ظن وأخواتها
المسألة ٦٠: ظن وأخواتها
ظن وأخواتها:
المسألة ٦٠: ظن وأخواتها ١
أمثلة:
الكلام عنوان على صاحبه علمت الكلام عنوانًا على صاحبه
المجاملة حارسة للصداقة ظننت المجاملة حارسة للصداقة
الوفاء دليل على النبل اعتقدت الوفاء دليلًا على النبل
الماء الجامد ثلج صبر البرد الماء ثلجًا
الجلد أسود ردت٢ الثمن المجلد أسود
الخشب مشتعل تركت النار الخشب رمادًا
من النواسخ ما يدخل -في الغالب٣- على المبتدأ والخبر فينصبهما معًا، ويُغير اسمهما؛ إذا يصير اسم كل منهما: "مفعولًا به"٤ للناسخ. "مثل: علم، ظن - أعتقد - صبر ، وغيرها من الكلمات التي تحتها خط في الأمثلة المعروضة". وهذا هو: "القسم الثالث" من النواسخ، ويشتهر باسم:
_________________
(١) ١ هما من النواسخ. ويلاحظ ما لا يصلح أن يدخل عليه الناسخ، "وقد سبق بيانه وباين معنى الناسخ، وعمله، وأقسامه، وما يتصل بهذا - في جـ ١ ص ٥٤٣ م٤٢ - باب: "كان وأخواتها". وتأتي له إشارة في ص ٢١". ٢ صيرت. ٣ كان دخول هذا النوع من النواسخ على المبتدأ والخبر أمرًا غالبًا؛ لأن منه ما قد يدخل عليهما، وعلى غيرهما، كالفعل: "حسب"، ومنه ما لا يدخل إلا على غيرهما؛ كأفعال التحويل الآتية - في ص٨- وللنجاة تعليل يسوغ الدخول على غيرهما، سيجيء في "أ" من ص١١.
(٢) وبالرغم من اعتبارهما مفعولين، هما "عمدتان"، لا "فضلتان" كبقية المفعولات، "كما سيجئ في رقم١ هامش ص١٧٩"، لأن أصلهما المبتدأ والخبر؛ فيكون الثاني في المعنى هو الأول، ولو تأويلًا، والأول هو الثاني في المعنى أيضًا؛ كالشأن في المبتدأ والخبر دائما وقد يدخل هذا الناسخ على غيرهما، كما سنعرف في "أ" من ص ١١- والمفعول الثاني هنا هو الذي تتم به الفائدة الأساسية؛ لأنه الخبر في الأصل، فهو أهم. لاحظ ما يأتي في "ج" من ص١٢، لأهميته.
[ ٢ / ٣ ]
"ظن وأخواتها" وليس يه حروف؛ فكله أفعال، أو أسماء تعمل عملها. وتنحصر هذه الأسماء في مصادر تلك الأفعال، وفي بعض المشتقات العاملة عملها. فالفعل الماضي المتصرف١ هنا، لا ينفرد وحده بالعمل السالف؛ وإنما يشابهه فيه ما قد يكون له من مضارع، وأمر، ومصدر، واسم فاعل، واسم مفعول، دون بقية المشتقات٢ الأخرى. أما غير المتصرف فعمله مقصور على صبغته الخاصة به، إذا ليس لها فروع، ولا صيغ أخرى تتصل بها.
وقد ارتضى بعض النحاة تقسيم الأفعال العاملة هنا قسمين؛ مراعيًا الأغلب في استعمالها٣؛ هما: "أفعال قلوب"٤ و"أفعال تحويل"٥. ولا بد لكل
_________________
(١) ١ الفعل الماضي المتصرف إما إن يكون تصرفه كاملًا إما أن يكون تصرفه كاملًا؛ فيكون له المضارع، والأمر، والمصدر، واسم الفاعل وبقية المشتقات المعروفة، كالفعل: "سمع" إما أن يكون تصرفه ناقصًا؛ فيكون له بعض تلك المشتقات فقط؛ كالفعل: "كاد"؛ من أفعال المقاربة، وكالفعل: "يدع". أما غير التصرف مطلقًا فهو الجامد الذي يلازم صيغة واحدة لا يفارقها؛ كالفعل: "تعلم" بمعنى: "اعلم"، والفعلِ: "هب"، بمعنى: ظن وهما من أفعال هذا الباب القلبية، وكالفعل "عسى" و"اليس" وهما من أخوات "كان" والأنواع المشتقات إشارة عابرة في رقم ٢ التالي. ٢ رددنا في مناسبات مختلفة، أسماء المشتقات الاصطلاحية من المصدر؛ وهي: اسم الفاعل، اسم المفعول، الصفة المشبهة، أفعل التفضيل، المصدر الميمين اسم الزمان، اسم المكان، اسم الآلة. "ويدخل في عداد المشتقات أكثر الأفعال بأنواعها الثلاثة". وهذه المشتقات قسمان: قسم يعمل عمل فله بشروط؛ فبرفع الفاعل مثله، أو نائب الفاعل، وقد ينصب المفعول به، كفعله أحيانًا، وهو: اسم الفاعل، اسم المفعول، الصفة المشبهة، أفعل التفضيل، المصدر الميمي. ويدخل في هذا القسم العامل: المصدر الأصلي أيضًا "بالرغم من جموده، في الرأي الشائع". وقسم لا يعمل شيئًا من عمل الفهل؛ ويسمى: "المهمل" وهو: اسم الزمان، واسم المكان، واسم الآلة. ولا دخل للقسم المهمل في أحكام هذا الباب. بل إن بعض المشتقات العاملة لا يدخل في أحكامه؛ فالصفة المشبهة الأصيلة خارجة من أحكامه؛ لأنها تجئ من الفعل اللازم وحده؛ فلا تنصب مفعولًا به. أما غير الأصيلة فقد تنصب بالشروط والطريقة المذكورة في بابها "جـ٣ ص٢٨٢ م١٠٤" وأفعل التفضيل خارج؛ لأنه لا ينصب مفعولًا به. والفعل الماضي الذي للتعجب خارج؛ لأنه ينصب مفعولًا واحدًا فالثلاثة لا تصلح لأحكام هذا الباب -كما سيجئ في ص٢٦ م٦١-. ٣ راجع "ج" من ص١٢ حيث تقسيم آخر، وبيان عن سبب التقسيمين. ٤ سميت بذلك لأن معانيها قائمة بالقلب، متصلة بهِ، وهي المعاني النفسية التي تعرف اليوم: بالأمور النفسية؛ ويسميها القدماء: الأمور القليلة، لاعتقادهم أن مركزها القلب. ومنها: الفرح - الحزن - الفهم - الذكاء - اليقين - الإنكار ٥ تدل على انتقال الشيء في حالة إلى حالة أخرى تخالفها. وتسمى أيضًا: "أفعال التصيير"؛ لأن كل فعل منها بمعنى: "صبر"، أي: حول الشيء من حالته القائمة إلى أخرى تغايرها.
[ ٢ / ٤ ]
فعل من القسمين من فاعل١، ولا يغني عنه وجود المفعولين أو أحدهما:
أ- فأما أفعال القلوب٢ فمنها ما قد يكون معناه العلم. "أي: الدلالة على اليقين٣ والقطع"، ومنها ما قد يكون معناه الرجحان٤ والنوعان صالحان للدخول - مباشرة - على المبتدأ الصريح، وعلى المصدر المؤول من "أن مع معموليها"، أو: "أن والفعل مع مرفوعة"٥.
ويشتهر من الأفعال الأول٦ سبعة:
١- علم٧؛ مثل: علمت البر سبيل المحبة، وعملت المحبة سبيل القوة.
٢- رأى٨؛ مثل: رأيت الأمل داعي العمل، ورأيت اليأس رائد الإخفاق، وقول الشاعر:
_________________
(١) ١ بخلاف "كان" وأخواتها من أفعال الناسخة؛ فإنها لا ترفع الفاعل - وهذا أحد وجوه الاختلاف بين النوعين. ٢ أفعال القلوب ثلاثة أنواع: نوع لازم "لا ينصب المفعول به" مثل: فكر - تفكر - حزن - جبن ونوع ينصب مفعولًا به واحدًا؛ مثل: أخب - كره ونوع ينصب مفعولين؛ كأفعال هذا الباب المذكورة هنا، بشرط أن تؤدي معنى معينًا؛ كما سنعرف. ٣ هو: الاعتقاد الجازم الذي لا يعارضه دليل آخر يسلم به المتكلم. وقد يكون هذا الاعتقاد صحيحًا في الواقع أو غير صحيح. ٤ الشك: ما ينشأ في النفس من تعارض دليلين في أمر واحد؛ بحيث تساوى قوتهما في التعارض والاستدلال؛ فلا يستطيع المرء ترجيح أحدهما على الآخر؛ لعدم وجود مرجح. أما الجرحان أو الظن، فهو ما ينشأ من تغلب أحد الدليلين المتعارضين في أمر، بحيث يصير أقرب إلى اليقين. فالأمر الراجح محتمل للشك واليقين، لكنه أقرب إلى اليقين إلى الشك، وفي هذه الحالة يسمى المرجوح: "وهما". ٥ فاعله أو نائب الفاعل. وانظر "ب" من ص١١. ٦ وهي الدالة على العلم، وقد يستعمل كل منها في معان أخرى عبر "اليقين" فينصب مفعولًا واحدًا، أو لا ينصب. "وسنعرض لبعض هذا في "جـ" ص ١٢". ٧، ٨ يستعمل الفعل: "علم" أحيانًا في القسم غير الصريح؛ فيحتاج لجواب، ونكسر بعده همزة "إن". "وقد أشرنا لهذا في آخر الجزء الأول؛ وله إشارة تجئ في ص٥٠٠ وسيجئ في الباب التالي: "اعلم وأرى" ص٥٩ حكم الفعلين: "علم" و"رأى" إذا سبقتهما همزة النقل؛ "أي: همزة التعدية". ومما يتصل بمعنى الفعل "رأى" وباستعماله ماضيًا وروده في الأساليب العالية بمعنى: "أخبروني"؛ نحو: أرأيتك هذا الكتاب، هل عرفت قيمته؟ وقد أوضحنا هذا الأسلوب ونوع الكاف وحكمها، بتفصيل واف يشمل معناه، وصياغته، وطريقة استعماله. "في باب الضمير شص ٢٣٨، م١٩ من الجزء الأول- الطبعة الرابعة" وسيجئ له إشارة في ص١٦.
[ ٢ / ٥ ]
رأيت لسان المرء وافد١ عقله وعنوانه؛ فأنظر بماذا تعنون؟ ٢
٣- وجد؛ مثل: وجدت ضعاف الأمم تهبًا لأقوياتها، ووجدت العلم أعظم أسباب القوة٣.
٤- دري؛ مثل: دريت المجد قريبًا من الدائب في طلبه، ودريت لذة إدراكه ماحية تعب السعي إليه.
٥- ألفي٤، مثل: ألفيت الشدائد صاقلة للنفوس، وألفيت إحتمالتها سهلًا على كبار العزائم.
٦- جعل؛ مثل: جعلت٥ الإله واحدَا، لا شك فيه.
٧- تعلم٦، مثل: "اعلم": مثل: تعلم وطنك شركة بين أبنائه، وتعلم نجاح الشركة رهنًا بالإخلاص والعمل.
_________________
(١) ١ رسول عقله ودليله، وبعد هذا البيت: ويعجبني زي الفتى وجماله فيسقط من عيني ساعة يلحن ٢ وكذلك قول الآخر: = قد جعلنا الوداد حتمًا علينا ورأينا الوفاء بالعهد فرضًا ٣ ومثل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾، ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى﴾ ٤ لا يستعمل هذا الفعل هنا إلا مزيدًا بالهمزة. ٥ أي: اعتقدت. ومن هذا- في بعض الآراء- قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ أي: اعتقدوا - انظر رقم ٤ ي هامش ص٨: ولهذا الفعل معان أخرى سيجئ بعضها "وقد أشرنا لها في رقم ٣ من هامش ص٩". ٦ الفعل: "تعلم" بمعنى: "اعلم"، فعل أمر جامد -عند فريق من النحاة- لا يجيئ من صيغته الأصلية غير الأمر، مع كثرة دخوله على مصدر مؤول، أداته: "أن" المشددة أو المخففة الناسختين، أو "أن" الداخلة على الفعل؛ ومتصرف عند فريق آخر يجري عله أحكام الفعل المتصرف. وقد شاع الرأي الأول - ويسد فيه المصدر مسد المفعولين - فيحسن أتباعه؛ توحيدًا للتفاهم "وسيجيئ إيضاح هام لمعناه في رقم ١من هامش ص١٩".
[ ٢ / ٦ ]
ويشتهر من الأفعال الثانية١ ثمانية، هي:
١- ظن؛ مثل: ظن الطيار النهر قناة، وطن البيوت الكبيرة أكواخًا.
٢- خال٢، مثل: خال المسافر الطيارة أنفع له، وهو يحال الركوب فيها متعة.
٣- حسب؛ مثل: أحسب السهر الطويل إرهاقًا، وأحسب الإرهاق سبيل المرض، وقول الشاعر:
لا تحسبن الموت موت المبلي وإنما الموت سؤال الرجال٣
٤- زعم٤؛ مثل: زعمت الملاينة مرغوبة في مواطن، وزعمت التشدد مرغوبًا في أخرى.
_________________
(١) ١ وهي الدالة على الرجحان. وقد يستعمل كل منها في معان أخرى؛ فينصب مفعولًا واحدًا، أو لا ينصبه. "كما سيجئ قريبًا في جـ من ص١٢ وما بعدها". ٢ ومضارعها المسموع كثيرًا للمتكلم هو: إخال - بكسر الهمزة غالبًا. وهذا السماعي الغالب مخالف للقياس، = وفتح الهمزة لغة قليلة مسموعة أيضًا. والمستحسن الاقتصار على الكثير الغالب - كما سبق في جـ١ م٤ عند الكلام على: "أحرف المضارعة" ص٤٧. فإن كان الفعل "خال" بمعنى: تكبر" أو طلع التي بمعنى: عرج فهو لازم. ٣ بعد هذا البيت: كلاهما موت. ولكن ذا أفظع من ذاك، لذل السؤال ٤ كثر الكلام في معنى: "زعم". وصفوة ما يقال: إنها قد تكون بمعنى اليقين أحيانًا عند المخاطب؛ كقول أبي طالب يخاطب الرسول: ودعوتني وزعمت أنك ناصح ولقد صدقت، وكنت ثم أمينا وقد تكون بمعنى الاعتقاد من غير دليل؛ كقوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ إلخ. وقد تدل على الرجحان. وقد تستعمل للدلالة على الشك، وهو الغالب في استعمالها. وقد تستعمل في القول الكاذب؛ فإذا قلت: "زعم فلان كذا" فكأنك قلت: كذب، وردد كلامًا غير صحيح. والقرئية هي التي تحدد المعنى المناسب لمقام من بين المعاني السالفة. وقد تكون بمعنى: "كفل" أو بمعنى رأس "أي: ساد وشرف" أو بمعنى: سمن أو هزل: فيتغير حكمها في التعدي واللزوم -تبعًا للغير المعنى- على الوجه المبين في رقم٥ من هامش ص٢٠. وزعم- كغيرها من الأفعال القلبية الناصبة للمفعولين. قد تنصب المفعولين مباشرة، وقد تدخل على "أن" مع الفعل ومرفوعه، أو "أن" مع معموليها؛ فيكون المصدر المؤول في الحالتين سادًا مسد المفعولين، ومغنيًا عنهما، وهذا هو الأغلب في "زعم" كما سيجئ في رقم ٤ من هامش ص١١ - وإليه تميل أكثر الأساليب الأدبية؛ كقوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ وقول الشاعر: وقد زعمت أني تغيرت بعدها ومن ذا الذي - يا عز - لا يتغير؟
[ ٢ / ٧ ]
(٥) عَدَّ؛ مثل: عدَّدت الصديق أخًا. وقول الشاعر:
فلا تَعْدُد المولَى (١) شريكَك في الغنى ولكنما المولَى شريكُكَ في العُدمِ (٢)
(٦) حَجَا (٣)؛ مثل: حَجَا السائحُ المِئذنة بُرْجَ مراقبة.
وقول الشاعر:
قد كنت أحْجُو أبا عمْروٍ أخًا ثقةً حتى ألَمَّتْ بنا يومًاَ مُلِمَّاتُ
(٧) جَعَلَ؛ مثل: جعل الصياد السمكةَ الكبيرةَ حوتًا.
وقوله تعالى في المشركين: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ (٤) [الزخرف: ١٩]
(٨) هَبْ؛ ": هبْ مالَك سلاحًا في يدك؛ فلا تعتمد عليه وحده (٥)
وهذا الفعل دون بقية أفعال الرجحان السّالفة -جامد، ملازم صيغة الأمر (٦)
***
(ب) وأما أفعال التحويل (أو: التَّصيير) فأشهرها سبعة، ولا تدخل على مصدر مؤول من "أنَّ" مع معموليها، أو: من "أنْ" الفعل مع مرفوعه (٧) - وهي:
(١) صَيَّر؛ مثل: صَيَّر (٨) الصائغُ الذهب سبيكةً، وصَيَّر السبيكةَ سوَارًا.
_________________
(١) الناصر، أو الصديق.
(٢) الفقر الشديد.
(٣) لهذا الفعل معان أخرى يتغير بسببها حكمه، طبقًا للبيان الذي في رقم ٥ من هامش ص٢٠.
(٤) وقيل: إن "جعل" هنا بمعنى: اعتقد -كما في رقم ٥ من هامش ص٦.
(٥) لهذا الفعل الجامد معنى واستعمال يخالف فيهما المتصرف الذي على صورته الآتية في ص٢٠.
(٦) هو فعل أمر، بمعنى: "ظُنّ" وهو بهذا المعنى فعل جامد، لا يكون منه غير الأمر، ودخوله محل نصب، سد مسد المفعولين. وهذا استعمال نادر في الأساليب الرفيعة، بالرغم من إجازته (انظر الخضري والتصريح. ثم رقم ٤ من هامش ص١١ الآتية) .
(٧) كما سيجيء في آخر. "ب" من ص١١.
(٨) "صَيَّر"، و"أصار"، فعلا، أصلهما قبل التعدية بالتضعيف والهمزة: "صار" الذي هو من أخوات "كان، نحو: صار الخشب بابًا. وبعد تعديهما ابتعدا عن عمل "كان"، وانتقلا منه إلى نصب المفعولين؛ نحو: صيَّر الجوهري الدرّ فصوصًا، وأصار الفصوص عقدًا. أما "صيَّر" بمعنى: "نقل" فينصب مفعولًا واحدًا، نحو: صيرت السائح إلى دار الآثار، أي. نقلته.
[ ٢ / ٨ ]
(٢) جَعَلَ؛ مثل: جعل الغازلُ القطنَ خيوطًا، وجعل الحائك الخيوط نسيجًا (١)
وقول الشاعر:
اجعلْ شعارك رحمةً ومودةً إن القلوب مع المودة تُكْسَبُ
(٣) اتَّخذَ؛ مثل: اتخذ المهندسون الحديدَ والخشبَ باخرةً، واتخذ المسافرون الباخرةَ فُنْدُقًا.
(٤) تَخٍِذَ؛ مثل: تَخِذَت الحرارةُ الثلجَ ماءً، وتَخِذَت الماءَ بخارًا.
(٥) تَرَك؛ مثل: ترك الموجُ الصخورَ حصىً، وتركت الشمس الحصَى رمالا.
(٦) رَدَّ؛ مثل: ردّ الأمل الوجوهَ الشاحبةَ مُشْرقةً، وردّ النفوس اليائسة مستبشرةً.
(٧) وَهَبَ؛ مثل: وهَبَت الحَبَّ دقيقًا، ووهبت الدقيقَ عجينًا (٢) .
***
وفيما يلي بيان موجزَ للأفعال السابقة (٣)، وأنواعها المختلفة:
_________________
(١) ومثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢] خِلْفة: يجيء كل منهما بعد الآخر.
(٢) وهبَ، بمعنى: "صير" -فعل ماض جامد، ولا يستعمل في معنى التحويل إلا بصيغة الماضي. ومنه قولهم: "وهبني الله فداء الحق"، أي: صيرني.
(٣) إلى ما سبق يشير ابن مالك باختصار، قائلًا: اِنْصِبْ بِفِعْل القلْبِ جُزْأَيِ ابتِدا أَعْني: رأَى -خَالَ - عَلمْتُ - وَجَدَا ظَنَّ - حَسِبْت - وزَعَمْتُ - مَعَ عَدْ حجَا - دَرَى - وجَعَل: اللَّذْ كاعْتَقَدْ وهَبْ - تَعَلَّمْ - والَّتِي كَصَيَّرَا أَيْضًا - بِهَا انْصِبْ مُبْتَدًا وخَبَرا=
[ ٢ / ٩ ]
ظن وأخواتها
أ- أفعال قلْبية
- أفعال يقين، وأشهرها سبعة:
(١) علِمَ ١ (٢) رأى (٣) وجَد (٤) دَرَى (٥) ألفَى (٦) جَعَل (٧) تعلَّم، بمعنى: اعلم
- أفعال رجحان، وأشهرها ثمانية: (١) ظنّ (٢) خال (٣) حسِبَ (٤) زعم (٥) عَدَّ (٦) حَجَا (٧) جعل (٨) هبْ
ب- أفعال تحويل
أشهرها سبعة: (١) صَيَّر (٢) جَعَل (٣) اتخذَ (٤) تَخِذَ (٥) تركَ (٦) ردّ (٧) وهبَ
_________________
(١) =أي: انصب بفعل القلب جملة ذات ابتداء -وهي الجمل الاسمية الخالصة- وسرد في الأبياد كثيرًا من أفعال القلوب التي شرحناها؛ منها ما يدل على اليقين، ومنها ما يدل على الرجحان. وقبل سردها صرح بكلمة: "أعني" ليدل على أن المقصود أفعال معينة، دون غيرها؛ فليس كل فعل قلبي ينصب مفعولين -كما أوضحنا في رقم ٢ من هامش ص٥- وطالب أن تنصب هذه الأفعال جزأي ابتداء (وهما: المبتدأ والخبر) كما أشار إلى أن "جعل" إذا كان من أفعال القلوب -أي: بمعنى الفعل: "اعتقد" فإنه ينصب مفعولين مثله. وهو يختلف في المعنى والعمل عن "جعل" الذي سبق الكلام عليه في باب: "أفعال المقاربة والشروع" من الجزء الأول، كما يختلف في معناه عن "جعل" الذي هو من أفعال الرجحان، والذي من أفعال التحويل والتصيير؛ كما عرفنا في الشرح. والفعل: "اعتقد" معدود من أفعال كثيرة قد تنصب مفعولين ولم تذكر في هذا الباب. منها: تيقن - تمنى - توهم - تبين - شعر - أصاب إلى غير هذا مما سرده صاحب الهمع في هذا الباب (ج١ ص١٥١) ونقل بعضه الصبان هنا. أما أفعال التحويل والتصيير فلم يذكرها ابن مالك، واكتفى بأن يشير إليها بقوله: والَّتِي كَصَيَّرا أَيضًا بِهَا انْصِبْ مُبْتَدًا وخَبَرًا أي: انصب -أيضًا- مبتدأ وخبرًا بالنواسخ التي مثل "صير" في إفادة التحويل. وقضت ضرورة الشعر على الناظم بزيادة الألف في آخر الفعلين: "وجد"، "صير"، وبتخفيف الدال في الفعل: عدّ. أما كلمة: "اللذ" في أبياته فهي لغة صحيحة في "الذي". ١ انظر ما له صلة بهذا الفعل في رقم ٧، ٨ من هامش ص٥.
[ ٢ / ١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
(١) ليس من اللازم -كما أشرنا (١) - أن يكون المفعولان أصلهما المبتدأ والخبر حقيقة، بل يكفي أن يكون أصلهما كذلك ولو بشيء من التأويل المقبول، كالشأن في أفعال التحويل، وكالشأن في: "حسب"؛ مثل: صيرُ الفضة خاتَمًا؛ إذ لا يصح المعنى بقولنا: الفضةُ خَاتَمٌ؛ لأن الخبر هنا لس هو المبتدأ في المعنى الحقيقي؛ فليست الفضة هي الخاتم، وليس الخاتم هو الفضة؛ إلا على تقدير هذه الفضة ستئُول (٢) إلى خاتم. ومثل: حسبت المِرِّيخَ الزُّهَرَة؛ إذ لا يقال على سبيل الحقيقة المحضة: المِرِّيخُ الزُّهَرة؛ لفساد المعنى كذلك؛ فليس أحدهما هو الآخَر، إلا على ضرب من التشبيه. أو نحو من التأويل السائغ، المناسب للتعبير. فالأول (أي: التشبيه) قد جعل المفعول الثاني بمنزلة ما أصله الخبر. وإن لم يكن خبرًا حقيقيًا في أصله.
هذا كلامهم. والواقع أنه لا داعي لهذا التمحل، والتماس التأويل؛ إذ يكفي أن يكون فصحاء العرب قد أدخلوا النواسخ على ما أصله المبتدأ والخبر حقيقة، وعلى ما ليس أصله الحقيقي المبتدأ والخبر، مما يستقيم معه المعنى المراد بغير غموض.
(ب) ليس من اللازم أن تدخل أفعال هذا الباب القلبية على المبتدأ والخبر لتنصب كلًاّ منهما مباشرة (٣) فقد تدخل على "أنّ" مع معموليها، أو: على "أنْ" مع الفعل؛ فيكون المصدر سادًّا مسد المفعولين (٤)، مغنيًا عنهما.
_________________
(١) في رقم ٤ من هامش ص٣.
(٢) أي: ستتحول وينتهي أمرها في المستقبل إليه.
(٣) أي: نصبًا صريحًا لا تأويل فيه، ولا سبك، ولا تقدير.
(٤) وسنعود للكلام على هذا المصدر عند بحث الحكم الثالث من الأحكام التي تختص بها الأفعال القلبية (في ص٤٣)، والأغلب في "زعم" وفي "تعلمْ" بمعنى: "اعلمْ" دخولهما على "أنَّ" مع معموليها، أو على "أنْ"، والفعل مع مرفوعه - كما في رقم ٦ من هامش ص٦ وفي ٤ من هامش ص٧- والأغلب في "هب" الأمر الجامد بمعنى "ظن" عدم دخوله عليهما، برغم صحة دخوله: كما سبق (في رقم ٦ من هامش ص٨. أما الأمر المتصرف فله حكم في ص٢٠) . والأحسن الأخذ بالرأي السهل القائل: إن المصدر المؤول في هذا الباب يسد مسد المفعولين، دون=
[ ٢ / ١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مثل: علمت أن السباحة أسْلمُ من الملاكمة، وأظن أن العاقل يختار الأسلم وقول الشاعر:
يرى الجبناء أن الجبن حزمٌ وتلك خديعة الطبع اللئيم
ومثل: دَرَيت أن الكِبْرُ بغيض إلى النفوس الكبيرة، ووجدت أن صغائر الأمور محببة إلى النفوس الصغيرة. ومثل: من زعم أن يَخْدعَ الناسَ فهو المخدوع ومن حسب أن يدرك غايته بالتمني فهو مخبول (١) .
أما أفعال التحويل فلا تدخل على "أنّ" ومعمليها، ولا على "أنْ" والفعل مع فاعله (٢)
(ج) جرى بعض النحاة على تقسيم الأفعال القلبية السابقة أربعة أقسام، بدلًا من اثنين:
فلليقين وحده خمسة: وجد - تَعلمْ، بمعنى: اعلم - دَرى - ألْفَى - جعل.
وللرجحان وحده خمسة: جعل - حجا - عدّ - زعم - هبْ، بمعنى: ظُنّ.
وللأمرين والغالب اليقين، اثنان: رأى - علِم.
وللأمرين والغالب الرجحان، ثلاثة: ظنّ - خال - حَسِب.
_________________
(١) =الرأي القائل: إنه يسد مسد المفعول الأول، وأن المفعول الثاني محذوف، وتقديره: "ثابتًا"، أو ما يشبهه؛ ففي نحو: وجدت أن الصب أنفع في الشدائد -يقدرون: وجدت نفع الصبر في الشدائد ثابتًا وهذا نوع من التضييق والإطالة لا داعي له.
(٢) في مثل قولهم: "غبت"، وما حسبتك أن تغيب" تكون "الكاف" حرفًا محضًا لمجرد الخطاب ومتصرفًا. وليس اسمًا ضميرًا؛ إذ لو كان ضميرًا لكان هو المفعول الأول للفعل "حسب" ومفعوله الثاني هو المصدر المؤول: (أن تغيب) . ويترتب على هذا أن يكون ذلك. المصدر المؤول خبرًا عن "الكاف"، باعتبار أن أصلهما المبتدأ والخبر؛ لأن مفعولي "حسب" أصلهما -في الغالب- المبتدأ والخبر. وإذا وقع المصدر المؤول هنا خبرًا عن الكاف أدّى إلى الإخبار بالمعنى عن الجثة. وهو ممنوع عندهم في أغلب الحالات إذا كان المراد الإخبار من طريق الحقيقة، لا من طريق المجاز. أما من طريق المجاز فصحيح -كما سبق البيان في الجزء الأول ص٢٤١ م١٩. باب: "الضمير" عند الكلام على "كاف الخطاب"-
(٣) كما سبق في: "ب" من ص٨.
[ ٢ / ١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لكن التقسيم الثنائي أنسب، لأنه أدمج القسم الثالث فى الأول، والرابع في الثاني؛ نظرًا للغلب عليهما، وتقليلًا للأقسام (١)، واكتفاء بالإشارة إلى أن كل فعل يستعمل في معنىً آخر غير ما ذكر له، مع ضرب أمثلة لذلك:
١- فمن أفعال اليقين وألفاظه ما يستعمل في الرجحان؛ فينصب مفعولين أيضًا، وقد يستعمل في بعض المعاني الأخرى، فينصب مفعولًا به واحدًا، أو لا ينصب؛ فيكون لازمًا. كل ذلك على حسب معناه اللغوي الذي تدل عليه المراجع اللغويَّة الخاصة، وليس هنا موضع استقصاء تلك المعاني؛ وإنما نسوق بعضها: فمن الأمثلة: الفعل "عَلِمَ"؛ فإنه ينصب المفعولين حين يكون بمعنى: اعتقد وتيقن -كما سبق-؛ مثل: علمت الكواكبَ متحركةً. وقد يكتفي بمفعول به واحد في هذه الحالة؛ بأن نأتي بمصدر المفعول الثاني، وننصبه مفعولًا به، ونكتفي به، بعد أن نجعله مضافًا أيضًا، ونجعل المفعول الأول هو المضاف إليه. فنقول: علمت تَحَرّكَ الكواكب، فيستغني عن المفعول الثاني وعن تقديره.
ومن النحاة من لا يقصر هذا الحكم على "عَلِمَ"؛ بل يجعله عامًّا في جميع أفعال هذا الباب؛ فيحيز إضافة مصدر المفعول الثاني إلى المفعول الأول، والاكتفاء بهذا المصدر مفعولًا به واحدًا (٢) .
وقد يكون بمعنى: "ظن" فينصب مفعولين أيضًا؛ مثل أعْلَمُ الجوَّ باردًا في الغد. فإن كان بمعنى: "عرف" نصب مفعولًا به واحدًا (٣)؛ مثل:
_________________
(١) راجع الخضري أول هذا الباب.
(٢) وهذا الرأي فيه اختصار محمود، ولا ضرر في الأخذ به أحيانًا. وتفضيل أحدهما متروك للمتكلم؛ ليختار منهما ما يناسب كلامه على حسب الدواعي البلاغية. ومن تلك الدواعي أن الإبانة قد تقتضينا أحيانًا- أن نصرح بالمفعولين منصوبين- فإن لم يكن في التصريح بهما زيادة إيضاح، أو إزالة لبس عند السامع، أو إتمام فائدة -فالاختصار أحسن.
(٣) في بعض كتب اللغة -دون بعض- ما يدل على أن "المعرفة" مقصورة على العلم المكتسب بحاسة من الحواس؛ جاء في "المصباح المنير"، مادة "عرف" ما نصه: (عرفته عِرفة -بالكسر- وعرفانًا، علمته بحاسة من الحواس الخمس) . وأيضًا يرى كثير من النحاة فرقًا بين "علم" التي بمعنى: "عرف" و"علم" التي بمعنى: "اعتقد" وأنهما غير متساويين في المعنى ولا في العمل، وحجته: =
[ ٢ / ١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
علمت الخبر، أي عرفته (١) . وإن كان بمعنى: "انشَقّ" فهو لازم لا ينصب المفعول المفعول به؛ مثل عَلِم البعيرُ (٢)، أي: انشقت شفته العليا
والفعل: "رأى" ينصب المفعولين إذا كان بمعنى: اعتقدَ وتيقَّن، أو:
_________________
(١) =أن "العلم" الذي بمعنى: "المعرفة" يتعلق بنفس الشيء وذاته المادية؛ تقول: "علمت القمر"، كما تقول "عرفت القمر" كلاهما معناه منصب على ذاته المحسوسة وجرمه، (أي: حقيقته المادية) وعلى هذا تكون "علم التي بمعنى: "عرف" مختصة عندهم بما يسميه المناطقة: "الذات" أو: "الشيء المفرد" أي: "البسيط" وكلا الفعلين بهذا المعنى يتعدى لواحد. أما "علم" الناصبة للمفعولين فمختصة -عند تلك الكثرة- بوصف الذات بصفة ما، ولا شأن لها بالذات وحدها مباشرة، مثل: علمت القمر متنقلًا. أي: علمت اتصاف ذات القمر بالتنقل، وليس المراد علمت ذات القمر وجرمه. فالفعل "علم" بهذا المعنى مختص بما يسميه المناطقة: "الكليات". على أساس ما سبق كله يكون القائل: "عرفت قدوم الضيف" مريدًا عرفت القدوم ذاته، دون زيادة أخرى عليه، فهو لا يريد وصف الضيف بالقدوم بخلاف من يقول: علمت من الرسالة الضيف قادمًا، فإنه يريد اتصاف الضيف بالقدوم، ولا يريد أنه علم حقيقته القدوم المنسوب إلى الضيف، بشرط أن يكون الفعل "علم" في هذا المثال ناصبًا مفعولين. وقال الرضى: لا فرق بين الفعلين في المعنى، وإنما الفرق في العمل؛ فالفعل: علم "بمعنى: عرف" ينصب مفعولًا واحدًا، والآخر ينصب مفعولين، بالرغم من تساويهما معنى؛ لأن العرب هي التي فرقت بينهما في العمل دون المعنى، فلا اعتراض عليها. غير أن كلامه هذا -مع قبوله والارتياح له- مناقض لما قرره في هذا الشأن في باب: "كان" -كما نصوا على ذلك- والحق أن الخلاف بين الآراء السابقة يسير، يكاد يكون شكليًّا، ذلك أن بين الفعلين (المتعدي لواحد والمتعدي لاثنين) فرقًا في المعنى الحقيقيّ لا المجازي، وأنه لا مانع من استعمال أحدهما مكان الآخر مجازًا لسبب بلاغي.
(٢) وإلى هذا يشير ابن مالك في بيت متأخر، نصه: لِعِلْمِ عِرْفَانٍ وظَنٍّ تهَمَهْ تَعْدِيَةٌ لِواحِد مُلْتَزَمَهْ ("لعلم عرفان"؛ أي للعلم المنسوب للعرفان، ولمعنى العرفان.. "ظن تهمه"؛ أي: الظن المنسوب معناه للتهمة ) يريد: أن "علم" بمعنى - والمصدر: العلم؛ بمعنى: العرفان - يتعدي لمفعول واحد. ومثله: الفعل: "ظن" بمعنى: اتهم - والمصدر: الظن؛ بمعنى: الاتهام - ومثال الأول: اقترب الشبح فعلمت صاحبه؛ أي عرفته. ومثال الثاني: اختفى القلم، فظننت اللص، أي: اتهمته.
(٣) فهو أَعلَم. والناقة عَلْماء. (والفعل من بابي: فرح وضرب، وهو لازم في الحالتين) .
[ ٢ / ١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بمعنى: "ظَنّ". وقد اجتمع المعنيان في قوله تعالى عن منكري البعث ويوم القيامة: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ (١) [المعارج: ٦، ٧] فالفعل الأول بمعنى: "الظن" والثاني بمعنى: اليقين (٢) . وكلاهما نصب مفعولين. وكذلك إن كان معناه مأخوذًا من: "الحُلمُ" (أي: دالًاّ على الرؤيا المنامية)، نحو: كنت نائمًا؛ فرأيت الصديق مسرعًا إلى القطار (٣) .
فإن كان معناه الفهم وإبداء الرأي في أمر عقليّ فقد ينصب مفعولًا به واحدًا، أو مفعولين، على حسب مقتضيات المعنى؛ مثل: يختلف الأطباء في أمر القهوة؛ فواحد يراها ضارَّةً، وآخر يراها مفيدةً إذا خلت من الإفراط. أو: واحد يرى ضررها، وآخرُ يرى إفادتها.
فإذا نظرت رأيت قومًا سادة وشجاعة، ومهابة، وكمالا
وقول الآخر:
إنّ العرانين تلقاها محسَّدة ولن ترى للئام الناس حسَّادا
_________________
(١) المراد بالبعد هنا: عدم حصول الشيء، ونفى وقوعه. وبالقرب: حصوله ووقوعه. وعلى هذا جرت ألسنة العرب وأساليبهم الفصيحة.
(٢) كاليقين في الفعل "رأى" من قول الشاعر: وإذا الكريم رأّى الخمول نزيله في موطن فالحزم أن يترحّلا
(٣) وفي هذا يقول ابن مالك: ولِرَأَى الرُّؤْيَا انْمِ مَا لِعَلِمَا طِالِبَ مَفْعُولَيْنِ مِنْ قَبْلُ انْتَمَى (انم: انسب. انتمى. انتمى: انتسب. والتقدير: انم للفعل: "رأى" الذي مصدر "الرؤيا" أي: انسب للفعل: "رأى" الذي مصدره: "الرؤيا" هي المصدر الغالب لرأى الحُلُمية) أي: انسب للفعل: "رأى" الذي مصدره: "الرؤيا" المنامية -ما انتسب وثبت من قبل للفعل: ص٤٣ أن "رأى" الحلمية لا يدخلها تعليق ولا إلغاء، بخلاف: "علم") .
[ ٢ / ١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ْوكذلك أن كان معناه أصاب: الرئة؛ مثل انطلق السهم فرأى الغزَالَ؛ أي: أصاب رئتهُ.
وقد أشرنا قريبًا (١) إلى أن الأساليب العالية يتردد فيها الماضي: "رأى" -دون المضارع، والأمر، والمشتقات الأخرى- مسبوقًا بأداة استفهام. ومعناه: "أخْبِرني"؛ نحو: أرأيتَكَ هذا القمر، أمسكون هو؟ وينصب مفعولًا به، أو مفعولين، على حسب المراد من الأسلوب، وأوضحنا الأمر بإسهاب فيما سبق (٢) كذلك يتردد في تلك الأساليب وقوع المضارع: "أُرَى" مبنيًّا للمجهول -غالبًا- على حسب السماع، وناصبًا للمفعولين (٣)؛ لأن معناه: "أظنُّ"
_________________
(١) في رقم ٨ من هامش ص٥.
(٢) هذا الأسلوب يتطلب بيانًا شافيًا، جليا، يتعرض لنواحيه المختلفة، كصياغته، وتركيبه، وإعرابه، ومعناه وقد وفيناه حقه في موضعه من الجزء الأول، ص٢٣٨ م١٩. -من الطبعة الرابعة- عند الكلام على الضمير وأنواعه
(٣) إذا كان المضارع "أُرى" بمعنى: "أَظن"، ويعمل عمله -فكيف ينصب مفعولين مع رفعه نائب فاعل، هو في الأصلب مفعول به أيضًا؟ أليس معنى هذا أنه كان قبل بنائه للمجهول ينصب من المفاعيل ثلاثة، مع أن الفعل: "أظن" ينصب اثنين فقط؟ يجيب النحاة بإجابتين؛ كل واحدة منهما وافية في تقديرهم. وفي الأولى من التعارض والتكلف ما سنعرفه. الأولى: أن هذا المضارع: "أُرى" المبني للمجهول -غالبًا، طبقًا للسماع- قد يكون ماضيه هو "أَرى" مفتوح الهمزة، الناصب لثلاثة من المفاعيل، والذي معناه: "أَعلم" الدال على اليقين -وسيجيء الكلام عليه في الباب التالي ص٥٨-؛ مثل: أَرى العالمُ الناس السفر للكواكب سهلًا؛ أي: أعلمهم السفر سهلا ومقتضى هذا أن يكون مضارعه ناصبًا ثلاثة أيضًا، وليس ناصبًا اثنين فقط. لكن السبب في نصبه اثنين أنه ترك معنى ماضيه، وانتقل إلى معنى آخر جديد؛ إذ صار بمعنى: الفعل المضارع: "أَظنُّ" لا بمعنى الفعل المضارع: "أعلم ويعلم" وغيرهما مما فعله الماضي: "أَعلم" الدال على اليقين. فلما ترك معناه الأصلي إلى معنى فعل آخر، كان من الضروري أن يترك عمله الأصلي ليعمل العمل المناسب للمعنى الجديد، فينصب مفعولين لا ثلاثة، وعلى هذا يتعين أن يكون ضمير المتكلم في المضارع المبني للمجهول فاعلًا، ولا يصح أن يكون نائب فاعل؛ لأن اعتباره نائب فاعل يؤدي إلى اعتباره مفعولًا به في الأصل قبل أن ينوب عن الفاعل؛ فينتهي الأمر إلى أن ذلك المضارع قد نصب من المفاعيل ثلاثة. وهذا مرفوض عندهم حتمًا. فالسبب في تعدية المضارع المبني للمجهول -سماعًا- إلى مفعولين مع أن ماضيه:
[ ٢ / ١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الدال على الرجحان؛ نحو: كنت أُرى الرحلة مُتْعبة، فإذا هي سارّة.
ولا يكون معناه في الفصيح الوارد: "أعْلَمُ"؛ الدّال على اليقين، بالرغم
_________________
(١) "أَرى" الدال على العلم واليقين، ينصب ثلاثة، هو استعماله بمعنى الفعل: "أظن" المتعدي لاثنين، من باب الاستعمال في اللازم؛ لأن معنى: "أَرى العالمُ الناسَ السفر سَهلا" هو: "جعل العالم الناس ظانين السفر سهلا" وصحة هذا المعنى تستلزم صحة قولنا: ظن الناس السفر للكواكب سهلا. أما إن كان الفعل "أَرى" مفتوح الهمزة (أي: غير مبتي للمجهول، وهذا جائز) ومعناه: "أظن" فينصب مفعولين بغير حاجة لتأويل واضح التكلف والالتواء، كالذي سبق. الثانية: أن الفعل: "أُرى" المضارع المبني للمجهول سماعًا، ينصب ثلاثة من المفاعيل برغم أنه بمعنى أنه بمعنى: الظن، وأن ماضيع بمعنى: "أُظْننْت" وأول المفاعيل الثلاثة هو الذي صار نائب فاعل، ويليه المفعولان المنصوبان. ويقولون: إن الفعل "أُرى" المبني للمجهول هو المضارع للفعل الماضي: "أُريت" المبني للمجهول أيضًا، بمعنى: "أُظْننْتُ" كما سبق، وإن العرب لم تنطق بالماضي "أُريت" إلا مبنيًّا" للمجهول، ولم يعرف عنهم بناؤه للفاعل، كما لم يعرف عنهم أنهم قالوا: "أٌظْننْت" ببناء الماضي "أظننت" للمجهول مع أنه بمعنى الماضي "أُريت". وفي هذه الإجابة بعض اليسر ومسايرة القواعد العامة، وإن كانت -كالأولى- لا تخلو من تكلف، والتواء. وخير منها أن نقول: (إذا كان المضارع "أُرى" المبني للمجهول بمعنى: "أظن" فإنه يرفع نائب فاعل، وينصب بعده مفعولين فقط) وبهذا نستريح من الإطالة والإعانات والتأويل، ولن يترتب على هذا الرأي ضرر لفظي أو معني. وقد اتفق النجاة على أن نائب فاعله لابد أن يكون ضميرًا للمتكلم الواحد أو الأكثر، نحو: شاع الحديث عن الحياة في الكواكب، وأُرَى المرِّيخ مأهولا. أو نُسري المريخ مأهولا. وقد يكن للمخاطب؛ كقراءة من قرأ الآية الكريمة: (وتُرَ الناسَ سكارى) بنصب كلمة: "الناس". مما تقدم نعلم أنه لابد للمضارع: "أُرى" الذي سبق الكلام عليه -من نائب فاعل يكون ضميرًا للمتكلم- في الأغلب -ومن مفعولين منصوبين. أما الفعل: "أُريت" الذي يتردد في الأساليب الصحيحة أيضًا بصيغة الماضي المبني للمجهول- فقد يكون بمعنى: "أُظنْنْتُ"، لكن الغالب في استعماله أن يكون بمعنى: "أُعْلمت" أي: من مادة "العلم" لا من مادة الظن. (راجع في كل ما سبق: حاشية الخضري، والصبان، والتصريح، في باب "إن وأخواتها" عند الكلام على المواضع التي يجوز فيها فتح همزة "أن" وكسرها، ومنها: "إذا الفجائية". وبيت الشاعر: وكنت أُرى زيدًا كما قيل سيدًا الخ، ثم راجع بعد ذلك المراجع السالفة في باب "ظن" عند الكلام على "رأى" وأنواعها. بقي بعد ذلك -بهذه المناسبة- سؤال؛ هو: أهناك فعل مبني للمجهول دائمًا؟ الجواب: لا؛ طبقًا لما سيجيء في ص١٠٨.
[ ٢ / ١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من أنّ الماضي: "أُريتُ" المبني للمجهول والمسند للضمير: "التاء" -لا يستعمل في الأكثر إلا بمعنى: "أُعْلِمْتُ" المفيد لليقين؛ مثل: أُرِيتُ الخير في مقاومة الباطل.
وكذلك يتردد في بعض الأساليب المسموعة وقوع المضارع: "تَرَى" قد حذف آخره، وقبله الحرف: "لا"، أو: "لو"، وبعده "ما" الموصولة في الحالتين. ومعناه فيهما: "لا سيَّما"، مثل: كرّمت الضيوف، لا تر ما عليّ -أو: كرّمت الضيوف لو ترما عليّ. والمعنى ولا سيّما عليّ (١)
والفعل: "وجَد" قد يكون بمعنى: "لقِيَ، وصادف"، فينصب مفعولًا به واحدًا؛ نحو: وجدت القلم. وقد يكون بمعنى "استغنَى"، فلا يحتاج لمفعول؛ نحو: وَجَد الأبيُّ بعمله.
والفعل: "دَرَى" قد ينصب المفعولين كما سبق، والأكثر استعماله لازمًا مع تعديته إلى مفعوله بحرف الجر: "الباء"؛ نحو: "دَرَيتُ بالخبر السارّ. فإن سبقته همزة التعدية نصب بنفسه مفعولًا آخر مع المجرور؛ نحو: قد أدريتك بالحبر السارّ (٢) . وكذلك يتعدى لواحد إن كان بمعنى: "ختلَ" (أي: خدَع) نحو: دَرَيت الصيد؛ بمعنى: ختلتهُ وخدعتهُ.
والفعل: "تعلَّمْ" ينصب المفعولين حين يكون جامدًا بمعنى: "اعْلَمْ".
فإن كان مشتقًّا بمعنى: "تَعَلَّمْ" نصب مفعولًا به واحدًا؛ مثل: تَعَلَّمْ
_________________
(١) سبق الكلام على معنى هذين الأسلوبين المسموعين، وتفصيل إعرابهما، وأحكامهما في الموضع المناسب. وهو الجزء الأول، باب الموصول، -م٢٨ ص٣٦٣ من الطبعة الثالثة التي بعدها- عند الكلام على "لا سيما" والاقتصار في الاستعمال على هذه أحسن.
(٢) فإن وقعت همزة التعدية بعد أداة استفهام، كما في قوله تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ؟﴾ [القارعة: ١ - ٣] فقيل إن الفعل في الآية نصب ثلاثة مفاعيل؛ أولها: الضمير "الكاف"، وثانيها وثالثها معًا الجملة الاسمية التي بعد الضمير، فقد سدت مسد المفعولين الأخيرين، وقيل إن الفعل نصب بنفسه مفعولًا واحدًا هو الضمير، وإن الجملة سدت مسد المفعول الآخر الذي يتعدى إليه الفعل "أدري" بحرف الجر: "الباء" فالجملة في محل نصب بإسقاط حرف الجر، كما في قولنا: فكرت.، أهذا صحيح أم لا؟ وأصله: فكرت، في هذا، أصحح أم لا (راجع الخضري في هذا الموضع وراجع أيضًا" "ح" من ص٣٧.
[ ٢ / ١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فنون الآداب (١) .
والفعل: "ألفَى" قد يكون بمعنى: "وَجَدَ" و"لَقِيَ" فينصب مفعولًا به واحدًا؛ نحو: غاب عصفوري، ثم ألفيتُهُ.
٢- ومن أفعال الرجحان ما قد يستعمل في اليقين؛ فينصب المفعولين أيضًا.
وقد يستعمل في بعض المعاني اللغوية الأخرى؛ فينصب بنفسه مفعولًا واحدًا؛ أوْ لا ينصبه؛ وذلك على حسب ما ترشد إليه اللغة. ومن أمثلة ذلك الفعل: "خال" فمعناه اليقين في نحو: إخالُ الظلمَ بغيضًا إلى النفوس الكريمة. وكذلك في نحو: حَسِبت المالَ وقايةً من ذل السؤال. فإن كان "حَسِبَ" (٢) بمعنَى: "عَدّ" نصب مفعولًا به واحدًا؛ نحو: حَسَبت النقود التي معي. أي: عددتها. وإن كان معناه صار ذا بياض، وحمرة، وشقرة -كان لازمًا؛ نحو: حَسِب الغلام و
والفعل: "جعل" إن كان بمعنى: "أوْجَد" أو بمعنى: "فَرَض وأوجب" -نصب مفعولًا به واحدًا؛ نحو: جعل الله الشمس، والقمر، والنجوم، وسائر
_________________
(١) بين الفعلين فرق في اللفظ والمعنى والاستعمال؛ فالفعل الأول: تعلمْ: بمعنى: "اعلمْ" فعل أمر جامد؛ لا ماضي له، ولا مضارع، ولا مصدر، ولا شيء من المشتقات في الرأي الأقوى (كما أسلفنا في رقم٦ من هامش ص٦) . والغالب في استعماله دخوله على "أنّ" مع معموليها، أو "أنْ" والفعل مع مرفوعه؛ نحو: تعلمْ أن احتمال الأذى في سبيل الله لذة فالمصدر المؤول من "أنّ" مع معموليها سد مسد المفعولين. ومعناه مطلوب تحقيقه سريعًا، وتحصيل المراد منه في المستقبل القريب الذي يشبه الحال؛ وذلك بالإصغاء للمتكلم، واستيعاب ما يريده فورًا، وتنفيذ ما يجيء بعد فعل الأمر بغير تمهل. أما الفعل الثاني فلفظه أمر أيضًا، ولكنه غير جامد، فله ماض هو: "تَسَلَّمَ" وله مضارع هو: "يتعلَّمُ" وله مصدر وباقي المشتقات والغالب في استعماله دخوله مباشرة على مفعوله الصريح. ومعناه مطلوب تحقيقه وتحصيله في المستقبل، ولكن مع تمهل وامتداد، واتخاذ للوسائل المختلفة. الكفيلة بالوصول.
(٢) الغالب في الفعل: "حسب" بمعنى: "عَدَّ"، فتح "السين" في الماضي، وضمها مضارعه.
[ ٢ / ١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المخلوقات، أى: أوجدها وخلقها (١) ..، ونحو: جعلت للحارس أجرًا (٢)، بمعنى فرضت له، وأوجبت عليّ
والفعل؛ "هبْ" ينصب مفعولًا به واحدًا إن كان متصرفًا (٣) أمرًا من الهبة؛ نحو: هبْ بعض المال لأعمال البرّ (٤) . أو أمرًا من الهيبة؛ نحو: هبْ ربَّك في كل ما تقدم عليه من عمل. وهكذا (٥)
_________________
(١) ومن هذا قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان: ٦١] .
(٢) قد يكون الفعل: "جعل". بمعنى: شرع. (وقد سبق الكلام عليه مع أفعال الشروع في باب أفعال المقاربة ج١ ص٤٦٤ م٥٠) وقد يكون بمعنى: اعتقد، أو ظن، أو "صيَّر" -كما عرفناه فيما سبق.
(٣) وهذا "الأمر" المتصرف مخالف في معناه واستعماله لفعل الأمر الجامد الذي على صورته وسبق الكلام عليه في ص٨.
(٤) وردت أمثلة صحيحة نصب فيها مفعولين بنفسه؛ منها: انطلق معي؛ أهبْك نبلا. (المخصص ج١٢ ص٢٢٧) . ولا مانع من محاكاتها وإن كانت قليلة؛ إذ الكثير أن ينصب بنفسه مفعولًا واحدًا، ويتعدى للآخر بحرف الجر. وقد صرح المغني بأن هذا الفعل نصب المفعول الثاني بعد إسقاط حرف الجر: "اللام" ومن المستحسن هنا تسجيل النصوص الواردة في المراجع المختلفة للدلالة على صحة استعمال هذا الفعل: (وَهَب) متعديا بنفسه إلى مفعولين مباشرة، أو إلى أحدهما بنفسه وإلى الآخر بمعونة حرف الجر؛ كي ينقطع الجدل حول صحة تعديته إلى المفعولين مباشرة. جاء في المخصص -ج١٢ ص٢٢٧- ما نصه: ("قال سيبويه: وهبت لك، ولا يقال: وهبتك. قال أبو علي: وقد حكاها غيره؛ ذكر أبو عمرو: أنه سمع أعرابيًا يقول لآخر: "انطلق معي أهبك نبلا". حكاه أبو سعيد السيرافي") اهـ. وجاء في "المغني" عند الكلام على اللام المفردة -ج١ ص١٨٤- ما نصه ("تنبيه: زادوا اللام في بعض المفاعيل المستغنية عنها -كما تقدم- وعكسوا ذلك فحذفوها من بعض المفاعيل المفتقرة إليها؛ كقوله تعالى: "تبغونها عوجًا" وقوله تعالى: "والقمر قدرناه منازل" وقوله: "وإذا كالوهم أو وزنوهم " وقالوا: وهبتك دينارًا، وصدتك ظبيًا، وجنيتك ثمرة ") اهـ وجاء في الصبان -ج٢ ص٢١٦ باب: حروف الجر، عند التمثيل للام الملك بقول الأشموني: وهبت لزيد دينارًا- ما نصه: ("التمليك مستفاد من الفعل، لا من اللام؛ بدليل أنك لو أسقطت اللام، وقلت: وهبت زيدًا دينارًا لكان الكلام صحيحًا دالًاّ على التمليك. ولو مثل: بجعلت لزيد دينارًا لكان أحسن") . اهـ.
(٥) إن كان الفعل: "زعم" بمعنى: "كفل"، أو: "رأس (أي: شرُف وساد) تعدى لواحد بنفسه، أو بحرف الجر، والمصدر: "الزعامة". وإن كان بمعنى: سمِن أو هزُل (أي: أصابه الهزال) لم ينصب بنفسه مفعولًا. (راجع ما يتصل بهذا ويتممه في رقم ٤ من هامش ص٧) . وإن كان الفعل "حجا" بمعنى: قصد، أو: رد، أو: ساق، أو: حفظ، أو: كتم، أو غلب في المحاجة (وهي إقامة الحجة، وإظهار البرعة وحدة الذكاء في تقديمها) نصب مفعولًا به واحدًا-
[ ٢ / ٢٠ ]
شروط إعمالها:
يشترط لإعمال هذه النواسخ بنوعيها القلْبيّ والتحويليّ، أن يكون المبتدأ الذي تدخل عليه صالحًا للنسخ على الوجه الذي سبق تفصيله وتوضيحه عند بدء الكلام على النواسخ (١) . وملخصه:
أن النواسخ بأنواعها المختلفة لا تدخل على شيء مما يأتي:
(١) المبتدأ الذي له الصدارة الدائمة في جملته؛ بحيث لا يصح أن يسبقه منها شيء. ومن أمثلته: أسماء الشرط -أسماء الاستفهام - كَم الخبرية - المبتدأ المقرون بلام الابتداء (نحو: من يكثُر مزحُه تَضعْ هيبته. من ذا الذي ما ساء قط؟ كَمْ من فئة قليلة غلبت فئةً كثيرةً بإذن الله!!. لَكلمةُ حقّ في وجه حاكم ظالم أفضلُ عند الله من اعتكاف صاحبها يوما في المسجد) .
ويستثنى من هذا النوع الذي له الصدار في جملته -ضمير الشأن (٢) فيجوز أن تدخل عليه النواسخ بأقسامها المختلفة؛ نحو حَسِبته "الحقُّ واضح".
لكن تختص النواسخ في هذا الباب -دون غيرها من النواسخ- بجواز دخولها على المبتدأ الذي هو اسم استفهام، أو المضاف إلى اسم استفهام. وإذا دخلت على أحدهما وجب تقديمه عليها؛ نحو: أيًّا ظننتَ أحسنَ؟ وغلامَ أيٍّ حسبتَ أنشطّ؟.
ولا تدخل على أحدهما "كان" ولا "إن" ولا أخواتهما؛ منعًا للتعارض؛ إذ الاسم في بابي "كان" و"إنَّ" وأخواتهما لا يصح تقديمه على الناسخ. فلو وقع الاسم أحدهما لامتنع تقديمه على الناسخ؛ تطبيقًا لهذا الحكم، مع أن الاستفهاك لابد أن يتقدم (٣) .
_________________
(١) راجع ج١ ص٤٠٢ م٤٢ من هذا الكتاب؛ حيث التفصيل والبيان الذي لا غنى عنه.
(٢) سبق شرحه، في ج١ ص١٧٧ باب: الضمير وأنواعه.
(٣) أما الخبر فيجوز أن يكون اسم استفهام، أو مضافًا إلى اسم استفهام في البابين، ولا يجوز هنا أن يكون جملة إنشائية؛ ويجوز تقديمه في بابي: "ظن" و"كان" بشرط ألا يوجد مانع يمنع من=
[ ٢ / ٢١ ]
(ب) المبتدأ الملازم للابتداء بسبب غيره؛ كالاسم الواقع بعد "لولا"؛ الامتناعية، أو بعد "إذا" الفجائية؛ فإنه لا يكون إلا مبتدأ؛ إذ لا يصح -في الرأي الأشهر- دخول أحدهما على غير المبتدأ؛ نحو: لولا العقوبةُ لزادت الجرائم. ونحو؛ فتحت الكتاب؛ فإذا الصّوَرُ فاتنة.
(ج) المبتدأ الذي يجب حذفه بشرط أن يكون أصلُ خَبَرِه نعتًا مقطوعًا (١) نحو: شكرًا للمتعلم، النافعُ العزيزُ (أي: هو النافعُ العزيزُ) .
(د) كلمات معينة لم ترد عن العرب إلا مبتدأ. ومنها: "ما" التعجبية، وكلمة: "طُوبى"؛ (بمعنى: الجنة) وكلمة: دَرّ (٢)، وكلمة: أقلّ
وذلك في نحو: ما أجملَ الهواء سَحَرًا!!، وما أطيب الرياضة عصرًا!! طوبى للشهداء، ولله دَرُّهم (٢) !! وأقَلُّ (٣) رجل يُسْكِر فضلهم.
_________________
(١) =تقديمه، كوجود "ما النافية" قبل الناسخ، أو غيرها من الموانع التي ذكرناها في أحوال خبر "كان" (ج١ ص٤٢٠ م٤٣)، مثل: أين كنت؟ وأين ظننت الكتاب؟ أما خبر "إن" وأخواتها فلا يتقدم عليها -كما سبق في باباها ج١- وقد قلنا إن الخبر هنا لا يكون جملة إنشائية برغم ورود صور منها مسموعة، نقل النحاة واحدة منها ثقيلة في نطقها، ولا أدري لماذا تخيروها دون غيرها مع ما فيها من ثقل وإن كانت صادقة المعنى؟ هي قولهم: "رأيت الناس، أخْبُرْ تَقْلَِهُ". أي: اختبر كل واحد منهم تبغضه وتكرهه؛ لما تكشفه من عيوبه. فهذا -وأمثاله- على إضمار قول مقدر؛ أي: رأيت الناس مقولا فيهم: اختبر كل واحد منهم تبغضه وتكرهه. ويرى كثير من النحاة عدم القياس على هذا. والحق أن القياس عليه جائز بشرط وجود قرينة كاشفة تمنع الغموض؛ وتهدي للمقصود؛ لأن هذا هو الموافق للأصول اللغوية العامة. وفيه تيسير وتوسيع في ميدان الكلام والتعبير بغير ضرر، كما يتبين هذا من الباب الخاص بأحكام "الحكاية".
(٢) سبق تفصيل الكلام على النعت المقطوع في الجزء الأول ص٣٧٥ م٣٩. وله تفصيل أشمل في باب النعت ج٣ ص٣٥٧ م١١٥. (٢ و٢) الدر: اللبن. "ولله در البطل" أسلوب يتقدم فيه الخب وجوبًا، (لأن العرب التزمت فيه التقديم) ويقصد به المدح والتعجب من بطولته، معًا والسبب: هو ما يدعيه القائل من أن اللبن الذي ارتضعه البطل في صغره، ونشأ عليه، وترعرع -لم يكن لبنًا عاديًا كالمألوف لنا، وإنما هو لبن خاص أعده الله لهذا البطل في طفولته؛ لينشأ نشأة ممتازة، ويشب عظيمًا. فنسب اللبن لله -ادعاه- ليكون من وراء ذلك إظهار الممدوح في صفات تفوق صفات البشر، وكأنه ليس منهم، فهو أسمى وأرقى، للعناية الإلهية التي خصته برعايتها. (راجع رقم١ من هامش ص٤٢٤ و"ج" من ص٤٢٧" من هذا الجزء، وص٥٠٤ ج١ م٣٨ من الطبعة الرابعة) .
(٣) أي: قَلّ رجل يقول ذلك، بمعنى: صغُر وحقُر. (راجع ج١ ص٣٢٨ م٣٣) .
[ ٢ / ٢٢ ]
ومثل بعض ألفاظ الدعاء؛ ومنها (١): سلامٌ - ويلٌ؛ في نحو: سلام على الأحرار، وويل للجبناء.
***
حكم الناسخ ومعموليه من ناحية التقديم والتأخير:
لا ترتيب في هذا الباب بين الناسخ ومعموليه؛ فيجوز -لغرض بلاغي- أن يتقدم عليهما معًا، ويتأخر عنهما، ويتوسط بينهما. لكن يترتب على كل حالة أحكام سيجيء تفصيلها قريبًا (٢) . فمثال تقدُّم الناسخ عليهما: يظنّ الجاهلُ السرابَ ماء. ومثال تأخره عنهما: السرابَ ماءً يظن الجاهل السرابَ.
أما الترتيب بين المفعولين وتقديم أحدهما على الآخر دون الناسخ فحكمه حكم الترتيب بين أصلهما المبتدأ والخبر قبل دخول الناسخ عليهما؛ فما ثبت لأصلهما يثبت لهما من غير اعتبار لوجود الناسخ. ويترتب على هذا أن يكون المفعول الأول واجب التقديم على المفعول الثاني في كل موضع يجب فيه تقديم المبتدأ على الخبر، وأن يكون المفعول الثاني واجب التقديم على المفعول الأول في كل موضع يجب فيه تقديم الخبر على المبتدأ، وأن يكون تقديم أحدهما على الآخر جائزًا في كل موضع يجوز فيه تقديم المبتدأ أو الخبر بغير ترجيح. فلا بد من مراعاة الأصل (٣) في ناحية التقديم والتأخير، وتطبيقه على الفرع تطبيقًا مماثلًا. ففي مثل: حسبت أخي شريكي، يجب الترتيب، بتقديم المفعول الأول وتأخير الثاني؛ منعًا لوقوع لَبْس لا يمكن معه تمييز الأول من الثاني؛ فيلتبس المعنى تبعًا لذلك. وفي مثل: علمت الكلب حارسًا أمينًا إلا الكلب. أي: أنه لا حارس أمينًا سواه. وفي مثل: ظننت القِطّ البَرَِّ (٤) ثعلبًا، يجوز تقديم المفعول الثاني؛
_________________
(١) الكثير في اللفظين الآتيين الرفع على الابتداء، ولا مانع من النصب على اعتبار آخر؛ كما سيجيء البيان في ص٢٣٠.
(٢) في ص٣٨.
(٣) سبق إيضاحه في الجزء الأول (ص٣٦١ م٣٧) عند الكلام على مواضع تأخير الخبر.
(٤) الصحراوي غير الأليف.
[ ٢ / ٢٣ ]
فتقول: ظننت ثعلبًا القِطّ البَرّيّ؛ إذ لا مانع يمنع تقديم أحدهما على الآخر وهكذا تجب مراعاة الأحكام الخاصة بالترتيب بين المبتدأ والخبر، وتطبيقها هنا، عند النظر في الترتيب بين المفعولين (١) .
***
ما تنفرد به الأفعال القلبية الناسخة، هي وما يعمل عملها:
تنفرد النواسخ القلبية بخمسة أحكام، منها حكم واحد مشترك بينها جميعًا، سواء أكانت متصرفة أم جامدة، وهذا الحكم
هو: تنوّع مفعولها الثاني. أما الأحكام الأربعة الأخرى فمقصورة على النواسخ القلبية المتصرفة، دون الجامدة، وسيجيء لهذه الأربعة بحث مستقل (٢) .
(١) فأما تنوع المفعول الثاني الذي أشرنا إليه فلأنه إليه فلأنه خبر في الأصل، فهو ينقسم إني مثل ما ينقسم إليه الخبر؛ من مفرد (ة٣)، وجملة (٤)، وشبه جملة (٥)؛ فليس من اللازم في المفعول الثاني أن يكون مفردًا، وإنما اللازم أن يكون الناسخ قلبيًّا متصرفًا أو غير متصرف (٦)؛ كما في الأمثلة الآتية، ومن المهم التنبه لإعراب كل قسم، ولا سيما الجملة وشبهها.
_________________
(١) ستجيء إشارة موجزة لهذا الترتيب في ٢١٧٦ م٧٢.
(٢) في ص٢٦ المسألة: ٦١.
(٣) المراد بالمفرد هنا وفي الخبر: ما ليس جملة ولا شبهها.
(٤) بشرط ألا تكون إنشائية.. لأن الإنشائية لا تصلح هنا (انظر رقم ٣ من هامش ص٢١) .
(٥) طبقًا لما جاء في بعض المراجع الوثيقة وتؤيده النصوص الفصيحة التي تكفي لإباحة القياس عليه.
(٦) قد سبقت أمثلة المفرد. ومثال الجملة الاسمية قول الشاعر: حَذَارِ، حذارِ من جَشعٍ؛ فإِني رأَيت الناس أَجشعُها اللئامُ ومثال الجملة الفعلية المضارعية قول الشاعر: فَهبْك عدوى لا صديقي فربما رأيت الأَعادِي يرحمون الأَعاديا ومثال الماضوية: وإني رأيت الشمس زادت محبةً إلى الناس أَن ليست عليهم بسرمد فكل واحدة من الجمل (أجشعها اللئام - يرحمون - زادت محبة) . سدت مسد المفعول الثاني الذي يحتاج إليه الفعل الناسخ. ومثال شبه الجملة -قول بعضهم: رأيت قدرة الله في كل شيء، وألفيت سلطانه فوق كل سلطان. وقول الشاعر يفتخر: إني -إذا خفى الرجال- وجدتني كالشمس؛ لا تخفى بكل مكان فشبه الجملة (الجار مع مجروره، أو الظرف) سد مسد الثاني.
[ ٢ / ٢٤ ]
جدول
_________________
(١) الجملة مشتملة على الفعل القلبي ومفعوليه المفعول الثاني نوعه. إعرابه علمت الرياءَ داءً وبيلا. داءً مفرد مفعول ثان منصوب أحسب النفاقَ مزريًا بصاحبه مزريًا مفرد مفعول ثان منصوب زعمت الكذبَ سوءَ أدب سوءَ مفرد مفعول ثان منصوب أرى الفضلَ يعرف أهله (يعرف×) جملة فعلية. فعل مضارع، فاعله ضمير مستتر تقديره: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . هو والجملة في محل نصب (١) تسد مسد . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . المفعول الثاني. تعلمْ (اعلمْ) الفرصة تَضيع بالتواني (تضيع×) جملة فعلية فعل مضارع، فاعله ضمير مستتر تقديره: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . هي والجملة في محل نصب تسد مسد . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . المفعول الثاني. وجدت التوفيقَ حالفَ أهل الإجادة (حالَف×) جملة فعلية (٢) فعل ماضي، فاعله ضمير مستتر . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . تقديره: هو والجملة في محل . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . نصب تسد مسد المفعول الثاني. ألفيت الإذاعة هي المنبرُ العام، هي المنبر جملة اسمية هي: مبتدأ مبني على الفتح في محل رفع. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . المنبر خبره الجملة في محل نصب . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . تسد مسد المفعول الثاني إخالُ سلطانَ الضمير هو السلطان لأكبر.. هو السلطان جملة اسمية هو: مبتدأ مبني على الفتح في محل رفع. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . السلطان خبره. الجملة في محل نصب . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . تسد مسد المفعول الثاني أظن المجدَ هو هدفُ العظيم هو هدف جملة اسمية هو: مبتدأ مبني على الفتح في محل رفع. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . هدف خبره. الجملة في محل نصب . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . تسد مسد المفعول الثاني دَرَيت الصديقَ عند الشدة. عند ظرف منصوب متعلق بمحذوف هو المفعول الثاني، أو . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الظرف نفسه سد مسد المفعول الثاني (٣) جعلت الكتابَ معك. مع ظرف منصوب متعلق بمحذوف هو المفعول الثاني، أو . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الظرف نفسه سد مسد المفعول الثاني أعلمُ قَّوةَ الحق فوق طغيان الباطل. فوق ظرف منصوب متعلق بمحذوف هو المفعول الثاني، أو . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الظرف نفسه سد مسد المفعول الثاني. أحسب الخيرَ في مجانبة أهل السوء في مجانبة جار مع مجروره متعلق بمحذوف هو المفعول الثاني، أو . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الجار مع مجروره سد مسد المفعول الثاني (٣) أرى السعادة في عمل الخير. في عمل جار مع مجروره متعلق بمحذوف هو المفعول الثاني، أو . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الجار مع مجروره سد مسد المفعول الثاني. علمت العفوَ من دواعي التآلف. من دواعي. جار مع مجروره متعلق بمحذوف هو المفعول الثاني، أو . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الجار مع مجروره سد مسد المفعول الثاني. . . . . . . . . . . . . . . .
(٢) ما معنى في محل نصب ؟ سبق الجواب عن هذا واضحًا عند تفصيل الكلام على الإعراب المحلي والتقديري. -ج١ م٦ في آخر المعرب والمبني
(٣) قد يكون الفعل الثاني في الجملة الفعلية ناسخًا؛ كقول الشاعر: رأيت دنوّ الدار ليس بنافع إذا كان ما بين القلوب بعيدًا (٣ و٣) راجع رقم ٢ من هامش ص٤٥٠ م٨٩، وهي تلخيص لما سبق في ج١ ص٢٧١ و٣٤٦ م٢٧ وم٣٥ حيث الكلام على شبه الجملة بنوعيه، من ناحية وقوعه هو أو متعلقه خبرًا، وصفة و
[ ٢ / ٢٥ ]
المسألة ٦١:
ب- الأحكام الأربعة الخاصة بالأفعال القلبية المتصرفة (١) .
عرفنا (٢) أن الأفعال القلبية متصرفة، إلا فعلين؛ هما: "تعَلَّمْ" (٣) بمعنى "اعلَمْ"، و"هَبْ" بمعنى: "ظُنَّ"؛ نحو: تعلمْ داءَ الصمت خيرًا من داء الكلام. وهبْ كلامَك محمودًا؛ فتَخَيرْ له أنسب الأوقات.
والفعل القلبيُّ المتَصرف قد يكون له الماضي، والمضارع، والأمر، والمصدر واسم الفاعل، واسم المفعول، وبقية المشتقات المعروفة، لكن الناسخ الذي يعمل في هذا الباب هو الماضي وما جاء بعده مما صرّحْناه باسمه هنا، دون بقية المشتقات المعروفة (٤) التي اكتفينا بالإشارة الموجزة إليها، ولم نصرح بأسمائها. وبديهٌ أن النواسخ المتصرفة التي سردنا أسماءها - متساوية في العمل؛ لا فرق بين ماض وغيره، ولا بين فعل واسم مما سردناه (٥) . أما الناسخ الجامد فيعمل وهو على صورته
_________________
(١) هذا البحث هو الذي سبقت الإشارة إليه في ص٢٤ عند بيان ما تنفرد به الأفعال القلبية من خمسة أمور سبق منها واحد -في ص٢٤- قبل هذه الأربعة الآتية.
(٢) في رقم ١ من هامش ص٤ وفي رقم ٦ من هامشي ص٦، ٨.
(٣) على الرأي ال قائل بأنه جامد. وهو الرأي الشائع الذي يحسن الاقتصار عليه (كما سبق في رقم ٦ من هامش ص٦ ورقم ١ من هامش ص١٩) . أما على الرأي القائل بأنه متصرف فيجري عليه ما يجري على الأفعال القلبية المتصرفة.
(٤) أوضحنا -في رقم ١ و٢ من هامش ص٤- معنى المتصرف وقسميه، وبيان المشتقات المختلفة، والعامل منها وغير العامل، وما العامل، وما يعمل في غير هذا الباب ولكنه لا يصلح للعمل هنا، وأسباب ذلك
(٥) ومن الأمثلة، الفعل: "علم"، وما يتصرف له؛ نحو: علم العاقل الحياةَ جهادًا -يعلم العاقل الحياةَ جهادًا- اعلمْ الحياةَ جهادًا، فمارسه - عِلْم العاقل الحياةَ جهادًا دافع له إلى الصبر والدأب- العاقل عالمُ الحياة جهادًا- أمعلوم الحياةُ جهادًا. (الحياة: هي المفعول الأول؛ لكنه صار نائب فاعل لاسم المفعول من نائب فاعل حتما. لا فاعل) . اسما ظاهرًا، أو ضميرًا. غير أن الضمير لا بد أن يكون للغائب دائمًا، ولهذا قالوا في مثل: أنا صائم.. ومثل أنا مخلص..، إن فاعل اسم الفاعل ضمير مستر تقديره: "هو". على تأويل: أنا رجل صائم =
[ ٢ / ٢٦ ]
القائمة، لا يفارقها، ولا يَدْخُل عليها تغيير.
وتختص الأفعال القلبية المتصرفة، هي وما تتصرف له مما ذكرنا اسمع صريحًا بأحكام تنفرد بها؛ فلا يدخل -في الأغلب- حكم منها على المشتقات القلبية التي لا تعمل هنا (١)، ولا على الأفعال القلبية الجامدة، ولا على أفعال التحويل وما يتصرف منها. وأشهر تلك الأحكام أربعة (٢) .
الحكم الأول -التعليق:
ومعناه: "منع الناسخ من العمل الظاهر في لفظ المفعولين معًا، أو لفظ أحدهما، دون منعه من العمل في المحلّ" (٣) . فهو في الظاهر ليس عاملًا النصب، ولكنه في التقدير عامل. وهذا ما يعبر عنه النحاة بأنه:
"إبطال العمل لفظًا، لا محلًا". سواء أكان أثر الإبطال واقعًا على المفعولين معًا، أم على أحدهما.
هذا المنع والإبطال واجب إلا في صورة واحدة (٤) . وسببه أمر واحد، هو: وجود لفظ له الصدارة (٥) يَلِي الناسخ؛ فيفصل بينه وبين المفعولين معًا،
_________________
(١) =أنا رجل مخلص فالضمير المستتر تقديره: "هو" للغائب، وعائد على محذوف؛ ليكون عائدًا على الغائب؛ إذ لا يصح أن يعود إلا عليه. فمن الخطأ إرجاعه إلى متكلم أو مخاطب. (راجع الخضري ج١ "باب ظن" عند الكلام على بيت ابن مالك: "وخص بالتعليق والإلغاء ". - وستجيء الإشارة لهذا في باب اسم الفاعل ج٣ ص١٩١ م١٠٢ كما سبق البيان في ج١ م١٩ ص٢٤٣ من الطبعة الثالثة، عند الكلام على اختلاف نوع الضمير مع مرجعه) . والظاهر أن هذا الحكم ليس مقصورًا على اسم الفاعل وحده، بل يشاركه فيه كل مشتق يتحمل ضميرًا مستترًا؛ فيجب أن يكون الضمير المستتر للغائب، ويعود على غائب دائمًا.
(٢) وهي المشتقات التي لم نصرح فيما سبق باسمها. إلا التعليق بالاستفهام فإنه عام شامل، وسيجيء الإشارة لهذا في رقم ٢ من هامش ص٣٢ أما البيان المفصل ففي ٣٦.
(٣) وهي غير الحكم المشترك: "ا" الذي يدخل النواسخ القلبية المتصرفة والجامدة، وغيرها. وقد سبق بيانه في ص٢٤.
(٤) تفصيل الكلام على الإعراب المحلي في ج١ م٦ في الزيادة والتفصيل التي في آخر: "المعرب والمبني" -كما أشرنا-
(٥) جائزة، وتجيء في رقم ٤ من هامش ص٣٠.
(٦) تردد هذا في المراجع النحوية المختلفة ومنها: حاشية الصبان على الأشموني، في هذا الموضع=
[ ٢ / ٢٧ ]
أو أحدهما، ويَحُول بينه وبين العمل الظاهر، ويسمى هذا اللفظ الفاصل: "بالمانع" ويقع بعده جملة (١) -في الغالب-؛ ففي مثل: علمت البلاغة إيجازًا، ورأيت الإطالة عجزًا. نجد: "عَلِم" قد نصب مفعولين مباشرة. وكذلك الفعل؛ "رأى" -لم يَنصب كل من الفعلين شيئًا في الظاهر، بسبب وجود "لام الابتداء" التي فصلت بين كل فعل ناسخ ومفعوليه- وهي من ألفاظ التعليق، أي: من الموانع -، ولكن هذا الفعل يَنْصِب المحلّ؛ فنقول عند الإعراب: "البلاغة": مبتدأ- "إيجازٌ": خبره. والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب؛ سدّت مَسدّ مفعولي "عَلم" (وهذه الجملة هي التي تَلِي -في الغالب- اللفظ المانع من العمل) .
وكذلك نقول: "الإطالةُ": مبتدأ -"عجزٌ": خبره. والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب؛ سدّت مسد مفعولَيْ: "رأى". فقد وقع التعليق بسبب وجود المانع من العمل، ووقع بعد المانع جملة محلها النصب؛ لتسدّ مسد المفعولين.
أما في مثل: علمت البلاغةَ لَهِي الإيجازُ، ورأيت الإطالةَ لَهِيَ العجزُ، فاللفظ المانع من العمل -وهو لام الابتداء- قد وقع في المثالين بعد المفعول به الأول، ووقع بعد المانع جملة سدت مَسَدّ المفعول به الثاني الذي لا يظهر في الكلام، وحلَّت محله وحده. فعند الإعراب يَحْتَفظ المفعول به الأول باسمه وبإعرابه؛ (مفعولًا به أول، منصوبًا) (٢) . وتعرب الجملة التي بعد المانع إعرابها التفصيلي، ويزاد عليه: "أنها في محل نصب؛ سدّت مسد المفعول به الثانين (٣) الذي وقع عليه التعليق".
_________________
(١) =من الباب حيث يتكلم على أدوات "التعليق"، ومنها: "كم" بنوعيها؛ فقال ما نصه: ("كل ما له الصدر يُعلق") اهـ.
(٢) إلا إن كان المانع هو أحد المفعولين بحسب أصله: نحو؛ علمت من أنت، أو وقع المصدر المؤول سادًا مسد المفعولين، أو ثانيهما وحده.
(٣) ستجيء حالة يجوز فيها رفعه -في رقم٤ من هامش ص٣٠-.
(٤) إذا سدت جملة مسد المفعول الثاني -أو مسد غيره مما يكون مفردًا لا جملة- فهي مفرد في=
[ ٢ / ٢٨ ]
نعلم مما تقدم أن أثر التعليق في منع العمل لفظي ظاهريّ فقط، لا حقيقيّ، محليّ، وأن سببه الوحيد وجود فاصل لفظي له الصدارة، يسمى: "المانع"؛ يفصل بين الناسخ ومفعوليه معًا، أو أحدهما (١)، وبعد "المانع" جملة (٢) تسدّ مسدّ المفعولين معًا، أو أحدهما على حسب التركيب
ولما كان أثر التعليق مقصورًا على ظاهر الألفاظ دون محلها كان اختفاء النصب عن المفعولين معًا أو أحدهما، هو اختلفا شكليّ محض؛ لا حقيقيّ محليّ -كما قدمنا- ولهذا يصح في التوابع (كالعطف ) مراعاة الناحية الشكلية الظاهرة، أو مراعاة الناحية المحلية؛ فنقول: علمت لَلبلاغةُ إيجازٌ والفصاحةُ اختصارٌ- ورأيت لَلإطالةُ عجزٌ والحشوُ عيبٌ؛ برفع المعطوف، تبعًا للفظ المعطوف عليه، وحركته الظاهرة (٣) . أو نقول: علمت لَلبلاغة إيجازٌ، والفصاحةَ اختصارًا -ورأيت لَلإطالةُ عجزٌ والحشوَ عيبًا؛ بنصب المعطوف؛ تبعًا للحكم المحليّ في المعطوف عليه. فمراعاة إحدى الناحيتين جائزة (٣) .
أما سبب التعليق في هذه الأمثلة وأشباهها، فيرتكز في الأمر الواحد الذي
_________________
(١) =المعنى؛ ففي مثل: أظن محمدًا أبوه قائم، تعرف الجملة -"أبوه قائم"- مبتدأ وخبر، في محل نصب سدت مسد المفعول الثاني؛ فهي مفرد في المعنى؛ لأن المعنى: أظن محمدًا قائم الأب. وقد نص النحاة على هذا، وتضمنته كتبهم، = (ومنها: الصبان في الجزء الأول عند الكلام على علامات الأسماء، وأوضحنا هذا وبسطنا الكلام على الإعراب المحلي في الموضع الذي أشرنا إليه في رقم ١ من هامش ص٢٥) .
(٢) فلابد من تقدم الناسخ على "المانع"، ولابد من تقدم "المانع" على المفعولين معًا، أو على الثاني فقط؛ إذ ليس من اللازم -كما كان عرفنا- أن يقع أثر التعليق. على المفعولين معًا، فقد يقع على الثاني وحده، ويبقى الأول منصوبًا كما قبل التعليق. أما وقعه على الأول دون الثاني فغير ممكن؛ لأن أداة التعليق التي تفصل بين الناسخ ومفعوله الأول ستكون فاصلة كذلك بين الناسخ ومفعوله الثاني في الوقت نفسه.
(٣) إلا في الحالة التي سبق استثناؤها في رقم ٤ من هامش ص٢٧. وتجيء في رقم ٤ ص٣٠..
(٤) يجب عند العطف بالنصب على محل الجملة التي عُلق عنها الناسخ -أن يكون المعطوف إما جملة اسمية في الأصل؛ كالأمثلة السابقة؛ فيعطف كل جزء من جزأيها على ما يقابله، في الجملة المتبوعة. وإما مفردًا فيه معنى الجملة؛ نحو: علمت لمحمودٌ "أديبٌ" و"غيرَ" ذلك من أموره. فلا يصح: علمت ولمحمودٌ أديب" وحامدًا، ولا: علمت لمحمود "أديبٌ" وشاعرًا -إلا على تأويل وتقدير محذوف في كل صورة، أما كلمة "غير" في المثال السالف فإنها منصوبة جوازًا؛ لأنها بمنزلة الجملة كما قلنا-. فهي معطوفة بالنصب على محل الجملة الاسمية التي هي المعطوف عليها؛ فلفظ "غير" -وهو مفرد- قد=
[ ٢ / ٢٩ ]
ذكارناه، وهو: وجود فاصل لفظيّ بعد الناسخ؛ يفصل بينه وبين مفعوليه أو أحدهما، بشرط أن يكون هذا الفاصل اللفظي من الألفاظ التي لها الصدارة (١) في جملتها، مثل: لام الابتداء، وأدوات الاستفهام (٢)، وغيرها من كل ما له الصدارة في جملته (٣) . وبعبارة أخرى:
(يحدُث التعليق بكل لفظ له الصدارة إذا فصل بين الناسخ ومفعوليه معًا، أو توسط بين المفعولين) .
وإليك مثالًا آخر للمانع يفصل بين الناسخ ومفعوليه معًا، أو يَفصل بين الناسخ ومفعوليه الثاني فقط:
أعلَمُ، أمحمودٌ حاضرٌ أم غائبٌ؟ أعلَمُ محمودًا، أحاضر هو أم غائب؟
فمتى وقع بعد الناسخ مانع بإحدى الصورتين السالفتين مَنع العمل الظاهر حتمًا، دون العمل التقديريّ (المحليّ) كما رأينا، وأوجب التعليق (٤) .
وأشهر الموانع الألفاظ الآتية التي لها الصدارة، وكل واحد منها يوجب (٤) التعليق:
_________________
(١) =ساغ عطفه على محل الجملة؛ لأنه بمعناها؛ إذ معناه: علمت لمحمودٌ "أديبٌ" ومحمودًا غيرَ ذلك، أي متصفًا بغير ذلك. (أي: علمت محمودًا متصفًا بغير ذلك) . - راجع ج٣ ص٤٧٨ م١٢١ باب العطف. وعطف المفرد على الجملة، والعكس-.
(٢) تقدم الناسخ على "المانع" واجب. وهو مع تقدمه لا يعمل النصب في "المانع"، ولا فيما بعده، إذ لو عمل فيه أو فيما بعده النصب لفقد المانع صدارته في جملته، وصار حشوًا لا يصلح سببًا للتعليق؛ ووقوعه حشوًا مع بقاء أثره غير جائز.
(٣) انظر ما يختص بالاستفهام في ص٣٦.
(٤) انظر رقم ٥ من هامش ص٢٧. (٤ و٤) إلا في حالة يكون فيها جائزًا، وستجيء هنا. وعند إعراب المثال الأول الوارد هنا نقول: "محمود حاضر"، مبتدأ وخبر. وجملتها في محل نصب سدت مسد مفعولي: "أعلم". وفي المثال الثاني نقول: "محمودًا"، مفعول أول. "حاضر": خبر مقدم، "هو": مبتدأ مؤخر، والجملة منهما في محل نصب سدت مسد المفعول الثاني وحده. ومن المثالين يتضح أن الجملة الواقعة بعد "المانع" وجوبًا قد تسد مسد المفعولين معًا أو مسد الثاني عند وجود الأول منصوبًا لفظًا. أما الحالة التي يكون فيها التعليق جائزًا -لا واجبًا- فحين تكون أداة التعليق مسلطة على الثاني وحده (كأن يكون المفعول الثاني قد صدر -في الغالب- بكلمة استفهام، أو مضافًا إليها وقد سبقها المفعول الأول، في الصورتين؛ نحو: علمت الأديب من هو؟ وظننت الشاعر أخو من هو؟) ففي هاتين الصورتين يجوز نصب الكلمة السابقة التي هي المقعول الأول؟ لأن الناسخ سلط عليها من غير مانع، =
[ ٢ / ٣٠ ]
(أ) لام الاربتداء، كالأمثلة السالفة.
(ب) لام القسم: نحو: علمت لَيُحَاسَبَنَّ (١) المرء على عمله.
(ج) حرف من حروف النفي الثلاثة (٢): (ما - إنْ - لا) دون غيرها من
_________________
(١) =ويجوز رفعها؛ لأنها هي وما بعدها الاستفهام شيء واحد في المعنى؛ فكأنها واقعة بعد الاستفهام فلا يؤثر فيها الناسخ. فالتعليق جائز هنا.
(٢) يقولون في مثل هذا: إن اللام داخلة على جواب القسم المقدر. وأصل الجملة: "علمت - أقسم والله - ليحاسبن المرء على عمله". فجواب القسم -وهو جملة: "يحاسبن المرء"- مع جملة القسم المقدرة وهي: (أقسم×) في محل نصب سدًّا معًا مسد المفعولين. أي: أن مجموع الجملتين هو الذي سد مسد المفعولين، وأنه في محل نصب. وما يترتب على هذا الإعراب من عدم وقوع أداة التعليق في صدر جملتها يدفعونه بأن وقوعها في الصدارة ليس واجبًا مطردًا؛ وإنما هو الغالب. وبفرض أنه واجب حتمًا فالمقصود بالقسم وجملته هو تأكيد جملة جوابه؛ فهما معًا كالشيء الواحد؛ فإذا تقدمت أداة التعليق على جواب القسم وحده فكأنها في الوقت نفسه قد تقدمت على جملة القسم واحتلت مكان الصدارة اللازم لها؛ فلا تعتبر متخلية عنه. فوجودها في صدر الثانية يعد بمنزلة التصدر في الأولى. لكن سيترتب على قولهم هذا محظور آخر؛ هو: وقوع جملة جواب القسم في محل نصب، والشائع أنها لا محل لها من الإعراب. وقد أجابوا: بأنها لا محل لها باعتبارها: "جواب قسم"- ولا مانع أن يكون لها محل باعتبار آخر؛ هو: "التعليق" ومعنى هذا أن جملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب إذا لم يوجد عامل يحتاج إليها حتمًا؛ فإنوجد عامل يحتاج إليها حتمًا كانت معمولة له. وقيل إن "العلم" في المثال السالف منصب على مضمون جملة الجواب فقط، بدون نظر إلى أنها جواب قسم؛ فجملة الجواب وحدها على هذا الاعتبار في محل نصب سدت مسد المفعولين. (راجع الصبان ج٢ عند الكلام على أدوات التعليق) . وفي هذا الرأي راحة وتيسير؛ لأنه واقعي؛ لا يلتفت إلى الجملة القسمية المستترة، ولا يتناسى أن جواب القسم هنا ليس مجلوبًا للقسم: وإنما الغرض الأساسي الأول هو إيفاء الناسخ ما يريده، ولا ضرر في أن يستفيد القسم منه بعد ذلك. (وسيجيء الكلام على جملة القسم وجوابه في باب: حروف الجر (ص٥٠٠ وفي ص٥٠٦ النص الخاص بأن جملة جواب القسم قد يكون لها محل إعرابي مع جملة القسم) .
(٣) سواء أكان واحد منها ناسخًا أم مهملًا، فالأولان قد يعملان عمل "ليس"، والأخير قد يعمل عمل "إنّ" أو: "ليس" فالثلاثة مع الإعمال أو الإهمال صالحة لأن تكون أداة تعليق. ولا داعي لاشتراط بعضهم القسم قبل كل أداة من الثلاثة؛ لأن هذا الاشتراط -فوق ما فيه من تضييق- لا سند له من النصوص الفصيحة الكثيرة، فالوارد منها يدعو إلى إغفاله. ويزيد التمسك بإغفاله قوة ما يقوله أصحابه من أن القَسم قبل هذه الأدوات الثلاثة يجب تقديره إن لم يكن ظاهرًا في الجملة؛ مثل: "علمت ما محمد جبان" إذ يقدرونه: علمت والله ما محمد جبان. فما الحاجة إلى التقدير والتأويل بغير داع، ولا سيما التأويل القائم على مجرد التخيل المذكور؟ وإنه لتخيل مستطاع في كل صورة خالية من القسم، =
[ ٢ / ٣١ ]
أدوات النفى الأخرى. فمثال "ما" النافية: علمت ما التهوّر شجاعة. ومثال "إنْ" النافية: زعمت إنْ الصفحُ الجميلُ ضارٌّ (أي: ما الصفح الجميل ضارّ) ومثال "لا" النافية: ألفيتُ لا الإفراطُ محمودٌ ولا التفريط (١) .
(د) الاستفهام (٢)؛ وله صور ثلاث: أن يكون أحد المفعولين اسم استفهام
_________________
(١) =فتصير به صحيحة إلا أنه يدفعنا إلى الدخول في الجدل المرهق الذي مر في المسألة السابقة -في رقم ١ من هامش الصفحة الماضية- الخاصة بجواب القسم ومحله من الإعراب، كما سيفتح علينا أبوابًا أخرى للاعتراض والجدل، نحن في غنى عنها، ولا حاجة للبيان اللغوي الناصع بها. وزيادة في البيان نقول: إن اشتراط القسم مقصور عند جمهرة النحاة على: "لا - إن"- النافيتين، ولا يكاد يوجد خلاف في صدارة "ما" النافية غير الزائدة؛ عاملة وغير عاملة. فقد جاء في الجزء الأول من "المغني" عند الكلام على "لا" ما نصه: (تنبيه - اعتراض لا" بين الجار والمجرور في محو: غضبت من لا شيء، وبين الناصب والمنصوب في نحو قوله تعالى: "لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل" وبين الجازم والمجزوم في نحو: إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض " وتقدم معمول ما بعدها عليها في نحو قوله تعالى: "يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسًا إيمانها "- دليل على أنها ليس لها الصدر. بخلاف "ما" "اللهم إلا أن تقع في جواب القسم فإن الحروف التي يتلقى بها القسم كلها لها الصدر. ولهذا قال سيبويه في قوله: "آليت حَسب العراق الدخر أطعمه " أن التقدير: على حب العراق، فحذف الخافض، ونصب ما بعده، بوصول الفعل إليه، ولم يجعله من باب: "زيدًا ضربته"؛ لأن التقدير "لا أطعمه" وهذه الجملة جواب: لآليت؛ فإن معناه: حلفت. وقيل: لها الصدر مطلقًا، وقيل "لا" مطلقًا. والصواب الأول) اهـ. وإنما قال سيبويه ذلك لأن "لا" هنا لها الصدارة؛ لوقوعها في جواب القسم؛ فلا يعمل ما بعدها فيما قبلها، ولا يفسر عاملًا أيضًا وقال الأشموني عند سرد الأدوات التي لها الصدارة، ويحدث التعليق بسببها ما نصه: (التزم التعليق عن العمل في اللفظ إذا وقع الفعل قبل شيء له الصدر؛ كما إذا وقع قبل "ما" النافية؛ نحو قوله تعالى "لقد علمت ما هؤلاء ينطقون" وقيل "إنْ - ولا" النافيتين في جواب ق سم ملفوظ أو مقدر ) اهـ. وقد استدرك الصبان فقال ما نصه: (قوله في جواب قسم..، قيل الصحيح أنه ليس بقيد. لكن في "المغني" ما يظهر به وجه التقييد؛ حيث نقل فيه أن الذي اعتمد سيبويه أن "لا" النافية إنما يكون لها الصدارة حيث وقعت في صدر جواب القسم. وقال في محل آخر: "لا" النافية في جواب القسم لها الصدر؛ لحلولها محل ذوات الصدر؛ كلام الابتداء و"ما" النافية.. اهـ و"إن" مثل: "لا" اهـ كلام الصبان.
(٢) الإفراط: المبالغة في إعداد الشيء حتى يتجاوز حدوده المحمودة. والتفريط: الإهمال فيه. فهما نقيضان.
(٣) لأن الاستفهام له الصدارة، فلا يعمل ما قبله فيه، إلا إن كان ما قبله حرف جر؛ نحو: ممن علمت الخبر؟. - بم جئت؟ - عن يتساءلون؟ - على أي حال كنت؟..=
[ ٢ / ٣٢ ]
نحو: علمت أيُّهم بطلٌ؟ أو يكون مضافًا إلى اسم استفهام؛ نحو: علمت صاحبُ أيِّهم البطلُ؟ أو يكون قد دخلت عليه أداة استفهام؛ نحو: علمت أعليٌّ مسافرٌ أم مقيمٌ؟ وأعلمُ على الشتاء أنسبُ للعمل من الصيف (١)؟ وقولهم لظريف: لا ندري أجِدُّك أبلغُ وألطف، أم هزلُك أحبُّ وأظرف؟.
(هـ) الألفاظ الأخرى التي لها الصدارة في جملتها؛ مثل "كم" (٢) . الخبرية؛ في نحو: دريْت كم كتاب اشتريته. ومثل: "إنّ" وأخواتها، ما عدا "أنّ" مفتوحة الهمزة؛ فليس لها الصدارة؛ نحو: علمت إنك لمُنصف (٣)،
_________________
(١) =أو كان ما قبله مضافًا واسم الاستفهام مضاف إليه، نحو: صديق من أنت؟ ) وجدير بالتنويه أن التعليق بالاستفهام عامٌّ ليس مقصورًا على أفعال هذا الباب القلبية -كما أشرنا في رقم: ١ من هامش ص٢٧؛ وسيجيء البيان في ص٣٦-.
(٢) عرض بعض النحاة لهذه الصورة الثلاث بشيء من التفصيل، فقال: إن الاستفهام قد يكون بالحرف؛ نحو قوله تعالى: "وإن أدري أقريب أم بعد ما توعدون". أو بالاسم الواقع مبتدأ مباشرة، نحو: ستعلم أيُّ الرأيين أفضل؟ أو يكون المبتدأ مضافًا إلى اسم الاستفهام؛ نحو: علمت أبو منْ صالح. أو يكون اسم الاستفهام خبرًا؛ نحو علمت متى السّفر. أو يكون الخبر مضافًا إلى اسم الاستفهام نحو: علمت صباح أي يوم قدومك. أو يكون اسم الاستفهام فضلة؛ نحو: علمت أيّ كتاب تقرأ. وقول الشاعر: حُشَاشَة نفسٍ ودّعتْ يومَ ودّعوا فلم أدرِ أَيَّ الظاعنَيْنِ أُشَيَّعُ ومما سلف يتبين أن الاستفهام قد يكون حرفًا فاصلًا بين العامل والجملة، وقد يكون اسمًا فضلة، وقد يكون اسمًا عمدة، سواء أكان العمدة مبتدأ مباشرة للاستفهام، أم خبرًا مباشرة كذلك. وسواء أكان العمدة مبتدأ مضافًا والاستفهام هو المضاف إليه أم خبرًا مضافًا والاستفهام هو المضاف إليه.
(٣) "كم" نوعان: "استفهامية"؛ وهي: اسم يسأل به عن عدد شيء. وتحتاج لتمييز منصوب في الغالب؛ نحو: كم درهمًا تبرعت به؟ وتدخل في أدوات التعليق الاستفهامية. "وخبرية"؛ وهي: اسم يدل على كثرة الشيء ووفرته، ولها تمييز مجرور في الغالب؛ نحو: كم ظالمٍ أهلكه الله بظلمه. و"كم" بنوعيها لها باب خاص في الجزء الرابع يضم أحكامها المختلفة (٢٤٢٥ م١٦٨) .
(٤) في هذا المثال يصح أن تكون أداة التعليق هي: "إنّ"، أو "لام الابتداء"؛ فكلاهما له الصدارة؛ فيصلح للتعليق. ولا يقال: "لام الابتداء فيه ليس بعدها جملة". ففي هذا القول إغفال لما قرروه من أن موضعها الأصيل هو أول الجملة. فلما شغلته "إنّ" -ولها الصدارة أيضًا- تخلت عنه اللام، وتأخرت إلى الخبر؛ منعًا إلى الخبر؛ منعًا للتعارض. على أن هذا من التعليلات المصنوعة التي لا خير في ترديدها. وحسبنا أن نهتدي إلى ما في الكلام المأثور من تعليق، سببه "إن" أو "لام=
[ ٢ / ٣٣ ]
ونحو: لا أدرى لعل الله يريد بكم خيرًا. والأغلب الفصيح في: "لعل" هذه أن تكون أداة تعليق للفعل: "أدْرِي" المبدوء بالهمزة، أو بحرف آخر من حروف المضارعة (نَدْري - تَدْري - يدرِي (١) ) .
ومثل: أدوات الشرط الجازمة وغير الجازمة في نحو: لا أعلم إن كان الغد ملائمًا للسفر أو غير ملائم. ونحو أحْسَب لو ائتلف العامل وصاحب العمل لَسَعِدا.
***
فيما يلي أمثلة تزيد التعليق وضوحًا (٢)، وتبيّن موضع "المانع"، وأن موضعه بعد الناسخ حتمًا ويليه المفعولان، أو بعد الناسخ مع توسط هذا المانع بين المفعولين:
_________________
(١) =الابتداء"، أو: هما معًا؛ فكل هذا صحيح ومريح. وما يقال في لام الابتداء الداخلة على خبر "إن" يقال في لام الابتداء الداخلة على اسم "إنّ" المتأخر، أو على معمول خبرها؛ نحو: "حسبت إن في الصحراء لمناجم، وعلمت إن المناجم لكنوزًا ممتلئةٌ". ويجب كسر همزة "إن" في الأمثلة السابقة وأشباهها من كل جملة تجمع بين "إن" و"لام الابتداء". كما سبق في مواضع كسرها. وسبب ذلك في رأيهم: أن "لام الابتداء" تصيب الفعل القلبي بالتعليق، وهذا التعليق يقتضي أن تقع بعده في الغالب جملة -كما سبق في ص٢٨-. فلما وقعت "إن" في صدر هذه الجملة كسرت وجوبًا. فلام الابتداء كانت السبب في التعليق، وفي كسر همزة "إنّ". فإذا لم توجد "لام الابتداء" فلن يكون هناك داع للتعليق، ولا لكسر همزة "إن" فتفتح. لكن أيتفق هذا مع إدخالهم "إن" في عداد الأدوات التي لها الصدارة، وتحدث التعليق؟ لا. ومن أجله قال بعض النحاة بحق: يجوز كسر همزة "إن" وفتحها في المثال السابق عند خلوه من لام الابتداء. فمن اختار الكسر لسبب عنده فله اختياره. ولكن يحب مع الكسر تعليق الفعل القلبي، لما سبق تقريره من اعتبار "إن" مكسورة الهمزة في عداد أدوات التعليق. ومن اختار الفتح لسبب آخر فله اختياره، ولا يصح تعليق الفعل القلبي في هذه الحالة؛ لعدم وجود أداة التعليق؛ إذ ليست "أن" مفتوحة الهمزة من أدواته. (راجع ج١ ص٤٨٨ م٥١) . وراجع الصبان ج٢ باب ظن وأخواتها عند الكلام على أدوات التعليق.
(٢) ومن الأمثلة قول الشاعر: ولا تحْرم المرء الكريم فإنه أخوك ولا تدري لعلك سائله
(٣) من الممكن البدء بهذه الأمثلة، وتفهمها قبل الدخول في تعريق التعليق وما يتصل به.
[ ٢ / ٣٤ ]
جدول
_________________
(١) الجملة وفيها الناسخ بغير تعليق الجملة بعد تعليق الناسخ السبب علمت التواضعَ غيرَ الضعة علمت للتواضعُ غيرُ الضعة الفصل بلام الابتداء بين الناسخ ومعموليه معًا. ألفيت العظمةَ غيرَ التعاظم ألفيت للعظمةُ غير التعاظم الفصل بلام الابتداء بين الناسخ ومعموليه معًا. عددت (١) التجارِبَ خيرَ معلم عددت والله التجارب خيرُ معلم الفصل بالقسم بين الناسخ ومعموليه معًا. جعلت اتباعَ الهوى شرَّ البلايا جعلت ما اتباعُ الهوى إلا شرُّ البلايا الفصل بأداة النفي "ما" بين الناسخ ومعموليه معًا. وجدت الشرقَ مسترًّا مجده. وجدت الشرق لهو مستردٌّ مجده وقوع لام الابتداء قبل المفعول الثاني . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وحده جعل أثر التعليق ينصب عليه أرى التقصيرَ في العمل إساءةً للوطنأرى التقصير في العمل والله هو إساءةٌ للوطن وقوع لام الابتداء قبل المفعول . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الثاني وحده جعل أثر التعليق . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ينصب عليه أحسب خلفَ الوعد إهانةً لصاحبه أحسب خلف الوعد ليهينن صاحبه كذلك لام القسم. دريت إكرامَ الجار مؤدبًا لطيب الإقامة دريت إكرامَ الجار لا يؤدي إلا لطيب الإقامة وكذلك حرف النفي: "لا" ففي الأمثلة الأربعة الأولى وقع المانع (الفاصل) بعد الناسخ وقبل المفعولين مباشرة، فلا نقول في إعرابهما إنهما مفعولان؛ وإنما نقول هما -في الأمثلة المعروضة- مبتدأ وخبر، والجملة في محل نصب سدّ مسدّ المفعولين. وفي الأمثلة الأربعة الأخيرة وقع الناسخ في صدر جملته، ثم ولِيَه المفعول به الأول. أما المفعول به الثاني فغير ظاهر في الكلام بعد أن حلت محله جملة جديدة. وفي مثل هذه الحالة يبقى المفعول به الأول محتفظًا باسمه وبعلامة إعرابه، فيعرب مفعولًا به أول، وتعرب الجملة التي (٢) بعده إعراب الجملة المستقلة، ويزاد على إعرابها أنها في محل نصب، تسدّ مسدّ المفعول به الثاني
(٢) أيقنت. (ن٢) قد تكون الجملة فعلية، وقد تكون اسمية؛ فالحكم عليها بأنها جملة اسمية مركبة من مبتدأ وخبر، أو جملة فعلية مكونة من فعل ومرفوعه موقوف على نوعها المعروض.
[ ٢ / ٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
- زيادة وتفصيل:
(أ) تقدم (١) أن الفعل القلبي الناصب لمفعولين يصيبه التعليق إذا وُجدت إحدى أدوات التعليق، ومنها: "الاستفهام".
والتعليق بالاستفهام ليس مقصورًا على الأفعال القلبية المتصرفة الخاصة بها الباب -كما أشرنا من قبل (١) -، وإنما يصيبها غيره، طبقًا للبيان الآتي:
١- الفعل القلبي الناصب لمفعول به واحد؛ مثل: نسى - عرف ومنه قول الشاعر:
ومن أنتمو؟ إنا نسينا من انتمو وريحكموا من أي ريح الأعاصر
٢- الفعل القلبي اللازم، مثل: تفكَّر؛ كقوله تعالى: "أولم يتفكروا؟ ما بصاحبهم من جنة؟ "؛ فالتعليق هنا عن الجار والمجرور (٢)؛ لأن المجرور بالحرف بمنزل المفعول به (٣) .
٢- ما ليس قَلبيًّا، وينطبق على أفعال كثيرة لا تكاد تدخل تحت حصر؛ مثل: نظر - أبصر - سأل - استنبأ- و..، ومن الأمثلة قوله تعالى: (فَلْيَنظُرْ أَيُّها أزكَى طعامًا)، وقوله تعالى: (فستُبصر ويُبصرون؛ بأيِّكم المفتون؟)، وقول تعالى: (يَسألون: أيَّانَ يومُ الدين؟)، وقوله تعالى: (ويستنبئونكَ: أحَقٌّ هُو؟ )، فهذه الأفعال ونَظائرها قد يصيبها التعليق بأداة الاستفهام، ولهذا يوقف في الآية الأولى على قوله: (يتفكروا)، والكلام بعدها مستأنف، وهو: (ما بصاحبكم من جنة؟)، وما الستفهامية بمعنى النفي، إذ المراد: أي شيء بصاحبكم من الجنون؟ ليس به شيء منه (٤) .
_________________
(١) (١ و١) وفي رقم ١ من هامش ص٢٧ وفي "د" من ص٣٢.
(٢) انظر "ج" الآتية.
(٣) كما سيجيء في ص١٥٩.
(٤) ما نوع "ما" في الآية؟ يقول الصبان إن بعض النحاة يراها على حسب الظاهر نافية؛ ويكون الوقف على قوله: "أولم يتفكروا " فما بعده استئناف. ويراها آخرون: "استفهامية" بمعنى "النفي" - أيْ: أيّ بصاحبكم من الجنون؟ أي: ليس به شيء منه ".
[ ٢ / ٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(ب) عرفنا (١) أن التعليق لا يكون في الأفعال القلبية الجامدة، ولا في بعض النواسخ الأخرى؛ كأفعال التحويل و فما المراد من هذا؟ أيراد أن ألفاظ التعليق لا تقع بعد تلك الأفعال الجامدة ولا بعد تلك النواسخ؛ فلا يحدث التعليق؟ أم يراد أن هذه الألفاظ مع وقوعها بعدها لا تقوى على منعها من العمل الظاهري فكأنها غير موجودة؟ يرتضي النحاة الرأي الأول. والاقتصار عليه حسن.
(ج) سبق (٢) أن الجملة بعد أداة التعليق تسدّ مسدّ المفعولين إن كان الناسخ إليهما، ولم يَنصب المفعول به الأول مباشرة، فإن نصبه سدت مسدّ الثاني فقط
فإن كان الفعل ليس ناسخًا ولا يتعدى لمفعولين، ووقعت بعده جملة مسبوقة بأداة التعليق -فإن كان يتعدى بحرف جر، فالجملة في محل نصب بإسقاط الجار؛ نحو: فكرت أصحيح هذا أم غير صحيح؟ أي: فكرت في ذلك (٣) . وإن كان الفعل يتعدى بنفسه إلى واحد غير مذكور سدت مسدّه؛ نحو: عرفت البارع أبو مَنْ هو؟ فقيل الجملة بدل كل من كل، على تقدير مضاف؛ أي: عرفت شأن البارع، وقيل بدل اشتمال من غير حاجة إلى تقدير، أو هي مفعول ثان لعرفت بعد تضمينه معنى: "علمت". والرأيان الأخيران أوضح وأيسر استعمالًا، ولكل منهما مزية قد يتطلبها المقام، ويقتضيها المعنى.
(د) إذا كانت "رأى" حُلُمِيَّة لم يدخل عليها التعليق (٤) .
***
_________________
(١) في ص٢٧.
(٢) في ص٢٨ وما بعدها.
(٣) سبقت إشارة لهذا ولإعراب آخر في رقم٢ من هامش ص١٨.
(٤) كما سيجيء في "ج" من ص٤٢.
[ ٢ / ٣٧ ]
الحكم الثاني - الإلغاء:
وهو: "منع الناسخ من نصب المفعولين معًا، لفظًا ومحلا، منعًا جائزًا، -في الأغلب- لا واجبًا) . أو هو: "إبطال عمله في المفعولين معًا لفظًا ومحلًاّ، على سبيل الجواز لا الوجوب". ولا يصح أن يقع المنع على أحد المفعولين دون الآخر.
وسببه: إمَّا توسط الناسخ بين مفعوليه مباشرة بغير فاصل آخر بعده يوجب التعليق (١)، وإما تأخره عنهما. فإذا تحقق السبب جاز -في الأغلب (٢) - الإعمال أو الإهمال، وإن لم يتحقق وجب الإعمال. فللناسخ ثلاث حالات من ناحية موقعه في الجملة، وأثر ذلك:
الأولى: أن يتقدم على المفعولين. وفي هذه الحالة يجب إعماله -عند عدم المانع-؛ فينصبهما مفعولين به، نحو: رأيت النزاهةً وسيلةً لتكريم صاحبها.
الثانية: أن يتوسط بين مفعوليه مباشرة. وفي هذه الحالة يجوز -في الأغلب (٢) - إعماله؛ فينصبهما مفعولين (٣) به؛ نحو: النزاهةَ - رأيت - وسيلةً لتكريم صاحبها. ويجوز إهماله (٤)؛ فلا يعمل النصْبَ فيهما معًا، ولا في أحدهما؛
_________________
(١) إذ يجب التعليق لوجود سببه، ويجوز في صورة واحدة - وبيانها في رقم ٤ من هامش ص٣٠-. (٢ و٢) إلا في مسائل ستذكر في رقم ٣ من هامش الصفحة الآتية. ثم انظر رقم ١ من هامش ص٤٠.
(٢) في حالة توسط العامل بين مفعوليه يجوز أن يكون المفعول الثاني هو المتقدم عليه، ويجوز في حالة - تقدم هذا المفعول الثاني أن يكون جملة، أو شبه جملة، أو مفردًا، وهي الأنواع الثلاثة التي ينقسم إليها -كما سبق في: "ا" من ص٢٤- ومن الأمثلة لتقدمه وهو جملة ما نقلوه من نحو: (شجاك - أظن - رَبع الظاعنين ) فكلمة "ربع" يجوز ضبطها بالنصب مفعولًا أول للفعل: "أظن". والجملة الفعلية "شجاك" (أي: أحزنك) في محل نصب تسد مسد المفعول الثاني. ويصح في كلمة: ربع" الرفع على أنها فاعل للفعل: "شجا" ويكون الفعل "أظن" مهملا. ويجوز أيضًا رفع كلمة: "ربع" على أنها خبر للكلمة: "شجا" المبتدأ، ومعناها: "حزن" ولا تكون في هذه الصورة فعلا، ويكون الفعل: "أظن" متوسطًا بينهما، مهملا.
(٣) وفي هذه الصورة تكون جملة: "رأيت"، معترضة، لا محل لها من الإعراب.
[ ٢ / ٣٨ ]
وإنما يرتفعان باعتبارهما جملة اسمية: (مبتدأ وخبرًا)، ونحو: النزاعةُ - رأيت - وسيلةٌ لتكريم صاحبها.
الثالثة: أن يتأخر عن مفعوليه؛ والحكم هنا كالحكم في الحالة السابقة؛ فيجوز إعماله فينصب المفعولين؛ نحو: النزاهةَ وسيلةً لتكريم صاحبها - رأيت.
ويجوز إهماله فلا يعمل النصب (١) ويرتفع الاسمان باعتبارهما جملة اسمية، مركبة من مبتدأ وخبره؛ نحو: النزاهةُ وسيلةٌ لتكريم صاحبها - رأيت.
مما تقدم ندرك أوجع الفرق بين التعليق والإلغاء؛ وأهمها:
(أ) أن التعليق واجب (٢) عند وجود سببه. أما الإلغاء فجائز - في الأغلب (٣) - عند وجود سببه.
_________________
(١) والجملة من الفعل وفاعله استئنافية، كما كانت قبل التأخر عن المفعول ين.
(٢) إلا في الحالة التي يكون فيها جائزًا، (وقد سبق بيانها في رقم ٤ من هامش ص٣٠) .
(٣) الإلغاء جائز في أغلب الأحوال. لكن هناك بعض حالات أخرى يجب فيها الإعمال فقط، أو الإهمال فقط. فيجب الإعمال إذا كان الناسخ منفيًا، سواء أكان متأخرًا عن المفعولين، أم متوسطًا بينهما، نحو: "مطرًا نازلًا لم أظن". أو: "مطرًا لم أظن نازلًا"؛ لأنه لا يجوز أن يبني الكلام على المبتدأ والخبر ثم نأتي بالظن المنفي، إذ إلغاء الفعل المنفي -في الصورتين- قد يوهم أن ما سوى الفعل مثبت. مع أن نفي الفعل يعم الجملة كلها، ويتجه في المعنى إلى المفعولين المنصوبين عند تقدمهما، أو تأخر أحدهما. فلمنع هذا الاحتمال والوهم يجب الإعمال؛ مبالغة في الاحتراس؛ كما يقولون. وهذا التعليل -دون الحكم- لا ترتاح له النفس إلا إن أيدته النصوص الفصيحة التي لم يعرضوها فيما وقع في يدي من المراجع. ويجب الإهمال إذا كان العامل مصدرًا؛ نحو: (المطر قليل - ظني غالب)؛ لأن المصدر المتأخر لا يعمل -غالبًا- في شيء متقدم عليه، فلا يصح تقديم مفعوله عليه أو مفعوليه (عند كثير من النحاة ويخالفهم آخرون، كما سيجيء في باب، ج٣) . وكذلك يجب الإهمال إذا كان في المفعول المتقدم لام ابتداء، أو غيرها من ألفاظ التعليق؛ نحو: لَخالدٌ مكافح ظننت؛ لأن لام الابتداء وألفاظ التعليق تقدم الناسخ. ولا قيمة لهذا الخلاف في التسمية؛ لأن الأثر واحد -إلا في التوابع كما سيجيء في "د"- لا يتغير باختلاف الرأيين؛ فكلاهما يوجب الإهمال، وهذا حسبنا. وكذلك يجب الإهمال إذا وقع الناسخ بين اسم إن وخبرها؛ مثل: إن التردد - حسبت - مضيعة. أو بين "سوف" وما دخلت عليه؛ نحو: سوف - إخال - أكافح الشر. أو بين معطوف ومعطوف عليه؛ نحو: دعاك الخير - أحسب - والبر.
[ ٢ / ٣٩ ]
(ب) أن أثر التعليق يصيب المفعولين معًا أو أحدهما. أما الإلغاء فيصيبهما معًا.
(ج) ان أثر التعليق لفظي ظاهري، لا يمتد إلى الحقيقة والمحل. وأثر الإلغاء لفظيّ ومحليّ معًا.
(د) أن التعليق يجوز في توابعه مراعاة ناحيته اللفظية الظاهرية، أو مراعاة ناحيته المحلية. والإلغاء لا يجوز في توابعه إلا مراعاة الناحية الواحدة التي هو عليها؛ وهي الناحية الظاهرة المحضة.
(هـ) أن التعليق لابد فيه من تقدم الناسخ على معموليه؛ ومن وجود فاصل بعده له الصدارة.
أما الإلغاء فلا بد فيه من توسط (١) الناسخ بينهما، أو تأخره عنهما؛
_________________
(١) يذكر النحاة بعض أمثلة يستدلون بها على أن الإلغاء قد يقع والفعل الناسخ متقدم على مفعوليه، وليس متوسطًا ولا متأخرًا. ثم يؤولون تلك الأمثلة تأويلًا يخرجها من حكم الإلغاء، ويدخلها في أحكام أخرى مطردة تنطبق عليها بعد ذلك التأويل. وهذا تكلف مردود، وتصنع يجب البعد عنه، منعًا للفوضى في التعبير، والخلط في الأصول العامة. وفي تلك الأمثلة قول الشاعر: أَرجو وآملُ أن تدْنو مودتها وما إِخالُ لدينا منكِ تنويلُ فالفعل: "إخال" قد ألغى؛ فلم ينصب المفعولين: "لدى" و"تنويل" مع أنه مقدم عليها، ومع تقدمه فكلمة "لدى" ظرف، خبر متقدم، وكلمة: "تنويل" مبتدأ مؤخر. أي: أنه لم ينصبهما؛ بدليل رفع الثانية. فما السبب في الإلغاء؟ لا سبب. لهذا ينتحلون ما يجعل الأسلوب صحيحًا. فيتخيلون وجود "ضمير شأن" مستتر بعد الفعل: "إخال"؛ فالتقدير: "إخاله. فيكون ضمير الشأن المستتر هو المفعول به الأول، وتكون الجملة الاسمية بعده: (لدينا تنويل) في محل نصب، تسد مسد المفعول الثاني، إذ يصح في الأفعال القلبية -كما سبق، في "أ" ص٢٤- أن يكون مفعولها الثاني جملة أو غيرها. وبهذا التأويل الخيالي لا يوجد في الكلام ناسخ متقدم لم يعمل. أي: لا يوجد في الكلام إلغاء، ولا مخالفة للقاعدة التي توجب عمل الناسخ المتقدم..، فلم هذا؟ ما فائدته؟ إن واقع الأمر صريح في مخالفة التعبير للقاعدة. والسبب هو الضرورة الشعرية، أو المسايرة للغة ضعيفة، أو ما إلى ذلك مما يخالف اللغة الشائعة في البيان الرفيع الذي يدعونا لهجر تلك التأويلات، والفرار منها؛ حرصًا على سلامة اللغة، وإيثارًا للراحة من غير ضرر، والاقتصار في القياس على ما لا ضعف فيه، ولا شذوذ، ولا تأويل ومن الأمثلة أيضًا قول الشاعر: كذاك أُدِّبتُ حتى صار من خُلُقي أَني وجدتُ مِلاكُ الشيمة الأَدبُ=
[ ٢ / ٤٠ ]
وليس في حاجة بعد هذا إلى فاصل، أو غيره (١) .
_________________
(١) =ففي البيت فعل قلبي (هو: وجد) لم ينصب المفعولين: مع أنه متقدم. فلماذا أصابه الإلغاء مع تقدمه؟ ويجيبون بمثل الإجابة السابقة؛ فيتأولون. ويتخيلون وجود "ضمير شأن" مستتر بعد ذلك الفعل، ويعربون هذا الضمير مفعوله الأول، والجملة الاسمية: "ملاك الشيمة الأدب" في محل نصب سدت مسد المفعول به الثاني. أو: يقول: إن الفعل أصابه "التعليق" بسبب وقوع لام ابتداء مقدرة بعده، واصل الكلام كما يتخيلون: "أني وجدت لملاك الشيمة الأدب" وفي هذا ما في سابقه مما يوجب عدم الأخذ بمثل هذا التخيل، والتأويل، واتقاء ضرره بالاقتصار على ما لا حاجة فيه إلى تصيد وتحايل.
(٢) فيما سبق يقول ابن مالك بإيجازه المعروف: وخُصَّ بالتَّعْلِيقِ وَالإِلْغاءِ ما مِنْ قَبْل: "هَبْ" والأَمْرُ: "هَبْ" قَدْ أُلْزِما كَذَا: "تَعَلَّمْ". ولِغَيْرِ الماضِ مِنْ سِوَاهُمَا اجْعَلْ كُلَّ مَا لَهُ زُكِنْ. ("خص": فعل أمر. ويصح أن يكون فعلا ماضيًا مبنيًا للمجهول. "الأمر": مبتدأ مرفوع. "هب": مبتدأ ثان. "ألزم" فعل ماض للمجهول، ونائب فاعله ضمير مستتر تقديره: هو، يعود على "هب" والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول الذي هو: "الأمر". والرابط محذوف، والتقدير: أُلزمه، أي: أُلزِم صورة الأمر وصيغته. والألف التي في آخر: "ألزما: زائدة لأجل الشعر، وتسمى: "ألف الإطلاق". أي: الألف الناشئة من إطلاق الصوت بالفتحة، ومدّه بها حتى ينشأ من المد: "ألف". "زكن": علم) . ومعنى البيتين: التعليق والإلغاء مختصان ببعض الأفعال التي سبقت أول الباب دون بعض. ولم يبين الأفعال المقصودة، مكتفيًا بأن قال: إنها الأفعال التي ورد ذكرها قبل: "هبْ" و"تعلمْ" في الأبيات الثلاثة الأولى من الباب. وبالرجوع إليها يتبين أنها الأفعال القلبية المتصرفة، دون فعلين منها أخرجهما صراحة؛ هما: "هبْ" بمعنى: "ظُنّ"، وتعلَّمْ بمعنى: "اعلمْ"، -ويزاد عليهما أفعال التحويل أيضًا- ثم قال: إذا كان الناسخ هنا غير ماض فإنه يعمل عمل الماضي، ويدخل عليه من الأحكام ما يدخل على الماضي. ولم يذكر تفصيل شيء من هذا المجمل. ثم انتقل بعد ذلك إلى الكلام على بعض أحكام التعليق والإلغاء؛ فقال: وجَوَّزِ الإِلْغاءَ لاَ فِي الاِبْتِدَا وانْوِ ضَمِيرَ الشَّانِ أَوْ لاَمَ ابْتِدا: فِي مُوهِمٍ إِلْغَاءَ مَا تَقَدَّمَا والْتَزِم التَّعْلِيقَ قَبْلَ: نَفْي "مَا" و"إنْ"، و"لا" "لاَمُ ابتِدَاءٍ"، أَوْ قَسَمْ كَذَا، و"الاِسْتِفْهَامُ" ذَا لَهُ انْحَتَمْ يريد: أن الإلغاء أمر جائز؛ لا واجب، وأنه لا يقع حين يكون الناسخ في ابتداء جملته، أي: متقدمًا على مفعوليه. فإذا كان في ابندائها لم يصح إلغاء عمله -أما إذا لم يكن فيب ابتدائها- بأن وقع بين المفعولين أو بعدهما فإن الإلغاء والإعمال جائزان -في الأغلب- ثم أشار بتقدير "ضمير للشأن"، أو تقدير "لام ابتداء" إذا وردت أمثلة قديمة توهم أن الناسخ المتقدم قد ألفى عمله. وقد شرحنا هذا وأبدينا الرأي فيه. ثم سرد بعض الموانع التي تكون سببًا في التعليق؛ فعرض منهما ثلاثة أدوات للنفي (ما - إنْ - لا) وعرض ثلاثة تغايرها؛ هي: لام الابتداء - القسم - الاستفهام. وقال في الاستفهام: انحتم له ذا". "لِعِلْمِ" عِرْفَانٍ، وَ"ظَنِّ" تُهَمَهْ تَعْدِيةٌ لِوَاحِدٍ مْلْتَزَمَهْ=
[ ٢ / ٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
(أ) إذا تقدم الناسخ على مفعوليه فلن يخرجه من حكم هذا التقدم -في الرأي الأصح- أن يسبقه معمول آخر له، أو لأحدهما؛ نحو: متى علمت الضيفَ قادمًا؟ باعتبار: "متى" ظرفًا للناسخ، أو لمفعوله الثاني.
وكذلك لن يخرجه من حكم التقدم أن يسبقه شيء آخر ليس معمولًا له، ولا لأحدهما، مثل: إني علمت الحذرَ واقيًا الضرر.
(ب) يختلف النحاة في بيان الأفضل عند توسط العامل أو تأخيره. ولهم في هذا جدل طويل، لا يعنينا منه إلا أن الأنسب هو تساوي الإلغاء والإعمال عند توسط العامل. أما عند تأخره فالأمران جائزان ولكن الإلغاء أعلى، لشيوعه في الأساليب البليغة المأثورة.
وإذا توسط الناسخ أو تأخر وكان مؤكدًا بمصدر فإن الإلغاء يَقْبُح؛ نحو: الكتابَ -زعمت زعمًا- خيرَ صديق؛ لأن التوكيد دليل الاهتمام بالعامل، والإلغاء دليل على عدم الاهتمام به؛ فيقع بينهما شبه التخالف والتنافي. فإن أكَّد الناسخ بضمير يعود على مصدره المفهوم في الكلام بقرينة، أو باسم إشارة يعود على ذلك المصدر -كان الإلغاء ضعيفًا أيضًا؛ نحو: السفينةَ - ظننتُه - قصرًا.
أي: ظننت الظن -و: السفينةَ ظننت - ذاك - قصرًا. أي ذاك الظن
(ج) رأي الحُلُمية لا يصيبها الإلغاء، وقد سبق (١) أنها لا يصيبها تعليق.
***
_________________
(١) =وَلِرَأَى الرُّؤْيَا، انْم مَا لِعَلِمَا طَالِبَ مَفْعُولَيْنِ مِنْ قَبلُ انْتَمَى وقد سبق شرح هذين البيتين في مناسبة قريبة -ص١٤ و١٥- بما ملخصه: أن "عَلِم" إذا كان منسوبًا للعرفان (بأن كان معناه: "عرف" الذي مصدره: "العرفان") . وأيضًا: "ظن" إذا كان مصدره "الظن" المنسوب للتهمة (بأن يكون الفعل: "ظن" بمعنى: "اتَهم". ومصدره: "الظن" بمعنى الاتهام؛ ومنه التهمة) -فإن كل فعل منهما يتعدى لمفعول واحد لزومًا؛ أي: حتمًا. ما دام معناه ما سبق. ثم قال: إن الفعل "رأى" المنسوب للرؤيا (بأن كان مصدره "الرؤيا" المنامية) ينصب مفعولين.
(٢) في "د" من ص٣٧.
[ ٢ / ٤٢ ]
الحكم الثالث- الاستغناء عن المفعولين بالمصدر المؤول:
يجوز أن يَسُدّ المصدر المؤول من ("أنّ" الناسخة (١) وما دخلت عليه، أو:
"أنْ" المصدرية الناصبة وما دخلت عليه من جملة فعلية - مسدّ المفعولين،
ويغني عنهما (٢) . ويجب أن يراعى فى معنى المصدر بعد تأويله أن يكون مثبتًا أو
ِمنفيًّاَ على حسب ما كان عليه المعنى قبل التأويل.
فمن أمثلة المثبت ما جاء فى خطبة لقائد مشهور: (عَلِمْنا أن السيفَ ينفع حيث
لا ينفع الكلام، ورأينا أنّ كلمة القَوِيّ مسموعة، فن زعم أنْ يفوز وهو
ِضعيف فقد أخطأ، ومن ظن أن يَسْلمَ بالاستسلام فقد قضى على نفسه ) .
وتقدير المصادر المؤولة (٣): (علمنا نفعَ السيف -رأينا سماعَ كلمة القويّ-
من عم فوّزه - من ظنّ سلامته ) فَكل مصدر من المصادر التى نشأت من
التأويل سدّ مسدّ المفعولين المطلوبين للفعل القلبي الذي قبله. فالمصدر "نفَعْ"،
أغْني عن مفعولى الفعل "عَلمَ ". والمصدر: "سماع"، أغنى عن مفعولى الفعل:
"رأى". والمصدر: "فوز"، أغنى عن مفعولى الفعل: "زعم" والمصدر:
سلامة" أغنى عن مفعولى الفعل "ظن" (٤) ويقاس على هذا أشباهه (٥)
_________________
(١) سواء أكانت مشددة النون أم مخففة.
(٢) سبق (فى رقم ٦ و٤ و٦ من هامش ٦ و٧ و٨ وفي١ من هامش ص ١٩) أن هذا كثير في الفعلين "زعم" و"تعلم" بمعنى، "اعلمْ". قليل في: "هبْ" بمعنى: ظُنّ. وأن المصدر المؤول سد مسد المفعولين معًا طبقًا للرأى المختار هناك، وفي رقم ٤ من هامش ص١١.
(٣) سبق (في ج١ ص٢٩٩ م٢٩ من هذا الكتاب، باب: الموصول) إيضًا شامل لطريقة صوغ المصدر المؤول بصوره المختلفة، وبيان الدافع لاستعمال الحرف المصدري، وصلته، دون الالتجاء إلى المصدر الصريح ابتداء.
(٤) وكذلك المصدر المؤول بعد فعل الأمر الذي في آخر الآية الكريمة: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة. واعلموا أن الله شديد العقاب) .
(٥) يكون الفعل القلبي في الأمثلة السابقة وأشباهها عاملًا في لفظ المصدر المتصيد (أي، المستخرج) من "أنّ" و"أنْ" وصلتهما، وليس عاملًا في الجملة التي دخلت عليها "أنْ" أو "أنّ" إذ لو كان عاملًا في الجملة نفسها لوجب تعليق الفعل عن العمل، بسبب الفاصل (طبقًا لما عرفناه في "التعليق") ولوجب أيضًا كسر همزة "إن" لوقوعها في صدر جملة جديدة. فالذي حل محل المفعولين هو المصدر المؤول وهو مفرد. وكل هذا بشرط خلو خبر "إن" من لام الابتداء؛ لأن وجودها يوجب كسر همزة "إن" ويوجب " التعليق (راجع رقم ٣ من هامش ص٣٣ ورقم ٤ ةمن هامش ص٤٨. وكذلك ج١ ص٤٨٩ م٥١) .
[ ٢ / ٤٣ ]
من مثل قول الشاعر (١):
توَد عدوى ثم تَزعُم أنني صديقك؛ إن الرأي عنك لعازب
فالمصدر المؤول من "أنّ مع معموليها" يسدّ مسدّ مفعولي الفعل: "تزعمُ" ومن أمثلة المعنى المنفي قول الشاعر:
الله يعلم أني لم أقل كَذبا والحق عند جميع الناس مقبول
وتأويل المصدر مع زيادة ما يدل على النفي هو: "الله يعلم عدم كذب قولي".
- وقد سبق (٢) تفصيل الكلام على طريقة صوغ المصدر المؤول.
الحكم الرابع (٣) - جواز وقوع فعلها ومفعولها الأول ضميرين معينين:
وذلك بأن يكونا ضميرين متصلين، متحدين في المعنى (٤)، مختلفين في النوع؛ نحو: عَلِمتُني راغبًا في مودة الأصدقاء، ورَأيتُني حريصًا عليها.
فالتاء والياء في المثالين ضميران. متصلان، ومدلولهما شيء واحد؛ فهما للمتكلم، مع اختلف نوعهما: فالتاء ضمير رفع فاعل، والياء ضمير نصب، مفعول به.
ونحو: علِمتَك زاهدًا في الشهرة الزائفة، وحسِبْتَك نافرًا من أسابها. فالتاء والكاف في المثالين ضميران، متصلان، ومعناهما واحد؛ لأن مدلولهما هو المخاطب، مع اختلاف نوعهما كذلك؛ فالتاء ضمير رفع فاعل، والكاف ضمير نصب، مفعول به (٥) .
_________________
(١) وقول الآخر: إذا القوم قالوا: من فتى؟ خِلت أنني دُعيتُ فلم أكسَل، ولم أتبلّدِ
(٢) سبق في (ج١ ص٢٩٩ م٢٩ من هذا الكتاب، باب: الموصول) .
(٣) انظر تكملته الهامة في الزيادة والتفصيل.
(٤) بأن يكون مدلولهما واحدًا (أي: أن صاحب كل منهما هو صاحب الآخر، فكلاهما يدل على ما يدل عليه الثاني) .
(٥) ومن الأمثلة أيضًا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى﴾ فالفعل: "رأى" فاعله ضمير مستتر، تقديره: "هو" -والضمير المستتر نوع من المتصل- ومفعوله الأول: "الهاء" -فقد وقع الفاعل والمفعول هنا ضميرين، متصلين، متحدين في المعنى؛ لأن مدلولهما واحد؛ هو: الغائب، مع اختلاف نوعهما، فالضمير المستتر: "هو" ضمير رفع، فاعل والضمير "الهاء" المذكور ضمير نصب، مفعول به.
[ ٢ / ٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
الحكم الرابع غير خاص بالأفعال القلبية وحدها؛ فهناك بعض أفعال أخرى تشاركها فيه؛ مِثل: "رأى" البصرية والحلُمية، وهو كثير فيهما، ومثل: "وجَد" (بمعنى: لَقِيّ)، وفَقَد. وعَدِم. وهو قليل في هذه الثلاثة، ولكنه قياسي في الخمسة، وفي غيرها مما نصّت عليه المراجع؛ وليس عامًّا في الأفعال؛ نحو: اسْتيقظتُ فرأيتُني منفردًا --أخذني النوم فرأيتُني جالسًا في حفل أدبيّ-. ساءلت نفسي في غمرة الحوادث: أين أنا؟ ثم وجَدْتُني (أي: لقيتُ نفسي، وعرفتُ مكانها) -فقدتُني إن جنحت إلى خيانة، أو عدمتني. ولا يجوز هذا في غير ما سبق إلا ما له سند لغوي يؤيده. فلا يصح: كرمتُني، ولا سمعتُني، ولا قرأتُني، وأشباهها مما لم يرد في المراجع. إلا إن كان أحد الضميرين منفصلًا، فيجوز في جميع الأفعال، نحو: ما لمستُ إلا إياي- ما راقبتُ إلا إياي (١) .
ويمتنع في باب: "ظن وأخواتها"، وفي جميع الأفعال الأخرى -اتحاد الفاعل والمفعول اتحادًا معنويًّا إن كان الفاعل ضميرًا، متصلًا، مستترًا، مفسَّرًا بالمفعول به، فلا يصح محمدًا ظَن قائمًا- ولا عليا نَظر؛ بمعنى: محمدًا ظنَّ نفسه..، وعليًّا نظر نفسه لأن مفسر الضمير هنا: (أي مرجعه) هو المفعول به. فإن كان الضمير الفاعل منفصلًا بارزًا صَحّ؛ فيقال: ما ظن محمدًا قائمًا إلا هو. وما نظر عليًّاَ إلا وهو
_________________
(١) "ملاحظة": المفهوم من كلام النحاة أنهم يمنعون ما سبق من اجتماع الفاعل والمفعول به إذا كان ضميرين، متصلين، متحدين معنى -بأن يكونا لمتكلم واحد، أو لمخاطب واحد- مختلفين نوعًا، ولا فرق في هذا بين المفعول به الحقيقي، والمفعول به التقديري، وهو الذي يتعدى إليه العامل بحرف جر، إذا المجرور في هذه الصورة مفعول به تقديرًا، فيمتنع عندهم أن يقال: "أَحضرتني، أو أَحضرتُ بي" إذا كان الضميران للمتكلم. كما يمتنع أن يقال: أَوثقتك، وأوثقتَ بك إذا كان الضميران لمخاطب واحد. لكن يعترض رأيهم في المفعول التقديري آيات كريمة متعددة، منها قوله تعالى: (وهزّي إليك بجذع النخلة ) وقوله تعالى: (واضمم إليك جناحك ) قوله تعالى: (أَمسك عليك زوجك) ولا عبرة بما يقوله "الصبان" نقلا عن "المغني" من أن الآيات مؤولة على تقدير حذف مضاف، وكلمة التأويل أن توافق الآيات رأيهم، مع أن الواجب أن يغيروا رأيهم ليوافق أفصح كلام عرفوه؛ فلا عليها من اتباعه، ومن شاء فليتأوله.
[ ٢ / ٤٥ ]
المسألة ٦٢:
الْقَوْل
معناه، متى ينصب مفعولا واحدًا؟ ومتى ينصب مفعولين؟
يعرض النحاة فى هذا الباب للقول ومشتقاته، لتشابهٍ بينه وبين "الظن" فى بعض المعاني والأحكام. وصفوة كلامهم: أن "القوْل" متعدد المعاني، وأنّ الذى يتصل منها بموضوعنا مَعْنيان؛ أحدهما: "التلفظ المحض، ومجرد النطق"
والآخر: "الظن".
(١) فإن كان معناه: "التلفظ المحض، ومجرد النطق" فإنه ينصب مفعولًا
به واحدًا، تكون دلالته المعنوية مقصودة غير مهملة (١)، سواء أكان الذى جرى به
التلفظ، ووقع عليه القول -كلمة مفردة (٢)، أم جملة. فمثال المفردة ما جاء على
لسان حكيم: (تسألني عن العظَمة الحقة، فأقول: "الكرامةَ"، وعن رأس
الرذائل، فأقول: "الكذبَ") فمعنى "أقول" هنا: "أنطقُ، وأتلفظُ".
والكلمة التى وقع عليها القول (أى: التي قيلت)، هى: "الكرامة"-
"الكذب". وكلتاهما مفعول به منصوب مباشرة.
ومن الأمثلة للكلمة المفردة أيضًا: سألت والدي عن مكان نقضى فيه وم
العُطلة، فقال: "الريفَ". وعن شىء نعمله هناك، فقال: "التنقلَ"،
فمعنى قال: "تلفظَ ونَطق"، والكلمة التي وقع عليها القول هي: "الريفَ" -"التنقلَ" وتعرب كل واحدة منهما مفعولًا به منصوبًا مباشرة. ومثل هذا قول الشاعر:
جَدَّ الرحيل، وحَثَّني صحْبي قالوا: "الضباحَ"؛ فطيَّروا لُبِّي (٣)
_________________
(١) المراد من أنها مقصودة غير مهملة: ألا تكون مجرد تصويت لا اعتبار فيه للمعنى مطلقًا ولا التفات للمدلول على الوجه المشار إليه في رقم ٧ من هامش الصفحة الآتية.
(٢) أي: ليست جملة، ولا شبه جملة.
(٣) وقول الآخر: بلدٌ يكاد يقول جِيـ نَ تزروه: "أهلا وسهلا"
[ ٢ / ٤٦ ]
ومن أمثلة الجملة بنوعيها (١): (قلتُ: الشعرُ غذاءُ العاطفة (٢) -
(أقول: تصفو النفسُ بسماع الغناء الرفيع) - (قال شوقي: "آيةُ هذا الزمانِ الصحفُ")
-ويقولُ: "تسيرُ" مَسِيرَ الضحا فى البلاد " ) .
ومثل:
(يقولون: "طالَ الليل")، والليلُ لم يُطلْ ولكنّ من يشكو من الهمّ يسهرُ
فمعنى "القول" في هذه الأمثلة كسَابقه. وبعده جملة اسمية، أو فعلية، يزاد على إعرابها: أنها في محل نصب (٣) سدّت مسدّ المفعول به للقول، وليست مفعولًا به (٤) مباشرة. بخلاف الكلمة المفردة، فإنها هي المفعول به مباشرة -كما تقدم- سواء أكان الناطق بالكلمة قد نطقها ابتداء؛ دون أن يسمعها من غيره فيرددها بعده؛ كالتي في المثال الأول (٥) . أم كان نطقه تاليًا لنطق آخر، وترديدًا لما سمعه؛ كثرة النحاة (٦) . ولو كان النطق بها ترديدًا ومحاكاة لنطق سابق؛ لأن الحكاية في هذا الباب لا تكون عندهم للكلمة المفردة (٧) .
_________________
(١) وقعت الجملة الاسمية والفعلية بعد القول في البيت التالي: قالوا: نراك بلا سُقْم. فقلت لهم: السُّقْم في القلب. ليس السّقْم في البدن.
(٢) ومن الجملة الاسمية أيضًا قوله تعالى: (قلْ: متاع الدنيا قليل، والآخرة خير لمن اتقى) .
(٣) وهذا هو الأعم الأغلب في محلها -انظر "ا" من ص٥٣-.
(٤) لأن أصل المفعول به لا يكون جملة، فهي تسد مسد، ولا تكون مفعولًا به أصيلًا. (٥ و٥) من "ا".
(٥) انظر "ا" من ص٥٣.
(٦) إلا إذا كانت الكلمة المفردة لا تدل على جملة، ولا تعبر عنها، ولا عن مفرد؛ وإنما يراد نص لفظها المنطوق من قبل (دون نظر لمعناه مطلقًا، ولا لمدلول؛ فالمراد هو ترديد الكلمة ترديدًا صوتيًا مجردًا. (انظر ما يوضح هذا في رقم ١ من هامش الصفحة السابقة) . فيجب حكايته ورعايته إعرابه بضبطه المنطوق السابق، نحو: "قال على بابٌ"، إذا تكلم بكلمة: "باب" مرفوعة، ومثل كلمة "نعمْ" في قول الشاعر: إذا قلت في شيء "نَعمْ" فأتمَّهُ فإنَّ "نعَمْ" دينٌ على الحُرّ واجب هذا، ولا يخرج الكلمة عن وصفها بالإفراد أن يكون في المقصود منها: الجملة أو الجمل؛ أي: أن تكون في ظاهرها لفظة مفردة يراد بها مضمون جملة أو جمل، مثل: (سمعت المؤذن يصيح: "الله أكبر"، لقد قال: كلمة رائعة) . فالكلمة هنا مفردة في معنى الجملة؛ لأنها تقوم مقامها في المضمون. ومثل: كنت في ندوة أدبية؛ فسمعت من يقول حديثًا، وأصغيت لشاعر يقول قصيدة، والخطيب يقول خطبة، فكل كلمة من الكلمات الثلاث: (حديثًا - قصيدة - خطبة) مفردة في ظاهرها، ولكنها في مقام جمل=
[ ٢ / ٤٧ ]
أما الجملة التى تسُدّ- في الأغلب (١) - مسدّ مفعول "القول" والتى محلها
النصب فيسمونها: "مَحْكيَّةً بالقول" بشرط أن تكون قد جرَتْ من قبل على لسان، ثم أعادها المتكلم، وردّ ما سبق أن جرى على لسانه أو على لسان غيره. فلابد في الجملة التي تسمى: "مَحْكِيَّة" أن تكون قد ذُكرَتْ مرة سابقة قبل حكايتها بالقول. وإلا فلا يصح تسميتها: "مَحْكِيَّة" على الصحيح. والأغلب أنها في الحالتين في محل نصب، سادة مسدّ المفعول به.
وتشتهر بين المعرْبين بأنها: "مقُول القول" (٢)؛ أي: الجملة التي جرى بها القول، وهي المرادة منه.
***
(ب) وإن كان معنى "القول" -ومشتقاته هو: "الظنّ" (أي: الرجحان (٣) -) فإنه ينصب مفعولين مثله -بالشرط التي سنعرفها- ويجرى عليه ما يجري على "الظن" (٤) (بمعنى الرجحان) من التعليق، والإلغاء، وسائر الأحكام السابقة الخاصة بالأفعال القلبية؛ فهو والظن سواء. إلا في اختلاف
_________________
(١) =كثرة؛ لأن الحديث الذي في الندوة لا يكون إلا جملة متعددة، وكذلك القصيدة، والخطبة؛ فالكلمة هنا مفردة ولكنها في معنى الجملة، كما يقول النحاة. وقد يراد بالكلمة المفردة، لا نصها؛ وإنما الرمز والكناية إلى لفظة أخرى؛ مثل: قلت "كلمة". أريد: لفظة معينة نطقت بها قبل نطقي الآن؛ مثل لفظة: عصفور، أو بلبل، أو خديجة، أو كتاب، أو غير ذلك مما أشير إليه، ولا أريد إعادة النطق به لداع يمنعني. فالكلمة المفردة التي لا تحكي، ثلاثة أنواع هنا: كلمة مفردة لا يراد التمسك بنصها الحرفي بضبطه الأول المنطوق، وكلمة مفردة في لفظها ولكنها في معنى الجملة، وكلمة هي رمز لأخرى مفردة. والثلاثة مفعول به مباشرة للقول-. ثم انظر "ا" من ص٥٣؛ لأهميتها. (١ و١) وقد تكون فاعلًا أو نائب فاعل، طبقًا للبيان الذي في ص٦٦ وفي٣ هامش ص١١٣.
(٢) وهذا التعبير أحسن؛ إذ يصدق على الجملة التي سبق النطق بها والتي لم يسبق، فهو تعبير عام يشمل الحالتين وقد اجتمعتا في قول جميل: بثينة قالت -يا جميل- أَرَبْتَنِي فقلت: كلانا -يا بُثَيْنُ- مُريب أما التعبير هنا بكلمة: "المحكية" فيؤدي إلى أن يشمل ما سبق النطق به، وما لم يسبق، مع أن الشائع قصر "الحكاية" على الذي يعاد، إلا عند إرادة المجاز.
(٣) سبق معنى الرجحان في رقم (٤) من هامش ص٥.
(٤) ولهذا تفتح همزة "أن" الواقعة بعد "القول" الذي معناه "الظن"؛ لأن القول بهذا المعنى ينصب مفعولين؛ فيكون المصدر المؤول من "أن" مع معموليها سادًّا مسدّ المفعولين. (كما سبق في ج١ في موضع الكسر ص٤٨٨ م٥١، ولما تقدم هنا في رقم٥ من هامش ص٤٣ ويجيء في رقم ٥ من هامش ص٥٢) .
[ ٢ / ٤٨ ]
الحروف الهجائية. ومن الأمثلة: أتقول السماءَ صحْوًا (١) فى الغد-؟ أتقولان
الكتابَ نفيسًا إنْ تَمّ إعداده؟ - أتقولون السفرَ المنتظَر مفيدًا؟
فلا بد من مفعولين منصوبين بعده (٢) - إلا عند التعليق أو الإلغاء (٣) - فإن لم يتحقق له المفعولان المنصوبان لم يكن معناه "الظن" وإنما يكون معناه: "التلفظ المحض، ومجرد النطق"، وفي هذه الصورة يكون من النوع الأول "ا" الذي ينصب مفعولًا به واحدًا، ولا ينصب مفعولين؛ فمدلوله إن كان كلمة مفردة وقع عليها القول وجب اعتبارها مفعوله المنصوب مباشرة؛ مثل: أتقول: الجَوَّ؟؛ أي: أتنطق بكلمة: "الجَوّ" وإن كان مدلوله جملة اسمية أو فعلية فهي في محل نصب تسدّ مسدّ ذلك المفعول به الواحد، مثل: أتقول: الحروبُ خادمةٌ للعلوم؟ -أتقول: السَّلمُ الطويلة داءٌ؟ -. ومثل: أتقول: قد يجمع الله الشتيتين بعد اليأس من التلاقي؟ -أنقول: لا يضيع العُرف (٤) بين الله والناس؟ فمعنى "تقول" في هذه الجمل هو: تنطق، ومعنى "القول" في كل ما تقدم هو "النطق" لا الظن، والجملة بعده في الأمثلة المذكور: "مَقُولُ القول" ولا تُسمى محْكية بالقول إلا إذا سبق النطق بها قبل هذه المرة -كما أوضحما-.
وملخص ما تقدم: أن القول المستوفي للشروط (٥) إذا وقع له مفعولان منصوبان به كان بمعنى: "الظن" حتمًا، وتجري عليه أحكام "الظن" ولا وجود للحكاية هنا أو غيرها، -على الأرجح-. وإذا وقع له كلمة واحدة (هي التي قيلت) كان معناه: "مجرد النطق"، ونَصَبها مفعولًا به واحدًا، ولا تسمى هذه الكلمة محكية (٦)، مع أنها هي مفعوله المباشر. وكذلك إذا وقع له جملة اسمية أو فعلية كان معناه مجرد النطق أيضًا، ولكنه ينصب مفعولًا به واحدًا نصبًا غير مباشر؛ لأن الجملة التي بعده تكون في محل نصب؛ فتسدّ مسدّ المفعول به، وتسمى:
_________________
(١) لا غيم ولا مطر فيها.
(٢) ويجوز أن يحل محل المفعول به الثاني جملة، أو شبه جملة، (كما أسلفنا في أحكام الأفعال القلبية -"ا" ص٢٤- ومنها: القول بمعنى الظن) . وتكون الجملة في محلة نصب.
(٣) أو: عند قيام قرينة تدل على حذفهما، أو حذف أحدهما -كما سيجيء في ص٥٦ م٦٣.
(٤) المعروف والخير.
(٥) وهي موضحة في الصفحة الآتية.
(٦) إلا في الصورة التي تقدمت في رقم ٧ من هامش ص٤٧.
[ ٢ / ٤٩ ]
"مًقُول القول" دائمًا، ولا تسمى "محكية بالقول" إلا إذا سبق النطق بها.
فالقول بمعنى "الظن" لا حكاية معه -كما عرفنا- إذا وقع له مفعولاه المنصوبان. فإذا تغير ضبطهما وصارا مرفوعين أصاله (١) فإن معناه وعمله يتغيران تبعًا لذلك؛ إذ يصير معناه: النطق المجرد، ويقتصر عمله على نصب مفعول واحد فتكون الجملة الجديد اسمية في محل نصب، تسدّ مسدّ مفعوله.
***
شروط القول بمعنى الظن:
يشترط النحاة ما يأتي لإجراء القول مجرى الظن معنى وعملًا، طبقًا لما استنبطوه من أفصح اللغات العربية، وأكثرها شيوعًا:
(١) أن يكون فعلًا مضارعًا.
(٢) وأن يكون للمخاطب بأنواعه المختلفة (٢) .
(٣) وأن يكون مسبوقًا باستفهام (٣) .
(٤) وألا يَفصل بين الاستفهام والمضارع فاصل. لكنْ يجوز الفصل بالظرف، أو بالجار (٤) مع مجروره، أو بمعمول آخر للفعل، أو بمعمول معموله (٥) .
وكثير من النحاة لا يشترط عدم الفصل، ورأيه قوي، والأخذ به أيسر.
(٥) ألا يتعدى بلام الجر، وإلا وجب الرفع على الحكاية (٦)، نحو: أتقول للوالد فضلُك مشكورٌ؟.
فمثال المستوفي للشروط الخمسة: أتقول المنافقَ أخطرَ من العدو؟
أتقول الاستحمامَ ضارًّا بعد الأكل مباشرة؟.
_________________
(١) أي: بغير سبب إلغاء العامل.
(٢) المفرد وغير المفرد، والمذكر والمؤنث
(٣) سواء أكانت أداة الاستفهام اسمًا أم حرفًا، وسواء أكان المستفهم عنه الفعل أم بعض معمولاته
(٤) بشرط ألا يكون الجار هو اللام المعدية للمضارع، كما سيأتي في الشرط الخامس.
(٥) لا مانع من الفصل بأكثر من واحد مما ذكر.
(٦) ويكون القول بمعنى النطق، والجملة بعده في محل النصب سادة مسد مفعوله.
[ ٢ / ٥٠ ]
ومثال الفصل بالظرف: أفوق السحاب - تقول الطائرَ مرتفعًا؟.
وقوك الشاعر:
أبَعْدَ بُعْدٍ تقول الدارَ جامعةً شملي بهم، أم تقول البعدَ محتومًا
وبالجار مع مجروره: -أفي أعماق البحر- تقول الغواصةَ مقيمةً؟.
وبمعمول الفعل مباشرة: -أواثقًا- تقول الكيمياءَ دِعامةَ الصناعة؟ ومن هذا أن يفصل أحد المفعولين بين الاستفهام والفعل المضارع، كقول الشاعر:
أجُهَّالا تقول: بَنِي لُؤَيّ لعمر أبيك أم متجاهلينا
والأصل: أتقول بني لؤي جهالا
وبمعمول معموله: -أللأمن- تقول: العدلَ ناشرًا. والأصل: ناشرًا للأمن.
فإذا اختل شرط من الشروط السابقة لم يكن "القول" بمعنى: "الظن" فلا يكون بمعنى: "النطق والتلفظ"؛ فينصب مفعولًا به واحدًا لا محالة.
أما إذا استوفى شروطه مجتمعة فيجوز أن يكون كالظن معنى وعملا، على التفصيل الذي شرحناه. ويجوز -مع استيفائه تلك الشروط كاملة- أن يكون بمعنى: "النطق والتلفظ" فينصب مفعولًا به واحدًا فقط، وعندئذ يتعين أن يكون الاسمان بعده مرفوعين حتمًا -كما سلف- ويتعين إعرابهما مبتدأ وخبرًا في محل نصب، لتسد جملتُهما مسد المفعول به. فالأمران جائزان عند استيفائه الشروط (١) .
ولكن لكل منهما معنى وإعراب يخالف الآخر. والمتكلم يختار منهما ما يناسب المراد. فيصح: أتقول: الطائرَ مرتفعًا؟ كما يصح: أتقول: الطائرُ مرتفعٌ؟ ينصب الاسمين معًا، أو برفعهما على الاعتبارين السالفين المختلفين (١)؛ طبقًا للمعنى المقصود.
وهناك رأي آخر مستمَدّ من لغة قبيلة عربية اسمها: سُلَيْمٌ، وملخصه:
_________________
(١) (١ و١) فليس استيفاؤه الشروط موجبًا تنزيله منزلة "الظن". وإنما يجيز ذلك فقط. أما إجراؤه مجرى الظن فيوجب أولًا تحقيق الشروط كلها
[ ٢ / ٥١ ]
أن القول -ومشتقاته- إذا كان معناه: "الظن" فإنه ينصب مفعولين مثله.
وتجري عليه بقية أحكام "الظن" بغير اشتراط شيء من تلك الشروط الخمسة أو غيرها، فالشرط الوحيد عندهم أن يكون معناه: "الظن" (١) فإن لم يتحقق هذا الشرط يكن معناه -في الغالب- "النطق المجرد والتلفظ"، وينصب مفعولًا به واحدًا، ولهذا يجب رفع الاسمين بعده، واعتبار جملتها الاسمية في محل نصب تسدّ مسدّ مفعوله.
_________________
(١) ويروي بعض النحاة: أن "سُلما" لا يشترطون أن يكون معناه "الظن" فعندهم القول قد ينصب مفعولين دائمًا. وفي هذا الرأي ضعف. وقد أشرنا (في رقم ٤ من هامش ص٤٨) إلى وجوب فتح همزة "أن" الواقعة بعد "القول" إةذا كان معناه الظن، لأنه يحتاج إلى مفعولين؛ فيكون المصدر المؤول من "أن" مع معموليها في محل نصب سادًّا مسدّ المفعولين، ونشير هنا إلى أن الرأي السالف يساير لغة سليم وغيرها ما دام القول بمعنى الظن؛ لحاجته إلى ما بعده، فتفقد "إن" الصدارة في جملتها؛ فتفتح همزتها وجوبًا.
[ ٢ / ٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
(١) تضطرب أقوال النحاة فى اللفظ المحْكيّ بالقول، أيكون مفردًا وجلمة؛ أم يقتصر على الجملة فقط؟ أيكون ترديدًا ومحاكاة لنطق سابق به، أم يكون ابتداء كما يكون ترديدًا ومحاكاة؟ أيكون حكاية للقول بمعنى النطق والتلفظ فقط، أم يكون حكاية له بهذا المعنى، وبمعنى الظن أيضًا؟ إلى غير ذلك من صنوف التفريع؛ والخلف، والاضطراب الذي يخفي الحقيقة، ويُغَشَّى على وضوحها، ويكدّ الذهن في استخلاصها. وقد تخيرنا أصفى الآراء فيها، وقدمناه فيما سبق (١) . وللحكاية تفصيلات وأحكام أخرى في بابها الخاص، وأشرنا في الجزء الأول (٢) إلى بعض أحكامها.
(ب) الأصل (٣) في الجملة المحكية بالقول أن يذكر لفظها نصًّا كما سُمع من غير تغيير، وكما جرى على لسان الناطق بها أول مرى. لكن يجوز أن تحكَى بمعناها، لا بألفاظها (٤) فإذا نطق الناطق الأول، وقال حكمةً؛ هي: الأممُ الأخلاقُ "جاز لمن يحكيها بعده أن يرددها بنصها الحرفي، وبضطبها وترتيبها، فيرددها بالعبارة التالية: قال الحكيم: الأممُ الأخلاقُ". وجاز أن يرددها بمعناه مع مراعاة الدقة في المعنى؛ كما يأتي: قال الحكيم: الأمم ليست شيئًا إلا الأخلاق". أو: الأمم بأخلاقها". أو: ما الأمم إلا أخلاقها" وعلى هذا لو سمعنا شخصًا يقول: البرد قارس". لجاز في الحكاية أن نذكر النصّ بحروفه وضبطه وترتيبه: قال فلان: البرد قارس"، أو بمعناه: قال فلان: البرد شديد"
وإذا قالت فاطمة أنا كاتبة" -مثلًا- وقلتَ: لزينب أنت شاعرة"؛ فلك في الحكاية أن تذكر النصّ: (قالت فاطمة "أنا كاتبة"، وقلت لزينب "أنت شاعرة")، مراعاة لنَصّ اللفظ المحليّ فيهما، ولك أن تذكر المعنى: (قالت فاطمة "هي كاتبة"، وقلت لزينب "هي شاعرة"، أو: إنها شاعرة") مراعاة لذلك المعنى
_________________
(١) في ص٤٦ وما بعدها.
(٢) م٢ ص٣١.
(٣) ومراعاته أحسن.
(٤) إن لم يكن هناك ما يقتضي التمسك بالنص الحرفي لداع ديني، أو علمي، أو قضائي، أو نحو ذلك
[ ٢ / ٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فى حالة الحكاية؛ حيث تكون فيها فاطمة وزينب غائبتين وقت الكلام (١) .
فالحكاية بالمعنى لا تقتضى المحافظة على اسمية الجملة، أو فعليتها، أو نصّ
كلماتها، أو إعراب بعض كلماتها إعرابًا معينًا؛ وإنما تقتضى المحافظة على
سلامة المعنى، ودقته، وصحة الألفاظ، وصياغة التركيب، فيكفي فى الجملة
المحكية أن تكون صحيحة في مطابقة المعنى الأصلي، وسليمة من الخطأ اللفظي.
فإن كانت الجملة المحكية مشتملة فى أصلها على خطأ لغويّ أو نحويّ وجب
حكايتها بالمعنى للتخلص مما فيها من خطأ. إلا إن كان المراد إظهار هذا الخطأ،
وإبرازه لسبب مقصود؛ وعندئذ يجب حكايتها بما اشتملت عليه.
(ج) هل يُلحق "بالقول" الذى معناه النطق والتلفظ، ما يؤدى معناه
من كلمات أخرى؛ مثل:. ناديت، دعوت، أوحيت، قرأت - أوصيت -
نصحت وغيرها من كل ما يراد به: "النطق المجرد، والتلفظ المحض" فتنصب مفعولًا به أو مفعولين (٢)، على التفصيل الذي سبق؟.
الأنسب الأخذ بالرأي القائل: إنها تُلحق به في نصب المفعول والمفعولين، ما دامت واضحة الدلالة على معناه. ومن الأمثلة قوله تعالى: (ونادَوْا يا مالكُ: لِيَقْضِ علينا ربك)، وقوله تعالى: (﴿فَدَعَا رَبَّهُ: أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ بَكَسر الهمزة في قراءة الكسر. وقوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ ولا داعي للتأويل في هذه الآيات وغيرها بتقدير "قوْل" إذ لا حاجة للتقدير مع الدلالة الواضحة، وعدم فساد المعنى أو التركيب
أما إذا اقتضى المقام التقدير فلا مانع منه لسبب قوي، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ أيْ: فيقال لهم: أكفرتم؟ فهنا القول
_________________
(١) لأن ذكر اسميهما دليل -في الغالب- على غيابهما وقت حكاية الكلام، ولولا غيابهما لاتجه إليهما الخطاب: "قلت لك"- بدلًا من "قلت لفاطمة.. وقلت لزينب ". (راجع حاشية الصبان ج٢ آخر باب "ظن" وكذلك الخضري -وغيره- في هذا الوضع) .
(٢) طبقًا للرأي الذي يفيد أن سُليمًا -كما نقل بعض النحاة- تنصب بالقول مفعولين مطلقًا، (أي: ولو لم يكن بمعنى: الظن.، كما سبق في رقم ١ من هامش ص٥٢) .
[ ٢ / ٥٤ ]
محذوف (١) ولا بد من تقديره لصحة المعنى والأسلوب.
_________________
(١) هذا موضح من كل واضع حذفه جوازًا، لوجود كلام قبله يدل عليه وعلى مكانه، وهو قوله تعالى: (يوم تبيض وجوه إلخ) . ومثله قراءة من قرأ قوله تعالى فى سورة الشعراء: (﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ﴾ بالتاءين - لا بالياء فالتاء، وهذه قراءة أخرى -قال ابن جني في كتابه: "المحتسب - ج٢ ص١٢٧- عن هذه قال القراءة ما نصه: ("هو عندنا على إضماء القول فيه. وإيضاحه: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ﴾ . وقد كثر حذف القول عندهم، من ذلك قول الله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾، سلام عليكم ". أي: يقولون سلامٌ "عليكم") "اهـ". هذا، ومما سبق يظهر أن ابن جني من أصحاب الرأي الذي لا يلحق بالقول الذي معناه النطق والتلفظ ما يؤدي معناه؛ مثل: ناديت
[ ٢ / ٥٥ ]
المسألة ٦٣:
حذف المفعولين، أو أحدهما، وحذف الناسخ
الاختصار أصل بلاغيّ، لا يختص بباب، ولا يقتصر على مسألة،
ويراد به: حذف ما يمكن الاستغناء عنه من الألفاظ لداع يقتضيه. وهو جائز
بشرطين:
(١) أن يوجد دليل يدل على المحذوف، ومكانه (١) .
(ب) وألا يرتب على حذفه إساءة للمعنى، أو إفسادٌ فى الصياغة اللفظية (٢) .
واستنادًا إلى هذا الأصل القويم يصح الاختصار هنا بحذف المفعولين معًا
أو أحدهما. فمثال حذفهما معًا: - هل علمتَ الطيارةَ سابحةً فى ماء الأنهار؟.
فتجيب: نعم، علمتُ - هل حسبت الإنسان واصلا إلى الكواكب
الأخرى؟. نعم، حسبت ، أى: علمت الطيارَةَ سابحةً -وحسبت
الإنسانَ واصلًا
ومثال حذف الثانى وحده (وهو كثير): أيّ الكلامين أشدُّ تأثيرًا في الجماهير؛ آلشعرُ أم الخَطابة؟ فتقول: أظن الخطابة أي: أظن الخطابة أشدَّ
ومثال حذف الأول وحدع، (وحذفه أقل من الثاني): ما مبلغ علمك بخالد بن الوليد؟ فتقول: أعلم بطلا صحابيًّا من أبطال التاريخ. أيْ: أعلم خالدًاَ بطلا..
فقد صَحّ الحذف في الأمثلة السابقة؛ لتحقق الشرطين معًا. فإن لم يتحقق
_________________
(١) لأن عدم معرفة المحذوف يفسد المعنى فسادًا كاملًا، وعدم معرفة مكانه يؤثر في المعنى قليلًا أو كثيرًا؛ فلوضع الكلمة في الجملة أثر في المعنى. ولا فرق في الدليل (القرينة) بين أن يكون مَقَاليًّا؛ (أي: قولًا يدل على المحذوف) وأن يكون حاليًا: (أي: أمرًا آخر مفهومًا من الحال والمقام، بغير نطق ولا كلام. ولهذا إشارة في رقم ١ من هامش ص٢١٩ م٧٦، وراجع ج١ ص٣٦٢ م٣٧) .
(٢) يرى بعض النحاة الاقتصار على هذا الشرط؛ لأنه يتضمن معنى الشرط الأول. ولكنا ذكرناهما معًا مبالغة في الإيضاح والإبانة.
[ ٢ / ٥٦ ]
الشرطان معًا لم يجز الحذف (١)؛ فلا يصح فى تلك الأمثلة وأشباهها: علمت فقط،
ولا حسبت فقط؟ بحذف المفعولين فيهما. ولا يصح علمت الطيارة
ولا حسبت الإنسان بحذف المفعول الثانى فقط، ولا علمت سابحةً،
ولا حسبت واصلا؟ بحذف الأول. وهكذا امن كل ما فقد الشرطين
معًا؟ أو أحدهما.
واعتمادًا عك الأصل البلاغي السابق أيضًا يصح حذف الناسخ مع
مرفوعه؛ نحو: ماذا تزعم؟ فتجيب: الأخَ منتظرًا فى الحقل. أى:
أزعم (٢)
_________________
(١) ولا التفات لمن أباح: "الاقتصار"؛ وهو الحذف بغير دليل. لأن هذه الإباحة مفسدة.
(٢) في المسألتين الأخيرتين؛ (مسألة ٦٢: "القول" ومسألة ٦٣: "الحذف") يقول ابن مالك في الحذف: وَلاَ تُجِزْ هُنَا بِلاَ دَليلِ سُقُوطَ مَفْعُولَيْنِ، أَوْ مَفعُولِ. يريد: ليس من الجائز في هذا الباب سقوط مفعول (أي: حذفه) أو مفعولين. إلا بوجود دليل يدل على المحذوف. وكلامه مختصر، وقد وفيناه. ويذكر في القول: و"كَتَظُنُّ" اجْعَلْ: "تقُولُ" إنْ وَلِي مُسْتَفْهَمًا بِهِ. وَلَمْ يَنْفَصِل بغَيْرِ ظَرْفٍ، أَوْ كَظَرْفٍ، أَوْ عَمَلْ وإِنْ ببَعْضِ ذِي فَصَلْتَ يُحْتَمَلْ المعنى: اجعل "تقول" -وهي مضارع للمخاطب- مثل "تظن" في المعنى والعمل إن وليت: "تقول" مستفهمًا به، أي: إن جاءت "تقول" بعد أداة يُستفهم بها. (فوقوع الفعل "تقول" بعد الاستفهام شرط) . وشرط آخر؛ هو: ألا ينفصل الفعل المضارع: "تقول" عن أداة الاستفهام بفاصل غير الظرف. أما الظرف فيجوز أن يقع فاصلًا بينهما، كذا ما يشبه الظرف؛ وهو الجار مع مجروره. -وقد يطلق "الظرف" -أحيانًا- على شبه الجملة بنوعيه- وكذا كل شيء آخر وقع عليه عمل الفعل: "ظن" أو عَسَلُ معمول الفعل؛ كالأمثلة التي سبقت في الشرح. ثم بين الرأي الآخر في: "القول" بالبيت التالي: وأُجْريَ "القوْلُ"، "كَظَنٍّ" مُطْلَقَا عِنْدَ "سُلَيم"؛ نَحْو؛ قُلْ ذَا مُشْفِقَا أي: قبيلة "سليم" تجري القول مجرى الظن في المعنى، والعمل والأحكام المختلفة، من غير اشتراط شيء مطلقًا. إلا اشتراط أن يكون "القول" بمعنى "الظن" مثل: قل هذا مشفقًا. وقد سبق رأي آخر لهم. في رقم ١ من هامش ص٥٢.
[ ٢ / ٥٧ ]
المسألة ٦٤: أعلم أرى
أ فرح الحزين. أفرحت الحزين.
زهق الباطل. أزهق الحق الباطل.
لان المتشدد. ألانت الحوادث المتشدد.
ب سمع الصديق الخبر السار. أسمعت الصديق الخبر السار.
ورد الغائب أهله. أوردت الغائب أهله.
قرأ الأديب القصيدة. أقرأت الأديب القصيدة.
جـ علمت الحرفة وسيلة الرزق. أعلمت الغلام الحرفة وسيلة الرزق.
علم الشباب الاستقامة طريق السلامة. أعلمت الشباب الاستقامة طريق السلامة.
رأيت الفهم رائد النبوغ. أريت المتعلم الفهم رائد النبوغ.
رأى الخبراء الآثار كنوزًا. أريت الخبراء الآثار كنوزا.
الفعل نوعان: "لازم"؛ "أي: قاصر؛ لا ينصب بنفسه المفعول به" و"متعد"؛ينصب بنفسه مفعولًا به، أو مفعولين، أو ثلاثة، ولا يزيد عليها.
ولتعدية الفعل اللازم وسائل معرفة في بابه١، منها: وقوعه بعد "همزة النقل". "أي همزة التعدية"، فإذا دخلت همزة النقل على الفعل الثلاثي اللازم، أو الثلاثي المتعدي لواحد أو لاثنين غيرت حاله، وجعلت الثلاثي اللازم متعديًا لواحد - كأمثلة: "أ"- وصيرت الثلاثي المتعدي لواحد متعديًا
لاثنين -كأمثلة "ب"- وصيرت الثلاثي المتعدي لاثنين متعديًا لثلاثة -كأمثلة: "ج"- فشأنها أن تجعل فاعل الفعل الثلاثي مفعولًا به٢؛ فتنقله من حالة إلى أخرى تخالفها٣؛ فتسكب الجملة مفعولًا به جديدًا لم يكن له وجود قبل دخول همزة النقل
_________________
(١) ١ هو باب "تعدي الفعل ولزومه"، وسيأتي في ص١٥٠م ٧٠. ٢ كما سيجيء في ص١٥٨م ٧١، وفي رقم٢ من ص١٦٥. ٣ ولهذا سميت أيضًا: "همزة النقل".
[ ٢ / ٥٨ ]
على الفعل أما غير الثلاثي، فلا تدخل عليه هذه الهمزة.
ولا يكاد يوجد خلاف هام في أن التعدية بهمزة النقل على الوجه السالف قياسية في الثلاثي اللازم، وفي الثلاثي المتعدي بأصله لواحد١، إنما الخلاف في الثلاثي المتعدي بأصله لاثنين؛ أتكون تعديته بهمزة النقل مقصورة على فعلين من الأفعال القلبية؛ هما: علم -ورأى ٢- دون غيرهما من باقي الأفعال القلبية التي تنصب مفعولين، والتي سبق الكلام عليها٣ -أم ليست مقصورة على الفعلين المذكورين؛ فتشملهما، وتشمل أخواتهما القلبية التي مرت في الباب السالف؟
رأيان: وتميل إلى أولهما جمهرة النحاة، فتقصر التعدية على الفعلين المعينين "علم" و"رأى" ولا تبيح قياس شيء عليهما من أفعال اليقين، والرجحان وغيرهما، فلا يصح عندها أن تقول: أظننت الرجل السيارة قادمة، وأحسبته السفر فيها مريحًا، في حين يصح هذا عند بعض آخر يبيح القياس على الفعلين السالفين، ولا يرى وجهًا للتفرقة بينهما وبين نظائرهما من أفعال اليقين والرجحان التي تنصب مفعولين بحسب أصلها٤.
سواء أخذنا برأي الجمهرة أم بالرأي الآخر، فالفعل القلبي الناصب للمفعولين بحسب أصله، وبحسب رأي كل منهما في نوعه٥ سينصب ثلاثة بعد دخول
_________________
(١) ١ راجع الأشموني والصبان -ج١ أول باب: "تعدي الفعل ولزومه". ٢ سواء أكانت علمية كالأمثلة المذكورة، أم حلمية؛ وهي التي مصدرها "الرؤيا" المنامية، كقوله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ ﴾ . ٣ في ص٥، ثم راجع رقم٢ من ص ١٦٥ ورقم ١ من هامشها. ٤ وهذا رأي حسن اليوم؛ فإنه مع خلوه من التشدد والتضييق، يساير الأصول اللغوية العامة، ويلائم التعبير الموجز المطلوب في بعض الأحيان، فتقول: أظننت الرجل السيارة قادمة؛ بدلًا من جعلت الرجل يظن السيارة قادمة، إذ من الدواعي البلاغية، والاستعمالات اللازمة في العلوم الحديثة ما قد يجعل له التفضيل، فمن الخير إباحة الرأيين، وترك الاختيار للمتكلم يراعى فيه الملابسات. ٥ من ناحية أنه محصور في الفعلين السالفين دون غيرهما من أفعال القلوب، أو غير محصور فيهما، وإنما يشمل كل أفعال القلوب التي سبق شرحها.
[ ٢ / ٥٩ ]
همزة التعدية عليه، ومفعوله الثاني والثالث أصلهما المبتدأ والخبر، ويجري عليهما في حالتهما الجديدة ما كان يجري عليهما قبل مجيء همزة التعدية، فتطبق عليهما وعلى أفعالهما -وباقي المشتقات- والأحكام والآثار الخاصة بالأفعال القلبية التي سبق شرحها، ومنها: التعليق، والإلغاء، والحذف اختصارًا لدليل
فمن أمثلة التعليق: أعلمت الشاهد لأداء الشهادة واجب، وأريته إن١ كتمانها لإثم كبير، ومن أمثلة الإلغاء أو عدمه: النخيل أعلمت البدوي أنسب للصحراء -أو: أنسب للصحراء أعلمت البدوي النخيل- أو: النخيل أنسب للصحراء أعلمت البدوي، وأصل الجملة: أعلمت البدوي النخيل أنسب للصحراء، أما المفعول به الأول من الثلاثة فقد كان في أصله فاعلًا كما عرفنا، فلا علاقة له بهذه الأحكام والآثار الخاصة بالأفعال القلبية السالفة.
ومن أمثلة حذف المفعول به الثاني لدليل أن يقال: عرفت حالة المزرعة؟ فتجب: أعلمني الخبير جيدةً، أي: أعلمني الخبير المزرعة جيدة، ومثال حذف الثالث لدليل؛ أن يقال: هل علم الوالد أحدًا قادمًا لزيارتك؟ فتجيب: أعلمته زميلًا، أي: زميلًا قادمًا٢ لزيارتي ومثال حذف الثاني والثالث معًا أن تقول: أعلمته.
فإن كان الفعل: "علم" بمعنى: "عرف" أو كان الفعل: "رأى" بمعنى "أبصر" - لم ينصب كلاهما في أصله إلا مفعولًا به واحدًا كما سبق٣، نحو: علمت الطريق إلى النهر -رأيت الشهب المتساقطة، فإذا دخلت على أحدهما همزة التعدية صيرته ينصب مفعولين، نحو: أعلمت الرجل الطريق إلى النهر، وأريت٤ الغلام الشهب المتساقطة، وهذان المفعولان ليسا في الأصل مبتدأ وخبرًا؛ إذ لا يصح: الرجل الطريق -الغلام الشهب، ولهذا لا يصح
_________________
(١) ١ يوضح هذ المثال مع كسر همزة "إن" ما سبق في رقم٣ من هامش ص٣٣. ٢ المعنى الأساسي لا يتم إلا بهذه الكلمة، فلا تعرب حالا؛ لأن الحال فضلة. ٣ في ص١٣، ١٤. ٤ سبقت أحكام خاصة ببعض حالات هذا الفعل عند بنائه للمجهول، وطريقة إعرابه -في رقم٣ من هامش ص١٦ م٦٠.
[ ٢ / ٦٠ ]
تطبيق الأحكام وآثار الخاصة بالأفعال القلبية عليهما، إلا التعليق فجائز؛ ومنه قوله تعالى: ﴿رَبِّ أَرِنِي ١ كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ .
وقد نصت كتب اللغة على أفعال أخرى -قلبية وغير قلبية- قد ينصب كل فعل منها بذاته ثلاثة من المفاعيل، دون وجود همزة التعدية قبله، وأشهر تلك الأفعال خمسة: نبأ - أنبأ - حدث - أخبر - خبر مثل: نبات الطيار الجو مناسبًا للطيران - أنبأت البحار الميناء مستعدًا - حدثت الصديق الرحلة طيبة - أخبرت المريض الراحة لازمة - خبرت البائع الأمانة أنفع له، والكثير من الأساليب المأثورة أن يكون فيها تلك الأفعال الخمسة مبنية للمجهول، وأن يقع أول المفاعيل الثلاثة نائب فاعل مرفوعًا، ويبقى الثاني والثالث مفعولين صريحين، ومن الأمثلة قول الشاعر:
نبت نعمى على الهجران عاتبة سقيًا ورعيًا٢ لذاك العاتب الزاري
وقد جاء في القرآن "نبأ" ناصبًا مفعولًا واحدًا صريحًا، وسد مسد المفعولين الآخرين جملة "إن" مع معموليها، بعد أن علقت الفعل عنها باللام في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ فالآية تشتمل على فعل الأمر "أر"، وهو من "أرى" البصرية التي تنصب مفعولين بشرط وجود همزة التعدية قبلها، و"ياء المتكلم" هي مفعوله الأول، وجملة "كيف تحيي الموتى" في محل نصب سدت مسد المفعول الثاني، في الرأي الراجح، باعتبار "كيف: استفهامية معمولة للفعل: "تحي" "وقد سبق الكلام على إعراب "كيف" في ج١ ص ٤٦٢ م ٣٩، وسيجيء في رقم ٣ من هامش ص١١٣. ٢ في رقم ٣ من هامش ص ٢٢٢ بيان عن كلمتي "سقي ورعي"، وفي ج١ م٣٩ ص ٤٦٨ بيان أكمل. ٣ فيما سبق يقول ابن مالك في باب مستقل، عنوانه: "أعلم وأرى". إلى ثلاثة "رأى و"علما" عدوًا، إذا صارا: أرى وأعلما وما لمفعولي: "علمت مطلقًا" للثان والثالث: أيضًا حققا التقدير -وهو شرح أيضًا-: النحاة عدوا الفعل: "رأى" والفعل: "علم" إلى ثلاثة من المفاعيل إذا صار كل من الفعلين في صيغة جديدة؛ هي: "أرى، وأعلم"؛ حيث سبقتهما "همزة التعدية"، ثم بين أن ما ثبت لمفعولي "علم" من الأحكام المختلفة باعتبارهما في الأصل مبتدأ وخبرًا -يثبت للثاني والثالث هنا، فليس الثاني والثالث مع وجود همزة التعدية إلا الأول، والثاني قبل دخولها على فعلهما، "والألف في "علماء" وأعلما -وحققا- ألف الإطلاق الزائدة لوزن الشعر، ثم قال: =
[ ٢ / ٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
من الأساليب الفصيحة: أحب العلوم، ولا تر ما العلوم الكونية، أو: أحب العلوم، ولو تر ما العلوم الكونية بمعنى: ولا سيما العلوم الكونية.
وقد سبق الكلام مفصلًا على: "لا سيما" وعلى هذه الأساليب التي بمعناها ١- وسيجيء هنا لمناسبة أخرى٢.
_________________
(١) = وإن تعديا لواحد بلا همز، فلاثنين به توصلا والثان منهما كثاني اثني كسا فهو به في كل حكم ذو ائتسا يريد: إذا تعدى كل من "علم" و"رأى" إلى مفعول واحد قبل مجيء حرف التعدية "وهو: الهمزة"، فإن الفعل يتوصل بحرف الهمزة إلى مفعولين يتعدى لهما"، ليس أصلهما المبتدأ والخبر، الثاني منهما كالثاني للفعل: "كسا" في مثل: كسوت المحتاج ثوبًا؛ حيث لا يصلح الثاني في هذا المثال، وأشباهه أن يقع خبرًا للأول: إذ لا يصح: المحتاج ثوب ولما كان المفعول الثاني للفعل: "كسا" ليس خبرًا في الأصل -كان هو وفعله غير قابلين للأحكام الخاصة بالأفعال القلبية وآثارها، ومنها أن يكون جملة، وشبه جملة، والإلغاء و إلا التعليق فيجوز على الوجه الذي سبق في ص٦٠، ومثله المفعول الثاني للفعل: "علم" بمعنى "عرف" والفعل "رأى" بمعنى: "أبصر" كلاهما يشبهه في هذا الحكم، فالمفعول الثاني للفعل "علم" و"رأى" بالمعنيين المذكورين "ذو ائتسا" بالمفعول الثاني للفعل: "كسا" أي: ذو محاكاة ومتابعة واقتداء به فيما سبق، ثم قال ابن مالك: وكأرى السابق: نبا، أخبرا حدث، أنبأ، كذاك خبرا أي: مثل الفعل: "أرى" السابق أول الباب، في نصب ثلاثة من المفاعيل بضعة أفعال أخرى، سرد منها في البيت خمسة، وإنما قال "أرى" السابق ليبتعد عن "أرى" الذي بعده وهو الذي ينصب مفعولين بعد دخول همز التعدية، وماضيه هو: رأى، بمعنى: نظر. ١ في ج ١ م ٢٨ ص ٣٦٣ -الطبعة الثالثة. ٢ في "هـ" من ص ٣٦١.
[ ٢ / ٦٢ ]
المسألة ٦٥: الفاعل ١
تعريفه:
اسم، مرفوع، قبله فعل تام٢، أو ما يشبهه ٣، وهذا الاسم هو الذي فعل ٤ الفعل، أو قام به ٥.
_________________
(١) ١ للنحاة فيه تعريفات كثيرة، راعوا في أكثرها جانب اللفظية المنطقية، ولا بأس بهذا؛ لولا أنهم بالغوا حتى انتهوا إلى إطالة مذمومة لا تناسب التعريف، أو اختصار معيب؛ يحوي الغموض والإبهام، وقد اخترنا من تعريفاتهم ما خلا من العيبين السالفين، ومال إلى الوضوح، واليسر، وإن اشتمل على بعض أجزاء يعدها المناطقة من أحكام الفاعل، لا من تعريفه؛ مثل: الرفع، ولكن هذا لا أهمية له قديمًا وحديثًا. ٢ أي: ليس من الأفعال الناقصة -وهي النواسخ التي تحتاج إلى اسم وخبر، لا إلى فاعل؛ مثل: الفعل "كان" وأخواتها الفعلية- ويشترط في الفعل أيضًا أن يكون مبنيًا للمعلوم؛ لأن المبني للمجهول يحتاج إلى نائب فاعل في الأغلب، ولا يحتاج إلى فاعل، وإنما قلنا في "الأغلب" لتخرج الأفعال الملازمة للبناء للمجهول -فيما يقال- فإنها قد تحتاج لفاعل أحيانًا -وسيجيء البيان، والتفصيل في ص ١٠٨. ٣ من كل ما يعمل عمل الفعل؛ كالمصدر، واسم الفاعل، والصفة المشبهة، وباقي المشتقات العاملة التي سبق الكلام عليها "في الباب الأول، هامش ص٤، وغيره" وكاسم الفعل أيضًا، فالمصدر نحو عجبت من إتلاف المال محمد، واسم الفاعل؛ مثل: أصانع الثوب فتاة؟ والصفة المشبهة مثل: سحرنا الخطيب بكلام جميل أساليبه، قوي براهينه، وأفعل التفضيل؛ نحو: هذا الإكمال خلقه وهكذا، ما اسم المفعول فحكمه حكم المبني للمجهول، كلاهما يرفع نائب فاعل، "كما سيجيء"، ومثل الجامد المؤول بالمشتق؛ نحو: العدو نمر، أي: هو؛ لأنه بمعنى: غادر فهو جامد مؤول بالمشتق وفاعله ضمير مستتر فيه، وقد يكون ظاهرًا نحو: القائد، أسد هجماته، أي: القائد جريئة هجماته. "وقد سبق بيان الجامد المؤول بالمشتق في ج ١ص ٣٢٦ م٣٣ باب المبتدأ ". ٤ أو يفعله الآن، أو في المستقبل؛ ليشمل المضارع الذي يقع مدلوله الآن أو في المستقبل؛ ويشمل الأمر الذي يقع مدلوله في المستقبل؛ وكذا الفعل الذي قبله أداة تعليق؛ مثل: إن يحضر الغائب نستقبله، والفعل هنا قد يكون داخلًا في جملة إنشائية للمدح؛ مثل: نعم المحسن؛ لأن الفعل في بعض الجمل، ومنها الجمل الإنشائية التي للمدح، وفي التعريفات العلمية لا يدل على زمان -كما قرره المحققون، وأشرنا إليه هامش ج١ ص ٣١ م ٤- ولا فرق بين أن يكون معنى الفعل موجبًا أو منفيا؛ نحو: انتصر الشجاع، ولم ينتصر الجبان. ٥ يرد على البال السؤال عن الفرق المعنوي بين الفاعل الذي قام به الفعل، والمفعول به الذي وقع عليه الفعل؛ لأن المعنى اللغوي للعبارتين واحد، بحيث لو وضعت إحداهما مكان الأخرى ما تغير المعنى اللغوي =
[ ٢ / ٦٣ ]
فمثال الاسم، صريحًا، أو مؤولًا: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾، ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ ١، "شاع أن البغي وخيم العاقبة"، "اشتهر أن تنتقل العدوى من المريض للسليم".
ومثال ما يشبه الفعل: أواقف على الشجرة عصفورة - ما فرج أعداؤنا بوحدتنا وقوتنا، فكلمة: "عصفورة" فاعل للوصف؛ "وهو" واقف، اسم الفاعل" وكلمة: "أعداؤنا" فاعل للوصف: "فرح - الصفة المشبهة".
ومن أمثلة الفاعل الذي قام به الفعل أيضًا: اتسعت ميادين العمل في بلادنا، وتنوعت أسبابه؛ فلن يضيق الرزق بطالبيه ما داموا جادين.
_________________
(١) = إن الفرق اللفظي بين الفاعل والمفعول به معروف للنحاة؛ فالفاعل مرفوع، والمفعول به منصوب، وهذا الفرق اللفظي يستتبع عندهم فرقا اصطلاحيًا في معنى كل جملة، يوضحه ما يأتي: "تحرك الشجر"، كلمة: "الشجر" تعرب فاعلا نحويًا، لكن هذا الإعراب لا يوافق المعنى اللغوي الواقعي لكلمة: "فاعل"، وهو: "من أوجد الفعل حقيقة، وباشر بنفسه إبرازه في الوجود"؛ لأن الشجر لم يفعل شيئًا؛ إذ لا دخل له في إيجاد هذا التحرك، ولا في خلقه، وجعله حقيقة واقعة بعد أن لم تكن، فليس للشجر عمل إيجابي -مطلقا- في إحداث التحرك، وكل علاقته به أنه استجاب له، وتفاعل معه؛ فقامت الحركة به؛ وخالطته، ولابسته، من غير أن يكون له اختيار أو دخل في إيجادها، كما سبق، فأين الفاعل الحقيقي الذي أوجد التحرك من العدم، وكان السبب الحقيقي في إبرازه للوجود؟ ليس في الجملة ما يدل عليه، أو على شيء ينوب عنه، فإذا قلنا: حرك الهواء الشجر -تغير الأمر؛ فظهر الفاعل الحقيقي المنشئ للتحرك، وبان الموجد له، الذي أوقع أثره على المفعول به. مثال آخر: تمزقت الورقة، تعرب كلمة: "الورقة" فاعلًا نحويًا، وهذا الإعراب لا يوافق ولا يساير المعنى اللغوي لكلمة؛ "فاعل"، ولا يوافق الأمر الواقع؛ لأن الورقة في الحقيقة لم تفعل شيئًا؛ فلم تمزق نفسها، ولا دخل لها في تمزقها، ولا تشترك فيه بعمل إيجابي يحدثه؛ ولكنها تأثرت به حين أصابها، فأين الفاعل الحقيقي -لا النحوي- الذي أوجد التمزق، وجعله حقيقة قائمة بالورق؟ لا وجود له في الجملة، ولا دليل يدل عليه أو على شيء ينوب عنه، لكن إذا قلنا: مزق الطفل الورقة -ظهر الفاعل الحقيقي، واتضح من أوجد الفعل بمعناه اللغوي الدقيق. ومما سبق يتبين الفرق المعنوي بينهما، وأنه ينحصر في: أ- أن الفاعل النحوي -على الوجه السالف- ليس هو الفاعل الحقيقي، وإنما هو المتأثر بالفعل، وليس في الجملة ما يدل على ذلك الفاعل الحقيقي، أو على شيء ينوب عنه. ب- وأن المفعول به ليس فاعلًا نحويًا ولا حقيقيًا، وإنما هو المتأثر بالفعل، أيضًا، ولكن مع اشتمال جملته على الفاعل الحقيقي، أو ما ينوب عنه. ١ المراد بالاسم الصريح هنا: ما يشمل الضمير، كما في الآية.
[ ٢ / ٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
يكون الفاعل مؤولًا إذا وقع مصدرًا منسبكًا من حرف مصدري وصلته. وحروف المصادر خمسة١، لكن الذي يصلح منها للسبك في باب الفاعل ثلاثة٢؛ هي: "أن" - "أن" - "ما"، المصدرية بنوعيها، مثل: يسعدك أن تعمل الخير، ويسعدني أنك حريص عليه، "أي: يسعدك عمل الخير ويسعدني حرصك عليه" ومثل: ينفعك ما أخلصت في عملك - يسرني ما طالت ساعات الصفر، "أي: ينفعك إخلاصك في عملك -يسرني مدة ٣ إطالة ساعات الصفو"، فلا يوجد المصدر المؤول إلا من اجتماع أمرين مذكورين - غالبًا ١ في الكلام، هما: حرف سابك وصلته، ولا يجوز حذف أحدهما إلا "أن" الناصبة للمضارع
_________________
(١) ١ و١ حروف المصادر وتسمى: "حروف السبك"، خمسة، وهي: "أن الناصبة للمضارع أن مشددة ومخففة - ما - كي - لو "، وقد سبق الكلام على معناها، وصلتها، وكل ما يتعلق بها في ج ١ - آخر باب: الموصول - ص ٣٦٨ م ٢٩ من هذا الكتاب، وزاد عليها بعضهم همزة التسوية؛ فإنها من أدوات السبك عندهم، وهي التي تقع بعد كلمة: "سواء" ويليها صلتها مشتملة على لفظة "أم" الخاصة بهما. كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ ﴾ فالهمزة تسبك - بغير سابك - مع الجملة بعدها بمصدر يعرب هنا فاعلًا. والتقدير: إن الذين كفروا سواء - بمعنى: متساو - إنذارك وعدمه عليهم، فهم يعربون كلمة: "سواء" خبر "إن" والمصدر المؤول - من غير سابك - فاعل لكلمة "سواء" التي هي بمعنى اسم الفاعل. "وتفصيل الكلام على هذا في مكانه الخاص ج٣ باب العطف عند بيان أحوال "أم"، ص ٤٣١ م ١١٨ -وسبقت الإشارة له في ج ١ بآخر "باب الموصول" م ٢٩، كما قلنا. ٢ أما: "كي" المصدرية فلا تصلح للسبك في باب الفاعل؛ لأنها - في الغالب - تكون مسبوقة بلام الجر لفظًا، أو تقديرًا، فالمصدر المؤول منها ومن صلتها مجرور باللام؛ فلا يكون فاعلًا وكذلك: "لو" المصدرية؛ لأنها - في الغالب مسبوقة بجملة فعلية، فعلها "ود" أو "يود" - أو ما في معناهما، فالمصدر المنسبك منها ومن صلتها يعرب مفعولًا للفعل الذي قبلها ٣ بشرط أن يكون المراد: أن مدة الإطالة هي التي تسر، وليست الإطالة نفسها؛ وإلا كانت "ما" مصدرية فقط.
[ ٢ / ٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإنها قد تحذف وحدها وجوبا أو جوازا في مواضع معينة، وتبقى صلتها -كما سيجيء١- ومع حذفها في تلك المواضع تسبك مع صلتها الباقية مصدرا يعرب على حسب حالة الجملة، وقد حذفت سماعا في غير تلك المواضع، وبقيت صلتها أيضا، وهو حذف شاذ لا يصح القياس عليه، ومنه قولهم: وما راعني إلا يسير الركب، أي: إلا أن يسير الركب، والتقدير ما راعني إلا سير الركب، فالمصدر المؤول فاعل، ومثله: يفرحني يبرأ المريض، أي: أن يبرأ المريض والتقدير: يفرحني برء المريض، فالمصدر المنسبك فاعل، وهو نظير المسموع، وكلاهما لا يجوز القياس عليه، وإنما يذكر هنا لفهم المسموع الوارد في الكلام العربي القديم، دون محاكاته.
وقد دعاهم إلى تقدير "أن" حاجة الفعل الذي قبلها إلى فاعل، فيكون المصدر المنسبك منها ومن صلتها في محل رفع فاعلًا، ولولا هذا لكان الفاعل محذوفًا أو جملة: "يسير الركب - يبرأ المريض"، وكلاهما لا يرضى عنه النحاة، لمخالفته الأعم الأغلب.
وبهذه المناسبة نشير إلى أن الراجح الذي يلزمنا أتباعه اليوم يرفض أن تقع الجملة الفعلية أو الاسمية فاعلًا، وأما قوله تعالى في قصة يوسف: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّه﴾، فالفاعل ضمير مستتر تقديره، "هو" عائد على المصدر المفهوم من الفعل، أي: بدا لهم بداء، أي: ظهور رأي، وهذا أحد المواضع التي يستتر فيها الضمير - كما سبق٢.
وهناك رأي يجيز وقوعها فاعلًا مطلقًا، ورأى ثالث يجيز وقوعها فاعلًا بشرط أن تكون فعلية معلقة٣ بفعل قلبي، وأداة التعليق الاستفهام؛ كقوله
_________________
(١) ١ في الجزء الرابع، باب "إعراب الفعل" حيث الكلام على النواصب ثم الجوازم ٢ جـ١ ص١٨١ م٢٠ عند الكلام على "مرجع الضمير". ٣ شرحنا في الباب الأول: "ظن وأخواتها" التعليق وأدواته، ص٢٧.
[ ٢ / ٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تعالى: ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ ١، والرأي الأول أكثر مسايرة للأصول اللغوية، وأعبد من التشتيت والتفريق، وأثارهما السيئة في الإبانة والتعبير، فالاقتصار عليه أولى.
نعم إن كانت الجملة مقصودًا لفظها وحكايتها بحروفها وضبطها جاز وقوعها فاعلًا؛ لأنها -بسبب قصد لفظها- تعتبر بمنزلة الفرد؛ كأن تسمع صوتًا يقول: "رأيت البشير"، فتقول: "سرني رأيت البشير"؛ فتكون الجملة كلها باعتبارها كتلة واحدة متماسكة، فاعلًا، مرفوعًا بضمة مقدرة على آخره، منع من ظهروها حركة الحكاية٢.
_________________
(١) ١ تفصيل الكلام على حالات: "كيف الإعرابية والبنائية" في جـ١ م٣٩ ص٥٠٩. ٢ انظر رقم ٣ من هامش ص١١٩ حيث البيان الخاص بنوع الجملة التي تصلح نائب فاعل.
[ ٢ / ٦٧ ]
المسألة ٦٦: أحكام الفاعل
للفاعل أحكام تسعة، لا بد أن تتحقق فيه مجتمعة:
أولها: أن يكون مرفوعًا، كالأمثلة المتقدمة، ويجوز أن يكون الفاعل مجرورًا في لفظه، ولكنه في محل رفع، ومن أمثلته إضافة المصدر إلى فاعله؛ في نحو: يسرني إخراج الغني الزكاة؛ فكلمة: "الغني" مضاف إليه مجرور، وهي فاعل المصدر؛ إذ المصدر هنا يعمل عمل فعله١، "أخرج" فيرفع مثله فاعلًا، وينصب مفعولًا به، وأصل الكلام: يعجبني إخراج الغني الزكاة؛ ثم صار المصدر مضافًا، وصار فاعله مضافًا إليه مجرورًا في اللفظ، ولكنه مرفوع في المحل بحسب أصله٢، كما قلنا؛ فيجوز في تابعه "كالنعت، أو غيره من التوابع الأربعة٣"، أن يكون مجرورًا؛ مراعاة للفظه، أو مرفوعًا مراعاة للمحل، تقول: يعجبني إخراج الغني المقتدر الزكاة؛ برفع كلمة: "المقتدر" أو جرها.
ومن أمثلة ذلك أيضًا الفاعل المجرور بحروف جر زائد، ويغلب أن يكون حرف الجر الزائد هو: "من"، أو: "الباء"، أو: "اللام"، نحو: ما بقي من أنصار للظالمين -كفى٤ بالحق ناصرًا ومعينًا- هيهات لتحقيق الأمل بغير الجهد الصادق. فكلمة: "أنصار" مجرورة في اللفظ بحرف الجر الزائد: "من"، ولكنها في محل رفع فاعل، وكلمة: "الحق" مجرورة بحرف الجر الزائد: "الباء" في محل رفع؛ لأنها "فاعل"، وكذلك: كلمة: "تحقيق" مجرورة بلام الزائدة في محل رفع؛ لأنها فاعل لاسم الفعل: "هيهات".
_________________
(١) ١ في أول الجزء الثالث باب خاص بإعمال المصدر، وأحكامه المختلفة، وكذا اسم المصدر. ٢ ومثل المصدر المضاف لفاعله اسم المصدر في نحو: يسرني عطاء الغني الفقير. فكلمة "عطاء" اسم مصدر الفعل: "أعطى" الذي مصدره: إعطاء، وقد أضيف اسم المصدر لفاعله، ونصب مفعوله، ففاعله مجرور اللفظ، مرفوع المحل. ٣ في آخر الجزء الثالث باب مستقل لكل واحد منها. ٤ فعل ماض، معناه: وفي وأغنى: "حصل به الاستغناء"
[ ٢ / ٦٨ ]
فالفاعل في الأمثلة الثلاثة وأشباهها مجرور اللفظ، مرفوع المحل؛ بحيث لو جاء بعده تابع "كالعطف، أو غيره من التوابع الأربعة" لجاز في تابعه الرفع والجر؛ كما أسلفنا- ففي المثال الأول نقول: ما بقي من أنصار وأعوان١ للظالمين؛ بالجر والرفع في كلمة: "أعوان" المعطوفة، وفي المثال الثاني نقول: كفى بالحق والأخلاق يجر كلمة: "الأخلاق" ورفعها، وفي الثالث هيهات لتحقيق الأمل والفوز بجر كلمة: "الفوز" ورفعها٢.
ثانيها: أن يكون موجودًا -ظاهرًا، أو مستترًا- لأنه جزء أساسي ٣ في
_________________
(١) ١ إذا كان المعطوف معرفة والمعطوف عليه مجرورًا بمن الزائدة؛ مثل: ما بقي من أنصار والجنود ، وجب في المعطوف الرفع فقط - كما يقول النحاة - لأن "من" الزائدة لا تكون جارة زائدة - في الرأي الأغلب - إلا بشرطين - كما سيجيء في ص ٤٦٢ - أن تكون مسبوقة بنفي أو شبهه، وأن يكون المجرور بها نكرة، ولما كان المعطوف في حكم المعطوف عليه، ويعد معمولًا مثله لحرف الجر الزائد: "من" وجب عندهم أن يكون نكرة كالمعطوف عليه، فإن لم يكن مثله لم يصح أن يكون معمولا للحرف "من" فلا يصح فيه الجر، ويجب فيه الاقتصار على الرفع، وكذا إن كان المعطوف عليه نكرة وأداة العطف: "لكن" أو: "بل"؛ لأن المعطوف بهما بعد النفي والنهي يكون مثبتًا؛ فلا يصح جره؛ لأنه بمنزلة المجرور بالحرف "من" والمجرور به لابد أن يكون نكرة منفية. "راجع إيضاح الكلام على: "بل" و"لكن" في ج١ ص ٤٤٣ م ٤٣، وفي باب العطف جزء ٣". هذا تلخيص كلامهم، وهو مناقض لما يقولونه في مواضع مختلفة؛ من أنه يغتفر في الثواني "أي في التوابع وأشباهها" ما لا يغتفر في الأوائل -راجع البيان ص ٣٣٨ م ٨١، وله إشارة ٦٣٢- وبنوا على هذا أحكامًا كثيرة؛ فلا داعي هنا لخروجهم على ما قرره، وتشددهم وتضييقهم. والرأي -عندي- تطبيق قاعدتهم السابقة على توابع الفاعل المجرور؛ فيجوز في توابعه الجر مطلقًا؛ مراعاة للفظ المجرور، والرفع مراعاة لمحله، وليس في هذا ضرر لفظي أو معنوي بل فيه تيسير، وتخفف، وتقليل للتفريغ. ٢ وإلى ما سبق يشير ابن مالك بقوله: الفاعل الذي كمرفوعي: أتى زيد منيرًا وجهه، نعم الفتى وقد اكتفى في تعريف الفاعل بذكر أمثلة مستوفية للشروط هي: أتى زيد فكلمة "زيد" فاعل للفعل المتصرف: "أتى" وكلمة: "وجه" فاعل للوصف المشبه للفعل؛ وهو: "منير" اسم فاعل، و"الفتى" فاعل للفعل الجامد: "نعم"؛ فقد عدد الفاعل تبعًا لأنواع العامل. ٣ الجزء الأساسي في الجملة، أو الأصيل، هو: الذي لا يمكن الاستغناء عنه في أداء معناها الأصلي، ويسميه النحاة: عمدة، ومنه: المبتدأ - الخبر - الفاعل - كثير من أنواع الفعل
[ ٢ / ٦٩ ]
جملته؛ لا بد منه، ولا تستغني الجمة عنه لتكملة معناه الأصيل مع عامله؛ ولهذا لا يصح حذفه.
ويستثنى من هذا الحكم أربعة أشياء١ كل منها يحتاج للفاعل، ولكنه قد يحذف -وجوبًا، أو جوازًا- لداع يقتضي الحذف؛ وهي:
أ- أن يكون عامله مبينًا للمجهول؛ نحو: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، ومثل: إن القوي يخاف بأسه. وأصل الكلام: كتب الله عليكم الصيام إن القوي يخاف الناس بأسه ثم بني الفعل للمجهول، فحذف الفاعل وجوبًا: وحل مكانه نائب له.
ب- أن يكون الفاعل واو جماعة أو ياء مخاطبة، وفعله مؤكد بنون التوكيد؛ كالذي في خطبة أحد القواد
" أيها الأبطال، لتهزمن أعداءكم، ولترفعن راية بلادكم خفاقة بين رايات الأمم الحرة العظيمة فأبشري يا بلادي "فوالله لستمعن أخبار النصر المؤزر٢، ولتفرحن بما كتب الله لك من عزة، وقوة، وارتقاء".
"وأصل الكلام: تهزمونن - ترفعونن - تسمعينن - تفرحينن - حذفت نون الرفع لتوالي الأمثال، ثم حذفت وجوبًا واو الجامعة وياء المخاطبة، لالتقاء الساكنين"٣.
جـ- أن يكون عامله مصدرًا؛ مثل: إكرام الوالد٤ مطلوب، والحذف هنا جائز.
_________________
(١) ١ زاد عليها بعض النحاة، ولكن الزيادة لم تثبت على التمحيص، ولم يرض عنها المحققون "راجع الخضري ج ١، والصبان ج٢ أول باب الفاعل عند الكلام على مواضع حذفه" بل إنهم لم يرضوا عن هذه الأربعة، وقالوا هناك: إن الحذف فيها ظاهري فقط، وليس بحقيقي، ولهم أدلتهم المقبولة القوية، وإن كنا قد وقفنا وسطًا. ٢ البالغ الشديد. ٣ الكلام على هذا الحذف من نواحيه المختلفة مدون بالجزء الأول ص ٢ المسألة السادسة، أما التفصيل الأكمل ففي ج ٤ ص ١٢٩ م ١٤٣، بابي: نون التوكيد، ثم الإعلال والإبدال. ٤ يرى بعض النحاة: أن المصدر جامد، فلا يتحمل ضميرًا مستترًا فاعلًا، إن حذف فاعله الظاهر، إلا أن كان نائبًا من عامله المحذوف فيتحمل ضميره "راجع ص ٢٢١"، ويرى بعض آخر أنه جامد مؤول بمشتق فهو محتمل للضمير، ففاعله مستتر فيه "راجع: رقم ٢ ص ١١٣ ورقم ٢ من هامش ص ٢٢١".
[ ٢ / ٧٠ ]
د- أن يحذف جوازًا مع عامله لداع بلاغي، بشرط وجود دليل يدل عليهما مثل: من قابلت؟ فتقول: صديقًا١، أي: قابلت صديقًا.
وفي بعض الأساليب القديمة التي نحاكيها اليوم ما قد يوهم أن الفاعل محذوف في غير المواضع السالفة، لكن الحقيقة أنه ليس بمحذوف، ومن الأمثلة لهذا: أن يتكلم اثنان في مسألة، يختلفان في تقديرها، والحكم عليها، ثم ينتهي بهما الكلام إلى أن يقول أحدهما لصاحبه: إن كان لا يناسبك فافعل ما تشاء، ففاعل الفعل المضارع: "يناسب" ليس محذوفًا، ولكنه ضمير مستتر تقديره: "هو" يعود إلى شيء مفهوم من المقام، أي: إن كان لا يناسبك رأيي، أو نصحي، أو الحال الذي أنت فيه٢.
ومنها: أن يعلن أحدهما رأيه بقوة وتشدد؛ فيقول أحد السامعين: ظهر -أو: تبين- أو: تكشف يريد: ظهر الحق أو تبين الحق أو: تكشف الحق.
وقصارى القول: لا بد -في أكثر٣ الحالات- من وجود الفاعل اسمًا ظاهرًا، أو ضميرًا مستترًا أو بارزًا، وقد يحذف أحيانًا؛ كما في تلك المسائل الأربعة. وحذفه في المسألتين الأوليين واجب، أما في الأخيرتين فجائز.
_________________
(١) ١ ليس من اللازم في هذه الصورة، وأشباهها من كل اسم مذكور وحده -أن يعرب مفعولًا به بل يصح إعرابه شيئًا آخر يناسب الغرض والمقام؛ كأن يكون مبتدأ خبره محذوف، أو العكس أو أو أو أو ٢ سبق الكلام على هذا الوضع عند الكلام على مرجع الضمير ج١ ص ٢٣٠ م١٩. ٣ انظر ص ٧٢.
[ ٢ / ٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
هناك أفعال لا تحتاج إلى فاعل مذكور أو محذوف؛ منها: "كان"١ الزائدة؛ مثل: المال - كان - عماد للمشروعات العمرانية.
ومنها الفعل التالي لفعل آخر؛ ليؤكده توكيدًا لفظيًا؛ مثل: "اقترب - اقترب - القطار"؛ "فتهيأ - تهيأ - له"، فالفعل الثاني منهما مؤكد للأول توكيدًا لفظيًا، فلا يحتاج لفاعل٢ مع وجود الفاعل السابق.
ومنها أفعال اتصلت بآخرها: "ما" الكافة: "أي: التي تكف غيرها عن العمل، وتمنع ما اتصلت به أن يؤثر في معمول" مثل: طالما - كثر ما - قلما، نحو: "طالما أوفيت بوعدك، وكثر ما حمدت لك الوفاء، وقلما٣ يخلف النبيل وعده"، ويعرب كل واحد فعلًا ماضيًا مكفوفًا عن العمل "أي: ممنوعًا" بسبب وجود "ما" التي كفته، وقد يقال في الإعراب: طالما - أو كثر ما - أو: قلما - "كافة ومكفوفة" بمعنى: أن كل كلمة من الاثنتين كفت الأخرى، ومنعتها من العمل، فهي كافة لغيرها، ومكفوفة بغيرها.
وهناك رأي أفضل؛ يعرب الفعل ماضيًا، ويعرب "ما" مصدرية، والمصدر المنسبك منها ومن صلتها في محل رفع فاعل الفعل الماضي؛ فالتقدير: طال إيفاؤك بوعدك - وكثر حمدي لك الوفاء - وقل إخلاف النبيل وعده، وإنما كان هذا الرأي أفضل؛ لأنه يوافق الأصل العام الذي يقضي بأن يكون لكل فعل أصلي فاعل؛ فلا داعي لإخراج هذه الأفعال من نطاق ذلك الأصل٤.
هذا ويقول اللغويون: إن تلك الأفعال - هي - في الرأي الأحسن الجدير بالاتباع - لا يليها إلا جملة فعلية؛ كالأمثلة السابقة.
_________________
(١) ١ تفصيل الكلام على زيادتها، وفائدتها وإعرابها في ج ١ ص ٤٢٨ المسألة: ٤٤. ٢ ولا لشيء آخر من المعمولات "طبقا للبيان التفصيلي الآتي في باب التوكيد"، ج ٣ - م ١١٦ ص ٥١٠. ٣ نستعمل: "قلما" في أغلب الأساليب لإثبات الشيء القليل؛ كهذا المثال المذكور بعد، وقد تستعمل في بعض الأساليب للنفي المحض؛ فتكون حرفا نافيًا -لا فعلًا- مثل: "ما" النافية، و"لا" النافية نحو: قلما يسلم السفيه من المكاره. أي: ما يسلم ولا بد في استعمالها حرف نفي من وجود قرينة تدل على هذا والأحسن ترك هذا الاستعمال القليل -بالرغم من جوازه- قراره من اللبس. ٤ ولأن العلة التي يذكرونها لكف الفعل في مثل: "قلما" وعدم احتياجه للفاعل -وهي كما جاء في المعنى -شبهه في معناه للحرف: "رب" علة واهية. وعلى اعتبار "ما" كافة، يجب وصلها بالفعل الذي قبلها في الكتابة؛ فتشبك بآخره، أما على اعتبارها مصدرية فيجب فصلها في الكتابة.
[ ٢ / ٧٢ ]
ثالثها: وجوب تأخيره عن عامله، كالأمثلة السالفة، وقد يوجد في بعض الأساليب الفصحى ما يوهم أن الفاعل متقدم، والواقع أنه ليس بفاعل في الرأي الأرجح؛ ففي مثل: "الخير زاد"، لا نعرب كلمة: "الخير" فاعلًا مقدمًا، وإنما هي مبتدأ، وفاعل الفعل بعده ضمير مستتر تقديره: "هو" يعود على الخير، والجملة الفعلية خبر المبتدأ، وفي مثل: إن ملهوف استعان بك فعاونه، تعرب كلمة: "ملهوف" فاعلًا١ بفعل محذوف يفسره الفعل بعدها؛ والتقدير: إن استعان بك ملهوف -استعان بك- فعاونه، ومثله: إن أحد استغاث بك فأغثه
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾، فالفاعل لا يكون متقدمًا، ما الاسم التقدم على الفعل في تلك الأمثلة وأشباهها فقد يعرب حينًا، مبتدأ، وفاعل الفعل الذي بعده ضمير مستتر يعود على ذلك الاسم، وقد يعرب في حالات أخرى فاعلًا لفعل محذوف يفسره المذكور بعده٢، أو غير هذا من الأوجه الإعرابية الصحيحة التي تبعده عن أن يكون فاعلًا متقدمًا.
رابعها: الشائع أن يتجرد عامله "فعلًا كان، أو شبه فعل" من علامة في آخره تدل على التثنية، أو على الجمع حين يكون الفاعل اسمًا ظاهرًا مثنى أو جمعًا، نحو: طلع النيران -أقبل المهنئون- برعت الفتيات في الحرف المنزلية، فلا
_________________
(١) ١ بيان السبب في ص ١٤٤. ٢ هذا رأي فريق كبير من النحاة، وخاصة البصريين ويرى غيرهم -ولا سيما الكوفيين- جواز تقدم الفاعل على عامله، وهم يعربون الاسم الظاهر المرفوع من الأمثلة المذكورة فاعلًا. وبالرغم من الميل للتيسير وتقليل الأقسام يبدو رأي البصريين هنا أقرب مسايرة للأًصول اللغوية؛ ذلك أن مهمة "المبتدأ" البلاغية تختلف عن مهمة "الفاعل"، فلا معنى للخلط بينهما، وإزالة الفوارق التي لها آثارها في المعنى -كما سيجيء إيضاحه مفصلًا في مكانه المناسب ص ١٤٤ من باب "الاشتغال". وفي الحكم الثاني والثالث يقول ابن مالك: وبعد فعل فاعل، فإن ظهر فهو، وإلا فضمير استتر أي: أن الفعل لا بد له -في الأغلب- من فاعل بعده، فإن ظهر فهو المطلوب، ولا استتار ولا حذف، وإلا فهو ضمير مستتر أو محذوف إن كان الموضع موضع حذفه.
[ ٢ / ٧٣ ]
يصح في الأمثلة السابقة وأشباهها -طبقًا، للرأي الشائع- أن يتصل بآخر الفعل ألف تثنية، ولا واو جماعة، ولا نون نسوة؛ فلا يقال: طلعًا النيران -أقبلوا المهنئون- برعن الفتيات١ إلا على لغة تزيد هذه العلامات مع وجود الفاعل الظاهر بعدها، وهي لغة فصيحة٢، ولكنها لم تبلغ من درجة الشيوع والجري على ألسنة الفصحاء ما بلغته الأولى التي يحسن الاكتفاء بها اليوم، والاقتصار عليها؛ إيثارًا للأشهر -وتوحيدًا للبيان- مع صحة الأخرى.
ومثل الفعل في الحكم السابق ما يشبهه في العمل، فلا يقال في اللغة الشائعة: هل المتكلمان غريبان؟ هل المتكلمون غريبون، بإعراب كلمتي: "غريبان" و"غريبون" فاعلًا للوصف، ويجوز على اللغة الأخرى٣.
_________________
(١) ١ لا يقال هذا ولو كانت التثنية والجمع من طريق التفريق والعطف بالواو؛ مثل: طلعا الشمس والقمر حضروا محمود، وصالح؛ وحامد تعلمن فاطمة، ومية وبثينة ٢ لأن الوارد المسموع بها كثير في ذاته، وإن كان قليلًا بالنسبة للوارد من اللغة الأخرى، ولا معنى لما يتكلفه بعض النحاة من تأويل ذلك الوارد المشتمل على علامة التثنة، أو الجمع مع وجود الفاعل الظاهر بعد تلك العلامة؛ قاصدًا بالتأويل إدخال تلك الأمثلة تحت حكم آخر لا يمنع اجتماع الضمير مع ذلك الاسم المرفوع في جملة فعلية واحدة؛ فهذا خطأ منهم؛ إذ المقرر أن القلة النسبية لا تمنع، القياس، وأنه لا يصح إخضاع لغة قبلية للغة أخرى ما دامت كلتاهما عربية صحيحة. ويستدل الذين يجيزون الجمع من الأمرين بأمثلة كثيرة: منها قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وقوله تعالى: ﴿عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ بإعراب كلمة: "الذين" وكلمة "كثير" هي "الفاعل" والواو حرف محض وللدلالة على الجمع، وعليها قول الشاعر: جاد بالأوال حتى حسبوه الناس حمقا وقول الآخر: لو يرزقون الناس حسب عقولهم ألفيت أكثر من ترى يتكفف ولا داعي عندهم لإعراب الواو فاعلًا، مع إعراب الاسم الظاهر بدلًا، أو غيره من ضروب التأويل التي منها إعراب الاسم الظاهر مبتدأ متأخرًا، وتكون الجملة الفعلية قبله خبرًا متقدمًا ومن البديه أن محاكاة القرآن في ألفاظه المفردة والمركبة محكاة دقيقة أمر سائغ بل مطلوب، فإذا حاكيناه في مثل الآيتين السابقتين -وغيرهما- كانت المحاكاة الدقيقة صحيحة قطعًا، ولا يجرؤ أحد أن يصف التركب بالخطأ، ومن شاء بعد ذلك أن يؤول تعبيراتنا بمثل ما أول من الآيتين فليفعل، فليس يعنينا إلا صحة التركيب المساير للقرآن وسلامته من الخطأ، سواء أكانت صحته وليدة التأويل أم غيره، فالمهم الصحة لأنوع التعليل. ٣ لعل الأخذ باللغة الأخرى التي تزيد هذه الحروف في آخر الفعل -أحسن في حالة الوصف؛ =
[ ٢ / ٧٤ ]
خامسها: أن عامله قد يكون مضمرًا "أي: محذوف اللفظ" جوازًا أو وجوبًا:
أ- فيكون العامل مضمرًا "أي: محذوف لفظه" جوازًا إذا وقع جواب استفهام ظاهر الأداة، تشتمل جملته على نظير العامل المحذوف، نحو: من انتصر؟ فتجيب: الشجاع، أي: انتصر الشجاع ونحو: أحضر اليوم أحد؟ فتجيب: الضيف، أي: حضر الضيف
أو يكون في جواب استفهام ضمني مفهوم من السياق من غير تصريح بأدائه ودلالته؛ نحو: ظهر المصلح فاشتد الفرح به ؛ العلماء - القادة - الجنود - أي: فرح العلماء - فرح القادة - فرح الجنود فكان سائلًا سألك من فرح به؟ فكان الجواب: العلماء و؛ فالاستفهام غير صريح، ولكنه مفهوم من مضمون الكلام، ومثل: ازدحم الطريق؛ الأولاد، السيارات، الدراجات أي: زحمه الأولاد، زحمته السيارات زحمته الدراجات فليس في الكلام استفهام صريح، وإنما فيه استفهام ضمني، أو مقدر يفهم من السياق؛ فكأن أصل الكلام: من زحمه؟ فأجيب: الأولاد، أي: زحمه الأولاد، ومثل: العيد بهجة مأمولة، وفرحة مشتركة: الكبار، الأطفال، الرجال، النساء ففي الكلام سؤال ضمني أو مقدر؛ هو: من يشترك فيها؟ فأجيب: الكبار.. و. أي: يشترك فيه الكبار. .. و..، ومثل: لم يدخل الحزن قلبك لموت فلان، فتقول: بل أعظم الحزن. فكأن أصل الكلام: هذا أصحيح؟ فأجبت أعظم الحزن، أي بل دخله أعظم الحزن
_________________
(١) = لأنه أيسر وأوضح -كما سبق أن قلنا في باب المبتدأ والخبر عند الكلام على الوصف- ج ١ ص ٣٣٠ م ٣٤، وفي الحكم الرابع يقول ابن مالك: وجرد الفعل إذا ما أسندا لاثنين، أو جمع كفاز الشهدا وقد يقال: سعيدا وسعدوا والفعل للظاهر بعيد مسند يقول: لا تلحق بآخر الفعل الذي فاعله اسم ظاهر -مثنى أو جمع- علامة تثنية أو جمع، وساق مثالًا لذلك: "فاز الشهداء" فالفاعل جمع تكسير للرجال، وفعله مجرد من علامة جمع الرجال؛ فلم يقل: فازوا الشهداء، ثم عاد فقال: إنه قد يصح في بعض اللغات زيادة علامة التثنية والجمع على اعتبارها مجرد علامة حرفية، وليست ضميرًا فاعلًا؛ لأن الفاعل اسم ظاهر مذكور بعدها، والفعل قلبه؛ فنقول: سعدا الرجلان، وسعدوا الرجال.
[ ٢ / ٧٥ ]
وهكذا١.
ب- ويكون العامل مضمرًا وجوبًا إذا وقع مفسرًا بما بعد فاعله من فعل آخر "أو ما يشبهه" يعمل في ضمير يعود على الفاعل الظاهر السابق، أو: في اسم مضاف إلى ضمر٢ يعود على ذلك الفاعل؛ نحو: إن ضعيف استنصرك فانصره - إن صديق حضر والده فأحسن استقباله، فالفعل: "استنصر" و"حضر" هو المفسر للفعل المحذوف، وأصل الكلام: إن استنصرك ضعيف استنصرك، وفاعل الفعل المفسر ضمير مستتر تقديره: "هو" يعود على فاعل الفعل المحذوف. وكذلك فاعل الفعل: "حضر" فإنه مفسر لفعل محذوف، والتقدير: إن لابس صديق؛ حضر والده فأحسن استقباله٣، فالضمير في كلمة: "والده" مضاف إليه، والمضاف هو كلمة: "الوالد" المعمولة للفعل المفسر: "حضر" وفي هذين المثالين وأشباههما لا يجوز الجمع بين المفسر والمفسر؛ لأن المفسر هنا يدل على الأول، ويغني عنه؛ فهو كالعوض، ولا يجوز الجمع بين العوض والمعوض عنه٤.
سادسها: أن يتصل بعامله علامة تأنيث تدل على تأنيثه "أي: على تأنيث الفاعل حين يكون مؤنثًا، هو، أو نائبه"٥، وزيادتها على الوجه الآتي:
_________________
(١) ١ يجوز في الأسماء التي أعريناها فاعلًا لفعل محذوف إعرابات أخرى لغير ما نحن فيه. ٢ هذا الاسم المضاف يسمى: "الملابس للفاعل، أي: الذي يجمعه به صلة أي صلة؛ كقرابة، أو صداقة، أو عمل، أو تملك ٣ سيجيء في باب: "الاشتغال" تفصيل المسألة، وتوضيحها، وسبب اختيارهم هذا الإعراب -ص ١٤٠ م٦٩ و١٤٥ وما بعدهما. ٤ وفي الحكم الخامس يقول ابن مالك: ويرفع الفاعل فعل أضمرا كمثل: زيد، في جواب: من قرا؟ يريد أن الفاعل قد يكون مرفوعًا بفعل مضمر، "أي: غير مذكور مع فاعله"، وضرب لهذا مثالًا هو: أن يسأل سائل: من قرأ؟ فيجاب: زيد: أي: قرأ زيد. واكتفى بهذا عن سرد التفصيل الخاص بهذا الحكم وقد ذكرناه. ٥ وكذلك تدل على تأنيث اسم الناسخ إن كان العالم من النواسخ، وتمتنع التاء، في مواضع سنذكر في "هـ" من ص ٨٤.
[ ٢ / ٧٦ ]
أ- إن كان العامل فعلًا ماضيًا لحقت آخره تاء التأنيث الساكنة١، مثل قول شوقي في سكينة بنت الحسين بن علي: ﵄:
كانت سكينة تملأ الدنيا وتهزأ بالرواة
روت الحديث، وفسرت آي الكتاب البينات
ب- إن كان العامل مضارعًا فاعله المؤنث اسم ظاهر، للمفردة، أو لمثناها أو جمعها، لحقت أوله تاء متحركة: مثل: تتعلم عائشة، تتعلم العائشتان -تتعلم العائشات، وكذلك إن كان فاعله ضميرًا متصلًا للغائية المفردة أو لمثناها٢، مثل: عائشة تتعلم٣- العائشتان تتعلمان، ومثل قولهم: عجبت للباغي كيف تهدأ نفسه، وتنام عيناه، وهو يعلم أن عين الله لا تنام؟ وكالمضارع تملأ" و"تهزأ" في البيت السالف.
فإن كان فاعله ضميرًا متصلًا لجمع الغائبات "أي: نون النسوة"، فالأحسن - وليس بالواجب٤- تصديره بالياء، لا بالتاء؛ استغناء بنون النسوة في آخره؛ نحو: الوالدات يبذلن الطاقة في حماية الأولاد، ويسهرن الليالي في رعايتهم. ويصح: تبذلن، تسهرن ولكن الياء أحسن -كما تقدم.
ج- إن كان العامل وصفًا٥ لحقت آخره تاء التأنيث المربوطة٦؛ مثل:
_________________
(١) ١ وفي هذا يقول ابن مالك: وتاء تأنيث تلي الماضي إذا كان لأنثى؛ كأبت هند الأذى والفاعل في مثاله مؤنث حقيقي، وقد يكون مؤنثًا - مجازيًا؛ "كالعين؛ والطلول" في قول الشاعر: وتلفتت عيني؛ فمذ خفيت عني الطلول، تلفت القلب ومن الأمثلة أيضًا قول الشاعر - وفيه الفاعل مؤنث لفظي مجازي: إذا أبقت الدنيا على المرء دينه فما فاته منها فليس بضائر ٢ أما تاء المخاطبة للمفردة، ومثناها، وجمعها؛ فليست تاء تأنيث؛ وإنما هي للدلالة على الخطاب لا على التأنيث؛ نحو: أنت يا زميلتي لا تعرفين العبث - أنتما يا زميلتي لا تعرفان العبث- أنتن يا زميلاتي لا تعرفن العبث. ٣ الضمير المستتر نوع من المتصف -كما سبق في ج ١ م ١٨ ص ١٩٨ باب الضمير. ٤ كما سبق تفصيل هذا في باب الفعل "ج١ م٤ رقم ٢ من هامش ص ٤٦ عند الكلام على: المضارع وكذا في "ج" ص ١٨١ م١٤ عند الكلام على الأفعال الخمسة. ٥ أي: اسمًا مشتقًا. ٦ انظر "ج" من ص ٨٤ حيث التكملة.
[ ٢ / ٧٧ ]
أساهرة والدة الطفل؟.
وحكم زيادة تاء التأنيث عام ينطبق على المواضع الثلاثة السالفة " أ - ب - ج " غير أن زيادتها قد تكون واجبة، وقد تكون جائزة، فتجب في حالتين.
الحالة الأولى: أن يكون الفاعل اسمًا ظاهرًا، حقيقي التأنيث١، متصلًا
_________________
(١) ١ المؤنث أنواع اصطلاحية، فمنه: "المؤنث الحقيقي" وهو الذي يلد ويتناسل. وقد يكون تناسله من طريق البيض والتفريخ؛ كالطيور. ومنه: " المؤنث المجازي"، وهو الذي لا يلد ولا يتناسل، ولكنه يجري في أغلب استعمالاته اللفظية على حكم المؤنث الحقيقي فيؤنث له الفعل أحيانًا، وكذلك الصفة والخبر، ومن أمثلته: شمس، أرض، سماء ومن الأنواع: "المؤنث اللفظي" وهو الذي يشتمل لفظه على علامة تأنيث؛ سواء أكان مؤنثًا حقيقي، أم مجازيًا، أم دالًا على مذكر، فمن أمثلة المؤنث اللفظي والحقيقي معًا: عائشة - فاطمة - ليلى - سعدى - نجلاء، ومن أمثلة المؤنث اللفظي والمجازي معًا: ورقة، صحيفة، صحراء، ومن أمثلة المؤنث اللفظي ومعناه مذكر: طلحة، معاوية وهناك نوع من المؤنث يسمونه "المؤنث المعنوي" فقط هو: ما كان دالًا على مؤنث مطلقًا، مع خلو لفظه من علامة تأنيث. ونوع آخر يسمونه: "المؤنث تأويلًا"؛ كالكتاب، مرادًا به: الصحيفة: وكاللسان، مرادًا به الرسالة. ونوع آخر؛ يقال له: "المؤنث حكمًا" وهو المذكر المضاف لمؤنث؛ نحو كلمة: "كل" في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾، ونحو كلمة: "صدر" في قول الشاعر: "وتحطمت صدرا لفتاة على العدا" فكلمة: "كل" مذكرة، وكذا كلمة: "صدر"، ولكنهما في المثالين مؤنثتين؛ فقد اكتسبتا التأنيث من المضاف إليه وأنث الفعل لتأنيثهما، وهذا النوع وكذا المؤنث تأويلًا مع جواز استعماله وصحة محاكاته يقتضينا أن نقتصد في استعماله، منعًا للشبهة اللغوية: وحيرة السامع والقارئ، فإن خيف اللبس باستعماله وجب العدول عنه، نزولًا على الصالح اللغوي. وليس من اللازم أن توجد لأمة لفظية للتأنيث في المؤنث الحقيقي، أو المجازي: فقد توجد كبعض الأمثلة السابقة: أو لا توجد مثل: زينب، سعاد، مي ومثل: عين، أذن، يد " وفي الجزء الرابع -ص ٤٣٧ م١٦٩- الباب الشامل الخاص بالتأنيث، وأقسامه المتعددة، وعلاماته، وأحكامه المختلفة". وقد أشار ابن مالك إلى حالتي الوجوب بقوله: وإنما تلزم فعل مضمر متصل أو مفهم ذات حر يريد: أن علامة التأنيث تكون لازمة في الفعل فاعله ضمير متصل مستتر، أو بارز - يعود على مؤنث مطلقًا، وكذلك في الفعل الذي فاعله اسم ظاهر متصل به ما يفهم، ويدل على مؤنثة حقيقية
[ ٢ / ٧٨ ]
بعامله مباشرة١، غير مراد منه الجنس، وغير جمع٢ وما يجري مجراه كقولهم: سعدت امرأة عرفت ربها حق المعرفة؛ فأطاعته: وشقيت امرأة لم تراقبه في السر والعلن، ويلاحظ التفصيل الآتي:
١- إن كان الفاعل اسمًا ظاهرًا مؤنثًا حقيقيًا، ولكنه مفصول من عامله بفاصل جاز تأنيث العامل وعدم تأنيثه٣؛ نحو: نسق الزهر مهندسة بارعة، أو نسقت ومثل: ما صاح إلا طفلة صغيرة، أو: صاحت، وعدم التأنيث هو الأفصح حين يكون الفاصل كلمة: "إلا" ٤ والأفصح مع غيرها التأنيث٥.
_________________
(١) ١ لزم التأنيث في هذه الحالة باق إذا عطف على الفاعل مذكر؛ نحو: قامت عائشة ومحمد، كما يلزم التذكير في عكسه؛ مثل: قام محمد وعائشة، أما قولهم يغلب المذكر على المؤنث عند الاجتماع فخاص بنحو: عائشة ومحمد قائمان. "راجع الصبان" وانظر ما يتصل بهذا في رقم ٤ من هامش ص ٨٣. ٢ بأن يكون مفرد، أو مثنى؛ لأن للمجموع حكمًا سيجيء هنا. ٣ سواء أكان الفاصل ضميرًا كالذي في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ أم غير ضمير كالأمثلة التي ستجيء. ٤ أو: غير، أو سوى مع ملاحظة أن كلمة: "غير" أو: "سوى" هي التي تعرب فاعلًا، ولكنها مضافة إلى المؤنث. ٥ وفي هذا يقول ابن مالك: وقد يبيح الفصل ترك التاء في نحو: أتى القاضي بنت الواقف يريد: أن الفصل بين الفعل وفاعله الظاهر المؤنث الحقيقي الذي وصفناه -يبيح تجريد الفعل من علامة التأنيث، وضرب لذلك مثلًا هو: أتى - القاضي - بنت الواقف، ويصح أتت القاضي، ولولا الفصل لوجب تأنيث الفعل، ثم قال: والحذف مع فضل بإلا فضلا كما زكا إلا فتاء ابن العلا وفي رأي ابن مالك أن عدم التأنيث مفضل على التأنيث حين يكون الفاصل كلمة: "إلا" مثل: ما زكا إلا فتاة ابن العلا؛ ما صلحت إلا فتاة الرجل المعروف بابن العلا، ثم قال: والحذف قد يأتي بلا فصل ومع ضمير ذي المجاز في شعر وقع أي: أن العامل الذي فاعله مؤنث ظاهر حقيقي قد يتجرد من علامة التأنيث مع عدم وجود فاصل؛ نحو: قال فتاة، وكذلك قد تحذف علامة التأنيث من العامل الذي فاعله ضمير متصل -مستتر، أو بارز- يعود على مؤنث مجازي "ذي مجاز، أي: صاحب مجاز" نحو الأرض اهتز بالأمس اهتزازًا شديدًا، ثم انشق بعد ذلك وهذا الحذف شاذ لا يصح محاكاته، ولا القياس عليه.
[ ٢ / ٧٩ ]
٢- وكذلك يصح الأمران إن كان الفاعل ظاهرًا، ومؤنثًا حقيقيًا غير مفصول، ولكن لا يراد به فرد معين، وإنما يراد به الجنس كله ممثلًا في الفاعل: فكأن الفاعل رمز لجنس معناه، أو مرادٌ به ذلك الجنس كله، ومنه "الفاعل" الذي فعله: "نعم" أو"بئس" أو أخواتهما١، فيجوز إثبات علامة التأنيث في العامل وحذفها: نحو: نعم الأم، ترعى أولادها، وتشرف على شئون بيتها فكلمة "الأم" هنا لا يراد بها واحدة معينة، وإنما يرمز بها إلى جنس الأم من غير تحديد ولا تخصيص، وهذا على اعتبار "أل" جنسية٢؛ فيجوز أن يقال: نعم الأم، ونعمت الأم٣.
٣- وكذلك إن كان الفاعل ظاهرًا ولكنه جمع تكسير للإناث، أو الذكور فيصح تأنيث العامل، وعدم تأنيثه؛ نحو: عرفت الفواطم طريق السداد، واتبعت الهنود سبل الرشاد، ويصح: عرف واتبع ؛ فالتأنيث على قصد تأويل الفاعل بالجماعة، أو الفئة، وعدم التأنيث على قصد تأويله بالجمع أو الفريق؛ فكأنك في الحالة الأولى تقول: عرفت جماعة الفواطم طريق السداد، واتبعت جماعة الهنود سبل الرشاد، وكأن: في الحالة الثانية تقول: عرف جميع الفواطم ٤ واتبع جمع الهنود ٤ فالتأنيث ملاحظ فيه معنى "الجماعة"، والتذكير ملاحظز فيه معنى " الجمع"، وكأن العامل مسند إلى هذه أو تلك؛ ويجري التأنيث أو التذكير على أحد الاعتبارين.
ومثل قولهم؛ إذا دعا البدوي استجاب سكان الحي لدعوته؛ فأسرع الرجال
_________________
(١) ١ في الجزء الثالث باب خاص بهما، وبألفاظ المدح والذم الأخرى. ٢ وليست للعهد، ومقتضى ذلك -كما قالوا، ونصوا على أنه لا بعد فيه- جواز الأمرين في مؤنث قصد به الجنس؛ نحو: صار المرأة متعلمة كالرجل. ومثل هذا: ما قام من امرأة؛ فيصح زيادة تاء التأنيث وعدم زيادتها؛ لأن "من" أفادت الجنسية، بخلاف ما قامت امرأة؛ لكون المراد بها الفرد، وإنما جاء العموم من النفي ٣ ليس من اللازم في هذه الصورة أن يكون الفاعل ظاهرًا، فقد يكون ضميرًا مفسرًا بنكرة بعده، نحو: نعم فتاة عائشة؟
(٢) ٤ وإنما صح حذف التاء من الفعل مع أن فاعله اسم ظاهر حقيقي التأنيث؛ لأن تأويله بمعنى " الجمع" جعله بمنزلة المذكر مجازًا؛ فأزال المجازي الطارئ ما كان يلاحظ لأجل التأنيث الحقيقي كما أزال التذكير الحقيقي في "رجال " في الصورة التالية.
[ ٢ / ٨٠ ]
إليه، وبادر الفتيان لنجدته ويجوز: استجابت - أسرعت - بادرت؛ فيجري التأنيث أو التذكير هنا - كما في سابقتها - على أحد الاعتبارين.
ويجري على اسم الجمع١ واسم الجنس الجمعي٢ المعرب٣، ما يجري على جمع التكسير؛ نحو: قالت طائفة لا تسالموا العدو، ونحو: شربت البقر ويجوز: "قال، وشرب"٤
٤- وإن كان الفاعل الظاهر جمع مؤنث ساملًا - مستوفيا للشروط ٥- فحكمه كحكم مفرده؛ فيجب تأنيث عامله - في الرأي الأقوى- كقولهم: بلغت الأعرابيات في قوة البيان وبلاغة القول مبلغ الرجال، وكانت الشاعرات تجيد
_________________
(١) ١ هو ما يدل على ما يدل عليه الجمع، ولكن ليس له مفرد من لفظه، مثل: قوم - رهط - طائفة، أو: هو ما يدل على أكثر من اثنين، وليس له مفرد من لفظه ومعناه معًا، وليست صيغته على وزن خاص بالتكسير، أو غالب فيه - فيدخل فيه اسم الجمع ماله مفرد من معناه فقط، مثل: إبل وقوم، وجماعة؛ فلهذه الكلمات - وأشباهها - مفرد من معناها فقط، فمفرد إبل هو: جمل أو ناقة: ومفرد قوم وجماعة هو: رجل أو امرأة، وليس لها مفرد من لفظها ومعناها معًا، وبرغم دلالتها على أكثر من اثنين، وسنعيد هذا البيان مفصلًا في ج ٤ باب "جمع التكسير"، م ١٧٤ ص ٦٢٥ وباب "التأنيث" م١٦٩ - حيث الكلام في: "ج" على تذكير أسماء الجمع وتأنيثها و لمناسبة تقتضيه هناك. ٢ سبق تعريفه وكل ما يتصل به في ج ١ م ١ ص ٢٠، وانظر حكم مفرده في: "أ" ص ٨٤. ٣ بخلاف المبني مثل "اللذين" في رأي من يعتبرها اسم جنس جميعًا "وانظر" "أ" في ص ٨٤ حيث تتمة الحكم الخاص بعامل اسم الجنس الجمعي. ٤ وفي جمع التكسير وفي فاعل "نعم" وأخواتها، "وهي التي سبق الكلام عليها قبل جمع التكسير -ص ٨١" يقول ابن مالك: والتاء مع جمع سوى السالم من مذكر كالتاء مع إحدى اللبن أي: تاء التأنيث التي تزاد في العامل على تأنيث الفاعل - حكمها من ناحية وجودها أو الاستغناء عنها، كحكمها في العامل الذي يكون فاعله هو كلمة: "اللبن" "بمعنى: الطوب الذي لم يطبخ بالنار ولم يدخلها" حيث يقال: تكاثر اللبن، أو تكاثرت اللبن؛ بزيادة تاء التأنيث أو بحذفها؛ فكذلك الشأن في كل جمع سوى جمع المذكر السالم المستوفي للشروط -وجمع المؤنث السالم المستوفي أيضًا- فلم يبق جمع سواهما إلا جمع التكسير، فكأنه يريد أن يقول: إذا كان الفاعل جمع تكسير جاز في عامله التأنيث؛ نحو: قام الرجال، وقامت الرجال، على نحو ما شرحناه، ثم قال: والحذف في "نعم الفتاة" استحسنوا لأن قصد الجنس فيه بين ٥ سبقت شروطه في جـ١ ص١٠٠ المسألة ١٢.
[ ٢ / ٨١ ]
القريض كالشعراء، وربما سبقت شاعرة كثيرًا من الفحول
فإن لم يكن مستوفيًا للشروط جاز الأمران؛ نحو: أعلنت الطلحات السفر، أو أعلن "جمع: طلحة، اسم رجل"، وكقول بعض المؤرخين: "لما تمت "أذرعات" ١ نباء وعمرانًا هيأ واليها طعامًا للفقراء، ونظر فإذا جمع من النساء مقبل؛ فقال: الحمد لله، أقبل أولات الفضل من عملن بأنفسهن، وساعدن بأولادهن؛ ابتغاء مرضاة الله " فيصح في الفعلين: "تم " "أقبل " زيادة تاء التأنيث في آخرهما، أو عدم زيادتها.
وبديه أن الفاعل إذا كان جمع مذكر سالمًا مستوفيًا للشروط، لا يجوز -في الرأي الأصح- تأنيث عامله وإنما يحكم له بحكم مفرده، كقولهم: "أسرع المحاربون إلى لقاء العدو، فرحين، ولم يتزحزح الواقفون في الصفوف الأمامية، ولم يتقهقر الواقفون في الصفوف الخلفية؛ حتى كتب الله لهم النصر، وفاز المخلصون بما يبتغون".
فإن كان غير مستوف للشروط٢ جاز الأمران على الاعتبارين السالفين - "معنى الجمع أو معنى الجماعة" نحو: أظهر أولو العلم في السنوات الأخيرة عجائب؛ لم يشهد الأرضون مثلها من بدء الخليقة، وشاهد العالمون من آثار العبقرية ما جعلهم يرفعون العلم والعلماء إلى أعلى الدرجات؛ فيصح في الأفعال المذكورة عدم إلحاق علامة التأنيث بها كما هنا، أو زيادتها فيقال: أظهرت - تشهد - شاهدت
٥ وإن كان الفاعل الظاهر مؤنثًا غير حقيقي "وهو: المؤنث المجازي" صح تأنيث عامله وعدم تأنيثه؛ نحو: امتلأت الحديقة بالأزهار -تمتلئ الحديقة بالأزهار، ويصح: امتلأ، ويمتلئ.
٦- هناك صور للفاعل المؤنث الحقيقي لا يصح أن يؤنث فيها عامله، منها: أن يكون الفعل هو التاء التي للمفردة؛ مثل: كتبت - أو لمثناها؛ نحو كتبتما،
_________________
(١) ١ اسم بلد بالشام. ٢ ومن هذا أن يدخل على صيغة المفرد عند الجمع تغيير -أي تغيير- في عدد الحروف، أو في ضبطها.
[ ٢ / ٨٢ ]
أو التي معها نون النسوة؛ مثل كتبتن١ أو يكون الفاعل هو: "نا" التي لجماعة المتكلمات؛ نحو: كتبنا، أو نون النسوة، نحو: كتبن.
ومنها: أن يكون الفاعل المؤنث الحقيقي مجرورًا في اللفظ بالباء التي هي حرف جر زائد، وفعله هو: كلمة؛ "كفى" مثل: "كفى بهند شاعرة"٢.
الحالة الثانية٣: أن يكون الفاعل ضميرًا متصلًا عائدَا على مؤنث مجازي، أو حقيقي؟ كقولهم: بلادك أحسنت إليك طفلًا، وأفاءت عليك الخبر يافعًا؛ فمن حقها أن تسترد جزاءها منك شابًا وكهلًا، وكقولهم: الأم المتعلمة تحسن رعاية أبنائها؛ فترفع شأن بلادها٤، ففاعل الأفعال "وهي: أحسن - أفاء - تسترد" ضمير مستتر تقديره: "هي" يعود على مؤنث مجازي، وأما فاعل الفعلين: "تحسن - ترفع "، فضمير مستتر تقدير: "هي" يعود على مؤنث حقيقي
فإن كان الفاعل ضميرًا بارزًا منفصلًا كان الأفصح الشائع في الأساليب العالية عدم تأنيث عامله: نحو: " ما فاز إلا أنت يا فتاة الحي" - "الفتاة ما فاز إلا هي" - "إنما فاز أنت - إنما فاز هي"، ووأشباه هذه الصور مما يقال عند إرادة الحصر، ومع أن التأنيث جائز فإن الفصحاء يفرون منه.
_________________
(١) ١ طريقة إعراب هذا الضمير ونظائره موضحة تفصيلًا في موضعها الأنسب وهو "كيفية إعراب الضمير" ج ١ م ١٩ ص ٢١٣. ٢ نص النحاة على أن يكون الفعل هو: "كفى" الذي يكون فاعله مجرورًا بحرف الباء الزائدة، ويفهم من هذا أن غيره من الأفعال التي فاعلها مجرور بحرف جر زائد - قد يتصل بها علامة تدل على تأنيث ذلك الفاعل، بل إنهم ذكروا أمثلة للتأنيث بمناسبة عارضة في باب النائب عن الفاعل، ومن تلك الأمثلة قوله تعالى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى﴾ . ٣ سبقت الأولى من حالتي التأنيث في ص ٨٧. ٤ ملاحظة: التأنيث في صور الحالة الثانية واجب ولو عطف على الفاعل مذكر؛ نحو: البنت قامت - هي - والوالد؛ كوجوبه في نحو: قامت البنت والوالد- كما يلزم التذكير في عكسه؛ نحو: الوالد قام هو والبنت؛ كوجوبه في نحو: قام الوالد والبنت، أما قولهم: "يغلب المذكر على المؤنث عند الاجتماع فخاص بنحو: البنت والوالد قائمان، الوالد "ولهذا إشارة موضحة سبقت في رقم ١ من هامش ص ٧٩.
[ ٢ / ٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- اسم الجنس الجمعي الذي يفرق بينه وبين واحدة بالتاء المربوطة - إذا وقع مفرده هذا فاعلًا وجب تأنيث عامله مطلقًا؛ "أي: سواء أكان من الممكن تمييز مذكره من مؤنثه: كبقرة وشاة، أم لم يمكن؛ كنملة ودودة"؛ فيقال: سارت بقرة - أكلت شاة - دأبت نملة على العمل - ماتت دودة.
أم اسم الجنس المفرد الخالي من التاء الذي لا يمكن تمييز مذكره من مؤنثه فيجب تذكير عامله، ولو أريد به مؤنث؛ مثل: صاح هدهد - غرد بلبل، فإن أمكن تمييز مذكره من مؤنثه روعي في تأنيث العامل، وعدم تأنيثه ما يدل عليه التمييز، فالمعمول عليه في تأنيث عامل اسم الجنس المفرد الخالي من التاء، أو عدم تأنيثه - هو مراعاة اللفظ عند عدم التمييز.
ب - إذا كان الفاعل جمعًا يجوز في عامله التذكير والتأنيث "كجمع التكسير"، فإن الضمير العائد على ذلك الفاعل يجوز فيه أيضًا التذكير والتأنيث؛ نحو: قامت الرجال كلهم -أو قام الرجال كلها، والأحسن لدى البلغاء موافقة الضمير للعامل في التذكير وعدمه؛ نحو: قامت الرجال كلها، أو قام الرجال كلهم، ونحو: حضرت الأبطال كلها، أو: حضر الأبطال كلهم، وذلك ليسير الكلام على نسق متماثل.
ج- كما تلحق تاء التأنيث الفعل في المواضع السابقة تلحق أيضًا الوصف - كما سبق١- إلا إذا كان الوصف مما يغلب عليه ألا تلحقه التاء في بعض حالاته، مثل: "فعول" بمعنى: "فاعل"؛ كصبور، وجحود ومثل: "فعيل" بمعنى: مفعول؛ كطريح وطريد، بمعنى: مطروح، ومطرود٢، ومثل: "أفعل التفضيل"٣ في بعض صوره، وكذلك لا تلحق آخر اسم الفعل٤، كهيهات. ولا العامل
_________________
(١) ١ في "جـ" من ص٧٧. ٢ بيان هذا وتفصيله في الباب الخص بالتأنيث جـ٤ م١٦٩ ص٤٣٧. ٣ له باب مستقل في جـ٣ م١١٢ ص٣٢٢. ٤ له باب مستقل في جـ٤ م١٤١ ص١٠٨.
[ ٢ / ٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إذا كانت شبه جملة على الرأي الذي يجعل شبه الجملة رافعًا فاعلًا بشروط اشترطها، وهو رأي يحسن إغفاله اليوم.
د- إذا قصد لفظ كلمة ما؛ "اسمًا كانت، أو فعلًا، أو حرفًا" جاز اعتبارها مذكرة على نية: "لفظ" أو مؤنثة على نية: "كلمة"، وكذلك حروف الهجاء في الرأي الأشهر؛ تقول في كلمة سمعتها مثل: "هواء" أعجبني الهواء، أو: أعجبتني الهواء، فالأولى على إرادة: أعجبني لفظ: "الهواء" والثانية على إرادة: أعجبتني كلمة: "الهواء"، وتقول في إعراب: "أعجب" إنه فعل ماض، أو إنها فعل ماض.
وتقول "أل" هو: حرف يفيد التعريف أحيانًا: أو: هي حرف تفيد التعريف أحيانًا، وهكذا.
وتنظر للحروف الهجائي "الميم" مثلًا فتقول: إنه جميل المنظر، أو إنها جميلة المنظر
وعلى حسب التذكير أو التأنيث في كل ما سبق، ونظائره - يذكر أو يؤنث العامل والضمائر وغيرها من كل ما يتصل بالمطابقة.
هـ- الأحكام الخاصة بالتذكير والتأنيث المترتبين على وقوع الفاعل مفردا مؤنثًا، تطبق أيضًا حين وقوعه مثنى مؤنثًا، فيجري على عامل الفاعل المؤنث المثنى، وعلى الضمائر العادة عليه من التذكير والتأنيث، ما يجري عليهما مع الفاعل المفرد المؤنث -كما يفهم مما سبق- كما سبق حكم العامل مع الفاعل المجموع١.
_________________
(١) ١ في ص٨٠.
[ ٢ / ٨٥ ]
سابعها: أن يتقدم - أحيانًا - على المفعول به؛ كالأمثلة السابقة، وكقول الشاعر:
وإذا أراد الله امرًا لم تجد لقضائه ردًّا ولا تحويلًا
ولهذا التقدم أحوال ثلاث؛ فقد يكون واجبًا، وقد يكون ممنوعًا، وقد يكون جائزًا.
أ- فيجب الترتيب بتقديم الفاعل وتأخير مفعوله في مواضع، أشهرها:
١- خوف اللبس الذي لا يمكن معه تمييز الفاعل من المفعول به؛ كأن يكون كل منهما اسمًا مقصورًا؛ نحو: ساعد عيسى يحيى، أو مضافًا لياء المتكلم؛ نحو: كرم صديقي أبي١، فلو تقدم المفعول به على الفاعل لخفيت حقيقة كل منهما، وفسد المراد بسبب خفائها؛ لعدم وجود قرينة تزيل هذا الغموض٢، واللبس. فإن وجدت قرينة لفظية أو معنوية تزيله لم يكن الترتيب واجبًا، فمثال اللفظية: أكرمت يحيى سعدى، فوجود تاء التأنيث في الفعل دليل على أن الفاعل هو المؤنث "سعدى"، ومثل: كلم فتاه يحيى؛ لأن عودة الضمير على "يحيى" دليل على أنه الفاعل، وأنه متقدم في الرتبة٣، برغم تأخره في اللفظ، "ولهذا يسمى المتقدم حكمًا، ولم يكن معولًا به لكيلا يعود الضمير على شيء متأخر في اللفظ والرتبة؛ وهذا
أمر لا يساير الأساليب الصحيحة التي تقضي بأن الضمير لا بد أن يعود على متقدم في الرتبة، إلا في بعض مواضع ٤ معينة، ليس منها هذا الموضع.
ومثال المعنوية: أتعبت نعمى الحمى، فالمعنى يقتضي أن تكون "الحمى" هي الفاعل؛ لأنها هي التي تتعب "نعمى"، لا العكس.
_________________
(١) ١ يقع اللبس في صور كثيرة؛ فيشمل كل الأسماء التي يقدر على آخرها الإعراب، كالمقصور، وكالمضاف إلى ياء المتكلم، وكالأسماء التي تعرب إعرابًا محليًا، ومنها "المبنيات"ح كأسماء الإشارة، وأسماء الموصول ٢ لا التفات لما يقال من أن مخالفة الترتيب جائزة مع اللبس، فهذا كلام لا يساير الأصول اللغوية العامة، ولا يوافق القصد من التفاهم الصريح بالكلام. ٣ بيان الرتبة والدرجة ملخص في رقم ١ من هامش ص ٨٨. ٤ سبقت في باب الضمير ج ١ ص ١٨٤ م ١٠.
[ ٢ / ٨٦ ]
٢- أن يكون الفاعل ضميرًا متصلًا والمفعول به اسمًا ظاهرًا؛ نحو: أتقنت العمل، وأحكمت أمره، ولا مانع في مثل هذه الصورة من تقدم المفعول به على الفعل والفاعل معًا؛ لأن الممنوع أن يتقدم على الفاعل وحده؛ فيتوسط بينه وبين الفعل.
٣- أن يكون كل منهما ضميرًا متصلًا ولا حصر١ في أحدهما؛ نحو عاونتك كما عاونتني.
٤- أن يكون المفعول به قد وقع عليه الحصر، "والغالب أن تكون أداة الحصر هي: "إنما" أو"إلا" المسبوقة بالنفي"، نحو: إنما يفيد الدواء المريض، أو: ما أفاد الدواء إلا المريض.
وقد يجوز تقديم المفعول به على فاعله إذا كان المفعول محصورا بإلا المسبوقة بالنفي، بشرط أن تتقدم معه "إلا"؛ نحو: ما أفاد -إلا المريض- الدواء٢.
ومع جواز هذا التقديم لا يميل أهل المقدرة البلاغية إلى اصطناعه؛ لمخالفته الشائع بن كبار الأدباء.
ب- ويبج إهمال الترتيب: وتقديم المفعول به على الفاعل فيما يأتي:
١- أن يكون الفاعل مشتملًا على ضمير يعود على ذلك المفعول به؛ نحو: صان الثوب لابسه -قرأ الكتاب صاحبه٣ ففي الفاعل "وهو: لابس- صاحب" ضمير يعود على المفعول به السابق٤، فلو تأخر المفعول به لعاد ذلك
_________________
(١) ١ سبق في الجزء الأول -ص ٣٤٦ م ٣٧- الإشارة إلى معنى الحصر "القصر" والغرض منه. ٢ لما كان المحصور بإلا هو الواقع بعدها مباشرة كان تقدمه معها لا لبس فيه؛ لأن وجودها قبله مباشرة يدل على أنه المحصور بغير غموض، أما المحصور "بإنما" فإنه المتأخر عنها، الذي لا يليها مباشرة، فإذا تقدم ضاع -في بعض الحالات، الغرض البلاغي من الحصر، ولا قرينة في الجملة تدل على التقديم وموضعه، فيقع اللبس الذي يفسد الغرض. ٣ ومثل الشطر الثاني من قول الشاعر: حديث ذوي الألباب أهوى وأشتهي كما يشتهي الماء المبرد شاربه ٤ يتساوى في هذا الحكم اتصال الضمير بالفاعل مباشرة، كالمثالين المذكورين -واتصاله بشيء ملازم للفاعل، لا يمكن أن يستغني عنه الفاعل، كصلة الموصول إذا كان الفاعل -أو نائبه- اسم موصول كالذي في قول الشاعر: سمرت فأدركت العلاء وإنما يلقى عليات العلا من سما لها ففي الصلة: "سمالها" ضمير يعود على المفعول به، "وهو: عليات"، فوجب تقدم المفعول لهذا.
[ ٢ / ٨٧ ]
الضمير على متأخر لفظًا ورتبة١؛ وهو مرفوض في هذا الموضع، أما عوده على المتأخر لفظًا دون رتبة -وهو المسمى بالمتقدم حكمًا- فجائز، ومن أمثلته: عود الضمير من مفعول به متقدم على فاعله المتأخر؛ نحو؛ حملت ثمارها الشجرة - فالضمير "ها" في المفعول عائد على "الشجرة" التي هي الفاعل المتأخر في اللفظ، دون الرتبة؛ لأن ترتيب الفاعل في تكون الجملة العربية يسبق المفعول به. ونحو: أفادت صاحبها الرياضة - أروى حقله الزارع
أما عودة الضمير على المتأخر لفظًا ورتبة فكما عرفنا - ممنوعة إلا في بعض مواضع محددة، وقد وردت أمثلة قديمة عاد الضمير فيها على متأخر لفظًا ورتبة في غير تلك المواضع؛ فحكم عليها بالشذوذ وبعدم صحة محاكاتها، إلا في الضرورة الشعرية، بشرط وضوح المعنى، وتمييز الفاعل من المفعول به؛ فمن الخطأ أن تقول: أطاع ولدها الأم - أرضى ابنه أباه.
٢- أن يكون الفاعل قد وقع عليه الحصر "بأداة يغلب أن تكون إلا" المسبوقة بالنفي، أو"إنما" نحو: لا ينفع المرء إلا العمل الحميد - إنما ينفع المرء العمل الحميد، وقد يجوز تقديم المحصور "بإلا" على مفعوله إذا هي تقدمت معه وسبقته؛ نحو: لا ينفع إلا العمل الحميد المرء
"ملاحظة": ستأتي٢ مواضع يجب أن يتقدم فيها المفعول به على عامله، فيكون متقدمًا على فاعله تبعًا لذلك.
_________________
(١) ١ شرحنا "في باب الضمير ج ١ ص ١٨٢" معنى التقدم في اللفظ مع التقدم في الرتبة، ومعنى التقدم في اللفظ دون الرتبة، وملخصه: أن بناء الجملة العربية قائم على ترتيب يجب مراعاته بين كلماتها؛ فتتقدم واحدة على الأخرى وجوبًا أو جوازًا؛ فإن كان تقدم اللفظ واجبًا بحسب الأصل الغالب عليه سمي تقدمًا في الرتبة، أو في الدرجة، فالأصل في المبتدأ وجوب تقدمه على الخبر، والأصل في الفعل وجوب تقدمه على فاعله ومفعوله: والأصل في الفاعل أن يتقدم على المفعول فإذا تحقق هذا الأصل ووضع كل لفظ ي مكانه وفي درجته قيل: إنه متقدم في اللفظ وفي الرتبة؛ كالمبتدأ حين يتقدم على خبره، وكالفاعل حين يتقدم على مفعوله، فإذا تأخر المبتدأ عن خبره، أو الفاعل عن مفعوله، لم يفقد درجته؛ ولم تزل عن رتبته، برغم تأخره اللفظي؛ فيقال عنه: إنه متأخر لفظًا لا رتبة. وهناك مواضع يجوز فيها عود الضمير على متأخر لفظًا ورتبة شرحناها -كما قلنا- في مكانها الأنسب لها، وهو باب الضمير ج ١ ص ٢٣٤ م ٢٠ برغم أن بعض المطولات النحوية تذكرها في آخر باب الفاعل لمناسبة طارئة. ٢ في الصفحة التالية.
[ ٢ / ٨٨ ]
جـ- في غير ما سبق "في: أ، ب" يجوز الترتيب وعدمه، ومن أمثلة تقديم الفاعل على المفعول جوازًا١ قول الشاعر:
وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسود
ومن أمثلة تقديم المفعول به -جوازًا- على فاعله وحده: الجهل لا يلد الضياء ظلامه ، والشطر الأول من قول الشاعر:
أبت لي حمل الضيم نفس أبية وقلب إذا سيم الأذى شب وقده٢
ويفهم من الأقسام السالفة أن المواضع التي يتقدم فيها الفاعل وجوبًا -هي عينها المواضع التي يتأخر فيها المفعول به وجوبًا، فيمتنع تقديمه على فاعله، والعكس صحيح كذلك؛ فالمواضع التي يتقدم فيها المفعول به على فاعله وجوبًا هي عينها المواضع التي يتأخر فيها الفاعل وجوبًا، ويمتنع تقديمه عليه، حيث لا وجوب في التقديم أو التأخير يجوز الأمران، ولا يمتنع تقديم هذا أو ذاك.
بقيت مسألة الترتيب بينهما وبين عاملهما، وملخص القول فيها: أن الفاعل لا يجوز تقديمه على عامله -كما سبق٣ وأن المفعول به يجب تقديمه على عامله في صور٤، ويمتنع في أخرى؛ ويجوز في غيرهما.
أ- فيجب تقديمه:
١- إن كان اسمًا له الصدارة في جملته؛ كأن يكون اسم استفهام، أو اسم شرط؛ نحو؛ من قابلت؟ أي نبيل تكرم أكرم وكذلك إن كان مضافًا لاسم له الصدارة؛ نحو: صديق من قابلت؟ - صاحب أي نبيل تكرم أكرم
_________________
(١) ١ إلا إذا أوجب الوزن الشعري أحدهما. ٢ ناره، ومن أمثلة التقديم الجائز قول الشاعر: ولا خير في حسن الجسوم وطولها إذا لم يزن حسن الجسوم عقول ٣ في ص ٧٣. ٤ وفي هذه الصور يكون متقدمًا على فاعله أيضًا -كما أشرنا؛ إذ لا يمكن أن يتقدم على عامله دون أن يتقدم على فاعله.
[ ٢ / ٨٩ ]
٢- كذلك يجب تقديمه إن كان ضميرًا مفصلًا لو تأخر عن عامله لوجب اتصاله١ به؛ كقولهم: "أيها الأحرار: إياكم نخاطب، وإياكم ترقب البلاد "، فلو تأخر المفعول به: "إيا" لا تصل بالفعل، وصار الكلام: نخاطبكم ترقبكم ؛ فيضيع الغرض البلاغي من التقديم "وهو: الحصر".
٣- وكذلك يجب تقدميه إذا كان عامله مقرونًا بفاء الجزاء٢ في جواب "أما" الشرطية الظاهرة أو المقدرة، ولا اسم يفصل بين هذا العامل وأما، فيجب تقديم المفعول به ليكون فاصلًا؛ لأن الفعل -وخاصة المقرون بفاء الجزاء- لا يلي "أما" الشرطية٣، ومن الأمثلة قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾، وقوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ ٤ بخلاف: أما اليوم فساعد نفسك، حيث لا يجب تقديم المفعول به، لوجود الفاصل؛ وهو هنا: الظرف٥.
ب- ويمتنع تقديم المفعول به على عامله في الصور الآتية٦: وقد سبقت الإشارة لبعضها.
١- جمع الصور التي يمتنع فيها تقدمه على فاعله، وقد سبقت ٧؛ "ومنها أن يكون تقدمه موقعًا في لبس، نحو: ساعد يحيى عيسى، فلو تقدم المفعول به -من غير قرينة- لالتبس بالمبتدأ، ومهمة المبتدأ المعنوية تخالف مهمة الفاعل.
_________________
(١) ١ وذلك في غير باب: "سلنيه" و"خلتنيه" حيث يجوز الاتصال والانفصال مع تأخر المفعول عن عامله؛ "كما تقدم في ج ١ ص ١٧٢ باب الضمير. م ٢٠". ٢ في هذا الموضع يصح أن يعمل ما بعد فاء الجزاء فيما قبلها. ٣ كما سيجيء في ص ١٣٩. ٤ هذا الموضع يعبر عنه بعض النحاة بأنه ما يكون العامل فيه جوابًا للأداة " أما" الشرطية المقدرة، ويعبر عنه بعض آخر بما يكون العامل فيه أمر مقرونًا بالفاء، والمعمول به منصوبًا بفعل الأمر، ولم يشترط وجود "أما" المقدرة، فعند الإعراب قد يلاحظ وجودها، فتكون الفاء في الأمثلة السابقة داخلة على جوابها، أولا يلاحظ وجودها فتكون الفاء زائدة، والمفعول المتقدم معمولًا لفعل الأمر المتأخر عنه، وهذا الإعراب أيسر وأوضح لخلوه من التقدير، "ثم انظر الأمر الثالث ص ١٣٩". ٥ ترده ص ١٣٩. ٦ مع ملاحظة ما هو مذكور منها في الزيادة، ص ٩٣. ٧ في ص ٨٦.
[ ٢ / ٩٠ ]
وكذلك بقية الصور الأخرى، ما عدا الثانية؛ فيجوز فيها الأمران.
٢- أنه يكون مفعولًا لفعل التعجب "أفعل" في مثل: ما أعجب قدرة الله التي خلقت هذا الكون.
٣- أن يكون محصورًا بأداة حصر، هي: "إلا" المسبوقة بالنفي، أو "إنما" نحو: لا يقول الشريف إلا الصدق - إنما يقول الشريف الصدق.
٤- أن يكون مصدرًا مؤولًا من "أن المشددة أو المخففة" مع معموليها؛ نحو: عرف الناس أن الكواكب تفوق الحصر، وأيقن العلماء أن بعض منها قريب الشبه بالأرض، إلا أن كانت "أن" مع معموليها مسبوقة بأداة الشرط: "أما"؛ نحو: أما أنك فاضل فعرفت؛ لأن "أما" لا تدخل إلا على الاسم.
٥- أن يكون واقعًا في صلة حرف مصدري١ ينصب الفعل "وهو: أن - كي" في نحو: "سرني أن تقرن القول الحسن بالعمل الأحسن؛ لكي يرفع الناس قدرك"، فإن كان واقعًا في صلة حرف مصدري غير ناصب جاز -في رأي- تقديمه على عامله، لا على الحرف المصدري؛ نحو: أبتهج ما الكبير احترم الصغير، والأصل: ابتهج ما احترم الصغير الكبير، وامتنع -في رأي آخر ٢ تقديمه على عامله، وهذا الرأي أقوى وأنسب في غير صلة " ما" المصدرية ٣.
٦- أن يكون مفعولًا لعامل مجزوم بحرف جزم يجزم فعلًا واحدًا ٤، فيجوز تقدمه على عامله وعلى الجازم معًا، ولا يجوز تقدمه على العامل دون الجازم؛ تقول: وعدًا لم أخلف، وإساءة لم أفعل، ولا يصح: لم وعدًا أخلف، ولم إساة أفعل.
٧- أن يكون مفعولًا به لفعل منصوب بالحرف: "لن"، فلا يجوز أن يتقدم
_________________
(١) ١ بيان الحروف المصدرية، وتفصيل الكلام على أحكامها مدون في ج ١ ص ٢٩٤ م ٢٩. ٢ لهذا بيان في ج ١ م ٢٩. ٣ راجع " الصبان" في هذا الموضع، ثم "التصريح" في باب "الحال"، عند الكلام على تأخر الحال عن عاملها وجوبًا. ٤ فخرج حرف الشرط الذي يجزم فعلين مثل: إن، فلا يجوز التقدم عليه.
[ ٢ / ٩١ ]
على عامله فقط، وإنما يجوز أن يتقدم عليه، وعلى "لن" معًا، نحو، ظلمًا لن أحاول، وعدوانًا لن أبدأ١.
وفي غير مواضع التقديم الواجب، والتأخير الواجب٢، يجوز الأمران.
_________________
(١) ١ وقد عرض ابن مالك عرضًا سريعًا موجزًا لأحوال الترتيب السابقة، واكتفى فيها بالإشارة المختصرة التي لا توفي الموضوع حقه من الإيضاح، والتفصيل النافعين، قال: والأصل في الفاعل أن يتصلا والأصل في المفعول أن ينفصلا وقد يجاء بخلاف الأصل وقد يجي المفعول قبل الفعل يريد: أن الأصل في تكوين الجملة العربية، وترتيب كلماتها، يقتضي اتصال الفاعل بعامله، وانفصال المفعول عن ذلك العامل بسبب وقوع الفاعل فاصلًا بينهما؛ إذ مرتبة الفاعل مقدمة على مرتبة المفعول به، ومراعاة هذه المرتبة تجعل الفاعل هو الذي يلي العامل، وتجعل المفعول به مفصولا منه بالفاعل، ثم بين أن هذا الأصل لا يراعى أحيانا، فيتقدم المفعول به على الفاعل، ويفصله عن فعله وعامله، وانتقل بعد ذلك إلى حالتين من الحالات التي يجب فيها تأخير المفعول به، وهما حالة خوف اللبس، وحالة الفاعل الضمير، غير المحصور، الواجب اتصاله بعامله، فقال فيهما: وأخر المفعول إن لبس حذر أو أضمر الفاعل غير منحصر وأوضح بعد ذلك أن المحصور "بإلا" أو"إنما" يجب تأخيره؛ فاعلًا كان أو مفعولًا به، وأنه يجوز تقديمه. ولم يذكر النوع الذي يصح تقديمه، ولا شرطه، مكتفيًا بأن يقول: إن تقديم المنحصر يصح إذا ظهر المقصود، ولم يخف المعنى، أو يتأثر بالتقديم، وفي هذا يقول: وما بإلا أو بإنما انحصر أخر، وقد يسبق إن قصد ظهر وختم كلامه بأن بين أن عود الضمير من المفعول به المتقدم على فاعله المتأخر شائع في أفصح الأساليب لا عيب فيه؛ لأنه عائد على متأخر في اللفظ متقدم في الرتبة، وهذا كثير سائغ، كما قلنا: وساق مثالًا لذلك هو: خاف ربه عمر. أما عود الضمير من الفاعل المتقدم على مفعوله المتأخر فوصفه بأن شاذ، لا يصح القياس عليه: ومثل له بنحو: زان نوره الشجر، فيقول: وشاع نحو: "خاف ربه عمر" وشذ نحو: "زان نوره الشجر" وكلامه مجمل، بل مبتور. ٢ ومن مواضع التأخير الواجب ما يأتي في الزيارة -ص ٩٣.
[ ٢ / ٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
هناك مواضع أخرى لا يجوز فيها تقدم المفعول به على عامله، منها١: أن يكون مفعولصا به لفعل مؤكد بالنون، نحو: حاربن هواك.
أو مفعولًا به لفعل مسبوق بلام الابتداء؛ وليس قبلها "إن"؛ ففي مثل: لينصر٢ الشريف أهل الحق لا يصح أن يقال: أهل الحق لينصر الشريف، ويصح أن يقال: إن الشريف أهل الحق لينصر.
أو يكون فعله مسبوقًا بلام القسم؛ نحو: والله لفي غد أقضى حق الأهل.
أو مسبوقًا بالحرف: "قد" نحو: قد يدرك المتأني غايته؛ أو: "سوف"؛ نحو: سوف أعمل الخير جهدي.
أو مسبوقًا باللفظ: "قلما"؛ نحو: قلما أخرت زيارة واجبة.
أو: "ربما"، نحو: ربما أهلكت البعوضة الفيل.
_________________
(١) ١ راجع المواضع التالية في الصبان، وكذا الهمع جـ١ ص١٦٦. ٢ على اعتبار هذه اللام للابتداء.
[ ٢ / ٩٣ ]
ثامنها: عدم تعدده؛ فلا يصح أن يكون للفعل وشبهه إلا فاعل واحد، أما مثل: تصافح علي وأمين، ومثل تسابق حليم، ومحمود، وسليم، و فإن الفاعل هو الأول، وما بعده معطوف عليه، ولا يصح في الاصطلاح النحوي إعراب ما بعده فاعلًا، برغم أن أثر الفعل ومعناه متساو بين الأول وغيره١.
تاسعها: إغناؤه عن الخبر حين يكون المبتدأ وصفًا مستوفيًا الشروط ٢؛ مثل: أمتقن الصانعان؟
_________________
(١) ١ يقول النحاة: إن مجموع المعطوف والمعطوف عليه في المثالين السابقين، وأشباههما هو الفاعل الذي أسند إليه الفعل؛ فلا تعدد إلا في أجزائه، لكن هذا المجموع من حيث هو مجموع لا يقبل الإعراب، فجعل الإعراب في أجزائه. ٢ للوصف المستغني بفاعله عن الخبر أحكام وتفصيلات سبق بيانها في بابها المناسب لها "باب المبتدأ والخبر ج ١ ص ٣٢٢ م ٣٣".
[ ٢ / ٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
مسألة أخيرة: عرض بعض١ النحاة لما سماه: "الاشتباه بين الفاعل والمفعول به"، وصعوبة التمييز بينهما في بعض الأساليب، وأن ذلك يكثر حين يكون أحدهما اسمًا ناقصًا "أي: محتاجًا لتكملة بعده تبين معناه؛ كاسم الموصول، و"ما الموصوفة" والآخر اسمًا تامًا؛ أي: لا يحتاج للتكملة، وضرب لذلك مثلًا؛ هو: "أعجب الرجل ما كره الأخ"، فما الفعل في الجملة السابقة؟ أهو كلمة: "الرجل"، أم كلمة: "ما" التي بعده؟ وما "المفعول به" في الحالتين؟
وقد وضع ضابطًا مستقلًا لإزالة الاشتباه؛ ملخصه:
أ- أن نفرض الاسم التام هو الفاعل؛ فضع مكانه ضميرًا مرفوعًا للمتكلم، ونفرض الاسم الناقص هو المفعول به؛ ونضع مكانه اسمًا ظاهرًا، منصوبًا، أي اسم، بشرط أن يكون من جنسه٢؛ "حيوانًا مثله إن كان المراد من الاسم الناقص حيوانًا، وغير حيوان إن كان الناقص كذلك، فإن استقام المعنى مع هذا الفرض فالضبط الأول صحيح، على اعتبار أن الاسم التام هو الفاعل، وأن الناقص هو المفعول به، وإن لم يستقم المعنى لم يصح الضبط السابق، نقول في المثال السالف أعجبت الثوب، فالتاء ضمير للفاعل المتكلم، جاءت بدلًا من الاسم التام "الرجل" وكلمة: "الثوب" جاءت بدلًا من الاسم الناقص: "ما" وهي من جنسه، باعتباره من جنس غير حيواني، وقد ظهر أن المعنى على هذا الفرض غير مستقيم؛ وهذا ينتهي إلى أن الضبط الذي كان قبله غير صحيح أيضًا.
فإن كان المقصود من: "ما"، إنسانًا مثلًا، فوضعنا مكانها فردًا من أفراد الإنسان فقلنا: أعجب محمدًا صح الفرض وصح الضبط الذي كان قبله.
ب- نفرض الاسم التام: "الرجل" في المثال السابق هو المفعول به، "وما" هي الفاعل؛ فنضع مكان المفعول به ضميرا منصوبًا للمتكلم، ونضع مكان الناقص اسمًا ظاهرًا، أي اسم، بشرط أن يكون من جنسه؛ فإن استقام المعنى صح الضبط السابق وإلا فلا يصح؛ نقول: أعجبني الثوب؛ إن كان المراد من "ما" شيئًا غير حيواني، فيستقيم المعنى ويصح الضبط الأول.
_________________
(١) ١ منهم الأشموني في آخر باب الفاعل. ٢ عاقلا كان الجنس أم غير عاقل.
[ ٢ / ٩٥ ]
جـ- إذا لم يصلح المعنى على اعتبار الاسم التام فاعلًا أجريت التجربة على اعتباره مفعولًا به، وكذلك العكس إلى أن يستقيم.
وكالمثال السالف: أمكن المسافر السفر١، بنصب: "المسافر"، كما يدل على هذا الضابط السالف؛ لأنك تقول: أمكنني السفر؛ بمعنى: مكنني فاستطعته، ولا تقول: أمكنت السفر
والحق أن هذه المسالة التي عرض لها بعض النحاة لا تفهم بضابطهم٢، ولا يزول ما فيها من اشتباه إلا بفهم مفرداتها اللغوية، وقيام قرينة تدل على الفاعل والمفعول به، وتفرق بيانهما، أما ذلك الضابط وما يحتويه من فروض فلا يزيل شبهة، ولا يكشفها؛ لأنه قائم على أساس وضع اسم ظاهر مكان الناقص بشرط أن يكون من جنسه "حيوانًا عاقلًا، وغير عاقل - أو غير حيوان"، فكيف نختار هذا البديل من جنس الأصيل إذا كنا لا نعرف حقيقة ذلك الأصيل وجنسه؟ فمعرفة البديل متوقفة على معرفة الأصيل أولًا، ونحن إذا اهتدينا إلى معرفة الأصيل لم نكن بعده في حاجة إلى ذلك الضابط، وما يتطلبه من فروض لا تجدي شيئًا؛ ذلك أن الأصيل سيدل بمعناه في جملته على من فعل الفعل، فيعرف من وقع عليه الفعل تبعًا لذلك، ويزول الاشتباه، وإذًا لا حاجة إلى الضابط، ولا فائدة من استخدامه؛ لأن الغرض من استخدامه الكشف عن حقيقة الاسم الناقص، وهذا الكشف يتطلب اختيار اسم من جنسه ليحل محله. فكيف يمكن الاهتداء إلى اسم آخر من جنسه إذا كان الاسم الناقص مجهول الجنس لنا؟.
فمن الخير إهمال تلك المسألة بضابطها، وفروضه، والرجوع في فهم المثالين السابقين وأشباهما إلى فهم المعاني الصحيحة لمفرداتها اللغوية، والاعتماد بعد ذلك على القرائن، مع الفرار -جهد الطاقة- من استعمال تلك الأساليب الغامضة، هذا هو الطريق السديد، وعليه المعول.
_________________
(١) ١ الاسمان هنا تامان -وهي حالة قليلة بالنسبة للأولى. ٢ عبارة الضابط كما وردت عنهم هي: "أن تجعل في موضع التام إن كان مرفوعا ضمير المتكلم المرفوع، وإن كان منصوب ضميره المنصوب، وتبدل من الناقص اسما بمعناه في العقل وعدمه".
[ ٢ / ٩٦ ]
المسألة ٦٧: النائب عن الفاعل ١
من الدواعي٢ ما يقتضي حذف الفاعل دون فعله، ويترتب على حذفه أمران محتومان؛ أحدهما: تغيير يطرأ على فعله٣، والآخر: إقامة نائب عنه يحل محله، ويجري عليه كثير من أحكامه التي أسلفناها٤؛ كأن يصير جزءًا أساسيًا في الجملة؛ لا يمكن الاستغناء عنه، ويرفع مثله؛ وكتأخره عن عامله٥، وتأنيث عامله له أحيانًا، وتجرد العامل من علامة تثنية أو جمع؛ وكعدم
_________________
(١) ١ يسميه كثير من القدماء: المفعول الذي لم يسم فاعله، والأول أحسن؛ لأنه أخصر؛ ولأن النائب عن الفاعل قد يكون مفعولًا به في أصله وغير مفعول به؛ كالمصدر، والظرف، والجار مع مجروره -كما سيجيء في ص ١١٣ م ٦٨. هذا، والذي يحتاج لنائب فاعل ويرفعه شيئان، أحدهما: "الفعل المبني للمجهول"، وقد يسمى أيضًا: "الفعل المبني للمفعول"، والتسمية الأولى أحسن -طبقا لما سبق في رقم ١- والآخر: "اسم المفعول"؛ فلا بد لكل منهما من نائب فاعل، ويزاد عليها المصدر المؤول في رأي سيجيء في "ب" من ص ١١٠، أما اسم المفعول، وأحكامه، وكل ما يتعلق به، فله باب خاص مستقل في الجزء الثالث. ٢ بعضها لفظي؛ كالرغبة في الاختصار في مثل: لما فاز السابق كوفي، أي: كافأت الحكومة السباق، مثلا وكالمماثلة بين حركات الحروف الأخيرة في السجع؛ نحو: من حسن عمله عرف فضله، فلو قيل: عرف الناس فضله، لتغيرت حركة اللام الثانية، ولم تكن مماثلة للأولى، وكالضرورة الشعرية وبعضها معنوي؛ كالجهل بالفاعل، وكالخوف منه، أو عليه "ومما يصلح لكل واحد من الثلاثة قولنا: قتل فلان، من غير ذكر اسم القاتل" وكإبهامه، أو تعظيمه بعدم ذكر اسمه على الألسنة صيانة له، أو تحقيره بإهماله، وكعدم تعلق الغرض بذكره، حين يكون الغرض المهم هو الفعل، وكشيوعه ومعرفته في مثل: جبلت النفوس على حب من أحسن إليها أي: جبلها الله وخلقها. ٣ ولا بد أن يكون فعله غير جامد، وغير أمر -كما سيجيء في رقم ٨ من ص ١٠٧. ٤ في ص ٦٨. ٥ يرى بعض النحاة أنه يجوز تقديم نائب الفاعل إذا كان شبه جملة؛ لأن علة منع التقديم -وهي خوف التباس الجملة الاسمية بالفعلية- غير موجودة هنا " راجع الصبان ج ٣ باب، "أفعل التفضيل" عند قول ابن مالك: "وما به إلى تعجب وصل "، ولهذا إشارة في رقم ٢ من هامش ص ١١١.
[ ٢ / ٩٧ ]
تعدده، وكإغناء هذا النائب عن الخبر أحيانًا في مثل: أمزروع الحقلان؟ " فالحلقلان، نائب فاعل للمبتدأ اسم المفعول، واسم المفعول لا يرفع إلا نائب فاعل؛ كما عرفنا من قبل" إلى غير هذا من الأحكام الخاصة بالفاعل؛ والتي قد تنتقل بعد حذفه إلى نائبه١.
ولكل واحد من الأمرين تفصيلات وأحكام تخصه.
أ- إليك ما يتعلق بالأمر الأول:
١- إن كان الفعل ماضيًا، صحيح العين٢، خاليًا من التضعيف - وجب ضم أوله، وكسر الحرف الذي قبل آخره إن لم يكن مكسورًا من قبل، فالفعل في مثل: "فتح العمل باب الرزق - أكرم الناس الغريب"، يتغير بعد حذف الفاعل؛ فيصير في الجملة: "فتح باب الرزق٣ أكرم الغيب ٤"، "وهناك بعض حالات يجوز فيها كسر أوله،
_________________
(١) ١ وفي هذا يقول ابن مالك: ينوب مفعول به عن فاعل فيما له - كنيل خير نائل وأصل الكلام: ناب المستحق خير نائل؛ أي: خير عطاء، فحذف الفاعل، وتعتبر الفعل بعد حذفه تغيرًا سنعرفه، ونائب عنه المفعول به، وليس من اللازم أن يكون النائب مفعولًا به، كما قلنا ٢ من الاصطلاحات اللغوية الشائعة: "فاء" الكلمة، "عين" الكلمة، "لام" الكلمة، يريدون بالفاء: الحرف الأول من الكلمة الثلاثية، أصيلة الأحرف، وبالعين: الحرف الثاني منها، "أي: الأوسط" وباللام الحرف الثالث؛ "أي: الأخير" ويقولون عنها لذلك: أنها على وزن: "فعل"ح مثل: كتب - قعد - فتح فكل واحدة على وزن "فعل". ٣ ومثل الفعل: "جمع" في قول الشاعر: إذا جمع الأشراف من كل بلدة فأفضلهم من كان للخير صانعًا ٤ أين الكسر في نحو: صيم الشهر - بيع القطن؟ أصلهما: صوم - بيع، وخضوعًا لأحكام عامة في: "الإعلال" طرأ عليهما تغير معروف؛ بقلب الضمة فيهما كسرة، فقلب الواو ياء، وحذف الكسرة من ياء: "بيع" - وانظر رقم ٥ الآتي ص ١٠٢ - فالكسر مقدر كتقديره في المضعف؛ "مثلك عد، فأصله: عدد قبل الإدغام". وأين الكسر أيضًا قبل الآخر في الفعل: "أصيب" - ونحوه - من قول الشاعر: وإذا أصيب القوم في أخلاقهم فأقم عليهم مأتمًا وعويلًا الكسر مقدر؛ إذ الأصل: "أصوب"؛ نقلت حركة: الواو للحرف الصحيح قبلها بعد حذف السكون؛ ثم قلبت الواو عبد الكسرة ياء.
[ ٢ / ٩٨ ]
وستجيء ١".
٢- إن كان الفعل مضارعًا وجب -في كل حالاته- ضم أوله أيضًا، وفتح الحرف الذي قبل آخره إن لم يكن مفتوحًا من قبل؛ فالمضارع في مثل: "يرسم المهندس البيت - يحرك الهواء الغصن " يصير في الجملة بعد حذف الفاعل: يرسم البيت - يحرك الغصن٢، ومثل قول الشاعر:
أعندي وقد مارست٣ كل خفية يصدق واش، أو يخيب سائل
وقد يكون الفتح قبل الآخر مقدارًا لعلة تمنع ظهوره؛ مثل: يصام، "أصله: يصوم، ثم صار "يصام" لسبب صرفي معروف"٤، ومثل: "تصاب وتنال"، في قول الشاعر:
يهون علينا أن تصاب جسومنا وتسلم أعراض لنا وعقول
وفي قول الآخر:
إن الكبار من الأمور تنال بالهمم الكبار
والأصل قبل التغيير الصرفي: تصوب وتنيل
_________________
(١) ١ في رقم ٥ من ص ١٠٢. ٢ وفي الحالتين السابقتين يقول ابن مالك: فأول الفعل اضممن، والمتصل بالآخر اكسر في مضي؛ كوصل واجعله من مضارع منفتحًا كينتحي؛ المقول فيه: ينتحي أي: أن أول الفعل المبني للمجهول ويضم في الماضي والمضارع، وأن الحرف المتصل بالآخر يكسر في الماضي؛ مثل: وصل؛ فأصله: وصل، ويصير مفتوحًا في المضارع، مثل: ينتحي، فإن الحرف الذي قبل آخره يفتح البناء للمجهول؛ فيصير: "ينتحى"، "ينتحي الرجل إلى الشجرة، أي: يميل بها، ويتجه نحوها". وقد قلنا: إن هناك بعض حالات يكسر فيها أول الماضي، كالحالة الخامسة والسادسة، والسابعة - وستجيء. ٣ جربت وعرفت. ٤ هو: نقل فتحة "الواو" و"الياء" إلى الساكن الصحيح قبلهما؛ فتكون "الواو" وكذا "الياء" متحركة بحسب أصلها -قبل نقل فتحتها- ويكون ما قبلها متحركًا بحسب الحالة الجديدة التي طرأت عليه بعد أن كان ساكنًا؛ فيقلب حرف العلة "ألفًا".
[ ٢ / ٩٩ ]
٣- إن كان الماضي مبدوءًا بتاء تكثير زيادتها عادة - سواء أكانت للمطاوعة١
_________________
(١) ١ حين نسمع شخصًا يقول: "علمت الغلام الزراعة" يتردد على الذهن سؤال؛ هو: هل استجاب الغلام للتعلم واستفاد؟ ويظل السؤال قائمًا حتى يجد جوابًا. فإذا قال المتكلم: علمت الغلام الزراعة فتعلمها - دل الفعل الثاني على أن الغلام تعلم، واستفاد واستجاب للتعلم، وحقق معناه، وهذا هو ما يسمى: "المطاوعة"، وحين يقول شخص: "كسرت الحديد"، وقد يرد على الذهن: كيف تستطيع تكسير الحديد؟ هل استطعت تكسيره حقًا؟ فإذا قال المتكلم: كسرت الحديد فتكسر، كان الفعل: "تكسر" هو الجواب عن المطلوب، الماحي للشبهة السالفة، الدال على أن الحديد تأثر بالكسر واستجاب له، وحقق معنى الفعل الأول، ولهذا يسمى الفعل الثاني: "مطاوعًا"، ومثله: حطمت الصخر. فتحطم، بريت الخشب، فانبرى مع وجود الفاء العاطفة في كل لك، ولا يصح العطف هنا بغيرها -طبقًا لما نص عليه ابن الأثير في كتابه: الجامع الكبير ج ١ ص ٢٠٢ عند كلامه على حرف العطف- فالمطاوعة فعل هي: " قبول فاعله التأثر بأثر واقع عليه من فاعل فعل ذي علاج محسوس إلى فاعل فعل آخر يلاقيه اشتقاقًا، بحيث يحقق التأثر معنى ذلك الفعل". والتعريف السابق للمطاوعة هو أوضح التعريفات وأشملها، وهو ملخص الذي ارتضاه "الخضري" -وكذا الصبان- في باب: "تعدي الفعل ولزومه" ج ١. ونصًا على اشتراط العلاج الحسي، وعلى تلاقي الفعلين في الاشتقاق؛ فلا يقال: علمت الرجل المسألة فانعلمت؛ لعدم المعالجة الحسية، ولا يقال: ضربته فتألم لعدم التلاقي في الاشتقاق. وحصول الأثر وتحققه لي بالواجب، وإنما هو الغالب الكثير؛ طبقًا لما جاء في حاشية التصريح، ج ١، باب: "التعدي واللزوم"، نقلًا عن البيضاوي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّه﴾ حيث صرح بأنه: يقال: كسرته فلم ينكسر، وعلمته فلم يتعلم، وقال: إن حصول الأثر غالب لازم". ا. هـ. وهذا الرأي يساير المسموع كثيرًا، ويلاحظ أنه جعل الفعل: "علم" من أفعال المعالجة الحسية، خلافًا لسابقه. وللمطاوعة أحكام وصيغ قياسية تشتمل كل صيغة منها على بعض حروف خاصة ترمز للمطاوعة، وتدل عليها، منها التاء في أول الماضي، ويسمونها لذلك: تاء المطاوعة؛ مثل: دربت الصانع؛ فتدرب، همدت الحائط؛ فتهدم. فجرت الماء فتفجر - كسرت الغصن فتكسر، وسيجيء بعض الأحكام والصيغ - في هامش ص ١٦٧ - وهو بضع هام. وقد عقد صاحب "المخصص" "ابن سيده" بحثًا لطيفًا " "في الجزء ١٤ ص ١٧٥ وما حولها" عرف فيه لكثير من أوزان المطاوعة القياسية، ومنها: أن كل ماضي ذي أربعة أحرف على وزن "فعل" يكون له مضارع على وزن "تفعل"، وهذا جزء من قواعد عامة هناك تفيد أعظم الفائدة، وتتسع لكثير مما نظنه محذورًا، وفي الجزء الأول من مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة شيء "قليل من تلك الأوزان، مستخلص من المرجع السابق الأصيل. ومن بين قرارات هذا المجمع قياسية جمع أفعال المطاوعة، وقد سجل هذا القرار في الصفحة الثامنة من المجلد الذي أصدره بعنوان: "البحوث والمحاضرات" في مؤتمر الدورة الخاصة بسنة ١٩٦٣ - ١٩٦٤. ومن قراراته أيضًا ما جاء في ص ٣٩ من كتابه: "مجموعة القرارات العلمية من الدورة الأولى إلى الدورة الثامنة والعشرين" خاصًا بمطاوع "فعل" الثلاثي المتعدي ونصه: "وسيعاد للمناسبة في ص ١٦٨" "كل فعل ثلاثي متعد، دال على معالجة حسية فمطاوعة القياسي هو: "الفعل"، ما لم تكن فاء الفعل واوًا، أو لامًا، أو نونًا، أو ميمًا، أو راء، ويجمعهما قولك: "ولنمر" فالقياس فيه: "افتعل". ا. هـ.
[ ٢ / ١٠٠ ]
أما لغيرها - "مثل الماضي: تعلم، تفضل - تعاون - تناشد، تجاهل" وجب ضم الحرف الثاني مع الأول؛ ففي مثل: تعلم الصبي حرفة - تفضل الصديق بالزيارة - يصير الماضي: تعلمت حرفة - تفضل بالزيارة١ وفي مثل قولهم: "تعلم البحار في الملاحة، وتعاون مع رفاقه فأمن الخطر" يصير الكلام بعد بناء الفعل الماضي للمجهول: تعلم٢ فن الملاحة، وتعوون مع الرفاق؛ فأمن الخطر وهكذا.
٤- إن كان الماضي مبدوءًا بهمزة وصل فإن ثالثة يضم مع أوله؛ ففي مثل: "اعتمد العاقل على كفاحه - انتصر المكافح بعمله" - يقال في بناء الفعلين للمجهول: اعتمد على الكفاح - انتصر بالعمل٣.
_________________
(١) ١ يقول ابن مالك: والثاني التالي "تا" المطاوعة كالأول اجعله بلا منازغه أي: اجعل الحرف الثاني في الماضي مضمومًا كالأول، إن كان الأول تاء المطاوعة، إذ لا نزاع - أي لا خلاف في هذا. ٢ إذا كانت التاء في أول الماضي لا تكثر زيادتها فلا يضم الحرف الذي يليها؛ مثل: ترمس الزارع الحب، "أي: رمسه، بمعنى: دفنه"، وإنما كانت زيادة التاء غير معتادة في هذه الكلمة -وأشباهها- لأنها جاءت للتوصل إلى النطق بالساكن، وهو الراء، وهذا اختصاص همزة الوصل. ٣ وفي هذا يقول ابن مالك: وثالث الذي بهمز الوصل كالأول اجعلنه كاستحلي أي: أن الحرف الثالث من الفعل المبدوء بهمزة الوصل بضم كالأول، ومثل له بالفعل "استحلي" المبني للمجهول، وأصله: "استحلى" مبدوءًا بهمزة وصل. فلما بني للمجهول ضم الحرف الأول والثالث منه. ومما يلاحظ في البيت أن كلمة: "ثالث" بالنصب تعرف مفعولًا به لفعل محذوف يفسره الفعل الآتي بعده؛ وهو: "اجعل" المؤكد بالنون، مع أن الفعل المؤكد بالنون لا يصلح أن يعمل فيما قبله، ولا أن يفسر عاملًا محذوفًا قبله. وكذلك إعراب "كالأول" جار ومجور متعلق بالفعل المتأخر عنه المؤكد بالنون، وهو: "اجعل" والفعل المؤكد بالنون لا يصح أن يتعلق به شبه جملة قبله، وهذا هو الرأي الأقوى والأفصح، ويخالفه رأي آخر أقل شيوعًا وقوة يراه مقبولًا في شبه الجملة وحدها، لكن ابن مالك يقع في هذه المخالفة كثيرًا لضرورة النظم، وقد سبق لها نظائر في الجزء الأول "انظر فهرس الجزء الأول م٧ هامش ص ٩٦ طبعة ٣ ورقم ١ هامش ص٧٥ قبلها"، والمعربون يلتمسون تأويلات وتقديرات لتصحيح مخالفته، ولا داعي لشيء من هذا، لما فيه من تكلف وتعسف، ويكفي التصريح بأن النظم قهره على ارتكاب المخالفة؛ وهذا هو السبب الحق.
[ ٢ / ١٠١ ]
٥- إن كان الماضي الثلاثي معل العين١؛ واويًا كان أو يائيًا -مثل: صام، باع - وبني للمجهول، جاز في فائه عند النطق أو الكتابة، إما الكسر الخالص؛ فينقلب حرف العلة ياء؛ نحو: صيم، بيع، وإما الضم الخالص، فينقلب حرف العلة واوًا، نحو: صوم، بوع، وإما الإشمام٢ وهذا لا يكون إلا في النطق.
والكسر أعلاها، فالإشمام، فالضم، وكل واحد من الثلاثة جاز بشرط ألا يوقع في لبس، وإلا وجب العدول عنه إلى ضبط آخر لا لبس فيه؛ فكثير من الماضي المعل الوسط قد يوقع في اللبس إذا بني للمجهول، وأسند لضمير تكلم، أو خطاب؛ سواء أكان الضمير فيهما للمفرد المذكر أم لغيره، وكذلك
_________________
(١) ١ معل العين "ما يكون وسطه حرف علة"، ويخضع لأحكام "الإعلال" المعروفة في الباب الخاص بهذا "ج٤"، ومنها: قلب حرف العلة الواو أو الياء ألفًا، في نحو: صام - هام - فأصلهما صوم - هيم ومنها: نقل حركة حرف العلة الواقع عين الكلمة إلى ساكن صحيح قبله بالشروط المذكورة هناك؛ نحو: يقوم، وأصله: يقوم إلى غير ذلك من أحكام "الإعلال" التي تدخل على حرف العلة؛ فتحدث به تغييرًا. فإذا كان حرف العلة الواقع عين الفعل لا يخضع للأحكام السابقة، فإنه لا يسمى: "معلًا" إنما يسمى: "معتلًا" وجاز في فائه من الحركات الثلاث ما يجوز في فاء الفعل الصحيح؛ مثل: عور - هيف - اعتور وغيرها من الأفعال المتشابهة لها؛ فإنها تسلك مسلك الفعل الصحيح عند بنائها للمجهول - كما قلنا. والشائع بين النحاة أن حروف العلة الثلاث "و- أ - ي" إذا سكنت وكان قبلها حركة مجانسة لها سميت: حروف علة، ومد، ولين، فإن لم تجانسها الحركة التي قبلها سميت: حروف علة ولين، فإن تحركت فهي حروف علة فقط "راجع حاشية الخضري ج٢ أول باب: الإعلال بالنقل". ومن النحاة من يطلق اللين على حرف العلة المتحرك، وهذا مخالف للشائع، كما قال الخضري في المرجع السالف - "وقد سبقت لهذا إشارة في ج ١ م ١٦ هامش ص ١٦٩ من الطبعة الثالثة - وسيجيء التفصيل الأوضح في ج ٤ في بابي "الترخيم" و"الإعلال والإبدال". ٢ الإشمام -عند النحاة- هو: النطق بحركة صوتية تجمع بين الضمة والكسرة على التوالي السريع، بغير مزج بينهما؛ فينطق المتكلم أولًا بجزء قليل من الضمة، يعقبه جزء كبير من السكرة؛ يجلب بعده ياء، فالجمع بين الحركتين ليس معناه الخلط بينهما في وقت واحد خلال النطق؛ وإنما معناه مجيئهما على التعاقب السريع بالطريقة التي أسلفناها.
[ ٢ / ١٠٢ ]
إذا أسند لنون النسورة الدالة على الغائبات، فالفعل: "ساد" - وأشباهه - في نحو "ساد الرجل قومه بالفضل" إذا أسندناه لضمير متكلم أو مخاطب من غير أن يبنى للمجهول، قلنا عند الضم: "سدت"، ولو بنينا الفعل للمجهول، وقلنا: "سدت" أيضًا ١؛ لوقع اللبس حتمًا بين هذه الصورة التي بني فيها للمجهول، والصورة السالفة التي لم يبن فيها للمجهول، وفرارًا من اللبس الذي ليس معه قرينة تزيله، ويجب البعد عن ضم الحرف الأول٢ في هذه الصورة المبنية للمجهول، ولنا بعد ذلك استعمال الكسر، أو: الإشمام.
ومثل: الفعل: "ساد" غيره ن كل فعل ماض ثلاثي، إما معل الوسط بألف أصلها واو؛ "وليس من باب: "فَعِلَ يَفْعَلُ"؛ كخاف يخاف.٣ مثل: شاق، يشوق، رام، يروم وإما معقل الوسط بألف أصلها ياء أيضًا، فليس اللبس مقصورًا على الماضي الثلاثي المعل الوسط بألف أصلها واو، وليس من باب فعل يفعل، بل يمتد إلى الماضي الثلاثي المعل الوسط بألف أصلها ياء؛ مثل الفعل: "زاد" في نحو: قد زادك الصديق ودًا،
_________________
(١) ١ لإيضاح هذا المثال وأشباهه نقول في: "ساد الرجل قومه بالفضل" إذا أسند الماضي المبني للمعلوم إلى ضمير المخاطب مثلًا؛ صارت الجملة سدت قومك بالفضل - بضم السين - فإذا صارت الجملة: يا مهمل سادت النابغ وأردنا بناء الفعل للمجهول مع إسناده للمخاطب أيضًا، فإننا نحذف الفاعل "النابغ"، ونقيم المفعول به "وهو: كاف الخطاب" مقامه، ولما كان الضمير "الكاف" لا يقع في محل رفع وجب استبداله ووضع ضمير آخر بمعناه في مكانه؛ بحيث يصلح الضمير الجديد أن يكون في محل رفع نائب فاعل، لهذا نجيء بدله بضمير الخطاب التاء، فنقول عند بنائه للمجهول: يا مهمل سدت، أي: صرت مسودا، لا سيدا، بمعنى أن غيرك صار سيدك، فالصورة الشكلية للفعل واحدة عند الضم، في حالتي بنائه للمعلوم والمجهول، وفيها يقع اللبس، وللفرار منه منعوا في المبني للمجهول ضم أوله إن كانت عينة ألفًا أصلها واو إلا نحو: خاف - كما سيجيء هنا. ٢ لا يجوز الضم في الواوي إلا إذا كان ماضيه فعل "بكسر العين"، ومضارعه على وزن: يفعل "بفتح العين" نحو: خاف - يخاف "وأصله: خوف - يخوف"، ذلك أن الفعل: "خاف" وأشباهه - إذا أسند وهو مبني للمعلوم لمخاطب - مثلًا يصير: خفت، بكسر أوله، وحذف وسطه، طبقًا لقواعد الإسناد، فلو بني للمجهول وكسر أوله لأوقع في لبس؛ بسبب تشابه صورتي الفعل في حالتي بنائه للمعلوم وللمجهول، والفرار من هذا اللبس يوجب ضم أوله عند بنائه للمجهول أو الإشمام. ٣ للسبب الذي تقدم في رقم ٣ والذي يمنح الكسر في مثل: "خاف يخاف" عند بناء الماضي للمجهول ويوجب الضم.
[ ٢ / ١٠٣ ]
فإنه إذ أسند لضمير المخاطب -مثلا- من غير بناء للمجهول يصير: قد زدت الصديق ودا، بكسر أول الماضي، وإذا أسند للمخاطب أيضا مع البناء للمجهول، فإن كسر أوله صار: زدت ودا١ كذلك، فصورته في الحالتين واحدة مع اختلاف الإسناد والمعنى، وهذا هو اللبس الواجب توقيه، ومن أجله لا يصح الكسر هنا عند بنائه للمجهول؛ فيجب العدول عنه؛ إما إلى ضم أوله نطقًا وكتابة، فنقول: "زدت"، وإما إلى الإشمام "وهذا لا يكون إلا في حالة النطق -كما عرفنا"-.
ومثل الفعل "زاد" كثير من الأفعال الماضية المعلة الوسط بالألف التي أصلها الياء؛ ومنها: دان، يدين - قاس، يقيس - عاب، يعيب - باع - يبيع.
وخلاصة ما سبق:
أن الواجب يقتضي العدول عن ضم فاء الثلاثي المعل العين بالواو، عند خوف اللبس "لا ما كان مثل: "خاف"".
والعدول عن كسر فاء الثلاثي المعل العين بالياء عند خوف اللبس أيضًا.
وكذلك إن أوقع الإشمام في لبس وجب العدول عنه إلى النطق بالكسرة الصريحة الواضحة، أو بالضمة الصريحة الواضحة.
ومن أجل اللبس والعمل على اجتنابه وضح النحاة القاعدة التالية:
"يجوز في فاء الفعل الماضي، الثلاثي، المعتل الوسط، عند بنائه للمجهول ثلاثة أشياء: الضم، أو: الكسر، أو: الإشمام، بشرط أمن اللبس في كل حالة، فإن أوقع الضم في لبس وجب تركه إلى الكسر أو الإشمام، وأن أوقع الكسر في لبس وجب تركه إلى الضم أو الإشمام، وإن أوقع الإشمام في لبس وجب العدول
_________________
(١) ١ وذلك بعد حذف الفاعل وإقامة المفعول به "وهو: الكاف" مقامه، ولما كانت "الكاف" -كما أوضحنا في رقم١ من هامش ص ١٠٣- من الضمائر التي لا تقع في محل رفع أتينا مكانها بضمير للمتكلم مثلها مع صلاحيته، لأن يكون نائب فاعل في محل رفع، هو: تاء المخاطب، والمعنى المقصود في المثال الثاني المبني للمجهول هو الدلالة على وقع الزيادة على المخاطب، أما في المثال الأول فهو الدلالة على وقوع الزيادة من المخاطب "الفاعل"، على الصديق "المفعول به"، والفرق كبير بين الدلالتين مع اتفاق الصورة الشكلية للفعلين. ومن هنا يقع اللبس الذي يجب الفرار منه؛ بتغيير الشكل في المبني للمجهول
[ ٢ / ١٠٤ ]
عنه إلى النطق بحركة صريحة واضحة، وهي: الضمة أو الكسرة، بحيث يمتنع اللبس معها، وعند صحة الأمور الثلاثة، يكون الكسر أحسنها١، فالإشمام، ثم الضم وهو أقلها استعمالًا.
٦- وإن كان الماضي الثلاثي المبني للمجهول مضعفًا٢ مدغمًا؛ مثل الفعل: "عد" في: "عد الصيرفي المال"٣ جاز في فائه الأوجه الثلاثة، "الضم الخالص، وهو الأكثر هنا، فالإشمام، فالكسر الخالص"، تقول وتكتب: عرفت أن المال قد عد -بضم العين أو كسرها- كما يجوز الإشمام في حركتها عند النطق، وإذا خيف اللبس في وجه من الثلاثة وجب تركه إلى غيره؛ كالفعل: "عد" - "رد"، وأشباههما، فإن فعل الأمر منهما يكون مضموم الأول: فيلتبس به الماضي المبني للمجهول إذا كانت حركة فائه الضمة؛ إذ يقال: عد المال، رد العدو، فلا تتضح حقيقة الفعل؛ أهو فعل ماضي مبني للمجهول أم فعل أمر؟ وفي مثل هذه الحالة يجب العدول عن الضم إلى الكسر، أو الإشمام؛ لأن الكسر والإشمام لا يدخلان أول هذين الفعلين إذا كانا للأمر٤.
_________________
(١) ١ وبالكسر جاء قول الشاعر: إذا قيس إحسان امرئ بإساءة فأربى عليها فالإساءة تغفر ٢ مضعف الثلاثي: ما كانت عينه ولامه من جنس واحد؛ نحو: عد - مد - شق - صب. ٣ وفي قول الشاعر: ولم أر أمثال الرجال تفاوتًا إلى المجد؛ حتى عد ألف بواحد ٤ وإنما قرئ: "ردوا" بالضم قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ لوجود قرينة تمنع اللبس، هي: أن فعل الأمر لا يكون فعل شرط للأداة "لو" أو غيرها. وفي الأوجه الثلاثة الجائزة في الثلاثي معل العين، وفي الثلاثي المضعف، ومنع ما يوقع منها في لبس، يقول ابن مالك: واكسر أو اشمم "فاء" ثلاثي أعل عينًا، وضم جا، كبوع: فاحتمل أي: اكسر أو أشمم فاء الماضي الثلاثي المعل العين، وقد جاء فيه الضم عن العرب؛ فيجوز القياس عليه؛ واحتمل قبوله؛ لمجيئه عنهم، "فا" هي مقصور الحرف: "فاء"، و"جا" هي: مقصور الفعل: "جاء"، وعند قراءة كلمة "أو" في البيت تتحرك الواو بالفتحة التي انتقلت إليها من الهمزة التي بعدها، والأصل: أو اشمم؛ لأنه أمر من الفعل: "أشم" الرباعي، وقد انتقلت حركة الهمزة إلى الواو الساكنة بعد حذف الهمزة للوزن الشعري، ثم يقول: =
[ ٢ / ١٠٥ ]
٧- وتجوز الأوجه الثلاثة أيضًا في الحرف الثالث الأصلي من الماضي المعل العين؛ إذا كان على وزن؛ انفعل، أو: افتعل؛ مثل: "انقاد - انهال - انهار"، ومثل: "اختار - اجتاز - احتال ".
ويلاحظ هنا أن حركة الحروف الأول "وهو: همزة الوصل" لا تلزم صورة واحدة في ضبطها، فلا تقتصر على حركة معينة، وإنما تماثل وتساير حركة الحرف الثالث، وأن ضمة الثالث ستؤدي إلى قلب الألف التي بعده واوًا، وأن كسرته ستؤدي إلى قلبها ياء؛ فلا بد في حركة الحرف الأول -وهو همزة الوصل- من أن تكون مناسبة لحركة الثالث في الضم، أو الكسرة، أو الإشمام، كما سبق؛ فيقال ويكتب فيهما: انقود، أو: انقيد، أو: ينطق بالإشمام في حركة الحرف الأول والثالث، وكذا باقي الأفعال التي تشبه: "انقاد".
كذلك يقال ويكتب: اختور، أو: اختير، أو: ينطق بالإشمام في حركة الحرف الأول والثالث، وكذا يقال في باقي الأفعال التي تشبه: "اختار".
ويشبههما في الحكم السابق: "انفعل" و"افتعل" إذا كانا صحيحين مضعفي اللام؛ نحو: انصب - انسد - انجر - ومثل: امتد - اشتد - ابتل، فإذا بني فعل للمجهول من هذه الأفعال ونظائرها - جاز في حرفه الثالث - عند أمن اللبس - الضم، الخالص نطقًا وكتابة، أو: الكسر الخالص كذلك، أو الإشمام نطقًا، وفي كل حالة من الثلاث يتحرك الحرف الأول؛ - وهو همزة الوصل - بمصل حركة الحرف الثالث، نحو: انصب - أو انصب، امتد - امتد١.
_________________
(١) = وإن بشكل خيف لبس يجتنب وما لباع قد يرى لنحو حب يريد: أن أدى وجه من الأوجه الثلاثة السالفة إلى اللبس الذي لا يمكن معه تمييز الفعل المبني للمجهول من غيره، وإلى اختلاط المعاني -وجب اجتناب ذلك الوجه إلى آخر ليس فيه لبس. ثم بين أن ما ثبت من الأحكام لفاء الفعل: "باع" - وغيره من الماضي الثلاثي المعل الوسط - عند البناء للمجهول، قد يثبت لنحو: "حب" من كل فعل ماضي ثلاثي مضاعف، حيث يجوز في فائه الأمور الثلاثة، بشرط أمن اللبس؛ فإن خيف اللبس في أحدها وجب تركه. ١ وفي هذا يقول ابن مالك: =
[ ٢ / ١٠٦ ]
٨- إن كان الفعل جامدًا أو فعل أمر لم يصح بناؤه للمجهول مطلقًا
٩- إن كان الفعل ناقصًا "مثل: كان، وكاد، وأخواتهما"، فالصحيح أنه يبنى للمجهول، وتجري عليه أحكام المبني للمجهول١ بشرط الإفادة، وعدم اللبس -إلا الناقص الجامد؛ مثل: ليس، وعسى؛ لأن الجامد لا يبنى للمجهول- كما سبق.
_________________
(١) = وما لفا باع لما العين تلي في اختار، وانقاد، وشبه ينجلي وفي هذا البيت شيء من التعقيد بسبب التقديم، والتأخير، والحذف، والأصل الذي يريده: الذي يثبت لفاء: "باع" يثبت كذلك للحرف الذي تليه عين الفعل من نحو: "اختار" و"انقاد" أو شبه لهما ينجلي، "أي: يتضح" والمشابهة تكون في الوزن والإعلال، وهناك ما يشبههما من جهة انطباق الحكم عليه؛ كافعل وافتعل؛ الصحيحين مشددي اللام، تلي العين؛ أي: تليه، فالهاء محذوفة. والمعنى: ما تقرر من الأوجه الثلاثة في حركة الفاء من الفعل المعل العين، "مثل: باع، صام" يتقرر مثله للحرف السابق لعين الفعل المعلة، إذا كان الفعل على وزن: "افتعل" أو"انفعل" وأشباههما وما يلحق بهما. ١ بالرغم من صحة بناء هذه الأفعال للمجهول، فمن المستحسن عدم بنائها للمجهول؛ مسايرة للأساليب العليا، وأحكام البلاغة التي ترى فيها ثقلًا في النطق، وقبحًا في الجرس، وسيأتي في "ب" من ص ١٢٢ كلام خاص بخبر "كان" وحدها يتصل بما نحن فيه.
[ ٢ / ١٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- ورد عن العرب أفعال ماضية تشتهر بأنها ملازمة للبناء للمجهول، سماعًا عن أكثر قبائلهم، وهي الأفعال التي يعتبرها اللغويون مبنية للمجهول في الصورة اللفظية، لا في الحقيقة المعنوية١؛ ولذلك يعربون المرفوع بها فاعلًا؛ وليس نائب٢ فاعل، ومن أشهرها: هزل - دهش وشده، وهما بمعنى واحد -؛ ومنها: "شغف بكذا، وأولع به، وأهتر به، استهتر به، وأغري به، وأغرم به ، وكلها بمعنى واحد؛ هو: التعلق القوي بالشيء"، ومنها: أهرع، بمعنى: أسرع، ومنها: نتج، ومنها: عني بكذا؛ أي: اهتم به، ومنها: حم فلان "بمعنى أصابته الحمى" - أغمي عليه - فلج - امتقع لونه "بمعنى تغير" - زهي "بمعنى تكبر" و ٣.
لكن ما حكم مضارع هذه الأفعال؟ أيجب بناؤه للمجهول مثلها، أم يتوقف أمره -كماضيه- على السامع الوارد من العرب في كل فعل؟
الصحيح أنه مقصور على السماع الوارد في كل فعل٤، ومنه في الشائع: "يهرع، يعني، يولع، يستهتر ".
بقي توضيح المراد من أن تلك الأفعال الماضية ملازمة للبناء للمجهول سماعًا عن أكثر القبائل:
_________________
(١) ١ لأن الفاعل -في الأغلب- هو الذي فعل الفعل، أو قام به الفعل" وهذا ينطبق على الاسم المرفوع بعد هذه الأفعال. ٢ وهذا في الرأي الشائع الذي ورد صريحًا في كثير من المراجع؛ كالقاموس المحيط، في مقدمته تحت عنوان "المقصد، في بيان الأمور التي اختص بالقاموس"، وهو المقصود بعنوان: "مسألة"، وكالخضري في مواضع متفرقة، منها: باب "أبنية المصادر" عند الكلام على مصدر: "فعل" إلا إن كان المبني للمجهول لزومًا غير رافع الاسم بعده؛ نحو: سقط في يد المتسرع، "بمعنى: ندم"، فشبه الجملة نائب فاعل، وليس بفاعل: لأن الفاعل لا يكون شبه جملة. ٣ عقد "ابن سيده" في كتابه، "المخصص" "ج ١٥ ص ٧٢" بابًا سماه: ما جاء من الأفعال على صيغة ما لم يسم فاعله. ٤ جاء النص على هذا في مقدمة "القاموس" في "بيان الأمور التي اختص بها القاموس" تحت عنوان "مسألة".
[ ٢ / ١٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يرى أكثر النحاة أن المراد هو عدم استعمالها في معانيها السالفة مبنية للمعلوم؛ تقول: شدهت من الأمر، بالبناء للمجهول، ولا يصح عند هؤلاء شدهني الأمر، بالبناء للفاعل، لاعتمادهم على ما جاء في كتاب: "فصيح ثعلب"، ونحوه من التصريح القاطع بأنها لا تبنى للمعلوم.
وأنكر بعض المحققين -كابن بري١- ما قاله ثعلب وغيره من اللغويين والنحاة، وحجة ابن بري في الإنكار أن "ثعلبًا"، ومن معه لم يعلموا ما سجله ابن درستويه وردده؛ ونصه٢: "عامة أهل اللغة يزعمون أن هذا الباب لا يكون إلا مضموم الأول، ولم يقولوا: إنه إذا سمي فاعله جاز بغير ضم، وهذا غلط منهم؛ لأن هذه الأفعال كلها مفتوحة الأوائل في الماضي؛ فإذا لم يسم فاعلها فهي كلها مضمومة الأوائل، ولم نخص بذلك بعضها دون بعض، وقد بينا ذلك بعلته وقياسه؛ فيجوز: عنيت بأمرك، وعناني أمرك - وشغلت بأمرك، وشغلي أمرك - وشدهت بأمرك، وشدهني أمرك". ا. هـ، هذا ما نقله "ابن بري"١ وختمه بقوله: "وفي ذلك كفاية تغني عن زيادة إيضاح وبيان". ا. هـ.
ورأيه هو السديد الذي تؤيده النصوص الصحيحة التي تحمل الباحث على أن يسأل: كيف خفيت هذه النصوص على كثير من اللغويين والنحاة القدامى؟ وكيف رتبوا على وجود نوع وهمي من الأفعال يلازم البناء للمجهول -في رأيهم- أحكامًا خاصة؛ كمنع مجيء "صيغتي التعجب" من الثلاثي مباشرة، وعدم صحته إلا بوسيط، وكمنع صوغ "أفعل التفضيل" من مصادرها إلا بوسيط كذلك و و
ولا شك أن رأي "ابن بري"، ومن معه من المحققين هو السديد -كما تقدم- والأخذ به يؤدي إلى إلغاء تلك الأحكام الخاصة، ويبيح في الثلاثي "التعجب" المباشر، وكذا "التفضيل" بغير وسيط، ويرد لتلك الأفعال اعتبارها وحقها، ويجعل شأنها شأن غيرها من باقي الأفعال التي يصح أن تبنى للمعلوم حينًا، وللمجهول حينًا آخر، على حسب مقتضيات المعنى.
_________________
(١) ١ و١ ضبط القاموس الياء مشددة بالشكل. ٢ ما يأتي منقول مما يسمى بالاسم الآتي نصه: "الرسالة المشتملة على انتقاد "ابن الخشاب البغدادي" على العلامة "أبي محمد الحريري" في مقاماته، وانتصار الشيخ الإمام العلامة أبي محمد عبد الله بن بري للإمام الحريري في الرد على " ابن الخشاب". ا. هـ. وهذه الرسالة مطبوعة في ختام بعض طبعات "مقمات الحريري".
[ ٢ / ١٠٩ ]
ب- عرفنا١ أن نائب الفاعل يكون مرفوعًا بأحد شيئين؛ الفعل المبني للمجهول، واسم المفعول، فهل يرتفع بالمصدر المؤول المسبوك في أصله من "أن"، والفعل المبني للمجهول؟ انتهى النحاة إلى أن الأصح جوازه بشرط أمن اللبس، ومن أمثلتهم: عجبت من أكل الطعام؛ بتنوين المصدر "أكل" ورفع كلمة: "الطعام" على اعتبارها نائب فاعل له، والأصل عندهم: عجبت من أن أكل الطعام، فلما سبك المصدر المؤول صارت كلمة: "الطعام" نائب فاعل له بعد سبكه.
فإن أوقع في السبك لبس لم يصح؛ نحو؛ عجبت من إهانة علي، إذا كان علي هو المهان، "والأصل: من أن أهين علي"، فيتعين أن يكون المصدر مضافًا و"علي"، هو المضاف إليه المجرور، وهو في محل نصب مفعول به، ولا يصح الرفع؛ لوقوع اللبس بسببه.
وكما صح رفع نائب الفاعل بالمصدر المؤول يصح أن يكون مجرورًا باعتباره مضافًا إليه، والمصدر هو المضاف، فيكون نائب الفاعل مجرورًا لفظًا -مرفوعًا محلًا؛ كما يجوز جعل ما أضيف إليه المصدر في محل نصب على المفعولية. والفاعل محذوف من غير نيابة شيء عنه.
أما على الرأي الذي يمنع المصدر المؤول من رفع نائب فاعل يتعين إضافة المصدر لما بعده ويكون ما بعده -وهو المضاف إليه- في محل نصب على المفعولية٢.
بالرغم من أن الأصح -عندهم- جوازه، فالأنسب اليوم عدم الالتجاء إليه؛ لأنه لا يكاد يخلو من غموض وثقل ينافيان الأساليب الناصعة العالية، وأسس البلاغة، وهذان أمران لهما اعتبارهما، ويزيدهما قوة ورجاحة خلو المراجع المتداولة من أمثلة مسموعة من فصحاء العرب تؤيده.
ج- في الفعل الثلاثي المعل العين، وفي غيره من الأفعال الماضية المبنية للمجهول لغات أخرى، أعرضنا عنها؛ لأنها لهجات متعددة، لقبائل متباينة لا نرى خيرًا في استعمالها اليوم؛ حرصًا على الإبانة والتوحد المفيد قدر الاستطاعة، ومنعًا للتشتت والتعدد في أهم وسيلة للتفاهم والإيضاح، وهي: اللغة.
_________________
(١) ١ في رقم ١ من هامش ص٩٧. ٢راجع: " الخضري، والصبان".
[ ٢ / ١١٠ ]
المسألة ٦٨:
ب- الأشياء التي تنوب عن الفاعل بعد حذفه.
ننتقل إلى الأمر الثاني١ الذي يترتب على حذف الفاعل؛ وهو: إقامة نائب عنه يحل محله، ويخضع لكثير من أحكامه، -كما قلنا-.
والذي يصلح للنيابة عن الفاعل واحد من أربعة أشياء؛ المفعول به، والمصدر والظرف، والجار مع مجروره ٢، وقد تلحق بها -أحيانًا- حالة خامسة، ستيجيء٣.
١- فأما المفعول به فقد سبقت له أمثلة كثيرة، غير أن فعله قد يكون متعديًا لواحد؛ كالأمثلة المشار إليها، وقد يكون متعديًا لاثنين أصلهما المبتدأ والخبر؛ كمفعولي: "ظن" وأخواتها٤ -في مثل ظن الغلام الندى مطرا، أو ليس أصلهما المبتدأ والخبر، كمفعولي: "أعطى"، وأخواتها، ومنها: "كسا"، في مثل: أعطى الغني الفقير مالًا، وكسا المحتاج ثوبًا ٥، وقد يكون متعديًا لثلاثة؛ "كأعلم" و"أرى" ٦، نحو: أعلم الطبيب المريض الدواء شافيًا.
فإن كان الفعل متعديًا لمفعول به واحد، مذكور في الكلام أقيم هذا الواحد مقام الفاعل وإن كان متعديًا لاثنين مذكورين، فقد يكون أصلهما المبتدأ والخبر أو ليس أصلهما كذلك، فأي المفعولين ينوب؟
_________________
(١) ١ أما الأول فقد سبق في ص ٩٨. ٢ راجع ما قلناه أول الباب " في رقم ٥ من هامش ص ٩٧" من أن بعض النحاة يجيز تقديم نائب الفاعل إذا كان شبه جملة، وبيان السبب. ٣ في ص ١١٩، أما غير هذه الخمسة فسيجيء عنه كلام في الزيادة والتفصيل ص ١٢٢ أ- ومنه يعلم وجود أشياء أخرى. ٤ سبق بابها في ص ٣. ٥ ليس أصل المفعولين هنا المبتدأ والخبر، إذ لا يقال على سبيل الحقيقية اللغوية، لا المجاز: الفقير مال -المحتاج ثوب؛ لفساد المعنى الحقيقي على هذا. ٦ سبق بابهما في ص ٥٨.
[ ٢ / ١١١ ]
وإن كان متعديا لثلاثة مذكورة فأيها ينوب كذلك١.
خير الآراء وأنسبها: اختيار الأول للنيابة إذا كان هو الأظهر والأبين للقصد مهما كان نوع فعله، لكن لا مانع من تركه، واختيار غيره؛ فيكون في هذا اختيار لغير الأفضل، فإن كان غير الأول هو الأقدر على إيضاح المراد، وإبراز الغرض من لجلمة فنيابته مقدمة على نيابة الأول، ولا بد في كل الحالات من أمن اللبس؛ وإلا وجب العدول عما يحدثه إلى ما لا يحدثه، وفيما يلي أمثلة لأنواع الفعل المتعدي قبل بنائه للمجهول، وبعد بنائه، وما يحدث اللبس وما لا يحدثه.
فما لا يحدثه؛
"عرف المسترشد الصواب - عرف الصواب".
"ظن الجاهل الخفاش طائرًا - ظن الخفاش طائرًا - ظن طائر الخفاش".
" أعطى الوالد الطفل كتابًا - أعطى الطفل كتابا - أعطى كتاب الطفل".
"أعلمت التاجر الأمانة نافعة - أعلم التاجر الأمانة نافعة - أعلم الأمانة التاجر نافعة - أعلم نافعة التاجر الأمانة".
ولا يصح إنابة غير الأول في مثل: "أعطيت محمدًا فريقًا من الأعوان"، "منحت الشركة مهندسًا"؛ لأن كلا من الأول والثاني يصلح أن يكون أخذًا ومأخوذًا؛ فلا يمكن التمييز بينهما عند بناء الفعل للمجهول إلا باختيار أولهما ليكون نائب فاعل؛ لأن اختياره يجعله بمنزلة الفاعل في المعنى؛ فيتضح من تقدمه أنه الآخذ؛ وغيره المأخوذ، ومثل هذا يقال في: ظننت الولد الوالد، حيث يجب اختيار الأول للنيابة؛ لأن كلا منهما صالح أن يكون هو المظنون الشبيه بالآخر. ولا يمنع هذا اللبس إلا اختبار الأول وذلك للسبب السالف، ولا سيما أن الأول هنا
_________________
(١) ١ الخلاف بين النحاة عنيف متشعب فيما يصلح للنيابة عند تعدد المفعول به، وتباين أوصافه؛ أهو الأول وحده، فلا يصح إنابة غيره، أم الأول وغيره؛ فيختار واحد بغير تعيين؟ وهل الأول وغيره سواء عند الاختيار، مزية لأحدهما على الآخر؟ وهل بين المفعولين أو الثلاثة ما لا يصلح للنيابة؟ و و ولا نريد الإرهاق بسرد أوجه الخلاف، وأسبابه، وأدلته كما وردت في المطولات فليس في السرد ما يناسبنا اليوم، وحسبنا أن نستقصي الآراء، ونستصفي مال خير لتقدمه هنا.
[ ٢ / ١١٢ ]
هنا أصله مبتدأ، والمبتدأ متقدم بحسب أصل رتبته على الخبر، ومثل هذا يقال في: "أعلم السائق المهندس زميله مهملًا"، حيث يجب اختيار الأول؛ لما سلف.
وإذا وقع الاختيار على واحد وجب ترك ما عداه على حاله -كما كان- مفعولًا به منصوبًا ١.
ومما يجب التنبه له أن المفعول الثاني "لظن"، وأخواتها قد يكون جملة -كما سبق في بابها٢- فإن كان جملة لم يصح اختياره نائب للفاعل؛ لأن الفاعل ونائبه لا يقعان جملة٣ في الراجح، وينطبق هذا على غير "ظن" أيضًا؛ فهو حكم عام فيها وفي غيرها
٢ وأما المصدر -ومثله اسم المصدر- فيصلح للنيابة عن الفاعل بشرطين؛ أن يكون متصرفًا، ومختصًا، والمراد بالتصرف: ألا يلازم النصب على المصدرية،
_________________
(١) ١ وإلى بعض ما سبق يشير ابن مالك بقوله: باتفاق قد ينوب الثان من باب: "كسا" فيما التباسه أمن في باب: "ظن" و"أرى" المنع اشتهر ولا أرى منعًا إذا القصد ظهر يريد: أن النحاة اتفقوا - بناء على ما استنبطوه من كلام العرب - على جواز إنابة المفعول الثاني الذي فعله "كسا" وشبهه، - وهو الفعل الذي ينصب مفعولين، ليس أصلها المبتدأ والخبر - إذا أمن الالتباس، أما إنابة الثاني مما فعله "ظن" أو"رأى" - وأخواتهما فقد بين أن المشهور المنع، وهو لا يوافق على المنع إذا كان القصد ويتضح بالثاني، ولم يتعرض للمفعول الثالث الذي فعله ينصب ثلاثة، وقد ذكرنا أن حكمه كغيره. وسيعاد البيتان لمناسبة أخرى في هامش ص ١٢٠. ٢ ص ٢٤. ٣ قد تقع الجملة نائب فاعل إذا حكيت بالقول، وقصد لفظها بحروفها وضبطها - بالتفصيل المبين "في ب" من ص ٥٣؛ لأنها تكون حينئذ بمنزلة المفرد؛ بسبب قصد لفظها - مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض﴾، فيجوز أن تكون جملة: "لا تفسدوا" هي نائب الفاعل مرفوعة بضمة مقدرة على آخرها، منع من ظهورها الحكاية ومثل المحكية أيضًا المؤول بالمفرد؛ نحو: عرف كيف جاء علي، أي: عرف كيفية مجيء علي. "راجع ج١ م ٣٩ - هامش ص ٥٠٩ - حيث تفصيل الكلام على حالات إعراب: "كيف"، وبنائها وقد أشرنا إليه في رقم ١ من هامش ص ٦١ و١ من هامش ص ٦٧، وهذا يشمل المفعول الثاني لظن وغيرها. أما وقوع الجملة فاعلًا فقد سبق فيه في ص ٦٦ وأن الأرجح المنع.
[ ٢ / ١١٣ ]
وإنما ينتقل بين حركات الإعراب المختلفة؛ فتارة يكون مرفوعًا، وأخرى يكون منصوبًا، أو مجرورًا، على حسب حالة الجملة؛ مثل: فهم، جلوس، تعلم ؛ نحو: الفهم ضروري للمتعلم - إن الفهم ضروري - اعتمدت على الفهم و كذا الباقي ونظائره مما لا يلازم النصب على المصدرية؛ لأن ملازمته النصب على المصدرية تمنع أن يكون مرفوعًا مطلقًا؛ فلا يصلح نائب فاعل أو غيره من المرفوعات.
فإن كان المصدر - أو اسمه ١ - ملازمًا النصب على المصدرية لم يكن متصرفًا، ولم يصح اختياره للنيابة عن الفاعل؛ مثل: "معاذ"؛ فإنه مصدر ميمي لم يشتهر استعماله عن العرب إلا منصوبًا مضافًا٢ في نحو: معاذ الله أن يغدر الأمين، ومثل: "سبحان" ٣؛ فإنه اسم مصدر لم يشتهر استعماله عن العرب كذلك إلا منصوبًا مضافًا - في الأغلب - فلو وقع أحدهما نائب فاعل لصار مرفوعًا، ولخرج عن النصب الواجب له، وهو ضبط لا يصح مخالفته، ولا الخروج عليه؛ حرصًا على اللغة، ومحافظة على طرائقها المشهورة.
والمراد بالاختصاص: أن يكتسب المصدر من لفظ آخر معنى زائدًا على معناه المبهم، المقصور على الحدث المجرد؛ ليكون في الإسناد إليه فائدة، فالمعاني المبهمة المجردة "مثل؛ قراءة - أكل - سفر و وأمثالها"؛ يدل كل منها على معناه الذي يفهم من لفظه نصًا، دون زيادة شيء عليه؛ فكلمة: "قراءة" ليس في معناها الحرفي ما يدل على أنها قراءة سهلة أو صعبة، نافعة أو ضارة، و"الأكل" ليس في معناه الحرفي ما يدل على أنه لذيذ أو بغيض، قليل أو كثير، حار أو بارد و"السفر" ليس في معنى نصه الحرفي
_________________
(١) ١و ١ اسم المصدر في جميع ألفاظه وصيغه مقصور على السامع، "كما سيجيء في الباب الخاص بتعريفه وبأحكامه -ج ٣ م ٩٩ ص ٢٠١- ستأتي لهذه إشارة في رقم ٣ من هامش ص ٢١٤. ٢ "معاذ" في نحو: معاذ الله أن أنس الفضل، مصدر ميمي نائب عن اللفظ بفعله، "أي: يغني عن التلفظ بفعله"، والأصيل أعوذ بالله معاذًا، ثم حذف الفعل، وقام المصدر نائبًا عن لفظه، وأضيف، فصار: معاذ الله ويعرب مفعولًا مطلقًا، وستجيء إشارة له في ص ٢٣٦ م ٧٦، ولاستعماله غير مضاف، لضرورة الشعر". ٣ اسم مصدر معناه: التسبيح، وفعله: سبح، وستجيء إشارة له في ص ٢٣٤ م ٧٦؛ ولاستعماله في ضرورة الشعر غير مضاف.
[ ٢ / ١١٤ ]
ما يدل على أنه سفر قريب أو بعيد، سهل أو شاق، مرغوب فيه أو مرغوب عنه.. وهكذا يدل المصدر وحده -وكذا اسمه- على المعنى المجرد، أي: على ما يسمونه: "الحدث المحض" فمثل هذا المصدر، أو اسمه لا يصلح أن يكون نائب فاعل؛ لأن الإسناد إليه لا يفيد معنى جديد أكثر من معنى فعله، فكأنه جاء لتأكيد معنى فعله، وتوكيد المعنى الموجود ليس هو المقصود الأساسي من الإسناد، ولا يوصف بأنه معنى جديد، فلا يصح أن يقال: علم علم، فهم فهم إذ لا بد مع المصدر من زيادة معنى جديد على معناه الأصلي، ليكون صالحا للنيابة عن الفاعل، وهذه الزيادة تأتيه من خارج لفظه، وهي التي تجعله مختصا.
وتحدث بواحد أو أكثر من أمور متعددة؛ منها: وصفه؛ نحو: علم علم نافع - فهم فهم عميق، ومنها: إضافته؛ نحو: علم علم المخترعين، وفهم فهم العباقرة. ومنها: دلالته على العدد؛ نحو: قرئ عشرون قراءة وغير هذا من كل ما يزيل إبهام المصدر، واسمه، ويزيد معناهما على مجرد تأكيد معنى الفعل، ويجعل الإسناد إليهما مفيدًا فائدة جديدة أساسية.
ومما سبق نعلم لمراد من قولهم المختصر: "إن المصدر يصلح للنيابة إذا كان مفيدًا"، ويكتفون بهذه الجملة؛ لأن الإفادة لا تحقق إلا بالشرطين السالفين وهما: "التصرف والاختصاص".
٣ وأما الظرف بنوعيه فيصلح للنيابة عن الفاعل إذا كان مفيدًا أيضًا، وهذه الفائدة تتحقق بشرطين، أن يكون الظرف متصرفًا كامل التصرف، وأن يكون مختصًا.
والمراد بالتصرف الكامل: صحة التنقل بين حالات الإعراب المختلفة؛ من "رفع، إلى نصب، إلى جر؛ على حسب حالة الجملة"، وعدم التزامه النصب على الظرفية وحدها دائمًا، أو النصب على الظرفية مع الخروج عنها أحيانًا إلى شبه الظرفية، وهو الجر بالحرف "من" ١ - في الغالب؛ لأن عدم تصرفه
_________________
(١) ١ ينقسم الظرف -باعتبار التصرف وعدمه- إلى ثلاثة أقسام: ظرف كامل التصرف، وظرف ناقص التصرف، ويسمى أيضًا التشبيه بالمتصرف -وظرف غير متصرف مطلقًا، وسيجيء هنا موجز عنها، أما تفصيل الكلام على الأقسام كلها ففي باب الظرف ص ٢٤٢ م ٧٨.
[ ٢ / ١١٥ ]
الكامل يمنع وقوعه مرفوعًا - نائب فاعل أو غيره من المرفوعات، كما سبق - فمثال الظرف الكامل التصرف: يوم - زمان - قدام - خلف؛ لأنك تقول: اليوم يوم طيب - قضيت يومًا طيبًا - تطلعت إلى يوم طيب وتقول: قدامك فسيح - إن قدامك فسيح - سأتجه إلى قدامك، فهذه الظروف المتصرفة يصح وقوعها نائب فاعل إن كانت مختصة١.
ومثال الظرف غير المتصرف مطلقا، "وهو يلازم النصف على الظرفية وحدها": قط٢ - عوض ٣ - إذا - سحر؛ "بشرط أن يراد به سحر يوم معين دون غيره؛ ليكون ظرفصا ملازمًا للنصب"، فلا يصح أن يقع واحد من هذه الظروف - وأشباهها - نائب فاعل؛ فلا يقال عنه نائب فاعل في مثل: ما كتب قط - لن يكتب عوض - مما يجاء إذا جاء الصديق - مدح سحر. لا يقال ذلك٤ لعدم تحقق الفائدة المطلوبة من الإسناد، ولئلا يخرج الظرف عن الظرفية إلى غيرها، وهي الحكم الدائم الثابت له في الكلام العربي الأصيل الذي لا تجوز مخالفة طريقته.
ومثال الظروف الشبيه بالمتصرف "أي: الظرف ناقص التصرف، وهو الذي لا يترك النصب على الظرفية إلا إلى ما يشبهها؛ وهو الجر بالحرف "من" -غالبًا-
_________________
(١) ١ "ملاحظة": إذا صار الظرف نائب فاعل، أو شيئًا آخر غير النصب على الظرفية، فإنه لا يسمى ظرفًا -كما سيجيء في بابه، ص ٢٤٤. ٢ ستجيء له إشارة أخرى في "ب" من ص ٢٦١، والأشهر في ضبطه أن يكون بفتح القاف مع تشديد الطاء المضمومة، وأن يفيد استغراق الزمن الماضي كله منفيًا؛ لأنه -في الأشهر- لا بد أن يسبقه النفي أو شبهه؛ نحو: ما تأخرت قط، أي: ما تأخرت فيما انقضى من عمري إلى الآن، وهو ظرف مبني على الضم، "وفيه لغات أخرى أقل شيوعًا". و"قط" هذه غير التي في مثل: تصدق بدرهمين أو ثلاثة فقط، فإن هذه بمعنى: حسب"، والفاء زائدة لتزيين اللفظ. "وتفصيل المسألة وإيضاحها في ج ١ م ٣٠ ص ٣٨٢ عند بيت مالك في باب: " المعرف بأل": "أل" حرف تعريف أو اللام فقط ". ٣ هو ظرف لاستغراق الزمن المنفي؛ لأنه -في الغالب- يكون مسبوقًا بالنفي. وحكمه عند عدم إضافته: البناء على الضم أو الفتح أو الكسر، فإن أضيف كان معربًا؛ نحو: لن أنافق عوض العائضين -كما سيجيء في "ب" من ص ٢٦١. ٤ لا يقال ذلك؛ سواء اعتبرنا كلا منهما نائب فاعل، مرفوعًا مباشرة، أو اعتبرناه غير معرب، أي: نائبًا مبنيًا في محل رفع.
[ ٢ / ١١٦ ]
كما سبق " عند - ثم - مع وهذا النوع لا يصلح للنيابة عن الفاعل؛ لأنه كسابقه - لا يفيد الفائدة المطلوبة من الإسناد؛ ولأنه لا يصح إخراجه عن الحكم والضبط الذي استقر له وثبت في الكلام العربي المأثور؛ وهو النصب أو الجر الغالب بمن، فلا يقال: قرئ عند، ولا كتب ثم؛ ولا عرف مع١.
والمراد بالاختصاص هنا: أن يزاد على معنى الظرف معنى جديد آخر يكتسبه من كلمة تتصل به اتصالًا قويًا؛ ليزول الغموض والإبهام عن معناه، كأن يكون الظرف مضافًا؛ نحو: أذن وقت الصلاة - نودي ساعة البيع أو يكون موصوفًا؛ نحو: قضي شهر جميل في المصايف - قطع يوم كامل في السفر - أو يكون معرفًا٢؛ نحو: يحب اليوم؛ لأنه معتدل، أو غير ذلك مما يزيد معنى جديدا على الظرف، ويخرج معناه السابق من الإبهام والتجرد.
٤ وأما الجار مع مجروره فإن كان حرف الجر زائدًا - نحو: ما صودر من شيء - فلا خلاف أن النائب هو المجرور وحده - "وأنه مجرور لفظًا، مرفوع محلًا، فيجوز في التوابع مراعاة لفظه أو محله.
أما حرف الجر الأصلي مع مجروره - نحو: قعد في الحديقة الناضرة، فالصحيح أن الذي ينوب منهما عن الفاعل هو المجرور وحده ٣ "برغم أن الشائع
_________________
(١) ١ بعض النحاة يجير في مثل: جلس عندك - بإضافة الظرف إلى الضمير - أن يكون الظرف منصوبًا على الظرفية مع كونه في الوقت نفسه في محل رفع بالنيابة عن الفاع، ويجيز في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ أن يكون الظرف في الآية الأولى منصوبًا على الظرفية في محل رفع فاعلًا، وأن يكون في الآية الثانية منصوبًا على الظرفية في محل رفع مبتدأ. وهذا غريب، والمشهور في الآيتين ونظائرهما مما يضاف فيه الظرف إلى المبني أن يبنى على الفتح جوازًا؛ فيكتسب البناء من المضاف إليه. وفي هذه الحالة التي يبنى فيها على الفتح جوازًا تكون فتحته فتحة بناء، لا فتحة إعراب، فيكون مبنيا على الفتح في محل رفع، أو نصب، أو جر على حسب حاجة الجملة. ٢ ومنه التعريف بالعلمية؛ مثل: رمضان، للشهر المعروف، ومثل: "سحر" - في رأي - إذا جعل علمًا على سحر يوم معين عند القائلين بعلميته. ٣ فهو مجرور في الظاهر، ولكنه في المعنى والتقدير مرفوع، ولا يصح - في الرأي القوي - مراعاة هذا المعنى والتقدير في التوابع أو غيرها؛ فهو أمر ملاحظ عقليا فقط، ولا يجوز مراعاته أو تطبيق حكمه على غيره، شأنه في ذلك شأن المجرور بحرف جر أصلي بعد فعل لازم مبني للمعلوم؛ نحو: قعد الرجل في البيت، فإن كلمة: "البيت" مجرورة في اللفظ؛ لكنها في المعنى والتقدير منصوبة؛ لأنها بمنزلة المفعول به للفعل اللازم، ولا يصح في الرأي الأحسن مراعاة هذا النصب في التوابع أو غيرها؛ فنصبها التقديري أمر ملاحظ فيها عقليا، مقصور عليها وحدها؛ فالمجرور بحرف جر أصلي مع الفعل المبني للمجهول مرفوع "محلًا"، ورفعه هذا مقصور عليه، والمنصوب حمًا مع الفعل المبني للمعلوم منصوب محلًا، ونصبه هذا مقصور عليه؛ فكلاهما يشبه الآخر في حركة معنوية عقلية، مقصورة عليه وحده؛ لا يظهر لها أثر في غيره، "انظر رقم ١ من هامش ص ١٢٦ ثم رقم ٣ من هامش ١٥١ لأهميته حيث تجد رأيا آخر، وتعليقًا عليه".
[ ٢ / ١١٧ ]
على الألسنة هو: الجار مع مجروره، ولا مانع من قبوله تيسيرًا وتخفيفًا"١.
ويشترط لإنابتهما أن يكون الإسناد إليهما مفيدًا، وتتحقق الفائدة بأمرين؛ أن يكون حرف الجر متصرفًا، وأن يكون مجروره مختصًا.
والمراد من التصرف في حرف الجر ألا يلتزم طريقة واحدة لا يخرج عنها إلى غيرها.
كأن يلتزم جر الأسماء الظاهرة فقط؛ "ومن أمثلته: مذ - منذ - حتى "، أو جر النكرات فقط؛ "ومن أمثلته: رب" أو يلتزم جر نوع آخر معين من الأسماء؛ "كحروف القسم؛ فإنها لا تجر إلا مقسمًا به، وكحروف الجر التي للاستثناء "وهي: خلا - عدا - حاشًا"، فإنها لا تجر إلا المستثنى، ومثل: مذ ومنذ: فإنهما لا يجران إلا الأسماء الظاهرة الدالة على الزمان"، فلا يصح وقوع شيء من تلك الحروف مع مجروراتها نائب فاعل؛ فلا يقال نائب فاعل في مثل: صنع منذ الصبح، ولا زرع حتى الشاطئ، ولا قوتل رب رجل عنيد و ٢.
والمراد بالاختصاص: أن يكتسب الجار مع مجروره معنى زائدًا فوق معناهما
_________________
(١) ١ وفوق ذلك يريحنا من أنواع مرهقة من الجدل الثقيل حول إثبات أن النائب هو حرف الجر وحده، أو مجروره وحده و ٢ وكذلك يشترط ألا يكون معنى حرف الجر هو: "التعليل" كالذي يفهم من "اللام" و"الياء" وقد يفهم من حرف الجر "من" أحيانًا، والداعي لهذا الاشتراط عنهم أن حرف الجر حين يكون معناه التعليل يكون مجروره مبينًا على سؤال مقدر، أي: يكون بمنزلة جواب عن سؤال مقدر؛ فكأن المجرور من جملة أخرى، ويمثلون له بأمثلة منها قول الشاعر: يغضي حياء، ويغضي من مهابته فلا يكلم إلا حين يبتسم أي: يغضي هو، أي الطرف؛ لأن الإغضاء خاص بالطرف؛ فيدل عليه، ولا يصح عندهم أن يكون الجار والمجرور نائب فاعل؛ لأن معنى حرف الجر هنا: "التعليل"، فالمجرور مبني على سؤال مقدر، هو: لماذا يغضى؟ فأجيب: من مهابته، فكأن الجواب من جملة أخرى في رأيهم -كما سبق- لكن كيف نوفق بين هذا الرأي، وما يخالفه مما يأتي في: "أ" ص ١٢٢ الإجابة هناك.
[ ٢ / ١١٨ ]
الخاص بهما، ويجيئهما هذا المعنى الزائد من لفظ آخر يتصل بهما؛ كالوصف، أو المضاف إليه، أو غيرهما، مما يكسبهما معنى جديدًا؛ فتحصل الفائدة المطلوبة من الإسناد.
ومن أمثلة الجار والمجرور المستوفيين للشروط: أخذ من حقل ناضج - قطع في طريق الماء، فلا يصح: أخذ من حقل - قطع في طريق.
من كل ما سبق نعرف أن "الإفادة" هي الشرط الذي يجب تحققه فيما ينوب عن الفاعل من مصدر، أو ظرف، أو جار مع مجروره، وأن هذه الإفادة تنحصر في التصرف والاختصاص معًا.
٥- يلحق بما تقدم الجملة المحكية بالقول، وكذا المؤولة بالمفرد، طبقًا للبيان الذي سلف١ عنهما.
إلى هنا انتهى الكلام على الأشياء التي يصلح كل واحد منها أن يكون نائب فاعل إذا لم يوجد غيره في الجملة، فإذا وجد أكثر من واحد صالح للإنابة لم يجز أن ينوب عن الفاعل إلا واحد فقط؛ لأن نائب الفاعل -كالفاعل- لا يتعدد لكن ما الحق بالنيابة عند وجود نوعين مختلفين، صالحين، أو أكثر؟ يميل كثير من النحاة إلى الرأي القائل باختيار المفعول به٢ دائمًا، "أي في كل الحالات"؛ ليكون هو النائب؛ ويفضلونه على غيره، وهم -مع ذلك- يجيزون ترك الأفضل؛ ففي مثل: أنشد الشاعر القصيدة إنشادًا بارعًا في الحفل أمام الحاضرين، يكون الأفضل عندهم -حين بناء الفعل للمجهول- اختيار المفعول به نائبًا؛ فيقال: أنشدت القصيدة، إنشادًا بارعًا، في الحفل أمام الحاضرين، ولا مانع من ترك الأفضل واختيار غيره، كما قالوا.
_________________
(١) ١ في رقم ٣ من هامش ص ١١٣. ٢ ويبالغون، فيفضلونه، ولو كان من نوع المفعول به المنصوب على نزع الخافض، ويترتب على هذا الاختيار بعض صور لها أحكام خاصة، منها ما سيجيء في "ج" من ص ١٢٢.
[ ٢ / ١١٩ ]
والحق أن الرأي السديد الأنسب هو أن نختار من تلك الأنواع ما له الأهمية في إيضاح الغرض، وإبراز المعنى المراد، من غير تقيد بأنه مفعول به أو غير مفعول به، وأنه أول أو غير أول، متقدم على البقية أو غير متقدم، ففي مثل: "خطف اللص الحقيبة من يد صاحبتها أمام الراكبين في السيارة" - تكون نيابة الظرف: "أمام" أولى من نيابة غيره؛ فيقال خطف أمام الراكبين في السيارة الحقيبة من يد صاحبتها؛ لأن أهم شيء في الخبر وأعجبه أن تقع الحادثة أمام الراكبين، ويحورهم؛ وهم جمع كبير يشاهد الحادث فلا يدفعه، ولا يبالي بهم اللص
وقد تكون الأهمية في مثال آخر: للجار والمجرور؛ نحو: سرف في ديوان الشرطة سلاح جنودها وهكذا١.
_________________
(١) ١ وفيما سبق يقول ابن مالك: قابل من ظرف أو من مصدر أو حرف جر بنيابة حري يريد: أن اللفظ القابل للنيابة حر "أي: حقيق وجدير بها" إذا كان ذلك اللفظ ظرفًا أو مصدرًا؛ أو حرف جر، ولعل ابن مالك يريد: أو مجرور الحرف "فكلمة "قابل" مبتدأ خبره: "حر" وقد حذف التنوين ورجعت الياء عند الوقف؛ فصارت "حرى"، وقوله: "من ظرف" جار ومجرور، حال من الضمير في "قابل" أو صفة لقابل؛ فتقدير البيت نحويًا هو: ولفظ قابل للنيابة حر بنيابة؛ حالة كون هذا اللفظ ظرفًا، أو مصدرًا، أو حرف جر - أو هذا اللفظ موصوف بأنه من ظرف، أو من مصدر، أو حرف جر، ثم قال بعد ذلك: ولا ينوب بعض هذي إن وجد في اللفظ مفعول به وقد يرد يريد أنه لا يصح -في الغالب- إنابة شيء مما ذكره في البيت السابق مع وجود المفعول به، ثم عاد فقرر أنه قد يرد في الكلام الصحيح إنابة غير المفعول به مع وجوده، ثم سرد بعد ذلك بيتين سبق شرحهما في مكانهما الأنسب من هذا الباب ص ١١٣ - وهما: وباتفاق قد ينوب الثان من باب "كسا" فيما التباسة أمن في باب: "ظن وأرى" المنع اشتهر ولا أرى منعًا إذا القصد ظهر ثم ختم الباب بالبيت التالي: وما سوى النائب مما علقًا بالرافع، النصب له، محققًا يريد: أن النائب عن الفاعل سيصير مرفوعًا؛ لتعلق معناه بالفعل الرافع له؛ فلأن معناه علق =
[ ٢ / ١٢٠ ]
ومثل هذا يقال عند حذف الفاعل، وعدم وجود مفعول به في الجملة ينوب عنه، مع وجود أنواع أخرى تصلح للنيابة: فإن اختيار بعض هذه الأنواع دون بعض يقوم على أساس الأهمية ودرجتها؛ فما كان أكبر أهمية وأعظم تحقيقًا للمراد من الجملة، فهو الأحق بالاختيار، والأولى بالنيابة.
_________________
(١) = برافعه "وثبت أنه رافعه" لا بد أن يرتفع، وما سوى هذا النائب فالنصب له، أي: حكمه النصب "وكلمة محققًا، حال من الضمير، الهاء في: "له"، فإذا وجد في الكلام مفعول به أو أكثر، ومعه شيء آخر يصلح للنيابة عن الفاعل -فالذي وقع عليه الاختيار للإنابة يرتفع، وما عداه ينصب لفظًا، إلا الجملة المحكية، والمؤولة بالمفرد، وقد سبق حكمها في رقم ٣ من هامش ص ١١٣، وإلا المجرورة، فيبقى جزء على حاله لفظًا، وينصب محلًا، بالتفصيل الذي عرضناه.
[ ٢ / ١٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- في الإنابة عن الفاعل لا يجوز إنابة الحال، والمستثنى، والمفعول معه، والتمييز الملازم للنصب، والمفعول لأجله؛ فكل واحد من هذه الخمسة لا يصلح للإنابة؛ لأنها تخرجه من مهمته الخاصة، وتنقله إلى غيرها، وقد تتغير حركته الملازمة له. لكن فريقًا من النحاة يرى -بحق- جواز نيابة التمييز المجرور بالحرف "من"، وكذا نيابة المفعول لأجله المجرور، بشرط أن يحقق كل منهما الفائدة المطلوبة منه، والغرض من وجوده؛ نحو: يقام لإجلال العلماء النافعين، ويفاض من سرور رؤيتهم، ويسمى كل منهما: نائب فاعل، ويزول عنه الاسم السابق، ورأي هذا الفريق حسن١.
ب- الصحيح أنه لا يجوز إنابة خبر "كان"٢ ولا سيما المفرد؛ لعدم الإفادة؛ فلا يصح؛ كين قائم، "على فرض استساغته"؛ إذ معناه كما يقولون: حصل كون لقائم، ومن المعلوم أن الدنيا لا تخلو من حصول كون لقائم.
جـ- عرفنا٣ أن جمهرة النحاة تختار المفعول به -دون غيره- لإقامته نائبًا عن الفاعل المحذوف عند تعدد الأنواع الصالحة للنيابة، وقد شرحنا رأيهم، وأوضحنا ما فيه، ويترتب على الأخذ برأيهم ما يأتي:
إذا قلت: زيد في أجر الصانع عشرون - كانت "عشرون" باعتبارها مرفوعة النائب عنه الفاعل، ولا يكون الفعل متحملًا ضميرًا، ولا يلحق بآخره علامة تثنية أو جمع.
أما إذا قدمت: "الصانع" فقلت: الصانع زيد في أجره عشرون -فيجوز أحد أمرين:
١- أن تكون: "عشرون" مرفوعة على أنها نائب الفاعل، والفعل معها خال
_________________
(١) ١ لكن كيف نوفق بين هذا الرأي، وما يخالفه مما سبق في رقم ٢ من هامش ص ١١٨؟ في الرأي الآخر تضييق بغير داع. ٢ هذا الحكم خاص بخبر كان -دون أخواتها "انظر رقم ١ من هامش ص ١٠٧". ٣ في ص ١١٩.
[ ٢ / ١٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من الضمير، فلا يتصل بآخره علامة تثنية أو جمع، وفي هذه الصورة يجب بقاء الحال والمجرور، واشتماله على ضمير مطابق للاسم السابق - المبتدأ - ويكون هو الرابط، مثل: الصانعان زيد في أجرهما عشرون - الصانعون زيد في أجرهم عشرون وهكذا.
٢- نصب كلمة: "عشرين" على أنها ليست نائب فاعل١، وإنما النائب ضمير مصتل بالفعل؛ لأن الفعل في هذه الصورة يتحمل الضمير مستترًا أو بارزًا، يعود على المبتدأ ويطابقه ويكون هو الرابط، وفي هذه الحالة يمكن الاستغناء عن الجار ومجروره، أو عدم الاستغناء مع بقاء الضمير الذي في آخر المجرور، ومطابقته أيضًا للمبتدأ: "تقول: الصانعان زيدًا عشرين أو: الصانعان زيدًا في أجرهما عشرين" - "الصانعون زيدوا عشرين، أو الصانعون زيدوا في أجرهم عشرين " وهكذا.
_________________
(١) ١ والأحسن في هذه الصورة أن تعرب مفعولا مطلقا "أي: نائبة عن المصدر".
[ ٢ / ١٢٣ ]
المسألة ٦٩: اشتغال العامل عن المعمول
أ- في مثل: "شاورت الخبير" - يتعدى الفعل المتصرف: "شاور" بنفسه إلى مفعول به واحد؛ فينصبه؛ ككلمة: "الخبير" هنا، ويجوز - لسبب بلاغي، أو غيره - أن يتقدم هذا المفعول به الواحد على فعله١، ويحل في مكانه بعد تقدمه أحد شيئين:
إما ضمير عائد إليه، يعمل فيه الفعل الموجود النصب مباشرة، ويستغنى به عن ذلك المفعول المتقدم، فنقول: الخبير شاروته "فالهاء ضمير حل محل المفعول السابق، واكتفى به الفعل".
وإما لفظ ظاهر آخر، يعمل فيه الفعل المنصرف النصب أيضًا؛ بشرط أن يكون هذا اللفظ الظاهر سببًا٢ للمفعول به المتقدم الذي استغنى عنه الفعل، وأن يكون مشتملًا على ضمير يعود على ذلك المفعول به؛ نحو: الخبير شاورت زميله، فاللفظ الظاهر: "زميل" هو الذي حل محل المفعول به السابق، وهو سببي له ومضاف، والضمير في آخره مضاف إليه، عاد على المفعول به المتقدم.
والسببي في هذا المثال مضاف، ولكنه في مثال آخر قد يكون متبوعًا بنعت، ونعته هو المشتمل على الضمير المطلوب؛ نحو: التجارة عرفت رجلًا يتقنها؛ فجملة "يتقنها" نعت، وفيها الضمير العائد، وقد يكون متبوعًا بعطف بيان مشتمل على ذلك الضمير أيضًا؛ نحو: الصديق أكرمت الولد أباه، وقد يكون متبوعًا
_________________
(١) ١ بشرط ألا يفصل بين الفعل والمفعول به المتقدم فاصل، غير توابع الاسم المتقدم "من: النعت والتوكيد والعطف البياني، أو العطف بالواو، والبدل"، وغير المضاف إليه، وغير الظرف، وغير الجار ومجروره، ويصح الفصل بالأمرين؛ الظرف والجار ومجروره معًا، كما يجوز الفصل بما لا بد منه مما يقتضيه المقام، وذكر الضمير، فإن كان العامل وصفًا صالحًا للعمل جاز الفصل - كما سيجيء في ص ١٢٩. ٢ المراد بالسببي للاسم: كل شيء له صلة وعلاقة بذلك الاسم، سواء أكانت صلة قرابة، أم صدقة، أم عمل أم غير هذا معًا يكون فيه جمع، وارتباط بين الاسمين بنوع من أنواع الجمع والارتباط.
[ ٢ / ١٢٤ ]
بعطف نسق بالواو -دون غيرها- مشتملًا على الضمير المذكور، نحو: الزميلة أكرمت الوالد وأهلها، ولا يصلح من التوابع سببي غير أحد هذه الثلاثة.
ومن الممكن حذف ما حل محل المفعول به السابق من ضميره العائد إليه مباشرة، أو سببية المشتمل على ضميره يعود عليه كذلك، ومتى وقع هذا الحذف صار الاسم المتقدم مفعولًا به للفعل المتأخر عنه كما كان، وتفرغ هذا الفعل لنصبه.
وكالأمثلة السابقة نظائرها؛ نحو: يصاحب العاقل الأخيار أنجز الوعد وأشباههما؛ حيث ينصب الفعل المتصرف مفعولًا به واحدًا١؛ يجوز أن يتقدم على عامله، ويحل محله أحد الشيئين؛ إما ضميره العائد عليه مباشرة، والذي يعمل فيه الفعل الموجود النصب، ويستغنى به عن المفعول السابق؛ فنقول: الأخيار يصاحبهم العاقل - الوعد أنجزه - وإما لفظ ظاهر سببي يشتمل على ضمير يعود على المفعول به المتقدم، ويشتغل الفعل الموجود بنصبه، ويكتفي به عن ذلك المفعول؛ فنقول: الأخيار يصاحب العاقل زملاءهم - الوعد أنجز صاحبه وهكذا، من غير أن نتقيد في السببي بأن يكون مضافًا؛ فقد يكون مضافًا، أو منعوتًا، أو عطف بيان، أو عطف نسف بالواو، مع اشتمال كل واحد على الضمير العائد إلى الاسم السابق.
ويصح - كما سبق - حذف الضمير العائد على ذلك الاسم المتقدم، كما يصح حذف السببي وما فيه من ضمير عائد عليه أيضًا؛ فيصير الاسم المتقدم في الحالتين مفعولًا به للفعل المتأخر، ويتفرغ هذا الفعل لنصبه بعد أن كان قد انصرف عنه إلى الضمير المباشر، أو إلى السببي.
ب- وليس من اللازم أن يكون الفعل المتصرف متعديًا بنفسه مباشرة إلى المفعول به الواحد؛ وإنما يجوز أن يكون هذا الفعل قاصرًا لا يتعدى إلى المفعول به إلا بمساعدة حرف جر أصلي؛ نحو: فرحت بالنصر؛ فالفعل: "فرح" لازم لم ينصب مفعوله "وهو: النصر" بنفسه مباشرة؛ وإنما نصبه بمعونة حرف الجر:
_________________
(١) ١ وقد ينصب أكثر من واحد، ولكن الذي يتقدم عليه واحد فقط - كما سيأتي في رقم ٢ من هامش ص١٢٧.
[ ٢ / ١٢٥ ]
"الباء"، فكلمة "النصر" في ظاهرها مجرورة بالباء، ولكنها في المعنى والحكم بمنزلة المفعول به١، ويصح في هذه الكلمة المجرورة التي تعتبر بمنزلة المفعول به في المعنى والحكم، أن تتقدم وحدها -دون حرف الجر- على فعلها؛ بشرط أن يحل محلها بعد حرف الجر مباشرة أحد الشيئين: إما الضمير الذي يعمل فيه الفعل معًا وحكمًا، والذي يعود على المفعول به المعنوي السابق؛ نحو: النصر فرحت به، وإما لفظ آخر سببي، يعمل فيه الفعل، ويشتمل على ضمير يعود على المفعول به المعنوي "المحكمي" السابق، نحو: النصر فرحت بأبطاله٢.
ومثل هذا يقال في النظائر: من نحو؛ ينتصر الحق على الباطل - سر في طريق الخير ، حيث يصح: الباطل ينتصر الحق عليه - الباطل ينتصر الحق على أعوانه - طريق الخير سر فيه - طريق الخير سر في جوانبه، وهكذا، من غير أن نتقيد في السببي بأن يكون مضافًا؛ فقد يصح أن يكون واحدًا من التوابع الثلاثة التي ذكرناها.
ومن الممكن حذف الضمير أو السببي، فيرجع الاسم السابق إلى مكانه القديم فيعمل فيه عامله الجر.
جـ- وليس من اللازم أيضًا أن يكون العامل فعلًا، فقد يكون٣ اسم
_________________
(١) ١ ومع أنها بمنزلة المفعول به معنى وحكمًا لا يجوز نصبها مع وجود حرف الجر قبلها، كما لا يجوز -في الرأي الأنسب- اعتبارها في محل نصب: ولهذا لا يصح في توابعها إلا الجر فقط. "راجع رقم ٣ من هامش ص ١١٧ ثم رقم ٣ من هامش ص ١٥١ م ٧٠ - حيث الرأي الآخر، والتعليق عليه". ٢ إذا كان الاسم المشتغل عنه ظرفًا وجب في الضمير العائد عليه أن يجر بالحرف "في" نحو: يوم الخميس سافرت فيه، وهذا هو المشهور، ويجوز حذف حرف الجر؛ توسعًا، فيقال: سافرته؛ طبقًا للبيان المفصل الذي سيجيء في رقم ٣ من هامش ص ٢٤٧، ورقم ١ من هامش ص ٢٥٢. ٣ لا يكون العامل هنا إلا فعلًا متصرفًا، أو اسم فاعل، أو صيغة مبالغة، أو اسم مفعول، ولا يكون صفة مشبهة، ولا تفضيلًا، ولا وصف آخر؛ لأن ما بعد هذه الثلاثة من معمولاتها لا يكون مفعولًا به، ويشترط في هذا الوصف العامل ألا يوجد ما يمنعه من العمل في المتقدم؛ كاسم الفاعل المبدوء بكلمة "أل"، وكذلك إذا كان مجردًا منها ومعناه المضي المحض، فإنه لا ينصب مفعولًا به بعده، فلا يصلح أن يوضح عاملًا قبله، أو يرشد إليه إن كان محذوفًا، فلا اشتغال في مثل: المخترع أنا المادحه، ولا المخترع أنا مادحه أمس، ولا اشتغال إذا كان اسم المفعول للماضي، أو مقرونًا بأل، أو كان العامل اسم فعل؛ لأن اسم الفعل لا يتقدم معموله عليه؛ فهو لا يعمل فيما قبله؛ والذي لا يتقدمه مفعوله لا يصلح أن يكون موضحًا ولا دالًا على عامل قبله محذوف، لهذا السبب نفسه لا يصح الاشتغال إذا كان العامل مصدرًا، أو فعلا جامدًا، كفعل التعجب، وعسى، وليس، وغيرها من كل ما ليس له مفعول به، أو لا يصلح أن يتقدم عليه مفعوله، هذا إلى أن العامل في الاشتغال لا بد أن يكون مشتقًا والمصدر وما بعده مما ذكرناه هنا - ليس مشتقًا، نعم يجوز الاشتغال في المصدر، وفي اسم الفعل، وفي ليس، عند من يجيز تقديم معمول الأولين، وخير ليس، نحو: محمودًا لست مثله، أي: باينت محمودًا لست مثله، وهو رأي - على قلة أنصاره - مقبول، وفيه توسعة.
[ ٢ / ١٢٦ ]
فاعل، أو: اسم مفعول، فنحو: أنا مشارك الأمين، نقول فيه: الأمين أنا مشاركة١ - الأمين أنا مشارك رفاقه، ونحو: الحق منصور على الباطل، نقول فيه: الباطل الحق منصور عليه - الباطل الحق منصور على شياطينه.
فمتى تقدم المفعول به على عامله، وحل محله ما يشغل مكانه، ويغني العامل عن ذلك المفعول به المتقدم، فقد تحقق ما يسميه النحاة: "اشتغال العامل عن المعمول"، ويقولون في تعريف الاشتغال.
أن يتقدم اسم واحد٢، ويتأخر عنه عامل يعمل في ضميره مباشرة، أو يعمل في سببي للمتقدم، مشتمل على ضمير يعود على المتقدم، بحيث لو خلا الكلام من الضمير الذي يباشره العامل، ومن السببي، وتفرغ العامل للمتقدم - لعمل فيه النصب لفظا، أو معنى "حكما" حكما كما كان قبل التقدم.
فلا بد في الاشتغال من ثلاثة أمور مجتمعة، "مشغول"، وهو: العامل، ويسمى أيضا: "المشتغل"، وله شروط عرفناها٣، "ومشغول به": وينطبق على الضمير العائد على الاسم السابق مباشرة، كما ينطبق على اللفظ السببي الذي له ضمير يعود على ذلك المتقدم، و"مشغول عنه"، وهو: الاسم المتقدم الذي
_________________
(١) ١ سيأتي في الجزء الثالث "باب اسم الفاعل، م ١٠٢ ص ٢١٤ - الهامش رقم ١" ما نصه: "في هذا المثال - وأشباهه - نجد الاسم السابق منصوبًا مع أن الضمير الراجع إليه مجرور، لكنه مجرور في حكم المنصوب: لأن كلمة: مشارك"، أو"مساعد" - ونظائرهما في مثل هذا التركيب في حكم الفعل، وتنوينها ملحوظ، وإن لم يكن ملفوظًا، فالضمير هنا كالضمير في مثل: "أعليا مررت به" مجرور في حكم المنصوب "راجع شرح المفصل ج ٦ ص ٦٩"، وانظر "ب" السابقة ص ١٢٥. ٢ التقييد بواحد هو الرأي الصحيح عند عدم تعدد العامل المقدر، ولا مانع أن يكون العامل متعديا إلى أكثر من واحد، ولكن الذي يتقدم عليه هو معمول واحد له - كما سبق في رقم١ من هامش ص١٢٥. ٣ في الصفحات السابقة، وفي رقم٣ من هامش ص١٢٦، وانظر رقم١ من ص١٣٨.
[ ٢ / ١٢٧ ]
كان في الأصل متأخرا، مفعولا به حقيقيا أو معنويا "حكميا"، ثم تقدم على عامله، وترك مكانه للضمير المباشر، أو للسببي، فانصرف العامل عن المفعول، واشتغل بما حل محله.
ولا بد في هذا الاسم المتقدم أن يتصل بعامله بغير فاصل ممنوع بينهما١ إذا
_________________
(١) ١ وقد سبق في رقم١ من هامش ص١٢٤ ما يجوز الفصل به. وفي بيان "الاشتغال" وتوضيح أمره يقول ابن مالك: إن مضمر اسم سابق فعلا شغل عنه بنصب لفظه أو المحل-١ فالسابق انصبه بفعل أضمرا حتما موافق لما قد أظهرا-٢ "أي: إن شغل ضمير اسم سابق فعلا، عن نصب الاسم السابق لفظا أو محلا، مثل: البيت قعدت فيه - فانصب الاسم السابق بفعل مضمر "أي: غير ظاهر؛ لأنه محذوف" حتما، أي: إضمارا حتما، لا مفر منه في حالة النصب؛ لأنه محذوف، ويكون ذلك الفعل المحذوف موافقا للفعل الظاهر في الجملة من ناحية اللفظ والمعنى، أو المعنى فقط -كما سيأتي-" ذلك تقدير البيتين ومعناهما، مع ما فيهما من التواء النظم، بسبب التقديم والتخير، والحذف. يريد: حين يوجد اسم متقدم على فعله، ولهذا الاسم المتقدم ضمير يعود عليه، ويشغل فعله بدلا من نصب السابق لفظا أو محلا -فإن ذلك الاسم السابق يجوز نصبه، ولكن بفعل غير ظاهر حتما، فلا يجوز إظهاره، ويكون هذا الفعل المحذوف موافقا للفعل المذكور "فكلمة حتما: صفة لمصدر محذوف، أي: إضمارا حتما، فتعرب مفعولا مطلقا، و"بنصب" بمعنى عن: نصب، فالباء بمعنى: "عن" ثم بين بعد أبيات: أن العامل قد يتعدى إلى مفعوله بمساعدة حرف جر، فينصبه محلا، "أي: حكما" حين لا يتعدى إليه مباشرة، وعندئذ يفصل حرف الجر بينهما، وقد يفصل بينهما المضاف حين يكون المضاف إليه هو الضمير العائد للاسم السابق، والحكم في حالة فصل العامل المشغول كالحكم في حالة وصله المباشر بالمعمول، فيقول: وفصل مشغول بحرف جر أو بإضافة كوصل يجري-١ وصرح بعد ذلك بأن العامل هنا قد يكون فعلا أو وصفا عاملا، فالوصف العامل يساوي الفعل فيما تقدم، بشرط ألا يوجد مانع يمنع الوصف من العمل ونصب مفعوله إذا تقدم، فيقول: وسو في ذا الباب وصفا ذا عمل بالفعل، إن لم يك مانع حصل-١١ وقد شرحنا من قبل -في رقم٣ من هامش ص١٢٦- نوع الوصف الذي يصلح للعمل هنا، والمانع الذي يعوقه عن العمل، وسبب ذلك ثم ختم الباب بالبيت التالي: وعلقة حاصلة بتابع كعلقة بنفس الاسم الواقع-١٢ ومضمونه: أن السبي الخالي من الضمير إذا كان له تابع يشمل على ضمير عائد على الاسم السابق فإن العلقة "أي: العلاقة" تحصل وتتم بين العامل والتابع كما تحصل وتتم بالاسم الواقع بعد العامل مباشرة، وهذا الاسم هو ضمير المتقدم، أو سببيه المشتمل على ضميره.
[ ٢ / ١٢٨ ]
كان العامل فعلا١، أما إن كان وصفا فيجوز الفصل.
حكم الاسم السابق في الاشتغال:
يجوز في هذا الاسم السابق من ناحية إعرابه وضبط آخره، أمران -بشرط ألا يوجد ما يحتم أحدهما مما سنعرفه.
أولهما: إعرابه مبتدأ، والجملة بعده خبره٢.
وثانيهما: إعرابه مفعولا به لعامل محذوف وجوبا، يدل عليه ويرشد إليه العامل المذكور بعده في الجملة، فيكون العامل المحذوف وجوبا مشاركا للمذكور إما في لفظه ومعناه معا، وإما في معناه، فقط، ولا يصح الجمع بين العاملين ما داما مشتركين٣، إذ المذكور عوض عن المحذوف، فمثال الأول: الأمين شاركته، فالتقدير: شاركت الأمين شاركته، ومثال الثاني: البيت قعدت فيه، التقدير: لابست البيت، قعدت فيه: أو: لازمت البيت، قعدت فيه، ومثل: الحديقة مررت بها، أي: جاوزت الحديقة مررت بها، وهكذا نستأنس بالعامل المذكور في الوصول إلى العامل المحذوف وجوبا من غير أن نتقيد أحيانا بلفظ العامل المذكور أما معناه، فنحن مقيدون به في كل حالات الاشتغال.
مع جواز الأمرين السالفين فالأول "وهو إعرابه مبتدأ" أحسن؛ لأنه لا يحتاج إلى تقدير عامل محذوف، ولا إلى التفكير في اختياره، وفي موافقته للعامل المذكور، وقد تكون موافقته معنوية فقط؛ فتحتاج -أحيانًا- إلى كد الفكر٤.
_________________
(١) ١ يجوز الفصل بتوابع الاسم السابق، -إلا العطف بحرف غير الواو- وبالمضاف إليه، وشبه الجملة، وغير هذا مما سبق تفصيله كاملا في رقم١ من هامش ص١٢٤. ٢ في هذه الصورة التي يرفع فيها الاسم السابق - تخرج المسألة من باب: "الاشتغال" كما تخرج صور أخرى ستجيء "انظر رقم١ من هامش ص١٣٠". ٣ فإن لم يكونا مشتركين جاز أن يكون الأول مذكورا، ومعنى هذا جواز نصب الاسم السابق بفعل مخالف للمذكور، فلا اشتغال معه، -كما سنوضحه في الزيادة والتفصيل في رقم ٢ من ص١٣٨. ٤ والبلاغيون يفرقون بين الأمرين، إذ يترتب على أحدهما أن تكون الجملة اسمية، وعلى الآخر أن تكون فعلية، وفرق بلاغي بين المدلولين، مع صحتهما؛ لهذا يقولون: إن أحسن الأمرين هو ما يتفق مدلوله مع غرض المتكلم، فإن لم يعرف غرضه فهما سيان.
[ ٢ / ١٢٩ ]
والنحاة يتخيرون هذا الموضع للكلام على حكم كثير من الأسماء المتقدمة على عواملها وينتهزون فرصة: "الاشتغال" ليعرضوا أحكام تلك الأسماء؛ سواء منها ما يدخل في باب: "الاشتغال" وتنطبق عليه أوصافه التي عرفناها، وما لا يدخل فيه، ولا تنطبق عليه صفاته١: وهم يقسمونها ثلاثة أقسام٢: ما يجب نصبه، وما يجب رفعه، وما يجوز فيه الأمران.
_________________
(١) ١ كالحالة التي يجب فيها رفع الاسم السابق؛ إذ لا ينطبق عليها في الصحيح تعريف "الاشتغال" الأصيل، ومثلها حالات الرفع الأخرى التي يكون الرفع فيها جائزًا، فحالة الرفع بنوعيه لا ينطبق عليها -في الصحيح- الاشتغال الحقيقي ما دام الاسم مرفوعًا. كما سيجيء في "ب" من ص ١٣٢ ثم انظر رقم ٢ من ص ١٣٨. ٢ الواقع أنهم يقسمونها خمسة أقسام، "قسم يجب فيه النصب"، وقسم يجب فيه الرفع، وقسم يجوز فيه الأمران والنصب أرجح، وقسم يجوز فيه الأمران والرفع أرجح، وقسم يجوز فيه الأمران على السواء"، وواضح أن هذا التقسيم يوجب النصب وحده في بعض حالات، ويوجب أخرى كذلك، ويجيز الأمرين في كل حالة من الأحوال الثلاثة الباقية، ولكن هذه الإجازة قد تكون مع الترجيح أحيانًا؛ كأن يكون النصب هو الأرجح؛ فيكون الرفع هو الراجح؛ أو العكس؛ "بأن يكون النصب هو الراجح، والرفع هو الأرجح"، واستعمال الراجح ليس معيبًا ولا ضعيفًا من الوجهة اللغوية، نعم هو -مع كثرته وقوته- لا يبلغ "درجة" الأرجح فيهما، لكن كلاهما عربي فصيح، وهذه الأرجحية مزية يسيرة إذا كان الداعي لها أمرًا بلاغيًا مما يطأ ويتغير بحسب الدواعي، فهي ليست أرجحية ذاتية دائمة؛ إنما هي خاضعة لأذواق البلغاء في العصور اللغوية المختلفة، متفاوتة بتفاوت تلك الأزمان والدواعي؛ -لكيلا تتجر البلاغة وتجمد عند حد لا تتجاوزه كما يصرح علماؤها - فالراجح قد يشيع ويكثر استعماله في عصر لغوي؛ فيكون هو الأرجح، وعندئذ ينزل الأرجح إلى "درجة" الراجح، ثم يبدل الحالة مرة أخرى في عصر لغوي جديد، فيذيع استعمال بلاغي لم يكن ذائعًا من قبل، بل في بيئة أخرى مع اتحاد العصر، فيقع التغيير في "الدرجة" كما وصفنا؛ وهكذا دواليك = فالتفاوت بينهما منشؤه الأرجحية التي قد تتغير، ولا تثبت -كما قلنا - ولو كان منشؤه القلة الذاتية المعيبة والضعف، أو الحسن والقبح اللغويين، لوجب الاقتصار على القوي دون الضعيف، وعلى الحسن دون القبيح، لهذا لا داعي لكثرة الأقسام، والأحكام، وتعدد الآراء في كل حكم، وما يتبعه من عناء لا طائل وراءه. على أنا سنشير إلى أقسامهم الخمسة "في ص ١٣٧"، ونصف منها بالقلة ما وصفوه، علمًا بأن هذه القلة -كما سبق- ليست المعيبة في الاستعمال، ولا المانعة من القياس على نظائرها؛ لأنها نسبية لا ذاتية، أي: أنها قلة عددية راجحة، بالنسبة للكثرة العددية التي للأرجح، ولو كانت القلة معيبة هنا ما وصفوا الضبط الوارد بها بأنه "راجح"، وأن غيره أرجح؛ إذ المعيب الذي لا يصلح استعماله لا يوصف بأنه راجح ولا حسن، وفوق هذا فالخلاف محتدم في أمر هذي الوصفين وانطباقهما، أو عدم انطباقهما على بعض أقسامهم.
[ ٢ / ١٣٠ ]
١ فيجب نصب الاسم السابق إذا وقع بعد أداة لا يليها إلا الفعل، كأداة الشرط، وأداة التحضيض١، وأداة العرض١، وأداة الاستفهام٢، إلا الهمزة ٣؛ نحو: "إن ضعيفًا تصادفه٤ فترفق به - حيثما أديبا تجالسه يؤنسك" - "هلًا حلمًا تصطنعه - ألا زيارة واجبة تؤديها" - "متى عملًا تباشره؟ أين الكتاب وضعته؟ "فلا يجوز الرفع في هذه الأمثلة ونظائرها على الابتداء، أما الرفع على أنه فاعل، أو نائب فاعل لفعل محذوف، أو أنه اسم لكان المحذوفة - فجائز٥.
ومن الأمثلة للرفع قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾، وقول الشاعر:
_________________
(١) ١ و١ التحضيض هو: الحث وطلب الشيء بقوة وشدة تظهر في نبرات الصوت وكلماته، والعرض: طلب الشيء برفق وملاينة، تعرف من نبرات الصوت، وصياغة كلماته أيضًا، وكثير من أدواتهما مشترك بينهما؛ مثل: - هلًا - ألا - ألا - لولا - لوما "، ولهذه الأدوات باب خاص - في ج ٤ م ١٦٢ - بفصل أحكامها المختلفة التي منها: اختصاصها بالفعل إذا كانت للتحضيض أو العرض". ٢ إنما تكون أدوات الاستفهام مختصة بالفعل وحده إذا وقع بعدها في جملتها؛ كالمثالين المذكورين؛ بخلافها في نحو: متى العمل؟ - أين الكتاب؟ لخلو كل جملة من فعل بعد أداة الاستفهام، أي: أن وجود الفعل بعد أداة الاستفهام - غير الهمزة؛ لأنها ليست مختصة بالأفعال، بل تدخل عليها كما تدخل على الأسماء ووقوعه متأخرًا عنها في جملتها، يجعل هذه الأداة مختصة بالدخول على الفعل. ٣ لما تقدم من أنها غير مختصة بالأفعال، وفي هذا الموضع الذي يجب فيه النصب يقول ابن مالك: والنصب حتم إن تلا السابق ما يختص بالفعل؛ كإن، وحيثما-٣ "تلا السابق: أي: وقع الاسم السابق بعد ما يختص بالفعل". ٤ المضارع هنا مرفوع لا يصح جزمه؛ لأنه ليس فعلًا للشرط؛ لأن الشرط المجزوم هو الفعل المحذوف مع فاعله، وموضعهما؛ بعد اداة الشرط مباشرة - بغير فاصل - أما هذا الفعل المذكور فهو مع فاعله جملة مضارعية مفسرة يتحتم رفع مضارعها، وهي تفسر الجملة الفعلية التي حذفت، وبقي معمولها المنصوب والتي بعد أداة الشرط مباشرة، فالمفسر جملة، وكذلك المفسر، ولا يصح أن يكون الفعل المذكور هو المفسر وحده، بالرغم من أنه للفعل المحذوف، والدال عليه، وسيجيء في الزيادة والتفصيل في رقم ٤ من ص ١٣٩ وما بعدها" بيان مناسب عن الفعل إذ كان هو المفسر وحده، وأنه يكون كذلك عند رفع الاسم الواقع بعد أداة الشرط، باعتباره مرفوعًا لفعله المحذوف، وعن الجملة الفعلية إذا كانت بتمامها هي المفسرة، وليس الفعل وحده. ٥ سيجيء في الزيادة والتفصيل "ص ١٣٨ رقم ٣ و٤ وما بعدهما" إيضاح واف عن النصب الواجب ومكانه، ثم عن هذا الرفع وما يقال فيه، ثم تعقيبه بعرض للرأي السديد.
[ ٢ / ١٣١ ]
وليس بعامر بنيان قوم إذا أخلاقهم كانت خرابا
وقول الآخر:
وإذا مطلب كسا حلة العار فبعدا١ لمن يروم نجازه٢
التقدير: وإن استجارك أحد من المشركين استجارك وإذا كانت أخلاقهم كانت ٣ وإذا كسا مطلب كسا حلة العار وهكذا ٤.
ب- ويجب ٥ رفع الاسم السابق:
١- إذا وقع بعد أداة لا يليها إلا الاسم؛ فلا يجوز أن يقع بعدها فعل؛ مثل: إذا "الفجائية"٦ نحو: خرجت فإذا الرفاق أشاهدهم؛ فيجب رفع كلمة: "الرفاق"، ولا يجوز نصبها على الاشتغال بفعل محذوف؛ لأن "إذا الفجائية" لا يقع بعدها الفعل مطلقًا؛ لا ظاهرًا ولا مقدرًا.
_________________
(١) ١ فهلاكًا "دعاء بالهلاك". ٢ إنجازه، والحصول عليه. ٣ ومثله قول الشاعر: وما استعصى على قوم منال إذا الإقدام كان لهم ركابا ٤ ومن الأمثلة أيضًا قول الشاعر: إذا أنت أعطيت الغنى ثم لم تجد بفضل الغنى ألفيت مالك حامد الأصل: أعطيت الغنى فحذف الفعل: "أعطي الأول"، وبقي نائب فاعله: "التاء، وهو ضمير واجب الاتصال، لا يستقل بنفسه، فأتينا مكانه بضمير منفصل له معناه وحكمه، وهو: أنت. ومثل هذا يقال في كلمة: "حن" من قول الشاعر: ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا الأصل: وإن أومأنا أومأنا، حذف الفعل الأول، وبقي فاعله: "نا" وهو ضمير متصل لا يستقل بنفسه، فأتينا مكانه بما يصلح محله، وهو: "نحن". وكذلك الضمير: "نحن" في قول الآخر: إذا نحن ناصرنا امرأ ساد قومه وإن لم يكن من قبل ذلك يذكر "انظر ما يوضح هذا في ص ١٤١ وما بعدها". ٥ وهذه الحالة -كغيرها من حالات الرفع الواجب والجاز- ليست داخلة في الاشتغال الأصيل "انظر رقم ١ من هامش ص ١٣٠". ٦ سبق إيضاح لها في ج ١ ص ٤٨٢.
[ ٢ / ١٣٢ ]
ومثل "إذا" الفجائية أدوات أخرى؛ منها: "لام" الابتداء في نحو: إني للوالد أطيعه؛ فلا يجوز نصب كلمة: "الوالد" على الاشتغال، ولا اعتبارها مفعولًا به لفعل محذوف مع فاعله؛ لأن لام الابتداء لا تدخل على المفعول به.
ومنها: واو الحال الداخلة على الاسم الذي يليه المضارع المثبت، في مثل: أسرع والصارخ أغيثه، فلا يصح نصب "الصارخ" على اعتباره مفعولًا به لفعل محذوف مع فاعله، وتقديرهما: "أغيث" والجملة من الفعل المحذوف مع فاعله في محل نصب على الحال لا يصح هذا؛ لأن الجملة المضارعية التي مضارعها مثبت، غير مسبوق بلفظ: "قد" لا تقع حالًا -على الأرجح- إذا كان الرابط هو: "الواو" فقط١، كهذا المثال وأشباهه.
ومنها: "ليست" المتصلة "بما" الزائدة؛ فلا نصب على الاشتغال في مثل: ليتما وفي أصادفه؛ لأن "ما" الزائدة لا تخرج "ليت" من اختصاصها بالأسماء؛ إذ يجوز إعمال "ليت" وإهمالها؛ فالمنصوب بعدها اسم لها، ولا يصح أن يقع بعدها فعل مطلقًا.
٢- وكذلك يجب رفع الاسم السابق إذا وقع قبل أداة لها الصدارة في جملتها؛ فلا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وبعد تلك الأداة العامل، مثل أداة الشرط، والاستفهام٢ وما النافية ولا النافية الواقعة في جواب قسم٣؛ فلا يصح نصب الاسم السابق في نحو: الكتاب إن استعرته فحافظ عليه - المريض هل زرته؟ الحديقة ما أتلف زروعها - والله الذنوب لا أرتكبها؛ لأن هذه الأدوات لها الصدارة، فلا يعمل ما بعدها فيما قبلها؛ "أيك لا يجوز أن يتقدم
_________________
(١) ١ كما سيجيء في ص٣٩٨ من باب الحال. ٢ انظر رقم٢ من هامش ص١٣١. ٣ ومما لا يعمل ما بعده فيما قبله: أدوات التحضيض والعرض، ولام الابتداء، وكم الخبرية، والحروف الناسخة، "ما عدا أن"، والموصول، والموصوف، وحروف الاستثناء، فكل هذا لا يعمل ما بعده فيما قبله، فلا يصلح دالا على المحذوف، فلا يصح النصب في الأسماء التي في أول الجمل التالية: التائة هلا أرشدته - الضال ألا هديته -الخائف لأنا مؤمنه - الهرم كم مرة زرته!! - الخير إني أحببته - النزيه الذي أصطفيه - الغناء فن أهواه - شاع ما المال إلا ينفقه العاقل في النافع، أما حرفا التنفيس فالشائع جواز النصب والرفع في الاسم الذي يسبقهما، نحو الرسالة سأكتبها - القصيدة سوف أحفظها.
[ ٢ / ١٣٣ ]
معمولها عليها، ولا معمول لعامل بعدها"، وما كان كذلك لا يصلح أن يكون دالًا على عامل محذوف يماثله، ولا مرشدًا إليه١ ومثلها: أدوات الاستثناء؛ فلا نصب في نحو: ما السفر إلا يحبه الرحالون١.
ج ويجوز الأمران٢، في غير القسمين السالفين، فيشمل ما يأتي:
١ - الاسم - المشتغل عنه - الذي بعده فعل دال على طلب؛ كالأمر٣، والنهي، والدعاء؛ نحو: الحيوان ارحمه - الطيور لا تعذبها - اللهم
_________________
(١) ١ و١ لأن ما لا يصلح أن يكون عاملًا بنفسه لا يصلح أن يكون مفسرًا لعامل محذوف، وفي وجوب الرفع يقول ابن مالك: وإن تلا السابق ما بالابتداء يختص فالرفع التزمه أبدا-٤ كذا إذا الفعل تلا ما لم يرد ما قبل معمولًا لما بعد، وجد-٥ ومعنى البيتين: إن تلا الاسم السابق ما يختص بالابتداء - أي: أن وقع الاسم السابق بعد لفظ مختص بالدخول على المبتدأ - فالتزم رفع ذلك الاسم السابق. كذلك يجب رفع الاسم السابق إذا كان الفعل المشتغل قد وقع بعد لفظ لا يرد ما قبله معمولًا لعامل بعده، "الفعل تلا ما لم يرد ما قبل معمولًا لما بعد وجد"، أي: تلا الفعل شيئًا، لم يرد ما قبل ذلك الشيء معمولًا لما وجد بعده، وفي هذا البيت شيء من التعقيد. ٢ مع ملاحظة أن المسألة لا تكون من باب: "الاشتغال" في حالة ضبط الاسم السابق بالرفع - كما سبق في رقم ١ من هامش ص ١٣٠. ٣ سواء أكان الأمر بصيغة فعل الأمر؛ نحو: التردد اجتنبه، أم بلام الأمر الداخلة على المضارع؛ نحو: التردد لتجتنبه. "ملاحظة" هذا من المواضع التي بعدها النحاة جائزة النصب والرفع، ولكن النصب عندهم أرجح؛ بحجة "أن الإخبار بالطلب عن المبتدأ قليل، وخلاف القياس؛ لعدم احتمال الصدق والكذب إلا بتأويل بل قيل بمنعه، وإنما اتفقت السبعة على الرفع في آية السرقة وهي قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾؛ لأنه ليس مما نحن فيه؛ لتقديره عند سيبويه: "مما يتلى عليكم حكم السارق " فخبره -وهو الجار والمجرور- محذوف، والفعل "اقتلوا" بعده مستأنف لبيان الحكم؛ فالكلام جملتان؛ لأن هذا ليس من مواضع دخول الفاء في الخبر عنده، أما عند المبرد فالجملة الفعلية خبر ودخلته الفاء لما في المبتدأ في معنى الشرط؛ ولذا امتنع النصب؛ لأن ما بعد فاء الجزاء وشبهها لا يعمل فيما قبلها". ا. هـ كلام الخضري، ومثله في الصبان وغيره.
[ ٢ / ١٣٤ ]
الشهيد ارحم، أو: الشهيد ﵀.
وكذلك إن وقع الاسم السابق بعد أداة يغلب أن يليها فعل، كهمزة الاستفهام، نحو: أطائرة ركبتها؟ وكأدوات النفي الثلاثة: "ما - لا إن"؛ نحو: ما السفه نطقته - لا الوعد أخلفته، ولا الواجب أهملته - إن السوء فعلته، ومثل: "حيث" المجردة من "ما"، نحو: اجلس حيث الضيف أجلسته.
وكذلك إن وقع الاسم السابق عد عاطف تقدمته جملة فعلية، ولم تفصل كلمة: "أما"١ بين الاسم والعاطف؛ نحو: خرج زائر والقادم استقبلته، فلو فصلت "أما" بينهما كان الاسم "المشتغل عنه" في حكم الذي لي يسبقه شيء؛ نحو: خرج زائر، وأما المقيم فأكرمته.
فالأمثلة في كل الصور السابقة وأشباهها، يجوز فيها الأمران، النصب والرفع. وجمهرة النحاة تدخلها في النوع الذي يجوز فيه الأمران قياسًا، والنصب أرجح١ عندهم، وحجتهم: أن الرفع يجعل الاسم السابق مبتدأ، والجملة الطلبية بعده خبر، ووقوع الطلبية خبرًا -مع جوازه- قليل بالنسبة لغير الطلبية، أو يجعل الاسم السابق مبتدأ بعد همزة الاستفهام ونحوها، ووقوع المبتدأ بعدها - مع جوازه- قليل أيضًا، لكثرة دخولها على الأفعال دون الأسماء، أو يجعل الجملة الاسمية بعده إذا كانت غير مفصولة بأما٢، معطوفة على الجملة الفعلية قبله؛
_________________
(١) ١ كان الفاصل المراد هنا -غالبا- هو: "أما"؛ لأن ما ما بعدها مستأنف، ومنقطع في إعرابه عما قبلها: فلا أثر للفصل بغيرها "راجع الأمر الثالث ص١٣٨". ٢ وإلى الأمور التي مرت في القسم الأول يشير ابن مالك، ويبين أن المختار النصب فيقول: واختير نصب قبل فعل ذي طلب وبعد ما إيلاؤه الفعل غلب-٦ وبعد عاطف -بلا فصل على معمول فعل مستقر أولا -٧ يريد: أن النصب والرفع جائزان في أمور، ولكن النصب هو المختار فيها، وذلك حين يقع الاسم السابق قبل فعل دال على الطلب، "انظر رقم ٣ من هامش الصفحة السابقة لأهميته" أو: بعد شيء غلب إيلاؤه الفعل، "أي: غلب أن يليه ويقع بعده الفعل، كهمزة الاستفهام"، وكذلك بعد عاطف يعطف الاسم السابق على معمول لفعل آخر مذكور أول جملته بغير فصل بين العاطف والمعطوف، وصياغة البيت الثاني عاجزة عن تأدية المراد منه، إذ المراد أن الاسم المشتغل عنه =
[ ٢ / ١٣٥ ]
والعطف عل جملتين مختلفتين في الاسمية والفعلية -مع صحته- قليل.
٢- الاسم السابق "أي: المشتغل عنه" الواقع بعد عاطف غير مفصول بالأداة: "أما" وقبله جملة ذات وجهين١، مع اشتمال التي بعده في حالة نصبه على رابط يربطها بالمبتدأ السابق٢، -كالضمير العائد عليه، أوالفاء المفيدة للربط به-، نحو: "النهر فاض ماؤه صيفا، والحقول سقيناها من جداوله" - "العلم الحديث نجح في غزو الكون السماوي، فالعلوم الرياضية، استلهمها الغزاة قبل الشروع"، فيصح رفع كلمتي: "الحقول - والعلوم" على اعتبار كل منهما مبتدأ، خبره الجملة الفعلية بعده، وهذه الجملة الاسمية معطوفة على الاسمية التي قبلها، ويجوز نصب الكلمتين على أنهما مفعولان لفعل محذوف، والجملة من هذا الفعل المحذوف وفاعله معطوفة على الجملة الفعلية الواقعة خبرا قبلهما، وفي الحالتين تتفق الجملتان المعطوفتان مع الجملتين، المعطوف عليهما في ناحية الاسمية أو الفعلية، فيجري الكلام على نسق واحد، ولهذا يتساوى٣ الأمران.
_________________
(١) = يجوز فيه الأمران، والنصب أرجح إذا كان ذلك الاسم واقعًا -مباشرة- بعد عاطف يعطف جعلته التي تحتويه، على الجملة الفعلية قبله والتي استقر مكان فعلها في أولها، سواء أكان المعمول في الجملة الفعلية السابقة مرفوعًا؛ مثل: غاب حارس وحارسًا أحضرته "فكلمة حارس" الأولى فاعل وهو معمول للفعل: غاب" أم معمولًا منصوبًا، نحو: صافحت رجلًا، وجنديًا كلمته "فكلمة: رجلًا" مفعول، وهو معمول للفعل: معمولًا منصوبًا، نحو: صافحت رجلًا، وجنديًا كلمته، "فكلمة: رجلًا" مفعول، وهو معمول للفعل: صافح" فنصب الاسم المشتغل عنه يقتضي أن يكون مفعولًا لفعل محذوف يوضحه المذكور بعده، والجملة عن الفعل المحذوف وفاعله معطوف على الجملة التي قبلها، فالعطف عطف جملة فعلية على جملة فعلية وليس عطف مفردات، فلا معنى لقول ابن مالك: إن العطف على معمول فعل مستقر في أول جملته التي قبل العاطف، ذلك أن المعمول في الجملة السابقة ليس معطوفًا عليه كما أوضحنا، ولكن ضيق الوزن وضرورة الشعر أوقعاه في التعبير القاصر، وقد تأوله النحاة بأن التقدير: وبعد عاطف - فلا فصل - على جملة معمول فعل مستقر أولًا ومهما كان العذر فإن الخبر هو في اختيار الأسلوب الناصع الوافي الذي لا يحوي عيبًا، ولا يتطلب تأويلًا أو تقديرًا. ١ وهي الجملة الاسمية التي يكون المبتدأ فيها اسمًا خبره جملة فعلية؛ مثل: الشجرة ظهر ثمرها - الفاكهة طاب طعمها - ومنها: الجملة التعجبية، ولكن التعجبية لا تصلح في هذا الموضع أو: هي جملة اسمية صدرها مبتدأ، وعجزها جملة فعلية، كقولهم: النبيل زادته النعمة نبلًا وشرفًا، واللئيم زادته النعمة لؤمًا وبطرًا - الحر ينتصر لكرامته - والذليل يمتهنها. ٢ لأنها حينئذ تكون معطوفة على الخبر، فلا بد فيها من رابط كالخبر "راجع الأشموني والصبان". ٣ وفي هذا يقول ابن مالك:
[ ٢ / ١٣٦ ]
٣- الاسم السابق "المشتغل عنه" الواقع في غير ما سبق، نحو الرياحين زرعتها. والنحاة يجيزون الأمرين ويرجحون الرفع؛ لأنه لا يحتاج إلى تقدير عامل محذوف١.
"ملاحظة" بانضمام هذا الأقسام الثلاثة "١، ٢، ٣" إلى القسم الذي يجب فيه النصب فقط، والقسم الذي يجب فيه الرفع فقط، تنشأ الأقسام الخمسة التي عرضها النحاة فيه هذا الباب، وارتضوها وجعلوا لكل منها حكمًا، وقد أشرنا ٢ إلى أنه يمكن إدماج بعضها في بعض وجعلها ثلاثة، اختصارًا وتيسيرًا.
_________________
(١) وإن تلا المعطوف فلا مخبرا به عن اسم فاعطفن مخيرا-٨ يريد: إن وقع الاسم السابق بعد حرف عطف قبله فعل، وهذا الفعل -مع فاعله- خبر عن مبتدأ قبلهما وقيل: حرف العطف، فلك الخيار في هذه الحالة أن تعطف ما بعد حرف العطف على ما قبله مباشرة، عطف جملة فعلية على الجملة الفعلية السابقة، وأن تعطف ما بعد حرف العطف على كل ما قبله، عطف جملة اسمية على نظيرتها الاسمية، وقد شرحنا توجيه كل حالة من هاتين الحالتين المتساويتين في الصحة، شرحًا يوضح هذا البيت الغامض المبتور. ١ وفي حالة الرفع لا تكون المسألة من باب "الاشتغال" -كما كررنا في كل حالات الرفع الواجب والجائز- وفي هذا يقول ابن مالك: والرفع في غير الذي مر رجح فما أبيح افعل، ودع ما لم يبح-٩ ٢ في رقم ٢ من هامش ص ١٣٠.
[ ٢ / ١٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
١- زاد فريق من النحاة شروطًا أخرى للاشتغال رفضها سواه، بحجة أنها لا تثبت على التمحيص، وهذا رأي سديد حملنا على إهمالها؛ ادخارًا للجهد، وإبعادًا لنوع من الجدل لا خير فيه للنحو.
٢- أشرنا قريبًا١: إلى صحة أن يكون الاسم السابق المنصوب مفعولًا به لفعل محذوف، يخالف الفعل المذكور بعده في جملته، ولا يكون له صلة بلفظه ولا بمعناه؛ وذلك حين تقوم قرينة تدل على هذه المخالفة: كأن يقال: ماذا اشتريت؟ فتجيب: كتابًا أقرؤه، "فكتابًا" مفعول به لفعل محذوف تقديره: اشتريت كتابًا أقرؤه؛ فالفعل المحذوف مخالف للمذكور في لفظه ومعناه؛ فلا تكون المسالة من باب "الاشتغال"، ولا يكون العامل الثاني صالحًا للعمل في المفعول به السابق، ولا مفسرًا لعامله المحذوف، وفي هذه الحالة التي يختلف فيها الفعلان: المحذوف والمذكور، لا يكون الحذف واجبًا، وإنما يكون جائزًا ٢، فيصح في الفعل المحذوف أن يذكر، أما الحذف الواجب ففي: "الاشتغال"؛ فلا يصح الجمع بينهما؛ لأن الثاني بمنزلة العوض عن الأول؛ ولا يجمع بين العوض والمعوض عنه٣.
٣- إنما يقع "الاشتغال" بمعناه العام الذي يشمل الاسم السابق المرفوع بعد أدوات الشرط، والتحضيض والاستفهام، غير الهمزة، كما سبق في الشعر؛ فقط؛ للضرورة، وأما في النثر فلا يحسن بعد تلك الأدوات إلا صريح الفعل٤
_________________
(١) ١ في رقم ٣ من هامش ص ١٢٩. ٢ ما لم يوجد سبب آخر غير الاشتغال يوجبه. ٣ لا يصح الجمع بين العوض والمعوض عنه، وهذا أسلم من قولهم: لا يصح الجمع بين التفسير والمفسر، "أي: المفسر والمفسر"؛ لأنه يصح أحيانًا الجمع بين هذين كما في التفسير بما بعد الحرف: "أي" وكالتفسير بعطف البيان، وبواو العطف التي تفيد التفسير كما سيجيء في ص ١٤٣ - ومن كان التعبير بعدم جواز الجمع بين العوض والمعوض عنه هو الأسلم والأدق. ٤ يقول النحاة: إن قوعه في النثر مستقبح، ولو وقع فيه لجاز مع القبح.
[ ٢ / ١٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويستثنى من أدوات الشروط ثلاثة أشياء؛ يقع بعدها الاشتغال نثرًا ونظمًا.
أولها: أدوات الشرط التي لا تجزم؛ ومنها: إذا - ولو - مثل قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ إلخ، ومثل: لو الحرب امتنعت لطابت الحياة.
وثانيهما: "إن"، بشرط أن يكون الفعل في التفسير ماضيًا لفظًا، نحو: إن علمًا تعلمته فاعمل به، أو ماضيًا معنى١ فقط، نحو: إن علمًا لم تتعلمه فاتتك فائدته. فإن كان فعل التفسير مضارعَا مجزومًا ٢ لم يقع الاشتغال بعده إلا في الشعر، دون النثر.
وثالثها: "أما" الشرطية، ولكن لا يجب نصب الاسم بعدها؛ لأن الاسم يليها حتمًا٣ ولو كان الفعل مذكورًا بعده؛ نحو: قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾، فقد قرئ "ثمود" بالرفع على الابتداء، وبالنصب على الاشتغال، وفي حالة النصب يجب تقدير العامل بعد الاسم المنصوب، وبعد الفاء معًا؛ لأن "أما" لا يليها إلا الاسم٤ ولا يفصل بينها وبين الفاء إلا اسم واحد، والتقدير -كما يقولون- وأما ثمود فهديناهم٥ هديناهم، وللبحث تحقيق.
٤- من الأصول النحوية أن المحذوف قد يحتاج -أحيانًا- إلى شيء مذكور يفسره، ويدل عليه، وقد يكون التفسير واجبًا، كما في باب: "الاشتغال" وفي هذا الباب إن كان المحذوف جملة فعلية، فتفسيره لا يكون إلا بجملة مذكورة في الكلام، مشاركة للمحذوفة في لفظها ومعناها معًا، أو في المعنى فقط؛ نحو:
_________________
(١) ١ كالمضارع الداخلة عليه "لم" فإنها، في الأغلب -تقلب زمنه للمضي. ٢ انظر سبب الجزم في رقم ٢ من هامش ص ١٤١. ٣ كما تقدم هنا، وفي رقم ١ ص ٩٠. ٤ وقد عرفنا أن شرط وجوب النصب وحده أن تكون الأداة الشرطية مختصة بالدخول على الأفعال دون الأسماء، وليست "أما" كذلك؛ لأنها لا تدخل إلا على الاسم. لهذا كان الاقتصار على نصب الاسم السابق غير واجب، بل يجوز فيه الأمران. ٥ للآية السالفة بيان هام يجيء في الجزء الرابع -آخر باب: "أما الشرطية" م ١٦١ ص ٤٧٤- عند الكلام على حذف "أما" كالذي في قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ﴾ .
[ ٢ / ١٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
العظيم نافسته - المصنع وقفت فيه - التقدير: نافست العظيم نافسته - لابست المصنع وقفت فيه، أو نحو ذلك مما يؤدي إلى الغرض في الحدود المرسومة، ولا يصح هنا تفسير الجملة بغير جملة مثلها على الوجه السابق.
وإن كان المحذوف فعلًا فقط أو وصفًا عاملًا يشبهه، ويحل محله، جاز أن يفسر كل منهما بفعل أو بما يشبهه، تفسيرًا لفظيًا ومعنويًا معًا، أو معنويًا فقط والأفضل التماثل عند عدم المانع بأن يفسر الفعل نظيره الفعل، ويفسر الوصف نظيره الوصف، نحو: إن أحد دعاك لخير فاستجب - ما الصلح أنت كارهه. التقدير: إن دعاك أحد، دعاك لخير فاستجب - ما أنت كاره الصلح - أنت كارهه.
ويدور بين النحاة جدل طويل في موضع الجملة المفسرة؛ أيكون لها محل من الإعراب، أو ليس لها محل؟ وقد يكون الأنسب الأخذ بالرأي القائل: إنها تساير الجملة المحذوفة، "المفسرة" وتماثلها في محلها الإعرابي وعدمه، كما تمثلها في لفظها ومعناها على الوجه السالف، وعلى هذا إن كانت الجملة المحذوفة "المفسرة" لا محل لها من الإعراب فالمفسرة كذلك لا محل لها من الإعراب؛ نحو: البحر أحببته، أي: أحببت البحر أحببته؛ فالجملة التفسيرية لا محل لها من الإعراب؛ لأن الأصلية المحذوفة كذلك، وإن كانت الجملة المحذوفة "المفسرة" لها محل من الإعراب؛ فالتي تفسرها تسايرها وتماثلها فيه؛ نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، أي: إنا خلقنا كل شيء خلقناه بقدر؛ فالجملة المحذوفة " المفسرة" في محل رفع خبر "إن"، فالتي تفسرها: كذلك في محل رفع خبر، ونحو: العقلاء الواجب يؤدونه؛ أي: العقلاء يؤدون الواجب يؤدونه، فالجملة المحذوفة "المفسرة" في محل رفع خبر المبتدأ والمفسرة في محل رفع خبر المبتدأ كذلك، وفي قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ تقع الجملة الاسمية "المفسرة" مفعولًا به في محل نصب؛ لأن المحذوف المفسر مفعول به منصوب؛ إذ التقدير: "الجزاء، أو الجنة وعد الله الذين آمنوا وعلموا الصالحات، لهم مغفرة"، فجملة: "لهم مغفرة" هي المفسرة المفعول به المحذوف١.
_________________
(١) ١ ولا يصح أن تكون هي المفعول الثاني للفعل: "وعد"؛ لأنه من باب "كسا"، أي: من الأفعال التي لا يقع فيها المفعول الثاني جملة.
[ ٢ / ١٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا تكون الجملة هي المفسرة في باب الاشتغال إلى حين يكون الاسم السابق منصوبًا كالأمثلة السالفة؛ فإن كان مرفوعًا للمحذوف فالمحذوف هو فعله وحده١، ويتعين أن يكون مفسره هو الفعل المذكور وليس الجملة، ولا بد -عند المحققين- أن يكون هذا الفعل المذكور "المفسر" مسايرا للمحذوف " المفسر" في حكمه وإعرابه اللفظي، والتقديري، والمحلي مثل إن العتاب يكثر يؤد إلى القطيعة، التقدير: إن يكثر العتاب - يكثر - يؤد إلى القطيعة، فالمفسر هو الفعل: "يكثر" الثاني، وهو مضارع مجزوم كالأول المحذوف٢، إذا العناية تلاحظك عيونها فلا تخف شيئًا، التقدير: إذا تلاحظك العناية تلاحظك عيونها، فالمفسر في المثال هو الفعل: "تلاحظ" وحده، وهو كالأول في حكمه
_________________
(١) ١ كما أشرنا في رقم ٤ من هامش ص ١٣٢ وفي ص ١٤٠، سواء أكان الفعل مبنيًا للمعلوم أم للمجهول، تامًا أم ناقصًا؛ مثل كان، كل هذا على حسب السياق، وعلى مقتضاه يعرب الاسم المرفوع فاعلًا، أو نائب فاعل، أو اسمًا لكان مثل: إن يرد اشتد فاحترس -إن عمل أتقن فلازمه- وقول الشاعر: وليس بعامر بنيان قوم إذا أخلاقهم كانت خرابًا ومثل هذا: المرء مجزي بعمله إن خير كان فجزاؤه خير التقدير: "إن اشتد برد - اشتد - فاحترس" - "إن أتقن عمل - أتقن - فلازمه" - "المرء مجزي بعمله" إن كان في عمله خير - كان - فجزاؤه خير" إذا كانت أخلاقهم كانت. ٢ ما سبب الجزم؟ خلاف فيه، وجاء في الصبان ما نصه: "قال أبو علي: الفعل المذكور والفعل المحذوف في نحو قوله: " لا تجزعي إن منفسًا أهلكته"، مجزومان محلًا؛ وجزم الثاني ليس على البدلية؛ إذ لم يثبت حذف المبدل منه، بل على تكرير "إن"، أي: إن أهلكت منفسًا إن أهلكته، وساغ إضمار "إن" أي: وإن لم يسغ إضمار لام اأمر إلا في ضرورة، لاتساعهم فيها، ولقوة الدلالة عليها بتقديم مثلًا، واستغنى بجواب "إن" = الأولى "عن جواب الثانية. ا. هـ. لكن ما ورد في كلامه من أن حذف المبدل منه لم يثبت، هو مخالف لما قالوه من أنه قد يحذف في بعض الصور، وسيجيء في الجزء الرابع -باب البدل، م ١٢٣ ص ٦٥٢- أحكام متفرقة، منها الحكم: "د" ونصه: "قد يحذف المبدل منه، ويستغنى عنه بالبدل بشرط أن يكون المبدل منه في جملة وقعت صلة موصول؛ نحو أحسن إلى الذي عرفت المحتاج، أي: الذي عرفته المحتاج؛ فكلمة: "المحتاج" يصح أن تكون بدلًا من الضمير المحذوف". ا. هـ، ويصح فيها إعرابات أخرى ذكرت هناك.
[ ٢ / ١٤١ ]
الإعرابي، ومثل:
إذا الملك الجبار صعر خده١ مشينا إليه بالسيوف نعاتبه
أي: إذا صعر الملك خده، صعره، فالمفسر هو الفعل الماضي وحد "صعر"، ومثل:
فمن نحن نؤمنه٢ يبت وهو آمن ومن لا نجره يمس منا مفزعًا
التقدير: فمن نؤمنه يبت وهو آمن، فالمفسر هو الفعل "نؤمن" وحده، وهو مجزوم كالفعل المفسر المحذوف، وكلمة: "نحن" في البيت ضمير فاعل للفعل المحذوف، وقد برز هذا الضيمر -بعد استتاره الواجب- بسبب حذف فعله وحده؛ إذ لا يبقى الفاعل مستترًا بعد حذف عامله، فإذا رجع العامل وظهر، عاد الضمير الفاعل إلى الاستتار كما كان، فإن ظهر مع ظهور عامله لم يعرب -في الرأي الشائع- فاعلًا؛ وإنما يعرب توكيد لفظيًا للضمير المستتر المماثل له. وينطبق هذا الكلام على البيت التالي:
فإن أنت لم ينفعك علمك٣ فانتسب لعلك تهديك القرون الأوائل
التقدير: فإن لم تنتفع لم ينفعك علمك وأشباه هذا، فالفعل "ينفع" هو وحده المفسر للفعل المحذوف، وهو مساير لذلك المحذوف في الجزم والنفي معًا. والضمير البارز "أنت" فاعل الفعل المحذوف، وكان مستترًا وجوبًا فيه، فلما حذف الفعل برز في الكلام فاعله المستتر، ولما رجع الفعل إلى الظهور في الجملة الأخيرة عاد فاعله الضمير إلى الاستتار، كما كان أولًا، ومثله قول الشاعر:
_________________
(١) ١ صعر خده: حوله إلى جهة لا يرى فيها الناس؛ تكبرا منه وترفعًا. ٢ بمعنى: نؤمنه، أي: نمنحه الأمان. ٣ يريد: إن لم يكن لك علم بحوادث الموت المحيطة بك بحيث يعظك فارجع. إلى أصولك الأوائل الذاهبين، لعل لك عظة في موتهم.
[ ٢ / ١٤٢ ]
إذا أنت ١ فضلت امرأ ذا براعة على ناقص كان المديح من النقص
وقول الآخر:
بليغ إذا يشكو إلى غيرها الهوى وإن هو لاقاها فغير بليغ
وفي مثل:
لا تجزعي إن منفس أهلكته فإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي
يكون التقدير: لا تجزعي إن هلك منفس أهلكته والمحذوف هنا مطاوع للمذكور، فهو من مادته اللفظة ومن معناه، وإن كانت المشاركة اللفظية ليست كاملة.
أما تفضيل الرأي القائل بمسايرة الجملة المفسرة للجملة المفسرة في حكمها، ومحلها الأعرابي فراجع إلى أمرين:
أولهما: أن الجملة المفسرة قد يكون لها محل من الإعراب -بالاتفاق- في بعض مواضع، كالجملة المفسرة لضمير الشأن٢ في نحو: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فإن جملة "الله أحد" مبتدأ وخبر في محل رفع؛ لأنها خبر لضمير الشأن: "هو"، وفي نحو: ظننته: "الصديق نافع"؛ الجملة الاسمية في محل نصب؛ لأنها المفعول الثاني لظن وليس في هذا خلاف.
وثانيهما٣: أن هناك كلمات تفسر غيرها وقد تسايرها في حركة إعرابها؛ كالكلمات الواقعة بعد "أي" التي هي حرف تفسير في مثل: هذا سوار من عسجد؛ أي: ذهب، فكلمة: "أي" حرف تفسير؛ يدل على أن ما بعده يفسر شيئًا قبله، وكلمة: "ذهب" هي التفسير لكلمة: "عسجد" ويجب أن تضبط مثلها في حركات الإعراب، نعم إنهم يعربون كلمة "ذهب"، وأمثالها
_________________
(١) ١ فالأصل: إذا فضلت فلما حذف الفعل بقيت التاء، وهي هنا ضمير متصل فاعل لا يستقل بنفسه، فأتينا مكانها بضمير مرفوع منفصل بمعناها؛ هو الضمير: "أنت" - كما سبق مثل هذا في رقم ٤ من هامش ص ١٣٢ - فإذا رجع الفعل المحذوف رجع فاعله السابق، وهو "التاء" واتصل به. ٢ راجع ضمير الشأن ج ١ ص ٢٢٦ م ١٩٨ - باب الضمير. ٣ لهذا إشارة في رقم ٣ من هامش ١٣٨.
[ ٢ / ١٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مما يقع بعد "أي" التفسيرية بدلًا أو عطف بيان؛ لكن هذا لا يخرجها عن أنها مماثلة للمفسر في حركة إعرابه؛ إذ كل من البدل وعطف البيان تابع هو بمنزلة متبوعه.
ومن الكلمات التي تفسر غيرها، ويتحتم أن تسايره في حركة إعرابه ما يقع بعد حرف العطف: "الواو" الذي يدل أحيانًا على أن ما بعده مفسر لما قبله، كما في مثل: الماء الصافي يشبه اللجين والفضة، فالواو وحرف عطف للتفسير؛ لأن ما بعدها يفسر ما قبلها، وهو مساير له - وجوبًا - في حركات إعرابه؛ إذا المعطوف كالمعطوف عليه في كثير من أحكامه التي منها حركات الإعراب.
فالرأي القائل باعتبار الجملة التفسيرية مسايرة لما تفسره يجعلها كنظائرها من الجمل التي لها محل من الإعراب، وكغيرها من المفردات التي تؤدي مهمة التفسير، ولا معنى للتفرقة في الحكم بين ألفاظ تؤدي مهمة واحدة، إلا إن كان هناك سبب قوي، ولم يتبين هنا السبب القوي؛ بل الذي تبين أن الكلام المأثور الفصيح يؤيد أصحاب هذا الرأي الواضح الذي يمنع تعدد الأقسام والأحكام، ويؤدي إلى التيسير بغير ضرر.
وقد أشرنا١ إلى أن الجملة لا تكون مفسرة في باب "الاشتغال" إلا حين يكون الاسم السابق منصوبًا، فإن كان مرفوعًا لعامله المحذوف فالمحذوف هو فعله وحده، ويتعين أن يكون التفسير بفعل فقط، كما قلنا: إن الاسم السابق إذا وقع بعد أداة لا يليها إلا الفعل وجب نصبه، ولا يجوز رفعه على أنه مبتدأ، وإنما يجوز رفعه على أنه مرفوع فعل محذوف؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْه﴾، فكلمة: "أحد" فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور بعده، والتقدير: وإن استجارك أحد من المشركين استجارك إلى آخر ما أوضحنا
والذي نريد بسطه الآن أن بعض القدامى والمحدثين لا يروقهم هذا التقدير، ويسخرون منه، مطالبين بإعراب الاسم المرفوع -في الآية السالفة وأشباهها- إما مبتدأ مباشرة، وإما فاعلًا مقدمًا للفعل الذي بعده "أي: للمفسر"، وبإهمال التعليل الذي يحول دون هذا الأعراب؛ لأنه -كما يقولون- تعليل نظري محض،
_________________
(١) ١ في رقم٤ من هامش ص١٣٢ وفي ص١٤٠.
[ ٢ / ١٤٤ ]
ساسه التخيل والتوهم، وتعارضه النصوص الكثيرة الواردة بالرفع الصريح
ولا حاجة إلى عرض أدلة كل فريق ممن يبيح، أو يمنع فقد فاضت بها المطولات والكبت التي تتصدى لمثل هذا الخلاف، وسرد تفاصيله وأدلته التي تضيق بها الصدور -أحيانًا- حين تقوم على مجرد الجدل، وتعتمد على التسابق في إظهار البراعة الكلامية، ومنها: كتاب: "الإنصاف في أسباب الخلاف"، لابن الأنباري
والحق يقتضينا أن نحكم على كل وجه من أوجه الإعراب الثلاثة بالضعف. ولكن الضعف في حالة تقدير عامل محذوف، أخف وأيسر، ويما يلي البيان بإيجاز، ولعل فيه -مع إيجازه- ما يرد بالأمر مورده الحق، ويضعه في نصابه الصحيح، هذا، وفي الاستئناس والاسترشاد بما يقال في الاسم المرفوع بعد أداة الشرط -كالآية السابقة، وأمثالها- ما يكفي ويوصل لتأييد النحاة، ودعم رأيهم في باقي حالات رفعه.
أ- في مثل: إن عاقل ينصحك ينفعك، لو أعربنا الاسم السابق: "عاقل" مبتدأ لكانت الجملة الفعلية بعده "وهي: ينصحك" في محل رفع، خبره - ويترب على هذا أن تكون أداة الشرط، وهي تفيد - دائمًا - التعليق ١ قد دخلت على جملة اسمية، مع أن الجملة الاسمية تفيد الثبوت٢ في أكثر الصور، وهو من أضداد التعليق، وهنا يقع في الجملة الواحدة التعارض الواسع بين مدلول الأداة، ومدلول المبتدأ مع خبره؛ وهو تعارض واقعي٣ لا خيالي؛
_________________
(١) ١ توقف حصول شيء، أو عدم حصوله، على آمر آخر؛ فيكون الثاني -في الأغلب- مترتبًا على الأول وجودًا وعدمًا، فإن كانت أداة الشرط جازمة، فالتعلق والتوقف لا يتحقق إلا في المستقبل. ٢ ثبوت الحكيم إيجابًا أو سلبًا، أي: تحقق وقوعه والقطع بحصوله؛ سواء أكان موجبًا أو منفيًا. ٣ لإيضاح هذا التعارض نقول: الأصل في الجملة الاسمية - كما هو مقرر مقطوع به - أنها تدل - في الأغلب - على الثبوت إذا كانت اسمية محضة؛ "أي خالية من فعل"، ومن أمثلتها: الوالد رحيم - الولدان نفعهما عميم وقد تقيد مع الثبوت الدوام بقرينة، هذا شأن الجملة الاسمية المحضة، فإن كانت غير محضة، "وهي التي يكون فيها الخير جملة فعلية" نحو: الوالد زاد فضله، فإنه تقيد مع الثبوت التجدد، وقد تفيد الاستمرار التجددي، وكل ما سبق موضح بتفصيلاته في لوم البلاغة وغيرها. ومنه يتبين أن الدلالة التي تؤديها الجملة الاسمية بنوعيها "المحضة، وغير المحضة" تعارض وتناقص "التعليق"، فكيف يجتمعان في جملة واحدة؟
[ ٢ / ١٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إذ مرده الاستقراء المنتزع من الأساليب العربية الصحيحة التي لا يسوغ مخالفتها، ولا سيما في النواحي المتعلقة بالمعنى، وإلا اضطربت المعاني، وتناقضت، ولم تؤد اللغة مهمتها - بخلاف الجملة الفعلية؛ فإنها تقبل التعليق، ولا تعارضه.
وشيء آخر يؤيد ما سلف؛ هو أن بعض النصوص الفصيحة الواردة تدل على وجود لغات أو لهجات ترفع المضارع "ينصح" في ذلك المثال وأشباهه، فإذا ورد مرفوعًا فأين فعل الشرط؟ أيكون هو فعل الشرط مع رفعه، فنتكلف أقبح التأول والتمحل في إعرابه؟ أم نتركه على حاله مرفوعًا، ونقدر فعلًا آخر للشرط مجزومًا مباشرة؟ الأمران معيبان، ولكن الثاني أقرب إلى القبول؛ لأنه - بسبب جزمه المباشر الخالي من التأول - ينخرط في عداد أفعال الشرط؛ إذ الأصل في أفعال الشرط أن تكون مجزومة، وهذا دليل آخر يدفعنا إلى رفض الوجه الإعرابي السابق "المبتدأ"، كما تحمل على رفضه أمور نحوية، وبلاغية دقيقة وفي مقدمتها الفصل بالمبتدأ بين أداة الشرط الجازمة وفعلها، وهذا ممنوع١؛ لمخالفته المأثور الشائع، ومنها: أن دخول النواسخ على المبتدأ مطرد، مع أن كثير من النواسخ لا يصح دخوله هنا على المبتدأ، ومن هذا الكثير الحرف: "إن" إذ له الصدارة في جملته، فلا يصح وقوعه بعد أداة الشرط و و
ب- ولو أعربنا الاسم السابق وهو: "عاقل" وأشباهه، فاعلًا - أو شيئًا آخر مرفوعًا بالعامل الذي بعده - كما يرى فريق من الكوفيين لكان هذا أخذًا برأي ضعيف أيضًا، فوق ما فيه من الفصل الممنوع عند أكثر النحاة - كما أوضحنا-، ومن اختلاط الأمر في كثير من الأساليب بين المبتدأ والفاعل
_________________
(١) ١ عند جمهور البصريين "راجع شرح العكبري، للديوان المتنبي وبيته التالي: لو الفلك الدوار أبغضت سعيه لعوقه شيء عن الدوران من القصيدة التي مطلعها: عدوك مذموم بكل لسان ولو كان من أعدائك: القمران
[ ٢ / ١٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) المتقدم كما في المثال المعروض ونظائره -وما أكثرها- فيوجد من يعرب كلمة؛ "عاقل" مبتدأ، والجملة الفعلية بعده خبره، ومن يعربها فاعلًا مقدمًا للفعل بعده. وعلى الإعراب الأول تكون الجملة اسمية، وقد سبق ما فيها من عيب، إما على الإعراب الثاني فالجملة فعلية؛ ودلالتها مختلفة عن سابقتها، فشتان بين مدلولي الجملتين في لغتنا، هذا إلى مشكلات أخرى تتعلق بوجود فاعل مذكور - أحيانًا- بعد الفعل المتأخر، كالتاء في قول الشاعر: إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا فهل يمكن إعراب الضمير "أنت" في كل شطر فاعلًا مع وجود التاء بعده، ومشكلات تتعلق بالضمائر: المستترة المتصلة بالفعل المتأخر، كموقع الضمير "أنت" في مثل قول الشاعر: إذا أنت لم تشرب مرارًا على القذى ظمئت، وأي الناس تصفو مشاربه فما إعراب "أنت"؟ أتكون فاعلًا مقدمًا للفعل "تشرب" مع أن فاعله ضمير مستتر وجوبًا، لا يجوز إظهاره؟ أم تكون توكيدًا متقدمًا لذلك الفاعل المستتر مع أن التوكيد لا يصح تقديمه على المؤكد؟ إلى غير هذا من مشكلات تتصل بالضمائر - وسواها - كمشكلة الفاعل المتقدم في مثل: "محمد" قام، بإعراب "محمد" فاعلًا عند من يجيزونه، فما إعرابه إن سبقه ناسخ مثل: كان محمد قام؟ أين الفاعل؟ وأين اسم الناسخ؟ وكذلك مشكلة عودة الضمائر، ومطابقتها للفاعل المتقدم أو عدم مطابقتها، واعتبارها حروفًا أو أسماء مهملة حينًا وغير مهملة حينًا آخر بغير ضابط سليم يعتمد عليه في كل ذلك. ج- فلم يبق إلا اختيار الإعراب الثالث القائم على تقدير فعل محذوف، "تحقيقًا لما اشترطه جمهور النحاة من دخول أداة الشرط على فعل ظاهر، أو مقدر ومنع دخولها على الاسم واعتباره أفضلها، وأن العيب فيه أخف وأيسر، كما قلنا، ولن يترتب على هذا "التقدير" خلط بين المعاني والمدلولات اللغوية، ولا تداخل بين القواعد النحوية، على أن "التقدير" باب واسع وأصيل في لغتنا، ولكنه محكم، وسائغ ممن يحسن استخدامه - عند مسيس الحاجة الشديدة - على النط الوارد الفصيح الذي يحتج به، والذي لا يؤدي إلى خلط أو اضطراب.
[ ٢ / ١٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أجرى بعض النحاة الذين لا يقصرون الاشتغال على النصب - أحكامًا أربعة على الاسم السابق إذا كان مرفوعًا، وبعده فعل قد عمل الرفع في ضميره أو في ملابسه: فيجب رفع هذا الاسم السابق إما بالابتداء إذا وقع بعد أداة لا يليها فعل؛ كإذا الفجائية، وليتما "المختومة بما الزائدة"، نحو: خرجت فإذا النسيم ينعش - ليتما الجو يعتدل، وإما على الفاعلية يفعل محذوف إذا وقع بعد أداة لا يليها إلا الفعل -كأداة الشرط- نحو: إن سيارة أقبلت فاحترس منها، وقول الشاعر: إذا أنت لم تحم القديم بحادث من المجد لم ينفعك ما كان من قبل ويكون الرفع بالابتداء راجحًا في مثل: الزارع يكافح: حيث لا يحتاج إلى تقدير شيء محذوف، أما إعرابه فاعلًا بفعل محذوف فيحتاج إلى تقدير ذلك الفعل، والتقدير هنا ردئ ما دام الاسم غير واقع بعد أداة تطلب فعلًا؛ كأداة الاستفهام، ونحوها وقد يكون الرفع بالفعل المحذوف راجحًا على الرفع بالابتداء في مثل: العاملة لتجتهد؛ لأن وقوع الجملة الطلبية خيرًا قليل بالنسبة لغير الطلبية. وقد يتسويان في مثل كلمة: "الزروع" من نحو: المطر نزل، "والزروع ارتوت منه؛ لأن الجملة الأولى ذات وجهين فإذا أعربت كلمة "الزروع" مبتدأ والجملة بعدها الخبر كانت هذه الجملة الاسمية معطوفة على الجملة الاسمية التي قبلها. وإذا أعربت كلمة: "الزروع" فاعلًا لفعل محذوف كانت هذه الجملة الفعلية معطوفة على الجملة الفعلية الواقعة خبرًا قبلها.
(٢) أبيات ابن مالك في هذا الباب ليست مرتبة ترتيبًا متماسكًا يساير المعاني ويؤالف بعضه بعضًا، فقد يذكر بيتًا أو بيتين في أول الباب يشرح بهما قاعدة معينة، ثم يأتي ببيت أو أكثر ليشرح قاعدة ثانية، فثالثة ثم يذكر بيتًا آخر يتمم القاعدة الأولى، فآخر يتمم الثالثة، وهكذا تتفرق أجزاء القاعدة الواحدة في بيتين أو أكثر ليس بينهما توال، أو اتصال مباشر، فلم يكن يد من استيفاء كل قاعدة على حدة استيفاء كاملًا، ثم الإشارة في الهامش إلى أبيات ابن مالك
[ ٢ / ١٤٨ ]
المتعلقة بتلك القاعدة، وتدوينها على حسب ما يقتضيه تماسك القاعدة وتكاملها، لا على حسب ورودها في ألفيته؛ وإلا جاءت القاعدة مفككة، متناثرة هنا وهناك، متداخلة في غيرها، على أنا وضعنا بجانب كل بيت من أبيات ابن مالك رقمه الخاص به الذي يدل على ترتيبه الحقيقي بين أبيات هذا الباب كما وردت في ألفيته.
٦- أسلوب: "الاشتغال" بمعناه العام دقيق، يتطلب براعة في تأليفه وضبطه، كي يسلم من الخطأ، والالتواء، والتفكك؛ فحيذا الاقتصاد في استعماله.
[ ٢ / ١٤٩ ]
المسألة ٧٠: تعديل الفعل ولزومه الكلام على المفعول به وأحكامه المختلفة
مدخل
المسألة ٧٠: تعدية الفعل ولزومه الكلام على المفعول به، وأحكامه المختلفة
الفعل التام١ ثلاثة أنواع:
أ- نوع يسمى: "المتعدي٢"؛ وهو: "الذي ينصب بنفسه مفعولًا به٣ أو اثنين، أو ثلاثة؛ من غير أن يحتاج إلى مساعدة حرف جر، أو غيره مما يؤدي إلى تعدية الفعل اللازم٤" مثل، سمع - ظن - أعلم، في نحو: لما سمعت الخبر ظننت الراوي مخطئا، لكن الصحف أعلمتنا الخبر صحيحا.
_________________
(١) ١ الفعل التام، هو: ما يكتفي بمرفوعه في تأدية المعنى الأساسي للجملة؛ مثل: ساد - أضاء - تحرك - وأشباهها؛ حيث يقول: ساد الهدوء - أضاء النجم - تحرك الكوكب، أما الناقص فهو الذي لا يكتفي بمرفوعه في ذلك، وإنما يحتاج معه لمنصوب حتمًا؛ مثل: "كان وأخواتها" من الأفعال الناسخة التي ترفع الاسم وتنصب الخبر - كما سبق في ج ١ ص ٤٠٣ م ٤٢ - وهذه الأفعال الناقصة "الناسخة" لا توصف بأنها متعدية أو لازمة، وإنما هي قسم مستقل، ومثلها الأفعال المسموعة التي تصلح للأمرين؛ فنستعمل في المعنى الواحد لازمة ومتعدية، مثل: شكرت لله على ما أنعم، ونصحت للعاقل بشكره، أو شكرت الله على ما أنعم، ونصحت العاقل بشكره، فهذه الأفعال وأشباهها قسم قائم بذاته أيضًا. وعلى هذا تكون أنواع الفعل من ناحية التعدي، واللزوم أو عدمها - أربعة نوع متعد فقط، ونوع لازم فقط، ونوع صالح للأمرين، ونوع ناقص لا يوصف بأحدهما، والثلاثة الأولى أقسام للتام وحده. ٢ يسميه بغض القدماء "المجاوز" أو"الواقع": لأن أثره لم يقتصر على الفاعل وإنما جاوزه إلى المفعول به، فوقع مدلوله عليه، "وفي ص ٨٦ بعض الأحكام الخاصة بالمفعول به من ناحية تقدمه وتأخره في الجملة وترتيبه فيها". ٣ "المفعول به" هو: ما وقع عليه فعل الفاعل إيجابًا أو سلبًا؛ نحو: بطلب العاقل السعادة، ولا ينسى السعي الحميد لها، وقد سبق - في رقم ٥ من هامش ص ٣٦ بيان الفرق الكبير بين الذي يقع عليه الفعل، وهو المفعول به، والذي يقوم به الفعل، وهو الفاعل. والمفعول به يعد -في الأغلب- من الفضلات؛ طبقًا للبيان الذي في ص ١٧٩ - ولا ينصبه إلا الفعل المتعدي وفروعه، أما غيره من أنواع المفاعيل فينصبها الفعل المتعدي واللازم، وكذا بقية المنصوبات، ويجوز الاقتصار على كلمة: "مفعول" وحدها، دون تقيدها بالجار والمجرور بعدها؛ لأن كلمة: "مفعول" إذا ذكرت مطلقة بغير قيد لا يراد منها إلا "المفعول به"، وهو غير "المفعول المطلق" الذي سيجيء في ص ٢٠٤، ويختلف عنه اختلافًا واسعًا. ٤ اللازم أنواع ثلاثة، يجيء بيانها في ص ١٥٧، وسيجيء في ص ١٥٨ بيان الوسائل التي تؤدي إلى تعدية الفعل اللازم.
[ ٢ / ١٥٠ ]
ب- نوع يسمى "اللازم"١ أو: "القاصر"، وهو: "الذي لا ينصب بنفسه مفعولًا به أو أكثر؛ وإنما ينصبه بمعونة حرف جر، أو غيرها مما يؤدي إلى التعدية" مثل: أسرف - انتهى - قعد - في نحو: إذا أسرف الأحمق في ماله انتهى أمره إلى الفقر، وقعد في بيته ملومًا محسورًا٢، فكل كلمة من: مال، فقر، بيت هي في المعنى - لا في الاصطلاح - مفعول به للفعل قبلها، ولكن الفعل لم يوقع معناه وأثره عليها مباشرة من غير وسيط؛ وغنما أوصله ونقله بمساعدة حرف جر؛ كان هو الوسيط في ذلك؛ فهي في الظاهر مجرورة به، وهي في المعنى في حكم المفعول به لذلك الفعل٣.
جـ- نوع مسموع، يستعمل متعديًا ولازمًا، مثل: شكر، ونصح٤.
_________________
(١) ١ وقد يسمى: غير المتعدي، أو: المتعدي بحرف الجر. ٢ منقطعًا من أسباب الخير، ووسائل القوة. ٣ وإذا كانت في حكم المفعول به المعنى، فهل يجوز في توابع هذا المفعول الحكمي "أي: المعنوي" النصب مراعاة لحكمه، كما يجوز الجر مراعاة للفظه؟ تؤخذ الإجابة من شرح كتاب: "المفصل" - في ج ٧ ص ٦٥ - ونصها: "لفظه مجرور وموضعه نصب؛ لأنه مفعول؛ ولذلك يجوز فيما عطف عليه وجهان، الجر والنصب؛ نحو قولك: مررت بزيد وعمرو – وعمرًا؛ فالجر على اللفظ، والنصب على الموضع؛ وذلك من قبل أن الحرف يتنزل منزلة الجزء من الفعل؛ من جهة أنه به وصل إلى الاسم؛ فكأنه كالهمزة في: أذهبته، والتضعيف في: فرحته، وتارة يتنزل منزلة الجزء من الاسم المجرور به؛ ولذلك جاز أن يعطف عليها بالنصب: فالجر على الاسم وحده، والنصب على موضع الحرف والاسم معًا. ا. هـ. والرأي صريح في جواز الأمرين، ولا شك أن ما يجري في العطف يجري في غيره من باقي التوابع، ثم عاد فردد هذا - في ج ٨ ص ١٠ - من غير أن يقتصر من النواسخ على العطف، بل نص على الصفة أيضًا، ولا ريب أن بقية التوابع يجري عليها ما يجري على العطف والنعت. ولعل الخير اليوم في إهمال ها الرأي، والاقتصار على الرأي الآخر السديد الذي يوجب الجر وحده في التوابع، وترك النصب لما قد يكون مسموعًا من الكلام القديم دون محاكاته؛ حرصًا على الضبط في أداء المعاني بدقة وإحكام، ومنعًا للخلط الذي يؤدي إليه إباحة النصب، إذ يترتب على جواز النصب أن يكون لكل اسم مجرور بحرف جر أصلي إعراب محل غير إعرابه اللفظي، وهذا الحكم العام الشامل - الذي يقضي بإعراب جميع الأسماء المجرورة بحرف جر أصلي إعرابًا محليا بعد إعرابها اللفظي، وبإدخالها في أنواع الألفاظ التي لها إعراب محلي - يوقع في اللبس بين أصالة حرف الجر، وزيادته فوق أن ذلك الحكم غير معروف من المعربات المحلية -، ولم يذكره أحد بين أنواعها المعروضة في المراجع المتداولة - فيما تعرف اللهم إلا المنادي المستغاث المجرور باللام، بالتفصيل الخاص به في باب الاستغاثة ج ٤ م ١٣٣ ص ٦١. "راجع ما سبق في رقم ٣ من هامش ص ١١٧ و: "ب" ص ١٢٥ وما يتبعها في رقم: ١ من هامش ص ١٢٧، وص ١٥٩ ثم ص ٤٤١. ٤ انظر "ب" من هامش ص١٦٢.
[ ٢ / ١٥١ ]
وقد أراد النحاة تيسير التمييز بين الفعل المتعدي بنفسه والفعل اللازم، وسهولة تعيين كليهما؛ فوضعوا لذلك ضابطين يصلح كل منهما لأداء هذه المهمة - في رأيهم١.
أولهما: أن يتصل بالفعل ضمير؛ كالهاء٢، أو: ها - يعود على اسم سابق غير ظرف وغير مصدر.
وطريقة ذلك: أن يوضع الفعل في جملة تامة، وقبله اسم جامد، أو مشتق؛ بشرط أن يكون هذا الاسم غير مصدر وغير ظرف، وبعد الفعل ضمير يعود على ذلك الاسم المتقدم، وإن صح التركيب واستقام المعنى فالفعل متعد بنفسه، وإلا فهو لازم، فإذا أردنا أن نبين حقيقة الفعل: "أخذ" من ناحية التعدي واللزوم وضعنا قبله اسمًا غير مصدر وغير ظرف، وجعلنا بعد الفعل ضميرًا يعود على ذلك الاسم؛ فنقول: الصحف أخذتها، فنرى المعنى سليمًا، والتركيب صحيحًا "لموافقته الأصول والضوابط اللغوية"؛ فنحكم بأن هذا الفعل متعد؛ ينصب المفعول به بنفسه، إلا إن صار المفعول به نائب فاعل فيرفع٣.
ومثل هذا يتبع في الفعل "قعد" حيث نقول: الغرفة قعدتها؛ فندرك سريعًا فساد الأسلوب والمعنى، ولا سبب لهذا الفساد اللغوي إلا تعدية الفعل، "قعد" تعدية مباشرة، لهذا نحكم بأنه لازم.
ومثل الفعلين "أخذ" و"قعد" غيرهما من الأفعال؛ حيث يمكن التوصل إلى معرفة المتعدي واللازم باستخدام الضابط السالف.
وإنما اشترطوا في الاسم السابق أن يكون غير مصدر وغير ظرف؛ لأن الضمير يعود عليهما من الفعل المتعدي واللازم على السواء؛ فلا يصلح الضمير العائد على المصدر أو الظرف أن يكون أداة للتمييز، بين المتعدي واللازم؛ ففي مثل: طلبت
_________________
(١) ١ انظر الحكم على هذا في رقم ٣ من هامش الصفحة التالية. ٢ وتسمى: "هاء المفعول به"؛ لأنها تعود عليه. ٣ وفي هذا يقول ابن مالك: علامة الفعل المعدى أن تصل "ها" غير مصدر به؛ نحو: عمل فانصب به مفعوله، إن لم ينب عن فاعل، نحو: تدبرت الكتب أي: تأملتها.
[ ٢ / ١٥٢ ]
منك أن تمشي في الصباح المبكر طويلا، ثم تستريح ساعة، تذهب بعدها إلى مزاولة عملك فماذا فعلت؟
قد يكون الجواب: "المشي مشيته، والساعة استرحتها١، والذهاب ذهبته، والعمل زاولته"، ففي الإجابة ضمائر عاد بعضها على المصدر أو على الظروف، مع أن أفعالها لازمة، كما في الثلاثة الأولى، وعاد بعضها على المصدر أيضًا مع أن الفعل: "زوال" متعد بنفسه.
ثانيهما: صياغة اسم مفعول تام٢ من الفعل الذي معرفة تعديته أو لزومه؛ فإن أدى اسم المفعول معناه بغير حاجة إلى جار ومجرور كان فعله متعديًا بنفسه، وإلا كان لازمًا، في مثل: فتح - أكل - أعلن نقول: الباب مفتوح - الفاكهة مأكولة - الخبر معلن فنرى اسم المفعول مستغنيًا عن الجار والمجرور في أداء لمراد منه، بخلافه عند صياغته في مثل: قعد - يئس - هتف حيث نقول: الحجرة مقعود فيها - القضاء على أسباب الحرب ميئوس منه - العظيم مهتوف باسمه فاسم المفعول هنا لم يستغن في أداء معناه عن الجار مع مجروره
فالوسيلة إلى معرفة التعددية واللزوم تكون باستخدام أحد الضابطين السالفين، أو باستخدامهما معًا؛ كما يقول النحاة٣.
_________________
(١) ١ انظر نيابة العدد عن الظرف - في ص ٢٦٥. ٢ أي: لا يحتاج في تأدية المعنى المراد منه إلى جار مع مجروره. ٣ الحق أن تلك الوسيلة ليست ناجحة، ولا سليمة، وأن الضابط الصحيح هو حكم اللغة بمفرداتها، وتراكيبها الواردة عن أهلها العرب، وقد حوت النصوص والمراجع الوثيقة كثيرًا من هذه المفردات والتراكيب، وأبانت الكتب اللغوية - في عناية تامة - ما تعدى من الأفعال وما لزم، مع سرد معانيها؛ نشهد هذا في كتاب: المصباح المنير، وفي القاموس المحيط، وشرحه تاج العروس وفي لسان العرب، وفي أساس البلاغة وغيرها من المطولات اللغوية، أما الضابطان السالفان فلا يصلح أحدهما أو كلاهما للإبانة دون الرجوع إلى تلك المراجع الوثيقة، وإلا فمن أين نعلم ويعلم المستعرب أن الفعل: "فتح - أكل - أعلن" واسم المفعول منه مستغنيان عن الجار والمجرور، وأن الفعل: "قعد - يئس - هتف"، واسم مفعوله لا يستغنيان؟ من أين نعلم أن هذا الأسلوب صحيح في تركيبه بعد التعدية؛ أو غير صحيح؟ وأن مثل: "الحجرة قعدتها" خطأ؟ لا سبيل لذلك إلا بالرجوع إلى تلك المصادر اللغوية الأمينة، ولا دخل للذوق الشخصي في الصحة أو الفساد؛ لأنه غير مأمون، ومعنى ما تقدم أننا -ولا سيما المستعربون- لا نستطيع الانتفاع بأحد الضابطين السالفين أو =
[ ٢ / ١٥٣ ]
وبالرغم من هذه الوسيلة لجئوا إلى أخرى أدق منها وأصح؛ فقد بذلوا الجهد -قدر استطاعتهم- في استقصاء كلام العرب، وحصر الأفعال اللازمة الواردة فيه، وتقسيمها أقسامًا تقريبية متعددة، لكل قسم عنوان معين ينطبق - إلى حد كبير - على عدد كثير من الأفعال اللازمة الداخلة تحته؛ فيكتفي الراغب بمعرفة هذا العنوان، وتطبيق معناه على الفعل الذي يريد الحكم عليه بالتعدية أو باللزوم؛ فيصل - غالبًا - إلى ما يريد، فمنزلة هذا العنوان العام منزلة القاعدة التي تطبق على أفراد متعددة؛ فتغني عن المراجع اللغوية، وتوصل إلى الغاية المرجوة بغير جهد مبذول، ولا وقت ضائع، وقد نجحوا في وضع هذه العناوين أو القواعد التقريبية نجاحًا كبيرًا يمكن الاعتماد عليه، والاكتفاء به، بالرغم من أنها لم تنطبق على قليل من الأفعال وصف بالشذوذ، ونحوه، وأشهر تلك العناوين والقواعد التقريبية الدالة -في الغالب- على الأفعال اللازمة ما يأتي:
١- الأفعال الدالة على صفة تلازم صاحبها، ولا تكاد تفارقه إلا لسبب قاهر، وهي الأفعال الدالة على السجايا، والأوصاف الفطرية: مثل: شرف فلان؛ نبل - ظرف - قصر - طال - سمن - نحف والأغلب في هذه الأفعال أن تكون على وزن: "فعل" - بفتح فضم - وهذه صيغة تكاد تقتصر على الفعل ١ اللازم.
ويتصل بها ما لا يدوم ولكن ومنه يطول، أو يتكرر؛ مثل: جبن - شجع - نهم ٢ - جشع.
_________________
(١) = بهما معًا دون تحكيم اللغة أولًا، والاعتماد على ما تشير به، ولها وحدها القول الفصل، أما الضابطان أو أحدهما فيستطيع من عرف أولًا، من اللغة تعدية هذا الفعل أو لزومه - أن يلجأ إليهما، لمجرد الاستئناس، لا لمعرفة أمر مجهول، بل إنه لا يحتاج إلى مثل هذا الاستئناس؛ لاستغنائه عنه بالمعرفة اللغوية السابقة. وهناك سبب آخر هام، هو أن هذه "الهاء" - ونحوها- قد تتصل بآخر الفعل اللازم وتعرب مع لزومه مفعولًا به، طبقًا للبيان والتفصيل في رقم ٣ من هامش ص ٢٤٧، فكيف تصلح علامة المتعدي؟ ١ ويقول صاحب المغني ج ٢ الباب الرابع: الأمور التي لا يكون الفعل معها إلا قاصرًا: إنه لم يرد منها متعديًا سماعًا إلا اثنان؛ هما: رحب، طلع - بفتح أولهما - وضم ثانيهما؛ في مثل رحبتكم الدار، طلع القمر اليمن - كما سيجيء في ص ١٧٠، وفي رقم ٣ من هامش ص ١٨٣ - وكلام صاحب المغني وتحديده منوض بمثل الفعل: "بصر"، فإنه يتعدى في الأكثر بالباء، وقد يتعدى بنفس مباشرة، طبقًا لما في بعض المراجع اللغوية ومنها: "المصباح المنير". ولهذا صلة بما يجيء في رقم ١ من هامش ص ١٧٠. ٢ فهم الرجل: اشتدت رغبته في الطعام ولازمته.
[ ٢ / ١٥٤ ]
٢- الأفعال الدالة على أمر عرضي١ طارئ، يزول بزوال سببه المؤقت؛ كالأفعال في مثل: مرض المتعرض للعدوى - أحمر وجهه - ارتعشت يده وكالأفعال الدالة على فرح أو حزن؛ "هنئ - سعد - حزن - جزع - فزع - رجف"، أو على نظافة ودنس؛ مثل: نظف الثوب أو غيره - طهر - وضؤ - دنس - وسخ - قذر - نجس.
٣- الأفعال الدالية على لون، أو حلية، أو عيب، مثل: خمر - احمر - احمار - سود، أسود - ابيض ومثل: دعج٢، كجل - عور - عمي
٤-الأفعال التي على وزن "افعلل" نحو: اقشعر - ابذعر٣ - اشمأز - وما ألحق بهذا الوزن من مثل: افوعلّ "بسكون الفاء، وفتح الواو والعين، وتشديد اللازم"، نحو: أكوهد٤ وأكوأل
٥- الأفعال التي على وزن "افعنلل"؛ من كل فعل في وسطه نون بعدها حرفان أصليان، نحو: رنجم٥.
وكالأفعال التي تضاهي "افعنلل" من كل فعل في وسطه نون بعدها حرفان أحدهما زائد للإلحاق، نحو: اقعنسس٦؛ فإن السين الثانية زائدة للإلحاق ٧؛ باحرنجم.
_________________
(١) ١ يراد بالعرض هنا، المعنى الطارئ الذي ليس له طول ثبات، ولا دوام، وليس حركة جسم، أما الفعل الدال على الحركة فقد يكون لازمًا؛ مثل: مشي، وقد يكون متعديًا مثل: مد. ٢ دعجت العين: اشتد سوادها وبياضها - أو اتسعت مع شدة سواد المقلة. ٣ ابذعر القطيع: تفرق هربًا. ٤ أكوهد الفرخ: ارتعش؛ ليشعر أمه بجوعه، وأكوأل الرجل، بمعنى: قصر. ٥ احرنجم الرجل: أراد شيئًا ثم عدل عنه، واحرنجمت الخيل أو الإبل، اجتمعت متزاحمة. ٦ اقعنسس الجمل: أبى أن ينقاد، أو: رجع إلى الخلف. ٧ كانت العرب تزيد على الكلمة الشائعة حرفًا؛ لتجعلها مساوية في عدد حروفها وفي وزنها لكلمة أخرى، وتجري مجراها في التصغير، والنسب، والجمع، وغيرها والذي يدعوها لذلك دواع في مقدمتها ضرورة الشر، والتلميح، أو التهكم وليس من حق أحد -سوى العرب القدامى- أن يزيد في بنية الكلمة الواردة شيئًا للإلحاق؛ فتلك الزيادة مقصورة عليهم، وقد انتهى زمنها بانتهاء عصورهم التي حددت للاستشهاد بكلامهم، والتي حددها مجمع اللغة العربية بالقاهرة، بنهاية القرن الثاني الهجري في الحواضر، ونهاية القرن الرابع الهجري في البوادي. "راجع ص ١٨ من كتابنا: "رأي في بعض الأصول اللغوية والنحوية"، وص ٢٠٢ من الجزء الأول من مجلة المجمع اللغوي القاهري، و٢٩٤، ٣٠٣ من محاضر انعقاده الأول.
[ ٢ / ١٥٥ ]
ويلحق بهما ما كان على وزن "افعنلى" نحو اسلنقى١ واحرنبى٢.
٦- الأفعال التي على وزن "فعل" -بكسر العين أو فتحها- إذا كان الوصف منها على "فعيل"؛ نحو: قوي الرجل، فهو قوي، وذل٣ الضعيف فهو ذليل.
٧- الأفعال التي على وزن: انفعل؛ نحو: انبعث وانطلق، والتي على وزن "أفعل"، ومعناها: صار صاحب شيء معين، مثل: أغد البعير؛ بمعنى: صار ذا غدة٤.
أو التي على وزن: "استفعل" وتفيد الصيرورة٥ أيضَا؛ نحو: استنوق الجمل، أي: صار كالناقة، واستأسد القط؛ أي: صار كالأسد في صورته.
٨- الأفعال الدالة على مطاوعة ٦ فعل لفعل آخر متعد بنفسه لواحد؛ مثل: "امتد" في نحو: مددت الحديد الساخن فامتد، ومثل: "توفر" في نحو: وفرت المال فتوفر، ومثل: انكسر في نحو: كسرت الخشبة فانكسرت.
٩- الأفعال الرباعية الأصول التي يزاد عليها حرف أو حرفان؛ مثل: تدحرج، واحرنجم.
تلك هي أشهر أنواع الأفعال التي يغلب عليها اللزوم٧.
_________________
(١) ١ اسلنقى المريض: نام على ظهره. ٢ احرنبى الديك: نفش ريشه؛ استعدادًا للقتال. ٣ من باب: ضرب، يضرب. ٤ يريدون بها: ورمًا ناتئا يظهر في بعض أعضائه. ٥ التحول والانتقال من حالة إلى حالة. ٦ سبق شرح المطاوعة شرحًا وافيًا وإيضاحها بالأمثلة في رقم ١ من هامش ص ١٠٠"، وأشرنا هناك إلى أن صاحب كتاب "المخصص" "ابن سيده" عقد بحثًا وافيًا للمطاوعة ضمنه كثيرًا من شئونها "في الجزء ١٤ ص ١٧٥"، كما أشرنا إلى قرار المجمع اللغوي القاهري بقياسية أفعال المطاوعة كلها، وقرار الخاص بمطاوع "فعل" الثلاثي و ٧ وفيما سبق يقول ابن مالك: ولازم غير المعدى، وحتم لزوم أفعال السجايا؛ كنهم =
[ ٢ / ١٥٦ ]
"ملاحظة":
للفعل اللازم ثلاثة أنواع يتردد ذكرها في مناسبات مختلفة١.
أولها: اللازم أصالة؛ ويراد به الفعل الموضوع في أصله اللغوي لازمًا؛ مثل: نام - قعد - تحرك.
ثانيها: اللازم تنزيلًا؛ ويراد به الفعل المتعدي لواحد، ولكن مفعوله هذا يحذف - غالبًا - في بعض الاستعمالات؛ كأن يشق من مصدر هذا الفعل اسم فاعل يضاف إلى فاعله، فيصير اسم الفاعل بسبب هذه الإضافة دالًا على الثبوت بعد أن كان قبل الإضافة دالًا على الحدوث، ويصير في حالته الجديدة: "صفة مشبهة" ويسمى باسمها، وتجري عليه كل أحكامها مع بقائه على صورته الأولى، دون بقاء اسمه السابق، وهو في حالته الجديدة لا ينصب "مفعولًا به"؛ لأنه صار - كما قلنا - صفة مشبهة، والصفة المشبهة لا تشتق أصالة إلا من فعل لازم، فحق ما هو بمنزلتها أن يكون كذلك، فيحذف - في الغالب - مفعوله؛ مجاراة لها، ففي مثل: رحم قلب المؤمن الضعفاء، يقال فيه: فلان راحم القلب.
ثالثها: اللازم تحويلًا، وهذا يكون بتحويل الفعل المتعدي لواحد إلى صيغة: "فعل" بقصد المدح أو الذم٢ وهذه الصيغة لا تكون إلا لازمة؛ مثل: جهل الأمي، في ذم الأمي، والأصل المتعدي قبل التحويل هو: جهله ؛ فصار بعد التحويل لازمًا.
_________________
(١) = يريد: اللازم هو الذي ليس متعديًا، وشرع يبين أنواع الأفعال اللازمة، فقال: حتم لزوم أفعال السجايا وعدم تعديتها، أي: أن لزومها محتوم: وسرد أنواعًا أخرى في الأبيات التالية: كذا: "افعلل" والمضاهي اقعنسسا وما اقتضى نطافه أو دنسا أو عرضا، أو طاوع المعدى لواحد؛ كمده فامتدا أي: ما كان على وزان "افعلل" فهو لازم، وكذا الفعل الذي على وزن يضاهي ويشابه في أحكامه الفعل: "اقعنسس"، فإنه يشابه الفعل "افعنلل" مثل: "احرنجم" - كما أوضحنا في الشرح - وكذلك من اللازم أيضًا ما دل على نظافة، أو دنس، أو عرض، أو مطاوعة لفعل متعد لواحد ١ ولا سيما باب "الصفة المشبهة" ج ٣ م ١٠٤ و١٠٥ ص ١٦ و٢٥٠ حيث البيان. ٢ لهذا التحويل أحكام وضوابط مكان تفصيلها ج ٣ م ١١١ ص ٣٧٠ بعنوان: "الأفعال التي تجري مجرى "نعم وبئس".
[ ٢ / ١٥٧ ]
المسألة ٧١:
طريقة تعدية الفعل اللازم الثلاثي:
من الممكن جعل الفعل الثلاثي اللازم متعديًا إلى مفعول به واحد، أو في حكم المتعدي إليه١؛ وذلك بإحدى الوسائل التي ستذكرها، وكلها قياسي؛ إلا الأخيرة٢
وقبل أن نسردها نشير إلى أمر هام، هو: أن هذه الوسائل كلها تشابه في أمر واحد، يتركز في صلاحية كل منها لتعدية الفعل اللازم، وتختلف بعد ذلك بينهما اختلافًا واضحًا، وناحية الخلاف تتركز أيضًا في أن كل وسيلة منها تؤدي مع التعدية معنى خاصًا لا تكاد تؤديه وسيلة أخرى؛ فواحدة تفيد - مثلًا - مع التعدية جعل الفاعل مفعولًا به؛ كهمزة النقل٣، ولهذا أثره في تغيير المعنى الأول٤، وواحدة تفيد التكرار والتمهل؛ كالتضعيف، وهذا تغيير طارئ على المعنى السابق، وثالثة تفيد المشاركة، ولم تكن موجودة، كتحويل الفعل اللازم إلى صيغة فاعل
وهكذا ، مما سيتضح عند الكلام على كل واحدة، وما تجلبه من المعنى الطارئ مع التعدية، فإن كان أثر الوسائل من ناحية التعدية واحدًا، فإن أثرها مختلف من ناحية المعنى لهذا لا تختار وسيلة منها إلا على أساس أنها - مع تعديتها
_________________
(١) ١ الذي في حكم المتعدي هو ما يبدو متعديًا بحسب المظهر الشكلي اللفظي دون الواقع الحقيقي المعنوي، ويتضح هذا جليًا في الوسيلتين الأخيرتين "٧، ٨" كما سيجيء عند الكلام عليهما، في ص ١٦٩ و١٧١ هذا، وما يسري على الفعل يسري على شبهة. ٢ الأخيرة المقصورة على السماع هي: إسقاط حرف الجر وحده -دون مجروره- كما سيجيء في ص ١٧١ - وتلك الوسائل القياسية مستنبطة من الكلام العربي الأصلي الشائع؛ لاستخدامها كسائر القواعد العامة المستنبطة منه ولا يلتفت إلى الرأي القائل: إن استخدامها أو بعضها مقصور على السماع؛ إذ لو كان كذلك ما كان هناك داع لتدوين هذه الوسائل، ولوجب الاقتصار على المسموع، وهذا غير مقبول إلا في الحالة الأخيرة؛ حالة إسقاط حرف الجر وحده - كما سيأتي في ص ١٧١ "انظر رقم ٤ من هامش ص ١٦٣"، أما جعل المتعدي لازمًا أو في حكمه، فيجيء الكلام عليه في ص ١٨٢. ٣ إيضاحها في ص ١٦٥ ولها إشارة في "ج" ص ١٧٨. ٤ كما سيجيء في رقم ٢ من ص ١٦٥.
[ ٢ / ١٥٨ ]
الفعل - تجلب معها معنى جديدًا يساير الجملة، ويناسب الغرض، وعلى هذا الأساس وحده يقع الاختيار على وسيلة دون أختها؛ فالتي تصلح لمعنى لا تصلح لغيره في الغالب إلا إذا عرف عنها أنها قد تشابه غيرها في تأدية معناه، كحرف الجر الأصلي فإنه يؤدي ما تؤديه همزة النقل أحيانًا؛ نحو: أذهبت العصفور، وذهبت به وإليك الوسائل:
١- إدخال حرف الجر الأصلي المناسب للمعنى، على الاسم الذي يعتبر في الحكم - لا في "الاصطلاح" كما شرحنا أول هذا الباب، وكما يأتي هنا١ - مفعولا به معنويًا للفعل اللازم ٢، ليكون حرف الجر الأصلي مساعدًا على توصيل أثر الفعل إلى مفعوله المعنوي؛ فمثل: قعد - صاح - خرج - يقال في تعديته بحرف الجر: قعد المريض على السرير - صاح الجندي بالبوق - خرجت من القرية، فكلمة: السرير - البوق - القرية هي من الناحية المعنوية في حكم المفعول به، لوقوع أثر الفعل عليها، وإن كانت لا تسمى في "اصطلاح" النحاة مفعولًا به حقيقيًا ٣، ولا يجوز -في الرأي الأنسب- نصب شيء من توابعها ما دام حرف الجر الأصلي مذكورًا قبلها في الكلام "كما سبق وكما سيجيء"٤.
وقد وردت أمثلة قليلة مسموعة عن العرب، حذف فيها حرف الجر، ونصب مجروره بعد حذفه؛ منها: "تمرون الديار" بدلًا من: تمرون بالديار، ومنها: "توجهت مكة، وذهبت الشام"، بدلًا من: توجهت إلى مكة، وذهبت إلى الشام ، فهذه كلمات منصوبة على نزع الخافض٥، كما يقول
_________________
(١) ١ التعدية بحرف الجر ليست مقصورة على الثلاثي اللازم؛ وإنما تشمله وتشمل المتعدي لواحد أو أكثر؛ فإنه يتعدى لغيره بالجار أيضًا -كما أشار إليه "الصبان"، ونص عليه "الخضري" صراحة في أول هذا الباب. ٢، ٣؛ لأن "المفعول به" الحقيقي عندهم؛ هو الذي يقع عليه الأثر مباشرة بدون مساعدة، لذا يسمون التعدية بحرف الجر: "تعدية غير مباشرة"؛ لأنها جاءت نتيجة معاونة قدمت للفعل اللازم، ولم يستطع التعدية إلا بهذه المعاونة. ٤ راجع رقم ٣ من هامش ص ١١٧؛ ثم "ب" ص ١٢٥ م ٦٩ ثم ٣ من هامش ص ١٥١، ثم في ص ٤٣٩ ورقم ٢ من هامشها. ٥ أي: عند نزعه من مكانه، والمراد: عند حذفه، وفي هذه الحالة تسمى أفعالها: متعدية مما يسمى: "الحذف والإيصال" أو: "بنزع الخافض"، -وهذا نوع من الأول- أما مع وجود حرف الجر فتسمى: متعدية بالحرف؛ كما سبق. ولزع الخافض بيان مجيء في "أ" من رقم ٥ من بهامش ص ١٦١، وإشارة في رقم ٣ من هامش ص ٤٩٢، عند الكلام على حذف حرف الجر. هذا، ويلاحظ أن الكلام هنا وفي ص ١٩١ على حذف الجار مع بقاء مجروره يختلف في حكمه عن حكم حذف الجار مع مجروره، وسيجيء في ص ٥٣٢.
[ ٢ / ١٥٩ ]
النحويون، والنصب به سماعي١ - على الأرجح المعول عليه؛ مقصور على ما ورد منها منصوبًا مع فعله٢ الوارد نفسه؛ فلا يجوز -في الرأي الصائب- أن ينصب فعل٣ من تلك الأفعال المحددة المعينة كلمة على نزع الخافض إلا التي وردت معه مسموعة عن العرب، كما لا يجوز في كلمة من تلك الكلمات المعدودة المحدودة أن تكون منصوبة على نزع الخافض إلا مع الفعل٤ الذي وردت معه مسموعة، أي: أن هذه الكلمات القليلة المنصوبة على نزع الخافض لا يجوز القياس عليها، فهي، مقصورة على أفعالها الخاصة بها، وأفعالها مقصورة
_________________
(١) ١، ٢ راجع حاشية الأمير على "المغني" -جـ ١- عند الكلام على: "لكن" مشددة النون. والحكم بأنه مقصور على السماع هو الأنسب؛ لأنه يمنع اللبس والاضطراب اللغوي، وهو رأي أكثر أئمة اللغة؛ كابن هشام، وابن مالك، والرضي، وابن حيان، وآراؤهم مسجلة في المراجع المختلفة؛ ومنها ما جاء في حاشية "ياسين" في هذا الباب منقولًا عن ابن هشام في "التوضيح" وشرحه، عند كلامه على السبب الأول، والثاني من أسباب: "التعدية" حيث يقول ما نصه على سبب التعدية بنزع الخافض: "لكن المصنف سيذكر أنه سماعي" وفعلًا صرح به المصنف في "التوضيح" بعد ذلك آخر الباب: وسجلت تلك الحاشية في آخر صفحة من صفحات الجزء الثاني - باب: الإدغام" ما نصه: "إن النصب على نزع الخافض لا يصار إليه مع تيسير غيره "، وجاء في "حاشية الأمير على المغني" "ج ١ مبحث الحرف "علي" الجار، وبيان الأفعال التي حذف بعدها حرف الجر سماعًا ونصب المجرور بعد حذفه" ما نصه بعد تلك الأفعال المسموعة" " إنما جاز ذلك في هذه لتعين الحرف، وتعين محله، ولا يجوز القياس عليها وإن تعين الحرف، وتعين محله، فلا يجوز بريت القلم السكين، خلافًا لعلي بن سليمان". ا. هـ. ويقول الرضي -ج ١ ص ٧٥ من شرح الشافية- ما نصه: "إن باب الحذف والإيصال شاذ عند النحاة". وانظر رقم ٤ من هامش ص ١٧١ الآتية. ويقول ابن مالك في تعدية الفعل اللازم بحرف الجر: يصح نصب الاسم المجرور بشرط حذف حرف الجر، وهذا مقصود على "النقل؛ أي: على السماع. ونص كلامه في "ألفيته" هو: وعد لازمًا بحرف جر وإن حذف فالنصب للمنجر نقلا وسيجيء الكلام على هذا البيت في هامش ص ١٦٤. ٣ أو ما يشبه الفعل. ٤ وشبهه.
[ ٢ / ١٦٠ ]
عليها١، ولولا هذا لكثر الخلط بين الفعل اللازم٢ والفعل المتعدي، وانتشر اللبس والإفساد المعنوي، وفقدت اللغة أوضح خصائصها؛ وهو: التبيين؛ وأساسه الضوابط السليمة المتميزة التي لا تداخل فيها، ولا اختلاط.
وليس للتعدية بحرف الجر الأصلي -وشبهه ٣- حرف معين يجب الاقتصار عليه وحده، وإنما يختار للتعدية الحرف الذي يحقق المعنى المراد، ويناسب السياق؛ فقد يكون الحرف: من، أو، إلى، أو الباء، أو غيرها ؛ كالأمثلة السابقة، وكقولنا: انصرف الصانع إلى مصنعة - وانصرف من المصنع إلى بيته - انصرف العالم عن الهزل - انصرف في سيارته وهكذا تتغير أحرف الجر، وتتنوع مع العامل اللازم بتنوع٤ المعاني المطلوبة.
وحرف الجر إذا كان وسيلة للتعدية، "وهي التعدية غير المباشرة"، لا يجوز حذفه مع بقاء معموله مجرورًا، إلا في بضعة مواضع قياسية٥.
_________________
(١) ١، ٢ إلا الكلمة المنصوبة على ما يسمي: "الحذف والإيصال" أو: "نزع الخافض" في مثل "أرأيتك الحديقة، هل راقك جمالها" على اعتبار أن "أرأيتك" بمعنى: أخبرني، والحديقة: منصوبة على نزع الخافض، والأصل عن الحديقة. ولهذه المسألة تفصيل هام، وإيضاح مفيد في ج ١ ص ٢١٦ م ١٩ - باب: "الضمير". ٣ توضيح حرف الجر الأصلي وشبهه - مدون في ص ٤٣٤، وفي رقم ٢ من هامش ص ٤٣٦ حيث البيان المفيد عن تقسيم حروف الجر من ناحية الأصالة وعدمها، وفائدة كل قسم و ٤ هذا أمر يجب التنبيه له، فإذا رأينا لغويًا -أو غيره- ينص صراحة أو تمثيلًا على أن فعلًا - مثل: قعد، أو نام يتعدى بحرف الجر "في"، أو بحرف جر آخر ينص عليه، فليس مراده أن هذا الفعل لا يتعدى إلا بوسيلة واحدة هي: المجيء بجار مع مجروره، وأن حرف الجر الذي يجيء هو "في" أو غيره مما نص عليه. وإنما مراده أمران معًا، هما: أن هذا الفعل لازم، وأنه يجوز تعديته بإحدى وسائل التعدية التي ستذكر هنا، والتي منها الإتيان بحرف جر مناسب للمعنى وللسياق مع مجروره، دون الاقتصار على حرف جر واحد في الأساليب والمعاني المختلفة، فإذا اقتضى الأمر تعديته بالوسيلة القياسية وكانت حرف الجر جاز لنا أن نختار من بين حروف الجر حرفًا يناسب المقام والغرض المراد، من غير التزام حرف واحد في كل المواقف المعنوية المتباينة، وعلى هذا يقول: قعدت على الكرسي -قعدت منذ ساعة- من قعدت به همته لم تنهض به عشيرته وهكذا. ويزيد الأمر وضوحًا ما سيجيء في ص ٤٣٦ خاصًا ببيان المراد من تعلق الجار والمجرور بالعامل. ٥ سيجيء كثير منها في باب حروف الجر ص ٥٣٢ م ٩١ - وقد استفاض الخلاف، والجدل في جواز حذف الحروف الجارة حذفًا قياسيًا، أو عدم جوازه، وفي حكم المجرور بعد الحذف، أيبقى مجرور كما كان أم ينصب على "نزع الخافض"؟ وهو نوع يسمى: "الحذف والإيصال" =
[ ٢ / ١٦١ ]
ويعنينا الآن من تلك المواضع ما يكون فيه المجرور مصدرا مؤولا من حرف
_________________
(١) = وعند نصبه أيجوز أن يكون مفعولًا به لعامله المذكور، أم لا يجوز؟ وما حكم المصدر المؤول إذا كان مجررًا بالحرف المحذوف؟ أيكون في محل جر أم في محل نصب على: "نزع الخافض" أو على أنه مفعول به العامل الجديد؟ و و، بحوث جدلية، وتفريعات متشعبة، وصفوة ما يقال: هو أن حذف الجار على أربعة أنواع: أ- نوع يحذف وينصب بعده المجرور بما يسمى: "النصب على الحذف والإيصال" - أين نزع الخافض -؛ مثل قولهم: تمرون الديار - توجهت مكة - ذهبت الشام، وهذا نوع قليل جدًا - فهو غير مطرد، وقد أوضحنا بإفاضة - في ص ١٥٩ - حكمه بأنه سماعي محض؛ فلا يجوز في الفعل - وشبهه - الذي ورد معه أن ينصب على نزع الخافض لفظًا غير مسموع، ولا يجوز في الاسم المنصوب على نزع الخافض أن ينصب على هذه الصورة إلا مع الفعل الوارد معه؛ فلا يجوز تمرون الحقول، ولا: توجهت الحديقة، ولا ذهبت النهر، ولا أشباه هذا؛ لأن تعدية هذه الأفعال لم ترد عن العرب -فما يقال- إلا في: "الديار" و"مكة" و"الشام" على التوزيع السالف، وكان ورودهما فيها قليلًا جدًا فلا يسمح بالقياس، ومثلهما: مطرنا السهل والجبل، وضربت الخائن الظهر والبطن، أي: في السهل والجبل - وعلى الظهر والبطن. والقول بأن هذه الأسماء منصوبة على نزع الخافض أولى من القول بأنها مفعول به، وأن الفعل قبلها نصبها شذوذًا؛ لأن نصبها على المفعولية مباشرة ولو على وجه الشذوذ - قد يوحي - خطأ - أن الفعل قبلها متعد بنفسه؛ وأن المعنى لا يحتاج إلى المحذوف؛ فيقع في الوهم إباحة تعديته مباشرة في غيرها، لكن إذا قلنا: "منصوبة على نزع الخافض" سماعًا كان هذا إعلانًا صريحًا عن حرف جر محذوف، نصب بعده المجرور؛ فيكون النصب دليلا على ذلك لا يستقيم المعنى إلا بملاحظته، وتقدير وجوده. ومن هذا النوع المنصوب سماعًا ما نصب على نزع الخافض للضرورة. والنصب على نزع الخافض -في السعة أو في الضرورة- هو النوع الأشهر مما يتردد في كثر من المراجع اللغوية باسم: "الحذف والإيصال" ويراد به هنا: حذف حرف الجر، ونصب مجروره، وإيصاله بالعامل المحتاج للتعدية بعد حذف الجار، وقد تردد كذلك في عديد من المراجع اللغوية - ورد اسم كثير منها في كتاب: "السماع والقياس" ص ٧٤ لأحمد تيمور - النص الصريح على أن الحذف والإيصال، مقصور على السماع، ولا يجوز استخدامه قياسًا، وهذا الرأي هو الذي ارتضاه الصبان كذلك، ونقلنا كلامه في رقم ٤ من هامش ص ١٧١ ومن الواجب الاقتصار عليه؛ منعًا للإفساد اللغوي الذي يترتب على رأي ضعيف آخر يعارضه، ومن بعض صوره ما أشرنا إليه في رقم ٣ من هامش ص ١٧١. ب- نوع يحذف وينصب بعده المجرور أيضًا، ولكن على اعتباره مفعولًا به مباشرة - العامل الذي يطلبه؛ كالحرف التي يكثر استخدامها في تعدية بعض الأفعال المسموعة، فتجر الأسماء بعدها، وكذلك يكثر حذفها بعد تلك الأفعال المعنية؛ فتنصب الأسماء بعد حذفها؛ مثل الفعل: "دخل" فقد استعملته العرب كثيرًا متعديًا بالحرف: "في" مثل: دخلت في الدار، وكذلك استعملته بغير "في" ونصبت ما بعده فقالت: دخلت الدار، ولم تقتصر في حالة وجوده أو حذفه على كلمة "الدار" بل أكثرت من غيرهما، مثل: المسجد - الغرفة - الخيمة - القصر - الكوخ ، فكثرة استعمال الفعل بغير حرف الجر، ووقوع تلك الأسماء المختلفة بعده منصوبة مع عدم وجود عامل آخر - كل ذلك يدعو إلى الاطمئنان =
[ ٢ / ١٦٢ ]
مصدري من الحروف الثلاثة مع صلته، "وهي: أن، وأن المختصة بالفعل١
_________________
(١) = أن تلك الأسماء المنصوبة هي مفعولات للفعل الموجود، وأن هذا الفعل نصبها مباشرة؛ فلا حاجة إلى اعتبارها منصوبة على نزع الخافض - كما يرى بعض النحاة دون بعض - لما في هذا من العدول عن الإعراب الواضح، المساير لظواهر الألفاظ، ومعانيها - إلى الإعراب؛ والتعقيد من غير داع. ومعنى ما سبق أن الفعل: "دخل" بعد من الأفعال المسموعة التي تتعدي بنفسها تارة وبحرف الجر أخرى، فهو: مثل: شكر - نصح - حيث تقول فيها: شكرت لله على ما أنعم، ونصحت الغافل بأن يشكره، أو شكرت الله على ما أنعم، ونصحت الغافل بأن يشكره، وهذا النوع هو "ج" الذي وصفناه أول هذا الباب - عند تقسيم الفعل التام إلى متعد ولازم، ص ١٥١ - بأنه قسم مستقل بنفسه يسمى: "الفعل الذي يستعمل لازمًا ومتعديًا، وهذا النوع يطرد فيه النصب مع حذف حرف الجر كما يطرد الجر مع ذكر الحرف. ج- نوع يحذف فيه الحرف قليلًا مع بقاء مجروره على حالة من الجر؛ كما كان قبل حذف الجار، وهذا النوع القليل منصور على السماع لا محالة؛ فلا يجوز التوسع فيه بجر كلمات غير الكلمات التي وردت عن العرب كقولهم: "لاه ابن عمك" " أي: لله ابن عمك"، قد حذفت اللام وبقي مجرورها؛ فلا يجوز عند حذفها وضع مجرور آخر؛ كأن يقال: المجد أنت - العمل النافع أخوك - تريد: للمجد أنت - للعمل النافع أخوك، فهذا - وأشباهه - مما لا يصح. ومن هذا المسموع القليل حذف "الباء" أو"على"، مع بقاء مجرورها في قول أعرابي سئل: كيف أصبحت؟ فأجاب: "خير والحمد لله" أي: بخير، أو: على خير، وحذف "إلى" في قول آخر: إذا قيل أي الناس شر قبيلة أشارت كليب بالأكف الأصابع أي: أشارت إلى كليب الأصابع مع الأكف وهكذا من كل ما حذف فيه حرف الجر وبقي مجروره على حالة، وهذا النوع لا يطرد فيه الجر، وإنما يقتصر على المسموع، كما قلنا. د- نوع يكثر فيه حذف الجار مع إبقاء مجروره على حالة من الجر، وهذا النوع قياسي يطرد في جملة أشياء؛ أشهرها: حرف الجر الذي مجروره المصدر المؤول من أحد الحروف المصدرية الثلاثة مع صلته١، وهذه الحروف الثلاثة هي: "أن - أن - كي"، وقد تكلمنا عليها هنا - أما بقية الأشياء ومناقشتها، فموضوع الكلام عليها: آخر باب حروف الجر عند الكلام على حذف حرف الجر، وإبقاء عمله - ص ٥٣٥ م ٩١ - والكثير منها غير داخل في موضوع التعدية بحرف الجر الذي نحن فيه. ومما تقدم نعلم أن حرف الجر إذا حذف، ينصب الاسم بعده في حالتين؛ إحداهما: قليلة غير مطردة، فالنصب فيها مقصور على السماع، والأخرى كثيرة مطردة؛ فالنصب فيها قياسي، ويجر في حالتين؛ إحداهما: قليلة غير مطردة؛ فالجر فيها سماعي، والأخرى: كثيرة مطردة فالجر فيها قياسي فالحالات الأربع؛ منها اثنتان قياسيتان واثنتان سماعيتان. ١ إذا وقعت "أن وأن" بعد حرف الجر الباء في صيغة: "أفعل" - بفتح فسكون فكسر - الخاصة بالتعجب جاز حذف الباء مع "أن" قياسا دون "أن" المشددة في رأي قوي، بحجة أن السماع لم يرد بحذفها؛ وهذه التفرقة بينهما في مسألة واحدة غير مقبلة؛ لأن حذف الباء قبلهما جائز في كل المسائل الأخرى، فلم تخرج هذه المسألة - كما سنشير في ص ٤٩٥ وفي رقم ٣ من هامش ص ٥٣٤ لكن إذا حذفت الباء في التعجب بعد الصيغة السالفة أتلاحظ في التقدير أم لا؟ رأيان، كما سيجيء في باب التعجب ج ٣ - ص ٢٧٢ م ١٠٩.
[ ٢ / ١٦٣ ]
وكي١"، مثل: "سررت من أن الناشئ راغب في العلم، حريص على أن يزداد منه، لكي يبني مجده، ويرفع شأن بلاده"، فيصح حذف الجار قبل كل حرف من الثلاثة، فتصير الجملة: "سررت أن الناشئ حريص أن يزداد كي يبني " فالمصادر التي تؤول في العبارات السالفة من الحرف المصدري وصلته، تكون مجرورة على التوالي بالحرف: "من" فالحرف: "على"، فالحرف: "اللام" ولا داعي لأن يكون المصدر المؤول في محل نصب على نزع الخافض - كما يرى فريق - لأن حرف الجر المحذوف ملاحظ هنا بعد حذفه، والمعنى قائم على اعتباره كالموجود، فهو محذوف بمنزلة المذكور؛ ولأن النصب على نزع الخافض خروج على الأصل السائد الغالب، فلا نلجأ إليه مختارين.
وهذا الحذف القياسي لا يصح إلا عند أمن اللبس٢ كما في الأمثلة السالفة، وفي قول الشاعر:
ولا عار أن زالت عن الحر نعمة ولكن عارًا أن يزول التجمل
والأصل: "في أن زالت - في أن يزول " فإن خيف اللبس لا يصح الحذف؛ ففي مثل: "رغبت في أن يفيض النهر"، لا يصح حذف حرف الجر: "في" فلا يقال: رغبت أن يفيض النهر؛ إذ لا يتضح المراد بعد الحذف؛ أهو: رغبت في أن يفيض النهر، إذ لا يتضح المراد بعد الحذف، أهو: رغبت في أن يفيض النهر، أم رغبت عن أن يفيض ، والمعنيان متعارضان متناقضان، لعدم معرفة الحرف المحذوف المعين، وخلو الكلام من قرينة تزيل اللبس، ومثل هذا: انصرفت عن أن أقرأ المجلة، فلا يجوز حذف الجار؛ لأن حذفه يؤدي إلى أن تصير الجملة: انصرفت أن أقرأ المجلة، فلا ندري المقصود، أهو: انصرفت إلى أن أقرأ ، أم انصرفت عن أن أقرأ، والمعنيان متناقضان، ولا قرينة تزيل اللبس٣
_________________
(١) ١ كي المصدرية لا بد أن يسبقها - لفظا وتقديرا - لام الجر التي تفيد التعليل. ٢ طبقًا لما سيجيء في رقم ٢ من ص ٥٣٢. ٣ وفيما سبق يقول ابن مالك مقتصرا على بعض الحالات: وعد لازما بحرف جر وإن حذف فالنصب للمنجر =
[ ٢ / ١٦٤ ]
٢- إدخال همزة النقل على أول الفعل الثلاثي١ "وهي همزة تنقل معنى الفعل إلى مفعوله، ويصير بها الفاعل مفعولًا، ولا تقتضي -في الغالب- تكرارا، ولا تمهلًا" نحو: خفي القمر -وأخفى السحاب القمر- ومثل: جزعنا وأجزعنا، في قول الشاعر:
فإن جزعنا فإن الشر أجزعنا وإن صبرنا فإنا معشر صبر٢
٣- تضعيف عين الفعل اللازم، بشرط ألا تكون همزة٣، ففي نحو:
_________________
(١) نقلًا - وفي "أن" و"أن" يطرد مع أمن لبس، كعجبت أن يدوا "عجبت أن يدوا": أي أن يعطوا الدية، وهي التعويض المالي الذي يدفعه من ارتكب نوعًا معينًا من الجرائم؛ ليأخذه المظلوم الذي وقعت عليه الجريمة. يقول: إن تعدية اللازم تكون بإدخال حرف الجر على مفعوله المعنوي - كما شرحا - وعند حرف الجر ينصب الاسم المجرور، بشرط أن يكون هذا النصب نقلًا عن العرب؛ أي: مسموعًا في كلمات واردة عنهم؛ فليس النصب قياسًا ولا مباحًا في غير المنقول عنهم، ثم بين أن حذف الجار قياسي مطرد قبل "أن" و"أن". ١ التعدية القياسية بهمزة النقل ليست مقصورة على الفعل الثلاثي اللازم؛ فقد صرح "الأشموني" في أول هذا الباب - وتبعه "الصبان" - أن همزة النقل تدخل أيضًا على الثلاثي المتعدي للواحد؛ فتجعله متعديًا لاثنين. أما دخولها على المتعدي لاثنين فإن لم يكن من أفعال اليقين والرجحان، فلا يصح تعديته بها لثلاثة، وإن كان منهما جاز تعديته بها للثالث - بشرط أن يكون الفعل هو: "أعلم" أو: "أرى" دون أخواتهما من أفعال اليقين والرجحان، فإن في تعدية أخواتها الخلاف الذي سبق في ص ٥٩. ويقول صاحب الهمع - ج ٣ ص ٨١ باب " العوامل" وأولها: "الفعل" - ما نصه عن همزة النقل إنها: "لا تعدي ذا الاثنين إلى ثلاثة في غير باب: "علم "بإجماع". ا. هـ، فكيف وصف الحكم بالإجماع مع وجود الخلاف فيه، كما أشرنا.؟ ٢ جمع صبور، والبيت لأعشى باهلة. ٣ لأنه غير مسموع فيها، هذا، والتضعيف يقتضي -غالبا- التكرار والتمهل، بخلاف همزة النقل، بشرط ألا توجد قرينة تعارض كالتي في قوله: ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ فإن: "جملة واحدة" تعارض التكرار والتمهل في الفعل: "نزل"، "انظر "و" في هامش ص١٦٩". وقد جعل مجمع اللغة العربية بالقاهرة تعدية الفعل الثلاثي اللازم قياسية بالتضعيف لإفادة التكثير والمبالغة، مصرحا بهذا في مواضع مختلفة من بحوثه اللغوية، ومنها بحثه الخاص بصحة استعمال: "برر" بمعنى: "سوغ" حيث قال "في ص٢٢٤ من كتابه الذي عنوانه: "في أصول اللغة" مشتملا على مجموعة القرارات المجمعية التي أصدرها من الدورة التاسعة والعشرين إلى الدورة الرابعة والثلاثين" ما نصه الموافقة والتأييد لما عرضته عليه لجنة الأصول وهو: "ترى اللجنة إجارة ما شاع من استعمال "التبرير" في معنى " التسويغ" - استنادًا إلى قرار المجمع في قياسية تضعيف الفعل للتكثير، والمبالغة". ا. هـ. وفريق من النحاة يرى أن تعدية الثلاثي بالتضعيف ليست مقصورة على اللازم بل تشمله وتشمل المتعدي لواحد، أيضًا فيتعدى لاثنين - راجع الصبان والخضري وغيرهما.
[ ٢ / ١٦٥ ]
فرح المنتصر - نام الطفل، نقول: فرحت المنتصر - نومت الأم طفلها.
٤- تحويل الثلاثي اللازم إلى صيغة: "فاعل" الدالة على المشاركة؛ نقول في: جلس الكاتب، ثم مشى، وسار - جالست الكاتب، وماشيته، وسايرته.
٥- تحويل الفعل الثلاثي اللازم إلى صيغة: "استفعل" التي تدل على الطلب١، أو على النسبة لشيء آخر، فمثال الأول: حضر - عان "بمعنى: عاون" تقول: استحضرت الغائب - استعنت الله؛ أي: طلبت حضور الغائب، وعون الله. ومثال الثاني: حسن - قبح تقول: استحسنت الهجرة - استقبحت الظلم: أي: نسبت الحسن للهجرة، ونسبت القبح للظلم.
وقد تؤدي صيغة استفعل إلى التعدية لمفعولين إذا كان الفعل قبلها متعديًا لواحد؛ نحو: كتبت الرسالة - استكتبت الأديب الرسالة، وربما لا تؤدي، نحو: استفهمت الخبير، والأحسن قصر هاتين الحالتين الأخيرتين على السماع٢
_________________
(١) ١، ٢ أما صيغة: "استفعل" الدالية على الصيرورة فلازمة - غالبًا، نحو: استأسد اللقظ - استرجل الغلام أي: صار القط أسدًا - صار الغلام رجلًا، وقد أباح المجمع اللغوي القاهري قياسية صوغها، وجاء قراره صريحًا "في ص ٣٦٤ من محاضر جلسات دور الانعقاد الأول"، ونصه: "يرى المجمع أن صيغة استفعل" قياسية لإفادة الطلب أو الصيرورة". ا. هـ. وجاء في ص ٤٠ من الكتاب الذي أخرجه المجمع اللغوي في سنة ١٩٦٩ باسم: "كتاب في أصول اللغة" مشتملًا على القرارات التي أصدرها المجمع من الدورة التاسعة والعشرين إلى الدورة الرابعة والثلاثين ما نصه تحت عنوان: "السين والتاء" للاتخاد، و"الجعل". "سبق للمجمع أن أقر قياسية دخول السين والتاء للطلب، أو الصيرورة لكثرة ما ورد من أمثلة، وترى اللجنة أن زيادة السين والتاء للاتخاذ والجعل وردت في أمثلة كثيرة؛ نحو: استعبد عبدًا، واستأجر أجيرًا، واستأتى أبًا، واستأمى أمة، واستفحل فحلًا - واستخلف فلانًا، واستعمره في أرضه واستشعر الرجل إذا لبس شعارًا، و و وفي اعتبار هذه الصيغة قياسية تيسير للاصطلاح العلمي، "والاستعمال الكتابي - لهذا ترى اللجنة أن للمجمع قبول ما يصاغ من الكلمات على هذه الصيغة للدلالة على الجمل أو الاتخاذ". ا. هـ. وقد وافق المجمع ومؤتمره على رأي اللجنة، وصدر قرار الموافقة في الجلسة الثامنة لمؤتمر الدورة الواحدة والثلاثين في سنة ١٩٦٥، هذا، وفي ص ٤١ وص ٢٠٣ من الكتاب المجمعي السالف بحوث ومذكرات مفيدة تتصل بالقرار، وربما اعتمد عليه المجمع والمؤتمر في الأخذ به وتأييده.
[ ٢ / ١٦٦ ]
٦- تحويل الفعل الثلاثي إلى فعل "مفتوح العين" الذي مضارعه "يفعل" "بضمها"، بقصد إفادة المغالبة١؛ نحو: كرمت الفارس أكرمه؛ بمعنى: غلبته في الكرم - شرفت النبيل أشرفه؛ بمعنى: غلبته في الشرف٢
_________________
(١) ١ تسابق اثنين أو أكثر - إلى أمر؛ وتزاحمهما عليه، رغبة في انتصار كل فريق على الآخر؛ وتغلبه في ذلك الأمر، ولأهمية المغلبة سنعود للكلام عليها في الزيادة والتفصيل، ص ١٧٣. ٢ فيما يلي بعض صيغ فعلية، كثيرة التداول، أصلها ثلاثية مجردة، ثم اشتملت على شيء من حرف الزيادة، فكان لزيادة هذه الحروف المختلفة أثر في إيجاد معان مختلفة تتضح فيما يأتي - دون أن تفيد حصرًا ولا تحتيمًا -وإليك البيان: "منقولا من الصبان - ج ٤ - باب: التصريف عند الحاشية المتصلة بقول ابن مالك: ومنتهاه أربع إن جردا وإن يزد فيه فما ستا عدا أ- "أفعل"، يجيء لمعان، منها: "التعدية" كأخرج محمد عليًا - و"الكثرة"، كأضب المكان، أي: كثر ضبابه، وأعال الرجل: كثرت عياله. "وللصيرورة"؛ كأغد البعير؛ صار ذا غدة. و"الإعانة" على ما اشتق الفعل منه؛ كأحلبت فلانًا، أي: أعنته على الحلب. و"التعويض له" كأبعت العبد، أي: عرضته للبيع. و"لسلبه" كأقسط محمد، أي: أزال عن نفسه القسوط، وهو الجور، وأشكيت فلانًا، أي: أزلت شكايته. و"ووجدان المفعول به متصفًا به"؛ كأبخلت الرجل، أي: وجدته بخيلًا. و"بلوغه" كأومأت الدراهم، أي بلغت مائة، وأنجد فلان، بلغ نجدًا. و"المطاوعة" ككببته فأكب - وقد سبق بيان معنى "المطاوعة"، وبضع أحكامها الهامة في رقم ١ من هامش ص ١٠٠، وتجيء تكملة لها هنا في " د - هـ - ز ": ب- "فاعل" هو: "لأقسام الفاعلية والمفعولية لفظًا والاشتراك فيهما معنى"؛ فمحمد وعلي من: "ضارب محمد عليًا" قد اقتسما الفاعلية والمفعولية بحسب اللفظ؛ فإن أحدهما فاعل والآخر مفعول، واشتركًا فيهما بحسب المعنى؛ إذ كل منهما ضارب لصاحبه، ومضروب له وقد جاء "أصل الفعل" كباعدته، أي: أبعدته، وسافر فلان، وقاتله الله، وبارك فيه. جـ- "تفاعل" نحو: تضارب - هو: "للاشتراك في الفاعلية لفظًا، وفيها وفي المفعولية معنى"، وقد جا "الأصل الفعل"؛ كتعالى الله، و"تخييل الاتصاف به" كتجاهل، و"المطاوعة" كباعدته فتباعد ، - وقد سبق إيضاح "المطاوعة" وحكمها في رقم ١ من ص ١٠٠ -كما أشرنا- ثم انظر "د" التالية فيها أن: "افتعل" تكون بمعنى تفاعل. د- "افتعل" يجيء لمعان، منها: التسبب في الشيء والسعي فيه، تقول: اكتسبت المال =
[ ٢ / ١٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = إذا حصلته بسعي وقصد، وتقول: كسبته، إن لم يكن بسعى وقصد، كالمال الموروث. "ولأصل الفعل"، كالتحى، أي: طلعت لحيته، و"المطاوعة" كأوقدت النار فاتقدت: و"معنى تفاعل" نحو: اقتتلوا واختصموا. "ملاحظة": ومما يختص بصيغة: "افتعل وتفاعل" الدالتين على الاشتراك ما قرره مؤتمر مجمع اللغة العربية "في دورته السابعة والثلاثين" من جواز إسناد الصيغتين إلى معموليهما، باستعمال "مع" أو"الباء" في الصيغة الأولى، واستعمال "مع" في الصيغة الثانية؛ "كقولهم: اتفق معه، والتحم معه، والتقى به، واتصل به، واجتمع معه، واجتمع به، وتجاوب معه و ". ومما يتصل بصيغة "افتعل" قرار المجمع اللغوي القاهري "طبقًا لما جاء في ص ٣٩ من كتابه المسمى: "مجموعة القرارات العلمية" الصادرة في الدورة الأولى والدورات التي تليها إلى نهاية الثامنة والعشرين"، ونص القرار الخاص بمطاوع: "فعل" المتعدي - وقد سبقت الإشارة إليه من هامش ص ١٠٠ - هو: "كل فعل ثلاثي، متعد، دال على معالجة حسية، فمطاوعة القياسي هو: "انفعل"، ما لم تكن فاء الفعل واوًا، أو: لامًا، أو: نونًا، أو: ميمًا، أو: راء، ويجمعها قولك: "ولنمر" فالقياس فيه: "افتعل". ا. هـ - وسيجيء هذا في "هـ" ومعه الأمثلة. وجاء في كتاب: "الجامع الكبير" لابن الأثير - ج١ ص ٤٨ - ما نصه بهامشها: "قال الحريري في درة الغواص: يقولون: انضاف الشيء إليه، وانفسد الأمر عليه، وكلا اللفظين معيرة لكتاب، والمتلفظ به، لمخالفته السماع والقياس. والوجه: أضيف إليه، وسد عليه؛ فقد تقرر أن مطاوع "فعل" الثلاثي هو: "انفعل وافتعل" ومطاوع "أفعل" الرباعي هو: "فعل" ويشترط في ذلك التعدي. وما ورد مما يخالف ما ذكر - نحو: انزعج مطاوع "أزعج"، وانطلق مطاوع "أطلق" وانفحم مطاوع "أفحم"، ونحو: انسرب مطاوع "سرب"، وهو لازم - شاذ لا يقاس عليه، ونقل العلامة شهاب الدين الألوسي "في كشف الطرة ص ٤٨" أنا أبا علي الفارسي صحيح قياس "انفعل" من "أفعل" الرباعي، وأن ابن عصفور اختاره، وأن ظاهر قول ابن بري قياسية "انفعل" من "أفعل" الرباعي. قلنا: والسبب في ذلك كله اضطراب النحويين في فهم "المطاوعة". ا. هـ، ما جاء في كتاب: الجامع الكبير، لكن القاموس يقول في مادة: "فسد" إن القياس لا يأتي انفسد. وفيما يلي مباشرة الكلام على صيغة: "انفعل". "هـ" "انفعل" يقول الصبان ما نصه: هو: "المطاوعة الفعل ذي العلاج "أي: التأثير" المحسوس؟؛ كقسمته فانقسم؛ فلا يقال: علمت المسألة فانعلمت، ولا ظننت ذلك حاصلًا فانظن؛ لأن العلم والظن مما يتعلق بالباطن، وليس أثرهما محسوسًا، وأما نحو: فلان منقطع إلى الله تعالى، وانكشفت لي حقيقة المسألة، وحديث: "أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي" - فمن باب: "التجوز"، سلمنا أنه حقيقة، لكن لا نسلم أنه مطاوع، بل هو من باب انطلق علي". ا. هـ. "وجاء لأصل الفعل" كانطلق؛ أي: ذهب "لبلوغ الشيء" كانحجز؛ بلغ الحجاز، واستغنوا عن انفعل بافتعل - كما سبق في "د" - فيما فاؤه لام كلويته فالتوى، أو راء، كرفعته ارتفع، أو واو كوصلته فاتصل، أو نون كنقلته فانتقل، وكذا الميم غالبًا؛ كملأته فامتلأ
[ ٢ / ١٦٨ ]
٧ - التضمين - "وهو أن يؤدي فعل - أو ما في معناه - مؤدى فعل آخر
_________________
(١) = وسمع محوته فامحى، ومزته فاماز، والأصل: انمحى وانماز؛ فقبلت النون ميما وأدغمت، وقد يستغنون عنه به في غير ذلك، كاستتر واستد، "وقد يشاركان في غير ذلك"؛ كحجبت الشيء فانحجب واحتجب. "انظر ما يتصل بهذا في الملاحظة السالفة". "و" "فعل" - بتشديد العين، بشرط ألا تكون همزة - ويجيء لمعان؛ منها: "تعدية اللازم، أو: ذي الواحد" "يريد: أو: المتعدي لمفعول واحد"؛ كفرحت عليًا، وخوفته صالحًا. و"التكثير في الفعل"ح كطوف محمود؛ أي كثر طوافه ومنه قولهم: يهدم الصدر الضيق ما شيده العقل - أو: في الفاعل: كبركت الإبل، أو: في المفعول، كغلقت الأبواب. و"السلب"؛ كقردت البعير؛ أي: أزلت قراده، "التوجه"؛ كشرق وغرب، أي: توجه إلى الشرق والغرب، و"نسبة المفعول إلى ما اشتق الفعل منه"؛ كفسقته، أي: نسبته إلى الفسق، "الصيرورة" كعجزت الناقة؛ أي: صارت عجوزًا، و"لأصل لفعل" مثل: فكر، أي: تفكر". ومن "فعل" ما صيغ من المركب لاختصار حكايته؛ نحو: "هلل"، إذا قال: لا إله إلا الله، و"أمن" إذا قال: آمين، و"أيه" إذا قال: أيها الرجل؛ ونحوه. وتشديد العين على الوجه السالف يفيد أحيانًا "التكرار والتمهل"؛ نحو: علمت الطالب، وبصرته بالحقائق وتقدم البيان في رقم ٣ من ص ١٦٥، وهامشه. ومما يلاحظ أن "الصبان" قرر هنا أن صيغة "فعل" تجيء لتعدية: "اللازم، أو ذي الواحد" مع أنه قرار "في ج٢ آخر باب: تعدي الفعل ولزومه قرارًا آخر نصه: "قال في المغني: التضعيف سماعي في اللازم وفي المتعدي لواحد، ولم يسمع في المتعدي لاثنين، وقيل: قياسي في الأولين". ا. هـ، فبأي الرأيين تأخذ؟ الأنسب الأخذ بالرأي الذي يشمل اللازم والمتعدي لواحد - كما سبق؛ لأنه يتضمن تيسيرًا بغير ضرر لغوي ولا فساد. "انظر ما يتصل بهذا البحث، في جـ ٤ باب: "التصريف" م ١٨٠ ص ٦٩٤ "ب" معاني أحرف الزيادة". "ز" "استفعل" يجيء لمعان، منها: "الطلب؛ كاستغفرت الله - أي: طلبت منه المغفرة - و"عد الشيء متصفًا بالفعل"؛ كاستسمنت فلانًا؛ أي: عددته سمينًا. "والصيرورة"؛ كاستحجر الطين، أي: صار حجرًا، و"لوجدان الشيء متصفًا بالفعل"؛ كاستوبأت الأرض، وجدتها وبيئة، و"المطاوعة"؛ كأرحته فاستراح - "وقد أشرنا إلى أن إيضاح "المطاوعة" مدون في رقم ٤ من هامش ص ١٠٠، ثم انظر رقم ٢ من هامش ص ١٦٦. ح - "افعل وافعال" - بتشديد اللام فيهما - وأكثر مجيئهما للألوان ثم العيوب الحسية، وقد يجيئان لغيرهما؛ كانقض الطائر، أي: سقط؛ واملاس الشيء من الملامسة، والأكثر في ذي الألف العروض، "أي: أن الأكثر في المشتمل على الألف بعد العين أن يكون أمرًا عارضًا غير ملازم. وفي ساقطها اللزوم، وقد يكون الأول لازمًا كقوله تعالى في وصف الجنتين: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ والثاني عارضًا؛ كاحمر وجهه خجلًا. ط "افعوعل" يجيء لمعان فيها: "المبالغة " نحو اخشوش الشعر، أي: عظمت خشونته واعشوشب المكان كثر عشبه، و"الصيرورة" نحو: احلولى، الشيء، أي صار رحلوا.
[ ٢ / ١٦٩ ]
أو في معناه، فيعطى حكمه في التعدية واللزوم"١، ومن أمثلته في التعدية: لا تعزموا السفر، فقد عدي الفعل، "تعزم" إلى المفعول به مباشرة؛ مع أن هذا الفعل لازم لا يتعدى إلا بحرف الجر١؛ فيقال: أنت تعزم على السفر، وإنما وقعت التعدية بسبب تضمين الفعل اللازم: "تعزم" معنى الفعل المتعدي: تنوي، فنصب المفعول بنفسه مثله؛ فمعنى: "لا تعزموا السفر" لا تنووا السفر ومثل: رحبتكم الدار – وهو مسموع – فإن الفعل: "رحب" لازم؛ لا يتعدى بنفسه إلى مفعول به١ ولكنه تضمن معنى: "وسع فنصب المفعول به "الكاف" مثله؛ إذ يقال: وسعتكم الدار؛ بمعنى: اتسعت لكم، ومثل: طلع القمر اليمن، وهو من الأمثلة المسموعة أيضًا – والفعل: "طلع"٢
_________________
(١) ١ عرفه كثير من النحاة بأنه: "إشراب اللفظ معنى لفظ آخر، وإعطاؤه حكمه؛ لتؤدي الكلمة معنى كلمتين"، لكن التعريف الذي ذكرناها هو الذي ارتضاه المجمع اللغوي القاهري من بين تعريفات كثيرة؛ كما ورد في الجزء الأول من مجلته ص ١٨٠ وما حولها، وكما في ص ٢٠٢ من محاضر جلساته في دور الانعقاد الأول، وفي المرجعين السالفين بحوث لطيفة وافية في أمر "التضمين" من نواحيه المختلفة، وقرار المجمع في ص ١٨٠ المشار إليها صريح في أن "التضمين" قياسي بشروط ثلاثة، "أولها: تحقق المناسبة بين الفعلين، ثانيها: وجود قرينة تدل على ملاحظة الفعل الآخر، ويؤمن معها اللبس ثالثًا: ملاءمة التضمين للذوق العربي، ويوصي المجمع بعدم الالتجاء إلى التضمين إلا لغرض بلاغي". لكن أيكون التضمين في الفعل وما شابهه – نوعًا من المجاز، أم من الحقيقة، أم مركبًا منها؟ وهل يتلف التضمين بمعناه السالف النحوي عن: "التضمين البياني" وهو الذي يقضي بتقدير حال محذوفة موضعها قبل المجار والمجرور، مناسبة في معناها لهما، ويتعلق بها الجار والمجرور من غير حاجة إلى إعطاء كلمة معنى كلمة أخرى لتؤدي المعنيين، كما يقول النحاة؟ وهل يمكن وجود التضمين السماعي؟ كل هذا وأكثر منه وأوفى وأوضح، مدون في المرجعين السالفين وقليل منه مدون في حاشية الصبان قبيل آخر الباب، وكذلك عرض له "ياسين" في حاشيته على "التصريح" – أول الجزء الثاني، باب "حرف والجر هذا" تحت عنوان: "فصل – في ذكر معاني الحروف الجارة" عرضًا محمود الإسهاب، في نحو أربع صفحات كبيرة، وقرر أن المختار أنه سماعي. وقد سجلنا في آخر هذا الجزء الثاني –ص ٥٥٦– بحثًا نفيسًا خاصًا به؛ لا يستغني عنه المتخصصون، ثم أبدينا فيه رأينا بإيجاز، وهو بحث لأحد أعضاء المجمع اللغوي القاهري ألقاه صاحبه على زملائه، ثم تبعه في الجلسة نفسها بحث لعضو آخر، وقد سجلتهما – مع المناقشات التي دارت حولهما – مجلة المجمع، ونقلنا ذلك كله في ص ٥٦٦ وما يليها، مختومًا برأينا الخاص في "التضمين". ٢و ٢ هذا كلامهم، كيف وقد ورد متعديًا صراحة ي القرآن أو في الكلام العربي؟ ففيم التأويل؟
[ ٢ / ١٧٠ ]
– بضم اللام١ – لازم، ولكنه نصب المفعول به بنفسه بعد أن ضمن معنى: "بلغ".
ومن أمثلة جعل المتعدي لازمًا: "سمع الله لمن حمده"، فالفعل: "سمع" في أصله متعد بنفسه، ولكنه هنا تضمن ٢ معنى: "استجاب" فتعدى مثله باللام، وهكذا
والصحيح عندهم أن التضمين قياسي؛ والأخذ بهذا الرأي يفيد اللغة تيسيرًا وإتساعًا٣، ولما كان الفعل في التضمين لا يتعدى إلا بعد أن يستمد القوة من فعل آخر، فقد وصف بعد هذه التقوية بأنه في حكم المتعدي، وليس بالمتعدي حقيقة؛ لأن المتعدي الحقيقي لا تتوقف تعديته على حالة واحدة تجيئه فيها المعونة من غيره.
٨– إسقاط حرف الجر توسعًا، ونصب المجرور على ما يسمى: "نزع الخافض"٤، وهذا – مقصور على السماع الوارد فيه نفسه، دون استعمال آخر٥ كقوله تعالى: ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾، أي: عن أمره، وهذا
_________________
(١) ١ كشأن جميع الأفعال التي على وزن: "فعل" –بفتح فضم– وقد نقلنا في رقم ١ من هامش ص ١٥٤ من صاحب المغني أنه لم يرد من هذه الصيغة متعديًا إلا رحب وطلع – بضم ثانيهما، فيما يعرف، ولكن هذا التحديد والحصر مدفوعان بمثل: "بصر" كما قلنا هناك، وذكرنا مرجعه، وكما سيجيء أيضًا في رقم ٣ من هامش ص ١٨٣. ٢ قد ورد في كلام عربي أصيل، ففيم التضمين؟ ٣ ويمتاز التضمين من بقية وسائل التعدية بأنه قد ينقل الفعل اللازم طفرة إلى أكثر من مفعول واحد؛ ولذلك عدي: "آلوت" بمعنى: "قصرت" إلى مفعولين بعد أن كان الفعل قاصرًا، ذلك في نحو قولهم: لا آلوك نصحًا؛ لأنه تضمن معنى: "لا أمنعك" الذي ينصب مفعولين، وعدي: "أخبر، وخبر، وحدث، ونبأ" إلى الثلاثة، بعد أن تضمنت معنى: "أعلم" وبعد ما كانت متعدية إلى واحد بنفسها وإلى آخر بحرف الجر، نحو قوله تعالى: ﴿أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ – ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ – ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ﴾ . ٤ وهو نوع مما يسمى: "الحذف والإيصال" وهذا النوع من نصب المجرور على "نزع الخافض" غير حذف حرف الجر حذفًا قياسيا مع بقاء الجر – طبقًا لما سيجيء في ص ٥٣٤. ٥ قال الصبان في هذا الوضع ما نصه في حكم الصب على نزع الخافض: "إنه مخصوص بالضرورة؛ فلا يجوز لنا استعماله نثرًا – أي: في غير الضرورة: الشعرية ولو في منصوبه المسموع". ا. هـ. وقال في أول باب المفعول له – ج ٢: "إن النصب به سماعي على الأرجح". ا. هـ. وقد سبقت الإشارة الوافية لهذه المسألة في ص ١٥٩، "وفي ج ١ في رقم ٣ من هامش ص ١٠٣ – م ٧ عند شرح بيت ابن مالك الذي أوله –وسيأتي هنا– فارفع بضم وانصبن فتحًا ".
[ ٢ / ١٧١ ]
-كسابقه١- يكون فيه الفعل في حكم المتعدي وليس بالمتعدي حقيقه، مراعاة؛ لأنه العامل في المجرور معنى، ولكن لا دخل له في نصبه.
إلى هنا انتهى الكلام على أشهر الوسائل لتعدية الفعل اللازم، ومنها يتضح ما أشرنا إليه٢ قبل سردها، وهو:
أن كل وسيلة تؤدي مع تعدية الفعل اللازم معنى خاصا لا تؤديه أختها -في الغالب- وأن تلك الوسائل قياسية مطردة، ما عدا: إسقاط حرف الجر توسعا، مع نصب المجرور على نزع الخافض، فإن إسقاطه بهذه الصورة٣ مقصور على السماع.
_________________
(١) ولا داعي للأخذ بالرأي القائل إنه قياسي إذا وجد حرف جر سابق نظير للحرف المحذوف، ولو فصل بينهما فاصل، كبيت ابن مالك: فارفع بضم، وانصبن فتحًا وجر كسرًا، كذكر الله عبده يسر أي: انصب بفتح، وجر بكسر، لا داعي للأخذ بهذا الرأي؛ منعًا للخلط، ودفعًا للإلباس؛ إذ قد يقع في وهم كثيرين أن الفعل متعد بنفسه. انظر ما يتصل بهذا في رقم ١ من هامش ص ١٦٢. ١ كما سبقت لهما الإشارة في رقم ١ من هامش ص ١٥٨، لكن كيف يكون منصوبًا على نزع الخافض مع وروده منصوبًا صريحًا في القرآن الكريم؟ فلم التقدير؟ ٢ في ص ١٥٨. ٣ كما سيجيء في ص ٥٣٥ – ويلاحظ الفرق بينهما، وبين حذف الجار قياسًا مع بقاء معموله مجرورًا، على الوجه الذي سيجيء في ص ٥٣٤ كما يلاحظ ما سبق "في رقم ٥ من هامش ص ١٦١" من أنواع حذف الجار، وحكم كل نوع.
[ ٢ / ١٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
سبق تعريف "المغالبة"١، ووعدنا أن نتكلم عليها هنا، ملخصين آراء الباحثين فيها:
جاء في مقدمة "القاموس" – في المقصد الأول الخاص ببيان الأمور التي امتاز بها القاموس، عند تعليق المصحح على الأمر الخامس، والكلام على الأمور التي توجب ضم العين في المضارع ضمًا قياسيًا، ومنها أن يكون دالًا على المغالبة – التعليق التالي:
"قوله: أو دالًا على المغالبة " يقتضي أن باب المغالبة قياسي؛ وليس كذلك، كما يدل عليه عبارة الرضي؛ حيث قال: "واعلم أن باب المغالبة ليس قياسيًا بحيث يجوز نقل كل لغة إلى هذا الباب، قال: س٢. "وليس في كل شيء يكون هذا ألا ترى أنك لا تقول: نازعني فنزعته أنزعه بضم العين "وهي الزاي"، للاستغناء عنه بغلبته، وكذا غيره، بل نقول: هذا الباب مسموع كثير". ا. هـ.
وقال صاحب القاموس في الجزء الرابع مادة: الخصومة: ما نصه:
"الخصومة: الجدل – خاصمه مخاصمة، وخصومة؛ فخصمه يخصمه: غلبه، وهو شاذ؛ لأن فاعلته ففعلته يرد "يفعل" منه "أي: المضارع منه" إلى الضم، إن لم تكن عينه حرف حلق فإنه بالفتح؛ كفاخره ففخره يفخره، وأما المعتل كوجدت وببعت فيرد إلى الكسر إلا ذوات الواو؛ فإنها ترد إلى الضم؛ كراضيته فرضوته أرضوه – وخاوفني فخفته أخوفه، وليس في كل شيء٣؛ فلا يقال: نازعته أنزعه؛ لأنهم استغنوا عنه بغلبته".
وقال الجاربردي في شرح الكافية٤:
"معنى المغالبة: ما يذكر بعد المفاعلة مسندًا إلى الغالب"، أي: المقصود
_________________
(١) ١ في رقم١ من هامش ص١٦٧. ٢ يريد: سيبويه. ٣ أي: لا يقال هذا في كل شيء، وإنما يقال في بعض الحالات دون بعض. ٤ وقد نقلنا كلامه عن ص٦٨ جـ١ من المواهب الفتحية.
[ ٢ / ١٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بيان الغلبة في الفعل الذي جاء بعد المفاعلة، على الآخر، فإذا قلت: كارمني، اقتضى أن يكون من غيرك إليك كرم، مثل ما كان منك إليه؛ فإذا غلبته في الكرم فإنك تبينه على "فعل" بفتح العين؛ لكثرة معانيه، ثم خصوا من أبوابه بالرد إليه ما كان عين مضارعه مضمومة، وإن كان من غير هذا الباب، نحو كارمني فكرمته، يكارمني فأكرمه، وضاربني فضربته، يضاربني فأضربه "بضم الراء في المضارع"، فهذا قد ضربته وضربك، ولكنك قد غلبته في الضرب. ويجوز ألا يكون قد ضربك، وإنما ضربتما غيركما؛ لتغلبه في ذلك أو لتغلبك؛ كذا البواقي.
وإنما فعلوا ذلك؛ لأن "الفعل" بمعنى المغالبة قد جاء كثيرًا من هذا الباب؛ نحو الكبر؛ وهو: الغلبة في الكبر: والكثر، وهو الغلبة في الكثرة، والقمر، وهو الغلبة في القمار، فنقلوا من غير ذلك الباب أيضًا إليه، ليدل على المراد الموضوع؛ ثم استثنوا من هذه القاعدة معتل الفاء؛ واويًا كان نحو: وعد، أو يائيًا نحو: يسر؛ فإنه لا ينقل إلى "يفعل" بضم العين، لئلا يلزم خلاف لغتهم؛ إذ لم يجئ "مثال"١ مضموم العين، فيقال: واعدني فوعدته أعده، وياسرني فيسرته، ومعتل العين أو اللام، اليائي؛ فإنه لا ينقل إلى "يفعل" بالضم، بل يبقى على الكسر؛ فيقول بايعني فبعته أبيعه، وراماني فرميته أرميه؛ إذ لم يجئ أجوف ولا ناقص يأتي من: "يفعل" بالضم؛ لأنك لو ضممت عينه لانقلب حرف الباء واو، فيلتبس بذوات الواو، ومثل هذا قاله الرضي وغيره من شراح الكافية". ا. هـ.
وجاء في الهمع "ج ٢ ص ١٦٣" في فعل يفعل ما نصه: "لزموا الضم في باب المغالبة، على الصحيح؛ نحو: ضاربني فضربته أضربه – وكابرني فكبرته أكبره، وفاضلني ففضلته أفضله، وجوز الكسائي فتح عين مضارع هذا النوع إذا كان عينه أو لامه حرف حلق؛ قياسًا؛ نحو: فاهمني ففهمته أفهمه، وفاقهني ففقهته أفقهه، وحكى الجوهري: واضأني فوضأته، أوضؤه؛ قال: وذلك بسبب الحرف الحلقي، وروى غيره: وشاعرته فشعرته، أشعره.
_________________
(١) ١ المثال: ما كانت فاؤه حرف علة.
[ ٢ / ١٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وفاخرته ففخرته أفخره، بالفتح، ورواية أبي ذر بالضم ". ا. هـ.
ورأى الكسائي –مع قلته– حسن؛ لأن فيه تيسيرًا باستعمال ضبطين في بعض الصور والأساليب، والعجيب أن اللغتين شائعتان –حتى اليوم– في كثير من نواحي الإقليم الجنوبي "الصعيد" المصري.
مما تقدم – عن باب: المغالبة – يعلم أنه مسموع كثير عند سيبويه، والوصف بأنه مسموع كثير يؤدي إلى الحكم بأنه قياسي، وكذلك يعلم من قول شارح الكافية السابق – وهو: "أنك تبنيه على كذا – أن هذا من عملك؛ فهو مقيس لك؛ لكثرته، وهذا رأي ابن جني أيضًا في كتابه: "الخصائص" ج١ عند الكلام على المغالبة".
وخير ما يلخص به الموضوع تلخيصًا وافيًا حكيمًا هو ما جاء في الجزء الثاني من مجلة المجمع اللغوي القاهري ص ٢٢٦، ونصه١:
ذهب بعض إلى أن المغالبة ليست قياسًا؛ وإنما هي مسموعة كثيرًا، وذهب بعض إلى أن استعمالها مطرد في كل ثلاثي متصرف تام خال مما يلزم الكسر.
وإنه يكفي أنه مسموع كثير لنقيس عليه، كما قرر المجمع، وكما قال ابن جني". ا. هـ.
وهذا هو الحكم الموفق الذي يحسن الاقتصار عليه.
_________________
(١) ١ بقلم شيخ الجامع الأزهر - الخضر حسين، وكان -﵀- أحد أعضاء المجمع اللغوي الأجلاء.
[ ٢ / ١٧٥ ]
المسألة ٧٢:
تعدد المفعول به، وما يتبع هذا من ترتيب١، وحذف
عرفنا أن الفعل المتعدي قد يتعدى -مباشرة- إلى مفعول به واحد٢؛ نحو: عدل الحاكم يكفل السعادة للمحكومين، أو إلى مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، نحو: رأيت الظلم أقرب طريق للخراب، أو ليس أصلهما المبتدأ والخبر؛ نحو: منعت النفس التسرع في الرأي، وقد ينصب ثلاثة؛ نحو علمني العقل: الاعتدال وافيًا من البلاء ولا يتعدى الفعل لأكثر من ثلاثة.
أ- فإن كان الفعل متعديًا لاثنين أصلهما المبتدأ والخبر جاز مراعاة هذا الأصل في ترتيبهما، فيتقدم المفعول به الذي أصله المبتدأ على المفعول به الذي أصله الخبر؛ - ففي مثل "الصبر أنفع في الشدائد " يجوز: حسبت الصبر أنفع في الشديد، كما يجوز: حسبت أنفع في الشدائد الصبر، لكن مراعاة الأصل أحسن.
وقد تجب مراعاة الأصل في المواضع التي يجب فيها تقديم المبتدأ على الخبر٣، كأن يؤدي عدم الترتيب إلى الوقوع في اللبس؛ ففي نحو: خالد محمود "والمراد: خالد كمحمود" نقول: ظننت خالدًا محمودًا؛ فلو تقدم الثاني لاختلط الأمر والتبس؛ إذ لا يمكن تميز المشبه من المشبه به؛ لعدم وجود قرينة تساعد على هذا؛ فيكون التقديم بمراعاة الأصل هو القرينة.
وقد تجب مخالفة الأصل؛ فيتقدم المفعول الثاني في المواضع التي يجب فيها تقديم الخبر على المبتدأ٤؛ كأن يكون في المفعول الأول ضمير يعود على الثاني؛ نحو: ظننت في البيت٥ صاحبه.
_________________
(١) ١و ٢ سبق -في ص٨٦- حكم "المفعول به" الواحد من ناحيتي تقدمه وتأخره في الجملة "أي: من ناحية ترتيبيه فيها". ٣ و٤ وقد سبق البيان في بابهما بالجزء الأول م٣٧ ص٦١. ٥ سبق في "ص٢٤ من باب "ظن وأخواتها"" أن المفعول الثاني للأفعال القلبية يجوز أن يكون جملة، وأن يكون شبه جملة، كالمثال المذكور هنا، وقد وجب فيه التقديم على المفعول الأول كي لا يعود الضمير على متأخر لفظا ورتبة، وهذا ممنوع إلا في مواضع أخرى محدودة، ليس منها هذا الموضع.
[ ٢ / ١٧٦ ]
فأحوال الترتيب بين المفعولين ثلاثة: حالة يجب فيها مراعاة الأصل بتقديم ما أصله المبتدأ وتأخير ما أصله الخبر، وحالة يجب فيها مخالفة هذا الأصل، وثالثة يجوز فيها الأمران، وقد تقدم هذا مفصلًا في موضعه الأنسب من باب: "ظن وأخواتها"١.
ب– إن لم يكن أصلهما المبتدأ والخبر، فالأحسن تقديم ما هو فاعل في المعنى على غيره؛ نحو: أعطيت الزائر وردة من الحديقة: "فالزائر" هو الآخذ، و"الوردة" هي المأخوذة؛ فهو في المعنى بمنزلة الفاعل؛ وهي بمنزلة المفعول به؛ وإن كانت هذه التسمية المعنوية لا يلتفت إليها في الإعراب.
ويجوز مخالفة الأصل؛ فيقال: أعطيت وردة من الحديقة الزائر، لكن الترتيب أحسن.
وقد يجب التزام الترتيب بتقديم الأول حتما وتأخير الثاني في مواضع، أشهرها ثلاثة:
١- خوف اللبس؛ نحو أعطيت محمودًا زميلًا في السفر، فلا يجوز تقديم الثاني؛ إذ لو تقدم لم يتبين الآخذ من المأخوذ، ولا قرينة تزيل هذا اللبس، ولا وسيلة لإزالته إلا بتقديم ما هو فاعل في المعنى على غيره؛ ليكون التقديم هو الدليل على أنه الفاعل المعنوي.
وفي هذه الصورة يجوز تقديم المفعول الثاني على المفعول الأول وعلى الفعل معًا؛ لعدم اللبس في هذه الحالة؛ نحو زميلًا في السفر أعطيت محمودًا.
٢- أن يكون الثاني واقعًا عليه الحصر٢؛ نحو: لا أكسو الأولاد إلا المناسب. فلو تقدم الثاني لفسد الحصر، ولزال الغرض منه.
ولا مانع من تقديمه مع "إلا" على المفعول الأول؛ إذ لا ضرر من هذا؛ لأن المحصور فيه هو الواقع بعد "إلا" مباشرة؛ نحو: لا أكسو إلا المناسب الأولاد.
٣- أن يكون الأول ضميرًا متصلًا والثاني اسمًا ظاهرًا؛ نحو: منحتك الود، "لكن لا مانع من تقديم المفعول الثاني على الأول والفعل معًا، نحو الود منحتك".
وتجب مخالفة الترتيب في مسائل، أشهرها ثلاثة أيضًا:
١- أن يكون المفعول الأول "أي: الفاعل في المعنى" محصورًا نحو: ما أعطيت
_________________
(١) ١ ص٢٣ م٦٠. ٢ تقدم في جـ١ ص٣٦٤ م٣٧ إيضاح للحصر "معناه وطريقته".
[ ٢ / ١٧٧ ]
المكافأة إلا المستحق، ويجوز تقديمه مع "إلا " على المفعول الأول وحده، دون عامله.
٢- أن يكون المفعول الأول –الذي هو فاعل معنوي– مشتملًا على ضمير يعود على المفعول الثاني؛ نحو: أسكنت البيت صاحبه، فإن كان الثاني هو المشتمل على ضمير يعود على الأول جاز الأمران، نحو: أسكنت محمدًا بيته، أو: أسكنت بيته محمدًا.
٣- أن يكون المفعول الثاني ضميرًا متصلًا، والأول "أي: الفاعل المعنوي" اسمًا ظاهرًا؛ نحو: القلم أعطيته كاتبًا
فأحوال الترتيب ثلاث ي هذا القسم "ب"؛ هي: وجوب التزامه في ثلاثة مواضع، ووجوب مخالفته في ثلاثة أخرى، وجواز الأمرين في غير المواضع السالفة١.
جـ- إن كان الفعل متعديًا لثلاثة، فالأول منها كان فاعلًا، وقد صيرته همزة النقل مفعولًا به٢، فالأصل الذي يراعى فهي أن يقدم على المفعول الثاني والثالث، وأصلهما الأرجح مبتدأ وخبر؛ فيراعى في الترتيب بينهما ما يراعى بين المبتدأ والخبر؛ طبقًا للبيان الذي سبق ٣ "عند الكلام على حكم الناسخ ومعموليه من ناحية التقديم والتأخير".
_________________
(١) ١ ترك ابن مالك الكلام على أحوال القسم الأول: " أ " – واقتصر على أحوال هذا القسم: "ب" فقال: بإيجاز: والأصل سبق فاعل معنى؛ "كمن" من "ألبسن من زراكم نسج اليمن" ويلزم الأصل لموجب عرى وترك ذاك الأصل حتمًا، قد يرى يريد: إذا تعدى الفعل لمفعولين: أحدهما فاعل في المعنى، فالأصل المستحسن أن يتقدم هذا المفعول على غيره، وساق مثالًا هو: "ألبسن من زاركم نسج اليمن"، فكلمة: "من" مفعول به، وهي من ناحية المعنى – لا الاصطلاح النحوي – بمنزلة الفاعل؛ لأن مدلولها هو: اللابس، "ونسج اليمن"، هو الملبوس، وفي هذه الحالة يراعى الأصل بتقديم المفعول الذي هو فاعل معنوي، ويجوز عدم مراعاته؛ فنقول: ألبسن نسج اليمن من زاركم والمراعاة أحسن، ثم صرح بعد ذلك بأن مراعاة هذا الأصل قد تلزم بسبب موجب لمراعاتها قد عرا، – أي: حل ووجد – كما صرح بأن ترك مراعاة الأصل قد يرى حتمًا، أي: قد يرى أمرًا محتومًا، واجبًا، "حتمًا: مفعول يرى". ٢ راجع رقم ٢ من ص ١٦٥. ٣ في ص ٢٣ و١٧٦.
[ ٢ / ١٧٨ ]
حذف المفعول به:
الأغلب أن يؤدي المفعول به معنى ليس أساسيًا ١ في الجملة؛ فيمكن الاستغناء عن المفعول به من غير أن يفسد تركيبها، أو يختل معناها الأساسي، ولهذا يسمونه: "فضلة" "وهي اسم يطلقه النحاة على كل لفظ معناه غير أساسي في جملته".
بخلاف المبتدأ، أو الخبر، أو الفاعل، أو نائبه أو غير هذا من كل جزء أصيل في الجملة لا يمكن أن تتكون ولا أن يتم معناها الأساسي إلا به، مما يسميه النحاة "عمدة".
بالرغم من أن المفعول به فضلة – فقد تشتد الحاجة إليه أحيانًا؛ فلا يمكن الاستغناء عنه في بعض المواضع، ولا يصح حذفه بها: كما سنرى، أما في غيرها فيجوز حذفه –واحدًا أو أكثر– لغرض لفظي، أو معنوي.
١- فمن اللفظي: المحافظة على وزن الشعر، كقول شوقي:
ما في الحياة لأن تعا تب أو تحاسب متسع
"أي: تعاتب المخطئ أو تحاسبه٢"، ومنها: المحافظة على تناسب الفواصل ٣ نحو قوله تعالى مخاطبًا رسوله الكريم: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى، إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ وقوله: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ٤، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ٥ فحذف مفعول الفعل: "يخشى" ولم يقل: "يخشاه" أو: يخشى الله؛ لكي تنتهي الجملة الثانية بكلمة مناسبة في وزنها لكلمة: "تشقى" التي انتهت بها الجملة الأولى، وكذلك الفعل: "قلا" الذي حذف مفعوله؛ فلم يقل: "قلاك" ليكون مناسبًا في وزنه للفعل: "سجا".
_________________
(١) ١ هذا في غير مفعولي "ظن" وأخواتها؛ لأن أصلهما المبتدأ والخبر –غالبًا– فهما عمدتان بحسب أصلهما، كما سبق في رقم ٤ من هامش ص ٣، وقد سبق الكلام على حذفهما في ص ٥٦ م ٦٣. ٢ ومثل قول الشاعر: شكرتك؛ إن الشكر نوع من التقى وما كل من أوليته نعمة يقضي يريد: يقضي حقها من الشكر ، أو يقضي شكرها. ٣ الكلمات التي في نهاية الجمل المتصلة اتصالًا معنويًا. ٤ هدأ وسكن، وخلا من الرياح والعواصف، وأشباهها. ٥ كره.
[ ٢ / ١٧٩ ]
ومنها: الرغبة في الإيجاز؛ نحو: دعوت البخيل للبذل، فلم يقبل، ولن يقبل – أي: لم يقبل الدعوة، أو البذل، ولن يقبل الدعوة أو البذل
ب– ومن المعنوي: عدم تعلق الغرض به، كقول البخيل لمن يعيبه بالبخل: طالما أنفقت، وساعدت، وعاونت؛ أي: طالما أنفقت المال، وساعدت فلانًا. وعاونت فلانًا١.
أو: الترفع عن النطق به؛ لاستهجانه، أو: لاحتقار صاحبه، أو نحو هذا من الدواعي البلاغية وغير البلاغية.
فإذا اشتدت حاجة المعنى إلى ذكر المفعول به بحيث يختل المعنى أو يفسد بحذفه لم يجز الحذف؛ كأن يكون المفعول به هو الجواب المقصود من سؤال معين؛ مثل: ماذا أكلت؟ فيجاب: أكلت فاكهة، فلا يجوز حذف المفعول به: "فاكهة" لأنه المقصود من الإجابة.
أو: يكون المفعول به محصورًا؛ نحو: ما أكلت إلا الفاكهة.
أو: يكون مفعولًا به متعجبًا منه بعد صيغة: "ما أفعل" التعجبية، نحو: ما أحسن الحرية.
أو: يكون عامله محذوفًا: نحو: قول القائل عند نزول المطر: خيرًا لنا، وشرًا لعدونا، أي: يجلب خيرًا.
وليس هذا الحذف مقصورًا على مفعول الفعل المتعدي لواحد؛ بل يشمله ويشمل المفعول الأول وحده، أو الثاني وحده، أو هما معًا للفعل الذي ينصب مفعولين؛ مثل: "ظن" وأخواتها، وكذلك يشمل المفعول الثاني والثالث – دون الأول ٢ – للأفعال التي تنصب ثلاثة؛ مثل: "أعلم وأرى" كما سبق الكلام على
_________________
(١) ١ وقد حذفت المفعولات؛ لأن الغرض الهام من الجملة ليس فلانا وفلانا من الأشخاص المعينة، إنما الغرض هو: البذل والإعطاء لهذا أو لذاك بغير تعيين. ومن هذا قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ﴾ أي: أعطى المال واتقى الله وقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾، يعطيك الخير، فترضاه. ٢ لأنه في الأصل فاعل، وقد صيرته همزة النقل مفعولا به "راجع البيان الخاص بهذا ص٥٨ ثم في ص٦٠".
[ ٢ / ١٨٠ ]
هذا وإيضاحه بالأمثلة١.
حذف عامل المفعول به:
بمناسبة الكلام على حذف المفعول به الواحد أو المتعدد يعرض النحاة إلى حذف عامله جوازًا أو وجوبًا.
أفيجيزون حذفه إن كان معلومًا بقرينة تدل عليه، مثل؛ ماذا حصدت فتقول: قمحًا: أي: حصدت قمحًا، وماذا صنعت؟ فتجيب: خيرًا. أي: صنعت خيرًا ٢
ب- ويوجبون حذفه في أبواب معينة؛ منها: الاشتغال؛ وقد سبق٣، ومنها: النداء٤، ومنها: التحذير والإغراء٥، ومنها: الاختصاص٦، بالشروط
_________________
(١) ١ في ص ٦٠. وقد اقتصر ابن مالك على بعض مواضع الحذف؛ فقال: وحذف فضله أجز إن لم يضر كحذف ما سبق جوابًا أو حصر يقول: أجز حذف الفضلة "والمراد هنا: المفعول به" بشرط ألا يضر حذفها. وبين التي يضر حذفها بأنها ما سيقت جوابًا، أو وقعت محصورة على الوجه الذي شرحناه فيهما. هذا والفعل: "يضر" هو مضارع مجزوم، ماضيه، "ضار" بمعنى: ضر، تقول ضارني البرد يضيرني، بمعنى: ضرني، يضرني. ٢ من القرائن ما يدل عليه سياق الكلام؛ كقول الشاعر: أمجدا بلا سعي؟ لقد كذبتكمو نفوس ثناها الذل أن تترفعا يريد: أتحبون مجدًا ؟ أو نحو هذا ٣ في ص ١٢٤. ٤ فإن المنادى منصوب بعامل محذوف وجوبًا، تقديره، أنادي، أو أدعو، وحرف النداء عوض عنه "طبقًا للبيان الآتي في باب "النداء" أول الجزء الرابع". ٥ يشترط في حذف العامل في التحذير أن يكون التحذير بكلمة: "إياك"؛ نحو: إياك والكذب، أو: مع العطف؛ نحو: الكذب والنفاق، أو مع التكرار؛ نحو: النار النار ويشترط في الإغراء: العطف؛ نحو الكرامة والشهامة، أو التكرار؛ نحو الحياء الحياء وسيجيء البيان والتفصيل في الباب الخاص بالإغراء والتحذير، ج ٤ م ١٤٠. ٦ إيضاحه وتفصيل الكلام عليه في بابه الخاص "ج ٤ م ١٣٩".
[ ٢ / ١٨١ ]
المدونة في باب١ كل ومنها: الأمثال المسموعة عن العرب بالنصب؛ نحو: أحشفا وسوء كيلة٢؟ وكذلك ما يشبه الأمثال؛ كقوله تعالى: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾، أي: واعملوا خيرًا لكم.
الاشتباه بين الفاعل والمفعول به:
سبق تفصيل الكلام عليه، وعلى طريقة كشفه، في آخر باب "الفاعل"٣.
جعل الفعل الثلاثي المتعدي لازمًا أو في حكم اللازم٤، قياسًا.
يصير الثلاثي المتعدي لواحد لازمًا –قياسًا– أو في حكم اللازم لسبب مما يأتي٥.
_________________
(١) ١ بالجزء الرابع وفي حذف العامل الناصب للفضلة يقول ابن مالك: ويحذف الناصبها إن علما وقد يكون حذفه ملتزمًا أيك يجوز حذف ناصب الفضلة "والمراد بها هنا: المفعول به" إن كان الناصب معلومًا بقرينة، وقد يكون الحذف أحيانًا لازمًا لا بد منه. ٢ هذا مثل قاله في الأصل أعرابي آخر يبيع التمر رديئًا، ولا يوفي الكيل، وقد اشتهر المثل حتى صار يقال لمن يسيء إلى غيره إساءتين في وقت واحد."الحشف: أردأ التمر". والمثل: الكلام يشبه مضربه بمورده؛ أي: يشبه ما يستعمل فيه أخيرًا بما وضع له في الأصل، أما ما يشبه المثل؛ "أي: يجري مجراه"، فكلام مستعمل فيما وضع له من الأصل، واستعماله شائع ودورانه على الألسنة كثير. ٣ ص ٩٥. ٤ يصير لازمًا بأن ينسلخ عن التعدية، ويتركها نهائيًا؛ بحسب الظاهر، وبحسب الحقيقة الواقعة والمعنى؛ كما في السبب الثاني والثالث، ويصير في حكم اللازم بأن يكون بحسب المظهر الشكلي اللفظي لازمًا؛ لا بحسب المعنى والواقع الحقيقي؛ كما في الأول، والرابعن والخامس؛ لأن "المضمن"، متعد باعتبار دلالته الأصلية على معنى الفعل المتعدي؛ ولأن الضعيف عن العمل، المحتاج إلى مساعدة حرف الجر، متعد في المعنى وفي أصله للمفعول به، وطالب له. وكذلك الفعل في الضرورة هكذا قالوا. أما جعل الفعل الثلاثي اللازم متعديًا، فقد سبق الكلام عليه "في ص ١٥٨". ٥ ليس من المناسب الأخذ بالرأي القائل: إن كل الأسباب الآتية أو بعضها مقصور على السماع؛ إذ لو كان كذلك ما كانت هناك حاجة إلى ذكر هذه الضوابط، ولوجب قصر الأمر على العرب، وفي هذا تضييق وإفساد يجافي طبيعة اللغة، وينفي أصولها، كما سبق في الحالة الأخرى "رقم ٢ من هامش ص ١٥٨"، ويلاحظ أن الثلاثة الأولى تجلب مع منع التعدية معنى جديدًا، على الوجه الذي سبق شرح نظيره في طريقه تعدية الفعل اللازم "ص ١٥٨ م ٧١".
[ ٢ / ١٨٢ ]
١- التضمين١ لمعنى فعل لازم؛ نحو: قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾، فإن الفعل: "يحذر" متعد في الأصل بنفسه، تقول حذرت عواقب الغضب، ولكنه حين تضمن معنى الفعل المضارع: "يخرج" صار متعديًا مثله بحرف الجر: "عن"، فالمراد: فليحذر الذين يخرجون عن أمره، ومثله قوله تعالى: ﴿وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾، فالفعل "تعدو" بمعنى "تتجاوز" متعد بنفسه؛ كما في مثل: أنت لا تعدو الحق؛ أي: لا تتجاوز الحق، ولكنه هنا متعد بحرف الجر: "عن"؛ بسبب تضمنه معنى فعل آخر، هو: "تنصرف" الذي يتعدى بحرف الجر: "عن".
ومثله قول القائل: "قد قتل الله زيادًا عني" فالفعل: "قتل" في أصله متعد بنفسه مباشرة إلى مفعول واحد، مستغن بعد ذلك –غالبًا– عن التعدية بالحرف الجار إلى مفعول ثان، ولكنه هنا تضمن معنى الفعل: "صرف" المتعدي بنفسه إلى المفعول الأول، وإلى الثاني بحرف الجر: "عن"؛ فصار مثله متعديًا بنفسه إلى الأول، وبهذا الحرف الجار إلى الثاني، فالمراد: قد صرف الله بالقتل زيادًا عني.
والتضمين من الوسائل التي تجعل المتعدي في حكم اللازم، ولا تجعله لازما حقيقيا، لما بيناه من قبل٢.
٢- تحويل الفعل الثلاثي المتعدي لواحد إلى صيغة: "فعل" "بفتح أوله وضح عينه"٣بشرط أن يكون القصد من التحويل إما المبالغة في معنى الفعل، والتعجب منه٤، نحو: نظر القط، وإما المدح أو الذم٥ مع التعجب فيهما؛ نحو:
_________________
(١) ١ سبق الكلام على معناه، والغرض منه، وحكمه "في ص ١٦٩ وما بعدها م ٧١"، وقلنا: إن في آخر هذا الجزء بحثًا نفسيًا خاصًا به، لا يستغني عنه المتخصصون، ويليه رأينا فيه بإيجاز. ٢ في رقم ١ من هامش ص ١٥٨ وفي ص ١٧١. ٣ وإنما كان تحويل الفعل الثلاثي المتعدي، إلى هذه الصيغة مؤديًا إلى لزومه؛ لأنها صيغة لا تكاد تستعمل إلا لازمة، إذ لم يرد منها في المسموع متعديًا إلا فعلان –فيما يقول ابن هشام– هما: رحب، وطلع "بفتح أولهما وضم ثانيهما" على الوجه الذي سبق بيانه ورفضه في رقم ١ من هامش ص ١٥٤. ٤ بشرط استيفاء الفعل لشروط التعجب المدونة في بابه الخاص –ج ٣ ص ٢٠٤ وص ٢٩٣. ٥ يجوز تحويل الفعل الثلاثي إلى: "فعل" –بضم العين– ليكون المدح أو الذم كنعم، وبئس على الوجه المشروح في بابهما ج٣ مع أوجه اختلاف بينهما؛ أشهرها: =
[ ٢ / ١٨٣ ]
سبق الفيلسوف وفهم، وذلك في مدحه بالسبق والفهم، ومنع القادر وحبس؛ عند ذمه بمنع المعونة وحبسها.
٣- الإتيان بمطاوع١ للفعل الثلاثي المتعدي لواحد؛ نحو: هدمت الحائط المائل؛ فانهدم، ثم بنيته؛ فانبنى.
٤– ضعف الفعل الثلاثي عن العمل بسبب تأخيره عن معموله؛ نحو، قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ .
ومثله العامل الوصف الذي يعتوره الضعف بسبب أنه من المشتقات؛ مثل قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾، وقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، والأصل: إن كنتم تعبرون الرؤيا – الذين يرهبون ربهم – فعال لما يريد – مصدقًا ما بين يديه
وفي كل ما سبق تجيء قبل المعمول لام الجر، وتسمى: "لام التقوية"؛ لأنها تساعد العامل على الوصول إلى مفعوله المعنوي الحالي الذي كان في الأصل مفعوله الحقيقي.
والضعف على الوجه السابق يجعل المتعدي في حكم اللازم، وليس لازمًا حقيقة٢.
_________________
(١) = أمران في معنى: "فعل"؛ وهما: إشرابه التعجب مع عدم الاقتصار على المدح الخالص أو الذم الخالص، وأنه للمدح الخاص بمعنى الفعل، أو الذم الخاص كذلك، لا العام الشامل الذي لا يقتصر فيهما على معنى الفعل. وأمران في فاعله الظاهر؛ وهما: جواز خلوه من "أل" المباشرة وغير المباشرة؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ وجواز جره بالباء الزائدة؛ نحو حب بزيارة المخلص. واثنان في فاعله المضمر؛ وهما: جواز عوده إلى ما قبله، مع مطابقته له، نحو: محمد شرف رجلًا؛ فيصح أن يكون الفاعل ضميرًا عائدًا على "محمد" المتقدم أو عائدًا على: "رجلًا" المتأخر، فإن عاد على المتقدم كان مطابقًا له في الإفراد، والتثنية، والجمع، والتذكير، والتأنيث، وإن كن عائدًا على المتأخر لزم الإفراد؛ تقول: المحمدان شرفًا رجلين، المحمود شرفوا رجالًا، فاطمة شرفت امرأة، وهكذا. ١ سبق شرح المطاوعة في ص ١٠٠، م ٧٦. ٢ لأن العامل متعد في المعنى إلى ما بعد لام التقوية؛ لكنه بحسب الشكل اللفظي الظاهر لازم، فمجيء اللام للتقوية يجعل العامل لازمًا بحسب المظهر. ونعود فنشير إلى ضعف كلام النحاة في هذه الوسيلة الرابعة –كما سيجيء البيان المفيد عنها في حروف =
[ ٢ / ١٨٤ ]
٥- ضرورة الشعر، كقول القائل:
تبلت فؤادك١ في المنام خريدة٢ تسقي الضجيع ببارد بسام
فإن الفعل "تسقى" ينصب مفعولين بنفسه، ولكنه تعدى إلى الثاني هنا: "بالباء" نزولا على حكم الضرورة الشعرية، وهذه الوسيلة أيضا مما يجعل الفعل في حكم اللازم، وليس باللازم حقيقة، لما أوضحناه من قبل٣.
_________________
(١) = الجر، "ص ٤٧٥" – إذ من المعروف أن الفعل المتعدي لواحد يجوز تقديم مفعوله عليه "إلا في بعض صور قليلة واجبة التقديم أو التأخير"، وأنه لا يترتب على ذلك التقديم إبعاد الفعل عن التعدية إلى اللزوم إبعادًا حتميًا، وإذا كان بقاؤه متعديًا مع التقديم أمرًا جائزًا، فمن أين يأتيه الضعف الذي يعالج بلام التقوية؟ وما سبب هذا الضعف؟ وإذا عرفنا أنه يجوز حذف هذه اللام فيعود الاسم بعدها مفعولًا منصوبًا كما كان قبل مجيئها من غير أن يترتب على هذا فساد في صياغة الأسلوب، أو في معناه فما الحاجة الحقيقية إليها؟ وأين الضعف الذي تزيله؟ كذلك المشتقات العاملة التي يصفونها بالضعف، من أين يأتيها الضعف؟ وما سببه وهو التي جوز –أحيانًا– أن تنصب مفعولها الخالي من لام التقوية مع تقدمه أو تأخره؛ كما يجوز حذف لام التقوية إن وجدت، فتنصبه المشتقات مباشرة، من غير أن يترتب على حذفها ضرر؟ والأول بالنحاة أن يقولوا: أ- إذا تعدى الفعل إلى "مفعول به" واحد، وجاز تقدم هذا المفعول على فعله، فقد يبقى على حاله من النصب، وقد يجر باللام؛ فالأمران صحيحان. ب إذا كان المشتق ناصيبًا مفعولًا به واحدًا جاز في مفعوله النصب مباشرة أو جره باللام، سواء أكان المفعول متقدمًا أم متأخرًا عن عامله. ١ أصابته بالمرض سبب الحب. ٢ امرأة حسناء. ٣ في رقم ١ من هامش ص ١٥٨ وفي ص ١٧١.
[ ٢ / ١٨٥ ]
المسألة ٧٣: التنازع في العمل ١
أ– في مثل: وقف وتكلم الخطيب – نجد فعلين لا بد لكل منهما من فاعل، وليس في الكلام إلا اسم ظاهر واحد، يصلح أن يكون فاعلًا لأحدها، وهذا الاسم الظاهر هو: "الخطيب"، فأي الفعلين أحق بالفاعل؟ وإذا فاز به أحدهما، فأين فاعل الفعل الثاني؟.
ب- وفي مثل: سمعت وأبصرت القارئ – نجد فعلين أيضًا، يحتاج كل منهما إلى مفعول به منصوب، وليس في الكلام ما يصلح أن يكون مفعولًا به إلا شيئًا واحدًا؛ وهو: "القارئ" فأيهما أحق به؟ وإذا فاز به أحدهما فأين مفعول الفعل الثاني؟.
جـ– وفي مثل: أنشد وسمعت الأديب، نجد فعلين يحتاج أحدهما إلى مرفوع يكون فاعلًا، ويحتاج الآخر إلى منصوب، يكون مفعولًا به، فمطلب كل منهما يخالف الآخر –على غير ما في الحالتين السالفتين– وليس في الكلام إلا لفظة: "الأديب" وهي تصلح لأحدهما، فأي الفعلين أولى بها؟ وما نصيب الآخر بعده؟
د– وفي مثل: أنست وسعدت بالزائر الأديب، نجد كلا من الفعلين محتاجًا إلى الجار مع مجروره٢؛ ليكمل المعنى، فأي الفعلين أولى؟ وما نصيب الآخر بعد ذلك؟.
_________________
(١) ١ لنا في هذا الباب المضطرب المائج، وفي أحكامه، رأي خاص، نراه أنسب، وقد سجلناه في آخره، ٢٠١. ٢ أوضحنا في باب: "تعدي الفعل ولزومه" ص ١٥١ –وفي حروف الجر– ص ٤٣٩" أن المجرور للتعدية في هذا المثال وأشباهه يعد في المعنى بمنزلة المفعول به، فهو في حكم المنصوب محلًا، برغم أنه مجرور لفظًا، ولا يجوز في الرأي الأحسن مراعاة المحل إذا جاء تابع بعده. وفي باب التنازع قد يتكلم النحاة أحيانًا على العامل الذي ينصب المفعول به لفظًا، والذي ينصبه محلًا، يريدون بالأول ما يصل إليه العامل بنفسه، وبالثاني: ما يصل إليه بحرف الجر.
[ ٢ / ١٨٦ ]
ومن الأمثلة السالفة –وأشباهها– نعرف أن الأفعال١ قد تتعدد في الأسلوب الواحد، ويحتاج كل منها إلى معمول خاص به، ولكن لا يوجد في الكلام إلا بعض معمولات ظاهرة، تكفي بعض الأفعال دون بعض، مع حاجة كل فعل إلى معمول خاص به؛ فتتزاحم تلك العوامل الكثيرة على المعمولات القلية، وكأنها تتنازع ليظهر كل منها وحده بالمعمول، ولهذا يسمى الأسلوب: "أسلوب التنازع"٢، يعرفه النحاة بأنه:
"ما يشتمل على فعلين – غالبًا٣، متصرفين ٤، مذكورين، أو على اسمين يشبهانهما في العمل، أو على فعل واسم يشبهه في العمل، وبعد الفعلين وما يشبههما معمول مطلوب ٥ لكل من الاثنين السابقين.
والفعلان أو ما يشبههما يسميان: "عاملي التنازع"، والمعمول يسمى: "المتنازع فيه".
فلا بد في التنازع من أمرين: أولهما: تقدم فعلين أو ما يشبههما في العمل، وكلاهما يريد المعمول.
ثانيهما: تأخير المعمول عنهما.
فمثال تقدم العاملين وهما فعلان متصرفان: تصدق وأخلص الصالح، ومثال تقدم العاملين وهما اسمان مشتقان يعملان عمل الفعل: المؤمن ناصر ومساعد الضعيف، ومثال المختلفين: دراك وساعد الملهوف، بمعنى أدرك وساعد، وهكذا الصور٦ الأخرى التي تدخل في التعريف.
_________________
(١) ١ مثل الأفعال ما يشبهها مما يعمل عملها – كما سيجيء هنا. ٢ يسميه بعض النحاة القدامى: "الإعمال". ٣ سنعرف –في ص ١٨٩– أنه يجوز أن تزيد العوامل على اثنين مع زيادة المعمولات أو عدم زيادتها، ويشترط في كل الحالات أن يزيد عدد العوامل على المعمولات في الكلام؛ لكي ينشأ "التنازع". ٤ إلا "فعلي التعجب"، فيجوز أن يكونا عاملين في "التنازع" مع أنهما جامدان – كما في الصفحة التالية. ٥ من حيث المعنى والعمل معًا، ولو كان عملهما مختلفًا، وسيجيء في الزيادة والتفصيل نوع المعمول. ٦ كأن يكون الفعلان معًا من نوع واحد "للماضي، أو المضارع، أو للأمر" وقد يكونان مختلفين في بعض الصور، وقد يكون أحد العاملين فعلًا والآخر اسمًا يشبهه، وقد يكون الفعل هو المقدم على الاسم الذي يشبه، أو العكس
[ ٢ / ١٨٧ ]
على هذا لا يصح أن يكون من عوامل التنازع الحرف، ولا العامل المتأخر في مثل: أي الرجال قابلت وصافحت، ولا العامل الذي توسط المعمول بينه وبين العامل الآخر، نحو: اشتريت الكتاب وقرأت، ولا العامل الجامد؛ مثل: "عسى" أو"ليس"، كما في قول الشاعر:
من كان فوق محل الشمس موضعه فليس يرفعه شيء ولا يضع
إلا فعلي التعجب١ فإنهما مع جمودهما يصح أن يكونا العاملين في أسلوب التنازع؛ نحو ما أحسن وأنفع صفاء النفوس، وأحسن وأنفع بصفاء النفوس.
_________________
(١) ١ كما أشرنا في رقم٤ من الهامش السالف.
[ ٢ / ١٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ– ليس من اللازم – كما أشرنا١ – الاقتصار في أسلوب "التنازع" على عاملين متقدمين، ولا على معمول واحد ظاهر٢ بعدهما،
فقد يقتضي الأمر أن يكون العوامل ثلاثة٣ متقدمة من غير أن يتعدد المعمول؛ نحو: يجلس ويسمع ويكتب المتعلم، وقد تتعدد العوامل والمعمولات
الظاهرة؛ نحو: تكتبون وتقرءون وتحفظون النصوص الأدبية كل أسبوع، ففي صدر الكلام ثلاثة عوامل تتنازع العمل في معمولين بعدها؛ "أي: في المفعول به، وهو: النصوص"، وفي الظرف٤، وهو: "كل "، والكثير في التنازع الاقتصار على عاملين ومعمول واحد. ولا يعرف في الأساليب القديمة الزيادة على أربعة عوامل، ولكن لا مانع من الزيادة عند وجود ما يقتضيها، ويشترط -في كل الحالات- أن تقوم القرينة على أن الأسلوب أسلوب تنازع؛ لتجري عليه أحكام التنازع، وأنه ليس من باب اللف والنشر: مثل: غرد وزأر العصفور والأسد؟ أي غرد العصفور، وزأر الأسد
_________________
(١) ١ في رقم ٣ من هامش الصفحة ١٨٧. ٢ لا فرق في المفعول بين أن يكون اسمًا ظاهرًا، أو ضميرًا بشرط أن يكون الضمير منفصلًا مروعًا، أو منصوبًا، أو متصلًا مجرورًا، نحو: على إنما قام وقعد هو، وما زرت وصافحت إلا إياه، ووثقت وتقويت بك. كذلك لا فرق بين اختيار الأول وغيره للعمل ما لم يكن لأحدهما مرجح؛ كوجود "لا" أو: "بل" العاطفين، فيجب إعمال الأول في مثل: أهنت لا أكرمت النمام، ويجب إعمال الثاني في مثل: ضربت بل أكرمت الرجل؛ لأن "بل" –هنا– تجعل الحكم لما بعدها – فما قبلها مسكوت عه، فلا يطلب المعمول، و"لا" – هنا – تجعل الحكم لمال قبلها مثبتًا، فما بعدها منفي لا يطلب المفعول. ٣ ومنه قول القاطمي: صريع غوان راقهن ورقنه لدن شب حتى شاب سود الذوائب فقد تنازع العمل في الظرف: "لدن" عوامل ثلاثة؛ هي: صريع، وراق – وراق، الثاني أيضًا، المسند إلى نون النسوة. ٤ انظر "ج" ص ١٩٠.
[ ٢ / ١٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ب– لا بد أن يكون بين العاملين –أو العوامل– نوع ارتباط؛ كالعطف في مثل: أعيد وأخاف الله، أو أن يكون العامل المتأخر جوابًا معنويًا عن السابق؛ نحو قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ ١، أي: يستفتونك في الكلالة، قل الله يفتيكم في الكلالة أو جوابًا نحويًا، كجواب الأمر وغيره مما يحتاج لجواب؛ نحو: أنشد، أسمع القصيدة، أو يكون المتأخر معمولًا للسابق؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطا﴾، أو أن يكون العاملان خبرين عن اسم؛ نحو: الحاكم مكافئ معاقب المستحق.
ج– يقع التنازع في أكثر المعمولات، ومنها: المفعول به، والمفعول المطلق، والمفعول لأجله، وشبه الجملة، دون الحال والتمييز -على الأصح-.
د– ليس من التنازع "التوكيد اللفظي" كالذي في قولهم:
"هيهات هيهات العقيق ومن به "؛ لأن شرط التنازع: أن يكون المعمول مطلوبًا لكل واحد من العاملين من حيث المعنى، وأن يوجد الضمير -إذا كان مرفوعًا– في العامل المهمل، وهو غير موجود في هذا التوكيد؛ إذ الطالب للمعمول إنما هو كلمة: "هيهات الأولى؛ فهي وحدها المحتاجة للعقيق؛ لتكون فاعلها، والإسناد بينهما، أما كلمة: "هيهات" الثانية فلم تجئ للإسناد إلى العقيق؛ وهي خالية من المضير المرفوع؛ وإنما جاءت لمجرد تأكيد الأولى وتقويتها؛ فالأولى هي المحتاجة للفاعل، أما الثانية فلا تحتاج لفاعل؛ ولا لغيره، فليست عاملة، ولا معمولة؛ شأن نظائرها التي تجيء للتوكيد اللفظي: ومثل هذا: جاءك جاءك الراغبون في معرفتك٢.
_________________
(١) ١ الكلالة: الميت الذي ليس له والد ولا ولد، أو: الوارث الذي ليس بوالد ولا بولد للميت. ٢ فريق من النحاة يدخل هذين المثالين وأشباهما في باب التنازع، ويجري عليهما أحكامه، بأن يكون العامل هو الأول، وفي الثاني ضمير مستتر، أو العكس مع مراعاة التفصيل الخاص بأحكام =
[ ٢ / ١٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الضمير في باب التنازع، في هذه الحالة لا يكون العامل الثاني في باب التوكيد اللفظي؛ لأن العامل الثاني في بابه زائد للتوكيد اللفظي؛ فلا فاعل له – في الرأي الشائع – فلا يتحمل ضميرًا – كما سيجيء في باب: "التوكيد" من الجزء الثالث، ص ٥١٠ م ١١٦. والذين يقولون: إن التوكيد اللفظي لا يصلح للتنازع يستدلون بأمثلة مسموعة: منها قول الشاعر يخاطب نفسه: فأين إلى أين النجاة ببغلتي؟ أتاك أتاك اللاحقون احبس احبس فلو كان في الكلام تنازع لقال – أتاك أتوك اللاحقون، أو: أتوك أتاك اللاحقون، تطبيقًا لأحكام التنازع. والحق أن كلا الرأيين لا يصلح للأخذ المطلق أو الرفض المطلق؛ لمجرد أنه منسوب لذا أو لذاك، وإنما الذي يعول عليه عند عدم الضمير البارز هو الأخذ بما يساير المعنى ويحقق الغرض؛ فيجب أن أن تكون المسألة من باب التوكيد اللفظي وحده – ولا دخل للتنازع فيها – حين يقتضي المقام تحقيق غرض من أغراض التوكيد اللفظي، وفي مقدمتها إزالة شك يحيط بالعامل وحده؛ كأن يجري الحديث عن سقوط المطر عدة أيام متوالية؛ فيقول أحد الحاضرين: لم يسقط المطر أمس فيرد آخر: سقط سقط المطر أمس، ففي هذه الصورة يدور الشك حول الفعل: "سقط" وحده دون فاعله؛ إذ ليس هناك شك في أن الذي سقط هو: المطر، وليس حجرًا، ولا حديدًا، ولا خشبًا و أما في صورة أخرى يدور الشك فيها حول العامل ومعموله معًا، فإن إزالة الشك عنها قد تكون بتكرار الجملة كلها، وتكرارها قد يدخلها في باب التنازع، ولا سيما منع وجود الضمير البارز، مثال ذلك: أن يدور حول عدم حضور أحد من الغائبين؛ بأن يقول قائل: لم يحضر أحد من الغائبين، فيرد آخر: حضر حضر أخي، أو: حضر حضر المجاهدان، أو: حضرا حضر المجاهدان فالمقام هنا يقتضي أن يكون المسألة من باب: "التنازع" وليست من توكيد الجملة الفعلية بأختها؛ لأن توكيد الجملة الفعلية بنظيرتها الفعلية يقتضي تكرار لفظي الفعل والفاعل في كل واحدة منها كما هو مدون في باب: "التوكيد" جـ ٣ م ١١٦ص ٥١٠-
[ ٢ / ١٩١ ]
الأحكام الخاصة بالتنازع ١:
تتلخص هذه الأحكام يما يأتي:
١- لا مزية لعامل على نظيره من ناحية استحقاقه للمعمول "أي: للمتنازع فيه"؛ فكل عامل يجوز اختياره للعمل من غير ترجيح في الأغلب٢؛ فيجوز اختيار الأول السابق مع إهمال الأخير، ويجوز العكس٣، وإذا كانت العوامل ثلاثة أو أكثر فإن الحكم لا يتغير بالنسبة للأول والأخير، أما المتوسط بينهما – ثالثًا أو أكثر – فيصح أن يساير الأول أو الأخير؛ فالأمران متساويان بالنسبة لإعمال الثالث المتوسط، وما زاد عليه من كل عامل بين الأول والأخير.
٢– إذا وقع الاختيار على الأول ليكون هو العامل المستحق للمعمول وجب تعويض العامل الأخير المهمل تعويضًا يغنيه عن المعمول، وذلك بإلحاق ضمير٤ به يطابق ذلك المعمول مطابقة تامة في الإفراد والتثنية، والجمع، والتذكير،
_________________
(١) ١ سنذكر أشهر الآراء، ثم نردفه – آخر الباب في الزيادة والتفصيل ص ٢٠١ و٢٠٣ – برأي لنا خاص قد يكون يه يسر ونفع خالصان من الشوائب – كما أشرنا في رقم ١ من هامش ص ١٨٦. ٢ إلا في الحالتين المذكورتين في رقم ٢ من هامش ص ١٨٩. ٣ الكوفيون يعملون الأول لسبقه، والبصريون يعملون الثاني لقربه، وهذا خلاف يجب إهماله؛ إذ لا قيمة له في الترجيح، وفي تفضيل أحد العاملين على الآخر إلا ما سبقت الإشارة إليه –في رقم ٢– ويقول ابن مالك في الإشارة للتنازع ما نصه: إن عاملان اقتضيا في اسم عمل قبل، فللواحد منهما العمل والثان أولى عند أهل البصره واختار عكسا غيرهم ذا أسره يقول: إن وجد عاملان يتطلبان عملًا في اسم ظاهر، وكانا قبله، فلواحد منهما العمل دون نظيره، وهذا الواحد ليس معينًا مقصورًا على أحدهما، وإنما يجوز أن يعمل هذا أو ذاك؛ ولا يصح أن يكون العمل لهما معًا في ذلك الاسم: وإعمال الثاني أولى عند البصريين، لقربه، واختار غيرهم العكس، أي: إعمال الأول، لسبقه، ومعنى: "ذا أسرة"، صاحب رابطة قوية، يريد بها الرابطة العلمية، وأصحاب هذا الرأي هم الكوفيون، "التقدير: اختار غيرهم العكس حالة كون غيرهم ذا أسرة". ٤ إلا في الحالة التي في ص ١٩٥ والأخرى التي في ص ١٩٨ حيث يجب إحلال اسم ظاهر يدل ذلك الضمير، طبقًا للتفصيل الموضح هناك.
[ ٢ / ١٩٢ ]
والتأنيث، لأن المعمول، "المتنازع فيه" هو المرجع للضمير، ويعتبر هذا المرجع متقدمًا برغم تأخر لفظه عن الضمير، ولا بد من المطابقة بين الضمير ومرجعه في الأشياء السالفة.
والأفضل وجود الضمير في جمع الحالات؛ سواء أكان ضمير رفع، أم نصب، أم جر؛ فمن إعمال الأول في المعمول المرفوع مع إعمال الأخير في ضميره: المثال الوارد في "أ"، وهو١: "وقف – وتكلم – الخطيب"، فنقول: "وقف – وتكلما – الخطيبان"، "وقف – وتكلموا – الخطيبون"، "وقفت – وتكلمت – الخطيبة"، "وقفت – وتكلمتا – الخطيبتان" – "وقفت – وتكلمن – الخطيبات".
فكأن الأصل: "وقف الخطيب، وتكلم"، "وقف الخطيبان وتكلما"، "وقف الخطيبون، وتكلموا"، "وقفت الخطيبة، وتكلمت"، "وقفت الخطيبتان، وتكلمتا"، "وقفت الخطيبات وتكلمن"، وهكذا.
والوسيلة المضبوطة لاستعمال الضمير على الوجه الصحيح أن نتخيل العامل الأول، وهو في صدر الجملة، ثم يليه مباشرة المعمول: "المتنازع فيه"، وقد تقدم من مكانه حتى صار بعد العامل الأول بغير فاصل بينهما، ثم يليهما كل عامل مهمل، وبعده الضمير المناسب لهذا التركيب القائم على التخيل المحض؛ كما في الأمثلة السالفة؛ وكما في الآتية:
"أوقد واستدفأ الحارس"؛ فكل من الفعلين: "أوقد" و"استدفأ" يحتاج إلى كلمة: "الحارس" لتكون فاعلًا له، فإذا أعملنا الأول وجب تعويض الأخير بإلحاق ضمير مناسب بآخره، ولكي يكون الضمير مناسبًا صحيح الاستعمال نتخيل أن الاسم الظاهر "المتنازع فيه"، وهو كلمة: "الحارس" قد تقدم حتى صار بعد العامل الأول مباشرة "أي: بغير فاصل بينهما"، وهذا يقتضي أن يتأخر عنهما كل عامل مهمل، فكأن أصل الأسلوب: "أوقد الحارس واستدفأ"، "فالحارس" هو الفاعل للفعل: "أوقد" أما الفعل المهمل"استدفأ"، فقد لحق
_________________
(١) ١ ص١٨٦.
[ ٢ / ١٩٣ ]
بآخره ضمير مستتر، مرفوع، يعرب فاعلًا، ويغني عن الاسم الظاهر "المتنازع فيه"، وهذا الضمير هنا مفرد مذكر؛ ليطابق مرجعه "المتنازع فيه"، فلو كان المرجع مفردًا مؤنثًا أو مثنى أو جمعًا بنوعيهما، لوجب أن يطابقه الضمير، فتقول: "أوقدت – واستدفأت – الحارسة"، "أوقد – واستدفأ – الحارسان". "أوقدت – واستدفأتا – الحارستان"، "أوقد – واستدفئوا – الحارسون"، "أوقدت – واستدفأن - الحارسات" و وهكذا، فكأن الأصل: "أوقدت الحارسة، واستدفأت"، "أوقد الحارسان، واستدفأا"، "أوقدت الحارستان، واستدفأتا"، "أوقد الحارسان، واستدفئوا"، "أوقدت الحارسان، واستدفأن".
هذا حكم "التنازع" عند إعمال الأول حين تتعدد العوامل، ولا يتعدد المعمول المرفوع؛ وهو هنا الفاعل الظاهري الذي يطلبه كل منهما.
وما سبق يقال في مثال: "ب"١ وهو: "سمعت وأبصرت القارئ" عند إعمال الأول أيضًا؛ حيث تعددت العوامل التي يحتاج كل منها إلى المفعول به؛ وليس في الكلام إلا مفعول به واحد؛ فنقول: "سمعت – وأبصرته – القارئ"، "سمعت – وأبصرتها القارئة"، "سمعت – وأبصرتهما – القارئين"، "سمعت – وأبصرتهما – القارئتين"، "سمعت – وأبصرتهم – القارئين" "سمعت – وأبصرتهن – القارئات".
فكأن أصل الكلام عند التخيل: "سمعت القارئ وأبصرته"، "سمعت القارئة وأبصرتها" "سمعت القارئتين، وأبصرتهما"، "سمعت القارئتين، وأبصرتهما"، "سمعت القارئين وأبصرتهم"، "سمعت القارئات وأبصرتهن".
وكذلك يقال في مثال: "ج"٢ وهو: "أنشد وسمعت الأديب"، برغم اختلاف المطلب بني العاملين، فأحدهما يريد المعمول فاعلًا له، والآخر يريد مفعولًا به؛ فنقول؛ عند إعمال الأول٣؛ و"أنشد – وسمعته – الأديب"٤، "أنشدت - وسمعتها - الأديبة"، "أنشد - وسمعتهما - الأديبان"، "أنشدت -
_________________
(١) ١، ٢ ص ١٨٦. ٣ أما عند إعمال الأخير المحتاج للمفعول به، فيجيء حكمه في ص ١٩٩. ٤ ومثله قول أبي الأسود – كما رواه صاحب أساس البلاغة: كساني ولم أستكسه فحمدته أخ لي يعطيني الجزيل، وناصر
[ ٢ / ١٩٤ ]
وسمعتهما – الأديبتان"، "أنشد – وسمعتهما – الأديبون"، "أنشدت – وسمعتهن – الأديبات".
فكأن الأصل مع التخيل: "أنشد الأديب، وسمعته"، "أنشدت الأديبة، وسمعتها". "أنشد الأديبان، وسمعتهما"، "أنشد الأديبون وسمعتهم"، "أنشدت الأديبات وسمعتهن ".
ومثل هذا يقال عند إعمال الأول أيضًا في مثال: "د"١ وهو: "أنست وسعدت بالزائر الأديب" حيث يحتاج كل من العاملين في تكملة معناه إلى الجار مع المجرور؛ نحو: "أنست – وسعدت – بالزائر الأديب، به٢"، "أنست- وسعدت – بالزائرة الأديبة، بها"، "أنست – وسعدت - بالزائرين الأديبين، بهما"، "أنست – وسعدت بالزائرتين الأديبتين، بهما"، "أنست – وسعدت – بالزائرين الأديبين، بهم"، "أنست - وسعدت - بالزائرات الأديبات، بهن".
وكأن الأصل مع التخيل: "أنت بالزائر الأديب، وسعدت به"، "أنست بالزائرة الأديبة، وسعدت بها"، "أنست بالزائرين الأديبين، وسعدت بهما"، "أنست بالزائرتين الأديبتين، وسعدت بهما"، "أنت بالزائرين الأديبين، وسعدت بهم"، "أنت بالزائرات الأدبيات، وسعدت بهن " و وهكذا نرى أن إعمال الأول يقتضي أمرين محتومين: ألا يعمل الأخير مباشرة في ذلك المعمول الظاهر، وأن يعمل هذا الأخير في ضمير مطابق للمعمول الظاهر، في الإفراد والتثنية، والجمع، والتذكير، والتأنيث.
ويعتبر مرجع الضمير في كل الصور السالفة متقدمًا عليه، بالرغم من تأخر لفظ المرجع – كما أسلفنا.
وهناك حالة واحدة لا يصح فيها مجيء الضمير لتعويض الأخير المهمل، وإنما يجب أن يحل محله اسم ظاهر، تلك الحالة تتحقق بأن يكون هذا الفعل المهمل محتاجًا إلى مفعول به لا يصح حذفه؛ لأنه عمدة في الأصل، ولا يصح إضماره، إذ لو أضمرناه لترتب على إضماره عدم مطابقته لمرجعه الاسم الظاهر؛ مثل: "أظن – ويظناني أخا – محمودًا وعليًا، أخوين"، فكلمة: "محمودا" هي المفعول به الأول
_________________
(١) ١ ص١٨٦. ٢ يجيز فريق من النحاة تقديم هذا المعمول بعد عامله، وسيجيء في الزيادة والتفصيل رأى مستقل.
[ ٢ / ١٩٥ ]
للعامل، وهو الفعل: "أظن"، وكلمة: "عليًا" معطوفة عليها، و"أخوين" هي المفعول به الثاني للفعل: "أظن"، وإلى هنا استوفى الفعل – العامل: "أظن" مفعوليه، ويبقى الفعل الأخير المهمل: "يظنان" وهو محتاج لمفعولين كذلك. فأين هما؟ أو أين ما يغني عنهما؟.
إن "الياء" ضمير، وهي مفعوله الأول، وبقي مفعوله الثاني، فلو أتينا به ضميرًا أيضًا، فقلنا: أظن –ويظناني إياه– محمودًا وعليًا أخوين، أي: أظن محمودًا وعليا أخوين، ويظناني إياه - لكان "إياه" مطابقا في الإفراد "للياء" التي هي المفعول الأول، فتتحقق المطابقة بينهما، على اعتبار أن أصلهما مبتدأ وخبر، كما هو الشأن في مفعولي: "ظن وأخواتها"، ولكنها لا تتحقق بين الضمير "إياء"، وما يعود عليه؛ وهو: "أخوين"؛ إذ "إياه" ضمير للمفرد، ومرجعه دال على اثنين؛ فتفوت المطابقة بين الضمير ومرجعه، وهذا غير جائز.
ولو أتينا بالضمير الثاني مثنى فقلنا: أظن – ويظناني إياهما – محمودًا وعليًا، أخوين – لتحققت المطابقة بين الضمير ومرجعه؛ فكلاهما لاثنين، ولكن تفوت المطابقة بين المفعول الثاني، والمفعول الأول، مع أن الثاني أصله خبر عن الأول، ولا بد من المطابقة هنا بين المبتدأ والخبر، أو ما أصلهما المبتدأ أو الخبر، – كما أشرنا.
فلما كان الإضمار هنا يوقع في الخطأ وجب العدول عنه إلى الإظهار الذي يحقق الغرض، ولا يوقع في الخطأ، فنقول: أظن – ويظناني أخًا – محمودًا وعليصا أخوين، أي: أظن محمودًا وعليًا أخوين، ويظناني أخا، وفي هذه الصورة لا تكون المسألة من باب التنازع١.
٣- إذا أعملنا الأخير، وأهملنا الأول، وجب الاستغناء عن تعويض الأول المهمل؛ فلا نلحق به ضمير المعمول "المتنازع فيه"، ولا ما ينوب عن ذلك الضمير، إلا في ثلاث حالات، لا بد في كل واحدة من الإتيان بضمير مطابق للمعمول، المتأخر عن هذا الضمير "وفي الحالات الثلاث يجوز عودة الضمير على متأخر لفظًا ورتبة"٢.
_________________
(١) ١ لهذه الحالة نظير "في ص١٩٨"، ولكن عند إعمال الأخير وإهمال الأول. ٢ كما سبق في بابي: الضمير، والفاعل، جـ١ ص١٨٤م ٢٠.
[ ٢ / ١٩٦ ]
الأولى: أن يكون المعمول المتأخر مرفوعًا، كأن يكون فاعلًا مطلوبًا لعاملين قبله –أو أكثر– وكل عامل يريده لنفسه؛ نحو: شرب وتمهل العاطش، فإذا أعملنا الأخير وأهملنا الأول وجب إلحاق الضمير المناسب بالأول١؛ فنقول: "شربت، وتمهلت العاطشة"، "شربا، وتمهل العاطشان"، "شربتا، وتمهلت العاطشتان" "شربوا وتمهل العاطشون"، "شربن وتمهلت العاطشات".
الثانية: أن يكون المعمول "المتنازع فيه" اسمًا منصوبًا أصله عمدة؛ كمفعولي "ظن" وأخواتها؛ فأصلهما المبتدأ والخبر؛ وكخبر "كان" وأخواتها٢، وفي هذه الحالة لا يحذف الضمير المناسب، وإنما يبقى ويوضع متأخرًا من المعمول "المتنازع فيه"، نحو: أظنهما – ويظن محمد حامدًا ومحمودًا، مخلصين – إياهما، فالفعلان تنازعا كلمة: "مخلصين" لتكون المفعول الثاني فجلعناها للأخير، وأعلمنا الأول في الضمير العائد إليهما وجعلناه ومتأخرًا.
والمراد: يظن محمد حامدًا ومحمودًا مخلصين، وأظنهما إياهما، أي: أظن حامدًا ومحمودًا مخلصين، "فحامدًا"؛ مفعول أول للفعل: "يظن"، و"محمودًا" معطوف عليه، "مخلصين" مفعول ثان للفعل: "يظن"، و"أظنهما": "أظن" مضارع، فاعله مستتر تقديره: "أنا"، "هما" ضمير، مفعول أول، وقد تقدم ليتصل بفعله؛ لأن الاتصال ممكن؛ وهذا يقتضي التقديم فلا داعي للانفصال٣، "إياهما": المفعول الثاني الذي جاء متأخرًا٤.
ومثل: كنت وكان الصديق أخا إياه، فالفعلان تنازعا كلمة: "أخا" لتكون خبرا، فجعلناها للمتأخر منهما، وأعملنا السابق في ضمير هذا الخبر وجعلنا
_________________
(١) ١ ولكي يقع الضمير موقعا صحيحا نتخيل -كما سبق- أن الفعل المهمل قد تأخر عن مكانه إلى آخر الجملة، وقد سبقته واو العطف وقبلها الفعل العامل وفاعله، وعلى أساس هذا التخيل نجيء بالضمير مطابقا لمرجعه المتقدم عليه، فكأن أصل الكلام: تمهلت العاطشة، وشربت، تمهل العاطشان وشربا، تمهلت العاطشتان وشربتا، تمهل العاطشون وشربوا، تمهلت العاطشات وشربن ٢ إلا خبر الجامد منها، مثل: "ليس" و"عسى" إذ لا يصلح الجامد الذي ليس فعل تعجب قياسي أن يكون عاملا في "التنازع" -كما أوضحنا في ص١٨٧ و١٨٨-. ٣ طبقا لما سبق في باب الضمير من الجزء الأول م٢٠. ٤ هناك رأي حسن، يجيز حذفه، وارتضاه كثير من النحاة.
[ ٢ / ١٩٧ ]
الضمير متأخرا بعد الخبر، فالمراد: كان الصديق أخا، وكنت إياه، أي: كنت أخا، ويصح: كنته؛ لأن الاتصال ممكن وجائز، فلا داعي لوجوب الانفصال١.
بقي أن نذكر حالة٢ لا يصح فيها حذف ضمير الاسم المتنازع فيه، ولا إعمال الأول المهمل فيه، وإنما يجب أن يحل محله اسم ظاهر، وهذه الحالة هي التي يكون فيها الفعل الأول المهمل محتاجا إلى مفعول به، أصله عمدة، فلا يحذف٣ ولو أضمرناه لترتب على إضماره عدم مطابقه لمرجعه الاسم الظاهرة، نحو: "يظناني، وأظن الزميلين أخوين -أخا"، فكلمة: "أظن" مضارع، فاعله مستتر، تقديره: "أنا" وهذا المضارع محتاج إلى مفعولين، أصلهما: المبتدأ والخبر، فلا يحذف واحد منهما، "الزميلين" مفعوله الأول، "أخوين": مفعوله الثاني، إلى هنا استوفى العامل الأخير مفعوليه، بقي أن يستوفي المتقدم المهمل "وهو: "يظنان""، مفعوليه، فالفعل "يظنان" مضارع، فاعله: "ألف الاثنين" و"الياء"، مفعوله الأول، فأين مفعوله الثاني؟.
لو جئنا به ضميرا مطابقا للمفعول الأول فقلنا: يظناني -وأظن الزميلين أخوين إياه- لتحققت المطابقة بين المفعول الثاني "إياه" والمفعول الأول: "الياء" وهي المطابقة الواجبة بين المبتدأ والخبر، أو ما أصلهما المبتدأ والخبر، ولكن تفوت المطابقة بين الضمير: "إياه" الذي للمفرد، ومرجعه المثنى، وهو: "أخوين".
ولو جئنا به مثنى، فقلنا: يظناني -وأظن الزميلين أخوين- إياهما، لتحققت المطابقة الواجبة بين الضمير ومرجعه، فكلاهما للتثنية، وضاعت بين المفعول الثاني، الدال على التثنية، والمفعول الأول وهو "الياء" الدالة على المفرد، مع أن المطابقة بينهما لازمة؛ لأنهما في الأصل مبتدأ وخبر.
فللخروج من هذا الحرج نأتي بالمفعول الثاني اسما ظاهرا، فنقول: يظناني وأظن الزميلين أخوين -أخا، ولا تكون المسألة من باب "التنازع"٤.
فإن كان المفعول: "المتنازع فيه" ليس عمدة في أصله، وكان العامل هو
_________________
(١) "١، ٢" وهي التي أشرنا إليها في رقم١ من هامش ص١٩٦ عند إعمال الأول، وإهمال الأخير. ٣ بالرغم من جواز الحذف في غير التنازع -انظر "ا" من ص٢٠١. ٤ فهي في هذا كالتي سبقت في ص١٩٦.
[ ٢ / ١٩٨ ]
المتأخر، فالأحسن حذف المعمول، نحو: عاونت وعاونني الجار، وليس من الأحسن أن يقال: عاونته وعاونني الجار.
الثالثة: أن يكون الضمير مجرورا١، ولو حذف لأوقع حذفه في لبس، فيبقى ويوضع متأخرا عن المعمول، نحو: استعنت -واستعان علي الزميل- به، فالفعل الأول يطلب كلمة: "الزميل" لتكون مجرورة بالباء: "أي: استعنت بالزميل" والفعل الأخير يطلبها لتكون فاعلا؛ لأنه استوفى معموله المجرور بالحرف، "على"، فأعملنا الفعل المتأخر في الاسم الظاهر، وأضمرنا بعده ضميره مجرورا بالباء، فقلنا: "به"، ولو تقدم بحيث يقع بعد عامله المهمل، ويتوسط بين الفعلين لترتب على هذا تقدم الضمير الفضلة، المجرور على مرجعه، وهو غير مستحسن في هذه الصورة، ولو حذفناه وقلنا: استعنت -واستعان على الزميل لأدى حذفه إلى لبس، إذ لا ندري: آلزميل مستعان به، أم مستعان عليه
فإن أمن اللبس فالأحسن الحذف مع ملاحظة المحذوف في النية، فكأنه موجود، نحو: مررت ومر بي الصديق٢.
_________________
(١) ١ يعد المجرور بحرف جر للتعدية بمنزلة المفعول به المنصوب حكما، "كما سبقت الإشارة في رقم٢ من هامش ص١٨٦". ٢ عرض ابن مالك أحكام التنازع مجملة، موجزة، متداخلة، وساقها في الأبيات القليلة التالية: وأعمل المهمل في ضمير ما تنازعاه، والتزم ما التزما يريد: إذا أعمل واحد وأهمل الآخر، فإن المهمل يعمل في ضمير الاسم المتنازع فيه، مع التزام الطريقة التي أشار النحاة بالتزامها في الإعمال، أو: مع التزام الطريقة التي التزمها العرب في مثل هذه الأساليب، ولم يوضح هذه الطريقة، ولم يتعرض لتفصيلها إلا بذكر مثالين في البيت الآتي، يوضح أولهما إعمال العامل الأخير في الاسم الظاهر المتنازع فيه، مع إعمال المتقدم في ضميره. ويوضح ثانيهما إعمال الأول في ذلك الاسم الظاهر المتنازع فيه مع إعمال الأخير في ضميره، وكلا الفعلين يحتاج للاسم الظاهر، ليكون فاعلا له، يقول: كيحسنان ويسيء ابناكا وقد بغى واعتديا عبداكا فالاسم المتنازع فيه هو: "ابناك"، وقد أعمل فيه مباشرة الفعل المتأخر: "يسيء" أما الفعل =
[ ٢ / ١٩٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = المتقدم: "يحسن" فقد أعمل في ضميره، فصار: "يحسنان" والمثال الذي في الشطر الثاني يشتمل على الاسم المتنازع فيه، وهو: "عبداك"، وقد أعمل فيه الأول: "بغى" وأهمل المتأخر وهو، "اعتدى"، ولكنه أعمل في ضميره، فصار: "اعتديا"، ولم يحذف الضمير في المثالين؛ لأنه ضمير رفع، فلا يحذف ثم انتقل إلى بيان حكم خاص بالعامل الأول المهمل، يتلخص في أنه لا يعمل في ضمير الاسم المتنازع فيه، إلا إذا كان ذلك الضمير للرفع، فإن كان للنصب، أو للجر لم يذكر مع الأول، وإنما يحذف إن كان ضميرا ليس عمدة في الأصل، ويؤخر إن كان أصله عمدة، "وقد شرحنا هذا تفصيلا، وأوضحناه بالأمثلة". ويقول فيه: ولا تجئ مع أول قد أهملا بمضمر لغير رفع أوهلا بل حذف الزم إن يكن غير خبر وأخرنه إن يكن هو الخبر "أوهل: أهل، أي: صار أهلا، بمعنى: أعد، واستعمل في غير الرفع"، ثم بين الحالة التي يحل فيها الظاهر محل الضمير، فقال: وأظهران يكن ضمير خبرا لغير ما يطابق المفسرا نحو: أظن ويظناني أخا زيدا وعمرا أخوين في الرخا "الرخا = الرخاء، وهو سعة الرزق".
[ ٢ / ٢٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
يعد باب "التنازع" من أكثر الأبواب النحوية اضطرابا، وتعقيدًا، وخضوعًا لفلسفة عقلية خيالية، ليست قوية السند بالكلام المأثور الفصيح، بل ربما كانت مناقضة له.
أ– فأما الاضطراب فيبدو في كثرة الآراء والمذاهب المتعارضة التي لا سبيل للتوفيق بينها، أو التقريب، وقد أهملنا أكثرها.
يتجلى هذا في أن بعضها يجيز حذف المرفوع؛ كالفاعل، وبعضها لا يجيز. وفريق يجيز أن يشترك فعلان أو أكثر في فاعل واحد، وفريق يمنع، وطائفة تبيح الاستغناء عن المعمولات المنصوبة، وعن ضمائرها ، وطائفة تبيح حذف ما ليس عمدة الآن أو في الأصل، وفئة تحتم تقدير ضمير المعمول متأخرًا في بعض الصور، وفئة لا تحتم و فليس بين أحكام "التنازع" حكم متفق عليه، أو قريب من الاتفاق، حتى ما اخترناه هنا، وقد يبدوا الخلاف واضحًا في كثير من المسائل النحوية الأخرى، ولكنه في مسائل "التنازع" أوضح وأفدح، كما يبدو في المراجع المطولة١، حيث يدور الرأس، وتضيق النفس.
ومن مظاهر الاضطراب أيضًا أن يحرموا هنا ما أباحوه في أبواب أخرى، فقد منعوا حذف ضمير الاسم المتنازع فيه إن كان أصله عمدة؛ كأحد مفعولي "ظن" وأخواتها، مع أنهم أباحوا ذلك في باب "ظن"٢، ومنعوا حذف المعمول إن كان فضله، والمهمل هو المتأخر، مع أنهم أجازوه في الأساليب الأخرى التي ليست للتنازع، ومنعوا هنا الإضمار قبل الذكر في بضع الحالات، مع أنهم أباحوه في مكان آخر و
وكأن اسم هذا الباب قد سرى إلى كل حكم من أحكامه.
ب– وأما التعقيد فلما أوجبوه مما ليس بواجب، ولا شبه واجب؛ فقد حتموا أن يكون ضمير الاسم المتنازع فيه واجب التأخير عنه حينًا – في رأي كثرتهم؛
_________________
(١) ١ كالأشموني وحاشيته، والتوضيح وشروحه وحواشيه، والجزء الثاني من الهمع و و ٢ سبقت الإشارة لهذا في رقم ٣ من هامش ص ١٩٨.
[ ٢ / ٢٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قرارًا من الإضمار قبل الذكر، ومتقدمًا حينًا آخر إذا تعذر تأخيره لسبب ما تخيلوه، وربما استغنوا عن الضمير، وأحلوا محله اسمًا ظاهرًا مناسبًا إذا أدى الإضمار إلى الوقوع في مخالفة نحوية عندهم.
ولقد نشأ من مراعاة أحكامهم هذه أساليب بلغت الغاية في القبح، لا ندري: ألها نظير في الكلام العربي، أم ليس لها نظير؟ كقولهم ما نصه الحرفي: "استعنت واستعان علي زيد به"، "وطننت منطلقة وظننتي منطلقًا هند إياها"، "وأعلمني وأعلمته إياه إياه زيد عمرًا قائمًا"، "وأعلمت واعلمنى زيدًا عمرا قائمًا إياه إياه و و "١، وهذا قليل من الأمثلة البغيضة، التي لا يطمئن المرء إلى أن لها نظائر في الأساليب المأثورة، ومن شاء زيادة عجيبة منها فليرجع إلى مظانها في المطولات.
ج– وأما الخضوع إلى الفلسفة العقلية الوهمية فواضح في عدد من مسائل هذا الباب؛ منها: تحتيمهم التنازع في مثل: قام وذهب محمد؛ حيث يوجبون أن يكون الفاعل: "محمد" لأحد الفعلين، وأما فاعل الآخر فضمير، ولا يبيحون أن يكون لفظ: "محمد" فاعلًا لهما؛ بحجة "أن العوامل كالمؤثرات فلا يجوز اجتماع عاملين على معمول واحد"٢، ولا ندري السبب في منع هذا الاجتماع مع إباحته لو قلنا: "قيام محمد وذهب"، فإن فاعل الفعل: "ذهب" ضمير يعود على محمد، فمحمد في الحقيقة فاعل الفعلين؛ ولا يقبل العقل غير هذا
من كل ما سبق يتبين ما اشتمل عليه هذا الباب من عيوب الاضطراب؛ والتعقيد، والتخيل الذي لا يؤيده –في ظننا– الفصيح المأثور.
ومن سلامة الذوق الأدبي وحسن التقدير البلاغي الفرار "من محاكاة الصور البيانية، وأساليب التعبير الواردة بهذا الباب - ولو كان لها نظائر مسموعة – لقبح تركيبها، وغموض معانيها، وصعوبة الاهتداء إلى صياغتها الصحيحة
_________________
(١) ١ الأشموني – في هذا الباب – عند شرح بيت ابن مالك الذي شطره الأخير: وأخرنه إن يكن هو الخبر وكذا في المطولات الأخرى. ٢ حاشية الصبان وغيره، وقد أجاز الاجتماع فريق آخر ودفع الإجازة فريق ثالث! وهكذا دواليك.
[ ٢ / ٢٠٢ ]
ولتدارك هذا كله، والوصول إلى أحكام واضحة، سهلة، لا غبار عليها من ناحية السلامة اللغوية، وقوة مشابهتها للكلام البليغ، وتناسقها مع الأحكام النحوية الأخرى – نرى أن تكون أحكام التنازع مقصورة على ما يأتي، "وكلها مستمد من آراء ومذاهب لبعض النحاة، تضمنتها الكتب المتداولة، وهذا ما نود التنويه به".
١- تعريف التنازع: هو ما سبق أن ارتضيناه من مذاهب النحاة، ونقلناه أول هذا الباب١.
٢- تتعدد العوامل؛ فتكون اثنين، أو أكثر، وقد تتعدد المعمولات، أو لا تتعدد، ويشترط عند تعددها أن تكون أقل عددًا من عواملها المتنازعة.
٣ كل عامل من العوامل المتعددة يجوز اختياره وحده للعمل في المعمول المذكور في الكلام، ولا ترجيح من هذه الناحية، لعامل على آخر.
٤- إذا تعددت العوامل وكان كل واحد منها محتاجًا إلى معمول مرفوع؛ "كاحتياجه إلى الفاعل في مثل: جلس وكتب المتعلم"، فالمرفوع الظاهر في الكلام يكون لأحدها، أما غيره من العوامل فمرفوعه ضمير يعود على ذلك الاسم المرفوع، ولا مانع ها من عودة الضمير على متأخر في الرتبة.
ويجوز أن يكون المرفوع الظاهر مشتركًا بين العوامل المتعدد كلها٢؛ إذا كان متأخرًا عنها؛ فيكون فاعلًا –مثلًا– لها جميعًا، ولا يحتاج واحد منها للعمل في ضميره.
٥- إذا تعددت العوامل وكان وكان كل منها محتاجًا إلى معمول غير مرفوع جاز اختبار أحدهما للعمل، وترك الباقي من غير عمل، لا في ضمير المعمول، ولا في اسم ظاهر ينوب عنه؛ لأن الاستغناء عن هذا الضمير أو ما يحل محله من اسم ظاهر، وجائز في الأساليب الفصيحة الخالية من التنازع، فلا بأس أن يجري في التنازع أيضًا، وبضع المأثور من أمثلة التنازع يطابق هذا ويسايره، ولا فرق بين ما أصله عمدة، وما أصله فضلة، وإذا أوقع الحذف في لبس وجب إزالته بإحدى الوسائل التي لا تعقيد فيها، ولا تهوى بقوة الأسلوب، وحسن تركيبه.
_________________
(١) ١ ص١٨٧. ٢ وتعدد العوامل مع وجود معمول واحد لها، وأي يبيحه ويصرح به بعض أئمة النحو، كالفراء -ومكانته بين كبار النحاة معروفة، وقد أوضحناها في جـ٣ م٩٨ ص١٥٨ باب: "أبنية المصادر".
[ ٢ / ٢٠٣ ]
المسألة ٧٤: المفعول المطلق
مدخل
المسألة ٧٤: المفعول المطلق ١
معناه:
الفعل -بعد إدخاله في جملة- يدل على أمرين معًا؛ أحدهما: "المعنى المجرد"٢، ويسمى: "الحدث"، والآخر: "الزمان"، ففي مثل: "رجع المجاهد؛ فأسرع الناس لاستقباله، وفرحوا بقدومه نجد ثلاثة أفعال، هي: رجع - أسرع - فرح"، وكل فعل منها يدل بنفسه مباشرة؛ أي: من غير حاجة إلى كلمة أخرى، - على أمرين معًا.
أولهما: معنى محض نفهمه بالعقل؛ هو: الرجوع - الإسراع - الفرح وهذا المعنى المجرد هو ما يسمى أيضًا: "الحدث".
وثانيهما: زمن وقع فيه ذلك المعنى المجرد "الحدث"، وانتهى قبل النطق بالفعل؛ فهو زمن قد فات، وانقضى قبل الكلام، وهذا الفعل يسمى: "الفعل الماضي".
ولو غيرنا صيغة الفعل؛ فقلنا: "يرجع المجاهد؛ فيسرع الناس لاستقباله، ويفرحون بقدومه" - لظل كل فعل بعد التغيير دالًا على الأمرين معًا؛ وهما: "المعنى المجرد، والزمن"، ولكن الزمن هنا صالح للحال والاستقبال، ويسمى الفعل في هذه الصورة الجديدة: "الفعل المضارع".
_________________
(١) ١ المطلق، أي: الذي ليس مقيدًا تقييد باقي المفاعيل بذكر شيء بعده، كحرف جر مع مجروره، أو غيره من القيود؛ كالمفعول به - المفعول لأجله - المفعول معه ويقولون في سبب إطلاقه: إنه المفعول الحقيقي لفاعل الفعل؛ إذ لا يوجد من الفاعل إلا ذلك الحدث؛ نحو: قام المريض قيامًا؛ فالمريض قد أوجد القيام بنفسه، وأحدثه حقًا بعد أن لم يكن؛ بخلاف باقي المفعولات فإنه لم يوجدها، وإنما سميت باسمها باعتبار إلصاق الفعل بها، أو وقوعه لأجلها، أو معها، أو فيها؛ فلذلك لا تسمى مفعولًا إلا مقيدة بشيء بعدها. هذا، وقد لازمته كلمة: "المطلق" حتى صارت قيدًا. ٢ أي: العقلي المحض الذي لا يقع تحت إحدى الحواس؛ إذ لا كيان ولا وجود له إلا في العقل؛ فهو صورة عقلية بحتة؛ فلا يقوم بنفسه، وإنما يقوم بغيره، ولا يدل على صاحبه الذي يقوم به، ولا على إفراد ولا تثنيه، ولا جمع، ولا تذكير، ولا تأنيث، هذا هو المراد من "التجريد البحت".
[ ٢ / ٢٠٤ ]
ولو غيرنا الصيغة مرة ثالثة فقلنا: "ارجع أسرع افرح " – لدل الفعل في صورته الجديدة على الأمرين معًا؛ وهما: "المعنى المجرد، والزمن" لكن الزمن هنا مستقبل فقط، وينشأ ما يسمى: "فعل الأمر".
فالفعل المتصرف –بأنواعه الثلاثة السالفة– يدل على: "المعنى المجرد" "الحديث"، والزمان١ معًا.
ولو أتينا بمصدر صريح ٢ لتلك الأفعال – أو نظائرها – لوجدناه وحده يدل في جملته على أمر واحد معين، هو المعنى المجرد "أي: الحدث" فقط؛ كالمصدر وحده في مثل: الرجوع حسن – الإسراع نافع – الفرح كثير؛ فهو يدل على أحد الشيئين اللذين يدل عليهما معًا الفعل، ولا يدل على الثاني وهذا معنى قولهم:
"المصدر الصريح٣ يدل – في الغالب٤ – على الحدث، ولا يدل على الزمان٥.
والمصدر الصريح أصل المشتقات – في الرأي الشائع٦ – ويصلح لأنواع الإعراب المختلفة؛ فيكون مبتدأ، وخبرًا، وفاعلًا، ومفعولًا به و
و
_________________
(١) ١ وهذا هو الغالب؛ لأن هناك أفعالًا لا تدل – في الرأي الأرجح – على الزمان؛ كنعم وبئس في المدح والذم، وكالأفعال التي في التعريفات العلمية، وغيرها – مما أوضحناه وفصلناه – فيما يتعلق بمعنى الفعل، وأقسامه، والزمان، وغيره، بالجزء الأول م ٤ ص ٢٩. ٢ أي: غير مؤول، وإذا أطلق المصدر كان المراد: الصريح. ٣ لأن المؤول يدل على زمن معين، "على الوجه الذي بسطناه في مكانه من الجزء الأول، م ٢٩ ص ٣٠٢". ٤ لأن المصدر الصريح قد يدل مع الحدث على: "المرة، أو الهيئة"، وإيضاح هذا وتفصيله في موضعه الخاص من بابهما "ج ٣ م ١٠٠". ٥ وإلى هذا أشار ابن مالك بقوله: المصدر اسم ما سوى الزمان من مدلولي الفعل، كأمن، من أمن-١ يقول في تعريف المصدر: إنه اسم يطلق على شيء غير الزمان من المدلولين اللذين يدل عليهما الفعل، ولما كان المدلولان هما: "الحدث، والزمان"، وقد صرح بأنه يدل على غير الزمان – اتجهت الدلالة بعد ذلك إلى المعنى المجرد وحده، ومثل للمصدر بكلمة: "أمن" وقال عنه: نه من الفعل الماضي: "أمن"، يريد بذلك: أن معنى هذا المصدر هو بعض مما يحويه الفعل "أمن" إذ الأمن يدل على المعنى المجرد الذي هو أحد شيئين يدل عليهما الفعل: أمن. ٦ راجع هذا الرأي في ج ٣ باب: "أبنية المصادر"، م ٩٨ وفي م ٩٩ باب: "إعمال المصدر، واسمه".
[ ٢ / ٢٠٥ ]
.. و وقد يكون منصوبًا في جملته باعتباره مصدرًا صريحًا جاء لغرض معنوي خاص؛ كتأكيد معنى عامله المشارك له في المادة اللفظية، "أو غير هذا مما سيجيء هنا" مثل: حطم التمساح السفينة تحطيمًا، وفي هذه الحالة الخاصة وأشبهها يسمى: "مفعولًا مطلقًا"١، ويقال في إعرابه: إنه منصوب على المصدرية، أو: منصوب؛ لأنه مفعول مطلق.
وإذا كان منصوبًا على هذه الصورة الخاصة، فناصبه قد يكون مصدرًا آخر من لفظه ومعناه معًا، أو من معناه فقط، وقد يكون فعلًا٢ من مادته ومعناه معًا، أو من معناه فقط، وقد يكون الناصب له وصفًا متصرفًا يعمل عمل فعله – إلا أفعل التفضيل؛ كقولهم: "إن الترفع عن الناس ترفعًا أساسه الغطرسة، يدفع بصاحبه إلى الشقاء دفعًا لا يستطيع منه خلاصًا"، وقولهم: "المخلص لنفسه إخلاص العقلاء يصدها عن الغي؛ فيسعد، والمعجب بهما إعجاب الحمقى يطلق لها العنان فيهلك" ٣.
فالمصدر: "ترفعًا" – قد نصب بمصدر مثله؛ هو: ترفع.
والمصدر: "دفعًا" – قد نصب بالفعل المضارع قبله؛ وهو: يدفع.
والمصادر: "إخلاص " قد نصب باسم الفاعل قبله؛ وهو: المخلص.
_________________
(١) ١ سيجيء تعريفه في رقم ١ من هامش ص ٢١٠. ٢ بشرط أن يكون متصرفًا، وتامًا، وغير ملغي عن العمل، فخرج الفعل الجامد؛ كفعل التعجب، والناقص مثل: كان، والملغي، مثل "ظن" عند إلغائها بالطريقة السابقة – في ص ٣٨. ٣ وفي ناصب المصدر يقول ابن مالك: بمثله: أو فعل، أو وصف نصب وكونه أصلا لهذين انتخب-٢ بين في هذا البيت حكم المصدر، وأنه قد ينصب بمصدر مثله، أو يفعل، أو يوصف، وانتخب كونه أصلًا للفعل والوصف؛ أي: وقع الاختيار والتفضيل على الرأي القائل بهذا، ثم بين أقسام المصدر بحسب فائدته المعنوية؛ فقال: توكيدًا، أو نوعًا يبين، أو عدد كسرت سيرتين؛ سير ذي رشد-٣ أي: أن المصدر قد يفيد التوكيد، أو يبين النوع، أو يبين العدد، وساق مثالًا يجمع الأقسام الثلاثة؛ فإن: "سيرتين" هي لبيان العدد مع التوكيد أيضًا، و"سير ذي رشد" لبيان النوع مع التوكيد أيضًا، وترك القسم الرابع النائب عن عامله، وسيجيء في ص ٢١٩.
[ ٢ / ٢٠٦ ]
والمصدر: "إعجاب" – قد نصب باسم المفعول قبله؛ هو: المعجب.
وكقولهم: الفرح فرحًا مسرفًا، كالحزين حزنًا مفرطًا؛ كلاهما مسيء لنفسه، بعيد عن الحكمة والسداد.
فالمصدر: "فرحًا" – منصوب بالصفة المشبهة قبله وهي: "الفرح".
وكذلك المصدر: "حزنًا" – فإنه منصوب بالصفة المشبهة قبله، وهي: "الحزين"١.
تقسيم المصدر بحسب فائدته المعنوية:
أ- قد يكون الغرض من المصدر المنصوب أمرًا واحدًا؛ هو: أن يؤكد – توكيدًا لفظيًا – معنى عامله المذكور قبله٢، ويقويه، ويقرره؛ "أي: يبعد عنه الشك واحتمال المجاز"، ويتحقق هذا الغرض بالمصدر المنصوب المبهم٣، نحو: بلع الحوت الرجل بلعا – طارت السمكة في الجو طيرانًا.
ب– وقد يكون الغرض من المصدر المنصوب أمرين معًا – فهما متلازمان: توكيد معنى عاملة المذكور، وبيان نوعه٤، ويكون بيان النوع هو
_________________
(١) ١ والصفة المشبهة تنصب المصدر في الرأي الأنسب: لأن فيه تيسيرًا – كما سيجيء في بابها ج ٣ م ١٠٥. "ملاحظة": قد يكون العامل في المنادى هو العامل في نصب المصدر، ومن الأمثلة قول الشاعر: يا هند دعوة صب هائم دنف مني بوصل، وإلا مات أو كربا "راجع الهمع ج ١ ص ١٧٣، وستجيء لهذا إشارة في ج ٤ باب النداء، م ١٢٧ ص ٦". ٢ في ص ٢١١و ٢١٢ الكلام على تقدم عامله عليه. ٣ و٤ المصدر المبهم هو الذي يقتصر على معناه المجرد دون أن تجيء له زيادة معنوية من ناحية أخرى؛ كإضافة أو وصف، أو عدد، أو "أل" التي للعهد. والمصدر المختص: ما يؤدي معناه المجرد مع زيادة أخرى تجيء لمعناه من خارج لفظه؛ كالتي تجيء له بسبب إضافته، أو وصفه، أو "أل العهدية" في أوله، أو وفي هذا يقول الخضري في المبين للنوع ما نصه: "يقع مبينًا للنوع لكونه مضافًا، أو موصوفًا؛ كما مثله الناظم بقوله: سرت سيرتين سير ذي رشد – أو محلي، بأل العهدية؛ كسرت السير، أي: المعهود بينك وبين مخاطبك، فهو ثلاثة أقسام، ويسمى: "المختص" أيضًا؛ لاختصاصه بما ذكر، والتحقيق أن المعدود مختص أيضًا لتحديده بالعدد المخصوص؛ لذا جعل في التسهيل المفعول المطلق قسمين، "مبهم" وهو المؤكد، =
[ ٢ / ٢٠٧ ]
الأهم١؛ نحو: نظرت للعالم نظر الإعجاب والتقدير، وأثنيت عليه ثناء مستطابًا. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾، وليس من الممكن بيان النوع٢ وحده من غير توكيده لمعنى العامل.
جـ– وقد يكون الغرض منه أمرين متلازمين أيضًا؛ هما: توكيد معنى عامله
_________________
(١) = "ومختص"، وهو قسمان: معدود، ونوعي ثم قال ما نصه: إن النوعي إن كان مضافًا كان من باب النيابة على التحقيق – طبقًا للبيان الذي في رقم ٢ من هامش هذه الصفحة – وأما "ذو أل"، فالظاهر أنه قد يكون كذلك؛ كما إذا قصدت تشبيه سيرك الآن يسير سابق معهود للمخاطب سواء أكان منك أو من غيرك، وقد يكون أصليًا؛ كأن قصدت الإخبار عن ذلك السير المعهود الذي وقع منك بعينه استحضارًا لصورته. ا. هـ كلام الخضري. والبلاغة تقتضي أن يكون استعمال المصدر المبهم مقصورًا على الحالة التي يكون فيها معنى عامله موضع غرابة أو شك؛ فيزيل المصدر المبهم تلك الغرابة، وهذا الشك؛ كالأمثلة التي عرضناها، فليس من البلاغة أن يقال: قعدت قعودا - أكلت أكلا وأشباه هذا، ما دام الفعل: "قعد" أو": "أكل"، ليس موضع غرابة أو شك، نعم التعبير صحيح لغويًا، ولكنه ركيك بلاغيًا، أما مثل: طارت السمكة طيرانًا، فالبلاغة ترضي عن مجيء المصدر المبهم؛ لغرابة معنى عامله، وتشكك السامع في صحته وهكذا. وتوكيد المصدر لعامله هو من نوع التوكيد اللفظي – الذي سيجيء في الجزء الثالث م ١١٦ ص ٤٣٤ –، فيؤكد نفس عامله إن كان مصدرًا مثله، ويؤكد صدر عامله الذي ليس بمصدر ليتحد المؤكد والمؤكد معًا في نوع الصيغة؛ "تطبيقًا لشرط التوكيد اللفظي، ومنه التوكيد بالمصدر الذي نحن فيه"، فمعنى قولك: عبرت النهر عبرًا – أوجدت عبرًا عبرًا، وهذا رأي المحققين، ولكن سيترتب على الأخذ برأيهم حذف المؤكد في التوكيد اللفظي، وهذا الحذف – عند أكثرهم – ينافي الغرض من التوكيد اللفظي، وفوق هذا عامله الحقيقي محذوف أيضًا؛ ففي الكلام حذف كثير. هل يجاب بأن المؤكد مع حذفه ملاحظة يدل عليه اللفظ المذكور الذي يشاركه في الاشتقاق، وهو: "عبرت" فهو محذوف كالمذكور؟ ١ يدخل في هذا القسم المصدر المصوغ للدلالة على الهيئة، "وسيجيء الكلام عليه في ج ٣ م ١٠٠". ٢ يقولون بحق: إن المصدر النوعي كان مضافًا فالأصح اعتباره نائب مصدر؛ لاستحالة أن يفعل الإنسان فعل غيره؛ وإنما يفعل فعله الصادر منه؛ فالأصل في مثل: سرت سير ذي رشد؛ هو: سرت سيرًا مثل سير ذي رشد؛ فحذف المصدر، ثم صفته، وأنيب المضاف إليه منابه، ولولا ذلك لكان المعنى: أن سير ذي الرشد قد سرته هو نفسه؛ وهذا فاسد، إذ كيف أسير السير المنسوب لذي الرشد؟ كيف يكون ذو الرشد هو الذي ساره وأوجده في حين أقول: أنا الذي سرته وأوجدته؟ ففي الكلام تناقض وفساد لا يزيلهما إلا اعتبار النوعي المضاف نائب مصدر، وهذا كلام دقيق، ويتجه إليه غرض المعربين، وإن لم يتقيدوا به في إعرابهم الشائع المقبول أيضًا؛ تيسيرًا وتخفيفًا، "راجع رقم ١ هامش ص ٢١٦".
[ ٢ / ٢٠٨ ]
المذكور مع بيان١ عدده، ويكون الثاني هو الأهم، ولا يتحقق الثاني وحده بغير توكيده معنى العامل؛ نحو: قرأت الكتاب قراءتين وزرت الآثار الرائعة ثلاث زورات.
د– وقد يكون الغرض منه الأمور الثلاثة مجتمعة٢؛ نحو: قرأت الكتاب قراءتين نافعتين – وزرت الآثار الرائعة ثلاث زورات طويلات.
ولا بد من اعتبار المصدر مختصًا في هذه الحالات الثلاث الأخيرة: "ب – ج – د"؛ لأن المصدر المبهم مقصور على التوكيد المحض؛ لا يزيد عليه شيئًا، فإذا دل مع التوكيد على بيان النوع، أو بيان العدد، أو عليهما معًا – وجب اعتباره مصدرًا مختصًا٣.
ومما تقدم نعلم أن فائدة المصدر المعنوية قد تقتصر على التوكيد وحده، ولكنها لا تقتصر على بيان النوع وحده، ولا بيان العدد وحده، ولا على هذين الآخيرين معًا؛ إذ لا بد من إفادة التوكيد في كل حالة من هذه الحالات الثلاث، ومن ثم قسم بعض النحاة المصدر قسمين؛ "مبهمًا"؛ ويراد به: المؤكد لمعنى عامله المذكور، و"مختصًا"؛ ويراد به المؤكد أيضًا مع زيادة بيان النوع، أو زيادة بيان العدد، أو بيانهما معًا.
وقسمه بعض آخر ثلاثة أقسام؛ هي: المؤكد لعامله المذكور، والمؤكد المبين لنوعه، والمؤكد المبين لعدده، وسكت عن المؤكد المبين للنوع والعدد معًا؛ لأنه مركب من الأخيرين؛ فهو مفهوم ومقبول بداهة، ونتيجة التقسيم واحدة٤.
_________________
(١) ١ ويدخل في هذا القسم المصدر المصوغ للدلالة على المرة، وهو – في الغالب – لا يعمل، كسائر المصادر العددية. "وسنشير لهذا في رقم ٤ من هامش ص ٢١١، وكما في ص ٢١٢، أما تفصيل الكلام عليه، ففي بابه الخاص من ج ٣ م ١٠٠". ٢ هي: توكيد المعنى، وبيان النوع، وبيان العدد. ٣ انظر رقم ٣ من هامش ص ٢٠٧ – حيث البيان. ٤ وهناك قسم آخر – سيجيء في ص ٢٢٠ – هو المصدر النائب عن عامله المحذوف، وهو مستقل بنفسه في رأي حسن؛ ولذا يقول المحققون: إن أقسام المصدر أربع، والأخذ بهذا الرأي أنفع؛ لأنه يذلل صعوبات لا يمكن تذليلها إلا بالتأويل والتقدير والتكلف من غير داع، ومن أمثلة هذا: أن المصدر المؤكد لعامله لا يجوز في الغالب حذف عامله – كما سيجيء في ص ٢١١ و٢١٩ وفي رقم ٢ من هامش ص ٢٢٠ – ولا أن يعمل، مع أن هناك أنواعًا من المصادر قد تؤكد عاملها، وتعمل عمله مع وجوب حذفه؛ كالمصدر النائب عن عامله المحذوف؛ فهذا تناقض يمنعه أن يكون هذا قسمًا مستقلًا.
[ ٢ / ٢٠٩ ]
أمثلة لما سبق:
أمثلة للتوكيد وحده: كلم الله موسى تكليمًا – غزا العلم الكواكب غزوًا – نزل الطيارون فوق سطح القمر نزولًا، ومشوا عليه مشيًا، صافح الفيل صاحبه مصافحة.
أمثلة للتوكيد مع بيان النوع: ترنم المغني ترنم البلبل – رسم الخبير رسمًا بديعًا – أجاد المطرب إجادة الموسيقى.
أمثلة للتوكيد مع بيان العدد: قرأت رسالة الأديب قراءة واحدة، وقرأها أخي قراءتين، وقرأها غيرنا ثلاث قراءات.
أمثلة للتوكيد مع بيان الأمرين: ترنمت ترنيمي البلبل والمغني الساحرين – رحلت لبلاد الشام ثلاث رحلات جميلات.
العلاقة بين المصدر والمفعول المطلق:
النحاة يسمون المصدر المنصوب الدال بنفسه على قسم مما سبق: "المفعول المطلق"١.
فالمفعول المطلق تسمية يراد منها: المصدر المنصوب المبهم، أو المختص"، وقد يراد منها: "النائب عن ذلك المصدر"، فهي تسمية صالحة لكل واحد منهما، تنطبق عليه، كما سنعرف٢.
_________________
(١) ١ يقول ابن هشام في تعريف المفعول المطلق: "إنه اسم يؤكد عامله، أو يبين نوعه، أو عدده، وليس خبرًا عن مبتدأ "كقولنا: علمك علم نافع" ولا حالًا "نحو: ولى مدبرًا". ا. هـ. لا داعي لقوله: "ليس خبرًا عن مبتدأ"؛ لأن هذا الخبر مرفوع وعمدة، كما أن خبر النواسخ عمدة، ولا لقوله: "ليس حالًا"؛ لأن الحال مشتق – في الغالب – أمال المفعول المطلق فليس مرفوعًا ولا عمدة، وليس بمشتق في الغالب هذا، والحال في المثال مؤكدة لعاملها. ٢ سنعلم مما سيجيء في ص ٢١٣ أن هناك أشياء تنوب عن المصدر الأصيل عند حذفه؛ فتعرب مفعولًا مطلقًا، أو نائب مصدر، ولا تعرب مصدرًا، وعلى هذا قد يكون المصدر مفعولًا مطلقًا كالأمثلة السابقة، وقد يكون المصدر غير المفعول المطلق؛ وذلك إذا كان المصدر مرفوعًا، أو مجرورًا أو كان منصوبًا لا يبين توكيدًا، ولا نوعًا، ولا عددًا، نحو: القتل أشنع الجرائم، والفتنة أشد من القتل، إن القتل أشنع الجرائم، وقد يكون المفعول المطلق غير مصدر؛ كالأشياء التي أشرنا إليها؛ وهي التي تنوب عن المصدر عند حذفه، فالمصدر والمفعول المطلق يجتمعان معًا في بضع الحالات فقط، وينفرد كل منهما بحالات لا يوجد فيها الآخر. "وهذا يسمى عند المناطقة، بالعموم الوجهي بين شيئين؛ فيجتمعان معًا في جهة معينة، وينفرد كل منهما في جهة أخرى تجعله أعم، وأشمل، وأكثر أفرادًا من نظيره ".
[ ٢ / ٢١٠ ]
حكم المصدر ١:
١– إذا كان المصدر مؤكدًا لعامله المذكور في الجملة تأكيدًا محضًا٢، فإنه لا يرفع فاعلًا٣، ولا ينصب مفعولًا به – إلا إن كان مؤكدًا نائبا عن فعله المحذوف٤.
كما لا يجوز –في الرأي الشائع– تثنيته، ولا جمعه، ما دام المراد منه في كل حالة هو المعنى المجرد، دون تقييده بشيء يزيد عليه، "أي: ما دام المصدر مبهمًا"؛ فلا يقال: صفحت عن المخطئ صفحين، ولا وعدتك وعودًا، إلا إن كان المصدر المبهم مختومًا بالتاء؛ مثل التلاوة؛ فيقال: التلاوتان، والتلاوات.
وسبب امتناع التثنية والجمع أن المصدر المؤكد به معنى الجنس٥ لا الأفراد؛ فهو يدل بنفسه على القليل والكثير، فيستغنى بهذه الدلالة عن الدلالة العددية في المفرد، والتثنية، والجمع؛ لأن دلالته تتضمنها: ومثل المصدر المؤكد ما ينوب عنه.
ولا يجوز أيضًا –في الغالب– حذف عامل المصدر المؤكد ولا تأخيره؛ عن معموله المصدر؛ لأن المصدر جاء لتقوية معنى عامله، وتقريره بإزالة الشك عنه، وإثبات أنه معنى حقيقي، لا مجازي، والحذف مناف للتقوية والتقرير، كما أن التأخير ينافي الاهتمام٦، لكن هناك مواضع بحذف فيها عامل المصدر المؤكد وجوبًا بشرط إنابة المصدر عنه، وستجيء ٧.
_________________
(١) ١ أفرد النحاة لإعمال المصدر بابًا خاصًا بهذا العنوان، يشمل شروط إعماله، مختلف أحكامه، "وسيجيء في ج ٣ ص ٢٠١ م ٩٩". ٢ أي: مجردًا من كل زيادة أخرى تنضم إلى التوكيد؛ كالزيادة الدالة على النوع أو على العدد، أو عليهما. ٣ لأنه نوع من التوكيد اللفظي – كما أشرنا في رقم ٣ من هامش ص ٢٠٧ – والتوكيد اللفظي لا يكون عاملًا ولا معمولًا، إلا فيما نص عليه البيان المدون هنا، وفي بابه الخاص "ج٣". ٤ هذه الحالة الفريدة التي يعمل فيها المصدر المؤكد عمل فعله، وستجيء مواضع نيابته عنه في ص ٢٢١ م ٧٦، أما المبين – بنوعيه – فلا يعمل في الغالب، كما سنذكره. ٥ المراد: الجنس الإفرادي، وهو ما يصدق على القليل والكثير، مثل: ماء – هواء – ضوء "راجع ج ١ ص ١٥ م ١". ٦ هذا تعليل النحاة، أما التعليل الأنسب فهو "المحاكاة" للوارد عن فصحاء العرب. ٧ في ص ٢٢١ م ٧٦.
[ ٢ / ٢١١ ]
٢- أما المصدر المبين للنوع – إذا اختلفت أنواعه – أو المبين للعدد، فيجوز تثنيتهما وجمعهما جمعًا مناسبًا١ وتقدمهما على العامل، وهما في حالة الإفراد أو التثنية أو الجمع، ولا يعملان شيئًا – في الغالب ٢؛ فليس لهما فاعل ولا مفعول ؛ فمثال تثنية الأول وجمعه: سلكت مع الناس سلوكي العاقل؛ الشدة حينًا، والملاينة حينًا آخر – سرت سير الخلفاء الراشدين؛ أي: سلكت مع الناس نوعين من السلوك، وسرت معهم أنواعًا من السير، "وليس المراد ببيان عدد مرات السلوك، وأنه كان مرتين، ولا بيان مرات السير، وأنه كان متعددًا٣، وإنما المراد بيان اختلاف الأنواع في كل حالة، بغير نظر للعدد٣.
ومثال الثاني: خطرت في الحديقة عشر خطوات، ودرت في جوانبها أربع دورات٤.
_________________
(١) ١ المراد بالجمع المناسب هنا: ما تحققت شروط صحته؛ ذلك أن الجمع ثلاثة أنواع؛ "جمع مذكر – جمع مؤنث سالم – جمع تكسير"، ولكل جمع من الثلاثة شروط خاصة به، لا بد من تحققها في مفرده قبل جمعه قياسيًا، وتلك الشروط تختلف باختلاف المفرد لكل نوع. ٢ وقد يعمل المبين للنوع أحيانًا، كأن يكون مضافًا لفاعله، ناصبًا مفعوله أو غير ناصب؛ تألمت من إيذاء القوي الضعيف – حزنت حزن المريض، وهذا العمل – على قلته – قياسي، "كما سيجيء لبيان في ج ٣ م ٩٩". ٣و ٣ لأن دلالة المصدر على العدد هي من اختصاص القسم التالي العددي، وليست من القسم النوعي. ٤ وإلى هذا يشير ابن مالك ببيت ذكره متأخرًا عن هذا المكان المناسب له – وسيجيء في هامش ص ٢١٨: وما لتوكيد فوحد أبدًا وثن، واجمع غيره، وأفردا أي: أن المصدر الدال على التوكيد يجب توحديه؛ أي: إفراده فلا يترك الإفراد إلى التثنية أو إلى الجمع، أما غيره فثنه إن شئت، أو اجمعه جمعًا مناسبًا، أو أفرده، أي: اجعله مفردًا، وقد أوضحنا في الصحة الآتية أن النائب عن المصدر المؤكد، أو: المبين، يجري على حكمه.
[ ٢ / ٢١٢ ]
المسألة ٧٥:
حذف المصدر الصريح، وبيان ما ينوب عنه:
يجوز حذف المصدر الصريح بشرطين: أن يكون صيغته "أي: مادته اللفظية" من مادة عاملة اللفظية١، وأن يوجد في الكلام ما ينوب عنه بعد حذفه.
وحكم هذا النائب: النصب دائمًا٢، ويذكر في إعرابه: أنه منصوب لنيابته عن المصدر المحذوف، أو: منصوب؛ لأنه مفعول مطلق، ولا يصح في الإعراب الدقيقي أن يقال: "منصوب؛ لأنه مصدر"؛ ذلك؛ لأنه ليس مصدرًا للعامل المذكور؛ إذ مصدر العامل المذكور قد حذف، وهذا نائب عنه فمن الواجب عدم الخلط بين المصطلحات، والتحرز من الخطأ في مدلولاتها؛ فعند إعراب المصدر الأصلي المنصوب نقول: إنه "مصدر منصوب" أو: "مفعول مطلق" منصوب كذلك: أما عند حذف المصدر الأصلي، ووجود نائب عنه فنقول في إعرابه: "إنه نائب عن المصدر المحذوف، منصوب"، أو: "مفعول مطلق، منصوب"، ولا يصح أن يقال: مصدر
_________________
(١) ١ يشترط النحاة أن يكون المصدر متأصلًا في المصدرية، ويفسرونها بأنها التي تكون من لفظ عامله وحروفه، لا مطلق المصدر، ففي مثل: سررت فرحًا – أو فرحت جذلا – لا تعد كلمة "فرحًا" ولا كلمة: "جدلًا" مصدرًا متأصلًا للفعل المذكور؛ لعدم الاشتراك اللفظي في الصيغة، وإنما هما نائبتان عن المصدرين الأصليين المحذوفين، والأصل: "سررت سرورًا" و"فرحت فرحًا"، ثم حذف المصدر الأصيل، وناب عنه مصدر آخر من غير لفظه، ولكنه يرادفه من جهة المعنى، لهذا يعربون المصدر المرادف السالف "نائبًا عن المصدر الأصيل" أو: "مفعولًا مطلقًا" كما قلنا، وكما عرفنا في رقم ٢ من هامش ص ٢١٠ أن المفعول المطلق يطلق –أحيانًا– على المصدر الأصيل المنصوب على المصدرية. وقد يطلق على ما ينوب عنه أحيانًا أخرى، كما في هذا المرادف. والمترادفان هما اللفظان المشتركان في المعنى تمام الاشتراك – بحيث يؤدي أحدهما المعنى الذي يؤديه الآخر – مع اختلاف صيغتهما في الحروف؛ مثل: "فرح، وجذل" ومثل: "شنآن، وكره" ومثل: "حب، ومقة". ٢ مع خضوعه لبقية الأحكام التي كان يخضع لها المصدر المحذوف؛ كما أشرنا قريبًا في آخر الهامش ص ٢١٢.
[ ٢ / ٢١٣ ]
والأشياء التي تصلح للإنابة عن المصدر كثيرة ١؛ منها: ما يصلح للإنابة عن المصدر المؤكد، قد ينوب عن المصدر المبين أيضًا إذا وجدت قرينة تعين المصدر المبين المحذوف، ومنها ما لا ينوب عن المصدر المؤكد، ولكنه ينوب عن غيره من باقي أنواع المصدر، فمما يصلح للإنابة عن المصدر المؤكد:
١- مرادفه٢؛ مثل: أحببت عزيز النفس مقة، وأبغضت الوضيع كرهًا.
٢- اسم المصدر٣، بشرط أن يكون غير علم٤: نحو: توضأ المصلي وضوءًا – اغتسل – الصانع غسلًا، فالوضوء والغسل اسما مصدرين للفعلين قبلهما، نائبين عن المحذوف، ومثل: فرقة، وحرمة، في قولهم: افترق الأصدقاء فرقة، ولكني أحترم عهودهم حرمة، فالكلمتان اسما مصدرين للفعلين "افترق، واحترم" قبلهما، ونائبين عن المصدرين المحذوفين٥؛ كالشأن في كل ما يلاقي المصدر في أصول مادة الاشتقاق٦؛ بأن يشاركه في حروف مادته
_________________
(١) ١ يتبين مما يأتي أن أربعة أشياء تصلح للنيابة عن كل مصدر أصيل محذوف هي: "المرادف" – "ملاقيه في الاشتقاق ومن هذا اسم المصدر غير العلم" – "الضمير" – "اسم الإشارة". ٢ راجع رقم ١ من هامش الصفحة الماضية. ٣ هو: ما ساوى المصدر في الدلالة على معناه، وخالفه من ناحية الاشتقاق. بنقص بعض حروفه عن حروف المصدر – وهذا هو الغالب – كما في الأمثلة المعروضة، فهما يتلاقيان في الاشتقاق، ولكن الغالب أن اسم المصدر تقل حروفه عن حروف المصدر الذي يلاقيه في مادة الاشتقاق. وقد عرضوا للفرق بين المصدر واسم المصدر من الناحية اللفظية السابقة، ومن الناحية المعنوية؛ فقالوا فيهما: إن لفظ المصدر يجمع في صيغته جميع حروف فعله فهو يجري عليه في أمرها، واسم المصدر لا يجري على فعله، وإنما ينقص عن حروفه – غالبًا – وإن معنى المصدر ومدلوله هو: الحدث، أما اسم المصدر فمعناه ومدلوله المصدر لا الحدث، فهو يدل على الحدث بواسطة، أي: أن المصدر يدل على الحدث مباشرة وبالإصالة، واسم المصدر بمنزلة النائب عنه في ذلك، على أن تفصيل الكلام على تعريفهما، وإيضاح الفروق الدقيقة بينهما وسدر أحكامهما – سيجيء في الباب الخاص بهما؛ هو: باب: "إعمال المصدر، واسمه" "ج ٣ ص ٢٠١ م ٩٩"، ومن الفوارق اللفظية المدونة هناك أن اسم المصدر مقصور على السماع، أما المصدر فمنه السماعي، ومنه القياسي. ٤ وحجتهم أن العملية معنى زائد على المصدر؛ لأن المصدر يدل على الحدث فقط، كما عرفنا فإذا كان النائب اسم مصدر وعلمًا معًا، فقد اجتمع فيه أمران هما: "العلمية، والدلالة على الحدث" واجتماعهما بجعله غير صالح للنيابة عن المصدر المحذوف؛ لأن المصدر المحذوف لا يدل على العلمية؛ فكيف يدل عليها اسم المصدر وهو نائب عنه في لفظه وفي معناه؟ أي: كيف يدل النائب على شيء ليس في الأصيل؟ ٥ انظر المصباح المنير، مادة: "حرم". ٦ يدخل في هذا المصدر الميمي.
[ ٢ / ٢١٤ ]
الأصلية؛ إما مع كونه مصدر فعل آخر؛ كالمثالين الأولين، ونحو: "التبتيل" في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ ١ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾، فإنه مصدر٢ للفعل: "بَتَّل" وقد تاب عن "التبتل"، الذي هو مصدر الفعل: "تبتل" وإما مع كونه اسم٣ عين؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾، فكلمة: "نباتًا" اسم للشيء الثابت من زرع أو غيره، وقد ناب عن: "إنباتًا" الذي هو المصدر القياسي للفعل: "أنبت"٤.
٣- بعض أشياء أخرى؛ كالضمير العائد عليه بعد الحذف؛ وكالإشارة له بعد الحذف أيضًا: كقولهم لمن يتكلم عن الإخلاص: "أخلصته لمن أوده"، وعن الإقبال: "أقبلت هذا"، والأصل: أخلصت الإخلاص، وأقبلت الإقبال، فالضمير عائد على المصدر المؤكد الذي حذف، ونائب عنه، وهو: "الإخلاص" واسم الإشارة يشير إلى المصدر المؤكد الذي حذف وينوب عنه؛ وهو "الإقبال".
والذي يصلح للإنابة في الأنواع الأخرى:
١- لفظ كل أو بعض، بشرط الإضافة لمثل المصدر المحذوف؛ نحو: لا تنفق كل الإنفاق، ولا تبخل كل البخل؛ وابتغ بين ذلك قوامًا٥ إذا سنحت الفرصة لغاية كريمة فلا تتمهل في اقتناصها بعض تمهل، ولا تتردد بعض تردد؛ فإنها قد تفلت، ولا تعود.
ومثل كل وبعض ما يؤدي معناهما من الألفاظ الدالة على العموم، أو على
_________________
(١) ١ تفرغ وانقطع لعبادته وطاعته. ٢ لم يعتبروا: "التبتيل" اسم مصدر للفعل: "تبتل"؛ لأن حروفه تزيد على حروف مصدر هذا الفعل، واسم المصدر -في الرأي عندهم- لا بد أن تقل حروفه عن حروف مصدر الفعل الذي يجري على مقتضاه في الاشتقاق، أما الرأي الذي لا يشترط أن يقل عن حروف المصدر، ويبيح أن تزيد، فيجعل "تبتيلا" اسم مصدر. ٣ ذات مجسمة، وليس – كالمصدر – واسمه معنى مجردًا. ٤ يرى بعض النحاة أن كلمة "نبات" في الآية مصدر جرى على غير فعله؛ لأنه في الأصل مصدر للفعل: "نبت" – ثم سمي به الثابت؛ فيكون داخلًا في قسم الملاقي للمصدر في الاشتقاق مع كونه مصدر فعل آخر، ولا مانع أن تكون "نبات" اسم مصدر للفعل: "أنبت". ٥ اطلب طريقًا وسطًا معتدلًا بين الأمرين.
[ ٢ / ٢١٥ ]
البعضية، مثل: جميع، عامة، بعض، نصب، شطر
٢– صفة المصدر المحذوف١؛ نحو: تكلمت أحسن التكلم وتكلمت أي تكلم٢، إذ الأصل: تكلمت تكلمًا أحسن التكلم – وتكلمت تكلمًا أي تكلم، بمعنى: تكلمت تكلمًا عظيمًا – مثلًا.
٣– مرادف المحذوف؛ نحو: وقوفًا وجلوسًا في مثل: قمت وقوفًا سريعًا للقادم العظيم، وقعدت جلوسًا حسنًا بعد قعوده، ومثل: لما اشتعلت النار صرخ الحارس صياحًا عاليًا؛ لينبه الغافلين، ولم يتباطأ توانيًا معيبًا في مقاومتها.
٤– اسم الإشارة؛ والغالب أن يكون بعده مصدر كالمحذوف؛ كأن تسمع من يقول: "راقني عدل عمر"، فتقول: سأعدل ذاك العدل العمري، ويصح مع القرينة: سأعدك ذاك.
ومثل أن تسمع: أعجبني إلقاؤك الجميل، وسألقي ذاك الإلقاء أو سألقي ذاك، فقد حذف المصدر بعد اسم الإشارة: لوجود القرينة الدالة عليه بعد حذفه، وهي اسم الإشارة – في المثالين – فإنه يدل دلالة المصدر هنا بالإشارة إليه، ويغني عنه٣.
٥- الضمير العائد على المصدر المحذوف؛ كأن تقول لمن يتحدث عن الإكرام التام والإساءة البالغة: "أكرمه من يستحقه، وأسيئها من يستحقها" تريد: أكرم الإكرام التام من يستحقه ، وأسيء الإساءة البالغة من يستحقها٤.
_________________
(١) ١ ويدخل في صفة المصدر المحذوف المصدر النوعي المضاف الذي سبق أن أشرنا إليه في رقم ٢ من هامش ص ٢٠٨، وأوضحنا الرأي والسبب في اعتباره نائبًا عن المصدر. والكثير في الصفة النائبة عن المصدر أن تكون مضافة إليه؛ كالأمثلة المذكورة. وقول الشاعر: الغنى في يد اللئيم قبيح قدر قبح الكريم في الإملاق أي: قبيح قبحًا قدر قبح الكريم في الإملاق. ٢ هذا التركيب فصيح بالاعتبار الذي يليه، والذي يبين أصله، وما طرأ عليه من حذف، "وبسط الكلام على صحته مدون في ج ٣ – باب الإضافة، م ٩٥ ص ١١٠، ١١٢ وما بعدها حيث الرأي الحاسم في موضوع "أي"، ولها إشارة في باب النعت – ج ٣ م ١١٤ ص ٤٥٢. ٣ لا بد من هذه القرينة التي تجعل المحذوف بمنزلة المذكور، وإلا كان اسم لإشارة نائبًا عن مصدر مؤكد، لا عن مصدر نوعي. ٤ مثل هذا الأسلوب قد يبدوا غريبًا، لكن إذا عرفنا أن معناه: الإكرام، أكرم إكرامًا من يستحقه، والإساءة، أسيء إساءة إلى من يستحقها – ذهبت الغرابة – وهو أسلوب عربي صحيح له نظائر كثيرة في القرآن؛ وغيره مثل قوله تعالى: ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ أي: لا أعذب العذاب – لا أعذب عذابًا – أحدًا من العالمين
[ ٢ / ٢١٦ ]
٦– العدد الدال على المصدر المحذوف: نحو: يدور عقرب الساعات في اليوم والليلة أربعًا وعشرين١دورة، ويدور عقرب الدقائق في الساعة ستين١ دورة.
٧- الآلة التي تستخدم لإيجاد معنى ذلك المصدر المحذوف، وتحقيق دلالته؛ نحو: سقيت العاطش كوبًا – ضرب اللاعب الكرة رأسًا، أو رجلًا، أي: سقيت العاطش سقي كوب – ضرب اللاعب الكرة ضرب رأس، أو ضرب رجل، بمعنى: سقيت العاطش بأداة تؤدي مهمة السقي: تسمى: "الكوب" وضرب اللاعب الكرة بأداة معروفة بهذا الضرب تسمى: الرأس، أو: الرجل٢ ولا بد من الآلة أن تكون معروفة بأنها تستخدم في إحداث معنى المصدر؛ فلا يصح سقيت الرجل العاطش دلوًا – ولا ضرب اللاعب الكرة بطنًا؛ لأن الدلو لا يسقي بها الرجل، والبطن لا يضرب به الكرة.
٨– نوع من أنواعه؛ نحو؛ قعد الطفل القرفصاء ٣ – مشي العدو القهقري ٤. أو: التقهقر – سرت وراءه الجري – نام الآمن ملء جفونه٥ أي: قعد قعود القرفصاء – مشى مشي القهقري، وسرت سير الجري – نام الآمن نومًا ملء جفونه
_________________
(١) ١و ١ والأصل: دورانًا أربعًا وعشرين دورة – دورانًا ستين دورة، ثم حذف المصدر، وباب عنه عدده. ٢ في مثل هذه الأمثلة ونحوها حذف المضاف – وهو المصدر المنصوب – وأقيم المضاف إليه مقامه؛ فصار منصوبًا مثله؛ إذ الأصل كما قلنا: سقيت العاطش سقي كوب – ضرب اللاعب الكرة ضرب رأس، أو ضرب رجل. ٣ نوع من القعود – يستقر فيه الجالس – وفخذاه ملتصقتان ببطنه، يحيط بهما ذراعاه، أو ينكب على ركبتيه، لاصقًا فخذيه ببطنه، وكفاه تحت إبطيه والقرفصاء والقهقري معدودان هنا نائبين للمصدر؛ لأنهما من غير لفظ العامل؛ بالرغم من أنهما مصدرين أصليين للفعلين: "قرفص" و"قهقر" فهما مع فعليهما المشاركين لهما في المادة – مصدران، أما مع عامل آخر لا يشاركهما في المادة اللفظية – كالذي هنا – فنائبان عن المصدر – كما سلف في رقم ١ من هامش ص ٢١٣. ٤ هي الرجوع إلى الخلف. ٥ ومن هذا قول المتنبي عن قصائده، ومشكلاتها المعنوية: أنام ملء جفوني عن شواردها ويسهر الخلق جرها ويختصم "جراها = من جرائها، أي: من أجلها "، ومما يصلح للنو قول الشاعر: وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا والأصل: تؤخذ الدنيا أخذ غلاب، ثم حذف المصدر المضاف رجل المضاف إليه محله، ونصب.
[ ٢ / ٢١٧ ]
٩– اللفظ الدال على هيئة المصدر المحذوف؛ كصيغة: "فعله"؛ نحو: مشى القط مشية الأسد، ووثب وثبة النمر، فكلمة: مشية – وثبة – تدل على نوع من الهيئة يكون عليه المصدر؛ فهي هنا نائبة عنه.
١٠– وقته؛ نحو: فلان يلهو ويمرح؛ لأنه لم يحي ليلة المريض، ولم يعش ساعة الجريح، أي: لم يحي حياة ليلة المريض، ولم يعش عيشة ساعة الجريح، "تريد: لم يحي في ليلة كليلة المريض، ولم يعش في ساعة كساعة الجريح؛ يذوق ما فيهما من آلام"، ومن هذا كلمة: "ليلة" في قول الشاعر:
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا وبت كما بات السليم١ مسهدا
١١– "ما" الاستفهامية؛ نحو: ما تكتب خطك؟ بمعنى: أي كتابة تكتب خطك؟ أرقعة، أم ثلثًا أم نسخًا ؟ ومثله: ما تزرع حقلك؟ بمعنى: أي زرع تزرع حقلك؟ أزرع قمح، أم ذرة، أم قطن ؟
١٢– "ما" الشرطية؛ نحو: ما شئت فاجلس، بمعنى: أي جلوس شئته فاجلس.
تلك هي أشهر الأشياء التي تنوب عن المصدر غير المؤكد عند حذفه٢.وتتخلص كلها في أمر واحد، هو: وجود ما يدل عليه عند حذفه٣، ويغني عنه من غير لبس.
_________________
(١) ١ الملدوغ. ٢ ومنها: ملاقيه في الاشتقاق؛ نحو قوله تعالى في مريم: ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنا﴾ واسم المصدر غير العلم؛ نحو تكلم المتعلم كلام النبلاء – انظر رقم ٢ ص ٢١٤، ورقم ١ من هامشها. ٣ وفي هذا يقول ابن مالك: وقد ينوب عنه ما عليه دل كجد كل الجد، وافرح الجذل-٦ فسجل في هذا البيت أن المصدر ينوب عنه عند حذفه كل شيء يدل عليه، واقتصر في التمثيل على نائبين؛ هما: لفظ "كل" وقد أضافها للمصدر؛ حيث قال: "جد كل الجد"، ولفظ المرادف، وهو: الجذل، بمعنى الفرح، في "افرح الجذل". ثم ساق بعد هذا البيت بيتًا آخر سبق تدوينه، وشرحه في مكانه المناسب له – بهامش ص ٢١٢ – من مسائل الباب، هو: وما لتوكيد فوحد أبدًا وثن واجمع غيره وأفردا-٥
[ ٢ / ٢١٨ ]
المسألة ٧٦:
حذف عامل المصدر:
إقامة المصدر المؤكد نائبًا عن عامله في بعض المواضع.
أ– يجوز حذف عامل، المصدر المبين للنوع أو للعدد بشرط وجود دليل١ مقالي، أو حالي يدل على المحذوف، فمثال حذف عامل النوعي لدليل مقالي، أن يقال: هل جلس الزائر عندك؟ فيجاب: جلوسًا طويلًا؛ أي: جلس جلوسًا طويلًا، ومثال حذفه لدليل حالي أن ترى صيادًا أصاب فريسته؛ فتقول: إصابة سريعة؛ أي: أصاب إصابة سريعة، ومن هذا قولهم للمتهيئ للسفر: "سفرًا حميدًا، ورجوعًا سعيدًا"، أي: تسافر سفرًا حميدًا، وترجع رجوعًا سعيدًا.
ومثال حذف عامل العددي لدليل مقالي: هل رجعت إلى بيتك اليوم؟ فيجاب: رجعتين، أي: رجعت رجعتين، ولدليل حالي أن ترى خيل السباق وهي تدور: في الملعب؛ فتقول: دورتين؛ أي: دارت دورتين وهكذا.
والمصدر في الحالات السالفة منصوب بعامله المحذوف جوازًا، وليس نائبًا عنه.
ب– أما المصدر المؤكد لعامله فالأصل عدم حذف عامله؛ لما عرفنا٢ من أن هذا المصدر مسوق لتأكيد معنى عامله في النفس، وتقويته، ولتقرير المراد منه، - أي: لإزالة الشك عنه – ولبيان أن معناه حقيقي لا مجازي – وهذه هي دواعي المجيء بالمصدر المؤكد، ومن أجلها لا يصح تثنيته، ولا جمعه، ولا أن يرفع فاعلًا أو ينصب مفعولًا، ولا أن يتقدم على عامله، ولا أن يحذف عامله٣ لأن هذا الحذف مناف لتلك الدواعي، معارض للغرض من الإتيان بالمصدر المؤكد٤.
_________________
(١) ١ في رقم ١ من هامش ص ٥٦ أن الدليل "ويسمى: القرينة أيضًا" قد يكون مقاليًا، أي: مرجعه إلى القول والكلام – وقد يكون حاليًا، لا شأن له بالقول أو الكلام؛ وإنما الشأن فيه للمشاهدة، أو نحوها مما يحيط بالشخص، ويجعله يفهم أمرًا مستنبطًا مما حوله، دون أن يسمع لفظًا مطلقًا. ٢ في ص ٢١١ و"أ" من ص ٢٠٧. ٣ سبقت أحكامه في ص ٢١١. ٤ فيما سبق يقول ابن مالك: وحذف عامل المؤكد امتنع ومن سواه لدليل متسع-٦ يريد: أن هناك للحذف في غير المؤكد، عند وجود دليل على المحذوف.
[ ٢ / ٢١٩ ]
لكن العرب التزموا حذف عامله باطراد في بعض مواضع معينة، وأنابوا عنه المصدر المؤكد؛ فعل محله، وعميل عمله في رفع الفاعل، ونصب المفعول، وأغنى عن التلفظ بالعامل، وعن النطق بصيغته؛ وصار ذكر العامل ممنوعًا معه؛ لأن المصدر بدل عنه، وعوض عن لفظه ومعناه١؛ ولا يجتمع العوض والمعوض عنه٢.
ولما كان العرب قد التزموا الحذف "والإنابة – معًا - باطراد في تلك المواضع، لم يكن بد من أن نحاكيهم، ونلتزم طريقتهم الحتمية في حذف العامل في تلك المواضع، وفي إنابة المصدر المؤكد عنه، ولهذا قال النحاة:
إن عامل المصدر المؤكد لا يحذف جوازًا –في الصحيح– وإنما يحذف وجوبًا في المواضع التي التزم فيها العرب حذفه لحكمه مقصودة، مع إقامة المصدر المؤكد مقامه، والأمران متلازمان.
ومع أن العامل محذوف وجوبًا، فإنه هو الذي ينصب المصدر النائب عنه "أي: أن المصدر نائب عن عامله المحذوف، ومنصوب به معًا".
أما المواضع التي ينوب فيها هذا المصدر عن عامله٣ المحذوف وجوبًا، فبعضها خاص بالأساليب الإنشائية الطلبية، وبعض آخر خاص بالأساليب الإنشائية غير الطلبية، أو بالأساليب الخبرية المحضة٤.
_________________
(١) ١ هذا المصدر النائب أساسه المبالغة، فهو أبلغ وأقوى في تأدية المعنى من عامله. ٢ سبقت الإشارة "في رقم ٤ من هامش ص ٢٠٩، وفي رقم ١ من هامش ص ٢٢٥ إشارة أيضًا" إلى أن الأفضل اعتبار المصدر النائب عن عامله قسمًا مستقلًا بذاته يزاد على الأقسام الثلاثة المشهورة، والسبب أن كثيرًا من المصادر النائبة عن عاملها المحذوف قد يكون مؤكدًا لعامله، والأصل في المؤكد ألا يعمل، وألا يحذف عامله و مع أن المؤكد هنا يعمل ويحذف عامله، فيقع التعارض والتناقص بين حكم المؤكد هنا وحكمه في ناحية أخرى، ولا سبيل للتغلب على هذا التعارض والتناقض إلا بالتأويل والتقدير؛ وهذا معيب أو باعتبار المؤكد هنا، والمحذوف عامله وجوبًا، قسمًا مستقلًا، ولا ضرر في هذا بل فيه تغلب على الصعوبة السالفة. ٣ بعض المصادر المؤكدة قد تنوب عن عوامل مهملة، أو ليست من لفظها؛ فتكون مقصورة على السماع، كما يجيء في ص ٢٢٣ مثل: ويح، ويل وسيجيء الكلام عنها في الزيادة، ص ٢٣٠. ٤ سبق في جـ١ ص٣٧٤ م٢٧ إيضاح للجملة الخبرية، والجملة الإنشائية. وملخصه: أن الجملة الخبرية هي التي يكون معناها صالحا للحكم عليه بأن صدق أو كذب، من غير نظر لقائلها من ناحية أنه معروف بهذ أو بذاك، مثل: نزل المطر أمس، فهي جملة صالحة، لأن توصف بأنها - في حد ذاتها - صادقة أو كاذبة والجملة الإنشائية هي التي يطلب بها إما حصول شيء، أو عدم حصوله، وإما إقراره والموافقة عليه، أو عدم إقراره، فلا دخل للصدق أو الكذب فيها. =
[ ٢ / ٢٢٠ ]
١– فيراد بالأساليب الإنشائية الطلبية هنا: ما يكون فيها المصدر المؤكد النائب دالًا على أمر، أو نهي أو دعاء، أو توبيخ والكثير أن يكون التوبيخ مقرونًا بالاستفهام١؛ فمثال الأمر أن تقول للحاضرين عند دخول زعيم: قيامًا، بمعنى: قوموا، وأن تقول لهم بعد دخوله واستقراره: جلوسًا، بمعنى: اجلسوا: فكلمة: "قيامًا" مصدر "أو: مفعول مطلق" منصوب
بفعل الأمر المحذوف وجوبًا. والمصدر نائب عنه في الدلالة على معناه، وفي تحمل ضميره المستتر الذي كان فاعلًا٢ له؛ فصار بعد حذف فعله فاعلًا للمصدر النائب، ومثل هذا يقال في: "جلوسًا" وأشباههما، والأصل قبل حذف العامل وجوبًا: قوموا قيامًا – أجلسوا جلوسًا ٣
ومثال النهي أن تقول لجارك وقت سماع محاضرة، أو خطبة سكوتًا، لا تكلمًا؛ أي: اسكت، لا تتكلم، فكلمة: "سكوتًا" مصدر – أو مفعول مطلق – منصوب بفعل الأمر المحذوف وجوبًا، والذي ينوب عنه هذا المصدر في أداء معناه، وفاعل المصدر النائب مستتر وجوبًا تقديره: أنت؛ وقد انتقل إليه هذا الفاعل بعد حذف فعل الأمر على الوجه السالف٢، وكلمة: "لا" ناهية،
_________________
(١) = وهي قسمان: إنشائية طلبية، أي: يراد بها طلب حصول الشيء أو عدم حصوله، وتشمل الأمر، والنهي، والدعاء، والاستفهام، والتمني، والعرض، والتحضيض ، كما هو مدون في المصادر الخاصة بالبلاغة، وإنشائية غير طلبية وهي التي يريد بها المتكلم: إعلان شيء والتسليم به، وتقرير مدلوله، من غير أن يصحب هذا الإعلان والتسليم طلب أمر آخر، كما سيجيء في ص ٢٢٣، وتشمل جملة التعجب –في الرأي الشائع– وجملة المدح والذم بنعم وبئس ونظائرهما، وجملة القسم نفسه، لا جملة جوابه ، وصيغ العقود التي يراد إقرارها؛ مثل: بعت؛ وهبت إلى غير هذا مما في المرجع السابق. ١ انظر رقم ٤ من هامش الصفحة الآتية. ٢ و٢ ذلك أن فعل الأمر المحذوف وحده، له فاعل لم يحذف، فلما ناب المصدر عن فعل الأمر المحذوف وحده انتقل فاعله إلى المصدر النائب، وصار فاعلًا له بعد أن كان فاعلًا لفعل الأمر المحذوف؛ فالمصدر متحمل لضمير عامله، وقيل: إن المصدر ناب عن الفعل المحذوف ومن فاعله معًا؛ فلا يحتاج لفاعل وقيل و والرأي الأول أحسن؛ لأنه يساير القواعد النحوية العامة، والثاني أخف وأيسر. ولا تأثير لاختلافهما في الاستعمال الكلامي والكتابي. ٣ ومثل قول الشاعر: أكابرنا عطفًا علينا فإننا بنا ظمأ برح، وأنتم مناهل يريد: يا أكابرنا، أعطفوا علينا ، والبرح: الشديد: المناهل: جمع منهل، وهو مورد الماء العذب الصافي.
[ ٢ / ٢٢١ ]
و"تكلما": مصدر منصوب بالمضارع المحذوف، المجزوم بلا الناهية١، ونائب عنه في تأدية معناه، وفاعل المصدر ضمير مستتر فيه، تقديره: أنت، وهذا الضمير انتقل للمصدر النائب من المضارع المحذوف -كما تقدم.
ومثال الدعاء بنوعيه٢ قول زعيم: "ربنا إنا قادمون على معركة فاصلة مع طاغية جبار؛ فنصرًا عبادك المخلصين، وهلاكًا وسحقًا للباغي الأثيم"، أي: فانصر –بارب– عبادك المخلصين، وأهلك واسحق الباغي الأثيم
ومنه "سقيًا" و"رعيًا" ٣ لك، "وجدعًا وليًا" لأعدائك، وإعراب المصادر في هذه الأمثلة كإعرابها في نظائرها السابقة.
ومثال الاستفهام التوبيخي٤: أبخلًا وأنت واسع الغنى؟ أسفاهة وأنت
_________________
(١) ١ والأصل قبل الحذف فيهما: اسكت سكوتًا، لا تتكلم تكلمًا، ولا يكون حذف المضارع المجزوم "بلا" الناهية واجبًا إلا في هذه الصورة – كما سيجيء هذا في موضعه من باب: "الجوازم"، ج ٤ م ١٥٣ عند الكلام على "لا الناهية". ٢ الخير والشر. ٣ يوجب أكثر النحاة حذف العامل هنا؛ مراعاة للسماع، ويكون التقدير: "اسق يا رب، ارع يا رب، الدعاء لك أيها المخاطب"، فالجار والمجرور في الصورتين خبر لمحذوف؛ تقديره: الدعاء –مثلًا– ولا يصح أن يكون الجار والمجرور متعلقين بالمصدر قبلهما؛ لئلا يفسد المعنى؛ إذ يكون: اسق يا رب لك – ارع يا رب لك وهذا فاسد؛ لأن السقي ليس مطلوبًا لله، وكذلك الرعي. من أجل هذا قالوا بحق في مثل: سقيا لك – إن الكلام جملتان وليس جملة واحدة. على أن لهذا البحث تفصيلات واسعة وتفريعات دقيقة؛ لا غنى عن الإلمام بها لتعدد أحكامها بتعدد استعمالاتها – وقد سجلناها في ج ١ ص ٣٧٢ م ٣٩. ويجيز فريق من النحاة عدم التقيد بوجوب حذف العامل في مثل هذه الصورة المسموعة، ورأيه سائغ، والأول هو الأفصح والأقوى - كما سيجيء ي "ح" من ص ٢٣٢. ٤ قد يكون التوبيخ للمتكلم، بأن يوجه صيغة التوبيخ مشتملة على الخطاب يريد بها نفسه، بقرينة، كقول القائل لنفسه: أتركا للعمل وأنا فقير؟ وقد يكون التوبيخ للمخاطب، نحو: أسرقة وأنت غني؟ وقد يكون للغائب: نحو: أخوفًا وهو جندي؟ وقد يكون التوبيخ مسبوقًا بأداة استفهام، إما مذكورة صراحة، أو ملحوظة في حكم المذكورة، وإما غير مذكورة ولا ملحوظة، فمثال المذكورة وما في حكمها قول الشاعر: أذلا إذا شب العدا نار حربهم؟ وزهوًا إذا ما يجنحون إلى السلم؟ والأصل: أتذل ذلًا؟ وتزهو زهوًا"، فالأول مسبوق بهمزة الاستفهام المذكورة، والثاني مسبوق بها ملاحظة وتقديرًا، ومثال غير المذكورة وغير المقدرة قول الشاعر: خمولًا، وإهمالا، وغيرك مولع بتثبيت أسباب السيادة والمجد أي: تخمل خمولًا، وتهمل إهمالًا
[ ٢ / ٢٢٢ ]
مثقف؟ أي: أتبخل بخلًا . أتسفه سفاهة وإعراب المصدر هنا كسابقه.
ونيابة المصدر عن عامله المحذوف في الأساليب الإنشائية الطلبية –قياسية– بشرط أن يكون العامل المحذوف فعلًا من لفظ المصدر ومادته، وأن يكون المصدر مفردًا منكرًا، وإلا كان سماعيًا؛ مثل: ويحه، ويله١ – كما تقدم ٢.
٢– ويراد – هنا – بالأساليب الإنشائية غير الطلبية: المصادر الدالة على معنى يريد المتكلم إعلانه وإقراره، والتسليم به، من غير طلب شيء٣، أو عدم إقراره، كما سبق٤، والكثير من هذه المصادر مسمع عن العرب جار مجرى الأمثال، والأمثال لا تغير؛ كقولهم عند تذكر النعمة: "حمدًا، وشكرًا، لا كفرًا"؛ أي: أحمد الله وأشكره – ولا أكفر به، وكانوا يردون الكلمات الثلاث مجتمعة لهذا الغرض وهو إنشاء المدح، والشكر، وإعلان عدم الكفر، ووجوب حذف العامل متوقف على اجتماعها؛ مراعاة للمأثور؛ وإلا لم يكن الحذف واجبًا.
وكقولهم عند تذكر الشدة: "صبرًا، لا جزعًا"، بمعنى "أصبر٥،
_________________
(١) ١ المصادر الدالة على الطلب لا تصلح أن تكون نعتًا، ولا منعوتًا - كما سيجيء في باب النعت – ج ٣ م ١١٤ ص ٤٤٥. ٢ في رقم ٣ من هامش ص ٢٢٠. ٣ المقصود في الأساليب الآتية: الإنشاء غير الطلبي – وقد شرحناه في رقم ٤ من هامش ص ٢٢٠ – ولكنهم جعلوها من قسم الخبر نظرًا لصورة العامل ولفظه، ويرى بعض النحاة أنها أساليب خبرية لفظًا ومعنى، وهذا رأي حسن، لوضوحه، والمسألة رهن، بالاصطلاح. ٤ في رقم ٤ من هامش ص ٢٢٠. ٥ أما كلمة: صبرًا في مثل قول الشاعر: فصبرًا في مجال الصوت صبرًا فما نيل الخلود بمستطاع فتصح أن تكون مصدرًا نائبًا عن الفعل المضارع: "أصبر" يكون هذا المصدر من نوع الإنشاء غير الطلبي، وتصح أن تكون مصدرا نائبًا عن فعل الأمر – أي عن: "أصبر" – فيكون المصدر من نوع الإنشاء الطلبي الذي سبق بيانه.
[ ٢ / ٢٢٣ ]
لا أجزع، يريد إنشاء هذا المعنى، وعند ظهور ما يعجب: "عجبًا" بمعنى أعجب، وعند الحث على أمر: "افعل وكرامة"، أي: وأكرمك، وعند إظهار الموافقة والامتثال: "سمعًا وطاعة"، بمعنى: أسمع وأطيع.
والمصادر في كل ما سبق – أو: المفعول المطلق – منصوب بالعامل المحذوف وجوبًا، وهو الذي ناب عنه المصدر في أداء المعنى، وفي تحمل الضمير الفاعل، وتقديره للمتكلم: أنا.
ونيابة هذا النوع من المصادر عن عامله تكاد تكون مقصورة على الألفاظ المحددة الواردة سماعًا عن العرب، ويرى بعض المحققين جواز القياس عليها في كل مصدر يشيع استعماله في معنى معين، ويشتهر تداوله فيه، وله فعل من لفظه، من غير اقتصار على ألفاظ المصادر المسموعة، وهذا رأي عملي مفيد١.
٣- ويراد بالأساليب الخبرية المحضة أنواع، كلها قياسي، بشرط أن يكون العامل المحذوف وجوبًا فعلًا من لفظ المصدر ومادته.
منها: الأسلوب المشتمل على مصدر يوضح أمرًا مبهمًا مجملًا، تتضمنه جملة قبل هذا المصدر، ويفصل عاقبتها؛ أي: يبين الغاية منها، "فالشروط ثلاثة في المصدر: تفصيله عاقبه، وأنها عاقبة أمر مبهم تتضمنه جملة، وهذه الجملة قبله" مثل: "إن أساء إليك الصديق فاسلك مسلك العقلاء؛ فإما عتابًا كريمًا، وإما صفحًا جميلًا٢"؛ فسلوك مسلك العقلاء أمر مبهم، مجمل، لا يعرف المقصود منه؛ فهو مضمون جملة محتاجة إلى إيضاح، وتفصيل، وإبانة عن المراد، فجاء بعدها الإيضاح والتفصيل البيان من المصدرين: "عتابًا" و"صفحًا" المسبوقين بالحرف الدال على التفصيل؛ وهو: "إما".
وهما منصوبان بالفعلين المحذوفين وجوبًا، وقد ناب كل مصدر عن فعله في بيان معناه، والتقدير: فإما أن تعتب عتابًا كريمًا، وإما أن تصفح صفحًا جميلًا.
_________________
(١) ١ لأنه يساير الأصول اللغوية العامة، ولا تضار اللغة باتباعه، وقد أشرنا لهذا في "ج" من ص ٢٣٢. ٢ وتغني "أو" عن "إما" الثانية؛ كقول الشاعر: وقد شفني ألا يزال يروعني خيالك إما طارقًا أو معاديًا
[ ٢ / ٢٢٤ ]
ومثله: "إذا تعبت من القراءة فاتركها لأشياء أخرى؛ فإما مشيًا في الحدائق، وإما استماعًا للإذاعة، وإما عملًا يدويًا مناسبًا"، فالمصادر "مشيًا" – "استماعًا" – "عملًا" موضحه ومفصله لأمر غامض مجمل في جملة قبلها، يحتاج لبيان، هو: "الترك لأشياء أخرى" فعامل كل منها محذوف وجوبًا، والتقدير: تمشي مشيًا – تستمع استماعًا – تعمل عملًا فهي مصادر منصوبة بفعلها المحذوف الذي نابت عنه في تأدية معناه وانتقل إليه الفاعل بعد حذف العامل؛ فصار فاعلًا مستترًا للمصدر النائب، والتقدير: "أنت"، ومثل قول الشاعر:
لأجهدن؛ فإما درء واقعة تخشى، وإما بلوغ السؤل والأمل
والتقدير: فإما أدرأ درء واقعة، وإما أبلغ بلوغ السؤال
ومنها: الأسلوب الذي يكون فيه المصدر مكررًا أو محصورًا، ومعناه مستمرًا إلى وقت الكلام، وعامل المصدر واقعًا في خبر مبتدأ اسم ذات١، فمثال المكرر: المطر سحا سحا – الخيل الفارهة٢ صهيلًا ٣ صهيلًا، وقول الشاعر:
أنا جدًا جدًا ولهوك يزدا د إذا ما إلى اتفاق سبيل
_________________
(١) ١ الشروط أربعة: أن يكون المصدر مكررًا أو محصورًا، وأن يكون عامله خبرًا لمبتدأ، أو ما أصله المبتدأ، وأن يكون هذا المبتدأ اسم عين؛ "أي: اسم ذات مجسمة"، فلا يراد به أمر معنوي "عقلي" كالعلم – الفهم – النيل - البراعة ، وأن يكون معنى المصدر مستمرًا إلى زمن الحال؛ لا منقطعًا ولا مستقبلًا محضًا، فإن فقد شرط من الشروط لم يكن الحذف واجبًا، وإنما يكون جائزًا - في رأي. ويقوم مقام التكرار والحصر لسالفين بشرط استيفاء باقي الشروط – دخول الهمزة على المبتدأ نحو: أأنت طيرانًا، والعف على المصدر؛ نحو أنت طيرانًا وعومًا. ويلاحظ هنا ما سبق أن أشرنا إليه "في ب من ص ٢١٩" من أن حذف عامل المؤكد ممنوع –على الصحيح– إلا حين يكون المصدر نائبًا عن فعله في المواضع التي ينوب فيها عنه، "ومنها هذه الصورة التي ينوب فيها وجوبًا عند استيفاء الشروط، وجوازًا –في رأي– عند فقد شرط أو أكثر"، وأن الأحسن اعتبار المصدر النائب عن عامله قسمًا رابعًا مستقلًا بنفسه؛ لأنه قد يؤكد عامله المحذوف، والأصل في المؤكد ألا يحذف عامله، فلدفع هذا التعارض يعتبر قسمًا مستقلًا؛ كي لا يدخل في قسم المؤكد غير النائب، فيقع تعارض واضح بين حكم المؤكد، وهو يقتضي عدم حذف عامله، وحكم هذه الأنواع التي يكون فيها المصدر نائبًا عن عامله ومؤكدًا له، مع أن هذا العامل محذوف "كما أشرنا في رقم ٤ من هامش ص ٢٠٩، وفي رقم ٢ من هامش ص ٢٢٠. ٢ النشيطة القوية. ٣ الصهيل: صوت الخيل.
[ ٢ / ٢٢٥ ]
ومثال المحصور: "ما الأسد مع فريسته إلا فتكا – ما النمر عند لقاء الفيل إلا غدرًا"؛ التقدير: يسح سحًا سحًا – تسهل صهيلًا صهيلًا – أجد جدًا جدًا – إلا يفتك فتكًا – إلا يغدر غدرًا – فهذه المصادر وأشباهها؛ تقتضي – بسب التكرار، أو الحصر – حذف فعلها، وهي منصوبة بفعلها المحذوف وجوبًا، ونائبة عنه في بيان معناه، ومتحملة لضميره المستتر الذي صار فاعلًا لها، وتقديره: "هو"، أو: "هي" على حسب نوع الضمير المستتر.
ومنها: الأسلوب الذي يكون فيه المصدر مؤكدا لنفسه، بأن يكون واقعا بعد جملة مضمونها كمضمونه، ومعناها الحقيقي -لا المجازي١- كمعناه، ولا تحتمل مرادا غير ما يراد منه، فهي نص في معناه٢ الحقيقي، نحو: "أنت تعرف لوالديك فضلهما يقينا"، أي: توقن يقينا، فجملة: "تعرف لوالديك فضلهما" هي في المعنى: "اليقين" المذكور بعدها؛ لأن الأمر الذي توقنه هذا هو: الاعتراف بفضل والديك، والاعتراف بفضل والديك هو الأمر الذي توقنه، فكلاهما مساو للآخر من حيث المضمون.
ومثلها: سرتني رؤيتك حقا، بمعنى: أحق حقا، أي: أقرر حقا، فالمراد من: سرتني رؤيتك، هو المراد من: "حقا"، إذ السرور بالرؤية هو: "الحق" هنا، والحق هنا هو: السرور بالرؤية"، فمضمون الجملة هو مضمون المصدر، والعكس صحيح.
فكلمة: "يقينا"، و"حقا" وأشباههما من المصادر المؤكدة لنفسها، منصوبة بالفعل المحذوف وجوبا، النائبة عن في الدلالة على معناه، أما فاعله فقد صار بعد حذف الفعل فاعلا للمصدر، وهذا الفاعل ضمير مستتر تقديره في المثالين: أنا.
ولا يصح في هذا النوع٣ من الأساليب تقديم المصدر على الجملة التي يؤكد معناها، ولا التوسط بين جزأيها.
_________________
(١) ١ لأن المجازي قد يراد منه ما لا يراد من المعنى الحقيقي للمصدر، فقد يراد في الأمثلة الآتية السخرية أو التهكم ٢ ولذلك سمي المؤكد لنفسه؛ لأنه بمنزلة إعادة الجملة التي تتضمن معناه نصًا؛ فكأنه نفس الجملة التي أعيدت؛ وكأنها ذاته. ٣ من هذا النوع: لا أفعل الأمر ألبتة، فكلمة: "ألبتة"، مصدر حذف عامله وجوبا. والتاء فيه ليست للتأنيث، وإنما هي للوحدة، ومعنى "البت" القطع، أي: أقطع في هذا الأمر القطعة الواحدة، لا ثانية لها، فلا أتردد، ثم أجزم بعد التردد، وقد تكون "أل" هنا للعهد، أي: القطعة المعهودة بيننا؛ وهي التي لا أتردد معها. فألبتة: تفيد استمرار النفي الذي قبلها، ولو لم توجد لكان انقطاعه محتملًا. والأفصح ملازمة: "أل" لكلمة: "ألبتة" في الاستعمال السالف، وأن تكون همزتها للقطع.
[ ٢ / ٢٢٦ ]
ومنها: الأسلوب الذي يكون فيه المصدر مؤكدا لغيره، بأن يكون المصدر واقعا بعد جملة معناها ليس نصا في أمر واحد يقتصر عليه، ولا يحتمل غيره، وإنما يحتمل عدة معان مختلفة، منها المعنى الذي يدل على المصدر عليه قبل مجيئه، فإذا جاء بعدها منع عنها الاحتمال، وأزال التوهم، وصار المعنى نصا في شيء واحد، نحو: هذا بيتي قطعا أي: أقطع برأيي قطعا، فلولا مجيء المصدر: "قطعا" لجاز فهم المعنى على أوجه متعددة بعضها حقيقي، والآخر مجازي، أقربها: أنه بيتي حقا، أو: أنه ليس بيتي حقيقة، ولكنه بمنزلة بيتي، لكثرة ترددي عليه، أو: ليس بيتي ولكنه يضم أكثر أهلي أو: ، فمجيء المصدر بعد الجملة قد أزال أوجه الاحتمال والشك، والمجاز، وجعل معناها نصا في أمر واحد١ بعد أن لم يكن نصا.
وهو منصوب بعامله المحذوف وجوبا، وقد ناب عنه بعد حذفه لتأدية معناه. وفاعل المصدر ضمير مستتر فيه، تقديره: أنا، انتقل إليه بعد حذف ذلك العامل ولا يصح -أيضا- في هذا النوع من الأساليب تقديم المصدر "المؤكد" لغيره على تلك الجملة، ولا التوسط بين جزأيها.
ومنها: الأسلوب الذي يكون فيه المصدر دالا على التشبيه بعد جملة مشتملة -إجمالا- على معناه وعلى فاعله المعنوي٢، وليس فيا ما يصلح عاملا غير المحذوف٣
_________________
(١) ١ ولهذا سمي المؤكد لغيره، أي: للجملة التي قبله، والتي لا تتضمن معناه نصًا؛ لأنه أثر فيها، وجعل معناها نصًا، فصار به مؤكدًا قويًا، لا ضعف فيه ولا احتمال، وقد كان ذلك المعنى ضعيفًا قبل مجيء المصدر. ٢ يراد به الفاعل اللغوي –لا النحوي– وذلك من فعل الشيء حقيقة، ولو لم تنطبق عليه الشروط النحوية للفاعل، كالمغني في المثال الآتي ، فهل فاعل معنى للغناء والتصويت، كذلك: "الشجاع" هو فاعل الزئير معنى، لا نحويًا. ٣ جملة الشروط في الحقيقة سبعة: كونه مصدرًا – مشعرًا بأن معناه مما يحدث ويطرأ، وليس أمرًا ثابتًا دائمًا أو كالدائم "أي: أنه ليس من السجايا الثابتة، ولا الأمور الفطرية الملازمة، كالذكاء – الطول – السمنة، فلا يكون مما نحن فيه: لفلان ذكاء ذكاء العبقري: بنصب كلمة: "ذكاء" الثانية؛ لأنها من السجايا – كونه دالًا على التشبيه – بعد جملة – هذه الجملة مشتملة على فاعله المعنوي، وعلى معناه – ليس فيها ما يصلح للعمل. قال الخضري في هذا المكان: "هذه الشروط لوجوب حذف الناصب إذا نصب، ويجوز معها رفعه؛ بدلًا مما قبله، أو: صفة له؛ بتقدير: "مثل" أو خبرًا لمحذوف، وهل النصب حينئذ أرجح، أو هما سواء؟ قولان ا. هـ.
[ ٢ / ٢٢٧ ]
نحو: "للمعنى صوت صوت البلبل"، أي: للمغني صوت، يصوت صوت البلبل، بمعنى: صوتا يشبهه، ومنه: "للشجاع المقاتل زئير زئير الأسد"، أي: يزأر زئير الأسد، أي: زئيرا يشبه زئيره، ومنه: "للمهموم أنين، أنين الجريح"، أي: يئن أنين الجريح، "أنينا شبيها بأنين الجريح" وهكذا، والمصدر منصوب في هذه الأمثلة على الوجه الذي شرحناه١.
_________________
(١) ١ عرض ابن مالك –بإيجاز– لمواضع حذف عامل المصدر وجوبًا، فقال: والحذف حتم مع آت بدلًا من فعله: كندلًا اللذ كاندلا أي: الحذف واجب في عامل المصدر الآتي بدلًا وعوضًا عن فعله، ومغنيًا عن التلفظ به؛ مثل: المصدر: "ندلًا" ومعناه: "خطفًا"؛ وهو بمعنى "اندل" في الدلالة على طلب الندل، أي: الخطف، فالمصدر "ندلًا" منصوب بعامله المحذوف "اندل"، ونائب عنه في تأدية معناه، ومتحمل لضميره الفاعل الذي تقديره: أنت، "واللذ: الذي". ثم قال: وما لتفصيل: كإما منا عامله يحذف حيث عنا "عنا، أصله: عن، بمعنى: عرض، والألف لوزن الشعر، ويسمونها: ألف الإطلاق؛ لأن الصوت ينطلق من غير حبس، ويمتد؛ فيجيء بها". يريد: أن عامل المصدر بحذف حيث عرض هذا العامل بشرط أن يدل المصدر على تفصيل أمر مبهم مجمل قبله، وساق لهذا بعض آية تصلح للتمثيل؛ هي قوله تعالى يخاطب المسلمين، في أمر أسرى الكفار المهزومين: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ . الوثاق – القيد، ومعنى شدة: إحكام ربطه وتمكينه، وموضع الشاهد هو: "منا، وفداء" – التقدير: تمنون منا بإطلاق الأسرى أحرارًا بغير مقابل، أو يفدون أنفسهم فداء، أي: يدفعون الفدية – وهي: التعويض المال أو غيره – في نظير إطلاق سراحهم، ثم قال: كذا مكرر، وذو حصر، ورد نائب فعل لاسم عين استند أي: يحذف عامل المصدر وجوبًا إذا وقع المصدر نائبا عن فعل محذوف استند لمبتدأ اسم عين. =
[ ٢ / ٢٢٨ ]
هذا، وقد اشترطنا أن تكون الجملة السابقة مشتملة على معناه، فهل يشترط أن تكون مشتملة على لفظه أيضًا؟.
الجواب: لا؛ فإنها قد تشتمل على لفظه كالأمثلة السابقة، وربما لا تشتمل؛ مثل قول القائل يصف النخيل: "رأيت شجرًا محتجبًا في الفضاء، ارتفاع المآذن"، فكلمة: "ارتفاع" مصدر منصوب بعامل محذوف وجوبًا، تقديره: يرتفع ارتفاع المآذن، وإنما حذف وجوبًا لتحقق الشروط، التي منها؛ وقوع المصدر بعد جملة مشتملة على معناه، وإن كانت غير مشتملة على لفظه؛ لأن معنى: "رأيت شجرًا محتجبًا في الفضاء" – هو رأيت شجرًا مرتفعًا، ومثله: رأيت رجلًا يزحم الباب، ضخامة الجمل، أي: يضخم ضخامة الجمل.
_________________
(١) أي: كان مسندًا هو وفاعله، والمسند إليه مبتدأ، دال على اسم عين "أي: على ذات"، وقد شرحناه، ثم انتقل إلى = المؤكد لنفسه أو لغيره: ومنه ما يدعونه مؤكدًا لنفسه، أو غيره، فالمبتدا نحو: له علي ألف عرفا والثان كابني أنت حقًا صرفا يريد بالمبتدأ: النوع الأول، وهو المؤكد لنفسه، "عرفًا"، أي: اعترافًا، وهو المصدر المؤكد لنفسه، والأصل اعترف اعترافًا، فحذف الفعل وجوبًا وناب عنه مصدره، و"صرفًا"، أي: خالصًا، وهي نعت لكلمة: "حقًا" أي: حقًا خالصًا لا شبهة فيه، و"حقًا" هي المصدر النائب عن فعله المحذوف وجوبًا، ثم قال: كذاك ذو التشبيه بعد جمله كلي بكًا، بكاء ذات عضله يريد: المصدر المقصود به التشبيه بعد جملة مشتملة على فاعله المعنوي – كما أوضحنا في الشرح –، ومثل له بمثال هو: "لي بكا بكاء ذات عضلة"، أي: لي بكًا، أبكي بكاء ذات عضلة؛ "فبكاء" هي المصدر الدال على التشبيه، وعامله محذوف وجوبًا ولا يصح أن يكون عامله المصدر الذي قبله، وهو كلمة: "بكًا" المقصورة؛ لأن المصدر لا يعمل هنا؛ لأنه ليس نائبًا عن فعله، ولا مؤولًا بالحرف المصدري، وهذان هما الموضوعان اللذان يعمل في كل منهما المصدر الصريح. و"العضلة" الداهية، و"بكاء ذات عضلة"، أي بكاء من أصابتها داهية.
[ ٢ / ٢٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ– كررنا أن الأفضل اعتبار المصدر النائب عن عامله قسمًا مستقلًا بنفسه، ينضم إلى الأقسام الأخرى الشائعة، وأوضحنا١ سبب استقلاله، أما عامله المحذوف فلا بد أن يكون في جميع المواضع القياسية فعلًا مشتركًا معه في المادة اللفظية، وفي حروف صيغتها، كالأمثلة الكثيرة التي مرت، وأما الأمثلة السماعية، فمنها الخالي من هذا الاشتراك اللفظي؛ مثل: ويح – ويل – ويس - ويب وأمثالها من الألفاظ التي كانت بحسب أصلها كنايات عن العذاب والهلاك، وتقال عند الشتم والتوبيخ، ثم كثر استعمالها حتى صارت كالتعجب؛ يقولها الإنسان لمن يحب ومن يكره، ثم غلب استعمال: "ويس" و"ويح" في الترحم وإظهار الشفقة، كما غلب استعمال: "ويل" و"ويب" في العذاب.
وإذا نصبت الألفاظ الأربعة – وأشباهها – كانت مفعولات مطلقة لعامل مهمل٢،
_________________
(١) ١ في رقم ٤ من هامش ص ٢٠٩، و٢ من هامش ص ٢٢٠، ورقم ١ من ص ٢٢٥. ٢ أي: لفعل من لفظها؛ كان يستعمله العرب قديمًا، ثم تركوا استعماله اختيار؛ فصار مهملًا مستغنى عنه؛ شأن كل شيء مهمل، لكن أيجوز استعمال اللفظ الذي أهمله العرب – سواء أكان فعلًا أم غير فعل؟. الرأي السديد أنه لا مانع من استعماله ما دام معروفًا بنصه وصيغته، ومما يؤيد استعمال الفعل المهمل، ما جاء في المزهر: "ج ٢ ص ٣٠ باب: ذكر نوادر من التأليف" ونصه: "قال ابن درستويه في شرح: "الفصيح" إنما أهمل استعمال "ودع، ووذر" – واللذين مضارعهما: يدع ويذر – لأن في أولهما واوًا، وهو حرف مستثقل؛ فاستغني عنهما بما خلا منه، وهو "ترك"، قال: واستعمال ما أهملوا من هذا جائز صواب، وهو الأصل، بل هو في القياس الوجه، وهو في الشعر أحسن منه في الكلام لقلة اعتياده؛ لأن الشعر أقل استعمالًا من الكلام". ا. هـ. فإن لم يكن معروف الصيغة نصًا، وكان المعروف مصدرًا أو مشتقًا، فقد انطبق عليه رأي بعض اللغويين – كابن جني – وهو يقضي بصحة استعماله، وبإباحة تكملة مادته اللغوية الناقصة بما يجعلها على غرار نظائرها، فالمصدر تشتق منه فروع تساير الفروع التي تشتق من نظيره في الدلالة العامة، وفي الوزن ، والمشتق – كاسم الفاعل – وغيره – تكمل له الأنواع، والفروع، ومصدره بما يساير نظائره في كل ذلك، وقد ارتضى مجمع اللغة بالقاهرة هذا المذهب، وسار عليه في بعض قراراته. وفيما يلي كلام ابن جني: قال في كتابه الخصائص "ج١ ص٣٦٢ باب: في أن ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب، ما نصه: =
[ ٢ / ٢٣٠ ]
أو لفعل من معناها؛ فالأصل: "﵀ ويحًا وويسًا بمعنى: رحمة الله رحمة" - أو: "رحمة الله ويحه وويسه، بمعنى ﵀ رحمته " وكذا: "أهلكه الله ويلًا، وويبًا، أو أهلكه الله ويله، وويبه؛ بمعنى أهلكه الله إهلاكًا، وأهلكه الله إهلاكه"، فالفعل مقدر في الأمثلة بما ذكرناه، أو بما يشبهه أداء المعنى من غير تقيد بنص الأفعال السالفة التي قدرناها.
وقيل: إن الكلمات السالفة: "ويح – ويس – ويل – ويب " عند نصبها تكون منصوبة على أنها مفعول به؛ وليست مفعولًا مطلقًا؛ فالأصل مثل: ألزمه الله ويحه، أو ويله أو ، وهذا رأي حسن لوضوحه ويسره، وإن كان الأول هو الشائع، ومثله: بله الأكف "في حالة الكسر" بمعنى: ترك الأكف، أي: اترك ترك الأكف
ب– من المصادر المسموعة التي ليس لها فعل من لفظها، ما يستعمل مضافًا وغير مضاف، كالكلمات الخمسة السابقة، فإن كانت مضافة فالأحسن نصبها على اعتبارها مفعولًا مطلقًا لفعل محذوف، أو مفعولًا به، كما شرحنا. والنصف هو الأعلى، ولم يعرف –سماعًا– في كلمة: "بله" المضافة سواه، أما الكلمات الأربع التي قبلها، فيجوز فيها الرفع على اعتبارها مبتدأ خبره محذوف،
_________________
(١) = "حكى لنا أبو علي عن ابن الأعرابي أظنه قال: يقال: درهمت الخبازي، أي: صارت كالدرهم؛ فاشتق من الدرهم، وهو اسم عجمي، وحكى أبو زيد – رجل مدرهم، قالوا ولم يقولوا منه درهم؛ إلا أنه إذا جاء اسم المفعول فالفعل نفسه حاصل في الكف، ولهذا أشباه". ا. هـ. ثم قال بعد ذلك في ص ٣٦٧ من الفصل نفسه ما نصه: "ليس كل ما يجوز في القياس يخرج به سماع؛ فإذا أخذ إنسان على مثلهم، وأم مذهبهم لم يجب عليه أن يورد في ذلك سماعًا، ولا أن يرويه رواية ". وفي ص ١٢٧ – باب تعارض السماع والقياس – ما نصه: "إذا ثبت أمر المصدر الذي هو الأصل لم يتخالج شك في الفعل الذي هو الفرع، قال لي أبو علي في الشام: إذا صحت الصفة "المشتق" فالفعل في الكف. وإذا كان هذا حكم الصفة "المشتق" كان في المصدر أجدر؛ لأن المصدر أشد ملابسة للفعل من الصفة "، ثم ضرب أمثلة تحتاج إلى حسن تفهم وأناة وله فصل آخر جليل الشأن، عظيم النفع، عنوانه: فصل في اللغة المأخوذة قياسًا "ج ١ ص ٤٣٩" – يؤيد ما سبق – وستذكر هنا في آخر الجزء – هذا الفصل كاملًا؛ لأهميته، ونفيس مضمونه.
[ ٢ / ٢٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أو خبرا والمبتدأ محذوف، وتقدير الخبر المحذوف: ويحه مطلوب – مثلًا – ويله مطلوب – مثلًا – وهكذا الباقي وتقدير المبتدأ المحذوف: المطلوب ويحه المطلوب ويله وهكذا
فإذا كانت الكلمات الأربع مقرونة "بأل"، فالأحسن الرفع على الابتداء – وهو
الشائع؛ نحو: الويح للحليف، والويل للعدو، ولا مانع أن تكون خبرًا؛ نحو: المطلوب الويح – المطلوب الويل، ويجوز النصب على أنها مفعول مطلق للفعل المحذوف، أو مفعول به لفعل محذوف أيضًا.
وإن كانت تلك الكلمات خالية من "أل ومن الإضافة" جاز النصب والرفع على السواء؛ كقولهم: "الوعد دين، فويل لمن وعد ثم أخلف" – "ويحًا للضعيف المظلوم"، بالنصب أو الرفع في كل واحدة من الكلمتين.
وملخص الحكم: أن الرفع والنصب جائزان في كل حالات الألفاظ الأربعة غير أن أحد الأمرين قد يكون أفضل من الآخر أحيانًا، طبقًا للبيان السالف١.
جـ– أشرنا٢ إلى أن فريقًا من النحاة يجيز عدم التقييد بالسماع، وعدم وجوب حذف العامل في المصادر المسموعة بالنصب على المصدرية لنيابتها من عاملها، مثل: "سقيًا" و"رعيًا" كما يجيز في التي ليست مضافة،
_________________
(١) ١ ويجوز في حالتي الرفع والنصب المذكورتين أن يكون الاسم المفعول لهما مجرورًا باللام؛ نحو: ويح للمحسنين، وويل للظالمين أو: ويحًا وويلًا، ومن هذا قول جرير: كسا اللؤم تيمًا خضرة في جلودها فويل لتيم من سرابيلها الخضر ومن الرفع قولهم: "ويل للشجي من الخلي"، وتفصيل الكلام على ذا المثل العربي من حيث معناه، وتشديد يائه، وتخفيفها مدون في مكانه الأنسب – باب: "الصفة المشبهة"، ج ٣ ص ٢٧٤ – ومعه مثل آخر هو: "ما أهون على النائم القرير سهر المسهد المكروب". أما كلمة: "تعسًا" و"بعدًا" – و"تبا"، فأفصح الاستعمالات فيها النصب مع جر معمولها باللام، فيقال: تعسًا للخائن، وبعدًا له "أي: هلاكًا" وتبا له – "راجع كتاب مجمع البيان لعلوم القرآن ج ١ ص ٢٩٠"؛ وهناك استعمالات أخرى جائزة. ٢ في رقم ٣ من هامش ص ٢٢٢.
[ ٢ / ٢٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا مقرونة بأل، أن تضاف، وأن تقترن بأل؛ فتجري عليها الأحكام السالفة في كل حالة، وهذا هو الأنسب اليوم؛ ليسره مع صحته وإن كان الأول هو الأقوى.
د– هناك مصادر أخرى مسموعة بالنصب، وعاملها محذوف وجوبًا، وهي نائبة عنه١.
١- منها: ما هو مسموع بصيغة التثنية مع الإضافة؛ مثل: "لبيك وسعديك"، لمن يناديك أو يدعوك لأمر، والأصل: ألبى لبيك، وأسعد سعديك؛ بمعنى: أجيبك إجابة بعد إجابة، وأساعدك مساعدة بعد مساعدة، أي: كلما دعوتني وأمرتني أجبتك، وساعدتك.، المسموع في الأساليب الواردة استعمال: "سعديك" بعد "لبيك"، واتباع هذه الطريقة الواردة أفضل، لكن يجوز استعمال "سعديك" بدون "لبيك" إن دعت حكمة بلاغية، أما "لبيك"، فالمسموع فيها الاستعمالان.
ومثل: حنانيك في قولهم: "حنانيك، بعض الشر أهون من بعض" بمعنى: حن علي حنانيك؛ "أي: تحنن واعطف" حنانًا بعد حنان، ومرة بعد أخرى – فهي هنا كلمة: "استعطاف".
ومثل: دواليك، في نحو: تقرأ بعض الكتاب، ثم ترده إلي، فأقرأ بعضه، وأرده إليك، فتقرأ وترد وهكذا دواليك بمعنى أداول دواليك، أي: أجعل الأمر متداولا ومتنقلا بيني وبينك، مرة بعد مرة.
ومثل: هذا ذيك، في نحو: هذا ذيك في غصون الشجر، أي: تهذ هذا ذيك، بمعنى: تقطع مرة بعد مرة، ومثل: حجازيك، في نحو: حجازيك عن إيذاء اليتامى: أي: تحجز حجازيك، بمعنى: تمنع مرة بعد أخرى.
ومثل: حذاريك، في نحو: حذاريك الخائن، أي: احذر حذاريك بمعنى: احذر الخائن، حذرا بعد حذر
_________________
(١) ١ كثير من هذه المصادر متفرق في النصوص الأدبية القديمة وفي المراجع اللغوية، وقد جمع طائفة كبيرة منها شارح المفصل جـ١ ص١٠٩ وما بعدها، وكذلك صاحب الهمع، جـ١ ص١٨٨ وما بعدها. وسيجئ تفصيل الكلام عليها من جهة إضافتها في أول الجزء الثالث م٩٤ ص٦٥.
[ ٢ / ٢٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والمصادر السالفة كلها منصوبة، وعاملها محذوف وجوبًا وهي نائبة عنه، وكلها غير متصرف – في الأغلب -، أي: أنها ملازمة في الأكثر حالة واحدة سمعت بها، وهي حالة النصب والتثنية مع الإضافة إلى كاف الخطاب – التي هي ضمير مضاف إليه – وقد ورد بعضها بغير التثنية، أو بغير الإضافة مطلقًا، أو: بالإضافة مع غير كاف الخطاب، أو: له عامل مذكور لكن لا داعي لمحاكاة هذه الأمثلة القليلة؛ فلا خير في محاكاتها، وترك الأكثر الأغلب.
بقي أن نسأل: ما معنى التثنية في الأمثلة السابقة وأشباهها؟ أهي تثنية حقيقية يصير بها الواحد اثنين ليس غير، فيكون معنى: "لبيك"، و"سعديك" و"حنانيك" تلبية موصولة بأخرى واحدة، ومساعدة موصولة بمساعدة واحدة، وحنانًا موصلًا بمثله واحد؟ أيكون هذا الاقتصار المعنوي على اثنين هو المراد، أم يكون المراد هو مجرد التكثير الذي يشمل اثنين، وما زاد عليهما؟
رأيان قويان ، ولا داعي للاقتصار على أحدهما دون الآخر؛ لأن بعض المناسبات والمواقف المختلفة قد يصلح له هذا ولا يصلح له ذاك، وبعض آخر يخالفه؛ فالأمر موقوف على ما يقتضيه المقام.
٢- ومنها ما هو مفرد منصوب ملازم للإضافة –إلا في ضرورة الشعر– مثل: "سبحان١ الله" أي: براءة من السوء، ومثله: معاذ٢ الله؛ أي: عياذًا بالله، واستعانة به، ومثل ريحان الله؛ أي: استرزاق الله، ولا يعرف لهذا فعل من لفظه؛ فيقدر من معناه؛ أي: أسترزقه، والكثير استعماله بعد سبحان الله، والثلاثة السالفة غير متصرفة، ومثلها: حاش ٣الله؛ بمعنى تنزيه الله.
_________________
(١) ١ "سبحان" اسم مصدر؛ فهو في حكم المصدر "وقد سبقت الإشارة إليه في: ص ١١٤ م ٦٨"، ومن استعماله غير مضاف لضرورة الشعر قول الأعشى: أقول لما جاءني فخره سبحان من علقمة الفاخر ٢ سبقت الإشارة الموضحة إليه في ص ١١٤ م ٦٨. ٣ تفصيل الكلام عليها وعلى لغاتها وأوجه إعرابها موضح في باب "الاستثناء" ص ٣٥٤، وفي "ب" من ص ٣٦٠ عند بيان أنواع: "حاشا".
[ ٢ / ٢٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٣- أمثلة أخرى أكثرها ملازم النصب بغير تثنية ولا إضافة؛ مثل: "سلامًا" من الأعداء، بمعنى: براءة منهم، لا صلة بيننا وبينهم، بخلاف "سلام" بمعنى: "تحية"؛ فإنه متصرف.
ومثل: "حجرًا" في نحو قولك لمن يسألك: أتصاحب المنافق؟ فتجيب: "حجرًا"، أي: أحجر حجرًا؛ بمعنى أمنع نفسي، وأبعده عني، وأبرأ منه١
ومثل قولك لمن يطالب إنجاز أمره: "سأفعله، وكرامة ومسرة – أو: نعمة، أو: ونعام عين – وهذه مضافة" أي: سأفعله وأكرمك كرامة، وأسرك مسرة، وأنعم نفسك نعمة، وأنعم نعام عين، أي: إنعام عين بمعنى أمتعك تمتع عين.
٤- أمثلة أخرى تختلف عن كل ما سبق في أنها ليست مصادر، ولكنها أسماء منصوبة تدل على أعيان، أي: على أشياء مجسمة محسوسة: "ذوات"، كقولهم في الدعاء على من يكرهونه: "تربًا٢ وجندلًا ٣"، والأحسن أن تكون هذه الكلمات وأشباهها مفعولًا به لفعل محذوف، والتقدير: ألزمه الله تربًا وجندلًا. أو: لقي تربًا وجندلًا، أو: أصاب، أو: أصاب، أو: صادف أو: نحو هذه الأفعال المناسبة لمعنى الدعاء المطلوب
_________________
(١) ١ في الجزء الأول من تفسير القرطبي ص ٧٨ ما نصه: "العرب تقول عند الأمر تنكره: "حجرًا له" – بضم الحاء – وسكون الجيم – أي: دفعًا له، وهو استعاذة من الأمر". ا. هـ. وجاء في بعض كتب التفسير الأخرى ما نصه "الحجر – بالكسر وبفتح – الحرام، وأصله: المنع". ا. هـ، وفي كتب اللغة ما يأتي: جاء في الأساس: "هذا حجر عليك": حرام، "والحاء هناك مضبوطة بالحركات الثلاث، ضبط قلم، "أي بالشكل". وفي القاموس ما نصه: "الحجر – مثلثه – المنع فصرح بتثليث الحاء". ٢ ترابًا. ٣ صخرًا.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
المسألة ٧٧: المفعول له، أو: المفعول لأجله
أ لازمت البيت؛ استجمامًا - أو: للاستجمام.
زرت المريض؛ اطمئنانًا عليه - أو: للاطمئنان.
أتغاضى عن هفوات الزميل؛ استبقاء لمودته - أو: لاستبقاء مودته.
أحترم القانون؛ دفعًا للضرر - أو: لدفع الضرر.
ب تنزهت؛ طلب الراحة - أو: لطلب الراحة.
تحفظت في كلامي؛ خشية الزلل - أو: لخشية الزلل.
ألتزم الاعتدال؛ رغبة السلامة - أو: لرغبة السلامة.
أسال الخبير؛ قصد الاسترشاد - أو: لقصد الاسترشاد.
جـ أجلس بين الأصدقاء؛ الصلح - أو: للصلح.
أطلت المشي بين الزروع؛ التمع بها - أو: للتمتع بها.
أسعى بين المتخاصمين؛ التوفق - أو: للتوفيق.
هجرت الصحف الهزلية؛ النفور منها - أو: للنفور.
كل جملة من الجمل المعروصة تصلح أن تكون سؤالًا معه جوابه على النحو الآتي:
ما الداعي أو: ما السبب في أنك لازمت البيت؟ الجواب: الاستجمام.
ما العلة، أو: ما السبب في أنك زرت المريض؟ الاطمئنان.
ما السبب في تغاضيك عن هفوات زميلك؟ استبقاء المودة
وهكذا باقي الأمثلة؛ حيث يدل كل مثال على أنه يصلح سؤالًا عن السبب١، جوابه كلمة معه في جملته.
_________________
(١) ١ والغالب أن تكون أداة الاستفهام هي: "لماذا"؟ أو: "ليم"؟، أو: "ما"؟، أو نحوها من كل ما يسأل به عن السبب.
[ ٢ / ٢٣٦ ]
ولو لحظنا الكلمة الواقعة جوابًا لوجدناها – مصدرًا، يبين سبب ما قبله "أي: علته "، ويشارك عامله في الوقت، وفي الفاعل١؛ لأن زمن الاستجمام وفاعل الاستجمام هو زمن ملازمة البيت وفاعلها، وزمن الاطمئنان وفاعله، هو زمن زيادة المريض وفاعلها وكذا الباقي
فكل كلمة اجتمعت فيها الأمور – أو الشروط – الأربعة السالفة تسمى: "المفعول له"، أو: "المفعول لأجله"٢ فهو: المصدر٣ الذي يدل على سبب ما قبله "أي: على بيان علته"٤، ويشارك عامله في وقته، وفاعله
أقسامه:
المفعول لأجله ثلاثة أقسام ٥ قياسية، مجرد من "أل" والإضافة؛ كالقسم الأول: "أ" ومضاف؛ كالقسم الثاني: "ب" ومقترن بأل؛ كالقسم الثالث "جـ"، وهذا القسم دقيق في استعماله وفهمه، قليل التداول قديمًا وحديثًا –مع أنه قياسي– ومن المستحسن لذلك أن نتخفف من استعماله.
أحكامه:
١- إذا استوفى شروطه جاز نصبه مباشرة، وجاز جره بحرف من حروف
_________________
(١) ١ وهذا هو الأعم الأغلب الذي يجب الاقتصار عليه. ٢ أي: لأجل شيء آخر، بسببه حصل هذا المفعول، فالمراد: ما فعل لأجله فعل. ٣ أي الصريح، ومثله: المصدر الميمي، واسم المصدر، وكذلك المصدر المنسبك؛ "وأمثلته في رقم ١ من هامش ص ٢٤٠"، ومن المصدر الميمي قول الشاعر: وأمر تشتهيه النفس، حلو تركت مخافة سوء السماع أي: تركته خوف السوء السمعة، وقول الأحنف بن قيس: "رب حلم قد تجرعته؛ مخافة ما هو أشد منه"، أي: خوف الذي هو أشد منه. ٤ ولأنه يبين علة ما قبله وسببه لا يكون من لفظ عامله؛ لكيلا يصير مصدرًا مؤكدًا لعامله، والشيء لا يكون علة نفسه، كما سيجيء في رقم ١ من هامش ص ٢٣٩ ولا من معناه، ولا يبين نوعه، أو عدده؛ لأن هذا كله مناقض للتعليل الذي هو شرط أساسي في المفعول لأجله، ومن أظهر أمثلة التعليل في المصدر كلمة: "شرف" في قول الشاعر: إنا لقوم أبت أخلاقنا شرفًا أن نبتدي بالأذى من ليس يؤذينا ٥ إذا كان المفعول لأجله مضافًا لمعرفة، أو مقترنًا "بأل" التي تفيد التعريف – فإنه يكون معرفة، وإذا كان مجردًا منهما فإنه يكون نكرة.
[ ٢ / ٢٣٧ ]
الجر التي تفيد التعليل؛ وأوضحها١: "اللام – ثم: في، والباء، ومن"، والأمثلة السالفة توضح أمر النصب والجر باللام، ومن الممكن حذف اللام من تلك الأمثلة، ووضع حرف جر آخر من حروف التعليل مكانها – لكنه في جميع حالات جره لا يعرب – اصطلاحًا – مفعولًا لأجله، وإنما يعرب جارًا ومجرورًا متعلقًا بعامله، وهذا برغم استيفائه الشروط، وبرغم أن معناه في حالتي نصبه وجره لا يختلف١.
ومع أن النصب والجر جائزان، والمعنى فيهما لا يختلف – هما ليسا في درجة واحدة من القوة والحسن؛ فإن نصب المجرد أفضل من جره، لشيوع النصب فيه، ولتوجيهه الذهن مباشرة إلى أن الكلمة: "مفعول لأجله"، وجر المقترن "بأل" أكثر من نصبه، أما المضاف فالنصب والجر فيه سيان، "وقد تقدمت الأمثلة للأنواع الثلاثة".
فإن فقط شرط من الأربعة٢ لم يجز تسميته مفعولًا لأجله، ولا نصبه على هذا الاعتبار؛ وإنما يجب جره بحرف من حروف التعليل السابقة، إلا عند فقد التعليل؛ فإنه لا يجوز جره بحرف من هذه الحروف الدالة على التعليل؛ منعًا للتناقض.
_________________
(١) ١ من أمثلة "في" التي لبيان السبب "أي: للتعليل" قوله ﵇: "دخلت امرأة النار في هرة حبستها" أي: بسبب هرة، ومن أمثلة الباء التي لبيان السبب قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُم﴾، أي: بسبب ظلم. ومن أمثلة "من" الدالة على بيان السبب قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ أي: بسبب إملاق: "فقر". وسيجيء البيان التام عن هذه الأحرف مع نظائرها من حروف الجر، في الباب الخاص بها، آخر هذا الجزء ص ٤٥٨. ٢ و٢ يرى بعض النحاة أن المفعول لأجله حين يكون منصوبًا، لا يكون منصوبًا بالعامل الذي قبله؛ وإنما يكون منصوبًا على نزع الخافض "أي: عند نزعه من مكانه، وحذفه؛ كما تقدم في رقم ٤ من هامش ص ١٧١ من باب: تعدي الفعل ولزومه"، ولا داعي للأخذ بهذا الرأي؛ لما فيه من تكلف وتعقيد بغير فائدة، وحمل على مذهب ضعيف، مردود – طبقًا للبيان السابق في ص ١٥٩ و١٧١ وما بعدهما، ومثله الآراء الأخرى التي تزيد بعض الشروط أو تنقص، ومن الزيادة أن يكون المفعول لأجله "قلبيًا"؛ لأن هذا الشرط مفهوم من شرط آخر، "هو: التعليل؛ إذ التعليل –غالبًا– يكون بأمور قلبية معنوية، لا بأمور حسية من أفعال الجوارح، ويفهم أيضًا من باقي الشروط
[ ٢ / ٢٣٨ ]
فمثال ما فقد المصدرية: "أعجبتني الحديقة: لأشجارها، وسرتني أشجارها؛ لثمارها"؛ فالأشجار والثمار ليستا مصدرين، ولهذا لم يصح نصبهما مفعولين لأجله، وصارتا مجرورتين.
ومثال ما فقد التعليل: "بعدت الله عبادة، وأطعت الرسول إطاعة١" ولا يجوز في هذين، وأمثالهما الجر بحرف جر يفيد التعليل – كما سبق.
ومثال ما لم يتحد مع عامله في الوقت: "ساعدتني اليوم، لمساعدتي إياك غدا"٢".
ومثال ما لم يتحد مع عامله في الفاعل: "أجبت الصارخ؛ لاستغاثته"؛ لأن فاعل الإجابة غير فاعل الاستغاثة٣.
_________________
(١) ١ نصب المصدران: "عبادة" و"إطاعة" على المصدرية؛ لأن كلا منهما مصدر مؤكد لعامله، ولا يصلح مفعولًا لأجله؛ لأن الشيء لا يكون علة نفسه، كما سبق في المفعول المطلق المؤكد، فكلاهما فقد شرط التعليل. ٢ المراد من اتحاد المصدر مع عامله في الوقت أن يقع، ويتحقق حدث العامل في أثناء ومن تحقق معنى المصدر، فيتحقق المعنيان معًا في وقت واحد؛ مثل: هرب اللص جبنًا، أو: يقع أول زمن العامل في آخر زمن تحقيق المصدر: نحو: حبست المتهم خوفًا من فراره، أو العكس، نحو: جئتك حرصًا على إفادتك. ٣ وفيما سبق يقول ابن مالك: ينصب "مفعولًا له" المصدر، إن أبان تعليلًا؛ كجد شكرًا، ودن أي: ينصب المصدر على اعتباره، مفعولًا له إن أبان تعليل ما قبله؛ أي: إن بين سبب ما قبله، وضرب لهذا مثلًا هو: جد شكرًا، بمعنى: جد لأجل الشكر، فكلمة: "شكرًا" مصدر بين سبب الجود، ومعنى: "دن"، داين الناس بجودك وفضلك: ليشكروك، فهو فعل أمر من دان الرجل غيره بمعنى: صار دائنًا له. ويصح أن يكون فعل أمر من: "دان" بمعنى: صار صاحب دين "بكسر الدال" وعلى المعنيين يصح أن يكون للفعل مفعول لأجله محذوف؛ تقديره، شكرًا. ويكون أصل الكلام: جد شكرًا، ودن شكرًا، ثم قال في بيان بقية الشروط: وهو –بما يعمل في– متحد وقتًا، وفاعلًا، وإن شرط فقد: فاجرره بالحرف، وليس يمتنع مع الشروط، كلزهد ذا قنع يريد: أنه يكون مفعولًا لأجله بشرط أن يكون متحدًا مع عامله في الوقت والفاعل، وهذا مراده من قوله: "بما يعمل فيه متحد"، أي: وهو متحد بالذي يعمل فيه النصب، والضمير عائد على المفعول له، فإن عقد شرط فاجرر بالحرف، ولا تنصب: ثم بين أن الجر بالحرف ليس ممتنعًا مع استبقاء الشروط؛ مثل =
[ ٢ / ٢٣٩ ]
٢- ومن أحكامه أنه يجوز حذفه لدليل يدل عليه عند الحذف؛ كأن يقال: "إن الله أهل للشكر الدائم؛ فاعبده شكرًا، وأطعه"، والتقدير: أطعه شكرًا؛ فحذف الثاني لدلالة الأول عليه، ومثل: "إن الضيف الذي سيزورنا جدير أن نظهر له التكريم في كل حركاتنا؛ فنقف تكريمًا، ونتقدم عند قدومه تكريمًا، ونصافحه "، أي: نصافحه تكريمًا، ومثل هذا ما سبق من قول ابن مالك: "جد شكرًا ودن ".
_________________
(١) = هذا قنع زهدًا؛ فيصح: هذا قنع لزهد، وانتقل بعد ذلك لبيان درجة النصب والجر من القوة البلاغية عند دخولهما في أقسام المفعول لأجله، فقال: وقل أن يصحبها المجرد والعكس في مصحوب "أل" وأنشدوا: لا أقعد الجبن عن الهيجاء ولو توالت زمر الأعداء "قل أن يصحبها: أي: يصحب الحرف، وأنثه باعتباره: كلمة، ويجوز التذكير باعتبار أنه حرف"، فدخول حرف الجر على المجرد من "أل والإضافة" قليل، ودخوله كثير على المقرون بأل؛ مثل قول الشاعر القديم: لا أقعد الجبن عن الهيجاء " أي: لا أقعد عن الهيجاء الجبن، يريد: للجبن، أي: بسبب الجبن". ولم يتعرض ابن مالك للمضاف، وكلامه السابق بشعر بالحكم، وهو أن النصب والجر سيان، إذ بين أن أحد الثلاثة يكثر فيه النصب دون الجر، وأن واحدًا آخر يكثر فيه الجر دون النصب، وسكت عن الثالث، فالسكوت في هذه الحالة قد يوحي بجواز الأمرين على التساوي. ١ من أمثلة حذفه – قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ . والأصل: كراهة أن تضلوا، أي: كراهة ضلاكم؛ فالمصدر المؤول مفعول له – كما نص على ذلك صاحب: "المغني" عند الكلام على الحرف: لا. والمفهوم أن المفعول لأجله "وهو كلمة: كراهة" مضاف إلى المصدر المؤول بعدها، ثم حذف المضاف؛ فقام المضاف إليه مقامه، وأعرب إعرابه –ومثل هذا يقال في المصدر المؤول في الآية الكريمة التالية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ . أي: كراهة حبوط أعمالكم – في فسادها وضياع قيمتها – وكالذي في الآية التالية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ .
[ ٢ / ٢٤٠ ]
٣- ومنها: أنه – وهو منصوب أو مجرور – يجوز تقدمه على عامله؛ نحو: "طلبًا للنزهة – ركبت الباخرة"، "انتفاعًا – شاهدت تمثيل المسرحية"، والأصل: ركبت الباخرة؛ طلبًا للنزهة – شاهدت تمثيل المسرحية؛ انتفاعًا، وقول الشاعر:
فما جزعًا – ورب الناس – أبكي ولا حرصًا على الدنيا اعتراني
والأصل: فما أبكي جزعًا١.
٤– ومنها: جواز حذف عامله؛ لوجود قرينة تدل عليه؛ نحو: بعدًا عن الضوضاء؛ في إجابة من سأل: لم قصدت الضواحي؟
٥– ومنها: أنه لا يتعدد ٢؛ سواء أكان منصوبًا أم مجرورًا؛ فيجب الاقتصار على واحد للعامل الواحد، ولا مانع من العطف عليه أو البدل منه ٣ – لهذا قالوا في الآية الكريمة: ﴿وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾، أن كلمة: "ضرارًا" مفعول لأجله، والجار والمجرور: "لتعتدوا" متعلقان بها، ولا يصلح أن يكون التعلق في الآية بالفعل إلا عند إعراب: "ضرارًا" حالًا مؤولة؛ بمعنى: مضارين.
_________________
(١) ١ ومثل هذا كلمة: "شوقًا" في بيت الكميت: طربت، وما شوقًا إلى البيض أطرب ولا لعبًا مني وذو الشيب يلعب؟ يريد: وما أطرب شوقًا إلى البيض، كما يريد: وأذو الشيب يلعب؟ فحذف همزة الاستفهام؛ لأن حذفها كثير للخفة عند أمن اللبس – كما جاء في المحتسب ج ٢ ص ٢٠٥. ٢ لأن العلة في وجود الشيء لا تكون إلا واحدة، والسبب الواحد لا يوجد إلا مسببًا عنه واحدًا. ٣ ومن أمثلة العطف عليه قول علي ﵁ في بعض الأشرار: "لا تلتقي بذمهم الشفتان؛ استصغارًا لقدرهم، وذهابًا عن ذكرهم"، وكذلك: "لعبًا" في الشطر الثاني من البيت السابق. ومن أمثلة البدل قول أحد الباحثين: "ما تأملت الكون إلا تجلت لي عظمة الله، وعجائب قدرته؛ فأطأطئ الرأي إخباتًا، خشوعًا، وتواضعًا "، فالخشوع هو الإخبات، بدل كل من كل.
[ ٢ / ٢٤١ ]
المسألة ٧٨: ظرف الزمان، وظرف المكان ١
في مثل: "جاءت السيارة صباحًا، ووقفت يمين الطريق؛ ليركب الراغبون" تدل كلمة: "صباحًا" على زمن معروف؛ هو أول النهار وتتضمن في ثناياها معنى الحرف: "في" الدال على الظرفية٢، بحيث نستطيع أن نضع قبلها هذا الحرف، ونقول: "جاءت السيارة في صباح، ووقفت يمين الطريق"؛ فلا يتغير المعنى مع وجود "في"، ولا يفسد صوغ التركيب، فهو حرف عند حذفه هنا ملاحظ كالموجود، يراعى عند تأدية المعنى؛ ولأن كلمة: "صباحًا" ترشد إليه، وتوجه الذهن لمكانه؛ وهذا هو المقصود من أن كلمة "صباحًا" تتضمنه ٣.
ولو غيرنا الفعل: "جاء"، ووضعنا مكانه فعلًا آخر؛ مثل: وقف – ذهب – تحرك – لبقيت كلمة: "صباحًا" على حالها من الدلالة على الزمن المعروف، ومن تضمنها معنى: "في"، وهذا يدل على أن تضمنها معنى: "في" مطرد٤ مع أفعال كثيرة متغيرة المعنى.
_________________
(١) ١ يسمى الظرف بنوعيه: "المفعول فيه"، وهو نوع من: "شبه الجملة"، وكذا من "شبه الوصف" كما سيجيء في رقم ١ من هامش الصفة الآتية. ٢ أي: "على أن شيئًا في داخل شيء آخر"؛ فالغلاف الخارجي هو الظرف، وما في داخله هو: المظروف؛ نحو: الماء في الكوب، وفي مثل: "السفر اليوم"، يكون الظرف هو اليوم، والمظروف هو السفر. ٣ فالمراد من تضمنها: أنها تشير إلى معنى "في" من غير أن تتضمن لفظه، أو تنوب عنه في أداء معناه، أو عمله، أو تكتسب شيئًا بهذا التضمن، ولولا ذلك لوجب بناء هذه الظروف؛ "لما يسميه النحاة: "السبب التضمني، أو المعنوي" وهو يمنع غالبًا، ظهور الحرف وقد سبق بيانه في الجزء الأول، ص ٦٠ م ٧، وهو يزيد الأمر هنا وضوحا" مع أن أكثر الظروف معرب، برغم تضمنه معنى: "في". ٤ أي: مستمر في مختلف الأحوال، ومع كل الأفعال ومشتقاتها العاملة، غير مقصور على نوع معين منها، لكن يجب ملاحظة أمور ثلاثة. أولها: أن كلمة: "في" لا يصح التصريح بها مع الظروف التي لا تتصرف كما سيجيء في رقم ٤ من ص ٢٣٦ و"د" من ص ٢٧٠ بخلاف المتصرفة. =
[ ٢ / ٢٤٢ ]
بخلاف ما لو قلنا: الصباح مشرق – صباح الخميس معتدل، فإن كلمة: "الصباح" في المثالين، وأشباهما تدل على الزمن المعروف، ولكنها لا تتضمن معنى "في"، فلو وضعنا هذا الحرف قبلها لفسد الأسلوب والمعنى المراد منه؛ إذ لا يصح أن يقال: في الصباح مشرق – ولا في صباح الخميس معتدل؛ ومن أجل هذا لا يصح اصطلاحًا تسمية كلمة: "الصباح" في هذين المثالين ظرف زمان؛ لعدم وجود شيء مظرف فيها، بالرغم من أنها تدل على الزمان فيهما.
وتدل كلمة: "يمين" في المثال الأول على المكان؛ لأن معناها وقفت السيارة في مكان؛ هو: "جهة اليمين"، وهي متضمنة معنى: "في"، إذ نستطيع أن نقول: وقفت في اليمين، أو: في جهة اليمين؛ فلا يتغير المعنى.
ولو غيرنا الفعل، وجئنا بآخر، فآخر لظلت كلمة: "يمين" على حالها من الدلالة على المكان، ومن تضمنها معنى "في" باطراد.
بخلاف قولنا: اليمين مأمونة – إن اليمين مأمونة – خلت اليمين فإنها في هذه الأمثلة وأشباهها – لا تتضمن معنى الحرف: "في"، ويفسد الأسلوب والمعنى بمجيئه؛ إذ لا يقال: في اليمين مأمونة، وكذا الحال في باقي الأمثلة وأشباهها؛ لهذا لا يصح تسميتها في هذه الأمثلة ظرف مكان، لعدم وجود شيء مظرف فيها
فكلمة: "صباحًا" في المثال الأول ونظائرها تسمى: ظرف "زمان". وكلمة "يمين" ونظائرها، تسمى: "ظرف مكان".
فالظرف١ هو: "اسم منصوب يدل على زمان أو مكان، ويتضمن معنى:
_________________
(١) = وثانيها: أن نوعين من الظروف المكانية لا ينصبهما إلا أفعال معينة خاصة، أو مشتقاتها؛ فلا يتضمنان في الأعم الأغلب معنى: "في" باطراد كما سيجيء في رقم ٣ من هامش ص ٢٣٥ فالظروف الدالة على المقادير لا تنصبها إلا أفعال السير ومشتقاتها، والظروف التي تلاقي فعلها في الاشتقاق إنما ينصبها ما تجتمع معه في حروف مادته من فعل، أو وصف بعمل عمله. ثالثها: أن أسماء الزمان التي تلاقي فلها في الاشتقاق، ينصبها ما تجتمع معه في حروف مادته من قل: أو وصف يعمل عمله "انظر "ج" من ص ٢٥٤". ١ يسمى الظرف بنوعيه: "المفعول فيه" كما سبق في رقم ١ من هامش الصفحة الماضية، وقد يطلق الظرف في كلام الأقدمين أحيانًا مرادًا منه الجار مع مجروره؛ لأن كلمة: "الظرف" عندهم قد تشمل "شبه الجملة" بنوعيه، وتطلق على كل منهما، صرح بهذا: "المغني" جـ ١ في مبحث: "كيف" والهمع =
[ ٢ / ٢٤٣ ]
"في" باطراد١ "، وينقسم إلى ظرف زمان، وظرف مكان٢.
أحكام الظرف بنوعيه:
أشهرها سبعة:
١– أنه منصوب٣ على الظرفية٤، فلو كان مرفوعًا، أو كان منصوبًا لداع آخر غير الظرفية، أو مجرورًا ٤ولو كان الجار هو: "في" الدالة على الظرفية فإنه لا يسمى ظرفًا، ولا يعرب ظرفًا، ولو دل على زمان أو مكان٥.
وناصبه ويسمى: عامله إما مصدر؛ نحو: المشي يمين الطريق أسلم. والجري وراء السيارات يعرض للأخطار.
وإما فعل٦ لازم أو متعد، نحو: أنجزت عملي مساءً، ثم قعدت أمام المذياع، أتمتع به.
_________________
(١) = ج ١ في باب الظرف" – في المبحث المستقل الذي عنوانه "كيف" ص ٢١٤، وكذا الخضري – وغيره، في ج ١ باب: "المبتدأ والخبر" عند بيت ابن مالك الذي نصه: "وفي" جواب كيف زيد؟ قل دنف ". وانظر النحو الوافي "ج١ م ٣٩ ص٣٦٢ من الطبعة الثالثة. وشبه الجملة يسمى أيضًا: "شبه المشتق"، أو: شبه الوصف" للسبب المدون في رقم ٣ من هامش ص ٣٧٣". أما حكم شبه الجملة بنوعيه: "الظرف، والجار مع مجروره" بعد المعارف والنكرات فيجيء في ص ٤٤٦. ١ أي: بأن يتعدى إليه كل الأفعال مع بقاء تضمنه في المعنى لذلك الحرف الدال على احتواء الظرف لمعنى عامله، إلا الظروف التي أشرنا إليها "في رقم ٤ من هامش ص ٢٤٢"، ومنها نوعان لا يتضمنان معنى "في" إلا في حالات معينة يكون فيها الفعل العامل أو مشتقاته من نوع معين؛ فهما بسبب هذا التعين لا يتضمنان معنى "في" باطراد. ٢ وفي هذا يقول ابن مالك: الظرف وقت أو مكان ضمنًا: "في" باطراد؛ "كهنا" أمكث "أزمنا" والأحسن في: "ضمنا" أن تكون ألفه للتثنية المراد منها الوقت والمكان، وكلمة: "أو" للتنويع، بمعنى الواو. ٣ إما مباشرة؛ لأنه معرب مثل: يوم وراء ، وإما مبني في محل نصب. مثل: حيث – منذ. ٤ و٤ انظر "أ" من ص ٢٥٩ حيث الكلام على الظرف المتصرف. ٥ كالصور التي يجب فيها جزء بالحرف: "في" وإعرابهما بعد ذلك خبرًا لمبتدأ، وقد سبقت في باب المبتدأ والخبر، ج ١ م ٣٥. ٦ تام أو ناقص، جامد أو متصرف ، أو غير ذلك إلا الفعل: "ليس" ففي التعلق به، خلاف "وسيجيء الكلام على سبب التعلق في ص ٢٤٩، وفي باب حروف الجر، ص ٤٣٦ ب".
[ ٢ / ٢٤٤ ]
وإما وصف١ حقيقي عامل، "اسم فاعل، اسم مفعول " نحو الطيارة مرتفعة فوق السحاب، والسحاب مركوم تحتها لا يعوقها.
إما وصف تأويلًا؛ ويزاد به الاسم الجامد المقصود منه الوصف بإحدى الصفات المعنوية، مثل: أنا عمر عند الفصل في قضايا الناس، وأنت معاوية ساعة الغضب، فالظرف: "عند" منصوب بكلمة: "عمر"، والمراد منها: "العادل". وكلمة: "ساعة" منصوبة بكلمة: "معاوية" والمراد منها: الحليم٢
٢- ولا بد أن يتعلق٣ الظرف بناصبه "أي: بعامله"، وليس من اللازم أن يكون عامله متقدمًا عليه؛ كالأمثلة السالفة، فقد يكون متأخرًا عنه؛ كقولهم: "الجر عند الحمية لا يصطاد، ولكنه عند الكرم ينقاد، وعند الشدائد تذهب الأحقاد"، والمشهور أنه لا يتعلق بعامله المباشر إن كان هذا العامل حرفًا من "حروف المعاني"٤.
_________________
(١) ١ أي: مشتق، والحقيقي: غير التأويل الآتي. ٢ وقد يكون ناصبه هو العامل في المنادى؛ كالطرف: "بين" في قول الشاعر: يا دار بين النقا والحزن ما صنعت يد النوى بالألى كانوا أهاليك؟ وسيجيء بيان هنا، وفي باب: "المنادى"، ج ٤ م ١٢٧. ٣ معنى التعلق موضح في "ب" ص ٢٦٧، وفيها أن التعلق قد يكون بعامل معنوي، وهو: "الإسناد". ٤ المراد من: "حروف المعاني" موضح، في صدر الجزء الأول "م ٥" عند الكلام على موضوع: "الحرف" ومن أنواعها: حروف العطف، وحروف الاستفهام، وحروف النفي و ونزيد هنا ما يقول صاحب " المفصل" في ج ٨ ص ٧ من أنها حروف جاءت عوضًا عن الجمل، ومفيدة معناها، بأوجز لفظ، فكل حرف منها يفيد فائدتها المعنوية مع الإيجاز والاختصار؛ فحروف العطف جيء معناها، بأوجز لفظ، فكل حرف منها يفيد فائدتها المعنوية مع الإيجاز والاختصار؛ فحروف العطف جيء بها عوضًا عن: "أعطف"، وحروف الاستفهام جيء بها عوضًا عن: "أستفهم" وحروف النفي إنما جاءت عوضًا عن "أجحد"، أو: "أنفى"، وحروف الاستثناء جاءت عوضًا عن: "أستثني"، أو: "لا أقصد"، وكذلك لام التعريف نابت عن: "أعرف"، وحروف الجر جاءت لتنوب عن الأفعال التي بمعناها؛ فالباء نابت عن: ألصق مثلًا والكاف ثابت عن أشبه، وكذلك سائر حروف المعاني: كأحرف النداء والتمني وقد عقد صاحب المغني في الجزء الثان من كتابه فضلًا من شبه الجملة بنوعيه "الظرف، والجار مع مجروره"، عنوانه: "هل يتعلقان بأحرف المعاني"؟ ملخصة: أن هناك ثلاثة آراء: =
[ ٢ / ٢٤٥ ]
٣- أن عامله قد يحذف جوازًا، أو وجوبا، فيحذف جوازا حين يدل عليه دليل؛ كأن يقال: متى حضرت؟ فيجاب: يوم الجمعة؛ أي: حضرت يوم الجمعة، ومتى وصلت يوم الجمعة؟ فيجاب: مساءً، أي: وصلت مساءً، ومثل: كم ميلًا مشيت؟ فيجاب: ميلين؛ أي: مشيت ميلين، ويسمى الظرف الذي ذكر عامله أو حذف جوازًا لوجود قرينة تدل عليه: "الظرف اللغو"١، أما الذي حذف عامله وجوبًا فيسمى: "الظرف المستقر"١.
_________________
(١) = أولها: المنع مطلقًا، وهو المشهور، ثانيها: الجواز مطلقًا، ثالثها: التفصيل؛ فإن كان حرف المعنى نائبًا عن فعل حذف جار ذلك على طريق النيابة، لا الأصالة، وإلا فلا؛ فنحو "يا لمحمد" يكون الجار والمجرور متعلقين بالحرف: "يا"، لنيابته عن "أدعو"، أو: "أنادي". وأما الذين قالوا بالجواز مطلقًا، فمثلوا له بقول الشاعر: وما سعاد غداة البين إذ رحلوا إلا أغن عضيض الطرف مكحول فالظرف: "غداة" ظرف للنفي، أي: انتفى كونها في هذا الوقت إلا كأغن، ولا يصح تعلقه بما بعد "إلا"؛ لأن معمول المستثنى لا يتقدم عليهما كما سيجيء في بابه ص ٣٢٨ م ٨١، ومثل: ما ضربت الغلام للتأديب، فإن قصدت نفي ضرب معلل بالتأديب فالجار والمجرور متعلقان بالفعل، والمنفي ضرب مخصوص، وللتأديب تعليل للضرب المنفي، أما إذا قصدت نفي الضرب على كل حال فالجار والمجرور متعلقان بالنفي، والتعليل له، أي: أن انتفاء الضرب كان لأجل التأديب؛ لأنه قد يؤدب بعض الناس بالصفح عنه، وتركك إياه دون أن تضربه. ومثله في التعلق بحرف النفي عندهم: ما أكرمت المسيء لتأديبه، وما أهنت المحسن لمكافأته؛ إذ لو علق هذا بالفعل لفسد المعنى المراد، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾؛ فالباء متعلقة بالنفي؛ إذ لو علق الجار والمجرور بكلمة: "مجنون" ولم يتعلقا بالنفي لأفاد نفي جنون خاص؛ هو الجنون الذي يكون من نعمة الله، وليس في الوجود جنون هو نعمة، ولا المراد نفي جنون خاص و ثم قال صاحب المغني تعليقًا على هذا الرأي ما نصه: "هذا كلام بديع، إلا أن جمهور النحويين لا يوافقون على صحة التعلق بالحرف، فينبغي على قولهم أن يقدر التعلق بفعل دل عليه النافي و ". ا. هـ. وإذا كان الكلام السالف بديعًا "كما يقول بحق صاحب المغني"، فكيف لا يوافق عليه جمهرة النحاة بعد ما بدا له من تلك الآثار المعنوية الهامة التي كشفها أصحابه، وأبانوا جليل قدرها؟ ولم التقدير والتأويل من غير داع؟ لهذا لم يكن بد من الاطمئنان إلى ذلك الكلام والاقتصار عليه، وإن خالفه الجمهور بغير حجة واضحة، اللهم إلا إن كان القصد أن التعلق بالفعل الذي يدل عليه النافي أظهر وأبين، فهذا صحيح. ١ و١ تكلمنا بإسهاب على الظرف "اللغو" والظرف "المستقر" بفتح القاف، وعن =
[ ٢ / ٢٤٦ ]
ويجب حذف هذا العامل في ستة مواضع:
أن يقع خبرًا، أو حالًا، أو صفة، أو صلة، أو مشتغلًا١ عنه، أو لفظًا مسموعًا عن العرب محذوفًا في أكثر استعمالهم، فمثال الخبر: الأزهار أمامنا، والزروع حولنا، ومثال الحال: هذا الأسد أمام مروضه كالفأر، ومثال الصفة: إن شهادة زور أمام القضاء قد تحفر هوة سحيقة تحت أقدام شاهدها، ومثال الصلة: احتفيت بالصديق الذي معك، ومثال الاشتغال: يوم الأحد سافرت فيه٢. ومثال المسموع: حينئذ الآن.
_________________
(١) = سبب التسمية؛ وما يصحبها من أحكام مختلفة؛ في الجزء الأول "في ص ٢٧١ م ٢٧ و٢٤٦ م ٣٥"، وهي أحكام هامة "منها: أن الظرف اللغو لا يقع بنفسه خبرًا، ولا صلة و وإنما الذي يقع هو عامله المذكور، أو المحذوف جوازا لقرينة -كما سيجيء في، في ص٢٤٩- وبعضها يؤدي إلى تيسير محمود، ثم عدنا إلى الكلام المفصل مرة أخرى في هذا الجزء الثاني بمناسبة الكلام على حروف الجر، وتعلقها بعامل محذوف – وغيره – وآثاره من النواحي المختلفة "في رقم ٣ من هامش ص ٢٤٥"، والموضوع كله جدير بالاطلاع عليه. ١ تقدم باب الاشتغال في هذا الجزء ص ١٢٤. ٢ القياس في الاشتغال بمعناه العام أن نقول: سافرته، إلا أن الضمير العائد على الظرف يغلب جزء بفي، وقد تحذف تيسيرًا وتوسعًا؛ - كما قالوا – على تخيل أن الفعل اللازم متعد بنفسه، وبناء على هذا التخيل يكون الضمير المتصل به مباشرة، مفعولًا به، لا ظرفًا – بالرغم من أنه عائد على الظرف، ويصير الفعل متعديًا بنفسه، "راجع الصبان في هذا الموضع، ثم المفصل ج ٢ ص ٤٦"، وهذا التخيل يؤدي إلى اللبس والخلط بين المتعدي واللازم، فالخير في إبقاء حرف الجر وجوبًا كما يرى كثرة النحاة، أما عند حذفه فالأنسب إعراب الضمير ظرفًا؛ لأنه راجع إلى الظرف – "انظر رقم ٢ من هامش ص ١٢٦ ثم من ص ٢٥٢". ومما فيه إشارة إلى التخيل السالف كلام "أبي علي القالي" في كتابه: "ذيل الأمالي والنوادر" – ص ٣ – عند عرضه قصيدة الأبيرد الرياحي في رثاء أخيه، ومطلعها: تطاول ليلي لم أنمه تقلبًا كأن فراشي حال من دونه الجمر قال: أبو علي، بعد الفراغ منها ما نصه: "قال أبو الحسن – يريد: أبا الحسن علي بن سليمان الأخفش – من روى: "لم أنمه" جعله مفعولًا به على السعة، كما قالوا: "اليوم صمته"، والمعنى: لم أنم فيه، وصمت في اليوم، جعله مثل: زيد ضربته". ا. هـ. ومثل هذا في كتاب: "الكامل للمبرد" – ص ٢٧ – فقد نقل في باب عنوانه: "من كلام العرب: الاختصار" حذف كلمة "في" من قول العرب: "أقمت ثلاثًا ما أذوقهن طعامًا ولا شرابًا"، وقول الراجز: "في اسعة يحبها الطعام" – ببناء المضارع للمجهول – ثم قال بعد ذلك: "يريد في اسعة يحب فيها الطعام. وكذلك الأول معناه ما أذوق فيهن ، وذلك أنه ضمير الظرف تجعله العرب مفعولًا به على السعة؛ كقولهم يوم الجمعة سرته، ومكانكم قمته، وشهر رمضان صمته ؛ فهذا يشبه في السعة بقولك: "زيد ضربته" وما شابهه، فهذا بين". ا. هـ.
[ ٢ / ٢٤٧ ]
والعامل المحذوف في الثلاثة الأولى يصح أن يكون وصفًا أو فعلًا؛ فالتقدير على اعتباره وصفًا هو: "مستقر، أو موجود، أو كائن، أو حاصل ، وأشباه هذا مما يناسب"، وعلى اعتباره فعلًا هو: "استقر – وجد – كان التي بمعنى: وجد – حصل وأشباه هذا مما يناسب".
أما مع الصلة فيجب أن يكون فعلًا١؛ لأن الصلة لغير "أل" لا بد أن تكون جملة فعلية، والوصف مع مرفوعه ليس جملة٢.
والأحسن في "المشغول عنه" هنا، وفي "المسموع" أيضًا أن يكون فعلًا، فأصل المشغول عنه: سافرت يوم الأحد سافرت فيه، وأصل المسموع في قولهم: حينئذ الآن، هو: "كان ذلك حينئذ، واسمع الآن٣".
_________________
(١) ١ وكذلك العامل المحذوف في – القسم؛ لأن القسم والصلة – لغير أل –، لا يكونان إلا جملتين، ولن يتحقق هذا إلا بتقدير العامل المحذوف فعلًا، وليس اسمًا مشتقًا يشبهه – كما سيجيء في باب حروف الجر ص ٥٠٠ – أما صلة "أل" فصفة صريحة؛ فيجب أن يكون المحذوف اسمًا مشتقًا يصلح أن يكون صلة لها على الوجه الذي تقدم بيانه عند الكلام عليها في باب الموصول والصلة "ج١ ص ٢٥٣ م ٢٦ و٢٧١ م ٢٧". ٢ إذا كان المحذوف في الصلة وغيرها هو متعلق الظرف، فهل يجوز أن نقول: إن الظرف نفسه هو الصفة، أو الصلة، أو الحال، أو الخير، ونستريح من التقدير؟. الجواب؛ نعم، "وتفاصيل هذا وأدلته قد سبقت في ج ١ ص ٢٧٢، م ٢٧ وفي باب المبتدأ والخبر شبه الجملة، م ٣٥ وسيجيء تلخيصها في الزيادة "ص ٢٤٩"، وفي: "باب حروف الجر" "رقم ٣ من هامش ص ٤٤٥". ٣ هذا مثل يقال لمن ذكر أمرًا تقادم عهده، أي: "حصل ووقع ما تقوله حين إذ كان كذا وكذا، واسمع الآن كلامي"، فهما جملتان، والمقصود منعه من ذكر ما سبق، وأمره بسماع ما يقال له الآن. وفي نصب الظرف وحذفه عامله جوازًا أو وجوبًا يشير ابن مالك بقوله: فأنصبه بالواقع فيه مظهرًا كان، وإلا فانوه مقدرًا وكل وقت قابل ذاك، وما يقبله المكان إلا مبهمًا نحو: الجهات، والمقادير وما صيغ من الفعل؛ كمرمى من رمى الظرف يقع فيه المعنى إما من المصدر المجرد، أو من الفعل، أو من الوصف العامل – وهو هنا يقول: انصب الظرف بالعامل الذي معناه يقع في هذا الظرف، فالمراد: انصبه بواحد من الأشياء السالفة إن كان موجودًا، وإلا فقدره، ثم بين أن كل وقت، - أي: ظرف للزمان – يقبل النصب على الظرفية، مبهمًا كان أم مختصًا، أم ظرف المكان فلا ينصب منه إلا ما ذكره من الجهات، والمقادير، وما صيغ من الفعل. "وسيأتي شرح هذا في ص ٢٥٢".
[ ٢ / ٢٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
إذا كان عامل الظرف محذوفًا وجوبًا بعض المواضع١، فما الداعي إلى ملاحظته عند الإعراب، ووجوب تقديره في تلك المواضع، واعتباره هو الخبر أو الصفة، أو الحال، أو الصلة، أو ، دون الظرف نفسه؟ لم لا يكون الظرف نفسه هو الخبر، أو الصفة، أو الحال، أو الصلة، أو في تلك المواضع ما دام متعلقة المحذوف واجب الحذف، ولا يصح ذكره بحال؟ وإذا كان كلام العرب خاليا منه دائمًا فكيف عرفنا أنه محذوف؟ إن الحكم بالحذف يقتضي علمًا سابقًا ومعرفة من اللغة بأن هذا المحذوف أو نظائره قد وجد حقيقة في الكلام العربي، ثم حذف لسبب طارئ، وهذه المعرفة لم توجد حقًا، فكيف حكمنا إذا بأنه محذوف؟ إلى غير هذا مما يحتج به المعارضون، وينتهون منه إلى أن الظرف نفسه هو الخبر، أو الصفة، أو أو ، وليس من اللازم في رأيهم أن يكون هذا الظرف منصوبًا بالعامل المحذوف، فقد يكون منصوبا بشيء آخر في الجملة، أو بعامل معنوي كالحذف أو بغير عامل ، ولا ضرر في هذا عندهم.
وفريق منهم يقول: إن خصائص العامل ومنها: معناه، وتحمله للضمير قد انتقلت للظرف؛ فلا مانع أن يكون الظرف نفسه بعد هذا هو الخبر، أو: الصفة أو
"وقد أشرنا لهذا الرأي في ص ٤٤٧، وسبق إيضاحه في الجزء الأول، هامش ص ٢٧١ م ٢٧ وص ٣٤٦ م ٣٥"، وأنه رأي مقبول عند بعض القدامى المحققين".
أما الذين يحتمون أن يكون العامل المحذوف هو الخبر، أو الصفة أو دون الظرف، ويشترطون أن يكون للظرف في تلك المواضع متعلقًا هو الخبر أو الصفة أو ، فلهم حجة منطقية قوية، ولكنها على قوتها تتسع للتيسير والتخفيف بغير ضرر، وتنتهي إلى ما يقوله المعارضون؛ هي: أن الزمان المجرد لا وجود له؛ فمن المستيحل أن يوجد زمان لا يقع فيه حادث جديد، أو لا يستمر فيه حادث موجود، فخلو الزمان من أحداث جديدة، أو مستمرة محال. وبتعبير
_________________
(١) ١ سبق بيانها في ص ٢٤٧.
[ ٢ / ٢٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أدق: لا بد من اقتران كل حادث بزمان، ويستحيل أن يوجد حادث في غير زمان، ولهذا سمي الزمان ظرفًا؛ تشبيهًا بالظرف الحسي كالأواني والأوعية التي توضع في داخلها الأشياء، وإذا كان الأمر هكذا فكل زمان مقرون حتمًا بالحادث المتصل به الواقع فيه، وكثير من هذه الحوادث أمر عام يدل على مجرد "الوجود المطلق" من غير زيادة معنوية عليه، فهو معروف، فلا داعي لذكره؛ إذ لا فرق في المعنى بين: قولنا: "السفر حاصل غدًا"، وقولنا: "السفر غدًا"؛ لأنه هو والزمان متلازمان كما سلف؛ فذكر الثاني كاف في الدلالة على وجود المحذوف؛ فهو مع حذفه ملاحظ وكأنه موجود، هذا من الناحية العقلية المحضة١.
وهناك شيء آخر يقولونه في شبه الجمة الواقع خبرًا أو غير خبر من الأشياء التي سلفت؛ هو: أن اللفظ الدال على الزمان لا يكمل وحده بغير متعلقه المعنى الأساسي للجملة، ولا يستقل بنفسه في تحقيق فائدة تامة، وإنما يجيء لتكملة معنى آخر فيما يسمى: "العامل"؛ فليس من شأن اللفظ الزماني أن يتمم المعنى الأساسي المراد بغير ملاحظة العامل المحذوف؛ فلولا ملاحظته في مثل: "السفر يوم الخيمس" لكان المعنى: السفر زمان، وهذا الزمان يوم الخميس، وبعبارة أخرى: السفر هو يوم الخميس نفسه، ويوم الخميس هو السفر، والمعنى لا شك فاسد، مع أن الثابت المقرر من استقراء كلام العرب يوجب أن يكون الخبر هو المبتدأ في المعنى، والمبتدأ هو الخبر في المعنى كذلك، ولا فساد في ذلك مطلقًا.
ومثل هذا يقولون في ظرف المكان؛ فالمكان المجرد لا وجود له؛ فمن المستحيل أن يوجد مكان لا تقع فيه أحداث جديدة، أو تستمر يه أحداث قديمة؛ فالحوادث والأماكن مقترنان متلازمان على الدوام، فذكر الثاني في الكلام كاف في الدلالة على وجود المحذوف الملاحظ حتمًا، فيتساوى المعنى بين: "علي موجود في البيت" و"علي في البيت، وكذلك بين" "علي موجود أمامك"، و"علي
_________________
(١) ١ بل إن الظرف بنوعيه لا بد أن يدل في أصله على: "الوجود المطلق"، ثم يمتاز "اللغو" بدلالته فوق هذا على معنى خاص آخر، كالأكل، أو الشرب، أو غيرهما مما يزاد عليه فيجعله خاصًا مقيدًا بعد أن كان عامًا مطلقًا، وسيجيء الموضوع بيان في باب: "حروف الجر"، عند الكلام على شبه الجملة رقم ٣ من هامش ص ٤٤٥.
[ ٢ / ٢٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أمامك"، هذا إلى أن ظرف المكان وحده بغير ملاحظة عامله المحذوف لا يتمم المعنى الأساسي المراد، ولا يكمل القصد؛ فالمكان إنما يجيء لتكملة معنى، ولا يمكن أن يستقل بإيجاد معنى أساسي جديد، وإذا ثبت أن لكل حادثة زمنًا فلا بد لها من مكان أيضًا، وإذا استحال أن يخلو زمان من حادثة استحال أن يخلو مكان من حادثة أيضًا.
ولولا ملاحظة المحذوف لكان المبتدأ في مثل: "الجلوس فوق" هو نفس الخبر، أي: أن: الجلوس هو "فوق"، "وفوق" هو الجلوس ذاته١، وهذا معنى فاسد، ومثل هذا يقولون في الجار مع مجروره؟
تلك هي الأدلة القوية، ولا حاجة لغير المتخصصين بمعاناتها، وحسبنا أن نحكم بقوة الرأي القائل بأن شبه الجملة هو الخبر، أو الحال، أو ، وأنه رأي سديد لا مانع من مسايرته، على الوجه المدون في الجزء الأول في الصفحات المشار إليها.
_________________
(١) ١ لما تقرر من أن المبتدأ هو الخبر في المعنى، والخبر هو المبتدأ في المعنى في غير هذه المواضع.
[ ٢ / ٢٥١ ]
٤– أن أسماء الزمان الظاهرة١ كلها تصلح للمنصب على الظرفية، يتساوى في هذا ما يدل على الزمان المبهم٢، وما يدل على الزمان المختص٤ فمثال الأول: عملت حينًا، واسترحت حينًا، ومثال الثاني: قضيت يومًا سعيدًا في الضواحي، وأمضيت يوم الخميس في الريف، كما يتساوى في هذا ما كان منها جامدًا؛ مثل: يوم، وساعة وما كان مشتقًا مرادًا به الزمان؛ كصيغتي: "مفعل، ومفعل" بفتح العين وكسرها القياسيتين الدالتين على "الزمان"، بشرط أن تكون الصيغ القياسية المشتقة جارية على عاملها "أي: مشتركة معه في مثل
_________________
(١) ١ بخلاف المضمرة كضمير الظرف في مثل: يوم الجمعة سرت فيه فإنه ظرف يجر بالحرف: "في" وجوبًا؛ فلا يقال: سرته، إلا على رأي يبيح التوسع بحذف حرف الجر قبله، وإعرابه مفعولًا به، "وقد سبق البيان والتفصيل في رقم ٢ من هامش ص ٢٤٧ وله إشارة في رقم ٢ من هامش ص ١٢٦". ٢و٢ اسم الزمان المبهم هو: النكرة التي تدل على زمن غير محدود، "أي: غير مقدر بابتداء معين، ونهاية معروفة"؛ مثل: حين، وقت، مدة، زمن، أو: تدل على وجه من الزمان دون وجه، مثل: صباح، عشية، غداة، "كما سيجيء في ص ٣٠١م ٧٩ أما الإيضاح الأنسب فهو في باب الإضافة ج٣م ٩٤". والمختص: عكسه؛ ومنه المقدر المعلوم؛ لتعريفه بالعملية؛ كرمضان، أو بالإضافة مثل: زمن الشتاء، أو بأل، مثل: اليوم ، ومنه أيضًا: المقدر غير المعلوم؛ كالنكرة المعدودة غير المعينة، نحو: سرت يومًا أو يومين، والنكرة الموصوفة كسرت زمنًا طويلًا. وهناك فرق آخر يترتب على ما سبق؛ هو: أن الظرف الزماني المبهم بمنزلة التأكيد المعنوي لزمن عامله؛ لأن معنى: سار الرجل، هو: حصول سير من الرجل في زمن فات، فإذا قلنا: "سار الرجل زمنًا" كان المعنى أيضًا: حصول سير الرجل في زمن فات، فالظرف الزماني لم يفد إلا التأكيد العنوي للزمن؛ كما قلنا، ومنه "سبحان الذي أسرى بعبده ليلا"، فكلمة: "ليلا" ظرف زمان يؤكد زمن الفعل، "أسرى"؛ لأن الإسراء لا يكون إلا ليلًا. أما الظرف المختص فيفيد التأكيد المعنوي مع الزيادة الدالة على الاختصاص. وعلى هذا يكون من الظروف الزمانية ما يؤكد عامله كما يقع تأكيد العامل بالمصدر والحال، ومنها ما يؤكده مع زيادة أخرى؛ كالشأن في المصدر المبين للنوع أو للعدد، وقد سبق. وسيجيء الكلام على الظرف المؤكد والمؤسس في "ب" من ص ٢٥٧. وظرف الزمان المبهم غير الأسماء المبهمة التي سبق الكلام عليها في ج ١ ص ٣٠٥ "ج" م ٢٥، وفي رقم ٣ من هامش ص ٣٠٦ م ٢٦". وبمناسبة الكلام على الظرف الزماني المضاف تردد كتب اللغة "أن العرب لم تضف كلمة: "شهر" إلا إلى "رمضان، والربيعين" لكن لا مانع من إضافتها إلى الشهور الأخرى، ولا مانع كذلك من ترك الإضافة إلى: "رمضان والربيعين" وغيرهما؛ كما نص على ذلك النحاة. "راجع الصبان ج ١ عند الكلام على الظرف "المبهم والمختص"، وكذلك الهمع ج١ باب "الظرف" ص ١٩٩ حيث البيان أوسع.
[ ٢ / ٢٥٢ ]
حروفه الأصلية"، مثل: قعدت مقعد الضيف، أي: زمن قعود الضيف١.
أما أسماء المكان فلا يصح منها للنصب على الظرفية إلا بعض أنواع:
أ- منها: المبهم٢ وملحقاته؛ نحو: الجهات الست، في مثل: وقف الحارس أمام البيت وطار العصفور فوقه ، فإن كان المكان مختصًا لم يصح نصبه على الظرفية، ووجب جره بالحرف: "في" إلا في حالتين:
الأولى: أن يكون عامل الظرف المكاني المختص هو الفعل: "دخل" أو: "سكن" أو: "نزل"، فقد نصب العرب كل ظرف مختص مع هذه الثلاثة؛ نحو: دخلت الدار، وسكنت البيت ، ونزلت البلد ، والأحسن في إعراب هذه الصور وأشباهها أن يكون كل من " الدار"، و"البيت"، "والبلد" مفعولًا به لا ظرفًا ويكون الفعل قبلها متعديًا٣ إليها بنفسه مباشرة.
الثانية: أن يكون الظرف المكاني المختص هو كلمة: "الشام" وعامله هو الفعل: "ذهب"، فقد قال العرب: "ذهبت الشام" وتعرب هنا ظرفًا ومثله الظرف المختص: "مكة" مع عامله الفعل: "توجه" فقد قال العرب أيضًا: توجهت مكة. فنصب ظرفًا مع هذا الفعل وحده، و"الشام" و"مكة" ضرفان مكانيان على معنى: "إلى".
ب– ومنها: المقادير٤، نحو: غلوة – ميل – فرسخ –
_________________
(١) ١ انظر رقم ٣ من هامش ص ٢٥٤ "راجع أول "باب الظرف" في ج ١ من حاشيتي الخضري والصبان". ٢ المراد به: ما ليس له هيئة ولا شكل محسوس، ولا حدود تحصره بين نهايات مضبوطة، تحدد جوانبه؛ ومنه: الجهات الست، وما يشبهها في الشيوع وهي "أمام – خلف – يمين – شمال – فوق – تحت"، والمختص: عكسه؛ مثل: بيت – دار – غرفة وقد ألحق بالجهات الست ألفاظ ستجيء؛ في "أ" من ص ٢٥٧ منها: عند، ولدي و وهناك تفصيل آخر في باب الإضافة ج ٣ م ٩٤. ٣ لنستريح من النصب على نزع الخافض، ومن اعتراضات أخرى على إعرابه ظرفًا منصوبًا. ٤ ويلاحظ ما سبقت الإشارة إليه "في رقم ٤ من هامش ص ٢٤٢ ورقم ١ من هامش ص ٢٤٤"، وهو ان الظروف الدالة على ضمير لا تتضمن معنى: "في" باطراد، وإنما تتضمنها أحيانًا قليلة؛ لأن ناصبها لا بد أن يكون من أفعال السير، أو مشتقاتها؛ فلا توجد: "في" مع ناصب آخر: كذلك النوع الآتي: وهو ما صيغ من مادة فعله وحوى حروفه، فإن هذا الظرف لا يتضمن معنى =
[ ٢ / ٢٥٣ ]
بريد١ و و مثل: مشيت غلوة، ثم ركبت ميلًا، ثم سرت فرسخًا.
ج– ومنها: ما صبغ، على وزن٢: "مفعل"، أو"مفعل" للدلالة على المكان، بشرط أن يكون الوزن جاريًا على عامله، "أي: مشتركًا معه في مثل حروفه الأصيلة ومشتملًا عليها"٣، مثل: وقفت موقف الخطيب، وجلست مجلس المتعلم صنعت مصنع الورق، وبنيت مبناه ، فلو كان عامله من غير لفظه لوجب الجر بالحرف: "في"، نحو: جلست في مرمى الكرة٤.
_________________
(١) = "في" باطراد؛ لأن ناصبه من فعل أو وصف يعمل عمله، لا بد أن يكون مشتركًا معه في حروف صيغته، فلا توجد "في" مع غيره، ففي هذين النوعين لا تطرد "في"؛ إذ توجد مع بعض الأفعال المعينة، ومشتقاتها دون بعض آخر لا يمكن أن يتضمنها معنويًا؛ لأنه غير صالح للعمل في النوعين السالفين. هذا، وقد اختلف النحاة في المقادير؛ أهي من المبهم، أم شبيهة بالمبهم، أم قسم قائم بذاته ولسنا في حاجة إلى العناء؛ فاعتبارها قسمًا مستقلًا أنسب، وليست من المبهم؛ لأنها معلومة المقدار، ولكنها مختلفة الابتداء، والانتهاء، والبقعة، بحسب الاعتبار؛ فليس لها جهة ثابتة مستقرة فيها، فالميل قد يكون في بلد؛ وقد يكون في غيرها ، يكون في صحراء، وقد يكون في حضر، وقد يكون في الشرق بالنسبة لشيء آخر، أو في الغرب، وهكذا. ١ الغلوة: مائة باع تقريبًا، أو: هي أبعد مسافة يقطعها السهم، والميل: ألف باع، والفرسخ: ثلاثة أمثال، وللبريد: أربعة فراسخ ٢ كما سبق في ص ٢٥٢ ويكون اسم الزمان والمكان من الثلاثي على وزن: مفعل "بفتح العين" إن كان مضارع فعله مفتوح العين، أو مضمومها "مثل: يلعب يقعد"، أو: كان مضارعه معتل اللام؛ نحو: يرمي، ويكون على وزن مفعل "بكسر العين" إن كان مضارع فعله مكسور العين، مثل: يجلس، أو: معتل الفاء في أصلها الماضي، مع سلامة اللام، بشرط أن تكون الفاء واوًا تحذف في مضارعه؛ مثل: يعد، من: وعد. أما من غير الثلاثي فيكون على وزن مضارعه، مع إبدال أوله ميمًا مضمومة وفتح ما قبل الآخر؛ مثل: "مستخرج" ومضارعه: "يستخرج". "وفي ج ٣ ص ٢٤٢ م ١٠٦ تفصيل الكلام عليها وعلى أحكامها". ٣ وكذلك ما سبقت إليه الإشارة "في رقم ٤ ص ٢٥٢"، وهو المشتق من مصدر الفعل للدلالة على الزمان وتحقق فيه هذا الشرط وكان منصوبًا؛ فإنه يصلح أن يعرب ظر زمان؛ كالمثال: قعدت مقعد الضيف؛ أي: زمن قعود الضيف. ٤ وردت ألفاظ مسموعة بالنصب لا يصح القياس عليها، مثل قولهم: فلان يجلس من الباب مقعد القابلة "أي: المولدة" كناية عن قربه من الباب، وفلان مزجر الكلب، ومناط الثريا، كناية عن البعد فيهما.
[ ٢ / ٢٥٤ ]
ومن ثم كان هذا النوع غير متضمن معنى "في" باطراد، ومستثنى من التضمن١ المطرد.
وهذا القسم يكون مختصا كالأمثلة السالفة، ومبهما، نحو: وقفت موقفا، جلست مجلسا٢.
ومما يلاحظ أن هذه الصيغة: "مفعل -مفعل" صلحة للزمان والمكان ويكون التمييز بينهما بالقرائن، كأن يقال: متى حضرت؟ فيجاب: حضرت محضر القطار، أي: زمن حضور القطار؛ لأن "متى" للاستفهام عن الزمن، بخلاف: أين حضرت؟ فيجاب: حضرت محضر المجتمعين حول الخطيب، أي: مكان حضور المجتمعين لأن "أين" أداة استفهام عن المكان.
٥- أنه يجوز تعدد الظروف المنصوبة على الظرفية لعامل واحد بغير اتباع٣، بشرط اختلافها في جنسها: "أي: اختلافها زمانا ومكانا"، مثل: استرح هنا ساعة أقم عندنا يوما، أما إذا اتفقت في جنسها فلا تتعدد إلا في صورتين، إحداهما: الاتباع، يجعل الظرف الثاني بدلا٤ من الأول، نحو: أقابلك يوم
_________________
(١) ١ كما سبق في رقم٤ من هامش ص٢٤٢، وفي رقم ٣ من هامش ص٢٥٣. هذا والظروف المكانية الثلاثة: "المبهم - المقدار - ما صيغ من الفعل" هي التي أشار إليه ابن مالك فيما سبق رقم ٣ من هامش ص٢٤٨ بقوله: ما يقبله المكان إلا مبهما ٢ وإلى هذا أشار ابن مالك "وهو يسرد الأشياء التي تصلح للنصب على الظرفية المكانية، ومنه ما صيغ من الفعل كمرمى من رمى، " بقوله: وشرط كون ذا مقيسا أن يقع ظرفا لما في أصله معه اجتمع ٣ أي: بغير أن يكون واحد مها تابعا للآخر، "نعتا له، أو عطفا، أو توكيدا، أو بدلا". ٤ ولا يبدل الأكثر من الأقل على الصحيح ففي نحو: كتبت الرسالة يوم الخميس سنة كذا يعرب الظرف الثاني "سنة" حالا من الأول، وليس بدلا "راجع أول الباب السادس من المغني". وهذا رأي البصريين، لكن جاء في "الهمع"، ما يرده بقوة حيث قال في جـ٢ ص١٢٧ باب البدل ما نصه: "المختار - خلافا للجمهور - إثبات بدل الكل من البعض، لوروده في الفصيح ". ا. هـ، وسرد أمثلة من القرآن والشعر تؤيد رأيه، وقد ذكرناها في باب البدل جـ٣ م١٢٣.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
الجمعة ظهرًا، فكلمة "ظهرا" بدل بعض من كلمة: يوم١.
والأخرى، أن يكون العامل اسم تفضيل؛ نحو: المريض اليوم أحسن منه أمس. "فاليوم وأمس؛ ظرفان عاملها أفعل التفضيل وهو: أحسن"، وقد تقدم عليه واحد، وتأخر واحد
٦- أنه يجوز عطف الزمان على المكان وعكسه؛ مسايرة للرأي القائل بذلك، توسعًا وتيسيرًا؛ نحو: أعطيت السائل أمامك ويوم العيد قرأت الكتاب هنا، ويوم السبت الماضي٢.
٧– إذا وقع الظرف خبرًا فإنه يستحق أحكامًا خاصة يستقل بها، وقد سبق تسجيلها في مكانها الأنسب، وهو باب: "المبتدأ والخبر"٣، ومن تلك الأحكام أن يكون في مواضع معينة باقيًا على حالته من النصب، وفي مواضع أخرى يكون مرفوعًا أو مجروًا، ولا يسمى في هاتين الحالتين ظرفًا إلى غير هذا من الأحكام الهامة المدونة في الموضع المشار إليه.
_________________
(١) ١ ملاحظة: في ضوء ما سبق نفهم ما جاء في حاشية الخضري، جـ٢، أول باب: "البدل" ونصه: " بدل كل من بعض كلقيته غدوة يوم الجمعة، بنصب" "يوم"، إذ لا يصح جعله ظرفا ثانيا؛ لأن ظرف الزمان لا يتعدد بلا عطف.". ا. هـ، هذا، وإن تعدد بعطف فإن ما بعد العاطف لا يسمى ظرفا، وإنما يسمى: "معطوفا". ٢ لهذا الحكم تفصيل في المكان الأنسب "ج ٣ آخر باب: "العطف" م ١٢٢". ٣ ج ١ م ٣٥ ص ٤٧٥.
[ ٢ / ٢٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- عرفنا١ "المبهم" من ظروف المكان، وأنه يشمل أنواعًا منها: "الجهات الست"، وقد ألحقوا بهذه الجهات ألفاظًا أخرى، منها: "عند – لدى – وسط – بين – إزاء – حذاء "، واختلفوا في مثل٢: "داخل – خارج – ظاهر – باطن – جوف الدار – جانب"، وما بمعناه "مثل: جهة – وجه – كنف" في مثل: قابلته داخل المدينة أو خارجها، أو ظاهرها ؛ فكثير من النحاة يمنع نصب هذه الكلمات على الظرفية المكانية؛ لعدم إبهامها، ويوجب جرها بالحرف: "في"، وفريق يجيز، ويرى أن هذا هو الأوجه٣، لما فيه من تيسير؛ لأن تلك الكلمات الدالة على المكان لا تخلو من إبهام، فهي شبيهة بالمبهم، وملحقة به.
وكان الجدير بكل فريق أن يستند في تأييد رأيه على موقفه من كثرة المسموع المأثور، ويعتمد عليه وحده في الاستدلال، واستنباط الحكم، فمن نصره السماع الكثير فرأيه هو الأقوى، دون غيره، ولكنهم لم يفعلوا، ومن ثم يكون الرأي المجيز أولى بالاتباع، وإن كانت المبالغة في الدقة والحرص على سلامة الأسلوب وسموه تقتضي البعد عن الخلاف باستعمال الحرف "في"؛ لاتفاق الفريقين على صحة مجيئه؛ فيجري التعبير اللغوي على سنن موحد.
ب- من أنواع الظرف ما يكون مؤسسًا، وما يكون مؤكدًا، فالمؤسس هو الذي يفيد زمانًا أو مكانًا جديدًا لا يفهم من عامله؛ نحو: صفًا الجو اليوم، فقضيته حول المياه المتدفقة، وبين الأزاهر والرياحين، فكل واحد من الظروف: "اليوم – حول – بين " يسمى: "ظرفًا مؤسسا، أو تأسيسيًا"؛ لأنه أسس أي: أنشأ معنى جديدًا لا يفهم من الجملة بغير وجود هذا الظرف.
_________________
(١) ١ في ص ٢٥٣. ٢ من كل خما لا يدل على حقيقته بنفسه، وإنما تعرف حقيقته بما تضاف إليه؛ مثل: مكان – ناحية – أمام – وراء – جهة فيقال مثلًا: مكان علي – ناحية محمود ٣ راجع حاشية الخضري، باب: "الظرف" ج١، ففيها تلخيص الرأيين، وبيان الأوجه منهما، وأنه المفهوم من كلام صاحب "الهمع" في هذا الباب.
[ ٢ / ٢٥٧ ]
والمؤكد: هو الذي لا يأتي بزمن جديد، ولا مكان جديد، وإنما يؤكد زمنًا أو مكانًا مفهومًا من عامله، ومن الأمثلة قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾، فالظرف: "ليلًا" لا جديد معه إلا التوكيد لزمن الإسراء؛ لأن الإسراء لا يكون إلا ليلًا، ومثل: صعد الخطيب فوق المنبر؛ فالظرف: "فوق" لم يأت بجديد إلا توكيد معنى عامله الدال على الصعود، أي: الارتفاع والفوقية.
لما سبق كان الظرف في مثل قول القائل: سرت حينًا ومدة لم يزد زمنًا جديدًا غير الزمن الذي دل عليه الفعل ١
_________________
(١) ١ انظر رقم ٢ من هامش ص٢٥٢.
[ ٢ / ٢٥٨ ]
المسألة ٧٩: الظرف المتصرف وغير المتصرف، وأقسام كل
الظرف بنوعيه قد يكون متصرفًا، وقد يكون غير متصرف.
أ- فالمتصرف هو الذي لا يلازم النصب على الظرفية، وإنما يتركها إلى كل حالات الإعراب الأخرى التي لا يكون فيها ظرفًا؛ كأن يقع مبتدأ، أو خبرًا، أو فاعلًا، أو مفعولًا به، أو مجرورًا بالحرف: "في" المذكور قبله أو بغيره أو
فمثال الزمان المتصرف كلمة: "يوم" في العبارات التالية: يومكم مبارك، ونهاركم سعيد، إن يومكم مبارك، وإن نهاركم سعيد، جاء اليوم المبارك إنا نرقب مجيء اليوم المبارك في يوم العيد يتزاور الأهل، والأصدقاء و
ومثال المكان المتصرف: يمينك أوسع من شمالك العاقل لا ينظر إلى الخلف إلا للعبرة؛ وإنما وجهته الأمام، ومثل: الفرسخ ثلاثة أميال، ونعرف أن الميل ألف باع١.
وقد سبق٢ أن الظرف بنوعيه إذا ترك النصب على الظرفية إلى حالة أخرى غير النصب على الظرفية ولو إلى الجر "بفي" أو بغيرها، فإنه لا يسمى ظرفًا، ولا يعرب ظرفًا، ولو دل على زمان أو مكان٣
_________________
(١) ١ وفي الظرف المتصرف يقول ابن مالك: وما يرى ظرفًا وغير ظرف فذاك ذو تصرف في العرف أي: في عرف النحاة واصطلاحهم. ٢ في ص ٢٤٤. ٣ من أمثلة هذا كلمة: "اليوم" و"عام" في قول الشاعر: يطول اليوم لا ألقاك فيه وعام نلتقي فيه قصير ومثل كلمة: "غد" في قول الشاعر: لا مرحبا بغد، ولا أهلًا به إن كان تفريق الأحبة في غد
[ ٢ / ٢٥٩ ]
حكم الظرف المتصرف:
١- إما معرب منصرف؛ مثل: يوم – شهر – يمين – مكان١.
٢- وإما معرب غير منصرف مثل: غدوة٢؛ وبكره٣، وضحوة؛ بشرط أن تكون كل واحد "علم جنس"٤، على وقتها المعين المعروف؛ سواء أكان هذا الوقت مقصودًا ومحددًا من يوم خاص بعينه، أم غير مقصود ولا محدد من يوم معين، فهذه الثلاثة وأشباهها متصرفة؛ تستعمل ظرفًا وغير ظرف، وفي الحالتين تمنع من الصرف، وسبب منعها من الصرف: "العلمية الجنسية والتأنيث اللفظي"، فإن فقدت العلمية لم تمنع من الصرف، وذلك لعدم التعيين؛ "لأنها فقدت تعيين الزمن وتحديده؛ وصارت دالة على مجرد الوقت المحض الخالي من كل أنواع التخصيص إلا بقرينة أخرى للتعيين"؛ مثل: غدوة وقت نشاط، يسرني السفر غدوة والقودم ضحوة، بشرط أن يراد بهما مطلق زمن بغير تعيينه، ومن هذا قوله تعالى في أهل الجنة: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ ٥.
_________________
(١) ١ انظر ما يختص بهذه الكلمة في ص ٢٦٥. ٢ الوقت في طلوع الفجر إلى شروق الشمس، وفي ص ٥٥٣ كلام يختص بهذه الكلمة. ٣ الوقت من طلوع الشمس إلى الضحوة، أي: الضحا، وهو وقت ارتفاع الشمس في الأفق. ٤ سبق إيضاحه في مكانه المناسب "ج ١ ص ٢٦١ م ٢٢ و٢٦٦ م٢٣". ٥ لزيادة الإيضاح نسوق ما قاله الصبان في هذا الموضع من الجزء الثاني آخر باب الظرف، قال: عن "غدوة وبكرة" ومثلهما: ضحوة ما نصه: "إنهما علمان جنسيان؛ بمعنى أن الواضح وضعهما علمين جنسيين لهذين الوقتين؛ أعم من أن يكونا من يوم بعينه، أو لا، وهذا معنى قولهم: قصد بهما التعيين أو لم يقصد، كما ضع لفظ: "أسامة" علمًا للحقيقة الأسدية، أعم من أن يقصد به واحد بعينه أو لا، فالتعيين المنفي قصده هو التعيين الشخصي، لا النوعي؛ إذ هو لا بد منه، فلا اعتراض "بأن عدم قصد التعيين يصيرهما نكرتين منصرفتين"، ويؤيد ما ذكرناه قول الدماميني: "كما يقال عند قصد التعميم: أسامة شر السباع، وعند التعيين هذا أسامة فاحذره يقال عند قصد التعميم غدوة أو بكرة وقت نشاط، وعند قصد التعيين لأسيرن الليلة إلى غدوة أو بكرة"، قال: "وقد يخلوان من العلمية فينصرفان، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾، وحكى الخليل: جئتك اليوم غدوة، وجئتني أمس بكرة، والتعيين في هذا لا يقتضي العلمية حتى يمنع الصرف؛ لأن التعيين أعم من العلمية، فلا يلزم من استعمالهما في يوم معين أن يكونا علمين؛ لجواز أن يشار بهما إلى معين مع بقائهما على كونهما من أسماء الأجناس النكرات بحسب الوضع، كما تقول: رأيت رجلا وأنت تريد شخصًا معينًا، فيحمل على ما أردته من المعين، ولا يكون علمًا". ا. هـ، ما نقله الصبان. ثم انظر الكلام عليهما في جـ ١ ص ١١٠ م ٢٢.
[ ٢ / ٢٦٠ ]
٣– وإما مبني، والمبني قد يكون مبنيا على السكون، مثل: "إذ" الواقعة "مضافًا إليه"، والمضاف زمان، نحو: لاح النصر ساعة إذا أخلص المجاهدون كان النصر يوم إذ جاهد المخلصون، أو مبنيًا على الكسر، مثل الظرف: "أمس" عند الحجازيين؛ في نحو: اعتدل الجو أمس.
ب– أما غير المتصرف١: فمنه الذي لا يستعمل إلا ظرفًا، ومنه ما يستعمل ظرفًا، وقد يترك الظرفية ولا يسمى ظرفًا إلى شبهها، وهو الجر بالحرف: "من" غالبًا٢، فمثال الذي لا يستعمل إلا ظرفًا: "قط"٣، و"عوض"٤ و"بدل" بمعنى: مكان "مثل: خذ هذا بدل ذلك"، و"مكان" بمعنى: "بدل"، "أما "مكان" بمعناه الأصلي فظرف متصرف".
"وسحر"٥؛ إذا أريد به سحر يوم معين محدد؛ نحو: أزورك سحر يوم السبت المقبل؛ وإلا فهو ظرف متصرف؛ نحو: تمتعت بسحر منعش؛ فهل يساعفني سحرا مثله؟.
ومثال ما يلازم النصب على الظرفية، وقد يتركها إلى شبهها: "عند، ولدن
_________________
(١) ١ ستجيء له امثلة أخرى في "الزيادة والتفصيل"، ص ٢٦٦ وما بعدها. ٢ قلنا: "غالبًا"؛ لأن الظرف: "أين" قد يخرج عن النصب على الظرفية إلى الجر بالحرف: "من" أو: "إلى". وكذلك الظرفان: "ثم" و"هنا" بلغاتهما المخلتفة وهما في الوقت نفسه من أسماء الإشارة؛ فيخرجان إلى الجر بأحد الحرفين: "من" أو"إلى" "راجع الصبان ج ١ باب اسم الإشارة عند الكلام على: ثم وسبق لذا بيان في ج ١ باب اسم الإشارة م ٢٥". وكذلك الظرف: "متى" قد يخرج إلى الجر بالحرف: "إلى" أو: حتى. ٣ و٤ سبق الكلام عليهما في هذا الجزء ص ١١٦ م ٦٨ وملخصه: أن "قط" ظرف زمان لاستغراق الماضي، ولا يستعمل في الغالب إلا بعد نفي أو شبهة. والأصح في ضبطه: فتح القاف وضم الطاء مع تشديدها، وفيها لغات أخرى وهو ظرف مبني على الضم، مثل: ما خدعت أحدًا قط "وقط" غير: "فقط" التي سبق الكلام عليها في رقم ٢ من هامش ص ١١٦، وقلنا هناك: إن إيضاحها، وبيان حكمها في ج ٢ م ٣٠ ص ٣٨٢ عند بيت ابن مالك في المعرف، بأل": "أل" حرف تعريف" وأنها بمعنى: "حسب" واالفاء زائدة لتزيين اللفظ" وعرض: ظرف لاستغراق الزمان المستقبل، غالبًا ولا يكاد يستعمل إلا بعد نفي أو شبهه: وهو مبني على الضم، أو الفتح، أو الكسر، إن لم يضف فإن أضيف أعرب؛ نحو: لن أخادع عوض العائضين. ٥ الثلث الأخير من الليل.
[ ٢ / ٢٦١ ]
وقبل، وبعد، وحول١، و "، مثل: مكثت عندك ساعة، ثم خرجت من عندك إلى بيتي سأقصد الحدائق لدن الصبح حتى الضحا، ثم أعود من لدنها حضرت قبل الميعاد ولم أحضر بعده، أو: حضرت من قبل الميعاد، ولم أحضر من بعده٢.
حكم الظرف غير المتصرف:
١– إما معرب ممنوع من الصرف؛ مثل: عتمة٣ عشية٤ سحر٥ بشرط أن يقصد بكل واحدة التعيين الدال على وقت خاص، فتكون علم جنس عليه؛ لدلالتها على زمن معين محدد دون غيره من الأزمان المبهمة الخالية من التعيين، نحو: استيقظت: ليلة الخميس سحر، حضرت يوم الجمعة عشية، سهرت يوم السبت عتمة.
فإن فقدت هذه العلمية صارت نكرة لا تدل على وقت مخصص من يوم بذاته، وخرجت من نوع الظرف غير المتصرف، ودخلت في نوع المتصرف المنصرف؛ فتصير مبتدأ، وخبرًا، وفاعلًا و وغير ذلك، مع التنوين في كل حالة؛ نحو سحر خير من عيشة، ورب عتمة
خير من سحر٥.
_________________
(١) ١ من ظروف المكان غير المتصرفة: "حول" بلغاته المختلفة التي منها: حول ، وحوال ، وحوالي وحولى وأحوال وأحوالى مع إضافته في كل الصور، ومعناه الجهات المحيطة بالمضاف إليه راجع الصبان واللسان، ولهذا إشارة وبيان، في ص ٢٧٢. ٢ لهذه الظروف وملازمتهما النصب على الظرفية أحكام تفصيلية موضع الكلام عليها باب: "الإضافة" ج ٣ ص ١١٤ وما بعدها، وفي هذا يقول ابن مالك: وغير ذي التصرف: الذي لزم ظرفية، أو شبهها من الكلم يريد: أن الظرف غير المتصرف من الكلمات، هو: الذي لزم الظرفية وحدها، أو: لزم الظرفية وقد يتركها إلى شبهها أحيانًا، وفي البيت قصور في صياغته؛ لقوله: وغير صاحب التصرف، بدل قوله: غير المتصرف، وكالحذف في الشطر الأخير حيث الواجب: ظرفية فقط، أو: ظرفية وشبهها. ٣ الثلث الأول من الليل، "وهي ممنوعة من الصرف، على رأي راجح". ٤ آخر النهار. ٥و ٥ فتمنع كلمة: "سحر" للعلمية والعدل عن السحر؛ لأنها تدل على معين كما تدل عليه الكلمة المقرونة بأل التي للتعريف؛ فكان حقها التصدير بكلمة "أل" التي للتعريف، ولكن العرب عدلوا عن هذا؛ فاجتمع في الكلمة العلمية والعدل، وبسبب اجتماعهما تحقق ما يوجب منع الصرف كما يقول النحاة. وتمنع كلمتا: "عتمة وعشية" للعلمية والتأنيث اللفظي، "وقد يوضح العلمية هنا ما سبق في رقم ٥ من هامش ص ٢٦٠"، ويشترط لمنع الثلاثة من الصرف الخلو من "أل"، ومن الإضافة فغن نكرت نونت وتصرفت؛ كقوله تعالى: ﴿نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾، وكذلك مع أل أو الإضافة؛ نحو: سافر الرجل يوم الجمعة السحر منه، أو في سحره، "ولهذا الكلام صلة بما سيجيء عنها في ص ٥٥٣" وما بعدها.
[ ٢ / ٢٦٢ ]
٢– وإما معرب مصروف مثل: "بدل" و"مكان" السالفين١.
٣– وإما مبني على السكون أو غيره في مثل: لدن، ومتى٢، ومد، ومنذ٣ وقط، وغيرها "مما سيجيء ٤".
٤- جميع الظروف غير المتصرفة لا يصح التصريح قبلها بالحرف: "في" بخلاف المتصرفة، وإذا ظهرت "في" قبل الظرف مطلقًا، فإنه يصير اسمًا محضا مجرورًا بها، ولا يصح تسميته ظرف زمان، أو ظرف٥ مكان.
ما ينوب عن الظرف:
أ– يكثر حذف الظرف الزماني المضاف إلى مصدر، وإقامة المصدر مقامه٦. فنيصب مثله باعتباره نائبا عنه، وذلك بشرط أن يعين المصدر الوقت ويوضحه، أو يبين مقداره، وإن لم يعينه؛ فمثال الأول: أخرج من البيت شروق الشمس، وأعود إليه غروبها أزوركم في العام الآتي قدوم الراجعين من الحج، "تريد: أخرج من البيت وقت طلوع الشمس، وأعود إليه وقت غروبها، ووقت قدوم الراجعين"، فحذف الظرف الزماني: "وقت" وقام مقامه المصدر، وهو: "شروق، غروب، قدوم"، فأعرب طرفًا بالنيابة.
_________________
(١) ١ في ص ٢٦١. ٢ "له إشارة في رقم ٢ من هامش ص ٢٦١"، وهو ظرف غير منصرف، مبني على السكون المقدر دائمًا، ويسأل به عن الزمان وقد يكون مع ظرفيته هذه اسم شرط جازم طبقًا لما سيجيء في ج ٤ باب الجوازم التي تجزم فعلين. ٣ لا يكون "مذ ومنذ" غير متصرفين إلا على الرأي الذي يمنع وقوعهما مبتدأ، أو شيئًا آخر غير الظرفية، "كما يجيء في رقم ٣ هامش ص ٢٧٠". ٤ في الزيادة والتفصيل، ص ٢٦٨. ٥ كما سبق في ص ٢٥٩ و١ من ص ٢٤٤. ٦ والمصدر قد يقع أحيانًا ظرفًا دون تقدير مضاف؛ مثل: أحقًا أنك مكافح، أي: أفي حق ، "وسيجيء في من ص ٢٧٣"
[ ٢ / ٢٦٣ ]
ومثال الثاني: أمكث عندك كتابة صفحة؛ "أي: مدة كتابة صفحة"، وأنتظرك لبس الثياب، "أي: مدة لبسها"، وأغيب غمضة عين، "أي: مدة غمضها"، ففي هذه الصور ونحوها بيان للمقدار الزمني الذي يدل عليه المصدر في كل صورة، دون أن يعين ذلك الوقت، ويحدده: "أهو الصبح، أم الظهر، أم الغروب، أم غيرهما ؟ ".
وقد يحذف الظرف وينوب عنه مصدر مضاف إلى اسم عين١، ثم يحذف هذا المصدر المضاف أيضًا، ويحل محله اسم العين، باعتباره نائبًا عن النائب عن الظرف الزماني، ويعرف ظرفًا بالإنابة، نحو: لا أكلم السفية النيرين أي: مدة طلوع النيرين؛ "وهما: الشمس والقمر": فحذف الظرف الزماني؛ وهو "مدة"، وقام مقامه المصدر المضاف: "طلوع"، ثم حذف المصدر المضاف وحل محله المضاف إليه؛ وهو: كلمة: "النيرين" وتعرب ظرفًا بالإنابة كما قلنا ومن أمثلتهم: لا أجالس لمحدًا الفرقدين٢، ولا أماشيه القارظين٣ يريدون: مدة ظهور الفرقدين، ومدة غياب القارظين.
هذا، والإنابة فيكل ما سبق قياسية إذا تحقق ما شرحناه.
ب– أما نيابة المصدر عن ظرف المكان، فقليلة حتى قصروها على المسموع دون غيره مثل كلمة: قرب نحو: جلست قرب المدفأة، أي: مكان قرب المدفأة، فكلمة: "قرب" مصدر بالنيابة.
ج– وهناك أشياء أخرى غير المصدر تصلح للإنابة قياسًا عن الظرف بنوعيه بعد حذفه، وتعرب ظرفًا بالنيابة.
منها: صفته؛ نحو: صبرت طويلًا من الدهر جلست شرقي المنزل؛ أي: صبرت زمنًا طويلًا جلست مجلسًا شرقي المنزل، أو جلست مكانًا شرقي المنزل.
_________________
(١) ١ أي: اسم ذات، أي: شيء حسي مجسم. ٢ اسم نجمين. ٣ رجلان خرجا يجمعان القوظ، "وهو: ثمر شجر السنط، ويستخدم في الدباغة"، فلم يرجعا.
[ ٢ / ٢٦٤ ]
ومنها: عدده، بشرط أن يوجد ما يدل على أنه عدده: كالإضافة إلى زمان، أو مكان؛ نحو: مشيت خمس ساعات قطعت فيها ثلاثة فراسخ.
ومنها: كل أو بعض، وغيرهما مما يدل على الكلية والجزئية، بشرط الإضافة إلى زمان أو مكان١؛ نحو: نمت كل الليل، وقول الشاعر:
أكل الدهر حل وارتحال أما يبقي علي، وما يقيني؟
ومثل: استمخر الحفل بعض الليل مشت القافلة كل الأميال أو بعض الأميال٢
_________________
(١) ١ كما سيجيء في باب الإضافة ج ٣ ص ٥٨ م ٩٤. ٢ وفيما سبق يقول ابن مالك: وقد ينوب عن مكان مصدر وذاك في ظرف الزمان يكثر
[ ٢ / ٢٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ– الظروف من حيث التصرف وعدمه، ودرجته، أربعة أقسام:
قسم يمتنع تصرفه أصلًا؛ مثل: "قط"، "عوض" وقد سبقا، ومثل: "بين" إذا اتصلت بها "الألف" أو"ما" فصارت: "بينا أو بينما"، فإنها عندئذ تلازم الظرفية تمامًا كالتي في ص ٢٧٧، و٢٧٨ أيضًا.
ويلحق بهذا القسم: "عند، وفوق، وتحت"١، وأشباهها مما لا يخرج عن الظرفية إلا إلى الجر بالحرف: "من" غالبًا ٢.
وقسم ثان: يتصرف كثيرًا، كيوم، شهر، يمين٣، شمال، ذات اليمين ذات الشمال٤.
وثالث: متوسط في تصرفه؛ وهو: أسماء الجهات "إلا ما سبق حكمه في القسمين السالفين؛ من مثل: فوق، وتحت، ويمين، وشمال، وذات اليمين، وذات الشمال ".
ومن هذا القسم المتوسط: "بين" التي لم يتصل بآخرها: "الألف" أو"ما"، فإن اتصلت بها: "الألف" أو: "ما" وصارت: "بينا، بينما" فهي ممنوعة التصرف ٥، كما أسلفنا.
_________________
(١) ١ هناك رأي يقول: "فوق، وتحت" يتصرفان نادرًا، ولا داعي للأخذ به، وسيجيء في ص ٢٨٣ الكلام على حالات بنائهما وإعرابهما. ٢ انظر رقم ٢ من هامش ص ٢٦١. ٣ كل من الظرفين: "يمين" و"شمال" قد يكون معربًا كما في ص ٢٥٩، وقد يكون مبنيًا، بالتفصيل الذي في رقم ٥ من ص ٢٨٣ أما تفصيل الكلام على معناها، وإضافتهما ففي ج ٣ ص ٣٦ م ٩٣. ٤ بشرط إضافة: "ذات" إلى: "اليمين" أو: "الشمال". "كما سيأتي في ص ٢٧٢ من هذا الجزء، وفي ج ٣ ص ٣٦ م ٣٩، هذا، إلى أن لكلمة: "ذو" و"ذات" أحكامًا أخرى في ج ١ ص ٧٠ م ٨، باب: "الأسماء الستة"، ص ٢٥٤ م ٢٦ باب: "الموصول". ٥ وفي الحالتين يجب تصديرها وإضفاتها للجملة؛ طبقًا للبيان التفصيلي، الآتي في ص ٢٨٧.
[ ٢ / ٢٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ورابع: تصرفه نادر في السماع، لا يقاس عليه، مثل: الآن، وحيث، ودون، التي ليست بمعنى رديء ووسط؛ بسكون السين في الغالب، أما بفتحها فاسم متصرف في الغالب أيضًا، وفي غير الغالب يجوز في كليهما التسكين والفتح، والأفضل اتباع الغالب؛ ليقع التفاهم بغير تردد، وقد وضعوا علامة للتميز المعنوي بين الكلمتين؛ فقالوا: إن أمكن وضع كلمة: "بين" مكان: "وسط" واستقام المعنى فهي ظرف؛ نحو: جلست وسط القوم، أي: بينهم، وفي هذه الحالة يحسن تسكين السين؛ مراعاة للغالب، وإن لم تصلح كانت اسمًا، نحو: احمر وسط وجهه، وفي هذه الصورة يحسن تحريك السين بالفتح، مراعاة للغالب.
ب– إذا كان الظرف منصوب اللفظ أو المحل على الظرفية، وجب عند الأكثرين أن يكون متعلقًا بالعامل الذي عمل فيه النصب١، وهذا العامل يكون في الغالب فعلًا٢، أو مصدرًا، أو شيئًا يعمل عمل الفعل٣ كالوصف؛ نحو: سافرت يوم الجمعة فوق دراجة بخارية، أو: أنا مسافر يوم الجمعة فوق دراجة بخارية، فالظرفان "يوم" و"فوق" متعلقان بعاملهما "سافر" أو: "مسافر" و ومعنى أنهما متعلقان به: مرتبطان ومستمسكان به، كأنهما جزءان منه لا يظهر معناهما إلا بالتعلق به، فاستمساكهما بالعامل كاستمساك الجزء بأصله، ثم هما في الوقت نفسه يكملان معناه.
بيان هذا: أن العامل يؤدي معناه في جملته، ولكن هذا المعنى لا يتم ولا يكمل إلا بالظرف الذي هو جزء متمم ومكمل له؛ ففي مثل: جلس المريض قد نحس في المعنى نقصًا يتمثل في الأسئلة التي تدور في النفس عند سماع هذه
_________________
(١) ١ سبق "في رقم ٤ من هامش ص ٢٤٥، ثم في ص ٢٤٩ م ٧٨" كلام هام يتصل بهذا الموضوع، وبتممه؛ من ناحية التعلق بحروف المعاني، والحكمة في وجوب التعلق، وسيجيء في ص ٤٤٥، رقم ٣ من هامش، باب حروف الجر، عند الكلام على شبه الجملة م ٨٩ ما يزيده توفية واكتمالًا. ٢ والرأي الشائع القوي أن شبه الجملة بنوعيه "وهما الظرف، وحرف الجر الأصلي مع مجروره" لا يجوز أن يتقدم على عامله الفعل المؤكد بالنون طبقًا للبيان الذي سبق في رقم ٣ من هامش ص ١٠١. ٣ وقد يكون تعلقهما بعامل معنوي، إذا لم يوجد عامل آخر يصح التعلق به وهذا العامل المعنوي هو: الإسناد "أي: النسبة" على الوجه المشروح في هامش ص ٣٥٧ ورقم ٢ من ص ٤٤١ أما تعلقه بأحرف المعاني، فقد سبق بيانه في رقم ٤ من هامش ص ٢٤٥ م ٧٨.
[ ٢ / ٢٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الألفاظ؛ ومن الأسئلة: أين جلس؟ أكان فوق السرير، أم أمامه، أو وراء النافذة، أيمين الداخل أم شمال الخارج؟ متى جلس؟ أصباحًا، أم ظهرًا، أم مساء ؟ وهكذا فإذا جاء الظرف الزماني أو المكاني، فقد أقبل ومعه جزء من الفائدة ينضم إلى الفائدة المتحققة من العامل؛ فيزداد المعنى العام اكتمالًا بقدر الزيادة التي جلبها معه؛ فمجيئه إنما هو لسبب معين، ولتحقيق غاية مقصودة دعت إلى استحضاره، هي عرض معناه، مع تكملة معنى عامله، فلهذا وجب أن يتلعق به.
والاهتداء إلى هذا العامل قد يحتاج في كثير من الأحيان إلى فطنة ويقظة، ولا سيما إذا تعددت في الجملة الواحدة الأفعال أو لا يعمل عملها؛ حيث يتطلب استخلاص العامل الحقيقي من بينها أناة وتفهمًا؛ خذ مثلًا لذلك: "أسرعت الطائرة التي تخيرتها بين السحب" فقد يتسرع من لا دراية له فيجعل الظرف "بين" متعلقًا بالفعل القريب منه، وهو الفعل: "تخير" فيفسد المعنى؛ إذ يصير الكلام: تخيرت الطيارة بين السحب، إنما الصحيح: أسرعت بين السحب، وهذا يقتضي أن يكون الظرف متعلقًا بالفعل "أسرع"، فيزداد معناه، ويكمل بعض نقصه، كما لو قلنا: تخيرت الطيارة فأسرعت بين السحب.
مثال آخر: "قاس الطبيب حرارة المريض، وكتبها تحت لسانه"، فلا يصح أن يكون الظرف "تحت" متعلقًا بالفعل "كتب"؛ لئلا يؤدي التعلق إلى أن الكتابة كانت تحت اللسان؛ وهذا معنى فاسد لا يقع، أما إذا تعلق الظرف "تحت" بالفعل: "قاس" فإن المعنى يستقيم، وتزداد به الفائدة، أي: قاس الطبيب حرارة المريض تحت لسانه، فالقياس تحت اللسان، وهكذا يجب الالتفات لسلامة المعنى وحدها دون اعتبار لقرب العامل أو بعده من الظرف١.
_________________
(١) ١ ومن الأمثلة أيضًا الشطر الثاني قول الشاعر يخاطب الإمام عليًا ﵁: يخبرنا الناس عن فضلكم وفضلكم اليوم فوق الخبر حيث يتعين تعليق الطرفين "اليوم، فوق" بالخبر المحذوف، طبقًا لأقوى الآراء.
[ ٢ / ٢٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جـ- الزمان أربعة أقسام ١:
أولها: المعين٢ المعدود٣ معًا، مثل: رمضان، المحرم من غير أن يذكر قبلهما كلمة: شهر"، الصيف، الشتاء، وهذا القسم يصلح جوابًا لأداتي الاستفهام: "كم، ومتى"، نحو: كم شهرًا صمت؟ متى رجعت من سفرك؟ والجواب: صمت رمضان، رجعت الصيف
ثانيًا: غير المعين وغير المعدود؛ فلا يصلح جوابًا لواحد منهما؛ مثل: حين، وقت.
ثالثها: المعين غير المعدود؛ فيقع جوابًا لأداة الاستفهام: "متى" فقط؛ نحو: يوم الخميس، وكلمة: "شهر" المضاف إلى اسم بعده من أسماء الشهور، مثل: شهر صفر، شهر رجب وذلك جوابًا فيهما عن قول القائل: متى حضرت؟ متى تغيبت؟.
رابعها: المعدود غير المعين؛ فيقع جوابًا لأداة الاستفهام: "كم" فقط، نحو: يومين، ثلاثة أيام، أسبوع، شهر، حول.
١– فالذي يصلح جوابًا للأداتين: "كم"، و"متى" "وهو القسم الأول" أو يصلح جوابًا للأداة: "كم" وهو القسم الرابع يستغرقه الحدث "المعنى"، الذي تضمنه ناصبه سواء أكان الجواب نكرة أم معرفة بشرط ألا يوجد ما يدل على أن الحدث مختص ببعض أجزاء ذلك الزمان، فإذا قيل: كم سرت؟ فأجبت: "شهرًا"، وجب أن يقع السير في جميع الشهر كله، ليله ونهاره إلا إن قامت قرينة تدل على أن المقصود المبالغة والتجوز وكذا إن كان الجواب: المحرم، مثلًا. وكذا يقال في الأبد والدهر، مقرونين بكلمة: "أل" فالحدث الواقع من ناصبهما يستغرقها ليلًا ونهارًا ٤.
_________________
(١) ١ من ناحية استغراق المعنى: "راجع الهمع ج ١ ص ١٩٧، والصبان ج ٢ ص ٩٥، وبينهما اضطراب ظاهر تداركناه بمعونة مراجع أخرى". ٢ أي: المعين بالعلمية. ٣ الدال بلفظه على عدد محدود. ٤ أما كلمة؛ "أبدًا" بغير "أل" فلاستغراق الزمن المستقبل وحده؛ فإذا قلت: صام الرجل الأبد، كان معناه: صام كل زمن من أزمنة عمره، القابلة للصوم، عادة إلى حين وفاته، ولا تقول صام أبدًا؛ وإنما تقول إذا أردت المستقبل وحده: لأصومن أبدًا.
[ ٢ / ٢٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإن كان حدث الناصب "أي: معناه" مختصًا ببعض أجزاء الزمان، استغرق بعضها الذي يختص به، وانصب عليه وحده دون غيره من الأجزاء الأخرى. فإذا قيل: كم صمت؟ فكان الجواب: "شهرًا" انصب الصوم على الأيام دون الليالي؛ لأن الصوم لا يكون إلا نهارًا، وإذا قيل: كم سريت؟ فكان الجواب: "شهرًا" انصب السرى على الليالي دون الأيام؛ لأن السرى لا يكون إلا ليلًا. وكذا يقال: ي الليل والنهار معرفين، فالحدث الواقع على كل منهما مقصور على زمنه الخاص.
٢– وغير ما سبق يجوز فيه التعميم والتبعيض؛ كيوم، وليلة، وأسماء أيام الأسبوع، وأسماء الشهور؛ بشرط أن يذكر قبلها المضاف وهو كلمة: شهر؛ كشهر رمضان، شهر المحرم.
وهناك رأي آخر من عدة آراء في هذا البحث؛ هو: أن ما صلح جوابًا لأداة الاستفهام: "كم" أو: "متى" يكون الحدث "المعنى" في جميعه تعميمًا أو تقسيطًا، فإذا قلت: سرت يومين؛ فالسير واقع في كل منهما من أوله إلى آخره، وقد يكون في كل واحد من اليومين، وإن لم يشمل اليوم كله من أوله إلى آخره. ولا يجوز أن يكون في أحدهما فقط، ومن التعميم: صمت ثلاثة أيام، ومن التقسيط أذنت ثلاثة أيام، ومن الصالح لهما: تهجدث ثلاث ليال.
وعلى كل فهذه كما قالوا ضوابط تقريبية، والقول الفصل للقرائن الحاسمة، ولا سيما العرف الشائع؛ فتلك القرائن هي التي توضح أن المراد التعميم أو التبعيض.
د– قلنا١: إن الظرف غير المتصرف إما معرب منصرف، وإما معرب غير منصرف، وإما مبني، وقد تدمت الأمثلة، وهو في حالالته الثلاث لا يجوز أن تسبقه "في" ٢، فالمبنى قد يكون مبنيًا على السكون مثل: مذ٣، ولدن أو على الضم مثل: منذ٣، أو على فتح الجزأين؛ مثل ظروف الزمان أو المكان
_________________
(١) ١ في ٢٦٢ م ٧٩. ٢ كما سبق في: "أ" رقم٤ من هامش ص ٢٤٢، وفي رقم ٤ من ص ٢٦٣. ٣ و٣ لا يكون "مذ ومنذ" غير متصرفين إلا في الرأي الذي يقصرهما على الظرفية وحدها، ويمنع وقوعهما مبتدأ، "كما سبق في رقم ٣ من هامش ص ٢٦٣".
[ ٢ / ٢٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المركبة تركيب مزج١؛ "نحو: صباح مساء – يوم يوم – صباح صباح. والمعنى: كل صباح ومساء "أي: كل صباح، وكل مساء"، وكل يوم، وكل صباح".
"ومثل: بين بين وستأتي" ٢، فإن فقدت الظروف التركيب، أو أضيف أحد الجزأين للآخر، أو عطف عليه امتنع البناء، ووجب إعرابها وتصرفها لكن أيبقى المعنى في الجميع مع فقد التركيب بسبب وجود العطف، أو الإضافة كما كان مع التركيب أم يختلف؟ اتفقوا على أنه باق في الجميع، إلا صباح مساء عند الإضافة، مثل: أنت تزورنا صباح مساءٍ، ففريق يرى أنها كغيرها من الظروف المركبة التي تتخلى عن التركيب وتضاف، فيظل المعنى الأول باقيًا بعد الإضافة "وهو هنا: كل صباح وكل مساء"، وفريق يرى أن المعنى مع الإضافة يختلف؛ فيقتصر على الصباح وحده كما في المثال السالف، حيث تقتصر الزيارة فيه على الصباح فقط؛ اعتمادًا على أن المعنى منصب على المضاف، "وهو الصباح"، أما المضاف إليه فهو مجرد قيد له؛ أي: صباحًا لمساء٣.
والحق أن الأمرين محتملان في المثال، إلا عند وجود قرينة تحتم هذا وحده، أو ذاك، فوجودها ضروري لمنع هذا الاحتمال.
ومن الظروف المركبة مزجًا، المبنية لهذا على فتح الجزأين، والتي لا تتصرف، "بين بين"٤ بمعنى: التوسط بين شيئين: مثل: درجة حرارة الجو أو الماء: بين بين، أي: متوسطة بين المرتفعة والمنخفضة، ثروة فلان بين بين، أي: بين الكثرة والقليلة فإن فقد الظرف: "بين" التركيب جاز أن يكون معربًا
_________________
(١) ١ تفصيل الكلام على المركب المزجي تعريفه، وتقسيمه، وحكمه مدون في الجزء الأول "م ٢٣ ص ٢٧٠ و٢٧٩، وما بعدهما في أقسام العلم ". ٢ الكلام على بعض استعمالات: "بين" في ص ٢٧٧ و٢٨٦. ٣ هذا رأي الحريري ومن تابعه، وقد دفعه آخرون، منهم ابن بري، والرأيان معروضان في الهمع ج ١ ص ١٩٧. ٤ ستجيء إشارة إليها في ص ٢٧٧ بمناسبة الكلام على: "إذ" كما سيجيء بعض أحكامها الهامة في ص ٢٨٦، وبيان "عن تركيبها المزجي" في ص ٢٨٩.
[ ٢ / ٢٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
متصرفًا ومنه قوله تعالى: ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾، وقوله: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ في قراءة من قرأه مرفوعًا، أما من قرأه بالنصب يدل الرفع فقد جرى على أغلب أحواله١ ومثله الظرف: "دون" في قوله تعالى: ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ .
ومن الظروف غير المتصرفة٢: "ذا"، و"ذات"، بشرط إضافتها إلى الزمان دون غيره، فيلتزمان النصب على الظرفية الزمانية فلا يجوز جرهما بـ"في" ولا وقوعهما في موقع إعرابي آخر، إلا على لغة ضعيفة لقبيلة "خثعم" تبيح فيهما التصرف، وقد رفضها جمهرة النحاة٣؛ نحو: قابلت الأخ ذا صباح، أو ذا مساء، أو ذات يوم، أو ذات ليلة، أي: وقتًا ذا صباح، ووقتًا ذا مساء، ومدة ذات يوم، ومدة ذات ليلة، أي: وقتًا صاحبًا لهذا الاسم، ومدة صاحبة لهذا الاسم٤.
وقد تضاف "ذات"، إلى كلمة: "اليمين" أو: "الشمال" وهما من الظروف المكانية كما سبق٥ فتصير ظرف مكان متصرفًا؛ نحو: تتحرك الشجرة ذات اليمين وذات الشمال، ونحو: دارك ذات اليمين والحدائق ذات الشمال، "وقد سبقت الإشارة إلى "ذا" و"ذات" من ناحية إفرادهما وجمعهما في الجزء الأول، باب الأسماء الستة م ٨ ص ٦٩٩، وفي آخر هامش ص ٣٢١ منه إشارة إلى استعمال: "ذات" استعمال الأسماء المحضة المستقلة، وأن النسب إليها هو: "ذووي، أو ذاتي" طبقًا للبيان التفصيلي في باب النسب ج ٢ م ١٧٨، وص ٥٤٤".
ومن غير المتصرف أيضًا: حوال – حوالى – حول – حولى – أحوال – أحوالى٦ وليس المراد في الغالب حقيقة التثنية والجمع، وإنما
_________________
(١) ١ يجوز إعرابه ظرفًا منصوبًا مباشرة، والفاعل محذوف، ويجوز اعتباره اسمًا مبنيا على الفتح في محل رفع فاعل وهناك إعرابات أخرى وانظر كلامًا يختص به في ص ٢٧٧ و٢٨٦. ٢ لهذا الظرف أمثلة أيضًا في ص ٢٦١ و٢٦٦ م ٧٩. ٣ راجع الهمع ج ١ ص ١٦٨. ٤ سبقت الإشارة لهذه الظروف في ص ٢٦٦ أما إيضاح معناها وحكم إضافتها مفصلة، فيجيء في ج ٣ ص ٣٦ م ٩٣. ٥ في ص ٢٦٦. ٦ لهذه الألفاظ إشارة في رقم ١ من هامش ص ٢٦٢.
[ ٢ / ٢٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المراد المعنى المفهوم من الكلمة المفردة، وهو: الإحاطة والالتفاف وقد يستعمل "حواليك" مصدرًا: مثل: لبيك١؛ لأن الحول، والحوال يكونان بمعنى "جانب الشيء المحيط به"، كما يكونان بمعنى: "القوة".
ومن الظروف التي لا تصرف "شطر" بمعنى: ناحية أو جهة؛ كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، ومنها: زنة الجبل، أي: إزاءه، ومثله: وزن الجبل، أي: الناحية التي تقابله؛ سواء أكانت قريبة أم بعيدة.
ومنها في أي: صددك وصقبك، تقول: بيني صدد بيتك، بنصبه على الظرفية؛ أي: قربه وقبالته، وبيتي صفت بيتك، أي: قربه كذلك، والصحيح أن هذين الظرفين يتصرفان؛ فيستعملان اسمين.
هـ- هناك ألفاظ مسموعة بالنصب، جرت مجرى ظرف الزمان والمكان، كانت مجرورة بحرف الجر: "في" فأسقطوه توسعًا، ونصبوها على اعتبارها متضمنة معناه، فمن أمثلة الزمان كلمة "حقًا" في مثل: أحقًا أنك مسرور؟ فحقًا ظرف زمان ومنصوب خبر مقدم، والمصدر المؤول بعده مبتدأ والأصل: أفي حق سرورك٢؟ وقد نطقوا بالحرف "في" أحيانًا فقالوا:
"أفي حق مواساتي أخاكم "، وقالوا: "أفي الحق أني مغرم بك هائم " وهذا الاستشهاد قد يصلح دليلًا على أن كلمة: "حقًا" السالفة ظرف زمان ومثلها: "غير شك أنك مسرور"، أو: "جهد رأيي أنك محسن"، أو: "ظنا مني أنك أديب"، فغير، وجهد، وظنا كلمات منصوبة هنا على الظرفية الزمانية٣ توسعًا بإسقاط حرف الجر: "في" والأصل: في غير شك في
_________________
(١) ١ سبق الكلام عليه في ص ٢٣٣ م ٧٦. ٢ والظرفية هنا زمانية مجازية كما في الخضري والتصريح آخر باب: "الظرف"، وقد سبق الكلام عليه مفصلًا في ج ١ ص ٥٨٦ "د" م ٥٢ عند الكلام على فتح همزة "أن"، وسبقت الإشارة إليه في رقم ٦ هامش ص ٢٦٣. ٣ والمعنى: سرورك حاصل في زمن لا شك في وقوع السرور فيه، وإحسانك متحقق في زمن سجلت فيه هذا قدر جهدي واستطاعتي، وأدبك حاصل في زمن أظن وقوعه فيه.
[ ٢ / ٢٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جهد رأيي في ظني والظرف فيها جميعًا خبر مقدم، والمصدر المؤول بعده مبتدأ مؤخر.
ومن أمثلة ظروف المكان السماعية: مطرنا السهل والجبل، وضربت الجاسوس الظهر والبطن، وإنما كانت هذه الظروف سماعية مقصورة عليه؛ لأنها لا تدخل في أنواع الظروف المكانية القياسية١.
و– قد ينزل بعض الظروف منزلة أداة الشراط؛ فيحتاج لجملة بعدها جملة بمثابة الجواب، وقد تقترن هذه بالفاء؛ كقوله تعالى: في منكري القرآن: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ .
وعلى هذا قول ابن مالك في حكم "خلا وعدا"، في باب "الاستثناء".
"وحيث جرًا فهما حرفان "٢
ز- هل يجو عطف الزمان على المكان وعكسه؟ سيجيء الجواب في مكانه الأنسب، من باب العطف آخر الجزء الثالث٣.
ح– الظروف الزمانية والمكانية متعددة الأنواع، والأحكام، جديرة أن تستقل برسالة توفيها حقها من البسط، والإيضاح، والتهذيب، وجمع شتاتها المتناثر في المطولات، والمراجع الكبيرة، واستصفاء ما يجدر الأخذ به، واستبعاد ما يغشيه مما لا يناسب، وتحقيق هذا كله غرض جليل هام يقتضي بحثًا مستقلًا؛ لا تزحمه البحوث الأخرى، فتضغطه، أو تطغى عليه.
على أن هذا لا يحول دون استخلاص موجز، مركز، دقيق؛ قد يفيد القانع؛ أو يسعف المضطر، ولكنه لا يغني المستقصي، الذي لن يرضى بغير التوفية بديلًا. ومثل هذا لا يجد طلبته إلا في بطون المراجع الواسعة؛ كالمعنى، وشرح
_________________
(١) ١ ظرف المكان القياسية مدونة في ص ٢٥٣ وما بعدها. ٢ راجع الصبان والخضري عند شرح البيت، ويجيء الإيضاح في هامش ص ٣٥٧، وانظر الكلام على الظرف "بين" في ص ٢٨٦ وما يليها من رقم ٤ هامش ص ٢٨٧" وهامشها؛ لصلته بالموضوع. ٣ ج ٣ م ١٢٢ ص ٥٢٤ وقد عرض الصبان لهذا البحث في آخر باب الظرف من الجزء الثاني من حاشيته على الأشموني.
[ ٢ / ٢٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المفصل، والجزء الأول١ من همع الهوامع: للسيوطي؛ فقد حوى أو كاد من شأن "الظرف" بنوعيه، ولا سيما الظرف المبني، ما لم يهيأ لسواه، وجمع في فصل: "الظروف المبنية" ما وصفه صادقًا بقوله١: "إني أوردت في هذا الفصل ما لم أسبق إلى جمعه واستيفائه من مبني ظروف الزمان والمكان، مرتبا على حروف المعجم ".
وفيما يلي الموجز: الذي استخلصناه من تلك المراجع، ورتبناه على حسب الحروف الهجائية، مع ترك ما سبق الكلام عليه٢.
١- إذ٣ ظرف للزمن الماضي في أكثر استعمالاتها، وقد تكون للمستقبل بقرينة٤، وهي مبنية على السكون، غير متصرفة٥ في الأغلب وتكون أحيانًا
_________________
(١) ١ و١ في ص ٢٠٤. ٢ مما يمكن الاكتفاء به. ٣ سبق كلام موجز عن "إذ" لمناسبة في "ج١ م ٣". وسيجيء الكلام على "إذ" و"إذا " بمناسبة أخرى في ج ٣ باب: "الإضافة" " ص ٧٧ و٧٩ و٨٤ و٩٢ م٩٤"، وفي ذلك الكلام بعض المسائل والأحكام الهامة ومن دواعي الاستفادة الكاملة الرجوع إليها، وربط المشترك منها بين هذا الباب، وذاك وسيجيء كلام آخر مفيد على "إذا" في ج ٤ باب: "عوامل الجزم"، ص ٣٣٣ م ٥٦. ٤ بيان هذا في رقم ٥ الآتي. ٥ جاء في المغني ج ١ عند الكلام عليها ما يفيد أنها: متصرفة؛ حيث يقول في الوجه الثاني من أوجه استعمالها ما نصه: "أن تكون مفعولًا به، نحو قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾، والغالب على المذكورة في أوائل القصص في التنزيل أن تكون مفعولًا به بتقدير، "اذكر"، نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾، وقوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ﴾، وقوله: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ – وبعض المعربين يقول يذلك إنه ظرف للفعل: "اذكر" محذوفًا وليس مفعوًا به وهذا وهم فاحش؛ لاقتضائه حينئذ الأمر بالذكر في ذلك لوقت، مع أن الأمر للاستقبال، وذلك الوقت قد مضى قبل تعلق الخطاب بالمكلفين منا، وإنما المراد ذكر الوقت نفسه أي: تذكره لا الذكر فيه". ا. هـ. كلام المغني. وقال صاحب الهمع "ج ١ ص ٢٠٤" في دلالتها الزمنية، وفي تصرفها، ما نصه: "أصل وضعها أن تكون ظرفًا للوقت الماضي، وهل تقع للاستقبال؟ قال الجمهور: لا، وقال جماعة منهم ابن مالك: نعم، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾، والجمهور جعلوا الآية ونحوها من باب قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ أي: من تنزيل المستقبل الواجب الوقوع منزلة ما قد =
[ ٢ / ٢٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مضافًا إليه، والمضاف اسم زمان؛ نحو: حيئذ، يومئذ فتتحرك "الذال" بالكسر عند التنوين.
وإذا كانت ظرفًا التزمت الإضافة إلى جملة١؛ إما اسمية ليس عجزها فعلًا ماضيًا٢، نحو قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا﴾، وإمال فعليه نحو: جئتك إذ دعوتني، ويشترط في الجملة الفعلية أن تكون ماضوية لفظًا ومعنى فقط كأن يكون فعلها مضارعًا قصد به حكاية الحال الماضية٣، وألا تكون شرطية، ولا مشتملة على ضمير يعود على المضاف، فلا
_________________
(١) = وقع، قال ابن هاشم: ويحتج لغيرهم أي: لغير الجمهور بقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ، إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾؛ فإن: "يعلمون" مستقبل لفظًا ومعنى: لدخول حرف "التنفيس" عليه، وقد عمل في "إذ"، فيلزم أن يكون بمنزلة "إذا"؛ لأن "إذا" للمتسقبل. "وتلزم "إذ" الظرفية؛ فلا تتصرف بأن تكون فاعله أو مبتدأة، أو غيرهما إلا أن يضاف اسم الزمان إليها؛ نحو: "حينئذ"، "يومئذ" وجوز الأخفش، الزجاج، وابن مالك وقوعها مفعولًا به، نحو قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ وبدللًا منه؛ نحو: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ﴾، والجمهور لا يثبتون ذلك، ووافقهم أبو حيان، فقال: "لأنه لا يوجد في كلام العرب: "أحببت إذ قدم زيد، ولا كرهت إذ قدم"، وإنما ذكروا ذلك مع الفعل: "اذكر" لما اعتاض أي: التوى، وصعب عليهم ما ورد من ذلك في القرآن وتخريجه سهل، وهو أن تكون "إذ" معمولة لمحذوف يدل عليه المعنى، أي: اذكروا حالتكم، أو: قضيتكم "أو أمركم وقد جاء بعض ذلك مصرحًا به؛ قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾، "فإذا" ظرف معمول لقوله: "نعمة الله"، وهذا أولى من إثبات حكم كل بمحتمل، بل مرجوح". ا. هـ. كلام أبو حبان. ا. هـ، ما دونه الهمع. ١ وفي هذه الحالة يشترط في "إذ" الظرفية المحضة ألا تكون مختومة بما الزائدة – نص على هذا المبرد في كتابه المقتضب، ج ٢ ص ٥٤. ٢ والسبب كما يقولون أن "إذ" للزمان الماضي في أغلب استعمالاتها، والفعل الماضي مناسب لها في الزمان، فلا يسوغ الفصل بينهما بالمبتدأ أو غيره، وهما في جملة واحدة، أما إذا كان الفعل بعدها مضارعًا، ولا بد أن يكون بمعنى الماضي ولو تأويلا ففصله وعدم فصله سواء؛ كلاهما حسن وسيجيء البيان مفصلًا في موضعه الأنسب. "ج ٣ م ٩٤ ص ٧٩ و٨٤ باب: الإضافة ". ٣ وقد اجتمع أنواع الجمل الثلاث في قوله تعالى عن رسوله الكريم: ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَن﴾، فقد أضيفت "إذ" لجملة ماضوية، ثم لجملة اسمية، ثم لجملة مضارعية.
[ ٢ / ٢٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يصح: أتذكر إذ إن تأتنا نكرمك وقد يحذف شطر الجملة الاسمية أحيانًا مع ملاحظة وجوده؛ كقول الشاعر:
هل ترجعن ليال قد مضين لنا والعيش منقلب إذ ذاك أفنانًا
والتقدير عندهم: العيش منقلب أفنانًا إذ ذاك كذلك؛ لأنها لا تضاف في الأغلب١ إلى مفرد٢، ومثله قول الآخر:
كانت منازل آلاف عهدتهموا إذ نحن إذ ذاك دون الناس إخوانًا
أي: إذ ذاك كذلك.
وقد تحذف الجملة التي تضاف إليها، ويعوض عنها التنوين٣؛ نحو: أقبل الغائب وكنتم حينئذ مجتمعين، أي: حين إذ أقبل
وقد تزاد للتعليل؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾؛ أي: لأجل ظلمكم في الدنيا ولا تصلح للظرفية هنا؛ لأن الظلم لا يقع يوم القيامة، وإنما يقع قبله في الدنيا وهي حرف بمنزلة لام التعليل وهذا أسهل وقيل: ظرف، والتعليل مستفاد من قوة الكلام، لا من اللفظ.
وقد تكون حرفًا للمفاجأة، أو زائدة لتأكيد معنى الجملة كلها؛ وذلك بعد كلمة: "بين"٤ المختومة "بالألف" الزائدة، أو"ما" الزائدة؛ نحو: بينا نحن جلوس إذ أقبل صديق ومثل: "فبينما العسر إذا دارت مياسير٥".
_________________
(١) ١ راجع الخضري والصبان "باب: "إن" مواضع كسرل الهمزة وجوبًا، وهل منها: "حيث"؟. ٢ قد يبدو هذا التقدير غريبًا، ولكن نزول غرابته كما يجيء في ج ٣ ص ٦٥ م ٩٤ بأمثلة أخرى توضحه وتؤيده، كأن نقول: المنافق منقلب أحوالًا إذ هذا المنافقان منقلبان أحوالًا إذ هذان، المنافقون منقلبون أحوالًا إذ هؤلاء، ففي كل هذه التراكيب وأشباهها وما أكثرها لا يتم المعنى إلا بالتقدير السالف. ٣ كما سبق في ج ١ ص ٢٦ م ٣. ٤ لها بيان في ص ٢٨٦ وما يليها، ومنه يعلم أنها واجبة الصدارة، والإضافة للجملة إذا كانت مختومة بالألف الزائدة، أو"ما" الزائدة. ٥ ولا بشرط فيها غير هذا، بخلاف "إذا" الفجائية التي ستجيء الكلام عليها في ص ٢٨٠.
[ ٢ / ٢٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هذا، واستعمال "إذ" قياسي في جميع الصور، والحالات المختلفة التي سردناها في الكلام عليها.
٢– إذا١ الصحيح أنها اسم؛ بدليل وقوعها خبرًا مع مباشرتها الفعل؛ نحو: الهناء إذا تسود المحبة الأهل، ووقوعها بدلًا من الاسم الصريح، نحو: المقابلة غدًا إذا تطلع الشمس.
أ– وهي ظرف للمستقبل في أكثر استعمالاتها، وتكون للماضي بقرينة؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾؛ لأن الآية نزلت بعد انفضاضهم.
وقد تكون ظرفًا للحال بعد القسم؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾؛ لأن الليل والغشيان مقترنان، وهل "إذا" في الآية متعلقة بفعل القسم، وفعل القسم للحال٢؟ ومثل قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ .
ب- والغالب ي استعمالها أن تتضمن مع الظرفية معنى الشرط بغير أن تجزم إلا في ضرورة الشعر، وتحتاج بعدها إلى جملتين، الأولى تحتوى على فعل الشرط، والثانية الجواب: نحو قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ .
وقد تتجرد للظرفية المحضة الخالية من الشرط٣؛ كقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ
_________________
(١) ١ لبعض أنواعها بيان يجيء في ج ٣ م ٩٤ ص ٩٢ باب: "الإضافة"، وكذا في ج ٤ ص ٤٠٥ م ١٥٥، الأمور التي تختلف فيها الأدوات الشرطية، وص ٤١٣ م ١٥٦: النوع الثالث. ٢ هذا رأي فريق من النحاة، ولم يوافق عليه آخرون؛ لما يلزم عليه من أن يكون القسم في وت غشيان الليل، وأنهما يحصلان معًا في زمن واحد. وارتضى هؤلاء أن تكون "إذا" ظرفًا متعلقًا بمضاف يدل عليه القسم؛ إذ لا يقسم بشيء إلا لعظمته، والتقدير: وعظمة الليل إذا يغشى، "راجع الصبان، جـ ٢ باب الإضافة عند الكلام على "إذا". ٣ جمهرة النحاة في هذه الحالة توجب نصبها على الظرفية دون غيرها، فلا تكون فاعلًا، ولا مفعولًا به، ولا غيرهما، أما قوله ﵇ لعائشة: "إني لأعلم إذا كنت عني راضية" فيؤولونه بأن المراد: إني لأعلم شأنك إذا كنت عني راضية، ولا يوافقون على أن تكون مفعولًا به، لئلا يفسد المعنى؛ إذ المراد ليس العلم بالزمن، وإنما المراد العلم بالحال والشأن. وهذا صحيح في الحديث السالف أما في غيره، فقد يكون المراد وقوع الأثر على الزمن نفسه، وعندئذ لا يمنع مانع من أن تكون "إذا" مفعولًا به، نزولا على ما يقتضيه المعنى.
[ ٢ / ٢٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إِذَا يَغْشَى، وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ ١، وقد اجتمع النوعان الظرفية المحضة، والظرفية الشرطية، مع حذف فعل الشرط في قول الشاعر:
إذا أنت لم تترك أخاك وزلة٢ إذا زلها أوشكتما٣ أن تفرقا٤
وإذا كانت للشرط فإنها لا تدل على التكرار؛ في مثل: إذا خرجت أخرج معك، يتحقق المراد بالخروج مرة واحدة، وهي أيضًا لا تفيد الشمول والتعميم في الرأي الشائع، فلو حلف رجل على أن يتصدق بمائة مثلًا إذا رجع ابن من أبنائه الغائبين؛ فرجع ثلاثة، لم يجب عليه إلا مائة، وتسقط عنه اليمين بعدها.
وتستعمل "إذا" الظرفية الشرطية في التعليق إذا كان الشرط محقق الوقوع٥، نحو: إذا أقبل الشتاء أقيم عندكم، أو مرجع الوقوع، نحو: إذا دعوتموني أيها الإخوان أحضر.
ج "وإذا" الظرفية الشرطية تضاف دائمًا إلى جملة فعلية خبرية، غير مشتملة على ضمير يعود على المضاف، والأكثر أن تكون ماضوية، وقد اجتمع
_________________
(١) ١ لو كانت "إذا" في الآية شرطية لاشتمل جوابها "هم يغفرون" على الفاء الرابطة أو ما ينوب عنها في الربط؛ لأن هذا الجواب جملة اسمية تحتاج للرابط، ولا داعي للتمحل بأن الرابط قد يحذف أحيانًا. "انظر ج ٤ ص ٤١٣ م ١٥٦ لأهيمته، واشتماله على بعض أوجه مفيدة". ٢ هفوة. ٣ اقتربتما. ٤ الأصل: تتفرقا، حذفت إحدى التاءين تخفيفًا. ٥ وهي بهذا تختلف عن "إن" الشرطية وأخواتها؛ مما يكثر في الأمر المحتمل، أو المشكوك في تحقيقه، وقد تدخل على المستحيل، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ . وقد تدخل على الأمر المحقق إن كان غير متيقن الزمان: كقوله تعالى: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾؟ فالموت محقق، ولكن زمنه مبهم. "وفي الجزء الرابع ص ٣٢٧ م ١٥٥ وص ٣٣٣ م ١٥٦ باب الجوازم البيان الشامل لهذه الأدوات كلها".
[ ٢ / ٢٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النوعان في قول الشاعر:
والنفس راغبة إذا رغبتها وإذا ترد إلى قليل تقنع
والماضي في شرطها أو جوابها مستقبل الزمن١؛ فإن وليها اسم مرفوع بعده فعل فالاسم في الغالب فاعل لفعل محذوف٢ مثل: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ وحين تقع شرطية ظرفية تكون مضافة إلى الجملة الشرطية المكونة من فعل الشرط ومرفوعه، ومنصوبة بما يكون في جملة الجواب من فعل أو شبهة٣.
د– وقد تكون "إذا" للمفاجأة٤، والأحسن في هذه الحالة اعتبارها حرفًا٥؛ فتدخل وجوبًا؛ إما على الجمل الاسمية، نحو: اشتدت الريح، فإذا البحر هائج، وإما على الجمل الفعلية المقرونة بقد؛ لأن "قد" تقرب زمن الفعل من الحال نحو: اشتدت الرياح، فإذا قد لجأت السفن إلى المواني يضطرب البحر، فإذا قد يتألم ركاب البواخر، كما يجب في كل حالاتها أن يسبقها
_________________
(١) ١ سواء أكان ماضي اللفظ والمعنى معًا، "وهو الماضي الحقيقي بصيغته وزمنه"، أم كان ماضيًا معنى وحكمًا دون لفظ، وهو المضارع المسبوق بحرف الجزم: "لم"، فإن هذا الجازم يقلب في الغالب زمنه للمضي كما هو موضح في باب "الجوازم"، ج٤ فإذا وقع الماضي الحقيقي، أو المعنوي وهو المضارع المسبوق بالحرف "لم" فعل شرط للأداة: "إذا" الشرطية أو لأداة شرطية جازمة أخرى تخلص زمنه للمستقبل المحض؛ كقول الشاعر: إن السماء إذا لم تبك مقلتها لم تضحك الأرض عن دان من الثمر ٢ أو نائب فاعل أحيانًا، ولهذا الرأي توضيح واف سبق في باب: "الانشغال" من هذا الجزء رقم ١ هامش ص ١٣٣ وفي ص ١٤٢. ٣ ولا يمنع من هذا العمل أن يكون الجواب مشتملًا أحيانًا على الفاء الرابطة، أو ما ينوب عنها؛ لأن هذه الفاء لا يعمل ما بعدها فيما قبلها في غير هذا الموضع الذي يكون فيه العامل واقعًا في جواب الشرط. ٤ أي: مفاجأة ما بعدها، بمعنى: هجومه. ٥ ويجوز اعتبارها ظرف زمان أو مكان أيضًا، بمعنى: "ففي الوقت أو ففي المكان" راجع ج ص ٤٩٢ م ٥٢.
[ ٢ / ٢٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كلام قبلها تقع عليه المفاجأة، وأن تكون المفاجأة في الزمن الحالي١ حتمًا لا المستقبل، ولا الماضي وأن تقترن بها الفاء الزائدة للتوكيد٢، وأن تخلو من جواب بعدها، وقد تليها الباء الزائدة التي تدخل سماعًا في مواضع؛ ومنها بعض أنواع معينة من المبتدأ، كالمبتدأ الذي بعدها، نحو نظرت فإذا بالطيور مهاجرة٣.
٣– الآن وهو اسم للوقت الحاضر جميعه، وهو الوقت الذي يستغرقه نطق الإنسان بهذه الكلمة نحو: أنارت الشمس الآن، أو الحاضر بعضه فقط، مثل: الملآح يحرك سفينته الآن، فإن تحريكه السفينة لا يعم ولا يشمل كل وقته الحاضر عند النطق، وقد يقع على الماضي القريب من زمن النطق، أو على المستقبل القريب منه: تنزيلًا للقريب في الحالتين منزلة الحاضر.
وهو ظرف، مبني على الفتح تلازمه "أل"، وظرفيته غالبة، لازمة أي: لا يخرج عنها إلا في القليل المسموع الذي لا يقاس عليه، ويرى بعض النحاة أنه معرب منصوب على الظرفية، وليس مبنيًا، وله أدلة تدعو إلى الاطمئنان والاستراحة لرأيه الأسهل٤.
_________________
(١) ١ المقصود بالزمن الحالي: الزمن الذي يتحقق فيه المعنيان في وقت واحد؛ المعنى الذي بعدها والمعنى الذي قبلها؛ بحيث يقترنان معًا في زمن تحقيقها، ولو كان زمن ماضيًا؛ كالذي في نحو: خرجت أمس فإذا المطر فياض. ٢ وقد سبقت الإشارة لهذا في ج ١ ص ٤٩٢. ٣ راجع المغني ج١ عند الكلام على "الباء"، وص ٤٩٣ الآتية و٤٩٥ حيث الكلام على حرف الجر الباء، والبيان الأنسب من حيث الأصالة والزيادة. ٤ في الجزء الأول من: "همع الهوامع" "باب: الظرف ص ٢٠٧" عرض واف للآراء المختلفة المتعددة التي تدور حول الظرف: "الآن" من ناحية الحكم عليه بالبناء، أو بالإعراب، وأدلة كل رأي، وجميعها أدلة جدلية محضة لا قيمة لها في إثبات المراد؛ لأن إثباته القاطع إنما يكون بعرض الأمثلة الصحيحة الواردة عن العرب التي تكفي في تأييد هذا أو ذاك، لا في مجرد الجدل المحض الذي لا تسايره الشواهد الكثيرة. على أن صاحب الهمع بعد فراعه من عرض الآراء أدلى برأيه، فقال ما نصه: المختار عندي القول بإعرابه؛ لأنه لم يثبت لبنائه علة معتبرة؛ فهو منصوب على الظرفية، وإن دخلته "من" جر. =
[ ٢ / ٢٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٤– أمس، اسم، معرفة، متصرف، وهو اسم زمان لليوم الذي قبل يومك مباشرة، أو ما في حكمه عند إرادة القرب ويستعمل مقرونًا بأل لزيادة التعريف، أو غير مقترن بها فلا يفقد التعريف.
وللعرب فيه لهجات ولغات مختلفة، تعددت بسببها آراء النحاة في استنباط حكمه، وخير ما يستصفى منها أنه:
إذا كان مقرونًا بأل فإعرابه وتصرفه هو الغالب، ولا يكون ظرفًا؛ نحو كان المس طيبا، إن الأمس طيب، أسفت على انقضاء الأمس.
وإذا لم يكن مقترنًا بأل فالأحسن عند استعماله ظرفًا أن يكون مبنيًا على الكسر دائمًا في محل نصب، نحو: أتممت الكتابة أمس وإن لم يستعمل ظرفًا، فالأحسن بناؤه على الكسر أيضًا في جمع أحواله، نحو: انقضى أمس بخير، إن أمس كان حسنًا، لم أشعر بانقضاء أمس.
ومما يتصل باستعمال "أمس" ما جاء في كتاب: "لسان العرب" وغيره، وهو أنك تقول: ما رأيت الصديق مذ أمس؛ إذا كان ابتداء عدم الرؤية هو
_________________
(١) = وخروجه عن الظرفية غير ثابت، ولا يصلح الاستدلال له بالحديث السابق لما تقرر غير مرة". ا. هـ، ثم قال بعد ذلك ما نصه: وفي شرح الألفية لابن الصائغ: إن الذي قال بأنه أصله "أوان" يقول بإعرابه، كما أن "أوانًا" معرب. ا. هـ. أما الحديث المشار إليه فقد ذكره قبل رأيه هذا قائلًا ما نصه: "وقال ابن مالك: ظرفيته "أي: الآن" غالبة لازمة؛ فقد يخرج عنها إلى الاسمية، كحديث: "فهو يهوي في النار، الآن حين انتهى إلى قعرها " فـ"الآن" في موضع رفع بالابتداء، "وحين انتهى" خبره، و"حين" مبني لإضافته إلى جملة صدرها ماض". ا. هـ. وإنما كان الحديث السالف غير صالح عنده للاستدلال به؛ لأن صاحب الهمع من طائفة ترى أن الحديث النبوي لا يستشهد به في اللغويات، لاحتمال أن يكون مرويًا بالمعنى دون حرص على النص اللفظي الذي نعلق به الرسول، ولأن بعض رواة الحديث أجنبي لا يحسن النطق بالكلام العربي الصحيح. وهذا رأي له معارضون لا يوافقون عليه، وللفريقين أدلة وبحوث طويلة في هذا الشأن عرضها مختصرة صاحب: "خزانة الأدب" في أولها، وكذلك عرض لها بشيء من البسط صاحب كتاب: "المواهب الفتحية" في الجزء الثاني.
[ ٢ / ٢٨٢ ]
اليوم الذي قبل يومك الحالي مباشرة، فإن لم تره يومًا قبل أمس قلت: ما رأيته مذ أول من أمس١، فإن لم تره مذ يومين قبل أمس قلت: ما رأيته مذ أول من أول من أمس، ولا يقال إلا ليومين قبل أمس، أي: لا يصح ذكر "أمس" لما قبلهما٢.
٥- بعد، أول، قبل، أمام، قدام، وراء، خلف، أسفل، يمين، شمال، فوق، تحت، عل٣، دون ٤.
من الظروف المبنية حينًا، والمعربة حينًا آخر: "بعد" وهو ظرف٥ زمان أو مكان٦، ملازم للإضافة في الحالتين.
_________________
(١) ١ هذا التركيب مثل قولهم: ما رأيته أول من أمس، "راجع ما يتصل به في ص ٢٨٥". ٢ راجع الكلام على كلمة "أول" في ص ٢٨٥، ثم إيضاح آخر عنها في ج ٣ ص ٦٢٣، ١٢٥، م ٩٤ باب: الإضافة. ٣ في الظرف "عل" لغات مختلفة، أوضحناها في باب الإضافة ج ٣، منها: "علا" "على وزن: عصا"، وبعض العرب يجيز إضافته، ولكنه يوجب قلب ألفه ياء عند إضافته لياء المتكلم طبقًا للبيان الخاص به في باب: الإضافة. ٤ في باب الإضافة من ج ٣ ص ١٥٥ م ٩٥ تفصيل الكلام على هذه الظروف، وعرض أحكامها مستوفاة. ٥ معناه الغالب: الدلالة على تأخر شيء عن شيء في زمانه، أو مكانه، ومن أمثلة دلالته على التأخر في الزمان ما قيل في رثاء زعيم سادات العرب: كأن الناس بعدك نظم سلك تقطع: لا يقوم له نظام وقد يكون معناه: "مع"؛ كقوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ أي: مع ذلك: "العتل: جافي الطبع: فاحش الزنيم: الشرير، دنيء الأصل ". ٦ صرح صاحب "الهمع" ج ١ ص ٢٠٩ باب: الظرف بما نصه: "بعد" ظرف زمان لازم الإضافة". ا. هـ، ولم يذكر شيئًا يدل على أنه يكون للمكان، وكذلك صاحب "المصباح المنير" حيث قال في مادة: "بعد" ما نصه: "بعد" ظرف" مبهم لا يفهم معناه إلا بالإضافة لغيره، وهو زمان متراخ عن السابق، فإن قرب منه قيل: "بعيده" بالتصغير كما يقال: "قبل العصر"؛ فإذا قرب قيل: "قبيل العصر"، بالتصغير، أي: قريبًا منه، ويسمى هذا: "تصغير التقريب". ا. هـ. غير أن صاحب التصريح ج ١ ص ٥٠ باب: "الإضافة" نص في وضوح وجلاء على أن يكون للزمان والمكان؛ فقد قال في معرض الكلام عن الظرفية: "قبل وبعد" ما يلي: =
[ ٢ / ٢٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أ- غير أن المضاف إليه قد يذكر، نحو: صفا الجو بعد المطر، وفي هذه الحالة يتعين أن يكون الظرف معربًا منصوبًا بغير تنوين؛ لأنه مضاف، ويجوز جرء بالحرف: "من".
ب– وقد يحذف المضاف إليه وينوي وجود لفظه بنصه الحرفي؛ فيبقى المضاف على حاله معربًا منصوبا غير منون؛ كما كان قبل حذف المضاف إليه؛ نحو: لما انقطع المطر صفا الجو بعد، أي: بعد المطر، وحكم الظرف هنا كسابقه.
جـ– وقد يحذف المضاف إليه، ويستغنى عنه نهائيًا كأن لم يكن؛ مثل: صفا الجو بعدًا والظرف في هذه الحالة معرب، منصوب، نون
د– وقد يحذف المضاف إليه وينوى معناه، "أي: ينوى وجود كلمة أخرى تؤدي معنى المحذوف في غير أن تشاركه في نصه وحروفه"، وفي هذه الصورة يلتزم الظرف المضاف: البناء على الضم؛ مثل: لما انقطع المطر صفًا الجو بعد، أي: بعد انقطاعه، أو: بعد ذلك١
_________________
(١) = لا يختصان بالزمان فقد يكونان للمكان كقولك: داري قبل دارك أو بعدها ". ا. هـ، بل بالغ بعضهم فجعل الأولى في استعمال: "بعد" أن يكون ظرف مكان، يدل على هذا ما سجله ياسين في تعقبه على ما جاء بالتصريح "ج ٢ باب: "حروف الجر"، عند الكلام على الحرف من، ص ٨". والحق أن "بعد" تكون للزمان تارة وللمكان أخرى، ولا داعي للتأويل الذي يراد منه قصرها على أحدهما. ثم انظر في رقم ١ التالي بعض الاستعمالات الأدبية. ١ يكثر وقوع الظرف: "بعد" تاليًا "أما الشرطية" التي ستجيء أحكامها مفصلة في باب خاص بها ج٤ م١٦١ ص ٤٧٠ كقولهم: " أما بعد، فإن شر الكلام الكذب "، وقد تحل "الواو" محل "أما الشرطية"، فيقال: "وبعد، فإن "، فمن أي الصور والحالات السالفة ما يكثر في بدء الخطب والرسائل الأدبية، ونحوها من مثل: تحية الله وسلامة عليكم: "وبعد"، فإدراك الغايات رهن باتخاذ الوسائل الناجعة " وقول صاحب: "القاموس المحيط" في ديباجة قاموسه: ما نصه: "الحمد لله منطق البلغاء وبعد فإن للعلم رياضًا ". ا. هـ. قال شارع الديباجة حين عرض لهذه العبارة قبل ذلك في تقييداته الأولى التي سماها: شرح ديباجة =
[ ٢ / ٢٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فالأحوال أربعة ٢ تعرب في ثلاثة منها، وتبنى في حالة واحدة هي: التي يحذف فيها المضاف وينوى معناه.
وتلك الأحوال الأربعة تنطبق على باقي الظروف التي وليت: "بعد".
غير أن هناك بعض الأمور تتصل بلفظ: "أول" الذي ليس ظرفًا١، منها: اعتباره اسمًا مصروفًا معناه ابتداء الشيء المقابل لنهايته، ولا يستلزم أن يكون له ثان؛ فقد يكون له ثان، وربما لا يكون؛ تقول: هذا أول ما اكتسبته: فقد تكتسب بعده شيئًا، أولا تكتسب، وقيل: يستلزم كما أن الآخر يستلزم أولًا، والحق الرأي الأول، وللقرائن دخل كبير في توجيه المعنى إلى أحد الرأيين، ومنه قولهم: "ما له أول ولا آخر٢.
ومنها: أن يكون وصفًا مؤولًا، أي: افعل تفضيل بمعنى: "أسبق"، فيجري عليه حكمه؛ من منع الصرف وعدم التأنيث بالتاء، ووجوب إدخال "من" على المفصل عليه؛ نحو: هذا أول من هذين، ولقيته عام أول من عامنا٣.
_________________
(١) = القاموس، للهوريني قال ما نصه: "بعد، كلمة يفصل بها بين الكلامين عند إرادة الانتقال من كلام إلى غيره وهي من الظروف، قيل: زمانية، وقيل: مكانية وعامله محذوف، قال الدماميني، والتقدير: أقول بعد ما تقدم من الحمد، والصلاة والتسليم على نبيه العظيم، "فإن" بالفاء، إما على توهم "أما" أو على تقديرها في نظم الكلام، وقيل: إنها لإجراء الظرف مجرى الشرط، وقيل: "إنها عاطفة وقيل: زائدة ". ا. هـ، والذي يعنينا هو فهم هذا الأسلوب، وأنه فصيح بالفاء. لاحظ البيان الذي في رقم ٦ من هامش ص ٢٨٣؛ لأهميته. ١ تفصيل أحكامها وأحوالها في ج ٣ ص ٥٣ م ٥٩ باب الإضافة. ٢ تقدم له بيان آخر في ص ٢٨٣، وكذلك في جـ١ ص ١٩٤ م١٧ باب النكرة والمعرفة، وستجيء إضارة مهمة إليه في جـ ٣ باب الإضافة. ٣ راجع الكلام عليه مع الظرف "أمس" في ص ٢٨٣، وله بيان آخر في جـ ٣ باب الإضافة ص ١٢٥. ٤ ويصح لقيته عامًا أول من عامنا، جاء في الهمع "ج ١ ص ٥٤ باب: "النكرة والمعرفة" ما نصه: "من الأسماء ما هو معرفة معنى، نكرة لفظًا، نحو: كان عامًا أول، وأول من أمس؛ فمدلولهما معين لا شيوع فيه بوجه، ولا يستعملا إلا نكرتين ". ا. هـ. وقد سبق بيان هذا في جـ ١ م.
[ ٢ / ٢٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومنها: أن يكون اسمًا معناه: "السابق"؛ فيكون مصروفًا؛ نحو لقيه عامًا أولًا، أي: سابقًا.
أما "أول" الظرف الزماني فمعناه: "قبل" نحو: رأيت الهلال أول الناس.
هذا، وأصل أول في الأرجح، بنوعيه: الظرف، والاسم، هو "أو أل" بوزن: أفعل؛ قلبت الهمزة الثانية واوًا، ثم أدغمت الواو في الواو، بدليل جمعه على أوائل١.
٦- بين٢ بدل فأما: "بين" فأصله ظرف للمكان، وقد يكون للزمان أيضًا. والكلمة في الحالتين مضافة إلا عند التركيب كما سبق٢ وتتخلل شيئين٣، أو ما في تقدير شيئين٤، أو أشياء٥، وتصرفها متوسط، وكذلك وقوعها معربة، مثل قوله تعالى في الزوجين: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَ﴾، فقد وقعت اسمًا معربَا مضافًا إليه، مجرور بالكسرة الظاهرة؛ كشأنها في قوله تعالى: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾، وقوله: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ في قراءة من رفع الظرف، وقوله: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ .
_________________
(١) ١ انظر ما يتعلق به في ص ٥٦٣ وفي ج ٣ باب الإضافة. ٢و٢ سبقت الإشارة إلى بعض أحكامها، "وهو: التركيب المزجي"، في ص ٢٧١، ولها إشارة أخرى في ص ٢٧٧ بمناسبة الكلام على: "إذ". ٣ كقوله تعالى: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . ٤ كقوله تعالى: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾، أي: بين الجهر والمخافتة. ٥ كقول امرئ القيس: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل أي: بين مواضع الدخول، ومما يصلح لتقدير شيئين، أو أشياء قول الشاعر: قدر الهجر بيننا فافترقنا وطوى البين عن جفوني غمضي
[ ٢ / ٢٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا تضاف إلا إلى متعدد؛ كقولهم: مقتل المرء بين فكيه، وقول الشاعر:
شوقي إليك نفى لذيذ هجوعي فارقتني فأقام بين ضلوعي
فإن أضيفت لمفرد وكان ضميرًا لا يدل على تعدد، وجب تكرارها مع عطف المكررة بالواو، كالآية السابقة؛ وهي: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾، وإن كان اسمًا ظاهرًا فالكثير أنها لا تتكرر، إذ يكتفى بالعطف بالواو على الاسم الظاهر المضاف إليه، مع جواز التكرار، وإن كان الأول هو الأكثر١؛ مثل: تضيع الغاية بين التردد واليأس، وقولهم: شتان بين روية وتسرع.
وقد يتصل بآخرها "الألف" الزائدة أو"ما"٢ الزائدة، فتصير في الحالتين زمانية غير متصرفة، واجبة٣ الصدارة والإضافة إلى جملة "اسمية، أو فعلية"، وبعدها كلام مرتب على هذه الجملة، يعتبر منزلة الجواب٤
_________________
(١) ١ تكرارها بين المتعاطفين الضميرين واجب، أما بين المتعاطفين الظاهرين فجائز للتوكيد؛ فيصح أن يقال: المال بين محمود وبين علي، بزيادة: "بين" الثانية، للتأكيد؛ كما قاله ابن بري وغيره، وبذلك يرد على منع الحريري تكرارها. راجع حاشية ياسين على شرح التصريح ج ٢، وكذا "الصبان" أول باب: "عطف النسق" فيها عند الكلام على واو العطف. ويؤيد ما سبق ورودها مكررة في بعض الأحاديث الشريفة التي نقلها، وشرحها صاحب المواهب الفتحية ج٢، وفي كلام آخر لعلي بن أبي طالب نقلناه في ج ٣ م ١١٨ باب: عطف النسق، عند الكلام على "الواو" وما تنفرد به ص ٥٤٤، وفي كلام لعمر بن عبد العزيز، وهو ممن يحتج بكلامهم. وكذلك وردت في شعر يحتج به نقله "الطبرسي في كتابه مجمع البيان ج ١ ص ٤٥"، ونصه: قال عدي بن زيد: وجاعل الشمس مصرًا لا خفاء به بين النهار، وبين الليل قد فضلا المصر: الحاجز وقول أعشى همدان: بين الأشح وبين قيس باذخ بخ بخ لوالده وللمولود ٢ وقوع "ما" الزائدة بعد الظرف: "بين" يوجب وصلهما في الكتابة، وتصديرهما في الجملة، وكذلك مع الألف الزائدة كما تقدم في ص ٢٦٨ و٢٧٩. ٣ كما في القاموس وغيره. ٤ يكون الظرف مضافًا للجملة التي بعده مباشرة، ومنصوبًا لعامل في الكلام المتأخر عنها، المترتب =
[ ٢ / ٢٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = عليها، كأنه جواب لها، معلق عليها كتعليق الجواب على الشرط، وقد يقترن هذا الجواب بالفاء على الوجه الذي سبق في "و" ص ٢٧٦، وكما يجيء في هامش ص ٣٥٩"، وما سبق هو رأي الجمهور، وهناك آراء أخرى أيسرها أنها بعد اتصال "ما" الزائدة، أو: الألف الزائدة بها، تصير ظرف زمان غير مضاف؛ لأن الحرف الزائد قد كفها عن العمل، ويصير الظرف "بين" منصوبًا بالعامل الذي في الجملة التي تليه مباشرة، والجملة التي تليها بمنزلة الجواب، وهذا رأي حسن، وفيه تيسير. ومن المفيد الذي يوضح ما سبق أن نسجل هنا ما جاء في حاشية الأمير على المغني، وما جاء في الصبان عن هذه المسألة بالرغم مما في كلامهما من تحليل لا يعرفه العربي القديم: "أ" جاء في المغنى؛ ج في الكلام على "إذا" وأنواعها، ما نصه: "تكون للمفاجأة، نص على ذلك سيبويه، وهي الواقعة بعد "بينا"، أو"بينما" و "، وقد علق على هذا: الأمير في حاشيته، قائلًا ما نصه: أصل: "بين" مصدر "بان"، إذا تفرق، ثم استعملت الظروف؛ زمانية ومكانية، ولا تضاف إلا لمتعدد؛ فأصل قولك: جلست بين زيد وعمرو، وأتيت بين الظهر والعصر، جلست مكان تفرق زيد وعمرو، أي: المكان الواقع بينهما، وأتيت زمن تفرق الظهر والعصر، أي: الذي يفصل بينهنما، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ثم لما أرادوا أن يضيفوها إلى الجملة مع كونها لازمة للإضافة للمفرد أي: لغير الجملة وكانت الإضافة إلى الجملة كلا إضافة، لعدم تأثيرها في لفظ المضاف إليه وصلوها بأحد الأمرين، "ما" التي شأنها الكف، فكأنها كفتها عن الإضافة، أو"الألف" مشبعة عن الفتحة؛ لأنها أيضًا تفيد قطع ما قبلها في الوقف، مبدلة عن تنوين إثر فتح، كالظنونا في قوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾، ثم هي بعد ظرف زمان فقط؛ لأنه ليس لنا مكان يضاف للجملة غير "حيث"، وإن تأملت ما سبق أغناك عن إضمار "أزمان" بعدها إذا أضيفت للجملة كما قيل"". ا. هـ، وهذا الرأي أحسن من التالي. "ب" وقال الصبان في الجزء الثاني باب الإضافة عند الكلام على قول ابن مالك: وألزموا إضافة إلى الجمل حيث وإذ ما نصه: "اعلم أن أصل: "بين" أن تكون مصدرًا بمعنى: الفراق، فمعنى جلست بينكما: جلست مكان فراقكما، ومعنى أقبلت بين خروجك ودخولك: أقبلت زمان فراق خروجك ودخولك، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، فتبين أن: "بين" المضافة إلى المفرد أي: الذي ليس جملة تستعمل في الزمان والمكان. فلما قصدوا إضافتها إلى الجملة، اسمية أو فعلية والإضافة إلى الجملة كلا إضافة زادوا عليها تارة: "ما" الكافة: لأنها تكف المقتضى عن اقتضائه، وأشبعوا تارة أخرى الفتحة، فتولدت "ألف" لتكون الألف دليل عدم اقتضائه للمضاف إليه؛ لأنه حينئذ كالموقوف عليه؛ لأن =
[ ٢ / ٢٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
للظرف١ فمثال الفعلية: بينما أنصفتني بالود ظلمتني بالمن، وقول الشاعر:
فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا إذا نحن فيهم سوقة نتنصف٢
ومثال الاسمية:
استقدر الله خيرا٣، وارضين به فبينما العسر إذ دارت مياسير
وبينما المرء في الأحياء مغتبطًا إذ صار في الرمس٤ تعفوه الأعاصير
وقد ورد في السماع الذي لا يقاس عليه إضافة "بينا" للمصدر دون: "بنيما" على الصحيح
وقد تركب تركيب مزج "كخمسة عشر"، فتبنى مثلها على فتح الجزأين كقول الشاعر:
_________________
(١) = الألف قد يؤتى بها للوقوف، كما في: "أنا" والظنونا يشير إلى أن الأصل في "نا" خلوها من الألف، وإلى قوله تعالى: "وتظنون بالله الظنونا"، وتعين حينئذ ألا تكون إلا للزمان، لما تقرر أنه لا يضاف إلى الجمل من المكان إلا حيث. وإضافة: "بينما" أو "بينا" في الحقيقة إلى زمان مضاف إلى الجملة، فحذف الزمان المضاف، والتقدير: بين أوقات زيد قائم، أي بين أوقات قيام زيد كذا قرره الرضي. "وقد يضاف "بينا" إلى مفرد مصدر دون "بينما" على الصحيح، كذا في الدماميني والهمع، وتقدير: "أوقات"؛ لأن "بين" إنما تضاف لمتعدد، وناقش أبو حين بأن: "بين" قد تضاف للمصدر المتجزئ، كالقيام، مع أنهم لا يحذفون المضاف إلى الجملة في مثل هذا. "قال في الهمع: وما ذكر من أن الجملة بعد: "بينا" و"بينما" مضاف إليها هو قول الجمهور، وقيل: "ما" و"الألف" كافتان؛ فلا محل للجملة بعدها، وقيل: "ما" كافة دون الألف بل هي مجرد إشباع". وعلى عدم إضافتهما يكون عاملها ما في الجملة التي تليها كما في المغني". ا. هـ، كلام الصبان. ١ ومن النادر المسموع أن يتحقق لها هذا دون أن يتصل بآخرها "الألف الزائدة"، أو: "ما الائدة" كالوارد في كلام الحارث بن حلزة اليشكري حيث يقول: بين الفتى يسعى ويسعى له تاح له من أمره خالج الخالج: الذي يقتلع الشيء وينتزعه. ٢ فطلب الإنصاف. ٣ أسأله أن يقدره ويهيئه لك. ٤ القبر.
[ ٢ / ٢٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نحمي حقيقتنا وبعض القوم يسقط بين بين
الأصل: بيننا وبين الأعداء، أي: بين المقاتلين، فأزيلت الإضافة من الظرفين، وركب الأسمان تركيب خمسة عشر.
فإن أضيف صدر: "بين إلى عجزها جاز بقاء الظرفية في الصدر، وجاز زوالها. فمن الأول قولهم: المنافق بين بين، ينصب الأولى على الظرفية مباشرة، ومن الثانية قولهم: المنافق بين بين، أما إذا وقعت مضافًا إليه، فيتعين زوال الظرفية.
وأما: "بدل" قد سبق الكلام عليه في ص ٢٦١.
٧– حيث من الظروف المكانية الملازمة للبناء، برغم أنها مضافة١، والأكثر أن تبنى على الضم، وتضاف للجمل٢ الاسمية والفعلية، وإضافتها للفعلية أكثر نحو: قعدت حيث الجو معتدل، وبقيت حيث طاب المقام؛ وقول الشاعر:
وما المرء إلا حيث يجعل نفسه ففي صالح الأخلاق نفسك فاجعل
ومن القليل إضافتها للمفرد، ومع قلته جائز، ولكن لا داعي لترك الكثير إلى القليل، ومثله دلالتها على الزمان٣.
_________________
(١) ١ سيجيء الكلام عليها من ناحية إضافتها للجملة أو المفرد "في باب: الإضافة، ج ٣ م ٩٣ ص ٧٧"، وبناء الظروف مع إضافتها شائع، كما ترى في هذا الباب. ٢ بشرط أن تكون "حيث" غير مختومة بما الزائدة عند إضافتها إلى الجملة. وقد نص على هذا الشرط فيها، وفي "إذ" الظرفية المحضة المبرد في كتابه: "المقتضب" ج٢ ص ٥٤. ٣ فقد قالوا: إن الأصل فيها أن تكون للمكان، وقد تكون للزمان؛ كقول الشاعر: للفتى عقل يعيش به حيث تهدي ساقه قدمه " أي: حين تهدي " كما قالا: إنها لا تستعمل في الغالب إلا ظرفًا، وندر جرها بالباء، نحو: تلاقينا بحيث صافح أحدنا الآخر، وكذلك جرها بالحرف "إلى"، كقول الشاعر: إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم و"في" نحو: أصبحنا في حيث التقينا، ونص ابن مالك على أن تصرفها نادر. وقال ابن هشام في المغني: الغالب كونها في محل نصب على الظرفية، أو خفض بمن، وقد تخفض بغيرها، كقول الشاعر: إلى حيث إلخ، والأحسن الأخذ برأي ابن هشام؛ لما فيه من تيسير وإن كان الجر قليلًا.
[ ٢ / ٢٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٨– حول سبق عنه بيان مناسب ١.
٩– ريث أصله: مصدر راث، يريث، إذا أبطأ، ويجوز أن يترك المصدرية ويستعمل في معنى ظرف الزمان، فيكون مبينًا على الفتح، ومضافًا إلى جملة فعلية؛ نحو: بقيت معك ريث حضر زميلك، أي: قدر بطء حضور زميلك. وقد تقع بعدها "ما" الزائدة أو المصدرية فاصلة بينها وبين الجملة الفعلية، نحو: فلان يمنح المحتاج ريث ما٢ يسمع.
١٠- عند، ظرف يبين أن مظروفه إما حاضر حسًا، أو؛ معنى، وإما قريب حسًا، أو: معنى، فالأول، نحو: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ ٣، والثاني: نحو قوله: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾، والثالث: نحو قوله تعالى: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾، والرابع: نحو قوله تعالى: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾، وقوله: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ .
وهي ظرف مكان معرب، لا يكاد يستعمل إلا منصوبًا على الظرفية المكانية، كالأمثلة السابقة، أو مجرورًا بالحرف: "من" دون غيره من حروف الجر مثل: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾، وقد وردت للزمان قليلًا في مثل: أزورك عند شروق الشمس وقولهم: الصبر عند الصدمة الأولى، ويجوز محاكاته عند قيام قرينة، بشرط إضافة "عند" للزمان٤.
_________________
(١) ١ في رقم ١ من هامش ص ٢٦٢، وفي ص ٢٧٢. ٢ إن كانت "ما" زائدة فالأحسن في الكتابة وصلها بالظرف: "ريث"، وإن كانت مصدرية فالأحسن فصلها، وبالصورتين تصلح في البيت الثاني من قول الشاعر: ولولا اجتناب الذام لم يلف مشرب يعاش به إلا لدي، ومأكل ولكن نفسًا حرة لا تقيم بي على الضيم إلا ريثما أتحول ٣ ومثل قول الشاعر: إذا الشعر لم يطربك عند سماعه فليس خليقًا أن يقال له شعر ٤ جاء في المصباح المنير في مادة: "عند" ما نصه: =
[ ٢ / ٢٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وتشترك: "عند"١ مع "لدى" – و"لدن"١ في أمور، أهمها: الدلالة على ابتداء غاية مكانية أو زمانية ٢، وتخالفهما في أمور أخرى يجيء الكلام عليها مع الكلام عليهما.
_________________
(١) = "والأصل في استعمال هذا الظرف أن يكون فيما حضرك من أي قطر "ناحية" كان من أقطارك، أو دنا منك، وقد استعمل في غيره؛ فتقول: عندي مال؛ لما هو بحضرتك، ولما غالب عنك؛ فقد ضمن معنى الملك والسلطان على الشيء، ومن هنا استعمل في المعاني فيقال: عنده خير، وما عنده شر؛ لأن المعاني ليس لها جهات ". ا. هـ. ويقول أيضًا: "عند" ظرف مكان، ويكون ظرف زمان إذا ضيف إلى الزمان؛ نحو: عند الصبح، وعند طلوع الشمس، ويدخل عليه من حروف الجر "من" لا غير؛ تقول: جئت من عنده، وكسر العين هو اللغة الفصحى وتكلم بها أهل الفصاحة وحكى الفتح والضم". ا. هـ. ١ و١ سيجيء الكلام على: "لدن ولدي في ص ٢٩٤ و٢٩٥"، وأيضًا على "عند، ولدن" في باب الإضافة، ج ٣ ص ١٠١ م ٩٥. ٢ قال صاحب المفصل ج ٤ ص ٨٥ ما نصه في معنى ظروف الغايات: "قيل لهذا الضرب من الظروف غايات؛ لأن غاية كل شيء ما ينتهى به ذلك الشيء، وهذه الظروف إذا أضيفت كانت غايتها آخر المضاف إليه؛ لأن به يتم الكلام، وهو نهايته، فإذا قطعت عن الإضافة وأريد معنى الإضافة صارت هي غايات ذلك الكلام؛ فلذلك من المعنى، قيل لها: غايات". ا. هـ. وهذا يوافق ما يقوله بعض الشراح في تعريف ظروف الغايات، ونصه: "هي الظروف المبنية على الضم لحذف المضاف إليه، فتصير غاية وظرفًا بعد حذفه". ا. هـ. راجع حاشية المغني للعلامة الأمير أول ج ٢ فصل لكلام على "ما". وتوضيحًا لما سلف نسوق بعض الأمثلة التي تجلي المراد، منبهين إلى أن الغاية لها معان أخرى تختلف باختلاف الموضوعات، والمناسبات "منها: ما سيجيء في رقم ٤ من هامش ص ٤٥٩ ورقم ٢ من هامش ص ٤٦٨، ومنها: ما سيجيء كاملًا في ص ١٠١ و١٢١ م ٩٥ من الجزء الثالث، وفيه الأمثلة التي نسوقها لمناسبة دغت إليها هناك": أ- في مثل: سافرت من لدن بيتنا إلى الضاحية تشتمل هذه الجملة على الفعل: "سافر"، والسفر يقتضي الانتقال من مكان إلى آخر، فلا بد لتحققه من نقطة معينة يبتدئ منها، وأخرى ينتهي إليها، أي: لا بد له من مكان ابتداء، ومكان انتهاء، محددين، مضبوطين؛ كالذين هنا، وهما: البيت والضاحية، وبين نقطتي الابتداء والانتهاء مسافة محصورة بينهما، لا محالة، ويطلق على مجموع الثلاثة اسم اصطلاحي، هو: "الغاية المكانية" أي: "المسافة المكانية" أو: المقدار المكاني، وهي تشتمل كما ترى مكانا محدودا، محصورا، له بداية ونهاية معينتان، ومسافة تصل هذه بتلك، وقد دخل =
[ ٢ / ٢٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
١١، ١٢- عوض، قط، سبق الكلام عليهما في ص١١٦ و٢٦١
_________________
(١) = لفظ "لدن" على كلمة هي بداية الغاية؛ فدخوله على هذه الكلمة وعلى نظائرها يرشد إلى أنها أول جزء من أجزاء الغاية المكانية، أو أنها نقطة البداية. ولو قلت: سافرت من لدن الصبح إلى العصر، لدل الفعل: "سافر" على أنه استغرق زمنًا محددًا معينًا، له بداية زمنية معروفة، ونهاية زمنية معروفة كذلك؛ فله نقطتا ابتداء وانتهاء، زمنيتان مضبوطتان، وينحصر بينهما مقدار زمني يصلهما، ويتكون من مجموع الثلاثة "أي: من نقطة البداية، ونقطة النهاية، وما بينهما" ما يسمى في الاصطلاح: "الغاية الزمانية" بمعنى: "المقدار الزماني"، ودخول لفظ "لدن" على الكلمة التي بعده يرشد إلى أن هذه الكلمة نفسها هي نقطة البداية، أي أول: جزء من أجزاء الغاية الزمانية. ويفهم مما سبق أن "لدن"، و"عند" اسمان يدلان على ما بعدهما من بدء الغاية فسمى كل منهما "نقطة البداية" نفسها، وليس الابتداء الذي هو أمر معنوي، ولهذا كانا اسمين عند النحاة دون "من"، "ومنذ" الحرفين اللذين معناهما الابتداء المعنوي، فإضافة "لدن"، و"عند" إنما هي من إضافة الاسم إلى مسماه. "هذا وقد أطلنا الكلام في ج ١ ص ٥٦ م ٦ عن سبب تفريقهم بين كلمة: "ابتداء" واعتبرها اسما، وكلمة: "من" الجارة المقيدة للابتداء، واعتبارها حرفًا". لكن قد يخطر على البال السؤال الآتي: إذا ان لفظ "لدن" للدلالة على بداية الغاية، فما الداعي لمجيء الحرف "من" قبله، ومعناه الابتداء أيضًا؟ أجاب النحاة عن هذا إجابة غير مقنعة؛ فقالوا: إن دلالة "لدن" على بداية الغاية ليست مألوفة في الأسماء؛ فجاء الحرف "من" ليكون بمنزلة الدال على ذلك، ولهذا يكون في الأعلم الأغلب موجودًا. "راجع حاشية ياسين على شرح التصريح في هذا الموضع". والسبب الحق هو استعمال العرب القدامى لهما مجتمعين، دون تعليل آخر: ب– ما سبق يقال في الظرف: "عند"؛ فلو وضعناه مكان "لدن" في الأمثلة السالفة وأشباهها لم يتغير الأمر؛ ففي مثل: قرأت الكتاب من عند المقدمة إلى الخاتمة، تجد الفعل: "قرأ" لا يتحقق كاملًا إلا بنقطة مكانية معينة تبتدئ منها القراءة؛ هي: "المقدمة"، ونقطة أخرى محددة تنتهي إليها؛ هي: "الخاتمة"، وبين النقطتين المكانيتين مسافة مكانية تصل بينهما هي المسافة الأخرى المكتوبة، ومن اجتماع الثلاثة: "أي نقطة البداية المكانية، ونقطة النهاية المكانية، وما بينهما" يتكون ما يسمونه: "الغاية المكانية" التي يجيء الظرف "عند" ليدل على أن المضاف إليه هو نقطة البداية فيها: وإذا قلت: قرأت الكتاب من عند العصر إلى المغرب نشأت: "الغاية الزمانية" التي تتكون من اجتماع تلك الثلاثة، والتي يدخل الظرف "عند" على أول جزء منها؛ فيكون وجوده دليلًا على أن ما بعده "وهو المضاف إليه" نقطة البداية الزمانية مما تقدم يتضح الفرق بين "الغاية"، ومبدأ الغاية الذي يدل عليه "لدن" أو"عند"؛ فالغاية =
[ ٢ / ٢٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
١٣– كلما ظرف مركب من كلمتين هما: "كل" و"ما"، وهو بهذا التركيب اللفظي يفيد تكرار المعنى؛ نحو: كلما رأى الناس المصلح أكبروه، ويقول النحاة: إن كلمة "كل" فيه منصوبة باتفاق، وأنها مضافة إلى كلمة "ما" المصدرية؛ أو التي تعتبر نكرة بمعنى: "شيء"، وهذا الشيء "وقت" فكلمة: "ما" هنا محتملة لوجهين.
أحدهما: أن تكون حرفًا مصدريًا والجملة بعد هذا الحرف المصدري صلة له؛ لا محل لها من الإعراب، والأصل: كل رؤية الناس ، ثم عبرنا عن معنى المصدر بكلمتي: "ما والفعل" ثم أنيبا عن الزمان، أي: كل وقت رؤية كما أنيب عنه المصدر الصريح في مثل: جئتك خفوق النجم.
والآخر: أن تكون "ما" اسمًا نكرة بمعنى: "وقت"، فلا تحتاج على هذا إلى تقدير: "وقت" والجملة بعده في محل جر صفة؛ فتحتاج إلى تقدير ضمير عائد منها، أي: كل وقت رأى الناس فيه
وقد سبق أن هذا الظرف مركب من كلمتين، وأن كلمة: "كل" منصوبة حتمًا، وبقي أنه يحتاج إلى جملتين ماضيتين بعده، والثانية منهما بمنزلة الجواب له مع أنه ليس أداة شرط، والماضي فيها هو عامل نصبه ويجب تأخيرها.
"راجع المغني والهمع".
١٤– لدن، يكون ظرفًا دالًا على مبدأ الغايات، "أي: أنه لابتداء غاية زمان أو مكان بالمعنى الذي سبق١ شرحه في "عند"، ويلازم البناء، وبناؤه
_________________
(١) = تشمل الأجزاء الثلاثة، أما مبدأ الغاية فهو الجزء الأول منها، دون الجزأين الآخرين، وكذلك يتضح المراد من قولهم: "إن معنى: "لدن"، و"عند" هو الدلالة على مبدأ الغايات الزمانية أو المكانية"، وأنه يصح وضع أحدهما مكان الآخر، فيقال: جئت من عند الصديق، أو: من لدن الصديق، وفي القرآن الكريم: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾، فلو وضع أحد الظرفين مكان الآخر لجاز، ولم يمنع منه مانع إلا كره التكرار اللفظي بغير داع بلاغي. جـ- إذا دخل "لدن"، أو: "عند" على بداية الغاية فليس من اللازم أن يذكر معها اللفظ الدال على النهاية، إذ يكفي أن يشتمل الكلام على البداية وحدها ما دام المقام يكتفي به. د– ليس الأمر في كل ما سبق مقصورًا على الأفعال التي تعمل في الظرف، وتحتاج في تحقيق معناها إلى غاية زمانية أو مكانية، وإنما الأمر يشمل كل عامل آخر لا يتحقق معناه كاملًا إلا بذكر الغاية؛ يتساوى في هذا أن يكون العامل فعلًا، أو شبه فعل، أو اسم فاعل، أو اسم مفعول، أو غير ذلك مما يعمل ١ في رقم ٢ من هامش ص ٢٩٢.
[ ٢ / ٢٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
على السكون هو الأغلب، مثل: تذكر فضل والديك لدن أنت صغير.
والكثير في استعماله أن يكون مسبوقًا "بمن الجارة"١ مثل: هذا فضل من لدن الله الكريم، ومثل: بقي هنا من لدن الظهر إلى الغروب، وأن يكون مضافًا لمفرد كهذين المثالين٢، أو مضافًا للجملة؛ نحو: فلان مولع بالعلم لدن شب إلى أن شاب أو؛ مولع بالعلم لدن هو يافع، وقد يستغني عن الإضافة في حالة ستجيء
ويكون بمعنى: "عند" كثيرًا، ولكن يخالفها في أمور؛ منها:
أن "لدن" ظرف ملازم للإضافة للمفرد، أو للجملة، ويجوز استغناؤه عن الإضافة إذا وقعت بعده كلمة: "غدوة"؛ منصوبة٣ مثل قضيت الوقت لدن غدوة حتى غروب الشمس، أما "عند" فيصح أن تترك الإضافة، وتصير اسمًا مجردًا؛ كأن يقول شخص: عندي مال؛ فيجاب: وهل لك عند؟ "فعند" هنا مبتدأ، أو يقال: الكتاب عندي، فيجاب: أين عندك؟:
ومنها: أنه لا يكون إلا فضلة ولو ترك الظرفية؛ ففي مثل السفر من عند البيت لا يصح: السفر من لدن البيت، فكلمة: "عند" مجرورة، والجار والمجرور خبر، والخبر عمدة، وقد اشتركت "عند" في تكوينه؛ فهي عمدة بسبب اشتراكها، ولذا لا يصح: "السفر من لدن البيت" لكيلا تشترك: "لدن" في تكوين العمدة، وهي لا تكون إلا فضلة خالصة دائمًا.
١٥– لدى، ظرف معرب ملازم للنصب على الظرفية، ومعناه: "عند" ويخالفها في أمور:
منها: أن "لدى" لا تجر أصلًا، أما "عند" فتجر بالحرف "من".
_________________
(١) ١ وفي حالة جره لا يكون ظرفًا، وكذلك كل حالة أخرى لا يكون فيها منصوبا على الظرفية. ٢ ومثل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ . ٣ على اعتبار: "غدوة" تمييزًا، أو: اعتبارها خبرًا لكان المحذوفة، والتقدير: لدن كانت الساعة غدوة، ويجوز في "غدوة" الرفع عند الكوفيين، على اعتبارها فاعلًا لكان التامة المحذوفة، والتقدير: لدن كانت غدوة، أي: ظهرت ووجدت غدوة، ويجوز في "غدوة" الجر بالإضافة؛ وهو القياس.
[ ٢ / ٢٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومنها: أن "عند" تكون ظرفًا للأعيان "أي: للأشياء المجسمة" وللمعاني، أما "لدى" فلا تكون إلا للأعيان في الصحيح؛ تقول: هذا الرأي عندي صائب، ولا تقول: لدي.
ومنها: أنك تقول: عندي مال، وإن كان غائبًا، ولا تقول: لدي مال، إلا إذا كان حاضرًا.
هذا، وبإضافة "لدى" للضمير تنقلب ألفها ياء، نحو: لديك، لديه ١ أما حين إضافتها للاسم الظاهر فلا تنقلب.
١٦– لما٢ تكون ظرف زمان٣، بمعنى: حين، فتفيد وجود شيء لوجود آخر. والثاني منهما مترتب على الأول؛ فهو بمنزلة الجواب المعلق وقوعه على وقوع شيء آخر، نحو: لما جرى الماء شرب الزرع، ولهذا لا بد لها من جملتين، بعدها، تضاف وجوبًا إلى الأولى منهما؛ لأنها من الأسماء الواجبة الإضافة لجملة وتكون ثانيتهما متوقفة التحقق على الأولى، وعامل النصب في: "لما" هو الفعل أو ما يشبهه في الجملة الثانية.
والأغلب الأكثر شيوعًا في الجملتين ولا سيما ٤ الثانية أن تكون معًا
_________________
(١) ١ ويراعي في الإعراب ما سبق تفصيله في ج ١ م ١٦ ص ١٧٨، "آخر الكلام على الاسم المعتل الآخر". ٢ "لما" أنواع متعددة، منها: "لما، الظرفية"، والكلام عليها هنا، "ولها إشارة في ج ٣ ص ٩٢ م ٩٤، من باب: "الإضافة". ومنها: التي بمعنى "إلا" الاستثنائية وستجيء في "د" من ص ٣٦١ ومنها: "لما" الجازمة، "وستجيء في ج ٤ م ١٥٣ ص ٣٨٨". ٣ على المشهور؛ "لأن بعض النحاة يعتبرها حرفًا بمعنى: حين". وتسمى: "لما الحينية" ويسميها بعض النحاة: "لما الوجودية"؛ لأنها الرابطة لوجود شيء بوجود غيره؛ أو: "لما التوقيتية"؛ لأنها بمعنى وقت. ٤ قال الأشموني في الجزء الثالث، أو باب: "إعراب الفعل" عند الكلام على أنواع: "أن" ومنها الزائدة، ما نصه: "الزائدة هي التالية لما"، نحو قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ . ا. هـ، كلام الأشموني، وهنا قال الصبان: "قوله: نحو: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ وتقول: "أكرمك لما =
[ ٢ / ٢٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ماضيتين لفظًا ومعنى؛ نحو: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾، أو معنى فقط١ كقول المعري يصف خيلًا سريعة:
ولما لم يسابقهن شيء من الحيوان سابقن الظلالا
وقول المتنبي:
عرفت الليالي قبل ما صنعت بنا فلما دهتني لم تزدني بها علما
وقد ورد في القرآن الكريم وقوع الجملة الثانية مضارعية في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا﴾ كما ورد فيه وقوعها جملة اسمية مقترنة بالفاء، أو إذا، حيث يقول: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ
_________________
(١) = أن يقوم زيد، برفع المضارع، فارضى". ا. هـ، كلام الصبان نقلًا عن الفارضي، وهذا النص صريح في أنها قد تدخل على المضارع قياسًا إذا كان مسبوقًا بأن الزائدة، والعجيب أن الصبان يأتي به هنا جلبًا واضحًا، ليكمل ما فات الأشموني ثم ينسى هذا في الجزء الرابع أو باب الجوازم عند الكلام على: "لما" الجازمة حيث يصرح "الأشموني" بأنه استغنى كبعض من سبقوه بقوله: "لما" أخت "لم" عن أن يقول: "لما" الجازمة، وأنه احترز بكلمة: "أختها" من "لما" الحينية، ومن "لما" الاستثنائية؛ لأن هاتين لا يليهما المضارع، فيقول "الصبان" تعليقًا على هذا، وتأييدًا لما ما نصه: "أي: كلامه فيما يليه المضارع، فلا حاجة إلى الاحتراز منهما". ا. هـ، فهو يكتفي بهذا ساكتا عما قيل من أن المضارع لا يجيء بعد "لما" الحينية، و"لما" الاستثنائية، وكما نسي هذا في "باب الجوازم" نسيه أيضًا في باب "جمع التكسير" جـ ٤ عند الكلام على صيغة: "فعول" واطرادها، حيث قال الأشموني عنها في ذلك الباب: "ظاهر كلام المصنف هنا موافقة التسهيل فإنه لا يذكر في هذا النظم غالبًا إلا المطرد، ولما يذكر غيره يشير إلى عدم اطراده غالبًا بقد، أو نحو: قل، أو ندر ". ا. هـ، وهنا قال الصبان ما نصه: قوله: ولما يذكر غيره إلخ تركيب فاسد؛ لأن "لما" الحينية لا تدخل إلا على ماض ا. هـ، كلام الصبان. فما المراد في كل ما سبق في أن المضارع لا يجيء بعد "لما"؟ أيكون المراد أنه لا يجيء بعدها مباشرة بغير فاصل بينهما؟ لا دليل يوضح المراد. فبأي الرأيين نأخذ؟ بالأول؛ لأنه نص صريح، فيه تيسير، ولكن حظه من القوة والسمو البلاغي أقل كثيرًا من الآخر الذي منعه أكثر النحاة حتى الصبان في بعض تصريحاته. وستأتي إشارة أخرى للظرف "لما" في ج ٤ ص ٣١٤ م ٥٣، ونص الكلام السالف في جـ ٤، وفي النواصب م ١٤٨ ص ١٢٢"، ومن الخير ترك الأول الضعيف. ١ بأن يكون الفعل مضارعًا مجزومًا بالحرف "لم" الذي يخلصه للماضي.
[ ٢ / ٢٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾، ويقول: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ ١، وقد تأول النحاة هذه الآيات؛ بتقدير حذف الجواب أو بغير هذا، ولا داعي للتأول في القرآن بغير حاجة شديدة، وإذا كنا نقبل التأول في القرآن فلم لا نقبله في كلام من يحاكي القرآن؟ نعم نقبل محاكاته، وندع التأول لمن يتخذه شرطًا للقبول؛ فالنتيجة الأخيرة واحدة، هي صحة الاستعمال، وصحة تأليف الأسلوب على نسق القرآن، وقد جاء في كتاب: "مجمع البيان لعلوم القرآن" للطبرسي ج ٣ ص ١٥٥ في إعرابه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّه﴾ ما نصه: إذا، بمنزلة "الفاء" في تعليقه الجملة بالشرط. ا. هـ، يريد: ربط جملة جواب "لما" بشرطها، وهذا يؤيد ما قلناه.
وقد رأيت الجواب ماضيًا مقترنًا بالفاء أو أنه محذوف إن أخذنا بالرأي السالف في خطبة عائشة تدافع على أبيها، وتذكر مناقبه بعد موته وهي الخطبة الرائعة التي نقلها، وشرحها العلامة اللغوي محمد بن القاسم الأنباري " المتوفى سنة ٣٢٧ هـ"، وقد جاء فيها قولها: " أبى، والله لا تعطوه٢ الأيدي، وذاك طود منيف٣، وظل مديد فتى قريش ناشئًا، وكهفها كهلًا فلما قبض الله نبيه ﷺ اضطرب حبل الدين، ومرج٤ عهده، وماج أهله وأنى والصديق بين أظهرهم؛ فقام حاسرًا مشمرًا فلما انتاش٥ الدين، فنعشه، وأراح الحق على أهله، وقرر الرءوس على كواهلها، وحقن الدماء في أهبها، فلما حضرته منيته ففسد ثلمته بنظيره في المعدلة، وشقيقه في السيرة والمرحمة؛ ذاك ابن الخطاب " ففي المنقول هنا من الخطبة ووقع جواب "لما" ماضيًا مقرونًا بالفاء في موضعين هما: "فنعشه" و"فسد" إلا على الرأي القائل إنه محذوف.
والخطبة كاملة مشروحة في الجزء الثالث من مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق عدد تموز "يوليو" سنة ١٩٦٢ م المحرم سنة ١٣٨٢ هـ ص ٤١٤.
هذا "ولا مانع أن يتقدم جواب لما" عليها ما ورد في بعض المراجع اللغوية٦.
_________________
(١) ١ وكذلك قوله تعالى في قوم موسى: ﴿َلَمَّا جَاءَهُمْ بِآياتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ﴾ . ٢ لا تعطوه: لا تصل إليه. ٣ مرتفع. ٤ اضطرب. ٥ انتشل وانتزع. ٦ فقد جاء في: "تاج العروس، شرح القاموس" عند الكلام عليها ما نصه: =
[ ٢ / ٢٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
١٧– مذ ومنذ ١ قد يكونان ظرفين للزمان٢ متصرفين، مبنيين، وقد
_________________
(١) = "قد يتقدم الجواب عليها فيقال: استعد القوم للقاء العدو لما أحسوا بهم، أي: حين أحسوا بهم". ا. هـ، ومن هذا قول حافظ إبراهيم في قصيدته العمرية: أمنت لما أقمت العدل بينهمو فنمت نوم قرير العين هانيها والتقدير: لما أقمت العدل بينهم أمنت وكذلك قول ذي الرمة: تعرفته لما وقفت بربعه كأن بقاياه تماثيل أعجما أي: لما وقفت بربعه تعرفته لكن إذا تقدم جوابها عليها أيظل محتفظًا باسمه وبعمله، فيسمى جوابها، ويعمل فيها النصب، مع مخالفة هذا للحكم العام الذي يمنع تقدم الجواب على كل أداة من أدوات التعليق ، أم هي مستثناة من هذا الحكم العام؟. المفهوم من كلام "تاج العروس" هو احتفاظ جوابها باسمه، وبعمله بالرغم من تقدمه عليها مع أنها أداة تعليق، غير أن المفهوم من كلام الصبان في مسألة أخرى كهذه يخالف ما هنا؛ فقال في "لما" التي تقدم عليها عاملها إنها ظرف بمعنى "حين" متعلقة بالعامل الملفوظ المتقدم عليها، ثم قال ما نصه: "والظاهر أنها على هذا القول خالية من معنى الشرط". ا. هـ، راجع الصبان ج ٢ باب الإضافة عند بيت ابن مالك: والزموا "إذا" إضافة إلى جمل الأفعال إلخ وهو يريد بخلوها من منى الشرط أنها ظرف محض لا يفيد تعليقًا: فلا يصح تسمية عامله جوابًا إذا تقدم عليه، وعلى هذا لا يكون في الكلام أداة شرط. سواء أبقيت "لما" مفيدة للتعليق مع تقدم الجواب أم غير مفيدة، وسواء أكان هذا الرأي هو الأوضح أم ذاك، فالخلاف لفظي شكلي؛ لا يعنينا منه إلا أن الاستعمال صحيح على الرأيين، وأن الأسلوب خال من العيب اللفظي والمعنوي. ١ سبق الكلام عليهما في ج ١ ص ٢٦٦ م ٣٧ وص ٣٧٠ م ٣٨، وسيجيء في حروف الجر ص ٥١٨ م ٩٠ مناسبة أخرى لهما، والكلام عليهما متشعب النواحي، متعدد الأحكام، ولقد خصهما ببحث واف مستقل أحد أعضاء مجمع اللغة العربية القاهري، ودون بحثه المستفيض بمجلة المجمع "ج ٣ ص ٢٥٤"، واستطاع أن يعرض فيه كل ما يختص بهما عرضًا مقيدًا كاملًا، وقد أثبتناه آخر الكتاب ص ٥٤٤. ٢ معناهما: زمن، أو: أمد. ومن الظروف الزمانية: "متى" وهو اسم استفهام عن الزمان، وقد سبق الكلام على حكمه في رقم ٢ من هامش ص ٢٦٣.
[ ٢ / ٢٩٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يكونان اسمين مجردين من الظرفية، وقد يكونان حرفي جر.
فيصلحان للظرفية إذا وقع بعدهما جملة اسمية، أو فعلية ماضوية؛ فيعربان ظرفين مبنيين في محل نصب، مع إضافة كل منهما إلى الجملة التي بعده، وعامل النصب فيهما لا بد أن يكون فعلًا ماضيًا؛ وكذلك الفعل في الجملة الفعلية التي يضافان إليهما لا بد أن يكون ماضيًا، نحو: جئت مذ أو منذ الوالد حاضر مذ أو منذ حضر الوالد.
ويتجردان للاسمية الخالصة١ إذا لم تقع بعدهما جملة، ووقع بعدهما اسم مرفوع٢ نحو: غادرت البلد مذ، أو: منذ يومان، "فمنذ" أو"منذ" مبتدأ و"يومان" خبره. أو العكس٣، ولا بد من تقدمها في الحالتين "أي: عند إعرابها مبتدأ وخبرًا". والمعنى: غادرت البلد، أمد المغادرة يومان.
ويكونان حرفي جر إذا وقع الاسم بعدهما مجرورًا.
١٨– مع، ظرف لا يتصرف، وهو معرب منصوب على الظرفية في الرأي الشائع ويدل على زمان اجتماع اثنين غالبًا أو مكانهما٤، وإضافته هي الكثيرة، فإن انقطع عن الإضافة نون، وصار حالًا، وقد يصير خبرًا طبقًا لما سيجيء٥ من كلام وتفصيل هام عليه، وعلى ظروف تقدمت في المكان المناسب من باب: "الإضافة".
بناء أسماء الزمان المبهمة، وشبيهتها الأسماء الأخرى المبهمة التي ليست بزمان. تبنى على الفتح أسماء الزمان المبهمة كلها٦، ظروفًا وغير ظروف، جوازًا لا وجوبًا في حالتين:
_________________
(١) ١ أي: بغير ظرفية. ٢ فإن كان مجرورًا فهما حرفًا جر، كما سيجيء هنا، أما التفصيل ففي ص ٢٩٩، ٩٠، مبحث حرف الجر، وفي البحث المستقبل الخاص بهما ص ٥٤٤. ٣ فيكون "مذ ومنذ" ظرفين متعلقين بمحذوف هو الخبر، "انظر رقم ٣ من هامش ص ٥٢٠". ٤ كالذي في قول الشاعر: من جاور الشر لا يأمن بوائقه كيف الحياة مع الحيات في سفط ٥ ج ٣ ص١٢٦ م ٩٥. ٦ سبقت الإشارة إليها في ص ٢٥٢ وما بعدها، ويجيء تفصيل الكلام على أحكامها في ج ٣ باب الإضافة ص ٢١ و٥٤ و٧٠ و٧٣.
[ ٢ / ٣٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأولى: إذا أضيفت إلى الجمل جوازًا ولا وجوبًا١، والمراد بالمبهمة هنا:
النكرة التي تدل على الزمان دلالة غير محدودة بمبدأ ولا نهاية، مثل: حين، زمان وقت، أو تدل على وجه من الزمان دون وجه؛ مثل: نهار، صباح، عشية، غداة، بخلاف أسماء الزمان المختصة بتعريف أو غيره، مما سبق بيانه في رقم ٢ من هامش ص٢٥٢، فإن المختصة لا تضاف إلى الجمل، ومثلها: الزمان المحدود، كأمس، وغد، والمعدودة كيومين، ليلتين، أسبوع، شهر، سنة؛ فكل هذه الأزمنة٢ لا يضاف منها شيء للجمل.
فإذا أضيفت تلك الأسماء الزمانية المبهمة إلى الجمل فإنها تبنى جوازًا كما أسلفنا ويكون بناؤها على الفتح٣، ويجوز فيها الإعراب؛ ولكن البناء على الفتح أفضل إذا أضيفت لجملة فعلية، فلها مبني ولو كان مضارعًا مبنيا مثل: عاد المسرف فقيرًا كيوم جاء إلى الدنيا، ومثل: أشرف أيام الأمهات حين يحرص، على تربية أولادهن٤ والإعراب أفضل إذا أضيفت لجملة مضارعية مضارعها معرب، أو لجملة اسمية ٥؛ مثل قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ ٦ ومثل: أن تسمع من يقول: "الشجاعة مطلوبة"، فنقول: هذا يوم الشجاعة مطلوبة.
_________________
(١) ١ لأن الإضافة الواجبة إلى الجمل تحتم البناء كما سيجيء في جـ ٣ ص ٦٣، ٦٥، ٦٧ م ٩٤ وإذا أضيفت أسماء الزمان إلى جملة وجب أن تكون جملة خبرية، ولا تصلح الجملة الشرطية المقترنة "بإن" أو بغيرها من أدوات التعليق، ولا الجملة الإنشائية على اختلاف أنواعها إلى غير هذا من بقية الشروط التي ستذكر في الموضع السالف. ٢ سبق الكلام عليها أيضًا في ص ٢٥٢ م ٧٨. ٣ راجع الخضري وغيره في باب: "الإضافة" حيث عقد "تنبيهًا" مستقلًا للنص على البناء على الفتح فقط. ٤ ومن أمثلة المضاف لجملة ماضوية قول الشاعر: إن شر الناس من يبسم لي حين ألقاه، وإن غبت شتم فالأحسن في الإعراب أن تكون "حين" هنا مبنية على الفتح. ٥ سواء أكانت الجملة الاسمية مصدرة بما الحجازية، أو: "لا" أختها، أو: "لا" العاملة عمل: "إن" أم غير مصدرة. ٦ ومثل قول الشاعر: ولا خير فيمن لا يوطن نفسه على نائبات الدهر حين تنوب فالأحسن في الإعراب أن تكون "حين" هنا معربة "منصوبة مباشرة"، وليست مبنية على الفتح.
[ ٢ / ٣٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثانية: إذا أضيفت لمبني مفرد "أي: غير جملة"، نحو: يومئذ، حينئذ
وألحق النحاة بأسماء الزمان المبهمة، ما ليس زمانًا من كل اسم معرب ناقص الدلالة بسبب توغله١ في الإبهام؛ مثل: غير – دون – بين – مثل ونحوها ما يسمونه: "التوغل في الإبهام٢، ومن الأمثلة: "ما قام أحد غيرك" والآيات الكريمة: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾، في قراءة من قرأ: مثل بفتح اللام ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾، ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ بالبناء على الفتح
_________________
(١) ولا خير فيمن لا يوطن نفسه على نائبات الدهر حين تنوب فالأحسن في الإعراب أن تكون "حين" هنا معربة "منصوبة مباشرة"، وليست مبنية على الفتح. ١ أي: تعمقه وتغلغله في داخله. ٢ المراد به: اللفظ الذي لا يتضح معناه إلا بما يضاف إليه، وستجيء إشارة له " في الجزء الثالث باب: الإضافة ص ٢١ ص ٤٥ م ٩٣ ومنها نعلم: أن اللفظ المتوغل في الإبهام قد يكتسب البناء من المضاف إليه مع إيضاح هذا مفصلًا وأنه في أكثر أحواله لا يقع نعتًا، ولا منعوتًا، إلا "غير، وسوى"، فيصلحان للنعت، ومن ألفاظه: قبل وبعد و كما سيجيء في باب لنعت ص ٣٤٦ م ١٤٤ من الجزء الثالث. وأنه في أكثر أحواله لا يستفيد التعريف من المضاف إليه المعرفة إلا بأمر خارج عن الإضافة؛ كوقوع كلمة: "غير" بين ضدين معرفتين كما نص على هذا " العكبري" في صدر كتابه المسمى: "إملاء ما من به الرحمن " أول سورة البقرة في مثل: رأيت: العلم غير الجهل، وعرفت العالم غير الجاهل، وكقوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ فوقوع كلمة: "غير" بين ضدين معرفتين أزال إبهامها؛ لأن جهة المغايرة تتعين، بخلاف خلوها من ذلك في مثل: أبصرت رجلًا غيرك، وكذلك الشأن في كلمة: "مثل" إذا أضيفت إلى معرفة بغير وجود قرينة تشعر بمماثلة خاصة، فإن الإضافة لا تعرفها، ولا تزيل إبهامها، إما إن أضيفت لمعرفة وقارنها ما يشعر بمماثلة خاصة فإنها تتعرف؛ نحو: راقني هذا الخط وسأكتب مثله؛ وهذا معنى قولهم: إذا أريد بكلمة: "غير" و"مثل" مغايرة خاصة ومماثلة خاصة حكم بتعريفهما، وأكثر ما يكون ذلك في "غير" إذا وقعت بين متضادين؛ أما قوله تعالى: ﴿أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ حيث وقعت كلمة: "غير" المضافة للمعرفة صفة للنكرة، فالحقيقة أنها لا تعرب هنا صفة ولكن تعرب بدلًا؛ لعدم مطابقتها. "ثم انظر رقم ٣ من هامش ص ٣٤٦، ففيه تكملة للموضوع مفيدة" أما تفصيله على وجه مناسب ففي ج ٣ باب الإضافة م ٩٣ ص ٢٥ عند الكلام على الحكم السادس من أحكام الإضافة.
[ ٢ / ٣٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جوازًا في هذه الأمثلة، وأشباهها، فالإضافة تجوز البناء على الفتح وحده في الأنواع الثلاثة السالفة.
وذهب ابن مالك إلى أنه لا يبني مضاف بسبب إضافته إلى مبني أصلًا، لا ظرفًا ولا غيره؛ وأن الفتحة في الأمثلة السابقة حركة إعراب لا بناء؛ إما على الحالية، أو على المصدرية، أو أو١
وهذا الرأي قد يكون أنسب للأخذ به اليوم والاقتصار عليه، بالرغم من صحة الأول وقوته، شيوعه قديمًا، منعًا للاضطراب، وتحديدًا للغرض.
_________________
(١) ١ راجع في كل ما سبق الهمع "جـ ١ ص ٢١٨"، والأشموني والصبان أول باب: "الإضافة"، عند الكلام على الإضافة غير المحضة؛ وبيت ابن مالك: وذي الإضافة اسمها لفظية بقي أن نذكر ما قرره النحاة بشأن تلك الألفاظ إذا لم تستفد التعريف من المضاف إليه، فسيبويه والمبرد يقولان: إن الإضافة غير المحضة: فائدتها التخفيف، وما يتبعه من مزايا تلك الإضافة. وغيرهما يقول: إنها محضة ومعنوية تفيد "التخصيص"، وإن كانت لا تفيد "التعيين" كما سيجيء في باب الإضافة، جـ ٣.
[ ٢ / ٣٠٣ ]
المسألة ٨٠: المفعول معه ١
أ- إذا سأل مسترشد: أين دار الآثار القديمة؟ فقد يكون الجواب: تسير مع طريقك هذا؛ فينتهى بك إليها.
ليس المراد أنه يسير، والطريق يسير معه حقيقة، وإلا كان المعنى فاسدًا؛ لأن الطريق لا يمشي، وإنما المراد أن يباشر السير في هذا الطريق، ويقرن المشي به حتى يصل.
ولو كان الجواب: تسير وطريقك هذا لكان التعبير سليمًا، والمراد واحدًا في الجوابين.
فإن كان السؤال: أين محطة٢ القطر؟ فالجواب قد يكون: تمشي مع الأبنية التي أمامك؛ فتنتهى بك إلى ميدان فسيح، فيه المحطة٢، ليس المراد أن يمشي، وتمشي معه الأبنية فعلًا: وإلا فسد المعنى؛ إذ الأبنية لا تمشي، وإنما المراد أن يلتزم المشي الذي يقارنها، ويلابسها حتى يصل إلى غايته.
ولو كان الجواب تمشي والأبينة التي أمامك لصح الأسلوب، وما تغير المراد.
ب– وإذا قلنا: أكل الوالد مع الأبناء فإن الجملة تفيد أن الأبناء شاركوا والدهم فعلًا في الأكل حين يأكل؛ بسبب وجود كلمة تفيد المشاركة الحقيقية في معنى الفعل، وهي كلمة: "مع" ولا يفسد المعنى بهذا الاشتراك الحقيقي.
وكذلك لو قلنا: أكل الوالد والأبناء؛ فإن المعنى يبقى على حاله، ولا فساد في التركيب.
ومثل هذا: جلس الأب مع الأسرة؛ فإن هذه الجملة تفيد اشتراك الأسرة في الجلوس اشتراكًا واقعًا في زمن واحد؛ بسبب وجود كلمة تفيد هذا؛ وهي: "مع"، ولا شيء يحول دون هذا المعنى، أو يؤدي إلى فساد الصياغة لو قلنا: جلس الأب والأسرة.
_________________
(١) ١ أي: المفعول الذي وقع معه فعل الفاعل. ٢ و٢ كلمة: "محطة" عربية صحيحة.
[ ٢ / ٣٠٤ ]
نعود إلى الجمل التي فيها: "الواو" بدلًا من كلمة: "مع" وهي:
تسير وطريقك، تمشي والأبنية، أكل الوالد والأبناء، جلس الأب والأسرة فنلحظ أن كل كلمة وقعت بعد الواو مباشرة هي: اسم، مسبوق بواو بمعنى: "مع"، وهذه الواو تدل على أن ما بعدها قد لازم اسمًا قبلها، وصاحبه زمن وقوع الحدث١، وقد يشاركه، في الحدث كالمثالين الأخيرين في "ب" أولًا يشاركه؛ كالمثالين الأولين، وهذا الاسم الذي بعدها هو ما يسمى: "المفعول معه"، ويقولون في تعريفه:
إنه: اسم مفرد٢، فضلة، قبله واو بمعنى: "مع"، مسبوقة بجملة فيها فعل أو ما يشبهه في العمل وتلك الواو تدل نصًا٣ على اقتران الاسم الذي بعدها باسم آخر قبلها ٤ في زمن حصول الحدث، مع مشاركة الثاني للأول في الحدث، أو عدم مشاركته٥.
_________________
(١) ١ معنى الفعل، أو ما يشبهه. ٢ المراد بالمفرد هنا: ما ليس جملة، ولا شبهها. ٣ إن لم يمكن التنصيص بها على المصاحبة بسبب أن الاسم السابق منصوب، وأن العامل يصح أن يتسلط على الاسم الذي بعدها مباشرة، فهي للعطف وحده قطعًا؛ نحو: قرأت المجلة والصحيفة، "كما سيجيء في رقم ٢ من هامش ص ٣١٠". أما إذا كان الاسم السابق مرفوعًا، أو مجرورًا والاسم بعد الواو منصوبًا منطبقًا عليه تعريف المفعول معه، فإن نصبه يقطع بان المراد هو المعية نصًا، إذ لو كان المراد العطف لوجب جر المعطوف أو رفعه تبعًا للمعطوف عليه. ٤ قد يكون الاسم السابق ظاهرًا أو ضميران. ٥ أي: أن المشاركة في الزمن محتومة، أما المشاركة في المعنى فقد تتحقق أو لا تتحقق، وإنما هي متوقفة على القرائن التي تدل على هذا، أو ذاك انظر "أ" من ص ٣١٤.
[ ٢ / ٣٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
من التعريف السابق نعلم أن كل جملة مما يأتي لا تشتمل على المفعول معه:
أقبل القطار والناس منتظرون؛ لأن الذي وقع بعد الواو١ جملة، وليس اسمًا مفردًا.
اشترك محمود وحامد؛ لأن الذي بعد الواو عمدة، لا فضلة، إذ الفعل: "اشترك" يقتضي أن يكون فاعله متعددًا، أي: مثنى أو جمعًا؛ لأنه فعل لا يقع إلا من اثنين أو أكثر؛ فلا بد من التعدد، ولو بطريق العطف كالمثال المذكور؛ "فحامد" معطوف على الفاعل: "محمود" فهو في حكم الفاعل، وعمدة مثله.
خلطت القمح والشعير؛ لأن الواو لم تفد: "معية" وإنما فهمت المعية من الفعل: "خلط".
نظرت عليًا وحليمًا قبله، أو بعده شاهدت الليل والنهار؛ لأن الواو فيهما ليست للمعية وإلا فسد المعنى.
شاهدت الرجل مع زميله اشتريت الحقيقة بكتبها؛ فالمعية هنا مفهومة واضحة، ولكن لا توجد الواو.
كل زارع وحقله، بشرط أن يكون خبر المبتدأ: "كل" محذوفًا في آخر الجملة؛ والتقدير: كل زارع وحقله مقترنان؛ فلا تكون الواو للمعية؛ لعدم وقوعها بعد جملة، أما إذا كان الخبر مقدرًا قبل الواو "أي: كل زارع موجود وحقله" فالواو للمعية.
لا تتناول الطعام وتقرأ؛ لأن الذي وقع بعد الواو فعل٢.
_________________
(١) ١ هذه الواو تسمى: "واوا الحال"، وهي في الوقت نفسه للاستئناف؛ لوجوب دخولها على جملة، وهي من جهة المعنى تفيد المعية؛ لأنها تفيد في الغالب المقارنة الاقتران والمقارنة نوع من المعية، لكن لا تسمى اصطلاحًا "واو المعية" "انظر رقم ٥ من هامش ٣٩٥". ٢ يصح في هذا الفعل أن يكون مجزومًا بالعطف، أو مرفوعًا على الاستئناف فلا تكون الواو للمعية، ويجوز أن يكون منصوبًا بأن مضمرة وجوبًا بعد واو المعية؛ فيكون المصدر المؤول مفعولًا معه "في رأي راجح" كما صرح بهذا الخضري وغيره في هذا الباب، ولهذا الرأي ما يعارضه. وتفصيلهما في مكانهما من الجزء الرابع في باب: "النواصب"، عند الكلام على نصب المضارع بعد واو المعية.
[ ٢ / ٣٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هذا المال لك وأباك ما الرجل فرح والشريك، لعدم وجود ناصب يعمل النصب فيهما١؛ فلا يصح النصب؛ إذ لا مفعول معه.
_________________
(١) ١ مع ملاحظة أن "الصفة المشبهة" مثل: فرح، السالفة لا تصلح عاملًا. وسيجيء النص على هذا، وسببه في رقم ١ من هامش الصفحة التالية. وفيها عند الكلام على الحكم الأول من أحكام "المفعول معه"، بعض أمثلة مشموعة، خالية من عامل ظاهر؛ فيقدر لها عامل مناسب.
[ ٢ / ٣٠٧ ]
أحكامه:
له عدة أحكام، منها:
١ النصب، والناصب له: إما الفعل الذي قبله كالأمثلة السالفة أول الباب، وإما ما يشبه الفعل في العمل١؛ كاسم الفاعل، في نحو: الرجل سائر والحدائق وكاسم المفعول؛ في نحو: السيارة متروكة والسائق، وكالمصدر، في نحو: يعجبني سيرك والطوار٢، واسم الفعل في مثل: رويدك والغاضب٣ بمعنى: أمهل نفسك مع الغاضب.
وقد وردت أمثلة مسموعة لا يصح القياس عليها لقلتها وقع فيها المفعول معه منصوبًا بعد: "ما"، أو"كيف" الاستفهاميتين، ولم يسبقه فعل أو ما يشبهه في العمل، مثل: ما أنت والبحر؟ كيف أنت والبرد؟ فالبحر والبرد وأشباههما مفعولان معه، منصوبان بأداة الاستفهام.
وقد تأول النحاة هذه الأمثلة، وقدروا لها أفعالًا مشتقة من الكون وغيره٤، مثل: ما تكون والبحر؟ كيف تكون والبرد؟ فالكلمتان مفعولان معه؛ منصوبان بالفعل المقدر٥ عندهم.
_________________
(١) ١ إن كان الشبيه من المشتقات وجب أن يكون مما ينصب المفعول به، ولهذا لا تصلح الصفة المشبهة، ولا أفعل التفضيل؛ ولا ما لا ينصب المفعول به من سائر المشتقات. ٢ الرصيف، "والرصيف": كلمة صحيحة. ٣ بشرط أن تكون الواو للمعية، وبعدها المفعول معه، وليست للعطف وبعدها معطوف؛ لأن هناك حالات تصلح فيها للمعية والعطف كما سيجيء في ص ٣١٠. ٤ مثل: تصنع، تفعل وكل ما يصلح له الكلام كالمثالين لبيان مضمون المعنى ٥ والحق: أنه لا داعي لهذا التقدير؛ فقد كان بعض العرب ينصب المفعول معه بعد الأداتين السالفتين، ولن نقيس عليهما أدوات استفهام أخرى؛ إذ التقدير في مثل هذه الحالات معناه إخضاع لغة ولهجة، للغة ولهجة أخرى، من غير علم أصحابهما، وليس هذا من حقنا "كما يرى بعض المحققين، ومنهم "ابن جني" في بحثه الذي عنوانه: "باب، اختلاف اللهجات" بكتابه: "الخصائص" وكذلك غيره ممن نقل صاحب الزهر، ج ص ١٥٣، وبعض النحاة يجيز أن يقيس عليهما الأدوات الاستفهامية الأخرى. أ- وإذا كان أصل الكلام: ما تكون والبحر؟ وكيف تكون والبرد؟ فإن "تكون" المحذوفة في المثالين ناقصة، وأداة الاستفهام خبرها متقدمًا، أما اسمها، أنت، فضمير المخاطب، كأن مستترًا فيها، فلما حذفت برز، وصار منفصلًا. ب– ويجوز اعتبار "تكون" تامة، وفاعلها الضمير المستتر، ويصير بعد حذفها بارزًا منفصلًا، =
[ ٢ / ٣٠٨ ]
٢– لا يجوز أن يتقدم على عامله مطلقًا، ولا أن يتوسط بينه وبين الاسم
_________________
(١) = و"كيف" الاستفهامية حال مقدم و"ما" الاستفهامية مفعول مطلق متقدم، بمعنى: أي وجود توجد مع البحر و وهذا أسهل كسهولة: تصنع، أو تعمل، بدلًا من "كان" الناقصة. ج– للمبرد رأي آخر لا بأس به في إعراب تلك الأمثلة، وما شابهها، فقد جاء في كتابه: "الكامل" جـ ٦ ص ٢٣٥ عند ذكره لكتاب علي بن أبي طالب إلى معاوية المطالب بدم عثمان ﵁، يقول علي: "وبعد، فما أنت وعثمان؟ " قال المبرد ما نصه: "ما أنت وعثمان؟ فالرفع فيه الوجهين؛ لأنه عطف اسمًا ظاهرًا على اسم مضمر منفصل، وأجراه مجراه، "وليس هنا فعل، فيحمل على المفعول "أي: فلا يحمل "؛ فكأنه قال: فما أنت؟ وما عثمان؟ هذا تقديره في العربية. "ومعناه: لست منه في شيء، وقد ذكر سيبويه -﵀- النصب، وجوزه جوازًا حسنًا، وجعله مفعولًا معه، وأضمر: "كان" من أجل الاستفهام؛ فتقديره عنده "ما كنت وفلانًا؟ ". ا. هـ. ثم سرد المبرد أمثلة أخرى قال بعدها ما نصه: "فإن كان الأول مضمرًا متصلًا كان النصب و تقول مالك وزيدًا؛ فكأنه في التقدير: وملابستك زيدًا، وفي النحو تقديره: مع زيد". ا. هـ، كلام المبرد. وإلى ما سبق يشير ابن مالك بقوله: ينصب تالي الواو مفعولًا معه في نحو: سيري والطريق مسرعه "أي: سيرى مع الطريق" يقول: ما يجيء بعد الواو في مثل: سيري والطريق مسرعة ينصب على اعتباره مفعولًا معه، ولم يوضح هذا المفعول بيان أوصافه، وشروطه؛ مكتفيًا بالمثال، والتعريف بالمثال نوع من أنواع التعريف المنطقي، ولكنه لا يناسب ما نحن فيه مما يحتاج إلى شروط وقيود ثم قال: بما من الفعل وشبهه سبق ذا النصب لا بالواو في القول الأحق يريد: هذا النصب للمفعول معه يكون بشيء سبق؛ كالفعل وشبهه، ولا يكون بالواو في الرأي الأحق بالمتابعة فكلمة: "ما" بمعنى: شيء، والجار والمجرور بما خبر متقدم للمبتدأ المتأخر: "ذا" والجملة من الفعل: "سبق"، وفاعله في محل نصب حال من كلمة؛ الفعل والتقدير: هذا النصب بشيء من الفعل وشبهه حالة كون الشيء سبق، وتقدم على المفعول معه وعلى الواو، ويصح أن تكون "ما" موصولة، والجملة الفعلية صلة ثم أشار بعد ذلك إلى المفعول معه المنصوب بعد "ما" و"كيف الاستفهاميتين" فقال: وبعد "ما" استفهام أو"كيف" نصب بفعل كون مضمر بعض العرب وقد نسب النصب بعد الأدلتين السالفتين لبعض العرب للدلالة على أنه سماعي فقط وهذا صحيح، ولكن العرب لا دخل لها بفعل الكون المقدر وغيره من المصلطحات النحوية المحضة.
[ ٢ / ٣٠٩ ]
المشارك له والمقارن ففي مثل: مشي الرجل والحديقة؛ لا يصح أن يقال: والحديقة مشي الرجل، ولا: مشي والحديقة الرجل.
٣– لا يجوز أن يفصل بينه وبين واو المعية فاصل، ولو كان الفاصل شبه جملة١.
٤- لا يجوز حذف هذه الواو مطلقًا١.
٥– إذا جاء بعده تابع أو ضمير أو ما يحتاج إلى المطابقة وجب أن يراعى عند المطابقة الاسم الذي قبل الواو وحده؛ نحو: كنت أنا وزميلًا كالأخ، أحبه وأعطف عليه، ولا يصح كالأخوين
حالات الاسم الذي بعد الواو:
له حالات أربع:
أولها: جواز عطفة على الاسم السابق، أو نصبه مفعولًا معه٢، والعطف أحسن، مثل: بالغ الرجل والابن في الحفاوة بالضيف، فكلمة: "الابن"، يجوز رفعها بالعطف على الرجل، أو نصبها مفعولًا معه، ولكن العطف أحسن من النصب على المعية؛ لأنه أقوى في الدلالة المعنوية على المشاركة والاقتران٣، ولا شيء يعيبه هنا، ومثله: أشفق الأب والجد على الوليد أضاء القمر والنجوم.
ثانيها: جواز الأمرين، والنصب على المعية أحسن؛ للفرار من عيب لفظي أو معنوي، فمثال اللفظي: أسرعت والصديق؛ فكلمة: "الصديق" يجوز فيها الرفع عطفًا على الضمير المرفوع المتصل٤، ويجوز فيها النصب على المعية، وهذا أحسن؛ لأن العطف على الضمير المرفوع المتصل يشوبه بعض الضعف إذا كان
_________________
(١) ١ و١ راجع حاشية الصبان في هذا الموضع. ٢ إلا في الحالة المشار إليها في رقم ٣ من هامش ص ٣٠٥، وهي للعطف فقط. ٣ لأن العطف يقتضي إعادة العامل تقديرًا قبل المعطوف، فكأن العامل مكرر. فيقع به التأكيد اللفظي الذي يقوي المعنى. "انظر ما يتصل بها في "أ" من ص ٣١٤". ٤ وهو: التاء.
[ ٢ / ٣١٠ ]
بغير فاصل بين المعطوف والمعطوف عليه؛ كهذا المثال١ والفرار من الضعف أفضل من الإقبال عليه بغير داع٢.
ومثال العيب المعنوي قولهم: "لو تركت الناقة وفصيلهما٣ لرضعها"، فلو عطفنا كلمة: "فصيل" على كلمة: "الناقة" لكان المعنى: لو تركت الناقة وتركت٤ فصيلها لرضعها، وهذا معنى غير دقيق، يحتاج تصحيحه إلى تأويل وتقدير لا داعي لهما.
وعيبه آت من أن تركهما لا يستلزم تلاقيهما المؤدي إلى حصول الرضاعة، وقد نتركهما؛ لا نحول بينهما، ولكن الأم تنفر منه، ولا تمكنه من الرضاعة، أو ينفر منها
ثالثها: وجوب العطف، وامتناع المعية٥: وذلك حين يكون الفعل أو ما يشبهه مستلزمًا تعدد الأفراد التي تشترك في معناه اشتراكًا حقيقيًا، وكذلك حين يوجد ما يفسد المعنى مع المعية، فمثال الأول: تقاتل النمر والفيل، اختصم العادل والظالم، اتفق التاجر والصانع
فكل فعل من هذه الأفعال: "تقاتل، اختصم، اتفق ٦ وأشباهها٧ لا يتحقق معناه إلا بالفاعل المتعدد فيشترك الأفراد في معنى العامل؛ فلا بد من وجود اثنين أو أكثر يشتركان حقيقة
_________________
(١) ١ كما هو موضح في مكانه من باب العطف ج ٣ عند الكلام على العطف على الضمير المرفوع المتصل. ٢ وفي الحالتين السابقتين يقول ابن مالك: والعطف إن يمكن بلا ضعف أحق والنصب مختار لدى ضعف النسق النسق هو العطف بالحرف؛ كالعطف بالواو، أو الفاء، أو ثم ٣ الفصيل: ابن الناقة الذي يفصل عنها. ٤ لأن العطف على نية تكرار العامل، انظر رقم ٣ من هامش الصفحة السالفة ٥ من هذا القسم المسألة المشار إليها في رقم ٣ من هامش ص ٣٠٥. ٦ إذا كان الفعل وشبهه يقتضي التعدد مثل: اتفق الوالد والابن، و فهل يصح مجيء كلمة: "مع" بدلًا من واو المعية؛ فيقال: اتفق الوالد مع الابن؟ الجواب نعم، طبقًا للبيان السابق في الملاحظة ص ١٦٨. ٧ كالفعل: "استوى" في قول الشاعر: ولا يستوي عند كشف الأمور باذل معروفه والبخيل
[ ٢ / ٣١١ ]
في التقاتل، والاختصام، والاتفاق وهذا يتحقق بالعطف دائمًا؛ لأنه يقتضي الاشتراك المعنوي الحقيقي١، بخلاف المعية؛ فإنها تقتضي الاشتراك الزمني؛ أما المعنوي فقد تقتضيه حينًا، ولا تقتضيه أحيانًا؛ كما عرفنا٢.
ومثال الثاني: أشرق القمر وسهيل قبله أو بعده فتفسد المعية بسبب وجود: "قبل"، أو"بعد".
رابعها: امتناع العطف ووجوب النصب في الأصح إما على المعية، إن استقام المعنى عليها، وإما على غيرها إن لم يستقم؛ "كنصب الكلمة مفعولًا به لفعل محذوف"؛ وذلك منعًا لفساد لفظي أو معنوي، فمثال وجوب النصب على المعية لمانع لفظي يمنع العطف: نظرت لك وطائرًا؛ لأن الأصل الغالب في العطف على الضمير المجرور أن يعاد حرف الجر مع المعطوف؛ كما في قول الشاعر:
فما لي وللأيام لا در درها تشرق بي طورًا، وطورًا تغرب
فقد أعاد اللام مع المعطوف٣
ومثال النصب لمانع معنوي يمنع العطف: مشى المسافر، والصحراء، بنصب كلمة: "الصحراء" على المعية؛ إذ لو رفعت بالعطف على كلمة: "المسافر" لكان المعنى: مشت الصحراء، وهذا فاسد٤.
ومثال النصب على غير المعية بتقدير فعل محذوف ينصب الكلمة مفعولًا به: دعينا لحفل ساهر فأكلنا لحمًا، وفاكهة، وخضرًا، وماء عذبًا، وغناء ساحرًا فيجب نصب كلمة: "ماء" وكلمة: "غناء" بفعل محذوف يناسب كلا منهما. والتقدير: وشربنا ماء عذبًا، وسمعنا غناء ساحرًا ولا يصح النصب على المعية، ولا على العطف٥ وإلا فسد المعنى، ومثله قول الشاعر:
_________________
(١) ١ أما الاشتراك في الزمن فقد يقتضيه أو لا يقتضيه؛ فمثل: أكلت خالدة وأختها، قد يقع أكلهما في زمن واحد، أو مختلف كما يتضح في "أ" من ص ٣١٤". ٢ في ص ٣٠٤، ٣٠٥، وكما يجيء البيان الموضح في "أ" من ص ٣١٤. ٣ سيذكر هذا البيت لمناسبة أخرى في باب العطف ج ٣ م ١١٦. ٤ كما سيجيء في ص ٣١٤. ٥ لأن الماء لا يؤكل، وكذا الغناء؛ ولأن سماع الغناء في الحقل الساهر يكون بعد الأكل عادة لا معه في زمنه. وعند تقدير فعل محذوف مناسب، تنشأ جملة فعلية تكون معطوفة بالواو على الجملة الفعلية الأولى، فالعطف على الأصح عطف جمل، والممنوع عطف المفردات؛ إذ لا يجوز عطف "ماء"، ولا غناء علي: لحمًا، لكن يصح عطف جملة: "شربنا" وجملة: "سمعنا" على الجملة الأولى وهي: "أكلنا"، "وستجيء مناسبة أخرى لهذا في ج ٣ باب العطف عند الكلام على العطف بالواو".
[ ٢ / ٣١٢ ]
تراه كأن الله يجدع أنفه وعينيه إن مولاه كان له وفر١
يريد: ويفقأ عينيه؛ لأن الجدع في اللغة خاص بالأنف، فلا يكون للعينين٢
_________________
(١) ١ الوفر الزيادة، والبيت يذم حقودًا بأنه يحزن لنعمة تبدو على جاره أو صاحبه، ويتألم كمن جدع أنفه، أو فقئت عيناه. ٢ وإلى شطر من هذه الحالة يشير ابن مالك قائلًا: والنصب إن لم يجز العطف يجب أو اعتقد إضمار عامل تصب
[ ٢ / ٣١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- في كل حالة يجوز فيها الأمران؛ "العطف والمعية"، لا بد أن يختلف المعنى فيكل أمر منهما؛ ذلك أن العطف يقتضي المشاركة الحتمية بين المعطوف والمعطوف عليه في معنى الفعل، من غير أن يقتضي المشاركة الزمنية الحتمية؛ فقد يقتضيها أو لا يقتضيها، في مثل: "آنسني محمود وصالح في السفر" لا بد أن يشترك الاثنان في معنى الفعل، وهو مؤانسة المتكلم، وأن تتناولهما المؤانسة؛ لأن العطف على نية تكرار العامل؛ فكأنك قلت: آنسني محمود، وآنسني صالح. لكن ليس من اللازم أن تكون هذه المؤانسة قد شملتهما، وشملت معهما المتكلم في زمن واحد؛ فقد تكون في وقت واحد أو لا تكون١، والأمر في هذه المشاركة الزمنية وعدمها، متروك للقرائن والدلائل.
أما المفعول معه فلا بد فيه من المشاركة الزمنية الحتمية، أما المشاركة في معنى الفعل فقد يقتضيها أو لا يقتضيها٢؛ ففي مثل: سافر الرحالة والصحراء، تتعين المشاركة الزمنية وحدها دون المعنوية؛ فإنها تفسد المعنى؛ لأن الصحراء لا تسافر كما سبق ٣ وفي مثل: سار القائد والجنود، تصح المشاركة المعنوية مع المشاركة الزمنية المحتومة، فجواز الأمرين في كل حالة يجوز فيها أمران ليس معناه أن المراد منهما واحد، وإنما معناه أن هذا الضبط صحيح إن أردت المعنى المعين المختص به، وأن ذاك الضبط صحيح أيضا إن أردت المعنى المختص به كذلك: وإن شئت فقل: إن كل ضبط صحيح منهما لا بد أن يؤدي إلى معنى يخالف ما يؤديه الضبط الآخر.
ب– قد يقتضي المقام ذكر أنواع مختلفة من المفاعيل، وفي هذه الحالة يحسن ترتيبها بتقديم المفعول المطلق، فالمفعول به الذي تعدى إليه العامل مباشرة. فالمفعول به الذي تعدى إليه العامل بمعونة حرف جر، فالظرف الزماني، فالمكاني، فالمفعول له، فالمفعول معه، وهذا الترتيب هو ما ارتضاء كثير من النحاة، والحق أن الذي يجب مراعاته عند الترتيب هو تقديم ما له الأهمية.
_________________
(١) ١ كما سبق في رقم ١ من هامش ص ٣١٢. ٢ كما سبق في ص ٣٠٥. ٣ في ص ٣١٢.
[ ٢ / ٣١٤ ]
المسألة ٨١: الاستثناء
مدخل
المسألة ٨١: الاستثناء ١
تمهيد: يتردد في هذا الباب كثير من المصطلحات الخاصة به، والتي لا بد من معرفة مدلولاتها قبل الدخول في مسائله وأحكامه؛ ليمكن فهم المراد، ومن تلك المصطلحات:
المستثنى منه، المستثنى، أداة الاستثناء، التام، الموجب، المفرغ، المتصل، المنقطع، وفيما يلي بيانها.
أ- "المستثنى منه - المستثنى - أداة الاستثناء".
هذه الثلاثة تنكشف مدلولاتها على أكمل وجه إذا عرفنا أن أسلوب الاستثناء في أكثر حالاته، هو أسلوب أهل الحساب في عملية: "الطرح"، فالذي يقول: أنفقت من المال مائة إلا عشرة، إنما يعبر عما يقول أهل الحساب: "أنفقت" ١٠٠-١٠"، والذي يقول: اشتريت تسعة كتب إلا اثنين؛ إنما يعبر عن قولهم: اشتريت "٩-٢" وهكذا
والتعبير الحسابي السالف وأمثاله يشتمل على ثلاثة أركان مهمة؛ هي: "المطروح منه"؛ "مثل ١٠٠ ومثل ٩ وأشباههما " "المطروح"؛ "مثل ١٠ ومثل ٢ " و"علامة الطرح"، ويرمزون لها بشرطة أفقية قصيرة: "_".
ولهذه المصطلحات الحسابية الثلاثة ما يقابلها تمامًا في الأسلوب الاستثنائي؛ ولكن بأسماء أخرى اصطلاحية، فالمطروح منه يقابله: "المستثنى منه"، والمطروح يقابله: "المستثنى"، وعلامة الطرح يقابلها أداة الاستثناء وهي: "إلا"، أو إحدى أخواتها، أي ثلاثة إزاء ثلاثة.
ولما كانت عملية الطرح بمصلطحاتها شائعة واضحة، بل أولية كان ربط
_________________
(١) ١ المراد به هنا الاستثناء في اصطلاح النحاة؛ فله تعريف خاص عندهم، وأدوات وأحكام نحوية يتميز بها، ومن الممكن تأدية المعنى الاستثنائي بوسائل متنوعة، تخالف الاستثناء النحوي الاصطلاحي، ولكنها لا تسمى: "استثناء" في اصطلاحهم، لعدم انطباق تعريفه وأحكامه عليها.
[ ٢ / ٣١٥ ]
أسلوب الاستثناء بها عند شرحه وتبيينه كفيلًا بإيضاح مصطلحاته الثلاثة السالفة، ومعرفة مدلولاتها في سهولة، واستقرار١، معرفة توصلنا إلى المعنى المقصود من الجملة كلها.
وفي ضوء هذا نستطيع أن نفهم قول النحاة في تعريف الاستثناء الاصطلاحي: "إنه الإخراج "بإلا" أو إحدى أخواتها لما كان داخلًا في الحكم السابق عليها"٢، فليس هذا الإخراج إلا "الطرح"؛ بإسقاط ما بعدها من المعنى الذي قبلها، ومخالفته للمتقدم عليها فيما تقرر من أمر مثبت أو منفي
ب– الاستثناء التام:
ما كان فيه المستثنى منه مذكورًا؛ كالأمثلة السالفة، ومثل: ركب الطائرة عشرين ساعة إلا خمسة، وكان معي زملائي إلا ثلاثة، فكلمة "عشرين" هي المستثنى منه، وكذا كلمة: "زملاء" وبسبب وجود كل منهما في الكلام سمي الاستثناء: "تامًا".
ج- الاستثناء الموجب، وغير الموجب:
فالأول: ما كانت جملته خالية من النفي٣؛ وشبهه "وشبه النفي هنا: النهي؛ والاستفهام الذي يتضمن معنى النفي٤" كالأمثلة السابقة، وكقول الشاعر:
_________________
(١) ١ أي: بقائه مفهومًا. ٢ وهذا يشمل "الدخول الحقيقي"؛ كالأمثلة السالفة، "والدخول التقديري" الملاحظ في النفس كالمفرغ؛ وكالمستثنى المنقطع، وسيجيء إيضاحهما في ص ٣١٧ و٣١٨ و٣٢٢ و٣٣٤؛ فإنهما لا يدخلان في الحكم السابق حقيقة، وإنما يندمجان فيه تقديرًا. ٣ النفي الصريح: ما كان بإحدى الكلمات الخاصة الموضوعة له "مثل: ما، لا، ليس و "، وإلا فهو غير صريح، كالأنواع التالية. ٤ وهذا يشمل أنواعًا؛ منها الاستفهام الإنكاري: "ويسمى أيضًا: الإبطالي" ويعرفونه بأنه الذي يسأل به عن شيء غير واقع، ولا يمكن أن يحصل، فمدعيه كاذب، وهذا النوع يتضمن معنى النفي؛ لأن أداة الاستفهام فيه بمنزلة أداة النفي في أن الكلام الذي تدخل عليه منفي المعنى؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾؟. راجع المغني ج ١ عند الكلام على الهمزة، وكذلك حاشية الأمير عليه عند الكلام على: "أم". ومنها: الاستفهام التوبيخي؛ وهو: ما يسأل به عن أمر حاصل واقع، ومن يدعي وجوده يكون صادقًا في إخباره عن أمر موجود ذميم، وفاعله ملوم يستحق التوبيخ بسببه؛ مل قولنا للأوصياء: أتأكلون أموال اليتامى بالباطل؟ وفي الجزء الثاني من "المغني" عند الكلام على: "هل" أن أنواع الإنكار ثلاثة؛ منها النوعان السالفان، أما الثالث فمعناه النفي المجرد، والسلب المحض، بحيث يمكن وضع أداة النفي مكان أداة الاستفهام فلا يتغير المعنى، والأكثر أن تكون أداة الاستفهام هي: "هل" نحو: هل جزاء الإحسان إلا الإحسان، أي: ما جزاء الإحسان إلا الإحسان.
[ ٢ / ٣١٦ ]
قد يهون العمر إلا ساعة وتهون الأرض إلا موضعًا
والثاني: ما كانت جملته مشتملة على نفي أو شبهة؛ نحو: ما تأخر المدعوون للحقل إلا واحدًا هل تأخر المدعون إلا واحدًا١؟.
ومن النفي ما هو معنوي "يفهم من المعنى اللغوي للكلمة، دون وجود لفظ من ألفاظ النفي"، مثل: "يأبى الله إلا أن يتم نوره"، فمعنى "يأبى": لا يريد، ومثل: "قل رجل يقول ذلك"، معنى: "قل" في هذا الأسلوب المسموع، هو: النفي: أي: لا رجل يقول ذلك.
أما "لو" في مثل: لو حضر الضيوف إلا واحدًا، لأكرمتهم فإنه نفي ضمني غير مقصود، فلا ينظر إليه من هذه الناحية، فكأنه غير موجود.
د – الاستثناء المفرغ٢، هو: ما حذف من جملته المستثنى منه، والكلام غير موجب، فلا بد من الأمرين معًا٣ نحو: ما تكلم إلا واحد ما شاهدت إلا واحدًا، ما ذهبت إلا لواحد، والأصل مثلًا قبل الحذف: ما تكلم الناس إلا واحدًا ما شاهدت الناس إلا واحدًا، ما ذهبت للناس إلا واحدًا٤، ثم حذف المستثنى منه؛ فوقع لتغيير بسبب حذفه كالذي في قول الشاعر:
لا يكتم السر إلا كل ذي شرف والسر عند كرام الناس مكتوم
والأصل: لا يكتم الناس السر إلا كل ذي شرف و
_________________
(١) ١ من النحاة من يرى أن هذا النوع لا تستخدم فيه أدوات الاستثناء الفعلية، إذا كان تامًا، متفصلًا، ورأيه ضعيف يجب إهماله؛ أخذًا بصريح ما جاء في المفصل ج ٢ ص ٧٧ و٧٨، وفي الخضري والصبان، وسيجيء هذا في رقم ١ من هامش ص ٣٥٣. ٢ انظر رقم ٢ من هامش ص ٣١٦ أما سبب التسمية ففي ص ٣٢٢. ٣ و٣ ومن القليل الذي لا يلتفت إليه وقوع التفريغ في الإيجاب، إذا كان المحذوف فضلة حصلت مع حذفه فائدة، لكن هذه القلة لا اعتبار لها، ويجب إهمالها كما نصوا على ذلك راجع الصبان. ٤ يوضح هذا المثال ما يجيء في رقم ٤ من هامش ص ٣٢٢.
[ ٢ / ٣١٧ ]
فالاستثناء المفرغ يقتضي أمرين مجتمعين حتمًا: أن يكون الكلام غير تام وغير موجب، وهذا أمر يجب التنبه له، وإلى أن أداة الاستثناء الفعلية لا يصح استخدامها فيه؛ لأنها لا تستخدم إلا في الاستثناء التام المتصل١.
هـ الاستثناء المتصل والمنقطع:
فالأول: ما كان فيه المستثنى بعضًا ٢ من المستثنى منه؛ نحو: سقيت الأشجار إلا شجرة فحص الطبيب الجسم إلا اليد.
والثاني: ما لم يكن فيه المستثنى بعضًا من المستثنى منه؛ نحو: حضر الضيوف إلا سياراتهم، اكتمل الطلاب إلا الكتب، ومثل قوله تعالى عن أهل الجنة: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلامًا﴾ فاللغو هو: رديء الكلام وقبيحه، والسلام ليس بعضًا منه، وكذلك قوله تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا﴾ .
وليس معنى انقطاعه أنه لا صلة له بالمستثنى منه، ولا علاقة تربطهما ارتباطًا معنويًا؛ فهذا خطأ بالغ لا يكون في أسالب الاستثناء مطلقًا؛ وإنما معناه انقطاع صلة "البعضية" بينهما؛ الصلة على الوجه السالف لا بد أن يكون هناك نوع اتصال معنوي يربط بينهما، ولهذا تؤدي أداة الاستثناء فيه معنى الحرف: "لكن"، "ساكن النون أو مشددها" الذي يفيد الابتداء والاستدراك معًا٣؛ وبالرغم من إفادته الابتداء والاستدراك معًا لا يقطع الصلة
_________________
(١) ١ انظر ص ٣٥٣ ورقم ١ من هامشها وقد ورد النص الخاص بمنع استخدام أداة الاستثناء الفعلية في غير التام المتصل في حاشية الخضري، والجزء الثاني من الصبان عند الكلام على الأدوات الفعلية، وكذا المفصل ج ٢ ص ٧٧. ٢ لهذا صورتان؛ الأولى: أن يكون المستثنى منه متعدد الأفراد، والمستثنى أحد تلك الأفراد المتماثلة؛ نحو: تناولت الكتب إلا كتابًا، فالمستثنى منه وهو الكتب متعدد الأفراد، والمستثنى واحد منها. الثانية: أن يكون المستثنى منه فردًا واحدًا ولكنه ذو أجزاء، والمستثنى جزء من تلك الأجزاء؛ مثل: غطيت الجسم إلا الوجه، وفي الحالتين يكون ما بعد "إلا" مخالفًا فيا لمعنى لما قبلها. ولا مانع في الرأي الأحسن أن يكون المستثنى المتصل جملة، وسيجيء البيان في رقم ٢ من هامش ص ٣٣٠، ورقم ٣ من هامش ص ٣٣٢. ٣ راجع "و" من ص ٣٣٢ الزيادة والتفصيل.
[ ٢ / ٣١٨ ]
المعنوية بين ما بعده وما قبله، ومن ثم كان من المحتوم في كل "استثناء منقطع" صحة وقوع الحرف: "لكن" الساكن النون، أو مشددها موقع أداة الاستثناء فيه مع استقامة المعنى١.
ولا يجوز في الاستثناء المنقطع أن تكون أداته فعلًا؛ لأن هذه الأداة الفعلية لا تستخدم إلا في التام المتصل، كما تقدم في "الصفحة السالفة".
والآن نبدأ الكلام في أحوال الاستثناء، وأحكامه، وهي متعددة٢ بتعدد أنواعه، وأدواته الثمانية التي منها الحرف المحض، والاسم المحض، والفعل المحض، وما يصلح فعلًا وحرفًا.
الكلام على أحكام المستثنى الذي أداته حرف خالص، وهي: "إلا"٣:
أ- إذا كانت أداة الاستثناء هي "إلا"، ولم تكرر٤ فللمستثنى بها ثلاثة أحكام:
الأول: وجوب النصب في الأغلب٥، بشرط أن يكون الكلام تامًا موجبًا٦؛ سواء أكان "المستثنى" متأخرًا بعد "المستثنى منه"، أم متقدمًا٧ عليه، وسواء أكان "متصلًا"، أم "منقطعًا"، فمتى تحقق الشرط كان النصب واجبًا في الأغلب٥ وعامًا يشمل كل الأحوال، وعند الإعراب يقال: "إلا" حرف
_________________
(١) ١ طبقًا للبيان الآتي في: "و" من ص ٣٣٢. ٢ هذا الباب من أكثر الأبواب تعدادًا في الأحكام، واختلافًا فيها، ومنها المردود والضعيف، وقد حاولنا جاهدين تصفيته مما يشوه الحقائق الناصعة. ٣ ومثلها: "لما" التي تشبهها في الحرفية، وفي الدلالة على الاستثناء، وإفادته؛ "طبقًا للبيان الخالص بها في "أ" من "الزيادة" ص ٣٢٧ وفي "د" من ص ٣٦١"، وهي غير "لما" الظرفية التي سبق الكلام عليها في ص ٢٩٦، وتجيء لها إشارة في باب الإضافة، جـ ٣ م ٩٤ ص ٨١، وهما كذلك غير لما الجازمة التي سيجيء الكلام عليها في جـ ٤ م ١٥٤ ص ٣١٤. و"إلا" التي للاستثناء كلمة واحدة، وليست مركبة، وهي حرف، وقد نترك الحرفية والاستثناء وتصير اسما محضا "كما سيجيء البيان في "ج" من ص ٣٥٠" بخلاف: "إلا" التي في مثل: إلا تجامل زملاءك يكرهوك، فإنها مركبة من "إن" الشرطية المدغمة في: "لا" النافية. ٤ أما المكررة فيجيء حكمها في ص ٣٣٨. ٥و ٥ وهذا هو الشائع، وهناك رأي آخر لا يوجب النصب، سيجيء بيانه في "د" من ص ٣٢٩. ٦ سيجيء في شرط آخر في "هـ" من ص ٣٣١ هو ألا يكون المستثنى نكرة محضة و ٧ في ص ٣٢٧ و٣٢٨ أحكام خاصة بتقديم المستثنى، وبيان العامل الذي يعمل فيه النصب
[ ٢ / ٣١٩ ]
استثناء، والمستثنى: منصوب على الاستثناء كالأمثلة الآتية، ولا بد أن تتقدم "إلا" على المستثنى في كل الحالات١، سواء أكان متقدمًا على المستثنى منه أم متأخرًا عنه:
"امتلأت الجداول إلا جدولا كبيرا" ، "امتلأت - إلا جدولا كبيرًا - الجداول"
"كتبت الرسائل إلا رسالة واحدة" ، "كتبت - إلا رسالة واحدة - الرسائل"
"تمتعت بالصحف إلا صحيفة تافهة" ، "تمتعت - إلا صحيفة تافهة - بالصحف"
"أعدت ملابس الرحلة إلا الحقائب" ، "أعدت - إلا الحقائق - ملابس الرحلة"
"تناولت الطعام إلا الماء" ، " تناولت - إلا الماء - الطعام"
"أضأت المصابيح إلا غرفة" ، "أضأت - إلا غرفة - المصابيح"
الثاني: إما نصب "المستثنى" "والإعراب كالحالة السابقة"، وإما ضبطه على حسب حركة "المستثنى منه"، "فيكون مثله؛ مرفوعًا، أو منصوبًا، أو مجرورًا"، ويعرف: "بدلًا"٢، ولا بد من الحالتين أن يكون الكلام تامًا غير موجب٣. ولا فرق بين المتصل والمنقطع ٤، ومن الأمثلة:
ما تخلف السابقون إلا واحدًا - أو: واحد.
ما جهلت السباقين إلا واحدًا - أو: واحدًا٥.
هل تأخرت عن السياقين إلا واحدًا - أو: واحد.
_________________
(١) ١ انظر ما يختص بهذا في "ب" من ص ٣٢٧. ٢ بدل بعض من كل، والمبدل منه هو المستثنى منه، والبدل هنا لا يحتاج لرابط؛ لأن وجود "إلا" يغني عنه؛ لدلالتها على أن ما بعدها بعض مما قبلها. كما صرح الصبان وغيره؛ وستجيء إشارة لهذا في البدل ج ٣ ص ٦٤٤. ٣ إذا انتقض النفي بسبب وجود "إلا" المكررة لم يجز البدل، واقتصر الأمر على النصب وحده؛ نحو: ما شرب أحد شيئًا إلا الماء إلا محمودًا؛ لأن الكلام هنا بمنزلة المثبت؛ إذ معناه شربوا الماء إلا محمودًا. وفي "د" من ص ٣٢٩ أمثلة مسموعة للبدل في كلام تام موجب، وفي "ز" من ص ٣٣٤ الرأي في تعريفات البدل التي يعرضها النحاة. ٤ في "و" من ص ٣٣٢ أحوال وأحكام هامة تختص بالمقطع. ٥ في هذا المثال نصبت كلمة: "واحدًا" في الصورتين، ولكن النصب في إحداهما على البدلية، وفي الأخرى على الاستثناء.
[ ٢ / ٣٢٠ ]
ويجوز أن يتقدم "المستثنى"١ وهو منصوب، على المستثنى منه مباشرة، ويبقى كل شيء كما كان، فلا يتغير الإعراب كالأمثلة الآتية:
ما تخلف – إلا واحدًا – السابقون.
ما جهلت إلا واحدًا – السابقين٢.
هل تأخرت إلا واحدًا – عن السباقين.
أما لو تقدم وهو بدل في الأصل؛ فإن الأمر يتغير تغيرًا كليًا٣، فيعرب "المستثنى" المتقدم على حسب حاجة الكلام قبله، ويزول عنه اسم المستثنى، كما يزول عن "المستثنى منه" المتأخر، اسمه ويعرف بدلًا من الاسم الذي تقدم، وتابعًا له في حركة إعرابه، تصير "إلا" ملغاة٤، ومن الأمثلة:
ما تخلف إلا واحد – السباقون.
ما جهلت إلا واحدًا – السابقين٥.
هل تأخرت إلا عن واحد٦ – السباقين.
ففي مثل: ما تخلف – إلا واحد – السباقون تعرب كلمة "إلا" ملغاة. وتعرب كلمة: "واحد" فاعلًا للفعل: "تخلف" وتعرب كلمة: "السباقون" بدلًا منها٧، بدل كل من كل، وهذا إعرابها في باقي الأمثلة المعروضة٨.
_________________
(١) ١ بشرط أن تتقدم معه "إلا" وتسبقه؛ لأن تقدمها عليه شرط عام في كل الحالات التي يتقدم فيها على المستثنى منه أو يتأخر عنه، كما أسلفنا، وكما يجيء في "ب" من الزيادة والتفصيل" ص ٣٢٧. ٢ سيذكر هذا المثال في الحالة التالية التي يتقدم فيها البدل؛ لأنه وأشباهه صالح للحالتين. ٣ في هذه الحالة سيعتبر من القسم الثالث الآتي، وهو قسم: "المفرغ". ٤ لأن ما بعدها يكون خاضعًا في إعرابه لحاجة ما قبلها؛ فكأنها غير موجودة لكنها من ناحية المعنى تفيد استثناء ما بعدها من حكم ما قبلها. ٥ هذا المثال لا يتعين فيه التفريغ عند تقديم البدل المنصوب؛ إذ يصح كما قلنا في رقم ٢ من هذا الهامش اعتبار الكلام تامًا غير موجب تقدم فيه المستثنى المنصوب الذي ليس بدلًا؛ ويكون حكمه حكم الأمثلة التي قبل هذا مباشرة. ٦ ما يأتي في رقم ٤ من هامش ص ٣٢٢ يوضح أصل هذا المثال، وما جرى فيه. ٧ البدل هنا: بدل كل من كل؛ لأن المتأخر عام أريد به خاص؛ فصح لذلك أبداله من المستثنى الذي تقدم، وكان قبل تقدمه بدل بعض كما سبق في رقم ٢ من هامش ص ٣٢٠، فانقلب المتبوع تابعًا، كما في قولهم: ما مررت بمثلك أحد. ٨ إلا المثال الثاني فلا يتعين فيه التفريغ لما سبق في رقم ٥.
[ ٢ / ٣٢١ ]
الثالث: أن يعرف ما بعد "إلا" على حسب العوامل قبلها؛ بشرط أن يكون الكلام "مفرغًا"١، وهذه الصورة لا تعد من صور الاستثناء؛ لعدم وجود المستثنى منه٢، لهذا تعرب "إلا" ملغاة، ويعرب ما بعدها فاعلًا، أو مبتدأ، أو مفعولًا، أو خبرًا، أو غير ذلك على حسب السياق فكأن كلمة: "إلا" غير موجودة من هذه الناحية الإعرابية٣ فقط، دون المعنوية ويسمون الكلام: "مفرغًا"؛ لأن ما قبل "إلا" تفرغ للعمل الإعرابي فيما بعدها، ولم يشتغل بالعمل في غيره، ومن الأمثلة:
ما أخطأ إلا واحد متسرع - ما العدل إلا دعامة الحكم الصالح.
ما سمعت إلا بلبلًا صداحًا - ليس العمل إلا سلاح الشريف.
ما ذهبت إلا للنابغ٤ - ما سعيت إلا في الخير.
ونحو:
يأبى الحر إلا العزة - يأبى الله إلا أن يتم نوره٥.
_________________
(١) ١ من التفريغ النوع الآتي من ص ٣٢٦، وهو نوع دقيق يشبع في الأساليب العالية. ٢ انظر البيان في رقم ٢ من هامش ص ٣١٦. ٣ لأن ما بعدها يكون خاضعًا في إعرابه لحاجة ما قبلها؛ فكأنها غير موجودة. لكنها من ناحية المعنى تفيد استثناء ما بعدها من حكم ما قبلها. ٤ أصل الكلام: ما ذهبت لأحد إلا النابغ فلما حذف المستثنى منه وهو: أحد، بقيت لام الجر منفردة تحتاج لشيء بعدها تتصل به، وتجره؛ إذ لا يمكن أن تستقل بنفسها؛ فتأخرت إلى ما بعد "إلا" ولتجره؛ لأنه خاضع في إعرابه لما قبلها، ولا يمكن تقديمه وحده دون "إلا". وهذا التفسير هو الذي أحلنا عليه في رقم ٦ من هامش الصفحة السابقة رقم ٢ من هامش ص ٢١٧". ومثل هذا في التفريغ قول الشاعر: لا يكذب المرء إلا من مهانته أو عادة السوء، أو من قلة الأدب يريد: لا يكذب المرء من شيء إلا من مهانته ٥ الكلام هنا مفرغ؛ لأن المستثنى منه محذوف، ولوجود نفي معنوي في كلمة "يأبى"؛ لأن معناها دائمًا هو: لا يريد كما سبق، في ص ٣١٧ "هذا تأويلهم، وفيه مجال للتوقف والرفض". وجاء في المغنى ج ٢ الباب الثامن ما نصه في القاعدة السادسة: وقع الاستثناء المفرغ في الإيجاب في نحو قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ لما كان المعنى: وأنها لا تسهل إلا على الخاشعين ولا يريد الله إلا أن يتم نوره". ا. هـ.
[ ٢ / ٣٢٢ ]
وأصل الكلام مثلًا قبل حذف المستثنى منه:
ما أخطأ المتكلمون إلا واحدًا متسرعًا - أو: واحد متسرع.
ما العدل دعامة الحكم الصالح - أو: دعامة الحكم الصالح.
ما سمعت طيورًا مغردة إلا بلبلًا صداحًا - أو: بلبلًا صداحًا.
ليس العمل سلاحًا إلا سلاح الشريف - أو: سلاح الشريف.
ما ذهبت لحد إلا النابغ - أو: النابغ.
ما سعيت في أمر إلا الخير - أو: الخير.
يأبى الحر كل شيء، إلا العزة - أو: العزة.
يأبى الله كل شيء إلا إتمام نوره - أو: إتمام
فالكلام في أصله كلام تام غير موجب، يجوز فيه الأمران السالفان؛ إما النصب على الاستثناء، وإما الاتباع على البدلية، فلما حذف المستثنى منه صار الكلام نوعًا جديدًا؛ هو: المفرغ١، وصار له حكم جديد خاص، تبعًا لذلك
_________________
(١) ١ يجوز التفريغ لجميع المعمولات، إلا المفعول معه، والمصدر المؤكد لعامله. وكذا الحال المؤكد لعامله؛ فلا يقال: ما سرت إلا والأشجار، ما زرعت إلا زرعًا، لا تعمل إلا عاملا. وسبب المنع وقوع التناقض بذكر المعنى مثبتًا أو منفيًا قبل: "إلا" ثم مخالفته بعد: "إلا" وأما قوله تعالى: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًَّا﴾، فالقرائن تدل على أن المراد: إن نظن إلا ظننًا عظيمًا، فهو بسبب القرينة مصدر مبين للنوع، وليس مؤكدّا. ويجوز أن يقع "التفريغ" في غير ما سبق منعه؛ فمن التفريغ للمبتدأ قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْأِحْسَانِ إِلَّا الْأِحْسَانُ﴾، ومن التفريغ للفاعل قول الشاعر: ما المجد زخرف أقوال تطالعه لا يدرك المجد إلا كل فعال وللظرف قول الشاعر: لم يضحك الورد إلا حين أعجبه حين الرياض، وصوت الطائر الغرد وللجار مع مجروره قول الشاعر: يمدح الخليفة باحتمال التعب لراحة الرعية: بصرت بالراحة الكبرى فلم ترها تنال إلا على جسر من التعب وقول الآخر: ما القرب إلا لمن صحت مودته ولم يخنك، وليس القرب للنسب وللنعت بالجملة قول الشاعر: وافيت منزله: فلم أر صاحبًا إلا تلقاني بوجه ضاحك ثم انظر "أ" الآتية في "الزيادة والتفصيل" ص ٣٢٦ حيث النوع من التفريغ المشتمل على جملة فعلية قسمية ويشبع في الأساليب الأدبية المسموعة، وهو نوع يخالف ما سبق.
[ ٢ / ٣٢٣ ]
ويمكن تلخيص كل ما تقدم من أحكام المستثنى بـ"إلا" الواحدة١ فيما يأتي:
أ- النصب صحيح في جميع أحوال المستثنى "بإلا" التي لم تتكرر، ما عدا حالة: "التفريغ"؛ فإن المستثنى يعرب فيها على حسب حاجة الجملة، وتعرف "إلا" ملغاة.
ب– يزاد على النصب "البدلية" حين يكون الكلام "تامًا" غير موجب، بشرط ألا يتقدم المستثنى على المستثنى منه مباشرة؛ فإن تقدم وهو منصوب بقي على حاله منصوبًا على الاستثناء، وإن تقدم وهو "بدل" تغير الأمر؛ فزال اسم المستثنى عنه، وصار معربًا على حسب حاجة الجملة؛ لأن الكلام يصير: "مفرغًا" أما المستثنى منه الذي تأخر فيزول عنه اسمه أيضًا، ويعرب "بدل كل من كل" من المستثنى الذي تقدم وتغير حاله٢.
_________________
(١) ثم انظر "أ" الآتية في "الزيادة والتفصيل" ص ٣٢٦ حيث النوع من التفريغ المشتمل على جملة فعلية قسمية ويشبع في الأساليب الأدبية المسموعة، وهو نوع يخالف ما سبق. ١ أي: التي لم تتكرر. ٢ وفيما سبق من الأحوال الثلاثة وأحكامها يقول ابن مالك: ما استثنت "ألا" مع تمام ينتصب وبعد نفي أو كنفي انتخب: اتباع ما اتصل، وانصب ما انقطع وعن تميم فيه إبدال وقع يريد: ما استثنته "إلا" أي: كانت أداة استثنائية وكان تمامًا، فإنه ينصب، ولم يذكر الإيجاب مع شرط التمام؛ لأنه مفهوم من المقابلة الواردة في الشطر الثاني من البيت، حيث نص على أنه بعد النفي وشبه النفي يكون المختار هو الاتباع مع المستثنى المتصل، والنصب وحده مع المنقطع، إلا عند تميم فإنهم يجوزون في المنقطع الإبدال أيضًا، ففهم من هذا أن الأول لا بد أن يكون موجبًا، وهذه تفريعات لا داعي لها؛ والحكم المستصفى يتلخص فيما قلناه من أن المستثنى التام في الكلام الموجب ينصب في جميع صوره، وأن المستثنى في الكلام التام غير الموجب يجوز فيه أمران: النصب، والإبدال، ولا أهمية لكثرة أحد الأمرين على الآخر كثرة نسبية "أي: بالنسبة لذلك الآخر، بحيث لا تنزل القلة إلى حد القلة الذاتية" أو لاستعمال قبيلة دون الأخرى، ما دام الضبط صحيحًا وكثيرًا في نفسه، دون أن تكون قلته ذاتية. =
[ ٢ / ٣٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ثم عرض بعد ذلك لحالة المستثنى المتقدم حين يكون الكلام تامًا غير موجب، فبين أن غير النصب هو: "البدل" قد يجوز، ولكن النصب هو المختار، فالأمران جائزان قياسيان، ولكن أحدهما أكثر في الاستعمال في الآخر كثرة نسبية؛ يقول: وغير نصب سابق في النفي قد يأتي، ولكن نصبه اختر إن ورد ثم انتقل الكلام على الاستثناء المفرغ، فقال: وإن يفرغ سابق "إلا" لما بعد يكن كما لو ألا عدما أي: إذا كان الكلام قبل إلا مفرغًا "متجهًا للعمل فيما بعدها"، فإن تأثيره فيما بعدها يقوم على افتراض أنها غير موجودة، وعلى هذا الفرض نضبط ما بعدها؛ فقد يكون فاعلًا، أو مفعولًا، أو مبتدأ، أو خبر أو غيره على حسب حاجة ما قبلها. لكن ما إعراب عراب: " كما لو ألا" في البيت الأخير؟ وكذا في البيت الآتي في ص ٣٤٢ حيث يقول هناك: كما لو كان دون زائد"؟ قال الصبان في الموضعين، وكذا الخضري فيهما: "إن: "ما" مصدرية، و"لو" زائدة، أو العكس". ا. هـ. وهذا يؤيد المذهب الكوفي الذي لا يرى في الأسماء حرجًا، وجاء في الصبان ج ٣، باب: "الترخيم" عند بيت ابن مالك: واجعله إن لم تنو محذوفًا كما لو كان بالآخر وضعًا تممًا ما نصه: "الظاهر: أن: "ما" في قوله: "كما" زائدة، و"لو" مصدرية، والتقدير: ككونه متممًا بالآخر في الوضع، إنما كان هذا هو الظاهر مع أن الحقيقي يجعله مزيدًا هو الثاني دون الأول، لوقوعه في مركزه، لكثرة زيادة "ما" بخلاف: "لو". ا. هـ.
[ ٢ / ٣٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- يتردد في فصيح الأساليب الواردة أسلوب مطرد١، يحوي نوعًا آخر من التفريغ، يخالف ما سبق وضابط هذا النوع: أن يكون الكلام مشتملًا على جملة قسمية، ظاهرها مثبت، لكن معناها منفي، وجواب القسم جملة فعلية ماضوية لفظًا، مستقبلة معنى، مصدرة "بإلا" نحو: سألتك بالله إلا نصرت المظلوم، ناشدتك الله إلا تركت الإساءة، حلفت بربي إلا عاونت الضعيف، وقول الشاعر:
بالله ربك إلا قلت صادقة هل في لقائك للمشغوف من طمع
فالاستثناء في الأمثلة السابقة ونظائرها مفرغ يقتضي أن يكون الكلام في معناه غير تام، وغير موجب، فالمراد: "ما سأتلك بالله إلا نصرك المظلوم" "ما ناشدتك الله إلا تركك الإساءة " "ما حلفت بربي إلا على معاونتك الضعيف"، "ما حلفت بالله ربك إلا على قولك صادقة " فقد اجتمع في الكلام الأمران معًا تقديرًا؛ "وهما عدم التمام، وعدم الإيجاب" واجتمع معهما أمر ثالث؛ هو: أن الفعل مع فاعله بعد "إلا" مؤول بمصدر منسبك بغير سابك، ليمكن إعراب هذا المصدر على حسب ما تحتاج إليه الجملة قبل "إلا" أي: على حسب ما يقتضيه "التفريغ"؛ تطبيقًا لحكم "الاستثناء المفرغ"، فيكون مفعولًا به في المثال الأول، "وهو: سأتلك بالله إلا نصرت المظلوم"، أي: ما سألتك بالله إلا نصرك المظلوم، ويكون شيئًا آخر غير مفعول به إذا اقتضى الكلام غيره؛ لعدم صلاحية المفعول به، ويجري هذا التأويل والسبك في بقية الأمثلة، وأشباهها مما يطرد صوغه على النمط الوارد الموافق للمأثور٢.
_________________
(١) ١ وهو الذي أشرنا إليه في رقم ١ من هامش ص ٣٢٢، وانظر ما هو وثيق الصلة بهذا في: "د" من ص ٣٦١. ٢ جاء في الدرر اللوامع، شرح همع الهوامع ج ٢ ص ٤٦ بمناسبة البيت السالف، وهو: "بالله ربك إلا قلت صادقة إلخ" ما ملخصه: أن البيت المذكور يذكر شاهدًا على تصدير جواب القسم بالحرف "إلا"، وأن التقدير فيه: أسألك بالله إلا قلت، والاستثناء مفرغ، والمعنى: ما أسألك إلا قولك، فالمثبت لفظًا، منفي معنى، =
[ ٢ / ٣٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وبهذه المناسبة تذكر "لما" التي سبقت الإشارة إليها١، وهي التي تماثل "إلا" في الحرفية، وفي الدلالة على الاستثناء، ولكنها لا تدخل إلا على جملة اسمية؛ كقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾، في قراءة من شدد الميم، واعتبر "إن" التي في صدر الجملة، نافية أو على جملة فعلية ماضوية لفظًا لا معنى؛ "بأن يكون الفعل ماضيًا في لفظه، مستقبلًا في معناه"، نحو: أنشدك الله لما فعلت، أي: أنشدك بالله، وأستحلفك به إلا فعلت، والمعنى: ما أسألك إلا فعلك؛ على تقدير: إلا أن تفعل كذا ؛ ليكون الفعل الماضي مستقبل الزمن؛ تطبيقًا لما تقرر من أن الماضي الذي يليها يكون ماضيًا في لفظه، مستقبلًا في معناه٢ وسيجيء٣ تفصيل الكلام على جواب القسم، وأنواعه، وأحكامه.
ب نعود لذكر ما قرره النحاة خاصًا بتقديم المستثنى بالإ، قالوا: لا يصح مطلقًا تقديمه وحده عليها٤، ولا يجوز أن يتقدم على المستثنى منه، وعلى عامله
_________________
(١) = ليتأتى التفريغ، والفعل مع فاعله مؤول بالمصدر ليأتي فيه المفعولية فإن قام الاعتراض بأن تأويل الفعل مع فاعله بالمصدر من غير سابك هو تأويل شاذ غير قياسي، وأنه مقصور على ما ورد السماع به من مثل: "تسمع بالمعيدي خير من أن تراه"، كان دفع الاعتراض بأن تأويل الفعل بالمصدر من غير سابك أمر قياسي في بعض الحالات، كالتي نحن فيها، دون بعض؛ فيحكم عليه بالشذوذ في كل باب لم يطرد فيه السبك عن العرب، إما إذا اطرد السبك في باب واستمر فيه؛ فإنه لا يكون شاذًا؛ كالأساليب التي نحن بصددها حيث التزمت فيها العرب ذلك النسق، وكإضافة بعض أسماء الزمان إلى الجملة في مثل: جئت حين ركب الأمير، أي: في حين ركوب الأمير، وفي مثل قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾، أي: يوم نفع الصادقين فهذا وأمثاله مطرد، ومثل: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، فإنك إذا نصبت "تشرب"، فإنما تنصبه بأن مضمرة؛ فيصير اسمًا معطوفًا في الظاهر على فعل، وهذا العطف ممتنع إلا عند التأويل؛ فيحتاج إلى أن تتصيد من الفعل "يأكل" مصدرًا من غير سابك كأن تقول مثلًا: لا يكن منك أكل السمك وشرب اللبن، ولا يعد هذا شاذًا، لاطراده في بابه، وكذلك مثل: سواء علي أقمت أم قعدت، أي: قيامك وقعودك، فهذا مؤول بالمصدر بدون أداة سبك؛ لاطراده في باب التسوية ا. هـ، الملخص. ١ في رقم ٣ من هامش ص ٣١٩، وتجيء لها إشارة أيضًا في: "د" من ص ٣٦١. ٢ راجع الأشموني والصبان ج ٤ أول باب: "الجوازم" عند الكلام على: "لما" الجازمة. ٣ في ص ٤٩٨. ٤ كما سبق في رقم ١ من هامش ص ٣٢١.
[ ٢ / ٣٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
معًا؛ فلا يصح: إلا التفاح أكلت الفواكه، أما تقدمه على أحدهما وحده فجائز؛ وقد تقدمت١ الأمثلة لتقدمه على المستثنى منه دون العامل، وأما تقدمه على العامل وحده فنحو: الفواكه إلا التفاح أكلت، حيث تقدم المستثنى على عامله بعد أن سبقهما معًا المستثنى منه.
وإذا كان المستثنى منه اسم موصول لم يجز تقديم المستثنى على الصلة؛ لأنه لا يصح الفصل بين الموصول وصلته بالمستثنى.
وإذا كان للاسم الواقع بعد إلا مباشرة أو لغيره مما بعدها في جملتها معمول؛ فإنه لا يجوز تقديمه عليها؛ ففي مثل: ما أنا طالب علمًا لا يصح: ما أنا علمًا إلا طالب.
وإذا كان قبلها عامل له معمول؛ فإنه لا يجوز تأخير هذا المعمول عنها؛ ففي مثل ما يجيد الناشئون الخطابة إلا الأديب أول مثل: ما يحرص على الأدب إلا الأديب لا يصح أن يقال: ما يجيد الناشئون إلا الأديب الخطابة ولا ما يحرص إلا الأديب على الأدب، وبعض النحاة يجيز تأخير هذا المعمول إذا كان شبه جملة، أو حالًا، ويؤيد رأيه بأمثلة كثيرة فصيحة تجعله مقبولًا؛ فيصح أن يقال: "يتكلم الخطباء، إلا المريض، واقفين " "يعترف الأجانب، إلا بعضهم، بعظمة العرب " "تتضافى النفوس، إلا الخبيثة، أمام الخطر".
ويصح تقديم المستثنى على صفة المستثنى منه؛ ففي مثل: ما كرمت الأمة المتحضرة إلا النابغين يصح أن يقال: ما كرمت الأمة إلا النابغين المتحضرة.
جـ– تعددت الآراء في الناصب للمستثنى؛ "إلا" وقيل: العامل الذي قبلها بمساعدتها، وقيل: فعل محذوف تقديره: استثنى و ولا أثر لهذا الخلاف النظري في أحكام المستثنى، وضبطه: فالخير في إغفاله؛ اكتفاء بأن تقول في الإعراب: المستثنى منصوب على الاستثناء، ولعل أقوى الآراء أنه منصوب بالفعل قبلها، أو بغيره مما يعمل عمل الفعل٢، إلا المستثنى المنقطع
_________________
(١) ١ في ص ٣٢٠ و٣٢١. ٢ فإن لم يوجد قبلها فعل أو غيره مما يعمل نحو: الزملاء أخوة إلا الغادر أمكن تأويله بما يعمل، أي: الزملاء منتسبون للأخوة إلا الغادر.
[ ٢ / ٣٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فعامله هو: "إلا" ونحن في غنى عن التعرض لأقواها وغيره إلا حين يعرض أمر يختص بالعامل وهذا قليل وعندئذ يرجع الفعل، أو ما يعمل عمله كالحالات السالفة التي يجوز فيها تقدم المستثنى على عامله أو عدم تقدمه.
د– وردت أمثلة مسموعة وقع فيها المستثنى غير منصوب، مع أن الكلام تام موجب؛ ومنها قوله تعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُم﴾ في قراءة كلمة: "قليل" بالرفع، ومنها: تغير المنزل إلا باب١ ومنها قوله ﵇: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة، إلا امرأة، أو مسافر، أو مريض"، وقوله أيضًا: "فتفرقوا كلهم إلا قتادة " و و
وقد كلف النحاة أنفسهم عناء التأويل والتقدير؛ ليجلعوا الكلام تامًا غير موجب، فيصلوا من هذا إلى جواز البدل، وإلى أن الأمثلة مسايرة للقاعدة عندهم، فمما قالوه في الآية: إن نصها على لسان طالوت هو: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ فمعنى: "شربوا منه": لم يكونوا مني ولا من أنصاري، فهي في تأويل كلام منفي في تقديرهم.
وقالوا: في المثال الثاني وأشبابه: إن: "تغير" معناها لم يبق على حاله، فالكلام يتضمن نفيًا في المعنى كما عرضوا تأويلات أخرى لبقية الأمثلة الواردة.
ولا شك أن كلامهم مردود، وتأويلهم بعيد، لسببين:
أولهما: أن كل كلام مثبت لا بد له من نقيض غير مثبت، ويستحيل الحكم على شيء بالإثبات دون أن يتصور العقل له ضدًا منفيًا؛ فمعنى "سكت الفتى: لم يتكلم، ومعنى لم يتكلم: سكت، ومعنى: "نام الرجل" لم يتيقظ، ومعنى "تيقظ": ليس بنائم، ومعنى "تحرك الطفل": لم يسكن، ومعنى "سكن": لم يتحرك ومعنى "شرب": لم يفقد الماء ويظمأ، ومعنى "فقد الماء": ما شرب
_________________
(١) ١ نص المثال المسموع، الوارد في "التصريح" هو: وبالصريمة منهم منزل خلق عاف تغير إلا النؤي والوتد وفي حاشية ياسين أمثلة متنوعة أخرى.
[ ٢ / ٣٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و و، وهكذا، فلو أخذنا برأيهم، وفتحنا باب التأويل على هذا النمط لم يبق في الكلام العربي أسلوب مقصور على "التمام مع الإيجاب" دون أن يصلح للنوع الثاني "وهو: التام غير الموجب"، وهذا غير مقبول.
وثانيهما: وهو الأهم أن الآية والمثال وغيرها مما وقع فيه المستثنى غير منصوب في الكلام التام الموجب إنما ورد صحيحًا مطابقًا للغة بعض القبائل العربية، التي تجهل السلقية الكلام "التام الموجب، والتام غير الموجب" متماثلين في الحكم١؛ ويجوز فيهما: إما النصب على الاستثناء، وإما البدل من المستثنى منه، وإما الرفع على الابتداء ٢ و فلا معنى للتأويل بقصد إخضاع لغة قبيلة للغة نظيرتها٣.
_________________
(١) ١ وقد ورد النص على هذا في كثير من المراجع النحوية، ومنها: حاشية ياسين على "التصريح، شرح التوضيح"، ففيها البيان والأمثلة من القرآن والحديث وغيرهما مما سرده في أول "الاستثناء"، وكذا الصبان. ٢ من يرفع الاسم بعد: "إلا" في الكلام التام الموجب فعلى اعتبار ذلك الاسم عنده مبتدأ، خبره مذكور أو محذوف، ويجعل المستثنى حينئذ هو الجملة في محل نصب على الاستثناء، ويجري هذا في المتصل والمنقطع. راجع الصبان، أول باب الاستثناء، وكذلك حاشية "الأمير" على المغني ج٢، بعد الجملة السابعة من باب الجمل التي لها محل من الإعراب؛ حيث الأمثلة المتعددة الواردة برفع المستثنى في الكلام التام الموجب والتي لا تحتمل تأويلًا، وحيث النص الصريح من كلام ابن مالك وغيره بأن النصب جائز لا واجب، مؤيدًا رأيه بالشواهد الفصيحة المتنوعة التي سردها، "وانظر رقم ٣ من هامش ص ٣٣٢". والخير في ترك هذه اللغات القليلة؛ بالرغم من أنها صحيحة قياسية. ٣ ومما يتصل بهذا ويفيد عرضه هنا ما جاء في تفسير البحر المحيط" ج ٢ ص ٢٦٦ لأبي حيان: "للآية الكريمة: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُم﴾ ونص كلامه: " وقرأ عبد الله، وأبي، والأعمش، "إلا قليلٌ" بالرفع، قال: الزمخشري: " وهذا من ميلهم مع المعنى والإعراض من اللفظ جانبًا، وهو باب جليل من علم العربية، فلما كان معنى: فشربوا منه" في معنى: فلم يطيعوه، حمل عليه؛ كأنه قيل: فلم يطيعوه إلا "قليل"، ونحوه قول الفرزدق: "وعض زمان يا بن مروان لم يدع من المال إلا مسحتًا أو مجلف - المسحت: القليل، والمجلف: من ذهبت الشدائد والسنون بماله، أو من تركت له بقية ضئيلة. =
[ ٢ / ٣٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإذا كان التأويل على هذا النمط معيبا، وواجبنا الفرار منه جهد استطاعتنا، فإن الأنسب لنا اليوم أن نتخير عند الضبط اللغة الضاربة في الفصاحة، الشائعة بين اللغات المتعددة؛ لنقتصر عليها في استعمالنا تاركين غيرها من اللغات واللهجات القليلة، توحيدًا للتفاهم، وفرارًا من البلبلة الناشئة من تعدد اللهجات واللغات بغير حاجة ماسة؛ فعلينا أن نعرف تلك اللغات في مناسباتها، ويستعين بها المتخصصون على فهم النصوص الواردة بها، دون محاكاتها في الضبط، أو القياس عليها كما أشرنا لهذا كثيرًا على الرغم من أنها صحيحة يجوز محاكاتها١.
هـ- إذا كان الكلام تامًا موجبًا ٢، فلا يكون المستثنى منه في الفصيح
_________________
(١) = "كأنه قال: لم يسبق من المال إلا مسحت أو مجلف". ا. هـ، كلام الزمخشري. "والمعنى: أن هذا الموجب الذي هو "فشربوا منه" هو في معنى النفي؛ كأنه "قيل: فلم يطيعوه؛ إلا قليل فارتفع "قليل" على هذا المعنى؛ ولو لم يحفظ فيه معنى النفي لم يكن ليرتفع ما بعد إلا، فيظهر أن ارتفاعه هو على أنه بدل من جهة" المعنى، فالموجب فيه كالنفي. وما ذهب إليه الزمخشري من أنه ارتفع ما بعد "إلا" على التأويل هنا دليل على أنه لم يحفظ الاتباع بعد الموجب؛ فلذلك تأوله. "ونقول: إذا تقدم موجب جاز في الذي بعد إلا وجهان، أحدهما: النصب على الاستثناء، وهو الأفصح والثاني: أن يكون ما بعد إلا تابعًا لإعراب المستثنى منه؛ إن رفعا فرفع، أو نصبًا فنصب، أو جرا فجر؛ فنقول: قام القوم إلا زيد، ورأيت القوم إلا زيدًا، ومررت بالقوم إلا زيد، وسواء أكان ما قبل إلا مظهر أو مضمرًا، واختلفوا في إعرابه؛ "فقيل: هو كذا أو كذا وسرد آراء مختلفة "، ثم قال بعدها: "ومن الاتباع بعد الموجب قوله: "وكل أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدان ا. هـ، النص المنقول حرفيًا من تفسير أبي حيان. ١ لأن كل قراءة صحيحة قرئ بها القرآن يصح محاكاتها في غيره، والقياس عليها، وكذلك كل لغة سليمة لإحدى القبائل؛ كما نص على هذا الأئمة، وعرضنا له بأدلته وتفاصيله في بحث مستفيض؛ عنوانه "القياس"، بكتابنا المسمى: "اللغة والنحو بين القديم والحديث". ٢ راجع في الحكم الآتي كتاب: همع الهوامع ج ١ ص ٣٢٣ أول باب الاستثناء، "وفي رقم ٦ من هامش ص ٣٢١، إشارة لما يأتي. ".
[ ٢ / ٣٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نكرة، إلا إن أفادت ١ فلا يقال: جاء قوم إلا رجلًا، ولا قام رجال إلا محمدًا، لعدم الفائدة، بسبب أن النكرة محضة، فإن أفادت جاز؛ نحو قوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾، وقام رجال كانوا في بيتك إلا واحدًا منهم، أما الكلام التام غير الموجب فالفائدة تحقق فيه بالنفي وشبهه؛ لدلالة النكرة معه غالبًا على العموم نحو: ما جاءنا أحد إلا رجلًا، أو إلا عليًا
كذلك لا يكون المستثنى منه معرفة، والمستثنى نكرة لم تخصص؛ فلا يقال: قام القوم إلا رجلًا: فإن تخصصت جاز؛ نحو: خرج القوم إلا رجلًا منهم، أو: إلا رجلًا حارسًا
و– عرفنا ٢ أن المستثنى المنقطع ليس بعضا من المستثنى منه، فليس فردًا من أفراد نوعه، وليس جزءًا من أجزاء الفرد؛ كما سبق ٢ فكيف يكون مستثنى وبينه وبين المستثنى منه هذا التخالف والتباين؟ كيف يكون المطروح مباينًا جنس المطروح منه؟.
قال النحاة:
١– إن كان المستثنى المنقطع جملة ٣؛ مثل قوله تعالى ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾، ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾، ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ، فَيُعَذِّبُهُ
_________________
(١) ١ إفادتها تكون بزيادة تطرأ عليها؛ كوصف، أو إضافة، أو غيرها مما يفيدها تخصيصًا، ولا يتركها على حالها محضة التنكير. ٢و ٢ في "هـ" من ص ٣١٨، ورقم ٢ من هامشها. ٣ يجوز وقوع المستثنى المنقطع جملة بنوعيها، ويكون لها محل من الإعراب كما سبق في رقم ٢ من هامش ص ٣٣٠، ولا داعي لاشتراط: "أن يكون الاستثناء مفرغًا، وأن يكون الفعل إما مضارعًا، وأما ماضيًا مسبوقًا بقد، أو بماض قبل "إلا"، فهذا الذي نص عليه "ياسين" في حاشيته على "التصريح" عند الكلام على: "غير" التي للاستثناء خالفه فيه الأكثرون، ولعله غالب، لا شرط لازم؛ كما سيجيء في "ب" من ص ٣٤٩"، فإن كان المستثنى متصلًا جاز في القول الصحيح وقوعه جملة، برغم ما في حاشية ياسين جـ ١، الباب الخامس من أبواب النيابة، عند الكلام على جر الممنوع من الصرف بالكسرة لإضافته.
[ ٢ / ٣٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ ﴾ أعربت هذه الجملة ١، في موضع نصب على الاستثناء، و"إلا" أداة استثناء حرف؛ بمعنى: "لكن" الساكنة النون، التي تفيد الاستدراك والابتداء ٢ معًا، وتقتضي أن تسبقها جملة، وتدخل على جملة جديدة اسمية أو فعلية٣، فهي متوسطة بين جملتين؛ فكأن التقدير؛ لست عليهم بمسيطر، لكن من تولى وكفر فيعذبه الله
٢– إن كان المستثنى المنقطع مفردًا منصوبًا فأداة الاستثناء: "إلا" تكون عند أكثر النحاة بمعنى: لكن "المشددة النون" التي تفيد الابتداء٢، والاستدراك، وتعمل عمل: "إن"، نحو: نام أصحاب البيت إلا عصفورًا مغردًا، فكلمة؛ "إلا" بمعنى: "لكن" المذكورة، التي تقتضي بعدها جملة اسمية الأصل تنصب فيها المبتدأ وترفع الخبر؛ سواء أكان خبرها مذكورًا أم محذوفًا، ولا بد على هذا الرأي من جملة اسمية بعدها، ولا بد من ذكر جملة أخرى قبلها، فكأن التقدير: نام أصحاب البيت لكن عصفورًا مغردًا يقظ، أو: لم ينم
ويرى سيبويه أن المستثنى المنقطع المنصوب بعد "إلا" إنما هو منصوب بعامل قبلها، شأنه في هذا شأن المستثنى المتصل، فما بعد "إلا" عند سيبويه مفرد سواء أكان متصلًا أم منقطعًا، وهي بمعنى: "لكن" العاطفة التي لا يقع المعطوف بها إلا مفردًا، غير أن "إلا" ليست حرف عطف.
والأخذ برأي سيبويه هنا في اعتبار عامل المستثنى المنقطع، أسهل وأيسر.
٣– وإن كان المستثنى المنقطع مفردًا مرفوعًا؛ كما في حالة البدلية
_________________
(١) ١ هي جملة اسمية، المبتدأ "من" اسم موصول بمعنى الذي، مبنى على السكون في محل رفع "تولى"، فعل ماض، الفاعل، ضمير مستتر تقدير: هو، والجملة لا محل لها من الإعراب صلة الموصول "فيعذبه"؛ الفاء، زائدة، داخلة على جملة الخبر، "يعذبه الله" جملة من مضارع وفاعله ومفعوله في محل رفع؛ خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ وخبره في محل نصب على الاستثناء. وقد سبق بيان المواضع التي تزاد فيها الفاء في الخبر، جـ ١ م ٤١ ص ٤٨٧ آخر باب المبتدأ والخبر. ٢و٢ أي: الصدارة في الجملة التي تدخل عليها. ٣ فهي تقتضي بعد الجملة السابقة عليها الدخول على جملة جديدة، زيادة على ما تفيده من الاستدراك، "وقد مر شرح الاستدراك وتفصيل أحكامه في جـ ١ ص ٤٧٢ م ٥١".
[ ٢ / ٣٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عند من يجيزها، والابتداء عند من لا يجيزها١ في نحو؛ ما سهر أصحاب البيت إلا عصفور مغرد كانت أداة الاستثناء "إلا" بمعنى: لكن "ساكنة النون"، فأصل التقدير، ما سهر أصحاب البيت لكن عصفور مغرد سهر.
والسبب في تعدد هذه التقديرات كما يبدو هو إدخال كل ضبط من تلك الضبوط تحت قاعدة نحوية عامة، أما المعنى فلن يتغير في المستثنى، ولا المستثنى منه، ولا غيرهما، وسيظل المستثنى منصوبًا على الاستثناء إن كان جملة أو مفردًا منصوبًا، فإن كان مفردًا غير منصوب فهو بدل، ويجوز في الاسم المرفوع اعتباره مبتدأ خبره مذكور أو محذوف، كما تقدم والجملة منصوبة على الاستثناء.
بالرغم من أن المنقطع ليس بعضًا من المستثنى منه، فإنه لا يجوز أن يكون منقطع المناسبة والعلاقة بينه، وبين المستثنى منه انقطاعًا كليًا في المعتاد كما سبق ٢، فلا يصح: أقبل الضيوف إلا ثعبانا، كذلك لا يصح أن يسبقه ما هو نص صريح في خروجه وفقد تلك العلاقة، فلا يجوز: صهلت الخيل إلا الإبل؛ لأن الصهيل نص قاطع في صوت الخيل وحدها؛ فلا صلة بين المستثنى والمستثنى منه مطلقًا؛ فيصير الكلام خلطًا وبترًا، بخلاف صوتت الخيل إلا الإبل.
ز– تقدم، في الحكم الثاني٣ أن المستثنى في الاكلام التام غير الموجب يجوز فيه النصب والبدل، ويقول النحاة في تفريع هذا البدل كلامًا مرهقًا غير مقبول، والخبر في إهماله؛ ومنه:
إذا تعذر البدل على اللفظ أبدل على الموضع، فمثل: ما جاءني من أحد إلا البائع لا يجوز إعراب "البائع" بدلًا مجرورًا من لفظ: "أحد"، لزعمهم أن كلمة: "أحد" مجرورة اللفظ بالحرف الزائد: "من" وهو حرف لا يزاد غالبًا إلا في كلام منفي؛ كالمثال السالف، وأن كلمة: "البائع" معناها مثبت؛ لأن الكلام الذي بعد "إلا" مناقض لما قبلها في النفي والإثبات، كما هو معروف فإذا كان معناها مثبتًا، فكيف تكون بدلًا من كلمة: "أحد" المنفية،
_________________
(١) ١ راجع رقم٢ من هامش ص ٣٣٠. ٢ في ص ٣١٨ "هـ". ٣ ص٣٢٠.
[ ٢ / ٣٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) المجرورة لفظًا بالحرف الزائد، والبدل على نية تكرار العامل الذي يعمل في المبدل منه؟ فكأنهم يقولون: إن كلمة: "البائع" المجرورة ملحوظ قبلها في التقدير الحرف "من" الزائد الذي عمل الجر في المبدل منه "أحد"، ويترتب على هذا عندهم دخول "من" الزائدة الجارة في كلام مثبت بعد "إلا" وهي في الغالب لا تكون إلا في كلام منفي، كما سبق، وقرارًا من هذا الذي يرونه محظورًا منعوا البدل الجر من لفظة: "أحد"، وأجازوا البدل بالرفع من محلها: لأنها مجرورة بمن "لفظًا" وفي محل رفع فاعل للفعل: جاء، فالتقدير: جاء البائع. ومثل: ليس اللص بشيء إلا رجلًا تافهًا، فقالوا لا يجوز ضبط كلمة: "رجلًا" بالجر على اعتبارها بدلًا من كلمة: "شيء" المجرور لفظها؛ وإنما يجوز النصب على اعتبارها بدلًا من محل كلمة: "شيء"، وذلك للوهم السالف أيضًا؛ وهو أن المبدل منه، "وهو كلمة: شيء" مجرور بالباء الزائدة، وهذه الباء لا تزاد إلا في جملة منفية، والمستثنى "بإلا" مثبت بعد الكلام المنفي، فلو أبدلنا كلمة: "رجلًا" في كلمة: "شيء" المجرورة لكان هذا البدل مستلزمًا في التقدير وقوع الباء وهي العامل في المبدل منه قبل البدل أيضًا؛ لأن البدل على نية تكرار العامل؛ فيترتب على هذا دخول "باء" الجر الزائدة على مثبت؛ وهو عندهم ممنوع، فللفرار من هذا أبدلوا كلمة: "رجلًا" من كلمة: "شيء" مع مراعاة محلها، لا لفظها؛ لأن محلها النصب؛ فهي مجرورة لفظًا، منصوبة محلًا، باعتبارها خبر: "ليس"!!. ومثل: لا ساهر هنا إلا حارس، لا يجوز عندهم أن تكون كلمة: "حارس" بدلًا منصوبًا من محل كلمة: "ساهر" المبنية على الفتح لفظًا في محل نصب، وحجتهم أن كلمة: "ساهر" اسم "لا" واسم "لا" منفي، أما المستثنى هنا فموجب، لوقوعه بعد "إلا"، "وما بعدها مخالف لما قبلها نفيًا وإثباتًا، كما تقدم"، ولما كان العامل في المستثنى منه: هو "لا" النافية للجنس وجب عندهم أن تكون عاملة أيضًا في المستثنى؛ لأن العامل في الاثنين لا بد في الرأي المشهور أن يكون واحدًا، ثم يقولون: كيف تعمل "لا" في المستثنى الموجب، وهي لا تعمل إلا في منفي؟ وللفرار من هذا قالوا: إن البدل هو من محل اسم "لا"
[ ٢ / ٣٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قبل دخولها، وليس من محل اسمها بعد دخولها، فاسمها قبل دخولها كان مبتدأ١، فالبدل مرفوع مثله، ولا عمل للناسخ فيه إذ ذاك.
ومثل: ما الخائن شيئًا إلا رجل حقير؛ فقد منعوا أن تكون كلمة: "رجل" بدلًا منصوبًا من كلمة: "شيئًا" المنصوبة، وحتموا أن تكون بدلًا مرفوعًا من كلمة: "شيئًا" باعتبار أصلها؛ فقد كانت خبرًا مرفوعًا للمبتدأ قبل مجيء "ما" الحجازية التي تعمل عمل: "ليس"، وسبب المنع أن المستثنى منه منفي، والمستثنى موجب، والعامل في الاثنين واحد؛ هو: "ما" الحجازية، فتكون "ما" الحجازية قد عملت في الموجب، وهي لا تعمل إلا في المنفي.
ذلك رأيهم ودليلهم ٢ في كل ما سبق من الأمثلة الممنوعة، وهو رأي غريب "إذا ما الحكمة كما قال بعض آخر من النحاة في ارتكاب هذا التكلف ٣؟ مع أن القاعدة: "أنه يغتفر فيا لتابع ما لا يغتفر في المتبوع ٤".
_________________
(١) ١ يجوز في هذا المثال من الأوجه الإعرابية ما يجوز في أشباهه التي عرضوها في باب "لا" النافية للجنس آخر الجزء الأول ومنها: "لا إله إلا الله"، فقد جوزوا في كلمة: "الله" ما يأتي. أ– الرف على البدلية؛ مراعاة لمحل "لا مع اسمها؛ لأن محلهما رفع على الابتداء عند سيبويه. ب– أو: الرفع على البدلية مراعاة لمحل اسم "لا" باعتباره في الأصل مبتدأ مرفوعًا قبل دخول الناسخ. جـ– أو: الرفع على البدلية من الضمير المستتر في خبر "لا" المحذوف؛ فأصل الكلام لا إله موجود؛ أي: هو. د– أو: النصب على الاستثناء من هذا الضمير المستتر؛ لأن الجملة تامة غير موجبة؛ فيجوز في المستنثى أمران كما عرفنا: البدلية، أو: النصب على الاستثناء. ٢ و٢ راجع الأشموني، وحاشية الصبان ج ٢ أول باب: "الاستثناء"، عند الكلام على البدل، في الكلام التام غير الموجب. ٣ عرضنا صورًا من تطبيقه في آخر الجزء الثالث عند الموازنة بين عطف البيان وبدل الكل. ٤ وقد يعبرون عن هذه القاعدة بتعبيرات مختلفة الألفاظ متحدة المعاني؛ منها: "يغتفر كثيرًا من الثواني ما لا يغتفر في الأوائل" كما في جاء في الصبان ج ٢ في باب الإضافة، عند الكلام على: "أي"، ومنها: "يغتفر في الثواني ما لا يجوز في الأوائل" كما اء في الهمع ج ١ ص ٢١٥ عند الكلام على الظرف: "لدن" ومنها: "أنهم يتسامحون في الثواني، ويغتفرون في التوابع" كما جاء في حاشية الأمير على المغني، ج ١ عند الكلام على الحرف، "رب" وتنكير مجروره. انظر ما يتصل بهذا في رقم ١ من هامش ص ٦٩ وص ٥٣١.
[ ٢ / ٣٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومثلوا له بقوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾، حيث لا يمكن تسليط العامل على المعطوف ١ فهلا جاز هنا في البدل الجر، أو النصب تبعًا للفظ المبدل منه على هذه القاعدة ٢.
وشيء آخر له الأهمية الأولى، ولا أعرف أنهم ذكروه؛ هو كلام العرب في مثل ما سبق، والمأثور من أساليبهم، أجاء خاليًا من اتباع المستثنى للفظ المستثنى منه، أم لم يجئ؟ وفي الحالتين لا يقوم دليل على المنع؛ لأن عدم المجيء ليس معناه التحريم، فالأمر السلبي لا يكفي في انتزاع حكم قاطع مخالف للمألوف في نظرائه التي يتبع فيها البدل حركة المبدل منه اللفظية، كما أن المجيء قاطع في الصحة.
الحق أن هذا كله وأشباهه هو الجانب المعيب في: "نظرية العامل"؛ إذ يمنحه سلطانًا قويًا يتحكم به في صياغة الأسلوب، أو ضبطه، بغير سند يؤيده من فصيح الكلام، وقد سبق أن امتدحنا هذه النظرية البارعة التي لا تصدر إلا عن عبقرية، وذكاء لماح، وقلنا٣: إنها لا عيب فيها إلا ما قد يشوبها في قليل من الأحيان من مثل هذه الهنوات.
ح– في مثل: ما أحد يقول الباطل إلا الدنيء، يجوز في كلمة: "الدنيء" أن يكون بدلًا مرفوعًا من كلمة: "أحد" أو: من ضميره المستتر الواقع فاعلًا للمضارع، ويجوز نصبه على الاستثناء، فللرفع ناحيتان، وللنصب واحدة.
أما في مثل: ما رأيت أحد يقول الباطل إلا الدنيء، فيجوز في كلمة: "الدنيء" النصب على الاستثناء، أو: على البدلية من كلمة: "أحدًا" المنصوبة ويجوز فيها الرفع على البدلية من الفاعل المستتر في الفعل المضارع؛ فللنصب ناحيتان وللرفع ناحية.
_________________
(١) ١ لأن فعل الأمر لا يرفع اسمًا ظاهرًا، ومثل هذا ما يقال في الحرف: "رب" من صحة عطف المعرفة على الاسم المجرور به، مع أن "رب" حرف لا يجر إلا النكرة كما سيجيء في حروف الجر ص ٥٢٣. ٢ وقد ردوا هذا الكلام بأن الأخذ بتلك القاعدة إنما يكون في بعض المواضع دون بعض وليست مطردة: وهذا غريب أيضًا. ٣ جـ ١ ص ٤٥ م٦.
[ ٢ / ٣٣٧ ]
ب– الحكم إذا كانت أداة الاستثناء هي "إلا" المكررة ١:
أ- قد يكون تكرارها بقصد التوكيد اللفظي المحض، وتقوية "إلا" الأولى الاستثنائية، بغير إفادة استثناء جديد، ولهذه حالة صورتان:
الأولى: أن تقع "إلا" التي تكررت للتوكيد اللفظي المحض، بعد "الواو" العاطفة لا يصح أن تقع بعد غيرها من حروف العطف نحو: أحب ركوب السفن إلا الشراعية، وإلا الصغيرة، فالواو حرف عطف، "إلا" الثانية: للتوكيد اللفظي، ولا تفيد استثناء، و"الصغيرة" معطوفة على "الشراعية"؛ فهي مستثنى، بسبب العطف، لا بسبب "إلا" المكررة ٢؛ ولهذا يكون المستثنى المعطوف تابعًا للمعطوف عليه في ضبطه، ولا تأثير لوجود "إلا" المكررة في ضبطه، أو ضبط غيره، وإنما تأثيرها مقصور على ما تتضمنه من فائدة معنوية يحققها التوكيد اللفظي بها.
الثانية: ألا تقع "إلا" التي جاءت للتكرار المحض بعد حرف عطف، ولكن يكون اللفظ الواقع بعدها مباشرة متفقًا مع المستثنى الذي قبلها في المعنى والمدلول، برغم اختلاف اللفظين في الحروف الهجائية، ويكون ضبط اللفظ بعد المكررة جاريًا على افتراض أنها غير موجودة؛ فوجودها وعدمها سواء من ناحية الحكم الإعرابي الذي يخصه، مثال ذلك رجل يقال له: هارون الرشيد، أو: محمد الأمين أو ، نحو: جاء القوم إلا هارون إلا الرشيد، اشتهر الخلفاء إلا محمدًا إلا الأمين، فكلمة: "إلا" الثانية في المثالين لا تفيد استثناء جديدًا؛ لأن "الرشيد" المقصود هو: "هارون"، و"الأمين" المقصود هو: "محمد"، وإنما أفادت الثانية توكيدًا لفظيًا
_________________
(١) ١ سبق الكلام على: "إلا" غير المكررة في ص ٣١٩. ٢ وهذا الحكم ينطبق على جميع أنواع المستثنى الثلاثة إذا تكررت "إلا"، وقد سبق مثال "التام الموجب"، أما مثال "التام غير الموجب"، فنحو: لا أحب ركوب السفن إلا البواخر، وإلا الكبيرة، وإما مثال "المفرغ"، فقول الشاعر: لا يمنح النفس ما ترجوه من أرب إلا الطموح، وإلا الجد، والعمل وقول الآخر: وما الفضل إلا أن تجود بنائل وإلا لقاء الخل ذي الخلق العالي فالمصدر المؤول بعد "إلا" الأولى خبر، أما الثانية فلمجرد التوكيد اللفظي، والمصدر الصيح بعدها معطوف بالواو على المصدر المؤول.
[ ٢ / ٣٣٨ ]
لكلمة: "إلا" الأولى، ولا تأثير للثانية في ضبط كلمتي: "الرشيد، والأمين"، فكل واحدة منهما تعرب هنا بدل كل من كل ١، أو: عطف بيان من المستثنى الأول، ولو حذفنا كلمة: "إلا" التي جاءت للتكرار ما تغير الضبط ولا الإعراب، فوجودها لا أثر له من هذه الناحية الإعرابية، على الرغم من أثرها المعنوي الذي يكون للتوكيد اللفظي المحض.
ولو قلنا: ما جاء القوم إلا هارون إلا الرشيد لصح في كلمة: "الرشيد" الرفع أو النصب، تبعًا لكلمة: "هارون" التي يجوز فيها الأمران، بسبب أن الاستثناء تام غير موجب، وكذلك ما جاء القوم إلا محمدًا، أو محمد، إلا الأمين، فيجوز في كلمة: "الأمين" المران للسبب السابق، فكأن "إلا" المكررة غير موجودة: إذ لا أثر لها في الحكم الإعرابي.
ولو قلنا: ما أشتهر إلا هارون إلا الرشيد، لوجب رفع كلمة "الرشيد" اتباعًا لكلمة: "هارون" التي يجب رفعها؛ بسبب أن الاستثناء مفرغ، وكذلك الحال في: ما جاء إلا محمد إلا الأمين٢.
ب– وقد يكون تكرار "إلا" لغير التوكيد اللفظي المحض، وإنما الغرض استثناء جديد: بحيث لو حذفت لم يفهم الاستثناء الجديد، ولم يتحقق المراد منه، فهي في هذا الغرض كالأولى تمامًا؛ كلتاهما تفيد استثناء مستقلًا؛ وفي هذه الحالة تتعدد الأحكام على الوجه الآتي:
_________________
(١) ١ البدل في هذا المثال بدل كل من كل، وفي غيره قد يكون بدل بعض، أو: اشتمال، أو: إضراب؛ مثل: ما أعجبني أحد، لا الطبيب الرحيم، إلا وجهه، أو: إلا عطفه، أو: ما أعجبني أحد، إلا الطبيب الرحيم، إلا المهندس المبتكر. ٢ وفي "إلا" المكررة للتوكيد المحض يقول ابن مالك: وألغ إلا ذات توكيد: كلا تمرر بهم، إلا الفتى إلا العلا يريد: اعتبر "إلا" ملغاة، أي: غير موجودة، إذا كانت للتوكيد، وأردت أن تضبط ما بعدها، ومثل لها بمثال هو: لا تمرر بهم إلا الفتى إلا العلا، والعلا أو العلاء، هو اسم الفتى، فالفتى هو: العلاء، والعلاء هو الفتى، وهو بدل كل، أو عطف بيان من كلمة: "الفتى" ولو حذفت "إلا" المكررة ما تغير الإعراب فوجودها، وعدمها سيان من هذه الوجهة الإعرابية وحدها كما شرحنا.
[ ٢ / ٣٣٩ ]
١- إن كان تكرارها لغير التوكيد في كلام تام موجب، فالمستثنيات كلها منصوبة في كل الأحوال؛ نحو: "ظهرت النجوم إلا الشمس، إلا القمر، إلا المريخ".
٢– إن كان الكلام تامًا غير موجب والمستثنيات متقدمة على المستثنى منه نصبت جميعًا؛ نحو: "ما غاب إلا الشمس، إلا القمر، إلا المريخ، النجوم".
فإن تأخرت نصبت أيضًا، ما عدا واحدًا منها أي واحد فيجوز فيه أمران؛ إما النصب على الاستثناء كغيره، وإما البدل من المستثنى منه؛ مثل: ما غابت النجوم، إلا الشمس بالرفع أو النصب إلا القمر إلا المريخ.
٣– إن كان الكلام مفرعًا وجب إخضاع أحد المستثنيات ١ لحاجة العامل الذي قبل "إلا"، "الأولى" ونصب باقي المستثنيات، نحو: "ما نبت إلا قمح جيد إلا شعيرًا غزيرًا إلا قصبًا قويًا ".
وإذا كانت "إلا" التي جاءت للتكرار تفيد استثناء جديدًا كما سبق، فلا بد أن يجيء بعدها مستثنى، ولا بد أن يكون له مستثنى منه، فأين هذا المستثنى منه؟ أهو المستثنى منه الأول السابق، أم هو المستثنى الذي قبل "إلا" المكررة مباشرة، فيكون المستثنى الذي بعدها خارجًا، ومطروحًا من المستثنى الذي قبلها مباشرة؟
وبعبارة أخرى: أين "المستثنى منه" بعد "إلا" المكررة لغير توكيد في مثل: بكر العاملون إلا صالحًا، إلا محمودًا، إلا حسينًا؟ فكلمة: "محمودًا" مستثنى ثان، فأين المستثنى منه؟ أهو: "العاملون" منه الأول، أم هو "صالحًا" المستثنى الذي قبله مباشرة؟.
وكذلك: "حسينًا" مستثنى ثالث فأين المستثنى منه؟ أهو العاملون "محمودًا"، أم ماذا؟.
إذا لم يمكن استثناء بعض المستثنيات من بعض كهذا المثال كان المستثنى منه هو الأول حتمًا، وهو هنا: العاملون: أما إذا أمكن استثناء كل واحد مما
_________________
(١) ١ ليس من اللازم أن يكون الأول، وإن كان هو المستحسن.
[ ٢ / ٣٤٠ ]
قبله مباشرة كالأعداد فيجوز الأمران، أي استثناء كل واحد مما قبله مباشرة، أو استثناء المجموع من المستثنى منه الأول؛ ففي مثل: أنفقت عشرة، إلا أربعة، إلا اثنين، إلا واحدًا، يجوز إسقاط المستثنيات كلها من العشرة، فنجمع أربعة، واثنين، وواحدًا، ونطرح المجموع من العشرة؛ فيكون الباقي الذي أنفق هو ثلاثة، "أي: ١٠ – "٤ + ٢ + ١" = ٣" كما يجوز إسقاط المستثنى الأخير مما قبله مباشرة، ثم نسقط الباقي من المستثنى الذي قبله مباشرة وهكذا، فما بقي آخر الأمر يكون هو المطلوب، ففي المثال السابق: نطرح ١ من ٢ فيكون الباقي: ١ ثم نطرح ١ من ٤ فيكون الباقي: ٣ ثم نطرح ٣ من ١٠ فيكون الباقي: ٧ وهو المبلغ الذي أنفق.
والأحسن في الطريقة الثانية جمع الأعداد التي في المراتب الفردية، ومنها المستثنى منه الأول، ثم جمع الأعداد التي في المراتب الزوجية، وطرح مجموعها من مجموع الفردية، فباقي الطرح هو المطلوب.
ويلاحظ أن الطريقتين جائزتان ولكن نتيجتهما مختلفة، ولهذا كان اختيار إحداهما خاضعًا للقرائن؛ فهي التي تعين إحداهما فقط مراعاة للمعنى.
على الرغم من صحة استعمال الطريقتين، فالأنسب العدول عنها في كل مقام يقتضي وضوحًا في الأداء، وسموًا في التعبير.
ولو أردنا تلخيص كل ما تقدم من الأحكام الخاصة بكلمة: "إلا" المكررة ١
_________________
(١) ١ وفي أحكام "إلا" المكررة لغير التوكيد يقول ابن مالك: وإن تكرر لا لتوكيد فمع تفريغ التأثير بالعامل دع في واحد مما بإلا استثني وليس عن نصب سواه مغني "التقدير: إن تكررت "إلا" لا لتوكيد فدع التأثير بالعامل في واحد مما استثني بإلا مع التفريغ، أي: في حالة التفريغ " يريد: إذا تكررت "إلا" لغير التوكيد، فإن كان الكلام "مفرغًا"، فاترك واحدًا من المستثنيات ليخضع لتأثير العامل الذي في الجملة السابقة، وانصب باقي المستثنيات، فليس عن نصبها غنى، أي: مفر، ثم انتقل إلى إحالات الأخرى التي ليس فيها تفريغ؛ فقال: ودون تفريغ مع التقدم نصب الجميع احكم به والتزم يريد: في الحالات التي يس فيها تفريغ وهي حالة التام الموجب، وحالة التام غير الموجب إن =
[ ٢ / ٣٤١ ]
المفيدة لاستثناء جديد أي: التي ليست للتوكيد المحض لكان التلخيص الموجز هو:
١– إذا تكررت "إلا" لغير التوكيد المحض نصبت بعدها المستثنيات في جمع الأحوال، وفي مختلف الأساليب، إلا في حالة: "التفريغ" فيجب حتمًا تخصيص مستثنى واحد يخضع في إعرابه لحاجة العامل، ونصب ما عداه.
٢– ويجوز في حالة الكلام التام غير الموجب إذا تأخرت المستثنيات اختيار واحد منها ليكون بدلًا من المستثنى منه الأول، ويجوز نصبه مع باقيها.
_________________
(١) = تقدمت المستثنيات وجب نصبها جميعًا في مختلف أحوالها، أما إن تأخرت فقال فيها: وانصب لتأخير، وجئ بواحد منها؛ كما لو كان دون زائد كلم يفوا إلا امرؤ إلا علي وحكمها في القصد حكم الأول أي: تنصب المستثنيات كلها في حالة التأخير؛ فإن كان الكلام تامًا غير موجب، صح اختيار واحد منها، وضبطه بما كان يستحقه من الضبط لو لم تتكرر إلا، وهذا الضبط هو البدلية أو النصب كما وضحه مثاله؛ وهو: "لم يفوا إلا امرؤ إلا علي"، فيجوز في "علي" الرفع على البدلية من "امرؤ"، أو النصب، ثم بين أن المستثنيات كلها مقصودة كالمستثنى الأول، فما تكرر من المستثنيات حكمه في المعنى حكم الأول؛ فيثبت له ما يثبت للأول من الخروج مما قبله إثباتًا أو نفيًا. بقي أن نعرف إعراب: "كما لو كان "، وقد سبق البيان في آخر هامش ص ٣٢٥.
[ ٢ / ٣٤٢ ]
المسألة ٨٢:
أحكام المستثنى الذي أدواته أسماء ١:
"غير، وسوى، بلغاتها المختلفة"
من أدوات الاستثناء ما هو اسم صريح؛ أشهره: غير، وسوى "وفيها لغات مختلفة: سوى، سوى، سواء، سواء"، وهذه الأسماء الصريحة عند استعمالها أداة استثناء تشترك في المعنى وفي الحكم.
فأما "غير" ومثلها نظيراتها، فمعناها إفادة المغايرة أي: الدلالة على أن ما بعدها مغاير ومخالف لما قبلها في المعنى الذي ثبت له، إيجابًا أو نفيًا؛ فمعنى: "أسرع المتسابقون غير سعيد"، أنهم أسرعوا مغايرين ومخالفين في هذا الأمر سعيدًا؛ فهو لم يسرع، فكان مخالفًا ومغايرًا لهم أيضًا، وكذلك: "ما ضحك الحاضرون غير صالح"، فالمعنى: أنهم لم يضحكوا، مغايرين ومخالفين صالحًا في هذا، أي: في عدم الضحك؛ لأنه ضحك دونهم، فكان مخالفًا ومغايرًا أيضًا. ومثل هذا يقال في بقية أسماء الاستثناء.
وأما حكم تلك الأسماء فينحصر في أمرين٢؛ أولهما: ضبط المستثنى الواقع بعد كل اسم منها، وطريقة إعرابه.
وثانيهما: ضبط أداة الاستثناء الاسمية، وطريقة إعرابها؛ "لأنها اسم لا بد له من موقع إعرابي؛ فيكون مرفوعًا، أو منصوبًا، أو مجرورًا، على حسب موقعه من الجملة؛ كشأن جميع الأسماء".
_________________
(١) ١ من هذه الأسماء: بيد، وسيجيء الكلام عليها وعلى الفرق بينها وبين "غير" وأخواتها في: "أ" "من" الزيادة، ص ٣٤٩. ٢ لا بد قبل النظر في تحقيق هذين الأمرين معًا، من أن يكون الكلام جاريًا على ما يقتضيه، ويتطلبه أسلوب الاستثناء؛ بحيث لا يستقيم المعنى إلا على أساس الاستثناء، والسبب في هذا الشرط أن كل اسم من أدوات الاستثناء الاسمية يصلح في ذاته لأشياء كثيرة، منها الاستثناء، وغيره؛ فلا يتعين للاستثناء إلا إذا اقتضى السياق ذلك؛ وتحققت أركان الاستثناء بوجود المستثنى منه، أو بعدم وجوده إن كان الكلام "مفرغًا"، فلا بد من النظر لحاجة السياق أولًا.
[ ٢ / ٣٤٣ ]
أ– فأما ضبط المستثنى وإعرابه فليس له إلا ضبط واحد، وإعراب واحد، هو: ضبطه بالجر، ويعرب "مضافًا إليه"، إليه دائمًا، ولا بد أن يكون مفردًا ٣ والأداة الاسمية هي المضاف، كما في الأمثلة الآتية:
"أ" أسرع المتسابقون غير سعيد.
فرح الفائزون غير واحد.
ظهرت النجوم غير نجم.
"ب" ما أسرع المتسابقون غير سعيد، أو: غير سعيد.
ما رأيت الفائزين غير سعيد، أو: غير سعيد.
ما نظرت للنجوم غير نجم، أو: غير نجم.
"جـ" ما أسرع غير سعيد.
ما رأيت غير سعيد.
ما نظرت لغير سعيد.
ففي كل هذه الأمثلة وأشباهها لا يكون المستثنى إلا مضافًا إليه مجرورًا، مفردًا١، وأداة الاستثناء الاسمية هي: المضاف.
ب– وأما ضبط أداة الاستثناء وإعرابها، فيختلف باختلاف حالة الكلام، فحين يكون الكلام تامًا موجبًا، تنصب على الاستثناء٢ كما في "أ" من الأمثلة السالفة، وكقول الشاعر:
كل المصائب قد تمر على الفتى وتهون، غير شماتة الحساد
وحين يكون الكلام تامًا غير موجب يجوز نصبها على "الاستثناء"، ويجوز اتباعها للمستثنى منه؛ كما في "ب" من الأمثلة السالفة، وكما في قولهم: "أين الأقوال من الأفعال، فلن تتحقق بالكلام الغايات الجليلة غير بعض منها، وما أقلة؟ ".
وحين يكون الكلام مفرغًا تضبط وتعرب على حسب حاجة الجملة، فقد
_________________
(١) ١ و١ أي: ليس جملة ولا شبهها. ٢ في الأخذ بهذا الرأي راحة وسهولة؛ لأنه يساير في إعرابه إعراب المنصوب من المستثنيات الأخرى؛ ولأن الاعتراض عليه أخف من الاعتراض على الرأي القائل بإعرابها حالًا مؤولة، بمعنى: "مغاير"، وعلى الرأي القائل إنها منصوبة على التشبيه بظرف المكان في الإبهام "انظر الحالة الثانية التي تشتمل على ما ألحق بأسماء الزمان المبهمة ص ٣٠٣"، ولسنا بحاجة إلى الإثقال بعض الأدلة؛ لأنها جدلية محضة؛ ولا أثر لها في الأمر الهام، وهو: ضبط الكلمة.
[ ٢ / ٣٤٤ ]
تكون فاعلًا، أو مفعولًا، أو غيرهما، كما في "ج" من الأمثلة السالفة، وكقولهم: لا ينفع المرء غير عمله.
يفهم من كل ما تقدم: "أنه يطبق على كلمة: "غير" عند ضبط صيغتها الخاصة كل الأحكام التي تجري على المستثنى بإلا عند إرادة ضبطه١ بالتفصيلات المختلفة التي سبقت هناك، ولا فرق في هذا التطبيق بين: "غير" وباقي أخواتها الأسماء ٢.
لكن بينها وبين أخواتها ٣ بضع فروق من نواح أخرى؛ منها: أن المضاف إليه بعد الأداة "غير" ٤ قد يحذف إذا دلت عليه قرينة: مثل: "عرفت خمسين ليس غير"٥، أي: ليس غير الخميس، ولا يصح: عرفت خمسين ليس سوى؛ لأن "سوى بلغاتها المختلفة واجبة الإضافة لفظًا ومعنى، ولا يصح قطعها عن هذه الإضافة اللفظية٦.
_________________
(١) ١ ويجوز بناؤه على الفتح في كل الحالات بشرط أن تكون مضافة إلى مبني. شأنها في ذلك شأن الأسماء المتوغلة في الإبهام، "وقد سبقت الإشارة إلى المراد منها في باب الظرف ص ٣٠٢ ومنها: غير، ومثل، وبعض الظروف التي عرضناها ". ٢ وفيما سبق يقول ابن مالك: واستثن مجرورًا بغير، معربا بما لمستثنى بإلا نسبا ولسوى، سوى، سواء اجعلا على الأصح ما لغير جعلا "التقدير: استثن بكلمة: غير، مجرورًا، أي: مستثنى مجرورًا، حالة كون لفظ: "غير" معربًا بمثل ما نسب للمستثنى بإلا، أي: معربًا مثل إعرابه في الحالات المختلفة، يريد: أن المستثنى "بغير" مجرور دائمًا، وأن كلمة "غير" نفسها تضبط بالضبط الذي يكون للمستثنى "بإلا" فيما لو حذفت "غير"، وحلت محلها: "إلا" وجاء بعد "إلا"مستثناها كما شرحنا. ثم بين أن مثل "غير" في ذلك كلمات أخرى؛ منها: سوى سواء، وأن الأصح أنها تشبهها في الاستثناء. وليست ظرفًا إلا عند فريق. ٣ أما الفرق بين "غير" و"إلا" و"بيد" فيجيء في "ب" من ص ٣٤٩. ٤ وبعض أدوات سيجيء ذكرها في مكانها الخاص من باب الإضافة ج ٣. ٥ يصح ضبط "غير" هنا بأوجه متعددة؛ منها: البناء على الضم؛ باعتبارها اسم "ليس" والخبر محذوف، ويكون المضاف إليه محذوفًا مع نية معناه، والتقدير مثلًا: ليس غير الخمسين معروفًا، ويجوز في: "غير" أن تكون مبنية على الفتح لإضافتها إلى مبني "وهو: الضمير" في محل رفع اسم "ليس" أيضًا والتقدير: ليس غيرها، والخبر محذوف كالسابق، ويجوز أن تكون مرفوعة منونة باعتبارها اسم "ليس"، والمضاف إليه محذوف، ولم ينو لفظه ولا معناه، والخبر محذوف أيضًا، أي: ليس غير ، والتقدير: ليس غير الخمسين معروفًا، ويجوز نصبها مع تنوينها باعتبارها خبر "ليس" واسمها محذوف: والتقدير: عرفت خمسين ليس المعروف غيرًا، أي: غيرها وسيجيء الكلام على: "غير" في باب الإضافة ج ٣ م ٩٥. ٦ بيان هذا في مكانه المناسب من باب الإضافة "ج ٣" عند الكلام على: "غير".
[ ٢ / ٣٤٥ ]
ومنها: أن "غير" لا تكون ظرفًا، أما "سوى" فتقع ظرف مكان في مثل: "جاء الذي سواك"، عند من يرى ذلك، ويجعلها صلة الموصول؛ "لأن الصلة لا تكون إلا جملة أو شبه جملة"، والتقدير عنده: جاء الذي استقر في مكانك عوضًا عنك، ثم توسعوا في استعمال "سواك" ومكانك، فجعلوهما مجازًا بمعنى: "عوضك" من غير ملاحظة حلول بالمكان.
ومنها: أن استعمال "غير" في الاستثناء ليس هو الأكثر، وإنما الأكثر أن تكون:
١– نعتًا لنكرة؛ فتفيد مغايرة مجرورها للمنعوت، أما في ذاته المادية؛ نحو: "أقبلت على رجل غير١ علي"، وإما في وصف طارئ على ذاته المادية، نحو: "خرج البريء من المحكمة بوجه غير الذي دخل به"، ذلك أن وصف الوجه مختلف في الحالتين ، أما ذات الوجه، ومادته التي يتكون منها، فلم تتغير. وكقول الشاعر:
تحاول مني شيمة غير شيمتي وتطلب مني مذهبًا غير مذهبي
"فالشيمة، أو المذهب، وصف طارئ على الذات، وأمر عرضي لاحق بها، وليس جزءًا أساسيًا في تكوينها المادي الأصيل.
٢– أو نعتًا لشبه النكرة: وهو المعرفة المراد منها الجنس٢، نحو قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، فكلمة "غير" مجرورة، وهي لذلك نعت لكلمة: "الذين" المراد بها جنس لأقوام معينين ٣، وليست للاستثناء؛ إذ لو كانت للاستثناء لوجب نصبها.
_________________
(١) ١ ليست هنا أداة استثناء لما هو مقرر من وجوب أن يكون المستثنى منه في الأغلب أعم من المستثنى، بحيث يشمله. ٢ كاسم الموصول؛ فإنه مبهم باعتبار عينه، من غير اعتبار صلته معه؛ فإنها تزيل إبهامه، وتجعله مغنيًا، كما سيجيء في "ج" من ص ٣٥٠. ٣ كيف تقع "غير" نعتًا لاسم الموصول وأشباهه مع أنها نكرة وهو معرفة؟ والجواب: أن منعوتها وحده من غير الصلة بمنزلة النكرة؛ فهي مطابقة له في التنكير، أو: أن إبهامها وتنكيرها ضعيفان بسبب وقوعها بين ضدين، فهي قريبة من المعرفة؛ فتقع نعتًا للمعرفة بالإيضاح الوارد عنها في ج ٣ باب الإضافة. والرأي الحق هو أن العرب استعملت في كلامها "غير" نعتًا للنكرة أحيانًا، وللمعرفة التي تشبهها حينًا؛ كما في الآية المعروضة، وتفصيل هذا كله على وجه =
[ ٢ / ٣٤٦ ]
وإذا وقعت نعتًا كما في الحالتين السالفتين، فإنها تكون مؤولة بالمشتق؛ بمعنى: مغاير١.
٣– يلي هاتين في الكثرة أن تقع موقعًا إعرابيًا آخر مما تصلح له الأسماء الجامدة؛ كالمبتدأ في قول الشاعر:
وغير تقي بأمر الناس بالتقى طبيب يداوي والطبيب مريض
وكالخير ومنه خبر النواسخ في قول الشاعر:
وهل ينفع الفتيان حسن وجوههم إذا كانت الأعمال غير حسان
وكالفاعل ونائبه، والمفعول به و، وكل هذا قياسي فصيح.
أما "سوى" فالأكثر فيها أن تكون للاستثناء؛ كالأمثلة السالفة؛ ولغير الاستثناء في نحو: سواك متسرع رأيت سواك متسرعًا القوة بسوى الحق مهزومة لا ينفع سوى الصبر عند معالجة المشكلات، وكقول الشاعر:
وإذا تباع كريمة أو تشترى فسواك بائعها، وأنت المشتري
وقول الآخر:
أأترك ليلى ليس بيني وبينها سوى ليلة؟ إني إذا لصبور
وقد تكون نعتًا لنكرة، أو لشبه نكرة كما تكون "غير" وهكذا ٢.
حكم تابع المستثنى "بغير" وأخواتها.
مما يلاحظ أن المستثنى "بغير وأخواتها الأسماء" مجرور دائمًا؛ لأنه "مضاف إليه". لكن إذا جاء بعده تابع ٣ له جاز في التابع أمران:
_________________
(١) ١ لأن النعت لا يكون في الأغلب إلا مشتقًا، أو مؤولًا به. ٢ سيجيء في: هـ من ص ٣٦١ أن "سوى" قد تكون أحيانًا بمعنى: "ولا سيما"؛ طبقًا للبيان الشامل الذي سبق تفصيله في ج ١ م ٢٨ ص ٣٦٦ باب: "الموصول". ٣ سبق أن التوابع أربعة: النعت – العطف – التوكيد – البدل، "وفي الجزء الثالث باب خاص بكل واحد".
[ ٢ / ٣٤٧ ]
أحدهما: الجر مراعاة للفظ المستثنى المجرور؛ نحو: قدمت المنح للفائزين غير محمود وحسن.
ثانيهما: ضبطه بمثل ضبط المستثنى "بإلا"، لو حذفت "غير" وحل محلها: "إلا". وذلك بأن نتخيل حذف كلمة: "غير" ووقوع "إلا" موقعها، وضبط المستثنى بغير على حسب ما تقتضيه الحالة الجديدة بسبب مجيء "إلا"، في مكان "غير"، ثم نضبط تابعه بمثل حركته الجديدة، في المثال السابق: "قدمت المنح للفائزين غير محمود" يصير: قدمت المنح للفائزين إلا محمودًا، فصار المستثنى منصوبًا مع "إلا" بعد أن كان مجرورًا مع الأداة: "غير"، فيصح في تابعه أن يكون منصوبًا مع كلمة "غير" أيضًا، على تخيل "إلا" المقدرة والملحوظة، وأن المستثنى بها على فرض وجودها في الكلام منصوب؛ فنقول: قدمت المنح للفائزين غير محمود، وحسن أو: غير محمود وحسنًا؛ بافتراض أن كلمة: "محمود" مجرورة في ظاهرها؛ لأنها مستثنى للأداة "غير"، ومنصوبة في التقدير والتوهم؛ لأنها مستثنى للأداة: "إلا" المقدرة، ولهذا يصح النصب والجر في كلمة: "ضرب" من قول الشاعر:
ليس بيني وبين قيس عتاب غير طعن الكلى، وضرب الرقاب
ومثل: ما جاء الفائزون غير محمود وحسن، أو: حسنًا، أو: حسن؛ لأننا لو وضعنا الأداة: "إلا" مكان الأداة "غير" لجاز في المستثنى، الذي كان مجرورا بعد "غير" أمران بعد مجيء "إلا" هما النصب على الاستثناء، والرفع على البدلية، هكذا: ما جاء الفائزون إلا محمودًا أو محمود، فيجوز في تابعه الأمران: النصب والرفع؛ وهذا يجري أيضًا في تابع المستثنى بكلمة: "غير" التي تجيء في مكان: "إلا" فيجوز فيه الأمران زيادة على جره، ومعنى هذا أن كلمة "حسن"، وهي المعطوفة في المثال السالف، يجوز فيها الجر، والنصب، والرفع.
والنحاة يسمون الضبط الناشئ من التخيل السالف: "الإعراب على التوهم"١ أو: "على المحل"، وهو مقصور في باب الاستثناء على المستثنى "بغير"، وأخواتها الأسماء، ولا يجوز في غيرها، ومع جوازه المشار إليه يحسن البعد عنه، وعن التوهم عامة؛ حرصًا على أهم خصائص اللغة، وتمسكًا بسلامة البيان.
_________________
(١) ١ انظر البيان في رقم ٣ من هامش ص ٤٣١، وله إشارة في رقم من ص ٥٣٤.
[ ٢ / ٣٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- من أخوات "غير" الاستثنائية كلمة بمعناها، هي: "بيد"١ "وقد يقال فيها: "ميد"، ولكنها تختلف عن "غير" في أمور:
منها: ملازمة "بيد" للنصب دائمًا، على اعتبارها حالًا مؤولة، بمعنى: "مغاير"، أو على اعتبارها منصوبة على الاستثناء؛ فلا يكون صفة، ولا تكون مرفوعة، ولا مجرورة، ولا تكون منصوبة إلا على الاعتبار السابق.
ومنها: أنها لا تكون أداة استثناء إلا في الاستثناء المنقطع.
ومنها: أنها مضافة دائمًا إلى مصدر مؤول من: "أن ومعموليها"، ولا يجوز قطعها عن الإضافة.
ومن الأمثلة: فلان غني، بيد أنه جشع، وأخوه فقير بيد أنه عزيز النفس.
ب– تختلف الأداتان "غير" و"إلا" في أمور٢؛ أهمها:
١– أن كلمة "غير" لا يقع بعدها الجمل؛ لأنها اسم لا يضاف إلا للمفرد.
أما "إلا" فيقع بعدها المفرد والجمل بنوعيها الاسمية والفعلية، وقد سبق٣ القول بأنه لا داعي للأخذ بما اشترطه بعض النحاة لوقوع الجمل بعدها، وهو: ألا يكون الاستثناء متصلًا، وأن يكون الكلام مفرغًا وأن يكون الفعل في الجمل الفعلية إما مضارعًا، نحو: ما النبيل إلا يعمل الخير، وإما ماضيًا مقترنًا لحرف "قد" نحو: ما النبيل إلا قد قام بالواجب، وإما ماضيًا مسبوقًا بماض آخر قبل "إلا"، نحو: ما أرسلت رسالة إلا تمنيت أن ترضي صاحبها، وقول الشاعر:
_________________
(١) ١ هي التي سبقت لها الإشارة في رقم ١ من هامش ص ٣٤٣. ٢ سبق في ص ٣٤٥ بيان الفوارق بين "غير" وأخواتها الأخرى. ٣ في رقم ٣ من هامش ص ٣٣٢ البيان والإيضاح.
[ ٢ / ٣٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بطور سيناء، كرم، ما مررت به إلا تعجبت ممن يشرب الماء
فالظاهر أن ما سبق ليس بالشروط المحتومة، وإنما هو البادي في الصور الكثيرة ١.
٢– يجوز أن يقال: عندي درهم غير جيد، على النعت، ولا يجوز: عندي درهم إلا جيد؛ لأن الكثير في وقوع "إلا" نعتًا أن يكون ذلك في أسلوب يصح فيه الاستثناء، وهنا لا يصح الاستثناء؛ لمخالفته الكثيرة ٢
٣– يجوز أن يقال: قام غير واحد، ولا يجوز: قام إلا واحد؛ لأن حذف المستثنى منه لا يكون في الكلام الموجب.
٤– يجوز أن يقال: أقبل الإخوان غير واحد وزميلة، أو زميلة، يجر "زميلة" مراعاة للفظ المعطوف عليه، أو نصبها حملًا على المعنى المتخيل كما شرحناه، وأبدينا فيه رأينا من قبل ٣ ولا يجوز مع "إلا" تخيل سقوطها، وإحلال "غير" محلها
٥– يجوز أن يقال: ما جئتك إلا ابتغاء علمك، ولا يجوز مع الأداة: "غير" إلا الجر، أي: ما جئتك لغير ابتغاء معروفك؛ لأن المفعول لأجله يجب أن يكون مصدرًا، و"غير" ليست مصدرًا.
جـ– قد يقتضى المعنى أن تخرج "إلا" عن الحرفية، وعن أن تكون أداة استثناء، لتكون اسمًا بمعنى: "غير" وتعرب صفة بشرطين ٤.
أولهما: أن يكون الموصوف نكرة أو ما يشبهها من معرفة يراد بها الجنس كما سبق ٥ مثل المعرف بأل الجنسية
_________________
(١) ١ في رقم ٣ من هامش ص ٣٣٢ البيان والإيضاح. ٢ يوضح هذا ما سبق في رقم ٢ من هامش ص ٣٤٣، وما سيجيء في "ج". ٣ ص ٣٤٧ و٣٤٨ عند الكلام على تابع المستثنى بـ"غير". ٤ زاد بعض النحاة شرطًا ثالثًا؛ هو: أن تكون في الأسلوب الذي تقع فيه نعتًا صالحة، لأن تكون للاستثناء، والتحقيق أن هذا الشرط مردود بدليل أن سيبويه يمثل لها بقوله: "لو كان معنا رجل إلا زيد لهلكنا" بل إن المبرد يصرح في أحد رأييه بأنه سيبويه يشترط ألا تكون صالحة للاستثناء، ويذكر مثاله السالف. فالصحيح أن هذا الشرط مرفوض كما تقدم. ٥ انظر رقم ١ و٢ من ص ٣٤٦.
[ ٢ / ٣٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وثانيهما: أن يكون جمعًا أو شبه جمع، والمراد يشبه الجمع: ما كان مفردًا في اللفظ، دالًا على متعدد في المعنى؛ مثل: كلمة: "غير" في نحو: جاء غير الغريب، فغير الغريب وأشباهه متعدد حتمًا ١.
فمثال إلا الواقعة صفة لجمع حقيقي هو نكرة حقيقية: "سينهزم الأعداء، فقد خرج لملاقاتهم جيش كبير، إلا القواد والرماة"، فلا يصح أن تكون "إلا" هنا حرف استثناء؛ خشية أن يفسد المعنى؛ إذ الاستثناء كما شرحنا أول الباب يقتضي أن يكون المعنى هنا: خرج لملاقاتهم جيش كبير طرحنا، ونقصنا منه القواعد والرماة، ولا يعقل أن يخرج جيش كبير دون قواده ورماته.
ومثل: "تتسع قاعة المحاضرة لمجموع كثيرة إلا المحاضر"، فهي هنا كما في المثال السابق بمعنى: غير، ولا يصح أن تكون بمعنى "إلا" الاستثنائية؛ لئلا يترتب على ذلك أن يكون المعنى: تتسع قاعة المحاضرة لمجموع كثيرة طرحنا ونقصنا منهم المحاضر، إذا لا يعقل أن تتسع قاعة المحاضرة للسامعين، ولا تتسع للمحاضرة، فلا يمكن أن يجتمعوا لسماع محاضرة من ليس له مكان عندهم، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا ٢ آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾، فلو كانت "إلا" حرف استثناء لكان المعنى: لو كان فيهما آلهة، ليس من ضمنها الله لفسدتا، أي: لو كان فيهما آلهة أخرجنا وطرحنا منها الله، لفسدتا"، وهذا معنى باطل؛ إذ يوحي بأنهما لا تفسدان إذا كان الله من ضمن الآلهة ولم يخرج ولم يطرح، وهذا واضح البطلان، بخلاف ما لو كانت "إلا" اسمًا بمعنى: "غير"، نعتًا للنكرة قبلها، فإن المعنى يصح ويستقيم.
ومثال: "إلا" الاسمية الواقعة نعتًا لشبه الجمع الذي هو نكرة حقيقية أن تقول للخائن: غيرك إلا الخائن يستحق الصفح، فكلمة "إلا" اسم بمعنى: "غير" ولا تصلح أن تكون استثناء؛ لئلا يكون المعنى: غيرك من الخائنين يستحق
_________________
(١) ١ ومن الشرطين السالفين تنشأ صور أربع: "أن يكون الموصوف جمعًا حقيقيًا ونكرة حقيقية"، "وأن يكون شبيهًا بالجمع ونكرة حقيقية"، "وأن يكون جمعًا حقيقيًا وشبيهًا بالنكرة الحقيقية"، والصور الثلاثة السالفة أمثلة معروضة، "أما الرباعة: فأن يكون شبيهًا بالجمع، شبيهًا بالنكرة، كالمفرد المعروف بأل الجنسية". ٢ في السماء والأرض.
[ ٢ / ٣٥١ ]
الصفح إلا الخائن، وفي هذا تناقض ظاهر، أو غيرك من الأمناء مطروحًا وخارجًا منهم الخائن يستحقون الصفح، والخائن ليس من الأمناء، ولا علاقة له بهم حتى يستثنى منهم١، فإذا جعلنا: "إلا" بمعنى: "غير" صح المعنى واستقام وتعرب صفة لكلمة "غير" الأولى، ولا يصح أن تكون حرف استثناء لفساد المعنى وتناقضه
ومثالها نعتًا للجمع الحقيقي الشبيه بالنكرة: يخشى عقاب الله العصاة إلا الصالحون، فالعصاة شبه نكرة لوجود "أل" ٢ الجنسية، و"إلا" بمعنى "غير" صفة، ولو كان حرفًا لفسد المعنى؛ إذ يكون: يخشى عقاب الله العصاة، والصالحون لا يخشونه.
أما شبه الجمع الشبيه بالنكرة، فكالمفرد المعروف "بأل الجنسية" نحو: الرجل إلا المريض يحتمل الأثقال.
وإذا كانت "إلا" الاسمية نعتًا، فكيف نعربها؟ أتكون هي وحدها النعت: مباشرة؛ مرفوعًا، أو منصوبًا، أو مجرورًا، بحركات مقدرة على آخره، على حسب المنعوت، وبعدها ما أضيفت إليه مجرورًا؟ أم تكون هي النعت أيضًا مرفوعة، أو منصوبة، أو مجرورة، على حسب المنعوت، ولكن صورتها كصورة الحرف، فالحركات لا تقدر عليها، وإنما تنتقل إلى المضاف إليه الذي بعدها مباشرة؛ فتكون "إلا" نعتًا مضافًا، واللفظ بعدها هو المضاف إليه، وهو مجرور بكسرة مقدرة منع من ظهورها الحركة المنقولة إليه من "إلا"؟.
رأيان، كلاهما معيب، معترض عليه، ولكن أولهما: أقرب إلى القبول، ومن الخير ألا نلجأ في أساليبنا إلى استعمال "إلا" الاسمية ما استطعنا لذلك سبيلًا.
_________________
(١) ١ ولا يصح هنا جعل الاستثناء منقطعًا؛ لعدم وجود نوع من العلاقة أو الارتباط بين المستثنى والمستثنى منه، "طبقًا لما يقتضيه الاستثناء المنقطع، كما سبق في ص ٣١٨، ٣٣٤". ٢ سبقت أحكامها مفصلة ولا سيما من ناحية أثرها في التعريف والتنكير في جـ ١ ص ٣٠٨ م ٣.
[ ٢ / ٣٥٢ ]
المسألة ٨٣:
أحكام المستثنى الذي أدواته أفعال خالصة ١، والذي أدواته تصلح أن تكون أفعالًا وحروفًا١
أ– فأما الأدوات التي هي أفعال خالصة، فتنحصر في فعلين ناسخين ٢ جامدين؛ هما: "ليس" و"لا يكون"، بشرط وجود "لا" النافية قبل هذا الفعل المضارع، الذي للغائب، دون غيرها من أدوات النفي، ولا يصلح من أفعال "الكون" أداة للاستثناء إلا هذا المضارع الجامد، الدال على الغائب المنفي بالأداة: "لا"؛ مثل: زرعت الحقول ليس حقلًا، أو: زرعت الحقول لا يكون ٣ حقلًا، ومثل: ما تركت الكتب ليس كتابًا، أو لا يكون كتابًا
وحكم المستثنى بهما وجوب النصب باعتباره خبرًا لهما؛ لأنهما فعلان ناسخان جامدان، من أخوات: "كان" ٤ كما سبق أما الاسم فضمير مستتر وجوبًا
_________________
(١) ١ و١ المراد بالأفعال الخالصة هنا: الكلمات التي لا تستعمل إلا فعلًا، وإذا كانت أداة الاستثناء فعلًا خالصًا، أو غير خالص وجب أن يكون جامدًا، وأن يكون الكلام تامًا متصلًا؛ موجبًا أو غير موجب؛ فلا تصلح الفعلية للاستثناء المنقطع، ولا المفرغ كما سيجيء هنا وقد نص "الصبان، والخضري" على هذا عند الكلام على الاستثناء بالأدوات الفعلية، وكذلك صاحب "المفصل" ص ٧٧ ج ٢، وسبقت الإشارة له في رقم ١ من هامش ص ٣١٧. ٢ أحكامها الخاصة بالنسخ مدونة في باب "النواسخ" ج ١ م ٤٢. ٣ الفعل هنا مضارع زمنه للحال، أو للاستقبال؛ فيبدو غريبًا متناقضًا مع الفعل الماضي قبله في هذا المثال أو ما يشبهه، وقد قالوا: إن المراد: لا تعد ولا تحسب حقلًا؛ فلا منافاة بين زمن المضارع والماضي على هذا التفسير، ومثل هذا يقال في الفعل: "ليس" إذا سبقته الماضي الصريح، مع أن "ليس" لنفي المعنى في الزمن الحالي، أو يقال: إنه لنفي المعنى في الزمن الحالي عند عدم قرينة تعينه للماضي الخالص كالتي هنا أو تعينه للمستقبل؛ على الوجه المبين في مكانه المناسب ج ١ ص ٤٤١ م ٤٢ باب "كان" وأخواتها. ٤ إذا كان المستثنى ضميرًا منصوبًا وجب فصله؛ نحو: الرجل قام القوم ليس إياه، أو لا يكون إياه، لما تقدم في ج ١ م ٢٠ ص ٢٤٧ باب: الضمير من أن "ليس ولا يكون" فعلين للاستثناء، ناسخين أيضًا؛ فلا يجوز: "ليسه ولا يكونه" كما لا يجوز: "إلاه"، فكما لا يقع الضمير المتصل بعد "إلا" لا يقع بعد ما هو بمعناها، لكن انظر رقم ٥ من هامش ص ٣٥٨.
[ ٢ / ٣٥٣ ]
تقديره: هو؛ يعود على "بعض" مفهوم من "كل" يرشد إليه السياق، ويدل عليه المقام ضمنًا١؛ فمعنى "زرعت الحقول ليس حقلًا": ليس هو من المزروع؛ أي: ليس بعض الحقول المزروعة حقلًا، فالمزروع "كل" استثنى ٢بعضه.
وإذا كانت أداة الاستثناء فعلًا خالصًا وجب أن يكون الاستثناء تامًا متصلًا، موجبًا أو غير موجب؛ فلا بد في هذا النوع من الاستثناء أن يجمع أمرين؛ وهما: "التمام والاتصال" كما في الأمثلة المذكورة وتعرب الجملة المشتملة على الناسخ واسمه وخبره في محل نصب حالًا ٣، أو تعتبر جملة استئنافية لا محل لها من الإعراب، ولا علاقة لها بما قبلها من الناحية الإعرابية فقط؛ أما من الناحية المعنوية فبينهما ارتباط٤.
ب– وأما الأدوات التي تكون أفعالًا تارة، وحروفًا تارة أخرى فهي ثلاثة: عدا – خلا – حاشًا وفي الأخيرة لغات٥ أشهرها: حاشا – حشا – حاش " ومعنى كل أداة من هذه الأدوات الفعلية: "جاوز"، ويتعين عند استعمالها أفعالًا أن يكون الاستثناء بها تامًا متصلًا، موجبًا أو غير موجب؛ كالشأن في جميع أدوات الاستثناء إذا كانت أفعالًا؛ فإنها لا تصلح للمفرغ، ولا المنقطع.
١– فإن تقدمت على كل منها "ما" المصدرية وجب اعتبارها أفعالًا ماضية خالصة، ولا تكون هنا إلا ماضية جامدة؛ "فهي جامدة في حالة استعمالها أدوات استثناء"، مثل: أحب الأدباء ما عدا الخداع وأقرأ الصحف ما خلا
_________________
(١) ١ الكلام على مرجع الضمير في ج ١ ص ١٨١ م ١٩. ٢ إذا لم يكن في الكلام فعل ملفوظ أو مشتق يشبهه في الإرشاد إلى ما يرجع إليه الضمير، أمكن تصيده من فحوى العبارة؛ ففي مثل: القوم إخوتك ليس عليًا يكون التقدير: ليس هو عليًا؛ أي: ليس المنتسب إليك بالإخوة عليًا. ٣ ولا تجيء "قد" المشروطة عند كثير من النحاة في الجملة الماضوية المثبتة الواقعة حالًا؛ لأن هذا الشرط في غير الجمل الماضوية التي أفعالها جامدة، ومنها الأفعال الواقعة في الاستثناء، مثل: ليس خلا – عدا – حاشا – كما سيجيء في آخر رقم ٢ من هامش ص ٣٩٩ لهذا لا يصح مجيء "قد" هنا. ٤ يصح إعراب آخر على اعتبار مخالف لما سبق، والبيان يجيء في الزيادة والتفصيل ص ٣٥٨. ٥ ولهذا أنواع تجيء في ص ٣٦٠.
[ ٢ / ٣٥٤ ]
التافهة، وأشاهد تمثيل المسرحيات ما حاشا السوقية، غير أن تقدم "ما" المصدرية على "حاشا" قليل؛ حتى قيل: إنه ممنوع، ويحسن الأخذ بهذا الرأي.
وحكم المستثنى في الصور السالفة التي تتقدم فيها "ما" المصدرية وجوب النصب، باعتباره مفعولًا به لفعل الاستثناء المذكور في الجملة، وفاعله ضمير مستتر وجوبًا تقديره: "هو" يعود على "بعض"، مفهوم من "كل" يدل عليه المقام كما سبق أما المصدر المؤول من "ما" المصدرية، والجملة الفعلية التي بعدها١؛ فهو في محل نصب حال٢ مؤولة بالمشتق، أو ظرف زمان، والتقدير على الأول: أحب الأدباء مجاوزين الخداع مجاوزة التافهة مجاوزة السوقية.
والتقدير على الثاني: وقت مجاوزتهم الخداع وقت مجاوزتها التافهة وقت مجاوزتها السوقية٣ وكلا التقديرين حسن، ولا يكاد يختلف في الدلالة على الآخر.
٢– أما إذا لم تتقدم "ما" المصدرية على الكلمات الثلاث السابقة، فيجوز اعتبارها أفعالًا ماضية جامدة تنصب المستثنى، مفعولًا لها، وفاعلها ضمير مستتر وجوبًا تقدير: "هو" كما سلف والجملة في محل نصب حال، أو مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
ويجوز اعتبار الكلمات الثلاث حروف جر أصلية، والمستثنى مجرور بها، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما أو بما يشبه، أو أنهما ليسا في حاجة إلى تعلق. على اعتبار الثلاثة حروف جر شبيهة بالزائد٤،
_________________
(١) ١ فعل الاستثناء جامد لا يدخل بنفسه في صياغة المصدر المنبسك؛ وإنما يدخل الفعل الذي بمعناه؛ وهو جاوز، هذا، والحرف المصدري لا يدخل على فعل جامد إلا على هذه الأفعال؛ لأنها مستثناة من القاعدة السالفة، أو؛ لأنها متصرفة في أصلها وقد أشرنا لهذا في جـ ١ م ٢٩. ٢ الحال هنا جائزة، بالرغم من أن الحال لا تكون مصدرًا مؤولًا، لاشتماله على ضمير يجعلها معرفة، ولكنها هنا معرفة مؤولة بالنكرة، أي: مجاوزين مثلًا "كما سيجيء في: "هـ" من ص ٣٧١ ورقم ٥ من هامشها". ٣ طريقة صوغ للمصدر المؤول من "ما" وصلتها وكل ما يتصل بها مدونة في جـ ١ ص ٢٩٦ م ٢٩ آخر باب الموصول. ٤ كما سيجيء في ص ٤٥٢ ولا داعي للأخذ بهذا الرأي؛ لأنه معقد، وحجة صحابة واهية.
[ ٢ / ٣٥٥ ]
"وحروف الجر الشبيه بالزائد لا يحتاج إلى تعليق"، ففي الأمثلة السابقة يجوز: أحب الأدباء عدا الخداع، أو: الخداع، وأقرأ الصحف خلا التافهة، أو التافهة، وأشاهد تمثيل المسرحيات حاشًا السوقية أو السوقية، فكلمات: "الخداع، التافهة، السوقية" يجوز في كل منها النصب، فيكون مستثنى مفعولًا به، والعامل فعلًا ماضيًا جامدًا، ويجوز فيها الجر والعامل حرف جر١
وقد وردت أمثلة مسموعة وقعت فيها "ما" قبل الكلمات الثلاث: "خلا – عدا – حاشا"، ووقع فيها المستثنى مجرورًا؛ وهي أمثلة شاذة لا يصح
_________________
(١) ١ "ملاحظة": قالوا: إنما يجوز الأمران النصب والجر بعد تلك الأفعال الثلاثة في غير الحالة التي يكون المستثنى بها ياء المتكلم، فإن كان المستثنى بها ضميرًا للمتكلم "الياء"، ولم توجد "ما" المصدرية تعين اعتبار الأداة حرف جر إن لم يوجد قبل ياء المتكلم نون الوقاية؛ نحو: أطال الخطباء، حاشاي، أو: عداي، أو خلاي، والمستثنى مبني على الفتح في محل جر، ولا يصح هذا اعتبار الأداة، فعلًا ينصب المستثنى "الياء" إذ لو كانت الأداة فعلًا لوجب على المشهور الإتيان بنون الوقاية قبل ضمير المتكلم "الياء" تطبيقًا لما سبق في باب الضمير، ج ١ ص ١٩٢ م ٢١، بخلاف ما لو قلنا: حاشاني، أو عداني، أو خلاني؛ حيث يجب اعتبار الأداة فعلًا محضًا، والياء مفعول به، بسبب وجود نون الرقابة التي تلزم آخر الفعل عند اتصاله بياء المتكلم؛ طبقًا للرأي الغالب. هذا كلامهم، وهو مدفوع بان نون الوقاية إنما تجيء في آخر الفعل عند اتصاله بباء المتكلم لتقيه، وتحفظه من الكسر الذي يجيء في آخره لمناسبة الياء التي تلحق بآخره، ولما كانت هذه الأدوات لا يلحقها الكسر عند اتصالها بالياء امتنع الداعي لمجيء نون الوقاية مجيئًا حتميًا، وصار الاستغناء عنها جائزًا؛ فيصح أن يقال: حاشاي، أو عداي، أو خلاي وفي هذه الصور يصح اعتبار الأداة فعلًا أو حرفًا، لعدم وجود ما يعينها لأحدهما دون الآخر. نعم، لو قلنا: حاشاني، أو عداني، أو: خلاني لكان وجود نون الوقاية وجودها هنا جائز لا واجب، كما أسلفنا مرجحًا قويًا لاعتبار الأداة فعلًا، لكثرة هذه النون في الأفعال وقلتها في الحروف؛ مثل: مني وعني وفيما سبق من أدوات الاستثناء التي تكون أفعالًا فقط، أو: التي تصلح لأن تكون أفعالًا، وحروفًا يقول ابن مالك، وقد خلطها: واستثن ناصبًا "بليس وخلا" "وبعدا"، "وسيكون" بعد: "لا" أي: استثن بالأدوات التي ذكرها، "وهي: ليس – خلا – عدا – يكون؛ بشرط وقوع "يكون" بعد "لا" النافية، ناصبًا المستثنى بها، وفي هذه الحالة التي تنصب فيها المستثنى يتعين أن تكون أفعالًا خالصة، ثم أردف قائلًا: واجرر بسابقي "يكون" إن ترد وبعد: "ما" انصب، وانجرار قد يرد =
[ ٢ / ٣٥٦ ]
القياس عليها، وقد أولها النحاة ليصححوها؛ فقالوا: إن "ما" التي وقعت قبلها ليست مصدرية، ولكنها زائدة.
ولا خير في هذا التأويل؛ لأن العربي الذي نطبق بتلك الأمثلة لا يعرف "ما" المصدرية، ولا الزائدة، ولا شيئًا من هذه المصطلحات النحوية التي ظهرت أيام تدوين العلوم، وجمعها، وتأليفها ولا شأن له بها، هذا إلى أن التأويل السابق كشأن كثير من نظائره قد يخضع لغة قبيلة، ولهجتها لأخرى تخالفها من غير علم أصحابها، وهذا غير سائغ؛ كما أشرنا مرارًا.
_________________
(١) = يقول: جر المستثنى بالأداتين السابقتين على "يكون"، إن شئت؛ وهما: "خلا وعدا"، وإن شئت فانصبه بعدها ويكون النصب واجبًا حين تسبقهما "ما"، ولم يذكر نوع "ما" قبلهما على اعتبارها زائدة، وأوضح بعد ذلك أنهما في حالة جرهما المستثنى يعتبران حرفي جر، وأنهما في حالة نصبه يعتبران فعلين: وحيث جرًا فهما حرفان كما هما إن نصبا فعلان ويلاحظ أنه أدخل "الفاء" على جملة: "هما حرفان" تنزيلًا للظرف: "حيث" منزلة الشرط على الوجه الذي شرحناه في موضعه المناسب ص ٢٧٤ "و" و٢٨٧ وهاشمها، أو على اعتبار: "حيث" شرطية بغير اتصالها "بما" الزائدة، تبعًا لرأي الكوفيين. أما الظرف: "حيث" فمتعلق بعامل معنوي، هو: الإسناد أي: بالنسبة الواقعة بين ركني جملة تطبيقًا لما دونوه من أن شبه الجملة يتعلق بما في الجملة من فعل أو غيره مما يصح التعلق به، فإن لم يوجد ما يصلح فقد يتعلق بالنسبة "الإسناد"، وذلك كالنسبة المأخوذة من قول ابن مالك: "فهما حرفان" فالظرف "حيث" متعلق بالنسبة، أي تثبت حرفيتهما حيث جرا وسيجيء إشارة لهذا في باب حروف الجر عند الكلام على التعلق في رقم ٢ من هامش ص ٤٤١ كما سيجيء في ج ٤ م ١٥٧ ص ٣٥١ إشارة لإجراء الظرف مجرى الشرط ثم بين أن الأداة: "حاشا" شبيهة بالأداة: "خلا" في كل أحكامها، لكن لا تجيء: "ما" قيل: "حاشًا"، وأن فيها لغات أشهرها "حاش"، "حشا" حيث يقول: وكخلا: حاشا، ولا تصحب "ما" وقيل: "حاش"، و"حشا"؛ فاحفظهما
[ ٢ / ٣٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ– هل تقع الجملة المكونة من فعل الاستثناء وفاعله نعتًا؟
ننقل هنا رأيين مفيدين، وإن كان بينهما نوع تعارض
أولهما: ما جاء في الهمع ١ ونصه٢:
"من أدوات الاستثناء: "ليس"، "ولا يكون" وهذه هو الناقصة، وليست أخرى ارتجلت للاستثناء وينصبان المستثنى على أنه خبر لهما، والاسم ضمير مستتر. لازم الاستار كما تقدم هنا٣، وكذلك في مبحث الضمير٤ نحو: قام القوم ليس محمدًا؛ وخرج الناس لا يكون عليًا، ولفظ: "لا" قيد في كلمة: "يكون" فلو نفيت بما، أو: لم، أو: لما، أو: لن لم تقع في الاستثناء، ومن شواهد "ليس" قول الشاعر:
عددت قومي كعديد الطيس إذا ذهب القوم الكرام ليسي٥
وقوله ﵇: "يطبع المؤمن على كل خلق، وليس الخيانة والكذب".
"وقد يوصف بـ"ليس، ولا يكون"، حيث يصح الاستثناء، بأن يكون أي: المستثنى منه نكرة منفية٦، قال ابن مالك: أو معرفًا بلام الجنس، نحو: ما جاءني أحد ليس محمدًا، وما جاءني رجل لا يكون بشرًا، وجاءني القوم ليسوا إخوتك، قال أبو حيان: ولا أعلم في ذلك خلافًا، إلا أن المنقول هو اختصاصه بالنكرة، دون المعرف بلام الجنس.
"ولا يجوز في النكرة المؤنثة: نحو: أتتني امرأة لا تكون فلانة، إذ لا يصح الاستثناء منها، ولا في المعرفة؛ نحو جاء القوم ليسوا إخوتك، بل يكونان في موضع نصب على الحال".
_________________
(١) ١ ج ١ ص ٢٣٣. ٢ مع بعض تيسير في بضع كلمات. ٣ في ص ٣٥٣. ٤ ج ١ م ١٨ ص ٢٠٧. ٥ قد وقع المستثنى هنا ضميرًا متصلًا يخالف الأكثر الذي سبق حكمه في رقم ٤ من هامش ٣٥٣. ٦ ولا بد أن تكون أعم من المستثنى؛ ليمكن استثناؤه منها كما هو معلوم.
[ ٢ / ٣٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
"وإذا وصف بهما رفعا ضمير الموصوف المطابق له؛ فيبرز١؛ نحو: ما جاءتني امرأة ليست أو لا تكون فلانة، وما جاءني رجال ليسوا زيدًا، أو نساء لسن الهندات.
"قال السيرافي: أجازوا الوصف "بليس، ولا يكون"؛ لأنهما نص في نفي المعنى عن الثاني، وهذا معنى الاستثناء، وليس ذلك في "عدا وخلا"، إلا بالتضمن، فلم يوصف بهما؛ لأنهما ليسا موضعي جحد؛ فلا يقال: ما أتتني امرأة عدت هندًا، أو: خلت دعدًا. ا. هـ، همع بتيسير بعض الألفاظ.
ثانيهما: ما جاء في المفصل ٢ ونصه:
"قد يكون: ليس، ولا يكون" وصفين لما قبلهما من النكرات، تقول: أتتني امرأة لا تكون هندًا، فموضع "لا تكون" رفع؛ بأنه وصف لامرأة، وكذلك تقول في النصب والجر: رأيت امرأة ليست هندًا، ولا تكون هندًا، ومررت بامرأة ليست هندًا، ولا تكون هندًا.
"ولا يوصف" "بخلا وعدا" كما وصف بـ"ليس، ولا يكون"، فلا تقول: أتتني امرأة خلت هندًا، وعدت جملًا، وذلك أن "ليس ولا يكون" لفظهما جحد، فخالف ما بعدهما ما قبلهما؛ فجريا في ذلك مجرى "غير"، فوصف بهما كما يوصف "بغير"، وأما "خلا وعدا" فليس كذلك، وإنما يستثنى بهما على التأويل، لا؛ لأنهما جحد، ولما كان معناهما المجاوزة والخروج عن الشيء فهم منهما مفارقة الأول، فاستثنى بهما لهذا المعنى، ولم يوصف بهما؛ لأن لفظهما ليس جحدًا؛ فليس جاريًا مجرى "غير". ا. هـ.
ويلاحظ: أن صاحب "المفصل" لم يقيد وقوعهما نعتًا بالموضع الذي يصلحان فيه للاستثناء، كما قيده صاحب الهمع، وأن الأمثلة التي ذكرها صاحب المفصل صالحة للنعت هي التي نصب صاحب الهمع على عدم صلاحها نعتًا. فكيف ذلك؟.
لا مفر من إعراب الجملة الفعلية في هذه الأمثلة نعتًا خالصًا لا يصلح للاستثناء؛ لأن النكرة التي قبل الفعلين ليست عامة؛ فلا تصلح "مستثنى منه" يتسع لإخراج المستثنى، فالجملة نعت محض –كالشأن في كل الجمل الواقعة بعد
_________________
(١) ١ إلا عند ابن مالك كما سبق. ٢ جـ ٢ ص ٧٨.
[ ٢ / ٣٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النكرات المحضة، وبهذا يتلاقى الرأيان ويتفقان.
ب– ليست: "حاشًا" مقصورة على الاستثناء؛ وإنما هي ثلاثة أنواع:
أولها: الاستثنائية؛ وهي فعل ماض جامد، وقد سبق ما يختص بها١.
وثانيها: أن تكون فعلًا ماضيًا متعديًا متصرفًا؛ بمعنى "استثنى"، مثل: "حاشيت مال غيري أن تمتد له يدي حين نتخير موضوعات الكلام نحاشي الموضوعات الضارة إذا دعوت لحفل فحاش من لا يحسن أدب الاجتماع"٢.
ثالثها: أن تكون للتنزيه وحده٣ أي: للدلالة على تنزيه ما بعدها من العيب ٤ وهي اسم مرادف لكلمة: "تنزيه" التي هي مصدر: نزه، وتنصب "حاشا" هنا على اعتبارها مصدرًا قائمًا مقام فعل من معناه، محذوف وجوبًا، ويغني هذا المصدر عن النطق بفعله المحذوف ٥؛ نحو: حاشًا لله، أي: تنزيهًا لله أن يقترب منه السوء، فكلمة: "حاشًا" – بالتنوين – مفعول مطلق، منصوب بالفعل المحذوف وجوبًا، الذي من معناه، وبتقديره: "أنزه"، والجار والمجرور متعلقان بها، ويصح أن يقال فيها: حاش لله، بغير تنوين؛ فتكون "حاش" مفعولًا مطلقًا، ولكنه مضاف، واللام بعده زائدة ٦، وكلمة "الله" مضاف
_________________
(١) ١ في ص ٣٥٤. ٢ إذا كانت فعلًا ماضيًا متصرفًا كهذا النوع، فإن ألفها الأخيرة تكتب ياء، هكذا: "حاشى"، بخلافها في النوعين الآخرين؛ فتكتب ألفًا. ٣ أي: التنزيه الخالص الذي لا يشوبه معنى آخر؛ كالاستثناء أو غيره، ذلك أن "حاشا" الاستثنائية والمتصرفة لا تخلوان من تنزيه؛ ولكنه مختلط بمعنى آخر. ٤ وهذا يشمل ما يكثر الآن حين يريدون تنزيه شخص من العيب، فيبتدئون بتنزيه الله تعالى: ثم ينزهون من أرادوا، يريدون أن الله منزه عن ألا يطهر ذلك الشخص من العيب. ٥ سبق في باب المفعول المطلق تفصيل لكلام على المصدر القائم بدلًا من التلفظ بفعله ص ٢١٩، وفي ص ٢٣٤ إشارة إليها. ٦ كزيادتها في قوله تعالى: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾، ولهذا قال بعض النحاة: إن "حاش" اسم فعل بمعنى: برئ، أو تنزه، فتكون اسم فعل ماض مبني على الفتح واللام بعدها زائدة و"الله" مجرور باللام الزائدة في محل رفع، فاعل اسم الفعل.
[ ٢ / ٣٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إليه مجرور، كما يصح أن يقال فيها: حاش الله، بغير اللام الزائدة بين المضاف والمضاف إليه.
ج– هل يحذف المستثنى؟ وهل تحذف أداة الاستثناء؟.
أما حذف الأداة فالأصح أنها لا تحذف، وأما حذف المستثنى فيجوز بشروط ثلاثة: فهم المعنى، وأن تكون الأداة هي: "إلا" أو: "غير" وأن تسبقهما كلمة: "ليس"١، نحو: قبضت عشرة ليس إلا، أو: ليس غير، أي ليس المقبوض إلا العشرة، وليس المقبوض غير العشرة ومن القليل أن يحذف المستثنى بعد: "لا يكون"، بشرط فهم المعنى أيضًا، نحو: قبضت عشرة، لا يكون أي لا يكون غيرها لا يكون المقبوض غيرها.
د– من أدوات الاستثناء "لما" بمعنى "إلا"، وقد وردت في أمثلة مسموعة إما في كلام منفي؛ مثل قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ ٢، وإما في كلام مثبت ولكنه مقصور على بضعة أساليب سماعية؛ أشهرها: نشدتك الله لما فعلت كذا، وعمرك الله لما فعلت كذا.
وإذا كانت للاستثناء وجب إدخالها على الجملة الاسمية، أو على الماضي لفظًا لا معنى كالمثالين السالفين٣ إذا المعنى فيهما "إلا أن تفعل كذا"، ويستحسن كثير من النحاة الاقتصار على المسموع
هـ- يذكر بعض النحاة في آخر باب الاستثناء تفصيل الكلام على
_________________
(١) ١ أجاز بعضهم أن يكون النافي هو: "لا" إذا كانت أداة الاستثناء هي: "غير"؛ كما سيجيء في الجزء الثالث باب الإضافة عند الكلام على: "غير". ٢ "إن" حرف نفي، مثلها في قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أو غير هذا من أنواع الإعراب المختلفة في الآية ونظائرها مما سبق تفصيله في ج ١ م ٥٥ ص ٦٧٦ في موضع تخفيف "النون" من "إن"، وأخواتها المختومة بالنون المشددة. ٣ نص على هذا "الأشموني" في الجزء الرابع باب الجوازم؛ عند الكلام على "لما" الجازمة، انظر ما يتصل بالمسألة ويوضحها في: "أ" من الزيادة، ص ٣٢٧".
[ ٢ / ٣٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
"لا سيما" من ناحة تركيبها، ومعناها، وعلاقاتها بالاستثناء، وضبط الاسم الذي بعدها، وإعرابهما ويذكرها فريق آخر من باب الموصول، بحجة أن "ما" المتصلة بها تكون موصولة وقد آثرنا ذكرها في باب الموصول ١؛ لأنه أسبق، وصلتها به أقوى.
ونزيد هنا أن بعض الرواة نقل لها أخوات مسموعة، منها: لا مثل ما لا سوى ما ٢ فهذان يشاركان: "لا سيما" في معناها وفي أحكامها الإعرابية التي فصلناها فيما سبق٣.
ومنها: "لا تر ما "، و"لو تر ما"٢ ، وهما بمعناها كما قلنا في الوضع المشار إليه، ولكنهما يخالفانها في الإعراب؛ فهذان فعلان لا بد من رفع الاسم بعدهما؛ ولا يمكن اعتبار "ما" زائدة مع جر الاسم بعدها بالإضافة؛ لأن الأفعال لا تضاف، والأحسن أن تكون "ما" موصولة وهي مفعول للفعل: "تر" وفاعله ضمير مستتر وجوبًا تقديره: أنت، والاسم بعدها مرفوع على اعتباره خبر مبتدأ محذوف، والجملة صلة.
وإنما كان الفعل مجزومًا بعد "لا"؛ لأنها للنهي، والتقدير في "قام القوم لا تر ما علي": لا تبصر "أيها المخاطب الشخص" الذي هو علي، فإنه في القيام أولى منهم، أو تكون "لا" للنفي، وحذفت الألف من آخر الفعل سماعًا، وشذوذًا.
وكذلك بعد "لو" سماعًا، والتقدير: لو تبصر الذي هو علي لرأيته أولى بالقيام.
والجدير بنا أن نقتصر في استعمالنا، على: "ولا سيما" لشيوعها، ووضوحها قديمًا حديثًا.
_________________
(١) ١ جـ ١ ص ٣٦٦ م ٢٩. ٢ و٢ أشرنا لهذه في ص ٦٢، وفي رقم ٢ من هامش ص ٣٤٧، أما البيان الكامل، ففي جـ ١ م ٢٨ ص ٣٦٦. ٣ جـ ١ ص ٣٦٦ م ٢٨.
[ ٢ / ٣٦٢ ]
المسألة ٨٤: الحال
مدخل
المسألة ٨٤: الحال ١
ظهر البدر كاملًا
ــ
نجا الغريق شاحبًا
أبصرت النجوم متوهجة
ــ
أرسل التاجر البضاعة ملفوفة
فحص الطبيب مريضه جالسين
ــ
صافح المضيف ضيفه واقفين
البرد قارسًا ضار
ــ
الشمس شديدة مؤذية
النزول من القطار متحركًا خطر
ــ
ركوب السيارة ماشية وخيم العاقبة
تعريفه:
وصف٢، منصوب٣، فضلة٤، يبين هيئة ما قبله؛ من فاعل، أو مفعول به،
_________________
(١) ١ أبيات ابن مالك كما وردت في هذا الباب من "ألفيته" لا تساير تسلسل المسائل، ولا ترتيبها المنهجي على الوجه الذي ارتضيناه، لهذه وضعنا كل بيت عقب القاعدة التي يناسبها، ويتصل بها اتصالًا منطقيًا، وفي الوقت نفسه وضعنا بجانب كل بيت رقمًا يميزه، ويدل على ترتيبه بين أبيات الباب كما رتبها ابن مالك. وكلمة: الحال بغير تاء التأنيث في آخرها صالحة، لأن تكون مذكرة أو مؤنثة، نحو: الحال طيب، أو: طيبة، إن هذا الحال حسن، وهذه الحال حسنة، أما إذ ختمت بتاء التأنيث فهي مؤنثة فقط، نحو: الحالة طيبة، إن هذه الحال حسنة. والكثير في اللفظ التذكير؛ بخلو آخره من التاء، والكثير في المعنى التأنيث. ٢ اسم مشتق، وقد تكرر تعريف المشتق وأنواعه، ولكل منها باب خاص في الجزء الثالث. ٣ في بعض المراجع المطولة كهامش التصريح معركة جدلية بسبب أن "النصب " ليس جزءًا من التعريف؛ وإنما هو حكم، والدفاع عن هذا، أو مقاومته، ولا يعنينا مثل هذا الجدل الذي لا خير فيه. والنصب قد يكون ظاهرًا، كما في الأمثلة المعروضة، أو: مقدرًا مثل: تغدو الطيور شتى، أو: محليًا، كقولهم: جاءت الخيل بداد، فكلمة: "بداد" علم جنس، وهي حال، مبنية عل الكسر في محل نصب. ٤ الفضلة: ما يمكن أن يستغنى عنه في الأغلب المعنى الأساسي للجملة، وهي خلاف العمدة.
[ ٢ / ٣٦٣ ]
أو منهما معًا١، أو من غيرهما ٢ وقت وقوع الفعل٣ كالكلمات التي تحتها خط في الأمثلة المعروضة.
وتعرف دلالته على الهيئة بوضع سؤال كهذا: كيف كان شكل البدر حين ظهر؟ أو: كيف كانت صورته؟ فيكون الجواب: هو لفظ الحال السابقة؛ أي: كاملًا، أو: مستديرًا و و وكذا الباقي.
وليس من اللازم أن تكون الحال في كل الاستعمالات وصفًا، وإنما هذا هو الغالب٤، ولا أن تكون فضلة؛ فهذا غالب أيضًا؛ فقد تكون بمنزلة العمدة
_________________
(١) ١ مثل الكلمتين: "جالسين" "واقفين" في الأمثلة السابقة. ٢ أي: يبين هيئة صاحبه، كالفاعل، وكالمبتدأ، أو الخبر، أو اسم النواسخ، وسيجيء الكلام على صاحب الحال في ص ٤٠٢ ولا قيمة للاعتراض على مجيء الحال من المبتدأ، أو من اسم الناسخ، أو مما ليس فاعلًا، أو مفعولًا به، أو نحوهما؛ ذلك؛ لأن من يرفضونه لا يرفضونه للسبب القويم الصحيح، وهو: عدم الاستعمال العربي الأصيل، وإنما يرفضونه؛ لأنه لا يتفق مع مظهر من مظاهر السلطان الذي وهبوه للعامل، كأن يقولوا في منع مجيء الحال من المبتدأ: إن العامل في المبتدأ معنوي؛ هو: "الابتداء"، فلو جاءت الحال من المبتدأ لكان المبتدأ هو عاملها؛ فينشأ من هذا عاملان مختلفان، أحدهما عامل في الحال، والآخر عامل في صاحبها، مع أن العامل عندهم في الحال لا بد أن يكون هو نفسه العامل في صاحبها أيضًا طبقًا للبيان الآتي في رقم ٣ من هامش ص ٣٨٠، والغريب أن المأثور الكثير من كلام العرب الخلص لا يوافقهم، ولا يؤيدهم، مع كثرته بدليل صحة قولهم: أعجبني عطاء المحسن مبتسمًا، وسرني صوت القارئ خاشعًا، ولهذا يخالفهم بحق "سيبويه" وفريق معه، للسبب المدون في رقم ٣ ص ٤٠٥. وإن ما يرفضونه ظاهرًا صريحًا، يقبلونه على نية التأويل؛ فكأن مجرد النية يبيح الأمر المحظور المخالف لها، بالرغم من أن اللفظ الذي يؤولونه لن يتغير في ظاهره، وصريح الأسلوب لن يطرأ عليه تبديل، وهذا موضع من مواضع الشكوى، ولعله السبب الذي حمل بعض النحاة المحققين؛ كارضي على رفض اعتراضهم، ونبذ رأيهم المخالف رأي سيبويه كما جاء في الخضري جـ ١ والصبان وغيرهما في باب الحال عند بيت ابن مالك: "وعامل ضمن معنى الفعل، لا "، وعلى أن يقول: "إن رأي سيبويه هو الحق، ولا ضرورة تدعو للرأي المخالف". وإذا كان المحظور يباح بمثل هذه النية وجب ترك الناس أحرارًا في محاكاة الكثير المأثور من الكلام العربي الصحيح، وفي القياس عليه، ومن شاء بعد ذلك أن يتأول فليفعل، فالمهم هو ترك اللفظ على حاله الظاهر المواقف للوارد، ومن حمل نفسه بعد ذلك مشقة التأويل، فهو حر وإن كانت المشقة بغير فائدة. ٣ هذا هو الغالب، وقد يكون زمن الحال مقدرًا "أي: مستقبلًا، وسيجيء البيان في ص ٣٩٠". ٤ كما سيجيء في ص ٣٦٨، عند تفصيل الكلام على اشتقاقها وجمودها.
[ ٢ / ٣٦٤ ]
أحيانًا في إتمام المعنى الأساسي للجملة، أو في منع فساده؛ فالأولى كالحال التي تسد مسد الخير١، في مثل: امتداحي الغلام مؤدبًا؛ فإن المعنى الأساسي هنا لم يتم إلا بذكر الحال، وكالحال في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾، وقول الشاعر:
ولست ممن إذا يسعى لمكرمة يسعى وأنفاسه بالخوف تضطرب
فالمعنى الأساسي لا يتم لو حذفت الحال: "كسالى" أو: "جبارين" أو: "أنفاسه تضطرب؟
والثانية: "وهي الحال التي يفسد معنى الجملة بحذفها"؛ مثل: ليس الميت من فارق الحياة، إنما الميت من يحيا خاملًا لا نفع له؛ فلو حذفنا الحال: "خاملًا" وقلنا: الميت من يحيا لوقع التناقض الذي يفسد المعنى، ومثل كلمة: "لاعبين" في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾، فلو حذفت الحال "لاعبين" لفسد المعنى أشد الفساد٢
هذا، وما يبين الحال هيئته من فاعل، أو مفعول به، أو منهما معًا؛ أو من غيرهما، يسمى: "صاحب الحال٣".
والتعريف السابق مقصور على الحال "المؤسسة" دون "المؤكدة"؛ لأن المؤسسة هي التي تبين هيئة صاحبها، أما المؤكدة فلا تبين هيئة، ومثال الأولى: ارتمى السارق صارخًا، ومثال الثانية: ولى الحزين منصرفًا، وسيجيء بيانهما وتفصيل الكلام عليهما قريبًا ٤.
أقسام ٥ الحال، والكلام على كل قسم:
تتعدد أقسام الحال بتعدد الاعتبارات المختلفة التي ينبني عليها التقسيم، وفيما يلي
_________________
(١) ١ سبق شرحه في ج ١ ص ٣٨٥ م ٣٩ باب: المبتدأ والخبر. ٢ انظر رقم ٣ من ص ٤٠٨. ٣ يجيء الكلام عليه مفصلًا في ص ٤٠٢ م ٨٥. ٤ في ص ٣٩١. ٥ يسميها بعض النحاة أقسامًا، ويسميها آخرون أوصافًا، ويسميها فريق ثالث: نواحي الحال و ولا أهمية لاختلاف التسمية ما دام المراد واحدًا؛ وهو الكلام على الحال بحسب الاعتبارات المتصلة بها.
[ ٢ / ٣٦٥ ]
أشهر هذه الاعتبارات، وما تؤدي إليه.
الأول: انقسام الحال باعتبار ثبات معناها وملازمته١ شيئًا ٢ آخر، أو عدم ذلك إلى "منتقلة"، وهي الأكثر، "وثابتة"، وهي الأقل.
فالمنتقلة: هي التي تبين هيئة شيء٢مدة مؤقتة، ثم تفارقه بعدها، فليست دائمة الملازمة له: مثل: أقبل الرابح ضاحكًا، أسرع البرق مشتعلًا، شاهدت كتائب النمل مهاجرة و، فكل حال من الثلاثة: "ضاحكًا، مشتعلًا، مهاجرة" يدل على معنى ينقطع، "فالضحك" لا يلازم صاحبه إلا مدة محددة يزول بعدها، وكذلك: "الاشتعال"، أو "المهاجرة".
والثابتة: هي التي تبين هيئة شيء تلازمه غالبًا ولا تكاد تفارقه، وتتحقق الملازمة في إحدى صور ثلاث.
أ- أن يكون معناها التأكيد، وهذا يشمل:
١– أن يكون معناها مؤكدًا مضمون جملة قبلها، بشرط أن يكون هذا المضمون أمرًا ثابتًا ملازمًا في الغالب، فيتفق معنى الحال ومضمون الجملة؛ ويترتب على هذا أن تكون الحال ثابتة ملازمة صاحبها تبعًا لذلك؛ نحو: خليل أبوك رحيمًا، "فرحيما" حال من "أب" الذي هو صاحبها الملازمة له، ومعنى هذا الحال وهو: "الرحمة" يوافق المعنى الضمني للجملة التي قبلها، وهو: "أبوة خليل"؛ لأن هذه الأبوة لا تتجرد من الرحمة، كما أن المعنى الضمني للجملة هو معنى الحال، إذ مضمون: "خليل أبوك" أنه رحيم، بداعي الأبوة التي تقتضي الرحمة والشفقة كما سلف، فلهذا كان معنى الحال مؤكدًا مضمون الجملة التي قبلها، والحال فيها ملازمة صاحبها.
ويشترط في هذه الجملة التي قبلها أن تكون اسمية، وأن يكون طرفاها "وهما: المبتدأ والخبر" معرفتين، جامدتين٣، ولا بد أن تتأخر الحال عنهما معًا وعن
_________________
(١) ١ وسبب هذه الملازمة وجود علاقة مبعثها العقل، أو الطبع، أو العادة، ولو لم تكن الملازمة دائمة في بعض الأحيان، كما جاء في حاشية ياسين في هذا الموضع. ٢و٢ وهو: صاحبها. ٣ اشترط بعض النحاة أن يكون هذا الجمود محضًا، بحيث لا يتأول الجامد بالمشتق؛ احترازًا من =
[ ٢ / ٣٦٦ ]
عاملها، وأن يحذف عاملها وصاحبها١ وجوبًا؛ طبقًا للتفصيل الذي سيأتي
٢– وكذلك يشمل أن تكون مؤكدة لعاملها؛ إما في اللفظ والمعنى معًا، نحو، قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾، وإما في المعنى فقط، نحو، قوله تعالى: ﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾، فكلمة: "حيا" حال من نائب فاعل المضارع: أبعث، أي: من الضمير المستتر "أنا"، ومعناها: الحياة، وهو معنى الفعل: أبعث؛ لأن البعث هو الحياة بعد الموت، فمعناها مؤكد لمعنى عاملها، والرسالة صفة ملازمة للرسول، وكذا حياة المبعوث؛ فكلاهما وصف حل بصاحبه لا يفارقه.
٣– ويشمل أيضًا أن تكون مؤكدة بمعناها معنى صاحبها مع ملازمتها صاحبها؛ نحو: اختلف كل الشعوب جميعًا، فكلمة "جميعًا" حال مؤكدة معنى صاحبها، وهو: "كل"؛ لأن معنى الجمعية هو معنى الكلية، لا يفترقان.
وسنعود للكلام على أنواع من المؤكدة بمناسبة أخرى٢.
ب– أن يكون عاملها دالًا على تجدد صاحبها؛ بأن يكون صاحبها فردًا من نوع يستمر فيه خلق الأفراد وإيجادها على مر الأيام، أي: أن لذلك الفرد أشباهًا ونظراء توجد وتخلق بعد أن لم تكن، ويتكرر هذا الخلق والإيجاد طول الحياة؛ نحو: "خلق الله جلد النمر منقطًا، وجلد الحمار الوحشي مخططًا"، فكلمة "منقطًا" حال، وكذا كلمة "مخططًا"، وعاملهما: "خلق" وهو يدل على تجدد هذا المخلوق، أي: إيجاد أمثاله، واستمرار الإيجاد ي الأزمنة المقبلة.
_________________
(١) = مثل: "علي الأسد مقدامًا"؛ لأن "الأسد" مؤول بالشجاع؛ فيكون الجامد المؤول بالمشتق هو العامل في الحال، وتصير الحال مؤكدة لعاملها، لا لمضمون الجملة، أما الجامد الذي لا يتأول عندهم فمثل: "علي أخوك رحيمًا"، بزعم أن الأخوة لا تستلزم الرحمة، بخلاف الأبوة، هذا رأيهم وتحقيقه عسير؛ إذ لا يكاد يوجد جامد لا يمكن تأويله، كما يقول كثير من النحاة، انظر رقم ٢ من هامش ص ٣٧٣ حتى المثال الذي عرضوه؛ ونظائره ولعل هذا كان السبب في أن شرطهم، ورأيهم لم يذكره بل لم يوافق عليه فريق آخر من النحاة، كصاحب التوضيح، كما يدل عليه مثاله وهو: "زيد أبوك عطوفًا" وكما يصرح شارحه بأنه مخالف للرأي السالف، "راجع التوضيح وشرحه عند تقسيمه الحال إلى مؤسسة ومؤكدة" وقد ذكر الأشموني وغيره مثال التوضيح أيضًا في أول باب الحال، ثم في الحال المؤكدة. ١ وهذا على اعتبار أنها حال من الضمير المحذوف مع العامل كما سيجيء في ص ٣٨٣ و٣٩١. ٢ في ص ٣٨٣ و٣٩١.
[ ٢ / ٣٦٧ ]
جـ– أحوال مرجعها السماع، وتدل على الدوام بقرائن خارجية؛ مثل: "قائمًا" في قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾، فكلمة "قائمًا" حال، وعاملها الفعل: "شهد"، وصاحبها: "الله". ودوام القيام بالقسط معروف من أمر خارجي عن الجملة؛ هو: صفات الخالق. ومثل: "مفصلًا" في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ ١.
الثاني: انقسامها بحسب الاشتقاق والجمود إلى: "مشتقة" وهي الغالبة؛ كالأمثلة السالفة وإلى "جامدة" وهي القليلة، ولكنها مع قلتها قياسية في عدة مواضع ٢؛ سواء أكانت جامدة مؤولة بالمشتق، أم غير مؤولة ٣.
وأشهر مواضع المؤولة بالمشتق أربعة:
أ- أن تقع الحال "مشبهًا به" في جملة تفيد التشبيه إفادة تبعية غير
_________________
(١) ١ مبينًا فيه الحق والباطل بحيث لا يلتبس أحدهما بالآخر، ولا يختلط به. وفيما سبق من تعريف الحال، وبيان المنتقل منها والثابت، والجامد والمشتق، وأن المنتقل غالب ولكنه ليس مستحقًا، أي: ليس واجبًا يقول ابن مالك: الحال: وصف، فضلة، منتصب مفهم في حال: "كفردًا أذهب" أراد: مفهم في حال كذا فكلمة: "حال" هنا لا تنون؛ لأنها مضاف، والمضاف إليه محذوف على نية الثبوت، أي: في حال كذا كما سبق ذلك أن قولك: جاء محمودًا راكبًا، يفيد المعنى الذي في: جاء محمود في حال الركوب، وهو بيان هيئة صاحبه، وهذا معنى قولهم: الحال على معنى: "في"، ثم قال بعد ذلك: وكونه منتقلًا، مشتقًا يغلب، لكن ليس مستحقًا أي: هذا الكون الذي سرده ووصفه بالانتقال والاشتقاق ليس مستحقًا. فهو كثير لا واجب. ٢ لأنها ليست قلة ذاتية مرادها قلة استعمال العرب لها، وإنما مرادها أنها قلة بانسبة للمشتقة، فهي كثيرة في ذاتها بغير نظر لقسيمتها. انظر معنى "القلة" في الأشموني ج ٢ "باب الإضافة" عند بيت ابن مالك، "وربما أكسب ثان أولًا "، وستجيء إشارة لها في ص ٤٥٦، ويجيء الإيضاح في ج ٣ رقم ١ من هامش ص ٧٤ م ٩٤، وهذا، وفي الجزء الرابع باب جمع التكسير، م ١٧٢ ص ١٨٥ معنى المطرد وغير المطرد، والكثير، والغالب، والقياسي، وغير القياسي، وتحديد القلة والكثرة. ٣ الأهمية الأولى إنما هي لصحة وقوع الحال جامدة في هذه المواضع، أما التأويل وعدمه فلا أهمية له.
[ ٢ / ٣٦٨ ]
مقصودة لذاتها، نحو: ترنم المغني بلبلا سارت الطيارة برقا هجم القط أسدا. فالكلمات الثلاث: "بلبلا، برقا، أسدا" أحوال منصوبة مُئَوَّلَة بالمشتق، "أي: سارا، سريعة، جريئا"، وكل حال من الثاث يعد بمنزلة المشبه به، "أي: كالبلبل، كالبرق، كالأسد"، ولا يعتبر مشبها به مقصودا حقيقة؛ لأن التشبيه المقصود الأول هنا، إنما المقصود الأول هو المعنى الحادث عند التأويل بالمشتق.
ب- أن تكون الحال دالة على مفاعلة: "بأن يكون لفظها أو معناها جاريا على صيغة "المفاعلة"، وهي صيغة تقتضي في الأغلب المشاركة من جانبين أو فريقين في أمر"، نحو، سلمت البائع نقوده مقابضة، أو: سلمت البائع النقود يدا بيد، فكلمة: "مقابضة"، حال جامدة، ولفظها على صيغة: "المفاعلة" مباشرة ومعناها: "مقابضين"، وهذا يستلزم اشتراك البائع والمتكلم في عملية القبض. ولهذا كانت الحال هنا مبنية هيئة الفاعل والمفعول به معا، أي: أن صاحب الحال هو الأمران.
ومثلها: يدا بيد١، إذ معنى الكلمتين لا لفظهما جاريا على صيغة: "المفاعلة" غير المباشرة؛ لأن معناهما: "مقابضة" وتأويلها: "مقابضين" أيضا، والأسهل عند الإعراب أن نقول: "يدا" حال من الفاعل والمفعول به معا، و: "بيد" جار ومجرور متعلقان بمحذوف، صفة للحال، والتقدير: ملتصقة بيد مثلا فمن مجموع هذه الصفة والموصوف ينشأ معنى الحال، وهو: "المفاعلة" المقتضية للمشاركة، فهذه المشاركة لا تتحقق إلا باجتماع الصفة والموصوف في المعنى. أما في الإعراب فكلمة: "يدا" وحدها هي الحال، وهي أيضا الموصوف، و"بيد" صفة
ومثل هذا يقال في: "كلمت المنكر عينه إلى عيني١ أي: مواجهة أو مقابلة، بمعنى مواجهين فكلمة "عين" حال٢ من الفاعل والمفعول به
_________________
(١) ١و١ من الحال الجامدة المسموعة بنصها بعض أمثلة، منها قولهم يدًا بيد وقولهم: كلمته فاه إلى في، فهل يجوز القياس على تلك الأمثلة فنقول مثلًا: كلمت المنكر عينه إلى عيني؟ قالوا: لا يجوز القياس إلا عند بعض الكوفيين، وحجة المانعين جدلية لا تثبت على الفحص، والأنسب الرأي الكوفي. ٢ يصح فيها وفي أمثالها الرفع؛ فتكون مبتدأ، والجار مع مجروره خبرها، والجملة في محل نصب، حال، ولا يحسن في كلمة: "عين" أن تكون بدلًا؛ لأن البدل في القول الشائع يكون على نية تكرار العامل، لا يستقيم المعنى هنا على تكراره، إذ لا يقال: كلمت عينه.
[ ٢ / ٣٦٩ ]
معًا، وهي مضاف، "والهاء" مضاف إليه، و"إلى عيني" جار ومجرور، ومضاف إليه، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة؛ والتقدير؛ عينه المتجهة إلى عيني ومجموع الصفة والموصوف هو الذي يوجد صيغة: "المفاعلة" برغم أن الإعراب يقتضي التوزيع على الطريقة السالفة؛ فتكون: "عين" الأولى وحدها هي الحال والموصوف معًا، وما بعدها صفة
ومثل هذا أيضًا: كلمت الصديق فاه إلى في "أي: فمه إلى فمي"، بمعنى مشافهة؛ المؤولة بكلمة: مشافهين.
ومثل: ساكنته غرفته إلى غرفتي؛ بمعنى: ملاصقة، التي تؤول بكلمة: ملاصقين، وجالسته جنبه إلى جنبي، كذلك ، وكل هذا قياس في الرأي الأحسن.
ج– أن تكون دالة على سعر؛ نحو: بع القمح كيله بثلاثين، أي: مسعرًا فكلمة "كيلة" حال منصوبة، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف، هو صفتها، والتقدير: كائنة مثلًا ومن مجموع الصفة والموصوف يكون المشتق المؤول.
د– أن تكون الحال دالة على ترتيب: نحو: ادخلوا الغرفة واحدًا واحدًا ١أو: اثنين اثنين، أو: ثلاثًا ثلاثًا والمعنى: ادخلوها: مترتبين.
وضابط هذا النوع: أن يذكر المجموع أولًا مجملًا، مشتملًا ضمنًا على جزأيه المكررين، ثم يأتي بعده تفصيله مشتملًا صراحة على بيان الجزأين المكررين. ومن أمثلته: يمشي الجنود ثلاثة ثلاثة، أو أربعة أربعة ، ينقضي
_________________
(١) ١ يكثر اليوم أمثال هذه الأساليب المشتملة على التكرار العددي المفيد للترتيب، وقد منعها بعض النحاة، تبعًا للحريري في كتابه: "درة الغواص" حيث صرح بأنه لا يجوز: جاءوا واحدًا واحدًا، ولا اثنين اثنين؛ لأن العرب في رأيه عدلوا عن ذلك إلى: "أحاد، ومثنى وأخواتهما"، وهجروا المعدول عنه. وقد تعقبه الشهاب الخفاجي، وعلق على ذلك الرأي، مثبتًا بالأدلة والشواهد ابتعاده عن الصواب، وأن رأي الحريري هو الخطأ الذي لا سند يؤيده، وأن ذلك التكرير كثير في كلام العرب، فهو قياسي، وكذلك صرح بعض شراح "الكافية" بأن أسماء العدد المستعملة للتكرير المعنوي بلفظها مطردة. مما سبق يتبين أنه لا داعي لمنع تلك الأساليب، ولا للجدل حول قياستها. "كما ستجيء الإشارة في ج ٤ ص ١٧٢ م ١٤٦".
[ ٢ / ٣٧٠ ]
الأسبوع يومًا يومًا، وينقضي الشهر أسبوعًا أسبوعًا، وتنقضي السنة السنة شهرًا شهرًا، وهكذا ٣، ومن مجموع الكلمتين المكررتين تنشأ الحال المؤولة؛ الدالة على الترتيب ولا يحدث الترتيب من واحد فقط، لكن الأمر عند الإعراب يختلف؛ إذ يجب إعراب الكلمة الأولى وحدها هي الحال من الفاعل كما في الأمثلة السالفة أو من المفعول به، أو من غيره على حسب الجمل الأخرى التي تكون فيها.
أما الكلمة الثانية المكررة فيجوز إعرابها توكيدًا لفظيًا للأولى، كما يجوز وهذا أحسن أن تكون معطوفة على الأولى بحرف العطف المحذوف "الفاء" أو: "ثم" دون غيرهما من حروف العطف١، فالأصل: ادخلوا الغرفة واحدًا فواحدًا، أو: ثم واحدًا يمشي الجنود ثلاثة فثلاثة، أو: ثم ثلاثة ٢، ويصح أن يقال: ادخلوا الأول فالأول ٣ و و فيكون حرف العطف ظاهرًا، وما بعده معطوف على الحال التي قبله، ولكن الحال هنا مع صحتها فقدت الاشتقاق والتنكير معًا.
هـ- أن تكون مصدرًا صريحًا ٤ متضمنًا معنى الوصف "أي: معنى المشتق"؛
_________________
(١) ١ فالمجموع المجمل هو: "واو الجماعة، الجنود، الأسبوع، الشهر، السنة " ولهذه الأساليب صلة بما يشبهها من نحو: ثناء ومثنى، وثلاث ومثلث و و، مما سيجيء بيانه في ج ٤ ص ١٧١ م ١٤٦ عند الكلام على منع الصرف للوصفية والعدل. ٢ لأن هذين الحرفين هما اللذان يدلان على الترتيب، دون باقي حروف العطف. ٣ وقد يكون الغرض من التكرار الاستيعاب لا الترتيب؛ فقد جاء في كتاب الإقليد: "إن العرب تكرر الشيء مرتين فتستوعب جميع جنسه"؛ مثل: ستمر بك أبواب الكتاب مفصلة بابًا بابًا، راجع ص ٨٠ من حاشية الألوسي على شرح القطر. ٤ "الأول" السابقة "حال" منصوبة، والثانية معطوفة عليها بالفاء التي تفيد الترتيب، وزيدت، سماعًا، فيهما "أل" شذوذًا، كما تزاد في النظم للضرورة. والأصل: ادخلوا أول فأول؛ أي: ادخلوا مترتبين. وقد سبق هذا عند الكلام على "أل" الزائدة ج ١ م ٣١ ص ٩٨ "ب" انظر ما يتصل بها في ص ٣٧٦. ٥ أما المصدر المؤول فلا يكون حالًا؛ لأنه يشتمل على ضمير يجعل الحال معرفة، فتخالف الأغلب فيها: وهو؛ التنكير، وبالرغم من هذا يصح وقوع الحال مصدرًا مؤولًا بشرط أن تكون أداة السبك هي: "ما" المصدرية، وبعدها فعل من أفعال الاستثناء الثلاثة "خلا" أو: "عدا" أو: "حاشا"؛ لأن المصدر المؤول هنا يؤول بنكرة، "انظر رقم ٢ من هامش ص ٣٥٥، وفي ج ١ ص ٢١ م ٢٩ إشارة لبعض ما تقدم".
[ ٢ / ٣٧١ ]
بحيث تقوم قرينة تدل على هذا؛ نحو: اذهب جريًا لإحضار البريد، أي: جاريًا تكلم الخطيب ارتجالًا، أي: مرتجلًا١ حضرالوالد بغتة، أي مفاجئًا
لا تثق بالكذوب، واعلم يقينا أن شر الرجال فينا الكذوب
أي: متيقنًا.
وقد ورد بكثرة في الكلام الفصيح وقوع المصدر الصريح المنكر حالًا؛ ولكثرته كان القياس عليه مباحًا في رأي بعض المحققين ٢، وهو رأي فوق صحته فيه تيسير، وتوسعة، وشمول لأنواع من المصادر أجازها فريق، ومنعها فريق، ولا معنى لتأويل المصادر الكثيرة المسموعة تأويلًا يبعدها عن المصدر، كما فعل بعض النحاة من ابتكار عدة أنواع من التأويل بغير داع ٣؛
_________________
(١) ١ أي: من غير إعداد سابق للخطبة. ٢ انظر البيان وقرار مؤتمر المجمع اللغوي، في هذا الشأن، رقم ٢ التالي:. ٣ غريب كما يقول بعض النحاة أن يكثر ورود الحال مصدرًا منكرًا، في فصيح الكلام المأثور، بل في أفصحه؛ وهو: القرآن، ثم نسمع ونقرأ من يقول: إنه بالرغم من تلك الكثيرة مقصور على السماع، راجع آخر صفحة من الحاشية على شرح "التصريح" باب "الإدغام". فما جاء في القرآن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾، وقوله: ﴿يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾، وقوله: ﴿إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا﴾، وقوله: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾، فالكلمات: سعيًا، سرًا، جهارًا، خوفًا، ظلمًا، هي مصادر لا شك فيها، وهي أيضًا بعض ما جاء في الكتاب العزيز من الأحوال، وما أكثر ما جاء في غيره مما يستشهد به، وتأويلها بالمفعول المطلق الذي حذف عامله ضعيف؛ لأن حذف عامل المؤكد في مثل هذا معيب كما سبق في ص ٢١١ وكذا كل تأويل آخر يشبه، فما الذي يقاس عليه إن لم تكن هذه الشواهد كلها داعية للقياس عليها؟ ولماذا يوافق بعضهم على القياس في المصدر المنكر الصريح إذا كان نوعًا لعامله؛ نحو جاء السائق سرعة، أي: سريعًا؟ ولماذا يقصره كثير منهم على أنواع ثلاثة من المصدر الصريح النكرة؟ هي: أ– المصدر الدال على بلوغ نهاية الشيء؛ نحو: أنت الرجل شجاعة، وأخوك الرجل علمًا، وأمثال هذا المصدر الذي قبله خبر مقرون "بأل" الدالة على الوصول إلى نهاية الشيء؛ حسنًا أو قبحًا. ب– والمصدر الذي قبله مبتدأ وخبر، والمبتدأ شبه بالخبر، أنت عمر عدلًا، وهي الخنساء شعرًا. جـ– والمصدر الواقع بعد: "أما" في نحو: أما بلاغة فيبلغ، من كل صدر وقع بعد "أما" في مقام قصد في الرد على من وصف شخصًا بوصفين، أو سلبه أحدهما، وأنت تعتقد اتصافه بواحد منهما. والحق أنه لا داعي لشيء من التقييد والحصر في هذا كله، فالقياس مباح على كل ما سلف، وبالقياس أخذ مؤتمر المجمع اللغوي الذي انعقد بالقاهرة خلال شهر فبراير سنة ١٩٧١، وسجله بين قراراته النهاية التي أصدرها بعد تمحيص وطول بحث.
[ ٢ / ٣٧٢ ]
إذ لم يراعوا للكثرة حقها الذي يبيح القياس ١.
وأشهر مواضع الحال الجامدة التي لا تتأول بالمشتق سبعة:
أ– أن تكون الحال الجامدة موصوفة بمشتق٢ أو بشبه ٣ المشتق؛ نحو: "ارتفع السعر قدرًا كبيرًا، وقفت القلعة سدًا حائلًا، تخيل العدو القلعة جبلًا في طريقه، عرفت جبل المقطم حصنًا حول القاهرة.
والنحاة يسمون هذا الحال الموصوفة: "بالحال الموطئة"، "أي: الممهدة" لما بعدها؛ لأنها تمهد الذهن، وتهيئه لما يجيء بعدها من الصفة التي لها الأهمية الأولى دون الحال، فإن الحال غير مقصودة؛ وإنما هي مجرد وسيلة وطريق إلى النعت الذي بعدها، ولهذا يقسم النحاة الحال قسمين:
أحدهما: "الموطئة"، وتسمى أيضًا: "غير المقصودة"، وهي التي شرحناها.
وثانيهما: "المقصودة مباشرة"؛ وهي المخالفة للسالفة.
_________________
(١) ١ يقول ابن مالك: ومصدر منكر حالًا يقع بكثرة؛ كبغتة زيد طلع-٦ وسيعاد هذا البيت لمناسبة اخرى في ص ٣٧٦. ٢ يرى كثير من النحاة أن هذه مؤولة بالمشتق أيضًا، وأنه لا وجود لحال جامدة لا تؤول بالمشتق كما سبق في رقم ٣ من هامش ص ٣٦٦، والخلاف شكلي لا أثر له. ٣ شبه المشتق "أو: شبه الوصف" هو الظرف والجار مع مجروره، وإنما كان شبه الجملة شبيها بالمشتق لإمكان تعلق كل منهما بمحذوف مشتق، تقديره: كائن، أو: موجود، أو: حاصل ولأن الضمير قد انتقل من المشتق بعد حذفه إلى شبه الجملة "كما سيجيء البيان في رقم ١ من هامش ص ٢٨٢، وفي هامش ص ٤٤٨ م ٨٩". ويلحق بشبه المشتق هنا ما يسمونه "المؤول بالمشتق" يريدون به: الاسم المختوم بياء النسب كعربي، ومصري و إذ يؤولونه بالمنصوب إلى العرب، وإلى مصر ، ومن أمثلته هنا قوله تعالى عن القرآن الكريم: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ، فكلمه: "قرآنًا" حال، و"عربيًا" صفة لها.
[ ٢ / ٣٧٣ ]
ب– أن تكون دالة على شيء له سعر؛ نحو: اشتريت الأرض قيراطًا بألف قرش، وبعتها قصبة بدينار رضيت بالعسل رطلًا بعشرة قروش، وبعته أقة بثلاثين
فالكلمات؛ "قيراطًا، قصبة، رطلًا، أقة" حال جامدة، وهي من الأشياء التي تسعر؛ كالمكيلات، والموزونات، والمساحات
جـ– أن تكون دالة على عدد؛ نحو: اكتمل العمل عشرين يومًا، وتم عدد العاملين فيه ثلاثين عاملًا، فكلمة: "عشرين" و"ثلاثين"، حال.
د– أن تكون إحدى حالين ينصبهما "أفعل التفصيل"، متحدتين في مدلولهما، وتدل على أن صاحبها في طور من أطواره مفضل١ على نفسه أو على غيره، في الحال الأخرى، نحو: هذا الخادم شبابًا أنشط منه كهولة، فللخادم أطوار مختلفة؛ منها طور الشباب، وطور الكهولة، وهو في طور الشباب مفضل على نفسه في طور الكهولة، وناحية التفضيل هي: النشاط.
ومثل: الشتاء بردًا أشد منه دفئًا، فللشتاء أطوار، منها طور البرودة، وطور الدفء، وهو في ناحية البرد أشد منه في ناحية الدفء، ومثل: الحقل قصبًا أنفع منه قمحًا.
ومن الأمثلة للمفضل على غيره: الولد غلامًا أقوى من الفتاة غلامة٢ المنزل سكنًا أحسن من الفندق إقامة
وكلتا الحالين في جميع ما تقدم منصوبة بأفعل التفضيل، والأكثر أن تتقدم إحداهما عليه، وهي المفضلة، وتتأخر الثانية ٣.
هـ- أن تكون نوعًا من أنواع صاحبها المتعددة؛ نحو: هذه أموالك٤ بيوتًا؛ فكلمة: "بيوتًا" حال، وصاحبها وهو: أموال له أنواع متعددة
_________________
(١) ١ ليس المراد بالتفضيل: الحسن، أو عدم العيب، أو قلته وإنما المراد: الزيادة في الشيء مطلقًا؛ حسنًا: وقبحًا، كما سيجيء في باب التفضيل، جـ٣. ٢ مؤنث غلام. ٣ كما يجيء في رقم ٢ من هامش ٣٨١، وفي "د" من ص ٣٨٤، ثم انظر الملاحظة التي في ص ٣٨٥؛ حيث يجوز تأخرهما. ٤ المال: كل شيء يمكن امتلاكه، من عقار، ونقود، وغيرهما.
[ ٢ / ٣٧٤ ]
"منها: البيوت، والزروع والمتاجر، والثياب "، ونحو: هذه ثروتك كتبًا، وهذه كتبك هندسية
و– أن يكون صاحبها نوعًا معينًا وهي فرع منه؛ نحو، رغبت في الذهب خاتمًا، انتفعت بالفضة سوارًا، تمتعت بالحرير قميصًا و فكل من الذهب؛ والفضة، والحرير، نوع، والحال فرع منه١.
ز– أن كون هي النوع وصاحبها هو الفرع المعين؛ نحو: رغبت في الخاتم ذهبًا انتفعت بالسوار فضة، تمتعت بالقميص حريرًا ٢
الثالث: انقسامها من ناحية التنكير والتعريف:
لا تكون الحال إلا نكرة ٣، كالأمثلة السالفة، وقد وردت معرفة في ألفاظ مسموعة لا يقاس عليها، ولا يجوز الزيادة فيها، ومنها كلمة "وحد" في قولهم: جاء الضيف وحده سايرت الزميل وحده، فكلمة: "وحد" حال، معرفة؛ بسبب إضافتها للضمير؛ وهي جامدة مؤولة بمشتق من معناها، أي: منفردًا، أو متوحدًا ٤.
_________________
(١) ١ ضابط هذا القسم: أن يكون الفرع جزءًا من أصله، وحين يتفرع منه يكتسب اسمًا جديدًا، وهذا الاسم الجديد لا يمنع من إطلاق اسم الأصل عليه. ٢ وفي الحال الجامدة يقول ابن مالك: ويكثر الجمود في سعر، وفي مبدي تأول بلا تكلف-٣ أي: في الأشياء التي تسعر، وفي كل ما يظهر قبول التأويل السهل: كبعه مدًا بكذا، يدًا بيد وكر زيدًا أسدًا، أي: كأسد-٤ المد: مكيال يختلف باختلاف الجهات: فهو في بضعها مقدار وطل وثلث، وفي بعض آخر مقدار رطلين و وقد يكون ملء الكفين المعتدلتين مع امتدادهما. ٣ أو ما هو بمنزلة النكرة، كالجملة الواقعة حالًا؛ لما رددناه من أن الجملة نكرة أو بمنزلة النكرة، راجع رقم ٤ من هامش ص ٣٩٤. ٤ كلمة: "وحد" ملازمة للإضافة دائمًا، ويدر الجدل حول إعرابها وإضافتها؛ أهي ملازمة للنصب دائمًا، أم تتركه إلى غيره؟ أهي مضافة للضمير وجوبًا، أم يجوز إضافتها إلى غيره؟ بيان هذا كله مسجل في "باب الإضافة" ج ٣ م ٩٤ ص ٦٦.
[ ٢ / ٣٧٥ ]
ومنها: "رجع المسافر عوده على بدئه"، فكلمة: "عود" حال، وهي معرفة، لإضافتها للضمير، ومؤولة بالمشتق، على إرادة: رجع عائدًا، أو راجعًا على بدئه، والمعنى: رجع عائدًا فورًا، أي: في الحال: أو: رجع على الطريق نفسه.
ومنها: "ادخلوا الأول فالأولى١"، أي: مترتبين، ومنها: جاء الوافدون الجماء الغفير ٢، أي: جميعًا.
ومنها: قولهم في رجل أرسل إبله أو حمره الوحشية إلى الماء، مزاحمة غيرها ومعاركة: أرسلها العراك، أي: معاركة، مقاتلة٣.
_________________
(١) ١ انظر ما يوضح هذا في رقم ٤ من هامش ص ٣٧١. ٢ "الجماء": مؤنث الأجم، بمعنى: الكثير، و"الغفير": الكثير الذي يغفر وجه الأرض، أي: يغطيه بكثرته. والغفير، في المثال صفة للجماء، مع أن كلمة: "الغفير" هنا مذكرة، والجماء مؤنثة فلم تطابق الصفة موصوفها الحقيقي، وقد تلمس النحاة لهذا تأويلات؛ منها: أن "فعيلًا" هذا وإن كان بمعنى فاعل، قد حمل على "فعيل" بمعنى "مفعول" حيث تحذف التاء منه غالبًا عند ذكر الموصوف، وهذا وأشباهه مردود. والسبب الذي لا يرد هو: أن العرب نطقوا بها هكذا من غير تعليل.. ٣ يقول بعض النحاة: إن الأحوال المذكورة ليست معارف؛ لأن "وحد" و"عود" ألفاظ مبهمة لا تكتسب التعريف؛ ولأن "أل" زائدة في الأحوال الباقية المبدوءة بها وهذا رأي فيه تكلف وضعف. يقول ابن مالك: والحال إن عرف لفظًا فاعتقد تنكيره معنى، كوحدك اجتهد-٥ ومصدر منكر حالًا يقع بكثرة؛ كبغتة زيد طلع-٦ وقد سبق هذا البيت في رقم ١ من هامش ص ٣٧٣ لمناسبة أخرى.
[ ٢ / ٣٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
من الألفاظ التي وقعت حالًا مع أنها معرفة بالإضافة، قولهم: تفرق المهزومون أيادي سبأ، على تأويل: متبددين، لا بقاء لهم، أو على تأويل "مثل أيادي سبأ"١، وحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه؛ فأعرب حالًا مثله٢.
ومنها: طلبت الأمر جهدي، أو طاقتي، على تأويل، جاهدًا، ومطيقًا ٣.
ومنها: العدد من ثلاثة إلى عشرة، مضافًا إلى ضمير المعدود؛ نحو: مررت بالإخوان ثلاثتهم أو خمستهم أو سبعتهم على تأويل مثلثًا إياهم، أو مخمسًا، أو مسبعًا
ويجوز اتباعه لما قبله؛ فلا يعرب حالًا، وإنما يعرب توكيدًا معنويًا: بمعنى جميعهم، ويضبط لفظ العدد بما يضبط به التوكيد.
والصحيح أن هذا ليس مقصورًا على العدد المفرد؛ بل يسري على المركب؛ نحو: جاء القوم خمسة عشرهم؛ بالبناء على الفتح ٤ في محل نصب، أو محل غيره على حسب حاجة الجملة.
_________________
(١) ١ يلاحظ أن كلمة: "مثل" هي من الألفاظ المبهمة في أغلب استعمالاتها كما سبق في ص ٣٠٢، ولهذا لا تكتسب التعريف إذا أضيفت لمعرفة. ٢ سيجيء هذا في جـ ٣ م ٩٦ ص ١٣٦. ٣ ستجيء الإشارة لهذه الألفاظ في باب الإضافة جـ ٣ ص ٢٤ م ٩٣. ٤ بالرغم من أن العدد المركب مبني هنا فهو مضاف للضمير، وستجيء إشارة لهذا في باب "التوكيد" جـ ٣ م ١١٦ ص ٤١٣، وكذلك في جـ ٤ باب: "العدد" عند الكلام على تمييز العدد م ١٦٤ ص ٣٧٩.
[ ٢ / ٣٧٧ ]
الرابع: انقسامها من ناحية انها هي نفس صاحبها في المعنى أو ليست كذلك.
الغالب أنها هي نفسه؛ كالحال المشتقة في نحو: صاح المتألم صارخًا، شاهدت الطيور مبكرة فالصارخ في الجملة، هو المتألم، والمتألم هو الصارخ؛ والمبكرة هي الطيور، والطيور هي المبكرة.
وغير الغالب أن تكون مخالفة له، كالحال الواقعة مصدرًا صريحًا في نحو: خرج الولد جريًا، وجاء القادم بغتة، وأشباههما؛ فإن الجري ليس هو الولد، والولد ليس هو الجري، والبغتة ليست هي القادم، والقادم ليس هو البغتة، وقد سبق ١ الكلام على صحة وقوع المصدر حالًا، وهذه المخالفة لصاحبها لا تؤثر في المعنى مع القرينة.
الخامس: انقسامها بحسب تأخيرها عن صاحبها، أو تقديمها عليه، وبحسب تأخيرها عن عاملها أو تقديمها عليه إلى ثلاثة أقسام في كل٢ هي: وجوب تأخيرها، ووجوب تقديمها، وجواز الأمرين.
ترتيبها مع صاحبها:
أ– يجب تأخيرها عن صاحبها إذا كانت محصورة ٣، نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾، فلا يصح تقديم الحال وحدها؛ لأن تقديمها يفسد سلامة التركيب، ويزيل الحصر والغرض البلاغي منه،. ولو تقدمت معها "إلا" فالأحسن المنع أيضًا، مع مجاراة لنهج الصحيح الشائع.
وكذلك يجب تأخيرها إن كان صاحبها مجرورًا بالإضافة "أي: أنه مضاف إليه" ٤، نحو: أعجبني شكل النجوم واضحة؛ فلا يجوز تقديم الحال: "واضحة" على صاحبها المضاف: "النجوم" لئلا تكون فاصلة بين المضاف والمضاف
_________________
(١) ١ في: "هـ" من ص ٣٧١. ٢ أحكام التقديم والتأخير الآتية مقصورة على الحال المؤسسة، أما المؤكدة فالرأي الأنسب عدم تقديمها. ٣ سبقت الإشارة إلى الحصر ومعناه، وطريقته في الجزء الأول ص ٣٦٤ م ٣٧. ٤ بشرط أن يصلح لمجيء الحال منه، وسيجيء بيان ذلك في ص ٤٠٤.
[ ٢ / ٣٧٨ ]
إليه، والفضل بها لا يصح، كما لا يصح في الرأي الأنسب تقديمها على المضاف، "ولا فرق في الحالين بين الإضافة المحضة وغيرها".
أما إذا كان صاحبها مجرورًا بحرف جر أصلي؛ نحو: جلست في الحديقة، ناضرة، فالأحسن الأخذ بالرأي القائل بجواز تقديمها؛ لورود أمثلة كثيرة منها في القرآن وغيره تؤيده ١، ولا داعي لتكلف التأويل والتقدير٢ والتقديم، فإن كانت مجرورة بحرف جر زائد جاز التقديم؛ نحو: ما جاء متأخرًا من
_________________
(١) ١ ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ أي: ما أرسلناك إلا للناس كافة وقول الشاعر: تسليت طر عنكمو بعد بينكم بذكراكمو حتى كأنكموا عندي البين: الفراق: طرا: جميعًا، أي: تسليت عنكم طرا. وبمناسبة الكلام على: "كافة" يذكر أكثر اللغويين والنحاة ألفاظًا لا تستعمل إلا منصوبة على "الحال"، ومنها: "كافة" و"قاطبة" غير أن "الصبان" سجل في باب: "الحال" جـ ٣ عند الكلام على الآية السابقة استعمال "كافة" مجرورة ومضافة في كلام عمر بن الخطاب ونصه: "قد جعلت لآل بني كاكلة على كافة المسلمين لكل عام مثنى مثقال ذهبًا إبريزًا". وعرض الصبان بعد ذلك لتفصيلات أخرى تختص بهذه الكلمة، وباستعمالها. وعلى هامش القاموس المحيط جـ ٣ مادة: "كف" نص منقول عن شرح القاموس يجيز استعمال هذه الكلمة مرونة بأل، أو مضافة، وأن رفض هذين الاستعمالين لا مسوغ له، ونص كلامه: "ما رفضوه رده الشهاب في شرح الدرة، وصحح أنه يقال، وإن كان قليلًا". ا. هـ. أما: "قاطبة" فقد استعملها "الجاحظ" غير حال في أول رسالته التي موضوعها: "تفضيل النطق على الصمت" حيث يقول: "وإن حجته قد لزمت جميع الأنام، ودحضت حجة قاطبة أهل الأديان". وتردد الأدباء في محاكاته، ولكن هذا التردد يزول بما جاء في كتاب: "الأمالي، للقالي" جـ ١ ص ١٧٠ طبعة المطبعة الأميرية بالقاهرة، فقد قال مؤلفه عند الكلام على مادة: "قطب" ومعناها ما نصه: "قال يعقوب بن السكيت: يقال: قطب، يقطب، قطوبًا، وهو قاطب إذا جمع ما بين عينيه، واسم ذلك الموضع: "المقطب"، ومنه قيل: الناس قاطبة، أي: الناس جمع". ا. هـ، فقد استعملها خبرًا، ومن كل ما سبق يتبين أن الكلمتين ليستا ملازمتين للحال. ٢ ولا شك أن محاكاة القرآن في هذه الصيغة، وفي جميع الصيغ الواردة به جائزة بليغة، ما دامت المحاكاة تامة فليس لأحد أن يرفضها، ومن شاء تأويلها كما أول الآية فليفعل وفي هذه الصورة يقول ابن مالك: وسبق حال ما بحرف جر قد أبوا، ولا أمنعه فقد ورد-٩ أي: أن النحاة أبوا أن يوافقوا على تقديم حال صاحبها فقد جر بحرف جر "أي: أصل"، ثم أوضح رأيه الخاص قائلًا: إنه لا يوافقهم، ولا يمنع تقديم الحال وسبقها على صاحبها المجرور بالحرف؛ الأصلي؛ لأن هذا ورد في الكلام الفصيح، وإذا كان واردًا فيه بقدر كاف فكيف يمنع؟ لكنه لا يذكر التفصيل.
[ ٢ / ٣٧٩ ]
أحد، وهذا بشرط أن يكون حرف الجر الزائد مما لا يمتنع حذفه، أو مما لا يقل حذفه؛ فالذي يمتنع كالباء الداخلة على صيغة: "أفعل" الخاصة بأسلوب التعجب؛ نحو: أحمل بالنجوم١ طالعة، والذي يقل كالباء في فاعل: "كفى" بمعنى: "يكفي"، مثل: كفى بالزمان مرشدًا، فإن كان حرف الجر الزائد مما يمتنع حذفه، أو يقل لم يجز تقديم الحال عليه.
وزاد بعض النحاة مواضع أخرى يمتنع فيها تقديم الحال على صاحبها، منها: أن يكون صاحبها منصوبًا بالحرف الناسخ: "كأن" أو: "ليت"، أو: "لعل" أو بفعل تعجب، أو بصلة الحرف المصدري في نحو: أعجبني أن ساعدت الفقيرة عاجزة أو أن يكون ضميرًا متصلًا بصلة "أل" نحو: الود أنت المستحقة صافيًا٢.
ب– ويجب تقديمها على صاحبها إذا كان محصورًا؛ نحو: ما فاز خطيبًا إلا البليغ، ولا انتصر مدافعًا إلا الصادق.
أو كان صاحبها مضافًا إلى ضمير يعود على شيء له صلة وعلامة بالحال، نحو: جاء زائرًا هندًا أخوها، جاء منقادًا للوالد ولده.
ج– ويجوز التقديم والتأخير في غير حالتي الوجوب السالفتين، نحو دخل الصديق مبتسمًا، أو: دخل، مبتسمًا، الصديق.
ترتيبها مع عاملها٣:
أ– يجب أن تتأخر عنه إن كان فعلًا جامدًا كفعل التعجب؛ نحو:
_________________
(١) ١ تفصيل الكلام على هذه "الباء" في باب التعجب، ج ٣ م ١٠٨، ص ٢٧٩. ٢ على اعتبار أن صاحب الحال: "هاء" الضمير، لا المبتدأ. ٣ "ملاحظة هامة" تختص بالعامل في الحال، وفي صاحبها: الحال منصوبة، وعامل النصب إما لفظي؛ كالمصدر، وكالفعل المشتق، وكالوصف الذي يعمل عمله، وكاسم الفعل. .. وإما معنوي كأسماء الإشارة، وألفاظ الاستفهام، وبعض الحروف والأدوات التي سيجيء ذكرها هنا، ومنها شبه الجملة، والعامل في الحال هو في أكثر الصور العامل في صاحبها فعاملها واحد، ولو اختلف نوع عمله في كل منهما، وهناك صور أخرى يختلف فيه العاملان عامل الحال، وعامل صاحبها كالحال التي صاحبها المبتدأ، حيث يكون المبتدأ هو العامل في الحال، ويكون الابتداء هو العامل في المبتدأ وكالحال التي صاحبها اسم لناسخ وكثرة النحاة تشترط أن يكون العامل في الحال، وفي صاحبها واحدًا في كل الصور، إلا سيبويه وفريق معه، فإنه يرفض هذا الشرط كما سبق البيان المفيد في رقم ٢ من هامش ص ٣٦٤ ورأيه هو الحق؛ لما سلف هناك مفصلًا، ولما يجيء في رقم ٣ من هامش ص ٤٠٥ حيث بيان السبب عند سيبويه.
[ ٢ / ٣٨٠ ]
ما أحسن الصديق وفيًا، أو كان مشتقًا يشبه الجامد، كأفعل التفضيل١؛ نحو: أنت أفصح الناس متكلمًا ٢.
أو كان عاملها مصدرًا صريحًا يمكن تقديره بأن والفعل والفاعل، نحو: من الخير إنجازك العمل سريعًا، فكلمة: "سريعًا" حال من الكاف، والعامل هو المصدر الصريح٣: "إنجاز" ومن الممكن أن يحل محله مصدر مؤول من أن والفعل والفاعل فتكون الجملة: من الخير أن تنجز العمل سريعًا، ومثله أن تقول: يعجبني إنجاز الصانع عمله سريعًا؛ فكلمة: "سريعًا" حال من "الصانع"، والعامل هو: "نجاز" أيضًا.
فإن كان المصدر الصريح غير مقدر بهما جاز تقديم الحال وتأخيره؛ نحو: معتذرًا لك صفحًا عن المسيء أو: صفحًا عن المسيء معتذرًا لك.
أو كان العالم اسم فعل؛ نحو: نزال مسرعًا؛ أي: انزل مسرعًا؛ لأن معمول اسم الفعل لا يتقدم عليه.
_________________
(١) ١ كان شبيهًا بالجامد؛ لأنه في كثير من أحواله لا يقبل علامة التأنيث، ولا علامة التثنية، أو الجمع؛ فخالف بهذا المشتقات الأصيلة؛ كاسم الفاعل، واسم المفعول، واقترب من الجامد الذي لا تتغير صورته. ٢ يستثنى من أفعل التفضيل صورتان؛ إحداهما: أن يكون عاملًا في حالين لاسمين، متحدين في مسماهما، وإحداهما مفضلة على الأخرى، فالأحسن تقديم المفضلة عليه، وتأخير الأخرى عنه، نحو: هذا الأديب نائرًا أبرع منه شاعرًا. فكلمة: "أبرع" أفعل تفضيل، نصبت حالين؛ هما: "ناثرًا" و"شاعرًا" والاسمان لمسمى والصورة وإحداهما مفضلة، وهي: "ناثر" فتقدمت على العامل؛ وتأخرت الثانية. والصورة الثانية كالسابقة؛ إلا أن الحالين لشيئين مختلفين في مسماهما، نحو؛ المتعلم منفردًا أنفع من الجاهل مستعينا بغيره. "راجع د من ص ٣٧٤ ود من ص ٣٨٤، وانظر الملاحظة التي بعدها حيث يجوز تأخير الحالين معًا. ٣ إذا كان العامل مصدرًا نائبًا عن فعله المحذوف وجوبًا جاز تقديم الحال، نحو: إكرامًا هندًا متعلمة، فيصح: متعلمة إكرامًا هندًا "كما في ج من ص ٣٨٤"، وقد سبقت مواضع المصدر النائب عن فعله المحذوف وجوبا في ص ٢٢٠ م ٧٦.
[ ٢ / ٣٨١ ]
أو كان العامل معنويًا؛ "وهو الذي يتضمن معنى الفعل دون حروف الفعل كألفاظ الإشارة، والاستفهام، وأحرف التمني والتشبيه، وكشبه الجملة الظرف، أو الجار مع مجروره الواقع خبرًا، أو نعتًا كذلك"١، نحو: هذا كتابك جميلًا، فكلمة: "جميلًا" حال من الخبر: "كتاب" والعامل هو اسم الإشارة، ومعناه: أشير؛ فهو يتضمن معنى الفعل، دون أن يشتمل على حروفه.
ومثل: ليت الصانع، متعلمًا، حريص على الإتقان، فكلمة: "متعلما" حال من الصانع، والعامل "هو: ليت"، وحرف معناه: "أتمنى"، فيتضمن معي الفعل دون حروفه
ومثل: كأن الباخرة، واسعة، فندق كبير، ومثل: الزروع أمامك ناضرة، أو: الزروع في حديقتك، ناضرة
والاستفهام المقصود به التعظيم؛ نحو: يا جارتا، ما أنت، جارة؟
وهكذا كل ما يتضمن معنى الفعل دون حروفه غير ما سبق، كأدوات التنبيه، والترجي، والنداء
لكن بعض النحاة يستثني من العامل الذي يتضمن معنى الفعل دون حروفه، شبه الجملة بنوعيه "الظرف والجار مع مجروره"، فيجيز أن يتقدم عليها الحال أو يتأخر، نحو: "الحارس عند الباب واقفًا، و: الحارس، واقفًا، عند الباب"، نحو: القط في الحديقة قابعًا، أو: القط، قابعًا، في الحديقة، وإنما يجيز تقدم هذه الحال بشرط أن تتوسط بين مبتدأ متقدم وخبره شبه الجملة المتأخر عنه، وعن الحال معًا، ولا يصح تقدم الحال عليهما معًا، فلا يقال: "واقفًا، الحارس عند الباب، ولا قابعًا القط في الحديقة"، فإن تقدمت الحال والخبر معًا، وكانت الحال هي الأسبق جاز؛ نحو: واقفًا عند الباب الحارس، وهذا رأي مقبول٢.
_________________
(١) ١ لأن شبه الجملة قد يكون متعلقًا بفعل محذوف، أو بوصف محذوف، وينتقل إلى شبه الجملة الضمير الذي يكون في المتعلق بعد حذفه، وبهذا يصير شبه الجملة متضمنًا معنى الفعل، لاشتماله على المتعلق المحذوف، فوق اشتماله على ضميره "على الوجه المفصل في جـ ١ ص ٣٤٦ م ٣٥، ورقم ٣ من هامش ص ٣٧٣ في هذا الباب وهامش من وص ٤٤٨ م ٨٩". ٢ برغم قلته بالنسبة إلى الأول "فالقلة نسبية لا تمنع القياس"، وحجة أصحابه ورود أمثلة فصيحة تكفي للحكم بقياسيته؛ منها قراءة من قرأ قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾، بنصب، "مطويات" وقول الشاعر: رهط ابن كوز محقبي أدراعهم فيهم، ورهط ربيعة من حذار فكلمة: "محقبي" حال، تقدمت على عاملها شبه الجملة: "فيهم" والمخالفون لهذا الرأي يؤلونه بغير داع مقبول.
[ ٢ / ٣٨٢ ]
ويصح عند أكثر النحاة تقديم الحال على عاملها "شبه الجملة" إن كانت هي شبه جملة أيضًا؛ نحو: الخير عندك أمامك، أو الخير في الدار أمامك على اعتبار الظرف "عند"، والجار مع مجروره "في الدار" حالين من الضمير المستكن في شبه الجملة بعدهما١.
أو كانت الحال مؤكدة معنى الجملة٢؛ نحو: على جدك شفيقًا، وتقدير العامل: علي جدك أعرفه، "أو: أعلمه، أو: أحقه " شفيقًا، فعامل الحال وصاحبها "باعتباره الضمير" محذوفان وجوبًا قبل الحال.
أو كان العامل قد عرض له ما يمنع من تقدم معموله عليه، كالماضي المبدوء بلام الابتداء ٣، أو بلام جواب القسم ٤؛ فإن المعمول لا يتقدم على هذه اللام نحو: إني لقد تحملت، صابرًا، هفوة القريب، أو: والله لقد تحملت، صابرًا، هفوة القريب.
وكالعامل الواقع في صلة حرف مصدري مطلقًا؛ نحو: لك أن تنتقل راكبًا: أو الواقع صلة "أل"٥، نحو: أنت السائق بارعًا؛ لأن معمولهما لا يتقدم عليهما في الرأي الراجح.
أو كانت الحال جملة مقترنة بالواو؛ نحو: اقر الكتاب والنفس صافية٦.
_________________
(١) ١ ومما يصلح مثالًا لهذا شبه الجملة "من الله" في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾، "راجع الصبان، وكذا حاشية الأمير على "المغني" أو المقدمة". ٢ سبق الكلام عليها في ص ٣٦٦، وسيجيء بمناسبة أخرى في ص ٣٩١ و٣٩٦. ٣ سبق الكلام عليها في ج ١ ص ٤٩٧ م ٥٣. ٤ الكلام عليها سيأتي ٤١٩ في حروف القسم، باب: حروف الجر. ٥ بخلاف صلة غيرها، فيجوز: من الذي راكبًا جاء، لجواز تقديم معمول الصلة عليها لا على الموصول. ٦ يحسن الاقتصار على هذا الرأي، دون الرأي الذي يجيز التقديم والتأخير بتأول.
[ ٢ / ٣٨٣ ]
ب– يجب أن تتقدم عليه إذا كان لها الصدارة، نحو: كيف أنقذت الغريق؟ فكلمة: "كيف" اسم على الأرجح مبني على التفح في محل نصب، حال١.
ج– يجوز الأمران في غير الحالتين السالفتين، مثل: واقفًا أنشد الشاعر القصيدة. وأشباه هذا مما يكون فيه عامل الحال فعلًا متصرفًا، أو مشتقًا يشبه الفعل المتصرف، أو مصدرًا نائبًا عن فعله المحذوف وجوبًا "كما سبقت الإشارة إليه"٢، والمراد بالذي يشبه الفعل ما يتضمن معنى الفعل وحروفه، ويقبل عاملات التأنيث، والتثنية، والجمع٣، فمثال الحال المتقدمة على عاملها الفعل المتصرف غير ما سبق راغبًا أقبلك على زيارتك، ومثال المتقدمة على اسم فاعل: مسرعة الطائرة مسافرة، ومثال المتقدمة على صفة مشبهة: الإنسان، قانعًا، غني، ومثال اسم المفعول: الحاكم، ظالمًا، محطم ومثال المتقدمة على المصدر النائب عن فعله المحذوف وجوبًا: متعلمة إكرامًا هندًا٤.
د– إذا كان العامل هو أفعل التفضيل الذي يقتضي حالين٥ إحداهما تدل على أن صاحبها في طور من أطواره أفضل من نفسه، أو غيره في الحال الأخرى، فالأحسن أن تتقدم إحداهما على أفعل التفضيل، وتتأخر الثانية كما سبق ٦ نحو: الحقل قطنًا أنفع منه قمحًا الفدان عنبا أحسن منه قطنًا المتعلم تاجرًا أقدر منه زارعًا، المصباح الكهربي منفردًا أقوى من عشرات الشموع
_________________
(١) ١ تقدم في ج ١ ص ٤٦٢ م ٣٩ إعراب "كيف" في صورتها المختلفة. وأشرنا لهذا في رقم ١ من هامش ص ٦١، وفي ١ من هامش ص ٦٧ و٣ من هامش ص ١٣٣. ٢ في رقم ٣ من هامش ص ٣٨١. ٣ خرج اسم الفعل؛ فإنه قد يتضمن معنى الفعل وحروفه ولكنه غير مشتق، ولا يقبل تلك العلامات؛ كاسم الفعل: "نزال" بمعنى: انزل، وخرج أفعل التفضيل كذلك؛ لأنه مشتق، ولكن لا يقبل تلك العلامات في حالات كثيرة كما سبق في رقم ١ من هامش ص ٣٨١. ٤ كما سبقت الإشارة في رقم ٣ من هامش ص ٣٨١. ٥ ولا مانع أن تكون الحالان أو إحداهما جامدة، غير مؤولة بالمشتق؛ طبقًا لما سبق في: "د" من ص ٣٧٤ عند سرد مواضع الحال الحامدة غير المؤولة بالمشتق. ٦ في "د" من ص ٣٧٤، وكما في رقم ٢ من هامش ٣٨١.
[ ٢ / ٣٨٤ ]
مجتمعة١، ومثل قول علي -﵁- لأنصاره، وهم يعرضون عليه الخلافة أول الأمر: "أنا لكم وزيرًا، خير لكم من أميرًا ".
ملاحظة:
أجاز فريق من النحاة ما يشيع اليوم في بعض الأساليب، من تأخر الحالين معًا عن أفعل التفضيل، بشرط أن تقع بعده الحال الأولى مفصولة من الثانية بالمفضل عليه؛ نحو: المتعلم أقدر تاجرًا منه زراعًا المصباح الكهربي أقوى منفردًا من عشرات الشموع مجتمعة هذه الفاكهة أطيب ناضجة منها فجة.
السادس: انقسامها بحسب التعدد الجائز والواجب وعدمه، إلى واحدة وإلى أكثر:
قد يكون الحال واحدة لواحد؛ نحو: يقف الشرطين متيقظًا، وهذه تطابق:
_________________
(١) ١ وإلى مواضع تقديم الحال على عاملها، وعلى صاحبها يشير ابن مالك بإيجاز ومزج بين مواضعهما، فيقول: والحال إن ينصب بفعل صرفا أو صفة أشبهت المصرفا-١٢ فجائز تقديمه كمسرعا ذ راحل، ومخلصًا زيد دعا-١٣ يريد: أن الحال المنصوبة بفعل متصرف أو وصف يشبه يجوز تقديمها وتأخيرها عن عاملها؛ وذكر مثالين: أحدهما لحال تقدمت على عاملها الفعل المصرف، "وهو مخلصًا زيد دعا"، والآخر لحال تقدمت على عاملها الوصف الذي يشبه الفعل المتصرف، وهو: مسرعًا ذا راحل، ثم انتقل إلى الكلام على الحال التي لا يجوز تقديمها على عاملها المعنوي فقال: وعامل ضمن معنى الفعل لا حروفه مؤخرًا لن يعملا-١٤ كتلك، ليت، وكأن، وندر نحو: سعيد مستقر في هجر-١٥ أي: أن العامل المعنوي "وهو الذي يتضمن معنى الفعل دون حروفه"، ولا يعمل النصب إذا كان متأخرًا عن الحال، وبين أمثلة من العامل المعنوي، هي: تلك؛ ليت، كأن وأوضح أن تقديم الحال على عاملها المعنوي شبه الجملة نادر عنده، وضرب له مثلًا هو: سعيد مستقرًا في هجر، "بلد باليمن"، ثم تكلم على جواز تقديم أحد الحالين المنصوبين بأفعل التفضيل: ونحو: زيد مفردًا أنفع من عمرو معانًا، مستجاز، لن يهن-١٦ مستجاز: أجازه النحاة، لن يهن: لن يضعف مثل هذا الأسلوب في نظر العارفين. النحو الوافي -ثان.
[ ٢ / ٣٨٥ ]
صاحبها الحقيقي في الإفراد وفروعه، وفي التأنيث والتذكير١ نحو: هبط الطيار هادئًا، هبط الطياران هادئين، هبط الطيارون هادئين، هبطت الطيارة هادئة و
وقد تكون الحال واحدة ولكن يتعدد ما تصلح له، من غير أن توجد قرينة تعين واحدًا مما يصلح؛ نحو: قابلت الأخ راكبًا، والأنسب من هذا النوع أن تكون للأقرب، ومنع بعض النحاة هذا الأسلوب، لإبهامه، وخفاء الصاحب الحقيقي، ورأيه سديد.
والمتعددة ٢ قد تكون متعددة لواحد، فتطابقه في الأمور السالفة، نحو: هبط الطيار هادئًا، مبتسمًا، لابسًا ثياب الطيران، ونزل مساعده نشيطًا مبتهجًا حاملًا بعض معداته، وخرجت المضيفة مسرعة قاصدة حجرتها ، ولا يجوز وجود حرف عطف بين الأحوال المتعددة ما دامت أحوالًا، فإن وجد حرف العطف صح، وكأن ما بعده معطوفًا، ولا يصح أن يعرف حالًا ٣.
وقد تكون متعددة لأكثر من واحد؛ فإن كان معنى الأحوال ولفظها واحدًا وجب تثنيتها، أو جمعها على حسب أصحابها من غير نظر للعوامل، أهي متحدة في عملها وألفاظها، ومعانيها، أم غير متحدة في شيء من ذلك؟ نحو: عرفت النحل والنمل دائبين على العمل، والأصل: عرفت النحل دائبًا والنمل دائبًا والحالان متفقان لفظًا ومعنى٤، وهما يبينان هيئة شيئين؛ فوجب تثبيتهما تبعًا لذلك، فرارًا من التكرار، ونحو: أبصرت في الباخرة الربان،
_________________
(١) ١ كل هذا يشترط أن تكون الحال حقيقية، "وهي: الدالة لى هيئة صاحبها مباشرة؛ لا هيئة شيء آخر يتصل به. فالدالة على هيئة صاحبها الحقيقي نحو: يقف الشرطي متيقظًا، والدالة على هيئة شيء آخر يتصل به بسبب. وتسمى: "الحال السببية"، ولا تشترط فيها المطابقة التامة لصاحبها، وسيجيء حكمها في ص ٤٠٠ نحو: يقف الشرطي مفتحة عيناه طول الليل. ٢ وتسمى: المترادفة، وقد تسمى: المتداخلة، طبقًا للبيان الموضح في "أ" من ص ٣٨٩. ٣ كما في رقم ٤ من ص ٤٢٩. ٤ ولا يضر الاختلاف تذكيرًا، وتأنيثًا؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾: سخر لكم الشمس دائبة والقمر دائبًا.
[ ٢ / ٣٨٦ ]
والبحار والمهندس منهمكين في إدارتها، والأصل: أبصرت الربان منهمكًا، والبحار منهمكًا، والمهندس منهمكًا، فالحال هنا متعددة، وهي متفقة الألفاظ والمعاني، وأصحابها ثلاثة؛ فجمعت وجوبًا تبعًا لذلك، استغناء عن التكرار. ونحو: بنيت البيت وأصلحت السور جميلين، ووقفت سعاد وشاهدت أمها متكلمتين١.
هذا، والتكرار الممنوع في التثنية والجمع هو تعدد الأحوال متوالية، كل واحدة وراء الأخرى مباشرة ٢، أما وقوع كل واحدة بعد صاحبها مباشرة، فليس بممنوع، وإن تعددت لمتعدد وكانت مختلفة الألفاظ والمعاني وجب التفريق بغير عطف؛ بحيث تكون كل حال بعد صاحبها مباشرة، وهو الأحسن؛ منعًا للغموض، ويجوز تأخير الأحوال المتعددة كلها وتكون الأولى منا للاسم الأخير ٤ والحال الثانية للاسم الذي قبله ٢، والحال الثالثة للاسم الذي قبل هذا٣ وهكذا ترتب الأحوال مع أصحابها ترتيبًا عكسيًا، فأول الأحوال لآخر الأصحاب، وثاني الأحوال للصاحب الذي قبل الأخير ومراعاة هذا واجبة. إلا إن قامت قرينة تدل على غيره، فمثال مراعاة الترتيب السابق: كنت أسوق السيارة فأبصرت زميلي في سيارته قاصدًا الريف، مقبلًا من الريف، فكلمة: "قاصدًا" حال من "زميل" بإعطاء أول الحالين لآخر الاسمين، وكلمة: "مقبلًا" حال من التاء في: "أبصرت"، بإعطاء ثاني الحالين للاسم الذي قبل السابق و ومثال مخالفة هذا الترتيب لقرينة تدعو للمخالفة: لقي الترجمان جماعة السياح باحثًا عنهم، سائله عنه، فكلمة: "باحثًا" حال من: "الترجمان"، وكلمة: "سائلة" حال من "جماعة" ولو روعي الترتيب هنا لاختلت المطابقة الواجبة بين الحال وصاحبها في التذكير والتأنيث، فالذي ربط بين الحال وصاحبها، وعين لكل حال صاحبها هو قرينة التذكير فيهما معًا، أو التأنيث فيهما معًا، ومثل: حدث المحاضر طلابه وافقًا جالسين؛ فكلمة: "واقفا" حال من: "المحاضر"
_________________
(١) ١ من الكلام النظري المحض ما يقوله النحاة: "إن العامل في الحال عند تعدد العامل هو مجموع العوامل، لا كل واحد مستقلًا، لئلا يجتمع عاملان على معمول واحد! ! وانظر "أ" "من" ٣٨٩، ولا فائدة من تناسي الأمر الواقع من غير داع؛ فالواقع أن كل عامل قد اشترك في العمل برغم ما سبق. ٢و ٢ فلا يصح: أبصرت المسافرة في الباخرة الريان، والبحار، والمندس منهمكًا، منهمكًا، منهمكًا. ٣و٣ وهو صاحبها.
[ ٢ / ٣٨٧ ]
و"جالسين" حال من: "الطلاب"، ولم يراع الترتيب؛ لأن اللبس مأمون؛ سبب وجود المطابقة التي تقضي بأن يكون صاحب المال المفردة مفردًا، وصاحب الحال المجموعة جمعًا١.
والجدير في هذه المسألة وفي غيرها الاعتماد على القرينة؛ فلها الاعتبار الأول دائمًا.
وإذا وقعت الحال بعد: "إما" التي للتفصيل، أو بعد: "لا" النافية وجب تعدد الحال، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾، ونحو: يقفز الطيار؛ لا خائفًا، ولا مترددًا، أما في غير هذين الموضعين، فالتعدد جائز على حسب الدواعي المعنوية.
_________________
(١) ١ اقتصر ابن مالك الكلام في الحال المتعددة على البيت الآتي: والحال قد يجيء ذا تعدد لمفرد فاعلم وغير مفرد-١٧
[ ٢ / ٣٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ– إذا تعددت الحال لواحد سميت: "مترادفة"؛ أي: متوالية، "تتلو الواحدة الأخرى"، ويجوز أن تكون الحال الثانية حالًا من الضمير المستتر في الأولى؛ وعندئذ تسمى الثانية: "متداخلة"، وهذا يجري فيكل حال متعددة، فيجوز أن تكون حالًا من ضمير التي قبلها مباشرة.
ويمنع جماعة من النحاة ترادف الحالين؛ بزعم أن العامل الواحد لا ينصب إلا حالًا واحدة، وله حجة جدلية مردودة؛ لأنها من نوع الجدليات التي تسيء إلى النحو من غير أن تفيده١.
ب– عرفنا أن يجوز أن تتعدد الحال من غير أن يتعدد صاحبها؛ نحو: مشيت بين الرياحين هانئًا، مستنشقًا أريجها، متمليًا جمالها ،
ولكن لا يجوز أن تتعارض الأحوال، فلا يقال: حضر القطار سريعًا بطيئًا، ولا وقف الحارس متيقظًا غافلًا، نعم يجوز هذا عند إرادة الوصول إلى معنى واحد يؤخذ من الحالين معًا، ولا يؤديه أحدهما دون الآخر؛ نحو: أكلت الطعام ساخنًا باردًا، أي: معتدلًا في حرارته، ونحو: ركبت السيارة مسرعة بطيئة؛ أي: متوسطة في سرعتها، ومثل: لا تأكل الفاكهة ناضجة فجة، أي: متوسطة النضج، ونحو: اترك الطعام ممتلئًا جائعًا، أي: متوسطًا في الشبع، ونحو: تخير ثيابك واسعة ضيقة، أي: معتدلة السعة، وهكذا.
بالرغم من أن المعنى المقصود لا يتحقق إلا من اللفظين معًا، فإن الإعراب يقتضي أن يكون كل لفظ منهما حالًا.
_________________
(١) ١ انظر رقم ١ من هامش ص ٣٨٧.
[ ٢ / ٣٨٩ ]
السابع: انقسامها بحسب الزمان إلى: مقارنة، ومقدرة ١ "مستقبلة"
فالمقارنة هي التي يتحقق معناها في زمن تحقق معنى عاملها، وحصول مضمونه؛ بحيث لا يتخلف وقوع معنى أحدهما عن الآخر، نحو: "أقبل البريء فرحًا، هذا يسوق السيارة الآن محترسًا" فزمن الفرح، والاحتراس، وهو زمن وقوع معنى الفعلين: أقبل، يسوق ٢.
والمقدرة، أو المستقبلة٣: هي التي يتحقق معناها بعد وقوع معنى عاملها، أي: بعد تحقق معناه بزمن يطول أو يقصر؛ فحصول معنى الحال هنا متأخر عن حصول مضمون عاملها؛ نحو: سيسافر بعض الطلاب غدًا إلى البلاد الغربية؛ موزعين فيها، متدربين في مصانعها، ثم يعودون عاملين في مصانعنا؛ فزمن التوزع والتدرب متأخر عن السفر، الذي هو زمن حصول العامل، ومستقبل بالنسبة له، وكذلك العمل متأخر عن العودة.
وكقوله تعالى في الإنسان: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾، فكلمة "شاكرًا" حال، وزمن وقوعه متأخر حتمًا عن زمن عامله "وهو الفعل: هدى"، وكلمة: "كفورًا" معطوف عليه، وهو حال مثله، وكذلك قوله تعالى للصالحين أهل الجنة: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾، فكل من الأمن والخلود متأخر في زمنه عن زمن الدخول لا محالة ٤
_________________
(١) ١ سيجيء في رقم ٤ من هذا الهامش نوع ثالث يذكره، بعض النحاة، ويعارض فيه آخرون. ٢ ومن أمثلة الحال "المقارنة"، والتي هي جملة، قول الشاعر يصف من نال الولاية ثم تركته: تولاها وليس له عدو وغادرها وليس له صديق فالزمن الذي خلا من الأعداء هو نفسه زمن التولي، والزمن الذي خلا من الأصدقاء هو نفسه زمن المغادرة. ٣ وهي التي أشرنا إليها في رقم ٣ من ص ٣٦٤. ٤ أما النوع الثالث الذي يسميه بعض النحاة: "الحال المحكية"، فحال وقع معناها وتحقق قبل النطق بها؛ نحو: نزل المطر أمس فياضًا، واندفع في طريقه جارفًا، وقد عارض بحق كثرة النحاة في هذا القسم وفي أمثلته بحجة قوية؛ هي أن العبرة إنما تكون بمقارنة الحال وقت تحقق معناها وحين وقوعها ووجودها لزمن العامل وتحقق معناه؛ كالتي هنا، وليست لزمن المتكلم، هذا إلى أن الأمثلة المعروضة "وأشباهها"، وقد جاءت فيها "الأحوال" مشتقات نوعها اسم فاعل، واسم الفاعل حقيقة في الزمن الحالي، عند عدم القرينة التي توجهه لزمن غير الحال، فالتعبير به عن الماضي، يعتبر مجازًا ويسمى: "حكاية حال ماضية". وهذه الحجة صحيحة، وبرغم صحتها لا أهمية للخلاف؛ لأن الغرض المطلوب هو الحكم على مثل تلك "الأحوال" بالصحة والبعد عن الخطأ، وقد ثبت أن ذلك الاستعمال صحيح والأسلوب سليم، فلا أهمية بعد ذلك لأن يمكن الاستعمال الصحيح حقيقًا أو مجازيًا، وإن كانت قلة الأقسام من غير ضرر أمرًا محمودًا.
[ ٢ / ٣٩٠ ]
والحال المقارنة أكثر استعمالًا وورودًا في الكلام، ولا تحتاج إلى قرينة كالتي يحتاج إليها غيرها.
الثامن: انقسامها بحسب التأسيس والتأكيد على مؤسسة ومؤكده، فالمؤسسة، وتسمى المبينة١: هي التي تفيد معنى جديدًا لا يستفاد من الكلام إلا بذكرها، نحو: وقف الأسد في قفصه غاضبًا، ثم هدأ حين رأى حارسه مقبلًا"، فكلمة، "غاضبًا" حال مؤسسة: لأنها أفادت الجملة معنى جديدًا لا يفهم عند حذفها. وكذلك كلمة: "مقبلًا" وأشباههما من الأحوال التي لا يستفاد معناها من سياق الكلام بدون ذكرها.
والمؤكدة: هي التي لا تفيد معنى جديدًا، وإنما تقوي معنى تحتويه الجملة قبل مجيء الحال ٢، ولو حذفت الحال لفهم معناها مما بقي من الجملة، نحو: لا تظلم الناس باغيًا، ولا تتكبر عليهم مستعليًا، "فالبغي"هو الظلم، و"الاستعلاء" هو الكبر، ولو حذف كل من الحالين في المثال "وهما يؤكدان عاملهما" ما نقص المعنى، ولا تغير، ولفهم معناها من بقية الكلام، ومثلهما باقي الأحوال التي يستفاد معناها بغير وجودها.
وقد سبق في مناسبة أخرى ٣ الإشارة إلى المؤكدة، وأنها قد تكون مؤكدة لمضمون الجملة؛ نحو: خليل أبوك عطوفًا، أو مؤكدة لعاملها لفظًا ومعنى؛ نحو: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾، أو معنى فقط: نحو: ﴿ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾؛ لأن البعث يقتضي الحياة، أو مؤكدة لصاحبها؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾، فكلمة: "جميعًا" حال من الفاعل "من"، وهذا الفاعل اسم موصول يفيد العموم، والحال هنا تفيد العموم، وهي مؤكدة له.
_________________
(١) ١ لأنها تبين هيئة صاحبها أما المؤكدة، فلا تبين هيئة كما في ص ٣٦٦ و٣٦٧. ٢ سواء أكان المعنى الذي تؤكده هو معنى عاملها أم معنى صاحبها، أم معنى الجملة التي قبلها كما سبق في ص ٣٦٧ وما بعدها، وله إشارة في ص ٣٩٦. ٣ ص ٣٦٧ وما بعدها.
[ ٢ / ٣٩١ ]
وأشرنا هناك إلى أن الجملة التي تؤكد الحال مضمونها لا بد أن تكون جملة اسمية، طرفاها معرفتان، جامدتان١؛ ولا بد أن تتأخر الحال عنهما معًا، وعن عاملها أيضًا، وأن العامل في هذه الحال محذوف وجوبًا، وكذلك صاحبها. ففي المثال السابق: "خليل أبوك عطوفًا"، يكون التقدير: أحقه، أو: أعرفه، أعلمه، أو نحو ذلك، وهذا التقدير حين يكون المبتدأ كلمة غير ضمير المتكلم، فإن كان ضميرًا للمتكلم وجب اختيار الفعل أو العامل المقدر مناسبًا له، أي: أحقني أعرفني أعلم أني ولا بد أن تكون هذه الحال متأخرة عنه أيضًا.
أما الغرض٢ من التوكيد بالحال فقد يكون بيان اليقين، نحو: أنت الرجل معلومًا، أو الفخر، نحو: أنا فلان بطلًا، أو التعظيم؛ نحو: أنت العالم مهيبًا، أو: التحقير: نحو: هو الجاني مقهورًا؛ أو: التصاغر، نحو: رب أنا عبدك فقيرًا إليك؛ أو التهديد والوعيد، نحو: فلان قاهر للأبطال قادرًا على الفتك بك ٣
التاسع: انقسامها بحسب الإفراد وعدمه إلى: مفردة، وجملة، وشبه جملة، ثم الكلام على ما تحتاج إليه الجملة الحالية من رابط.
_________________
(١) ١ إذا كان في الجملة فعل أو ما يعمل عمله كان عاملًا في الحال: فلا يعتبر العامل مضمرًا، ولا تكون الحال مؤكدة لمضمون الجملة، وقد قلنا في رقم ٣ من هامش ٣٦٦: إن بعض النحاة اشترط الجمود المحض؛ ليخرج: هو الأسد مقدامًا؛ فإنها مؤكدة لعاملها؛ وهو: "الأسد"، لتأوله بالشجاع وليست مؤكدة لمضمون الجملة؛ لأن هذه الحال ليست جامدة محضة، كما يشترط، وقد آثرنا هناك إهمال رأيه، والأخذ بالرأي الذي يكتفي بمجرد الجمود للأسباب التي أوضحناها. ٢ يتبين هذا الغرض بالقرائن المتضمة للكلام. ٣ فيما سبق يقول ابن مالك: وعامل الحال بها قد أكدا في نحو: لا تعث في الأرض مفسدا-١٨ "بها": أي: الحال، ثم قال في الحال المؤكدة لمضمون الجملة: وإن تؤكد جملة فمضمر عاملها ولفظها يؤخر-١٩ أي: أن العامل مضمر "أي: محذوف" إذا كانت الحال مؤكدة للجملة، وأن لفظ الحال يؤخر وجوبًا عن الجملة، وعن عاملها المحذوف، وهو صاحبها.
[ ٢ / ٣٩٢ ]
أ– فالمفردة: ما ليست جملة ولا شبهها، نحو: أشرب الماء صافيًا ١ سر في الطريق حذرًا ٢، ومثل كلمة: "جاهدًا" في قول الشاعر:
ومن يتتبع جاهدًا كل عثرة يجدها، ولا يسلم له الدهر صاحب
ب– وشبه الجملة هو: "الظرف، والجار مع مجروره"، نحو: كنت في الطائرة فأبصرت البيوت الكبيرة فوق الأرض صغيرة، والسفن الضخمة بين الأمواج محتجبة إن دار الآثار في القاهرة مليئة بالنفائس تشكلت الثلوج على الغصون أشكالًا بديعة
ولا بد في شبه الجملة أن يكون تامًا؛ أي: مفيدًا، وإفادته قد تكون بالإضافة، أو بالنعت، أو بالعدد، أو بغير ذلك مما يكون مناسبًا له، ويجعله مقيدًا على الوجه الذي تكرر شرحه من قبل٣ فلا يصح: هذا إبراهيم عنك، ولا هذا إبراهيم اليوم
_________________
(١) ١ ومن الحال المفردة بعض ألفاظ مركبة تركيب مزج سماعًا، "فلا يجوز القياس عليها"، وهي ألفاظ وردت عن العرب مركبة مزجًا، ومبنية: على الأصح على فتح الجزأين في محل نصب، باعتبارها حالًا، ومها: هرب الأعداء شغر بغر، أي: متفرقين، وكذلك شذر مذر، بمعنى: متفرقين أيضًا، ومثل: تركت الصحراء حيث بيث، أي: مبحوثًا عن أهلها، مطلوبًا إخراجهم منها ومثل: فلان جاري بيث بيث، أي: مقاربًا، أو ملاصقًا ومثل: لاقيتهم كفية كفية، أي: مواجهًا وهكذا ويلاحظ أن الجزء الثاني، في كثير من تلك المركبات ونظائرها مثل: بغر، مذر، بيث، إلخ، هو في الرأي الأقوى مجرد لفظ عرضي، أي: صوت ليس له معنى مستقل، ولا كيان ذاتي يستقل به عن الكلمة التي يتبعها، ولا يجلب زيادة معنى. ولا يوصف وحده بإعراب ولا بناء كما سيجيء بالتفصيل في باب النعت ج ٣ م ١١٤ ص ٤٥٢، وإنما يجيء عرضًا بعد الأول، ولهذا يذكر في إعرابه في الصور التي ليست حالًا مركبة أنه "تبع للأول"؛ فهو مفرد وجمعه: "الأتباع" "بفتح الهمزة"، وليس من التوابع الأربعة المشهورة "النعت، التوكيد، العطف، البدل"، ولا يعرب أعرابها ما لم يؤد معنى جديدًا، وإنما يكتفى في إعرابه بأن يقال في غير تلك الصور الحالية المركبة إنه: "تبع للأول"، أو إنه من: "الأتباع"؛ فمثله مثل الثاني من قولهم: "محمد حسن بسن" و"اللص شيطان نيطان" أو عفريت نعفريت ولا شيء في هذه الثواني، وأشباهها داخل "في التوابع الأربعة المذكورة؛ لأنه لا يأتي بمعنى من معانيها، هذا، وتفصيل الكلام على المركب المزجي في جـ ١ م ٢٣ باب أقسام العلم. ٢ قد يجب اقتران الحال المفردة "بالفاء" أو: "ثم" العاطفتين في صورة واحدة هي الصورة الثالثة التي تجيء في ص ٤١٠، والكوفيون يجيزون: "واو العطف" أيضًا كما سيجيء. ٣ في باب الموصول "جـ ١ ص ٣٤٧ م ٢٧"، والمبتدأ والخبر "جـ ١ ص ٤٣١ م ٣٥، وجـ ٢ م ٦٨ ص ١٥٥ و١٧٧"، وفي المواضع السالفة بيان عن شبه الجملة من ناحية تعلقه.
[ ٢ / ٣٩٣ ]
وإذا كانت الحال جملة وستأتي أو شبه جملة، فلا بد أن يكون صاحبها معرفة١ محضة؛ "أي: معرفة لفظًا ومعنى"؛ مثل: وقف جاري يكلمني، فإن لم يكن معرفة خالصة؛ بأن كان معرفة في اللفظ دون المعنى؛ كالمبدوء "بأل الجنسية"، أو كان نكرة مختصة، بسبب نعت أو غيره٢، جاز في الجملة وشبهها أن تكون حالًا، وأن تكون نعتًا؛ نحو: أعرف الطائرات تفوق غيرها في السرعة. وقد عرفنا طائرات سريعة تطوف بالكرة الأرضية في دقائق٣ ونحو: في الجو تهدر الطائرات كقصف الرعود وهذه طائرة كبيرة أمامنا تهدر كالرعد.
ج– والجملة٤ قد تكون اسمية أو فعلية؛ نحو: لازمت البيت والمطر هاطل٥ لازمت البيت، وقد هطل المطر٦ وقد اجتمعت الجملتان في قول الشاعر:
_________________
(١) ١ يصح أن يكون صاحب الحال نكرة في بضعة مواضع تجيء في ص ٤٠٢. عند الكلام عليه. ٢ كما سيجيء البيان في رقم ١ من هامش ص ٤٠٣، وقد سبق بيان النكرة المحضة وغير المحضة بإسهاب، وكذا المعرفة بنوعيها في الجزء الأول، باب النكرة والمعرفة، ص ١٩٤ م ١٧ ويجيء في الجزء الثالث باب النعت م ١١٤ ص ٤٦٠ إشارة له أيضًا. ٣ ومثل قول الشاعر: لنا في الدهر آمال طوال نرجيها، وأعمال قصار ٤ إذا وقعت الجملة حالًا، فإنها تسمى جملة باعتبار أصلها السابق قبل الحالية حين كانت تؤدي فيه معنى مفيدًا مستقلًا، أما بعد وقوعها حالًا، فإنها تؤدي معنى غير مستقل، وهي لذلك لا تسمى جملة ولا كلامًا، شأنها في هذا كشأن الجملة الواقعة خبرًا ونعتًا وغيرها؛ طبقًا للبيان الشامل الذي سبق في ج ١ هامش ص ١٥ م ١، وفي رقم ٣ من هامش ص ٣٧٧ م ٢٧. وإذا وقعت الجملة حالًا أو نعتًا أو موقعًا إعرابيًا آخر، فهي نكرة، وقيل: في حكم النكرة، كما سبق في رقم ٣ من هامش ص ٣٧٥ وقد تردد هذا في كثير من المراجع النحوية، ومنها حاشية ياسين على شرح التوضيح أول باب النكرة والمعرفة حيث قال: "وأما الجمل والأفعال فليست نكرات، وإن حكم لها بحكم النكرات، وما يوجد في عبارة بعضهم أنها نكرات فهو تجوز. وهذا الخلاف لا أهمية له؛ إذ الأهمية في أنها تقع في كل موقع لا يصلح فيه إلا النكرة، كوقوعها خبر "لا" النافية للجنس، ونعتًا للنكرة المحضة. ٥ ومن أمثلة الاسمية أيضًا قول الشاعر: عش عزيزًا، أو مت وأنت كريم بين طعن القنا، وخفق البنود وقولهم: من صحب الأشرار وهو يعلم حالهم كان شقاؤه من نفسه. ٦ ومن أمثلة الفعلية أيضًا ما تضمنه الشطر الثاني من قول شاعرهم: العلم يدرك أقوامًا فيقذهم كالغيث يدرك عيدانًا فيحييها
[ ٢ / ٣٩٤ ]
كأن سواد الليل والفجر ضاحك يلوح ويخفى، أسود يتبسم
ويشترط في الجملة الواقعة حالًا أن تكون خبرية، غير تعجبية "وعلى القول بأن الجملة التعجبية خبرية، فلا تصح الإنشائية بنوعيها١ الطلبي، وغير الطلبي، وأن تكون مجردة من علامة تدل على الاستقبال٢كالسين وسوف، ولن، وأداة الشرط و وأن تكون مشتملة على رابط يربطها بصاحبها ليكون المعنى متصلًا بين الجملتين؛ فيحقق الغرض من مجيء الحال جملة، ولولا الرابط٣ ٢لكانت الجملتان منفصلتين لا صلة بينهما، والكلام مفككًا٤.
والرابط قد يكون واوًا مجردة تسمى: واو٥ الحال، نحو: احترست من الشمس والحرارة شديدة، وقد يكون الضمير٦ وحده؛ نحو: تركت البحر أمواجه
_________________
(١) ١ سبق توضيح المراد من الجملة الإنشائية ملخصًا في رقم ٤ من هامش ص ٢٢٠، وفي ج ١ ص ٢٦٨ م ٧٢. ٢ في هذا الشرط وفي تعليله خلاف، وجدل كلامي أما مثل: لأمدحن المخلص؛ إن حضر وإن غاب حيث وقعت الجملة الشرطية حالًا مع أنها إنشائية، ومشتملة على علامة استقبال؛ وهي حرف الشرط: "إن" فالمسوغ عندهم أنها شرطية لفظًا لا معنى: إذ التقدير: لأمدحته على كل حال. ونشير إلى ما جاء في "المغني"، و"الهمع" خاصًا بأن: "لا" النافية تخلص المضارع للاستقبال إذا سبقته، خلافًا لابن مالك ومن معه محتجًا بإجماع النحاة على صحة "جاء محمد لا يتكلم" مع الإجماع أيضًا على أن الجملة الحالية لا تصدر بعلامة استقبال. وتقول: الرأي الأنسب هو أن "لا" تخلصه للاستقبال عند عدم قرينة تمنع، وقد سجلنا كلام المغني والهمع في ج ١ م ٤ ص ٥٦. ٣ وقد يكون الرابط محذوفًا، كما سيجيء في ص ٤٤١. ٤ يقول ابن مالك في الحال التي تقع جملة من غير تفصيل لأنواعها، ولا بيان لشروطها الكاملة: وموضع الحال تجيء جمله كجاء زيد، وهو نار رحله-٢٠ أي: تجيء الجملة موضع الحال المفردة؛ بمعنى أنها تكون حالًا مثلها مع اختلافهما نوعًا وعرض لها مثالًا جملة اسمية في قوله: "وهو ناو رحلة". ٥ وهي في الوقت نفسه للاستئناف؛ لوجوب دخولها على جملة، كما أنها تفيد الاقتران والمعية، ولكنها لا تسمى اصطلاحًا واو معية انظر رقم ١ من هامش ص ٣٠٦، ومن الأمثلة لذلك أيضًا البيت التالي الذى وصفوه بأنه أبلغ بيت في الوفاء وكتمان السر، وهو: لأخرجن من الدنيا وسركمو بين الجوانح لم يعلم به أحد ٦ إذا كان المبتدأ ضميرًا للمتكلم، والحال جملة فعلية ربطها الضمير جاز في الضمير الرابط أن يكون للمتكلم أو للغائب؛ نحو: أنا الصادق أحب الحق، أو بحب الحق، وكذلك إن كان المبتدأ ضميرًا للمخاطب جاز في الضمير الرابط أن يكون للمخاطب أو للغائب؛ نحو: أنت الصادق تحب الحق، أو يحب الحق، ومراعاة التكلم والخطاب أحسن في الصورتين؟ "كما سبق في ج ١ م ٣٥ ص ٢٤٥ هامشها.
[ ٢ / ٣٩٥ ]
عنيفة، وقد يكون الواو والضمير معًا، نحو: لا أكل الطعام وأنا شبعان، ولا أشرب الماء وهو غير نقي، وكقول الشاعر:
إن الكريم ليخفي عنك عسرته حتى تراه غنيًا وهو مجهود
١
وقد يستغنى عن الرابط أحيانًا كما سيجيء٢.
لكن هناك موضعان تجب فيهما الواو، ومواضع أخرى تمتنع؛ فتجب الواو في الجملة الحالية الخالية من الضمير لفظًا وتقديرًا٣؛ نحو: تيقظت وما طلعت الشمس، وفي الجملة
المضارعية المثبتة، المسبوقة بالحرف: "قد؛ نحو قوله تعالى: ﴿لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ .
والمواضع التي تمتنع فيها الواو هي:
١- أن تكون جملة الحال اسمية واقعة بعد عاطف يعطفها على حال قبلها، نحو: سيجيء المتسابقون مشاة، أو هم راكبون ٤السيارات؛ فلا يصح أن يكون الرابط هنا واو الحال؛ لوجود حرف العطف: "أو" وواو الحال لا تلاقي حرف عطف.
٢- أن تكون جملة الحال مؤكدة لمضمون جملة قبلها٥؛ كالقول عن القرآن هو الحق لا شك فيه، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيه﴾، وليس من اللازم أن تكون جملة الحال المؤكدة اسمية، فقد تكون فعلية أيضًا؛ نحو: هو الحق لا يشك فيه أحد
_________________
(١) ١ وقول الآخر: يخفي العداوة وهي خفية نظر العدو بما أسر يبوح ٢ في ص ٤١١. ٣ ذلك أن الضمير قد يجوز حذفه لفظًا لا تقديرًا إذا عرف من السياق كما سيجيء في "د" ص ٤١١ نحو: ارتفع سعر القمح؛ كعيلة بخمسين قرشًا. أي: كيلة منه. ٤ الأحسن في إعراب مثل هذا المثال: أن تكون: "أو" حرف عطف، والجملة بعدها في محل نصب حال، وهذه الحال المنصوبة معطوفة على "مشاة". ٥ سبق تفصيل الكلام عليها في ص ٣٦٦ و٣٨٣ و٣٩١ و٣٩٦.
[ ٢ / ٣٩٦ ]
أما المؤكدة لعاملها فقد تقترن بالواو؛ نحو: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ .
٣– الجملة الفعلية الماضوية بعد "إلا" التي تفيد الإيجاب "أي: المسبوقة بكلام غير موجب فيكون المعنى بعدها موجبًا؛ نحو: ما تكلم العظيم إلا قال حقًا. ويرى بعض النحاة: أنه يجوز في هذا الموضع الربط بالواو، محتجًا بأمثلة فصيحة متعددة١، وحجته مقبولة، ولكن من يريد الاقتصار على الأعم الأفصح لا يساير هذا الرأي، ويجيز بعض آخر صحة الربط بالواو بشرط أن تقع بعدها "قد" مباشرة٢، وهذا رأي حسن وفيه تيسير.
٤– الجملة الماضوية المعطوفة على حال، بالحرف العاطف: "أو"؛ نحو: أخلص للصديق؛ حضر٣ أو غاب.
_________________
(١) ١ منها قول الشاعر: نعم امرأ هرم؛ لم تعر نائبة إلا وكان لمرتاع بها وزرًا وهنا قال الخضري ما نصه: "وشذ قول الشاعر: نعم امرأ هرم إلخ وقيل: غير شاذ". ا. هـ، كلام الخضري. وجاء في الأشموني ما نصه: "وذهب بعضهم إلى جواز اقترانه بالواو تمسكًا بقوله: نعم امرأ هرم إلخ. وحكم الأول "أي: الفريق صاحب الرأي الأول بشذوذه. ا. هـ. وجاء في التصريح ما نصه عند الكلام على الصور التي تمتنع فيها "واو الحال": الثالثة؛ الماضي التالي "إلا" الإيجابية؛ نحو: "ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون"، فجملة: "كانوا به يستهزئون" حال من الهاء والميم في: "يأتيهم" ولا تقترن بالواو عند ابن مالك. وصرح شارح "اللب" بجواز الواو وتركها فيما إذا كان الماضي تاليًا "إلا كقول الشاعر: نعم امرأ هرم ". ا. هـ. وجاء في الحاشية ما نصه، "قوله: بجواز الواو وتركها جوازها هو القياس على جوازها مع الأمية الواقعة بعد "إلا"؛ نحو: "وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم". ا. هـ. ملاحظة: الجملة الواقعة بعد "إلا" في هذه الآية الكريمة "نعت"، والواو التي في صدرها هي واو زائدة تلتصق بأول الجملة النعتية لتقوى دلالتها على النعت، وتزيد التصاقها بالمنعوت، ويسمونها لذلك "واو اللصوق" طبقًا للبيان الخاص بها المعروض في مكانه الأنسب "باب النعت ج ٣ م ١١٤ ص ٤٦٢. ٢ قال "الصبان" قرب آخر الباب ما نصه: "في الرضي أنهما قد يجتمعان بعد "إلا" نحو: ما لقيته إلا وقد أكرمني". ا. هـ. ٣ الجملة من الفعل: "حضر"، وفاعله في محل نصب حال من الصديق، وبعدها: "أو" فلا يجوز أن يكون الرابط في الجملة السابقة الواو؛ لأن الكلام العربي خال من الواو في مثل هذا الأسلوب، أما التعليلات الأخرى للمنع فمردودة.
[ ٢ / ٣٩٧ ]
٥– الجملة المضارعية المسبوقة بحرف النفي: "لا"؛ نحو: ما أنتم؟ لا تعملون١. وقول الشاعر:
فلا مرحبًا بالدار لا تسكنونها ولو أنها الفردوس أو جنة الخلد
ومن القليل الذي لا يقاس عليه أن تقع الواو رابطة في الجملة الفعلية مضارعية، أو ماضوية إذا كانت مسبوقة بالحرف النافي "لا".
٦– الجملة المضارعية المسبوقة بحرف النفي: "ما"٢؛ نحو: عرفتك ما تحب العبث، وعهدتك ما تسعى للإيذاء.
٧– الجملة المضارعية المثبتة المجردة من "قد"؛ نحو: شهدت الطالب الحريص يسرع إلى المحاضرة، يتفرغ لها، وقد وردت أمثلة مسموعة من هذا النوع، وكان الرابط فيها الواو، منها قولهم: قمت وأصك عين العدو، ومنها:
فلما خشيت أظافيرهم نجوت، وأرهنهم مالكا
ومنها:
"علقتها"٣ عرضًا وأقتل قومها" وأمثلة أخرى.
وقد تأول النحاة هذه الأمثلة ليدخلوها في نطاق القاعدة، ويخرجوها في مجال الشذوذ، ولا داعي لهذا التأول٤ الذي لم يعرفه، ولم يقصد إليه الناطقون بتلك
_________________
(١) ١ مثل هذا التركيب يتضح معناه، ويزول ما قد يكون فيه من غموض إذا عرفنا أن "لا" النافية تقدر فيه بكلمة: "غير" المنصوبة على الحال، المضافة، وأن المضارع بعدها يقدر اسم فاعل، هو: "المضاف إليه"، أي: ما أنتم غير عاملين؟ أي: ما أنتم وما أمركم في الحالة التي لا تعملون فيها؟ وهو مثل الآية الكريمة: ﴿وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ التقدير: ما لنا غير مؤمنين؟ ما أمرنا، وما شأننا في الحالة التي تكون فيها غير مؤمنين؟ ٢ "إن": النافية، مثل: "ما" فيقال في حرف النفي: "ما" وفي المضارع بعده ما قيل في سابقه مما هو مدون قبل هذا مباشرة في رقم١. ٣ أحببتها. ٤ قالوا من التأويل: إن الواو واو الحال حقيقة، ولكنها لم تدخل على الجملة المضارعية مباشرة،=
[ ٢ / ٣٩٨ ]
الأمثلة، والخير أن نحكم عليها بما تستحقه من القلة والندرة التي لا تحاكى، ولا يقاس عليها.
في غير هذه المواضع التي تمتنع فيها الواو يكون الربط بالواو وحدها، أو بالضمير وحده، أو بهما معًا، وقد سبقت الأمثلة لكل هذا١.
وإذا كانت جملة الحال ماضوية مثبتة وفعلها متصرف، ورابطها الواو وحدها وجب مجيء "قد" بعد الواو مباشرة٢؛ نحو: انصرفت وقد انتهى ميعاد العمل،
_________________
(١) = وإنما دخلت على مبتدأ محذوف؛ خبره الجملة المضارعية المذكورة بعده، والجملة من المبتدأ وخبره في محل نصب حال، فالحال هو الجملة الاسمية لا الفعلية، والواو داخلة على جملة اسمية عندهم. فما الداعي لهذا؟ إن كان دخول الواو على الجملة المضارعية المثبتة المجردة من "قد" غير مقبول، وغير صحيح وجب التصريح بهذا، والحكم على ما يخالفه بأنه سماعي؛ يحفظ ولا يقاس عليه، وإن كان دخول الواو صحيحًا وجب التصريح بهذا أيضًا من غير تأويل، وإن كان التأويل يبيح الممنوع وجب السماع بالواو لكل من شاء، ومن أراد بعد ذلك أن يحمل نفسه مشقة التأويل، فهو حر فيما يرتضيه لها. ولا شك أن التأول على هذه الصورة لا خير فيه، وأن الخير في منع الواو في مثل هذا المواضع. ١ اقتصر ابن مالك على حالة واحدة من الحالات التي تمتنع فيها الواو، سجلها بقوله: وذات بدء بمضارع ثبت حوت ضميرًا، ومن الواو خلت-٢١ يريد: أن الجملة المضارعية المثبتة الواقعة حالًا تحوي الضمير الرابط، وتخلو من الواو المستعملة في الربط؛ لأن هذه الواو لا تصلح للربط هنا، ثم بين أن الجملة المضارعية الحالية المسبوقة بالواو ينوى ويقدر لها بعد هذه الواو مبتدأ محذوف، خبره الجملة المضارعية؛ فتكون مسندة له، يقول: وذات واو بعدها انوا مبتدا له المضارع اجعلن مسندا-٢٢ وما عدا هذه الحالة التي اقتصر عليها يجوز فيها الربط بالواو فقط، أو بالضمير فقط، أو بهما معًا؛ فيقول: وجملة الحال سوى ما قدما بواو، أو بمضمر، أو بهما-٢٣ ٢ لتقرب زمنها من الحال، وهذا هو الرأي المختار، ويرى فريق آخر من النحاة لزوم: "قد" مع الماضي لكن يقول "أبو حيان" ما نصه: "الصحيح جواز وقوع الماضي حالًا بدون "قد"، ولا يحتاج لتقديرها؛ للكثرة. ورد ذلك، وتأويل الكثير، ضعيف جدًا؛ لأنا إنما تبني المقاييس العربية على وجود الكثرة. ا. هـ، راجع "الهمع" ج ١ ص ٢٤٧ آخر باب الحال. وهذا الرأي حسن، وفي الأخذ به تيسير تؤيده النصوص الكثيرة المسموعة كما يقول أبو حيان، ومن وافقه ومن تلك النصوص قوله تعالى: ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾، وقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾، وآخر الشطر الثاني من قول الشاعر: وإني لتعروني لذكراك هزة كما انتفض العصفور بلله القطر هذا، ولا تدخل "قد" على الجملة الماضوية التي فعلها جامد؛ كأفعال الاستثناء "ليس، خلا، عدا، حاشًا" كما سبق في رقم ٣ من هامش ص ٣٥٤.
[ ٢ / ٣٩٩ ]
كان الرابط هو الضمير وحده، أو الواو أو الضمير معًا فالأحسن مجيء "قد".
وتمتنع "قد" مع الماضي الممتنع ربطه بالواو، وقد سبق بيانه كالماضي التالي "إلا" الاستثنائية التي تفيد الإيجاب عند من يمنع ربطه بالواو١، أو الذي بعده: "أو".
العاشر: انقسامها باعتبار جريانها على صاحبها أو عدم جريانها إلى قسمين؛ حقيقية وسببية٢.
فالحقيقية: هي التي تبين هيئة صاحبها مباشرة؛ كالأمثلة التي مرت في أكثر الموضوعات السالفة، ومثل: فزع العصفور من المطر مبتلًا، فكلمة "مبتلًا" حال. تبين هيئة صاحبها نفسه؛ وهو: "العصفور" وقت فزعه، ولا تبين هيئة شيء آخر غير العصفور نفسه، كعشه، أو شجرته، أو صاحبه، أو طيور أخرى ومثل: وقف المصلي خاشعًا، فكلمة: "خاشعًا" حال تبين هيئة صاحبها مباشرة؛ وهو: المصلي، ولا شأن لها بغيره
ولا بد أن تطابق الحال الحقيقية٣ صاحبها في التذكير، والتأنيث والإفراد، والتثنية والجمع.
والسببية: هي التي تبين هيئة شيء له اتصال وعلاقة بصاحبها الحقيقي، أي علاقة، دون أن تبين هيئة صاحبها الحقيقي مباشرة؛ مثل: فزع العصفور من
_________________
(١) ١ انظر ما يختص بهذا في رقم ٢٣ من هامش ص ٣٩٧. ٢ وهذا الموضوع هو الذي سبقت له الإشارة العابرة في رقم١ من هامش ص ٣٨٦، وتفصيل الكلام على صاحب الحال يجيء في ص ٤٠٢. ٣ ما لم يمنع من وجوب المطابقة مانع لغوي، مما سيجيء في موضعه ص ٤٠٦؛ "ولمطابقة الحال لصاحبها موضوع مستقل؛ في ص ٤٠٦".
[ ٢ / ٤٠٠ ]
المطر مبتلًا عشه، ومثل: وقف المصلي خاشعًا قلبه، فكلمة: "مبتلًا" حال، كما كانت، وصاحبها هو: "العصفور" كما كان، أيضًا، ولكن الحال هنا لا تبين هيئة صاحبها الحقيقي: "العصفور"، وإنما تبين هيئة: "العش"، وللعش صلة وعلاقة بصاحبها؛ فهو مسكن العصفور ومأواه.
كذلك المثال الثاني، فكلمة: "خاشعًا" حال، وصاحبها الحقيقي هو: المصلي. ولكنها لا تبين هيئته، وإنما تبين شيئًا له صلة وعلاقة به؛ هو قلبه؛ فإن قلبه جزء منه.
ومن أمثلة السببية: كتبت الصفحة مستقيمة خطوطها، سمعت المغنية عذبًا صوتها، وسمعت القارئ واضحة نبراته.
ولا بد في الحال السببية أن ترفع اسمًا ظاهرًا مضافًا لضمير يعود على صاحب الحال كالأمثلة السالفة، وأن تكون مطابقة لهذا الاسم المرفوع بها، في التذكير والتأنيث، والإفراد، دون التثنية والجمع، إذا الأحسن أن تلتزم معها الإفراد؛ نحو: سكنت البيت جيدًا هواؤه، واسعة غرفه، جميلًا مدخلاه، نظيفة مسالكه ١
_________________
(١) ١ وكما في "ب" من ص ٤٠٧.
[ ٢ / ٤٠١ ]
المسألة ٨٥:
صاحب الحال:
عرفنا١ أن الحال قد تبين هيئة الفاعل في مثل: ينفع الصانع متقنًا، أو هيئة المفعول به في مثل: يحترم الناس العامل مخلصًا٢ أو هيئة الفاعل والمفعول به معًا في نحو: استقبل الأخ أخاه مسرورين، أو هيئة المبتدأ٣ في نحو: "الصحف، ماجنة، ضارة" أو غير ذلك مما تبين الحال هيئته؛ كالمضاف والمضاف إليه٤ وهذا الذي تبين الحال هيئته يسمى: صاحب الحال؛ كالذي في الأمثلة السالفة: "الصانع، العامل، الأخ، أخاه، الصحف
والأكثر في صاحب الحال أن يكون معرفة، وقد يكون نكرة بمسوغ من المسوغات الآتية:
١– أن تكون النكرة متأخرة والحال متقدمة عليها؛ نحو:
"يمشي، حزينًا، مدين"، "يدعو، متألمًا، مظلوم"٥.
_________________
(١) ١ في ص ٣٦٣ م ٨٤. ٢ وفي مثل قول الشاعر حيث المفعول به ضميرًا لجماعة الذكور، والحال جملة اسمية: وتفقدهم عيني، وهم في سوادها ويشتقاهم قلبي وهم بين أضلعي ٣ مجيء الحال من المبتدأ صحيح، "طبقًا للبيان المدون في رقم ٢ من هامش ص ٣٦٤ ورقم ٣ من هامش ص ٣٨٠". ٤ لمجيء الحال من المضاف إليه شروط ذكرناها في ص ٤٠٤. ٥ من الجائز أن يكون أصل الجملتين السالفتين هو: يمشي مدين حزين، يدعو مظلوم متألم ومن المقرر أن نعت النكرة إذا تقدم عليها أعرب حالًا؛ كالمثالين المذكورين، ما لم يمنع مانع من إعرابه حالًا؛ ذلك أن المنعوت النكرة قد يكون أحيانًا كالمنعوت المعرفة، من جهة أن النعت المتقدم عليه يعرب على حسب العوامل، والمنعوت المتأخر يعرب بدلًا منه أو عطف بيان، نحو: مررت بقائم رجل، واستمعت إلى خطيب غلام وأصلهما قبل التقديم: مررت برجل قائم، استمعت إلى غلام خطيب، ومما تقدم نعلم أن نصب نعت النكرة المتقدم عليه باعتباره حالًا هو أمر غالب، لا واجب على الأصح؛ لتخرج الصور السالفة، ويخرج النعت في مثل: جاءني رجل أحمر، ونحوه مما ليس منتقلًا؛ لأنه من الصفات الثابتة "راجع جـ ٣ من حاشية الصبان آخر باب النعت". ولهذا إشارة في جـ ٣ م ١١٥ باب النعت عند الكلام على تقدم النعت على المنعوت، ص ٤٨١.
[ ٢ / ٤٠٢ ]
٢- أن تكون النكرة متخصصة١؛ إما بنعت بعدها؛ نحو: أشفقت على طفلة صغيرة تائهة، وإما بإضافة؛ نحو: حافظ على أثاث الغرفة منسقًا، وإما بعمل؛ نحو: أفرح بناظم شعرًا مبتدئًا، وإما بعطف معرفة عليها، نحو: ذهب فريق ومحمود مسرعين.
٣– أن تكون النكرة مسبوقة بنفي، أو شبهة "وهو هنا: النهي والاستفهام"؛ نحو: ما خاب عامل مخلصًا، لا تشرب في كوب مكسورًا، هل ترضى عن أم قاسيًا قلبها؟.
٤– أن تكون الحال جملة مقرونة بالواو؛ نحو: استقبلت صديقًا وهو راجع من سفر ٢
٥– أن تكون الحال جامدة، نحو: هذا خاتم ذهبًا٣.
وقد وردت أمثلة مسموعة من فصحاء العرب وقع فيها صاحب الحال نكرة بغير مسوغ؛ منها: صلى رجال قيامًا، ومنها: فلان يستعين بمائة أبطالًا
وللنحاة في هذا المسموع كلام وجدل، والذي يعنينا أن فريقًا منهم يبيح مجيء صاحب الحال نكرة بغير مسوغ٤ وفريقًا آخر٥ يمنعه، ويقصره على السماع، ويؤول الأمثلة القديمة، أو يحكم عليها بالشذوذ الذي لا يصح القياس عليه، وفي الأخذ بالرأي الأول توسعه ومحاكاة نافعة، ولكن يحسن ألا نسارع إليه قدر الاستطاعة، ذلك
_________________
(١) ١ ولهذا يصح أن تكون الجملة وشبهها بعد النكرة المتخصصة حالًا إذا لاحظنا تخصصها، كما سبق في ص ٣٩٤ عند الكلام على الحكم التاسع، ويصح أن تكون نعتًا إذا لم نلاحظه، وقد أوضحنا هذا في مواضع متعددة؛ منها: باب النكرة والمعرفة في الجزء الأول، م ١٧ ص ١٩٤. ٢ وقول الشاعر: ولا خير في عيش امرئ وهو خامل وذكر الفتى بالخير عمر مجدد ٣ في هذا المثال حين يكون صاحب الحال نكرة، وفرعًا من الحال يرتضي النحاة إعراب الأصل تمييزًا. ٤ من هؤلاء سيبويه، وحجته: أن الحال جاءت لتقييد العامل؛ فلا معنى لاشتراط المسوغ، وهذه الحجة يؤديها ويقويها السماع الذي يكفي للقياس عليه. ٥ كالخليل ويونس.
[ ٢ / ٤٠٣ ]
أن صاحب الحال النكرة بغير مسوغ قليل في فصيح الكلام المأثور، نعم هذه القلة ليست مطلقة؛ وإنما هي نسبية "أي: بالنسبة لصاحب الحال المعرفة أو النكرة المختصة"١ لكن هذا لا يمنعنا أن نختار الأكثر استعمالًا في المأثور الفصيح، وإن كان غيره مقبولًا٢.
صاحب الحال الحال إذا كان مضافًا إليه:
يصح أن يكون صاحب الحال مضافًا إليه، نحو: تمتعت بجمال الحديقة واسعة، ونعمت برائحة الزهر متفتحًا ناضرًا، وأكلت نادر الفاكهة ناضجة، ويشرط أكثر النحاة٣ في صاحب الحال إذا كان مضافًا إليه أن يكون المضاف:
أ– إما جزءًا حقيقيًا من المضاف إليه؛ نحو: أعجبتني أسنان الرجل نظيفًا، وراقتني أظفاره باسطًا أنامله، "فالأسنان" مضاف وهي جزء حقيقي من المضاف إليه؛ أي: من صاحب الحال؛ "وهو: الرجل" و"الأظفار" مضاف، وهي جزء حقيقي من المضاف إليه صاحب الحال؛ "وهو: الضمير العائد: على الرجل، ويعتبر في حكم الرجل"، ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا﴾؛ فكلمة: "إخوانًا" حال من الضمير: "هم" المضاف إليه، والمضاف بعض حقيقي منه.
ومن الأمثلة قوله تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾، فكلمة: "ميتًا" حال من المضاف إليه "وهو: أخ"، والمضاف "وهو: لحم" بعض منه.
_________________
(١) ١ فهي قلة نسبية "كالتي شرحناها في رقم ٢ من هامش ص ٣٦٨ و٤٥٦ والبيان في ج٣ رقم١ من هامش ص ٧٤ م ٩٤. ٢ وفي صاحب الحال النكرة يقول ابن مالك: ولم ينكر –غالبًا– ذو الحال إن لم يتأخر، أو يخصص، أو يبن:-٧ من بعد نفي، أو مضاهية: كلا يبغ امرؤ على امرئ مستسهلا-٨ يريد: أن الغالب على صاحب الحال ألا يكون نكرة، إلا إذا تأخر عنها صاحب الحال، أو: خصص أو: بأن "أي: ظهر" بعد نفي، أو ما يضاهي النفي "يشابهه، وهو هنا: النهي والاستفهام"، وساق مثالًا هو: لا يبغ امرؤ على امرئ مستسهلًا، والمسوغ فيه النهي. ٣ ويخالفهم سيبويه بحق، وإن كان رأيه –مع صحته– ليس الأفصح فيما اشترطوه كما، سيجيء البيان في رقم٣ من هامش الصفحة التالية: "٤٠٥".
[ ٢ / ٤٠٤ ]
ب– وإما بمنزلة الجزء الحقيقي "حيث يصح حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه؛ فلا يتغير المعنى العام" كما في الأمثلة الأولى: "تمتعت بجمال الحديقة واسعة، ونعمت برائحة الزهر، متفتحًا ناضرًا و "، فيصح أن يقال: تمتعت بالحديقة واسعة، ونعمت بالزهر متفتحًا و ومن هذا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾؛ حيث يصح: أن اتبع إبراهيم حنيفًا
جـ– وإما عاملًا في المضاف إليه، كأن يكون المضاف مصدرًا عاملًا فيه؛ نحو: عند الله تقدير العاملين مسرورين، ونحو: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ ١، أو أن يكون وصفًا عاملًا فيه٢، نحو: هذا رافع الراية عالية في الغد٣ ٤
_________________
(١) ١ "مرجع"، مصدر ميمي، أي: رجوعكم. ٢ كاسمي الفاعل والمفعول بالشروط الواجبة لإعمالهما، ومنها: أن يكونا بمعنى الحال أو الاستقبال و ٣ جاء في "الخضري" في هذا الموضع خاصًا بالأمور الثلاثة ما نصه: "وإنما اشترط أحد الأمور الثلاثة أ، ب، ج لوجوب اتحاد عامل الحال وصاحبها عند الجمهور: كالنعت والمنعوت، وصاحبها إذا كان مضافًا إليه هو معمول للمضاف، وهو أي: المضاف لا يعمل في الحال إلا إذا أشبه الفعل: بأن كان مصدرًا، أو صفة "أي: وصفًا مشتقًا"، وحينئذ فالقاعدة موفاة، فإن كان المضاف جزءًا أو كالجزء من المضاف إليه، صار هو كأنه صاحب الحال؛ لشدة اتصال الجزء بكله؛ فيصح توجه عامله للحال، بخلاف غير ذلك. وذهب سيبويه إلى جواز اختلاف الحال وصاحبها في العامل؛ لأنه أشبه بالخبر من النعت، وعامل الخبر غير عامل صاحبه، وهو: المبتدأ على الصحيح. ومقتضى ذلك صحة مجيئه من المضاف إليه مطلقًا، ليحرر، ثم رأيت في الصبان التصريح به". ا. هـ. انظر البيان المفيد المتصل بهذا في رقم٢ من هامش ص٣٦٤. ٤ وفي مجيء الحال من المضاف إليه بقول ابن مالك: ولا تجز حالًا من المضاف له إلا إذا اقتضى المضاف عمله-١٠ أي: إلا إذا استوفى المضاف عمله في الحال، وهذا يدل على اشتراط أن يكون المضاف مما يعمل. أو كان جزء ما له أضيفا أو مثل جزئه؛ فلا تحيفا-١١ يريد: أن الحال يجيء من المضاف إليه إذا كان المضاف جزءًا مما أضيف إليه، "أي: إذا كان المضاف جزءًا من المضاف إليه"، أو مثل الجزء كما شرحناه، أما قوله: "فلا تحيفا"، فأصله: تحيفن، بنون التوكيد الخفيفة التي تنقلب ألفًا عند الوقف، والجملة معناها: لا تظلم نفسك، أو اللغة بمخالفة هذا، وهو حشو لم يذكر إلا لتكملة البيت.
[ ٢ / ٤٠٥ ]
مطابقة الحال بنوعيها ١ لصاحبها:
أ– الأصل أن تطابق الحال "الحقيقية" صاحبها وجوبًا في التذكير والتأنيث، وفي الإفراد وفروعه، كالأمثلة السالفة٢، لكن يستثنى من هذا الأصل بعض حالات لها أحكام أخرى تتلخص فيما يلي:
١– إذا كان صاحب الحال الحقيقية جمعًا مفردة مذكر لغير العاقل٣، جاز في الحال أن تكون مفردة مؤنثة، وجمع مؤنث سالمًا، وجمع تكسير٤؛ نحو: سرتني الكتب نافعة، أو: نافعات، أو: نوافع.
٢– إذا كان لفظ الحال الحقيقية من الألفاظ التي يغلب استعمالها بصورة واحدة للمذكر والمؤنث ككلمة: صبور، بقي على صورته؛ نحو: عرفت المؤمن صبورًا عند الشدائد، وعرفت المؤمنة صبورًا كذلك٥.
٣– إذا كان لفظ الحال الحقيقية أفعل التفضيل المجرد من "أل" والإضافة، أو المضاف إلى نكرة، لزم الإفراد والتذكير على الأرجح، كما سيجيء في بابه٦ نحو: عرفت العصامي أنشط وأنفع، أو: أنشط عامل، وأنفع رجل.
_________________
(١) ١ انظر ص٤٠٠ حيث الكلام: على الحال "الحقيقية"، وعلى قسيمتها: "السببية". ٢ ومن أمثلة المطابقة في الجمع مع التذكير كلمة: "سالمين" في قول الشاعر يدعو لمن يخاطبهم: بقيتم، وعشتم سالمين من الأذى ومنية قلبي أن تعيشوا وتسلموا ٣ يدخل في هذا الجمع نوعان، أحدهما: جمع التكسير الذي مفرده مذكر غير عاقل، والآخر: ما ألحق بجمع المذكر السالم، وكان مفرده مذكرًا غير عاقل أيضًا: مثل: "وابلون"، جمع: وابل؛ للمطر الغزير، و"عليون"، جمع: علي؛ للمكان المرتفع، ولا يدخل جمع المذكر السالم الأصيل؛ لأن مفرده -في الأغلب– مذكر عاقل. ٤ يصح في جمع التكسير هذا أن يكون للمؤنث، وأن يكون للمذكر، بملاحظة مفرد، المذكر غير العاقل مثل قرأت الكتب نوافع، سرتني الكتب أحاسن "جمع: أحسن"، "راجع رقم ١ من هامش ص ٣٦٢ م ١١٤ جـ ٣ ثم حاشية ياسين جـ ٢ أول باب النعت حيث النص الشامل. ٥ لهذه الصورة فروع تتضح من نظائرها في النعت جـ ٣ ص ٣٣٧. ٦ جـ ٣ م ١١٢ ص ٣٢٧ و٣٣٨.
[ ٢ / ٤٠٦ ]
٤– إذا كانت الحال الحقيقية مصدرًا فإنه يلازم صورة واحدة؛ نحو: حضر القطار سرعة، وإذا اشتهر المصدر صح تثنيته وجمعه كالنعت؛ نحو: عرفت الوالي عدلًا، والواليين عدلين، والولاة عدولًا.
٥– إذا كانت الحال كلمة: "أي"١ فإنها –في الغالب– تقع حالًا من معرفة مع إضافتها إلى نكرة؛ نحو: استعمت إلى علي أي خطيب.
ب– أما الحال "السببية"، فتطابق الاسم المرفوع بها –وجوبًا– في التذكير والتأنيث والإفراد، دون التثنية والجمع، إذ الأحسن أن تلتزم معهما الإفراد كما سبق٢ نحو: سكنت البيت جيدًا هواؤه، واسعة غرفه، جميلًا مداخله، نظيفة مسالكه.
_________________
(١) ١ الكلام على: "أي" وأنواعها، وأحكامها المختلفة، مفرق في أجزاء الكتاب المختلفة على حسب الأبواب التي تستعمل فيها؛ كصفحة٢١٦ السابقة، والصفحة ٢٦٢ م ٢٦ جـ١ باب الموصول، وكبابي الإضافة والنعت في جـ٣. ٢ انظر ص٤٠١.
[ ٢ / ٤٠٧ ]
المسألة ٨٦:
حكم الحال، وعاملها، وصاحبها، ورابطها، من ناحية الذكر والحذف.
أ– الأصل في الحال أن تكون مذكورة؛ لتؤدي مهمتهما المعنوية؛ وهي بيان هيئة الفاعل، أو المفعول به، أو غيرهما، مما سبق تفصيله١ لهذا يجب ذكرها في كثير من المواضع، ويجوز حذفها في أخرى.
فمن المواضع التي يجب أن تذكر فيها ما يأتي:
١– أن تكون محصورة؛ نحو: ما أحب العالم إلا نافعًا بعلمه.
٢– أن تكون نائبة عن عاملها المحذوف سماعًا؛ نحو: هنيئًا لك٢، بمعنى: ثبت لك الخير هنيئًَا، أو: هناك الأمر هنيئًا٣، أو نحو هذا التقدير الدال على الدعاء بالهناءة.
٣– أن يتوقف على ذكرها المعنى المراد، أو يفسد يحذفها كما أشرنا أول الباب٤؛ فالأول نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾، والثاني نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾ .
ومن هذا الموضع أن تكون سادة مسد الخبر٥ في مثل: سهري على المزرعة نافعة.
٤– أن تكون جوابًا، مثل: كيف حضرت؟ فيجاب: راكبًا.
ويجوز حذف الحال إذا دل عليها دليل، وأكثر حذفها حين يكون لفظها مشتقًا من مادة "القول"، ويكون الدليل عليها بعد الحذف هو: "المقول"٦؛
_________________
(١) ١ في ص ٣٦٣. ٢ ونحو قولهم: "هنيئًا لأرباب البيان بينهم ". ٣ ستجيء إشارة لهذا في ص٤١١، والحال في هذا المثال مؤكدة لعاملها كنظائرها التي سبقت: في ص ٣٦٧ و و ومنها: ولا تعث في الأرض مفسدًا: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولا﴾، ﴿وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ . ٤ ص ٣٦٤. ٥ في جـ ١ ص ٣٨٥ م ٣٩ تفصيل الكلام على الحال التي تسد مسد الخبر. ٦ الشيء الذي قيل.
[ ٢ / ٤٠٨ ]
نحو جلست في حجرتي، فإذا صديقي الغائب يدخل: "السلام عليكم"، أي: يدخل قائلًا: السلام عليكم، فكلمة: "قائلًا" هي الحال المحذوفة، وهي مشتقة من مادة: "القول"، وقد دل عليها الكلام الذي قيل؛ وهو: "السلام عليكم".
ومثل: هل دار بينك وبين المسافر كلام؟ نعم، لما قابلني في الصباح حياني: "صباح الخير"، وحدثني عن رحلته المنتظرة: ثم أسرع إلى القطار بعد أن صافحني ومد يده: "الوداع"، أي: قائلًا صباح الخير؛ قائلًا: الوداع.
ومن هذا قوله تعالى في أهل الجنة: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾، أي: قائلين: سلام عليكم، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾، أي: قائلين ربنا تقبل منا.
ب– والأصل في عامل الحال –وغيرها– أن يكون مذكورًا؛ ليحقق غرضًا معينًا، وهو: إيجاد معنى جديد، أو تقوية معنى وجود، وقد يحذف جوازًا أو وجوبًا؛ لدواع تقتضى الحذف، أي: أن عامل الحال قد يذكر وجوبًا، وقد يحذف وجوبًا، وقد يجوز ذكره وحذفه.
فيجب ذكره إن كان عاملًا معنويًا "وقد سبق شرحه"١ كأسماء الإشارة؛ وحروف التنبيه، والتمني؛ وكشبه الجملة و و
ويجوز حذفه إذا كان عاملًا غير معنوي، ودال عليه دليل مقالي٢، أو حالي فمثال المقالي أن يقال: أتستطيع الصعود إلى قمة الجبل؟ فيجيب المسؤول: مسرعًا، أي: أصعد مسرعًا –أتعتني بخط رسائلك؟ فيجاب: واضحًا جميلًا أي: أعتني به واضحًا جميلًا.
ومثال الحالي: أن ترى مسافرًا فتقول له: "سالمًا"، أي: سافر سالمًا،
_________________
(١) ١ ص ٣٨٢. ٢ سبق في رقم١ من هامش ص ٥٦ م ٦٣، وفي ج ١ ص ٣٦٢ م ٤٧ أن الدليل المقالي هو: ما يكون قائمًا على كلام مذكور صريح، وأن الدليل الحالي، هو: ما يكون أساسه القرائن والمناسبات المحيطة بالمتكلم من غير استعانة بكلام أو ألفاظ
[ ٢ / ٤٠٩ ]
وأن ترى من يشرب الدواء، فتقول: "شافيًا"، أي: تشرب الدواء شافيًا، وأن تقول لمن يبني بيتًا: "معمورًا"، أي: تبني البيت معمورًا، أو تسكن البيت معمورًا.
ويجب حذفه في مواضع، أهمها:
١– أن تكون الحال سادة مسد الخبر١، نحو: إنشادي القصيدة محفوظة، فكلمة: "محفوظة" حال سدت مسد خبر المبتدأ المحذوف وجوبًا؛ والأصل: إنشادي القصيدة إذ كانت، أو: إذا كانت محفوظة.
٢– أن تكون الحال مفردة مؤكدة مضمون جملة٢ قبلها نحو: الجد أب راحمًا.
٣– أن تكون الحال مفردة دالة بلفظها على زيادة تدريجية، أو نقص تدريجي نحو: تصدق على المحتاج بدرهم؛ فصاعدًا لا تتعرض للشمس عند شروقها إلا عشرين دقيقة؛ فنازلًا فكلمة: "صاعدًا" حال، وعاملها وصاحبها محذوفان. والتقدير: فاذهب بالعدد صاعدًا.
والجملة المحذوفة هنا إنشائية، معطوفة بالفاء على نظيرتها الفعلية الإنشائية٣، وكلمة: "نازلًا" حال، وعاملها وصاحبها محذوفان: والجملة منهما إنشائية معطوفة بالفاء على نظيرتها، ولا بد من من اقتران هذه الحال المفردة "بالفاء" العاطفة، أو"ثم" العاطفة٤.
ومن الأمثلة التي تحوي الحالين: "صاعدًا ونازلًا": تدرب على الحفظ خمسة أسطر، فستة، فسبعة، فصاعدًا، لا تتناول في اليوم أكثر من ثلاث وجبات؛ فنازلًا
٤– أن تكون الحال مسبوقة باستفهام يراد به التوبيخ؛ نحو: أنائمًا وقد أشرقت الشمس؟ أعاطلًا والعمل يطلبك؟ أسفيهًا وهو كريم النشأة؟ أي:
_________________
(١) ١ سبق إيضاحها وتفصيل الكلام عليها في ج ١ ص ٣٨٥ م ٣٩ آخر باب المبتدأ والخبر. ٢ ورد ذكرها في مواضع، منها: "ص ٣٦٦ و٣٩١ و٣٩٦". ٣ ليس من اللازم أن تكون الجملتان إنشائيتين، إنما الأحسن في رأي جمهرة النحاة اتحادهما خبرًا أو إنشاء. ٤ كما أشرنا في رقم ٢ من هامش ص ٣٩٣، والكوفيون يجيزون واو العطف أيضًا، "كما جاء في مجالس ثعلب، ج ٤ ص ٢١٥ من القسم الأول".
[ ٢ / ٤١٠ ]
أتوجد نائمًا؟ أتوجد عاطلًا؟ أيوجد سفيهًا؟
٥– عوامل حذفت سماعًا، من ذلك قولهم لمن ظفر بشيء؛ هنيئًا لك ما أدركت، أي: ثبت هنيئًا١.
والحذف في المواضع الأربعة الأولى قياسي٢.
جـ والأصل في صاحب الحال أن يكون مذكورًا في الكلام: لتتحقق الفائدة من ذكره، وقد يحذف جوازًا في مثل قوله تعالى: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾، أي: بعثه الله.
ويجب حذفه في الصورة التي يحذف فيها عامله وجوبًا حين تؤكد الحال مضمون جملة قبلها، على الوجه الذي سبق٣ شرحه، وكذلك يجب حذفه مع عامله حين تدل الحال على زيادة تدريجية، أو نقص تدريجي وهي الصورة الثالثة من الصور التي في الصفحة المتقدمة.
د– والأصل في الرابط أن يكون مذكورًا؛ ليعقد الصلة المعنوية بين جملة الحال والجملة التي قبلها المشتملة على صاحب الحال، فيمنع التفكك، لكن يجوز حذف الرابط لفظًا، لا تقديرًا٤، إذا كان ضميرًا مفهومًا من السياق، نحو: ارتفع سعر القمح، كيلة بخمسين قرشًا، أي؛ كيلة منه
وكذلك يصح حذفه إن كان الحال جملة خالية من الرابط لكن عطف عليها
_________________
(١) ١ سائغًا مقبولًا، والفعل هنئ، "وقد سبقت الإشارة لهذا في رقم ٢ ص ٤٠٨". ٢ وفي حذف العامل يقول ابن مالك: والحال قد يحذف ما فيها عمل وبعض ما يحذف، ذكره حظل-٢٤ يريد: أن الحال قد يحذف ما يعمل فيها النصب "أي: يحذف عاملها"، وأن بعض ما يحذف من هذه العوامل محظول ذكره، أي: ممنوع "حظل: منع"؛ لأنه واجب الحذف. ٣ ص ٣٦٦ و٣٨٣ و٣٩١ و٣٩٦. ٤ كما سبق في ٣٦٦ و٣٨٨ و٣٩١ و٣٩٦.
[ ٢ / ٤١١ ]
"بالفاء"، أو: "الواو"، أو: "ثم" جملة تصلح أن تكون حالًا مع اشتمالها على الرابط؛ نحو: عرفت الوالي العادل تشكو الرعية، فيزيل أسباب الشكوى١ أقبل الفائز، يصفق الناس، ويشرق وجهه تداوى المريض يشير الأطباء، ثم يستجيب للمشورة.
"ملاحظة":
يتفق الحال والتمييز٢ في أمور: ويختلفان في أخرى.
وسيجيء البيان في: "هـ" ص ٤٢٩.
_________________
(١) ١ راجع الصبان، ج١ باب المبتدأ، عند الكلام على الخبر الجملة، ورابطه. وكذا التصريح ج١ باب العطف عند الكلام على الفاء العاطفة، وقد اقتصر في الرابط عليها؛ لأنها الأصل، وخالفه الصبان وغيره ٢ سيجيء باب: "التمييز" بعد هذا مباشرة.
[ ٢ / ٤١٢ ]
المسألة ٨٧: التمييز
[ ٢ / ٤١٣ ]
هـ- نسبة، أو: جملة١ ازداد المتعلم - ازداد المتعلم أدبًا.
أعجبني الخطيب - أعجبني الخطيب كلامًا.
فاضت البئر - فاضت البئر نفطًا٢.
_________________
(١) أ- في جملة مثل: "عندي إردب" من أمثلة "أ" نجد كلمة غامضة مبهمة هي: "إردب"؛ لأن مدلولها يحتمل عدة أنواع مختلفة، لا نستطيع تخصيص واحد منها بالقصد دون غيره، فقد يكون هذا الإردب: قمحًا، أو: شعيرًا، أو: فولًا، أو: غيرها، ولا ندري النوع المراد من تلك الأشياء الكثيرة، إذ لا دليل عليه وحده لهذا كانت كلمة: "إردب" مبهمة، أي: غامضة المدلول؛ لعدم تحديد المراد منها وتعيينه. لكن إذا قلنا: عندي إردب شعيرًا زال الغموض والإبهام، وتعين المراد بسبب اللفظ الذي جاء؛ وهو: "شعيرًا". كذلك الشأن في كلمة: "كيلة"، فإنها غامضة المدلول، مبهمة، لا تعيين فيها؛ لاحتمال أن تكون الكيلة: قمحًا، أو: ذرة، أو: فولًا، أو: عدسًا ، فإذا قلنا: كيلة قمحًا، تعين المراد، وزال الاحتمال، ومثل هذا يقال في كلمة: "قدح" في المثال الأخير من قسم "أ"، وفي غيرها من كل كلمة عربية تدل على العرف الشائع على شيء يقع به الكيل؛ مثل: ويبة، ربع، ملوة٣ ب– وفي جملة مثل: اشتريت أوقية "من أمثلة القسم: "ب""، نصادف هذا الإبهام والغموض في كلمة: "أوقية"؛ لاحتمالها عدة أنواع، لا نستطيع تخصيص واحد منها بالمراد دون غيره، فقد تكون الأوقية ذهبًا، أو: فضة، أو عنصرًا آخر من العناصر التي توزن لكن إذا قلنا: أوقية ذهبًا اختفى الإبهام، وحل محله التعيين الموضح ١ لهذا النوع أمثلة أخرى في "ب" من ص ٤٢٢. ٢ هو المسمى: "زيت البترول". ٣ من المكاييل الشائعة في مصر: الإردب؛ وهو يساوي اثني عشرة كيلة، ومقدار الكيلة، ربعان، والربع: أربعة أقداح، والويبة كيلتان، والكيلة أيضًا أربع ملوات.
[ ٢ / ٤١٤ ]
للمطلوب، ومثل هذا يقال في كلمة: رطل، وأقة، في المثال الثاني والثالث من أمثلة: قسم ب وفي نظائرها من الكلمات العربية التي يجري في العرف اعتبارها من الموازين، ومنها: قنطار، ودرهم، وحبة
جـ– وفي جملة مثل: جنيت محصول فدان "من أمثلة: "ج"" نجد الكلمة الغامضة المبهمة هي كلمة: "فدان" فإنها تحتمل أن يكون مدلولها فدان قصب، أو فدان عنب، أو قمح، أو غيره، فإذا قلنا: "فدان قطن"، انقطع الاحتمال، وزال الغموض والإبهام، وتحدد القصد.
ومثل هذا يقال في كلمة: "قيراط"، وقصبة "من أمثلة القسم: "ج""، وغيرها من الألفاظ العربية التي تستعمل في المساحات١، ومنها: السهم٢، والذراع، والباع والشبر، والفتر "
د– ومثل هذا يقال في كل عدد من جمل القسم: "د" أو ما شابهها مما يشتمل على أحد الأعداد؛ نحو: عندي خمسة، فإن كلمة: "خمسة" وهي عدد حسابي غامضة، مبهمة؛ لا يزول غموضها وإبهامها إلا بلفظ آخر يحدد المراد منها؛ مثل: أقلام، أو غيرها مما ورد في هذا القسم وفي نظائره.
هـ- ننتقل بعد ذلك إلى نوع آخر من الغموض والإبهام يختلف عما سبق؛ ففي مثل: "ازداد المتعلم"، لا يقع الغموض على كلمة واحدة كالتي سلفت، وإنما ينصب على الجملة كلها؛ أي: على المعنى جزأيها الأساسيين معًا، فقد نسبنا الازدياد للمتعلم، فأي ازدياد هذا الذي نسبناه له، أهو في علمه؟ أم في أدبه، أم في ماله؟ أم في جسمه، أم في حسن معاملته ؟
فالأمر المنسوب للمتعلم غامض مبهم، وهذا الأمر الغامض ليس منصبًا على كلمة واحدة كما قلنا؛ وإنما يشمل معنى جملة كاملة؛ لأن الجملة هي التي تحوي في طرفيها نسبة شيء٣ لشيء آخر، فإذا قلنا: ازداد المتعلم أدبًا ارتفع
_________________
(١) ١ هي الأشياء التي يجري تقديرها بالقياس، ويدخلها العرف الشائع في المقاييس. ٢ في مصر يقسم الفدان إلى أربعة وعشرين قيراطًا، والقيراط أربعة وعشرون سهمًا. ٣ في هامش الصفحة الأولى من صفحات الجزء الثالث، بيان مستفيض عن معنى: "النسبة" وأنواعها، وما يتصل بها.
[ ٢ / ٤١٥ ]
الغموض عن النسبة؛ بسبب الكلمة التي جاءت لإزالته، واتضح المراد من الجملة بعد مجيء هذه الكلمة.
ومثل هذا يقال ي المثالين الأخيرين من أمثلة القسم: "هـ" وفي غيرهما من كل جملة يقع فيها الغموض على النسبة الناشئة من طرفيها.
ومن كل ما تقدم يتضح ما يأتي:
أ– أن في اللغة ألفاظًا مبهمة، غامضة، تحتاج إلى تبيين وتوضيح.
ب– وأن هذه الألفاظ قد تكون كلمات منفردة، كالكلمات المستعملة في العدد، أو في المقادير الثلاثة الشائعة، وهي: الكيل، والوزن١، والمساحة وقد يكون جملًا كاملة تقع النسبة في كل واحدة منها موقع الغموض، والإبهام المحتاج إلى تفسير وإيضاح٢.
جـ– وإذا تأملنا الكلمات التي أزالت الغموض والإبهام في الأمثلة السالفة وأشباهها وجدنا كل كلمة منها: نكرة٣، منصوبة في الأكثر٤، فضلة، تبين جنس ما قبلها أو نوعه، أو: توضح النسبة فيه، فهي كما يقولون بمعنى: "من"٥ البيانية غالبًا، والكلمة التي تجتمع فيها هذه الأوصاف
_________________
(١) ١ وكذلك بعض الضمائر "كما سيجيء في "جـ" من الزيادة ص ٤٢٧"، ثم انظر المراد من "المقادير" في رقم٤ من هامش الصفحة الآتية. ٢ وقد يكون تمييز النسبة لمجرد التوكيد؛ كقول أبي طالب عم النبي عليه السلام: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا "راجع الصبان والخضري في باب: "نعم، وبئس" عند الكلام على اجتماع فاعلهما، وتمييزهما"، وهذا يختلف عما في رقم٤ من هامش ص ٤٣٠. ٣ النكرة هنا: لا بد أن تكون اسمًا صريحًا؛ لأن التمييز لا يكون جملة ولا لفظًا مؤولًا. ٤ إذا كانت الكلمة التي تزيل الإبهام مجرورة بالإضافة أو بالحرف كما في بعض الأمثلة المعروضة هنا، فإنها لا تسمى في "الاصطلاح": تمييزًا إلا مع التقييد بأنه مجرور؛ لأن كلمة: "تمييز" عند إطلاقها بغير تقييد لا تتصرف إلا للنوع المنصوب، أما غيره مما يفيد فائدته في هذا الباب فلا يسمى تمييزًا "اصطلاحًا"، وقد يسمى تمييزًا ولكن مع تقييده بأنه مجرور: لكيلا يتصرف الذهن إلى النوع المنصوب، والأحسن مراعاة الاصطلاح. "كما في رقم٢ من هامش ص ٤٢٠". ٥ أي: "من" التي تبين جنس ما قبلها، أو نوعه، والمجرور بها هو عين الشيء الذي تبينه وستجيء معانيها في ص٤٥٨ وليس المراد في الكلمة التي تعرب تمييزا أنه يمكن دائما تقدير "من" قبلها، فإن هذا لا يمكن في بعض الأساليب، "وانظر رقم٢ من ص٤٥٩".
[ ٢ / ٤١٦ ]
تسمى: "التمييز"١، كما يسمى ما تفسره وتزيل الإبهام عنه: "المميز"، أي: أن التمييز: "نكرة، منصوبة في الأغلب فضلة، بمعنى "من" التي للبيان"٢.
أقسام التمييز:
ينقسم التمييز بحسب المميز إلى قسمين:
أولهما: تمييز المفرد، أو: الذات٣ وهو الذي يكون مميزه لفظًا دالًا على العدد، أو على شيء من المقادير٤ الثلاثة: "الكيل، الوزن، المساحة"، أي:
_________________
(١) ١ ويسمى أحيانًا: التبيين، أو: التفسير، أو: المفسر، أو: المميز، أو: المبين. ٢ غالبًا كما سبق، ويقول ابن مالك في تعريف التمييز، وبيان عامله، والتمثيل لبعض أقسامه ما يأتي: اسم بمعنى: "من" مبين، نكره ينصب تمييزًا بما قد فسره كشبر أرضًا، وقفيز برًا، ومنوين عسلًا وتمرَا يريد بالمبين: أن التمييز يبين إبهام ما قبله، أي: يوضحه ويزيل غموضه، ثم يقول: إن التمييز منصوب، وناصبه هو الشيء المبهم الذي جاء التمييز لتفسيره وإيضاحه، ومعنى هذا عنده أن تمييز النسبة منصوب في رأيه بالجملة التي يوضح النسبة فيها، وسيجيء الرأي في كل ذلك. "رقم ٢ من ص٤٢٢ و٣ من ص ٤٢٤". "البر": القمح، "القفيز" إذا كان مكيلًا فإنه يختلف باختلاف الأقطار؛ فهو في بعضها نحو: ٢ / ٣ ١٨ قدحًا، وفي بعض آخر نحو: ثمان وأربعين قدحًا "منوين" تثنية: "منًا" وهو بعض الأقطار من مقادير الوزن المقدرة برطلين. ٣ سمي تمييز مفرد: لأنه يزيل الإبهام عن كلمة واحدة، أو ما هو بمنزلتها، ويسمى أيضًا: تمييز "ذات"؛ لأن الغالب في تلك الكلمة التي يزيل إبهامها أن تكون شيئًا محسوسًا مجسمًا، فمعنى ذات: أنها جسم، وليس في هذا النوع من التمييز تحويل كما سيجيء في الصفحة التالية عند الكلام على تمييز الجملة. هذا، والكثير في تمييز المفرد أن يكون جامدًا، وقد يكون مشتقًا على الصورة الموضحة في: "ج" من ص ٤٢٧، ولها إشارة في رقم٦ من ص ٤٣٠. ٤ المقادير هنا: جمع مقدار، وهو: ما يقدر به غيره، ويشمل كل شيء يستعمل في تقدير الكيل، أو الوزن، أو المساحة، من غير تقيد بلفظ خاص، أو بزمن معين. وبهذا يدخل كل لفظ عربي عرف العمل به في تقدي واحد من الثلاثة المذكورة، ولا يدخل العدد في التقدير -على المشهور- لأن العدد في المعنى هو المعدود؛ كما في مثل: هنا خمسة رجال؛ فالخمسة التي هنا هي الرجال، والرجال هي الخمسة، بخلاف المقادير.
[ ٢ / ٤١٧ ]
"أنه الذي يزيل إبهام لفظ من ألفاظ الكيل، أو: الوزن، أو: المساحة، أو: العدد" ١، فتمييز المفرد أو الذات أربعة أنواع غالبًا٢.
ثانيهما: تمييز الجملة، وهو الذي يزيل الغموض والإبهام عن المعنى العام بين طرفيها، وهو المعنى المنسوب فيها لشيء من الأشياء، ولذلك يسمى أيضًا: "تمييز النسبة"، وقد سبقت الأمثلة للنوعين.
تقسيم تمييز الجملة "أي: النسبة" بحسب أصله:
ينقسم تمييز الجملة "دون تمييز المفرد" إلى ما أصله فاعل في الصناعة٣ وإلى
_________________
(١) ١ العدد المقصود في هذا الباب هو العدد الصريح؛ أي: العدد الحسابي: مثل٣، ٤، ٥، ٦ و أما العدد المبهم "أي: الكنائي" مثل: "كم"، فله، في الجزء الرابع باب خاص بأحكامه المختلفة، هو: باب: كنايات العدد. ٢ قلنا: غالبًا؛ لأن هناك نوعًا خامسًا كما أشرنا في رقم١ من هامش ص ٤١٦ هو تمييز الضمير "المبهم"، وسيجيء تفصيل الكلام عليه في "جـ" من الزيادة، ص ٤٢٧. ٣ أي: فاعل لفعل، أو ما يشبه الفعل مما يحتاج لفاعل يقتضي الأصول النحوية وصناعتها، والتقييد بأن الفاعل المعنوي أصله فاعل في الصناعة تقييد ضروري؛ لإبعاد ما هو فاعل في المعنى دون الصناعة؛ نحو: لله درك فارسًا، وأبرحت جارًا "أي: أعجبت؛ يقال: أبرح الرجل، إذا جاء بالبرح بسكون الراء أي: بالعجب"، فإن معناهما: عظمت فارسًا، وعظمت جارًا، ولكنهما غير محولين أصلًا عن الفاعل الصناعي، ولهذا يجوز جرهما بالحرف: "من" نحو: لله درك من فارس. ونحو: أبرحت من جار، في حين التمييز المحول عن الفاعل الصناعي يجب نصبه، ولا يجوز جره بمن. انظر "ج" من ص ٤٢٧ وكذلك: ما أحسن المهذب رجلًا، فإنه مفعول في المعنى، لكنه غير محول؛ لأنه عين ما قبله، ولهذا يصح جزء أيضًا بمن. انظر ما يتصل بفعل التعجب في رقم ٤ من هامش ص٤٢٣، وكذلك البيان المفيد الخاص بمثل: "لله دره فارسًا" في "جـ" من ص ٤٢٧. أما نحو: نعم رجالًا الزراع، فقد رأى بعض النحاة في التمييز أنه محول عن الفاعل الصناعي؛ فيجب نصبه، ورأى آخرون أنه غير محول فيجوز فيه النصب أو الجر بمن، والرأي الأول أقوى. وكما يكون الفاعل محولًا عن الفاعل الصناعي في الأصل، يكون محولًا أحيانًا عما أصله نائب فاعل؛ ككلمة: "شكلًا" في قول الشاعر: يصنع الصانعون وردًا، ولكن وردة الروض لا تضارع شكلًا ولأصل: لا يضارع شكلها.
[ ٢ / ٤١٨ ]
ما أصله مفعول به كذلك، ويرى أكثر النحاة أن تمييز الجملة لا يخرج في الغالب عن واحد من هذين، "ولو تأويلًا"١؛ مثل: زادت البلاد سكانًا، اختلف الناس طباعًا، قوي الرجل احتمالًا، ومثل: أعددت الطعام ألوانًا، وفيت العمال أجورًا، نسقت الحديقة أزهارًا
فالأصل: "زاد سكان البلاد، اختلفت طباع الناس، قوي احتمال الرجل". فتغير الأسلوب؛ بتحويل الفاعل تمييزًا، وقد كان الفاعل مضافًا؛ فأتينا بالمضاف إليه، وجعلناه فاعلًا، بعد أن صار الفاعل فاعلًا، بعد أن صار الفاعل تمييزًا بالصورة السالفة٢
والأصل في الأمثلة الباقية: "أعددت ألوان الطعام، وفيت أجور العمال، نسقت أزهار الحديقة"؛ فتغير الأسلوب؛ بتحويل المفعول به تمييزًا، وقد كان هذا المفعول مضافًا، فأتينا بالمضاف إليه، وجعلناه مفعولًا به، بعد أن صار المفعول به السابق تمييزًا.
أما تمييز المفرد فلا تحويل فيه مطلقًا.
_________________
(١) ١ راجع "أ" و: "ب" من الزيادة والتفصيل "ص٤٢٦" حيث الكلام على التأويل ونوع من التفضيل. ٢ ومن هذا النوع كلمة "مقتًا" وهي تمييز في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾، كبر، عظم، المقت: أشد الكراهة: والبغض، والأصل: كبر مقت قولكم ما لا تفعلون أي: المقت المترتب على قولكم
[ ٢ / ٤١٩ ]
المسألة ٨٨: أحكام التمييز
أ– يختص تمييز المفرد "أو: الذات" بالأحكام التالية:
أ– إن كان تمييزًا للكيل، أو: الوزن، أو: المساحة، جاز فيه ثلاثة أشياء، إما نصبه على أنه التمييز مباشرة وهذا هو الأحسن١، وإما جره٢ على أنه مضاف إليه، والمميز هو المضاف، وإما جره بالحرف "من"، ومن الأمثلة غير ما سبق: "اشتريت كيلة أرزًا، اشتريت كيلة أرز، اشتريت كيلة من أرز"، "اشتريت درهمًا ذهبًا، اشتريت درهم ذهب، اشتريت درهمًا من ذهب"، "بعت محصول فدان قصبًا، بعت محصول فدان قصبٍ، بعت محصول فدانٍ من قصبٍ".
وإما يجب جر التمييز على اعتباره مضافًا إليه بشرط ألا يكون المقدار، وهو المميز قد أضيف لغيره؛ فإن أضيف المقدار لغير التمييز وجب نصب التمييز، أو: جره "بمن"، نحو: ما في الإناء قدر راحة دقيقًا٣، أو: من دقيق.
_________________
(١) ١ لأنه يدل على المقصود نصًا من غير احتمال شيء آخر معه؛ ففي مثل: "اشتريت رطلًا عسلًا"؛ يدل النصب على أن المتكلم يريد أن الإناء المسمى بالرطل مملوء بالعسل، أو أن عنده ما يملأ الإناء المذكور من هذا الصنف المذكور، ولا يريد في هذا المثال الوعاء نفسه، أما الجر فيؤدي إلى احتمال أن يكون المراد ذلك، وأن يكون المراد بيان أن عنده الوعاء الصالح في هذا المثال أو الصنجة الموزون بها، أو المكيال الذي يكال به، أو المقياس الذي يمسح به "أي: يقاس به". راجع الأشموني والصبان. ٢ ومع جره يسمى: "تمييزًا" "مجرورًا" أيضًا: فالجر لا يمنع من هذه التسمية المقيدة "انظر رقم ٤ من هامش ص ٤١٦"، والإضافة هنا على معنى "من" البيانية التي سبق الكلام عليها "في رقم٥ من هامش ص٤١٦"، وهذا هو الشأن في إضافة المقادير إلى الأشياء المقدرة، نحو: بعت فدان قصب، وفي إضافة الأعداد إلى معدوداتها؛ نحو: خمسة أقلام، وفي إضافة العدد إلى عدد آخر، نحو عندي من الكتب أربعمائة، "وسيجيء البيان في جـ ٣ م ٩٣ ص ١٨ حيث الأوجه الإعرابية المختلفة فيما سبق". ٣ في هذا يقول ابن مالك: وبعد ذي وشبهها اجرره إذا أضفتها؛ كمد حنطة، غذا =
[ ٢ / ٤٢٠ ]
وإن كان تمييز المفرد خاصًا بالعدد الصريح، والعدد ثلاثة، أو عشرة، أو ما بينهما ، وجب جر التمييز، بإعرابه مضافًا إليه، والمضاف هو العدد "أي: المميز"، والغالب في هذا التمييز المجرور أن يكون جمع تكسير للقلة.
فإن كان العدد لفظًا دالًا على المائة أو المئات، أو الألف أو الألوف وجب أن يكون التمييز مفردًا مجرورًا؛ لأنه يعرب مضافًا إليه، والمضاف هو العدد١.
وإن كان العدد غير ما سبق وجب نصب التمييز مباشرة، وأن يكون مفردًا، وفيما يلي أمثلة لكل ما سبق:
"قرأت في العطلة ثلاثة كتب، كل كتاب مائة صفحة، وعدد السطور ألف سطر".
_________________
(١) = يريد: "بذي" الأشياء التي سبق أن عرض لها أمثلة في البيت السابق؛ "وهي ثلاثة: المساحة، الكيل، الوزن"، فإن التمييز بعدها مجرور بالإضافة، أما "شبهها" فهو: كل لفظ عربي جرى العرف على استعماله في واحد من الثلاثة. و"المد": يقدر في بعض الأقاليم بنحو ٧/ ١٢ من القدح، وفي بعض آخر بنحو: رطل وثلث رطل، "حنطة": قمح، غذا: غذاء. ثم قال: إن الجر بالإضافة إنما يكون حين إضافة المميز مباشرة، أما إذا أضيف المميز لغير التمييز، فيجب نصب التمييز: والنصب بعد ما أضيف وجبا إن كان مثل: "ملء الأرض ذهبًا" وسيذكر بعد بيتين أنه يجوز جر التمييز بالحرف "من" بشرط ألا يكون التمييز لعدد ولا للنسبة، فيقول البيت التالي: واجرر "بمن" إن شئت غير ذي العدد والفاعل المغني؛ كطب نفسًا تفد "ذي العدد" أي: صاحب العدد، يريد التمييز الذي للعد الصريح، فإنه لا يجوز جره بالحرف "من" أما العدد غير الصريح؛ مثل: "كم"، فيجوز جر تمييزه بالتفصيل الوارد في بابه، ج ٤ نحو: كم من كتاب عندك، كما أن التمييز الذي كان أصله فاعلًا؛ لأن أساس الكلام: لتطب نفسك؛ ثم حول الكلام فصار الفاعل تمييزًا، ومثله: طاب الورع نفسًا؛ أصله: طابت نفس الورع؛ ثم حول الكلام على الوجه السالف، "وقد وفينا الكلام على أصل التمييز، وستجيء الإشارة لبيت السالف لمناسبة أخرى في ص ٤٢٤". ١ والإضافة على معنى: "من" طبقًا للبيان الذي سلف في رقم٢ من هامش ص ٤٢٠، ورقم٥ من هامش ص٤١٦.
[ ٢ / ٤٢١ ]
"قضينا في الرحلة خمسة أيام، قطعنا فيها مائة ميل مشيًا، وأنفق كل منا ألف قرش"، "الأسبوع سبعة أيام بلياليها، كل منها أربع وعشرون ساعة، والساعة ستون دقيقة"، "السنة اثنا عشر شهرًا، والشهر ثلاثون يومًا –غالبًا– السنة ثلاثمائة يوم وأربعة وستون يومًا، في الغالب"١.
٢- وعامل النصب أو الجر بالإضافة في "التمييز المفرد"، وهو اللفظ المبهم، أي: المميز، أما عند الجر بالحرف: "من"، فإن هذا الحرف يكون هو العامل.
٣- ولا بد من تقدم العامل على التمييز في جميع الأنواع الخاصة بتمييز الذات "المفرد"١.
٤- وإذا تعدد تمييز المفرد، فالأحسن العطف بين المتعدد٢، وإذا كان التمييز مخلوطًا من شيئين جاز تعدده بعطف وغير عطف، نحو: عندي رطل سمنًا عسلًا، أو: سمنًا وعسلًا.
ب- يختص تمييز "الجملة" أي: تمييز "النسبة" بالأحكام الآتية:
١– يجب نصبه إن كان محولًا عن الفاعل أو المفعول الصناعيين٣؛ نحو: "ارتفع المخلص درجة، وعلا الأمين منزلة"، ومثل: "رتبت الحجرة أثاثًا، نظمت الكتب صفوفًا"، والأصل: ارتفعت درجة المخلص، علت منزلة الأمين، رتبت أثاث الحجرة، نظمت صفوف الكتب.
ومن تمييز الجملة الواجب النصب ما يكون واقعًا بعد أفعل التفضيل، نحو: المتعلم أكثر إجادة، وإنما يجب نصبه بشرط أن يكون سببًا٤؛ أي: فاعلًا
_________________
(١) ١و١ لتمييز العدد أحكام كثيرة، متشعبة، وتفصيلات متعددة، ولا سيما تقدمه، مكانها: "باب العدد" في الجزء الرابع، "م ٩٤ ص ٣٩٤"، وقد اقتصرنا هنا على ما يناسب موضوعنا. ٢ والذي بعد العاطف لا يسمى تمييزًا، وإنما يعرب معطوفًا، برغم أنه يؤدي معنى التمييز، كما سيجيء في رقم٥ من هامش ص٤٢٤. ٣ انظر رقم٣ من هامش ص٤١٨، و"ب" من ص٤٢٦. ٤ معناه الأصيل في رقم٢ من هامش ص٤٢٦.
[ ٢ / ٤٢٢ ]
في المعنى، كالمثال المذكور، وإلا وجب جره بالإضافة، وعلامة التمييز الذي هو فاعل في المعنى ألا يكون من جنس المفضل الذي قبله، وأن يستقيم المعنى بعد جعله فاعلًا مع جعل أفعل التفضيل فعلًا١؛ ففي المثال السابق نقول: المتعلم كثرت إجادته، وفي مثل: أنت أحسن خلقًا، نقول: أنت حسن خلقك وهكذا، ومثال التمييز الذي ليس بفاعل في المعنى: "على أفضل جندي، ومية أفضل شاعرة"، وضابط هذا النوع أن يكون أفعل التفضيل بعضًا من جنس التمييز؛ فيصح أن يوضع مكان أفعل التفضيل كلمة: "بعض" مضافة، والمضاف إليه جمع يقوم مقام التمييز ويحل في مكانه؛ فلا يفسد المعنى، ففي المثال السابق نقول: علي بعض الجنود، ومية بعض الشاعرات، وإذا لم يصح أن يكون فاعلًا في المعنى وجب جره بالإضافة كما قلنا، لوجوب إضافة أفعل التفضيل إلى ما هو بعضه٢ "متابعة للرأي الأشهر".
وإنما يجب الجر بالإضافة هنا بشرط أن يكون أفعل التفضيل غير مضاف لشيء آخر غير التمييز، فإن كان مضافًا وجب نصب التمييز؛ نحو: علي أفضل الناس إخوة، ومية أفضل النساء أشعارًا.
ومما تقدم نعلم أن تمييز أفعل التفضيل يجب نصبه في حالتين وجره في واحدة.
ومن تمييز الجملة الذي يجب نصبه، ولا تصح إضافته٣: ما يقع بعد التعجب القياسي، أو السماعي٤؛ فالأول، نحو: ما أحسن الغني مشاركة في الخير
_________________
(١) ١ لهذا إيضاح يجيء في "ب" من الزيادة والتفصيل ص٤٢٦، وبيان مفيد آخر في باب: "أفعل التفضيل" ج٣ م ١١٢ ص ٣٣٨. ٢ كما سيجيء في بابه بالجزء الثالث م ١١٢ ص ٣٣٨، وفي هذه الصورة يقول ابن مالك: والفاعل المعنى انصبن بأفعلا مفصلًا: كأنت أعلى منزلا ٣ فيمتنع جزء بالإضافة حتمًا، دون جره بمن في بعض الصور كما سيجيء في رقم١ من هامش ص٤٢٤. ٤ القياسي يكون بإحدى الصيغتين المخصصتين له، وهما: ما أفعله، وأفعل به. "وسيجيء الكلام المفصل عليهما في مكانه من الجزء الثالث، باب: "التعجب". أما التعجب بغيرهما فمقصور على السماع، ويقال له: التعجب العرضي، وفي هذه الصورة يقول ابن مالك: وبعد كل ما اقتضى تعجبا ميز، كأكرم بأبي بكر أبا وذكر بعد هذا البيت بيتا سبق أن نقلناه، وشرحناه بمناسبة أخرى في هامش ص٤٢١، هو: واجرر "بمن" إن شئت غير ذي العدد والفاعل المغني: كطب نفسًا تفد
[ ٢ / ٤٢٣ ]
أحسن بالغني مشاركة في الخير، والثاني نحو: لله در العالم مخترعًا١ حسبك به رجلًا كفى به نافعًا، يا جارتا ما أنت جارة٢ حسبك بالصادق رجلًا، وقول الشاعر:
وحسبك داء أن تبيت ببطنة٣ وحولك أكباد تحن إلى القد٤
٢– لا يجوز تعدده بغير عطف؛ نحو: نما الغلام جسمًا وعقلًا٥
٣– عامل النصب في هذا التمييز هو ما في الجملة من فعل، أو: شبهه٦.
٤– لا يجوز تقديم هذا التمييز على عامله إذا كان العامل جامدًا، كأفعل في التعجب؛ وكنعم وبئس٧، وأخواتهما من أفعال المدح والذم، نحو: "ما أنفع
_________________
(١) ١ يجوز فيه وفيما بعده جره بمن بملاحظة ما سبق في رقم٣ من هامش ص٤١٨، وما سيجيء في "ج" من الزيادة ص٤٢٧ والدر: اللبن، أي: أن اللبن الذي ارتضعه هذا الرجل ونشأ عليه، لبن غير معتاد ولا مألوف، إنما هو لبن موضع العجب، إذ أنشأ هذا الرجل الذي لا مثيل له؛ فهو لبن خاص من عند منشئ العجائب، ومبدعها الأول؛ وهو: الله، "راجع رقم٢ من هامش ش ٢٢ وجـ من ص ٤٢٧ من هذا الجزء، ثم الجزر الأول ص ٥٠٤ م ٣٨. من الطبعة الرابعة". ٢ "يا جارتا": أصلها: يا جارتي، منادى منصوب؛ لأنه مضاف لياء المتكلم، المنقلبة ألفًا، وهذا الأسلوب تتعدد فيه الصور الإعرابية بتعدد المعاني، فقد تكون "ما" حرف نفي خرج من معناه للتعجب، والجملة بعدا اسمية؛ "مبتدأ وخبر" خالية من التمييز، ويكون المعنى: لست جارة، وإنما أنت شيء أكثر منها: فأنت أم، أو أخت، أو إحدى القريبات الحميمات، أي: بمنزلة واحدة من هؤلاء؛ إعلانًا للتعجب من عملها الذي لا يصدر من جارة، وإنما يصدر من واحدة ممن سبقن. وقد تكون "ما" استفهامية، خبر مقدمًا، و"الضمير" مبتدأ مؤخر، و"جارة": تمييز، والجملة تفيد التعجب بسبب أداة الاستفهام الدالة على الاستعظام؛ فقد خرج عن معناه الحقيقي إلى التعجب، ويصح في هذه الصورة أيضًا أن تكون: "جارة" حال مؤولة، بمعنى: ملاصقة ويصح أن تكون "ما" نافية، والجملة بعدها منفية، أي: أنت لست أهلًا أن تكوني جارة و ٣ شدة امتلاء المعدة بالطعام. ٤ القطعة من الجلد الجاف غير المدبوغ. ٥ وما بعد العاطف يعرب معطوفًا، ولا يسمى في الاصطلاح تمييزًا؛ ع أنه يؤدي معنى التمييز، كما سبق في رقم ٢ من هامش ص٤٢٢. ٦ وهذا عند غير ابن مالك، وقد سجلنا رأيه في رقم٢ من هامش ص٤١٧. ٧ انظر رقم١ من هامش ص ٣٠١ م ١١٠ جـ٣ باب "نعم وبئس"، ففيه أحكام خاصة بتمييزها، ومنها: أنه لا يصح تأخيره عن المخصوص بالمدح أو الذم.
[ ٢ / ٤٢٤ ]
الطبيب إنسانًا، ونعم الأمين رفيقًا، وبئس القاسي رجلًا"، أو كان فعلًا متصرفًا يؤدي معنى الجامد؛ نحو: كفى بالطبيب إنسانًا، فإن الفعل: "كفى" متصرف ولكنه بمعنى فعل غير متصرف، وهو فعل التعجب، فمعنى قولنا: كفى بالطبيب إنسانًا: ما أكفاه إنسانًا:
أما في غير هاتين الصورتين الممنوعتين، فالأحسن عد تقديم التمييز١على عامله.
وأما توسط هذا التمييز بين عامله ومعموله، فجائز بشرط أن يكون العامل فعلًا أو وصفًا يشبهه؛ نحو: صفا نفسًا الورع، وقول المتنبي:
فهن أسلن دما مقلتي وعذبن قلبي بطول الصدود
_________________
(١) ١ في حكم تقديم التمييز على عامله، وعدم تقديمه يقول ابن مالك: وعامل التمييز قدم مطلقًا والفعل ذو التصريف نزرًا سبقًا يريد: أن عامل التمييز يجب تقديمه؛ سواء أكان التمييز مفرد أم تمييز نسبة، ثم بين أن التمييز إن كان عامله فعلًا متصرفًا، وهذا لا يكون إلا في تمييز الجملة، فقد يتأخر هذا العامل ويتقدم التمييز عليه في حالات نادرة، والأحسن عدم القياس هنا.
[ ٢ / ٤٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ– تمييز النسبة قد يكون غير محول إلا بتأويل لا داعي له، نحو: امتلأ الإناء ماء؛ إذ لا يقال: امتلأ الماء.
ب– عرفنا١ أن التمييز الواجب النصب بعد "أفعل التفضيل" هو السببي٢، وأنه نوع من تمييز الجملة؛ إذ أصله: "فاعل" وأصل "أفعل" هو: الفعل، ومن الممكن إرجاعهما إلى أصلهما؛ فتعود الجملة الفعلية للظهور، وتجرع لأصلها الذي تركته، وتحولت عنه إلى أسلوب آخر
لكن كيف يتحقق هذا؟ ففي مثل: أنت أكثر مالًا، وأعلى منزلًا، ونظائرهما لا يمكن تحويل أفعل إلى فعل يؤدي المعنى الأصلي الأساسي لصيغة التفضيل، "وهو الكثرة، والعلو مثلًا"، مزيدًا عليه الدلالة على التفضيل.
يرى بعض النحاة في هذا النوع التفضيلي أنه محول عن مبتدأ مضاف، والأصل، مالك أكثر؛ ومنزلك أعلى فصار المبتدأ تمييزًا، وصار الضمير المتصل المضاف إليه مبتدأ مرفوعًا منفصلًا، وفي هذه الحالة وأمثالها يجيء التمييز محولًا عن المبتدأ.
ويرى آخرون؛ أن المراد معروف من السياق، وهو: أنه كثر كثرة زائدة، وملأ علوًا زائدًا، فلا يفوت التفضيل بتحويله عن الفاعل، أو: أن فوات معنى التفضيل غير ضار؛ إذ لا يجب بقاؤه في الفعل الموضوع مكان أفعل التفضيل في هذا الباب، قياسًا على عدم بقائه في بعض أبواب أخرى.
وكلا الرأيين حسن، ولعل الرأي الثاني –بوجهتيه– أحسن؛ لأن فيه تخفيفًا من غير ضرر، وتقليلًا للأقسام بحصرها في الفاعل والمفعول به.
_________________
(١) ١ في آخر ص٤٢٢. ٢ هو المتصف في المعنى بالشيء الجاري في اللفظ على غير هذا المتصف به؛ فإن المنزل في مثل: أنت أعلى منزلًا هو المتصف في المعنى بالعلو، مع أن العلو جار في اللفظ على المخاطب.
[ ٢ / ٤٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جـ– من الأساليب المسموعة في التمييز: لله در خالد فارسًا١، فكلمة: "فارسًا"، وأشباهها مما يحل محلها في هذا التركيب، ويكون مشتقًا٢ يصح إعرابها حالًا؛ لاشتقاقها؛ ولأن المعنى يتحمل الحالية، ويصح إعرابها تمييزًا للنسبة؛ والمعنى على هذا التمييز أوضح، وبه أكمل.
وإنما يكون التمييز في مثل: "لله در خالد فارسًا" من تمييز النسبة إذا كان المتعجب منه "وهو المميز" اسمًا ظاهرًا مذكورًا في الكلام كهذا المثال، أو كان ضميرًا مرجعة معلوم؛ نحو: سجل التاريخ أبدع صور البطولة لخالد بن الوليد؛ لله دره بطلًا أو: يا له رجلًا، أو: حسبك به فارسًا فالضمير هنا وهو الهاء معروف المرجع: فإن جهل المرجع وجب اعتبار التمييز من تمييز المفرد٣؛ لأن الضمير مبهم، فافتقاره إلى التمييز ليكون مرجعًا يبين ذات صاحبه؛ ويوضح حقيقته أشد من افتقاره إلى بيان نسبة التعجب إليه "أي: إلى
صاحب الضمير"، أما الضمير المعلوم فبالعكس كما ذكرنا٤، ومثل هذا يقال في الضمير المتصل بالصيغتين القياستين في التعجب"، وهما "ما أفعله، وأفعل به".
أما تمييز الضمير المستتر في: "نعم" و"بئس" في مثل: الفارس نعم رجلًا، الجبال بئس جنديًا، فالأحسن اعتباره من تمييز المفرد؛ برغم أن مرجعه مذكور دائمًا: وهو: التمييز، ومثله: ربه رجلًا.
أما تمييز "كم" في مثل: كم رجلًا شاركتهم؛ فإنه مفرد من نوع تمييز العدد؛ لأن "كم" كناية عنه.
_________________
(١) ١ سبق شرحها مع غيرها وبيان حكمها في رقم٣ من هامش ص٤١٨، ولها شرح مع غيرها في رقم٤ من هامش ص٤٢٦، وكذا في رقم٢ من هامش ص٢٢ وكذا في ص٥٠٤ جـ١ م ٣٨ من الطبعة الرابعة. ٢ ومثلها كلمة: "منظر" في قول الشاعر: حسن الأزاهر سحر، جل مبدعه فاسعد بها منظرًا، وانعم بها طيبًا ٣ كأن ينظر شخص قائدين، أحدهما راكب، والآخر راجل، ثم يقول عن غير إعلان، ولا تصريح باسم أحدهما: لله دره فارسًا، أو: يقرأ نصين؛ أحدها نثر، والآخر شعر، وهما لأديب واحد ثم يقتصر على أن يقول: الله دره شاعرًا. ٤ هذا النوع هو الذي أشرنا إليه في رقم٢ من هامش ص ٤١٨.
[ ٢ / ٤٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
د– تجب مطابقة تمييز الجملة للاسم السابق١ في مواضع، ويجب ترك المطابقة في أخرى، وقد تترجح المطابقة أو عدمها في ثالثة، وفيما يلي البيان:
فتجب المطابقة في الحالات التالية:
١– إن كان كل من التمييز والاسم السابق عليه في الجملة لشيء واحد، أي أن مدلول كل منهما هو مدلول الآخر؛ نحو: كلام علي رجلًا، "فالرجل هو: علي، وعلي هو: الرجل"، وكرم العليان رجلين، وكرم العليون رجالًا، وكرمت عبلة فتاة، وكرمت العبلتان فتاتين، وكرمت العبلات فتيات و
٢– إن كان مدلول التمييز غير مدلول الاسم السابق١، ولكن هذا الاسم السابق جمع، والتمييز مصدر فإنه يجمع إذا اختلفت أنواعه باختلاف الأفراد التي يدل عليها الاسم السابق، وتنطبق عليها تلك الأنواع، وتنصب عليها، نحو: خسر الأشقياء أعمالًا، فقد جمع التمييز "أعمالًا" بقصد معين: هو بيان أن هذه الأعمال مختلفة الأنواع، وأن كل نوع منها يصيب شقيا، وهو فرد من أفراد الاسم السابق المجموع: "الأشقياء".
٣– إن كان التمييز غير الاسم السابق، ولكن الاسم السابق جمع، والتميز جمع متعدد، غير مصدر، فيجمع لإزالة ليس محتمل؛ نحو: كرم الأولاد آباء، فقد جمع التمييز: "آباء" ليدل جمعه على أن لكل ولد أبًا، وليسوا إخوة، ولو لم نجمعه، وقلنا: كرم الأولاد أبًا، لقوى احتمال أنهم إخوة من أب واحد.
ويجب ترك المطابقة فيما يأتي:
١– إن كان معنى التمييز واحدًا ليس له أفراد متعددة، ومعنى الاسم السابق متعددًا؛ نحو: كرم الأولاد أبًا "إذا كانوا إخوة لأب".
٢– أو كان التمييز غير الاسم السابق، ولكن الاسم السابق مفرد، والتمييز جمع متعدد غير مصدر، وقصد بجمعه إزالة لبس محتمل؛ نحو: نظف المتعلم أثوابًا، وكرم الشريف آباء، فلو طابق التمييز الاسم السابق لوقع في الوهم
_________________
(١) ١و١ أي: الممييز.
[ ٢ / ٤٢٨ ]
أن المقصود ثوب واحد، وأب واحد، ولإزالة هذا الاحتمال، والوهم جمع التمييز.
٣– أو كان التمييز مصدرًا لا يقصد أن تختلف أنواعه، نحو: أحسن الجنود عملًا.
وتترجح المطابقة في مثل؛ حسنت الفتاة عينًا؛ لأن احتمال اللبس يكاد يكون معدومًا؛ إذ لا يكاد يخطر على البال أن السن مقصور على عين واحدة. ويترجح تركها في: حسن الفتيان، أو الفتية وجهًا، للسبب السالف.
هـ- يتفق الحال والتمييز في أمور، ويفترقان في أخرى، وأهم ما يتفقان فيه خمسة أمور:
كلاهما: اسم، نكرة، منصوب، فضلة، رافع للإبهام.
وأهم ما يختلفان فيه سبعة:
١– التمييز لا يكون إلا مفردًا١، أما الحال فقد تكون جملة، أو شبه جملة.
٢- التمييز لا يكون إلا فضله، أما الحال فقد يتوقف عليها المعنى الأساسي كما سبق في بابها٢.
٣- التمييز مبين للذوات أو للنسبة، والحال لا تكون إلا مبينة للهيئات.
٤– تمييز الجملة لا يتعدد إلا بالعطف؛ نحو: ارتفع النبيل خلقًا، وعلمًا، وجاهًا. والأحسن في التمييز المتعدد للمفرد أن يكون تعدده بالعطف، إلا إن كان المراد من التمييز المتعدد المفرد معنى واحدا كالاختلاط في مثل عندي رطل عسلًا سمنًا؛ فيجوز التعدد مع العطف، وبدونه٣ أما الحال فتعدد بعطف وبغير
_________________
(١) ١ ليس جملة، ولا شبهها. ٢ في ص٣٦٤، وفي رقم٣ من ص ٤٠٨. ٣ انظر رقم٤ من ص٤٢٢.
[ ٢ / ٤٢٩ ]
عطف؛ نحو أقبل المنتصر، فرحًا، مسرعًا، مصافحًا رفاقه، أو فرحًا ومسرعًا، ومصافحًا وعند وجود العاطف لا تسمى في الاصطلاح "حالًا"، وإنما تعرف معطوفًا، برغم أنها تؤدي معنى الحال
١، وكذلك التمييز بعد العاطف لا يسمى في الاصطلاح تمييزًا، وإنما يعرب معطوفًا.
٥– لا يصح تقديم تمييز المفرد على عامله، والأحسن عند تقديم تمييز الجملة على عامله، إذا كان فعلًا مشتقًا، أو وصفًا يشبه، أما الحال فيجوز.
٦– التمييز في الغالب يكون جامدًا٢، أما الحال فتكون مشتقة وجامدة٣.
٧– التمييز لا يكون مؤكدًا لعامله في الصحيح٤، والحال قد تكون مؤكدة.
_________________
(١) ١ راجع ما يختص بهذا في ص٣٨٦ من باب الحال، حيث التفصيل. ٢ من أمثلة مجيئه مشتقًا قولهم: لله دره فارسًا انظر البيان الذي في: "ج" ص ٤٢٧. ٣ تقدم في ص٣٦٨ مواضع اشتقاقها وجمودها. ٤ يلاحظ الفرق الكبير بين هذا الحكم، والذي سبق في رقم٢ من هامش ص ٤١٦.
[ ٢ / ٤٣٠ ]
المسألة ٨٩: حروف الجر
مدخل
المسألة ٨٩: حروف الجر ١
يتناول الكلام عليها الأمور الآتية: "وأكثرها دقيق هام".
"عددها، وبيانها"، "عملها"، "تقسيمها من ناحية هذا العمل، والأصالة فيه، أو عدمها؛ وما يترتب على ذلك من التعلق بالعامل، وآثار التعلق ".
- "معاني كل حرف، ووجوه استعماله"، "حذف حرف الجر وحده مع إبقاء عمله، وحذفه مع مجروره"، "نيابة حرف جر عن آخر".
أ– فأما عددها وبيانها فالمشهور منها عشرون٢؛ هي:
من – إلى - حتى – خلا – عدا – حاشا – في – عن – على – مذ – منذ – رب – اللام – كي – الواو – التاء – الكاف – الباء – لعل – متى.
ب– وأما عملها فهو جر آخر الاسم٣ الذي يليها في الاختيار
_________________
(١) ١ يسميها بعض القدماء "حروف" الإضافة، لما يأتي في رقم٢ من هامش ص ٤٣٧"، وقد يطلقون عليها أحيانًا: "الظروف"؛ لأن "الظروف" يشمل "شبه الجملة" بنوعيه المعروفين؛ وهما: الظرف والجار مع مجروره، "انظر رقم١ من هامش ص٢٤٣ حيث بيان المراجع"، وقد يطلق على كل واحد منهما: "شبه الوصف، أو شبه المشتق"؛ لسبب المبين في رقم٣ من هامش ص٣٧٣، ولما في هامش ص٤٤٩. ٢ لم ندخل في عدادها الحرف: "لولا" الداخل على ضمير غير مرفوع "عند من يقول بأنه حرف جر شبيه بالزائد، كما سيجيء في ص٤٥٢، فما بعده مجرور لفظًا مرفوع محلًا، على أنه مبتدأ"؛ لأن من هذا تعقيدًا. ٣ ليست حروف الجر وحدها هي السبب، أو العامل في جر الاسم؛ فأسباب جزء أو عوامله الأصلية ثلاثة. "أولها": حروف الجر؛ فكل حرف منها لا بد له من اسم بعد يجره على الوجه المبين في هذا الباب. "ثانيها": أن يكون الاسم مضافًا إليه، "ثالثها": أن يكون الاسم تابعًا لمتبوع مجرور: فالنعت، والعطف، والتوكيد، والبدل، مجرورة حتما إذا كان المتبوع مجرورًا. بقي سببان آخران للجر؛ "أحدهما": الجر على "التوهم"، ومن صواب الرأي إهماله، وعدم الاعتداد به "كما قلنا في ص٣٤٧ و٥٣٥، وفي جـ١ ص ٥٢٢ م ٤٩ بعد أن أوضحناه، وتناولنا بالبيان في الموضعين، وفي جـ ٣ م ٩٣ ص٨. والآخر الجر على: "المجاورة" والواجب التشدد في إغفاله، وعدم الأخذ به مطلقًا، أما الداعي لاتخاذه =
[ ٢ / ٤٣١ ]
مباشرة١، جرًا محتومًا٢؛ ظاهرًا، أو مقدرًا، أو محليًا٣، فالظاهر كالذي
_________________
(١) = سببًا للجر عند القائلين به فوروده في أمثلة قليلة وبعضها خطأ، أو مشكوك في صحة نقله عن العرب قد اشتملت على جر الاسم من غير سبب ظاهر لجره، إلا مجاورته لاسم مجرور قبله مباشرة؛ منها: هذا "جحر ضب خرب"؛ بجر كلمة: "خرب" مع أنها صفة لكلمة: "جحر" ولا تصلح صفة لكلمة: "ضب"؛ لأن الضب لا يوصف بأنه خرب. ومنها قول الشاعر القديم: "يا صاح بلغ ذوي الزوجات كلهم "؛ بجر كلمة: "كل" مع أنها توكيد لكلمة: "ذوي" المنصوبة؛ إذ لو كانت توكيدًا لكلمة: "الزوجات" لقال: كلهن، وقد تأول النحاة المثال الأول بأن أصله: هذا جحر ضب خرب الجحر منه، أو خرب جحره، ثم حذف ما حذف؛ وبقي ما بقي، واشتد الجدل في نوع المحذوف وصحته وعدم صحته، على الوجه المبين في المطولات، "ومنها الهمع ج٢ ص٥٥". وقالوا في المثال الثاني: إنه خطأ أو ضرورة. واتفق كثير من الأئمة على أن الجر بالمجاورة ضعيف، أو ضعيف جدًا، وعلى هذا لا يصح القياس عليه، وإنما يقتصر على الوارد فيه، المسموع عن العرب، كما جاء في خزانة الأدب للبغدادي ج٢ ص٣٢٤ بل جاء في كتاب: "مجمع البيان، لعلوم القرآن" "ج٣ ص٣٣٥" ما نصه: "إن المحققين من النحويين نفوا أن يكون الإعراب بالمجاورة جائزًا في كلام العرب". ا. هـ، وكما في "المحتسب" لابن جني ج٢ ص٢٩٧ ونصه: "إن الخفض بالجوار أي المجاورة في غاية الشذوذ". ا. هـ. "وقد أعدنا ما سبق لأهميته في أول الجزء الثالث ص٨". ١ مباشرة: أي: بغير أن يفصل بينهما فاصل في الاختيار، لكن يجوز الفصل أحيانًا بكلمة "كان" الزائدة التي سبق الكلام عليها في باب: "كان" ج١ م٤٤، كما يجوز الفصل بين الجار ومجروره بلا النافية، مثل: حضرت بلا تأخر، وسررت من لا إهمال، والكوفيون يعتبرون "لا" في هذه الحالة اسمًا بمعنى: "غير" مجرورًا بحرف الجر الذي قبله وأن "لا"، مضاف، والكلمة التي تليه هي المضاف إليه، أما غير الكوفيين، فيعتبره حرفًا باقيًا على حرفيته لا يتأثر بالعوامل، وإنما هو زائد معترض بين الجار والمجرور، وأنه مع زيادته يؤدي معنى النفي، وتظهر آثار الجار على ما بعده؛ فيكون الاسم بعده مجرورًا بحرف الجر الزائد. "راجع، ج١ مبحث "لا". أما في حالة الضرورة الشعرية فقد يجوز مع القبح الفصل بينهما بالظرف، أو بالجار مع مجروره، أو بالمفعول، كقول الشاعر: إن عمرًا لا خير في اليوم عمرو إن عمرًا مكثر الأحزان وقول الآخر: وإني لأطوي الكشح من دون ما انطوى وأقطع بالخرق الهبوع المراجم والأصل: وأقطع بالهبوع المراجم الخرق، "الهبوع: الجمل الذي يمشي مشية حمار الوحش، والمراجم: الذي يرجم الأرض بأخفافه ويروى: المزاحم بالزاي. والخرق: المكان الواسع الذي تصفر فيه الريح". ٢ لا يجوز إلغاء عمله الجر. ٣ الجر المحلى فرع من الإعراب المحلى المختص بالكلمات المبنية؛ كالضمائر، وكأثر أسماء =
[ ٢ / ٤٣٢ ]
في الأسماء المجرورة في قول الشاعر:
إني نظرت إلى الشعوب فلم أجد كالجهل داء للشعوب، مبيدا
والمقدر كالذي في كلمة: "فتى" في قولهم: ما من فتى يستجيب لدواعي الغضب إلا كانت استجابته بلاء وخسرانًا.
والمحلى كالذي في قولهم: لا أتألم ممن يسعى بالوقيعة بين الناس قدر تألمي من الذين يعرفونه، وهم إلى ذلك يستجيبون لما يقول
هذا، ومن آثار حرف الجر أنه إذا دخل على "ما" الاستفهامية أوجب حذف ألفها في غير الوقف١؟ نحو قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾؟ ونحو: لم التواني؟ وفيم الرضا بالهوان؟
أما في الوقف فيجب حذف الألف، والإتيان بهاء السكت، وهي من الحروف الساكنة التي تزاد في آخر الكلمة، نحو: عمه؟ لمه؟ فيمه؟
ج– وتنقسم هذه الحروف من ناحية الاسم الذي تجره إلى قسمين، قسم لا يجر إلا الأسماء الظاهرة، وهو: عشرة.
مذ – منذ – حتى – الكاف – الواو – رب٢ – التاء – كي – لعل – متى.
_________________
(١) = الإشارة والموصول فيكون لفظ الكلمة مبينًا؛ لكنه في محل رفع، أو نصب، أو جر، على حسب ما يقتضيه العامل، ويختص كذلك بالجمل المحكية، وغيرها من الجمل الأخرى التي لها موقع إعرابي؛ كجملة النعت أو الحال ، كما يكون في المصادر المنسبكة، وهي في آخر الكلمة المجرورة بحرف جر زائد، أو شبيه بالزائد، كما سيأتي في هذا الباب. وما سبق مبني على الرأي القائل: إنه الإعراب المحلي نوع يختلف عن الإعراب التقديري، "وقد عرض لهما الصبان في الجزء الثاني من حاشيته، أول باب الفاعل، عند الكلام على حكمه: "الرفع"، وأوضحنا هذا مفصلًا في المكان المناسب من الجزء الأول؛ باب: "المعرب والمبني" ص ٨٠ م ٦ و٢٨٢ م ٢٣. ١ ويقول ابن جني في كتابه: "المحتسب" ج٢ ص٣٤٧ في قراءة من قرأ قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ بإثبات الألف في غير الوقف أو الضرورة ما نصه: "هذا أضعف اللغتين؛ أعني إثبات الألف في "ما" الاستفهامية إذا دخل عليها حرف جر"، وروينا عن قطرب لحسان: على ما قام يشتمني لئيم كخنزير تمرغ في رماد ا. هـ. ٢ ومن القليل الذي لا يقاس عليه جزء الضمير، وسيجيء البيان في ص ٥٢٣.
[ ٢ / ٤٣٣ ]
وقسم يجر الأسماء الظاهرة والمضمرة؛ وهو: العشرة الأخرى١، وسيأتي الكلام على معنى كل حرف من القسمين، وعمله.
وتنقسم من ناحية الأصالة وعدمها إلى ثلاثة أقسام، حروف أصلية وما قد يشبهها٢، ويلحق بها أحيانًا وحروف زائدة٣، وحروف شبيهة بالزائدة.
القسم الأول: الحرف الأصلي وشبهه٢، وهو الذي يؤدي معنى فرعيًا جديدًا في الجملة، ويوصل بين العامل والاسم المجرور٤؛ فله مهمتان يؤديهما معًا، وفيما يلي إيضاحهما:
أ– فأما من ناحية إفادته معنى فرعيًا جديدًا لا يوجد إلا بوجوده فيتجلى في مثل: "حضر المسافر"؛ فإن هذه الجملة مفيدة، ولكنها بالرغم من إفادتها
_________________
(١) ١ في بيان حروف الجر، والمختص منها بالظاهر دون غيره، يقل ابن مالك: هاك حروف الجر، وهي: من، إلى حتى، خلا، حاشًا، عدا، في، عن، على مذ منذ، رب، اللام، كي، واو، وتا والكاف، واليا، ولعل، ومتى بالظاهر اخصص منذ، مذ، وحتى والكاف، والواو، ورب، والتا وقد اقتصر على سبعة أحرف تجر الظاهر، وترك ثلاثة؛ هي: كي، لعل، متى. ويقول أيضًا: واخصص بمذ، ومنذ وقتًا، وبرب منكرًا والتاء لله، ورب وما رووا من نحو: ربه فتى نزر، كذا كها، ونحوه أتى أي: أن الكاف قد تجر المضمر شذوذًا. ٢و٢ بيان "الشبيه" موضح في رقم٢ من هامش الصفحة التالية. ٣ في الجزء الأول "م ٥ ص٦٦ و٧٠" بيان مفيد عن المراد من اللفظ الزائد، سواء أكان حرفًا أم غير حرف، وأنه لا يصح اعتبار اللفظ "سواء أكان حرفًا أم غير حرف" زائدًا إن أمكن اعتباره أصليًا؛ لأن اعتبار الأصالة، مقدم على اعتبار الزيادة. ٤ وهذا التوصيل هو ما يسمى: "التعلق" إلا الحرف: "على" إذا كان معناه الإضراب؛ فإنه يصح ألا يتعلق بعامل؛ كما سيجيء في ص٥١٢.
[ ٢ / ٤٣٤ ]
تبعث في النفس عدة أسئلة، يكون منها: أحضر المسافر من القرية أم من المدينة؟ أحضر من بلد أجنبي، أم غير أجنبي؟ أحضر في سيارة، أم في طيارة، أم في باخرة، أم في قطار؟ أحضر إلى بيته، أم إلى مقر
عمله؟ و و ففي هذه الجملة المفيدة نقص معنوي فرعي فإذا قلنا: "حضر المسافر من القرية"، وأتينا بحرف الجر الأصلي "من"، وبعده مجرورة فإن بعض النقص يزول، ويحل محله معنى فرعي جديد، بسبب وجود "من"، فإنها بينت أن ابتداء المجيء هو: "القرية "، ولم يوجد هذا المعنى إلا بوجود "من"؛ فهي لبيان: "الابتداء" وقد ظهر هذا المعنى الفرعي الجديد على المجرور بها١.
وإذا قلنا: "حضر المسافر من القرية إلى مقر عمله"، فإن نقصًا آخر معنويًا يزول، ويحل محله معنى فرعي جديد، هو: "الانتهاء"؛ بسبب وجود "إلى"، فقد دلت على أن نهاية السفر هي مقر العمل، ولولا وجود: "إلى" ما فهم هذا المعنى الفرعي الجديد، فهي لبيان الانتهاء، وقد ظهر على المجرور بها.
ولو قلنا: "حضر المسافر من القرية إلى مقر عمله في سيارة" لزال نقص معنوي آخر، وحل محله معنى فرعي جديد؛ هو: "الظرفية" بسبب وجود حرف الجر الأصلي "في" الذي يدل على أن المسافر كان خلال حضوره في سيارة تحويه كما يحوي الظرف المظروف، أي: كما يحوي الوعاء الشيء الذي يوضع فيه، وهكذا بقية حروف الجر الأصلية كلها وكذا الشبيهة بالأصلية٢، فإن كل حروف من النوعين لا بد أن يحمل معه للجملة المفيدة معنى فرعيًا جديدًا من المعاني٣
_________________
(١) ١ طبقًا للبيان الخاص بمعنى الحرف، والغرض منه، "وقد تقدم في جـ١ م٥ ص٦٢". ٢ حرف الجر الشبيه بالأصلي هو: "لا الجر الزائدة" غير محضة: لأنها تجيء لتقوية عاملها الضعيف، ومن الممكن الاستغناء عنها: فإذا لوحظ أنها تفيد عاملها " التقوية" كان هذا معنى جديدًا جلبته معها، وأفادته عاملها؛ فيجب تعلقها مع مجرورها به، وإن لوحظ أنه يجوز حذفها فلا تتأثر الجملة بحذفها كانت زائدة زيادة غير محضة؛ لأن الحرف الزائد زيادة محضة لا يفيد شيئًا إلا توكيد معنى الجملة كلها، لا بعضها وسيجيء البيان عند الكلام على لام الجر الزائدة المحضة التي للتقوية ص٤٧٥ وفيها المناقشة المفيدة التي قد تنتهي بالقارئ إلى رفض هذه التسمية المقصورة على نوع معين من أنواع اللام. ٣ لكل حرف من حروف الجر الأصلية أو الشبيهة بالأصلية، عدة معان، ولكل معنى مقام يناسبه، وسياق يقتضيه، "وسيجيء في ص٤٥٥ تفصيل هذا" لكن أيكون للحرف الواحد معنى واحدًا أم يكون له معان متعددة؟ وهل ينوب بعض حروف الجر عن بعض؟ الإجابة عن هذا في ص٤٥٥.
[ ٢ / ٤٣٥ ]
التي يختص بتأديتها، ولا يتكشف هذا المعنى الجديد إلا بعد وضع الحرف مع مجروره في الجملة المفيدة، وعندئذ يتكشف ويتحقق مدلوله على الاسم المجرور به كما سبق١.
أما وجود الحرف وحده أو مع مجروره بغير وضعها في جملة، فلا يفيد شيئًا.
هذا من ناحية إفادته معنى فرعيًا جديدًا لم يكن له وجود قبل مجيئه.
ب– وأما من ناحية وصله بين عامله والاسم المجرور وهو ما يسمى: "التعلق بالعامل"٢، فالنحاة يقولون: إن الداعي القوي لاستخدام حرف الجر الأصلي مع مجروره، هو الاستفادة بما يجلبه للجملة من معنى فرعي جديد، وهذا المعنى الفرعي الجديد ليس مستقلًا بنفسه، وإنما هو تكملة فرعية لمعنى فعل أو شبهه في تلك الجملة، ويوضحون هذا بما يشبه الكلام السابق، ففي مثل: حضر المسافر من القرية نجد الجار مع مجروره قد أكملا بعض النقص البادئ في معنى الفعل: "حضر"؛ فلولاهما لتواردت علينا الأسئلة السالفة، لكن بمجيئهما انحسم الأمر. فلهذا يقال: الجار والمجرور متعلق بالفعل: "حضر"، أي: مستمسك ومرتبط به ارتباطًا معنويًا كما يرتبط الجزء بكله، أو الفرع بأصله؛ لأن المجرور يكمل معنى هذا الفعل، بشرط أن يوصله به حرف الجر الأصلي٣، أو ما ألحق به.
_________________
(١) ١ وقد أسهبنا القول في إيضاح معنى الحرف مطلقًا، وأن معناه لا يعرف من لفظه فقط؛ وإنما يعرف بعد وضعه في جملة، وأن هذا المعنى يظهر على ما بعده و كل هذا في ج١ ص٦٢ م٥. ٢ وهذا التعلق مقصور على حرف الجر الأصلي وشبهه، دون الزائد وشبهه كما أسلفنا، وكما يجيء في ص٤٥٣. ٣ إلا الحرف "على" الذي للإضراب في مثل قول الشاعر: فتى تم فيه ما يسر صديقه على أن فيه ما يسوء الأعاديا كما سيجيء في ص٥١٢ و١ من هامش ص٤٥١ أما التفصيل والأمثلة ففي رقم٨ ص٥١٠. وهناك "اللام" الجارة الأصلية والزائدة ففي النوعين من ناحية تعلق كل منهما، وعدم تعلقه تفصيلات تترتب عليها أحكام اكتفينا بالإشارة إليها في رقم١ من هامش ص٤٧٢، ورقم٤ من هامش ص٤٣٩ اعتمادًا على بسطها في بابها الأنسب، وهو باب: "الاستغاثة"، "ج٤ م١٣٣ ص٧٨".
[ ٢ / ٤٣٦ ]
والنحاة يسمون هذا الفعل١"عاملًا".
ويقولون أيضًا: إن حرف الجر الأصلي وما ألحق به بمثابة قنطرة توصل المعنى من العامل إلى الاسم المجرور، أو بمثابة رابطة تربط بينهما؛ ولا يستطيع العامل أن يوصل أثره إلى ذلك الاسم إلا بمعونة حرف الجر الأصلي أو ما ألحق به؛ فهو وسيط، أو وسيلة للاتصال بينهما٢، ومن أجل هذا كان حرف الجر الأصلي وملحقه مؤديًا معنى فرعيًا، وهو في الوقت نفسه أداة من أدوات تعدية الفعل اللازم لمفعول به معنى "أي: حكمًا"، وهذه الأداة تتغير وتتنوع طبقًا للمعنى الذي يراد منها أن تؤديه.
مثال آخر: "قعد الرجل" فهذه جملة مفيدة؛ لكن أقعد في البيت، أم في السفينة، أم في الحقل ؟ فمعنى الفعل: "قعد" في الجملة السالفة محتاج إلى تكملة فرعية تدعو للإتيان بالجار الأصلي مع مجروره؛ فإذا قلنا: قعد الرجل في السفينة انكشف المعنى الكامل للفعل: "قعد" بسبب اتصاله بالسفينة، وكان هذا الاتصال بمساعدة حرف الجر الأصلي، إذ ليس من الممكن أن نقول: قعد الرجل السفينة؛ بإيقاع المعنى على السفينة مباشرة بغير حرف الجر؛ لأن الاستعمال العربي الصحيح يأبى ذلك؛ برغم شدة احتياج العامل وهو هنا الفعل: "قعد" إلى كلمة: "السفينة" ليقع عليها أثره المعنوي، لكنه عاجز عن أن يوصله إليها بنفسه؛ فجاء حرف الجر الأصلي وسيطًا للجمع بينهما، ومعينًا على تذليل تلك الصعوبة، ووصل بين معنى الفعل
_________________
(١) ١ وكذا ما يشبهه من العوامل الأخرى الآتية في ص٤٣٩. ٢ ولهذا يسميها بعض النحاة: "حروف الإضافة"، كما أشرنا في رقم١ من هامش ص٤٣١؛ لأنها إذا كانت أصلية "كما جاء في بعض المطولات، ومنها "المفصل" جـ٢ ص١١٧ تضيف أي تحمل وتنقل إلى الأسماء المجرورة بها معاني الأفعال وشبهها، من كل ما يقع عليه التعلق يشبه الجملة. ولو لم يوجد الحرف الأصلي ما تحققت الفائدة الفرعية التكميلية، ولا صح الأسلوب بعد حذف الجار وحده، وإبقاء مجروره السابق وهذا في غير المواضع القليلة التي يصح فيها حذفه، ويظل ملحوظًا بالرغم من حذفه، ومعتبرًا كالمذكور بخلاف غير الأصلي، فإنه حذفه وحده لا يفسد الأسلوب، وفائدته إما جديدة مستقلة، لا يقصد منها أن تتمم نقصًا في غيرها؛ وهذا هو: "الشبيه بالزائد"، وإما مؤكدة لمعناه؛ وهذا هو "الزائد"، كما سيجيء في ص٤٥٠ و٤٥٢. لهذا كان ما يسمونه "التعلق بالعامل" مقصورًا على حرف الجر الأصلي مع مجروره، وكذلك ما ألحق به
[ ٢ / ٤٣٧ ]
والاسم المجرور بعده، فهو بحق أداة اتصال بينهما؛ ولذا يعد وسيلة من وسائل تعدية الفعل اللازم إلى مفعول به تقديرًا، زيادة على ما يجلبه معه من معنى فرعي.
وكما سبق لا بد أن يتنوع هذا الحرف، ويتغير على حسب الغرض المعنوي المقصود١.
مثال ثالث: نام الوليد، فمعنى الفعل: "نام" معروف، ولكنه معنى يشوبه بعض النقص الفرعي؛ إذ لا يدل مثلًا على المكان الذي وقع فيه النوم، فالعامل؛ " وهو هنا الفعل: نام" بحاجة إلى إتمام المعنى بذكر المكان الذي وقع فيه أثره، فهل نقول: نام الوليد السرير؟ لا نستطيع ذلك؛ لأن الأساليب العربية السليمة تأباه، فالفعل عاجز عن إيصال معناه المباشر إلى تلك الكلمة، فنلجأ إلى الوسيط المساعد؛ وهو حرف الجر الأصلي، وشبهه ليوصل بين الاثنين، ويعدي الفعل اللازم إلى مفعول به معنى، "حكمًا"؛ فنقول: نام الوليد في السرير، ومثل هذا يقال في الفعلين: "دها"، و"ذم" من قول الشاعر:
ومن دعا الناس إلى ذمه٢ ذموه بالحق وبالباطل
وهكذا
من كل ما سبق نفهم أن حرف الجر الأصلي٣ مع مجروره إنما يقومان بمهمة مشتركة ومزدوجة، كانت السبب القوي في مجيئهما؛ وهي: إتمام معنى عاملها، واستكمال بعض نقصه٤ بما يجلبانه معهما من معنى فرعي جديد؛ وأحدهما وهو حرف الجر الأصلي٣ يقوم بمنزلة الوسيط الذي يصل بين العامل والاسم المجرور،
_________________
(١) ١ فيجب اختيار حرف الجر الذي يؤدي المعنى المراد، ولا يصح اختيار حرف لا يؤديه "راجع البيان الهام في ص١٦١، وفي رقم٤ من هامشها، ثم ما يتصل بهذا في ص٥٣٧"، ومن ثم تنوعت حروف الجر بتنوع المعاني في قول الشاعر: انتخب للقريض لفظًا رقيقًا كنسيم الرياض في الأسحار فإذا اللفظ رق شف عن المعنى فأبداه مثل ضوء النهار مثل ما شفت الزجاجة جسمًا فاختفى لونها بلون العقار ٢ بأن يفعل ما يستدعي أن يذموه بسببه. ٣ و٣ وكذا ما ألحق به. ٤ لتجلية هذه المسألة أيضًا والسبب في وجوب التعلق، ولو بالمحذوف تراجع ص٢٤٥، وما بعدها ففيها ما يتصل بوضوعنا ويفيد.
[ ٢ / ٤٣٨ ]
فيحمل معنى الأول إلى الثاني، ويجعل عامله اللازم متعديًا حكمًا وتقديرًا، ويعبر النحاة عن كل هذا تعبيرًا اصطلاحيًا؛ هو: "أن الجار الأصلي وشبهه مع مجروره متعلقان بالعامل، حتمًا١"، فالمراد من تعلقهما حتمًا به هو: وجوب اتصالهما وارتباطهما به؛ لتكملة معناه الفرعي على الوجه الذي سلف.
كما نفهم أيضًا ما يقولونه من: أن الاسم المجرور بالحرف الأصلي وشبه وهو بمنزلة "المفعول به" لذلك العامل؛ لوقوع معنى العامل عليه؛ كما يقع على "المفعول به" الحقيقي؛ فكلا الاسمين يقع عليه معنى عامله، وكلاهما يتمم معنى العامل، "المتعلق به"، إلا أن المفعول به الحقيقي منصوب، ويصل إليه معنى ذلك العامل مباشرة أي: بغير وسيط أما الاسم الآخر، فمجرور بحرف الجر الأصلي، ولا يصل إليه معنى عامله "وهو المتعلق به" إلا بوسيط، ولا يصح تسميته مفعولًا به حقيقيًا، بالرغم من أنه بمنزلته٢، كما لا يصح إعرابه فاعلًا، ولا مفعولًا به، ولا مبتدأ، ولا بدلًا٣ ولا غير ذلك ، وإنما يقتصر في إعرابه على أنه "اسم مجرور بالحرف"، وكفى٤
أنواع العامل "أي: المتعلق به"، ومواضع ذكره وحذفه:
ليس من اللازم أن يكون العامل "أي: المتعلق به" فعلًا؛ فقد يكون فعلًا مطلقًا٥، وقد يكون شيئًا آخر يشبهه؛ كاسم الفعل في مثل: نزال في
_________________
(١) ١ إلا الحرف الأصلي: "على" إذا كان معناه الإضراب، فإنه يصح ألا يتعلق، وكذلك اللام الجارة الأصلية في بعض الآراء كما أشرنا في رقم٣ من هامش ص ٤٣٦ و٢ من هامش ص٤٤٤، ويجيء البيان والتفصيل والأمثلة في رقم ٨ من ص٥١٠. ٢ إذا كان بمنزلة المفعول به حكمًا ومعنى، فهل يجوز في توابعه النصب؟ الإجابة الصحيحة: لا، "راجع "ب" من ص١٢٥ ثم رقم٣ من هامش ص١٥١ ثم ص١٦١". ٣ يستثنى من هذا الحكم صورة خاصة يصح فيها عند فريق من النحاة إعراب الاسم المجرور بالحرف "بدلًا"؛ طبقًا للبيان التفصيلي في باب "البدل" ج٣ ص ٥٣٨ م١٢٣. ٤ "ملاحظة": ما المراد الدقيق مما نقرؤه في بعض المراجع اللغوية، وغيرها، أن فعلًا معينًا لازمًا، يردفونه تصريحًا أو تمثيلًا؛ بأنه يتعدى بحرف جر معين؟ الجواب في رقم٤ من هامش ص١٦١. ٥ أي: بغير تقيد بنوع الفعل، فيشمل الفعل الجامد، والمتصرف، والتام، والناقص، وغير ذلك إلا الفعل: "ليس"، ففي التعلق به خلاف.
[ ٢ / ٤٣٩ ]
الباخرة، بمعنى: انزل في الباخرة، وحيهل على داعي المروءة، بمعنى: أقبل على داعي المروءة، وكالمصدر الصريح١ في قولهم: السكوت عن السفيه جواب، والإعراض عنه عقاب ومثل: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعامة من أقوى الدعائم لإصلاح المجتمع، وكالمشتق الذي يعمل عمل الفعل؛ نحو: أنا محب لعملي، فرح به، مرتاح لرفاقي فيه، وقول الشاعر:
يموت المداوي للنفوس ولا يرى لما فيه من داء النفوس مداويًا
وكذلك٢ المشتق الذي لا يعمل٣؛ كاسم الزمان، واسم المكان و نحو: انقضى مسعاك لتأييد الحق، وعرفنا مدخلك إلى أعوانه.
وقد يكون العامل لفظًا غير مشتق، ولكنه في حكم المؤول به "أي: يؤدي معنى المشتق"؛ مثل: "أنت عمر من قضائك"، فالجار مع مجروره متعلقان بكلمة: "عمر" الجامدة؛ لأنها مؤولة بالمشتق؛ فهي هنا بمعنى: عادل، ومثل قولهم: "قراءة كلام السفهاء علقم على ألسنتنا"، فالجار والمجرور متعلقان "بعلقم" الجامدة؛ لأنها هنا بمعنى: صعب، أو شاق، أو مؤلم، أو: مر
والمشهور: أن حرف الجر الأصلي مع مجروره لا يتعلقان بأحرف المعاني، ولكن
_________________
(١) ١ وهو يشمل المصدر الدال على المرة، أو الهيئة، كما يشمل المصدر الميمي، والصناعي. ٢ ومن أمثلة الفعل والمشتق الذي يشبهه قول الشاعر: انظر إلى ورق الغصون فإنها مشحونة بأدلة التوحيد وقول الآخر: ترفق أيها المولى عليهم فإن الرفق بالجاني عتاب ٣ هذا هو الراجح؛ لأن المشتق غير العامل لا يخلو من رائحة الفعل. راجع حاشيتي: الخضري والصبان، أول باب: "إعمال اسم الفاعل" عند قول ابن مالك: إن كان عن مضيه بمعزل حيث علق الجار والمجرور: "عن مضيه" بكلمة: "معزل" التي اسم مكان، "وستجيء الإشارة هذا في ج٣ ص٢٤٣ م٢-١ باب: اسم الفاعل، وفي ص ٣٢١ م ١٠٧".
[ ٢ / ٤٤٠ ]
هذا المشهور مخالف لما نقلناه عن بعض المحققين١.
وقد يخلو الكلام من ذكر العامل٢؛ لأنه:
أ– إما محذوف جوازًا لوضوحه؛ بسبب اشتهاره في الاستعمال قبل الحذف وأمن اللبس بعد الحذف، أو بسبب وجود دليل يدل عليه؛ فمثال الأول: "بأبي" في قول المتنبي:
بأبي من وددته فافترقنا وقضى الله بعد ذاك اجتماعا
وقول الآخر:
بنفسي تلك الأرض؛ ما أطيب الربا!! وما أحسن المصطاف٣ والمتربعا٤!!
يريد: أفدي بأبي، أفدي بنفسي، ومثال الثاني: أزورك في مساء الخميس أما أخوك ففي مساء الجمعة، أي: فأزوره في مساء الجمعة.
ب– وإما محذوف وجوبًا إذا كان هذا العامل٢ دالًا على مجرد الكون العام، أي: الوجود المطلق؛ وذلك في مسائل؛ أشهرها سبعة:
١– أن يقع صفة، نحو؛ هذه رسالة في يد صديق عزيز.
٢– أو: حالًا؛ نحو: نظرات الرسالة في يد صديق عزيز.
٣– أو: صلة، نحو: استمتعت بالأزهار التي في الحديقة.
٤– أو: خبرًا لمبتدأ أو لناسخ، كقول الشاعر:
جسمي معي، غير أن الروح عندكمو فالجسم في غربة، والروح في وطن
فليعجب الناس مني؛ أن لي بدنًا لا روح فيه، ولى روح بلا بدن
_________________
(١) ١ راجع إيضاح هذا وتفصيله الكامل في باب: "الظرف" رقم٤ من هامش ص٢٤٥ م٧٨. "٢و٢" وهو: المتعلق به، وقد يكون تعلق شبه الجملة بالإسناد "أي: بالنسبة الواقعة بين ركني الجملة، وهذا إذا لم نتوصل إلى فعل أو شبهه مما يصح التعلق به، كقول ابن مالك في باب الاستثناء خاصا بالأداتين "خلا وعدا": "وحيث جرا فهما حرفان "، فالظرف "حيث" متعلق بالنسبة المأخوذة من قوله: "فهما حرفان" أي: تثبت حرفيتهما حيث جرا، "وقد سبق تفصيل وإيضاح لهذا في هامش ص٣٥٧، وتسمية بالعامل المعنوي ص٢٤٥". ٣ المكان المختار لقضاء فصل الصيف فيه. ٤ المكان المختار لقضاء فصل الربيع فيه.
[ ٢ / ٤٤١ ]
٥– أو: أن يلتزم العرب حذفه في أسلوب معين؛ كقولهم لمن تزوج: "بالرفاء ١والبنين"، أي: تزوجت فلا يجوز في مثل هذا الأسلوب ذكر العامل؛ لأنه أسلوب جرى مجرى الأمثال، والأمثال لا تغير.
٦– أو يكون حرف الجر هو "الواو" أو"التاء" المستعملتين في القسم، نحو: والله لا أبتدئ بالأذى، وقول الشاعر:
فوالله لا يبدي لساني حاجة إلى أحد حتى أغيب في القبر
تالله لأصنعن المعروف، التقدير: أقسم والله، أقسم بالله.
٧– أو: أن يرفع الجار مع مجروره الاسم الظاهر عند من يقول بذلك٢؛ بشرط اعتمادها على استفهام، أو نفي؛ نحو: أفي الله شك؟: ما في الله شك.
وإذا كان العامل محذوفًا جاز تقديره فعلًا، "مثل: استقر – حصل – وجد – كان بمعنى: وجد و " وجاز تقديره وصفًا يشبهه؛ "مثل: مستقر – حاصل – كائن "، إلا في القسم والصلة لغير "أل" الموصولة؛ فيجب تقديره فيهما فعلًا؛ لأن جملتي القسم والصلة لغير "أل"، لا تكونان هنا إلا جملتين فعليتين٣، ولن يتحقق هذا إلا بتعلق شبه الجملة بفعل محذوف، لا بغيره.
وقد سبق أن أوضحنا جواز القول تيسيرًا بأن الجار والمجرور إذا وقعا صفة، أو صلة، أو خبرًا، أو حالًا، هما الصفة، أو الصلة، أو الخبر، أو الحال، من غير نظر للعامل، ولا اعتباره واحدًا من تلك الأشياء٤.
ولما كانت العلاقة بين العامل "المتعلق به"، والجار مع مجروره على ما ذكرنا من الارتباط المعنوي الوثيق وجب أن ننتبه عند التعليق؛ فنميز العامل الذي يحتاج إلى الجار مع المجرور لتكملة معناه، من غيره الذي لا يحتاج؛ فنخص الأول بتعلقهما به، ونعطيه ما يناسبه، دون سواه من العوامل التي لا يصح التعلق بها؛ إما
_________________
(١) ١ الرفاء "بكسر الراء المشددة" هو: التوافق، والالتئام، وعدم الشقاق. ٢ وهو رأي يحسن اليوم إغفاله قدر الاستطاعة، لما يوقع فيه من بلبلة. ٣ كما في هامش ص٤٤٧ وما بعدها. ٤ سبق هذا في ص٢٤٨، وفي جـ ١ ص٢٧٢، ٣٤٦، وسيجيء في رقم ٣ من هامش ص٤٤٥ و٤٤٧ كلام هام في هذا.
[ ٢ / ٤٤٢ ]
بسبب الاكتفاء بمعنى العامل دون احتياج إلى الجار مع مجروره، وإما بسبب فساد المعنى المراد من العامل إذا تعلقا به.
بيان ذلك: أن الكلام قد يشتمل على عدة أفعال أو غيرها مما يشبهها، فيتوهم من لا فطنة له أن التعلق بكل واحد منها جائز؛ فيسارع إلى التعليق غير متثبت من حاجة العامل لهذا التعليق، في استكمال المعنى أو عدم حاجته، وغير ملتفت إلى ما يترتب عليه من فساد المعنى أو عدم فساده؛ كما يتضح من الأمثلة التالية:
"جلست أقرأ في كتاب تاريخي" فلو تعلق الجار والمجرور: "في كتاب" بالفعل: "جلس" لكان المعنى: جلست في كتاب ، وهذا واضح الفساد، لكن يستقيم لمعنى لو تعلقا بالفعل: "أقرأ"، فيكون: أقرأ في كتاب تاريخي
"قاس الطبيب حرارة المريض، وكتبها، بمقياس الحرارة"، فلو تعلق الجار والمجرور بالفعل: "كتب" لكان المعنى: كتب الطبيب حرارة المريض بمقياس الحرارة. وهذا غير صحيح؛ لأنه لا يحصل، وإنما يصح المعنى بتعلقهما بالفعل: "قاس"؛ إذ كان الأصل: قاس الطبيب بمقياس الحرارة حرارة المريض، وهذا معنى سليم.
ويقول الرصافي:
جهلت كجهل الناس حكمة خالق كل الخلق طرًا بالتعاسة حاكم
وغاية جهدي أنني قد علمته حكيمًا، تعالى عن ركوب المظالم
فلو تعلق الجار والمجرور: "على الخلق" بالفعل: "جهل" لأدى هذا التعلق إلى فساد شنيع في المعنى؛ إذ يكون التركيب: جهلت على الخلق جميعًا أي: تكبرت عليهم، وأسأت إليهم، وهذا غير المراد، وكذلك لو تعلقا بالمصدر: "جهل" أو: "حكمة" ، أما لو تلعقا بالوصف المشتق: "حاكم" فإن المعنى يستقيم، ويتحقق به المراد، إذ يكون التركيب حاكم على الخلق طرا بالنعاسة ، ومثل هذا يقال في الجار والمجرور: "بالتعاسة".
ويقول الشاعر:
عداتك منك في وجل وخوف يريدون المعاقل والحصونا
فلو تعلق الجار ومجروره "منك" بكلمة: "عداة"١ لفسد المعنى، بخلاف
_________________
(١) ١ جمع: عاد، بمعنى ظالم، "فهو عامل مشتق".
[ ٢ / ٤٤٣ ]
تعلقهما بكلمة: "وجل" فإن المعنى معه يكون: غداتك في وجل منك وهو معنى مستقيم.
ومن الأمثلة السالفة يتبين أن متعلقهما قد يكون متأخرًا عنهما، أو متقدمًا عليهما؛ فليس من اللازم أن يتقدم عليها العامل الذي يتعلقان به، وقد اجتمع الأمران في قول الشاعر:
بالعلم والمال يبني الناس ملكهمو لم يبن ملك على جهل وإقلال
وفي قول الآخر:
لئن لم أقم فيكم خطيبًا فإنني بسيفي إذا جد الوغى لخطيب
فالمراد: يبني الناس ملكهم بالعلم والمال لم يبن الناس ملكهم على جهل وإقلال لئن لم أقم فيكم خطيبًا، فإنني لخطيب بسيفي١
فالواجب يقتضي في كل الأحوال أن نبحث لحرف الجر الأصلي٢ مع مجروره عن "العامل" المناسب لهما، ولا سيما إذا تعددت حروف الجر ومجروراتها، وتعددت معها الأفعال وأشباهها٣، وأن نميزه ونستخلصه من غير المناسب؛ ولا نتأثر في اختياره بقربه من الجار والمجرور، أو بعده عنهما، أو تقدمه عليهما أو تأخره، أو ذكره، أو حذفه٤، وإنما نتأثر بشيء واحد؛ هو
_________________
(١) ١ وكذلك في قول الشاعر: الغني في يد اللئيم قبيح مثل قبح الكريم في الإملاق وقول الآخر: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي ٢ وشبهه، إلا الحرف الأصلي اللام، وكذا: "على" الذي للإضراب، فكلاهما يصح ألا يتعلق، "كما سبق في رقم٣ من هامش٤٣٦ ورقم١ من هامش ٣٣٩ طبقًا للبيان الآتي في رقم٨ من ص٥١٠". ٣ الكثير ألا يتعلق حرفان للجر بعامل واحد إذا كانا بمعنى واحد كالذي في مثل: مررت بالوالد بالأخ؛ حتى لقد منع بعض النحاة هذا التعليق: منعًا باتًا. أما عند اختلاف معنى الحرفين فيجوز تعلقهما بعامل واحد؛ نحو: كتبت بالقلم بالصحيفة، والحق أن المنع القاطع المطلق مخالف لظاهر كلام الزمخشري في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾، فإنه يفيد الجواز مع كون معنى الحرفين: "من" الأولى والثانية واحدًا؛ ذلك؛ لأن الحرف الثاني إنما يتعلق بالفعل بعد تقييده بالأول، والأول إنما تعلق به في حال الإطلاق. "راجع شرح التصريح وحاشية ياسين ج٢ باب الحال عند الكلام على الحال مع صاحبها". ٤ وقد اجتمع الذكر والحذف في قولهم: "من أشار على أخيه بشيء يعلم أن الرشد في غيره، فقد خانه" أي: موجودة في غيره.
[ ٢ / ٤٤٤ ]
ما يكون بين العامل وبينهما من ارتباط معنوي يحتم اتصالهما به بطريقة تعلقهما به مع ملاحظة الرأي المشهور؛ وهو: أن شبه الجملة بنوعيه لا يتقدم على عامله المؤكد بالنون١.
وفي هذه الحالة التي يتمم فيها الجار والمجرور المعنى مع عاملهما يسميان "شبه الجملة٢ التام"، فإن لم يكمل بهما المعنى "وقد يكون ذلك لعدم اختيار "المتعلق به" المناسب سميًا: "شبه الجملة الناقص"، نحو: محمد عنك، الشمس حتى اليوم، النهر بك و فهذه تراكيب فاسدة، بخلاف: محمد في البيت، الشمس على خط الاستواء، النهر لنا٣.
_________________
(١) ١ انظر البيان في ٣ من هامش ص١٠١. ٢ شبه الجملة قسمان: الظرف، والجار مع مجروره، وفي باب الصلة خاصة يعتبر الوصف الواقع صلة "أل" بمنزلة شبه الجملة، "وقد تقدم إيضاح هذا في الجزء الأول عند الكلام على أنواع الصلة، وسيجيء في الهامش بعد هذا مباشرة بيان العلامة التي تميز شبه الجملة التام المفيد مما ليس تامًا ولا مفيدًا". ٣ من المستحسن أن نلخص ما سبق متناثرًا "هنا في ص٢٤٥ وما بعدها، وج ١ في بابي "الموصول"، و"المبتدأ والخبر" خاصًا يشبه الجملة؛ من ناحية التعلق، ووجوب حذف العامل أو جوازه، وشبه الجملة اللغو والمستقر و وما يصحب كل هذا من أحكام هامة، وإنما نعيده بمناسبة للكلام على حروف الجر؛ لأن الجار مع مجروره أحد الشرطين اللذين يسميان: "بشبه الجملة"، والشطر الآخر هو: "الظرف"، ويطلقه بعض القدماء على الشطرين ويزاد عليهما صلة "أل" خاصة "كما سبق في رقم ٢"، فأنسب مكان لتسجيل كل ما يختص بشبه الجملة هو: " باب الظرف"، و"باب حروف الجر"، وإلى هذين البابين قبل غيرهما يتجه نظر الباحث في "شبه الجملة": حيث يجب أن يتجمع ويتركز في كل باب ما يناسبه من أحوال شبه الجملة، وأحكامه، دون الاعتماد على المتفرق في الأبواب الأخرى، لمناسبات طارئة. الأصل المتفق عليه بين النحاة أن العامل في الظرف، وفي الجار مع مجروره يقع بنفسه في مواقع إعرابية مختلفة؛ منها: الصلة، والصفة، والخبر، والحال و، فهل يقع شبه الجملة نفسه في تلك المواقع الإعرابية بدلًا من عامله، ويحل محله؟ لا مانع من هذا في رأي حسن لفريق من قدامى النحاة، بشرط أن يكون العامل في شبه الجملة بنوعيه محذوفًا، وبشرط أن يكون كل منهما مفيدًا بعد حذف العامل الذي يتعلقان به مع ملاحظة أن الذي يتعلق من أنواع الجار مع مجروره هو حرف الجر الأصلي مع مجروره وشبه الأصلي، دون حرف الجر الزائد وشبهه مع مجرورهما، وأوضح علامة تدل على وجود الفائدة المطلوبة من الظرف ومن الجار مع مجروره هو أن يفهم متعلقهما المحذوف بمجرد ذكرهما، ويتحقق هذا في صورتين: الأولى: أن يكون هذا المتعلق المحذوف شيئًا يدل على مجرد الوجود العام، أي: الوجود المطلق دون زيادة معنى آخر، وهذا يسمى: "الاستقرار العام" أو: "الكون العام" ومعناهما: مجرد الوجود؛
[ ٢ / ٤٤٥ ]
ملاحظة:
المشهور أن شبه الجملة التام بنوعيه "الظرف، والجار مع مجروره" إذا وقع
_________________
(١) = ففي نحو: "تكلم الذي عندك" أي: الموجود عندك لا يفيد الظرف: "عند" شيئًا أكثر من الدلالة على وجود الشخص وجودًا مطلقًا من غير زيادة شيء آخر على هذا الوجود؛ كالأكل، او الشرب، أو القراءة، أو سواها وهذا هو "الوجود العام"، أو: "الاستقرار العام" أو: "الكون العام" كما قلنا، ولا يحتاج في فهمه إلى قرينة، أو غيرها، وكذلك نحو: "سكت الذي في الحجرة" أي: الموجود في الحجرة وجودًا مطلقًا غير مقيد بزيادة شيء آخر؛ كالنوم، أو الضحك، أو المشي، وكذلك غيرهما من الأمثلة. ولأن هذا الكون العام واضح "ومفهوم" بداهة طبقًا للبيان الهام الذي سبق في ص ٢٤٦ وجب حذفه في مسائل؛ منها ما ذكرناه، وهو: أن يقع صلة، أو صلة، أو خبرًا، أو حالًا ؛ إذ لا داعي للإضافة بذكره من غير حاجة إليه. الثانية: أن يكون متعلقهما أمرًا خاصًا محذوفًا جوازًا لوجود ما يدل عليه. ويظهر المتعلق الخاص في المثالين السابقين بأن نقول: تكلم الذي وقف عندك، وسكت الذي نام في الحجرة، فكلمة: "وقف" أو: "نام" تؤدي معنى خاصًا هو: الوقوف، أو: النوم، ولا يمكن فهمه إلا بذكر كلمته في الجملة، والتصريح بها، فليس هو مجرد حضور الشخص، ووجود المطلقين؛ وإنما هو الوجود والحضور المقيدين بالوقوف أو بالنوم، ولهذا لا يصح حذف المتعلق الخاص إلا بدليل يدل عليه وعندئذ يجوز حذفه؛ مثل: قعد صالح في البيت ومحمود في الحديقة؛ فقول: بل صالح الذي في الحديقة، تريد: بل صالح الذي قعد في الحديقة: فإن حذف المتعلق الخاص بغير دليل كان الظرف والحال مع مجروره غير تأمين؛ فلا يصلحان للصلة، ولا لغيرها مما سبق؛ مثل: هذا الذي أمامك، أو: منك، تريد هذا الذي غضب أمامك، أو: غضب منك، ومثل: غاب الذي اليوم أو: الذي بك، تريد: غاب الذي حضر اليوم، والذي استعان بك. فالمتعلق العام المطلق قد زيد عليه هنا ما جعله خاصًا مقيدًا، فلا يصح حذفه إلا بقرينة. وظرف المكان هو الذي يكون متعلقه في الصلة كونًا عامًا واجب الحذف، أو كونًا خاصًا واجب الذكر إلا عند وجود قرينة؛ فيجوز معها حذفه أو ذكره. أما ظرف الزمان فلا يكون متعلقه إلا خاصًا؛ فلا يجوز حذفه إلا بقرينة، وبشرط أن يكون الزمن قريبًا من زمن الكلام، نحو: نزلنا المنزل الذي البارحة، أو: أمس، أو آنفًا، فإن كان زمن الظرف بعيدًا من زمن الإخبار بمقدار أسبوع مثلًا، لم يحذف العامل؛ فلا تقول يوم الأربعاء: نزلنا المنزل الذي يوم الخميس أو يوم الجمعة. ولم أطله على تحديد النحاة للزمن القريب أو البعيد؛ ولكن قد يفهم من أمثلتهم أن القريب هو ما يتجاوز يومين، وأن البعيد ما زاد عليهما، وربما كان عدم التحديد مقصودًا منه ترك الأمر للمتكلم والسامع. وشبه الجملة بنوعيه يسمى: "مستقرًا" "بفتح القاف، والمراد: مستقر فيه" حين يقع متعلقه "كونًا عامًا" يفهم بدون ذكره، ويسمى: "لغوًا" حين يقع متعلقه "كونًا" مذكورًا أو محذوفًا لقرينة تدل عليه، وإنما سمي "مستقرًا" لأمرين سبقت الإشارة إليهما في ص٢٤٦ و٢٥٠؛ لاستقرار معنى عامله فيه؛ أي: فهمه منه؛ ولأن حين يصير خبرًا مثلًا ينتقل إليه الضمير من عامله المحذوف، ويستقر فيه، وبسبب هذين الأمرين استحق عامله الحذف وجوبًا، وسمي "اللغو" لغوًا؛ لأن وجوده ضئيل =
[ ٢ / ٤٤٦ ]
بعد نكرة محضة وجب إعراب متعلقه "عامله" نعتا، وإذا وقع بعد معرفة محضة.
_________________
(١) = الأثر مع وجود عامله: إذ لا يستقر فيه معنى عامله، ولا يتحمل ضميره. وفي هذه الحالة يكون العامل الملفوظ به في الجملة هو الخبر، أو الصفة، أو الصلة، أو الحال أو ، ويجب ذكره، ولا يجوز حذفه إلا لقرينة، ولو حذف لوجودها لكان مع حذفه أيضًا هو الخبر أو الصفة، أو الصفة، أو الحال فلا يصح في رأي الكثرة في حالتي ذكر الكون الخاص، أو حذفه أن يكون الظرف أو الجار مع مجروره خبرًا، أو نعتًا، أو واحدًا مما سبق، وهذا نوع من التشدد لا داعي له، إذ لا مانع هنا أن نعرب شبه الجملة بنوعيه هو الخبر، أو الصفة، أو الصلة، أو الحال، أو غيرها، وذلك عندما يحذف جوازًا عامله المعروف؛ لأن هذا الإعراب جائز في شبه الجملة الذي حذف عامله العام وجوبًا كما سيجيء، فلم لا يجوز هنا؟ ويتضح مما سبق أن شبه الجملة بنوعيه لا بد أن يدل في أصله على: "الوجود المطلق"، ثم يمتاز اللغو بدلالته فوق هذا على معنى خاص؛ كالمشي، أو الحركة وغيرهما مما يزاد عليه فيجعله خاصًا مقيدًا، بعد أن كان عامًا مطلقًا. ويتضح أيضًا أن الكون العام واجب الحذف مع شبه الجملة؛ إذ لا فائدة من ذكره؛ ولا خفاء، ولا لبس بحذفه، ولانتقال الضمير منه إلى شبه الجملة، وأن الكون الخاص يجب ذكره حتمًا؛ لعدم وجود ما يدل عليه عند حذفه، فإن وجدت قرينة تدل عليه وتعينه صح حذفه مثل: الفارس فوق الحصان، أي: راكب فوق الحصان، ومن لي بفلان؟ أي: من يتكفل لي بفلان؟ والبحتري من الشعراء؛ أي: معدود منهم، ومثل قوله تعالى في القصاص: ﴿الْحُرُّ بِالْحُر﴾، على تقدير: الحر مقتول بالحر؛ لأن تقدير الكون العام في الأمثلة السابقة لا يؤدي المعنى المراد، والمتعلق الخاص المحذوف لوجود قرينة تدل عليه هو الذي يعرب عندهم كما سبق خبرًا، أو صفة، أو صلة، أو حالًا لا شبه الجملة. وبالرغم من حذفه فإنه لا يخرج شبه الجملة في رأيهم عن اعتباره: "لغوًا" ولا يتنافى مع ما هو ثابت له من أنه: "كون خاص"، فالمعول عليهم عندهم في الحكم باللغو راجع إلى خصوص الكون، وأنه ليس بعام؛ سواء أذكر الكون الخاص أم حذفه لقرينة، وفي الحكم بالاستقرار إلى عموم الكون، وأنه ليس بخاص. وينتقلون بعد هذا إلى تقسيمات وتفريعات شاقة، وأدلة جدلية مرهقة في إثبات ذلك الأقسام والفروع، وفي المفاضلة بين أن يكون المتعلق المحذوف فعلًا أو اسمًا؛ وغير هذا مما لا حاجة إليه اليوم، ولا ضرر من إهماله، بل الخير في إهماله، ولا الاقتصار عند حذف العامل على إعراب الظرف، والجار مع مجروره هو: الخبر، أو الصفة، أو الصلة، أو الحال وهو رأي لبعض السابقين، ولا داعي التشدد في البحث عن نوع العامل المحذوف مع عدم الحاجة إليه، ولا للتمسك بأنه هو الخبر، أو الصفة أو ، ولا خير في ركوب الشطط لإظهار آثاره. لأن المعنى جل كامل بدونه، إن ذلك التشدد هو صورة من الجانب المعيب في نظرية العامل النافعة الجميلة، ولم الإعنات وفي استطاعتنا التخفيف والتيسير بغير إفساد؟ وقد دعا لهذا بعض القدامى كما أشرنا، وكما ورد في كثر من المراجع الكبيرة، كالمفصل وغيره، يقول صاحب المفصل "ج١ ص ٩٠" عند الكلام على أقسام الخبر ما نصه: "اعلم أنك لما حذفت الخبر الذي هو: "استقر" أو: "مستقر"، وأقمت الظرف مقامه. =
[ ٢ / ٤٤٧ ]
وجب إعرابه حالا، أما إذا وقع بعد نكرة غير محضة، أو معرفة محضة فيجوز
_________________
(١) = على ما ذكرنا صار الظرف هو الخبر، والمعاملة معه "يريد أن الآثار اللفظية والمعنوية في الجملة قد انتقلت إليه"، وهو مغاير المبتدأ في المعنى، ونقلت الضمير الذي كان في الاستقرار إلى الظرف، وصار مرتفعًا به؛ كما كان مرتفعًا بالاستقرار؛ ثم حذفت الاستقرار، وصار أصلًا مرفوضًا لا يجوز إظهاره؛ للاستغناه عنه بالظرف، وقد صرح ابن جني بجواز إظهاره، والقول عندي أنه بعد حذف الخبر الذي هو الاستقرار، ونقل الضمير إلى الظرف لا يجوز إظهار ذلك المحذوف؛ لأنه قد صار أصلًا مرفوضًا، فإن ذكرته أولًا وقلت: زيد استقر عندك لم يمنع منه مانع. واعلم أنك إذا قلت: "زيد عندك" فعندك ظرف منصوب بالاستقرار المحذوف؛ سواء أكان فعلًا: أم اسمًا، وفيه ضمير مرفوع، والظرف وذلك الضمير في موضع رفع بأنه خبر المبتدأ، وإذا قلت: زيد في الدار، أو: من الكرام، فالجار والمجرور في موضع نصب بالاستقرار على حد انتصاب، "عندك" إذا قلت: زيد عندك، ثم الجار والمجرور والضمير المنتقل في موضع رفع بأنه خبر المبتدأ ا. هـ. وهو يشير بقوله: "الجار والمجرور في موضع نصب بالاستقرار " إلى ما هو معروف في الاصطلاح النحوي من أن المجرور بحرف جر أصلي، وشبهه هو "مفعول به" في المعنى، وحرف الجر أداة لتوصيل أثر الفعل إليه "كما شرحنا أول الباب، ص ٤٣٩، وفيما سبقه من ص ١٥١ و١٥٩ و ". وعلى هذا يكون ما يدور على الألسنة اليوم عند الإعراب من أن الظرف، أو الجار مع مجروره هو الصلة، أو الصفة، أو الخبر، أو الحال أمرًا سائغًا مقبولًا، ورأيًا لبعض القدامى يحمل طابع التيسير والاختصار. فإن وقع أحدهما في تلك المواضع فقد يتعلق بشيء مذكور يصلح للتعلق، كالفعل ونحوه وقد يتعلق بفعل محذوف أو بمشتق، أو غيره مما يصح التعلق به، ولا يتحتم أن يكون المحذوف فعلًا إلا حين يقع صلة، لغير "أل"؛ لأن الصلة لا تكون إلا جملة "والوصف المشتق مع مرفوعه ليس جملة، ولا يكون صلة لغير "أل"، كما عرفنا في باب الموصول، وكذلك يتحتم أن يكون فعلًا في حالة القسم الذي حذفه عامله؛ لأن جملة القسم أيضًا لا بد أن تكون فعلية كما سبق في ص٤٤٢. ومما تجدر ملاحظته أن شبه الجملة بنوعيه "الظرف، والجار الأصلي مع مجروره" إذا تعلق بفعل مؤكد بالنون لم يجز أن يتقدم على هذا الفعل في الرأي المشهور دون الرأي الآخر طبقًا للبيان الذي سبق في رقم٣ هامش ص١٠١، وأشرنا إليه في أول ص٤٤٥. وإذا أخذنا بهذا الرأي السهل اليسير كانت تسمية الظرف والجار مع مجروره "شبه جملة" إنما هي من قبيل الإبقاء على التسمية القديمة، ومراعاة أصلها السابق، أو: لأن كلا من الظرف والجار مع مجروره ليس مفردًا في الحقيقة، بل هو مركب؛ إذ يحمل معه الضمير المستتر الذي انتقل إليه من العامل المحذوف على الوجه الذي بسطناه. أما التسمية القديمة وأصلها السابق فقد أوضحناهما من قبل بما ملخصه: أن الظرف أو الجار مع المجرور ليس هو الخبر، ولا الصفة، ولا الصلة، ولا الحال، و =
[ ٢ / ٤٤٨ ]
إعرابه في كل صورة من الصورتين، حالًا، أو نعتًا، لكن يقول بعض المحققين: إن متعلق شبه الجملة يصلح أن يكون حالًا أو نعتًا في جميع الصور؛ سواء أكانت النكرة والمعرفة محضتين أم غير محضتين، ما عدا صورة واحدة يتعين أن يكون شبه الجملة فيها نعتًا، هي: أن تكون النكرة محضة، ورأيه حسن، وقد سبق إيضاحه التام وتفصيله١.
وحروف الجر السابقة كلها أصلية خالصة، إلا أربعة؛ هي: "من"، و"الباء" و"اللام" و"الكاف"، فهذه الأربعة تستعمل أصلية حينًا، وزائدة حينًا آخر، وإلا "لعل" و"رب"؛ فإنهما حرف جر شبيهان بالزائد، وكذا: "لولا" في رأي أشرنا إليه من قبل٢، ومن النحاة من يجعل: خلا، وعدا،
_________________
(١) = و في رأي جمهرتهم، وإنما الخبر وغيره في الحقيقة لفظ آخر محذوف يتعلق به الظرف والجار الأصلي مع مجروره؛ إذ لا مهمة لشبه الجملة إلا إتمام المعنى في غيره، لهذا لا بد لنوعيه أن يتعلقا بفعل أو بما يشبهه؛ ليتم بهما المعنى للأسباب الموضحة في أول هذا الباب وفي باب الظرف، والمحذوف قد يكون فعلًا فقط أما فاله الضمير فقد تكره واستقر في شبه الجملة، وقد يكون في غير الصلة والقسم شيئًا آخر، فإن لم يوجد في الكلام ما يصلح أن يقع عاملًا يتعلق به الظرف أو الجار الأصلي مع مجروره كما في مثل: الغزال في الحديقة، فأين العامل؟ فلما كان التعلق واجبًا وكان شبه الجملة غير صالح لأن يكون هو المبتدأ في المعنى كالشأن في الخبر، وكان العامل غير موجود؛ وجب تقديره محذوفًا؛ إما فعلًا مع فاعله "أي: جملة فعلية، مثل: استقر، أو: ثبت، أو: حصل، أو كان، بمعنى: وجد، "وهي التامة" وإما اسما مشتقا، مثل: "مستقر"، أو: "كائن" المشتقة من "كان" التامة، وإما اسما آخر يصلح عاملا، وإما بالنسبة "أي: الإسناد طبقا لما هو مشروح في رقم٢ من هامش ص٤٤١"، فليس الخبر أو غيره عندهم هو الظرف نفسه، أو الجار مع مجروره مباشرة؛ إنما الخبر هو المحذوف، ويتعلق به كل واحد من هذين، ولما كان كل منهما صالحًا لأن يتعلق بالفعل المحذوف، ويدل عليه وعلى فاعله بغير خفاء ولا لبس كان شبه الجملة بمنزلة النائب عنهما، والقائم مقامهما، والفعل مع فاعله جملة، فما ناب عنها قام مقامها شبه بها، لذلك أسموه: "شبه الجملة". وأصحاب هذا الرأي يقولون: إن الضمير الذي كان فاعلًا للعامل المحذوف قد انتقل بعد ذلك كله إلى شبه الجملة، أي: بعد أن تمت المشابهة، وبسبب انتقال الضمير إلى شبه الجملة، وصحة تعلقه بالمشتق سموه: "شبه الوصف" أيضًا كما سبق في رقم٣ من هامش ص٣٧٣، وفي رقم١ من هامش ص٣٨٢. وقد أوضحنا سبب تعلق الظرف، وطريقته وما يتصل بهذا في بابه من هذا الجزء ص٢٤٥ وما بعدها وكذا في جـ١ م٣٥ ص٤٣١ كما أوضحنا هنا في هذا الباب أمرهما مع الجار والمجرور. ١ في جـ١ ص١٩٢ و١٩٤ حيث البيان الكامل. ٢ رقم٢ من هامش ص٤٣١ م٨٩ وتفصيل هذا في الجزء الأول عند الكلام على: "الحرف" ص٤٣ وما بعدها م٥.
[ ٢ / ٤٤٩ ]
وحاشا، من حروف الجر الشبيهة بالزائدة، لكن لا داعي للعدول عن اعتبارها حروفًا أصلية؛ كما سبق١ في باب الاستثناء وسيجيء تفصيل الكلام عن معاني حروف الجر، وعملها يالموضع الخاص بهذا من الباب٢.
القسم الثاني: حرف الجر الزائد٣ زيادة محضة٤، وهو الذي لا يجلب معنى جديدًا، وإنما يؤكد ويقوي المعنى العام في الجملة كلها، فشأنه شأن كل الحروف الزائدة؛ يفيد الواحد منها توكيد المعنى العام للجملة كالذي يفيده تكرار تلك الجملة كلها، سواء أكان المعنى العام إيجابًا أم سلبًا، ولهذا لا يحتاج إلى شيء يتعلق به، ولا يتأثر المعنى الأصلي بحذفه، نحو: كفى بالله شهيدًا، بمعنى: يكفي الله شهيدًا؛ فقد جاءت "الباء" الزائدة لتفيد تقوية المعنى الموجب وتأكيده؛ فكأنما تكررت الجملة كلها لتوكيد إثباته وإيجابه، ومثل: ليس من خالق إلا الله أي: ليس خالق إلا الله، فأتينا بالحرف الزائد: "من": لتأكيد ما تدل عليه الجملة كلها من المعنى المنفي، وتقوية ما تتضمنه من السلب، ولو حذفا الحرف الزائد في المثالين ما تأثر المعنى بحذفه٥.
ولا فرق في إفادة التأكيد بين أن يكون الحرف الزائد في أول الجملة، أو في وسطها، أو في آخرها؛ نحو: بحسبك الأدب، كفى بالله شهيدًا، الأدب بحسبك
وقد تكون زيادة الحرف واجبة لا غنى عنها كزيادة "باء الجر" بعد صيغة "أفعل" للتعجب القياسي؛ نحو: أكرم بالعرب٦.
_________________
(١) ١ في رقم ٤ من هامش ص٣٥٥. ٢ ص٤٥٥ وما بعدها. ٣ أشرنا في رقم٣ من هامش ص٤٣٤ إلى الموضع الذي يشتمل على بيان المراد من "اللفظ الزائد" سواء أكان اللفظ حرفًا أم غير حرف، وأن ذلك الموضع هو: ج١ م٥ ص٦٦ و٧٠. ٤ هناك "اللام الجارة" قد تكون زيادتها لتقوية عاملها، فتكون زيادتها شبيهة بالمحضة "كما سبق في رقم٢ من هامش ص٤٣٥، ويجيء البيان في ص٤٧٥". ٥ ومن أمثلة زيادتها لتقوية المعنى المنفي قول الشاعر: ولست براض عن حياة ذليلة ولا بد للأحرار من موطن حر ٦ بشرط دخولها على اسم صريح، لا مؤول من أن وأن وصلتهما كما سيجيء عند الكلام على "الباء" في حروف الجر رقم١٤ من ص٤٩٤، وانظر رقم١ هامش ص١٦٣، ثم رقم٤ من هامش ص٥٣٢ للأهمية.
[ ٢ / ٤٥٠ ]
وإنما لم يتعلق الجار الزائد مع مجروره بعامل؛ لأن التعلق والزيادة متعارضان؛ إذ الداعي للتعلق هو الارتباط المعنوي بين عامل عاجز، ناقص المعنى، واسم يكمل هذا النقص، ولا يصل إليه أثر ذلك العامل إلا بمساعدة حرف جر أصلي وشبهه أما الزائد، فلا يدخل الكلام ليعين على الإكمال، والإيصال الأثر من العامل العاجز إلى الاسم المجرور، وإنما يدخل الكلام لتأكيد معناه القائم، وتقويته كله، لا للربط.
طريقة إعراب المجرور بالحرف الزائد:
لا بد من أمرين معًا في الاسم المجرور بالحرف الزائد؛ أن يكون مجرورًا في اللفظ، وأن يكون مع ذلك في محل رفع، أو نصب، أو جر؛ على حسب مقتضيات العوامل، فله إعراب لفظي، معه آخر محلي، ففي مثل، "كفى بالله شهيدًا" تعرب "الباء" حرف جر زائدًا "الله" مجرور بها، في محل رفع؛ لأنه فاعل، إذ الأصل: كفى الله
وفي مثل: "بحسبك الأدب"، "الباء": حرف جر زائد، "حسب" مجرور بها، في محل رفع؛ لأنها تصلح مبتدأ؛ إذ الأصل: حسبك الأدب وهكذا، فحرف الجر الأصلي والزائد يشتركان في أمر واحد، هو: أن كل منهما لا بد أن يجر الاسم بعده، ويختلفان في ثلاثة أمور:
١– في أن الحرف الأصلي لا بد أن يأتي بمعنى فرعي جديد لم يكن في الجملة قبل مجيئه، أما الحرف الزائد فلا يأتي بمعنى جديد، وإنما يؤكد ويقوي المعنى العام الذي تتضمنه الجملة كلها قبل مجيئه.
٢– والحرف الأصلي مع مجروره لا بد أن يتعلقا١ بعامل محتاج إليهما في تكلمة معناه وإيصال أثره إلى الاسم المجرور، أما الحرف الزائد ومجروره فلا يتعلقان.
٣- والحرف الأصلي يجر الاسم بعده لفظًا دون أن يكون لهذا الاسم محل آخر من الإعراب٢، وتوابعه مجرورة اللفظ مثله، ولا محل لها، أما الزائد فلا بد
_________________
(١) ١ إلا الحرف: "علي" الذي للإضراب، وكذا اللام الأصلية في بعض الآراء "انظر البيان في ص٤٣٦ ورقم٣ من هامشها". ٢ أي: أنه ليس له إعراب محلي.
[ ٢ / ٤٥١ ]
أن يجر الاسم لفظًا، وأن يكون له مع ذلك محل من الإعراب، وإذا جاء تابع لهذا الاسم المجرور جاز فيه أمران؛ إما الجر مراعاة للفظ المتبوع، وإما حركة أخرى يراعى فيها محل المتبوع لا لفظه؛ ففي مثل: "كفى بالله القادر شهيدًا" يصح في كلمة: "القادر" الجر تبعًا للفظ "الله" المجرور لفظًا، ويجو الرفع تبعًا لمحله باعتباره فاعلًا، ومثل هذا يجري في سائر التوابع؛ حيث يجمع في التابع الإعراب اللفظي مع الإعراب المحلي.
وأشهر حروف الجر الزائدة هو الأربعة السالفة "من – الباء – اللام – الكاف "، وسيأتي معنى كل وعمله في المكان الخاص بذلك١.
القسم الثالث: حرف الجر الشبيه بالزائد، وهو الذي يجر الاسم بعده لفظًا فقط، ويكون له مع ذلك محل من الإعراب٢ فهو كالزائد في هذا، ويفيد الجملة معنى جديدًا مستقلًا، لا معنى فرعيًا مكملًا لمعنى موجود، ولهذا لا يصح حذفه؛ إذ لو حذفناه لفقدت الجملة المعنى الجديد المستقبل الذي جلبه معه، ولكنه لا يحتاج مع مجروره لشيء يتعلق به؛ لأن هذا الحرف الشبيه بالزائد لا يستخدم وسيلة للربط بين عامل عاجز ناقص المعنى، واسم آخر يتمم معناه.
ومن أمثلته: رب، لعل"، وكذا "لولا"، عند فريق من النحاة"، نحو: رب غريب شهم كان أنفع من قريب، رب صديق أمين كان أوفى من شقيق، فقد جر الحرف: رب، الاسم بعده في اللفظ، وأفاد الجملة معنى جديدًا مستقلًا هو: التقليل، ولم يكن هذا المعنى موجودًا.
وسيجيء فصيل الكلام على هذا الحرف من ناحية معناه وعمله، وكل ما يتصل به في موضعه الخاص٣.
_________________
(١) ١ ص٤٥٥ وما بعدها. ٢ سبقت الإشارة "في هامش ص٣٥٥ و٤٥٢" إلى أن الأفضل إهمال الرأي الذي يدخل: "خلا وعدا وحاشا" في حروف الجر الشبيهة بالزائدة، لما فيه من تضييق وتعقيد لا داعي لهما، فاعتبارها حروف جر أصلية أيسر وأوضح. ٣ انظر الكلام على: "رب" ص٥٢٢ وما بعدها، وفي ص٥٢٤ رأي آخر يجعل الحرف "رب" من حروف الجر التي تتعلق بعامل.
[ ٢ / ٤٥٢ ]
طريقة إعراب الاسم المجرور بحرف الجر الشبيه بالزائد:
حرف الجر الشبيه بالزائد يجر الاسم بعده لفظًا فقط، ويكون لهذا الاسم محل من الإعراب؛ فهو في هذا شبيه بالحرف الزائد كما أسلفنا ففي المثالين السابقين: تعرب "رب" حرف جر شبيه بالزائد، وكلمة: "غريب" أو: "صديق" مجرورة بها في محل رفع؛ لأنها مبتدأ، وإذا جاء تابع لهذا الاسم المجرور جاز الجر مراعاة للفظ المتبوع، وجاز ضبطه بحركة تناسب محله، ففي المثالين السابقين نقول: رب غريب شهم كان أنفع من قريب، رب صديق مهذب كان أوفى من شيق؛ بجر كلمتي: "شهم" و"مهذب" مراعاة للفظ المنعوت، أو رفعهما مراعاة لمحله.
مما سبق نعلم أن الشبيه بالزائد يشبه الأصلي في أمرين؛ هما: جر الاسم بعده، وإفادة الجملة معنى جديدًا مستقلًا؛ فلم يجئ ليتمم معنى عامله.
ويخالفه في أمرين؛ هما: عدم تعلقه هو ومجروره بعامل، وأن لمجروره محلًا من الإعراب فوق إعرابه اللفظي بالجر.
وأن الشبيه بالزائد يشارك الزائد في أمور ثلاثة: هي، جر الاسم لفظًا واستحقاق هذا الاسم للإعراب المحلي فوق إعرابه اللفظي بالجر، وعدم حاجة الجار مع مجروره إلى متعلق.
ويخالفه في أمر واحد؛ هو: إتيانه بمعنى جديد مستقل كما أسلفنا أما الزائد، فلا جديد في المعنى معه، وإنما يستخدم لتأكيد معنى الجملة كلها.
[ ٢ / ٤٥٣ ]
تلك هي الأنواع الثلاثة من حروف الجر، وتتلخص أوجه المشابهة والمخالفة بين هذه الأنواع الثلاثة فيما يأتي:
_________________
(١) ١ أما الذي زيادته غير محضة، فإيضاحه في رقم٢ من هامش ص٤٣٥، وكذلك في رقم١٠ من ص٤٧٥ حيث الكلام على "لام الجر" الزائدة للتوكيد، أي: للتقوية.
[ ٢ / ٤٥٤ ]
المسألة ٩٠:
د– معاني١ حروف الجر، ووجوه استعمالها.
المشهور من حروف الجر عشرون، سردنا ألفاظها٢، وأنواعها الثلاثة.
ونشير إلى أمرين:
أولهما: أن كل حرف من هذه العشرين، قد يتعدد معناه، وقد يشاركه غيره في بعض هذه المعاني، أي: أن المعنى الواحد قد يؤديه حرفان أو أكثر، وللمتكلم أن يختار من الحروف المشتركة في تأدية المعنى الواحد أو غير المشتركة، ما يشاء مما يناسب السياق، غير أن الحروف المشتركة في تأدية المعنى الواحد قد تتفاوت في هذه المهمة، فبعضها أقوى على إظهاره من غيرها، لكثرة استعمالها فيه، وشهرتها به، وهذه الكثرة والشهرة، تختلف باختلاف العصور والطبقات، ومن ثم كان من المستحسن بلاغة اختيار الحرف الأوضح، والأشهر وقت الاستعمال، دون الحرف الغريب، أو غير المألوف، برغم صحة استعمال كل منهما استعمالًا قياسيًا في المعنى الواحد، أما إذا اختلف الحروف في أداء المعاني فجيب الاقتصار على ما يؤدي المعنى المراد، واختياره وحده؛ ولهذا يجب تنويع حروف وتغييرها على حسب المعاني المقصودة.
ثانيهما: أن بضع حروف الجر يكثر استعماله في الجر حتى يكاد يقتصر عليه؛ مثل: من، إلى، عن، على، رب، في، وبعضًا آخر يقل استعماله فيه، وهذا ستة أحرف٣ هي: خلا – عدا – حاشا – كي – لعل – متى.
غير أن الذي يكثر استعماله في الجر والذي لا يكثر سيان، من ناحية أن
_________________
(١) ١ سبقت إشارة إلى معنى الحرف، "في رقم٣ من هامش ص٤٣٥ ورقم١ من هامش٤٣٦"، وسألنا هناك؛ أيكون لحرف الجر معنى واحد يقتصر عليه، أم له أكثر؟ وهل ينوب بعض حروف الجر عن بعض؟ وقلنا: إن الإجابة عن هذا في ص٤٥٥. ٢ في ص٤٣١ م٨٩. ٣ ولا يصح قصر عامل على حرف منها، ولا حبس حرف منها على عامل انظر البيان الخاص في رقم٤ من هامش ص١٦١.
[ ٢ / ٤٥٥ ]
استخدامها قياسي في الموطن المناسب للمعنى، لا يمنع منه مانع؛ حتى القلة المشار إليها، فإنها ليست من النوع الذي يمنع القياس والمحاكاة، إذ هي قلة نسبية لا ذاتية١ "أي: أنها تعتبر قليلة إذا قيست بالنوع الآخر الكثير، وليست قليلة في ذاتها، بل كثيرة بغير تلك الموازنة".
فأما الثلاثة الأولى من القسم القليل القياسي، فقد سبق إيفاؤها حقها من الإبانة والتفصيل في باب الاستثناء٢.
وأما "كي" فحرف جر أصلي للتعليل لا يجر إلا أحد ثلاثة أشياء:
الأول: "ما" الاستفهامية التي يسأل بها عن سبب الشيء وعلته؛ كأن يقول شخص: قد لازمت البيت أسبوعًا، فيسأله آخر: كيمه٣؟ بمعنى: لمه؟ أي: لماذا؟، ومثل: أقصد الريف كل أسبوع، فيقال: كيمه؟ أي: لمه؟.
و"كي" هذه تسمى: "كي التعليلية"؛ لأنها تدخل على استفهام يسأل به عن العلة والسبب كما سبق، فهي بمنزلة اللام الجارة التي تسمى: "لام التعليل" في معناها وعملها.
الثاني: "ما" المصدرية مع صلتها٤؛ فتجر المصدر المنسبك منهما معًا؛ مثل: أحسن معاملة الناس كي ما تسلم من أذاهم، أي: لسلامتك من أذاهم. وتسمى: "كي المصدرية": لجرها المصدر المنسبك من الحرف المصدري مع صلته؛ فهي مثل "لام التعليل" معنى وعملًا.
الثالث: "أن المصدرية" مع صلتها٤؛ فتجر المصدر المنسبك منهما
_________________
(١) ١ انظر الأشموني جـ٣ أول باب الإضافة عند بيت ابن مالك: "وأما أكسب ثان أولًا "، وقد أشرنا إلى هذا المعنى في مواضع مختلفة من أجزاء الكتاب، "ومنها رقم٢ من هامش ص٣٨٦، ومنها مع الإيضاح جـ٣ رقم١ من هامش ص ٦٤ م ٩٣ ورقم ٤ من هامش ص ٨٧ م ٩٤". ٢ ص ٣٥٧ م ٨٣ وأن الأفضل اعتبارها حرف جر أصلية، لا شبيهة بالزائدة "كما أشرنا قريبًا في رقم ٢ من هامش ص ٤٥٢". ٣ أصل الكلام: كيما؟ أي: لما؟ ومن المعروف أن "ما" الاستفهامية إذا جرت تحذف ألفها، ويحل محل الألف "هاء السكت" الساكنة، بشطر أن تكون هذه الزيادة ي حالة الوقف على "ما" دون حالة اتصالها بما بعدها من الكلام. ٤ و٤ سبق تفصيل الكلام على "ما" المصدرية بنوعيها، ومعناها، وطريقة استعمالها، وصوغ المصدر منها، وكذا أن، في جـ١ باب الموصول ص ٢٦٩ م ٢٧.
[ ٢ / ٤٥٦ ]
معًا؛ والغالب في هذه الصورة إضمار "إن" بعد "كي" مثل: أحسن السكوت كي تحسن الفهم، والأصل: كي أن تحسن الفهم، فالمصدر المنسبك من "أن" المضمرة، وصلتها في محل جر بالحرف: "كي"١، وهي أيضًا مثل "لام التعليل"، معنى وعملًا.
أي: أنها في المواضع الثلاثة السابقة تؤدي معنى واحدًا وعملًا واحدًا٢
ومما تقدم نعلم أن: "كي" الجارة لا تجر اسمًا معربًا، ولا اسمًا صريحًا.
وأما لعل٣، فحرف جر شبيه بالزائد، ومعناه الكثير هو: الترجي والتوقع٤؛
_________________
(١) ١ هناك مذهب؛ يجعل "كي" هي الناصبة المصدرية، وقبلها لام التعليل مقدرة في هذا المثال وغيره مما لا يظهر فيه "أن" الناصبة، "كما سيجيء في رقم٢ هنا" ولا مانع من الأخذ به، وهو ملخص لما في جـ ٤ باب إعراب الفعل: "قسم النواصب". ٢ يكثر في الأساليب الفصيحة إما وقوع لام الجر قبل: "كي" مباشرة؛ مثل: تنقلت في البلاد؛ لكي أستفيد خبرة، وإما وقوع "أن" المصدرية بعدها، دون أن تسبقها لام الجر، مثل: أتجنب السهر الطويل؛ كي أن أحتفظ بقوتي ونشاطي، وإما أن تقع قبلها لام الجر وبعدها "أن" المصدرية "وهذه الصورة قليلة بالنسبة للسابقتين" مثل: أواظب على نوع من الرياضة البدنية؛ لكي أن أفيد جسمي، فإن وجدت "لام" الجر وحدها قبل: "كي" وجب اعتبار "كي" حرفًا مصدريًا ناصبًا بنفسه: فيكون مثل "أن" المصدرية؛ معنى وعملًا؛ لأن حرف الجر لا يدخل في الغالب على مثله إلا لتوكيد لفظي، وإن وقعت بعدها: "أن" المصدرية ولم تسبقها "لام" الجر وجب اعتبارها حرف جر كـ"لام" التعليل معنى وعملًا، وهذا قليل قياسي كما سبق، فالأحسن اعتبارها جارة للمصدر المنسبك بعدها مع تأكيدها للام الجر قبلها، ويجوز أن تكون مصدرية مؤكدة "بأن" بعدها، والمصدر المنسبك مجرور باللام التي قبلها. فإن لم توجد "لام" الجر قبلها، ولا "أن" بعدها جاز اعتبارها مصدرية بتقدير "اللام" قبلها، أو حرف جر بتقدير: "أن" بعدها، راجع أحكامها في جـ٤ باب النواصب. ٣ تكثر فيها لغات أربع: إثبات اللام الأولى مفتوحة، مع تشديد الثانية مفتوحة أو مكسورة، وحذف الأولى مع تشديد الثانية مفتوحة أو مكسورة؛ فهذه اللغات الأربع، هي التي تستعمل بكثرة في الجر دون غيرها من باقي اللهجات، واستعمالها حرف جر مقصور على قليل من العرب، وهو مع جوازه وقياسيته غير خفيف على الأسماع، ولا سائغ اليوم، لغرابته. ٤ سبق في الجزء الأول، باب: "إن" أن الترجي أو التوقيع، هو: انتظار حصول شيء مرغوب فيه، ميسور التحقق، ولا يكون إلا في الأمر الممكن. "ولعل" قد تكون أحيانًا للتعليل، أو: الظن
[ ٢ / ٤٥٧ ]
نحو: لعل الغائب قادم غدًا، فكلمة: "لعل" حرف جر شبيه بالزائد "الغائب" مجرور بها لفظًا في محل رفع مبتدأ، "قادم" خبره، غدًا ظرف زمان منصوب على الظرفية.
وأما "متى" فحرف جر أصلي١ ومعناه: الابتداء غالبًا نحو: قرأت الكتاب متى الصفحة الأولى حتى نهاية العشرين، أي: من ابتداء الصفحة الأولى فهي في تأدية هذا المعنى مثل "من الابتدائية".
إلى هذا انتهى الكلام على الحروف التي تستعمل قليلًا في الجر، مع قياس استعمالها.
وننتقل إلى الكلام على الحروف الكثيرة الاستعمال فيه، فنوضح المعاني القياسية لكل واحد، وما قد يتصل بعمله.
ويلاحظ ما سبق٢، وهو أن حرف الجر الأصلي حين يؤدي معنى فرعيًا من المعاني التي ستذكر لا بد أن يقوم في الوقت نفسه بتعدية عامله اللازم إلى مفعول به معنى٣، وهذا المفعول المعنوي هو الاسم المجرور بالحرف الأصلي.
من: حرف يجر الظاهر والمضمر، ويقع أصليًا وزائدًا ويتردد بين أحد عشر معنى:
١– التبعيض، أي: الدلالة على البعضية، وعلامتها: أن يكون ما قبلها
_________________
(١) ١ يستعمله قليل من العرب دون كثرتهم، ومن هذا القليل قبيلة: "هذيل"، ومن كلامهم: "أخرجها متى كمه: أي: من كمه، وقول شاعرهم أبي ذؤيب الهذلي في وصف السحب المتراكمة فوق لجج البحر: شربن بماء البحر ثم ترفعت متى لجج خضر لهن نئيج يريد: من لجج النئيج: الصوت العالي وجاء في الهمع جـ٢ ص٣٤ ما نصه: "إنها تأتي بمعنى: "وسط" حكى: "وضعها متى كمه" أي: وسطه، وإذا كانت بمعنى "وسط" هي اسم أو "من" فحرف، جزم به ابن هشام وغيره". ا. هـ. ويرى بعض النحاة كالفراء أنها عند "هذيل" مقصورة على الاسمية الخالصة، بمعنى: "وسط"، فإذا اقتصرنا على هذا الرأي فهي معربة، وإن جرينا على الرأي الذي يجعلها صالحة للاسمية والحرفية فهي مبنية، ومع جواز استعماله أسمًا أو حرفًا وقياسيته فيهما، لا ترتاح له الأذن اليوم، لغرابته. ٢ في ص ٤٣٨. ٣ انظر رقم٣ من هامش ص٤٧٣.
[ ٢ / ٤٥٨ ]
في الغالب جزءًا من المجرور بها، مع صحة حذفها ووضع كلمة: "بعض" مكانها؛ نحو: خذ من الدراهم، وكقولهم: ادخر من غناك لفقرك، ومن قوتك لضعفك؛ فالمأخوذ بعض الدراهم، والمدخر بعض الغني والقوة، ويصح وضع كلمة: "بعض" مكان كلمة: "من"، ومثل هذا قول الشاعر:
وإنك ممن زين الله وجهه وليس لوجه زانه الله شائن
فالمخاطب جزء من الاسم المجرور بها؛ وهو: "من" الموصولة التي بمعنى "الذين"، وقد يكون ذلك الجزء متأخرًا عنها وعن الاسم المجرور بها، وفي اللفظ دون الرتبة؛ كقولهم: "إن من آفة المنطق الكذب، ومن لؤم الخلاق الملق"، فالكذب والملق متأخران في الترتيب اللفظي وحده، ولكنهما متقدمان في درجتهما؛ لأن كلًا منهما هو: "اسم إن"، والأصل في "اسم إن" تقدمه في الرتبة على خبرها١
٢– بيان الجنس٢، وعلامتها: أن يصح الإخبار بما بعدها عما٣ قبلها؛ كقولهم: اجتنب المستهترين من الزملاء، فالزملاء فئة من جنس عام هو: المستهترون؛ فهي نوع يدخل تحت جنس "المستهترين" الشامل للزملاء وغير الزملاء. وكقولهم: تخير الأصدقاء من الأوفياء أي: الأصدقاء الذين هم جنس ينطبق على فئة منهم لفظ: "الأوفياء"، وهذا الجنس عام، يشمل بعمومه الأوفياء وغيرهم.
٣- ابتداء الغاية٤ في الأمكنة كثيرًا، وفي الأزمنة أحيانًا وهي في الحالتين
_________________
(١) ١ ومثل هذا المتأخر في اللفظ ما ورد في الأثر: "إنما يرحم الله من عباده الرحماء"، والأصل: إنما يرحم الله الرحماء من عباده. ٢ أي: بيان أن ما قبلها في الغالب جنس عام يشمل ما بعدها، فما قبلها أكثر وأكبر؛ كالمثال الأول الآتي، وقد يكون العكس، نحو: هذا السوار من ذهب، وهذا الباب من خشب، "وانظر رقم٥ من هامش ص٤١٦". ٣ له علامة أخرى: أن يصح حذف، "من" ووضع اسم مفعول مكانها مع ضمير يعود على ما قبلها، هذا إن كان ما قبلها معرفة، فإن كان نكرة فعلامتها أن يخلفها الضمير وحده؛ نحو: أساور من ذهب، أي: هي ذهب. ٤ معنى الغاية هنا رقم ما سيجيء في٢ من هامش ص٤٦٨: المسافة المكانية حينًا، والمقدار الزمني حينًا آخر، على حسب الياق، بيان هذا: أن الفعل وشبيهه المتعدي بمن الجارة له معنى يستمر قليلا أو طويلا، وابتداء هذا المعنى هو الاسم المجرور بمن، وهذا الاسم هو الدال على زمان أو مكان كما في الأمثلة التالية. وليس المراد معناها الحقيقي الذي هو آخر الشيء، فالتسمية هنا من تسمية الكل باسم الجزء. ومعناها هنا قد يختلف عنه في الظروف على حسب ما هو مبين في رقم٢ من هامش ص٢٩٢م ٧٩.
[ ٢ / ٤٥٩ ]
قياسية، وهذا المعنى أكثر معانيها استعمالًا١؛ فمثال الأولى قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾؛ فابتداء مكان الإسراء هو المسجد الحرام، ونحو: جاءتني رسالة من فلان، فابتداء مكان المجيء هو فلان
ومثال الثانية قولهم: فلان ميمون الطالع من يوم ولادته، راجح العقل من أول نشأته فابتداء زمان اليمن هو يوم ولادته، وابتداء زمان رجاحة العقل هو أول نشأته.
٤– التوكيد، "ولا تكون معه إلا زائدة"، وزيادتها إما للنص على عموم المعنى وشموله كل فرد من أفراد الجنس، وإما لتأكيد ذلك العموم والشمول إذا كانا مفهومين من الكلام قبل دخولها، فالأول مثل: "ما غاب من رجل"، وأصل الجملة: ما غاب رجل، وهي جملة قد يفهم منها أن نفي المعنى منصب على رجل واحد دون ما زاد عليه، أي: أن رجلًا واحدًا هو الذي لم يغب، وأن من الجائز غياب رجلين أو رجال.
والسبب في اختلاف الفهم أن كلمة: "رجل" النكرة، ليست من النكرات الملازمة للوقوع بعد النفي، "وهي النكرات القاطعة في الدلالة على العموم والشمول بعد ذلك النفي، ويتحتم أن ينصب النفي الذي قبلها على كل فرد من أفراد مدلولها؛ وأن يمتنع معه الخلاف في الفهم؛ مثل: كلمة: أحد، وديار، وغريب، وإنما كلمة "رجل" من النكرات التي قد تقع بعد النفي، أو لا تقع، وإذا وقعت بعده لم تفد العموم والشمول الإفادة القاطعة التي تشمل كل فرد من الرجال إلا بقرينة، وإنما تفيدهما مع احتمال خروج بعض الأفراد من دائرة المعنى المنفي كما
_________________
(١) ١ ما معنى الحرف: "من" الداخل على المفضل عليه بعد أفعل التفضل؟ أمعناه: الابتداء أم المجاوزة؟ الجواب في رقم١ من هامش ص٤٦٤.
[ ٢ / ٤٦٠ ]
أوضحنا، فإذا أردنا إزالة هذا الاحتمال، وجعل المعنى نصًا في العموم والشمول على سبيل اليقين أتينا بالحرف الزائد: "من" ووضعناه قبل هذه النكرة مباشرة، وقلنا: "ما غاب من رجل"؛ وعندئذ لا يصح أن يختلف الفهم، ولا أن يتنوع؛ إذ يتعين أن يكون المراد النص على عدم غياب فرد واحد، وما زاد عليه من أفراد الرجال، ومن ثم لا يصح أن يقال: "ما غاب من رجل، وإنما غاب رجلان أو أكثر"، منعًا للتناقض والتخالف، في حين يصح هذا قبل مجيء "من" الزائدة؛ لأن الأسلوب قبل مجيئها قد يحتمل أمرين؛ نفي الواحد دون ما زاد عليه؛ ونفيه مع ما زاد عليه معًا كما أسلفنا، وهذا معنى قولهم: "من الزائدة" تفيد النص على عموم الحكم، وشموله كل فرد من أفراد الجنس إذا دخلت على نكرة منفية لا تقتضي وجود النفي الدائم الشامل قبلها اقتضاء
محتومًا.
وعلى ضوء ما سبق تتبين فائدة "من" في قول الشاعر:
ما من غريب وإن أبدى تجلده إلا تذكر عند الغربة الوطنا
وأما الثاني وهو: "تأكيد معنى العموم" فمثل: "ما غاب من ديار"؛ من كل كلام مشتمل على نكرة لا تستعمل غالبًا إلا بعد النفي، أو شبهه "مثل: أحد – عريب - ديار و "، فإنها بعده تدل دلالة قاطعة على العموم والشمول، أي: أن كل نكرة من هذه النكرات، ونظائرها لا يراد منها فرد واحد من أفراد الجنس ينتفي عنه المعنى، وإنما يراد أن ينتفي المعنى عن الواحد وما زاد عليه، ففي المثال السابق قطع ويقين بأمر واحد؛ هو: عدم غياب فرد أو أكثر من الأفراد؛ فكل الأفراد حاضر لم يغب أحد، ولا مجال لاحتمال معنى آخر، فإذا أتينا بحرف الجر الزائد "من"، وقلنا: ما غاب من ديار لم يفد الحرف الزائد عنى جديدًا، ولم يحدث دلالة طارئة لم تكن قبل مجيئه، وإنما أفاد تقوية المعنى القائم وتأكيده، وهو النص على شمول المعنى المنفي وتعميمه؛ بحيث ينطبق على الأفراد كلها فردًا فردًا.
والفصيح الذي لا يحسن مخالفته عند استعمال "من" الزائدة أن يتحقق شرطان١:
_________________
(١) ١ هذا رأي البصريين ومن سايرهم من كثرة النحاة التي اقتصرت في الحكم على أغلب الوارد، وخالفهم الكوفيون ومن سايرهم فلم يشترطوا الشرطين.
[ ٢ / ٤٦١ ]
وقوعها بعد نفي١ أو شبهة "وهو هنا: النهي٢ وبضع أدوات الاستفهام"، وأن يكون الاسم المجرور بها نكرة، وهذا الاسم يكون مجرورًا في اللفظ لكنه مرفوع المحل إما؛ لأنه مبتدأ، أو أصله مبتدأ؛ في مثل قولهم: هل من صديق للواشي؟ وما من صاحب للنمام٣، وإما؛ لأنه فاعل؛ في مثل قولهم: ما سعى من أحد من الشر إلا ارتد إليه سعيه وقد يكون مجرورًا في اللفظ منصوب المحل "إما؛ لأنه مفعول به، كقولهم: تأمل هذا الكون العجيب هل ترى من نقص أو قصور؟ وهل تظن من أحد يقدر على هذا الإبداع إلا الله؟ وإما؛ لأنه مفعول مطلق، نحو قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾، أي: من تفريط.
ومن النادر الذي لا يقاس عليه، زيادتها في غير هذه المواضع الأربعة التي يكون الاسم فيها مجرورًا لفظًا كما سبق، لكنه في محل رفع مبتدأ، "الآن أو بحسب أصله" أو: فاعل، أول في محل نصب؛ لأنه مفعول به، أو مفعول مطلق و
وإذا جاء تابع لهذا الاسم المجرور جاز في التابع أمران٤؛ الجر مراعاة للفظ
_________________
(١) ١ فلا تزاد في الإثبات إلا في تمييز "كم" الخبرية إذا كان مفصولًا منها بفعل متعد لم يستوف مفعوله، فتجيء "من" وجوبًا؛ لكيلا يلتبس التمييز بمفعول الفعل المتعدي، وهي في هذه الصورة الواجبة زائدة، "كما يقول الصبان في هذا الموضع، أخذًا برأي فريق من النحاة، وكما سيجيء في ج ٤ م ١٦٤ ص ٥٢٨، باب: كنايات العدد كم وأخواتها"، ونحو قوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ ونحو قوله تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾، وقد وردت زيادتها في قول زهير: ومنهما تكن عند امرئ من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تعلم فقد أجاز النحاة أن تكون: "من" زائدة بعد: "مهما"، "وسيجيء هذا في ج٤ ص ٣٢٦ م ١٥٥ باب الجوازم وص ٣٨١ ل م ١٦١ باب "أما". ومما تصلح فيه للزيادة مع وقوعها في الإثبات قوله: $"رحم الله امرأ أصلح من لسانه". ٢ مثال النه: لا تظلم من أحد، ومثال الاستفهام "ولا يكون هنا إلا "بالهمزة" أو: هل" هل جاءك ، أو: أجاءك من بشير؟ ٣ ومثل قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ . ٤ في هذا الحكم تفصيل هام سبق بيانه في رقم١ من هامش ٦٩، واستيفاء الحكم يقتضي الرجوع إليه.
[ ٢ / ٤٦٢ ]
المتبوع، والرفع أو النصب مراعاة لمحله، نحو: ما للواشي من صديق مخلص، بجر كلمة: "مخلص"، أو برفعها، باعتبارها نعتا لكلمة: "صديق"، وكذا بقية التوابع، وباقي الأمثلة المختلفة، وأشباهها.
٥- أن تكون بمعنى كلمة: "بدل" بحيث يصح أن تحل هذه الكلمة محلها. كقوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾، أي: بدل الآخرة.
٦- أن تكون دالة على الظرفية١، "أي: على أن شيئا يحويه آخر، كما يحوي الإناء ما في داخله، أو: كما يحوي الظرف وهو الغلاف المظروف، وهو الشيء الذي يوضع فيه"، نحو: ماذا أصلحت من حقلك، وغرست من جوانبه؟
أي: في حقلك في جوانبه.
٧– إفادة التعليل، فتدخل على اسم سببًا وعلة في إيجاد شيء آخر، نحو: لا تقوى العين على مواجهة قرص الشمس، من شدة ضوئها، ونحو: من كدك ودأبك أدركت غايتك، أي: بسبب شدة ضوئها وبسبب كدك٢
٨– إفادة المجاوزة٣، فتدخل على الاسم للدلالة على البعد الحسي أو المعنوي
_________________
(١) ١ فتكون: "من" بمعنى: "في" التي للظرفية، ويدخل في هذا النوع "من" الداخلة على: "قبل وبعد والغالب في الداخلة على الظروف غير المتصرفة أن تكون للسببية، أي: بمعنى: "في" الدالة على السببية، أما مجيئها لابتداء الغاية فقليل؛ نحو: جئت من عندك، هب لي من لدنك وليًا "راجع حاشية الألوسي على القطر ص٣٤"، وقد شرحنا معنى الغاية في رقم ٢٩٢، وفي رقم ٤ من هامش ٤٥٩. ٢ ومثل قول الشاعر: يموت الفتى من عثرة بلسانه وليس بموت المرء من عثرة الرجل أعني: بسبب عثرة ٣ المجاوزة كما قالوا ابتعاد شيء مذكور، أو غير مذكور، عما بعد حرف الجر؛ بسبب شيء قبله؛ فالأول، نحو: رميت السهم عن القوس، أي: جاوز السهم القوس بسبب الرمي، والثاني نحو: رضي الله عنك: جاوزتك المؤاخذة؛ بسبب الرضا، ثم المجاوزة قد تكون حقيقية كهذين المثالين، وقد تكون مجازية؛ نحو أخذت العلم عن العالم، كأنه لما علمت ما يعلمه قد جاوزه العلم بسبب الأخذ. "الصبان في باب حروف الجر، عند الكلام على الحرف: "عن" وهو الحرف الذي يكثر استعماله في المجاوزة، وأما غيره فلا يبلغ درجته"، وقد يراد بالمجاورة الابتعاد عن الشيء بسبب العجز عن الوصول إليه كقول أحد الشعراء. هديتي تقصر عن همتي وهمتي تقصر عن حالي وخالص الود ومحض الثنا أحسن ما يهديه أمثالي "راجع معجم الشعراء، للمرزباني حرف الميم ص٣٧٢".
[ ٢ / ٤٦٣ ]
بينه وبين ما قبله نحو قوله تعالى: ﴿قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾، أي: عن هذا، بمعنى بعيدين عنه، وقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: عن ذكر الله.
ومثل: كلام الحمقى بمعزل من الصواب، أي: عن الصواب١
٩– إفادة الاستعانة٢ فتدخل على الاسم للدلالة على أنه الأداة التي استخدمت في تنفيذ أمر من الأمور؛ نحو: ينظر العدو إلى عدوه من عين ترمي بالشرر، أي: بعين
١٠– إفادة الاستعلاء، فتدخل على الاسم للدلالة على أن شيئًا حسيًا أو معنويًا وقع فوقه؛ نحو: قوله تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا﴾ . أي: على القوم٣
_________________
(١) ١ سبق سؤال "في رقم١ من هامش ص٤٦٠" عن معنى الحرف: "من" الداخل على المفصل عليه بعد أفعل التفضيل، أهو للابتداء أم للمجاوزة؟ والجواب: أنه صالح لكل منهما كما سيجيء في ج٣ باب: أفعل التفضيل م ١١٢ ص ٣٨٨ عند الكلام على أقسامه، فإذا كان للابتداء فهو لابتداء الارتفاع إذا كان السياق للمدح نحو: النشيط أفضل من الخامل، ولابتداء الانحطاط إذا كان السياق للذم، نحو: المنافق أضر من العدو، وإذا كان للمجاوزة فمعناه أن المفضل جاوز المفضول في الأمر المحمود أو المذموم. ٢ فتشبه "الباء" في هذا. ٣ وقد اقتصر ابن مالك على خمسة من المعاني السابقة: حيث يقول: بعض، وبين، وابتدئ في الأمكنة بمن، وقد تأتي لبدء الأزمنه وزيد في نفي وشبهه؛ فجر نكرة كما لباغ من مفر فقد ضمن البيتين: البعضية، وبيان الجنس، وابتداء الغاية الزمانية أو المكانية، والزيادة بعد نفي أو شبهه مع جر النكرة، وهذه المعاني أربعة، أما الخامس وهو البدلية، فإنه سيذكره "في هامش ص٤٨٧" بقوله: "ومن" و"باء" يفهمان بدلًا
[ ٢ / ٤٦٤ ]
١١– إفادة معنى القسم، ذلك أن بعض العرب يستعملها "مضمومة الميم أو مكسورتها" حرف قسم، ولا يكاد يجر إلا كلمة: "الله" نحو؛ من الله لأقاومن الباطل١، ويجب معه حذف الجملة القسمية، "فعلها وفاعلها".
"وسيجيء٢ الكلام على بقية أدوات القسم بنوعيه وأحكامه".
هذا، وقد تتصل "ما" الزائدة بالحرف: "من"، فلا تخرجه عن معناه ولا عن عمله، بل يبقى له كل اختصاصه كما كان قبل مجيء هذا الحرف الزائد٣؛ نحو: مما أعمال المسيء يلاقي جزاءه، أي: من أعمال المسيء؛ وبسببها٤
_________________
(١) ١ ويجوز حذفها مع بقاء الاسم المجرور بها على حاله من الجر، كالشأن في جميع حروف القسم حين تجر لفظ الجلالة انظر رقم٤ من ص٥٣٢. ٢ في رقم١ من هامش ص٤٧٧ و٤٩٧ وما بعدها: ٣ انظر "أ" من الزيادة الآتية وقواعد رسم الحروف تقتضي وصلهما كتابة. ٤ وسيشير ابن مالك إلى زيادة "ما" بعد "من" و"عن" و"الباء" ببيت سيجيء آخر الباب نصه: في هامش ص ٤٩٤ و٥١٥ و٥٢٩. وبعد "من"، و"عن" و"باء" زيد "ما" فلم يعق عن عمل قد علما أي: لم يمنع.
[ ٢ / ٤٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ– من الأساليب الواردة المأثورة: "مما" كالتي في حديث لابن عباس نصه:
"كان رسول الله يعالج من التنزيل شدة إذا نزل عليه الوحي، وكان مما يحرك لسانه وشفتيه".
وكقول الشاعر:
وإنا لمما يضرب الكبش ضربة على رأسه تلقي اللسان من الفم
و و
وقد قيل: إن معنى "مما" هنا هو: "ربما" طبقًا لما بينه سيبويه في كتابه "جـ١ ص٤٧٦"، وملخصه: أن "من" الجارة المكفوفة بالحرف "ما"١ قد تكون بمعنى "ربما"، واستشهد بالبيت السالف.
وقال ابن هشام في "المغني" عند الكلام على: "من" وعلى معناها العاشر: إنها تكون بمعنى "ربما"، وذلك إذا اتصلت بما؛ كالبيت السالف، ثم أردف هذا بقوله: "والظاهر: أن "من" في البيت ابتدائية و"ما" مصدرية، وأنهم جعلوا كأنهم خلقوا من الضرب٢ ".
ب- إذا كان الاسم المجرور بالحرف: "من" مبدوءا بالأداة: "أل" التي ليست معدودة في حروفه الأصلية، فالأشهر فتح النون، مثل: قد نعرف
_________________
(١) ١ الفرق كبير في المعنى والعمل، أو عدمه بين "ما" هذه والتي في الصفحة السابقة. ٢ تفصيل هذا البحث مدون في المجلد التاسع من مجلة المجمع اللغوي القاهري ص ١١٦، وهو بحث مفيد قد اكتفينا بتقديم ملخص في الجزء الأول م٤٢ ص ٥٥١ عند الكلام على: "كان" ومن تمام الاستفادة الرجوع إلى ذلك البحث المفيد، أو إلى ملخصه، وما فيهما من أمثلة وأساليب تتصل بما نحن فيه، وكذلك ما نقلناه عن "القاموس" من آخر جزئه الرابع باب: الألف اللينة، عند الكلام على أنواع "ما"، واستعمالاتها حيث يقول ما نصه: "إذا أرادوا والمبالغة في الإخبار عن أحد بالإكثار من فعل كالكتابة، قالوا: إن زيدًا مما أن يكتب. أي: أنه مخلوق من أمر؛ ذلك الأمر هو الكتابة". ا. هـ. ولهذا البحث إشارة موجزة في ص١ بمناسبة الكلام على الحرف: "رب".
[ ٢ / ٤٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من الإذاعة ما لا نعرفه من الصحف، وغيره١.
والأحسن ألا تحذف النون إن وقع حرف مشدد بعد "أل" السالفة؛ نحو: لا تعجب من الشعوب إذا انتقمت من الظالم.
وإن وقع بعد: "من" حرف ساكن آخر تحركت النون بالكسر غالبًا نحو: عجبت من استهانة الإنسان بحقوق أخيه ومن استبداده به.
_________________
(١) ١ بعض القبائل يحذف النون في هذه الصورة، وبها جاء قول النابغة الجعدي: ولقد شهدت عكاظ قبل محلها فيها وكنت أعد ملفتيان أي: من الفتيان، وقول عبد الرحمن بن حسان في مدح آل سعيد بن العاص: أعفاء تحسبهم ملحيا ء ومرض تطاول أسقامها أي: من الحياء، وكذلك المنتبي حيث يقول: نحن ركب ملجن في زي ناس فوق طير لها شخوص الجمال أي: من الجن، وقول أبي القاسم بن هانئ: إذا لم تنل بالعلم مالًا ولا علًا ولا جانيًا ملأجر فالعلم كالجهل يريد: من الأجر.
[ ٢ / ٤٦٧ ]
إلى: حرف جر أصلي١ يجر الظاهر والمضمر، وينتقل بين معان أشهرها ستة:
١– انتهاء الغاية٢ مطلقًا؛ "أي: سواء أكانت الغاية في زمان أم مكان؛ وسواء أكانت" هي الآخر الحقيقي لما قبل "إلى" أم ليست الآخر الحقيقي، ولكنها متصلة به اتصالًا قريبًا أو بعيدًا"، وهذا المعنى أكثر استعمالات الحرف إلى؛ فمثال انتهاء الغاية الحقيقية الزمانية: نمت الليلة إلى طلوع النهار، ومثال انتهاء الغاية الزمانية المتصلة بالآخر اتصالًا قريبًا: نمت الليلة إلى سحرها٣، ومثال انتهاء الغاية الزمانية البعيدة من الآخر نمت الليلة إلى نصفها أو ثلثها و و
ومثال انتهاء الغاية المكانية الحقيقية: عربت الطريق إلى الجانب الآخر محترسًا، ومثال انتهاء الغاية المكانية المتصلة بالآخر: قرأت الكتاب إلى خاتمته، ومثال انتهاء الغاية المكانية البعيدة من الآخر، قرأت الكتاب إلى ثلثه.
والغالب أن نهاية الغاية نفسها لا تدخل في الحكم الذي قبل "إلى" ما لم توجد قرينة تدل على دخوله، فإذا قلت: قرأت الكتاب إلى الصفحة العاشرة، فالمقصود غالبًا في مثل هذا الاستعمال أن الصفحة العاشرة لم تقرأ، فهي خارجة من الحكم الذي ثبت لما قبل "إلى"، وكذلك لو قلت: صمت الأسبوع الماضي إلى يوم الخميس؛ فإن يوم الخميس لا يدخل غالبًا في أيام الصيام، فإذا وجدت قرينة تدل على دخولها كانت داخلة؛ مثل: صمت الشهر المفروض من أوله إلى اليوم الأخير، ومثل: أكملت قراءة الكتاب كله من أوله إلى الصفحة الأخيرة لأن صيام الشهر المفروض يقتضي صوم اليوم الأخير منه، وإكمال الكتاب كله
_________________
(١) ١ سيجيء في الزيادة ص٤٧١ أن بعض النحاة يجيز زيادته، وأن رأيه مردود. ٢ سبق في رقم٤ من هامش ص٤٥٩ أن الغاية في هذا الباب، هي: المسافة المكانية حينًا، والمقدار الزمني حينًا آخر على حسب السياق، وأنها تختلف عن الغاية في الظروف، "وقد سبق بيانها في رقم٢ من هامش ص٢٩٢"، والمراد بانتهاء الغاية هنا أن المعنى قبل: "إلى" ينقطع بوصوله إلى الاسم المجرور بعدها، واتصاله به. ويبين حروف الجر ثلاثة تشترك في انتهاء الغاية؛ "هي: إلى اللام في ص٤٧٢ حتى، في من ص٤٨٢"، وسيجيء البيان الخاص بكل حرف. ٣ السحر: الثلث الأخير من الليل.
[ ٢ / ٤٦٨ ]
يقتضي قراءة الصفحة الأخيرة منه١
٢- المصاحبة٢، كقولهم: من قعد عن طلب الزرق أساء أهله إلى نفسه، وعذبهم إلى عذابه، أي: مع نفسه ومع عذابه وكقوله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾، أي: مع الله.
٣– التبيين، "فتبين أن الاسم المجرور بها فاعل في المعنى لا في الصناعة النحوية، وما قبلها مفعول به في المعنى لا في الصناعة كذلك، وذلك بشرط أن تقع بعد اسم التفضيل، أو: فعل التعجب، المشتقين من لفظ يدل على الحب أو: البغض، وما بمعناهما، كالود والكره "، كقولهم: "احتمال المشقة أحب إلى النفس الكريمة من الاستعانة بلئيم الطبع، فما أبغض الاستعانة به إلى نفوس الأحرار!! "، فكلمة: "نفس"، هي الفاعل المعنوي لا النحوي لاسم التفضيل "أحب"؛ لأنها في الواقع هي فاعلة الحب، أو: هي التي قام بها الحب، وكذلك كلمة "نفوس"، فإنها الفاعل المعنوي "لا النحوي" لفعل التعجب: "أبغض"؛ إذ هي فاعلة البغض حقيقة، أو: هي التي قام بها البغض، والذي قطع في الحكم بفاعليتها المعنوية، ومنع كل احتمال آخر هو وقوعهما بعد حرف الجر: "إلى" الذي من وظيفته القطع في مثل هذا الأسلوب الذي يحتاج إلى تيقظ، لدقته٣؛ ولأنه قد يلتبس بما يقع فيه حرف "اللام"
_________________
(١) ١ انظر الفرق بين "إلى" و"حتى" في هذا وفي غيره "رقم٤ من هامش ص٤٨٢". ٢ انضمام شيء لآخر انضمامًا يقتضي تلازمها في أمر يقع عليهما معًا، أو يقع منهما معًا على غيرهما، او يتصل بهما بنوع من أنواع الاتصال، وعلامة المصاحبة: أن يصح حذف حرف الجر ووضع كلمة: "مع" مكانه؛ فلا يتغير المعنى، وقد يعبر عن "المصاحبة" بكلمة: "المعية" كما ورد في الخضري ج١ باب: المفعول معه"، حيث قال: "المعية"، ومثل لما بقوله: "بعت العبد بثيابه". ا. هـ أي، مع ثيابه. ٣ ضابط ذلك: أن نجعل مكان اسم التفضيل أو فعل التعجب فعلًا من مادتهما ومعناهما، يكون فاعله النحوي هو الاسم المجرور بالحرف "إلى"، ومفعوله هو الكلام السابق على التفضيل، أو اللاحق لفعل التعجب، فإن صح المعنى واستقام كان مجيء "إلى" ملائمًا، وإلا وجب العدول عنها، ففي المثال المذكور نقول: تحب النفي الكريمة احتمال المشقة تبغض نفوس الأحرار الاستعانة وما سبق من معنى "التبيين" في "إلى" يختلف عن معناها في "اللام الجارة"، وسيجيء في رقم١٥ من ص٤٧٨ وكلاهما يوضح المراد من الآخر.
[ ٢ / ٤٦٩ ]
مكان "إلى"، "وسيأتي الكلام عليه في اللام"١.
٤– الاختصاص "أي: قصر شيء على آخر، وتخصيصه به"، كقولهم: الأب راعي الأسرة؛ وأمرها إليه، والحاكم راعي المحكومين، وأمرهم إليه فليتق الله كل راع في رعيته.
٥– الظرفية٢: كقولهم: سيجمع الله الولاة إلى يوم تشيب من هوله الولدان أي: في يوم.
٦- البعضية، "وهذا قليل في المسموع"٣، نحو: شرب العاطش فلم يرتو إلى الماء، أي: من الماء.
_________________
(١) ١ ص ٤٧٨. ٢ سبق شرحها في رقم٦ من ص٤٦٥، وهي من المعاني الدقيقة التي يؤديها الحرف "إلى"، ومما يحتمل هذا المعنى قول النابغة الذبياني. فلا تتركني بالوعيد كأنني إلى الناس مطلي به القار، أجرب وقول طرفة: وإن يلتق الحي الجميع تلاقني إلى ذروة البيت الكريم المصمد يريد: في الناس في ذروة ٣ فلا يحسن القياس عليه.
[ ٢ / ٤٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ– جعل بعض النحاة من معاني: "إلى" أن تكون بمعنى: "عند١" مستدلًا بمثل قول القائل:
أم لا سبيل إلى الشباب، وذكره أشهى إلي من الرحيق السلسل
وأن تكون زائدة؛ مستدلًا بقراءة من قرأ قوله تعالى: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾، بفتح الواو، أي: تهواهم
وقد دفع ذلك الرأي بأن الشاهد الأول وقعد فيه "إلى" للتبيين؛ لأن ما بعدها وهو باء المتكلم فاعل معنوي على الوجه المشروح الحالة الثالثة السالفة، وأن الشاهد الثاني: "الآية" وقع فيه الفعل، "تهوى" مضمنًا، معنى: "تميل" فلا تكون "إلى" زائدة، وهذا رأي حسن يقتضينا أن نأخذ به؛ فرارًا من الحكم بالزيادة من غير ضرورة.
ب– يجب قلب ألفها٢ ياء إذا كان المجرور بها ضميرًا، نحو: نقصد الوفود إلينا من بلاد بعيدة، فتقدم إليهم ضروب المجاملة الكريمة.
فإن كان الضمير ياء المتكلم أدغمت الياءان؛ نحو: إلي يتجه الخائف.
_________________
(١) ١ سبق الكلام على "عند" في باب الظرف مع نظائرها من الظرف ص٢٩١ من هذا الجزء. ٢ وهي المكتوبة ياء؛ تبعًا لقواعد رسم الحروف.
[ ٢ / ٤٧١ ]
اللام: حرف يجر الظاهر والمضمر، ويقع أصليًا وزائدًا١ ، ويؤدي عدة معان قد تجاوز العشرين.
١- انتهاء الغاية٢ "أي: الدلالة على أن المعنى قبل اللام ينتهى، وينقطع بوصوله إلى الاسم المجرور بها، الداخل في ذلك المعنى"، نحو: صمت شهر رمضان لآخره، وقرأت الكتاب لخاتمته
واستعمالها في هذا المعنى قليل بالنسبة لباقي معانيها، ولكنه مثل كل معانيها المختلفة قياسي "كما سبق"٣.
٢- الملك؛ وتقع بين ذاتين، الثانية منهما هي التي تملك حقيقة، نحو: المنزل لمحمود، وهذا المعنى أكثر استعمالاتها.
٣– شبه الملك؛ وتقع: إما بين ذاتين، والثانية منهما لا تملك ملكًا حقيقيًا؛ وإنما تختص بالأولى، وتقتصر الأولى عليها، دون تملك حقيقي من إحداهما للأخرى؛ نحو: "السرج للحصان – المفتاح للباب – الباب للبيت"، وإما قبلهما نحو: للصديق ولد نبيه، حيث تقدمت "اللام" على الذاتين ، وإما بين معنى وذات؛ نحو الحمد للأمهات، والشكر للوالدين
وتسمى هذه اللام بصورها الثلاثة: لام الاستحقاق، أو: لام الاختصاص.
٤– الدلالة على شبه التمليك؛ نحو: جعلت للمحتاج عطاء ثابتًا، فالعطاء الذي يأخذه المحتاج يصير ملكًا له، يتصرف فيه تصرف المالك الحر كما يشاء.
٥- الدلالة على شبه التمليك؛ نحو: جعلت لك أعوانًا من أبنائك البررة، فالأعوان هنا بمنزلة الشيء المملوك، ولكنه ليس ملكًا حقيقيًا تقع عليه التصرفات
_________________
(١) ١ من أي النوعين لام الاستغاثة الداخلة على المستغاث؟ وهل تحتاج مع مجرورها إلى تعليق؟ الإجابة تحتاج إلى تفصيل، وسرد بعض أحكام مختلفة، وقد عرضنا لكل هذا في الباب المناسب، وهو: باب: "الاستغاثة" "ج ٤ م ١٣٣ ص ٨٧". ٢ فهذا الحرف مثل: "إلى" في هذا المعنى الذي سبق إيضاحه في رقم٤ من هامش٤٥٩، وفي رقم٢ من هامش ص٤٦٨، ومثل "حتى فيه، وسيجيء الكلام عليها، في ص ٤٨٢ والثلاثة مشتركة في هذا المعنى دون بقية حروف الجر، كما قلنا. ٣ في ص ٤٥٥.
[ ٢ / ٤٧٢ ]
المختلفة، وإنما يشبهه من بعض الوجوه دون بعض١.
٦– الدلالة على النسب؛ نحو: لفلان أب يقول الحق، ويفعل الخير، أي: ينتسب فلان لأب١
٧– التعدية٢ المجردة؛ نحو: ما أحب العقلاء للصمت المحمود، وما أبغضهم للثرثرة.
٨– التعليل؛ بأن يكون ما بعدها علة وسببًا فيما قبلها، نحو: الاكتساب ضروري، لدفع الفاقة وذل الحاجة٣.
٩- التوكيد المحض، وتكون في هذه الحالة زائدة زيادة محضة لتأكيد معنى الجملة كلها، لا معنى العامل وحده كما شرحنا٤، ويجري عليها ما يجري على حرف الجر الزائد٤، وأكثر ما تكون زيادتها بين الفعل ومفعوله؛ نحو قول الشاعر:
وملكت ما بين العراق ويثرب٥ ملكًا أجار٦ لمسلم ومعاهد
أي: أجار مسلمًا ومعاهدًا٧، وقول الشاعر في الغزل:
_________________
(١) ١،١ الحق أن المعاني الثلاثة "التمليك – شبه – النسب" متقاربة، ويمكن الاستغناء عنها بعد إلحاقها بحروف أخرى، ولكنها مع اللام أوضح؛ فنسبت إليها، ولقد قيل: إن كل معنى من المعاني الثلاثة يستفاد من الجملة كلها، لا من اللام وحدها وهذا صحيح، وقد أجابوا بأن فهم هذا المعنى من التركيب متوقف على "اللام" فنسب إليها. ٢ إذا كانت لمجرد التعدية فما بعدها في حكم المفعول به معنى، وإن كان مجرورًا كما سبق في أول هذا الباب، ص٤٣٧ و٤٣٩، وفي باب: "التعدي واللزوم"، ص١٥١. وكونها هنا للتعدية المجردة لا ينافي أنها في بقية مواضعها للتعدية أيضًا مع إفادتها شيئًا آخر في الوقت نفسه، كما جاء في حاشية الصبان. ٣ ما بعدها هو السبب هنا؛ لأن السبب لا بد أن يظهر في الوجود قبل المسبب، والرغبة في دفع الفاقة سابقة على وجود الاكتساب. ٤و٤ في ص ٤٥٠، ومنه يعلم: أن حرف الجر لزائد زيدة محضة لا يفيد إلا توكيد المعنى العام في الجملة كلها، وأنه لا يتعلق بعامل، وأنه يمكن الاستغناء عنه، دون أن يتأثر الكلام بحذفه وو ٥ اسم للمدينة المنورة. ٦ أجاره: نصره وحماه. ٧ يستدل النحاة بالبيت السالف على زيادة "اللام" كما قلنا لكن البيت للشاعر "ابن ميادة" من أبيات يمدح بها أمير المدينة، وبعده: ماليهما ودميهما من بعدما غشي الضعيف شعاع سيف المارد وهذا يجعل الحكم بزيادة اللام غير مقطوع به، إذ يصح أن يكون "المفعول به" هو"ماليهما" إلا أن أعربنا هذه الكلمة "بدلًا" من "مسلم" فالاستشهاد بالبيت السالف استشهاد بما يقبل الاحتمال من غير داع، ولا يصلح للقطع.
[ ٢ / ٤٧٣ ]
أريد لأنسى ذكرها فكأنما تمثل لي ليلى بكل سبيل ١
فالفعل: "أريد" متعد يحتاج للمفعول به، ومفعوله الذي يكمل المعنى هو المصدر المؤول بعد "لام التعليل" الجارة، والأصل: أريد أن أنسى، واللام زائدة بينهما. أو بين المتضايفين؛ كقولهم: لا أبا لفلان، على الرأي الذي يعتبرها زائدة٢.
وقد أجازوا زيادتها٣ للضرورة الشعرية بين المنادى المضاف والمضاف إليه، كقول الشاعر٤ في فتاة:
لو تموت لراعتني، وقلت: ألا يا بؤس للموت، ليت الموت أبقاها
وقول الآخر٥:
يا بؤس للجهل ضررًا لأقوام
ومن المستحسن اليوم الاقتصار في الزائدة على المسموع٦؛ مبالغة في الاحتياط.
_________________
(١) ١ سيذكر البيت لمناسبة أخرى في هامش ص٤٧٦. ٢ وهو أحد الأوجه التي أوضحناها، وشرحنا معها الأسلوب، والمراد منه، في ج ١ باب: "السماء الستة" م٨ ص٩٩. ٣ كما سيجيء في جـ٣ باب: "الإضافة" وفي جـ٤ باب: "النداء". ٤ هو أبو جنادة العذري من الشعراء الذين أدركوا الدولة الأموية. ٥ هو النابغة الذبياني، وصدر البيت: قالت بنو عامر خالوا بني أسد إلخ: خالي فلان قبيلته: تركها، والمراد: اتركوا بني أسد ٦ ومن المسموع زيادتها بعد الفعل: "أعطى"، وهو من الأفعال التي تنصب مفعولين في الأصل، قالت ليلى الأخيلية تمدح الحجاج: أحجاج لا تعط العصاة مناهم ولا الله يعطي للعصاة مناها وقال آخر من أصحاب المبرد: ولكنني أعطي صفاء مودتي لمن لا يرى يومًا علي له فضلا وانظر ما يتصل بهذا في آخر رقم٤ من هامش ص٢٠ حيث المنقول عن: "المغني" و"الصبان"
[ ٢ / ٤٧٤ ]
١٠- التقوية، وهي التي تجيء لتقوية عامل ضعيف؛ إما بسبب تأخره عن معموله، نحو، قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾، وإما بسبب أنه فرع مأخوذ من غيره، كالفروع المشتقة؛ مثل قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾، وقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾، وقول علي ﵃: "لعن الله الآمرين بالمعروف التاركين له، والناهين عن المنكر العاملين به"، فأصل الكلام في الآيتين الأوليين: إن كنتم تعبرون الرؤيا يرهبون ربهم فلما تقدم كل من المفعولين على فعله ضعف الفعل بسبب تأخيره عن معموله "مفعوله"؛ فجاءت اللام لتقويته٢، وأصل الكلام في الآيتين الأخيرتين وفي كلام علي: فعال
_________________
(١) ١ الرؤيا هنا: الحلم المنامي، وتعبيره: تفسيره. ٢ تخصيص اللام بمعنى "التقوية" على الوجه الذي يقوله كثير من النحاة، تخصيص لا مسوغ له، فليست "لام التقوية" نوعًا مستقلًا يخالف "اللام الزائدة" في قليل أو كثير كما سيبين مما يلي هنا، وفي هامش الصفحة الآتية مباشرة. وقد سبق أن أشرنا باختصار في رقم٢ من هامش ص٤٣٥ إلى أن اللام التي تفيد التقوية زائدة زيادة غير محضة، "أي: أنها زائدة شبيهة بالأصلية"؛ لأنها تفيد عاملها لا الجملة معنى جديدًا: هو: "التقوية" ومن أجل هذا المعنى تتعلق بعاملها فأشبهت حرف الجر الأصلي في جلب معنى جديد يكمل العامل، وفي التعلق بهذا العامل، ولكنها من ناحية أخرى يمكن حذفها لا يتأثر المعنى بحذفها، لكل ما سبق لم تكن زيادتها محضة "راجع الصبان والتصريح عند كلامهما على "لام الجر" ثم "المغني"". ومما تجب ملاحظته أن لام التقوية لا تدخل على مفعولي عامل ينصب مفعولين مذكورين بشرط أن يتقدما عليه معًا، أو يتأخرا عنه معًا، فمتى وجد المفعولان كذلك، فلن يصح دخولها عليهما معًا، ولا على أحدهما، وإذا حذف أحدهما أو تقدم، صح دخولها على الذي لم يحذف، وكذا على المتقدم منهما، كما في الصبان، ومقدمة الجزء الأول من "المغني" التي جاء فيها على لسان ابن هشام ما نصه: "وها أنا بائح بما أسررته، مفيد لما قررته وحررته"، فقال العلامة الأمير تعقيبًا عليه ما نصه: "اللام في قوله: "لا" مقوية؛ إذ مادة الإفادة تتعدى بنفسها، لا يقال: إنها تتعدي لمفعولين؛ تقول: أفدت محتاجًا مالًا؛ وما يتعدى لمفعولين لا يقوى باللام؛ لأنا نقول محل ذلك إذا كان المفعولان مذكورين، مقدمين، أو مؤخرين عن العامل، كما يفيده كلام ابن مالك في تعليل منع ذلك؛ لأن اللام إما أن تزاد فيهما؛ فيلزم تعدي عامل واحد بحرفي جر متحدين، وهذا ممنوع في الأغلب وإما أن تزاد في أحدهما؛ فيلزم الترجيح بلا مرجح، فإن كان أحدهما محذوفًا كما هنا "فإنه حذف من يفاد وهو الشخص المستفيد، لعدم تعلق غرض به وذكر ما يفاد، وهو الشيء المفيد "، فإن "اللام" تدخل على المذكور؛ لأن المحذوف حينئذ قطع النظر عنه، سواء نزلت العامل بالنظر للمحذوف منزلة اللازم أو لا. وكذلك إذا تقدم أحدهما دخلت عليه اللام؛ لأن العامل عن المقدم أضعف، أو نائب أحدهما عن الفاعل، نحو: محمود مفاد مالًا، دخلت على المنصوب؛ لأن طلبه المرفوع أقوى". ا. هـ. هذا، ومما يصلح عندهم أن تكون اللام فيه للتقوية قولهم في الدعاء: "سقيًا للمحسن ورعيًا له"، وفي هذا الأسلوب وأمثاله، تفصيلات معنوية، وأحكام إعرابية مختلفة، أوضحناها كاملة في ج ١ م ٣٩ ص ٤٦٨.
[ ٢ / ٤٧٥ ]
ما يريد مصدقًا ما معهم، التاركينه فكلمة: "فعال" صيغة مبالغة متعدية، تعمل عمل فعلها، ولكنها أضعف منه، فجاءت اللام لتقويتها.
وكذلك كلمة: "مصدقًا"، وكلمة "التاركين" وكلاهما اسم فاعل١
_________________
(١) ١ هذا كلام كثير من النحاة، ويزيدون أن حرف الجر أصلي هنا؛ فهو مع مجروره متعلقان بالعامل الضعيف وكلامهم مردود بما سردناه في رقم ٢ من هامش ص ١٨٤، وبما نسرده هنا: فما معنى التقوية إذا كان من الممكن الصحيح حذف هذه اللام، وتعدية الفعل أو المشتق إلى المفعول به مباشرة من غير حاجة إليها، ما دام العامل معدودًا في اللغة من العوامل المتعدية بنفسها؛ فتقول؛ ﴿إن كنتم الرؤيا تعبرون – ربهم يرهبون – مصدقا لما معهم – فعال ما يريد﴾ فيصل بنفسه الفعل أو المشتق إلى المفعول به بغير حاجة إلى هذه الواسطة؛ سواء أكان هذا العامل متقدمًا أم متأخرًا؟ وكيف تكون اللام للتقوية مع أن الاسم قبل مجيئها كان مفعولًا به منصوبًا، فلما جاءت جرته؛ فصار مفعولًا به في المعنى دون اللفظ، ولا شك أن العامل الذي يؤثر في مفعوله لفظًا ومعنى أقوى من العامل الذي يؤثر فيه معنى فقط ، وكان الأولى بالنحاة أن يقولوا: إن هذه اللام تزاد جوازًا في المفعول به إذا تقدم على عامله الفعل، كما تزاد في المفعول به إذا كان عامله وصفًا ينصب المفعول به متقدمًا أو متأخرًا، وأن الار والمجرور لا يتعلقان؛ لأن حرف الجر زائد، وأن المجرور لفظًا منصوب محلًا. على أن الرأي الأقرب للسداد هو ما سجله "المبرد" في كتابه: "الكامل" "جـ ٣ ص ٣٦ الطبعة القديمة بمطبعة الفتوح"، ونصه عند شرح لقول أبي النجم الشاعر: "سبي الحماة وابهتى عليها" أن الأصل هو: "وابهتيها"، فوضع "ابهتي" في موضع: "اكذبي" فمن ثم وصلها بعلي، والذي يستعمل في صلة الفعل "اللام"؛ لأنها لام الإضافة؛ تقول: لزيد ضربت، ولعمرو أكرمت، والمعنى: عمرا أكرمت، وزيدًا ضربت، فإنما تقديره: إكرامي لعمرو، وضربي لزيد: فأجرى للفعل مجرى المصدر، وأحسن ما يكون ذلك إذا تقدم المفعول؛ لأن الفعل إنما يجيء وقد عملت اللام: كما قال الله ﷿: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾، وإن أخر المفعول فعربي حسن، والقرآن محيط بكل اللغات الفصيحة، قال الله ﷿: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾، والنحويون يقولون في قوله تعالى: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ﴾ إنما هو: ردفكم، وقال كثير عزة: أريد لأنسى ذكرها، فكأنما تمثل لي ليلى بكل سبيل ا. هـ، كلام المبرد في الكامل، وسيذكر البيت: "سبي الحماة " لمناسبة أخرى في هامش ص٥٤٠. وشيء آخر: جاء في مجلة المجمع اللغوي بدمشق "جـ٤ ص١٨٢" بقلم الأب أنستاس الكرملي، العضو السابق بمجمع اللغة العربية بالقاهرة، والعراق، وغيرهما، ما نصه: "زعموا أنه لا يقال: يمكن لأحدكم "، وعندي أنه يجوز. والنحاة تسمي هذه اللام: "اللام المعترضة بين الفعل المتعدي ومفعوله، وهي كثيرة الورود في كلامهم، وإن أنكرها المرحوم "إبراهيم البازجي". ا. هـ.
[ ٢ / ٤٧٦ ]
١١- الدلالة على القسم١ والتعجب معًا، بشرط أن تكون جملة القسم محذوفة، وأن يكون المقسم به هو لفظ الجلالة؛ كقولهم: "لله! ! لا ينجو من الزمان حذر"، يقال هذا في عرض الحديث عن رجل حريص يتوقى أسباب الضرر جهد استطاعته، ولكنه بالرغم من ذلك يصاب.
وقولهم: "لله! ! انتصرت الفئة القليلة المؤمنة بحقها على الفئة الكبيرة المختلفة". وهذا يقال في معرض الكلام عن قلة متوحدة؛ مؤتلفة، لم يكن أحد ينتظر لها الفوز والغلبة، على كثرة تفوقها عدة وعديدًا، فلا بد من قرينة تدل على معنى القسم والتعجب المجتمعين في "اللام".
وبغير القرينة لا يتضح هذا المدلول.
ومن الجائز أن تحذف هذه اللام، ويبقى المقسم به على حاله من الجر بشرط أن يكون لفظ الجلالة.
١٢- الدلالة على التعجب بغير قسم، بشرط القرينة أيضًا؛ ويكون بعد النداء كثيرًا؛ نحو: يا للأصل٢ وما به من روعة يا للكشف العلمي وما انتهى إليه. ويكون بعد غيره، نحو: لله در فلان شجاعًا في الحق، لله أنت معوانًا في الخير ٣
_________________
(١) ١ حروف القسم المشهورة هي: "الباء – التاء – الواو – اللام" إلا أن اللام تنفرد بأنها تدل على التعجب مع القسم، أما غيرها فمعناه مقصور على القسم وحده، وسيأتي تفصيل الكلام على كل واحد من الأربعة، وأوجه الشبه والمخالفة بينه وبين إخوته، وهناك حرف خامس سبقت الإشارة إليه في ص ٤٦٥ هو: "من"، فقليل من العرب يستخدم هذا الحرف "بكسر ميمه أو ضمها" أداة قسم، قد حذف فعل القسم وفاعله وجوبًا، فيقول: من الله لأنصرن النزيه، أي: والله، ولا يكاد يكون القسم معه بغير الله. وأندر من هذا الحرف استعمال القدماء الحرف "ها" للقسم بعد "إي" التي بمعنى: "نعم" وبدونها جاء في الأمالي "جـ ١ ص ١٧٢" أن أعرابيًا قال لآخر: أنشدنا رحمك الله، وتصدق على هذا الغريب بأبيات فقال: إي: ها الله إذًا "انظر البيان الخاص بها في ص ٥٠٦ رقم ٣ من هامشها". ٢ الوقت بعد العصر إلى المغرب، ويجوز في اللام هنا الفتح أو الكسر إذا كان المنادى مقصودًا به التعجب. "انظر جـ٤ ص٦٦ م١٣٤". ٣ ويصح أن يكون من هذا ما يرد في بعض النصوص القديمة، من مثل قول الشاعر: لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب عني، ولا أنت دياني فتخزوني والأصل: الله ابن عمك، بحذف لام الجر قبل لفظ الجلالة.
[ ٢ / ٤٧٧ ]
١٣– الدلالة على العافية المنتظرة، "أي: على النتيجة المرتقبة، أو: الصيرورة". نحو: "سأتعلم للحياة السعيدة، وأتنقل في جنبات المعمورة لتحصل أنفع التجارب"، ونحو: "ربيت النمر لهجوم علي"، يقول هذا من صادف نمرًا صغيرًا فأشفق عليه وتعهده، وخدع فيه، ثم غدر به النمر، فكأنه يقول ساخطًا متهمكًا: ربيته، فكانت عاقبة التربية ونتيجتها الهجوم علي، ونحو: "أربي هذا الولد الضال ليسرقني، ويفر كأخيه"، يقول هذا من يؤدي إليه شريدًا، ويحسن إليه، وهو يتوقع أن يغافله، ويسرقه، ويهرب، كما فعل أخوه من قبل: وتسمى اللام في الأمثلة السابقة وأشباهها: لام "الصيرورة" أو: "العاقبة"؛ لأنها تبين ما صار إليه الأمر، وتوضح عاقبته١
١٤– الدلالة على التبليغ؛ وهي الدالة على إيصال المعنى إلى الاسم المجرور بها؛ نحو: قابلت صديقك، ونقلت له ما تريد أن أنقله٢ "وقد يسميها لذلك بعض النحاة "لام التعدية" يريد: إيصال المعنى وتبليغه".
١٥– الدلالة على التبيين؛ أي: إظهار أن الاسم المجرور بها هو في حكم المفعول به معنى، وما قبلها هو الفاعل في المعنى كذلك، بشرط أن تقع بعد اسم تفضيل أو فعل تعجب، مشتقين من لفظ يدل على الحب، أو البغض، وما بمعناهما؛ كالود، والكره، ونظائرهما ، نحو: "السكون في المستشفى أحب للمرضى، وإطالة زمن الزيارة أبغض لنفوسهم"، فالمجرور باللام في المثالين وأشباههما في حكم المفعول به من جهة المعنى "لوقوع أثر الكلام السابق عليه" لا من جهة الإعراب، فكلمة "السكون" هي الفاعل المعنوي لا النحوي الذي أوجد الحب، وكان سببًا فيه، وكلمة: "المرضى" هي المفعول به المعنوي لا النحوي الذي وقع عليه الحب، وأنصب عليه أثره، ومثل هذا يقال في
_________________
(١) ١ ومنها قوله تعالى في موسى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ . ٢ ومثلها التي في صدر البيت الآتي لشوقي: "قل للمشير إلى أبيه وجده أعلمت للقمرين من أسلاف"؟ والتي في صدر البيت الآخر: "وليس عتاب المرء للمرء نافعًا إذا لم يكن للمرء لب يعاتبه"
[ ٢ / ٤٧٨ ]
كلمتي: "إطالة، ونفوس"، فالأولى هي الفاعل المعنوي لا النحوي، والأخرى هي المفعول به المعنوي كذلك.
ومثل: البدوي الصميم أحب للصحراء، وأبغض للخضر، وما أكرهه للاستقرار، ودوام الإقامة في مكان واحد١.
ومن هنا يتبين الفرق الدقيق بين: "إلى" التي تفيد التبيين، و"اللام" التي تفيده أيضًا٢، ويتركز في أن ما بعد "إلى" التبيينية "فاعل" في المعنى لا في اللفظ؛ وما قبلها مفعول به في المعنى كذلك، أما "اللام التبيينية" فبعكسها؛ فما بعدها مفعول به معنوي لا لفظي؛ وما قبلها فاعل معنوي كذلك، فإذا قلت: الوالد أحب إلى ابنه، كان الابن هو المحب، والوالد هو المحبوب، أي: أن الابن هو فاعل الحب معنى، والوالد هو الذي وقع عليه الحب؛ فهو بمنزلة المفعول به معنى، أما إذا قلت: الوالد أحب لابنه، فإن المعنى ينعكس؛ فيصير الابن هو المحبوب؛ فهو بمنزلة المفعول به معنى، والأب هو المحب، فهو بمنزلة الفاعل معنى، وقد سبق٢ القول بأن مثل هذا الأسلوب دقيق يتطلب يقظة في استعماله، وفهمه ٣.
١٦– أن تكون بمعنى: بعد٤، كقولهم: "كان الخليفة يقصد المسجد لأذان الفجر مباشرة، ويصلي الصبح بالناس إمامًا، ثم ينظر قضاياهم، ولا يغادر المسجد إلا للعصر، وقد فرغ من صلاته، ونظر شؤون رعيته"، أي: بعد أذان الفجر مباشرة، وبعد العصر، ومن هذا النوع ما كان يؤرخ به الأدباء وسائلهم؛ فيقولون: "كتبت هذه الرسالة لخمس خلون من "شوال"" يريدون: بعد خمس ليال مررن
_________________
(١) ١ فالمراد: يحب البدوي الصحراء، يبغض البدوي الحضر يكره البدوي الاستقرار. ٢ و٢ راجع ما سبق في ص ٤٦٩، حيث الإيضاح والضابط الذي يبين الفاعل والمفعول به المعنويين. ٣ من أمثلة اللام التبيينية: سقيًا لك رعيًا لك تبًا للخائن وفي هذه الأمثلة وأشباهها تفصيلات لغوية دقيقة، لها آثار معنوية هامة تتصل باعتبارها جملة واحدة حينًا، وجملتين حينًا آخر، وقد وفيناها حقها من الإبانة، والإيضاح، وعرض أبقوم الطرائق لاستعمالها الصحيح في الجزء الأول ص ٣٨٠، م ٣٩ في قسم الزيادة والتفصيل الخاص بمواضع حذف المبتدأ، ولا مناص للباحث المستقصي من الرجوع إليها. ٤ بعد، من الظروف التي سبق الكلام عليها في باب: الظرف بهذا الجزء ص ٢٨٣.
[ ٢ / ٤٧٩ ]
من شوال، ومثل قول الشاعر١:
توهمت آيات لها فعرفتها لستة أعوام، وذا العام سابع
أي: بعد ستة أعوام ، وقول الآخر:
فلما تفرقنا كأني ومالكا لطول٢ اجتماع لم نبت ليلة معًا
١٧– أن تكون بمعنى: "قبل"، كقولهم في التاريخ: كتبت رسالتي لليلة بقيت من رمضان، أي: قبل ليلة.
١٨– أن تفيد الظرفية٣ نحو: قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ . وقوله: تعالى في أمر الساعة: ﴿لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ ٤، وقولهم في التاريخ: كتبت هذه الرسالة لغرة شهر رجب، وقولهم: مضى فلان لسبيله ، "أي: في يوم القيامة في وقتها في غرة شهر رجب في سبيله".
١٩– أن تكون بمعنى: "من البيانية"٥ كقول الشاعر يخاطب عدوه:
لنا الفضل في الدنيا وأنفك راغم ونحن لكم يوم القيامة أفضل
أي: نحن أفضل منكم يوم القيامة.
٢٠– أن تكون للمجاوزة٦. "مثل: عن" كقول الشاعر:
كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسدًا وبعضًا إنه لذميم
أي: عن وجهها ويرى بعض النحاة أنها هنا بمعنى الظرفية "أي مثل: "في". وأنها لا تكون بمعنى: "عن" ولا بمعنى: "على"، المفيدة للاستعلاء"٧.
_________________
(١) ١ النابغة الذبياني. ٢ جعلها بعضهم هنا بمعنى: مع كما أشرنا في ج٣ باب الإضافة م٩٥ ص١٠٩ والأول أنسب. ٣ الظرفية احتواء الشيء في داخله شيء آخر، كما يحتوي الظرف المظروف، وو فتكون بمعنى: "في"، "انظر ما يتصل في رقم٦ ص٤٦٣ وهامشه". ٤ وقيل: إن اللام في الآية الكريمة بمعنى: "عند"، أي عند وقتها "كما جاء في "المحتسب" لابن جني، ج٢ ص٣٢٣. ٥ سبق الكلام عليها "في ص٤٥٨". ٦ سبق في رقم٣ من هامش ٤٦٣ تعريفها وبيان أقسامها. ٧ جعلها بعضهم للاستعلاء الحسي في مثل قوله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ ﴾ وقول الشاعر: "فخر صريعا لليدين وللفم" وللاستعلاء المعنوي "وهو المجازي" في مثل قوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ أي: إن أسأتم فعليها، والأمر متوقف على موضوع معناها في السياق.
[ ٢ / ٤٨٠ ]
والرأي السديد أنها إن دلت في السياق على المجاورة، أو: الاستعلاء دلالة واضحة كالتي في الأمثلة الواردة جاز أن تكون من حروفهما، وإلا طلبنا لها معنى آخر يظهر فيه الوضوح والإبانة.
٢١– أن تكون لتوكيد النفي، وهي الداخلة في ظاهر الأمر دون حقيقته على المضارع المسبوق بكون منفي؛ وتسمى: "لام الجحود"١؛ لسبقها بالنفي دائمًا. نحو: ما كان الحق لينهزم، ولم يكن الباطل لينتصر.
٢٢– أن تكون بمعنى: "مع" كقوله تعالى في اليتامى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾، أي: مع أموالكم.
٢٣– أن تكون بمعنى "عند" المفيدة للتوقيت؛ كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْر﴾، أي: عند أول الحشر ٢
حركة لام الجر:
تتحرك لام الجر بالكسرة إن دخلت على اسم ظاهر غير المستغاث٣ في نحو: يا للقادر للضعيف؛ وتتحرك بالفتحة إن دخلت على ضمير، إلا على ياء المتكلم؛ فتكسر في نحو: رب اغفر لي، و
_________________
(١) ١ تفصيل الكلام عليها في باب: "النواصب" من الجزء الرابع. ٢ جاء في تفسير: "صفوة البيان، لمعاني القرآن" ما نصه: "المعنى: عند أول الحشر واللام للتوقيت: كالتي في قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ . ا. هـ. أي: لتحولها وميلها عن وسط السماء إلى ما يليه. ويقول المفسرون في قوله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ، لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ إن لام الجر هنا للتوقيت، أي: لوقت وقوعها، كالتوقيت الذي في قولهم: كتبت الرسالة لسبع خلون من رمضان مثلًا ٣ وغير المنادى المقصود به التعجب؛ كالذي سبق في رقم١٢ من ص٤٧٧ فإن اللام فيه صالحة للفتح والكسر.
[ ٢ / ٤٨١ ]
حتى١: حرف جر أصلي، وهو نوعان:
أ– نوع لا يجر إلا الاسم الظاهر الصريح٢، ومعنى: "حتى" في هذا النوع الدلالة على انتهاء الغاية٣؛ ولهذا تسمى فيه: "حتى الغائية"، نحو: تمتعت بأيام الراحة حتى آخرها، والأكثر أن يكون الوصول إلى نهاية الغاية تدرجًا وتمهلًا، أي: دفعات لا دفعة واحدة، والغالب كذلك أن يجر الآخر من الأشياء، أما ما يتصل بالآخر مما يكون قبله مباشرة، نحو: "شربت الكوب كله حتى الصبابة، وأتممت الصفحة حتى السطر الأخير".
ونحو: "سهرت الليلة حتى السحر، وتنقلت في الحديقة حتى الباب الخارجي". والغالب أيضًا أن تدخل نهاية الغاية في الحكم٤ الذي قبل "حتى"، إلا إذا قامت قرينة تدل على عدم الدخول؛ نحو: قرأت الكتاب كله حتى الفصل الأخير؛ فنهاية الغاية داخلة بقرينة تدل على الشمول والعموم؛ هي كلمة: "كل"، بخلاف: كدت أفرغ من الكتاب؛ فقد قرأته حتى الفصل الأخير؛ لأن كلمة: "كدت" التي معناها: "قاربت" تدل على أن بعضه الأخير لم يقرأ وعلى هذا لا يستحسن الإتيان "بحتى" في مثل: قرأت الكتاب حتى ثلثه أو نصفه، وإنما يجيء مكانها "إلى".
ب- نوع لا يجر إلا المصدر المنسبك من "أن" المضمرة وجوبًا، وما دخلت عليه من الجملة المضارعية، وأشهر معاني هذا النوع ثلاثة: الدلالة على انتهاء
_________________
(١) ١ سيجيء في جـ ٤م ١٤٩ ص٣١٤ تلخيص مفيد لجميع أنواع "حتى"، وتفصيل هام عن نوعها الجار. ٢ المراد بالظاهر ما ليس ضميرًا، وبالصريح ما ليس مصدرًا مؤولًا من "أن المصدرية"، والجملة المضارعية بعدها. ٣ أي: على أن المعنى قبله ينتهي، وينقطع بوصوله إلى الاسم المجرور به كما سبق وعلامته، صحة وقوع: "إلى" الدالة على انتهاء الغاية مكانه. "وحتى" أحد حروف ثلاثة تدل على انتهاء الغاية، وقد سبق الحرفان الآخران: "إلى" في ص ٤٦٨ و"اللام" في ص ٤٧٢، وإذا كانت "حتى" لانتهاء الغاية اقتضت أن ينقضي ما قبلها شيئًا فشيئًا، لا دفع واحدة، ولا سريعًا: فلا بد في انقضائه في التدرج والتمهل كما سيجيء. ٤ وهذا أحد الأوجه التي تخالف فيها: "إلى"، ومنها أيضًا؛ أنه يجوز أن نقول: كتبت إلى الأخ رسالة، ولا يصح: كتبت حتى الأخ رسالة؛ لأن "حتى" الغائية تتطلب كما سبق أن =
[ ٢ / ٤٨٢ ]
الغاية، كالنوع السابق، أو الدلالة على التعليل١، أو الدلالة على الاستثناء٢ إن لم يصلح أحد المعنيين السابقين.
وهذا النوع كما قلنا: لا يجر إلا المصدر المنسبك من "أن" الناصبة للمضارع، المقدرة وجوبًا، ومن صلتها الفعلية المضارعية٣؛ نحو: أتقن عملك حتى تشتهر اجتب الكسب الخبيث حتى تسلم ثروتك التاجر الحصيف يحرص على الأمانة حتى يزداد ربحه ، ولا يصح أن تكون في هذه الأمثلة لانتهاء الغاية؛ لأن انتهاء الغاية يقتضي انقطاع ما قبل: "حتى" وانتهاءه بمجرد وقوع ما بعدها وحصوله، ولا يتحقق هذا في الأمثلة السالفة إلا بفساد المعنى؛ إذ ليس المراد أن يتقن المرء عمله حتى يشتهر؛ فإذا اشتهر ترك الإتقان ولا أن
_________________
(١) = ينقضي المعنى قبلها شيئًا فشيئًا، وعلى عدة دفعات حتى يصل إلى نهاية الغاية؛ بخلاف "إلى"، والكتابة لا تحتاج إلى هذا، فناسبها "إلى" كما يجوز أن تقول: انتقلت من البادية إلى الحاضرة، ولا يحسن أن تقول: "حتى" الحاضرة؛ لأن الأساليب الصحيحة المأثورة التزمت أو كادت مجيء: "إلى" الدالة على النهاية بعد: "من" الدالة على البدلية. ومنها: أن "حتى" قد تجر المصدر المنسبك من: "أن المضمرة وجوبًا، والفعل المضارع وفاعله،" نحو: أسرعت حتى أدرك القطار، أي: أن أدرك، ولا يصح أسرعت إلى أدرك القطار؛ إذ لا تدخل "إلى" على الفعل مطلقًا إلا مع "أن" الظاهرة. فملخص الفروق خمسة: أن: "إلى" تجر الظاهر والمضمر، أما: "حتى" فلا تجر إلا الظاهر في أصح الآراء، ويجب الاقتصار عليه. وأن: "نهاية الغاية" لا تدخل مع "إلى" إلا بقرينة، والأمر بالعكس مع "حتى"، فالغاية النهائية معها داخلة، ولا تخرج إلا بقرينة. وأن "إلى" تقتضي انقضاء ما قبلها غالبًا بغير تمهل أو انقطاع، بخلاف "حتى". ولهذا آثار في التعبير. وأن "إلى" لا تدخل على المضارع بدون "أن" الظاهرة التي تنصبه، بخلاف "حتى"، فإنها تدخل عليه إذا كان منصوبًا بأن المقدرة بعدها فتجر المصدر المنسبك. وأن: "إلى" تجيء للدلالة على النهاية حين توجد: "من" الدالة على البداية ولا يصح مجيء: "حتى". ١ الدلالة على أن ما قبلها علة وسبب فيما بعدها، فهي مخالفة للام التعليل وأمثالها مما يكون ما بعده هو لعلة. "انظر رقم ٨ من ص ٤٧٥". ٢ يجيء بيان هذه الدلالة على الاستثناء ص٤٨٥. ٣ للأداة: "حتى" الجارة للمصدر المنسبك من "أن" الناصبة للمضارع وصلتها، عدم أحكام أخرى مكانها المناسب الذي ستذكر فيه تفصيلًا هو الجزء الرابع، باب: "إعراب الفعل" حيث الكلام على: "النواصب"
[ ٢ / ٤٨٣ ]
يجتنب الكسب الخبيث حتى تسلم ثروته، فإذا سلمت لا يجتنبه ، ولا أن يحرص على الأمانة حتى يزداد ربحه، فإذا ازداد تركها، ليس المقصود شيئًا من هذا لفساده؛ فهي في تلك الأمثلة للتعليل.
ومثال الدلالة على انتهاء الغاية: أقرأ الكتاب النافع حتى تنتهي صفحاته يمتد الليل حتى يطلع الفجر
أما دلالتها على الاستثناء فقليلة١.
_________________
(١) ١ تفصيل الكلام عليها في الصفحة التالية مباشرة كما أشرنا في رقم٢ من هامش الصفحة السابقة.
[ ٢ / ٤٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ– قلنا فيما سبق١: إن "حتى" الجارة نوعان؛ نوع: يجر الاسم الصريح، ومعنى هذا النوع الدلالة على الغائية، أي: على نهاية الغاية، فيجر الآخر أو ما يتصل بالآخر، ونوع يجر المصدر المنسبك من "أن" المضمرة وجوبًا، وما دخلت عليه من الجملة المضارعية، ومعنى هذا النوع، إما نهاية الغاية٢ وإما التعليل، وإما الاستثناء.
فمن معاني "حتى": الدلالة على الاستثناء وهذا أقل استعمالاتها، ولا يلجأ إليه إلا بعد القطع بعدم صحة واحد من المعنيين السابقين، ولا تجر فيه إلا المصدر المنسبك من "أن" الناصبة المستترة وجوبًا ومن صلتها الفعلية المضارعية، وتكون "حتى"٣ في هذه الحالة بمعنى "إلا" الاستثنائية، والغالب أنه يكون الاستثناء منقطعًا، فتكون "إلا" فيه بمعنى "لكن" أي: يصح أن يحل محلها: "لكن"
_________________
(١) ١ في ص ٤٨٢. ٢ يفهم من هذا أن "حتى" لا بد أن تكون لنهاية الغاية إذا كان المجرور بها اسمًا صريحًا، ولا عكس؛ فلا يلزم من كونها للغاية أن يكون المجرور بها اسمًا صريحًا. لا يلزم هذا؛ لجواز أن يكون مصدرًا مؤولًا من أن المصدرية، وصلتها الجملة المضارعية. ٣ قد تكون: "حتى" مع "أن" المستترة بمعنى: "إلا أن"؛ فيكون الاستثناء منقطعًا، مع ملاحظة أن أداة الاستثناء، هنا مقصورة على: "إلا" وحدها، أما الحرف: "أن" الذي يليها فلا شأن له بالاستثناء، وإنما جيء به لمجرد التفسير والإيضاح. وقد يكون الاستثناء أحيانًا متصلًا كما في بعض الأمثلة التي عرضت، وكما في نحو: لا أجيب الصديق حتى يدعوني لمزاملته؛ أي: لا أجيبه وقتًا إلا وقت دعوتي، ببقاء النفي الذي قبل "حتى" على حاله بعد تأويلها كما هو الأغلب، فالاستثناء متصل مفرع للظرف، ولا تصلح "حتى" غائية؛ لأن عدم الإجابة لا يقع تدريجًا على دفعات؛ إذ الإجابة لا تمتد ولا تتطاول إلى زمن الدعوة، بل إنها لا تكون قبل الدعوة، ولا تصلح أن تكون "تعليلية"؛ لأن عدم الإجابة ليس سبب الدعوة، فلم يبق إلا أن تكون بمعنى الاستثناء، وهو صالح هنا أن يكون متصلًا؛ فلا يعدل إلى الانقطاع، ومثله قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ ، أي: ما يعلمان من أحد وقتًا "أي: في وقت" إلا وقت أن يقولا ولهذه المسألة بيان أشمل، يستوعب جوانبها الهامة المختلفة، وهو في ج٤ م١٤٩ باب: "النواصب" ص٣١٤ وما بعدها: حيث الكلام المفصل عن "حتى" وأنواعها، وكثير من الأمثلة الأخرى.
[ ٢ / ٤٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
التي تفيد الابتداء والاستدراك معًا؛ "فيكون الاستثناء منقطعًا"؛ نحو: لا يذهب دم القتيل هدرًا حتى تثار١ له الحكومة، أي: إلا أن تثأر له الحكومة بمعنى: لكن تثأر له الحكومة، فلا يذهب هدرا، والغالب في هذا المثال –وأشباهه– أن يبقى النفي الذي قبل "حتى" على حاله بعد تأويلها بالحرف "إلا".
ولا يصح في المثال السالف أن تكون: "حتى" للغاية؛ لأن "حتى" الغائية –كما عرفنا– إذا وقع ما بعدها وتحقق معناه توقف المعنى الذي قبلها، وانقطع.
يترتب على هذا أن الحكومة حين تثأر للقتيل، ينقطع عدم ذهاب دمه هدرًا؛ وانقطاعه وتوقفه يؤدي -حتمًا- إلى وقوع ضده وحصوله؛ أي: إلى أن دمه يذهب هدرًا، وهذا فاسد.
وشيء آخر يمنع أن تكون "حتى" غائية في المثال؛ هو: أن ما قبلها لا ينقضي شيئًا فشيئًا.
وكذلك لا تصح أن تكون: "حتى" "تعليلية"؛ لأن ما قبلها –هنا– ليس علة وسببًا فيما بعدها؛ إذ عدم ذهاب دمه هدرًا بالفعل ليس هو السبب في انتقام الحكومة له؛ لأن هذا يناقض المراد، وإنما الانتقام له فعلًا وواقعًا هو السبب في عدم ذهاب دمه هدرًا، إذ السبب لا بد أن يسبق المسبب، ويوجد قبله؛ ليجيء بعده ما ينشأ عنه، ويترتب عليه، وهو: المسبب، فأخذ الثأر لا بد أن يتحقق بطريقة عملية توجد أولًا، ليوجد بعدها عدم ذهاب الدم هدرًا، لا العكس.
وإذا كانت "حتى" في المثال السابق وأشباهه لا تصلح أن تكون غائبة، ولا تعليلية فلا مفر بعدهما من أن تكون بمعنى: "إلا" الاستثنائية، في استثناء منقطع؛ أي: أنها بمعنى: "لكن" التي تفيد الابتداء والاستدراك معًا -كما أسلفنا- ومن الأمثلة:
١- كل مولود يولد جاهلًا بالشر حتى يتعلمه من أسرته وبيئته، بمعنى
_________________
(١) ١ تثأر؛ أي: تأخذ بثأره، وتقتص له من الجاني.
[ ٢ / ٤٨٦ ]
إلا أن يتعلمه، أي: لكن يتعلمه، فلا تصلح أن تكون "غائية"؛ لأن ما قبلها هنا لا يقع متدرجًا متطاولًا بحيث يمتد إلى ما بعدها، بل يقع دفعة واحدة، ولا تصلح أن تكون "تعليلية"؛ لأن ولادة الجاهل بالشر ليست هي العلة المؤثرة في أمر التعليم، ولا السبب المباشر فيه؛ إذ العلة لا يتخلف أثرها؛ فلا بد أن يتحقق بتحققها المعلول، ويوجد بوجودها: لأن العلة لا يتأخر عنها المعلول، فلم يبق إلا أن تكون "حتى"، بمعنى: "إلا" في استثناء منقطع، أي: بمعنى: "لكن" المشار إليها.
٢- ناديتك حتى تحصد القمح بعد ساعات؛ فالنداء ليس فيه تمهل وتدرج يمتدان إلى وقت الحصد، وليس سببًا مباشرًا في الحصد.
٣- افتح نوافذ الحجرة حتى يشتد البرد ليلًا ويقال فيه ما سبق١
ب- من الأمثال: "ما سلم القادم العزيز حتى٢ ودع"، "وهو مثل
_________________
(١) ١ وفي معاني الحروف الثلاثة: "حتى - اللام - إلى" يقول ابن مالك: للانتها: "حتى"، و"لام"، و"إلى" و"من"، و"باء" يفهمان بدلا واللام للملك وشبهه، وفي تعدية أيضًا، وتعليل، قفي "وزيد " "قفي، أي: نسب وعرف". سرد ابن مالك في هذين البيتين وكلمة من أول الثالث عدة معان لعدد من الحروف؛ فبين أن: "حتى" و"اللام" و"إلى" تشترك في تأدية معنى واحد؛ هو: الانتهاء، وأن "من" و"الباء" يشتركان في معنى واحد، هو: البدلية، وأن اللام بعد ذلك تفيد معنى الملك وشبهه، والتعدية، والتعليل، وقد تقع زائدة، واكتفى بهذه المعاني القليلة التي يردها لعدد من حروف الجر سردًا مختلطًا مبتورًا، ومن أسبابه ضيق الأوزان الشعرية وقيودها التي لا تتسع لما يتسع له النثر، وقد تداركنا الأمر بالشرح والترتيب المناسبين. ٢ ويلاحظ أن "حتى" في هذا المثال حرف ابتداء: لوقوع الماضي بعدها؛ فليست حرف جر؛ إذ الجارة لا بد من دخولها كما عرفنا على اسم صريح، أو على مصدر منسبك من "أن" وصلتها الجملة المضارعية.
[ ٢ / ٤٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يقال فيمن قصرت مدة زيارته"، أي: ما سلم في زمن؛ لكن ودع فيه، أو: ما سلم في زمن إلا زمنًا ودع فيه١.
ومن المستحسن التخفف من استعمال "حتى" التي بمعنى "إلا" قدر الاستطاعة؛ لأن فهم المراد منها، والتمييز بينهما وبين نوعيها الآخرين لا يخلو من صعوبة؛ ولأن كثيرًا من النحاة لا يوافق على أنها تكون بمعنى "إلا"، ويتأول الوارد منها.
ج- وضح مما تقدم أن "حتى" الجارة بنوعيها لا تدخل على جملة؛ لأن التي تدخل على الجملة "الاسمية أو الفعلية" نوع آخر، يسمى: "حتى الابتدائية"٢ وسيجيء تفصيل الكلام عليها في موضعها المناسب٣
_________________
(١) ١ ففيه نوع شبه بما مر في رقم٣ من هامش ص ٤٨٥ برغم الاختلاف في نوع: "حتى". ٢ وهي الداخلة على جملة مضمونها غاية "أي: نهاية" لشيء قبلها "كما جاء في الخضري جـ٢ باب "العطف" عند الكلام على "حتى". ٣ باب النواصب، جـ ٤ ص ٢٥٢ م ١٤٩.
[ ٢ / ٤٨٨ ]
الواو، والتاء: حرفان أصليان للجر، ومعناهما القسم١ غير الاستعطافي٢ ولا يصح أن يذكر معهما جملة القسم، وهما لا يجران إلا الاسم الظاهر، والتاء تفيد مع القسم التعجب٣، ولا تجر من الأسماء الظاهرة إلا ثلاثة: "الله - رب - الرحمن"، ومن الشذوذ أن تجر غير هذه الثلاثة.
فمن أمثلة واو القسم قول الشاعر:
فلا وأبيك ما في العيش خير ولا الدنيا إذا ذهب الحياء
ومن أمثلة تاء القسم قوله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ ٣.
ويجري على الحرفين السابقين ما يجري على كل حروف القسم من جواز الحذف٤ مع بقاء المقسم به مجرورًا بشرط أن يكون هو لفظ الجلالة "أي: الله".
_________________
(١) ١ أشرنا في رقم١ من هامش ص ٤٧٧ إلى أن أحرف القسم المشهورة أربعة: "اللام"، وقد سبق الكلام عليها هناك، وكذلك "الواو والتاء والباء"، وسيجيء الكلام على الثلاثة هنا، والصحيح أن "الواو" و"التاء" أصيلان في القسم، وليسا نائبين فيه عن "الباء"، وليست الباء بعدهما مقدرة تجر الاسم؛ لأن هذا تعقيد لا داعي له، وقد أشرنا أيضًا في تلك الصفحة إلى أن بعض العرب يستعمل الحرف "من" "بكسر الميم أو ضمها" حرف قسم، ولا يكاد يجر به إلا كلمة: "الله"، نحو: من الله لأصاحبنك، وأندر من هذا استعمال كلمة: "ها" حرف قسم بعد كلمة: "إي":، بمعنى: نعم أو بدونها، ولا داعي اليوم لاستعمال هذه اللغات النادرة، بالرغم من جواز استعمالها. ٢ إيضاحه في ص ٤٩٧ و٤٩٨. ٣و٣ جاء في "المغني" ج ١ حرف التاء المفردة ما نصه: "التاء حرف جر، معناه: "القسم" ويختص بالتعجب، وباسم الله تعالى، وربما قالوا: تربى وترب الكعبة، وتالرحمن، قال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ الباء أصل حروف القسم، والواو بدل منها يريد أنها تحل محلها والتاء بدل من الواو، وفيها زيادة معنى التعجب؛ كأنه تعجب من تسهيل الكيد على يده وتأتيه، مع عتو نمروذ وقهره". ا. هـ. وجاء في حاشية الأمير التي على هامشه ما نصه: "قوله: ويختص بالتعجب" أي: أن المقسم عليه بها لا بد أن يكون غريبًا". ا. هـ، كلام المغني. وجء في القاموس المحيط "آخر الجزء الرابع، باب الألف اللينة" ما نصه تحت عنوان "التاء": " حرف جر للقسم، ويختص بالتعجب، وباسم الله تعالى، وربما قالوا: تربى، وترب الكعبة، وتا الرحمن". ا. هـ. ٤ لحذف حروف الجر، ومنها حروف القسم، موضوع مستدل يجيء في ص ٥٣٢.
[ ٢ / ٤٨٩ ]
ملاحظة:
حرف "الواو" أنواع متعددة، لكل نوع استعمال خاص يؤدي إلى معنى معين. ومن أنواعه "واو: رب" حيث ينوب عن "رب" جوازًا بعد حذفها في مواضع محددة يأتي بيانها١، ولا يتحتم أن تكون هذه الواو نائبة عن "رب المحذوفة كما سنعرف.
الباء: حرف يجر الظاهر والمضمر، ويقع أصليًا وزائدًا٢، ويؤدي عدة معان، أشهرها خمسة عشر:
١- الإلصاق حقيقة أو مجازًا؛ نحو: أمسكت باللص، ومررت بالشرطي، فمعنى أمسكت به، قبضت على شيء من جسمه، أو مما يتصل به اتصالًا مباشرًا؛ كالثوب ونحوه، وهو عند كثير من النحاة أبلغ من: أمسكت اللص؛ لأن معناه مع "الباء"، المنع من الانصراف منعًا تامًا.
ومن الإلصاق الحقيقي قول الشاعر:
سقى الله أرضًا لو ظفرت بتربها كحلت بها من شدة الشوق أجفاني
ومعنى مررت بالشرطي: ألصقت مروري بمكان يتصل به
٢- السببية أو التعليل "بأن يكون ما بعدها سببًا وعلة فيما قبلها"، نحو: كل امرئ يكافأ بعمله، ويعاقب بتقصيره، أي: بسبب عمله، وبسبب تقصيره٣ وقول الشاعر:
إنما ينكر الديانات قوم هم بما٤ ينكرونه أشقياء
وقول الآخر:
جزى الله الشدائد كل خير عرفت بها عدوي من صديقي
والمراد: هم أشقياء بسبب ما ينكرونه وعرفت بسببها٥.
٣- الاستعانة، "بأن يكون ما بعد الباء هو الآلة لحصول المعنى الذي قبلها"٥
_________________
(١) ١ في ص ٥٢٨. ٢ وأحسن لغاته أن يتحرك بالكسر في جميع أحواله. ٣ وقوله تعالى في بعض الأمم البائدة: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: أهلكم بسبب ذنوبهم. ٤ الجار والمجرور متقدم لفظًا فقط، ولكنه متأخر في إعرابه. ٥، ٥ الفرق بين باء الاستعانة وباء السبب، أن "باب السببية" داخلة على السبب الذي أدى إلى حصول المعنى الذي قبلها، وتحققه سلبًا، وإيجابًا؛ نحو: مات الرجل بالمرض، أي: بسبب المرض، وأن "باء الاستعانة" داخلة على أداة الفعل، وآلته التي هي الواسطة بين الفاعل ومفعوله؛ نحو: فتحت الباب بالمفتاح، قطعت اللحم بالسكين، كتبت ارسالة بالقلم.
[ ٢ / ٤٩٠ ]
نحو: سافرت بالطيارة رصدت الكوكب بالمنظار، وهذا المعنى هو والإلصاق أكثر معانيها استعمالًا.
٤- الظرفية؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾، أي: في بدر.
٥- التعدية، أو: النقل: "وهي التي يستعان بها غالبًا في تعدية الفعل اللازم إلى مفعول به، كما تعديه همزة النقل"، نحو: ذهبت بالمريض إلى الطبيب، بمعنى: أذهبته، وقعدت بفلان همته عن الطموح، بمعنى: أقعدته
٦- أن تكون بمعنى كلمة: "بدل"١، "بحيث يصح إحلال هذه الكلمة محل "الباء" من غير أن يتغير المعنى"، مثل: ما يرضيني بعملي عمل آخر أرتضي بالملاكمة رياضة أخرى، أي: ما يرضيني بدل عملي عمل آخر، أرتضي بدل الملاكمة٢ رياضة أخرى.
_________________
(١) ١ هل هناك فرق بين: "البدل، والعوض"؟ الجواب في هامش الصفحة الآتية. ٢ إذا كانت الباء بمعنى: "بدل"، فالأكثر دخولها على المتروك؛ "أي: على الشيء الذي لم يؤخذ للاستغناء عنه بأخذ غيره، بدلًا منه" كالأمثلة المعروضة، وكقوله تعالى في الكفار: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾، ويصح دخول "الباء" على المأخوذ لا المتروك، فقد جاء في المصباح مادة: "بدل" ما نصه: "أبدلته بكذا إبدالًا، نحيت الأول، وجعلت الثاني مكانه". ا. هـ. وفي مختار الصحاح، مادة: "بدل" ما نصه: "الأبدال قوم من الصالحين لا تخلو الدنيا منهم، إذا مات واحد منهم أبدل الله مكانه بآخر". ا. هـ. وجاء في تاج العروس مادة: "بدل" ما نصه: "قال ثعلب، يقال: أبدلت الخاتم بالحلقة، إذا نحيت هذا وجعلت هذه مكانه، وبدلت الخاتم بالحلقة إذا أذبته، وسويته حلقة، وبدلت الحلقة بالخاتم إذا أذبتها وجعلتها خاتمًا، قال: وحقيقته أن التبديل تغيير الصورة إلى صورة أخرى الجوهرة بعينها، والإبدال: تنحية الجوهرة واستئناف جوهرة أخرى، وقال أبو عمرو: فعرضت هذا على المبرد فاستحسنه، وزاد فيه فقال: وقد جعلت العرب أبدلت مكان بدلت ". ا. هـ. وجاء في تفسير الألوسي لقوله تعالى: ﴿وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ مثل ما سبق من كلام ثعلب، =
[ ٢ / ٤٩١ ]
ومنه قول الشاعر:
إن الذين اشتروا دنيا بآخرة وشقوة بنعيم، ساء ما فعلوا
٧- العوض١ "أو: المقابلة"؛ نحو: اشتريت الكتاب بعشرة دراهم، واشتراه أخي بأحد عشر
٨- المصاحبة٢؛ نحو قوله تعالى: ﴿اهْبِطْ بِسَلامٍ﴾، ونحو: سافر برعاية الله، وارجع بعنايته، أي: ع سلام مع رعاية الله مع عنايته.
٩- التبعيض، أو: البعضية، "بأن يكون الاسم المجرور بالباء بعضًا من شيء قبلها"، نحو قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾، أي: منها، وقولهم: حفلت المائدة؛ فتناولت بها شهي الطعام، ولذيذ الفواكه، أي: تناولت منها٣
_________________
(١) = وزاد شاهدًا آخر لدخول الباء على المأخوذ، هو قول الطفيل لما أسلم: "وبدل طالعي نحسي بسعد" ا. هـ. ولا فرق في هذا بين أن يكون ما تعلق به الجار والمجرور هو الفعل: "بدل" وفروعه، وما تصرف منه، أم غيره بقرينة كبعض الأمثلة التي عرضناها، ومن الأمثلة الأخرى قول عروة بن الورد: فلو أني شهدت أبا سعاد غداة غدا بمهجته يفوق فديت بنفسه نفسي ومالي ولا آلوك إلا ما أطيق "يفوق: يجود بها وبلفظها ساعة الاحتضار" يريد: فديت بنفسي ومالي نفسه. أي: قدمتهما فداء له، وبدلًا منه. ١ المراد بالعوض: دفع شيء من جانب، في نظير أخذ شيء يقابله من جانب آخر، والفرق بين العوض والبدل، أن العوض هو دفع شيء في مقابله آخر، أما البدل فهو اختيار أحد الشيئين وتفضيله على الآخر من غير مقابلة من الجانبين كأن يكون أمامك شيئان لتختار أحدهما؛ فتقول: آخذ هذا بدل الآخر من غير أن يكون هناك تعويض، وهذا هو الشائع، وقيل: البدل أعم مطلقًا؛ فهو الدال على اختيار شيء وتفضيله على آخر؛ سواء أكان هناك مقابلة وعوض أم لا، والحكم في هذا للقرينة؛ فهي التي تعين المراد وتوجه الذهن إليه. ٢ سبق توضيحها في رقم٢ من هامش ٤٦٩؟ عند الكلام على: "إلى" وقد يعبر عنها أحيانًا، "بالمعية". ٣ ومثل قول المتنبي يمدح: فإن نلت ما أملت منك فربما شربت بماء يعجز الطير ورده
[ ٢ / ٤٩٢ ]
١١- المجاوزة١؛ نحو قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾، أي: عنه، وقوله تعالى في وصف المؤمنين يوم القيامة: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾، أي: عن إيمانهم، وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾، أي: عن الغمام
١٢- الاستعلاء فترادف: على؛ كقولهم: من الناس من تأمنه بدينار فيخون الأمانة، ومنهم من تأمنه بقنطار من الذهب، فيصونه ويؤديه كاملًا، أي: على دينار، وعلى قنطار.
١٣- أن تكون بمعنى: "إلى"، نحو قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾، بمعنى أحسن إلي.
١٤- التوكيد٢؛ "وهي الزائدة" جوازًا في مواضع معينة.
منها: الفاعل؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾، والمفعول به نحو قوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، والمبتدأ نحو: بحسبك البراعة الفنية، وخبر الناسخ؛ مثل: ليس المال بمغن عن التعلم٣ والتقدير: كفى الله، ولا تلقوا أيديكم، حسبك البراعة، ليس المال مغنيًا
كما يجوز زيادتها في المبتدأ الواقع بعد "إذا الفجائية"؛ نحو: نزلت البحر فإذا بالماء بارد٤، وكذلك يجوز زيادتها في لفظين من ألفاظ التوكيد المعنوي، هما: "نفس، وعين"؛ مثل: خرج الوالي نفسه، أو بنفسه يتفقد أحوال الناس كلمت الوالي نفسه، أو بنفسه وهو يراقب عماله، سلمت على الوالي
_________________
(١) ١ سبق إيضاح معناها وأقسامها في رقم٣ من هامش ص٤٦٣. ٢ سبق معنى التوكيد المستفاد من الحرف الزائد، في أول هذا الباب ص٤٥٠، وكذلك في الجزء الأول " م٥ ص ٦٥"، أما مواضع زيادة الباء، فتوضحها الأمثلة الآتية هنا، وفي ص ٤٩٥ حيث بيان الحكم على زيادتها من ناحية القياس والسماع. ٣ ومثل قوله تعالى: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾، وفي قول الشاعر: ليس التدين بالكلام، وإنما صدق الفعال أمارة المتدين ومثل آخر البيت الآتي: أفسدت بالمن ما أسديت من حسن ليس الكريم إذا أعطى بمنان ٤ سبقت الإشارة لهذا في ص٢٨١.
[ ٢ / ٤٩٣ ]
١١- المجاوزة١؛ نحو قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾، أي: عنه، وقوله تعالى في وصف المؤمنين يوم القيامة: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾، أي: عن إيمانهم، وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾، أي: عن الغمام
١٢- الاستعلاء فترادف: على؛ كقولهم: من الناس من تأمنه بدينار فيخون الأمانة، ومنهم من تأمنه بقنطار من الذهب، فيصونه ويؤديه كاملًا، أي: على دينار، وعلى قنطار.
١٣- أن تكون بمعنى: "إلى"، نحو قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾، بمعنى أحسن إلي.
١٤- التوكيد٢؛ "وهي الزائدة" جوازًا في مواضع معينة.
منها: الفاعل؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾، والمفعول به نحو قوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، والمبتدأ نحو: بحسبك البراعة الفنية، وخبر الناسخ؛ مثل: ليس المال بمغن عن التعلم٣ والتقدير: كفى الله، ولا تلقوا أيديكم، حسبك البراعة، ليس المال مغنيًا
كما يجوز زيادتها في المبتدأ الواقع بعد "إذا الفجائية"؛ نحو: نزلت البحر فإذا بالماء بارد٤، وكذلك يجوز زيادتها في لفظين من ألفاظ التوكيد المعنوي، هما: "نفس، وعين"؛ مثل: خرج الوالي نفسه، أو بنفسه يتفقد أحوال الناس كلمت الوالي نفسه، أو بنفسه وهو يراقب عماله، سلمت على الوالي
_________________
(١) ١ سبق إيضاح معناها وأقسامها في رقم٣ من هامش ص٤٦٣. ٢ سبق معنى التوكيد المستفاد من الحرف الزائد، في أول هذا الباب ص٤٥٠، وكذلك في الجزء الأول " م٥ ص ٦٥"، أما مواضع زيادة الباء، فتوضحها الأمثلة الآتية هنا، وفي ص ٤٩٥ حيث بيان الحكم على زيادتها من ناحية القياس والسماع. ٣ ومثل قوله تعالى: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾، وفي قول الشاعر: ليس التدين بالكلام، وإنما صدق الفعال أمارة المتدين ومثل آخر البيت الآتي: أفسدت بالمن ما أسديت من حسن ليس الكريم إذا أعطى بمنان ٤ سبقت الإشارة لهذا في ص٢٨١.
[ ٢ / ٤٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
تعددت هنا الأمثلة للباء الزائدة كي تدل على أنها تزاد في الفاعل، والمفعول به، والمبتدأ، وخبره، وخبر الناسخ، وقد تزاد في غير ذلك قليلًا.
بقي أن نسأل: أزيادتها قياسية أم سماعية١؟ الأحسن الأخذ بالرأي القائل: إن الزائدة في الفاعل تكون واجبة في فاعل فعل التعجب الذي صيغته القياسية: "أفعل"، مثل: أصلح بنفسك، وأحسن بعملك؛ بمعنى: ما أصلح نفسك! ! وما أحسن عملك! !
وتكون جائزة، في فاعل: "كفى"، مثل: كفى بالله شهيدًا.
أما الزائدة في المفعول به فغير مقيسة، ولو كان مفعولًا به للفعل: "كفى" نحو: كفى بالمرء عيبًا أن يكون نمامًا.
وقول الشاعر:
كفى بالمرء عيبًا أن تراه له وجه وليس له لسان
ويستثنى من هذا زيادتها في مفعول الأفعال الآتية: "عرف علم بمعنى: عرف - جهد - سمع - أحسن"، فإن هذه الزيادة جائزة.
والزائدة في المبتدأ والخبر غير قياسية؛ إلا في مثل الأنواع المسموعة٢ كثيرًا منها
_________________
(١) ١ راجع يما يأتي: المغني، حرف الباء، وحاشية الصبان جـ٢ باب: "حروف الجر" عند الكلام على: "الباء الجارة". ٢ ما المراد هنا من المسموع؟ أهو عام بعد كلمة: "كيف" يشمل إدخال الباء على المبتدأ الاسم الظاهر، وعلى الضمير مطلقًا؛ "المتكلم أو لمخاطب، أو لغائب، من غير تقيد بنوع الضمير المسموع ولا بلفظه"، وكذلك إدخالها على المبتدأ الذي يلي "إذا" الفجائية بغير تقيد؟ أم أن المراد هو التقاصر على نص الضمير المسموع لفظًا ونوعًا بعد "كيف"، وعلى الاسم الظاهر، وكذلك على نص المبتدأ المسموع لفظًا ونوعًا بعد "إذا" الفجائية؟ الأحسن الأخذ بالرأي الأول الذي يفيد العموم في هذين الموضعين؛ فيبيح زيادة الباء في صدر المبتدأ التالي: "كيف" و"إذا" الفجائية مطلقًا من غير تقيد باسم ظاهر، ولا ضمير، ولا نوع من أحدهما، وهذا الرأي هو الأقوى الذي تؤيده الشواهد الكثيرة الفصيحة، أما زيادتها قبل "حسب"، فمقصور على لفظها ذاته.
[ ٢ / ٤٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
- كالتي بعد: "كيف" و"إذا" وقبل كلمة: "حسب" كقول الشاعر:
وقفنا، فقلنا إيه عن أم سالم وكيف بتكليم الديار البلاقع؟
ونحو: كيف١ بك إذا اشتد الأمر أصغيت فإذا بالطيور٢ مغردة بحسبك علم نافع.
أما زيادتها في خبر: "ليس"، وخبر: "ما" النافية، وخبر: "كان" المنفية"، فقياسية في الثلاثة بالشروط الهامة، والتفصيلات المعروضة في مكانها الأنسب٣.
وزيادتها جائزة٤ في كلمتي: النفس، والعين، عند استعمال لفظهما في٥ التوكيد؛ مثل: اخترقت الطائرة السحاب نفسه أو بنفسه، واجتازت الغلاف الهوائي عينه أو بعينه، قطعت السيارات نفسها أو بنفسها، الصحراء، وقول علي ﵁: "من نظر في عيوب الناس فأنكرها، ثم رضيها لنفسه؛ فذاك الأحمق بعينه".
_________________
(١) ١ وكذلك قول النابغة كما نقله الأساس، جـ١ ص١٣٧ مادة: "جنح" ونصه: يقولون حصن ثم تأبى نفوسهم فكيف بحصن والجبال جنوح وأصل الجملة في: "يف بك"، كما سبقت الإشارة لهذا جـ١ هامش رقم ٢ من ص ٣٠٥ م ٣٣ هو: كيف أنت؟ فلما زيدت الباء الجارة وجب تغيير الضمير: "أنت"؛ لأنه ضمير للمخاطب مقصور على الرفع؛ فأتينا بضمير يؤدي معناه، ويصلح لدخول حرف الجر وهو "كاف الخطاب"، فالكاف مجرورة لفظًا في محل رفع مبتدأ، ومثلها: "الباء" في نحو: خرجت فإذا بالشمس طالعة، وكذلك في بيت النابغة زائدة في المبتدأ المجرور لفظًا المرفوع محلًا، كمنا سيأتي في رقم٢. ٢ مثال للمبتدأ الواقع بعد "إذا" الفجائية وقد دخلته الباء الزائدة، ومثله ما سبق في رقم ١. ٣ جـ ١ م ٤٧ ص ٥٨٩ موضوع: "نفي الأخبار في باب": "كان" مع زيادة باء الجر ". ٤ كما سبق في ص ٤٩٣. ٥ إيضاح هذا في باب التوكيد جـ ٣ ص ٤٩ م ١١٦.
[ ٢ / ٤٩٦ ]
١٥- الدلالة على القسم؛ وهذا من أكثر استعمالاتها، وهي الأصيلة فيه دون حروفه السابقة "اللام، الواو، التاء، من "، وتشاركها في جواز حذفها مع بقاء الاسم المجرور بها على حاله؛ بشرط أن يكون هذا الاسم هو لفظ الجلالة " الله"، ولكنها تخالف تلك الحروف في ثلاثة أمور تنفرد بها، ولا يوجد واحد منها في حرف آخر من حروف القسم، غير الباء؛ هي:
أ- جواز إثبات فعل القسم وفاعله مع الباء أو حذفهما؛ نحو: أقسم بالله لأعاونن الضعيف، أو بالله لأعاونن الضعيف، أما مع غير الباء فيجب حذفه فعل
القسم وفاعله.
ب- وجواز أن يكون المقسم بالباء اسمًا ظاهرًا، أو ضميرًا بارزًا؛ نحو: برب الكون لأعملن على نشر السلام، بك لأنزلن عند رغبتك الكريمة، أما غير الباء فلا يجر إلا الظاهر.
ج- وجواز أن يكون القسم بالباء "استعطافيًا"١ "وهو الذي يكون جوابه إنشائيًا"؛ نحو: بالله، هل ترحم الطائر الضعيف، والحيوان الأعجم؟ بربك، أموافق أنت على تأييد الضعفاء؟ وقول الشاعر٢:
بعيشك هل أبصرت أحسن منظرًا على ما رأت عيناك من هرمي مصر؟
أما القسم بغير الباء فمقصور في الرأي الغالب على القسم غير الاستعطافي.
_________________
(١) ١ سيجيء في: "الزيادة والتفصيل" أن القسم نوعان: "استعطافي"، و"غير استعطافي، أو خبري"، وإيضاح كل، وما يطلبه مع بسط الكلام على جواب القسم، ولهذا البحث مناسبة أخرى هامة في ج ٤ م ١٥٨ ص ٤٧٢، ومن المقيد الإطلاع عليه، توفية للموضوع. ٢ سيعاد هذا البيت في ص ٥١٠ لمناسبة أخرى.
[ ٢ / ٤٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- كل حرف من أحرف القسم الأربعة١ هو ومجروره يتعلقان معًا بالعامل: "أحلف"، أو: "أقسم"، أو: نحوهما من كل فعل يستعمل في القسم، ومن فعل القسم وفاعله تتكون الجملة الفعلية الإنشائية: التي هي: "جملة القسم" ولا بد أن تكون فعلية؛ سواء أذكر الفعل أم حذف، لكن ليس من اللازم أن يكون الفعل "صريحًا" في دلالته على القسم كالأفعال السابقة؛ فهناك ألفاظ أخرى يسمونها: "ألفاظ القسم غير الصريح"، وهو الذي لا يعرف منه بمجرد سماعه أن الناطق به حالف؛ بل لا بد معه من قرينة؛ ومن أمثلته الأفعال: شهد - علم ٢- آلى ؛ نحو: أشهد لقد رأيت الغلبة للحق آخر الأمر، علمت لقد فاز بالسبق من أحسن الوسيلة إليه، والقرينة هنا: "اللام، وقد" الداخلان على الجواب، غير أن الجملة القسمية التي من هذا النوع خبرية لفظًا.
ولا بد لجملة القسم من جملة بعدها، تسمى: "جواب القسم"٣، بيان ذلك: أن الغرض من "جملة القسم" إما تأكيد المراد من جملة تجيء بعدها، وإزالة الشك في معناها؛ بشرط أن تكون هذه الجملة الثانية خبرية٤، وغير تعجبية٥، نحو: أقسم بالله "لا أنقاد لرأي يجافي العدالة"، فهذه الجملة الثانية هي "جواب القسم"، ولا محل لها من الإعراب في الأغلب٦، ويسمى القسم في هذه الحالة:
_________________
(١) ١ سبق في ص ٤٧٧ وفي رقم ١ من هامش ص ٤٨٩ الإشارة إلى حرف خامس هو: "من"، ومن المستحسن اليوم عدم استعماله لغرابته، وأغرب منه وأندر استعمال: "ها" حرف قسم، بعد كلمة: "إي" في الغالب التي معناها: نعم. "طبقًا لما سبق في ص ٤٧٧ ". ٢ انظر ما يتصل بهذا الفعل في رقم ٧ و٨ من هامش ص ٥. ٣ هل يكون جواب القسم غير جملة؟ الإجابة في "ح" من ص ٥٠٥. ٤ فلا تصلح الجملة الشرطية، ولا أنواع الإنشائية، ومنها القسمية كما سيجيء في: "و" من ص ٥٠٣. ٥ يرى كثير من النحاة أن جملة التعجب خبرية، ولكنهم يوافقون غيرهم في أنها لا تصلح جوابًا للقسم. ٦ الأغلب أن الجملة الواقعة جوابًا للقسم لا محل لها، وقد يكون لها محل، كما سبق بيانه في رقم١ من هامش ص٣١، وكما يأتي في رقم٢ من ص ٥٠٤.
[ ٢ / ٤٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
"قسمًا خبريًا" أو: "غير استعطافي" وإما تحريك النفس، وإثارة شعورهم بجملة إنشائية تجيء بعد جملة القسم، والفصيح أن تكون الأداة هي الباء؛ نحو: بربك، هي رحمت الثكلى؟ بحياتك، أعطفت على البائس؟ وقول الشاعر:
بعينيك يا سلمى ارحمي ذا صبابة أبى غير ما يرضيك في السر والجهر
فالجملة الثانية هي جواب القسم، ولا محل لها من الإعراب هنا، ويسمى القسم في هذه الحالة: "استعطافيًا"، أو"غير إنشائي"، ولا بد أن يكون جوابه جملة إنشائية، "كما أوضحنا"١، وهي لا تحتاج لزيادة شيء عليها، بخلاف: القسم "غير الاستعطافي"، فإن جوابه يتطلب إدخال بعض الزيادة على جملته، بالتفصيل الآتي٢:
١- إن كان الجواب جملة فعلية فعلها ماض، متصرف، مثبت، فالكثير الفصيح اقترانها "باللام" و"قد"، معًا، نحو: "والله لقد أفاد الاعتدال في ممارسة الأمور"، ويجوز - بقلة - الاقتصار على أحدهما، أو التجرد منهما، مع ما في الأمرين من ترك الكثير الفصيح، وتسمى هذه اللام المفتوحة: "لا جواب القسم، أو: الداخلة على جوابه".
وإن كان الماضي غير متصرف فالكثير الفصيح اقترانه باللام فقط؛ نحو: "والله لنعم المرء يبتعد عن الشبهات" إلا الفعل "ليس" فلا يقترن بشيء؛ مثل: "والله ليست قيمة المرء بالأقوال، ولكن بالأفعال".
وإن كان الماضي غير مثبت لم يزد عليه شيء إلا حرف من حروف النفي الثلاثة التي يكثر دخولها على الجواب المنفي؛ وهي: ما - لا - إن -؛ نحو: "والله ما مدحت أثيمًا"، "بالله لا رفضت عتاب الصديق، ولا غضبت منه". "تالله إن امتنعت عن مزاملتك فيما رفع الشأن، أي: بالله ما امتنعت"، وغير هذا شاذ.
٢- إن كان الجواب جملة مضارعية مثبتة، فالأغلب الأقوى اقتران مضارعها
_________________
(١) ١ مما سبق نفهم قول النحاة: القسم جملة إنشائية جاءت لتأكيد جملة خبرية بعدها، وهذا هو القسم غير الاستعطافي، فإن كانت الثانية إنشائية أيضًا فالقسم استعطافي. ٢ سيذكر هذا البيان في جـ ٤ م ١٥٨ ص ٣٦٢ عند اجتماع الشرط والقسم، ومن المفيد الرجوع إليه أيضًا.
[ ٢ / ٤٩٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
باللام ونون التوكيد معًا١؛ نحو؛ والله لأحبسن يدي ولساني عن الأذى، ومن القليل الجائز الاقتصار على أحدهما.
فإن كانت الجملة مضارعية منفية لم يزد عليها شيء إلا أحد حروف النفي الثلاثة٢ التي يكثر دخولها على الجواب المنفي٣، "وقد سبقت لها الإشارة" مثل: والله ما أحبس يدي ولساني من محاربه المنكر، والله إن أحبس يدي ولساني والله لا أحبس يدي ولساني، ومن هذا قول الشاعر:
رقي٤، بعمركم لا تهجرينا ومنينا المنى، ثم امطلينا
٣- إن كان الجواب جملة اسمية مثبتة، فالأحسن اقترانه بحرفين معًا، هما: "إن" ولام الابتداء في خبرها٥، نحو: والله إن الغدر لأقبح الطباع.
_________________
(١) ١ راجع ماله صلة بهذا في ص ٣١، ٣٢ وهامشهما. ٢ ويزاد عليهما هنا: "لن" في رأي مقبول من آراء تعارضه، وله إشارة في رقم ٢ من هامش ص٥٠١، ومن أمثلته قول أبي طالب يعلن حمايته للرسول من أعدائه المشركين القرشيين: والله لن يصلوا إليك بجمهم حتى أوسد في التراب دفينا ٣ قد يكون وجود حرف النفي قبل هذه الجملة المضارعية مقدرًا غير ظاهر اللفظ: "بأن يكون ملحوظ غير ملفوظ"، ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ وقول ليلى الأخيلية في رثاء توبة: فأقسمت أبكي بعد توبة هالكًا وأحفل من دارت عليه الدوائر أي: لا أبكي ولا أحفل، ومثل قول الآخر: فقلت يمين الله أبرح قاعدا ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي أي: لا أبرح، جاء في أمالي أبي القاسم الزجاجي ص ٥٠، ما معناه: أن العرب تحذف النفي من جواب القسم في مثل الصور السالفة لأمن اللبس فيها، حيث لا يلتبس الجواب المنفي بالمثبت لوضوح المعنى؛ ولأن الجواب لو كان مثبتًا لوجب تأكيده باللام والنون معًا، أو بأحدهما، طبقًا للقاعدة السالفة، فعدم اقترانه دليل على أنه منفي بأداة مقدرة. ٤ منادى، والأصل: يا رقي، يريد: يا رقية. ٥ اللام الداخلة على جواب القسم لا تدخل على "إن" المشددة ولا على شيء من أخواتها، إلا: "كأن"، نحو: والله لكأن صدقة البخيل اقتطاع من جسده، أما اللام الداخلة على خبر "إن"، فهي لام ابتداء سواء أكانت "إن" مسبوقة بقسم هي في صدر جوابه، أم غير مسبوقة به. "وقد تقدم في الجزء الأول في ش ٥٩٧ م ٥٣ تفصيل الكلام على لام الابتداء، وفائدتها، وموضعها ".
[ ٢ / ٥٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويجوز الاقتصار على أحدهما؛ نحو: والله إن عنوان المرء عمله، أو: والله لعنوان المرء عمله، ولا يستحين التجرد من أحدهما؛ إلا إذا طال القسم بأن ذكر معه تابع له، أو: شيء آخر يتصل به؛ نحو: بالله الذي لا إله سواه، الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، وقول الشاعر:
ورب السموات العلا وبروجها والأرض وما فيها المقدر كائن
ولا يصح اقتران الجملة الاسمية الجوابية بالحرف: "إن" إذا كانت هذه الجملة مصدرة بحرف ناسخ من أخوات "إن": كقولهم في وجه جميل: والله لكأن جماله يقتاد العيون قسرًا إليه؛ فما تستطيع عنه تحولًا.
فإن كان الجواب جملة اسمية منفية لم يزد عليه إلا أداة النفي في أوله، وهي إحدى الحروف الثلاثة السالفة "ما - لا - إن"، نحو: والله ما هذه الدنيا بدار قرار١ بالله لا المال ولا الجاه بنافع إلا بسياج من الفضيلة والله إن هذه الدنيا بدار قرار
مما سبق يتبين أن الجواب المنفي، في جميع أحواله لا يتطلب زيادة شيء إلا أداة النفي قبله، مع اشتراط أن تكون إحدى الأدوات الثلاث٢، سواء أكان الجواب جملة فعلية ماضوية، أم مضارعية، أم جملة اسمية.
"ملاحظة":
قد يكون الكلام مشتملًا على جملة قسمية، ظاهرها مثبت، ولكن معناها منفي، وجواب القسم جملة فعلية ماضوية لفظًا، مستقبلة معنى، مصدرة "بإلا" أو: "لما" التي بمعناها، نحو: سألتك بالله إلا نصرت المظلوم، بالله ربك لما قلت الحق وأمثال هذا مما يعد نوعًا خاصًا من "الاستثناء المفرغ "، "وقد سبق بيان هذا النوع، وتفصيل الكلام - بإسهاب - على معناه، وحكمه، وطريقة إعرابه"٣.
_________________
(١) ١ وقول الشاعر: فلا والله ما في العيش خير ولا الدنيا إذا ذهب الحياء ٢ ويزاد عليها: "لن" في الجملة المضارعية في رأي أشرنا إليه في رقم٢ من هامش ص٥٠٠. ٣ له إشارة في أول هامش ص ٣٢٤ وبيان في: "أ" من الزيادة والتفصيل، ص ٣٢٦.
[ ٢ / ٥٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ب- قد يقع القسم بين أداتي نفي، بقصد تأكيد النفي في المحلوف عليه؛ كقول الشاعر:
أخلاي، لا تنسوا مواثيق بيننا فإني لا -والله- ما زلت ذاكرا
ج- قد تتكرر أداة القسم -ومعها مجرورها- مبالغة في التأكيد، غير أن المستحسن ألا يتكرر حرف من حروف القسم إلا بعد استيفاء الأول جملة جوابه، نحو: بالله لأطيعن الوالدين، بالله لأطيعنهما، والله لأطيعنهما١.
د- تحذف جملة القسم وجوبًا إن كان حرف القسم "الواو"، أو: "التاء"، أو: "اللام"٢، وجوازًا إن كان حرف القسم الباء كما سبق عند الكلام على الحروف الأربعة٣، ومن أوضح الدلائل المرشدة إلى جملة قسمية محذوفة، "ومعها أداة القسم" وجود واحد من الألفاظ الآتية بعدها؛ وهي: "لقد - لئن٤- المضارع
المبدوء باللام المفتوحة المختوم بنون التوكيد"، فإن وجد أحد هذه الألفاظ الثلاثة بغير أن يسبقه جملة قسم فهي، مع القسم وأداته، مقدرة قبله، ومن الأمثلة قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾، أي: أقسم بالله لقد صدقكم الله وعده٥، ومثله قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾، وهذه اللام المفتوحة في المواضع السالفة هي الداخلة على الجواب بعد حذف جملة القسم، وأداته ولا يصح فيها، وفي أمثالها أن تكون لام ابتداء أو غيره؛ لأن أنواع اللام الأخرى لها مواضع محدودة معينة، ليس منها هذه.
هـ- يجوز أن تحذف أداة القسم وحدها مع بقاء الاسم المجرور بهاء على حاله، بشرط أن يكون الاسم لفظ الجلالة: "الله" طبقًا للرأي الأرجح٦؛ مثل الله
_________________
(١) ١ يصح ذكر الجملة الواقعة بعد القسم المقصود به التوكيد اللفظي، على اعتبارها توكيدًا أيضًا للجملة الجوابية الأولى، ويصح حذفها لعدم الحاجة إلى استخدامها توكيدًا لفظيًا؛ فهي مختلفة عن الجمل الجوابية الأخرى التي يجب حذفها وستأتي. ٢ وكذا: "من" عند من يعتبرونها أداة قسم، كما في ص ٤٦٥. ٣ في ص ٤٦٥ و٤٧٧ و٤٨٩. ٤ انظر "و" الآتية. ٥ ومن هذا قول الشاعر: إذا اغرورقت عيناي قال صحابتي لقد أولعت عيناه بالهملان ٦ وهو رأي سيبويه ومن وافقه، "سيأتي في رقم ٣ من ص ٥٣٣ وهامشه".
[ ٢ / ٥٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لأساعدن الضعيف، أي: والله، ويجوز حذف أداة القسم والمقسم به معا لوضوحهما بكثرة الاستعمال؛ نحو أقسم إن الحرية لغالية، أشهد إن الوطن لعزيز، أي: أقسم بالله، أشهد بالله، ومنه قول الشاعر:
فأقسم ما تركي عتابك عن قلى ولكن لعلمي أنه غير نافع
وما نوع "اللام" في مثل: والله لئن أخلصلت لي لأخلصن لك؟ وهي "اللام" التي قبلها قسم، وبعدها أداة شرط؛ كالمثال السابق وأشباهه، والتي سبقت في: "د"؟.
يسميها بعض النحاة "لام الشرط"، ويسميها آخرون: "اللام الموطئة" للقسم؛ أي: الممهدة له؛ لأنها التي تهيئ الذهن لمعرفته، وتدل على أن الجملة المتأخرة المصدرة بلام أخرى، هي جواب للقسم وليست جوابًا للشرط، فاللام الأولى "الموطئة" هي التي أعلمت بذلك، وبينت أن اللام الثانية هي "اللام" الداخلة على جواب القسم، وأن الجملة بعد هذه اللام الثانية هي جملة جواب القسم. ولا يصح أن تكون "اللام" الأولى، وما دخلت عليه جوابًا للقسم؛ لأن القسم كما أسلفنا١ لا يكون جوابه جملة شرطية، ولا جملة قسمية، ويجب التنبه إلى الفرق بين "لام القسم"، "ولام الابتداء"، وقد أوضحناه في مكانه المناسب من الجزء الأول عند الكلام على: "لام الابتداء"٢.
وحين يجتمع أداتا قسم وشرط فالجواب يكون في الأغلب للمتقدم منهما٣، أما المتأخر فيحذف جوابه؛ لوجود الجواب السابق الذي يدل عليه، وبسبب أن الجواب في الأغلب للمتقدم لم تحذف النونان في المضارع من قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ﴾، وهو السبب أيضًا في عدم مجيء الفاء قبل "إن" في قول الشاعر:
لئن كنت محتاجًا إلى الحلم إنني إلى الجهل٤ في بعض الأحايين أحوج
_________________
(١) ١ في رقم ٤ من هامش ص ٤٩٨. ٢ ص ٥٩٨ وهامشها م٥٣. ٣ هذا هو الأغلب، والتفصيل المناسب لهذه المسألة مدون في البحث الخاص بها؛ وهو: بحث اجتماع الشرط والقسم جـ ٤ باب الجوازم ص ٣٦٢ م ١٥٨. ٤ الغضب والانتقام، وسيعاد البيت في الجزء الرابع في الموضع السالف من الجوازم.
[ ٢ / ٥٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ز- تحذف جملة القسم وجوبًا في إحدى حالات ثلاث:
١- أن يتأخر القسم ويتقدم عليه جملة تغني عن جوابه لدلالتها عليه نحو: "تسعد الأمة وتشقي بأبنائها، والله"، ويلاحظ أن جملة الجواب نفسها لا يصح تقديمها على القسم.
٢- أو أن يحيط بالقسم جملة تعني عن الجواب كذلك؛ نحو: "سعادة الأمة والله رهن بعمل أبنائها"، فجواب القسم في هذه الحالة كالتي قبلها جملة محذوفة لا يصح ذكرها؛ لوجود ما يغني عنها؛ فلا داعي للتكرار فيهما بقولنا: "تسعد الأمة وتشقى بأبنائها، والله تسعد الأمة وتشقي بأبنائها"، وقولنا: "سعادة الأمة رهن يعمل أبنائها، والله سعادة الأمة رهن بعمل أبنائها".
أما في مثل: "الغضب والله إنه وخيم"، أو: "الغضب والله إنه لوخيم"، حيث يكون المتأخر عن القسم جملة فيصح في هذه الجملة المتأخرة أن تكون جوابًا للقسم، وجملة القسم جوابه في محل رفع خبر السابق١، "وهذا من المواضع التي يكون فيها لجملة القسم مع جملة جوابه محل من الإعراب"٢، كما يصح أن تكون الجملة المتأخرة خبرًا للمتقدم في محل رفع وجواب القسم محذوف لوجود ما يغني عنه ويدل عليه.
٣- أو أن يجتمع أداتا شرط وقسم ويتأخر القسم عن الشرط والحكم في هذه الحالة هو الأغلب كما سبق في: "و".
وتحذف جملة الجواب جوازًا في غير الحالات السالفة، لدليل أيضًا؛ نحو قوله تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾، فجواب القسم محذوف تقديره: "إنك لمنذر"، أو: نحو: هذا، بدليل قوله تعالى بعد ذلك: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾، ومثله قوله تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ .
_________________
(١) ١ يراجع الجزء الثاني من "المغني" في موضوع حذف جواب القسم، وفي موضوع الجمل التي لا محل لها من الإعراب، والملخص: أن جملة القسم مع جملة جوابه قد يكون لهما أحيانًا معًا موضع عن الإعراب؛ لأنهما متماسكتان بمنزلة جملة واحدة، ولا محل لإحداهما بدون الأخرى في الرأي المشهور، وقد سبق لمناسبة أخرى بيان هام يختص بهذا الحكم "في رقم ١ من هامش ص ٣١". ٢ سبقت الإشارة لهذا في رقم ١ هامش ص ٣١ كما قلنا وفي رقم ٦ من هامش ص ٤٩٨.
[ ٢ / ٥٠٤ ]
فجملة الجواب محذوفة، تقديرها كالسابقة: "إنك لمنذر"؛ بدليل قوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾، أو: نحو هذا مما يكون فيه دلالة على المحذوف.
ومن الأمثلة أن يقال: أتقسم على أنك أديت الشهادة الصادقة؟ فتقول: أقسم والله.
ومن مواضع الحذف الجائز لدليل أن يكون القسم مسبوقًا بحرف جواب عن سؤال سابق؛ كقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾، فالأصل: بلى وربنا؛ إن هذا هو الحق، ومثله أن يسألك سائل: أتعاهد على تأييد الملهوف؟ فنقول: إي، والله، أو: نعم، والله، أو: أجل، والله أو غير هذا من أحرف الجواب التي تسبق القسم مباشرة.
ج- جواب القسم لا يكون إلا جملة؛ فلا يكون مفردًا، ولا شبه جملة، غير أن النحاة عرضوا حالة وقع فيها لجار والمجرور سادًا مسد جواب القسم، ومغنيًا عنه وليس جوابًا أصيلًا وهي التي سبقت١ عند الكلام على جواز فتح همزة "إن" وكسرها؛ حيث قالوا: يجوز فتح همزة "إن" وكسرها إذا وقعت في صدر جواب القسم، وفعل القسم مذكور قبلها، وليس في خبرها اللام؛ نحو: أقسم بالله أن الإحسان نافع، فقد جوزوا عند فتح الهمزة أن يكون التقدير؛ أقسم بالله نفع الإحسان، أي: أقسم بالله على نفع الإحسان؛ فيصح في المصدر المؤول الجر بحرف الجر المحذوف مع بقاء جره٢، والجار مع مجروره يسد مسد الجواب مباشرة.
أو: أن المصدر المؤول منصوب على نزع الخافض٣؛ فهو مفعول به تأويلًا. وهذا المفعول به ساد مسد الجواب٤.
وهناك إعرابات أخرى لا تتصل بموضوعنا الحالي.
ط- من الألفاظ التي قد تستعمل أحيانًا في القسم: "جير"، كقول الشاعر:
_________________
(١) ١ في جـ ١ م ٥٢ ص ٥٩٢ من الطبعة الثالثة. ٢ فمن المواضع التي يحذف فيها الجار، ويبقى الجر أن يكون الجار داخلًا على أن ومعموليها "انظر ص ٥٣٢ م ٩١ هـ". ٣ سبق إيضاح معنى "النصب" على نزع الخافض في جـ ١ م ٥٢ ص ٥٩٢. ٤ راجع الأشموني والصبان في الموضع السالف من باب "إن وأخواتها" عند بيت ابن مالك: "بعد إذا فجاءة أو قسم ".
[ ٢ / ٥٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قالوا: قهرت، فقلت: جير؛ ليعلمن عما قليل أينا المقهور
والأحسن في إعرابها: أن تكون حرف قسم مبنيًا على الكسر لا محل له من الإعراب١.
ومنها: "لا جرم" في مثل: لا جرم إن الله يمهل الظالم، حتى إذا أخذه لم يتركه بعد ذلك، وقد سبق أن قلنا٢: إذا كسرت همزة "إن" فالسبب إجراء: "لا جرم" مجرى اليمين عند بعض العرب؛ بدليل وجود اللام بعدها في مثل: لا جرم لأنا مكرمك، فالحرف "لا"، ناف للجنس "جرم" اسمه مع تضمنه القسم، والجملة بعده من "إن ومعموليها" جواب القسم، أغنت عن خير "لا".
أما مع فتح همزة "أن" فكلمة: "جرم" فعل ماض، بمعنى: "وجب" و"لا" زائدة، والمصدر المؤول فاعل.
ومنها: "ها" التي للتنبيه في مثل: ها الله ما فعلت كذا أي: والله ما فعلت كذا وقد سبقت الإشارة إليها٣
_________________
(١) ١ وتصلح في بعض الأساليب الأخرى أن تكون حرف جواب فقط. ٢ جـ ١ ص ٥٩٥، م ٥١ مواضع فتح همزة "إن" وكسرها. ٣ في رقم ١ من هامش ص ٤٧٧، وقد ورد في الأحاديث النبوية، وفي نصوص فصيحة أخرى استعمال هذا الحرف في القسم؛ قال الجوهري: "ها" للتنبيه، وقد يقسم بها؛ يقال: لا ها الله ما فعلت كذا، قال ابن مالك: في هذا شاهد على جواز الاستغناء عن واو القسم بحرف التنبيه، ولا يكون ذلك إلا مع كلمة: "الله"، أي لم يسمع لا ها الرحمن، كما سمع والرحمن، ثم قال: وفي النطق بها أربعة أوجه "كما جاء في ص ٢٦٣ من كتاب نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، في الحديث ج ٧ باب السلب، تأليف الشوكاني". أولها: ها الله، باللام بعد الهاء في النطق مع غير إظهار شيء من الألفين. ثانيها: ظهور الألفين نطقًا وكتابة مع قطع الهمزة، فيقال: ها لله. ثالثها: إظهار ألف واحدة من غير همزة، فيقال: ها لله. رابعها: حذف ألف "ها" وإظهار همزة القطع في أول كلمة: "الله" فيقال. هألله، والمشهور من هذه الآراء هو الأول والثاني. ا. هـ، وقد تسبقها كلمة: "إي" التي بمعنى: نعم.
[ ٢ / ٥٠٦ ]
في: حرف يجر الظاهر والمضمر، والغالب فيه أن يكون أصليًا، وأشهر معانيه تسعة:
١- الظرفية١ حقيقة أو مجازًا؛ نحو: "المعادن متراكمة في جوف الأرض، والنفط حبيس في طبقاتها"، ونحو: "السعادة في راحة النفس، والغنى في التعفف عما لا يملكه المرء٢"، وهذا المعنى أكثر استعمالاته.
٢- السببية؛ نحو: كان المحامي الشاب مغمورًا؛ فاشتهر في قضية خطيرة تجرد لها، وذاع اسمه فيها، أي: اشتهر بسبب قضيته وذاع اسمه بسببها٣
٣- المصاحبة؛ كقول أحد المؤرخين: "كان الخليفة العباسي يتخير يومًا للراحة، ولقاء بطانته، ويدعو فيه الشاعر الذي يؤنسهم، فيستجيب فرحًا، ويسرع في الداخلين، فيستقبله الخليفة، قائلًا إلي في بطانتي؛ فلن يتم سرورنا إلا بك" أي: يدعو معهم، يسرع مع الداخلين، مع بطانتي
ومن هذا قوله تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾، أي: مع أمم.
٤- الاستعلاء؛ نحو: "غرد الطائر في الغصن، أي: على الغصن"، "يصيح الغراب في المئذنة، أي: عليها"، وقولهم: "بطل كأن ثيابه في سرحة٤ أي: على سرحة؛ لأنه ضخم طويل".
٥- المقايسة، أو: الموازنة٥؛ نحو: قوله تعالى: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي
_________________
(١) ١ سبق إيضاح معنى "الظرفية" في رقمي ١ و٣ من هامشي ص ٤٦٣ و٤٨٠. ٢ وكقول الشاعر: ولا خير في فرع إذا طاب أصله ولم يك ذا طيب يدل على الأصل ٣ ومما تصلح فيه للسببية، ولأن تكون بمعنى "إلى" الغائية قوله ﵇: "من مشى في حاجة أخيه ساعة من ليل أو نهار، قضاها أو لم يقضها، كان خيرًا له من اعتكاف شهرين"، أي: بسبب حاجة أخيه ، أو إلى حاجة أخيه. ٤ شجرة عظيمة. ٥ معناهما: ملاحظة شيء بالقياس إلى شيء آخر، والحكم عليه بعد هذا القياس بأمر من، كالحسن، أو القبح، والزيادة، أو النقص و ويغلب هنا أن تكون الموازنة بين شيء سابق على الحرف: "في" وشيء لاحق بعده، وهذا اللاحق أفضل أو أكثر من السابق، ولا مانع من العكس أحيانًا.
[ ٢ / ٥٠٧ ]
الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ أي: بالنسبة للآخرة، وموازنته بمتاعها.
٦- أن تكون بمعنى: "إلى" الغائية؛ نحو: دعوت الأحمق للسداد؛ فرد يده، في أذنيه، أي: إلى أذنيه، كي لا يسمع النصح، ومنه قوله تعالى: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾، كناية عن عدم الرد، وعن ترك الكلام، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ ِ.
٧- أن تكون بمعنى "من" التبعيضية غالبًا؛ نحو: أخذت في الأكل قدر ما أشار الطبيب، أي: من الأكل، "بعض الأكل".
٨- أن تكون بمعنى "الباء" التي للإلصاق١؛ نحو: وقف الحارس في الباب، أي: ملاصقًا له.
ومثل قولهم: من لم يكن بصيرًا في ضرب المقاتل لم يكن آمنًا على حياته، أي: بضرب المقاتل.
٩- التوكيد "بسبب زيادتها"، والرأي الراجح أن زيادتها غير قياسية، فيقتصر فيها على المسموع؛ مثل قول الشاعر:
أنا أبو سعد إذا الليل دجا يخال في سواده يرندجا٢
أي: يظن سواده يرندجا٣.
_________________
(١) ١ حقيقة أو مجازًا، "ويوضح معنى الإلصاق ما سبق في "الباء"، رقم ١ ص ٤٩٠". ٢ اليرندج: الجلد الأسود، أو الطلاء الأسود. ٣ فيما سبق من معاني "الباء" و"في" يقول ابن مالك متقصرًا على بعض المعاني: والظرفية استبن "ببا" و"في"، وقد ببينان السببا أول البيت كلمة لم نذكرها، هي: "وزيد"؛ لأنها مختصة بمعنى حرف سبق؛ هو اللام التي في معانيها التوكيد؛ فتكون معه زائدة، ومعنى استبن: "ببا" الظرفية، أي: صير الظرفية واضحة بها؛ لأنها معنى من معانيها، ومعاني "في"، فكلا الحرفين يدل على الظرفية، أي: صير الظرفية واضحة بها؛ لأنها معنى من معانيها، ومعاني "في" فكلا الحرفين يدل على الظرفية، كما يدل على السببية. ثم بين معاني الباء، فقال: "بالبا" استعن، عد، عوض، ألصق ومثل مع، ومن، وعن، بها انطق أي: أنها تكون للاستعانة؛ وللتعدية، وللعوض، ولللصاق، وبمعنى "مع" "أي: للمصاحبة"، وبمعنى: "من" "أي: التبعيض" وبمعنى: "عن" "أي: للمجاوزة"، وقد شرحنا هذا كله فيما سبق.
[ ٢ / ٥٠٨ ]
على: حرف جر أصلي يجر الظاهر والمضمر، وأشهر معانيه ثمانية١:
١- الاستعلاء؛ وهو أكثر معانيه استعمالًا، ويدل على أن الاسم المجرور به قد وقع فوقه المعنى الذي قبل "على" وقوعًا حقيقيًا مباشرًا٢ أو مجازيًا، فالحقيقي نحو: يعود السائحون إما على القطر، وإما على السيارات، أو على الطائرات، أو على البواخر، والمجازي، نحو قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، وقولهم: إن الدموع على الأحزان أعوان.
وليس من الاستعلاء المجازي قولهم: توكلت على الله، واعتمدت عليه؛ لأن الله لا يعلو عليه شيء حقيقة أو مجازًا، وإنما هي بمعنى الاستناد له، والإضافة إليه "أي: النسبة إليه"؛ تريد: أسندت توكلي واعتمادي إلى الله، وأضفتهما "أي: نسبتهما" إليه.
٢- الظرفية؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ ٣، أي: في حين غفلة، وقول الشاعر:
يا حبذا النيل على ضوء القمر وحبذا المساء فيه والسحر
أي: في ضوء القمر
_________________
(١) ١ زاد بعضهم معنى تاسعًا، هو: أن تكون زائدة للتعويض من أخرى محذوفة، وساق مثلًا لها قول الشاعر: إن الكريم وأبيك يعتمل إن لم يجد يومًا على من يتكل "يعتمل: يعمل بالأجرة" جاء في "القاموس المحيط" مادة: "على" ما نصه" "أي: من يتكل عليه، فحذف "عليه" وزاد "على" قبل الموصول؛ عوضًا". ا. هـ. وفي هذا زيادة لا داعي لها وتكلف بغيض؛ إذ يستقيم المعنى بدونهما، على الوجه التالي الذي سجله الصبان هنا، ونسبه المغني لابن جني ونصه "قيل: إن مفعول يجد" محذوف، أي: إن لم يجد شيئًا، ثم استأنف مستفهمًا استفهامًا إنكاريًا، فقال: على من يتكل؟ ". ا. هـ كلام الصبان، فالكلام على زيادتها عوضًا، مردود وكذلك القول بزيادتها وهي غير عوض. ٢ وقد يكون الوقوع غير مباشر بأن يقع فوق شيء قريب منه كقوله تعالى: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً﴾، أي فوق مكان قريب من النار. ٣ إذا جرت "على" الظرف كانت بمعنى: "في" وقد نص "الخضري" على هذا في باب الإضافة عند بيت ابن مالك: وابن أو اعرب ما كإذ قد أجريا
[ ٢ / ٥٠٩ ]
"حبذا: جملة فعلية للمدح العام وقبلها الحرف: "يا"١
٣- المجاوزة٢؛ نحو: إذا رضي علي الأبرار غضب الأشرار، أي: رضي عني.
٤- التعليل؛ نحو: اشكر المحسن على إحسانه، وكافئه على صنيعه، أي: لإحسانه، ولصنيعه٣
٥- المصاحبة؛ نحو: البر الحق أن تبذل المال على حبك له، وحاجتك إليه، أي: مع حبك له٤ ومثل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾، أي: مع ظلمهم٥ ، وقول الشاعر٦:
بعيشك، هل أبصرت أحسن منظرا على ما رأت عيناك من هرمي مصر
أي: مع ما رأت
٦- أن تكون بمعنى من، نحو قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾، أي: من الناس، ونحو قوله ﵇:
"بني الإسلام على خمس"
أي: من خمس مواد.
٧- أن تكون بمعنى "الباء"؛ نحو: سمعت من الوالد نصحًا، وحقيق عليه أن يقول ما ينفع، أي: حقيق به، بمعنى جديد به.
٨- الإضراب، والمراد به هنا: إبعاد المعاني الفرعية التي تخطر على البال من
_________________
(١) ١ تفصيل الكلام على حبذا في الباب الأنسب، وهو باب: "ألفاظ المدح والذم" ج ٣ م ٩١ ٣٦٦، أما الكلام على الحرف: "يا" ففي باب "النداء" ج ٤ م ١٢٧ ص٥. ٢ سبق في رقم ٣ من هامش ص ٤٦٣ تعريفها، وبيان أقسامها. ٣ ومما يصلح للتعليل "أي: بيان العلة والسبب" قول شوقي في الشرق العربي: إنما الشرق منزل لم يفرق أهله إن تفرقت أصقاعه وطن واحد على الشمس والف صحى، وفي الدمع والجراح اجتماعه ٤ ومن أمثال العرب: "لا قرار على زأر من الأسد" أي: مع زأر يريدون: لا أمان ولا استقرار في مكان يسمع فيه زئير الأسد. ٥ ومما تصلح فيه المصاحبة قول الشاعر: إذا أبقت الدنيا على المرء دينه فما فاته منها فليس بضائر ٦ سبق البيت التالي لمناسبة أخرى في ص ٤٩٧.
[ ٢ / ٥١٠ ]
كلام سابق، وإبطال ما يرد على النفس منها؛ "فهو كالاستدراك المستفاد من كلمة: "لكن""، ومن أمثلته قولهم: "هفا الصديق فاحتملت هفوته؛ على أن احتمالها مر أليم، وجفا، فقبلت جفوته، على أن الرضا بها كالرضا بالطعنة المسددة؛ كل نفس لها كارهة ، فقد بين المتكلم أنه احتمل الهفوة، وقد يوحي هذا في النفس أن احتمالها سهل، وأنه راض به الاحتمال، فأزال هذا الاحتمال بما ذكره من أن احتمالها مر وأليم، كذلك بين أنه قبل جفوة صديقه. وهذا قد يشعر بأن قبولها كان عن رضا وارتياح؛ فأزال هذا الوهم، نافيًا له؛ مبينًا أن الرضا به بغيض إلى النفس بغض الطعنة القاتلة وكانت وسيلته للإبانة هي كلمة: "علي" التي بمنزلة: "لكن".
ومن ذلك قولهم: "الإسراف كالشح؛ كلاهما داء وبيل، يخشى عواقبه اللبيب، على أن داء الشح أخف ضررًا، وأهون خطرًا من داء الإسراف "، فقد بين أن كلاهما داء سيئ العاقبة، وهذا يوحي إلى النفس أنهما في الشر سواء، ومنزلتهما من الضرر واحدة، فأزال هذا المعنى الفرعي المتوهم بكلمة: "على"، وما بعدها؛ فهي بمنزلة: "لكن"، التي تجيء أول الجملة لإبطال المعاني الفرعية الناشئة مما قبلها.
ومن الأمثلة أيضًا ما قاله الشاعر في أمر قربه أو بعده عن ديار أخلائه، وأنه يفيد أو لا يفيد:
بكل تداوينا؛ فلم يشق ما بنا على أن قرب الدار خير من البعد
على أن قرب الدار ليس بنافع إذا كان من تهواه ليس بذي ود
فقد بين أولًا أن تداوي بالقرب وبالبعد فلم يفده واحد منهما، وعدم الإفادة بعد التجربة يوقع في الوهم أنهما سيان من كل الوجوه، لكنه أبطل هذا التوهم بتصريحه بعد ذلك حيث يقول: "على أن قرب الدار خير من البعد"، فهذه الجملة تبطل ما سبق، وتوحي بمعنى جديد؛ هو: أن القرب مطلقًا خير من البعد، ثم عاد فأبطل هذا المعنى الذي أوحي به الوهم بجملة جديدة؛ هي: قرب الدار ليس بنافع" وكانت أداة الإضراب والإبطال هي كلمة: "على".
[ ٢ / ٥١١ ]
والأحسن في كلمة: "على" الجارة الأصلية إذا كانت للإضراب١ والإبطال عدم تعلقها هي ومجرورها بشيء؛ "لأنها في هذا الاستعمال بمنزلة: "لكن" التي تفيد الاستدراك" مع اعتبارها كحرف ابتداء لوقوعها في أول الجملة، وعلى هذا تكون "على" التي للإضراب والإبطال حرف جر واستدراك معًا٢
وقد تستعمل: "على" اسمًا بمعنى: "فوق" ويكثر هذا بعد وقوعها مجرورة بالحرف "من"، فإنه لا يدخل إلا على الأسماء، نحو: تمر من على بلدنا الطائرات، أي: من فوق بلدنا٣، فقد خرجت من حرفيتها، وصارت اسمًا بمعنى "فوق"، كما نرى، وهذا قياسي كباقي استعمالاتها.
وإذا كان المجرور بها ضميرًا وجب قلب ألفها ياء٤؛ نحو: تقبل علينا وفود السائحين شتاء، وقول الشاعر:
إذا طلعت شمس النهار فإنها أمارة تسليمي عليك، فسلمى
فإن كان الضمير ياء المتكلم، وجب إدغام الياءين؛ نحو: علي أن أسعى للخير جاهدًا٥
_________________
(١) ١ انظر ما يتصل بمعنى التعلق وبالإضراب في ص٤٣٧ و٤٣٩ وهامشها. ٢ ولا داعي للأخذ بالرأي الذي يقول: إنهما متعلقان بمحذوف هو خير لمبتدأ محذوف والتقدير: "التحقيق كائن على أن كذا وكذا "؛ لأن هذا الرأي مع صحته يحوي التعقيد، والتكلف، وكثرة المحذوف من غير داع، وقد كررنا وأوضحنا الأسباب أنه لا يصح الالتجاء إلى الحذف والتقدير، والتعسير بغير ضرورة قاسية، لا سبيل للتغلب عليها إلا من هذه الناحية، والرأيان في حاشية الأمير على الشذور ص١٥ عند الكلام على "ذي" إحدى الأسماء الستة، وكذلك في "المغني" ج١ عند الكلام على الحرف: "على، ونص كلام المغني: "وتعلق "على" هذه بما قبلها عند من قال به كتعلق "حاشا" بما قبلها عند من قال به؛ لأنها أوصلت معناها إلى ما بعدها على وجه الإضراب والإراج، أو: هي خبر لمبتدأ محذوف: أي: "والتحقيق على كذا"، وهذا الوجه اختاره ابن الحاجب، قال: ودل على ذلك أن الجملة الأولى وقعت على غير التحقيق، ثم جيء بما هو التحقيق فيها". ا. هـ، كلام المغني. ٣ وقد أشار إلى هذا ابن مالك في بيت سيجيء في هامش ص٥١٧ عند كلامه على "الكاف" التي قد تقع اسمًا. ٤ وهي المكتوبة ياء، تبعًا لقواعد رسم الحروف. ٥ "ملاحظة": جاء في "الكامل" للمبرد جـ١ ص٢٧٠ أنه بعض العرب يحذف من آخرها اللام والياء إذا كان المجرور بها مبدوءًا "بأل"، ويحذف معها همزة "أل" كقول قطري بن الفجاءة: غداة طفت علماء بكر بن وائل وعجنا صدور الخيل نحو تميم يريد طفت على الماء القتلى من بكر وجاء على هامش الموضع السالف أن أولئك العرب تفعل ذلك كثيرًا في النثر والشعر. ا. هـ، لكن الأنسب اليوم عدم مجاراتهم، لما فيه من لبس.
[ ٢ / ٥١٢ ]
عن١: حرف جر أصلي؛ يجر الظاهر والمضمر، وأشهر معانيه تسعة:
١- المجاوزة٢، وهي أظهر معانيه، وأكثرها استعمالًا؛ نحو: جلوت عن بلد المظالم، ورغبت عن الإقامة فيه، أي: ابتعدت وتركت.
٢- أن تكون بمعنى: "بعد"٣، كقولهم: دع المتكبر؛ فعن قليل يؤدبه زمانه، والمغرور؛ فعن قريب تكشفه أيامه، أي: بعد قليل، وبعد قريب
٣- الاستعلاء "فتكون بمعنى: "على"، نحو: من يبخل بخدمة وطنه فإنما يسيء لنفسه بما يبخل عنها، ويمنع من إفادتها أي: بما يبخل عليها٤ وكقولهم: العظيم من زادت خيراته عن المحتاج لها، وفصلت عنه أي: على المحتاج لها وفصلت عنه أي: على المحتاج لها، وفضلت عليه، وقول الشاعر:
إذا رضيت عني كرام عشيرتي فما زال غضبانًا علي لئامها
٤- التعليل، "أن يكون ما بعدها علة وسببًا فيما قبلها"، نحو: لم أحضر إليك إلا عن طلب منك، ولم أفارقك إلا عن ميعاد ينتظرني، أي: بسبب طلب، وبسبب ميعاد.
٥- الظرفية؛ كقولهم: الزعيم لا يكون عن حمل الأعباء الثقال وانيًا، ولا عن
_________________
(١) ١ الغالب أن تتحرك النون بالكسر إذا وقع بعدها ساكن مطلقًا: "أل، أو غيرها"، نحو: انصرف عن الأذى انصرافك عن استقبال البلايا. ٢ سبق معناها في رقم ٣ من هامش ص ٤٦٣ عند الكلام على: "من" تعريفها، وبيان أقسامها، مع التمثيل والإيضاح. ٣ "بعد" ظرف سبق الكلام عليه تفصيلًا في باب الطرف، ص ٢٨٣. ٤ ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ .
[ ٢ / ٥١٣ ]
بذل التضحيات مترددًا، أي: في حمل وفي بذل.
٦- الاستعانة١؛ نحو: رميت عن القوس؛ أي: بالقوس، إذا كانت القوس أداة الرمي٢
٧- أن تكون بمعنى: بدل، نحو قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ .
ومثل: أديت العمل عن صديقي المريض، أي: بدل نفس، وبدل صديقي، وقول الشاعر يمدح محسنًا:
وتكفل الأيتام عن آبائهم حتى وددنا أننا أيتام
٨- أن تكون بمعنى: "من" نحو قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾، أي: من عباده٣، "وهذا أوضح من اعتبارها للمجاورة؛ على معنى: الصادرة عن عباده، ولا تقدير فيه"
٩- أن تكون بمعنى الباء، نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾، أي: بالهوى.
وقد ذكر لها بعض معان أخرى، تركناها متابعة للمتعرضين بحق عليها٤.
_________________
(١) ١ سبق في ص ٤٩٠ شرح معناها وما يتصل بها. ٢ ومثل: ضربت الخائن عن السيف، أي: بالسيف إذا كان السيف أداة الضرب. ٣ وكقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ . ٤ منها أن تكون زائدة سماعًا، ويجب الاقتصار في زيادتها على المسموع وحده؛ نحو: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ وهذه تصلح أصلية إذا كان السؤال لمعرفة شأن الأنفال، وطلب الاستخبار عنها، لا لطلب الاستعطاء وأخذ شيء منها. ومن زيادتها المسموعة ما نص عليه ابن هشام في المعنى جـ١ عند الكلام عليها قائلًا: "إنها تكون زائدة للتعويض من أخرى محذوفة؛ كقول الشاعر: أتجزع إن نفس أتاها حمامها فهلا التي عن بين جنبيك تدفع قال ابن جني: أراد؛ فهلا تدفع عن التي بين جنبيك، فحذفت "عن" من: أول الموصول، وزيدت بعده" ا. هـ، والبيت مذكور أيضًا في ذيل الأمالي ص ١٠٧. وفيما سبق من معاني "على"، و"عن" يقول ابن مالك باختصار: "على" للاستعلا، ومغني: "في" و"عن" بعن تجاوزا، عنى من قد فطن وقد تجيء موضع "بعد" و"على" كما "على" موضع "عن" قد جعلا يريد: أن "على" تكون للاستعلاء وتكون للظرفية؛ مثل: "في" وللمجاوزة مثل: "عن" التي تؤدي هذا المعنى إذا قصده من فطن؛ لأنها تؤديه، ثم بين أن: عن" قد تكون بمعنى: "بعد"، وبمعنى: "على" المفيدة للاستعلاء، كما أن: "على" تكون بمعنى: "عن" المفيدة للمجاوزة.
[ ٢ / ٥١٤ ]
وتستعمل "عن" اسمًا بمعنى: "جانب"، ويغلب أن يكون هذا بعد وقوعها مجرورة بالحرف: "من"، نحو: يجلس القاضي: ومن عن يمينه مساعده، ومن عن يساره كاتبه، أي: من جانب يمينه، ومن جانب يساره١ ، وهذا الاستعمال قياسي كباقي استعمالاتها السابقة.
اتصال "ما" الزائدة بالحرف: عن.
إذا كانت "عن" جارة جاز وقوع "ما" الزائدة بعدها، فلا تغير شيئًا من عملها أو معناها؛ وإنما يبقى لها كل اختصاصها السابق قبل مجيء الحرف الزائد، نحو: عما قريب يتحقق المأمول٢.
الكاف: حرف يجر الظاهر، ويقع أصليًا وزائدًا، وأظهر معانيه أربعة:
١- التشبيه: وهو بنوعيه الحسي والمعنوي أكثر معانيه تداولًا، والأغلب دخول "الكاف" على المشبه به؛ نحو: الأرض كرة كالكواكب الأخرى، تستمد ضوءها من الشمس كبقية المجموعة الشمسية، ونحو: الذكاء كالكهرباء، كلاهما لا يدرك إلا بآثاره، ويقولون في المدح: فلان كهربي الذكاء، يريدون: أنه في سرعة فهمه واستنباطه كالكهربا؛ في سرعة تأثرها وتأثيرها٣
_________________
(١) ١ وسيشير إلى هذا ابن مالك في بيت يجيء رقم ٤ من هامش ص ٥١٧ عند الكلام على: "الكاف". ٢ ومثل قول الشاعر في الحث على الإجادة، والإتقان عند ممارسة الأمور والأعمال؛ حرصًا على الذكرى الطيبة بعد الممات: إذا كنت في أمر فكن فيه محسنًا فعما قليل أنت ماض وتاركه وتقضي قواعد الكتابة باتصال الحرفين خطًا، وسيشير ابن مالك آخر الباب ص ٥٢٩ إلى مسألة زيادة الحرف: "ما"؛ بعد: "من" و"عن" و"الباء"، وأن هذه الزيادة لا تعوق تلك الحروف عن عملها؛ فيقول: وبعد "من" و"عن"، و"باء"، زيد "ما" فلم يعق عن عمل قد علما ٣ ومن الأمثلة قول الشاعر: ابنوا كما بنت الأجيال قبلكمو لا تتركوا بعدكم فخرًا لإنسان أي: كبناية الأجيال.
[ ٢ / ٥١٥ ]
٢- التعليل والسببية؛ كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾، أي: بسبب هدايته لكم، وقوله تعالى عن الوالدين: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾، أي: بسبب تربيتهما إياي في صغري.
٣- التوكيد١ ويختص بالزائدة؛ نحو قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، أي: ليس شيء مثله "وهذا في رأي من يرون زيادة الكاف هنا"٢.
٤- الاستعلاء؛ كقولهم: كمن كما أنت، أي: على الحال التي أنت عليها. واستعمالها في هذا المعنى، والذي قبله قليل، ولكنه قياسي.
ومن الاستعمالات القياسية أن تخرج "الكاف" عن الحرفية، لداع يوجب ذلك، فتصير اسمًا مبنيًا بمعنى: "مثل"، يجري عليه ما يجري عليه ما يجرى على نظائره من الأسماء المبنية٣؛ كقولهم: لن ينفع في منع الإجرام كالعقوبات الرادعة، وقولهم:
_________________
(١) ابنوا كما بنت الأجيال قبلكمو لا تتركوا بعدكم فخرًا لإنسان أي: كبناية الأجيال. ١ سبق في أول هذا الباب ص٤٥٠ إيضاح للتوكيد الذي ينشأ من الحرف الزائد، كما سبق في الجزء الأول ص٧٠ م٥. ٢ وحجتهم أنها لو لم تكن زائدة لترتب على أصالتها الاعتراف بوجود مثل المولى تعالى؛ وهذا محال، والأسهل الموافقة على زيادتها في هذا الموضع ونظائره، ومنها قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ ، لتجنب التأويلات الأخرى، والآراء التي يشوبها التعقيد. أما من يمنعون زيادتها فحجتهم: أن "مثل" بمعنى: ذات، وأن القرآن ليس فيه زائد، لكن فاتهم أن الزائد هنا وفي فصيح الكلام العربي يؤدي توكيد معنى الجملة "طبقًا لما فصلناه عند الكلام على الحرف في ج ١ م ٥ ص ٧٠"، فلا عيب في زيادته مع أدائه هذا الغرض، إنما المعيب المنزه عنه القرآن، هو الزائد الذي له فائدة معه، يكون وجود كعدمه، ومن أمثلة زيادتها ما نقلوه عن أعرابي سئل: كيف تصنعون الأقط؟ فأجاب: كهين، يريد؛ هو هين، فالكاف زائدة كما قالوا على أني لا أرى مانعًا أن تكون اسمًا مبنيا بمعنى: "مثل"؛ فكأنه يقول: "مثل هين" أي: مثل شيء هين ٣ فيكون اسمًا مبنيًا في محل رفع، أو: نصب، أو: جر، على حسب موقعه من الجملة التي لا تستغني في تركيبها عنه اسمًا، لا حرفًا.
[ ٢ / ٥١٦ ]
ما عاتب الحر الكريم كنفسه١ وقولهم:
وما قتل الأحرار كالعفو عنهمو ومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا؟
أي: مثل العقوبات مثل نفسه مثل العفو؛ فالكاف في الأمثلة السالفة اسم، لحاجة الجملة إلى فاعل، فالكاف فاعل١، مبني على الفتح في محل رفع.
وقد تكون أحيانًا خبرًا لمبتدأ٢؛ كقولهم: من حذرك كمن بشرك
وقد تكون مفعولًا به في نحو قول الشاعر:
ولم أر كالمعروف؛ أما مذاقه فحلو، وأما وجهه فجميل٣
٤
وقد تكون في محل جر في نحو: يبتسم فلان عن كاللؤلؤ المكنون، وهكذا
فهي بمعنى: "مثل" في كل ذلك، وفي كل موضع آخر يستوجب المعنى والإعراب أن تكون فيه اسمًا مبنيا٥.
_________________
(١) ١ في قول الشاعر: ما عاتب الحر الكريم كنفسه والمرء يصلحه القرين الصالح ٢ أو لما أصله المبتدأ، كوقوعها خبرًا للناسخ "ليس" في قول الشاعر: ليس من قال بالصواب كمن قال بجهل؛ والجهل داء عياء ٣ وبعد هذا البيت: ولا خير في حسن الجسوم وطلوهاإذا لم يزن حسن الجسوم عقول ٤ وفي الكلام على معاني "الكاف"، وعلى أنها تستعمل اسمًا بمعنى: "مثل"، وكذلك: "عن" و"على" بدليل دخول "من" عليهما، وهي لا تدخل إلا على الأسماء يقول ابن مالك أولًا: "شبه" بكاف، وبها "التعليل" قد يعنى، وزائدًا لتوكيد ورد يريد: أن كلمة: "الكاف" تستعم في التشبيه، وأن "التعليل" بها قد يعني "أي: يقصد" وورد هذا الحرف زائدًا للتوكيد، ثم قال: واستعمل اسمًا، وكذا: "عن" و"على" من أجل ذا عليهما "من" دخلا يريد: أن حرف "الكاف" استعمل اسمًا، وكذلك "عن" و"على"، من أجل استعمالها اسمين دخل عليهما الحرف الجار: "من" وهو لا يدخل إلا على الأسماء كما سبق، في ص ٥١٥. ٥ انظر هامش رقم٣ في الصفحة السابقة.
[ ٢ / ٥١٧ ]
وإذا كانت "الكاف" أداة جر، فقد تتصل بها "ما" الزائدة، فتكفها عن العمل غالبًا وتزيل اختصاصها "وهو: الدخول على الاسم لجره"، فتدخل على الجمل الاسمية والفعلية، نحو: "الصحة خير النعم؛ كما المرض شر المصائب"، ونحو: "الفقر يخفي مزايا المرء، كما يزيل ثقة الناس بصاحبه١ "، وهذه هي "ما" الزائدة الكافة عن العمل، ومن القليل؛ الذي لا يقاس عليه أن يبقى لها اختصاصها الأول، فتدخل على الاسم، فتجره بالرغم من اقترانها بكلمة "ما" الزائدة؛ نحو: قول القائل:
وننصر مولانا ونعلم أنه كما الناس مظلوم عليه وظالم
أي: كالناس، وهذه هي "ما" الزائدة فقط، وليست بكافة.
مذ ومنذ٢: يكثر استعمالها اسمين ظرفين، أو اسمين غير ظرفين، كما يكثر استعمالهما حرفين أصليين للجر.
أ- فيصلحان للاسمية المجردة من الظرفية إذا لم تقع بعدهما جملة، وإنما وقع بعدهما اسم مرفوع؛ نحو: ما سافرت مذ الشهر الماضي، أو منذ فمذ ومنذ مبتدأ خبره الاسم المرفوع بعده٣.
_________________
(١) ١ وسيشير إلى هذا ابن مالك آخر الباب ص ٥٢٩ حيث يعيد البيت التالي في زيادتها بعد "الكاف" و"رب"، وأنها تكفهما عن العمل أو لا تكفهما: وزيد بعد "رب" والكاف فكف وقد يليهما وجر لم يكف أي: لم يمنع، يريد بقوله: "وزيد" الحرف: "ما" وأن هذا الحرف كفهما عن العمل، وقد يليهما فلا يكفهما. ٢ سبق كلام عليهما في باب الظرف، ص ٢٩٩ ولأهميتهما وتشعب أحكامها سيجيء لهما بحث شامل مستقبل، آخر هذا الجزء ص ٥٤٤ "وكذلك سبق الكلام عليهما في جـ١ لمناسبات مختلفة في ص ٣٥٧ م ٣٦ و٣٦٦ م ٣٧ و٣٧٠ م ٣٨". ٣ هذا هو الأحسن، ويجوز إعراب كل منهما ظرفًا مقدمًا "أي: لتعلقه بالخبر المحذوف، كما في رقم ٣ من هامش ص ٣٠٠" بمعنى: "بين، وبين" مضافين المعنى فمعنى ما سافرت مذ أو منذ الشهر الماضي: الشهر الماضي بيني وبين عدم السفر، راجع الصبان، و"الشهر" هو المبتدأ المؤخر. ولا بد من تقدم "مذ ومنذ" عند إعرابهما مبتدأ أو خبرًا، وشروط أخرى هي المشار لها في رقم٣ من هامش الصفحة الآتية.
[ ٢ / ٥١٨ ]
ويصلحان للظرفية إذا وقع بعدهما جملة اسمية، أو فعلية ماضوية، ولا يصح أن تقع بعدهما المضارعية المستقبلة١؛ فمثال الجملة الاسمية: ما سافرت مد الجو مضطرب، أو منذ فكلاهما ظرف زمان للفعل "سافر"، مبني على السكون والضم، في محل نصب، وهو مضاف، والجملة الاسمية بعدهما في محل جر مضاف إليه، ومثال الجملة الفعلية الماضوية: أسرعت إليك مذ أو منذ دعوتني، وكلاهما ظرف زمان للفعل: "أسرع" مبني على السكون والضم في محل نصب. والظرف مضاف والجملة الماضوية بعده مضاف إليه في محل جر، ومن هذا قول الشاعر:
بدا الصبح فيها٢ منذ فارقت مظلما فإن أبت صار الليل أبيض ناصعًا
"فمنذ" ظرف زمان للفعل: "بدا".
ب- ويكونان حرفين أصليين للجر، وهذا يوجب شروطًا؛ أهمها٣: أن يكون المجرور اسمًا ظاهرًا، لا ضميرًا، وأن يكون وقتًا٤، وأن يكون هذا الوقت متصرفًا، معينًا لا مبهمًا، ماضيًا أو حاضرًا لا مستقبلًا، نحو: ما رأيته مذ يوم السبت الأخير، أو مذ ساعتنا، فلا يصح: مذه، ولا مذ البيت، ولا: مذ سحر، "تريد: سحر يوم معين" ولا مذ زمن، ولا مذ غد، وكذلك "منذ" في كل ما سبق.
_________________
(١) ١ فلا يصح: "مذ، أو منذ" يفهم؛ لأن عاملهما لا يكون إلا ماضيًا، فلا يجتمع مع المستقبل كما سيجيء في البحث الآتي "ص ٥٤٥" منقولًا عن الصبان. ٢ في الدار، أو البلدة. ٣ والراجح أن هذه الشروط تجري على الاسم المنفرد المرفوع بعدهما أيضًا إذا لم يكونا حرفي جر. ٤ ومثل الوقت ما يسأل به عن الوقت، بشرط أن يكون ظرف زمان؛ نحو: منذ كم يومًا سافرت؟ أو منذ متى سافرت؟ أو منذ أي وقت سافرت؟ ومثلها: مذ. ويقول النحاة كما جاء في الهمع: "ويجوز وقوع المصدر بعدهما، نحو: ما رأيته مذ قدوم علي، بالرفع والجر، وهو على تقدير حذف زمان؛ أي: مذ زمن قدوم علي، ويجوز وقوع "أن وصلتها"، بعدهما؛ نحو: ما رأيته مذ أن الله خلقني، فيحكم على موضعهما بما حكم به للفظ المصدر من رفع أو جر وهو على تقدير زمان أيضًا". ا. هـ.
[ ٢ / ٥١٩ ]
ويشترط في عاملهما أن يكون ماضيًا، إما منفيًا يصح أن يتكرر معناه؛ نحو: ما رأيته مذ أو منذ يوم الجمعة، وإما مثبتًا، معناه ممتد متطاول١؛ نحو: سرت مذ، أو منذ يوم الخميس.
فإن كان الاسم المجرور بهما معرفة ومدلول زمنه ماضيًا، كان معناهما الابتداء مثل: "من" الابتدائية، نحو: ما رأيته مذ، أو: منذ يوم الجمعة الماضي، أي: من يوم الجمعة؛ فابتداء عدم الرؤية هو يوم الجمعة، وإن كان معرفة ومدلول زمنه حاضرًا كان معناهما لا إعرابهما الظرفية، مثل "في" نحو: ما رأيته مذ ساعتنا، أو منذ يومنا، أي: في ساعتنا وفي يومنا.
أما إن كان المجرور بهما نكرة معدودة٢ فمعناهما الابتداء والانتهاء معًا؛ فهما مثل "من" و"إلى" مجتمعين؛ نحو: ما رأيته مذ أو منذ يومين، أي: ما رأيته من ابتداء هذه المدة إلى نهايتها.
ومما يجب التنويه به أن الاسم بعد "مذ"، و"منذ" مع جواز جره على اعتبارهما حرفي جر، وجواز رفعه على اعتبارهما اسمين محضين قد يترجع فيه أحد الضبطين على الآخر، وقد يقوي حتى يقترب من الوجوب كما يتبين مما يأتي.
إذا كان الزمن بعدهما للحاضر فالراجح أن يكونا حرفي جر، والاسم بعدهما مجرورًا بهما، نحو: ما تركت الكتابة مذ أو منذ ساعتنا، وعلى هذا تجري أكثر القبائل العربية، وتكاد تلتزمه وتوجبه.
وإذا كان الزمن بعدهما للماضي، فالأرجح اعتبار "منذ" حرف جر، والاسم بعدها مجرور، نحو: ما زرت الصديق منذ يومين، والعكس في "مذ"، نحو ما زرت الصديق مذ يومان٣.
_________________
(١) ١ في ص٥٤٩ بيان "المتطاول" وما يتصل بهذا. ٢ لتكون معينة؛ لأن المبهمة أي: غير المعدودة، مثل: برهة، وحين لا تصلح بعدهما، كما سبق، ولا فرق في المعدود بين أن يكون معدودًا لفظًا ومعنى؛ نحو: يومين، أو معنى فقط: نحو: شهر. ٣ وفي الكلام على مذ ومنذ واسميتهما، وحرفيتهما وأحكامهما يقول ابن مالك: و"مذ" و"منذ" اسمان حيث رفعا أو أوليا الفعل، كجنت مذ دعا يريد: أنهما يكونان اسمين حين يرفعان اسمًا بعدهما؛ باعتبارهما مبتدأين، وهو الخبر المرفوع بالمبتدأ، =
[ ٢ / ٥٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
في مثل: "ما رأيته مذ أو منذ أن الله خلقه" بفتح همزة أن، "أي: من زمن أن الله خلقه" يجوز اعتبارهما اسمين، مبتدأين، والمصدر المؤول خبرهما، كما يجوز اعتبراهما حرفي جر والمصدر المؤول هو المجرور بهما، أما عند كسر همزة "إن" فيتعين اعتبارهما اسمين مبتدأين لوقوع جملة اسمية بعدهما هي الخبر١.
_________________
(١) = أو حين يليها ويجيء بعدهما الفعل وفاعله؛ مثل: جئت مذ دعا، واكتفى بأن ذكر الجملة الفعلية وترك الاسمية لفهم القارئ، أو؛ لأنها ستعرب خبرًا والخبر مرفوع عندهم بالمبتدأ، فتدخل في ضمن الحالة الأولى، ثم قال في معناهما: وإن يجرا في مضي "فكمن" هما، وفي الحضور معنى: "في"، استبن أي: اطلب، بيان معنى "في" وهو: الظرفية. ١ لهذا إشارة في رقم ٤ من هامش ص ٥١٩، وبيان في رقم ٣ من هامش ص ٥٤٦.
[ ٢ / ٥٢١ ]
"رب": ليس بين حروف الجر ما يشبه هذا الحرف في تعدد الآراء فيه. واضطراب المذاهب النحوية، واللغوية في أحكامه ونواحيه المختلفة: "التي منها ناحية معناه، وناحية حرفيته، وناحية زيادته أو شبهها، وتعلقه بعامل أو عدم تعلقه، ونوع الفعل الذي يقع بعده، والجملة التي يوصف بها مجروره و "، وكان من أثر هذا الاضطراب قديما وحديثا الحكم على بعض الأساليب بالخطأ عند فريق، وبالصحة عند آخر، وبالقبول بعد التأول والتقدير عند ثالث، وكل هذا يقتضينا أن نستخلص أفضل الآراء، بأناة، وحسن تقدير.
وخير ما نستصفيه من معناه، ومن أحكامه النحوية هو ما يأتي:
أ- أن معناه قد يكون التكثير وقد يكون التقليل، وكلاهما لا بد فيه من القرينة التي توجه الذهن إليه، ولهذا كان الاستعمال الصحيح للحرف "رب"، وما دخل عليه أن يجيء بعد حالة خالية من اليقين١ تقتضي النص على الكثرة أو القلة، "كأن يقول قائل٢: أظنك لم تمارس الصناعة، فتجيب: رب صناعة نافعة مارستها، فقد جاءت الأداة "رب"، وجملتها لإزالة أمر مظنون قبل مجيئها". فمثال دلالتها على الكثرة: رب محسود على جاهه احتمل البلاء بسببه، ورب مغمور في قومه سعد بغفلة العيون عنه وقولهم: رب أمل في صفاء الزمان قد خاب، ورب أمنية في مسالمة الليالي قد بددتها المفاجئات.
ومثال القلة قولهم: رب منية في أمنية تحققت ورب غصة في انتهاز فرصة تهيأت، وقولهم: رب غاية مأمولة دنت بغير سعي، ورب حظ سعيد أقبل بغير انتظار والقرينة على القلة والكثرة في الأمثلة السالفة هي: التجارب الشائعة التي يعرفها السامع، ويسلم بها.
ب- وأن أحكامه النحوية أهمها:
١- أنه حرف جر شبيه٣ بالزائد، وله الصدارة في جملته؛ فلا يجوز
_________________
(١) ١كحالة الظن، أو الشك ٢ أو من هو في حكم القائل؛ بأن تدل هيئته على أنه في حالة ظن أو شك، فليس من اللازم أن ينطق فعلًا، وإنما يكفي أن يقدر فيه ذلك، "شرح المفصل جـ ٨ ص ٢٧". ٣ سبق الكلام في ص٤٥٢ على حرف الجر التشبيه بالزائد، وأوجه الاتفاق والمخالفة بينه وبين الأصلي والزائد.
[ ٢ / ٥٢٢ ]
أن يتقدم عليه شيء منها١، لكن يجوز أن يسبقه الواو، أو أحد الحرفين. "ألا" الذي للاستفتاح٢ و"يا"، نحو: ألا رب مظهر جميل حجب وراءه مخبرًا مرذولًا. يا رب عظيم متواضع زاده تواضعه عظمة وإكبارًا، وقول الشاعر:
فيا رب وجه كصافي النمير تشابه حامله والنمر
٢- وأنه لا يجر غالبًا إلا الاسم الظاهر النكرة٣، وقد وردت أمثلة قليلة لا يحسن القياس عليها كان مجروره فيها ضميرًا للغائب، يفسره اسم منصوب، متأخر عنه وجوبًا، يعرب تمييزًا، نحو: ربه شابًا نبيلًا صادفته، وفي تلك الأمثلة القليلة كان الضمير مفردًا غائبًا في جمع أحواله، يعود على التمييز الواجب التأخير، ويجب مطابقة هذا التمييز لمدلول هذا المضير المسمى: "الضمير المجهول٤"، لعدم عودته على متقدم، نحو: ربه شابين نبيلين صادفتهما، ربه شبابًا نبلاء صادفتهم، ربه فتاة نبيلة صادفتها و وهكذا.
٣- وأن النكرة التي يجرها تحتاج في أشهر الآراء لنعت مفرد، أو جملة، أو شبه جملة، غير أن الأكثر الأفصح حين يكون النعت جملة أن تكون فعلية، ماضوية لفظًا ومعنى، أو: معنى فقط كالمضارع المسبوق بالحرف "لم"
_________________
(١) ١ ومن المسموع الذي لا يقاس عليه ندرته قول الشاعر: وقبلك رب خصم قد تمالوا علي فما هلعت ولا ذعرت تمالوا: أي: تمالئوا، بمعنى: اجتمعوا واتفقوا، الخصم: المخاصم، وقد يكون للاثنين، وللجمع، وللمؤنث. . . ٢ ويجوز مثله مع قلته، الحرف: "لكن"، بسكون النون لذي يفيد الاستفتاح والاستدراك معًا، كقول أحد الشعراء من أهل القرن الثالث الهجري كما سجله صاحب كتاب: "الهفوات النادرة" لغرس النعمة الصابي ص ٢٧٢: نعمة الله لا تعاب، ولكن ربما استقبحت على أقوام وسيذكر البيت لمناسبة أخرى في ص ٥٢٦. ٣ سيجيء إعراب هذا الاسم تفصيلًا في ص ٥٣٢. ٤ وله أسماء متعددة، منها: ضمير الشأن، وضمير القصة "، وقد سبق شرحه وتفصيل الكلام عليه في باب "الضمير" ج ١ م ١٩ ص ٢٢٦".
[ ٢ / ٥٢٣ ]
"نحو: رب صديق وفي عرفته، رب صديق لازمك عرفته، رب صديق عندك عرفته، رب صديق في الشدة عرفته، رب صديق لم يتغير عرفته"، ومثال النعت بجملة اسمية، رب ملوم لا ذنب له، وقول الشاعر:
ذل من يغبط الذليل بعيش رب عيش أخف منه الحمام١
٤- وأن "رب" مع مجرورها لا بد أن يكون لها في الأغلب الأحوال اتصال معنوي يفعل ماض يقع بعدها، أو: بما يعمل عمله ويدل دلالته الزمنية، "وهذا الفعل مع فاعله غير الجملة الماضية التي قد تقع أحيانًا صفة لمجرورها"، ويكون الفعل أو ما يعمل عمله بمنزلة العامل الذي تتعلق به "رب" ومجرورها٢ بالرغم ما هو مقرر من أن حرف الجر الزائد، وشبه الزائد لا يعلق مع مجروره بعامل كما سبق نحو: رب كلمة طيبة جلبت خيرًا، ودفعت شرًا، وقول الشاعر:
فيا رب وجه كصافي النمير تشابه حامله والنمر
والأغلب في هذا الفعل وما في معناه أن يكون محذوفًا مع فاعله؛ لأنهما معلومان تدل عليهما قرينة لفظية أو معنوية، "لما قدمنا من أن الاستعمال الصحيح للحرف "رب"، وما دخل عليه أن يكون بعد حالة ظن، أو شك تستدعي النص على القلة أو الكثرة، فيكون جوابًا عن قول لقائل، أو: من هو في حكمه"؛ فاللفظية نحو: ما أطيب العمل، وما أبغض البطالة: فرب عمل نافع، ورب بطالة
_________________
(١) ١ الموت. ٢ راجع شرح المفصل "جـ ٨ ص ٢٧ و٢٩ ثم الصبان في أول باب الإضافة عند الكلام على الإضافة اللفظية، ومناقشته مثال ابن مالك: "رب راجينا عظيم الأمل ". ونص ما نقله الصبان: "إن الأكثرين يقولون بوجوب مضي ما تتعلق به "رب"، بناء على أنها تتعلق، لا أنهم يقولون بوجوب مضي مجرورها؛ وأن ابن السراج يجوز كونه حالًا أي: في الزمن الحالي وابن مالك يجوز كونه حالًا أو مستقبلًا. وقد قال في التسهيل: "ولا يلزم وصف مجرورها خلافًا للمبرد ومن وافقه، ولا مضي ما تتعلق به". ا. هـ. هذا، ولا يحسن الأخذ بالآراء الضعيفة إلا في فهم ما ورد بها، أما المحاكاة والقياس، فيجريان على الأعم الأشهر الذي لخصناه. ٣ ومثل هذا قول الآخر: رب ليل كأنه الدهر طلًا قد تناهى فليس فيه مزيد
[ ٢ / ٥٢٤ ]
ضارة، فالتقدير: فرب عمل نافع أحببته، ورب بطالة ضارة كرهتها، والمعنوية كأن تمر على قوم منهمكين في العمل، مشغولين به، فتبتسم ابتسامة الرضا والانشراح، ثم تنصرف عنهم قائلا: رب علم نافع، ورب بطالة ضارة، فالتقدير رب عمل نافع أحببته، أو احترمت صاحبه، أو أكبرته أو ، ورب بطالة ضارة كرهتها، أو أنكرت أمرها أو ومن الجائز ذكر هذا الفعل وفاعله.
ويقول النحاة: إن "رب" توصل معنى هذا الفعل وما في حكمه إلى الاسم المجرور بها، ففي مثل: "رب رجل عالم أدركت" أوصلت معنى الإدراك إلى الرجل١، وكذلك في الأمثلة السابقة، ومن ثم كان الأحسن عندهم في مثل: "رب عالم لقيته"، وقول الشاعر:
رب حلم٢ أضاعه عدم المال وجهل غطى عليه النعيم
أن تكون الجملة الفعلية الماضوية المذكورة هي الصفة للنكرة المجرورة بالحرف: "رب"، وأن تكون هناك جملة أخرى ماضوية محذوفة، تتصل بها "رب" ومجرورها اتصالًا معنويًا، ولا يرتاحون أن تكون الجملة الماضوية المذكورة هي المرتبطة ارتباطًا معنويًا بهما؛ لأنها صفة للنكرة المجرروة "برب"، وهذه النكرة قد تستغني عن كل شيء أساسي أو غير أساسي بعدها إلا عن الصفة، ومثل هذا الفعل الداخل في جملة الصفة لا يصلح أن يكون هو الذي بمنزلة العامل في: "رب" ومجرورها؛ لأن الصفة لا تعمل في الموصوف؛ منعًا للفساد المعنوي.
٥- وأنه يجوز أن يتصل بآخرها "ما" الزائدة، والشائع في هذه الحالة
_________________
(١) ١ هذا المثال بنصه وبالكلام الخاص به، منقول من الجزء الثامن ص٢٧ من كتاب: "المفصل" عند البحث الخاص بالحرف: "رب" وهو كلام يجعل حرف الجر الزائد والشبيه بالزائد معديًا للعامل، مع أن كثرة النحاة تجعل التعدية مقصورة على حرف الجر الأصلي، دون الزائد وشبهه كما سبق في ص ٤٥١ و٤٥٢، ويجيء في رقم ١ من هامش ص٥٣٠ إلا أن كان المقصود الاتصال المعنوي المجرد كما قلنا وليس في كلامه دليل عليه. ٢ عقل، وفي بعض الروايات: رب علم.
[ ٢ / ٥٢٥ ]
أن تمنعها من الدخول على الأسماء المفردة، ومن الجر، فتجعلها مختصة بالدخول على الجمة الفعلية والاسمية١، ولذا تسمى: "ما" الزائدة الكافة؛ "لأنها كفتها - أي: منعتها من عملها؛ وهو: الجر؛ ومن اختصاصها؛ وهو: الدخول على الاسم وحده؛ لجره"؛ نحو: ربما رأيت في الطريق مستجديًا، وهو في الأغنياء. ونحو: ربما كان السائل أغنى من المسؤول، أو ربما السائل أغنى من المسؤول. ولكن دخولها على الماضي٢ هو الكثير، أما دخولها على المضارع الصريح٣ وعلى الجملة الاسمية فنادر لا يقاس عليه، إلا إن كان معنى المضارع محقق الوقوع قطعًا كما سيجيء، ومن العرب من يبقيها على حالها من الدخول من الأسماء المفردة، وجرها مع وجود "ما" الزائدة؛ فيقول: رب ما سائل في الطريق أزعجني، ولا تسمى "ما" في هذه الحالة "كافة"؛ وإنما تسمى: "زائدة" فقط. والأفضل الاقتصار على الرأي الأول الشائع٤.
٦- والشائع أيضًا أن "رب" بحالتيها العاملة والمكفوفة عن العمل، لا تدخل إلا على كلام يدل على الزمن الماضي، سواء أكان مشتملًا على فعل ماض أم على غيره مما يدل على الزمن الماضي، كالمضارع المقرون بالحرف: " لم"، أو: الوصف الدال على الماضي أو نحو: رب معروف قدمته سعدت بفعله رب علم لم ينفع صاحبه أحزنه رب بئر متفجرة أمس نفعت بما في داخلها.
وقد أشرنا إلى أنها تدخل على المضارع الصريح إذا كان معناه محقق الوقوع لا شك في حصوله؛ فكأنه من حيث التحقق بمنزلة الماضي الذي رفع معناه٥،
_________________
(١) ١ أما معناه فيبقى على الوجه الذي سيجيء مشروحًا في الزيادة والتفصيل "ب، ص ٥٣١". ٢ ولو كان مبنيًا للمجهول؛ كقول الشاعر: وقد سبق لمناسبة أخرى في هامش ص ٥٢٣: نعمة الله لا تعاب، ولكن ربما استقبحت على أقوام ٣ وهو الذي يكون لفظه مضارعًا، وزمنه مستقبلًا خالصًا. ٤ وإذا كانت "ما" كافة، و"رب" غير عاملة، فالواجب وصلهما كتابة، أما إذا كانت "رب" عاملة فالواجب فصلهما. ٥ وقد تدخل على مضارع في لفظه، ولكنه ماض في زمنه، بقرينة تدل على المضي الزمني، كقول الشاعر لهارب من حاكم توعده بالقتل، فجاءه الخبر بموت ذلك الحاكم: ربما تجزع النفوس من الأمر له فرجة كحل العقال =
[ ٢ / ٥٢٦ ]
صار أمرًا مقطوعًا به، كقوله تعالى، في وصف الكفار يوم القيامة، ووصفه صدق لا شك فيه: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ ١، أما في غير ذلك فشاذ لا يقاس عليه٢.
وإنما كان الأكثر دخولها على الزمن الماضي؛ لأن معناه التكثير والتقليل، لا يمكن الحكم بأحدهما إلا على شيء قد عرف٣
٧- أنه يجوز في ضبطها لغات تقارب العشرين، أشهرها ضم الراء أو فتحها مع تشديد الباء في الحالتين، أو مع تخفيفها بالفتح بغير تشديد، كما يجوز أن تلحقها تاء التأنيث المتسعة في المشهور لتدل على تأنيث مجرورها؛ نحو: ربت
_________________
(١) = فهو يريد: ربما جزعت. . . ولا يصلح زمن المضارع هنا إلا المضي؛ لأن الجزع لن يقع في المستقبل بعد موت الحاكم الظالم، زوال سبب الخوف، ومثل هذا قول الشاعر: وحديث ألذه هو مما يشتهي السامعون يوزن وزنا منطق صائب؛ وتلحن أحيانًا وخير الكلام ما كان لحنًا أي: رب حديث ألذه، فقد دخلت "رب" المحذوفة، والتي تدل عليها الواو، على أمر حصل محقق عند المتكلم، ولا شك في وقوعه زمنه وانتهائه قبل الكلام؛ فالمضارع ماضي الزمن. "تلحن: تشير إلى ما تريد بغير كلام". ١ "ربما" "بتخفيف الباء"، مثل: "ربا" بتشديدها، كما سيجيء. ٢ ومن أمثلة الشاذ ما جاء في تفسير القرطبي لقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وهو قول بعض السلف: لا تكرهوا الملمات الواقعة: فلرب أمر تكرهه فيه نجاتك، ولرب أمر تحبه فيه عطبك، قال الشاعر: رب أمر تتقيه جر أمرًا ترتضيه خفي المحبوب منه وبدا المكروه فيه والدليل على أن المضارع بعد "رب" في المثال المنثور مستقبل الزمن وجود "لا" الناهية ي المضارع الذي قبله؛ وهي تجعل زمنه مستقبلًا خالصًا. وهناك قرينة أخرى عقلية في المثال المنثور، وفي البيتين تدل على استقبال المضارع؛ هي الحث والحض والترغيب، وهذه الأمور لا تكون إلا في شيء لم يقع. ٣ من كل ما تقدم يتبين نوع المضارع الذي يقصده النحاة بقولهم: إن المضارع يكون ماضي الزمن إذا وقع بعد "رب"، كما جاء في الهمع جـ١ ص٨".
[ ٢ / ٥٢٧ ]
عبارة موجزة أغنت عن كلام كثير، وتكون التاء إما ساكنة ويوقف عليها بالسكون، وإما مفتوحة ويوقف عليها بالهاء.
حذف رب:
يجوز حذف "رب" لفظًا، مع إبقاء عملها ومعناها كما كانت، وهذا الحذف قياسي بعد "الواو"، و"الفاء"، و"بل"، ولكنه بعد الأول أكثر، وبعد الثاني كثير، وبعد الثالث قليل بالنسبة للحرفين الآخرين، نحو:
وجانب١ من الثرى يدعي الوطن ملء العيون، والقلوب، والفطن٢
ونحو: أن تسمع من يقول: "ما أعجب ما قرأته على صفحات الوجوه اليوم"، فتقول: "فحزين قضى الليل هما طلع النهار عليه بما بدد أحزانه، ومبتهج نام ليلة قريرًا، ثم أفاق على هم وبلاء"، ونحو: "بل حزين قد تأسى٣ بحزين"
_________________
(١) ١ "ملاحظة": هذا البيت أو قصيدة لشوقي، موضوعها: الوطن، والشائع في مثل هذه الصورة إعراب "الواو نائبة" عن "رب"، أو: يقال: "واو رب"، ويفر المعربون من اعتبارها: "عاطفة". . . أو شيئًا آخر، لكن جاء في كتاب: "تفسير أرجوزة أبي نواس" في تفريط الفضل بن الربيع، تأليف: أبي الفتح عثمان بن جني اللغوي المشهور، وإخراج الأستاذ بهجة الأثري، ص ٩ عند بيت أبي نواس: وبلدة فيها زور صعراء تخطى في صعر ما نصه الحرفي، قوله: "وبلدة" قيل في هذا الواو قولان، أحدهما: أنها للعطف، والآخر: أنها عوض من "رب"، فكأنهم إنما هربوا أن يجعلوها عاطفة؛ لأنها في أول القصيدة وأول الكلام لا يعطف، ولا يمتنع العطف على ما تقدم من الحديث والقصص؛ فكأنه كان في حديث ثم قال: وبلدة؛ "فكأنه وكل الكلام إلى الدلالة في الحال، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، وإن لم يجر للقرآن ذكر، وكذلك قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ يعني: الشمس، فأضمرها وإن لم يجر لها ذكر، وهذا في كلام العرب واسع فاش". ا. هـ، كلام ابن جني. ويوضحه بل يؤيده ويقويه ما جاء في "المغني ج٢" عند كلامه على "الواو المفردة" الجارة، وقد أشرنا لكل ما سبق في ج٣ باب: العطف "م١٢٠" عند الكلام على حذف المعطوف عليه بقي السؤال: هل هناك مانع أن تكون الواو في مثل ما سبق للاستئناف؟ لا أرى مانعًا. ٢ ومن هذا قول الشاعر: ومستعبد إخوانه بثرائه لبست له كبرًا أبر على الكبر "أبر = زاد وتغلب". ٣ تسلي.
[ ٢ / ٥٢٨ ]
أي: رب جانب. . . رب حزين قضى الليل. . . رب مبتهج. . . رب حزين قد تأسي. . .
وكل حرف من هذه الثلاثة يسمى: "العوض" عن: "رب"١؛ أو: "النائب عنها"؛ لأنه يدل عليها، وهو مبني لا محل له من الإعراب؛ والاسم المجرور بعده، مجرور برب المحذوفة٢، وليس مجرورًا في الصحيح العوض عنها أو النائب٣.
_________________
(١) ١ فعند الإعراب يقال: "الواو: واو رب"، "الفاء: فاء رب"، "بل: بل رب"، أو يقال في كل واحد إنه: نائب عن: رب. ٢ ويقول ابن مالك في زيادة كلمة: "ما" بعد: "من"، و"عن"، و"الباء"، وأن هذه الزيادة لا تعوق الأحرف السالفة عن العمل، كما شرحنا عند الكلام على كل: وبعد "من"، و"عن"، و"باء" زيد: "ما" فلم يعق عن عمل قد علما وقد تقدم هذا البيت في ص ٥١٥ عند الكلام على "من" و"عن" و"الباء" للمناسبة الخاصة بكل، ويقو في زيادتها بعد "رب" و"الكاف"، وأنها قد تكفهما أو لا تكفهما: وزيد بعد "رب" و"الكاف" فكف وقد يليهما، وجر لم يكف وقد سبق البيت في هامش ص٥١٨، ثم يقول في حذف: "رب" بعد الحروف الثلاثة: وحذفت "رب"، فجرت بعد: "بل" و"الفا" وبعد: "الواو شاع ذا العمل ٣ يرى سيبويه أن الجر هو بكلمة: "رب" المحذوفة، أما الواو، والفاء، وبل، فحروف عطف مهملة هنا لا تعمل شيئًا، مع أن نائبة عن: "رب" ودالة عليها، وكثير من النحاة يقول: إن العمل هو للحرف النائب وليس للمحذوف "راجع المفصل جـ٢ ص١١٧ باب الإضافة"، وهذا الخلاف شكلي محض لا أثر له.
[ ٢ / ٥٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- إذا كان الحرف: "رب" شبيهًا بالزائد١ فمن الواجب أن يكون للاسم النكرة المجرور به ناحيتان، ناحية الجر لفظًا، وناحية الإعراب محلًا، فيكون مجرورًا في محل رفع، أو محل نصب على حسب حاجة الجملة، ويعامل بما يعامل به عند عدم وجودها، ففي مثل: رب زائر كريم أقبل، تعرب كلمة: "زائر" مجرورة برب لفظًا، في محل رفع: لأنها مبتدأ، وفي مثل: رب زميل وديع صاحبت، تعرب كلمة: "زميل" مجرورة لفظًا في محل نصب؛ لأنها مفعول به للفعل: "صاجبت"، وفي مثل: رب مساعدة خفية ساعدت، تعرب كلمة: "مساعدة" مجرورة لفظا في محل نصب؛ لأنها مفعول مطلق، وفي مثل: رب ليلة مقمرة سهرت مع رفاقي، تعرب كلمة: "ليلة" مجرورة لفظًا في محل نصب؛ لأنها ظرف زمان. . . و. . . وهكذا. . .
وخير مرشد لمعرفة المحل الإعرابي للاسم المجرور بها هو ما قلناه من تخيل عدم وجود "رب"، وإعراب المجرور بها بما يستحقه عند فقدها. . .
ويترتب على ما سبق من جر النكرة لفظًا بها واعتبارها في محل رفع أو نصب أن التابع لهذه النكرة "من نعت، أو: عطف، أو: توكيد، أو: بدل" يجوز فيه الأمران، مراعاة لفظ النكرة، أو مراعاة المحل، ففي مثل: رب زائر كريم أقبل، يجوز في كلمة: "كريم الجر والرفع، وفي مثل: رب زميل وديع صاحبت،
_________________
(١) ١ هذا رأي أكثرية النحاة من أهل التحقيق، وخالف فيه غيرهم، كما أشرنا في رقم١ من هامش ص٥٢٥، ومن هذه الأكثرية المحققة "الخضري" أحد نحاة القرن الثاني عشر الهجري، وصاحب الحاشية المشهورة على ابن عقيل، وآخر أصحاب الحوالشي على شرح: "ألفية ابن مالك" وغيرها حتى عصرنا هذا، وقد اطلع بلا شك على الآراء المخالفة، ولم يعتد بها حين رأى شرح ابن عقيل في أول باب حروف الجر ينص على أن الحرف: "لعل"، حرف جر زائد: فاستدرك الخضري مصححًا ومصرحًا بما نصه: "صوابه: شبيه بالزائد، ومثلها "لولا" و"رب"؛ لأن الزائد لا يفيد شيئًا غير التوكيد؛ وهذه الحروف تفيد الترجي، والامتناع، والتقليل، وإنما أشبهت الزائد في أنها لا تتعلق بشيء. . . ا. هـ"، وهذا نص واضح المرمى، وله صلة أيضًا بما سيجيء في هذه الزيادة والتفصيل. . .
[ ٢ / ٥٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يجوز في كلمة: "وديع" الجر والنصب. . . وهكذا.
ولا يتغير الحكم لو جاء تابع آخر كالعطف، فقلنا: رب زائر كريم وسائح هنا، فيجوز في كلمة: "سائح" المعطوفة، الأمران الجائزان في المعطوف عليه. . . ويجوز أن يكون المعطوف هنا معرفة، نحو؛ رب زائر كريم وأخيه أقبلا، مع أن المعطوف في حكم المعطوف عليه، فهو بمنزلة الاسم الذي دخلت عليه "رب"، فحقه أن يكون نكرة كمجرورها، إلا أن الأساليب العربية الفصحى تدل على أنه قد يجوز في التابع ما لا يجوز في المتبوع، وهذا معنى قول النحاة: قد يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل١.
ب- إذا دخل الحرف: "رب" على الجمل بنوعيها٢، وهو مكفوف بسبب اتصاله، "بما" الكافة، فإن معناه يبقى على حاله من إفادة التكثير أو التقليل على حسب القرائن، "كما أشرنا من قبل"٣، ولكن التكثير أو التقليل في هذه الحالة يكون منصبًا على النسبة التي في الجملة، وهي النسبة الدائرة بين طرفيها؛ ففي مثل: ربما أتى الغائب، أو ربما الغائب آت. . .، يكون التقليل والتكثير واقعًا على نسبة الإتيان للغائب، وقيل: إن معنى "رب" المكفوفة، هو: التحقيق.
ج- قد تحل: "مما". . .، محل: "ربما" فتؤدي معناها؛ طبقًا للبيان الموجز الذي سبق في ص ٤٦٦، وللتفصيل الشامل الذي تقدم في جـ١ م ٤٢، ص٥٤٩ عند الكلام على النواسخ، و"كان" الناسخة.
_________________
(١) ١ تكررت الإشارة لهذا المعنى في أبواب مختلفة، ولا سيما باب الاستثناء، عند الكلام على حكم المستثنى الذي أدانه: " "إلا" إذا كان تامًا غير موجب ص ٣٣٦، وله إشارة في رقم١ من هامش٦٩. ٢ انظر حكم دخولها على الجملة الاسمية والمضارعية في رقم ٥ من ص ٥٢٥. ٣ في رقم١ من هامش ص ٥٢٦.
[ ٢ / ٥٣١ ]
المسألة٩١:
هـ- حذف حرف الجر وحده، مع إبقاء عمله١، وحذفه مع مجروره.
يجوز أن يحذف حرف الجر، ويبقى عمله كما كان قبل الحذف، ويطرد هذا في مواضع قياسية، أشهرها أربعة عشر نذكرها كاملة هنا، وقد مر بعضها في مواضع متفرقة٢.
١- أن يكون حرف الجر هو: "رب" بشرط أن تكون مسبوقة "بالواو"، أو: "بالفاء"، أو "بل"، كما سبق قريبًا عند الكلام عليها٣ نحو:
وعامل بالحرام، يأمر بالبر، كهاد يخوض في الظلم
٢- أن يكون الاسم المجرور بالحرف مصدرًا مؤولًا من "أن" من معموليها، أو من "أن" والفعل والفاعل؛ نحو: فرحت أن الصانع بارع، أو: أفرح أن يبرع الصانع، والأصل: فرحت بأن الصانع بارع، أو: أفرح بأن يبرع الصانع. والتقدير فيهما: فرحت ببراعة الصانع، أو: أفرح. . .
ولا بد من أمن اللبس قبل حذف حرف الجر على الوجه الذي شرحناه في مكانه من باب: "تعدية الفعل ولزومه"٤.
_________________
(١) ١ أما حذفه ونصب ما بعده على ما يسمى: "النصب على نزع الخافض"، وهو نوع مما يسمى "الحذف الإيصال"، فمقصور على السامع في غير الضرورة الشعرية؛ طبقًا للبيان الذي سلف في رقم٥ من ص ١٥٩، ورقم ٨ من ص وهامشها. ٢ بعضها في ص١٦١ وفي هامش تلك الصفحة تفصيلات هامة، أما الداعي إلى ملاحظة حرف الجر المحذوف، واعتباره كالموجود فهو المحافظة على سلام المعنى، أو على صحة التركيب. ٣ ص ٥٢٨. ٤ ص ١٦٣، وقلنا هناك: إن الباء الجارة التي بعد صيغة "أفعل" في التعجب يجوز حذفها إن كان المجرور بها مصدرَا مؤولًا من "أن والجملة الفعلية بعدها". لكن النحاة لا يجيزون حذفها بعد تلك الصيغة إن كان المصدر مؤولًا من "أن" ومعموليها، ولا داعي لهذه التفرقة في مسألة التعجب؛ لأن حذف الجار مطرد قبل أن وأن. وإذا حذفت الباء في التعجب أتقدر أم لا تقدر؟ رأيان كما أشرنا في ج ٣ باب التعجب م ١٠٩ ص ٢٧٢.
[ ٢ / ٥٣٢ ]
٣- أن يكون حرف الجر حرفا من حروف القسم، والاسم المجرور به هو لفظ الجلالة "الله"، نحو: الله لأكثرن من العمل النافع، أي: بالله١
٤- أن يكون حرف الجر داخلا على تمييز "كم" الاستفهامية، بشرط أن تكون مجرورة بحرف جر مذكرو قبلها؛ نحو: بكم درهم اشتريت كتابك؟ أي: بكم من درهم٢؟ . . .
٥- أن يكون حرف الجر مع مجروره واقعين في جواب سؤال، وهذا السؤال مشتمل على نظير لحرف الجر المحذوف؛ كأن يقال: في أي بلد قضيت الأمس؟ فيجاب: القاهرة، أي: في القاهرة.
٦- أن يكون حرف الجر واقعًا هو والاسم المجرور به بعد حرف عطف، بغير فاصل بين الحرفين، والمعطوف عليه مشتمل على حرف جر مماثل للمحذوف؛ كقولهم: "ألا تفكر في تركيب جسمك لترى قدرة الله العجيبة، والسماوات؛ لترى ما يحير العقول، وخواص المادة؛ لترى الإبداع والإعجاز. . ." أي: في السماوات وفي خواص المادة؛. . . وقد حذف الحرف: "في"؛ لأنه مع مجروره معطوف بالواو بغير فاصل بينهما، والمعطوف عليه وهو: "تركيب" مشتمل على حرف جر قبله؛ مماثل للمحذوف٣.
_________________
(١) ١ طبقًا للرأي الأرجح، وهو رأي سيبويه، ومن معه، "كما سبقت الإشارة لهذا في رقم ١٥ من ص ١٩٧"، وفي: "هـ" من ص ٥٠٢. ٢ هذا هو الراجح، وهناك رأي آخر يقول: إن "كم" الاستفهامية مضافة إلى تمييزها، أما تمييز "كم" الخبرية، فالمشهور أن المضاف إليه وهي المضاف، وقيل: إنه مجرور بـ"من" محذوفة كما سيأتي في ج٤ باب: "كم". ٣ وليس من هذا النوع بيت ابن مالك في باب: "المعرب والمبني" وهو: فارفع بضم، وانصبن فتحًا، وجر كسرًا: كذكر الله عبده يسر فأصل الكلام: ارفع بضم، وانصبن بفتح، وجر بكسر؛ فحذف حرف الجر وهو الباء ونصب الاسم المجرور به على ما يسمى: "نزع الخافض، وقد أوضحناه، لوجود فاصل ممنوع، "وقد سبق الكلام عليه في هذا الجزء، في باب: تعدية الفعل ولزومه، ص ١٥٩ وهامش ص ١٧١، كما سبق الكلام على البيت السابق، وفي ج ١ ص ٦٨ م ٧"، وليس من الجائز في البيت أن يبقى الاسمان فتح، وكسر مجرورين بعد حذف حرف الجر كما كانا قبل حذفه.
[ ٢ / ٥٣٣ ]
٧- أن يكون حرف الجر واقعًا هو والاسم المجرور به بعد حرف عطف، والمعطوف عليه مشتمل على حرف جر مماثل للمحذوف مع وجود "لا" فاصلة بين حرف العطف وحرف الجر المحذوف؛ نحو: ما للفتى سلاح إلا علمه النافع، ولا لفتاة إلا فنها العملي الملائم، أي: ولا للفتاة.
٨- أن يكون حرف الجر السابق ولكن الحرف الفاصل هو: "لو"؛ كقولهم: من تعود الاعتماد على غيره، ولو أهله، فقد استحق الخيبة والإخفاق، أي: ولو على أهله١. . .
٩- أن يكون حرف الجر واقعًا هو ومجروره في سؤال بالهمزة، وهذا السؤال ناشئ من كلام مشتمل على نظير للحرف المحذوف؛ كأن يقال: أعجبت بمحمود، فيسأل القائل: أمحمود النجار؟ أي: أبمحمود النجار؟.
١٠- أن يكون حرف الجر ومجروره واقعين بعد "هلا" التي للتحضيض بشرط أن يكون التحضيض واردًا بعد كلام مشتمل على مثيل لحرف الجر المحذوف؛ كأن يقال: سأتصدق بدرهم، فيقال: هلا دينارٍ، أي: بدينارٍ، والمراد: هلا تتصدق بدينار.
١١- أن يكون حرف الجر هو: "لام التعليل" الداخلة على: "كي" المصدرية؛ نحو: يجيد الصانع صناعته كي يقبل الناس عليه، أي: لكي يقبل الناس عليه، بمعنى: لإقبالهم عليه.
١٢- أن يكون حرف الجر داخلًا على المعطوف على خبر "ليس"، أو خبر "ما" الحجازية، بشرط أن يكون كل منهما صالحًا لدخول حرف الجر عليه٢؛ نحو: لست مرجعًا فرصة ضاعت، ولا قادر على ردها، فكلمة "قادر" مجرورة؛ لأنها معطوفة على خبر ليس: "مرجعًا"، وهذا الخبر يجوز جره بالباء، فيقال: لست بمرجع، فكأنها موجودة توهمًا وتخيلًا، وعلى أساس هذا الجواز الموهوم عطفنا عليه بالجر؛ وهذا هو العطف الذي يسميه النحاة؛ "العطف على
_________________
(١) ١ والذي يوجب تقدير حرف الجر هنا اختصاص "لو" بالدخول على الجمل، لا على المفردات، والأصل: ولو كان الاعتماد على أهله. ٢ بأن يكون خبرهما اسمًا، وأن يكون النفي المنصب عليه باقيًا، لم ينتقض بإلا على الوجه الذي سبق في بابهما، ج ١ ص ٤٥٢ المسألة: ٤٩ وما بعدها.
[ ٢ / ٥٣٤ ]
التوهم"، وقد سبق١ إبداء الرأي فيه تفصيلًا، وأنه لا يصح الالتجاء إليه، ولا القياس على ما ورد منه.
١٣- أن يكون حرف الجر مسبوقًا "بإن" الشرطية، وقبلهما كلام يشتمل على مثيل للحرف المحذوف، نحو: سلم على من تختاره، إن محمد، وإن علي؛ وإن حامد، التقدير: إن شئت فسلم على محمد، وإن شئت فسلم على علي، وإن شئت فسلم على حامد، وبالرغم من جواز هذا فالمحذوف فيه كثير، والمراد قد يخفى، فمن المستحسن عند محاكاته قدر الاستطاعة.
١٤- أن يكون حرف الجر مسبوقًا بفاء الجزاء الواقعة في جواب شرط، قبله نظير لحرف الجر المحذوف؛ نحو: اعتزمت على رحلة طويلة؛ إن لم تكن طويلة فقصيرة، أي: فعلى رحلة قصيرة، ويقال في هذا الموضع ما قيل في سابقه من ترك القياس عليه قدر الاستطاعة، بالرغم من صحة القياس.
هذا، وجميع التأويلات والتقديرات السابقة جائزة وليست محتومة؛ بل إن الكثير منها يجوز فيه أوجه إعرابية أخرى؛ قد تكون أيسر، والمعنى عليها أوضح. واختيار هذه أو تلك متروك لمقدرة المتكلم والسامع، وخبرتهما بدرجات الكلام قوة، وضعفًا، وحسنًا، وقبحًا، مع التزام الصحة التزامًا دقيقًا، والبعد عن الخطأ في كل حالة، ومن الخير أن نترك ما فيه غموض وإلباس إلى ما لا خفاء فيه ولا إبهام؛ لأن اللغة ليست تعمية وإلغازًا، وإلا فقدت خاصتها، وعجزت عن أداء مهمتها، وهذا أساس يتحتم مراعاته عند استخدامها، وفي كل شأن من شؤونها.
تلك مواضع حذف حرف الجر حذفًا قياسيًا مطردًا مع إبقاء عمله، وهناك أمثلة مسموعة وقع الحذف فيها مخالفًا ما سبق، ولا شأن لنا بها؛ فهي مقصورة على السماع؛ لا يجوز محاكاتها، لعدم اطرادها٢.
_________________
(١) ١ في ص ٣٤٨ عند الكلام على "غير" الاستثنائية، وفي رقم٣ من هامش ص ٣٣٦ ج ١ ص ٤٥٤ م ٤٩. ٢ وفيما سبق من حذف الجار، وإبقاء عمله ومشابهته "رب" في هذا، وفي أن حذفه قد يكون مطردًا أو غير مطرد، يقول ابن مالك: وقد يجر بسوى: "رب" لدى حذف، وبعضه يرى مطردًا أي: أن حروفًا غير "رب" قد تجر الاسم بعدها مع حذفها، وأن بعض حالات الحذف والجر قد يكون مطردًا.
[ ٢ / ٥٣٥ ]
أما حذف الجار والمجرور معًا١ فجائز إذا لم يتعلق الغرض بذكرهما، بشرط وجود قرينة تعينهما، وتعين مكانهما، وتمنع اللبس، ومن الأمثلة قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾، أي: لا تجزي فيه٢. . .
_________________
(١) ١ أما حذف الجار وحده وإبقاء مجروره وما يترتب على ذلك من أحكام، فقد سبق تفصيل الكلام عليه في ص ١٥٩. ٢ وفي المصباح المنير، مادة: "حجر" ما نصه: "حجر عليه حجرًا من باب: قتل منعه التصرف؛ فهو محجور عليه: والفقهاء "يحذفون الصلة "أي: الجار مع مجروره" تخفيفًا؛ لكثرة الاستعمال، ويقولون: "محجور"، وهو سائغ. ا. هـ. ويقول في مادة: "ندب" ما نصه: "ندبته إلى الأمر ندبًا من باب: قتل دعوته، والفاعل: نادب، والمفعول: مندوب، و"الأمر" مندوب إليه، والاسم: الندبة، مثل غرفة، ومنه: "المندوب" في الشرع، والأصل: المندوب إليه، لكن حذفت الصلة منه "يريد الجار مع مجروره" لفهم المعنى. ا. هـ، ومثل ما سبق قول النحاة: "الجملة المعترضة"، حين يفتحون الراء يريدون كما نصوا على هذا: "المعترض بها".
[ ٢ / ٥٣٦ ]
المسألة٩٢:
ونيابة حرف جر عن آخر. . .١
يتردد بين النحاة: "أن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض ١. . ."، فيتوهم من لا دراية له أن المراد هو: "جواز وضع حرف جر مكان آخر بغير ضابط، ولا توقف على اشتراك بينهما في تأدية معنى معين، ولا تشابه مقيد في الدلالة". وهذا ضرب من الفهم المتغلغل في الخطأ٢؛ إذ يؤدي إلى إفساد المعاني، والقضاء على الغرض من اللغة.
أما حقيقة الأمر في نيابة حروف الجر بعضها عن بعض، فتتلخص في مذهبين:
الأول:٣ أنه ليس لحرف الجر إلا معنى واحد أصلي يؤديه على سبيل الحقيقية لا المجاز؛ فالحرف: "في" يؤدي معنى واحدًا حقيقيًا هو "الظرفية"، والحرف: "على" يؤدي معنى واحدًا حقيقيًا هو: "الاستعلاء"، والحرف: "من" يؤدي: "الابتداء"، والحرف: "إلى" يؤدي: "الانتهاء". . . و. . . وهكذا٣. . . فإن أدى الحرف معنى آخر غير المعنى الواحد الأصلي الخاص به
_________________
(١) ١ و١ وقد يعبرون عنها أحيانًا بقولهم: "بدل حرف جر من آخر"، كما في عبارة "المبرد" التي في رقم١ من هامش ص ٥٤٠، والمراد من العبارتين وأشباههما هو: وضع حرف جر مكان آخر: أي: استبدال واحد بغيره من تلك الحروف. ٢ جاء في "المغني" جـ٢ الباب: السادس، في التحذير من أمور اشتهرت بين المعربين، والصواب خلافها، ما نصه في الأمر الثالث عشر: "قولهم: ينوب بعض حروف الجر عن بعض، وهذا أيضًا مما يتداولونه ويستدلون به. . .، وتصحيحه يكون بإدخال: "قد" على قولهم: "ينوب"؛ وحينئذ يتعذر استدلالهم به؛ إذ كان موضع ادعوا فيه ذلك يقال لهم فيه: "لا نسلم أن هذا مما وقعت فيه النيابة"، ولو صح قولهم لجاز أن يقال: مررت في زيد، ودخلت من عمرو، وكتبت إلى القلم، على أن البصريين ومن تابعهم يرون في الأماكن التي ادعيت فيها النيابة أن الحرف باق على معناه، وأن العامل ضمن معنى عامل يتعدى بذلك الحرف: لأن التجوز في الفعل أسهل منه في الحرف". ا. هـ، وسيجيء الرأي البصري كاملًا مع غيره هنا. ٣ و٣ وهو مذهب البصريين، وفيه يقول الهمع جـ٢ الكتاب الثالث؛ باب حروف الجر، عند الكلام على الحرف "من" ما نصه: "تنبيه، علم مما حكى عن البصريين في هذه الأحرف من الاقتصار على معنى واحد لكل حرف أن مذهبهم أن أحرف الجر لا ينوب بعضها عن بعض بقياس؛ كما أن أحرف الجزم كذلك. . . و. . .". ا. هـ، وأما الثاني فمذهب الكوفيين، والكلام عليه في ص ٥٤٠ و٥٤٢.
[ ٢ / ٥٣٧ ]
وجب القول: بأنه يؤدي المعنى الآخر الجديد إما تأدية "مجازية" "أي: من طريق المجاز١، لا الحقيقية"، وإما تأدية، "تضمينية"٢ "أي: بتضمن الفعل، أو: العامل الذي يتعلق به حرف الجر الأصلي٣ ومجروره، معنى فعل أو عامل آخر يتعدى بهذا الحرف"، فحرف الجر مقصور على تأدية معنى حقيقي واحد يختص به، ولا يؤدي غيره إلا من طريق "المجاز" في هذا الحرف، أو من طريق "التضمين" في العامل الذي يتعلق به الجار الأصلي٣ مع مجروره.
فمن الأمثلة للمجاز: الحرف الأصلي "في"؛ فمعناه الحقيقي: "الظرفية" "أي: الدلالة على أن شيئًا يحوي بين جوانبه شيئًا آخر. . . و. . . كما سبق٤، فإذا قلنا: "الماء في الكوب"، فهمنا أن الكوب يحوي بين جوانبه الماء؛ فيكون الحرف "في" مستعلًا في تأدية معناه الحقيقي الأصيل، ولكن إذا قلنا: "غرد الطائر في الغصن. . ."، لم نفهم أن الغصن يحوي في داخله وبين جوانبه الطائر المغرد؛ لاستحالة هذا، وإنما نفهم أنه كان على الغصن وفوقه، لا بين ثناياه. فالحرف: "في" قد أدى معنى ليس بمعناه الحقيقي الأصيل، فالمعنى الجديد؛ وهو: "الفوقية"، أو"الاستعلاء" إنما يؤديه حرف آخر مختص بتأديته، هو: "على" فلو راعينا الاختصاص وحده لقلنا: غرد الطائر على الغصن، فالحرف: "في" قد أدى معنى ليس من اختصاصه، بل هو من اختصاص غيره، وهذه التأدية ليست على سبيل الحقيقية، وإنما هي على سبيل المجاز، واجتمع للحرف: "في" الشرطان اللذان لا بد من تحققهما لصحة استعمال المجاز٥، فالظرفية بما تقتضيه من تمكن وثبات شبيهة بالاستعلاء الذي يقتضي التمكن والثبات أيضًا؛ فاستعملنا "الظرفية" مكان الحرف لدال على "الاستعلاء"؛
_________________
(١) ١ وفي هذه الحالة يجب أن يتحقق للمجاز ركناه الأساسيان؛ وهما؛ العلاقة، والقرينة، انظر معناهما في رقم٥ من هذا الهامش. . . ٢ سبق شرح "التضمين" في هذا الجزء ص١٦٨ من باب: تعدية الفعل ولزومه"، ولأهميته سجلنا له بحثًا خاصًا مستقلًا آخر هذا الجزء ص ٥٦٤، وبعدها رأيي الخاص في: "التضمين". ٣ و٣ وملحقه. ٤ الكلام عليه في ص ٥٠٧. ٥ هما: "العلاقة أي: الصلة بين المعنى المنقول منه والمعنى المنقول إليه"، "والقرينة التي تصرف الذهن عن المعنى الأصلي إلى المعنى المجازي الجديد".
[ ٢ / ٥٣٨ ]
تبعًا لذلك، وكل هذا على سبيل "الاستعارة"؛ وهي نوع من المجاز، والقرينة الدالة على أنه مجاز "أي: على أن الحرف: "في" مستعمل في غير معناه الأصلي" وجود الفعل: "غرد"؛ إذ لا يقع التغريد في داخل الغصن؛ وإنما يكون فوقه، فهذه القرينة هي المانعة من إرادة المعنى الأصلي.
ومن الأمثلة: للمجاز أيضًا: "على": فهو حرف جر يقتصر عند أصحاب هذا الرأي على معنى حقيقي واحد؛ هو: "الاستعلاء"، فإذا قلنا: "الكتاب على المكتب"، فهمنا هذا المعنى الحقيقي الدال على أن شيئًا معينًا فوق آخر، فالحرف مستعمل في معناه الأصيل، لكن إذا قلنا: "اشكر المحسن على إحسانه"، لم تفهم الاستعلاء الحقيقي، ولم يرد على خاطرنا أن الشكر قد حل واستقر فوق الإحسان؛ لاستحالة هذا، وإنما الذي يخطر ببالنا هو أن المراد: "اشكر المحسن لإحسانه"؛ فالحرف: "على" قد جاء في مكان: "اللام" التي معناها: "السببية"، أو"التعليل"، فأفاد ما تفيد اللام، ولكن إفادته على سبيل "الاستعارة" وهي نوع من المجاز؛ ذلك أن لام التعليل تفيد التمكن والاتصال القوي بين السبب والمسبب، أو بين العلة والمعلول؛ والاستعلاء يشبهها في أنه يفيد التمكن والاتصال بين الشيئين؛ فهذا التشابه صح استعمال الاستعلاء مجازًا، مكان السببية والتعليل، وتبع ذلك استعمال الحرف الدال على الاستعلاء مكان الحرف الدال على السببية، والقرينة الدالة على أن الحرف: "على" مستعمل في غير حقيقته وجود الفعل: "شكر" إذ لا يستقر الشكر فوق الإحسان، ولا يوضع فوقه وضعًا حقيقيًا، لاستحالة هذا، كما سبق.
ومثل ما سبق يقال في بقية حروف الجر يؤدي الواحد منها معنيين أو أكثر.
أما أمثلة التضمين١ في العامل فمنها قول بعض الأدباء: "نأيت من صحبة فلان بعد أن سقاني بمر فعاله"، والأصل: "نأيت عن صحبة فلان، بعد أن
_________________
(١) ١ بعض الأمثلة السابقة صالح "للتضمين في الفعل مع بقاء حرف الجر على معناه الحقيقي"، وكذا نظائرها.
[ ٢ / ٥٣٩ ]
سقاني من مر فعاله"، ولكنه ضمن الفعل: "نأي" الذي لا يتعدى هنا بالحرف "من" معنى فعل آخر يتعدى بها؛ هو: "بعد، أو: "ضجر"؛ فالمراد: بعدت، أو: ضجرت من صحبة فلان، كما ضمن الفعل: "سقى" الذي لا يتعدى هنا "بالباء" معنى فعل آخر يتعدى بها؛ هو: "آذى"، أو"تناول" فالمراد: "آذاني" أو: "تناولني" بمر فعاله، وكذلك: "شربت بماء عذب"؛ فإن الفعل "شرب" قد ضمن معنى الفعل: "روي" فالأصل: رويت، وهكذا بقية حروف الجر.
والمذهب الثاني١: أن قصر حرف الجر على معنى حقيقي واحد، تعسف وتحكم لا مسوغ له، فما الحرف إلا كلمة، كسائر الكلمات الاسمية والفعلية، وهذه الكلمات الاسمية والفعلية تؤدي الواحدة منها عدة معان حقيقية٢، لا مجازية، ولا يتوقف العقل في فهم دلالتها الحقيقية فهمًا سريعًا، فما الداعي لإخراج الحرف من أمر يدخل فيه غيره من الكلمات الأخرى، ولإبعاده عما يجري على نظائره من باقي الأقسام؟
إنه نظيرها؛ فإذا اشتهر معناه اللغوي الحقيقي، وشاعت دلالته، بحيث يفهمها السامع بغير غموض، كان المعنى حقيقيًا لا مجازيًا، وكانت هذه الدلالة أصيلة لا علاقة لها بالمجاز، ولا بالتضمين ولا بغيرهما، فالأساس الذي يعتمد عليه هذا المذهب في الحكم على معنى الحرف بالحقيقية هو شهرة المعنى اللغوي الأصلي المراد وشيوعه،
_________________
(١) ١ وهو مذهب الكوفيين، كما يصرح كثير من النحاة والحق أنه ليس مقصورًا عليهم؛ بل يشاركهم فيه بعض أئمة النحاة من غيرهم؛ كالمبرد وهو بصري، فقد جاء في كتابه الكامل "جـ ٣ ص ٤٦ طبعة مطبعة الفتوح، عند شرحه لبيت أبي النجم الذي صدره: "سبي الحماة، وابهتى عليها". . . "وقد سبق البيت لمناسبة أخرى في هامش ص ٤٧٦"، ما نصه: "حروف الخفض، يريد: حروف الجر، يبدل بعضها من بعض إذا وقع الحرفان في معنى، في بعض المواضع؛ قال الله ﷿: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أي: على، وقال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي: بأمر الله:. . .، وقال العامري: "إذا رضيت علي بنو قشير. .." أي: عني، وهذا كثير جدًا". ا. هـ. ففي تلك الأمثلة ونظائرها أبدل حرف جر من آخر بمعناه، أي حل في مكانه. ٢ والمراد هنا ما يشمل: "الحقيقة، اللغوية الأصلية، والحقيقة العرفية".
[ ٢ / ٥٤٠ ]
بحيث يتبادر ويتضح سريعًا عند السامع؛ لأن هذه المبادرة علامة الحقيقة، وإن من يسمع قول القائل: "كانت في الصحراء، ونفد ما معي من الماء، وكدت أموت من الظمأ، حتى صادفت بئرًا شربت من مائها العذب ما حفظ حياتي التي تعرضت للخطر من يومين. . ."، سيدرك سريعًا معنى الحرف: "من" وقد تكرر في هذا الكلام بمعان لغوية مختلفة: أولها: بيان الجنس، وثانيها: السببية، وثالثها: البعضية، ورابعها: الابتداء. . . و. . .
كذلك من يسمع قول القائل: "إني بصير في الغناء: يستهويني، ويملك مشاعري إذا كان لحنه شجيًا، وعبارته رصينة؛ كالأبيات التي مطلعها:
رب ورقاء هتوف في الضحا ذات شجو صدحت في فنن
فإن المعاني اللغوية المقصودة من الحرف: "في" ستبتدر إلى ذهنه، فالأول: للإلصاق، والثاني: للظرفية، والثالث: للاستعلاء، وكل واحد من المعاني السالفة يقفز إلى الذهن سريعًا بمجرد سماع حرف الجر خلال جملته، وهذا علامة الحقيقة١، كما سبق.
فإذا كان المعنى المراد هو من الشيوع، والوضوح وسرعة الورود على الخاطر بالصورة التي ذكرناها، ففيم المجاز أو التضمين أو غيرهما؟ إن المجاز أو التضمين أو نحوهما يقبلان، بل يتحتمان حين لا يبتدر المغني المراد إلى الذهن، ولا يسارع الذهن إلى التقاطه؛ بسبب عدم شيوعه شيوعًا يجعله واضحًا جليًا، وبسبب عدم اشتهاره شهرة تكفي لكشف دلالته في يسر وجلاء، أما إذا شاع واشتهر وتكشف للذهن سريعًا، فإن هذا يكون علامة الحقيقية١ كما قلنا فلا داعي للعدول عنها، ولا عن قبولها براحة واطمئنان٢.
وهذا رأي نفيس أشار بالأخذ به والاقتصار عليه كثير من المحققين٣.
_________________
(١) ١و ١ سواء أكانت حقيقة لغوية أصلية أم عرفية، كما سبق، في رقم٢ من هامش الصفحة المتقدمة. ٢ انظر الزيادة والتفصيل في الصفحة التالية. ٣ كصاحبي: المغني، والتصريح، وكالصبان، والخضري في باب: "حروف الجر" عند الكلام على الحرف: "من" وشرح بيت ابن مالك الي أوله: "بعض، وبين، وابتدئ في الأمكنة. . ." فقد وصفوا المذهب الثاني وهو المذهب "الكوفي" بأنه أقل تكلفًا وتعسفًا. ويشاركهم فيه صاحب "الهمع طبقًا للبيان الذي سبق في رقم٣ من هامش ص ٥٣٧، وكما في ص٥٤٠". وفي الأخذ به تيسير، ووضوح، وابتعاد عما يكون في المجاز، ومنه الاستعارة أحيانًا من تعقيد والتواء.
[ ٢ / ٥٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
لا شك أن المذهب الثاني١ نفيس كما سبق؛ فمن الأنسب الاكتفاء به؛ لأنه عملي سهل، بغير إساءة لغوية، وبعيد من الالتجاء إلى المجاز، والتأويل، ونحوهما من غير داع؛ فلا غرابة في أن يؤدي الحرف الواحد عدة معان مختلفة، وكلها حقيقي٢ كما قلنا، ولا غرابة أيضًا في اشتراك عدد من الحروف في تأدية معنى واحد؛ لأن هذا كثير في اللغة، ويسمى: المشترك اللفظي٣.
_________________
(١) ١ وهو الذي اشتهر بنسبته للكوفيين مع أن لهم فيه شركاء آخرين كما أسلفنا في رقم١ من هامش ص ٥٤٠. ٢ سواء أكانت الحقيقة لغوية أم عرفية كما سبق في رقم٢ من هامش ص ٥٤٠. ٣ الحق أنه لا سبيل للحكم على معنى من معاني المشترك اللفظي بأنه "مجازي"، أو أن في عامله "تضمينًا"؛ لأن هذا يقتضينا أن نعرف المعنى الأصلي الذي وضع له اللفظ أولًا، واستعمل فيه، ثم انتقل منه بعد ذلك إلى غيره من طريق "المجاز أو التضمين"، أي: أنه لا بد من معرفة أقدم المعنيين في الاستعمال؛ ليكون هذا الأقدم هو الأصلي، ويكون المتأخر عنه وهو الحادث مجازًا أو تضمينًا، وهذا أمر لم يتحقق حتى اليوم في أكثر المعاني التي يؤديها كل حرف من حروف الجر، وهي معان مرددة في أفصح الكلام العربي قرآنًا وغير قرآن، ولا سبيل للحكم القاطع بأن معنى معينًا منها أسبق في الاستعمال في معنى آخر، وإذا لا سبيل للحكم الوثيق بأن واحدًا من تلك المعاني هو وحده الحقيقي، وأن ما عداه هو "المجازي أو التضميني"، بل إن هذا يلاحظ في كل معنى مجازي آخر يجري في غير الحرف، ولا يقال: إن المعنى الحسي أسبق في الغالب وجودًا من العقل المحض؛ لا يقال هذا؛ لأنه لا يصدق على حالات متعددة، وفوق هذا أيضًا يكاد يكون الحك بالأسبقية مستحيلًا إذا كان المدلولان عقليين معًا "أي: غير حسيين". وقد رأى أحد المستشرقين ضرورة وضع معجم خاص يوضح أقدمية الكلمات في استعمالها، وتاريخ ميلادها؛ ليمكن القطع بعد هذا بالمعاني الحقيقية والمجازية وتجرد لهذه المهمة، ولكن منيته عاجلته في أول مراحل العمل.
[ ٢ / ٥٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهناك سبب آخر يؤيد أصحاب هذا المذهب الثاني؛ هو أن الباحثين متفقون على أن المجاز إذا اشتهر معناه في زمن ما، وشاع بين الناطقين به، انتقل هذا المجاز إلى نوع جديد آخر يسمى: "الحقيقة العرفية"، "ولها بحث مستفيض في مكانها من أبواب علم البلاغة"، ومن أشهر أحكامها: أنها في أصلها مجاز قائم على ركنين أساسيين: علاقة بين "المشبه والمشبه به"، و"قرينة"، تمنع من إرادة المعنى الأصلي، فإذا اشتهر المجاز في عصر أي عصر١، وشاع استعماله مع وضوح المراد منه، تناسى الناس أصله، واختفى ركناه، واستغني عنهما وعن اسمه، ودخل في عداد نوع جديد يخالفه، يسمى: "الحقيقة العرفية" فلو سلمنا أن حرف الجر لا يؤدي إلا معنى واحدًا أصليًا، وأن ما زاد عليه ليس بأصلي، لكان بعد اشتهاره وشيوعه في المعنى الجديد داخلًا في الحقيقة العرفية، وهي ليست بمجاز في صورتها الحالية الواقعة، لا في الصورة السابقة، المتروكة نهائيًا، المنسية كأن لم تكن.
_________________
(١) ١ ولو كان من غير عصور الاحتجاج.
[ ٢ / ٥٤٣ ]
بحث مستقل في "مذ" و"منذ" من الوجهتين اللفظية، والمعنوية ١:
قال الباحث:
طالما أنعمت النظر في هاتين الكلمتين، ورجعت إلى ما دونه فيهما النحاة واللغويون، فكنت أجد أحيانًا عنتًا ومشقة في استخلاص حكم، أو تلخيص خلاف، أو دفع إشكال، ذلك بأن هذه المادة مبعثرة في الكتب قديمها وحديثها؛ فما في هذا ليس في ذاك، مع كثرة الآراء واشتداد الخلاف، وتباين التفسيرات والشروح.
فما زلت في مراجعة وبحث، حتى اجتمع لي من ذلك فصل صالح، حاولت أن أذلل فيه ما استصعب، وأن أشرح ما خفي، بالموازنة والترجيح.
ولا أدعي أني أحطت بالموضوع جميعه؛ فهذا ما لا سبيل إليه في وجيز كهذا. ولكنني أرجو أن أكون قد عبدت الطريق، ومهدت السبيل للباحثين والمستفيدين، فأقول:
أ- يقع مذ ومنذ٢ اسمين:
_________________
(١) ١ هذا بحث واف، سبق في ص ٢٩٩ و٥٢٠ أن وعدنا بتسجيله آخر هذا الجزء؛ لعظيم أثره لدى المتخصصين، وليكون لكبار الطلاب تدريبًا على البحث، والتحقيق، والتمحيص، وقد جمع أكثر المفرق من مسائل "مذ ومنذ" وأحكامهما، وتميز بآراء صائبة استقل بها صاحبه، وإن كان بعضها مختلطًا، أو مفتقرًا لمزيد تحقيق، أو قوة استدلال تحمل على الإقناع، وقد نقلناه كاملًا بشروحه وهوامشه، وربما أبدينا تعليقًا على بعضها عن الجزء الثالث من مجلة المجمع اللغوي القاهري، "ص ٣٥٤ وما بعدها" حيث سجلته لعضو جليل من أعضاء المجمع السابقين، هو: الأستاذ أحمد العوامري، رحمة الله عليه. ٢ قال في الهمع: وكسر ميمها لغة. ا. هـ، وفي الخضري؛ والراجح أن أصل "مذ": "منذ"، حذفت النون تخفيفًا؛ بدليل ضمها لملاقاة ساكن، كمذ اليوم. ولولا هذا لكسرت في أصل التخلص، وبعضهم بضمها بلا ساكن أصيلًا. ا. هـ.
[ ٢ / ٥٤٤ ]
١- إن كان ما بعدها اسمًا مرفوعًا، معرفة، أو نكرة معدودة لفظًا، أو معنى كما سيأتي.
٢- أو كان ما بعدها فعلًا ماضيًا١.
٣- أو كان ما بعدها جملة اسمية.
فالحالة الأولى "وفيها الأسماء المرفوعة نكرة معدودة"، نحو: ما رأيته مذ أو منذ يومان، أو عشرة أيام، أو خمسة عشر يومًا، أو عشرون يومًا، أو مائة يوم، أو ألف يوم، أو ألفا يوم، أو سنة، أو شهر أو يوم٢.
ومثال المعرفة ما رأيته مذ أو منذ يوم الجمعة.
فمذ أو منذ اسم مبتدأ٣، والخبر واجب التأخير معهما، وجوز بعضهم أن يكونا خبرين لما بعدهما.
_________________
(١) ١ فلا يجوز: مذ يقوم؛ لأن عاملهما لا يكون إلا ماضيًا، فلا يجتمع مع المستقبل. ا. هـ، صبان. ٢ على أن يكون اليوم هو الفلكي المقسم ساعات، لا الوقت من طلوع الشمس إلى غروبها، كما سنفصله. ٣ قال الخضري عند قول ابن عقيل: "فمذ اسم مبتدأ إلخ" ما يأتي: وسوغه كونها معرفة في المعنى؛ لأنها إن كان الزمان ماضيًا، كما في المثال الأول "وهو قول ابن عقيل: ما رأيته مذ يوم الجمعة"، فمعناها: أول مدة عدم الرؤية كذا، وإن كان حاضرًا، كما في المثال الثاني "وهو قول ابن عقيل: ما رأيته مذ شهرنا، "وهو ما خالف فيه أكثر العرب، كما سيمر بك"، أو كان معدودًا كما رأيته: "مذ يومان"، فمعناه نفي المدة، أي: مدة عام الرؤية شهرنا، أو يومان. ا. هـ. وفي تأويل خبريتهما كلام كثير وتكلف لا يعنينا وفي الصحاح: ويصلح أن يكونا اسمين، فترفع ما بعدهما على التاريخ، أو على التوقيت، فتقول في التاريخ: ما رأيته مذ يوم الجمعة، أي: أول انقطاع الرؤية يوم الجمعة، وتقول في التوقيت: ما رأيته مذ سنة، أي: أمد ذلك سنة، ولا تقع ها هنا إلا نكرة؛ لأنك لا تقول: مذ سنة كذا. ا. هـ. وقوله: "ولا تقع ههنا إلا نكرة"، يريد بقوله: "ههنا" حالة إرادة التوقيت؛ لأنك لو قلت مثلًا: "مذ أو منذ عشرين للهجرة"، فمعناه ما قرر الجوهري: أمد ذلك سنة عشرين للهجرة، وهو لغو. أقول: ولا أرى ما يمنع أن ندخل نحو هذا المثال في باب "التاريخ"، فيكون معنى "ما حصل كذا مذ أو منذ عشرين للهجرة، مثلًا": أول انقطاع الحصول سنة عشرين للهجرة. ولم يفرق "القاموس" بين التاريخ والتوقيت، فقال: أرخ الكتاب، وأرخه، وآرخه: وقته. ا. هـ، وفي شرحه للزبيدي: وقال الصولي: تاريخ كل شيء غايته ووقته الذي ينتهي إليه، ومنه قيل: فلان تاريخ قومه، أي: إليه ينتهي شرفهم، ورياستهم. ا. هـ. وقال في المصباح: "الوقت مقدار من الزمان مفروض لأمر ما، وكل شيء قدرت له حينًا فقد وقته توقيتًا. ا. هـ. فعلى تعريف الصولي للتاريخ، وتعريف المصباح للتوقيت يتضح المقام في التفرقة بينهما.
[ ٢ / ٥٤٥ ]
والحالة الثانية، نحو: ركب أخي مذ أو منذ حضرت السيارة، فمذ أو منذ اسم منصوب المحل على الظرفية، والعامل فيه "ركب"، وهو مضاف إلى الجملة بعده، وهذا هو المشهور، وقيل: هما مبتدآن١.
والحالة الثالثة نحو:
فما زلت أبغي الخير مذ أنا يافع وليدًا وكهلًا حيث شبت، وأمردا
فمذ هنا ظرف لمضمون ما قبله، ومضاف إلى الجملة بعده، على المشهور.
ب- وتقعان حرفين٢.
١- بمعنى: "من" الابتدائية، إن كان المجرور ماضيًا معرفة؛ نحو: ما قابلت صديقي مذ أو منذ يوم الأربعاء، أي: من يوم الأربعاء٣.
٢- بمعنى: "في"، إن كان المجرور حاضرًا معرفة، نحو ما قرأت مذ أو منذ اليوم، أو عامنا، أو شهرنا، أو أسبوعنا أو منذ هذا الأسبوع أو هذا الشهر، أو هذه السنة، مثلًا ولا يجوز في الحاضر بعدها إلا الجر عند أكثر العرب.
_________________
(١) ١ وكذا قيل في الحالة الثالثة الآتية أيضًا: قال الخضري: والجملة بعدهما خبر، بتقدير زمن مضاف إليها "أي: إلى الجملة"، والتقدير في: "جئت مذ دعا" وقت المجيء هو زمن دعائه، وفي البيت المار، "فما زلت أبغي الخير إلخ": أول وقت طلبي الخير هو وقت كوني يافعًا: فجملة مذ إلخ مستأنفة كما مر. ا. هـ. ٢ قال في الهمع: ومذ ومنذ لا يجران إلا الظاهر من اسم الزمان أو المصدر. . . وأجاز المبرد أن يجرا مضمر الزمان؛ نحو: يوم الخميس ما رأيته منذه، أو مذه. ورد بأن العرب لم تقله. ا. هـ. وكونهما حرفين في هذه الأحوال الثلاثة هو مذهب الجمهور، وقيل: هما ظرفان في موضع نصيب بالفعل قبلهما ورد هذا المذهب بما لا محل له هنا. ٣ قال في الهمع: ويجوز وقوع المصدر بعدهما، نحو: ما رأيته مذ قوم زيد، بالرفع والجر، وهو على تقدير حذف زمان، أي: مذ زمن قدوم زيد، ويجوز وقوع "أن" وصلتها بعدهما، نحو: ما رأيته مذ أن الله خلقني، فيحكم على موضعها بما حكم به للفظ المصدر، من رفع أو جر، وهو على تقدير زمان أيضًا. ا. هـ، قال الشاطبي: أما إن كسرت "أي: إن" فالاسمية متعينة. ا. هـ. "وقد سبقت الإشارة لهذا في رقم٤ من هامش ص٥١٩ وفي ص٥٢١".
[ ٢ / ٥٤٦ ]
٣- بمعنى: "من وإلى" معًا، فيدخلان على الزمان الذي وقع فيه ابتداء الفعل وانتهاؤه، ويشترط حينئذ.
أولًا: أن يكون الزمان نكرة، معدودًا لفظًا؛ كمذ يومين.
ثانيًا: أو أن يكون معدودًا معنى: كمذ شهر.
لأنهما لا يجران المبهم، أي: ما عملت كذا من ابتداء هذه المدة إلى انتهائها، وعما عملت كذا من ابتداء شهر إلى انتهائه.
والمراد بالمبهم هنا: الوقت النكرة غير المعدودة لفظًا أو معنى، نحو: "برهة" ولا ينافيه قول زهير بن أبي سلمى:
لمن الديار بقنة الحجر أقوين مذ جحج ومذ دهر١
لأن الدهر متعدد في المعنى٢.
ويأتون بهذا البيت أيضًا شاهدًا على قلة الجر بعد "مذ" في الماضي، أما "منذ" فما بعده يترجح جره في الماضي٣.
_________________
(١) ١ المراد بالحجر: حجر ثمود، وقوله: أقوين، أي: خلون. ٢ نقلنا هذا التعليل عن الصبان؛ وهو أيضًا في غيره من كتب المتقدمين. ٣ ما قاله الباحث هنا في تعريف: "الظرف المبهم" لا يشمل أنواعًا كثيرة نص عليها النحاة في تعريفهم الدقيق، الذي عرضناه في رقم٢ من هامش ص٢٥٢، وبه تزول بعض الشبهات التي اعترضت الباحث.
[ ٢ / ٥٤٧ ]
تنبيهات وإيضاحات:
أ- قد رأيت في الأحوال الثلاث التي يقع فيها مذ ومنذ حرفين.
١- أن المجرور وقت١.
٢- وأن هذا الوقت متصرف٢.
_________________
(١) ١ ما يسأل به عن الوقت كالوقت، بشرط أن يكون مما يستعمل ظرفًا، فتقول: مذ كم؟ ومنذ متى؟ ومنذ أي وقت؟ ولا تقول: منذ ما؛ لأن "ما" لا تكون ظرفًا. ا. هـ، صبان. أي: فتقول مثلًا: "ا" منذ كم يومًا ركبت البحر؟ كما يجوز أن تقول: منذ كم ركبت البحر، بحذف التمييز للعلم به، وفي حالة ذكر التمييز هنا يجوز نصبه وجره بمن مضمرة، وقال في الهمع عند الكلام على وقوع الاسم مجرورًا بعدهما ما يلي: "والجمهور على أنهما حينئذ حرف جر، لإيصالهما الفعل إلى "كم" كما يوصل حرف الجر، تقول: منذ كم سرت، كما تقول: بكم اشتريت". ا. هـ. وتقول: "٢" منذ متى نمت؟ "٣" منذ أي وقت طار أخوك؟ وتقول في الإجابة عن "١": ركبت منذ أو منذ ليلتين وعن "٢": نمت منذ أو مذ مساء اليوم الماضي وعن "٣": طار أخي منذ أو مذ طلوع الفجر، مثلًا. ومعنى الإجابة الأولى: ركبت من ابتداء الليلتين إلى انتهائهما ومعنى الإجابة الثانية: نمت من مساء اليوم الماضي، بوضع "من" الابتدائية في مكان مذ أو منذ ومعنى الإجابة الثالثة: طار أخي منذ زمن طلوع الفجر، على تقدير "زمن" مضاف إلى المصدر، فمنذ أو مذ، بمعنى "من" الابتدائية هنا أيضًا، ويجوز في هذا المثال رفع "طلوع"، ويكون المعنى حينئذ: أول طيرانه وقت طلوع الفجر. وقد جازت هذه الإجابات الثلاث في الإثبات؛ لأن العامل متطاول فيها جميعًا، وسيمر بك معنى "التطول" والتمثيل له. ٢ فلا تقول: ما رأيته منذ سحر، تريد سحر يوم بعينه، وقال ابن عقيل:. . . نحو: سحر إذا أردته من يوم بعينه، فإن لم ترده من يوم بعينه فهو متصرف، كقوله تعالى: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ . ا. هـ، فقال الخضري: "قوله نحو سحر": مثال لما لزم الظرفية قط فلا يخرج عنها أصلًا، إذا كان معينًا. واعتراضه "يقصد العلامة الصبان" بأنه متصرف، بدليل: "نجيناهم بسحر" فيه نظر ظاهر؛ لأن هذا غير معين، كما هو صريح الشرح، والكلام في المعين. ا. هـ. وفي اللسان:. . . ولقيته سحرًا، بلا تنوين ولقيته بالسحر الأعلى "أي: في أعلى السحرين، وهما سحر مع الصبح وسحر قبله. ا. هـ، من الأساس". . . ولقيته سحر يا هذا، إذا أردت به سحر ليلتك لم تصرفه؛ لأنه معدول عن الألف واللام، وهو معرفة، وقد غلب عليه التعريف بغير إضافة ولا ألف ولام. . . وإذا نكر "سحر" صرفته كما قال تعالى: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ أجراه، "أي: صرفه"؛ لأنه نكرة، كقولك: نجيناهم بليل، قال: فإذا ألقت العرب منه الباء لم يجروه، فقالوا: فعلت هذا سحر يا فتى. . . وقال الزجاج، وهو قول سيبويه: سحر: إذا كان نكرة؛ يراد سحر من الأسحار، وانصرف، تقول. . . أتيت زيدًا سحرًا من الأسحار، فإذا أردت سحر يومك قلت: أتيته سحر يا هذا. . . وتقول: سر على فرسك سحر يا فتى. ا. هـ. بقي "سحر" المنصرف"، فهل يجوز أن تقول: ما رأيته مذ أو منذ سحر؟ والجواب: لا؛ لأنهما لا يجران المبهم، كما مر بك.
[ ٢ / ٥٤٨ ]
٣- وأنه معين لا مبهم، وقد فسرنا معنى الإبهام آنفًا.
٤- وأنه ماضي أو حاضر، لا مستقبل، لما تقدم.
ب- وقد رأيت في عاملها في هذه الأحوال الثلاث:
١- أنه فعل ماض.
٢ وأنه منفي يصح تكرره.
وقد يأتي مثبتًا بشرط أن يكون متطاولًا، نحو: سرت منذ يوم الخميس، والمراد بالتطاول: أن يكون في طبيعة الحدث معنى الاستمرار كالسير، فإن من شأنه التطاول، وكالنوم، والمشي، والكلام؛ وهكذا. . . وتوفية للمقام، نذكر عبارة الخضري في هذا الموضوع، قال:
"شرط عاملهما كونه ماضيًا، إما منفيًا يصح تكرره، كما رأيته منذ يوم الجمعة، أو مثبتًا متطاولًا، كسرت منذ يوم الخميس، بخلاف: قتلته، أو ما قتلته منذ كذا، فإذا قلت: ما قتلت منذ كذا، بلا هاء، صح؛ لأن القتل المتعلق بمعين لا يكرر، بخلاف غيره، ما لم يتجوز بالقتل عن الضرب، فتدبر". ا. هـ.
فقوله: "بخلاف: قتلته. . . إلخ"، كأن تقول مثلًا: قتلته، أو ما قتلته مذ أو منذ يوم الجمعة، مما تكون فيه مذ أو منذ بمعنى "من" الابتدائية وكأن تقول: مثلًا: قتلته، أو ما قتله مذ أو منذ سنتين، مثلًا، مما تكون فيه مذ أو منذ بمعنى من وإلى معًا، فكل هذا غير جائز.
أقول: فهبنا قلنا مثلًا: قتلته مذ أو منذ يومنا، مما تكون فيه مذ أو منذ بمعنى "في"، فعلى مقتضى إطلاق كلامهم لا يجوز مثل هذا، لبقاء السبب، وهو: عدم تطاول العامل في حالات الإثبات، ولكني أرى أنه سائغ، إذ ما الذي يمنعنا أن نقول مثلًا: قتلته اليوم، أو في هذا اليوم الحاضر؟
وواضح أنه يجوز لك أن تقول أيضًا: ما قتلت مذ أو منذ يومنا، وما قتلته
[ ٢ / ٥٤٩ ]
مذ أو منذ يومنا، فكلامهم في "التطاول" و"صحة التكرر" مجمل يفتقر إلى تفصيل وتوضيح١.
هذا، ولم أجد فيما لدي من المراجع مثالًا للحدث غير المتطاول إلا "القتل".
وإني مورد أمثلة له فيما يلي للإيضاح، لا للحصر فأقول:
أولًا: أو مضى، أو ومضى وفسر الزمخشري الإيماض بأنه لمع خفي، قال: وشمت ومضة برق كنبضة عرق. ا. هـ.
فالإيماض غير متطاول كالقتل؛ لأنه عبارة عن لمع خاطف كرجع البصر، أو نبضة العرق، فلا يصح أن نقول مثلًا: ومض البرق مذ أو منذ يوم الخميس، أي: من يوم الخميس، كما لا يجوز أن نقول مثلًا: أو مضى البرق مذ أو منذ ليلتين: من ابتدائهما إلى انتهائهما٢.
ولكن يصح أن نقول مثلًا: أو مضى البرق مذ أو منذ ليلتنا، أي: في ليلتنا كما صح أن تقول مثلًا: قتلته مذ أو منذ يومنا، كما قررته آنفًا، كما يصح أن تقول مثلًا: ما أومض البرق مذ أو منذ يوم الجمعة، أي: من يوم الجمعة، وما أومض البرق منذ أو مذ ليلتنا، أي: ليلتنا، وما أومض البرق مذ أو منذ ليلتين؛ لأن الحدث هنا يصح تكرره.
ثانيًا: شرق، أي: بدا وظهر، فيقال: شرقت الشمس، إذا بدت من المشرق. وكذا القمر، أو النجم، فالشروق غير متطاول؛ لأنه مجرد الظهور، وهو ملامسة الأفق، وهو لا يستغرق من الوقت إلا ما لا يكاد يذكر، فلا يقال مثلًا في الإثبات: شرقت الشمس مذ أو منذ ساعتين، أي: من ابتدائهما إلى انتهائهما. كما أوضحنا مثل هذا من قبل، كما لا يصح أن يقال في النفي مثلًا:
_________________
(١) ١ ردًا على الباحث أقول: إن التطاول متحقق في المثال الأخير المنفي؛ فكلامهم واضح، وهو الصحيح وتؤيده النصوص المسموعة الدالة على أنهما بمعنى: "في". بشرط التكرر، أو التطاول، لا مجرد "في". ٢ قد فسر ابن الأعرابي الوميض بأن يومض إيماضة ضعيفة، ثم يختفي، ثم يومض. . . فهذا التكرر المتعاقب قد ينزل منزلة الفعل المتطاول فيما يظهر لي، فيصح أن تقول مثلًا: أومض البرق مذ أو منذ يوم الخميس، أي استمر هذا منه، على هذا التفسير.
[ ٢ / ٥٥٠ ]
ما شرقت الشمس مذ أو منذ دقيقتين١؛ لأن شروق الشمس لا يمكن تكرره في أثناء دقيقتين بالنسبة لأفق واحد، وكذا يقال في سائر الكواكب؛ لأنهما كلها بحسبان، فهب نجمًا بعينه يتم دورته في ثلاث سنين مثلًا، فإنه لا يجوز أن يقال: ما شرق هذا النجم منذ أو منذ ثلاث سنين؛ لأنه لا يمكن أن يتكرر شروقه في هذه المدة، ويجوز أن يقال: ما شرق نجم مذ أو منذ ساعتنا، وذلك؛ لأنه شروق متعلق بغير معين، فيجوز تكرره.
ولا تقول: شرق هذا النجم، أو نجم مذ أو منذ السبت، ولكنك تقول في الإثبات، على ما استظهرت آنفًا: شرق هذا النجم، أو نجم، مذ أو منذ ساعتنا أو ليلتنا، مثلًا.
ثالثًا: سنح قال في الأساس: من المجاز: سنح له رأي، أي عرض له. ا. هـ، وفي المصباح: وسنح لي رأي في كذا: ظهر، وسنح الخاطر به: جاد. ا. هـ.
فأنت ترى أن عروض الرأي حدث غير متطاول؛ لأنه طروء فاجئ، فإذا حصلت الفكرة فقد انقطع السنوح، وذلك لا يستغرق إلا وقتًا يسيرًا؛ لا يمكن أن يوصف بالتطاول، فلا نقول مثلًا: سنحت لي فكرة كذا مذ أو منذ يوم الخميس، أي: من يوم الخميس، ولا: سنحت لي فكرة كذا منذ ساعتين. ولكنك تقول، على ما استظهرت آنفًا: سنحت لي فكرة كذا منذ يومنا، أو مذ هذه الساعة، أو الدقيقة، مثلًا.
وتقول أيضًا، مثلًا: ما سنحت لي فهذه الفكرة مذ أو منذ ساعتين؛ لأن سنوح فكرة بعينها يمكن تكرره في أثناء ساعتين، ولكن لا يمكن أن تقول: ما سنحت لي فكرة مذ أو منذ ساعتين، مثلًا: أم ومذ أو منذ يومنا، لاستحالة مثل هذا عادة، في حال الإنسان الطبيعية.
فقد رأيت في الأفعال الثلاثة المتقدمة، وما فرعنا عليها من الأمثلة أنها ليست كلها سواء٢، فقد يجوز في استعمال أحدها مع مذ أو منذ لا يجوز في الآخر. فالمسألة إذًا راجعة لمعنى الفعل الخاص عند استعماله مع مذ أو منذ، في الإثبات
_________________
(١) ١ هذا وما حمل عليه مما ينفرد به الباحث مفتقر لتأييد. ٢ في كلام الباحث ما يحتاج إلى التمحيص.
[ ٢ / ٥٥١ ]
أو النفي، وما قد يلابسه من تطاول أو تكرر أو عدمهما.
ج- ما اشترط في مجرور مذ ومنذ وفي عاملهما، يشترط في حالة رفع ما بعدهما.
د- لا تدخل "من" على مذ أو منذ، ولا يصح العكس أيضًا.
وقد وقعت "إلى" بعدهما، حيث لا مانع من وقوعها١، فقد جاء في اللسان: "قال سيبويه: أما "مذ" فيكون ابتداء غاية الأيام والأحيان، كما كانت "من" فيما ذكرت لك، ولا تدخل واحدة منهما على صاحبتها، وذلك قولك: ما لقيته مذ يوم الجمعة إلى اليوم، ومذ عدوة إلى الساعة، وما لقيته مذ اليوم إلى ساعتك هذه، فجعلت اليوم أول غايتك، وأجريت في بابها كما جرت "من" حيث قلت: من مكان كذا إلى مكان كذا، وتقول: ما رأيته مذ يومين، فجعلته ٢غاية، كما قلت أخذته من ذلك المكان، فجعلته٢ غاية: ولم ترد منتهى، هذا كله كلام سيبويه". ا. هـ، عبارة اللسان.
فقد وضع سيبويه "إلى" بعد "مذ"، ولم أر ذلك في أمثلة غيره من النحويين فيما بين يدي من المراجع، أما في كلام البلغاء فكثير، ففي كتاب "الأوراق" للصولي، في أخبار الراضي بالله: وكان "الراضي" يقول: أنا مذ٣ حبسني القاهر عليل إلى وقتي هذا. ا. هـ، وفي البخلاء للجاحظ: أعلم أني منذ يوم ولدتها إلى أن زوجتها. . . ا. هـ، إلى غير ذلك.
وقول سيبويه: "ما رأيته مذ يوم الجمعة إلى اليوم" مذ فيه بمعنى "من"، وقوله: "ما لقيته مذ اليوم إلى ساعتك هذه"، مذ فيه بمعنى "من" الابتدائية أيضًا؛ لأن عدم اللقاء وقع في الماضي واتصل بالحال، كما يجوز أن تقول، فيما أرى:
_________________
(١) ١ احترازًا من نحو: ما عملت كذا مذ أو منذ لحظتنا، فإنه لا يجوز أن تقع "إلى" هنا بعدها، كما هو ظاهر. ٢ انظر المراد من الغاية في ص ٥٥٣، وأنه ابتداء الغاية. . . ٣ يلاحظ أن "مذ" في هذا المثال الذي أورده الباحث، ليست حرف جر، أي: ليست مما نحن فيه، ولم يوضح الباحث المراد الدقيق من "الغاية"، وقد سبق أن عرضنا لمعناها وأنه يختلف كما في رقم١ من هامش ص٤٦٠، وفي رقم٢ من هامش ص ٤٦٨. . . و. . .
[ ٢ / ٥٥٢ ]
ما حدث كذا من اليوم إلى هذه الساعة١.
وقوله: "وتقول: ما رأيته مذ يومين. . . إلخ"، يريد قوله: "فجعلته غاية"، أي جعلت معنى: "مذ يومين" ابتداء الغاية لانقطاع الرؤية، وقوله: "ولم ترد منتهى"، يريد أنك أردت ابتداء الغاية وحدها، ولم تتعرض للمنتهي، ولكنا رأينا فيما سقناه آنفًا لمعنى هذا المثال أنه يتضمن ابتداء الغاية ومنتهاها.
وقوله: "ومذ غدوة إلى الساعة"، "مذ" فيه بمعنى "من"، فيجب أن يكون ما بعدها معرفة، فيتعين أن تكون "غدوة" هنا من يوم بعينه، ولإيضاح المقام تورد ما جاء في اللسان قال:
الغدوة: بالضم البكرة، ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، وغدوة من يوم بعينه غير مجراه٢، علم للوقت. . . وفي التهذيب: وغدوة معرفة لا تصرف. قال النحويون: إنها لا تنون، ولا يدخل فيها الألف واللام. . . ويقال: أتيته غدوة، غير مصروفة؛ لأنها معرفة؛ مثل: سحر، إلا أنها من الظروف المتمكنة. تقول: سير على فرسك غدوة وغدوة وغدوة وغدوة، فما نون من هذه فهو نكرة، وما لم ينون فهو معرفة، والجمع غدًا٣. ا. هـ. ونحوه في الصحاح.
وإذا رجعنا إلى عبارة اللسان هذه نجده يقول: " لأنها "أي: غدوة" معرفة، مثل سحر، إلا أنها من الظروف المتمكنة"٤
_________________
(١) ١ سبق أن "مذ ومنذ" يقعان حرفين بمعنى "في" إن كان المجرور "معرفة" حاضرًا، وقد مثل النحاة بنحو: ما رأيته مذ أو منذ يومنا، أو اليوم، فقد يتوهم من مثال سيبويه هذا أن "منذ" فيه بمعنى: "في"؛ لأن "أل" فيه تفيد الحضور. ولكن سيبويه لما أتى "بإلى" بعد "مذ" صار المعنى عليه: انقطع لقائي له من ابتداء هذا اليوم، واستمر هذا الانقطاع إلى وقت المتكلم، فالمضي في المثال واقع أما إذا قلتك ما لقيته مذ اليوم، أو يومنا، أو هذا اليوم، مثلًا، ولم تزد، فقد اعتبرت اليوم بأجمعه وقتًا حاضرًا، فتكون "مذ" بمعنى "في"، هذا ما ظهر لي. ا. هـ، تعليق الباحث. ٢ يعني أنها ممنوعة من الصرف، وهو تعبير قديم للنحويين، ولهذا الكلام صلة وثيقة بما قيل عنها في ص٢٦٠. ٣ قال في اللسان، والغداة كالغدوة، وجمعها غدوات. . . ويقال: آتيك غداة غد، والجمع الغدوات، مثل قطاة وقطوات. ا. هـ. ٤ راجع ما يتصل بالكلام على: "سحر" في ص٢٦٢.
[ ٢ / ٥٥٣ ]
فيلخص مما مر من الكلام على "غدوة وسحر" أنهما يجتمعان في الامتناع من الصرف، إذ أريدا من يوم بعينه، فأما "سحر"؛ فلأنه معدول عن الألف واللام. وأما غدوة فللعلمية والتأنيث، كما يجتمعان في أنهما كليهما من الظروف المتصرفة إذا لم يرادا من يوم بعينه.
ويفترقان في أن "سحر غير متصرف إذا أريد من يوم بعينه، فلا يرفع على الابتداء أو الخبر مثلًا، كأن تقول: سحر جميل، أو هذا سحر ولكنك تقول مثلًا: بين أسحار الأسبوع الماضي سحر جميل، بخلاف: غدوة، فإنها متصرفة، ولو أريدت من يوم بعينه، فتقول مثلًا: غدوة جميلة، كما تقول: كان بين غدا هذا الأسبوع غدوة جميلة.
وقال الأشموني: "الظرف المتصرف منه منصرف نحو. . . ومنه غير منصرف، وهو غدوة وبكرة، علمين لهذين الوقتين"، فقال الصبان: "قوله علمين لهذين الوقتين"، أي: علمين جنسيين، بمعنى أن الواضع وضعهما علمين جنسيين لهذين الوقتين، أعم من أن يكونا من يوم بعينه أولًا. ا. هـ.
وإنما أطلنا القول في "غدوة" و"سحر"، وأكثرنا من الأمثلة فيهما، لما يغشاهما من الإجمال والإبهام في كلام اللغويين والنحويين، حتى إن العلامة الصبان على جلال قدره أشكل عليه الأمر في "سحر"، وإليك البيان.
فقد قال الأشموني: والظرف غير المتصرف، منه منصرف وغير منصرف. فالمنصرف نحو: سحر، وليل، و. . . غير مقصود، بها كلها التعيين. ا. هـ.
فقال الصبان: فيه أن سحرًا. . . متصرفة، ومن خروج سحر عن الظرفية وشبهها قوله تعالى: ﴿نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾، فكيف جعلها من غير المتصرف. ا. هـ.
وقد مر بك رد العلامة الخضري عليه، "فراجعه في رقم٢ من هامش ص٥٤٨".
هـ- قد تقدم١ أنهم جوزوا أن يقال مثلًا: ما قابلته مذ أو منذ دهر، أو شهر، على أن يكون مذ أو منذ بمعنى من وإلى معًا؛ لأن الدهر والشهر في حكم المعدود.
_________________
(١) ١ في ص ٥٤٧.
[ ٢ / ٥٥٤ ]
فيظهر على هذا أنه يجوز أن يقال أيضًا: ما قابلته مذ أو منذ زمن؛ لأن الدهر من معانيه الزمن، فقد جاء في المصباح: الدهر يطلق على الأبد، وقيل: هو الزمان قل أو كثر، وقال الأزهري: والدهر عند العرب يطلق على الزمان، وعلى الفصل من فصول السنة، وأقل من ذلك. ا. هـ.
ولكن بعض العلماء يعدون "الزمن" أو"الزمان" من المبهم، فقد جاء في حاشية العلامة الخضري على ابن عقيل ما يأتي؛ وشرط الزمان المجرور بهما كونه متعينًا لا مبهمًا، كمنذ زمن. ا. هـ، ولكن جاء في الأشموني أن "بعضهم يقول: مذ ١ زمن طويل"، فلعله يعتبر الوصف نوعًا من التعيين.
وكما يقال: مذ أو منذ دهر، يقال أيضًا: مذ أو منذ أدهر، أو دهور٢، ومذ أو منذ أزمن، أو أزمان، أو أزمنة قال: "وربع عفت آياته منذ أزمان"٣.
وكذا يقال: مذ أو منذ حقب، أو حقوب، أو حقب، أو حقب٤ أو حقاب، أو أحقاب إلى غير ذلك من كل متعدد لفظًا، أو ما هو في حكم المتعدد.
وليت شعري هل قال العرب مثلا: مذ أو منذ دهرين، أو زمنين، أو حقبين كما جمعوا، فقالوا: أحقاب وأزمان، مثلًا؟ الظاهر أنهم لم يقولون ذلك، اكتفاء بالجمع عند المبالغة، على أن تثنيته لا مانع منها صناعة.
ويظهر أن ابن هشام لا يشترط التعريف في مجرور "مذ" و"منذ"، إذا كانا بمعنى "من"، فيقول في التوضيح: "ومعنى مذ ومنذ ابتداء الغاية، إن كان الزمان ماضيًا، كقوله: "أقوين مذ حجج ومذ ذهر"، وقوله:
"وربع عفت آياته منذ أزمان"، فأقره شارحه الشيخ خالد بن عبد الله الأزهري، فقال بعد "أقوين إلخ": من حجج، وقال بعد: "وربع إلخ": أي: من أزمان".
_________________
(١) ١ بضم "مذ" في بعض اللغات، وإن لم يقع ساكن بعدها. ٢ قال في اللسان: وجمع الدهر أدهر، ودهور. ٣ قال الصبان: وقوله: "منذ أزمان"، قال قاسم: لعل هذا من العدد فيكون بمعنى "من" و"إلى" معًا. ا. هـ. ٤ قال في اللسان: والحقب الدهر، والأحقاب الدهور، وقوله تعالى: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾: معناه سنة، وقيل: معناه سنين. ا. هـ.
[ ٢ / ٥٥٥ ]
وقد رأيت فيما ذكرناه آنفًا أن مذ ومنذ، إذا كان بمعنى "من"، كان مجرورهما معرفة، فقد قال ابن عقيل: "وإن وقع ما بعدهما مجرورًا فهما حرفًا جر بمعنى "من"، إن كان المجرور ماضيًا"، فقال العلامة الخضري: "قوله بمعنى من"، أي: البيانية١ هذا إذا كان المجرور معرفة كمثاله، فإن كان نكرة فهما بمعنى "من" و"إلى" معًا، ولا تكون النكرة إلا معدودة لفظًا، كمذ يومين، أو معنى، كمذ شهر، لما مر من أنهما لا يجران المبهم. ا. هـ، ونحو ذلك في الأشموني، قال:. . . ثم إن كان ذلك "في مضي فكمن هما" في المعنى، نحو: ما رأيته مذ يوم الجمعة. ا. هـ.
ويتضح من ذلك أن في الموضوع مذهبين: أحدهما يشترط تعريف مجرور مذ ومنذ إذا كان بمعنى "من"، مع مضي الزمن، والثاني لا يشترط غير مضي الزمن ٢.
ز قال العلامة الشيخ ياسين بن زين الدين العليمي الحمصي في حاشيته على شرح التوضيح، عند قول المتن: "أحدهما أن يدخلا على اسم مرفوع، نحو: ما رأيته مذ يومان"، ما يأتي:
"قوله: مذ يومان"، قال الزرقاني: قال الرضي: قال الأخفش: لا تقول: ما رأيته مذ يومان وقد رأيته أمس ويجوز أن يقال: ما رأيته مذ يومان، وقد رأيته أول من أمس أما إذا كان وقت التكلم آخر اليوم فلا شك فيه؛ لأنه يكون قد تكمل لانتفاء الرؤية يومان. . . قال: ويجوز أن يقال في يوم الاثنين مثلًا: ما رأيته منذ يومان: وقد رأيته يوم الجمعة ولا تعتد بيوم الإخبار ولا يوم الانقطاع، قال: ويجوز أن تقول: ما رأيته منذ يومان، وأنت لم تره منذ عشرة أيام، قال: لأنك تكون قد أخبرت عن بعض ما مضى أقول وعلى ما بينا، وهو أن منذ لا بد فيه من معنى الابتداء في جميع مواقعه، لا يجوز ذلك٣".
_________________
(١) ١ قال العلامة الصبان عند قول ابن مالك: "وإن يجرا في مضي فكمن" ما يأتي: "قوله: فكمن"، أي: الابتدائية. ا. هـ، وهو أولى وأظهر من تسمية الخضري إياها بالبيانية. ٢ اللهم إلا إذا كان ابن هشام يريد النص على ابتداء الغاية عند مضي الزمن، فسكت عن "إلى"، فلا منافاة على هذا بين قوله هذا وقول سائر النحاة. ٣ يظهر أن اسم الإشارة راجع إلى ما مثل به، ابتداء من قوله: "ويجوز أن تقول في يوم الاثنين مثلًا. . ." إلى قوله: "ما مضي"، وذلك؛ لأن عدم الاعتداد بيوم الانقطاع، ينافي معنى الابتداء الذي يفيده مذ ومنذ، وكذا يقال في المثال الثاني.
[ ٢ / ٥٥٦ ]
وقال: "إنهم يقولون: منذ اليوم ولا يقولون: منذ الشهر؛ ولا: منذ السنة. ويقولون: منذ العام، قال: وهو على غير القياس قال: ولا يقال: منذ يوم، استغناء بقولهم: منذ أمس، ولا يقولون: منذ الساعة، لقصرها فإن كان جميع ما قاله مستندًا إلى السماع فبها ونعمت، وإلا فالقياس جواز الجميع، والقصر ليس بمانع؛ لأنه جوز: "منذ أقل من ساعة". ا. هـ. المراد من كلام الشيخ ياسين.
أقول: قد أسلفنا القول في امتناع أن يقال مثلًا: ما رأيته مذ أو منذ يوم، لا لتلك العلة التي نقلها ياسين عن الأخفش، بل؛ لأن منذ ومذ لا يجران إلا النكرة المعدودة، أو التي في حكم المعدودة، إذا كانا بمعنى من وإلى معًا.
وقوله: "ولا يقولون: منذ الساعة، لقصرها"، هذا هو أحد معانيها، وهو الوقت القليل، فقد جاء في اللسان: والساعة الوقت الحاضر. . . والساعة في الأصل تطلق بمعنيين: أحدهما أن تكون عبارة عن جزء من أربعة وعشرين جزءًا، هي مجموع اليوم والليلة، والثاني أن تكون عبارة عن جزء قليل من النهار أو الليل. يقال: جلست عندك ساعة من النهار، أي وقتًا قليلًا منه. ا. هـ.
فإذا قلت مثلًا، على القول بالجواز: طال العصفور مذ أو منذ الساعة، فمعنى مذ أو منذ هنا: "في"، أي: طار في هذا الوقت الحاضر، وهذا واضح، كما قال ياسين، والقصر ليس بمانع.
وأما ما قاله ياسين من أنه جوز أن يقال: منذ أقل ساعة، فمعناه: منذ وقت أقل من ساعة، فنذ فيه بمعنى "من" "على رأي ابن هشام ومن تابعه، كما قررنا في "و"، فتقول مثلًا: حضر فلان مذ أو منذ أقل من ساعة، أي: من زمن وجيز.
بقي المعنى الثاني للساعة، وهي أنها جزء من أربعة وعشرين جزءًا هي مجموع اليوم والليلة، فهذه الساعة محدودة؛ لأنها مقسمة أيضًا أقسامًا متساوية؛ هي الدقائق الفلكية، والقصر الذي هو علة المنع فيما قال الأخفش، منتف فيها
[ ٢ / ٥٥٧ ]
فتقول مثلًا: ما كتبت مذ أو منذ الساعة، أي: في هذا الوقت المقدر بستين دقيقة، كما تقول مثلًا: كتبت مذ أو منذ الساعة، وفي الإثبات؛ لأن الفعل متطاول هذا ما نستظهره.
ح- وهناك موضوع له شبه واتصال بما قررنا في الفقرة السابقة، ذلك أن ما قلنا آنفًا: إن "يومًا" من المبهم؛ فلا يجوز: مذ أو منذ يوم، فهذا ما مثل به النحاة، ففي الصبان عند قول الأشموني: "فإن كان المجرور بها نكرة. . . إلخ ما يأتي: "قوله نكرة"، أي معدودة، إذ لا يجوز: منذ يوم". ا. هـ، والظاهر أن النحاة لم يدخلوا "اليوم" في باب ما هو في حكم المعدود، وألحقوه بالمبهم، لاختلاف اللغويين في معناه، فمنها أنه من طلوع الشمس إلى غروبها، ومنها أنه مطلق الزمان، إلى غير ذلك.
وأما المعنى الآخر الذي نقلناه عن اللسان فيما تقدم، فقد حدث في الحضارة الإسلامية، وهو في حكم المعدود، ذلك أن تقول مثلًا: ما كلمته مذ أو منذ يوم، كما لك أن تقول: مذ أو منذ ليلة، لهذا الاعتبار، كما قالوا: مذ أو منذ شهر، أو سنة.
وكذلك يقال في الساعة والدقيقة الفلكيتين، فنقول مثلًا: قرأ القارئ مذ أو منذ ساعة، ما قرأ منذ أو مذ ساعة، وكلمني صديقي مذ أو منذ دقيقة، قياسًا سائغًا لا غبار عليه.
وقد خطر لي وأنا أكتب هذان لفظ: هنيهة أو هنية، ففي المصباح: الهن خفيف النون كناية عن كل اسم جنس، والأنثى: هنة؛ ولامها محذوفة، ففي لغة هي هاء؛ فيصغر على: هنيهة، ومنه يقال: سكت هنيهة أي: ساعة لطيفة، وفي لغة هي: واو، فيصغر في المؤنث على: هنية، وجمعها "أي: هنة" هنوات، وربما جمعت على هنات، على لفظها، مثل: عدات وفي المذكر: هني. ا. هـ.
وإنما تعرضت لهذه الكلمة، لكثرة دورانها على الألسن والأقلام في مختلف شؤون الحياة، فهي ليست من المعدود لفظًا أو حكمًا، ولا يمكن ضبطها بقياس.
[ ٢ / ٥٥٨ ]
ومثل هنيهة أو هنية: "لحظة"، للزمان اليسير، ففي الأساس: وفعل ذلك في لحظة. ا. هـ، وفي شرح القاموس: ومما يستدرك عليه: اللحظة المرة من اللحظ ويقولون: جلست عنده لحظة، أي: كلحظة العين١، ويصغرونه لحيظة، والجمع لحظات. ا. هـ.
وهذه الكلمة أيضًا شائعة جدًا، وحكمها حكم الهنيهة أو الهنية، لما قررنا من انبهامها، وأنها ليست من المعدود ولا ما هو في حكمه، وهل ثنوا هنيهة أو هنية "للوقت اليسير"، ولحظة، فقالوا مثلًا: جلس هنيهتين أو هنيتين؟ لعلهم لم يفعلوا؛ لأنه لا معنى لقولك مثلا: جلست وقتين لطيفين٢.
ولو أنهم فعلوا لجاز؛ نحو قولك: جلست مذ أو منذ لحظتين أو هنيهتين، كما تقرر آنفًا.
وهل جمعوا هنيهة أو هنية "للوقت اليسير"، فقالوا مثلًا: جلس هنيهات، أو هنيات؟ الغالب أنهم لم يفعلوا، على ما وصل إليه اطلاعي، ولو أنهم فعلوا لجاز أن تقول مثلًا: جلست أو ما جلست عنده مذ أو منذ هنيهات.
أما اللحظة فلعلهم لم يثنوها، والغالب أنهم جمعوها.
على أن تثنية كل أولئك وجمعه جائز صناعة فلا كلام في هذا٣.
ط- وقد كنت أرجع في أثناء كتابة هذه العجالة إلى شرح الإمام موفق الدين أبي البقاء يعيش بن علي بن يعيش النحوي المتوفى سنة٦٤٣ هـ، لمفصل الزمخشري، ورجعت أيضًا إلى شرح كتاب سيبويه للإمام أبي سعيد الحسن
_________________
(١) ١ أي: فهو من باب نيابة المصدر عن الزمن، جلست عنده مقدار لحظة عين. ٢ إلا إذا قلت مثلًا: جلست هنيهتين، عند محمد هنيهة، وعند علي هنيهة وكذا يقال في الجمع، وفي لحظة إذا استعملنا مثناها وجمعها هذا الاستعمال. ٣ هناك أسماء أخرى كثيرة مبهمة تدل على الزمان بذاتها، أو بالنيابة عن المصدر: فحكمها ما قررنا. ومن ذلك وهو شائع وقت، وبرهة، وعهد، فيغلط الناس ويقولون: مذ أو منذ برهة، أو عهد أو وقت، اللهم إلا إذا قالوا: مذ أو منذ عهد طويل، أو برهة طويلًا مثلًا، فقد يجوز أن يلحق ذلك بما هو في حكم المعدود، "راجع تعليقنا على كلام الأشموني في ص٥٥٥ آخر "هـ"، وليس لي في ذلك جزم، فليحرر.
[ ٢ / ٥٥٩ ]
ابن عبد الله بن المرزبان السيرافي المتوفى سنة ٣٦٨هـ، فوجدت فيهما تعليقات طريقة تتصل بموضوع هذا البحث، آثرت أن أتحف القارئ بنتف منهما، ليرى كيف كان يكتب هذا الإمامان، ولتكمل بها الفائدة.
قال الإمام ابن يعيش:
١- وأما الفرق بينهما "أي: "مذ ومنذ" الحرفيتين والاسميتين" من جهة المعنى، فإن "مذ" إذا كانت حرفًا دلت على أن المعنى الكائن فيما دخلت عليه، لا فيها نفسها، نحو قولك: زيد عندنا مذ شهر؛ على اعتقاد أنها حرف، وخفض ما بعدها، فالشهر هو الذي حصل فيه الاستقرار في ذلك المكان، بدلالة مذ على ذلك.
وأما إذا كانت اسمًا ورفعت ما بعدها، دلت على المعنى الكائن في نفسها، نحو قولك: ما رأيته مذ يوم الجمعة، فالرؤية متضمنة "مذ" وهو الوقت الذي حصلت فيه الرؤية، وهو يوم الجمعة، كأنك قلت: الوقت الذي حصلت١ فيه الرؤية يوم الجمعة. ا. هـ.
وقال:
٢- والصواب ما ذهب إليه البصريون من أن ارتفاعه بأنه خبر والمبتدأ منذ ومذ، فإذا قلت: ما رأيته منذ يومان، كأنك قلت: ما رأيته مذ ذلك يومان. فهما جملتان، على ما تقدم، وإنما قلنا: إن "مذ" في موضع مرفوع بالابتداء؛ لأنه مقدر بالأمد، والأمد لو ظهر لم يكن إلا مرفوعًا بالابتداء، فكذلك ما كان في معناه". ا. هـ.
وقال:
٣- وله "أي: مذ أو منذ" في الرفع معنيان: تعريف ابتداء المدة، من غير تعرض إلى الانتهاء، والآخر تعريف المدة كلها.
_________________
(١) ١ هذا نقل الباحث، فهل حصلت الرؤية؟
[ ٢ / ٥٦٠ ]
فإذا وقع الاسم بعدهما معرفة، نحو قولك: ما رأيته مذ يوم الجمعة. . .، ونحوه، وكان المقصود به ابتداء غاية الزمان الذي انقطعت فيه الرؤية وتعريفه. والانتهاء مسكوت عنه، كأنك قلت: وإلى الآن، ويكون في تقدير جواب "متى".
وإذا وقع بعده نكرة، نحو: ما رأيته منذ يومان، ونحو ذلك، كان المراد منه انتظام المدة كلها، من أولها إلى آخرها، وانقطاع الرؤية فيها كلها.
فإن خفضت ما بعدهما، معرفة كان أو نكرة، كان المراد الزمان الحاضر، ولم تكن الرؤية قد وقعت في شيء منه. ا. هـ.
ويظهر أن أبا البقاء أراد بالمعرفة في قوله: "فإن خفضت ما بعدها. . . إلخ" نحو يومنا أو اليوم، في قولك مثلًا: ما رأيته مذ أو منذ يومنا، أو اليوم.
ولم يرد نحو قولك: ما رأيته مذ أو منذ يوم الأربعاء١، أي: من يوم الأربعاء، كما تقدم، وذلك؛ لأن أبا البقاء يرفع "يوم" فيه وجوبًا، بدليل قوله آنفًا في فقرة ٣: "فإذا وقع الاسم بعدها معرفة، نحو قولك: ما رأيته مذ يوم الجمعة. . . إلخ".
أما الدلالة على الزمن الحاضر في حال جر مذ ومنذ للنكرة، فقد سلف لك أنك إذا قلت مثلًا: ما كلمته مذ أو منذ شهرين "مما هو معدود"، أو شهر "مما هو في حكم المعدود"، كان المعنى أن الحدث انتفى من ابتداء هذه المدة إلى انتهائها، فأنت إذا تقول مثلًا: ما كلمته مذ أو منذ شهر، تتكلم في نهاية الشهر، أي: ما وقع الكلام في هذا الشهر الحاضر، من أوله إلى آخره.
هذا شرح الفقرة الأخيرة من كلام أبي البقاء، كما قدرت أن أوجهها.
وقال الإمام السيرافي:
١- اعلم أن منذ ومذ جميعًا في معنى واحد، وهما يكونان اسمين وحرفين، غير أن الغالب على منذ أن تكون حرفًا، وعلى مذ أن تكون اسمًا. ا. هـ.
_________________
(١) ١ قد سبق أن نحو هذا المثال يجوز فيما بعد مذ أو منذ فيه الرفع أو الجر.
[ ٢ / ٥٦١ ]
٢-. . . تقول: ما رأيته منذ يوم الجمعة، وما رأيته منذ اليوم، وإذا قلت: ما رأيته منذ يوم الجمعة: كان معناه: انقطعت رؤيتي له من يوم الجمعة، فكان يوم الجمعة لإبداء غاية انقطاع الرؤية، فمحل ذلك من الزمان كمحل "من" في المكان، إذا قلت: ما سرت من بغداد، أي: ما ابتدأت السير من هذا المكان. فكذلك: ما وقعت رؤيتي عليه من هذا الزمان. ا. هـ.
٣-. . . وتقول: ما رأيته مذ يوم الجمعة، وما رأيته مذ السبت. . . فإن قال قائل: فما حكم "مذ" في هذا الوجه، وتقديرها؟ قيل له: حكمها أن تكون اسمًا، وتقديرها أن تكون مبتدأة، ويكون ما بعدها خبرها، كأنك قلت: ما رأيته، مدة ذلك يوم السبت، فيكون على كلامين. . . وذلك أنك إذا قلت: ما رأيته مذ يوم الجمعة، فإنما معناه: انقطاع رؤيتي له ابتداؤه يوم الجمعة، وانتهاؤه الساعة، فتضمنت "من" معنى الابتداء والانتهاء.
وإذا قلت ما رأيته مذ اليوم، فليس فيه إلا معنى ابتداء الغاية وانقطاعها، وهو "في" معنى، وانخفض ما بعدها. ا. هـ.
٤-. . . وذلك أنك إذا قلت: لم أره مذ يومان، أو مذ شهران، أو نحو ذلك: مما يكون جوابًا لكم، فتقديره: لم أره وقتًا ما، ثم فسرت ذلك فقلت: أمد ذلك شهران، أو مدة ذلك شهران، فقولك مذ شهران جملة ثانية هي تفسير للوقت المبهم في الجملة الأولى، فهذا أحد تقديري مذ إذا رفعت ما بعدها.
والتقدير الآخر أن تقول: ما رأيته مذ يوم الجمعة فيكون تقديره: فقدت رؤيته وقتًا ما، أوله يوم الجمعة فمذ في هذين الوجهين بمنزلة اسم مضاف: إما على تقدير: أمد ذلك، أو أول ذلك. ا. هـ.
[ ٢ / ٥٦٢ ]
٥- تكميل:
وفي المخصص: قال سيبويه: سألت الخليل ﵀ عن قولهم؛ مذ عام أول١، ومذ عام أول، فقال: أول: ههنا صفة، وهو أول من عامك، ولكن ألزموه ههنا الحذف استخفافًا، فجعلوا هذا الحرف بمنزلة "أفضل منك" قال: وسألته ﵀ عن قول العرب، وهو قليل: مذ عام أول، فقال: جعلوه ظرفًا في هذا الموضع، وكأنه قال: مذ عام قبل عامك. ا. هـ.
قال الباحث:
إلى هنا وقف القلم، وفي النفس شوق إلى المزيد، وتطلع إلى الاستيفاء، ولعلي أكون قد وفقت إلى ما أردت من توضيح وتسهيل، والله تعالى المستعان.
_________________
(١) ١ انظر ما يتصل بكلمة: "أول" في ص ٢٨٦، وكذا في جـ ٣ م ٩٥ ص ١٣٠ حيث الإيضاح المفيد.
[ ٢ / ٥٦٣ ]
بحث التضمين ١:
أقوال العلماء في التضمين:
قال أبو البقاء في كتابه "الكليات": التضمين: هو إشراب معنى فعل ففعل، ليعامل معاملته، وبعبارة أخرى: هو أن يحمل اللفظ معنى غير الذي يستحقه بغير آلة ظاهرة.
ثم قال: قال بعضهم: التضمين هو أن يستعمل اللفظ في معناه الأصلي، وهو المقصود أصالة، لكن قصد تبعية معنى آخر يناسبه من غير أن يستعمل فيه ذلك اللفظ، أو يقدر له لفظ آخر، فلا يكون التضمين من باب الكناية، ولا من باب الإضمار، بل من قبيل الحقيقة التي "فيها" قصد بمعناه الحقيقي معنى آخر يناسبه ويتبعه في الإرادة.
وقال بعضهم: التضمين إيقاع لفظ موقع غيره لتضمنه لمعناه، وهو نوع من المجاز، ولا اختصاص للتضمين بالفعل، بل يجري في الاسم أيضًا، قال التفتازاني في تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾: لا يجوز تعلقه بلفظه: الله، لكونه اسمًا لا صفة، بل هو متعلق بالمعنى الوصفي الذي
_________________
(١) ١ هذا هو البحث الثاني الذي سبق أن وعدنا في رقم١ من هامش ص١٧٠ بتسجيله هنا، لعظيم أثره عند المتخصصين، وليكون صورة مرشدة من مسالك البحث العقلي الدقيق أمام كبار الطلاب، بالرغم من تشعبه الخيالي بغير سداد، وكثرة الخلاف الجامح فيه والوهم، كثرة معيبة تكشف عن نوع عنيف مرهق من البحوث الجدلية القديمة المقيمة، وقد نقلناه كاملًا من محاضر جلسات المجمع اللغوي القاهري في دور انعقاده الأول "ص٢٠٩، وما بعدها" حيث سجلته تلك المحاضر، بقلم عضو جليل من أعضاء المجمع، هو الأستاذ حسين والي، رحمة الله عليه، وقد ألقاه على الأعضاء قبل تسجيله، ونقلناه معه بعض مناقشات قصيرة دارت بشأنه بين الأعضاء عرضه على المجمع اللغوي؛ لأهمية ذلك كله، وأردفناه ببحث لعضو مجمعي آخر، ألقاه في الجلسة نفسها ثم ختمنا برأي لنا خاص موجز، في هامش الصفحة الأخيرة: ص٥٩٤ يتضمن التعليق على البحثين. ويلاحظ ما سبقت الإشارة إليه "في رقم١ من هامش ص ١٧٠ باختصار في باب: "تعدي الفعل، ولزومه"، وهو أن "الصبان" عرض للتضمين جـ٢ كما عرض له "ياسين" في الجزء الثاني من حاشيته على التصريحِ، باب: "حروف الجر" عرضًا محمودًا، في نحو: أربع صفحات.
[ ٢ / ٥٦٤ ]
ضمنه اسم الله، كما في قولك، هو حاتم من طيئ، على تضمين معنى: الجواد.
وجريانه في الحرف ظاهر في قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾، فإن "ما" تتضمن معنى "إن" الشرطية، ولذلك جزم الفعل.
وكل من المعنيين مقصود لذاته في التضمين، إلا أن القصد إلى أحدهما وهو المذكور بذكر متعلقه يكون تبعا للآخر وهو المذكور بلفظه، وهذه التبعية في الإرادة من الكلام، فلا ينافي كونه مقصودًا لذاته في المقام، وبه يفارق التضمين الجمع بين الحقيقة والمجاز، فإن كلا من المعنيين في صورة الجمع مراد من الكلام لذاته، مقصود في المقام أصالة، ولذلك اختلف في صحته مع الاتفاق في صحة التضمين.
والتضمين سماعي لا قياسي١ وإنما يذهب إليه عند الضرورة، أما إذا أمكن إجراء اللفظ على مدلوله فإنه يكون أولى، وكذا الحذف والإيصال، لكنهما لشيوعهما صار كالقياس، حتى كثير للعلماء التصرف والقول بهما فيما لا سماع فيه، ونظيره ما ذكره الفقهاء من أن ما ثبت على خلاف القياس إذا ما كان مشهورًا يكون كالثابت بالقياس في جواز القياس عليه.
وجاز تضمين اللازم المتعدي مثل: سفة نفسه"، فإنه متضمن لأهلك:
وفائدة التضمين هي أن تؤدي كلمة مؤدي كلمتين، فالكلمتان مقصودتان معًا قصدًا وتبعًا، فتارة يجعل المذكور أصلًا والمحذوف حالًا، كما قيل في قوله تعالى: ﴿َلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ كأنه قيل: ولتكبروا الله حامدين على ما هداكم، وتارة بالعكس، كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾، أي: يعترفون به مؤمنين.
ومن تضمين لفظ معنى آخر قوله تعالى: ﴿وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾، أي: لا تفتهم عيناك مجاوزتين إلى غيرهم، ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾، أي:
_________________
(١) ١ هذا رأي من عدة آراء متعارضة يجيء تفصيلها، واستخلاص حكم نهائي بعدها.
[ ٢ / ٥٦٥ ]
لا تضموها آكلين، ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾، أي: من ينضاف في نصرتي إلى الله، ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾، أي: أدعوك وأرشدك إلى أن تزكى: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوه﴾، أي: فلن تحرموه، فعدي إلى اثنين، ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾، أي: لا تنووه، فعدي بنفسه لا بعلي، ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَأِ الْأَعْلَى﴾، أي: لا يصغون، فعدى بإلي، وأصله يتعدى بنفسه، ونحو: "سمع الله لمن حمده"، أي: استجاب، فعدي باللام، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾، أي: يميز.
ومن هذا الفن في اللغة شيء كثير لا يكاد يحاط به.
ومن تضمين لفظ لفظًا آخر قوله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾ إذ الأصل: أمن؟ حذف حرف الاستفهام واستمر الاستعمال على حذفه كما في "هل"، فإن الأصل أهل١؟ فإذا أدخلت حرف الجر فقدر الهمزة قبل حرف الجر في ضميرك؛ كأنك تقول: أعلى من تنزل الشياطين؟ كقولك: أعلى زيد مررت، وهذا تضمين لفظ لفظًا آخر١.
لقد ذكر أو البقاء عن بعض العلماء أن التضمين ليس من باب الكناية، ولا من باب الإضمار، بل من باب الحقيقة، إذا قصد بمعناه الحقيقي معنى آخر يناسبه ويتبعه في الإرادة.
ويؤخذ من هذا أنه لا بد من المناسبة، وإنما يعرف المناسبة أهل العربية الذين لهم دراية بالعربية وأسرارها.
وذكر عن بعضهم أن التضمين إيقاع لفظ موقع غيره، لتضمنه معناه، وهو نوع من المجاز.
وقال: التضمين سماعي لا قياسي، وإنما يذهب إليه عند الضرورة، أما إذا أمكن إجراء اللفظ على مدلوله، فإنه يكون أولى.
وذكر أمثلة لتضمين لفظ معنى لفظ آخر، ثم قال: "ومن هذا الفن في اللغة شيء كثير لا يكاد يحاط به".
_________________
(١) ١و١ هنا غموض في العبارة التي سجلها البحث.
[ ٢ / ٥٦٦ ]
ويؤخذ من هذا التضمين قياسي.
وقال ابن هشام في المغني: قد يشربون لفظَا لفظ فيعطونه حكمه، ويسمى ذلك: "تضمينًا"، وفائدته: أن تؤدي كلمة مؤدي كلمتين، قال الزمخشري ألا ترى كيف رجع معنى: ﴿وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ إلى قولك: ولا تقتحمهم عيناك، مجاوزتين إلى غيرهم، ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾، أي: ولا تضموها آكلين لها؟
قال الدسوقي: قوله يشربون لفظًا معنى لفظ، هذا ظاهر في تغاير المعنيين، فلا يشمل نحو: "وقد أحسن بي"، أي: لطف، فإن اللطف والإحسان واحد.
فالأولى أن التضمين إلحاق مادة بأخرى لتضمنها معناها ولو في الجملة، أعني باتحاد أو تناسب، قوله: "أن تؤدي كلمة مؤدى كلمتين": ظاهر في أن الكلمة تستعمل في حقيقتها ومجازها، ألا ترى أن ألا ترى أن الفعل من قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِم﴾ ضمن معنى: يمتنعون من نسائهم بالحلف، وليس حقيقة الإيلاء إلا الحلف، فاستعماله في الامتناع من وطء المرأة إنما هو بطريق المجاز، من باب إطلاق السبب على المسبب؛ فقد أطلق فعل الإيلاء مرادًا به ذالك المعنيان جميعًا، وذلك جمع بين الحقيقة، والمجاز بلا شك، وهو، أي: الجمع المذكور إنما يتأتي على قول الأصوليين: إن قرينة المجاز لا يشترط أن تكون مانعة، أما على طريقة البيانيين من اشتراط كونها مانعة من إرادة المعنى الحقيقي، فقيل: إن التضمين حقيقة ملوحة لغيرها.
وقدر "السعد" العامل مع بقاء الفعل مستعملًا في معناه الحقيقي، فالفعل المذكور مستعمل في معناه الحقيقي، مع حذف حال مأخوذة من الفعل الآخر بمعونة القرينة اللفظية، فقولنا: أحمد إليك فلانًا، معناه: أحمده منهيًا إليك حمده. ويقلب كفيه على كذا: أي نادمًا على كذا، فمعنى الفعل المتروك وهو المضمن معتبر على أنه قيد لمعنى الفعل المذكور.
[ ٢ / ٥٦٧ ]
وزعم بعضهم أن التضمين بالمعنى الذي ذكره "السعد"، وهو جعل وصف الفعل المتروك حالًا من فاعل المذكور يسمى تضمينًا بيانيًا، وأنه مقابل للنحوي ١.
وقيل: إن التضمين من باب المجاز، ويعتبر المعنى الحقيقي قيدًا، وهذا هو الذي اعتبره الزمخشري، فعلى مذهب السعد يقال: ولا تأكلوا أموالهم ضاميها إلى أموالكم، وعلى مذهب الزمخشري نقول: ولا تضموها إليها آكلين.
وقيل: التضمين من الكناية، أي لفظ أريد به لازم معناه.
فالأقوال خمسة، وانظر ما بيان صفحة الأخير منها، تأمل. ا. هـ، تقرير الدردير.
وقال الأمير: قوله: "وفائدته إلخ" ظاهر في الجمع بين الحقيقية والمجاز، وقيل: مجاز فقط، وقيل: حقيقة ملوحة بغيرها.
وقدر "السعد" العامل، فزعم بعضهم أن تضمين بياني مقابل للنحوي.
قول ابن هشام "قد يشربون لفظًا معنى لفظ" لا يخفى أن "قد" في عرف المصنفين للتقليل كما سيأتي، وعلى ذلك يكون التضمين قليلًا، ولكنه سيذكر في آخر الموضوع عن ابن جني أنه كثير، حتى قال الدسوقي: هذا ربما يؤيد القول بأن التضمين قياسي.
وقد أشار الدسوقي إلى أن ابن هشام: "وفائدته أن تؤدي كلمة مؤدى كلمتين" ظاهر في أن الكلمة تستعمل في حقيقتها ومجازها، والجمع بين الحقيقة والمجاز إنما يتأتى على قول الأصوليين: إن قرينة المجاز لا يشترط أن تكون مانعة، أما على قول البيانيين يشترط أن تكون القرينة مانعة، فقيل: التضمين حقيقة ملوحة لغيرها، وقدر السعد العامل مع بقاء الفعل مستعملًا في معناه الحقيقي إلخ ما تقدم.
وقيل: التضمين من باب المجاز، وقيل: من باب الكناية، وسيأتي شرح المذاهب في ذلك.
_________________
(١) ١ في ص٥٨٢ وما بعدها بيان النوعين.
[ ٢ / ٥٦٨ ]
وذكر ياسين على التصريح أن التضمين سماعي كما هو المختار١.
ثم قال: واعلم أن كلام المصنف في المغني في تقريره التضمين في مواضع يقتضي أن أحد اللفظين مستعمل في معنى الآخر؛ لأنه قال في ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾، أي: فلن تحرموه، وفي: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ أي: لا تنووا. وحينئذ فمعنى قوله: "إنه إشراب لفظ معنى آخر". . .، أن اللفظ مستعمل في معنى الآخر فقط، فإن هذا هو الموافق لذلك التقرير، وإن احتمل أنه مستعمل في معناه ومعنى الآخر.
وقول ابن جني في الخصائص: "إن العرب قد تتوسع فتوقع أحد الحرفين٢ موقع الآخر، إيذانًا بأن هذا الفعل في معنى ذلك الآخر، فلذلك جيء معه بالحرف المعتاد، مع ما هو بمعناه" صريح في أنه مستعمل في معنى الآخر فقط.
وعلى هذا فالتضمين مجاز مرسل؛ لأنه استعمال اللفظ في غير معناه لعلاقة بينهما وقرينة، كما سيتضح ذلك، وهذا أحد أقوال فيه.
وقيل: إن فيه جمعًا بين الحقيقة والمجاز، لدلالة المذكور على معناه بنفسه، وعلى معنى المحذوف بالقرينة.
وهذا إنما يقول به من يرى جواز الجمع بين الحقيقة والمجاز، وهو ظاهر قول المغني "إن فائدته أن تؤدي كلمة مؤدى كلمتين"، فظاهر تعريفه مخالف لما ذكره من فائدته، فليتنبه لذلك.
وعلى هذا القول جرى سلطان العلماء العز بن عبد السلام، فقال في كتاب "مجاز القرآن":
"الفصل الثاني والأربعون في مجاز التضمين، وهو أن يضمن اسم معنى اسم لإفادة معنى اسمين، فتعديه تعديته في بضع المواضع، كقوله: "حقيق على ألا أقول على الله إلا الحق"، فيضمن: "حقيق" معنى: "حريص"، ليفيد أنه محقوق
_________________
(١) ١ ورد هذا النص في أول الجزء الثاني، باب "حروف الجر" في الفصل الذي عنوانه: ذكر معاني الحروف الجارة. ٢ المراد: اللفظين مطلقًا، وليس المراد الحرف المقابل للاسم والفعل.
[ ٢ / ٥٦٩ ]
بقول الحق، وحريص عليه، ويضمن فعل معنى فعل، فتعديه أيضًا تعديته في بعض المواضع كقول الشاعر: "قد قتل الله زيادًا عني"، ضمن: قتل، معنى: صرف، لإفادة أنه صرفه حكمًا بالقتل، دون ما عداه من الأسباب، فأفاد معنى القتل والصرف جميعًا". ا. هـ، المقصود منه.
وفيه تصريح بأن التضمين يجري في الأسماء بل صدر به.
وقول المغني " إشراب لفظ" يشملها.
فاقتصار "السعد" و"السيد" على بيانه في الأفعال، جار مجرى التمثيل لا التقييد، ودعوى أصالته في الأفعال مجردة عن الدليل.
وقيل: إن المذكور مستعمل في حقيقته، لم يشرب معنى غيره، وعليه جرى صاحب الكشاف، وعجيب للمصنف في المغني حيث نقل كلامه بعد تعريف التضمين بما مر، فأوهم أنه يرى بما يقتضيه ذلك التعريف فتفطن له، وقال السعد في تقرير كلام الكشاف، وبيان أنه لا يرى أن من التضمين مجازًا، ولا الجمع بين الحقيقة والمجاز، وإنه مع استعماله في المذكور يدل على المحذوف ما نصه:
حقيقة التضمين أن يقصد بالفعل معناه الحقيقي مع فعل آخر يناسبه، ثم قال: إن الفعل المذكور مستعمل في معناه الحقيقي مع حذف حال مأخوذة من الفعل الآخر بمعونة القرينة اللفظية، نحو: أحمد إليك فلانًا، معناه أحمده منهيًا إليك حمده.
وقد يعكس، كما يقال في: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، يعترفون به مؤمنين.
وفي قوله: "مع فعل آخر" حذف مضاف أي مع حذف فعل.
فإن قلت: المناسبة إنما هي بين الفعل المحذوف ومتعلقه المذكور لا بين الفعلين، قلت: لا بد من المناسبة بينهما، لا يقال: ضربت إليك زيدًا، أي: منهيًا إليك ضربه؛ ولا تكفي القرينة.
واعترض عليه بأن في كلامه تناقضًا؛ لأن قوله: "مع فعل آخر يناسبه" غير ملائم لقوله: "مع حذف حال"، فإن الثاني يدل على أن المحذوف اسم هو حال، لا فعل، بخلاف الأول.
[ ٢ / ٥٧٠ ]
وأجيب بأن في كلامه تغليبًا وإطلاقًا للفعل عليه وعلى الاسم، أو أراد بالفعل معناه اللغوي، وكذا في قوله: "أن يقصد بالفعل"، ولا يخفي سقوطه على هذا الكلام وبعده عن المرام.
وذلك أن الداعي للسعد على ما قاله، الفرار من الجميع بين الحقيقية والمجاز. والأصل تضمين الفعل لمثله، فالملاحظة في تضمين المذكور مثله، وأشير بالحال عند بيان المعنى إلى ذلك التضمن ولو قدر نفس الفعل، كان من الحذف المجرد، ولم يكن المحذوف في تضمن المذكور، وأيضًا في تقديره تكثير للحذف.
وبهذا يظهر أنه من قال: لا تنحصر طرق التضمين فيما قال، وأن منها العطف، نحو: ﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾، أي: الرفث والإفضاء إلى نساءكم، فقد غفل عن الباعث على هذا القول، على أنه لم يدع أحد الحضر، وقال السيد: ذهب بعضهم إلى أن اللفظ مستعمل في معناه الحقيقي فقط، والمعنى الآخر مراد بلفظ محذوف بدل عليه ما هو من متعلقاته، فتارة يجعل المذكور أصلًا في الكلام والمحذوف قيدًا فيه، على أنه حال، كما في قوله: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾، كأنه قال: "لتكبروا الله حامدين على ما هداكم" وتارة يعكس، فيجعل المحذوف أصلًا والمذكور مفعولًا، كقوله: أحمد إليك فلانًا" كأنك قلت أنهي إليك حمده، أو حالًا كما يدل عليه قوله، "يعني الكشاف"، عند الكلام على قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْب﴾، أي: يعترفون به، فإنه لا بد من تقدير الحال، أي: يعترفون به مؤمنين، إذ لو لم يقدر لكان مجازًا عن الاعتراف لا تضمينًا، وقوله: على "أنه حال"، وقوله: "والمذكور مفعولًا" بمعنى أن المذكور يدل على ذلك كما يفيده قول السعد مع حذف حال مأخوذة من الفعل الآخر.
والظاهر أن السيد يوافقه على ذلك؛ لأنه لم يشر للرد عليه، كما هو دأبه عند مخالفته.
فاندفع قول بعضهم: إن في جعله المذكور مفعولًا للمحذوف نظرًا ظاهرًا؛ لأن الفعل والجملة لا يقع واحد منهما مفعولًا لغير القول والفعل المعلق.
فالصواب كون جملة: "أحمد" حالًا من فاعل: أنهى، والمعنى أنهى حمده إليك حال كوني حامدًا له، ويرد عليه أنه إن أراد أن جملة: "أحمد"
[ ٢ / ٥٧١ ]
حال في التركيب ففاسد أوفى المعنى، فالذي وقع فيه حالًا إنما هو اسم الفاعل المحذوف بدلالة الفعل المذكور عليه، كما يشهد به قوله حال كوني حامدًا، وقد ذكر السعد أن هذا التركيب مما حذف فيه الحال، والظاهر أن السيد لم يقصد الرد عليه، وإنما أراد بيان وجه آخر، ليفيد أن ذلك أمر اعتباري لا ينحصر فيما قاله السعد.
ومن العجيب أن بعضهم بعد ذكر كلام السعد والسيد قال: إنه لا ينحصر فيما قال السيد بل له طرق أخرى منها: أن يكون مفعولًا، كما في قولهم: أحمد إليك الله، أي: أنهى حمده إليك.
ومن العجب أيضًا قوله في الجواب عن كلام البعض المتقدم، إن هذا من السبك بلا سابك كباب التسوية؛ وأنت قد عرفت أن هذا حذف كما نص عليه السعد لا سبك.
هذا، وقد اتفق هذان المحققان السعد والسيد، على أن في "أحمد إليك زيدًا" تضمينًا.
ووقع للمولى أبي السعود في أول تفسيره الفرق بين الحمد والمدح، بأن الحمد يشعر بتوجيه النعت بالجميل إلى المنعوت بخلاف المدح، وأنه يرشد إلى ذلك اختلافهما في كيفية التعلق بالمفعول في حمدته ومدحته، فإن تعلق الثاني تعلق عامة الأفعال بمفعولاتها، والأول مبني على معنى الإنهاء كما في قولك كلمته، فإنه معرب عما تفيده لام التبليغ في قولك: قلت له.
ولا يخفى أن هذا مخالف لكلام القوم، ولا يثبت بشهادة من معقول أو منقول.
فمن العجائب نقل شيخنا الدنوشري له في رسالة التضمين، وقوله: وهو كلام حسن ربما يؤخذ منه أن الإنهاء من مفهوم الحمد، فتعلق إلى به بالنظر لذلك، فلا حاجة إلى اإدعاء التضمين فيه، فليتأمل ذلك. ا. هـ.
فإن أراد بكونه حسنًا حسن تراكيبه، فلا شك في ذلك، وإن أراد حسنه من جهة المعنى فلم يظهر، فإنه وإن أطال الكلام كما يعلم بالوقوف عليه، لم يأت فيه ببيان المرام.
[ ٢ / ٥٧٢ ]
بقي هنا أمران؛ الأول: ما أشار إليه السعد والسيد من أخذ الحال من المحذوف أو المذكور، لا شك أنهما وجهان متغايران عند من له في التحقيق يدان، وإنما الكلام في أنهما: هو يستويان دائمًا أو يترجح أحدهما في بعض الأحيان؟.
والذي يقتضيه النظر وإليه يشير كلامهم، رجحان أحدهما على الآخر بحسب المقام، بل تعيينه كما لا يخفى على من له بالقواعد إلمام، فيترجح أخذها من المحذوف في: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾، وإن جرى السيد على خلافه كما مر، فقد قال صاحب الكشاف: المعنى لتكبروا الله حامدين، ولم يقل لتحمدوا الله مكبرين، قال بعضهم: لأن الحمد إنما يستحق ويطلب لما فيه من التعظيم، وكما في حديث: "أن تؤمن بالقضاء. . ."، فالمعنى: أن تؤمن معترضًا بالقضاء؛ لا أن تعترف بالقضاء مؤمنًا؛ لأن "أن" والفعل يسبك بمصدر معروف، وهو لا يقع حالًا كما قال الرضي في الكلام على أن "إن" تكسر وجوبًا إذا وقعت حالًا، وإن كان لا يخلو عن نظر؛ لعدم وجوب كون المصدر المسبوك معرفة كما يأتي، ولما يدلان عليه من اسم الفاعل حكمهما، وفي بعضها يترجح أخذها من المذكور كما إذا ضمن العلم معنى القسم، نحو: علم الله لأفعلن، فالمعنى: أقسم بالله عالمًا لأفعلن لا عكسه؛ لأن "أقسم" جملة إنشائية لا تقع حالًا إلا بتأويل، واسم الفاعل الواقع حالًا قائم مقامها فيعطى حكمها، ونحو: "فأماته الله مائة عام"؛ لأن التقدير: ألبثه الله مائة عام مماتًا، لا أماته الله مائة عام ملبثًا؛ لأنه يلزم منه ألا تكون الحال مقارنة بل مقدرة، والأصل كونها مقارنة.
وأما ما توهمه بعضهم من أنه صلة المتروك تدل على أن المقصود أصالة، فمردود بأنها إنما تدل على كونه مرادًا في الجملة؛ إذ لولاها لم يكن مرادًا أصلًا، بل إن الصلة لا يلزم أن تكون للمتروك كما دل عليه كلام البيضاوي في تفسير: ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾، فإنه فسر "انتبذت" باعتزلت، وذكر أنه متضمن معنى: أتت، و"مكانًا" ظرف أو مفعول، ولا شك أن قوله: "من أهلها"، حينئذ متعلق "بانتبذت" الذي بمعنى: اعتزلت، لا بأتت.
ومما يتفطن له أن المراد بالصلة ما له دلالة على التضمين؛ لارتباطه بالمحذوف
[ ٢ / ٥٧٣ ]
الذي في ضمن المذكور، فيشمل ما إذا ضمن اللازم معنى المتعدي، فإن التعدية حينئذ قرينة التضمين لا ذكر الصلة.
وأما إذا ضمن فعل متعد لواحد معنى متعد لاثنين وبالعكس، كتضمن العلم معنى القسم كما مر، فإن القرينة إنما هو الجواب.
الثاني: هل الخلاف في كون التضمين سماعيًا أو قياسيًا، مبني على الخلاف في أنه حقيقة أو مجاز إلى غير ذلك مما فيه من المذاهب؟ وهل ذلك في المجاز مبني على كون المجاز سماعيًا أو لا؟
والذي يخطر بالبال أنه على القول بأنه حقيقة لا تتوقف على سماع، واشتراط المناسبة بين اللفظين لا يقتضي ذلك كما لا يخفي، وأنه يلزم من كون مطلق المجاز قياسيًا قياسية هذا المجاز الخاص، خلافًا لبعضهم.
قال في التلويح: المعتبر في المجاز وجود العلاقة المعلوم اعتبار نوعها في استعمال العرب، فلا يتشرط اعتبارها بشخصها، حتى يلزم في آحاد المجاز أن ينقل بأعيانها عن أهل اللغة، وذلك لإجماعهم على اختراع الاستعارات العربية البديعة التي لم تسمع بأعيانها من أهل اللغة، وهي من طرق البلاغة وشعبها التي بها ترتفع طبقة الكلام، فلو لم يصح لما كان كذلك، ولهذا لم يدونوا المجاز تدوينهم الحقائق، وتمسك المخالف بأنه لو جاز التجوز بمجرد وجود العلاقة لجاز: "نخلة" لطويل، غير إنسان، للمشابهة، و"شبكة" للصيد، للمجاورة، و"أب"، لابن، للسببية، واللازم باطل اتفاقًا.
وأجيب بمنع الملازمة، فإن العلاقة مقتضية للصحة، والتخلف عن المقتضي ليس بقادح، لجواز أن يكون لمانع مخصوص، فإن عدم المانع ليس جزءًا من المقتضى.
وذهب المصنف ﵀ إلى أنه لم يجز نحو "نخلة" لطويل غير إنسان، لانتفاء شرط الاستعارة، وهو المشابهة في أخص الأوصاف، أي: فيما له مزيد اختصاص بالمشبه به، كالشجاعة للأسد.
فإن قيل: الطول للنخلة كذلك، قلنا: لعل الجامع ليس مجرد الطول، بل مع فروع وأغصان في أعاليها، وطراوة وتمايل فيها.
[ ٢ / ٥٧٤ ]
ولا شك أن على القول بأن التضمين مجاز، فهو لغوي علاقته تدور على المناسبة، وهي مع أنها ليست مما نصوا عليه في العلاقات أمر مشترك بين أفراده، لكن الذكي يرجعها في كل موضع إلى ما يليق به، مما هو من العلاقات المعتبرة، وبذلك يمتاز بعض الأفراد عن بعض آخر، والتخلف في بعض الأفراد إن فرض لا يضر، كما علمت.
هكذا ينبغي أن يحقق المقام، وقل من حققه مع إطالته الكلام.
فتمم الكلام على بقية الأقوال، تقدم ثلاثة.
والرابع: وهو الذي ارتضاه السيد، أن اللفظ مستعمل في معناه الأصلي، فيكون هو المقصود أصالة، لكن قصد بتبعيته معنى آخر يناسبه من غير أن يستعمل فيه ذلك اللفظ ويقدر له لفظ آخر، فلا يكون من الكناية ولا الإضمار، بل من الحقيقة التي قصد منها معنى آخر يناسبها ويتبعها في الإرادة، وحينئذ يكون واضحًا بلا تكلف.
وهذه مبني على أن اللفظ يدل على المعنى، ولا يكون حقيقة، ولا مجازًا، ولا كناية، والسيد جوزه ومثله بمستتبعات التراكيب، وذلك أن الكلام قد يستفاد من عرضه معنى ليس دالًا عليه بأحد الوجوه الثلاثة المذكورة، كما يفيد قولك: "آذيتني فستعرف" التهديد، "وإن زيدًا قائم" إنكار المخاطب.
و"السعد" وغيره جعلوا ذلك كناية.
والمراد من التبعية في قوله: "لكن قصد بتبعيته" التبعية في اللفظ، كما يصرح به قوله في حواشي المطول في بحث الاستعارة عند الكلام في قوله:
"أسد علي وفي الحروب نعامة" لا ينافي تعلق الجار به إذا لوحظ مع ذلك المعنى ما هو لازم له، ومفهوم منه؛ من الجراءة والصولة.
والفرق بين هذا الوجه والتضمين، أن في التضمين لا بد أن يكون المعنى المقصود من اللفظ تبعًا مقصودًا في المقام أصالة، وبه يفارق التضمين الكناية، وفي هذا الوجه لا يكون المعنى الملحوظ تبعًا مقصدًا في المقام أصلًا، كيف والمقام مقام التشبيه بالأسد على وجه المبالغة، وذلك يغني عن القصد إلى وصف الجراءة، والصولة مرة أخرى.
[ ٢ / ٥٧٥ ]
وبذلك يندفع قول ابن كمال باشا في رسالة التضمين: إن قيد: "يتبعه في الإرادة" يخرج المعنى الآخر عن حد الأصالة في القصد، والأمر في التضمين ليس كذلك، بل قد تكون العناية إليه أوفر، ومن العجب أنه نقل كلام حاشية المطول في تلك الرسالة.
وأما الاعتراض على ما قاله "السيد" بأنه: كيف يعمل اللفظ باعتبار معنى لا يدل عليه، فلا يرد؛ لأن اللفظ دال عليه، لكنه لم يستعمل فيه.
والخامس: أن المعنيين مرادان على طريق الكناية، فيراد المعنى الأصلي توصلا إلى المقصود، ولا حاجة إلى التقدير إلا لتصوير المعنى.
قال السيد: وفيه ضعف؛ لأن المعنى المكنى به قد لا يقصد، وفي التضمين يجب القصد إلى كل من المضمن والمضمن فيه. ا. هـ.
ولا يخفى أن "قد" علم القلة في عرف المصنفين، وجعلها المناطقة سور الجزئية. فمن الغريب قول بعضهم: إن أراد أنه لا يقصد أصلًا فممنوع؛ لتصريحهم بخلافه، وإن أراد التقليل أو التكثير لم يثبت المطلوب؛ لأن عدم إرادته في بعض المواضع لا ينافي إرادته في بعض الآخر.
وحاصل ما أشار إليه السيد: أن الكناية في بعض الأحيان لا يقصد منها المعنى الأصلي، ولو كان التضمين منها لاستعمل استعمالها في وقت ما.
ويجاب كما قال العصام: بأنه قد يجب في بعض الكناية شيء لا يجب في جنسها، ولذلك سمي باسم خاص. ا. هـ.
فإن قيل: إذا شرط في التضمين وجوب إرادة المعنيين، نافي الكناية؛ لأن المشروط فيها جواز إرادته.
أجيب: بأن المراد بالجواز الإمكان العام المقيد بجانب الموجود، لإخراج المجاز، لا الجواز بمعنى الإمكان الخاص؛ لظهور أن عدم إرادة الموضوع له لا مدخل له في خروج المجاز، حتى لو وجب إرادته خرج أيضًا، وأورد بعضهم على قول السيد: إن التضمين يجب فيه القصد إلى المعنيين، أنه ممنوع، وادعى أنه وارد على طريق الكناية، قال: ألا ترى أن معنى الإيمان جعلته في الأمان، وبعد
[ ٢ / ٥٧٦ ]
تضمينه بمعنى التصديق لا يقصد معناه الأصلي، وأرأيتك بمعنى أخبرني. "ا. هـ"، وهو باطل، لما أنه مفوت فائدة التضمين من أداء كلمة مؤدى كلمتين، وجعل: "أرأيتك" بمعنى: أخبرني من التضمين: غير ظاهر.
والسادس: أن المعنيين مرادان على طريق عموم المجاز كما بيناه في رسالتنا.
وذكر بعضهم في التضمين قولًا آخر لو صح كان "سابعًا"، وهو: أن دلالته غير حقيقية؛ ولا تجوز في اللفظ، وإنما التجوز في إفضائه إلى المفعول، وفي النسبة غير التامة، ونقل ذلك عن ابن جني، وقال: ألا ترى أنهم حملوا النقيض على نقيضه، فعدوه بما يتعدى به، كما عدوا: "أسر" بالباء، حملًا: على "جهر" و"فضل" بعن حملا على "نقص"، ولا مجاز فيه قطعًا بمجرد تغيير صلته، وإنما هو تصرف في النسبة الناقصة. ا. هـ.
وهذا القول مخالف لما نص عليه ابن جني في الخصائص، وقد تقدم كلامه فيها. ومن العجب أن هذا الناقل نقل كلامه في الخصائص، واستدل به المذهب في التضمين جعله مغايرًا لهذا، وحمل النقيض على النقيض ليس من التضمين، ولا قريب منه ليقرب به، ولهذا قابله بعضهم به، فإنه قال في المغني في بحث "على" وقد تكلم على قوله: "إذا رضيت على بنو قشير" يحتمل أن يكون "رضي" ضمن معنى: "عطف"، وقال الكسائي: حمل على نقيضه وهو سخط. ا. هـ. سأل الله تعالى الرضا بغير سخط، بفضله وكرمه.
وبقي قول آخر: إن ثبت كان "ثامنًا"، واختاره المولى ابن كمال باشا حيث قال: وبالجملة لا بد في التضمين من إرادة معنيين من لفظ على وجه يكون كل منهما بعض المراد، وبه يفارق الكناية، فإن أحد المعنيين تمام المراد، والآخر وسيلة إليه، لا يكون مقصودًا أصالة، وبما قررناه اندفع ما قيل، والفعل المذكور إن كان في معناه الحقيقي، فلا دلالة له على الفعل الآخر، وإن كان في معنى الفعل الآخر، فلا دلالة على المعنى الحقيقي، وإن كان فيهما لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز، ولا يمكن أن يقال ههنا ما يقال في الجمع بين المعنيين في صورة التغليب؛ لأن كلا من المعنيين ههنا مراد بخصوصه. ا. هـ، المقصود منه.
ولا يخفى أنه لم يظهر الدفاع الجمع بين الحقيقة والمجاز في التضمين، لما
[ ٢ / ٥٧٧ ]
اعترف به من أن كلا من المعنيين مراد بخصوصه، ثم قال: إن التضمين على المعنى الذي قررناه، لا اشتباه بينه وبين المجاز المرسل؛ لأنه مشروط يتعذر المعنى الحقيقي، وهو فيه متعذر، نعم يلزم اندراجه تحت مطلق المجاز، وبين أن الحق أنه ركن مستقل من أركان البيان، كالكناية أو المجاز المرسل، وأنه فيه مندوحة عن تكلف الجمع بين الحقيقية والمجاز، وفي قوله: "إن المعنى الحقيقي في التضمين غير متعذر"، نظر؛ لأنه متعذر بواسطة القرينة كما عرف مما مر، ولا بد من المصير إلى المجاز، أو الجمع بين الحقيقة والمجاز؛ لأن القرينة في المجاز إنما تمنع من إرادة الحقيقية فقط، فاحفظه، فإنه مما يقع فيه الغلط.
ثم إنه علم من كلامه أن في المذهب الذي اختاره السلامة من الجمع بين الحقيقة والمجاز اللازم على بعض الأقوال، وهو القول الثاني المتقدم، كما عرفت تحقيقه مما مر، فدعوى أن شبهة الجمع في التضمين مطلقًا واهية، دعوى باطلة، ولم يرد بذلك على السيد، كما لا يخفى على من راجع كلامه، وإن كلام السيد لا يتوهم فيه ذلك الجمع، فمن قال: إنه اعترض عليه بذلك فقد افترى.
في كلام ياسين ثمانية أقوال في التضمين:
الأول: أنه مجاز مرسل؛ لأن اللفظ استعمل في غير معناه لعلاقة وقرينة.
الثاني: أن فيه جمعًا بين الحقيقة والمجاز لدلالة المذكور على معناه بنفسه، وعلى معنى المحذوف بالقرينة.
الثالث: أن الفعل المذكور مستعمل في حقيقته لم يشرب معنى غيره، "كما جرى عليه صاحب الكشاف"، ولكن مع حذف حال مأخوذة من الفعل الآخر المناسب، بمعونة القرينة اللفظية، كما ذكر السعد.
وقال السيد: "ذهب بعضهم إلى أن اللفظ مستعمل في معناه الحقيقي، فقط، والمعنى الآخر مراد بلفظ محذوف يدل عليه ما هو من متعلقاته"، وفيما مثل به جعل المحذوف أصلًا، والمذكور مفعلًا و"كأحمد إليك فلانًا"، أي: أنهى إليك حمده، بمعنى أن المذكور يدل على ذلك كما يدل على الحال، وقد أراد السيد بيان وجه آخر، ليفيد أن ذلك أمر اعتباري لا ينحصر فيما قاله السعد.
[ ٢ / ٥٧٨ ]
الرابع: أن اللفظ مستعمل في معناه الأصلي، فيكون هو المقصود أصالة، ولكن قصد بتبعيته معنى آخر، فلا يكون من الكناية ولا الإضمار.
الخامس: أن المعنيين مرادان على طريق الكناية، فيراد المعنى الأصلي، توصلًا إلى المقصود، ولا حاجة إلى التقدير إلا لتصوير المعنى.
السادس: أن المعنيين مرادان على طريق عموم المجاز.
السابع: أن دلالته غير حقيقية، ولا تجوز في اللفظ، وإنما التجوز في إفضائه إلى المعمول، وفي النسبة غير التامة، ونقل ذلك عن ابن جني، وقال: ألا ترى أنهم حملوا النقيض، على نقيضه، فعدوه بما يتعدى به، كما عدوا: "أسر" بالباء حملًا على: "جهر"، "وفضل" بعن حملًا على: "نقص".
وقد علق هذا القول على الصحة.
الثامن: أنه لا بد في التضمين من إرادة معنيين في لفظ واحد على وجه يكون كل منهما بعض المراد، وبذلك يفارق الكناية، فإن أحد المعنيين تمام المراد، والآخر وسيلة إليه لا يكون مقصودًا أصالة"، "وهذا اختيار ابن كمال باشا"، وقد علق هذا القول على الثبوت.
وقال السيوطي في الأشياء، والنظائر: قال الزمخشري في شأنهم: يضمنون الفعل معنى فعل آخر؛ فيجرونه مجراه، ويستعملونه استعماله، مع إرادة معنى المتضمن. قال: والغرض في التضمين إعطاء مجموع معنيين، وذلك أقوى من إعطاء معنى. ألا ترى كيف رجع معنى: ﴿وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾، إلى قولك: ولا تقتحمهم عيناك مجاوزتين إلى غيرهم: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾، أي: ولا تضموها إليها آكلين. ا. هـ.
قال الشيخ سعد الدين التفتازاني في حاشية الكشاف: فإن قيل: الفعل المذكور إن كان مستعملًا في معناه الحقيقي فلا دلالة على الفعل الآخر، وإن كان في معنى الفعل الآخر فلا دلالة على معناه الحقيقي، وإن كان فيهما جميعًا لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز.
قلنا: هو في معناه الحقيقي مع حذف حال مأخوذة من الفعل الآخر بمعونة
[ ٢ / ٥٧٩ ]
القرينة اللفظية؛ فمعنى يقلب كفيه على كذا: نادمًا على كذا، ولا بد من اعتبار الحال، وإلا كان مجازًا لا تضمينًا، وكذا قوله: "يؤمنون بالغيب" تقديره: معترفين بالغيب. ا. هـ.
وقال ابن يعيش: الظرف منتصب على تقدير "في"، وليس متضمنًا معناها حتى يجب بناؤه لذلك، كما وجب بناء نحو: "من وكم " في الاستفهام، وإنما "في" محذوفة من اللفظ لضرب من التخفيف، فهي في حكم المنطوق به، ألا ترى أنه يجوز ظهور "في" معه، نحو قمت اليوم وقمت في اليوم، ولا يجوز ظهور الهمزة من "من وكم" في الاستفهام، فلا يقال: أمن؟ ولا أكم؟ وذلك من قبل أن "من وكم" لما تضمنا معنى الهمزة صارًا كالمشتملين عليها، فظهور الهمزة حينئذ كالتكرار، وليس كذلك الظرف، فإن الظرفية فيه مفهومة من تقدير "في"، ولذلك يصح ظهورها.
ثم ذكر أن ابن جني قال في التضمين: "ووجدت في اللغة من هذا الفن شيئًا كثيرًا لا يكاد يحاط به، ولعله لو جمع أكثره لا جميعه لجاء كتابًا ضخمًا، وقد عرفت طريقه، فإذا مر بك شيء منه فتقبله وأنس به، فإنه فصل من العربية لطيف حسن".
وقال ابن هشام في تذكرته: زعم قوم من المتأخرين منهم خطاب الماردي أنه قد يجوز تضمين الفعل المتعدي لواحد معنى: "صير" ويكون من باب: "ظن"، فأجاز: حفرت وسط الدار بئرًا؛ أي: صيرت، قال: وليس "بئرًا" تمييزًا، إذ لا يصلح لمن، وكذا أجاز: بنيت الدار مسجدًا، وقطعت الثوب قميصًا. وقطعت الجلد نعلًا، وصبغت الثوب أبيض إلخ. . .
قال: والحق أن التضمين لا ينقاس، وقال ابن هشام في المغني: قد يشربون لفظًا معنى لفظ فيعطونه حكمه، ويسمى ذلك: تضمينًا، وفائدته أن تؤدي كلمة مؤدى كلمتين، ثم ذكر لذلك عدة أمثلة منها قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ ضمن معنى تحرموه، فعدي إلى اثنين لا إلى واحد، ومنها: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ ضمن معنى: تنووه، فعدي بنفسه لا بعلى، وقوله: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَأِ الْأَعْلَى﴾ ضمن معنى "يصغون"، فعدي بإلى، وأصله أن
[ ٢ / ٥٨٠ ]
يتعدى بنفسه، ومثل: سمع الله لمن حمده، ضمن معنى: استجاب، فعدي باللام، ومثل: "والله يعلم المفسد من المصلح"، ضمن معنى: يميز، فجيء بمن.
وذكر ابن هشام في موضع آخر: من المغني: أن التضمين لا ينقاس، وكذا ذكر أبو حيان، ثم قال السيوطي:
"قاعدة": المتضمن معنى شيء لا يلزم أن يجري مجراه في كل شيء، ومن ثم جاز دخول الفاء في خبر المبتدأ المتضمن معنى الشرط، نحو الذي يأتيني فله درهم. وكل رجل يأتيني فله درهم، وامتنع في الاختيار جزمه عند البصريين، ولم يجيزوا: الذي يأتيني أحسن إليه، أو: كل من يأتيني أحسن إليه، بالجزم، إلا في الضرورة، وأجار الكوفيون جزمه في الكلام تشبيهًا بجواب الشرط، ووافقهم ابن مالك، قال أبو حبان: ولم يسمع من كلام العرب الجزم في ذلك إلا في الشعر. ا. هـ.
قال ابن هشام في المغني: وهو كثير، قال أبو الفتح في كتاب التمام: أحسب لو جمع ما جاء منه، لجاء منه كتاب يكون مئين أوراقًا. ا. هـ.
قال الدسوقي: قوله: وهو أي التضمين كثير، وقوله: قال أبو الفتح: دليل لقوله وهو كثير، "قوله: قال أبو الفتح إلخ"، هذا ربما يؤيد القول بأن التضمين قياسي، وقيل: البياني فقط، وظاهر أنه ليس كل حذف مقيسًا، وكذا المجاز إذا ترتب عليه حكم زائد. ا. هـ.
وقال ابن هشام في أوائل الباب الخامس من المغني: وفائدة التضمين أن يدل بكلمة واحدة على معنى كلمتين، يدلك على ذلك أسماء الشروط والاستفهام.
قال الأمير: قوله: "على معنى كلمتين" ظاهره الجمع بين الحقيقة والمجاز، وسبق الخلاف في ذلك، قال ابن جني: لو جمعت تضمينات العرب ملأت مجلدات، فظاهره القول بأنه قياسي، قوله: أسماء الشروط مثلًا "من" معناها العاقل، وتدل مع ذلك على معنى إن، والهمزة. ا. هـ.
وقال ابن هشام في معاني الباء من المغني: "الثالث عشر" الغاية، نحو: "وقد أحسن بي"، أي: إلي، وقيل: ضمن أحسن معنى: لطف. ا. هـ.
قال الأمير: ظاهره كقولهم: التضمين إشراب الكلمة معنى آخر، وأنه مجاز،
[ ٢ / ٥٨١ ]
أو حقيقة ملوحة، أو جمع بينهما؛ يقتضي مغايرة المعنيين، ولا يظهر في الإنسان واللطف، فالأولى أن التضمين إلحاق كلمة بأخرى لاتحاد المعنى أو تناسبه، ويأتي الكلام فيه، وهل هو قياسي أو البياني١؛ لأنه مجرد حذف لدليل إن قلنا بمغايرته للنحوي. ا. هـ.
وقال الملوي على السلم: "وذللت فيه صعاب المشكلات على طرف الثمام".
فقال: الصبان: "الثمام" بضم المثلثة: نبت ضعيف يشد به فرج السقوف، والجار والمجرور متعلق بفعل محذوف: أي: ووضعتها، فهو من باب حذف الواو مع ما عطفته لعدم اللبس، أو: "بذللت"، على تضمينه معنى "وضعت" تضمينًا نحويًا، وقد نقل أبو حيان في ارتشافه عن الأكثرين أن ينقاس، فهو في باب الجمع بين الحقيقة والمجاز.
أو بحار محذوفة من فاعل ذللت، أي: واضعًا لها، أو من مفعوله: أي: موضوعة، فعلى هذين التضمين بياني، وهو مقيس. ا. هـ.
وقال الصبان على الأشموني: إن التضمين النحوي إشراب كلمة معنى أخرى، بحيث تؤدي المعنيين، والتضمين البياني تقدير حال تناسب الحرف، وتمنع كون التضمين النحوي ظاهرًا عن البياني، للخلاف في كون النحوي قياسيًا: وإن كان الأكثرون على أنه قياسي، كما في ارتشاف أبي حيان دون البياني فاعرفه. ا. هـ، أي: فلا خلاف في كونه قياسيًا، كما أشار إليه قبل بقوله: "وهو مقيس".
وقال صاحب التصريح في آخر الكلام في المفعول معه: "واختلف في التضمين: أهو قياسي أم سماعي، والأكثرون على أنه قياسي، وضابطه أن يكون الأول والثاني يجتمعان في معنى عام، قاله المرادي في تلخيصه. ا. هـ"، وكلامه في النحوي، وقال ياسين على القطر في أن "التضمين إشراب لفظ معنى لفظ آخر" هو أحد أقوال خمسة في التضمين، والمختار منها عند المحققين أن اللفظ مستعمل في معناه الحقيقي، مع حذف حال مأخوذ من اللفظ الآخر، بمعونة القرينة اللفظة، فمعنى "يقلب كفية على كذا": أي: نادمًا على كذا، وقد
_________________
(١) ١ سبق المراد من البياني في ص٥٦٨.
[ ٢ / ٥٨٢ ]
يعكس كما في: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، أي: يعترفون به مؤمنين، وبهذا يتوقع أن اللفظ المذكور إن كان في معناه الحقيقي فلا دلالة على الآخر، وإن كان في معنى الآخر فلا دلالة على المعنى الحقيقي، وإن كان فيهما لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز.
لقد ذكرنا طائفة من أقوال العلماء في التضمين، وذكرنا القول بأنه سماعي، والقول بأنه قياسي، ورأيناه قوة في القول بأنه قياسي، ونقلنا فيما تقدم أن التضمين ركن من أركان البيان، فإن ذهبنا إلى القول بأنه قياسي، قلنا: إنما يستعمله العارف بدقائق العربية وأسرارها على نحو ما ورد، وإنك لتجد كثيرًا في عبارات المؤلفين فيها التضمين، فمن ذلك عبارة الملوي السابقة، ومن ذلك قول ابن مالك "وأستعين الله في ألفية"، فقد جوز الأشموني أنه ضمن أستعين معنى: أستخير، ونحوه مما يتعدى بفي.
ذكرنا القول بأن التضمين سماعي، ومعناه أن يحفظ ولا يقاس عليه، وذكرنا قول القائلين: إن التضمين النحوي قياسي عند الأكثرين، وأن التضمين البياني قياسي بإجماع النحويين، وقد ذكر ابن جني في الخصائص أنه لو نقل ما جمع من التضمين عن العرب لبلغ مئين أوراقًا.
والتضمين مبحث ذو شأن في اللغة العربية، وللعلماء في تخريجه طرق مختلفة فقال بعضهم: إنه حقيقة، قال بعضهم: إنه مجاز، وقال آخرون: إنه كناية، وقال بعضهم: إنه جمع بين الحقيقة والمجاز على طريقة الأصوليين؛ لأن العلاقة عندهم لا يشترط فيها أن تمنع من إرادة المعنى الأصلي
فإذا قررنا التضمين قياسي، فقد جرينا على قول له قوة، وإذا قلنا: إنه سماعي، فقد يعترض علينا من يقول: إن علماء اللغة من يرى أنه قياسي، فلماذا تضيقون على الناس، وما جئتم إلا لتسهلوا اللغة عليهم؟
فنحن نثبت القولين بالقياس وبالسماع، ولكنا نرجع قياسيته، والقول بجواز استعماله للعارفين بدقائق العربية وأسرارها، ولا يصح أن نحظره عليهم؛ لأنه داخل في الحقيقة، أو المجاز، أو: الكناية، والبلغاء يستعملونه في كلامهم بلا حرج،
[ ٢ / ٥٨٣ ]
فكيف نسد باب التضمين في اللغة، وهو يرجع إلى أصول ثابتة فيها؟.
وأقول بعد هذا: لا بد من قيود نضبط بها استعمال التضمين، وقد رأى بعض الزملاء أن يقصر التضمين على الشعر، وفي هذا قصر للحقيقة، أو للمجاز، أو للكناية؛ وهي الأصول التي يخرج عليها التضمين على فن من الكلام دون آخر، وهذه الأمور الثلاثة تقع في الشعر والنثر بلا قيد ولا شرط.
على أن الشعر من أكثر فنون القول ذيوعًا، والناس يحفظون الشعر ويجرون على أساليبه في الكتابة والخطابة، فإن أجزنا التضمين في الشعر وحده، وقعنا في الأمر الذي نفر منه، ونحن هنا نقرر الحقائق العلمية، ونرجع منها ما يستحق الترجيح تحقيقًا لأغراضنا.
انتهى البحث.
حضرة رئيس الجلسة: يتفضل الأستاذ الشيخ محمد الخضر حسين بتلاوة بحثه في التضمين١.
حضر العضو المحترم الأستاذ الخضر حسين: للتضمين غرض هو الإيجاز. وللتضمين قرينة، هي تعدي الفعل بالحرف وهو يتعدى بنفسه، أو تعديته بنفسه وهو يتعدي بالحرف، وللتضمين شرط هو وجود مناسبة بين الفعلين، وكثرة وروده في الكلام المنثور والمظلوم تدل على أنه أصبح من الطرق المفتوحة في وجه كل ناطق بالعربية، متى حافظ على شرطه؛ وهو؛ مراعاة المناسبة.
فإذا لم توجد بين الفعلين العلاقة المعتبرة في صحة المجاز كان التضمين باطلًا. فإذا وجدت العلاقة بين الفعلين ولم يلاحظها المتكلم، بل استعمل فعل: "أذاع" مثلًا متعديًا بحرف الباء على ظن أنه يتعدى بهذا الحرف لم يكن كلامه من قبيل التضمين، بل كان كلامه غير صحيح عربية.
فالكلام الذي يشتمل على فعل عدي بحرف وهو يتعدى بنفسه، أو عدي بحرف وهو يتعدى بغيره، يأتي على وجهين:
_________________
(١) ١ وهو البحث الثاني في الموضوع نفسه قد استمع له الأعضاء في الجلسة ذاتها بعد الأول، كما أشرنا في هامش ص٥٦٤.
[ ٢ / ٥٨٤ ]
الوجه الأول: ألا يكون هناك فعل يناسب الفعل المنطوق به، حتى تخرج الجملة على طريقة التضمين، ومثل هذا نصفه بالخطأ، والخروج عن العربية، ولو صدر من العارف بفنون البيان.
الوجه الثاني: أن يكون هناك فعل يصح أن يقصد المتكلم لمعناه مع معنى الفعل الملفوظ، وبه يستقيم النظم، وهذا إن صدر ممن شأنه العلم بوضع الألفاظ العربية، ومعرفة طرق استعمالها حمل على وجه التضمين الصحيح، كما قال سعد الدين التفتازاني: "فشمرت عن ساق الجد إلى اقتناء ذخائر العلوم"، والتشمير لا يتعدى بإلى، فيحمل على أنه قد ضمن شمر معنى: "الميل" الذي هو سبب التشمير عن ساق الجد.
فإن صدر مثل هذا من عامي أو شبيه بعامي١، أي: ممن يدلك حالة على أنه لم يبين كلامه على مراعاة فعل آخر مناسب للفعل الملفوظ، كان لك أن تحكم عليه بالخطأ، فلا جناح عليك أن تحكم على قول العامة مثلًا أرجو الله قضاء حاجتي، باللحن والخروج عن قانون اللغة الفصحى؛ لأن فعل الرجاء لا يتعدى إلى مفعولين، وليس لك أن تخرجه على باب التضمين، كأن تجعل "أرجو" مشربًا معنى "أسأل" بناء على أن بين الرجاء، والسؤال علاقة السببية والمسببة، فإن هذا الوجه لم ينظر إليه أولئك الذين استعملوا فعل "أرجو" متعديًا إلى المفعولين.
ومن هنا نعلم أن من يخطئ العامة في أفعال متعدية بنفسها، وهم يعدونها بالحروف، مصيب في تخطئته، إذا لم يقصدوا لإشراف هذه الأفعال معاني أخرى تناسبها، حتى يخرج كلامهم على باب التضمين.
وليس معنى هذا أن التضمين سائغ للعارف بطرق البيان دون غيره، وإنما أريد أن العارف بوجوه استعمال الألفاظ، لا نبادر إلى تخطئته، متى وجدنا لكلامه مخرجًا من التضمين الصحيح، أما غيره كالتلاميذ، ومن يتعاطى الكتابة من غير
_________________
(١) ١ تكرر هذا الكلام من الباحث وغيره، والنفس لا ترتاح إليه: لجواز أن يكون العامي بل غير اللغوي، مطلقًا مقلدًا اللغوي، بقصد، أو بغير قصد في هذا الاستعمال، كالشأن في كثير من أمور اللغة، وإنما الذي ترتاح له النفس ويجب أن يتجه إليه الحكم، ويقتصر عليه دائمًا هو أن هذا التعبير أو ذاك صحيح لغويًا أو غير صحيح.
[ ٢ / ٥٨٥ ]
أن يستوفي وسائلها، فإن قام الشاهد على أنه نحا نحو التضمين، كما إذا اعترضت عليه في استعمال الفعل المتعدي بنفسه متعديًا بحرف، فأجاب بأنه قصد التضمين وبين الوجه، فوجدته قد أصاب الرمية؛ فقد اعتصم منك بهذا الجواب المقبول، ولم يبق لاعتراضك عليه من سبيل.
وإن قام شاهد على أن المتكلم لم يقصد التضمين، وإنما تكلم على جهالة بوجه استعمال الفعل، كان قضاؤك عليه بالخطأ قضاء لا مراد له، فمصحح ما يكتبه التلاميذ ونحوهم، يجب عليه أن يرد الأفعال إلى أصولها، ولا يتخذ من التضمين وجهًا لترك العبارة بحالها، والكاتب لا يعرف هذا الوجه، أو لم يلاحظه عند الاستعمال١.
فللتضمين صلة بقواعد الإعراب من جهة تعدي الفعل بنفسه أو تعديه بالحرف، وصلة بعلم البيان من جهة التصريف في معنى الفعل، وعدم الوقوف به عند حد ما وضع له، ومن هذه الناحية لم يكن كبقية قواعد علم النحو، قد يستوي في العمل بها خاصة الناس وعامتهم.
حضرة العضو المحترم الأستاذ الشيخ أحمد علي الإسكندري: رجعت إلى أقوال العلماء بعد المناقشة التي دارت أمس، فوجدت أن القائلين بسماعية التضمين إنما يخشون أن يحدث في اللغة فساد واضطراب في معاني الأفعال إذا أباحوه للناس، مع أنهم يسلمون أن ما ورد من التضمين كثير يجمع في مئين أوراقًا.
وقد شرط القائلون بقياسية التضمين شرطين وهما:
١- وجود المناسبة.
٢- وجود القرينة.
ثم تأملت في وظيفة علوم البلاغة وخاصة علم المعاني، فوجدت أن موضوعه إن هو إلا بيان الذوق المعبر عنه عندهم "بمقتضى الحال"، وكذلك رأيت الشرطين اللذين اشترطهما العلماء قديمًا للتضمين غير كافيين، فرأيت أن نضيف إليهما قيدًا ثالثًا، هو "موافقة العبارة التي فيها التضمين للذوق العربي"، وذلك ما تنشده علوم البلاغة.
_________________
(١) ١ هذا الرأي يحتاج إلى قوة تأييد وإقناع، فهو على حالة غير مقبول، انظر هامش الصفحة السالفة.
[ ٢ / ٥٨٦ ]
ثم قلت: هل للذوق حد؟ ففطنت إلى وجوب تقييد الذوق بالبلاغي، وهو الذي وضعت علوم البلاغة العربية لتحديد ضوابطه.
وبعد ذلك رأيت أن ألخص مناقشات اللجنة والمجمع ومذكرتي١ التي قدمتها في القرار الآتي:
"التضمين: أن يؤدي فعل أو ما في معناه في التعبير، مؤدى فعل آخر أو ما في معناه، فيعطي حكمه في التعدية واللزوم، ومجمع اللغة العربية يرى أنه قياسي لا سماعي بشروط ثلاثة.
الأول: تحقق المناسبة بين الفعلين.
الثاني: وجود قرينة تدل على ملاحظة الفعل الآخر، ويؤمن معها اللبس.
الثالث: ملاءمة التضمين للذوق البلاغي العربي".
حضرة العضو المحترم الشيخ حسين والي: التضمين سواء أخرج على الحقيقة أم على المجاز أم على الجمع بين الحقيقة والمجاز، لا يستعمله إلا البلغاء العارفون بأسرار اللغة، وإذا لا يستعمله العامة إلا إذا جارينا من يقول: إن العامة لا يزال عندهم بقية من الذوق العربي والبلاغة.
وأرى أن نأخذ الرأي أولًا على أن التضمين قياسي، ثم نأخذ الرأي على الشروط التي نشترطها لإباحته.
حضرة العضو المحترم الدكتور منصور فهمي: أريد أن أعرف ما فائدة "التضمين" الذي نبحث فيه هذا البحث الطويل، إن كل ما فهمته من كلام فضيلة الشيخ محمد الخضر حسين أن فائدته الإيجاز، أي: أن تؤدي الكلمة معنى كلمتين، وفي اللائحة التي وضعناها نص يوجهنا إلى العمل لتيسير اللغة على الناس، والذي يريد أن ييسر اللغة على الناس لا يكلفهم العمل الشاق الطويل لمعرفة كلمات تؤدي الواحدة منها معنى كلمتين، ولعل هذه الكلمات لا تزيد على مائتي كلمة، فلا أجد الفائدة كبيرة بتقسيم الناس إلى خاصة وعامة، وطفل وبالغ، وبليغ له
_________________
(١) ١ طبعت مذكرة حضرة العضو المحترم الشيخ أحمد الإسكندري في التضمين ملحقة بمحضر هذه الجلسة.
[ ٢ / ٥٨٧ ]
ذوق العرب البلاغي، وآخر ليس له هذا الذوق؛ لأنه لم يدرس العربية العلوم التي تفيد الذوق على رأي الأستاذ الإسكندري، قالوا: إن القانون الرياضي، والقانون الطبيعي أولى القوانين بالاحترام؛ لأنه لا يتخلف، والعلوم المختلفة الآن نتيجة اتجاه الرياضيات والطبيعيات، فيحاول أصحابها أن يجعلوا قوانينها كقوانين الرياضيات في الدقة، والضبط وعدم الاستثناء.
وأريد أن نرقى باللغة العربية إلى مضاف العلوم ذات القوانين الثابتة التي يقل فيها الشذوذ والاستثناء.
الغرض من علمنا المحافظة على اللغة وتيسيرها، فهل تتحكم في "تطور" اللغة وذوقها من أجل مئتي كلمة لطبقة خاصة، هذا عمل على ما أرى ليس من خدمة اللغة التي نسعى لخدمتها، نحن الآن نقرر الواقع الذي تقرر منذ أزمان طويلة، فنقول: إن التضمين قياسي أو سماعي، وكنت أظن أن المجمع يدرس الواقع، ويسموا فوقه، فيقرر ما من شأنه أن يحقق حاجات الرقي الحاضر.
قد يكون المثل الأعلى للبلاغة العربية ما يراه بعض الأعضاء في علوم البلاغة وبعض نماذج معروفة، والذي يخيل إلي أن التقدم لا ينبغي أن يقيد بمثل أعلى واحد، فإذا كان تقدم اللغة ينتهي عند معرفة ما قررته علوم البلاغة، فليس هذا عندي تقدمًا، واللغة تتطور مع العصور، وكل هذا يبيح لي ألا ألتزم أمرًا إلا بمقدار، وأرى أن هذا القرار لا يوصلني إلى غايتي.
كل اللغات "تتطور"، فلماذا نريد أن نقف بلغتنا؟ ولو أن كاتب فرنسيًا أو إيطاليًا اليوم أراد أن يرجع إلى أساليب القرن الخامس عشر مثلًا، تشبهًا بكاتب قديم، لقيل: إنه متحذلق، ونحن كأولئك، فلماذا نتعمل ونجهد أنفسنا ونقول بالتضمين؟
والذي أراه أن نقر الماضي على أنه تاريخ، وتتقدم نحو خطوة أخرى، فتقرر أشياء جديدة لا تنافي تاريخ اللغة، وهي مع ذلك تفي بحاجات العصر الحاضر.
وأنا لا أزال على رأيي، فلا أقبل التضمين إلا إذا اضطرني إليه الشعر أو السجع؛ وفي غير ذلك تجري الأفعال في معانيها الأصلية.
[ ٢ / ٥٨٨ ]
حضرة العضو المحترم الدكتور فارس نمر: أرى أن كل واحد منها ينظر إلى المسألة من "زاوية" غير التي ينظر منها الآخر، على حد تعبير الرياضيين، وأرجو أن تسمحوا لي أن أورد بعض أمثلة خبرتها بنفسي.
فعندما كنت أدرس الحروف واستعمالها، عرفت أن "متى" تكون بمعنى "من" كما في قول الشاعر:
شربن بماء البحر ثم ترفعت متى لجج خضر لهن نئيج
فأردت أن أبين لأستاذي أني حفظت هذا الشاهد، وأريد القياس عليه في كتابتي، فكتبت له هذه العبارة: "إن صديقي ينتظرني فخرجت متى منزلي إلى السوق"، فأنكر علي قولي، فقلت: إنه على حد قول القائل: أخرجها متى كمه، أي: من كمه، فحار أستاذي، ولم يدر أيمنعني من استعمال الحرف أم يوافقني عليه؟
والذي أريده من الأستاذ الشيخ الخضر حسين أن يجيبني: هل يوافق على أن نستعمل مثل هذه العبارات في العصر الحاضر؟
أنا أجل علماء اللغة، وأحترم ما قالوه، ولا أنازع في قياسية التضمين أو سماعيته، وإنما أريد أن نسهل اللغة على الناس عامة، فنتخير اللغة السهلة الصريحة، ونضع أساسًا، ونحكم حكمًا يلائم هذا العصر، ونسهل على علمائنا وكتابنا الكتابة والتأليف، ليكون المجمع ثقة ومرجعًا للناس.
حضرة العضو المحترم الأب أنستاس الكرملي: أوافق على ما قال الدكتور منصور فهمي، والدكتور نمر، وفي ذكر الشواهد وغيرها تطويل، وقد اختصرت قرار المجتمع ووضعته في الصيغة الآتية:
"يعمل بالتضمين بنوع عام لوروده في كثير من الآيات القرآنية، وفي الشعر القديم والمخضرم والإسلامي، بشرط ألا يقع في التضمين لبس في التعبير، ولا إخلال بالمعنى".
حضرة العضو المحترم الشيخ أحمد على الإسكندري: كلام الأب المحترم يفيد قياسية التضمين، وشرط عدم اللبس هو ما ذكرناه، ونحن ما اخترنا البحث في التضمين إلا لنسهل على الناس الكتابة والكلام؛ لأنه إذا اتسع مجال القول،
[ ٢ / ٥٨٩ ]
كان في ذلك رخصة وتيسير، وما قصدنا إلى هذا البحث إلا؛ لأن بعض المتحذلقين من النقاد يأخذون على بعض الشعراء، والكتاب مآخذ ترجع إلى تعدية الأفعال بحروف لا تتعدى بها، ويردون استدلالهم إلى المعاجم دون القواعد اللغوية والنحوية، فإذا قلنا بترجيح قياسية التضمين، فإنما نقصد بهذا توجيه مثل هؤلاء النقاد إلى أشياء غابت عنهم، ونيسر في الوقت ذاته على الكتاب والشعراء مجال القول والكتابة، فنزيد الثروة اللغوية بتعدد أساليب التعبير وصوره، وإني أقرر أن عمل المجمع لا يقف عند ذكر الآراء المختلفة ونصوص العلماء، وإنما يذكرها ليوازن بينها ويرجع رأيًا على رأي، إذا رأى أن في هذا الترجيح فائدة، والمجمع بقرار الجديد، متى كان موافقًا للذوق البلاغي والقواعد الصحيحة، ولا ينبغي أن يكون ذوق العامة حجة على أهل اللغة، وقياس لغتنا على اللغات الأوروبية قياس مع الفارق، وفائدة التضمين لا تقتصر على مائة كلمة أو مائتين، وإنما هو باب واسع يتعلق بجميع الأفعال في اللغة العربية، ولكننا لا نبيح التضمين على إطلاقه؛ لأن هذا يجر إلى الفوضى والفساد في اللغة، ولهذا نشترط له شروطًا خاصة.
حضر العضو المحترم الشيخ إبراهيم حمروش: إذا قلنا: إن التضمين قياسي، فقد وافقنا القدماء، وإذا قلنا: إنه سماعي فقد وافقناهم في ذلك أيضًا، أما إذا قلنا: إنه قياسي بشرط أنه يسيغه الذوق؛ فهذا تلفيق بين المذهبين، ونحن كمجمع، ينبغي ألا نرجع المسألة إلى الذوق؛ لأن ذلك رد إلى مجهول، فلا بد إذًا أن نضع ضوابط وأمثلة نقدمها للجمهور ليحتذيها.
حضرة العضو المحترم الأستاذ نلينو: استفدت كثيرًا من المناقشة في هذا الباب. وعلى الرغم من أني أستحسن قرار الإسكندري بقيوده التي وضعها، فإني أرى أن فتح باب التضمين في عصرنا يجر إلى كثير من الخطأ؛ لأننا لا نستطيع أن نميز الخاصة من العامة.
حضرة العضو المحترم الأستاذ عيسى إسكندر المعلوف: "قدم اقتراحًا مكتوبًا طلب فيه أن توضع أمثلة للتضمين ليحتذيها الناس".
حضرة العضو المحترم الشيخ حسين والي: قال بعض حضرات الأعضاء:
[ ٢ / ٥٩٠ ]
ما أتت به اللجنة من الكلام في التضمين معروف، والمجمع ألف لجنته للبحث في التضمين، وكتابة تقرير فيه، فبحثت اللجنة، وكتبت التقرير، وذكرت آراء العلماء؛ ووجدت أن القول بقياسيته أقوى من القول بسماعيته، ثم رفعت عملها إلى المجمع وهو صاحب الرأي فيه: فلا لوم علينا في نقل كلام القدماء.
أما ما قاله حضرة الدكتور منصور فهمي من أن فائدة التضمين الإيجاز، وهو فائدة يسيرة، فلا نقره عليه؛ لأن الإيجاز مقصد من مقاصد البلغاء: وأصل من أصول الأساليب اللغوية.
وأما القول بأن التضمين بفتح باب الخطأ والفساد في اللغة، فهذا صحيح، ولكن علاج هذا أن يتعلم الناس قواعد لغتهم التي تعصمهم من الوقوع في الخطأ، فكما أن إغفال الاشتقاق والتصريف يجر إلى الخطأ فيهما، كذلك يجر إهمال قواعد التضمين، وضوابطه إلى الخطأ في الأسلوب، فإذا ثابرنا على تعليم قواعد اللغة في المدارس مثلًا، انتشرت الأساليب الصحيحة وذاعت، وفتح باب التضمين يسهل اللغة على الناس، أما القول بسماعيته فهو التضييق والحجر. وإذا قلنا بهذا فربما جاء زمان يقول فيه الناس كان باب التضمين مفتوحًا بالقياس، فسده مجمع اللغة العربية، وأنه لا بد من سبب اضطره إلى هذا، فإذا قرأ الناس ما جاء في القرآن الكريم، والأحاديث النبوية من التضمين، توهموا أو ظنوا أن فيها شيئًا حمل المجمع على حظر التضمين على الناس.
وأما قول حضرة الدكتور منصور: إن فائدة التضمين محصورة في مائتي كلمة، فهذه مبالغة؛ لأننا على أي وجه خرجناه فقد خرجنا على ما هو قياسي: من حقيقة أو مجاز، أو كناية، وهذه أمور مقيسة لا تحصر.
والقول بقصره على الشعر والسجع مع أن شأنهما الشيوع يوقعنا فيما نريد الفرار منه.
واللجنة قد أدت عملها، وهو البحث في مسألة التضمين، وبقي الكلام في اتقاء الخطأ الذي يقع فيه العامة، فإذا رأى المجمع أن اتقاء ذلك يكون بقصر استعمال التضمين على العارفين باللغة ودقائقها، فإني أوافق عليه، وإذا رأى المجمع أن يرجئ بت الكلام في التضمين، فله ما يرى.
[ ٢ / ٥٩١ ]
حضرة رئيس الجلسة: لا بد أن نقر فيه اليوم قرارًا.
حضرة العضو المحترم الأستاذ فيشر: أنا مواقف على ما قال الدكتور منصور فهمي والأب الكرملي، وقولهما بالتقريب هو قول فقهاء اللغة الأوربيين العصريين في حياة اللسان وتقدمه وترقيه، حسن عندهم ما يرد في الأشعار المشهورة، وفي كتب الأدب الحسنة وما يسمع من ناس كثيرين، والسماع عندهم أولى من القياس.
حضرة العضو المحترم الشيخ أحمد علي الإسكندري: أرى أن أضيف في آخر القرار الذي اقترحته العبارة الآتية: "ويوصي المجمع ألا تستعمل هذه الرخصة في كتابة المبتدئين، ولا في الكتابة العلمية".
حضرة العضو المحترم محمد كرد علي "بك": لا أرى، وقد ضبطت اللغة وقررت قواعدها وأصول بلاغتها، أن نقر شيئًا جديدًا في التضمين؛ لأني أخشى أن يفتح الباب لكل كاتب أو شاعر أن يخترع أمورًا وتعابير تزيدنا اضطرابًا، ولا يقرها القدماء الذين عرفوا ضوابط اللغة برمتها، وعللوا في هذه المسألة مسألة التضمين التي نحن بصددها، فقال قوم بقياسيتها وآخرون بسماعيتها إلخ، وإذا كان لا بد من التعرض لهذه المسألة التي قتلها زملائي بحثا كاد يخرجنا عن الغرض الذي نتوخاه إذا كان لا بد من التعرض لهذه المسألة، فأرى إجراء تعديل خفيف في صورة القرار الذي اقترحه الأستاذ الإسكندري، أو نسكت الآن عن هذه المسالة وهو الأولى، ونصرف جهدنا إلى العمليات لنخرج أولًا للأمة ألفاظًا، وتعابير تشتد الحاجة إليها من ألفاظ العلوم والفنون، وبذلك تكون قد قمنا بالجزء العلمي من واجب المجمع.
حضرة العضو المحترم الشيخ حسين والي: قال بعض حضرات الأعضاء: إن التضمين لا يقبل منه إلا ما يستسيغه الذوق البلاغي، فبماذا تحدون الذوق البلاغي؟
حضرة العضو المحترم الشيخ أحمد علي الإسكندري: وضعت كلمة الذوق البلاغي العربي، اتقاء لحذلقة بعض الناس، مثل كتاب: "البرازيل" وغيرها ممن خرجوا على قواعد اللغة وأساليبها، حتى صار كلامهم يشبه الرطانة، فإذا جاءنا واحد من هؤلاء، وقال: إن هذا ذوقي الخاص، قلنا له: إنك تخالف الذوق العربي الذي لا يزال ثابتًا بحكم الفطرة والسليقة في البلاد العربية، والذي يجري عن قواعد اللغة والبلاغة ولا ينفر منها.
[ ٢ / ٥٩٢ ]
حضرة العضو المحترم الشيخ حسين والي: أنكتفي بعبارة الذوق البلاغي، ويكون هذا مرجعنا عند الاختلاف، أم نأتي بأمثلة ضوابط؟
حضرة العضو المحترم الشيخ إبراهيم حمروش: نريد ألا يزد الأمر إلى الذوق، بل نستخرج ضوابط بعد درس أمثلة.
حضرة العضو المحترم الشيخ أحمد علي الإسكندري: المتقدمون لم يدونوا قواعدهم إلا بعد الاستقصاء، ولا نريد أن نبحث في أصول القواعد من جديد، فكل هذا قد فرغ منه العلماء قبلنا بأكثر من ألف سنة.
حضرة العضو المحترم الشيخ إبراهيم حمروش: المجمع مكلف تقديم تراكيب صحيحة لتتبع، وتراكيب فاسدة لتجتنب، ورجع الناس إلى الذوق لا معنى له وكأننا لم نعمل شيئًا، وابن جني وغيره لم يكلفوا تقديم تراكيب للأمة.
حضرة العضو المحترم الأستاذ علي الجارم: هل ترى أن يقال: الذوق العربي.
حضرة العضو المحترم الشيخ إبراهيم حمروش: الذوق العربي يختلف.
حضرة رئيس الجلسة: أتريد أن تحذف كلمة "الذوق"؟
حضرة العضو المحترم الشيخ إبراهيم حمروش: لا، ولكنني أريد أن نضع ضوابط لنحدد ما الذوق؟.
حضرة العضو المحترم الدكتور فارس نمر: التضمين صحيح، وموضوعه عربي، ولكن المجمع يجب أن يقدم الحقيقة على اتباع التضمين إلا حيث تكون ضرورة.
حضرت العضو المحترم الدكتور منصور فهمي: نقول: "ويوصي المجمع ألا يستعمل التضمين في الكتابة العامة".
حضرة العضو المحترم الشيخ أحمد علي الإسكندري: أوافق على هذا، والأصل ألا تخرج عن الحقيقة إلا لنكتة بلاغية.
حضرة العضو المحترم الأستاذ أحمد العوامري "بك" أقترح أن يقال: "ويوصي المجمع ألا يلجأ إلى التضمين إلا لغرض بلاغي".
فوافق أكثر الأعضاء على هذا.
وأمر رئيس الجلسة أن يقرأ نص القرار النهائي، وهو:
[ ٢ / ٥٩٣ ]
القرار:
"التضمين أن يؤدي فعل أو ما في معناه في التعبير مؤدى فعل آخر أو في معناه، فيعطى حكمه في التعدية واللزوم".
ومجمع اللغة العربية يرى أنه قياسي لا سماعي، بشروط ثلاثة:
الأول: تحقق المناسبة بين الفعلين.
الثاني: وجود قرينة تدل على ملاحظة الفعل الآخر، ويؤمن معها اللبس.
الثالث: ملاءمة التضمين للذوق العربي.
ويوصي المجمع ألا يلجأ إلى التضمين إلا لغرض بلاغي".
فوافق أكثر حضرات الأعضاء على هذا النص١.
_________________
(١) ١ الذي ألاحظه في هذا القرار أن شروط "التضمين" المذكورة هي الشروط البلاغية المعروفة في المجاز، حتى الشرط الثالث، فقد نص عليه القدامى لإبعاد المجاز عن القبح، وإلى المجاز ترتاح النفس أكثر من غيره، وهو رأي كثير من أئمة القدماء، فلم العناء، والكد، والجدل العنيف بين المذاهب المتعددة التي تضمنها البحثان المجمعيان؟ وشيء آخر أهم من اعتباره مجازًا، هو أن تلك المذاهب على تشعبها وعنفها لم تستطع أن تثبت في جلاء ويقين، أن اللفظ الوارد قديمًا الذي جرى فيه "التضمين" ليس حقيقة لغوية أصيلة، وأنه تضمن حقًا معى لفظ آخر، فأدى "التضمين" إلى تعدية الأول أو لزومه من طريق العدوى الناشئة من الاتصال والمناسبة بينهما، نعم لم تستطع نفي الحقيقة الأصيلة عنه، وإثبات ما يسمونه: "التضمين"؛ لأن تلك التعدية أو ذاك اللزوم الحادثين من العدوى لا يصلحان دليلًا مقنعًا على وقوع "التضمين": لأنها عدوى وهمية، إذ قد يكون اللفظ الذي دخله التضمين في وهمهم هو في أصله لازم أو متعد من غير علاقة له بلفظ آخر تؤثر فيه. لقد ورد إلينا اللفظ لازمًا أو متعديًا في كلام قديم كثير يحتج به، فما الدليل القوي على أن تعديته، أو لزومه ليست أصيلة من أول أمرها، وليست مجازًا، وإنما جاءت من الطريق الذي يسمونه: "التضمين"؟ ليس في كلامهم مقنع فيما أرى بل أن اللفظ اللازم أو المتعدي إذا ورد مسموعًا بإحدى هاتين الحالتين في كلام قليل، ولكنه صحيح فصيح كان وروده هذا أصيلًا في الحقيقة اللغوية، ولا يخرجه عن أنه معنى حقيقي كثرة وروده في كلام آخر مسموع يشيع فيه معنى مغاير؛ لأن الحكم على اللفظ بالخروج عن معناه الحقيقي ليس راجعًا إلى قلة استعماله في صورة، وكثرة استعماله في صورة أخرى، وإنما يرجع إلى وجود دليل على أن أحد الاستعاملين أسبق وجودًا عند العرب وأقدم ميلادًا، فالأسبق وحده هو الحقيقي، وأنهم يريدون منه معنى محدودًا دون غيره، ولا اعتبار لغير "الأسبقية" هنا. =
[ ٢ / ٥٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ثم ما هذا الذوق العربي الذي يريده المجمع؟ وكيف يحدد؟ ولم يقتصر "التضمين" على الفعل دون ما يشبه، كما جاء في الشرط الأول الذي أقره المجمع وارتضاه؟ اللهم إلا إذا كان يريد الفعل وما يشبهه، كما يفهم من سياق البحث. وبعد: فما زالت أدلة "التضمين" واهية، منهارة إن صح تسميتها أدلة"! ! ولم أجد في الآراء السالفة كلها، ولا في أمهات المراجع التي صادفتها ما يزيل الضعف، والرأي الأقوى في جانب الذين يمنعونه ممن عرضنا أسماءهم فيما سبق، أو لم نعرض: ومن هؤلاء الشهاب الخفاجي في "طراز المجالس" ص ٢١٩ حيث يصرح بأنه سماعي، وكالدماميني في كتابه: "نزول الغيث" ص ٥٦ حيث يقرر أن تضمين فعل معنى آخر يأباه كثير من النحاة، وكأبي حيان فيما نقله السيوطي في "الهمع" ج ١ ص ١٤٩ مصرحًا بقوله: "التضمين لا ينقاس" وغير هؤلاء كثير، بل إن الذين يقصرونه على السماع لم يستطيعوا إثبات أنه ليس بحقيقة، وليس بمجاز، ولا بشيء مركب منهما، وإنما هو نوع جديد اسمه: "التضمين" لم يستطيعوا ذلك؛ لأن العرب الفصحاء نطقوا بالفعل أو بما يشبهه متعديًا بنفسه مباشرة، أو غير متعد إلا بمعونة حرف جر معين؛ فكيف يسوغ لقائل بعد هذا أن يقول: إن هذا الفعل لم يتعد إلى معموله إلا من طريق التضمين، بحجة أن هذا الفعل لا يعرف فيه التعدي إلا بهذه الوسيلة!؟ كيف يقول هذا محتجًا به مع أن الناطق بالفعل المتعدي وشبهه هو القرآن الكريم، أو العبي الفصيح الذي يحتج بكلامه من غير خلاف في الاحتجاج؟ ما الدليل على أن الفعل وشبهه متعد أو غير متعد من طريق "التضمين" وحده، ونحن نراه متعديًا بواسطة حرف الجر، أو بغير واسطة، ولا دليل معنا على أسبقية أحد الفعلين في الوجود والتعدي وعدمه؟ والحق إن إثبات التضمين أمر لا تطمئن له نفس المتحري المتحرر، ولا سيما إذا عرفنا أن كل فعل، أو شبهه لا يكاد يؤدي معناه مع "التعدية" دون أن يكون هناك فعل آخر، أو شبهة له معنى يؤديه مع "اللزوم"، وبين هذين المعنيين ما يسمونه؛ "المناسبة، أو الإشراب"، والعكس صحيح كذلك إذ لا يكاد فعل أو: شبهه يؤدي معناه مع "اللزوم" دون أن يكون هناك فعل آخر أو شبهه له معنى يؤديه مع "التعدية"، وبين المعنيين "المناسبة أو الإشراب"، والنتيجة الحتمية لكل ذلك أنه لا يوجد فعل أو شبهه مقصور على "التعدية"، ولا آخر مقصور على "اللزوم"، وهذه غاية الفوضى والإساءة اللغوية التي تحمل في ثناياها فساد المعاني. وبالرغم من تلك المعارك الجدلية لا أرى الأمر في التضمين يخرج عن إحدى حالتين، وفي غيرهما الفساد اللغوي، والاضطراب الهدام: الأولى: أن الألفاظ التي وصفت بالتضمين إن كانت قديمة في استعمالها منذ عصور الاستشهاد، والاحتجاج اللغوي فإن استعمالها دليل على أصالة معناها الحقيقي، ما دمنا لم نعرف يقينًا لها معنى سابقًا تركته إلى المعنى الجديد. الثانية: أن العصور المتأخرة عن عصور الاستشهاد، والاحتجاج غير محتاجة إلى "التضمين" لاستغنائها عنه بالمجاز والكناية، وغيرهما من أنواع البيان المختلفة التي تتسع لكثير من الأغراض والمعاني الدقيقة البليغة.
[ ٢ / ٥٩٥ ]
بحث نفيس لابن جني ١، عنوانه: "باب في اللغة المأخوذة قياسًا":
هذا موضع كأن في ظاهره تعجرفًا، وهو مع ذلك تحت أرجل الأحداث ممن تعلق بهذه الصناعة فضلًا عن صدور الأشباح، وهو أكثر من أن أحصيه في هذا الموضع لك، لكني أنبهك على كثير من ذلك، لتكثر التعجب ممن تعجب منه، أو يستبعد الأخذ به.
وذلك أنك لا تجد مختصرًا من العربية إلا وهذا المعنى منه في عدة مواضع، ألا ترى أنهم يقولون في وصايا الجمع: إن ما كان من الكلام على فعل فتكسيره على: أفعل؛ ككلب وأكلب، وكعب وأكعب، وفرخ وأفرخ. . .، وما كان على غير ذلك من أبنية الثلاثي فتكسيره في القلة على أفعال: نحو جبل وأجبال، وعنق وأعناق، وإبل وآبال، وعجز وأعجاز، وربع وأرباع، وضلع وأضلاع، وكبد وأكباد، وقفل وأقفال، وحمل وأحمال و. . .؛ فليت شعري هل قالوا هذا ليعرف وحده، أو ليعرف هو ويقاس عليه غيره؟ ألا تراك لو لم تسمع تكسير واحد من هذه الأمثلة، بل سمعته منفردًا أكنت تحتشم من تكسيره على ما كسر عليه نظيره؟ لا بل كنت تحمله عليه للوصية التي تقدمت لك في بابه، وذلك كأنه يحتاج إلى تكسير: "الرجز" الذي هو العذاب، فكنت قائلًا لا محالة "أرجاز"؛ قياسًا على: "أحمال"، وإن لم تسمع "أراجازًا" في هذا المعنى، وكذلك لو احتجت إلى تكسير عجر، من قولهم: "وظيف عجر"٢ لقلت: "أعجار"؛ قياسًا على يقظ٣ وأيقاظ، وإن لم تسمع "أعجازًا"، وكذلك لو احتجت إلى تكسير: "شيع"، بأن توقعه على
_________________
(١) ١ من كناية: "الخصائص"، جـ ١ ص ٤٣٩. ٢ الوظيف: الجزء الدقيق من ساق الإبل والخيل، وغيرها، والعجر هنا: الصلب. ٣ جاء في القاموس: اليقظة محركة نقيض النوم، وقد يقظ مثل: كرم، وفرح يقاظة، ويقظًا محركة، وقد استيقظ. . . ورجل يقظ على وزن: ندس، وكتف والندس: بفتح النون، مع سكون الدال، أو ضمها، أو كسرها الرجل السريع الاستماع للصوت الخفي.
[ ٢ / ٥٩٦ ]
النوع، لقلت "أشياع"، وإن لم تسمع ذلك، لكنك سمعت: "نطع وأنطاع" و"ضلع وأضلاع"، وكذلك لو احتجت إلى تكسير: "دمثر"١ لقلت: "دمثر"؛ قياسًا على: "سبطر وسباطر".
وكذلك قولهم: إن كان الماضي على "فعل"، فالمضارع منه على يفعل: فلو أنك على هذا سمعت ماضيًا على فعل، لقلت في مضارعه يفعل، وإن لم تسمع ذلك، كأن يسمع سامع ضؤل، ولا يسمع مضارعه؛ فإنه يقول فيه يضؤل، وإن لم يسمع ذلك، ولا يحتاج أن يتوقف إلى أن يسمعه؛ لأنه لو كان محتاجًا إلى ذلك لما كان لهذه الحدود والقوانين التي وضعها المتقدمون، وعمل بها المتأخرون معنى يفاد، ولا غرض ينتحيه الاعتماد، لكان القوم قد جاءوا بجميع المواضي والمضارعات، وأسماء الفاعلين، والمفعولين، والمصادر، وأسماء الأزمنة، والأمكنة، والأحادي والثنائي، والجموع والتكابير، والتصاغير٢، ولما أقنعهم أن يقولوا: إذا كان الماضي كذا وجب أن يكون المضارع كذا، واسم فاعله كذا، واسم مفعوله كذا، واسم مكانه كذا، واسم زمانه كذا؛ ولا قالوا: إذا كان المكبر كذا فتصغيره كذا، وإذا كان الواحد كذا فتكسيره كذا دون أن يستوفوا كل شيء من ذلك، فيوردوه لفظًا منصوصًا معينًا، لا مقيسًا ولا مستنبطًا كغيره من اللغة؛ التي لا تؤخذ قياسًا ولا تنبيهًا؛ نحو: دار، وباب، وبستان، وحجر، وضبع، وثعلب، وخزز، لكن القوم بحكمتهم وزنوا كلام العرب فبوجدوه ضربين: أحدهما: ما لا بد من تقبله كهيئته لا بوصية فيه، ولا تنبيه عليه؛ نحو: حجر، ودار، وما تقدم.
ومنه: ما وجدوه يتدارك بالقياس، وتخف الكلفة في عمله على الناس، فقننوه وفصلوه، إذا قدروا على تدراكه من هذا الوجه القريب، المغني عن المذهب الحزن٣ البعيد، وعلى ذلك قدم الناس في أول المقصور والممدود ما يتدارك بالقياس والأمارات، ثم أتبعوه ما لا بد له من السماع والروايات، فقالوا: المقصور من حالة كذا، ومن صفته كذا؛ والممدود من أمره كذا، ومن سببه كذا، وقالوا:
_________________
(١) ١ الجمل الكثير اللحم. ٢ أي: كان واجبًا عليهم أن ينصوا على كل كلمة من هذه الجزئيات إذا كانت القواعد لا تغني، كما قد يتوهم بعض الغافلين. ٣ الصلب الصعب من الأرض؛ كالحجارة والصخور.
[ ٢ / ٥٩٧ ]
ومن المؤنث الذي فيه علامات التأنيث كذا، وأوصافه كذا، ثم لما أنجزوا ذلك قالوا: ومن المؤنث الذي روى رواية كذا وكذا، فهذا في الوضوح على ما لا خفاء به.
فلما رأى القوم كثيرًا من اللغة مقيسًا منقادًا وسموه بمواسمه، وغنوا بذلك عن الإطالة والإسهاب فيما ينوب عنه الاختصار والإيجاز، ثم لما تجاوزوا ذلك إلى ما لا بد من إيراده، ونص ألفاظه ألتزموا وألزموا كلفته؛ إذ لم يجدوا منها بدًا، ولا عنها مصرفًا.
ومعاذ الله أن ندعي أن جميع اللغة تتسدرك بالأدلة وقياسًا، لكن ما أمكن ذلك فيه قلنا به، ونبهنا عليه، كما قبلنا، ممن نحن له متبعون، وعلى مثله وأضاعه حاذون، فأما هجنة الطبع، وكدورة الفكر، وجمود النفس وخيس١ الخاطر، وضيق المضطرب، فنحمد الله على أن حماناه، ونسأله سبحانه أن يبارك لنا فيما آتاناه، ويستعملنا به فيما يدني منه، ويوجب الزلفة لديه، بمنه". ا. هـ.
هذا البحث النفيس لابن جني يذكرنا بماله من آراء جليلة أخرى، تتصل منها بموضوعنا قوله٢:
"حكى لنا أبو علي عن ابن الأعرابي، أظنه قال: يقال: درهمت الخبازى، أي: صارت كالدرهم، فاشتق من الدرهم، وهو اسم أعجمي.
وحكى أبو زيد: رجل مدرهم، ولم يقولوا منه: "درهم" إلا أنه إذا جاء اسم المفعول، فالفعل نفسه حاصل في الكف٣، ولهذا أشباه. . .". ا. هـ.
_________________
(١) ١ الخيس: الخطأ، أو الضلال. ٢ في كتابة: "الخصائص" ج١ ص٣٦٢ باب: "أن ما قيس على كلام العرب، فهو من كلام العرب". ٣ يريد: أنه ميسور، كأنه في يد من يريده، لا يتعب في البحث عنه، ولا في معرفة أنه مسموع، أو غير مسموع، بل يستعمله من غير تردد ولا رجوع إلى مراجع لغوية.
[ ٢ / ٥٩٨ ]
ثم قال بعد ذلك١:
"ليس كل ما يجوز في القياس يخرج به سماع؛ فإذا حذا إنسان على مثلهم، وأم مذهبهم، لم يجب أن يورد في ذلك سماعًا، ولا أن يرويه رواية. . .".
وكذلك قوله٢: "إذا ثبت أمر المصدر الذي هو الأصل لم يتخالج شك في الفعل الذي هو الفرع، قال لي أبو علي بالشام: إذا صحت الصفة فالفعل في الكف. وإذا كان هذا حكم الصفة كان في المصدر أجدر؛ لأن المصدر أشد ملابسة للفعل من الصفة؛ ألا ترى أن في الصفة نحو: مررت بإبل مائة، وبرجل أبي عشرة أهله. . .". ا. هـ.
صحة الاشتقاق من الجامد.
جاء في ص٦٩ من الكتاب المجمعي الصادر في سنة ١٩٦٩ مشتملًا على القرارات المجمعية الصادرة من الدورة التاسعة والعشرين إلى الدورة الرابعة والثلاثين، ما نصه تحت عنوان: "الاشتقاق من أسماء الأعيان، دون تقييد بالضرورة" بناء على رأي لجنة الأصول بمجمع اللغة العربية، وهو:
"قرر المجمع من قبل إجازة الاشتقاق من أسماء الأعيان للضرورة في لغة العلوم كما أقر قواعد الاشتقاق من الجامد".
واللجنة تأسيسًا على أن ما اشتقه العرب من أسماء الأعيان كثير كثرة ظاهرة، وأن ما ورد من أمثلته في البحث الذي احتج به المجمع لإجازة الاشتقاق يربي على المائتين ترى التوسع في هذه الإجازة؛ يجعل الاشتقاق من أسماء الأعيان جائز من غير تقييد بالضرورة". ا. هـ.
وقد وافق المجمع ومؤتمره العام على رأي اللجنة، وصدر قرار موافقتهما في الجلسة الثامنة من مؤتمر الدورة الرابعة والثلاثين سنة ١٩٦٨.
أما قواعد الاشتقاق المشار إليها، في القرار السالف، فقد ورد بيانها في الكتاب المجمعي الذي تقدم ذكره، ففي ص ٦٤ النص الآتي تحت عنوان:
_________________
(١) ١ في ص٣٦٧ من الفصل نفسه. ٢ جـ١ ص١٢٧ باب: "تعارض السماع والقياس"
[ ٢ / ٥٩٩ ]
١- إذا أريد اشتقاق فعل لازم من الاسم العربي الجامد، الثلاثي مجردة ومزيدة، فالباب فيه: "نصر" ويعدى إذا أريد تعديته بإحدى وسائل التعدية؛ كالهمزة، والتضعيف، "مثل: قطنت الأرض تقطن، كثر قطنها، وقطنتها: زرعتها قطنًا".
٢- أما إذا أريد اشتقاق فعل ثلاثي متعد فالباب فيه: "ضرب": "مثل قطنت الأرض، أقطنها، زرعتها قطنًا".
٣- وفي كلتا الحالتين يستأنس بما ورد في المعجمات من مشتقات للأسماء العربية الجامدة؛ لتحديد صيغة الفعل.
٤- ويشتق الفعل من الاسم العربي الجامد غير الثلاثي على وزن: "فعلل" متعديًا، وعلى وزن "تفعلل" لازمًا.
٥- وإذا كان الاسم رباعي الأصول أو رباعيًا مزيدًا فيه؛ مثل: درهم وكبريت اشتق منه على وزن: "فعلل" بعد حذف الزائد من المزيد؛ فيقال: درهم الزهر وكبرت، أي صار كالدرهم والكبريت.
٦- وإذا كان الاسم خماسيًا مثل: "سفرجل" اشتق منه على وزن "فعلل" بعد حذف خامسه، فيقال: "سفرج النبت" بمعنى: صار كالسفرجل.
٧- تؤخذ المشتقات الأخرى من هذه الأفعال على حسب القياس الصرفي.
ثانيًا- في الاسم الجامد المعرب:
٨- يشتق الفعل من الاسم الجامد المعرف الثلاثي على وزن: "فعل" بالتشديد متعديًا، ولازمه: "تفعل".
٩- ويشتق الفعل من الاسم الجامد المعرب غير الثلاثي على وزن: "فعلل" ولازمه: "تفعلل. . .".
[ ٢ / ٦٠٠ ]