورتان بالكسرة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها حركة المناسبة، والكلمتان "أخي، أزري" منصوبتان بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها حركة المناسبة.
- قال زفر بن الحارث:
أيذهبُ يومٌ واحدٌ إنْ أسأتُه … بصالح أيَّامي وحسنِ بَلَائِيَا
وقد ينبتُ المرْعَى على دِمَنِ الثَّرَى … وتبقى حزَازَات النفوسِ كما هيا (^٣)
وفي هذين البيتين تعرب إعرابًا مقدرًا الكلمات "أيامي، بلائي، الثرى".
_________________
(١) من الآية ٢١ من سورة الأحقاف.
(٢) الآيات ٢٩، ٣٠، ٣١، ٣٢ من سورة طه.
(٣) الدمن: آثار الناس والديار، الحزازات: جمع "حزازة" وهي ألم القلب من الغيظ والحقد. المعنى: إن إساءة يوم واحد مني تمحو عند الناس ما قدمته من قبل من الحسنات، وهذا غير غريب على نفوس الناس وخستها، إذ تنطوي على الضغائن فلا تنساها، فتتلمس السقطات وتترك الحسنات، فالأرض أكرم منهم؛ إذ ينبت الزرع بعد الخراب وفوق الدمن. وفي البيت دليل: على أن الكلمتين "أيامي، بلائي" المجرورتين بالإضافة قدرت عليهما الكسرة لمناسبة الياء، وأن كلمة "الثرى" مجرورة بالإضافة أيضًا وقدرت عليها الكسرة للتعذر، لأنها اسم مقصور.
[ ٩٥ ]
ثانيا: البناء:
تمهيد:
يحدد معنى البناء عبارة واحدة هي: "لزوم آخر الكلمة حالة واحدة لا تتغير بتغير العوامل الداخلة عليها" ا. هـ.
- يقول أحد الشعراء معاتبًا:
وأنتَ الذي أخلَفْتَنِي ما وعدْتني … وأشْمَتَّ بي من كانَ فيكَ يلومُ
فكلمات هذا البيت جميعًا -ماعدا الكلمة الأخيرة- كلها مبنية والبناء في آخر الكلمات "أنت، الذي، أخلف، التاء، نون الوقاية، ياء المتكلم، ما، وعد، أشمت، الباء، ياء المتكلم، مَنْ، كان، في، الكاف".
وقد اختلف شكل آخر كل واحدة منها عن الأخرى، فبعضها شكل بالفتحة مثل: "أنتَ، التاء، كانَ، الكاف" وبعضها شكل بالكسرة مثل: "نون الوقاية، باء الجر" وبعضها شكل بالسكون مثل: "الذي، أخلفْت، ياء المتكلم، ما، وعدْت، أشمتّ، منْ، في" ومع ذلك فإنها جميعا مبنية، إذ يلزم آخرها صورة واحدة لا يتحول عنها من جملة إلى أخرى، فمثلا الكلمات: "أنت، الذي، كان" لا يتغير آخرها أبدًا في أي جملة صادفتها في اللغة العربية بل تبقى الأولى دائما مفتوحة الآخر، والثانية ساكنة، والثالثة مفتوحة، وهذا هو المقصود بالبناء.
لكن ينبغي قبل دراسة ما يتعلق بهذا الباب معرفة الملاحظات الآتية حول التعريف السابق:
[ ٩٦ ]
أولا: أن البناء يقصد به شكل آخر الكلمة فقط، فهو في كلمة "أنتَ" الفتحة، وفي كلمة "الذي" السكون، وفي كلمة "كانَ" الفتحة، ولا شأن للبناء ببقية حروف الكلمة أو شكلها، فهو خاصية تتجه إلى آخر الكلمة فقط.
ثانيا: أن البناء لا يتحقق إلا في جملة واحدة -تماما كالإعراب- فالكلمة المفردة لا يمكن الحكم عليها إن كانت متغيرة معربة أو لازمة الشكل مبنية إلا بتصور دخولها في "كلام" -كما سبق تحديده- فإذا دخلت جملة مفيدة ولم يتغير آخرها من كلام لآخر، فهي مبنية، وإلا فهي معربة.
ثالثا: يفهم من ذلك بداهة أن الكلمة المبنية هي التي لا يتغير آخرها من جملة لأخرى مهما كانت الوظائف النحوية التي تجيء لها، ولنأخذ نموذجا لذلك كلمة "هؤلاء" اسم الإشارة لجماعة الذكور والإناث، فهي كلمة مبنية، يدل على ذلك وضعها في الجمل الآتية:
- قول القرآن: ﴿هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ (^١).
- قول القرآن: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ (^٢).
- قول القرآن عن المنافقين: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ (^٣).
فالكلمة في الآية الأولى مبتدأ ولزمت الكسر، وفي الآية الثانية اسم "إن" ولزمت أيضا الكسر، وفي الآية الثالثة مجرورة بالحرف "إلى" ولزمت الكسر أيضًا، فهذه كلمة مبنية لا يتغير شكلها في الجمل المختلفة.
_________________
(١) من الآية ٨٧ من سورة هود.
(٢) من الآية ٢٧ من سورة الإنسان.
(٣) من الآية ٤١ من سورة النساء.
[ ٩٧ ]
رابعا: يترتب على ذلك بداهة أيضا أن علامات البناء هي الشكل الذي يلازم آخر الكلمة المبنية، سواء أكان هذا الشكل الملازم ضمة أم فتحة أم كسرة أم سكونًا، كما تنطق بذلك النماذج الآتية:
- منذُ، حيثُ، قبلُ، بعدُ، أولُ، علُ. "مبني على الضم".
- إنَّ، لعلَّ، ربَّ، كيفَ، أينَ، الآنَ، فهمَ. "مبني على الفتح".
- هؤلاءِ، شرابِ، حذامِ، جيرِ، أمسِ. "مبني على الكسر".
- مَنْ، مِنْ، ما، الذي، هلْ، بلْ، قدْ، افْهَمْ. "مبني على السكون".
خامسا: الجوانب المهمة للدراسة في باب البناء تأتي في أمور أربعة هى:
١ - البناء في الأسماء
٢ - البناء في الأفعال
٣ - البناء في الحروف
٤ - المحل الإعرابي للكلمات المبنية مع الوظائف النحوية المختلفة
[ ٩٨ ]
البناء في الأسماء:
١ - الرأي في أسباب بناء الأسماء
٢ - الأسماء المبنية بصورة عامة
أسباب بناء الأسماء:
معظم الأسماء العربية معرب، بمعنى أنه يتغير آخره بتغير وظائفه النحوية. ومن الأسماء ما هو مبني، بمعنى أنه يلزم آخره شكلا معينا لا يتغير، والأسماء المبنية في اللغة العربية يمكن حصرها وتحديدها كما سيأتي.
لكن، لماذا بنيت الأسماء؟؟
لقد قدم النحاة العرب -بعد افتراض هذا السؤال- الإجابة عنه بكلام طويل مجهد يعجب الذهن، ولكنه لا يفيد اللغة، وما كان أغناهم عن الخوض فيه. والرأي المشهور عن ذلك في كتب النحو ما قرره ابن مالك -وأطال فيه شرَّاح الألفية- في قوله:
والاسم منه معرب ومبني … لشبهٍ من الحروف مُدْنِي
ومقتضى هذا الرأي أن الاسم يبنى إذا أشبه الحرف -أيّ حرف- والحروف كلها مبنية -كما سيأتي- فيبنى أيضا ما يشبهها من الأسماء.
وأوجه الشبه بين الاسم والحرف -باختصار شديد- أربعة هي:
١ - الشبه الوضعي: بمعنى أن يكون الاسم موضوعًا على حرف هجائي
[ ٩٩ ]
واحد أو حرفين، فيشبه في ذلك الحروف، لأن الأصل فيها أن تكون على حرف هجائي أو حرفين.
وأكثر ما يأتى ذلك في "الضمائر" فهي أسماء مبنية، لشبهها بالحرف في الوضع، مثلا "التاء" في "فهمت" حرف واحد، وأيضا "نا" في "فهمنا" حرفان.
٢ - الشبه المعنوى: أن يكون الاسم دالا على معنى تدل عليه بعض الحروف: مثلا "الاستفهام" معنى من المعاني يدل عليها الاسم "مَنْ" في قولك "مَنْ أوّلُ الفرقة، كما يدل عليه حرف الهمزة في قولك: "أعرفتَ صوابك من خطئك؟؟ " "فأسماء الاستفهام" مبنية لهذا الشبه المعنوي ومثلها في ذلك أيضًا "أسماء الشرط".
٣ - الشبه الاستعمالي: يقصد به أن يستعمل الاسم كما يستعمل الحرف فلا يتأثر بما قبله ولكن يؤثر فيما بعده، كالمثالين "نصارِ الحقَّ" و"إنَّ الحقَّ واضحٌ" فكلمة "نصارِ" اسم فعل نصب بعدها كلمة "الحق" وكلمة "إن" حرف نصب بعده كلمة "الحق" ورفع كلمة "واضح" فأشبهت الأولى الثانية استعمالا ولذلك بنيت مثلها، وكذلك كل "أسماء الأفعال".
٤ - الشبه في الافتقار اللازم: ويقصد به أن تكون هناك أسماء لا يعرف المقصود منها إلا بغيرها، تماما كما هو الأمر في الحروف، ومن ذلك "الأسماء الموصولة" في حاجة إلى جملة الصلة، ومعروف أن الحرف لا يفهم معناه إلا حين ينضم إليه غيره من الأسماء والأفعال.
هذا هو الموضوع، وقد صورته باختصار شديد لنتبين الرأي فيه
[ ١٠٠ ]
والحق أن دراسة هذا الموضوع كله مما يطلق عليه "نحو الصنعة" لا "نحو اللغة" للآتي:
أولا: أنه بحث عن علة استعمال اللغة، وهذا منهج مرفوض، لأن المعتبر هو الاستعمال نفسه لا علته.
ثانيا: أنه بحث في المشابهة بين مسلك لغوي ومسلك آخر، وهذا أيضًا مرفوض؛ لأن المعتبر هو استقراء النطق نفسه لا مشابهته لغيره.
ثالثا: أن كل أنواع الشبه التي ذكرت عمل ذهني من افتراض العقل وهذا مرفوض أيضًا؛ لأن المعتبر صورة الاستعمال نفسه لا ما تصوره الذهن عنه.
رابعًا: أن كل أنواع المشابهة المذكورة يمكن نقضه والرد عليه مما يؤدي إلى الإجهاد وإضاعة الجهد فيما لا طائل وراءه.
لذلك كله، ينبغي أن نضرب صفحا عن سؤال "لماذا بني الاسم؟! " -بعد تصوره وتصور الإجابة عنه- فهو أمر غير مفيد للنطق ولا للدارسين كي نوجه اهتمامنا لما هو مفيد فقط من معرفة "الأسماء المبنية".
الأسماء المبنية:
من استقراء اللغة عرف أن الأسماء المبنية تكاد تنحصر في الآتي:
١ - الضمائر:
سواء أكانت ضمائر منفصلة مثل: "أنا، أنت، هو" أم ضمائر متصلة
[ ١٠١ ]
مثل قول القرآن: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (^١)، وسيأتي بيان الضمائر في موضعه من دراسة "المعارف".
٢ - أسماء الإشارة:
للمفرد والجمع بنوعيهما، المذكر من ذلك والمؤنث، مثل: "هذا، هذه، هاتِه، هنا، هناك، هؤلاء".
أما أسماء الإشارة للمثنى: "هذان، هاتان" فيعربان إعراب المثنى كما سبق.
٣ - أسماء الموصول:
للمفرد والجمع بنوعيهما المذكر والمؤنث، وهي: "الذي، التي، الذين، اللّاتي، اللّائي" وأيضًا أسماء الموصول المشتركة -سيأتي شرحها-، مثل "من، ما".
أما أسماء الموصول للمثنى "اللذان، اللتان" فإنها تعرب إعراب المثنى كما سبق بيانه.
٤ - أسماء الاستفهام:
وهي التي يسأل بها عن شيء ما، مثل: "مَنْ، مَا، أَيْنَ، كَيْفَ، مَتَى" فإنها جميعًا مبنية، جاء في القرآن: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ؟﴾ (^٢)، وتقول لصديقك "كيف حالُك؟ وأين تسكُن؟ ومتى أقابِلُك؟؟ ".
ويستثنى من أسماء الاستفهام "أيّ" فإنها معربة، تقول "أيُّ أيَّامِك
_________________
(١) من الآية ٤ من سورة "ن".
(٢) من الآية ٧٢ من سورة "القصص".
[ ١٠٢ ]
أسعدُ؟ " فكلمة "أيّ" مبتدأ مرفوع بالضمة، وتقول: "من أيِّ ناحية قدمتَ؟ " فكلمة "أيّ" مجرورة بالكسرة.
٥ - أسماء الشرط:
وهي التي تعلق شيئين أحدهما على الآخر، تقول: "من يصنع الخيرَ يسعدْ، ومن يصنع الشر يشقَ به" وسواء أكانت أدوات الشرط جازمة مثل: "مَنْ، مَا، مَهْمَا، مَتَى، أيَّان، أنَّى، حيثُما" أم كانت غير جازمة مثل: "إذا".
٦ - أسماء الأفعال:
يقصد بها الأسماء التي تدل على معنى الفعل ولا تقبل علامته، ومنها ما يكون بمعنى الماضي مثل "هيهاتَ" بمعنى "بَعُدَ" و"شتَّانَ" بمعنى "افترق" ومنها ما يكون بمعنى المضارع مثل "وَيْ" بمعنى "أعجب"، و"أفّ" بمعنى "أتضجر"، ومنها ما يكون بمعنى الأمر مثل "صَهْ" بمعنى "اسكتْ" و"مَهْ" بمعنى "كُفَّ عن الحديث! ".
وهذه الأنواع السابقة سيأتي الكلام عن كل واحد منها تفصيلا في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله، فلكل منها باب مستقل لدراسته.
٧ - المركب من الأعداد والظروف والأحوال:
- ويقصد بالمركب من الأعداد "أحدَ عشرَ، إحدى عشرةَ" إلى "تسعةَ عشرَ، تسعَ عشرةَ" فهذه كلها تبنى على فتح الجزءين -ما عدا اثني عشر واثنتي عشرة قال القرآن: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾.
- ويقصد بالمركب من الظروف أن تركب كلمتان تدلان على الزمان أو المكان
[ ١٠٣ ]
تركيب "أحد عشر" مثل "صباحَ مساءَ، يومَ يومَ، بينَ بينَ" فهذا كله يبنى على فتح الجزءين أيضًا.
قال كعب بن زهير:
ومن لا يصرف الواشين عنه … صباحَ مساءَ يبغُوه خبالا (^١)
وقال الشاعر:
آتٍ الرزقُ يومَ يومَ فأجمل … طلبًا وابغِ للقيامة زادا (^٢)
_________________
(١) الواشون: جمع واش، وهو الذي ينقل الكذب بين الناس، ليفسد بين المتحابين والأصدقاء، الخيال: الجنون، وهذا هو الأصل، والمراد بلبال العقل واضطرابه بما يسمعه من كلام الوشاة. المعنى: إن من لا يصرف الواشين عنه، قصدوه في الصباح والمساء، وهو خليق بالبلبلة واضطراب العقل. الشاهد في البيت: في "صباح مساء" تركيب الكلمتين تركيب "أحد عشر" فجعلتا بمنزلة كلمة واحدة، وبنيت على فتح الجزءين، ويقال عنهما في الإعراب ظرف مركب مبني على فتح الجزءين في محل نصب.
(٢) أجمل: معناها: أحسن، ومنه قول القرآن: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾، والجمال هو الحسن، ابغ: أطلب بإصرار. المعنى: شتان بين طلب الدنيا وطلب الآخرة، الأول مطلوب، لكن برفق فالرزق على الله، والثاني مرغوب بإصرار وقوة، فإنه الزاد الباقي. الشاهد: في قوله: "يوم يوم" حيث ركب اسما الزمان، وجعلا اسمًا واحدًا بمنزلة "أحد عشر" وبني المركب على فتح الجزءين. إعراب البيت: آت: خبر مقدم مرفوع بالضمة المقدرة على الياء المحذوفة وأصله "آتي"، الرزق: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة، يوم يوم: ظرف زمان مبني على فتح الجزءين في محل نصب، أجمل: فعل أمر مبني على السكون والفاعل مستتر تقديره "أنت"، طلبا: مفعول به منصوب بالفتحة، وابغ: الواو: حرف عطف، ابغ: فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، والفاعل مستتر تقديره "أنت"، للقيامة: جار ومجرور، زادا: مفعول به منصوب بالفتحة وجملة "ابغ للقيامة زادا" معطوفة على جملة "أجمل طلبا".
[ ١٠٤ ]
وقول عبيد بن الأبرص:
نحمِي حقيقتنا وبعـ … ـض القوم يسقط بينَ بينَا (^١)
- ويقصد بالمركب من الأحوال أن تركب كلمتان دالتان على الحال تركيب "أحد عشر" فتبنيان أيضا على فتح الجزءين، كقول العرب "فلان جارِي بيت بيت" أي "ملاصقا"
٨ - الأعلام المختومة بكلمة "ويه"
وذلك مثل "سيبويه، عمرويه، نِفطويه، رَاهويه، دَرَسْتَويه" فهذه كلها تبنى على الكسر، كقولنا "ألف سيبويهِ كتابَه المشهور في النحو" وكقولنا "من علماءِ الصرف المشهورين ابنُ دَرَسْتَويهِ"
_________________
(١) الحقيقة -كما جاء في القاموس- ما يحق حمايته من الأهل والعرض والمال. يعرض الشاعر بامرئ القيس فيقول: إننا نحمي أعراضنا ودماءنا وأموالنا بخلاف بعض الناس -ومنهم امرؤ القيس- الذين يسقطون قبل الوصول إلى أهدافهم. الشاهد: قوله "بين بين" حيث ركب اسما المكان تركيب "أحد عشر" فبني المركب على فتح الجزءين.
[ ١٠٥ ]
٩ - الأعلام المؤنثة على وزن "فَعَالِ":
وذلك في لغة أهل الحجاز، مثل "حَذَامِ، قَطَامِ، رَقَاشِ، سَجَاحِ" فيبنى ذلك كله على الكسر، مثل "كانت سجاحِ زوجًا لمسيلمةَ الكذَّابِ الذي ادعى النبوة وارتد عن الإسلام" ومن ذلك قول النابغة:
أتارِكَةٌ تَدَلُّلَها قطامِ … رَضِينَا بالتحيةِ والسلامِ (^١)
وقول الشاعر:
إذا قالتْ حَذَامِ فصدِّقُوها … فإن القولَ ما قالتْ حَذَامِ (^٢)
١٠ - بعض أسماء الزمان والمكان
مثل "أمس" مرادًا به اليوم الذي قبل يومنا -في لغل أهل الحجاز- وكذلك "إذ، الآن، حيث" كقول القرآن: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ وقوله: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ (^٣) وقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (^٤)
_________________
(١) أتاركة تدللها قطام؟ الاستفهام للتمني، قطام: اسم صديقته التي يهواها يقول: ليت "قطام" تترك الدلال فتجود بالوصل، ومع ذلك فأنا راض منها بالقليل، بالتحية والسلام!! الشاهد: كلمة "قطام" وهي علم على وزن "فعال" فتبنى على الكسر في لغة الحجازيين، وهي في البيت فاعل مبني على الكسر في محل رفع.
(٢) حذام: امرأة الشاعر، ويبدو أنها كانت مشهورة بالذكاء وحسن الرأي. الشاهد: كلمة "حذام" فهي مبنية على الكسر في لغة الحجازيين، وهي في البيت فاعل.
(٣) من الآية ٧١ من سورة البقرة.
(٤) من الآية ٥ من سورة التوبة.
[ ١٠٦ ]
وقول أحد الأساقفة في الجاهلية:
منع البقاءَ تقلُّبُ الشَّمسِ … وطلوعُها من حيثُ لا تُمسِي
وطلوعُها حمراءَ صافيةً … وغروبُها صفراءَ كالورْسِ
اليومُ أعلمُ ما يجيءُ به … ومضى بفصلِ قضائِه أمسِ (^١)
وينبغي التنبه إلى أنه إذا أريد بكلمة "أمس" يومٌ ما من الأيام الماضية أو دخلته "أل" أو أضيف أعرب بإجماع، مثل "ماضي العمر أمسٌ له والمستقبل بيد الله" و"مضى أمسُنا بخيره وشره، فلنعشْ يومنا" وفي القرآن: ﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾.
ذلك أهم ما يبنى دائما من الأسماء، هناك أسماء يعرض لها البناء في استعمالات خاصة -كالمنادى المفرد العلم واسم "النافية للجنس"- وأسماء تبنى أحيانا وتعرب أحيانا أخرى، مثل "قبل، بعد، أسماء الجهات" وسيأتي شرح ذلك في موضعه من أبواب النحو المتفرقة مثل "لا: النافية للجنس، النداء، الإضافة" إن شاء الله.
_________________
(١) البقاء: الخلود، الورس: الزعفران، فصل قضائه: ما حدث فيه. يقول: لا خلود في الحياة؛ إذ لا دوام على حالة واحدة؛ فالشمس تشرق حمراء وتغرب صفراء، وهي إحدى ظواهر الكون العظيمة، فكيف بالإنسان الضئيل إلى جانبها، بل من دلائل ضعف الإنسان وجهله أمام المستقبل أنه يعلم ما تقدمه له الأحداث فقط. الشاهد فيه: كلمة "أمس" في البيت الأخير، إذ بنيت على الكسر في لغة الحجازيين، وقد استوفت شرطها؛ إذ أريد بها اليوم السابق مباشرة.
[ ١٠٧ ]
البناء في الأفعال:
١ - الماضي: يبنى على الفتح في الأصل، وقد يبنى على الضم أو السكون
٢ - الأمر: يبنى على ما يجزم به مضارعه
٣ - المضارع: يبنى على الفتح مع نون التوكيد المباشرة، وعلى السكون مع نون النسوة
بناء الماضي:
- نبغَ، لَمَعَ، ابتهجَ، كَرُمَ، عملَ، اجتهدَ، أفادَ، تميَّزَ، تقدَّمَ. "مبني على الفتح".
- جاهدُوا، ثابرُوا، تفوقوا، نجحُوا، سعدُوا، تعاهدُوا، تواصلوا، أحبُّوا، أخلصُوا. "مبني على الضم".
- أخلصْتُ، ضحَّيْتُ، استرحْتُ، أمِنْتُ، اتفقْنا، تعاهدْنا، نفَّذنا، فزْنا. "مبني على السكون".
الفعل الماضي مبني دائمًا ولا محل له من الإعراب في الأصل، وبناؤه كالآتي:
أ- الأصل أن يبنى على الفتح، مثل قولنا: "نبغَ المجتهدُ وحققَ الفوزَ لنفسه" فكل من الفعلين "نبغ، حقق" مبني على الفتح لا محل له من الإعراب.
ب- يبنى على الضم إذا اتصلت به واو الجماعة، إذ يقتضي ذلك ضم
[ ١٠٨ ]
آخره نطقًا حين تتصل به الواو، كقولنا: "في بداية الإسلام، المؤمنون صدَّقُوا واخلصُوا، والمنافقون كذَّبُوا وخادعُوا" فكل من الأفعال الأربعة "صدَّقُوا، أخلصُوا، كذَّبُوا، خادعُوا" مبنية على الضم لاتصالها بواو الجماعة.
ج- يبنى على السكون إذا اتصل به ضمير رفع متحرك "التاء، نا، نون النسوة" كقولك: "قابلْتُ أصدقائي فاصطحبْنا وذهبْنا إلى شاطئ النيل فوجدْنا زميلاتِنا وقفْنَ منتظراتٍ قدومنا، فذهبْنا جميعًا في رحلة ترفيهية بريئة".
فالأفعال "قابلْتُ، اصطحبْنا، وجدْنا، ذهبْنا، وقفْن" كلها كما ترى مبنية على السكون لاتصالها بضمير الرفع المتحرك.
وهنا فكرة جانبية مهمة ينبغي التنبه إليها وهي بناء الفعل الماضي المعتل الآخر مثل: "هَدى، سَمَا، رضِيَ، لقِيَ" إذ ينبغي التعرف على كيفية بنائه في المراحل الثلاث السابقة نفسها كالآتي:
أ- يبنى على الفتح باعتبار الأصل، لكن هذا الفتح يكون مقدرا على المعتل بالألف، إذ لا يمكن ظهوره عليها، ويظهر على المعتل بالياء، تقول: "دَعَا الرسولُ إلى شريعة الهُدَى فرضِيَ بها المهتدون ونَأى عنها الهالكون" فالفعلان "دعا، نأى" مبنيان على الفتح المقدر على الألف للتعذر، وأما الفعل "رضِيَ" فإنه مبني على الفتحة الظاهرة.
ب- إذا اتصلت به واو الجماعة -سواء أكان معتلا بالألف أم الياء- حذف منه حرف العلة وبني على الضمة المقدرة على هذا الحرف المحذوف تخفيفًا
[ ١٠٩ ]
جاء في القرآن عن المنافقين: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ (^١).
وجاء في القرآن عن سليمان وجنوده: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ (^٢).
ج- إذا اتصل به ضمير الرفع المتحرك بني على السكون مثل غيره تقول: "الزميلات الفاضلات أصغَيْنَ إلى صوت الفضيلة ولبَّيْنَ داعِيَ الأخلاق وسمَوْنَ بأنفسهن عن الشبهات".
وخلاصة الموضوع في بناء الفعل الماضي تتلخص في الآتي:
١ - الفعل الصحيح الآخر يبنى على الفتح أصلا، ويبنى على الضم إذا اتصلت به واو الجماعة وعلى السكون إذا اتصل به ضمير الرفع المتحرك.
٢ - الفعل المعتل الآخر، مثل السابق تمامًا إلا في حالتين:
أ- إذا كان معتلا بالألف بني على الفتح المقدر على الألف.
ب- إذا اتصلت به واو الجماعة حذف منه حرف العلة، وبني على الضم المقدر على هذا الحرف المحذوف.
بناء الأمر:
لاحظ الأمثلة الآتية:
من كلام العرب: ألِنْ جانبك لقومك يحبّوك، وتواضعْ لهم يرفعوك.
ومن كلام الرسول: "ارضَ بما قسم الله لك تكنْ أغنى الناس".
ومن كلام عمر: علّموا أولادَكم العوم والرّماية ومروهم فلْيَثِبُوا على الخيل وَثْبًا
_________________
(١) من الآية ٨٧ من سورة التوبة.
(٢) من الآية ٨ من سورة النمل.
[ ١١٠ ]
بناء الأمر:
هناك عبارة مشهورة بين المشتغلين بالنحو تلخص كيفية بناء فعل الأمر، وهي "فعل الأمر يبنى على ما يجزم به مضارعه" ا. هـ وتقريب هذه العبارة إلي الذهن أننا إذا تصورنا فعلا مضارعا معربا مجزوما، ثم أتينا منه بالأمر، فإن الأخير يأخذ شكل مضارعه الذي جاء منه تماما، مع ملاحظة أن الشكل في المضارع إعراب، وأن الشكل في الأمر بناء
وتفصيل العبارة السابقة يتضح من الجدول الأتي:
الفعل الماضي مضارعه المضارع المجزوم شكله إعرابا الأمر شكله بناء صدق يصدق لتصدُقْ في حديثك مجزوم بالسكون اصدُقْ في حديثك مبنى على السكون أخلص يُخْلِص لا تخلص لعدوك مجزوم بالسكون أخْلِص لأصدقائك مبنى على السكون راعَى تُراعِي لتُراعِ ضميرك أولا مجزوم بحذف حرف العلة راع ضميرك مبنى على حذف حرف العلة اتَّقىَ تَتقى ولتتّقِ الله قبل الناس مجزوم بحذف حرف العلة اتقِ الله مبنى على حذف حرف العلة اتفقا تتفقان لا تتفقا على الباطل مجزوم بحذف النون اتفِقا على الحق مبني على حذف النون اختلفوا تختلفون لا تختلفوا فتفشلوا مجزوم بحذف النون واختلفوا في الرأي لا في الودّ مبني على حذف النون
[ ١١١ ]
الاستنتاج:
أولا: الفعل الصحيح الآخر: يجزم مضارعه بالسكون، ويبنى الأمر منه على السكون.
ثانيا: الفعل المعتل الآخر: يجزم مضارعه بحذف حرف العلة، ويبنى الأمر منه على حذف حرف العلة.
ثالثا: الأفعال الخمسة: تجزم في المضارع بحذف النون: ويبنى الأمر منها على حذف النون.
وأعتقد -بعد هذا الشرح والتفصيل- أنه قد اتضح معنى العبارة المشهورة "الأمر يبنى على ما يجزم به مضارعه".
فلنتأمل النصوص الآتية:
- جاء في القرآن: ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ (^١) فالفعل "آتِ" مبني على حذف حرف العلة، والفعل "هَيِّئْ" مبني على السكون.
- وجاء في القرآن: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (^٢) فكلا الفعلين "اذْهبا، قُولا" مبني على حذف النون.
- جاء في الحديث الشريف "اتَّقِ الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنةَ تمحُها، وخالق النَّاسَ بخُلُقٍ حَسَن" (^٣).
فالفعل "اتّق" مبني على حذف حرف العلة، والفعلان "أتبع، خالق" مبنيان على السكون.
_________________
(١) من الآية ١٠ من سورة الكهف.
(٢) الآيتان ٤٣، ٤٤ من سورة طه.
(٣) انظر الفتح الكبير ج ١ ص ٣٣
[ ١١٢ ]
بناء المضارع:
ينبغي منا فهم الأفكار الثلاث الآتية عن بناء المضارع وهي:
أ- نون التوكيد المباشرة وغير المباشرة.
ب- نون النسوة.
ج- الموازنة بين نون التوكيد ونون النسوة.
وكل واحدة من هذه النقاط في حاجة إلى بيان مستقل.
أ- نون التوكيد المباشرة وغير المباشرة.
تأتي نون التوكيد مع الفعل المضارع في صورتين، مفتوحة مشددة، مثل: "تبذلَنَّ، تُنَاضِلَنَّ، تُدَافِعَنَّ" أو ساكنة مثل: "تَبْذُلَنْ، تُنَاضِلَنْ، تُدَافِعَنْ" وجاء في القرآن استخدام النونين في آية واحدة هي: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلِيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ (^١) وتسمى المفتوحة المشددة "نون التوكيد الثقيلة" كما تسمى الساكنة "نون التوكيد الخفيفة".
هذه النون -بنوعيها- تأتي مع الفعل المضارع فتفيد تأكيد معناه وتقويته وتثبيته، فإذا قلت: "لأناضلَنَّ حتى تتحققَ حريتي كاملة" فهذا لا شك أقوى من قولك: "أنَاضِلُ حتى تتحققَ حريتي كاملة" بدون نون التوكيد.
وهناك عبارة مشهورة بين المشتغلين بالنحو عن هذه النون مع الفعل المضارع هي "المضارع يبنى إذا باشرته نون التوكيد ويعرب إذا لم تباشره نون التوكيد" فمتى إذن تكون النون مباشرة للمضارع فيبنى، أو غير مباشرة فيعرب!!
_________________
(١) من الآية ٣٦ من سورة يوسف.
[ ١١٣ ]
لنلاحظ الأمثلة الآتية:
لأنالَنَّ حريتي أو أموت دونه
ولتدفَعَنَّ -أيها الظالمُ- حقّي راضيًا أو كارهًا
وليصلَنَّ المظلومُ لحقه وإن طال الزمن الفعل للواحد
النون مباشرة
الفعل مبني على الفتح لتحترِمنَّ -يا زميلتي- عِفَّتَك وأنوثتَك أو تندمين
ولتكفَانِّ -يا زِميلَتَيَّ- عن التبرج والابتذال أو تندمان
ولتكفُّنَّ -يا أصدقائي- عن العبث والاستهتار أو تندمون
الفعل للواحدة أو المثنى أو الجمع
النون غير مباشرة
الفعل معرب
نون التوكيد تأتي مع الفعل المضارع مباشرة وغير مباشرة.
فالمباشرة: هي التي تتصل بالفعل دون أن يفصل بينها وبينه فاصل ويكون ذلك إذا كان الفعل للواحد -متكلمًا أو مخاطبًا أو غائبًا- وجاء معه نون التوكيد الثقيلة أو الخفيفة مثل "أنالَنَّ، تدفعنَّ، يصلَنَّ" الأمثلة السابقة، فإذا باشرت النون الفعل بني على الفتح.
غير المباشرة: هي التي يفصل بينها وبين الفعل فاصل ولو مقدرا.
ويكون ذلك إذا كان الفعل من الأفعال الخمسة -للواحدة أو الاثنين أو الجماعة- وجاءت معه نون التوكيد الثقيلة أو الخفيفة، مثل "تحترمِنَّ، تكفَّانِّ، تكفُّنَّ" في الأمثلة السابقة، فإن النون لم تباشر الفعل فيها جميعا فالفعل معرب إعراب الأفعال الخمسة وإن كان مؤكدًا.
[ ١١٤ ]
ولتوضيح عدم مباشرة النون مع الأفعال السابقة ينبغي تأمل التحليل الآتي لهذه الأفعال:
تكفَّانِّ:
أصل الفعل "تكُفّ" ثم أسند لألف الاثنين، فصار من الأفعال الخمسة "تكفَّانِ" فأكد بالنون فصار.
"تكفَّانِ نَّ" فحذفت نون الرفع تخفيفا لتوالي الأمثال -تكرار النون- وكسرت نون التوكيد، بعد الألف، فصار "تكفانِّ" فالنون لم تباشر الفعل لوجود فاصل لفظي بينهما وهو "ألف الاثنين".
إعراب: تكفَّانّ:
فعل مضارع من الأفعال الخمسة مرفوع بالنون المحذوفة تخفيفا وألف الاثنين فاعل، والنون حرف للتوكيد.
تحترِمِنَّ:
أصل الفعل "تحترم" ثم أسند لياء المخاطبة، فصار من الأفعال الخمسة "تحترِمِين" فأكد بالنون فصار "تحترِمينَّ ن" فحذفت نون الرفع تخفيفا لتوالي الأمثال، فصار "تحترمِي ن" ثم حذفت ياء المخاطبة لالتقاء الساكنين فصار "تحترِمنَّ" فالنون لم تباشر الفعل لوجود فاصل تقديري هو "ياء المخاطبة".
إعراب: تحترِمِنَّ:
فعل مضارع من الأفعال الخمسة مرفوع بالنون المحذوفة تخفيفا، وياء المخاطبة المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل، والنون حرف للتوكيد.
- تكفُّنَّ:
مثل السابقة تماما.
[ ١١٥ ]
هذا، ومما ورد من التوكيد بالنون المباشرة وغير المباشرة النصوص الآتية:
- جاء في القرآن: ﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ و﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ (^١).
- وجاء في القرآن مخاطبا مريم: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ (^٢).
- ومن كلام عمر عن تاركي صلاة الجماعة: والله لأحرقَنَّ عليكم البيوتَ أو لتخرجُنَّ لصلاة الجماعة.
- ومن كلام عمر لعلِيّ وابن عباس: والله لتُبَايِعَانِّ وأنتما طائعان أو لتبايعانِّ وأنتما كارهان.
ب- نون النسوة
وهم اسم مكون من حرف هجائي واحد هو النون المفتوحة المخففة دالة على جماعة الإناث -غائبات أو مخاطبات- ويسند إليه الفعل المضارع فيبنى على السكون، ويكون الفعل مع نون النسوة جملة كاملة من "فعل وفاعل" الفعل هو المضارع والفاعل هو نون النسوة "اسم ضمير" تقول: "الضرورات يُبِحْنَ المحظورات" وتقول: " المثقفات يدبِّرْنَ شئونهن بحكمة وفهم".
ومن ذلك الشواهد الآتية:
- جاء في القرآن: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ (^٣).
_________________
(١) من الآية ١٨٦ من سورة آل عمران.
(٢) الآية ٢٦ من سورة مريم.
(٣) من الآية ٣٠ من سورة البقرة.
[ ١١٦ ]
- وجاء في القرآن: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ (^١).
- وجاء في القرآن: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (^٢).
ج- الموازنة بين نُونَي التوكيد والنسوة مع المضارع.
من الكلام السابق يمكن استنتاج وجوه الموازنة بين الصورتين -المضارع المتصل بنون التوكيد، والمضارع المتصل بنون النسوة- مما يتضح في الجدول الآتي:
نون التوكيد نون النسوة ١ - مفتوحة مشددة (ثقيلة) أو ساكنة (خفيفة) مفتوحة فقط ٢ - الفعل معها مفتوح الآخر (مبني على الفتح) الفعل معها ساكن الآخر (مبني على السكون) ٣ - نون التوكيد حرف
لابد من وجود فاعل أو نائب فاعل لفعلها المضارع نون النسوة اسم ضمير
النون نفسها فاعل أو نائب فاعل ولا تحتاج الآخر.
_________________
(١) من الآية ٣٠ من سورة النور.
(٢) من الآية ٢٣ من سورة الأحزاب.
[ ١١٧ ]
البناء في الحروف:
١ - الحروف كلها مبنية سواء أكانت:
أ- على حرف هجائي واحد أم أكثر
ب- عاملة أم غير عاملة
الحرف هو القسم الثالث من الكلمة، ويقصد به -كما سبق- ما يظهر معناه مع غيره من الكلمات أسماء وأفعالا، وهذا غير الحروف الأبجدية "أ، ب، ت، ث" … إلخ.
وهناك عبارة مشهورة بين المشتغلين بالنحو، تقول: "قاعدة نحوية، كل الحروف مبنية" ويندرج تحت هذه العبارة السابقة التفصيل الآتي:
أولا: الحروف كلها مبنية بصرف النظر عن عدد الحروف الأبجدية التي يتكون منها الحرف، إذ تأتي الحروف النحوية بالتكوين التالي:
١ - على حرف هجائي واحد: مثل "الباء" في قولك: "بالله" أو "الكاف" في قول القرآن: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ (^١) أو "الواو" في قولك "أحترم العفة والعزّة".
٢ - على حرفين من حروف الهجاء: مثل "في، عن، أنْ، لنْ، كي، لم، لا".
٣ - على ثلاثة أحرف هجائية: مثل: "إنَّ، أنَّ، ليت، إلى، رُبَّ، على، نَعَمْ، بَلَى، جَيْرَ".
_________________
(١) من الآية ٤٥ من سورة الكهف.
[ ١١٨ ]
٤ - على أربعة أحرف هجائية مثل "كأنَّ، لولا، حتَّى، لعلَّ".
٥ - على خمسة أحرف هجائية مثل "لكنَّ".
ثانيا: الحروف كلها مبنية بصرف النظر عن كونها -كما يقول النحاة- عاملة أو غير عاملة.
ويقصد بالحروف العاملة ما تؤثر فيما بعدها من الأسماء والأفعال رفعًا أو نصبًا أو جرًّا أو جزمًا، ومن ذلك:
١ - الحروف الناسخة "إنَّ وأخواتها" فهي تنصب الاسم وترفع الخبر وهي: "إنَّ، أنَّ، ليت، لعلَّ، لكنَّ، كأنَّ".
٢ - حروف الجر، ويجر الاسم بعدها، ومنها "من، إلى، عن، على، في، رب، منذ، الكاف، الباء، اللام".
٣ - حروف نصب المضارع، وهي "أنْ، لنْ، إذن، كي".
٤ - حروف جزم المضارع، ومنها "لم، لما، لام الأمر، لا: الناهية، إن، إذ ما" إلخ.
ويقصد بالحروف غير العاملة: ما لا يكون لها أثر إعرابي فيما بعدها وذلك كثير جدًّا، ومنه:
١ - حروف النفي مثل "ما، لا".
٢ - حروف الاستفهام مثل "الهمزة، هل".
٣ - حروف العطف، ومنها "الواو، الفاء، ثُم".
[ ١١٩ ]
المحل الإعرابي للكلمات المبنية:
من كلام الرسول: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب".
ومن القرآن: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾.
ويقول الشاعر:
لاتمدَحَنَّ امرءًا حتى تُجَرِّبَه … ولا تذُمَّنَّه من غير تجريب
معلوم أن الكلمة المعربة -اسما أو فعلا- حين تقع في وظيفة نحوية من وظائف الرفع أو النصب أو الجر أو الجزم "مبتدأ، خبر، فاعل، مفعول … إلخ" تكون مرفوعة أو منصوبة أو مجرورة أو مجزومة، ويتغير شكلها بحسب الوظائف النحوية المختلفة، كما في قولنا في "محمدٌ رسول الله" و"إن محمدًا رسول الله" فكلمة "محمد" في المثال الأول "مبتدأ مرفوع بالضمة وفي المثال الثاني "اسم إنّ" منصوب بالفتحة.
فكأنما وظائف الرفع والنصب والجر والجزم أصلا للكلمات المعربة؛ إذ يظهر على آخرها مقتضى تلك الوظائف من الشكل الإعرابي الأصلي والفرعي، على ما سبق شرحه.
ويقصد هنا بالمحل الإعرابي للكلمات المبنية: أن تقع الكلمة المبنية -اسما أو فعلا- أيضا في وظيفة نحوية من وظائف الرفع أو النصب أو الجر أو الجزم -وهي أصلا الكلمات المعربة- فتكون تلك الكلمات المبنية في محل رفع أو نصب أو جر أو جزم، بمعنى أن تلك الكلمات في موضع هو في
[ ١٢٠ ]
الأصل لكلمة معربة، وقد حلت هي محلها، ولذلك توصف -من المعربين- بأنها في محل رفع أو نصب أو جر أو جزم بحسب الوظيفة التي شغلتها.
ففي حديث الرسول نجد كلمة "أنا" من الكلمات المبنية، وقد وقعت مبتدأ -مرتين- في محل رفع.
وفي الآية الكريمة الكلمات المبنية "هذا، التي، هي" والأولى اسم "إن" في محل نصب، والثانية بعد "لام الجر" في محل جر، والثالثة مبتدأ في محل رفع.
وفي البيت الشعري نجد الفعل "تمدحَنَّ" مبني لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة وقد وقع بعد حرف الجزم "لا" فهو في محل جزم، ومثله تماما الفعل "تذمَّنَّ".
[ ١٢١ ]
تدريبات:
التدريب الأول:
قال "إبراهيم النبهاني" في "التجلُّد والصبر" (^١):
تعزَّ فإنّ الصبر بالحرّ أجمل … وليس على ريب الزمان معوَّل
فلو كان يُغني أن يرى المرء جازعًا … لحادثة أو كان يغني التذلّل
لكان التَّعزي عند كل مصيبة … ونازلة بالحر أولى وأجْمل
فكيف وكل ليس يعدو حِمامه … وما لامرئ عما قضى الله مزحل
فإن تكن الأيام فينا تبدّلت … ببُؤسى ونُعمى والحوادث تفعل
فما لينت منَّا قناة صليبة … ولا ذلَّلَتنا للتي ليس تجمل
ولكن زحلْناها نفوسًا كريمة … تحمل ما لا يُستطاع فتحمل
وقينا بحسن الصبر منّا نفوسنا … فصحتْ لنا الأعراض والناس هُزَّل
١ - الكلمات "تعزّ، كيف، التي، ليس، رحلناها، لكنْ" مبنية، ما نوعها من المبنيات؟؟ وما شكل بنائها؟؟
٢ - الكلمات "أجمل، أولى، بؤسى، نُعمى، حوادث" ممنوعة من الصرف، اذكر صفات منعها منه، ثم أعربها كما وردت في النص.
٣ - في النص خمسة أفعال معتلة، بينها، ثم صف حكمها من حيث البناء والإعراب.
_________________
(١) ديوان الحماسة لأبي تمام، الجزء الأول، ص ٨٨، مطبعة السعادة، القاهرة ١٩٢٧.
[ ١٢٢ ]
٤ - في البيت الثالث اسمان أحدهما منقوص والآخر مقصور: حددهما ثم أعربهما كما وردا في البيت.
٥ - ما الدليل على أن "نا" اسم في العبارات "فينا، منا، رحلنا، وقينا".
٦ - الكلمات "معول، جازعًا، مَزْحَل، قناة، نفوسًا" صفها من حيث الوظيفة النحوية والشكل كما وردت في الأبيات.
٧ - في الجملتين "ما لامرئ عما قضى الله مزحل، تحمل ما لا يستطاع" استعملت "ما" ثلاث استعمالات مختلفة، وضحها.
٨ - الكلمات "حادثة، مصيبة، صليبة" اجمعها جمع تكسير، وضع كل جمع منها في ثلاث جمل مفيدة مرفوعًا ومنصوبًا ومجرورًا مع ضبطه بالشكل.
٩ - اذكر الجمع السالم للكلمات "جازع، حادثة، نائبة، هزل" واستخدم الجمع في كلام مفيد.
١٠ - اختر أحد الأبيات في النص، ثم أعرب كلماته كلها مع التزام ذكر الوظيفة والشكل في الإعراب.
التدريب الثاني:
لمَّا احتُضر ذو الإصبع العدواني (^١) دعا ابنه أسيدًا فقال له: يا بني إن أباك قد فني وهو حي، وعاش حتى سئم العيش، وإنى موصيك بما إن
_________________
(١) ورد هذا النص في كتاب " الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني، الجزء الثالث ص ٦.
[ ١٢٣ ]
حفظْتَه بلغْتَ في قومك مابلغتُه، فاحفظ عني: ألن جانبك لقومك يحبوك وتواضع لم يرفعوك، وابسطْ لهم وجهك يُطيعوك، ولا تستأثر عليهم بشيء يُسوِّدوك، وأكرمْ صغارهم كما تُكرم كبارهم، يكرمْك كبارهم، ويكبر على مودّتك صغارهم، واسمح بمالك، واحْمِ حريمك، وأعززْ جارك، وأعن من استعان بك، وأكرمْ ضيفك، وأسرع النهضة في الصَّريخ، فإن لك أجَلًا لا يعدوك، وصُنْ وجهك من مسألة أحد شيئًا".
١ - نادى ذو الإصبع ابنه بقوله: "يا بني" -بضم الباء وفتح النون- ولو كان له أبناء كثيرون لقال: "يا بني" -بفتح الباء وكسر النون- مع تشديد الياء فيهما، وازن بين الصورتين.
٢ - الأفعال "دعا، فني، عاش، سئم" بم تسمى صرفيا؟؟ استعملها في كلام مفيد مسندة لضمائر الرفع المتحركة، ثم صغ المضارع منها واستعمله في كلام مفيد على أن يكون صورة من صور الأفعال الخمسة.
٣ - جملة "لا تستأثر عليهم بشيء يسوّدوك" أعربها، ثم خاطب بها المفرد والمثنى والجمع بنوعيه مع تأكيد الفعل "تستأثر" بالنون الثقيلة أو الخفيفة واذكر بعد التأكيد بالنون إعرابه أو بناءه.
٤ - من أفعال الأمر التي وردت في النص "ألن، تواضع، أكرم، احمِ، أعِن" زنها صرفيا، ثم اذكر شكل بناء كل منها.
٥ - ضمير المخاطب "الكاف" تكرر ذكره في هذا النص مع الأفعال والأسماء، اذكر عبارة نحوية واحدة تلخص الفرق في استعماله مع الاثنين.
٦ - الكلمات "ذو الإصبع، أسيدًا، أباك، موصيك، أجلا، شيئا" صفها من حيث الوظيفة والشكل كما وردت في النص
[ ١٢٤ ]
٧ - "وهو حي، بلغت في قومك، استعان بك، لايعدوك" صف الجمل السابقة من حيث الفعلية والاسمية، ثم اذكر مواقعها النحوية كما وردت في النص.
التدريب الثالث:
كان أبو فراس الحمداني في أسر الروم، فسمع حمامة تنوح على شجرة قريبة من سجنه، فأنشد هذه الأبيات (^١):
أقول وقد ناحت بقُربي حمامة … أيا جارَتا لو تعلمين بحالي
معاذ الهوى ما ذقت طارقة النّوَى … ولا خطرتْ منك الهُمومُ ببالي
أتحمل محزونَ الفؤاد قوادمٌ … على غصن نائي المسافة عالي
أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا … تعالي أقاسمك الهموم تعالي
تعالي تَرَيْ روحا لديّ ضعيفة … تردّدُ في جسم يعذب بالي
أيضحك مأسور، وتبكي طليقة … ويسكت محزون ويندب سالي
لقد كنت أولى منك بالدمع مقلة … ولكن دمعي في الحوادث غالي
١ - أثار البيت الرابع حوله مناقشة نحوية مفيدة، ما هي؟! وما رأيك فيها؟!
٢ - الكلمات قُرْبِي، جارتا، خالي، الهوى، النوى، عالي، نائي، سالي، دمعي، غالي" وردت في النص بهذا الترتيب، اذكر ما يقدر عليها من حركات الإعراب الأصلية مع سبب هذا التقدير.
_________________
(١) ديوان أبي فراس، ص ٢١٨، طبع بيروت سنة ١٩٦١.
[ ١٢٥ ]
٣ - كلمة "قوادمٌ" في البيت الثالث، ما المسوغ لصرفها مع أنها أصلا غير مصروفة، وضح ذلك من وزن البيت عروضيا.
٤ - كلمتا القافية في الشطرين "ولا خطرت منك الهموم ببالي، تردد في جسم يعذب بالي" متفقتان في الصورة ومختلفتان في الإعراب، اشرح ذلك.
٥ - ما حكم الكلمات الثلاث "بيننا، لديّ، لكنَّ" من حيث الإعراب والبناء؟
٦ - اضبط بالشكل الكلمات الآتية، وبين سبب الضبط "حمامة، معاذ، محزون، ضعيفة، مقلة"، راجع قبل الضبط سياقها في الأبيات.
٧ - الفعلان المضارعان "أقاسم، ترى" مجزومان في جواب الطلب فما علامة الجزم في كل منهما؟!
٨ - هات الجمع السالم من الصفات "محزون، عالي، ضعيفة، طليقة، ناء، بال" ثم استعمله منصوبا في جملة مفيدة.
٩ - في البيت السادس، لو وجه الشاعر لنفسه وللحمامة الخطاب، فبدأ بقوله: "أأضحك مأسورا .. " فكيف ينطق باقى الجمل!
١٠ - أعرب البيت الأخير من هذا النص ملتزمًا في كل كلمة ذكر الوظيفة والشكل.
التدريب الرابع:
حضرت "الخنساء" حرب "القادسية" ومعها بنوها أربعة رجال، فقالت لهم (^١):
_________________
(١) خزانة الأدب، ج ١، ص ٢٥.
[ ١٢٦ ]
"يَا بَنِيَّ، أنتم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، ووالله الذي لا إله غيره إنكم لبنو رجل واحد، كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما خنت أباكم، ولا فضحت خالكم، ولا هجَّنت حسبكم ولا غيرت نسبكم، وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب العظيم في حرب الكافرين، واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية، يقول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فإذا أصبحتم غدا فاغدُوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، ولله على أعدائه مستنصرين".
فلما أضاء لهم الصبح، باكَرُوا مراكزهم، فتقدموا واحدا بعد واحد ينشدون الأراجيز، فقاتلوا حتى استُشهدوا جميعًا، فلما بلغها الخبر، قالت: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته.
١ - "إنكم لبنو رجل واحد" كلمة "بنون" لماذا اعتبرت ملحقة بجمع المذكر السالم؟! اذكر إعرابها كما وردت في الجملة.
٢ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ اذكر حكم الأفعال التي وردت في هذه الآية من حيث البناء والإعراب.
٣ - كلمة "الأراجيز" من أي أنواع الجموع؟ اذكر مفردها، وهات بعد ذلك عشر كلمات أخرى مماثلة لها في الوزن والمفرد والإعراب.
٤ - "مراكزهم، الأراجيز" هكذا وردت الكملتان في النص، فما موقعهما النحوي؟! أدخلهما بهذه الصورة في كلام تام مجرورتين ثم اشرح مسلكهما النحوي مستشهدا بما ذكرت من جمل.
[ ١٢٧ ]
٥ - وردت جموع المذكر "مختارين، المسلمين، الكافرين، مستبصرين" اذكر الوظيفة والشكل لهذه الجموع كما وردت في سياق النص.
٦ - الكلمتان "امرأة، أعداء" لماذا لم تمنعا من الصرف مع أن الأولى مؤنثة وفي آخر الثانية ألف المد؟
٧ - أعرب بالتفصيل الجمل الآتية "معها بنوها أربعة رجال، ماخنت أباكم، قاتلوا حتى استشهدوا جميعا".
التدريب الخامس:
قال العباس بن الوليد بن عبد الله لمسيلمة بن عبد الملك (^١):
ألا تقْنَى الحياء أبا سعيد … وتُقصر عن مُلاحاتى وعَذْلي
فلولا أن أصلك حين تُنْمَى … وفرعك منتمى فرعي وأصلي
وأني إن رميتُك هضْتُ عظمي … ونالتني إذا نالتك نبلي
لقد أنكرتنى إنكار خوف … يضم حشاك عن شربي وأكلي
كقول المرء "عمرو" في القوافي … "لقيس" حين خالف كل عدل (^٢)
"عذيريَ من خليلَيَ من مُرَادٍ … أريد حياته ويريد قتلي
_________________
(١) يلاحظ أن النص الشعري الآتي موجه من ابن أخ إلى عمه. وقد ورد النص في كتاب الأمالى، لأبي على القالي طبع دار الكتب سنة ١٩٢٦، ص ١٤.
(٢) عمرو: هو عمرو بن معديكرب، قيس: هو قيس بن مكشح وكان صديقا لعمرو، ومن البيّن أنَّ البيت الأخير في المقطوعة من كلام عمرو بن معديكرب "وقد اقتبسه العباس بن الوَليد".
[ ١٢٨ ]
١ - "تنمِي، منتَمَى" وازن بين الكلمتين من حيث التسمية النحوية والإعراب، ثم طبق الأخير على ما ورد في النص.
٢ - "أنكرتني، ملاحاتي" اتصلت بكل منهما ياء المتكلم، وازن بين صلتها بهما.
٣ - جاء في البيت الثالث الكلمتان "عَظمي، نَبلي" وهما متفقتان في التسمية، لكن اختلف موقعهما النحوى في سياق البيت، اشرح ذلك.
٤ - "عذيري من خليلي من مراد" ما معنى هذه الجملة؟؟ أعربها بالتفصيل.
٥ - "أريد حياته ويريد قتلي" في شطر البيت كلمتان وقعتا مفعولا به حددهما، ثم وازن بينهما من حيث الشكل الإعرابي.
٦ - "أبا سعيد، تقصر، إنكار خوف، حين، عمرو" اذكر الوظيفة والشكل للكلمات السابقة كما وردت في سياق جمل النص.
٧ - الأفعال "رمى، هاض، أنكر، خالف" بم تسمى صرفيا؟ صغ من كل منهما فعل الأمر في صورتي المجرد من الإسناد والمسند لواو الجماعة، ثم اذكر كيف يبنى في الحالتين.
[ ١٢٩ ]
النكرة والمعرفة:
أولا: النكرة:
١ - المقصود بالنكرة لدى النحاة
٢ - العلامات التي تستخدم لمعرفة الاسم النكرة
طالب، كتاب، كلية، جامعة، رحلة، زهور، أشجار، طيور، مياه، جداول، استمتاع، راحة هدوء، نشاط، قوة.
النكرة -كما جاء في قطر الندى- عبارة عما شاع في جنس موجود أو مقدر. ا. هـ.
والمقصود بهذه العبارة أن يكون اللفظ مما يندرج تحته أفراد كثيرون لا يختص به واحد دون آخر، فكلمة "طالب" مثلا تطلق -بلفظها- على ما لا يحصى من أفراد الطلاب، وكذلك كلمة "شجرة يمكن استخدامها -كما هي- لتطلق على ملايين الأشجار مختلفة الأشكال والألوان، ومثل ذلك أيضا كلمة "شمس" فإنها بلفظها تطلق على كل جرم مضيء فهي نكرة بهذا الاعتبار -اعتبار اللفظ- وإن كان لا يوجد منها في الحقيقة والواقع إلا فرد واحد فقط.
هذا، وتستخدم إحدى العلامات التالية للتعرف على الاسم النكرة.
١ - أن يقبل "أل"
فالكلمات "طالب، أشجار، راحة" كلمات منكرة ومعناها شائع
[ ١٣٠ ]
وهي تقبل "أل" فيقال: "الطالب، الأشجار، الراحة" فتدل حينئذٍ على طالب معين، وأشجار حديقة خاصة مثلا، وراحة معهودة بين المتكلم والمخاطب.
٢ - أن يدل على ما يقبل "أل"
فالكلمات "ذو" بمعنى صاحب و"من" بمعنى شخص ما و"ما" بمعنى شيء، في قولك: "عاش عمرُ ذا ضمير حي فاحترمه كل من يحبه وكل من يكرهه" فإن كلمة "ذا ضمير" بمعنى "صاحب ضمير" وكلمة "صاحب" تقبل "أل" فيقال "الصاحب" وكلمة "من" بمعنى "إنسان" وهذه الأخيرة تقبل "أل" فيقال "الإنسان".
٣ - أن تقبل الكلمة حرف الجر "رُبَّ".
ذكر هذه العلامة ابن هشام، فإن كلمة "رُبَّ" لا تدخل إلا على النكرات، تقول "رُبَّ صمتٍ خيرٌ من كلام" و"رُبَّ فقيرٍ خيرٌ من غنيٍّ" فكل من الكلمتين "صمت، فقير" نكرتان بهذه العلامة.
ومن ذلك قول سويد بن كاهل اليشكري:
رُبَّ مَنْ أنضَجْتُ غيظًا قلبَهُ … قد تمنَّى لي موتا لم يُطَعْ (^١)
_________________
(١) الغيظ: أشد الغضب، وإنضاج الغيظ: يقصد به الوصول إلى منتهاه، لم يطع: لم ينفذ ما أراد. يقول: من الناس عدو لي مغتاظ مني أشد الغيظ، وإنه ليتمنى موتي، ومع ذلك لم تتحقق أمنيته ولم يحدث ما أراد. الشاهد: في قوله: "رب من أنضجت غيظا" فإن "من" نكرة بمعنى "إنسان" بدليل دخول الحرف "رب" عليها.
[ ١٣١ ]
- وقول أمية بن أبي الصلت:
لَا تضيقَنَّ بالأمور فقد تُكـ … ـشَفُ غماؤها بغير احتيالِ
ربما تكْرَهُ النفوسُ من الأمـ … ـرِ له فُرْجة كحَلّ العقالِ (^١)
_________________
(١) الغماء: الكرب والأحزان، الاحتيال: الحذق وجودة النظر والقدرة على التصرف "الشطارة"، الفرجة: -كما يقول القاموس- التفصي من الهم بمعنى الخروج منه، العقال: الحبل الذي يربط به البعير، حل العقال: في غاية اليسر. المعنى: هون عليك ولا تهتم بالشدائد، فبعد العسر يسر، وربما انكشفت الأحزان بدون مجهود، ورب أمر يضيق به الإنسان والخروج منه سهل ميسور كحل العقال. الشاهد: في البيت الثاني "ربما تكره النفوس" فإن "ما" بمعنى "شيء" في نكرة والدليل على ذلك دخول "رب" عليها. إعراب البيتين. لا تضيقن: لا: ناهية، تضيقن: فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد في محل جزم، وفاعله ضمير مستتر تقديره "أنت" والنون حرف توكيد مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، بالأمور: جار ومجرور متعلق بالفعل "تضيقن"، فقد تكشف غماؤها: قد: حرف تحقيق، تكشف: فعل مضارع مرفوع بالضمة، غماؤها: نائب فاعل مرفوع بالضمة، وضمير الغائبة مضاف إليه، بغير: جار ومجرور، احتيال: مضاف إليه مجرور بالكسرة. "ربما" رب: حرف جر شبيه بالزائد، ما: نكرة بمعنى "شيء" مبتدأ مبني على السكون في محل رفع، تكره: فعل مضارع مرفوع بالضمة، النفوس: فاعل مرفوع بالضمة، من الأمر: جار ومجرور، وجملة "تكره النفوس من الأمر" صفة لكلمة "ما"، له: جار ومجرور خبر مقدم شبه جملة، فرجة: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة، والجملة من المبتدأ والخبر خبر المبتدأ "ما"، كحل: جار ومجرور شبه جملة صفة الكلمة "فرجة"، العقال: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
[ ١٣٢ ]
ثانيًا: المعرفة
من القرآن الكريم: ﴿هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ﴾.
ومن شعر المتنبي:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي … وأسمعتْ كلماتي مَنْ به صمَمُ
في الآية وبيت الشعر كلمات معارف هي "هذا، أنا، الذي، من" فالكلمة الأولى اسم إشارة، والثانية ضمير، والثالثة والرابعة من أسماء الموصول.
فالمعرفة -بالمعنى الدقيق- هي الاسم الذي وضع ليستعمل في معين ا. هـ
وفي هذه العبارة المختصرة أمران مهمَّان جدًّا هما:
الأول: أنه قد ورد في اللغة العربية أنواع خاصة من الأسماء "عددها ستة، ستأتي" معدة لكي تستعمل معارف، بمعنى أنها مهيأة لكي تدل على ما هو محدود ومعين.
الثاني: أن هذه الأسماء لا يظهر تحديد معناها إلا في حال الاستعمال في جمل مفيدة، فالاستعمال الفعلي هو المجال العملي الذي يظهر فيه تحديد معنى هذه الأسماء ودلالتها على معين، سواء أكان شخصًا أم شيئا من الأشياء.
مثلا كلمة "هذا" من أسماء الإشارة، وأسماء الإشارة في اللغة العربية من كلمات اللغة التي أعدت ليمكن استخدامها في الدلالة على شيء معين، لكن كلمة "هذا" وحدها تبقى عامة الدلالة، فهي صالحة -هكذا- للاستخدام.
[ ١٣٣ ]
في الإشارة لما لا يكاد يحصى من الأشخاص والأشياء، أما حين تستخدم في جملة مفيدة كما في آية القرآن: ﴿هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ﴾ حينئذٍ تتحدد دلالتها بالاستعمال فهي في الآية تشير إلى القرآن الكريم فقط.
وكلمة "أنا" من الضمائر، والضمائر أعدت في اللغة ليمكن استخدامها في الدلالة على معين، لكن كلمة "أنا" وحدها تبقى عامة الدلالة، إذ هي صالحة لكي يستخدمها ما لا يمكن حصره من المتكلمين، فإذا استخدمت عمليا في جملة تامة كما في قول المتنبي "أنا الذي نظر الأعمى" تحدد معناها ودلت على متكلم واحد هو المتنبي نفسه، وهكذا بقية المعارف المعول فيها على الاستعمال نفسه.
وأسماء المعارف التي وردت في اللغة ستة هي:
١ - الضمير: كقول الرسول: "أنا النبي لا كذب، أنا ابنُ عبد المطلب" (^١).
٢ - العلم: كقول القرآن ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ (^٢).
٣ - الإشارة: كقول القرآن: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (^٣).
٤ - الموصول: كقول القرآن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ (^٤).
٥ - ما فيه "أل" كقول العرب: "الإنسانُ عبْدُ الإحسان".
٦ - ما أضيف لواحد مما سبق: كقولنا "شرفنا من شرف الوطن".
وسنتناول هذه الأنواع الستة واحدًا بعد الآخر.
_________________
(١) رجز يقال: إن النبي ارتجزه في غزوة "حنين والطائف".
(٢) من الآية ٢٨ من سورة الفتح.
(٣) من الآية ٩٢ من سورة الأنبياء.
(٤) من الآية ٣٠ من سورة فصلت.
[ ١٣٤ ]
الضمير:
١ - المقصود بالضمير لدى اللغويين والنحاة
٢ - صور استعمال الضمير في اللغة هي:
أ- الضمير المستتر جوازًا أو وجوبًا
ب- الضمير البارز، متصلا ومنفصلا
٣ - العبارة المشهورة "لايُعدل عن الاتصال إلى الانفصال" وما يتفرع عليها
٤ - نون الوقاية قبل ياء المتكلم مع الأفعال والحروف والأسماء
الضمير:
جاء في القاموس "الضُّمْر" الهُزَال ويقال منه: "ضَمَر ضُمورا" بمعنى: هزل وضعف و"الضمير" السر وداخل الخاطر ا. هـ.
فهذه المادة إذن تستعمل في الهزال والضعف أو الخفاء والستر، ومن العبارات الدارجة بيننا الآن "ضمر الجسم" بمعنى ذبُل وهزل، وأيضًا "خلِّ ضميرك نظيف" و"خلِّ عندك ضمير سليم" والمقصود من ذلك النية الطيبة الصالحة التي هي منشأ الأخلاق الكريمة.
ويبدو أن النحاة -كما رأى ابن هشام- قد راعوا الجانب اللغوي في إطلاق هذا اللفظ على بعض كلمات اللغة؛ لأن بعض الضمائر قليل الحروف مثل التاء في "صاحبت" وبعضها الآخر مستتر لا يبين، كقولنا: "لا تأسفْ
[ ١٣٥ ]
فاليُسْرُ يعقُبُ العُسْر" ففي الفعلين "تأسف، يعقب" ضمير مستتر. وعلى كل، فالضمير يقصد به نحويًّا "ما دل على متكلم أو مخاطب أو غائب، مثل: أنا، أنت، هو". ا. هـ.
صور للضمير في اللغة:
يأتي الضمير في الكلام العربي على الصور الآتية:
أولا: الضمير المستتر:
العاقلُ يبتعدُ عن الشبهات والأحمقُ يحومُ حولها.
فابتعدْ عن الشبهاتِ تأمن التقوُّلات.
الضمير المستتر -كما يدل اسمه عليه- ما ليس له صورة في اللفظ، وإنما يتخيل ذهنيًّا وجوده مختبئًا خلف الفعل وكذلك الأسماء التي تشبه الفعل، ففي المثالين السابقين استتر مع الفعلين "يبتعد، يحوم" ضمير تقديره "هو" ومع الفعلين "ابتعدْ، تأمنْ" ضميره تقديره "أنت" وكلاهما غير موجود ولكنه متخيل.
وفوق ذلك، وإغراقا في التخيل!! اعتبر الضمير المستتر نوعين: مستتر جوازا ومستتر وجوبا بالفهم التالي: