الإضافة
المسألة ٩٣: الإضافة ١
تقسيمها:
تنقسم قسمين؛ محضة، "وتسمى: معنوية أو حقيقية"، وغير محضة،
_________________
(١) ١ فيما يلي إيضاح لمدلولها النحوي الدقيق، ولبعض المصطلحات التي تتصل بها: أ- في جملة مثل: "الوالد، منصف"، أو: "أنصف الوالد" يكون المراد هو: الحكم على الوالد بالإنصاف أي: إسناد الإنصاف إليه، وإن شئت فقل: نسبة الإنصاف إليه. وفي جملة أخرى مثل: "الصفح حسن" أو: "يحسُن الصفح" يكون المراد أيضا هو: الحكم على الصفح بالحُسن، أي: إسناد الحسن إليه، أو: نسبته له. وكذلك لو قلنا: "الحقوق غير مستريح" أو: "الحقود لا يستريح"، فإن المراد هو الحكم بعدم الراحة على الحقود، أي: إسناد عدم الراحة إليه، أو: نسبة عدم الراحة له، ونفيها عنه، وهكذا الشأن في كل جملة اسمية أو فعلية، مثبتة أو منفية؛ فالمراد من الجملة لا بد أن يكون هو: "الحكم"، أي: "الإسناد"، أي: "النسبة". وهذه الألفاظ الثلاثة متحدة في مدلولها الذي هو: "المعنى المفهوم من الجملة؛ إثباتًا أو نفيًا". ويعبر عنه النحاة بأنه: "الربط المعنوي بين طرفي الجملة ربطًا يقتضي أن يقع على أحدهما معنى الآخر، أو ينفى عنه". ويجري على ألسنتهم كثيرًا ذكر: "النسبة الأساسية" أو: "النسبة الكلية"؛ يريدون بها ذلك المعنى، أو: الربط المعنوي الذي لا يمكن أن تخلو منه جملة مستقلة بمعناها -كالجملة غير الشرطية- ولا أن تسمى جملة إلا به. وقد يختصرون فيقولون: "النسبة". دون وصفها بصفة "الأساسية" أو بـ "الكلية"؛ لاصطلاحهم على أنها المقصودة عند الإطلاق؛ أي: عند حذف الوصف والتحديد. ب- على ضوء ما سبق نفهم أن المراد الأصيل من الجملة الحقيقية المستقلة هو: "النسبة الأساسية" أو: "الكلية". لكن الملحوظ عند سماع جملة مثل: "أقبل ضيف" أن تتعدد الاحتمالات الذهنية في أمر هذا الضيف: ما اسمه؟ ما بلده؟ ما صلته بنا؟ ما غرضه؟ ما شأنه؟ و و كل هذا وأكثر منه لا يفهم من هذه الجملة وحدها، ولا تدل عليه النسبة الأصلية فيها، ومن ثم كانت الجملة في حاجة إلى زيادة لفظية تؤدي إلى زيادة معنوية؛ كأن نقول: أقبل ضيف عظيمٍ، فننسب العظمة للضيف. فهذه نسبة أيضًا، ولكنها نسبة جزئية أو فرعية، ليست أصيلة كالسابقة، إذ لا يتوقف -في الغالب- =
[ ٣ / ١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = على هذه النسبة الجزئية أو: الفرعية، المعنى الأساسي للجملة، ولا يختل بحذفها؛ فمن الممكن -غالبًا- الاستغناء عنها عن الزيادة اللفظية التي جلبتها. وكذلك لو قلنا: أقبل الضيف مبتسمًا، أو فرحت بالضيف يومًا أو غير هذا من الزيادات اللفظية الفرعية التي منها: الحال، والتمييز، والمفعولات، والتوابع، وغيرها من سائر "المكملات" التي تزداد على طرفي الجملة الأصلية؛ فتكسبها معنى جزئيًا جديدًا، قد يمكن الاستغناء عنه. والنحاة يسمون هذه النسبة الجزئية، أو الفرعية: "القيد"، أو: "النسبة التقييدية" يريدون بها: "النسبة التي جاءت لإفادة التقييد"، أي: لإفادة نوع من الحصر، والتحديد، ذلك أن اللفظ قبل مجيئها كان عامًّا مطلقًا يحتمل أنواعًا وأفرادًا كثيرة؛ فجاءت التكملة "أي: القيد" فمنعت التعميم والإطلاق الشاملين، وجعلت المراد محددًا محصورًا في مجال أضيق من الأول، ولم تترك المجال يتسع لكثرة الاحتمالات الذهنية التي كانت تتوارد من قبل. ج- من أمثلة التكملات كلمة: "الغرفة" في نحو: "أضاء مصباح الغرفة" فلو لم نذكر هذه الكلمة لكانت الجملة في حاجة إلى زيادة لفظية تتبعها زيادة معنوية جزئية، تزيل التعميم والإطلاق عن المراد من كلمة: "مصباح"؛ إذ لا ندري: أهو مصباح للغرفة، أم للطريق، أم للمصنع، أم للنادي ؟ فلما جاء القيد -وهو كلمة: "الغرفة"- أزال تلك الاحتمالات، وقصر الفهم على واحد منها، فأفاد التقييد، بأن جعل العام المطلق محدودًا محصورًا. ومثل هذا: قرأت أدب العرب- تمتعت بأدب العرب و فقد تبع الزيادة اللفظية الجزئية زيادة معنوية جزئية. ومما يلاحظ أن التكملة "أي: القيد" مجرورة في أمثلة هذا القسم: "ج" لا تفارق الجر مطلقًا. أما في غيرها فقد تكون التكملة مرفوعة، أو منصوبة، أو مجرورة، أو مجزومة على حسب حاجة الجملة. وتسمى التكملة الجزئية التي تلازم الجر دائمًا: "المضاف إليه" ويسمى اللفظ الذي قبلها، والذي جاءت لتقييده، وتحديد مدلوله: "المضاف" ويطلق عليهما معًا: "المتضايفان" و"الإضافة" هي الصلة المعنوية الجزئية التي بين المتضايقين، "وهما: المضاف، والمضاف إليه": ويقول النحاة في تعريفها: "إنها نسبة تقييدية بين اسمين، تقتضي أن يكون ثانيهما مجرورًا دائمًا". نعم، قد يكون المضاف إليه جملة -كما سيجيء البيان في ص ٢٨، وله إشارة في ص ٧٨ و٨٣ و٨٤، ولكن الجملة في هذه الحالة بمنزلة المفرد، أي: الاسم الواحد؛ فمحلها الجر، أما المضاف فلا بد أن يكون في جميع حالاته اسما يعرب على حسب الحاجة، ولا يصح أن يكون فعلًا، أو حرفًا، أو جملة "انظر ص٧ ج". مما تقدم نعلم؛ أن التكملة تسمى: "القيد"، أو: التنبية "التقييدية" وليست مقصورة على الإضافة، بل تشمل جميع المكملات. وأن التكملة في الإضافة تسمى: "المضاف إليه" ولا بد أن يسبقه: "المضاف"، وكلاهما لا بد أن يكون اسمًا واحدًا، وقد يكون المضاف إليه" جملة بمنزلة =
[ ٣ / ٢ ]
"وتسمى: لفظية، أو مجازية١ -ولها ملحقات٢-".
فالأولى: ما كان فيها الاتصال بين الطرفين قويًّا؛ وليست على نية الانفصال٣؛ لأصالتها، ولأن المضاف -في الغالب- خال من ضمير مستتر يفصل بينهما.
والأكثر أن يكون المضاف في الإضافة المحضة واحدًا مما يأتي:
١- اسم من الأسماء الجامدة الباقية على جمودها٤، كالمصادر٥، وأسماء
_________________
(١) = الاسم الواحد أي: المفرد -كما سبق- وكذلك نعلم أن المضاف إليه مجرور دائمًا، أما المضاف فلا يلازم حالة إعرابية واحدة؛ بل يعرب على حسب حالة الجملة التي يكون فيها. والأغلب في المضاف أن يكون معربًا. وقد يكون اسمًا مبنيًّا، مثل: "حيث"، و"إذا" الشرطية، و"كم" الخبرية، "كما سنعرف في هذا الباب"، ومثل بعض أنواع مبنية على فتح الجزأين من المركب المزجي العددي في نحو: هذه خمسةَ عشرَ محمد؛ طبقًا لما هو مذكور في باب العدد- ج٤ م١٦٤ ص ٤٠٠. "ملاحظة": يتردد في النحو اسم: "الشبيه بالمضاف" وهو يختلف اختلافًا واسعًا عن "المضاف". وتفصيل الكلام على هذا الشبيه، وعلى أحكامه، مدون في ج١ م٥٦ باب: "لا" النافية للجنس، عند الكلام على حكم اسمها، ص٦٩١. ١ يريدون "بالمحضة": التي بين طرفيها قوة اتصال وارتباط، وليست على نية الانفصال؛ لأصالتها، ولأنها لا يفصل بين طرفيها "وهما: المضاف والمضاف إليه" ضمير مستتر كالضمير الذي يفصل في الإضافة غير المحضة؛ فيجعلها كأنها غير موجودة؛ بسبب وجود هذا الفاصل الملحوظ، وإن كان مستترًا -كما سيجيء- في ص٣٤ عند الكلام عليها ويريدون "بالمعنوية": أنها تحقق الغرض المعنوي الذي يراد منها تحقيقه، وهو استفادة المضاف من المضاف إليه التعريف، أو التخصيص -كما سيأتي في ص٢٣- ولأنها تتضمن معنى حرف من حروف الجر سنعرفه بعد في ص١٦. ويريدون بالحقيقية: أنها تؤدي الغرض المعنوي السابق حقيقة، لا مجازًا -والمجاز الممنوع هنا هو الآتي في ص٣٣ وليس هو المعروف في البلاغة- ولا حكمًا أو تقديرًا. "وهذا خير ما يفسر به وصفها بالحقيقية" وستجيء إشارة لكل هذا بمناسبة أخرى في "ص ٢٣، ٣٣". ٢ ستجيء الملحقات في ص٤٠-د. ٣ يتضح المراد من "نية الانفصال"، ومن خلو الكلام من الضمير المستتر بما يجيء في ص٣٤. ٤ أي: غير المؤولة بالمشتق. ٥ وسيجيء في باب النعت عند الكلام على وقوع المصدر نعتًا، أن هناك مصادر مسموعة أضيفت إلى معرفة، فلم تكتسب منها التعريف بسبب أنها مصادر مؤولة بالمشتق؛ فإضافتها غير محضة. "انظر ص٤٦٤".
[ ٣ / ٣ ]
المصادر١، وكثير من الظروف، والجوامد الأخرى، نحو: لا يَتِم حسن الكلام إلا بحسن العمل -لو استعان الناس كعون النمل ما وجد بينهم شقي، ولا محروم- عند الشدائد تعرف الإخوان. لسان العاقل وراء قلبه، وقلب الأحمق وراء لسانه-
ومن الأمثلة للجوامد المضافة، الباقية على جمودها، الكلمات: أرض، بعض، جسم، فؤاد، في قول الشاعر:
أيها الراكب الميمم٢ أرضي اقر٣ من بعضيَ السلام لبعضي
إن جسمي -كما علمت- بأرض وفؤادي ومالكيه بأرض
ب- المشتقات الشبيهة بالجوامد؛ "وهي المشتقات التي لا تعمل مطلقًا٤، ولا تدل على زمن معين" كصيغ أسماء الزمان، والمكان، والآلة، مثل الكلمات: مسكن، مزرعة، محراث، منجل، مذارة، مَغْرب في نحو: "الفلاح كالنحلة الدءوب النافعة؛ يغادر مسكنه قبل الشروق، قاصدًا مزرعته؛ يعمل فيها ويكد؛ فلا تراه إلا قابضًا على محراثه، أو منحنيًا على فأسه، أو حاصدًا بمنجله، أو مذريًا بمذراته، أو متعهدًا زروعه. و ويظل على هذا الحال حتى المغرب؛ فيرجع من حيث أتى، دون أن يعرج على ملعب، أو ملهى، أو مقهى يسهر فيه، ثم يقضي الليل هادئًا نائمًا حتى يوافيه الصباح الجديد".
ويدخل في هذا النوع: المشتقات التي صارت أعلامًا؛ وفقدت خواص الاشتقاق، وبسبب استعمالها الجديد في التسمية٥؛ مثل الأعلام: محمود، حامد، حسن
_________________
(١) ١ سبق الكلام على اسم المصدر وإيضاح خصائصه في ج٢ ص١٧٤ م٧٥. وسيجيء الكلام عليه وعلى المصدر في باب خاص بهما. "ص ١٨١ و٢٠٧". ٢ القاصد. ٣ المراد: اقرأ، سهلت الهمزة؛ -بأن صارت ألفًا، أي: اقرأ ثم بنى فعل الأمر على حذف هذه الألف كالشأن في كل فعل أمر معتل الآخر؛ فإنه يبنى على حذف حرف العلة. ٤ سيجيء لها إشارة أخرى في ص٣٠ من هذا الجزء عند الكلام على المشتقات "اسم الفاعل و و ". ٥ كما سيجيء في هامش ص١٨٢.
[ ٣ / ٤ ]
ج- المشتقات التي لا دليل معها على نوع الزمن الذي تحقق فيه معناها١؛ نحو: قائد الطيارة مأمون القيادة؛ فإن كلمة: "قائد" اسم فاعل مضاف، وليس في الجملة دليل على نوع زمن القيادة؛ أهو الماضي، أم الحال، أم الاستقبال؟ وكذلك كلمة "مأمون" التي هي اسم مفعول.. "وتسمى هذه المشتقات الخالية من الدلالة الزمنية: بـ"المشتقات المطلقة الزمن٢".
د- المشتقات الدالة على زمن ماضٍ٣ فقط؛ نحو: عابر الصحراء أمس كان مملوء النفس أمنًا واطمئنانًا.
هـ- أفعل التفضيل -على الرأي المشهور٤- وهو من المشتقات التي لها بعض٥ عمل- مثل: أعجبت بشوقي، أشهر الشعراء في عصره، وقولهم: أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم أخلاقًا.
وإضافة الوصف إلى الظرف مع وجود القرينة الدالة على المضي أو على الدوام؛ مثل: أزال ساطعُ الصباح البهيج حالكَ الليل البهيم، وكقوله تعالى عن نفسه: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ .
_________________
(١) ١ كما سيجيء في "ب" من ص٤٠. ٢ سيجيء الكلام عليها في أبوابها الخاصة، من هذا الجزء، ولها إشارة في ص٣٠. ٣ لا يكفي دلالتها على الزمن الماضي وحده، بل لا بد مع ذلك أن تفقد العمل؛ لفقد بعض شروطه. "وستجيء في ص٢٣٨". ٤ راجع الصبان والتصريح -وغيرهما- في هذا الموضع، ثم حاشية ياسين على التصريح ج٢ باب: "أفعل التفضيل"، وعند الكلام على إضافته للنكرة. ويرى شارح المفصل "ج٣ ص٤" ومن معه أن إضافته غير محضة، ويطيل الإيضاح لهذا، ويؤكده. ٥ كعمله الجر في المضاف إليه، والنصب في تمييزه، ولأنه يرفع الفاعل، ولا ينصب المفعول به؛ ففي مثل: "مررت برجل أفضل القوم" ما سمع فيه أفعل التفضيل مضافًا إلى المعرفة مع أن المفضل نكرة يعرب أفعل التفضيل بدلًا من المفضل، لا صفة له، بناء على الرأي الأشهر السالف؛ لكيلا تقع المعرفة نعتًا للنكرة. نعم إن البدل المشتق قليل؛ كما يقول الصبان عند كلامه على الإضافة غير المحضة، ولكنه جائز مع قلته ومخالفته للأكثر، "كما في ص٣٨" ويعرب نعتا بناء على الرأي الآخر؛ لأنه لم يكتسب التعريف من المضاف إليه وإذا أضيف: "أفعل" المراد به التفضيل، وجب أن يكون بعضًا من المضاف إليه، وفردًا من جنسه، نحو: محمد أفضل الناس، أو: أفضل القوم، فلا يصح: الحصان أفضل الطيور، ولا الطائر أفضل الخيول، كما سيجيء تفصيل هذا في ص٤٠٢ من بابه.
[ ٣ / ٥ ]
والثانية: ما يغلب أن يكون فيها المضاف وصفًا١، عاملًا، دالًا على الحال، أو الاستقبال، أو الدوام. "ويسمى هذا الوصف: بـ"المشبه للفعل المضارع في العمل والدلالة الزمنية"، وينحصر في اسم الفاعل، واسم المفعول، بشرط أن يكونا عاملين، دالين على الحال، أو الاستقبال. وفي الصفة المشبهة في الرأي الراجح بين آراء أخرى قوية٢ ولا تكون إلا للدوام غالبًا؛ نحو: "استجب لطالب الحق اليوم"، قبل أن ينتزعه بعامل القوة غدًا"- "إذا شاهدت غلامًا مشرد النظرات، موزع الفكر، مسلوب الهدوء، فاعلم أنه بائس يستحق العطف، أو جان يستحق الزراية" –"عظيم القوم من يهوى عظيمات الأمور".
ويلحق بالإضافة غير المحضة بعض إضافات أخرى سيجيء الكلام عنها في موضعه المناسب٣ عند تناول ما سبق من بالإيضاح.
ولا بد في جميع حالات الإضافة المحضة وغير المحضة من أن يكون المضاف اسمًا٤ وكذا المضاف إليه. وقد يقع المضاف إليه -أحيانًا- جملة؛ فيكون في حكم المفرد -كما سنعرف-٥.
الأحكام المترتبة على الإضافة ٦:
يترتب على الإضافة بنوعيها أحكام؛ فبعضها واجب، وبعضها جائز. وأشهر الأحكام الواجبة أحد عشر٧:
_________________
(١) ١ ومن غير الغالب أن يكون المضاف غير وصف؛ كبعض الصور المتعددة الآتية في: "د" ص٤٠ وما بعدها، ومنها الصورة التي تستعمل في مدح شخص، أو: ذمه، أو: الدعاء عليه، وهي "في ص٤٦": "لا أبا لفلان" –على اعتبار زيادة اللام بين المتضايفين- وتفصيل الكلام عليها في ج١ م٨ في الأسماء الستة. ٢ انظر ص٣٧، ٢٩، ٣٠٧. ٣ في "د" من ص٤٠. بما يسمى بالأنواع الشبيهة بالإضافة غير المحضة. ٤ كما أشرنا في هامش ص٢ ويجيء في ص٧. ٥ في ص٢٨، ٨٤. ١ للأحكام التفصيلية الآتية ملخص مناسب في ص٧٠. ٢ هذه الأحكام حتمية "أي: واجبة المراعاة والتطبيق" أما الأحكام الأخرى الجائزة فأشهر أربعة، ستذكر بعدها مباشرة في الزيادة والتفصيل ص٦٢.
[ ٣ / ٦ ]
الأول: أن يكون "المضاف إليه" مجرورًا دائمًا١، ولا فرق بين أن يكون مجروًا في اللفظ؛ "نحو قول الشاعر:
على قدر أهل العزم تأتى العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم
ونحو: من وثق بأعوان السوء لقي منهم شر المصائب " ومجرور المحل٢؛ نحو: من التمس تقويم ما لا يستقيم كان عابثًا، وإخفاقه محققًا. ونحو: نعم العربي؛ يسرع للنجدة حين يدعوه الداعي.. و.. فكلمة: "ما" مضاف إليه مبنية على السكون في محل جر. والضمير "الهاء" -في إخفاقه- مضاف إليه مبني على الضم في محل جر. والجملة المضارعية: "يدعو" مضاف إليه في محل جر.
وإذا كان المضاف إليه هو: "ياء المتكلم"٣ فإنه يستوجب أحكامًا أخرى غير الكسر، ستجيء في باب خاص به٤.
أما المضاف فلا بد أن يكون اسمًا -كما سبق- ويعرب على حسب حالة الجملة؛ فيكون مبتدأ، أو خبرًا، أو فاعلًا، أو غير ذلك والكثير أن يكون معربًا، ومنه ما يكون مبنيًا، ولا يمنعه البناء من أن يكون مضافًا؛ مثل: حين، حيث، إذ، إذا، لدن و ٥ وغيرها مما سيمر بعضه في هذا الباب
والمضاف هو عامل الجر في المضاف إليه٦- تبعًا للرأي المشهور.
_________________
(١) ١ ومعناه يخالف معنى المضاف؛ لأن الإضافة -ولا سيما المحضة- تقتضي مغايرة المتضايفين في مدلولهما؛ "كما سيجيء، في رقم ٦ من هامش ص٤٠" إلا بعض الحالات هناك، ولا بد أن يكون المضاف إليه اسمًا، ولو تأويلًا؛ كما في هامش ص٢ وفي ص٦. ٢ يكون مجرورًا في اللفظ إذا كان معربًا، ويكون مجرور المحل إذا كان مبنيا؛ كالضمائر، والموصولات، و أو كان جملة، فالمبني والجملة كلاهما في محل جر. ٣ الإضافة لياء المتكلم المحذوفة أو المنقلبة ألفًا تسمى "الإضافة المقدرة". أما الإضافة للياء المذكورة فنوع من "الإضافة الظاهرة". -كما سيجيء في "ب" من ص١٧٣. وهذا تقسيم آخر للإضافة. ٤ ص١٦٩. ٥ لما تقدم في إشارة في آخر "ج" من هامش ص٢. ٦ قلنا في الجزء الثاني "باب حروف الجر، هامش ص ٣٣٨ م٨٩" إن جر الاسم بالإضافة هو سبب من أسباب ثلاثة أصيلة، كل واحد منها يوجب جره، أولها: جره بحرف الجر، =
[ ٣ / ٧ ]
الثاني: وجوب حذف نون المثني، ونون جمع المذكر السالم، وملحقاتهما -إن وقع أحدهما مضافًا مختومًا بتلك النون. فمثال حذفها من آخر المثنى المضاف قول الشاعر:
العين تعرف من عيني محدثها إن كان من حزبها أو من أعاديها
ومثال حذفها من آخر الملحق بالمثنى١ قول الشاعر:
بدت الحقيقة غير خافٍ أمرها واثنا٢ عليٍّ يشهدان بما بدا
ومثال حذفها من جمع المذكر: الجنود حارسو الوطن، باذلو أرواحهم
_________________
(١) = وثانيها: جره بالإضافة، وثالثها: جزء بالتبعية لمتبوع مجرور، كأن يكون التابع نعتًا، أو: معطوفًا، أو: توكيدًا، أو بدلًا، والمتبوع في كل تلك الحالات مجرور، فيجب جر التابع محاكاة له. وهناك سببان آخران للجر؛ أحدهما الجر على: "التوهم"؛ ومن صواب الرأي إهماله، وعدم الاعتداد به "كما قلنا في ج١ ص ٦٠٩ م ٤٩ حيث توضيحه، وتفصيل الكلام عليه". والآخر الجر على: "المجاورة"؛ والواجب التشدد في إغفاله، وعدم الأخذ به مطلقًا. "كما أشرنا في الموضع السابق وفي ج٢ م٨٢ ص٣٢٣ وص٤٠١ م٨٩". أما الداعي لاتخاذه سببًا للجر فورود أمثلة قليلة جدًا، وبعضها مشكوك فيه-، قد اشتملت على جر الاسم من غير سبب ظاهر لجره، إلا مجاورته لاسم مجرور قبله مباشرة؛ منها: "هذا حجر ضب خرب"، بجر كلمة: "خرب"، مع أنها صفة "لحجر" ولا تصلح صفة "لضب"؛ لأن الضب لا يوصف بأنه خرب، ومنها: "يا صاح بلغ ذوي الزوجات كلهم " بجر كلمة: "كل"، مع أنها توكيد لكلمة: "ذوي" المنصوبة؛ إذ لو كانت توكيدًا لكلمة: "الزوجات" لقال كلهن. وقد تأول النحاة المثال الأول بأن أصله: هذا حجر ضب خرب الحجر منه، أو خرب جحره، ثم حذف ما حذف، وبقي ما بقي، واشتد الجدل في نوع المحذوف وصحة الحذف وعدم صحته، على الوجه المبين في المطولات "ومنها همع الهوامع ج٢ ص٥٥" وقالوا ف المثال الثاني إنه خطأ أو ضرورة. واتفق كثير من أئمة النحاة على أن الجر بالمجاورة ضعيف، أو ضعيف جدًا. وجاء في "المحتسب" لابن جني -ج٢ ص٢٩٧- ما نصه: "إن الخفض بالجوار –أي: بالمجاورة- في غاية الشذوذ" ا. هـ بل جاء في كتاب "مجمع البيان" لعلوم القرآن" -ج٣ ص٣٣٥ ما نصه: "إن المحققين من النحويين نفوا أن يكون الإعراب بالمجاورة جائزًا في كلامهم..". ا. هـ، أي: في كلام العرب؛ وعلى هذا لا يصح القياس عليه، ولا يستعمل إلا في المسموع "كما جاء في خزانة الأدب، للبغدادي، ج٢ ص٣٢٤". ١ من الملحق بالمثنى: "اثنان" و"اثنتان" وقد سبق تفصيل الكلام على المثنى وملحقاته في ج١ ص٧٦ م٩. ٢ أي: عيناه، أو: صاحباه.
[ ٣ / ٨ ]
في حمايته. ومثال حذفها من الملحق١ به قولهم: أحب الناس للمرء أهلوه؛ فلا يقض سني حياته في معاداتهم، أو مقاطعتهم. وقول بعضهم يصف شهرًا من شهور الصيف: لقد اشتدت وقدته، وتأجج سعيره، وأحرقتنا ثلاثوه، وكان الأصل٢ قبل الإضافة: عينين، اثنان، حارسون، باذلون، أهلون، سنين، ثلاثون.
فإن كانت النون الأخيرة ليست للتثنية ولا لجمع المذكر السالم، ولا لملحقاتها لم يجز حذفها من المضاف؛ كالنون التي في آخر المفرد، مثل: سلطان، حنان، وكالتي في آخر جمع التكسير، مثل: بساتين، رياحين؛ تقول: سلطان الضمير أقوى من سلطان القانون، حنان الآباء والأمهات لا يسمو إليه حنان أحد، كان العرب القدامى مفتونين ببساتين الشام ورياحينها، يكثرون القول في وصفها، والتغني بمباهجها.
_________________
(١) ١ ومن الملحق بجمع المذكر السالم: أرضون، سنون، عالمون، أهلون، و "وقد سبق الكلام على هذا الجمع وملحقاته في ج١ ص٨١ م١١". ٢ يجب أن يحذف مع نون المثنى وجمع المذكر حرف اللام الذي يقع فاصلًا بينها وبين ياء المتكلم الواقعة مضافًا إليه، في مثل: هذان أستاذاي، وهؤلاء أستاذِيَّ. ومثل قول الشاعر: خليليَّ إن المال ليس بنافع إذا لم ينل منه أخر وصديق وقولهم: إن مكرسِيَّ أهل تفضل لا أنساه. والأصل: استأذن لي، أستاذون لي، خليلين لي، مكرمين لي، ثم حذفت اللام مع النون. وقيل أنها حذفت للتخفيف. وسواء أكان هذا أم ذاك فلا بد من حذف اللام مع النون، فلا قيمة للخلاف.. و كما سيأتي في باب: "المضاف للياء". "رقم١ من هامش ص١٧٨".
[ ٣ / ٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
١- هناك حالة يجوز فيها حذف النون وعدم حذفها من آخر المثني وجمع المذكر السالم، مع عدم إضافة كل منهما. وتحقق هذه الحالة في الإضافة غير المحضة حين يكون المضاف وصفًا عاملًا بعده معموله. والغالب١ في هذا الوصف أن يكون صلة "أل"؛ نحو: اشتهر المتقنان العمل، اشتهر المتقنون العمل فعند إثبات النون في الوصف -كما في المثال- يتحتم إعراب كلمة: "العمل" مفعولًا به للوصف. وعند حذفها، مثل اشتهر المتقنا العمل، اشتهر المتقنو العمل يجوز في كلمة: "العمل" أمران:
أحدهما: الجر على اعتبارها مضافًا إليه، والوصف قبلها هو المضاف، حذفت من آخره نون التثنية، أو الجمع؛ بسبب إضافته.
والثاني: النصب على اعتبارها مفعولًا به للوصف، حذفت النون من آخره للتخفيف، لا للإضافة؛ إذ الوصف في هذه الصورة ليس مضافًا، وإنما حذفت من آخره "النون" -بالرغم من عدم إضافته-؛ متابعة لبعض القبائل التي تجيز حذفها من آخر المثني، وجمع المذكر السالم، بشرط أن يكون كل منهما وصفًا عاملًا يغلب١ أن يكون صلة "أل" وبعده مفعوله غير مجرور؛ كما شرحنا.
_________________
(١) "١، ١" لأنها قد تحذف في حالات أخرى "سبق بيانها في ج١ م٥٦ ص٦٩١ باب: لا النافية للجنس". وإنما قلنا: الغالب في الوصف أن يكون صلة "أل" اعتمادًا على ما قاله الصبان هنا وفي الجزء الأول في باب: الإعراب؛ عند الكلام على حركة نون المثنى والجمع" حيث صرح فيهما بأن الوصف صلة. ومعلوم أن الوصف لا يكون صلة إلا لأل، أما غير الغالب فعدم وقوعه صلة لها، وهذا يفهم من كلامه في باب الإعراب السالف في الموضع المشار له. كما يفهم من ج٢ آخر باب الإضافة عند كلامه على مواضع الفصل بين المتضايفين بشبه الجملة.
[ ٣ / ١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) لكن من الخير إهمال هذه الصورة اليوم، وعدم محاكاتها –وإن كانت محاكاتها جائزة، لما قد تحدثه من لبس وإبهام ينافيان الغرض الصحيح من اللغة، وما يجب أن توصف به. وإنما عرضناها، كما نعرض نظائر لها في بعض الأحيان، للسبب الذي نردده كثيرًا، وهو: الاستعانة بها على فهم الوارد منها. في النصوص القديمة، دون الموافقة على محاكاتها.
[ ٣ / ١١ ]
الثالث: وجوب حذف التنوين إن وجد في آخر المضاف قبل إضافته؛ كقولهم: بناء الظلم إلى خراب عاجل، وكل بنيان عدل فغير منهدم. فقد حذف التنوين من الكلمات المعربة: "بناء، كل، بنيان، غير "، وبسبب الإضافة. ولو زالت الإضافة لعاد التنوين.
الرابع: وجوب حذف "أل" من صدر المضاف، بشرط أن تكون زائدة١ في أوله للتعريف، أو لغيره، وأن تكون الإضافة محضة، نحو: بلادنا تاج الفخار للشرق، وهي درة عقده. والأصل: البلاد، التاج، الدرة، العقد. فحذفت "أل" من أول كل مضاف.
فإن كانت "أل" غير زائدة؛ "نحو: ألف، وألباب"٢ لم تحذف.
أما إن كانت الإضافة غير محضة، فيجب حذف "أل" أيضًا إلا في الحالات الأربع التالية٣:
أ- أن توجد في المتضايفين معًا "أي: في المضاف والمضاف إليه، معًا"؛ نحو: الوالدان هما الرحيما القلب، العلماء هم المؤسسو الحضارة.
ب- أن توجد في المضاف دون المضاف إليه، ويكون المضاف إليه مضافًا إلى اسم مبدوء بها؛ نحو: أعاون المؤسسي نهضة البلاد، وأعتقد أنهم الرائدو خير الوطن.
ج- أن توجد في المضاف دون المضاف إليه ويكون المضاف إليه مضافًا
_________________
(١) ١ أي: بشرط أن تكون غير لازمة، واللازمة -هنا- هي المعدودة من بنية اللفظ، أي: من حروفه التي لا بد من وجودها ليؤدي المراد الأصيل منه، كالتي لا تفارق الأعلام مطلقًا؛ مثل: "ألكن، ألفيّ، وألطاف، وإلهام، وألوان، وألحان"- أعلاما ٢ جمع: لب، بمعنى: عقل. ٣ مما تجب ملاحظته: أن "الإضافة" تعتبر محضة لا يجوز فيها وجود "أل" في "المضاف" إذا كان المضاف "المشتق" دالًّا على الزمن الماضي فقط مع عدم استيفائه لبقية الشروط اللازمة للإعمال، "والتي يجيء بيانها في ص٢٤٦؛ -كما سبق في ص٥ و٦"- فلا يصح: جاء العابر النهر أمس. فلا بد لصحة الجمع بين "أل" و"الإضافة" في المشتق العامل "كاسم الفاعل و " أن يكون عاملًا زمنه للحال أو الاستقبال أو الاستمرار الذي يشمل الأزمنة الثلاثة؛ نحو: انظر العابر النهر الآن، انظر العابر النهر غدًا، إن الله المدبر الأمور.
[ ٣ / ١٢ ]
إلى ضمير يعود على لفظ مشتمل عليها، نحو: المجد أنتم المدركو قيمته، والفضل أنتم الباذلو غايته.
د- أن توجد في المضاف دون المضاف إليه بشرط أن يكون المضاف مثني أو جمع مذكر سالمًا؛ نحو: أنتما الصانعا معروف، أنتم الصانعو معروف. ومنه قول الشاعر:
وما لكلام الناس فيما يريبني أصول، ولا للقائليه أصول
وفي غير هذه الحالات الأربع الخاصة بالإضافة غير المحضة يجب حذف "أل" كما قلنا. ففي كلمات مثل: العزيز، الشاهد، السارق، الأفضل و وأشباهها نقول فيها عند إضافتها: عزيز قومه مطاع فيهم، شاهد زور أكبر ضررًا من سارق مال. أفضل مواهب المرء عقله و
[ ٣ / ١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
١- الكوفيون يجيزون في الإضافة المحضة دخول "أل" على المضاف، بشرط أن يكون اسم عدد، وأن يكون المضاف إليه هو المعدود، وفي أوله "أل" أيضًا؛ فلا بد من وجودها فيهما معًا، نحو: قرأت الثلاثة كتب في السبعة الأيام. وحجتهم في هذه الإجازة السماع عن العرب، وورود عدة أمثلة صحيحة تكفي عندهم للقياس عليها. والبصريون لا يجيزون هذا، مستندين في المنع إلى أن العدد مع المعدود هو ضرب من المقادير، والمقادير لا يجوز فيها ما سبق؛ فكما لا يصح أن يقال: اشتريت الرطل الفضة، -بالإضافة- لا يصح كذلك أن يقال: الثلاثة الكتب -بالإضافة- حملًا للنظير على نظيره، وقياسًا للشيء على ما هو من بابه. فَعِلَّة المنع عندهم: "التنظير".
والحق أن حجة الكوفيين هي الأقوى؛ لاعتمادها على السماع الثابت، وهو الأصل والأساس الذي له الأولوية والتفضيل؛ فلا مانع من الأخذ له لمن شاء غير أن المذهب البصري أكثر شهرة، وأوسع شيوعًا؛ فمن الخير الاكتفاء بمحاكاته؛ لتماثل أساليب البيان اللغوي، وتتوحد، حيث يحسن التماثل والتوحد١.
ب- في مثل: "جاء المكرمك". من كل وصف عامل مبدوء: بـ"أل" ومفعوله ضمير بعده٢- يعرب هذا الضمير "وهو هنا: الكاف"
_________________
(١) ١ وهذا ما دعانا إلى استحسان الرأي البصري، والاقتصار عليه عند الكلام على المعرف "بأل" إذا أريد إضافته. "البيان، والصور المتعددة، ج١ ص٣٢٠ م٣٢". ٢ ومنه قول الشاعر: ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى وأن أشهد اللذات، هل أنت مخلدي؟ ومثل البيت الأخير من أبيات "شوقي" التالية، يخاطب أبا البنات، الذي لم يرزق بنين: إن البنات ذخائر من رحمة وكنوز حب صادق، ووفاء الساهرات لعلة، أو كبرة والصابرات لشدة وبلاء والباكياتك حين ينقطع البكا والزائراتك في العراء النائي "الكبرة: الشيخوخة، العراء النائي: الخلاء والفضاء البعيدان. والمراد بهما: المقابر".
[ ٣ / ١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مفعولًا به في محل نصب، ولا تصح الإضافة؛ لوجود "أل" في صدر المضاف؛ إذ هذه الصورة ليست من الصور السالفة١ التي تباح فيها الإضافة مع وجود: "أل" في المضاف.
ويتعين في الضمير "الكاف" الجر المحلى بالإضافة إن كان الوصف مجردًا من: "أل" في مثل: "جاء" مكرمك"، لفقد التنوين؛ إذ لم نقل: جاء مكرم إياك. أما إن كان مفعول الوصف ظاهرًا بعده فإن آثار الإضافة ستظهر عليه جلية؛ وتتبين بجره، مع حذف التنوين من الوصف المضاف، وإلا فلا إضافة فينصب المفعول به بعد الوصف
ومثل الضمير "الكاف" في وجوب النصب: الضمير "الهاء" في: "أوضعه" من قولهم المأثور: "لا عهد لي بألأم قفًا منه، ولا أوضعه". بفتح العين -كما وردت سماعًا- فـ"الهاء" هنا مثل "الكاف" في المثال السابق. إلا أن "الكاف" مفعول به، و"الهاء" مشبه بالمفعول به هنا؛ لأن اسم التفضيل لا ينصب مفعولًا به. وليست كلمة "أوضع" مضافة، و"الهاء" مضافة إليها؛ لأنها لو كانت مضافة لوجب جرها بالكسرة لا بالفتحة التي سمعت بها. على أنه لا مانع من جرها في استعمالنا الآن على الإضافة٢.
وفي مثل: "مررت برجل أبيض الوجه لا أحمره"، يجوز جر: "أحمر" بالفتحة؛ على اعتباره معطوفًا على كلمة "أبيض"، و"الهاء" بعده في محل نصب؛ على "التشبيه بالمفعول به" للصفة المشبهة: "وهي أحمر" ويجوز جر: "أحمر" بالكسرة: على اعتباره معطوفًا على أبيض أيضًا، مضافًا، و"الهاء" مضاف إليه، مبنية على الضم في محل جر٣.
_________________
(١) ١ في ص ١٢ وما بعدها. ٢ لهذه المسألة اتصال وثيق بالحكم الهام الذي يجيء في ص٤٢٢، باب: "أفعل التفضيل" خاصًا به إذا كان معطوفًا على "أفعل" آخر. ٢ وقد نص على هذا صاحب المغني ونقله عنه الصبان في هذا الموضع من الباب.
[ ٣ / ١٥ ]
الخامس: وجوب اشتمال الإضافة المحضة على حرف جر أصلي١، مناسب، اشتمالًا أساسه التخيل والافتراض، لا الحقيقية والواقع؛ فيلاحظ وجوده، مع أنه غير موجود إلا في التخيل، أو: في النية٢ -كما يقولون-.
والغرض من هذا التخيل: الاستعانة بحرف الجر على توصيل معنى ما قبله إلى ما بعده؛ كالشأن في حرف الجر الأصلي٣، وأيضًا الاستعانة على كشف الصلة المعنوية بين المتضايفين، "وهما: المضاف والمضاف إليه"، وإبانة ما بينهما من ارتباط محكم، وملابسة "أي: مناسبة" قوية لا تتكشف ولا تبين إلا من معنى حرف الجر المشار إليه٤. بشرط أن يكون هذا الحرف خفيًّا متخيّلا، مكانه بين المضاف والمضاف إليه، وأن يكون أحد ثلاثة أحرف أصلية؛ هي: "من"، "في"، "اللام"٥.
_________________
(١) ١ أما غير المحضة فالصحيح أنها لا تشتمل على حرف جر "خفي ملحوظ". وقيل: إنها تشتمل على "اللام"، والأول هو الأرجح الذي يجب الاقتصار عليه. ٢ هذا تعبير النحاة. ٣ أوضحنا هذا في باب حروف الجر، ج٢ م٨٩ ص٣٤٠. ٤ يرى بعض النحاة أن الإضافة المحضة ليست على تقدير حرف خفي، ولا على ملاحظة وجوده مع اختفائه وحجته: أنه لو كان هناك حرف خفي ملحوظ ما وقع فرق في المعنى بين: كتاب محمد، وكتاب لمحمد؛ فيتساوى المعنينان، مع أنهما غير متساويين في الواقع، لأن كلمة: "كتاب" الأولى معرفة، والثانية نكرة؛ وفرق كبير في المعنى بين المعرفة والنكرة. وقد دفعوا حجته بمنع المساواة؛ قائلين: إن المراد من كون الإضافة على معنى حرف -كاللام مثلًا- مجرد ملاحظة معنى "اللام". وهذه الملاحظة المجردة لا تمنع من تعريف المضاف، ولا من تخصيصه، على الوجه الآتي في الحكم السادس ص٢٣ ما دام حرف الجر مختفيًا لا يظهر في الجملة بين المتضايفين. أما إذا ظهر بينهما فإن الأمر يتغير؛ فتخلو الجملة عندئذ من اسم المضاف والمضاف إليه؛ لأن كلا منهما يفقد اسمه هذا بسبب ظهور حرف الجر، ويزول ما كان يكتسبه المضاف من المضاف إليه من تعريف أو تخصيص؛ حيث لا يوجد الآن إضافة مطلقًا. فمجرد الملاحظة لا يستلزم المساواة التامة بين "كتاب محمد" و"كتاب لمحمد" من كل وجه، إذ المراد من "كتاب محمد"، بمعنى: "كتاب لمحمد" ملاحظة معنى "اللام" فقط دون التصريح بها، ودون منع تعريف أو غيره مما يستفيده المضاف من المضاف إليه. فالأمر مقصور على مجرد تفسير جهة الإضافة في المثال المذكور وأشباهه؛ من ناحية الملك، أو: الاختصاص، ونحوه، ليس غير. ٥ وبسبب هذا الأثر المعنوي، مزيدًا عليه الأثر الموضح في الحكم السادس التالي ص٢٣، سميت "إضافة معنوية"- كما سبق في رقم ١ من هامش صفحة ٣، وكما سيجيء في صفحة رقم ٢٤.
[ ٣ / ١٦ ]
وإنما انحصر الاختيار في هذه الثلاثة؛ لأنها -دون غيرها- أقدر على تحقيق الغاية المعنوية؛ فالحرف: "من" يدل على أن المضاف بعض المضاف إليه.." والحرف: "في" يدل على أن المضاف إليه يحوي المضاف كما يحوي الظرف المظروف والحرف: "اللام" يدل على ملكية المضاف إليه للمضاف، أو اختصاصه به بنوع من الاختصاص فمثال: "من" قول أعرابية لابنها الخارج إلى القتال، وقد رأته متزينًا:
حرام على من يروم انتصارا ثياب الحرير، وحلي الذهب
أي: ثياب من الحرير، وحلي من الذهب. ومثال "في" قول الشاعر:
ولقد ظفرت بما أردت من الغنى بكفاح صبح، واجتهاد مساء
أي: بكفاح في صبح، واجتهاد في مساء. ومثال "اللام" قول الشاعر في وصف الصحف:
لسان البلاد، ونبض العباد وكهف الحقوق، وحرب الجنف١
أي: للبلاد، للعباد، للحقوق، للجنف.
ومن الواجب التنبه لما قلناه من أن الحرف الجار -في الأمثلة السالفة وأشباهها- لا وجود له في الحقيقة الواقعة، ولا في التقدير الذي يقوم مقامها، وإنما وجوده مقصور على التخيل، ومجرد النية. ولهذا لم يعمل الجر في المضاف إليه -في الرأي المشهور- ولم يحتاجا معًا إلى عامل يتعلقان به؛ إذ التعلق لا يكون إلا للجار والمجرور الحقيقيين الأصليين. وبالرغم من أن هذا الحرف خيالي محض فإن التصريح به جائز في أكثر الإضافات المحضة٢
ولكن أيصلح كل حرف من تلك الأحرف الثلاثة لكل إضافة محضة؛ بحيث يصح أن يحل هذا الحرف محل ذاك، والعكس، بغير ضابط ولا اشتراط شيء، أم أن الأمر في الاختيار مقيد بشرط خاص، وخاضع لضابط معين؟.
وبعبارة أخرى: أيباح استعمال كل واحد من الأحرف الثلاثة في كل إضافة
_________________
(١) ١ الميل عن الحق، الظلم. ٢ سيجيء في قسم "أ" ص٢١ بعض الصور التي لا يصح فيها التصريح بحرف الجر.
[ ٣ / ١٧ ]
محضة، أم أن لكل إضافة محضة حرفًا واحدًا يناسبها، ولا يصلح لها سواه؟.
نعم لكل واحدة منها حرف يناسبها، ولا يجوز اختيار غيره، وإلا فسد المعنى المراد، ولهذا قالوا: إذا صلح لواحدة أكثر من حرف جر وجب أن يختلف المعنى باختلاف الأحرف الجارة الصالحة؛ لأن لكل حرف من الثلاثة معنى خاصًّا به، لا يؤديه غيره، فلا يمكن أن تتفق المعاني في إضافة واحدة مع اختلاف هذه الأحرف.
وفيما يلي بيان الضابط الذي يراعى عند اختيار أحد الأحرف الثلاثة: "وقد جرى الاصطلاح النحوي عند اختيار حرف منها أن يذكر اسم الحرف؛ فيقال: الإضافة على معنى "من"١، أو: الإضافة على معنى: "في"، أو الإضافة على معنى: "اللام".
١- تكون الإضافة على معنى: "من"، إن كان المضاف إليه جنسًا عامًا يشمل المضاف، ويصح إطلاق اسمه على المضاف، وإن شئت فقل: أن يكون المضاف بعض المضاف إليه، مع صلاحية المضاف لأن يكون مبتدأ خبره المضاف إليه٢، من غير فساد للمعنى، مثل: ثياب حرير، حلي ذهب فالحرير: مضاف إليه، وهو جنس عام، يشمل أشياء كثيرة؛ منها الثياب، وغيرها. والذهب جنس عام يشمل أشياء متعددة، منها الحلي وغيره، فالمضاف في الحالتين -ونظائرهما- بعض مما يشمله المضاف إليه، ولو سمي باسم المضاف إليه لكانت التسمية صحيحة، ولو وقع المضاف مبتدأ خبره المضاف إليه ما فسد المعنى، فيصح؛ الثياب حرير، الحلي ذهب..
_________________
(١) ١ هي "من البيانية" التي سبق بيانها وبين أحكامها الأخرى في باب حروف الجر ج٢ ص٣٣٨ م٩٠. ٢ إلا في المسألة التي في هامش الصفحة التالية.
[ ٣ / ١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
من الإضافة التي على معنى: "من": إضافة الأعداد إلى المعدودات؛ نحو: اشتريت أربعة كتب. ويدخل في هذا النوع إضافة العدد إلى عدد آخر؛ نحو: عندي من الكتب ثلاثمائة١.
ومنها: إضافة المقادير إلى الأشياء المقدرة؛ نحو: بعت فدان قطن.
وإذا كانت الإضافة على معنى "مِن" جاز في المضاف إليه أوجه إعرابية أخرى، فيجوز أن يعرب بدلًا، أو عطف بيان، وتزول بوجودهما الإضافة وتكون حركة آخره تابعة لحركة المتبوع الذي كان مضافًا في الأصل. كما يجوز أيضًا -إن كان نكرة- نصبه على الحال أو التمييز بعد الاستغناء عن الإضافة؛ ففي مثل: هذه ساعة فضة، يصح إعراب: "فضة" مضافًا إليه مجرورًا، والمضاف هو كلمة: "ساعة" خبر مرفوع، مجرد من التنوين. ويصح في كلمة: "فضة" إعرابها بدلًا، أو عطف بيان، فتكون مرفوعة، تبعًا لكلمة "ساعة" المرفوعة، والتي يجب أن يرجع إليها التنوين في هذه الصورة بعد زوال الإضافة. ويصح أيضًا إعراب كلمة "فضة" حالًا أو تمييزًا؛ فيجب نصبها كما يجب تنوين كلمة: "ساعة" في هذه الصورة أيضًا، بعد زوال الإضافة.
ولكل صورة إعرابية من الصور الصحيحة السالفة معنى يختلف عن الآخر؛ لأن المعنى الذي يؤديه البدل أو عطف البيان يغاير ما يؤديه الحال أو التمييز، وكذا ما يؤديه هذان.
_________________
(١) ١ عرفنا أنهم اشترطوا في الإضافة التي على معنى: "من" أن يكون المضاف إليه جنسًا المضاف ، وأن يصح وقوع المضاف إليه خبرًا عن المضاف. لكن هذا لا يتحقق في إضافة العدد للعدد؛ إذ لا يصلح أن يقال: "الثلاث مائة " غير أنهم قالوا إن إضافة العدد للعدد هي على معنى "من" ولا يضر عدم صحة الأخبار في الظاهر؛ لأن المراد بالمضاف إليه هنا الجمع فيشمل المضاف. فالمقصود من المائة "وهي المفرد المضاف إليه" المئات؛ فكأنك تقول: الثلاث مئات وبهذا التأويل يتحقق الشرط السالف. وقد يقال: لا داعي للتأويل والتقدير ما دامت العرب قد نطقت بهذا
[ ٣ / ١٩ ]
ب- تكون الإضافة على معنى: "في" إن كان المضاف إليه ظرف زمان أو مكان واقعًا فيه المضاف١: نحو: يحرص كثير من الناس على رحلة الشتاء إلى المشاتي، ورحلة الصيف إلى السواحل البحرية. أى: رحلة في الشتاء، ورحلة في الصيف. ونحو: قول شوقي في وصف الظبي:
"عروس البيد، الفاتن كالغيد إذا شرع في السماء روقيه٢، خلته دمية محراب، أو شجيرة عليها تراب". يريد: عروس في البيد، دمية في محراب
ج- تكون الإضافة على معنى "اللام" إن كان معناها هو الذي يحقق القصد، دون معنى: "من" أو "في"؛ كالإضافة التي يراد منها بيان الملك، أو الاختصاص، في مثل: يضع العربي يده في يد أخيه، ويعاهده على النصر والتأييد والفداء. أي: يد له في يد لأخيه. وقول شوقي يخاطب أبا الهول٣:
أبا الهول، أنت نديم الزمان نجي الأوان٤، سمير العصر٥
أي: نديم للزمان -نجي للأوان- سمير للعصر، فالإضافة في هذه الصورة وأشباهها على معنى: "اللام" ولا تصلح أن تكون على معنى "من" أو: "في".
والغالب في اللام الملحوظة أن تكون لبيان الملك أو الاختصاص٦. فإن صلح في مكانها ملاحظة حرف آخر وجب أن يقوم المعنى على ملاحظة الحرف الذي يحقق القصد؛ لأن لكل حرف -كما أشرنا٧- معنى يؤديه؛ فالحرف الذي يؤدي المعنى الذي يريده المتكلم يكون هو الحرف المطلوب.
_________________
(١) ١ ليس من اللازم أن يكون المضاف إليه ظرفًا حقيقيًا للزمان أو المكان تنطبق عليه شروطهما، وإنما الغرض أن يكون وعاء للمضاف، وغلافًا يحتويه. ويكفي أن تكون الظرفية مجازية. ٢ قرنيه: -تثنية: قرن-. ٣ تمثال فرعوني من أقدم آثار الفراعين، وأروعها صورة، وأكملها إتقانًا، رأسه رأس إنسان وجسمه جسم أسد. ٤ الزمن الحديث. ٥ بمعنى: الدهر. أو: جمع عصر. ٦ انظر رقم "١" في الصفحة التالية، وقد سبق شرح هذا في الجزء الثاني، باب: "حرف الجر. ص٣٦٤ م٩٠. ٧ في ص١٨.
[ ٣ / ٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
١- قد تكون الإضافة على معنى: "اللام" ولكن لا يصح التصريح١ بهذا الحرف، مثل: يوم السبت، يوم الأحد، و ومثل: علم الحساب، علم الهندسة، و وفي هذه الحالة يكتفي من اللام بتحقيق الغرض من مجيئها؛ وهو: إفادة الاختصاص.
وهناك صور أخرى لا يصح التصريح فيها باللام إلا إذا تغير لفظ المضاف، وحل محله لفظ آخر يرادفه أو يقاربه؛ ومن هذه الصور: ذو مال، عند علي، -مع الوالد- كل رجل.. فتصير بعد التغيير الذي لا يفسد المعنى: صاحب مال، مكان علي، مصاحب الوالد، أفراد الرجل.
٢- الأصل أن تكون النسبة الإضافية قوية، أي: أن تكون الصلة المعنوية بين المضاف والمضاف إليه وثيقة، والربط بينهما محكمًا بحيث يظهر ويتحقق جليًّا معنى الحرف: "من" أو: "في" أو: "اللام" على حسب القصد. وهذه الإضافة تسمى: "الإضافة قوية الملابسة" "أي: قوية المناسبة".
وقد تقوم دواعٍ بلاغية تقتضي أن تكون الصلة بين المضاف والمضاف إليه ضعيفة، لكنها واضحة مفهومة، ويعبرون عنها بأنها "الإضافة لأدنى ملابسة"٢، ومن أمثلتها: "قمر القاهرة
ساحر، شمس حلوان٣ رائعة". فقد أضيف القمر إلى القاهرة، ونسب إليها، إضافة على معنى "اللام" فأين ما تفيده الإضافة التي على معنى "اللام" من الملك أو الاختصاص؟ إن صلة القمر بمدينة القاهرة ضعيفة لا تستحق تلك الإضافة، ولا هذه النسبة؛ إذ يشاركها فيها آلاف من البلاد الأخرى؛ فلا داعي لاستئثارها بالقمر. غير أن
_________________
(١) ١ أشرنا لما يأتي في رقم ٢ من هامش ص١٧. ٢ وهي جائزة في السعة والضرورة. "أي: في النثر والشعر، وملحقاته ". ٣ إحدى ضواحي القاهرة، جنوبًا.
[ ٣ / ٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هناك داعيًا بلاغيًّا اقتضى هذه النسبة وتخصيص القمر بالقاهرة؛ هو: إفادة أنه يمنحها ما لا يمنح سواها، ويضفي عليها جمالًا قلَّ أن تفوز به مدينة أخرى، فكأنه خاص بها، مقصور عليها. ومثل هذا يقال في المثال الثاني وأشباهه١.
_________________
(١) ١ كقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ . فقد أضيف الضحا إلى: "ها" التي هي ضمير العشية، فالتقدير: كأنهم لم يلبثوا إلا عشية، أو ضحا العشية. ولا صلة هنا تربط المضاف بالمضاف إليه ربطًا معنويًا قويًا يحقق معنى الحرف إلا صلة واهية؛ هي: أن الضحا أول النهار والعشية آخره؛ فبينهما أزمنة أخرى، لكل زمان منها اسمه الخاص. ولكن البلاغة اقتضت إغفال هذه الأزمنة، وإجراء إضافة لأدنى ملابسة بين المضاف والمضاف إليه، وكقولهم: "نجم الأحمق"؛ وهو نجم كان إذا أشرق ورآه بعض الحمقى، هدأ واستراح، وخفت حدة حمقه. وكذلك ما جاء في "الكامل" للمبرد "ج١ ص٢٤٣"، ومن قول الشاعر: أهابوا به؛ فازداد بعدًا، وصدَّه عن القرب منهم ضوء برق ووابله فقد أضاف الشاعر كلمة: "وابل" إلى ضمير "البرق"؛ فكأنه أضافها إلى البرق نفسه؛ قائلًا "وابل البرق" مع أن "الوابل" ليس للبرق، قال المبرد: قد يضاف ما كان كذلك على السعة كقول الشاعر: حتى أنخت قلوصى في دياركمو بخير من يحتذي نعلًا وحافيها فأضاف "الحافي" إلى "النعل" وهو يريد: حاف منها.
[ ٣ / ٢٢ ]
السادس: استفاد المضاف من المضاف إليه تعريفًا أو تخصيصًا؛ بشرط أن تكون الإضافة محضة؛ فيستفيد الأول من الثاني، ويبقى الثاني على حالة١ لم يفقد شيئًا بسبب الاستفادة منه.
وإيضاح هذا: أنه -في الإضافة المحضة- إذا كان المضاف نكرة: وأضيف إلى معرفة -فإنه يكتسب منها التعريف مع بقائها معرفة؛ كقولهم: كلام المرء عنوان لعقله، وعقله ثمرة لتجاربه. فالكلمات: "كلام، عقل، تجارب" هي في أصلها نكرات، لا تدل كلمة منها على معين، ثم صارت معرفة بعد إضافتها إلى المعرفة، واكتسبت منها التعيين الذي يزيل عن كل واحدة منها إبهامها وشيوعها. ومثل كلمة: "يد" المضافة للمعرفة في قول الشاعر:
الغنى في يد اللئيم قبيح قدر قبح الكريم في الإملاقِ
فإن كان المضاف معرفة باقية على التعريف لم يصح -في الأغلب- إضافته إلى المعرفة٢؛ لأنه لا يستفيد منها شيئًا، ولهذا السبب لا يصح أيضًا إضافة المعرفة الباقية على تعريفها إلى النكرة.
أما إذا كان المضاف نكرة وأضيف إلى نكرة فإنه يكتسب منها -مع بقائها على حالها- "تخصيصًا" يجعله من ناحية التعيين والتحديد في درجة بين المعرفة والنكرة؛ فلا يرقى في تعيين مدلوله إلى درجة المعرفة الخالصة الخالية من الإبهام والشيوع، ولا ينزل في الإبهام والشيوع إلى درجة النكرة المحضة الخالية من كل تعيين وتحديد. ومن أمثلته قولهم: "فلان رجل مروءة، وكعبة أمل، وغاية فضل" فالكلمات: "رجل، كعبة، غاية" نكرات محضة قبل إضافتها، فلما أضيفت إلى النكرة قلت أفراد كل مضاف بعد الإضافة؛
_________________
(١) ١ إذا توالت الإضافات، نحو: هذا بيت والد محمود، وقرأت أكثر قصائد ديوان شعر المتنبي انتقل التعريف أو التخصيص من المضاف إليه الأخير إلى الذي قبله، فالذي قبله حتى يصل إلى المضاف الأول. "راجع الصبان ج١ آخر باب أداة التعريف. وكذا المفصل ج٦ ص٣٤". ٢ قد يصح إضافة العلم بعد تنكيره، وإزالة علميته، لداعٍ من الدواعي التي تقتضي إضافته. وفي ج١ ص٢٠٤ م٢٣ بيان هذا وتفصيله.
[ ٣ / ٢٣ ]
فكلمة: "رجل" تدل على أفراد لا حصر لها؛ منها رجل مروءة، رجل علم، رجل حرب إلى غير هذا من رجال لا عدد لهم، فإذا قلنا: "رجل مروءة" انحصر الأمر في نوع معين من أفراد الرجل، ولم يبق مجال لدخول أفراد أخرى؛ كرجل علم، أو حرب، أو زراعة، أو وكذا كلمة: "كعبة" و"غاية" وأشباهها؛ فكل كلمة من هذه الكلمات قد اكتسبت نوعًا من "التخصيص" أفادها بعض التجديد الذي خفف من درجة إبهامها وشيوعها، وإن كانت لم تستفد التعريف الكامل، ولم تبلغ في التعيين درجة المعرفة الأصلية
واستفادة المضاف من المضاف إليه التعريف١ أو التخصيص على الوجه المشروح هي الأثر المعنوي الثاني الذي ينضم إلى الأثر المعنوي الناشئ من الحكم الخامس٢، فيحدث من انضمامها معًا إدراك السبب الحقيقي في تسمية هذا النوع من الإضافة المحضة: "بالإضافة المعنوية" كما أشرنا من قبل٣.
وهناك ألفاظ مسموعة ملازمة للتنكير في الأغلب؛ لا تفيدها الإضافة المحضة تعريفًا، ولا تخصيصًا في أكثر الاستعمالات؛ ولذا تسمى: "بالألفاظ المتوغلة٤ في الإبهام"؛ ومنها: غير، حسب، مثل،
_________________
(١) ١ سبق شرح النكرة والمعرفة في ج١ ص١٤٤ م١٧ ومن ذلك الشرح السابق نعلم أن المعارف مختلفة في درجة التعريف وقوتها، متفاوتة من هذه الناحية، وأن المضاف إلى معرفة هو درجة المضاف إليه، إلا المضاف للضمير؛ فإنه في درجة العلم على الصحيح. ٢ انظر ص١٦. ٣ في رقم ١ من هامش ص٣ وفي رقم ٥ من هامش ١٦. ٤ سبقت الإشارة للألفاظ المتوغلة في الإبهام "أي: المتعمقة المتغلغلة في داخله" في رقم ٣ من هامش ص١٩٠ من الجزء الأول "م١٧" ثم الجزء الثاني في بابي: "الظرف والاستثناء م٧٩ و٨٢ ص٢٨٠ و٣٢١". وقلنا في باب الظرف، ص٢٣٨ م٧٩ ما ملخصه: "إن اللفظ المتوغل في الإبهام هو: الذي لا يتضح معناه إلا بما يضاف إليه، وأنه في أكثر أحواله لا يستفيد من المضاف إليه تعريفًا، إلا بأمر خارج عن الإضافة؛ كوقوع كلمة: "غير" بين ضدين معرفتين "كما نص على هذا "العكبري" في أول كتابه: "إملاء ما منَّ به الرحمن -أول سورة الفاتحة- ج١ ص٥" في مثل: رأيت العلم غير الجهل، وعرفت العالم غير الجاهل، وقوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ فوقوع كلمة "غير" بين ضدين معرفتين أزال إبهامها؛ لأن جهة المغايرة تتعين بخلاف خلوها من ذلك في مثل: أبصرت رجلًا غيرك. فكل رجل سواك هو غيرك؛ فلا تعيين ولا تخصيص وبهذه المناسبة نعرض لكلمة "غير" من ناحية دخول "أن" عليها أو عدم دخولها فننقل ما جاء في المصباح المنير، في مادة "غير" ونصه: "تكون وصفًا للنكرة، تقول: جاءني رجل غيرك. وقوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ إنما وصف بها المعرفة؛ لأنها أشبهت المعرفة بإضافتها إلى المعرفة
[ ٣ / ٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فعوملت معاملتها، ووصف بها المعرفة. ومن هنا اجترأ بعضهم فأدخل عليها الألف واللام، لأنها لما شابهت المعرفة بإضافتها إلى المعرفة جاز أن يدخل ما يعاقب الإضافة وهو الألف واللام. ولك أن تمنع الاستدلال وتقول: الإضافة هنا ليست للتعريف، بل للتخصيص. والألف واللام لا تفيد تخصيصًا فلا تعاقب إضافة للتخصيص ولا تدخله الألف واللام ". ا. هـ. وجاء في الصبان -عند الكلام على ما يسيمه بعض النجاة: "الإضافة شبه المحضة" وما كان منها شديد الإبهام لا يقبل التعريف، كغير، ومثل، وشبه - ما نصه وقد نقله عن غيره: "ينبغي أن هذه الكلمات كما لا تتعرف بالإضافة إلا فيما استثني لا تتعرف "بأل" أيضًا؛ لأن المانع من تعريفها بالإضافة مانع من تعريفها "بأل". ونقل الشنواني عن السيد أنه صرح في حواشي الكشاف بأن "غير" لا تدخل عليها "أل" إلا في كلام المولدين" ا. هـ. وسيجيء الكلام عليها بمناسبة أخرى في ص١٣١. وكذلك الشأن في كلمة: "مثل" إذا أضيفت لمعرفة بغير وجود قرينة تشعر بمماثلة خاصة؛ فإن قولنا: "مثل محمد" يشمل أفرادًا لا عداد لها؛ منها واحد في طوله، وآخر في عمله، وثالث في علمه، ورابع في حسنه، و و وهكذا مما لا آخر له". فالإضافة للمعرفة لا تعرفها، ولا تزيل إبهامها؛ ولهذا وقعت نعتًا للنكرة في قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا؛ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ أما إن أضيفت إلى معرفة، وقارنها ما يشعر بمماثلة خاصة فإنها تتعرف، نحو: راقني هذا الخط، وسأكتب مثله. وهذا معنى قولهم: إذا أريد بكلمة "غير" و"مثل" مغايرة خاصة، ومماثلة خاصة حكم بتعريفهما، وأكثر ما يكون ذلك في كلمة: "غير" إذا وقعت بين متضادين. وأما قوله تعالى: ﴿صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ حيث وقعت كلمة "غير المتوسطة بين المتضادين" المضافة للمعرفة صفة لنكرة –فتعرب هنا بدلًا، وإن كانت جامدة، ولا داعي لإعرابها صفة "راجع الكعبري، في أول الفاتحة، ثم الأشموني والصبان، أول باب الإضافة، عند الكلام على الإضافة غير المحضة". "ملاحظة": تصدى لبحث هذه المسألة مؤتمر المجمع اللغوي المنعقد بالقاهرة في دورته الخامسة والثلاثين "شهر فبراير سنة ١٩٦٩"، وارتضى الرأي القائل: إن كلمة "غير" الواقعة بين متضادين تكتسب التعريف من المضاف إليه المعرفة، ويصح في هذه الصورة التي تقع فيها بين متضادين وليست مضافة أن تقترن بأل فتستفيد التعريف. وفيما يلي النص الحرفي لقرار المجمع منقولًا من مجلته "الجزء الخامس والعشرين الصادر في نوفمبر سنة ١٩٦٩ ص٢٠٢" بناء على اقتراح لجنة الأصول بالمجلس التي تقول: "تختار اللجنة -وفاقًا لجماعة من العلماء- أن كلمة: "غير" إذا وقعت بين ضدين لا قسيم لهما، تتعرف بإضافتها إلى الثاني منهما إذا كان معرفة. وإذا كانت "أل" تقع في الكلام معاقبة للإضافة فإنه يجوز دخول "أل" على "غير" فتفيدها التعريف في مثل الحالة التي تعرفت فيها بالإضافة إذا قامت قرينة على التعيين ". ا. هـ. واللفظ المتوغل في الإبهام لا يصلح -في أكثر حالاته- لأن يكون نعتًا أو منعوتًا، ومنه: "قبل" و"بعد"، ما عدا بعض ألفاظ منها "غير" و"سوى" فيصلحان للنعت -كما سيجيء في باب: النعت، ص٤٦٦. بقي أن نذكر ما قرره النحاة بشأن الألفاظ المبهمة التي لم تستفد التعريف من المضاف إليه المعرفة. فسيبويه والمبرد يقولان: إن الإضافة في هذه الحالة غير محضة، فائدتهما التخفيف، وما يتصل به مما عرفناه، وما يجيء مفصلًا في ص٣٠. وغيرهما يقول: إنها محضة ومعنوية تفيد التخصيص، وإن كانت لا تفيد التعيين.
[ ٣ / ٢٥ ]
ناهيك١" فإنها نكرات "في أغلب حالاتها" وإن أضيفت لمعرفة؛ نحو: غيرك، حسبك، مثلك
ومنها: المعطوف على مجرور "رب"، والمعطوف على التمييز المجرور بعد "كم"، نحو: رب ضيف وأخيه هنا -كم رجل وكتبه رأيت- وسبب ذلك أن المجرور بعد "رب" و"كم" لا يكون إلا نكرة؛ فما عطف عليها فهو نكرة كذلك؛ لأنه في حكم "المعطوف عليه" من ناحية أن عامل الجر فيه هو العامل في المعطوف عليه، فكلا "المعطوف والمعطوف عليه" لا بد أن يكون نكرة، أو في حكم النكرة؛ ليصلح معمولًا للعامل المشترك.
وقيل: إن المعطوف في الحالتين السالفتين يكتسب التعريف من المضاف إليه المعرفة، ولا داعي للتمسك بتنكيره بسبب العامل: "رب" أو "كم"؛ لما تقرر٢ من أن التابع قد يغتفر فيه ما لا يغتفر في المتبوع. وسبق٣ أن الأخذ بهذا الرأي أولى.
ومنها: كلمة: "وحْد" و"جهْد"، و"طاقة" في مثل قولهم: "يحترق الحاسد وحده، ويتمنى جهده أن تزول نعمة المحسود، ويجتهد طاقته أن يلحق به النقائض والعيوب". وهي -في أكثر استعمالاتها- أحوال مؤولة. والحال في أصله لا يكون إلا نكرة، وتأويل تلك الكلمات: "منفردًا"، "جاهدًا"، "مطيقًا"٤.
وإلى هنا انتهى الكلام على "الإضافة المحضة"، من ناحية ما يكسبه المضاف
_________________
(١) = هذا، ومن الألفاظ السماعية المتوغلة في الإبهام: شبهك "بكسر فسكون أو بفتح الأول والثاني"، ضربك، تربك، نحوك، ندك؛ وكلها بمعنى: نظيرك في علم أو سن، أو نحوهما، خدنك، بمعنى: صاحبك: "شرعك، قدك، قطك" والثلاثة، بمعنى حسبك. ولا يقاس على هذه الألفاظ غيرها مما لم يرد به السماع. وهناك أمور خاصة تتعلق بالظروف المبهمة وأحكامها سبقت في ج٢ ص٢٠٣ و٧٨ ص٢٣٨ م٧٩، وسيجيء هنا بعض أحكام مناسبة تختص بالمبهم ص٦٦ و٨٠ و٨٧. ١ معناها في مثل: ناهيك السفر ، السفر ناهيك عن التطلع لغيره؛ لكفايته. وقد سبق بيان معناها وإعرابها في ج١ ص٣٢٦ م٣٣. ٢ انظر ج١ ص٤٤٤ م٤٨ وج٢ ص٢٦٢ م٨١. ٣ هنا وفي ج١ م٩٠ ص٤٠٥. ٤ سبقت لها الإشارة في ج٢ ص٢٩٧ م٨٤.
[ ٣ / ٢٦ ]
من التعريف أو التخصيص، وننتقل إلى "غير المحضة" للكلام عليها من هذه الناحية١:
_________________
(١) ١ فيما سبق يقول ابن مالك مختصرًا: نونًا تلي الإعراب، أو تنوينا مما تضيف، احذف، كطور سينا أي: احذف مما تضيفه: "نونًا" تلي الإعراب "وهي نون المثنى، ونون جمع المذكر السالم، وملحقاتهما. وتقع بعد علامة الإعراب؛ لأنها تقع بعد ألف المثنى، ويائه، وبعد واو جمع المذكر السالم، ويائه. وهذه الحروف هي علامة إعرابهما". وكذلك احذف: "التنوين" الذي في آخر الاسم الذي تريد إضافته. ومثَّل لحذف التنوين من المضاف بكلمة: "طور" عند إضافتها إلى كلمة: "سينا" و"الطور" اسم جبل في صحراء "سينا" أو: "سيناء"، وهي من الحدود المصرية في الشمال الشرقي، ثم قال: والثانيَ اجررْ، وأنو: "من" أو: "في" إذا لم يصلحِ إلا ذاك. و: "اللام" خُذا لِمَا سوى ذينك. واخصص أولا أوَ أعطمه التعريف بالذي تلا يريد: اجرر الثاني دائمًا، وهو المضاف إليه. وعند جره وإتمام الإضافة انو وتخيل وجود الحرف "من" أو "في" إذا لم يتحقق المعنى المراد إلا على نية أحدهما. فإن لم يصلح أحدهما فخذ -بعد ذلك- اللام، وانوها في كل موضع سوى الموضع الصالح لأحد ذينك الحرفين. أي: أن اللام لا تنوي في الموضع الذي يصلح له الحرف "من" أو "في". وقد عرفنا أن هذه الحروف لا تجر المضاف إليه، ولا تحتاج معه إلى عامل يتعلقان به. وإنما الذي يجره هو المضاف. ثم قال: اخصص الأول "وهو المضاف" أو: عرفه بالذي تلاه، "وهو المضاف إليه". يريد: أن المضاف يتخصص أو يتعرف بالمضاف إليه. وهذا كله في الإضافة المحضة؛ فيتخصص المضاف النكرة بالمضاف إليه النكرة، ويتعرف المضاف النكرة بالمضاف إليه المعرفة. أما المعرفة الباقية على تعريفها فلا تضاف لمعرفة ولا لنكرة. وقد سبق شرح هذا مفصلًا.
[ ٣ / ٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يادة وتفصيل:
إذا كانت الإضافة "محضة" والمضاف إليه جملة، فإن هذه الجملة في حكم المفرد المضاف إليه، لأنها تؤول بمصدر لفعلها، مضاف إلى فاعله إن كانت الجملة الفعلية، وبمصدر خبرها مع إضافته إلى مبتدئه إن كانت اسمية. ولا يحتاج هذا المصدر المؤول إلى أداة سبك، فالأولى: أزورك حين يوافق الوالد. وتأويلها: أزورك حين موافقة الوالد. والثانية: أزورك حين الوالد موافق، وتأويلها: أزورك حين موافقة الوالد.
ويترتب على ما سبق أن المصدر الناشئ من التأويل يكون معرفة إن أضيف لمعرفة، ونكرة متخصصة إن أضيف لنكرة١. نعم إن الجمل نكرات في حكمها٢ ولكن لا ينظر لهذا هنا، ووقوع الجملة صفة للنكرة المحضة في كل الأحوال لا يقدح في هذا؛ لأنها صفة باعتبار ظاهرها، وقطع النظر عن تأويلها بمصدر مضاف للمعرفة أو نكرة.
_________________
(١) ٢ وستجيء إشارة لهذا ولفائدة الإضافة للجملة –وشروط هذه الجملة- في ص٨٤ وفي رقم ٢ من هامش ص٧٨ وقد سبقت أيضًا في آخر باب الموصل ج١ ص٢٩٥ م٢٩. ٢ إيضاح هذا في باب النعت عند الكلام على وقوع الجملة نعتًا "في ص٤٨٠" أما الحكم على الجملة نفسها بأنها نكرة أو معرفة ففي "و" من ص٤٨٠، لهذا إشارة في ج٢ هامش ص٣١١م ٨٤، وفي باب: "النكرة والمعرفة" ج١ ص١٤٢ م١٧.
[ ٣ / ٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عودة إلى الإضافة غير المحضة:
عرفنا١ أن الإضافة غير المحضة: هي التي يغلب أن يكون المضاف فيها "وصفًا٢ عاملًا"، "وزمنه للحال، أو الاستقبال، أو الدوام". ومتى اجتمع الأمران -الوصفية العاملة، والزمنية المعينة كان المضاف مشتقًا يشبه مضارعه في نوع الحروف الأصلية التي تتكون منها صيغتهما، وفي المعنى، والعمل، وكذلك في نوع الزمن غالبًا، وهذا كله يتحقق في المضاف إذا كان اسم فاعل يعمل عمل فعله، أو اسم مفعول كذلك، فكلاهما وصف عامل، زمنه للحال أو للاستقبال على حسب المناسبات، كما يتحقق في الصفة المشبهة٣ الأصلية أيضًا؛ لأنها تعمل عمل فعلها اللازم، وتفيد في أكثر حالاتها الدوام والاستمرار، وهذان يقتضيان أن تشتمل دلالتها على الأزمنة الثلاثة: "الماضي، والحال، والمستقبل"، إذ لا يتحقق معنى الدوام والاستمرار بغير عناصره الأساسية الثلاثة. فلا يمكن أن تكون للماضي وحده -وإلا كانت إضافتها محضة- ولا للمستقبل وحده. وكذلك لا يمكن أن تخلو من الدلالة على زمن الحال؛ فلا بد أن تشتمل الدلالة على الثلاثة؛ المضي والحال والاستقبال، إلا أن دلالتها على الحال أقوى تحققًا ووجودًا من دلالتها على غيره، وبسبب هذا كانت إضافتها غير محضة في رأي كثير من النحاة٤.
أما باقي المشتقات غير ما ذكرناه هنا بقيوده؛ من اسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة؛ فإضافته محضة، لانطباق شروطها عليه، دون شروط الأخرى. فمثال اسم الفاعل: يشكو راكب الباخرة اليوم بطئها بالنسبة للطائرة. وغدًا يشكو راكب الطائرة بطئها بالنسبة "للصاروخ"؛ فكلمة: "راكب" في الجملتين مضافة. وهي في الأولى اسم فاعل للزمن الحالي، وفي الثانية اسم
_________________
(١) ١ في ص٦. ٢ أي: اسمًا مشتقًا. ٣ في هذا الجزء –ص٢٨١- باب خاص بها؛ يبين خصائصها وأحكامها التي منها: أنها لازمة كفعلها، وأنها تدل على الحال دائمًا وتدل معه على غيره –كما سيجيء- لأنها تفيد الدوام في أكثر أحوالها، والدوام يستلزم الحال، مزيدًا عليه زمن آخر. ٤ بيان الرأي الحق في هذه المسألة في ص٣٧.
[ ٣ / ٢٩ ]
فاعل للزمن المستقبل. وكقولهم: من تراه جاحد النعمة الساعة تراه فاقدها غدًا. ويدخل في اسم الفاعل صيغ١ المبالغة العاملة أيضًا؛ كقولهم: في هذا الشهر يتفرغ فلان للعبادة؛ فتراه صوام الفم نهارًا عن الطعام، حذر اللسان من اللغو، حبيس النفس عن الهوى. ومثال اسم المفعول: مجهول القدر اليوم قد يصير معروف المكانة غدًا.. ومثال الصفة المشبهة قولهم:
عزيز النفس من يأبى الدنايا
فإن فقد المضاف أحد الشرطين كانت الإضافة محضة؛ كأن يفقد الوصفية لكونه اسمًا جامدًا، غير مؤول بالمشتق؛ كالمصدر في نحو: بذل الودَّ والنصيحة لمن لا يستحقها كبذر الحب في الصخر الأصم. أو يفقد العمل دون الوصفية بسبب أنه من المشتقات التي لا تعمل مطلقًا؛ "كأسماء الزمان، والمكان والآلة". أو يكون في أصله من المشتقات العاملة، ولكنه فقد شرطًا من شروط العمل؛ فلا يعمل؛ كاسم الفاعل واسم المفعول إذا كانا للماضي٢ الخالص دون دلالة على الحال والاستقبال، نحو: باذل الخير أمس يسعد اليوم بما قدم، وماضي أعماله عنوان صفحته التي كان بها مسرورًا أو محزونًا.
أثر الإضافة غير المحضة:
لا تأثير لها في المعني في أغلب الأحيان؛ لأنها ليست على نية حرف من حروف الجر الثلاثة التي يفيد كل منها الفائدة التي أوضحناها فيما سلف٣ ولأنها لا تكسب المضاف تعريفًا ولا تخصيصًا، والتعريف والتخصيص
_________________
(١) ١ لها بحث خاص يجيء في ص٢٥٧. ٢ وكذلك إن لم يدلَّا على زمن مطلقًا، فعند عدم دلالتها على الزمن وخلو الأسلوب مما يدل عليه تكون إضافتهما محضة، كما تقدم في ص٥. ٣ في ص١٦، والذي يدل على أنها ليست على نية حرف الجر إمكان الاستغناء عنها في كل أسلوب من أساليبها من غير أن يتأثر معناه، -في الأغلب- ومن غير أن تزاد عليه كلمة، أو تنقص منه، أو يتغير ترتيب كلماته. ويتلخص هذا الاستغناء، بألا نطلق على الوصف اسم: "المضاف" ولا نطلق على معموله اسم المضاف إليه؛ وإنما نعرب الوصف على حسب حاجة الجملة، من غير تسميته مضافًا، ولا نجعل المضاف إليه المجرور معمولًا للوصف؛ إما فاعلًا له مرفوعًا، وإما مفعولًا به على حسب حاجة الوصف، ويزول الجر السابق. فهذه الإضافة غير لازمة، ولا دائمة، ولا يتأثر في الأغلب –المعنى المعين بوجودها أو بالعدول عنها؛ بل إن العدول عنها هو الأصل "كما في ص٣٤" لأن الوصف شبيه بالفعل، يعمل عمله، من الرفع أو النصب، والفعل لا يعمل الجر، فكذا ما يشبهه؛ بخلاف المحضة فهي لازمة لأداء المعنى المراد، ولا سبيل للمحافظة عليه إلا بتغيير يتناول الأسلوب في كلماته، أو ترتيبها، أو فيهما معًا.
[ ٣ / ٣٠ ]
أثران معنويان لا صلة للإضافة غير المحضة بجلبهما للمضاف، وعلى هذا لا نصيب لها من التأثير المعنوي الذي "للمحضة".
والدليل على أنها لا تفيد "المضاف" تعريفًا دخول "رب" عليه مع إضافته للمعرفة١. مثل: "رب مخرج الزكاة، مسرور بإخراجها -قد أبطل ثوابها بالمن والأذى". فلو أن المضاف؛ وهو: مخرج- اكتسب التعريف من المضاف إليه ما دخلت عليه "رب"؛ لأنها لا تدخل إلا على النكرات٢.
وشيء آخر؛ هو أن هذا المضاف إلى المعرفة يصح أن يقع نعتًا للنكرة، فكيف يقع نعتًا للنكرة إذا صح أنه يكتسب من المضاف إليه التعريف ويصير معرفة، والمعرفة لا تكون نعتًا للنكرة٣؟ ومن الأمثلة لوقوعه نعتًا للنكرة: أتخير للصداقة زميلًا مخلص المودة، مأمون العثرات. باذل الجهد في الإخاء٤.
كما أن الدليل على أنها لا تفيد المضاف تخصيصًا هو أن الأصل قبل
_________________
(١) ١ ومن الأدلة أيضا وقوع المضاف لمعرفةٍ حالًا في الإضافة غير المحضة -مع أن الحال المطردة لا تكون إلا نكرة- كقول المتنبي بلسان عجوز وَفِيّ: خلقت ألوفًا؛ لو رجعت إلى الصبا لفارقت شيبي موجع القلب باكيًا ٢ سبق تفصيل الكلام عليها في ج٢ ص٣٨١ م٩٠. وبعض الأمثلة المأثورة يجيء هنا في هامش ص٣٥. ٣ ومثلها الاسم النكرة الذي دخله التخصيص فإنه يقع نعتًا للمعرفة في الصحيح. إلا مسألة يصح أن يقع فيها المشتق الذي إضافته غير محضة، وكذلك غيره من النكرات، نعتًا للمعرفة، هي أن يكون المنعوت منادى، نكرة مقصودة، ونعتها نكرة "كالوصف المضاف إضافة غير محضة " نحو: يا ساكت مستمع الخطيب الآن، أو المستمع الخطيب الآن. فالمشتق نعت ونكرة، مع أن المنعوت نكرة مقصودة معرفة بالقصد والنداء. فاختلف النعت والمنعوت تعريفًا وتنكيرًا، وقد قالوا: إن هذا الاختلاف في المسألة السالفة مقبول؛ لأن تعريف النكرة المقصودة تعريف غير أصيل، فهو طارئ، والتعريف الطارئ الذي كتعريفها يتسامح فيه، فتوصف بالمعرفة أو بالنكرة، ولا يصح هذا في غيرها من المعارف "راجع التصريح ج٢ باب النداء عند الكلام على القسم الثاني، وكذا الخضري والصبان، باب: تابع المنادى. وستجيء لهذا إشارة في باب النعت هنا، ص٥٥٠، وفي ج٤ باب حكم تابع المنادى م١٣٠ رقم ٨ من هامش ص٤٢". ٤ في باب النعت، أمثلة مأثورة، عند الكلام على النعت بالمشتق ب ص٤٦٥.
[ ٣ / ٣١ ]
الإضافة في مثل: "أتخير زميلًا مخلص المودة، باذل الجهد، " هو: مخلصًا المودةَ باذلًا الجهدَ بنصب كلمتي "المودة" و"الجهد" مفعولين للوصف، والمفعول به يخصص الوصف؛ فتخصيص الوصف ثابت ومتحقق قبل أن يصير مضافًا ويصير مضافًا إليه مجرورًا.
أ- وإنما فائدتها: "التخفيف اللفظي"؛ بحذف نون المثنى، وجمع المذكر السالم وملحقاتها من آخر المضاف إذا كان وصفًا عاملًا. وكذلك حذف التنوين من آخره؛ فكل من النون والتنوين يحدث ثقلًا على اللسان عند النطق بالوصف مع معموله من غير إضافتهما. فإذا جاءت الإضافة زال الثقل، وخف النطق. يتضح هذا الثقل في مثل: "أنتما خطيبان الحفل غدًا، وساحران الألباب فيه ولا أشك أن سامعين الخطاب، وعارفين الفضل سيعجبون بكم أشد الإعجاب" وفي مثل: "تخيرت زميلًا، مخلصًا المودة، باذلًا الجهد ".
ويختفي الثقل حين نضيف الوصف إلى معمولة، ونحذف النون والتنوين من آخر الوصف المضاف؛ فنقول: "أنتما خطيبا الحفل غدًا، وساحر الألباب فيه، ولا أشك أن سامعي الخطاب، وعارفي الفضل -سيعجبون أشد الإعجاب". كما نقول: "تخيرت زميلًا مخلص المودة، باذل الحهد ".
ب- وقد تكون فائدتها الفرار من القبح الذي يلازم بعض الصور الإعرابية الجائزة مع قلتها وضعفها. فمن الجائز الضعيف في أساليب الصفة المشبهة أن نقول: الصديق سمح الطبع، عف اللسان، مخلص المودة، بإعراب كلمة: "الطبع" المرفوعة فاعلًا للصفة المشبهة قبلها. وكلمة: "اللسان" فاعلًا مرفوعًا للصفة المشبهة قبلها. وكذلك كلمة: "المودة" وأشباهها. ففي هذا الإعراب الجائز نوع من القبح جعله ضعيفًا؛ هو: خلو أسلوب الصفة المشبهة من ضمير يعود إلى الاسم الذي يقع عليه معناها ومدلولها١. ومن الجائز نصب تلك الكلمات الثلاث المرفوعة، وإعرابها: "شبيهة بالمفعول به" وليست مفعولًا به؛
_________________
(١) ١ لأن أسلوب الصفة المشبهة في أكثر الاستعمالات الفصيحة لا يكاد يخلو من هذا الضمير الذي يعد بمنزلة الرابط بين الصفة والمشبهة وما تجري عليه. "أي بين الصفة المشبهة وما ينطبق عليه مدلولها ومعناها". كما سيجيء في بابها ص٣٠٩ و٣١٠ – م١٠٥.
[ ٣ / ٣٢ ]
لأن الصفة المشبهة تصاغ من الفعل اللازم؛ فهي كفعلها لا تنصب المفعول به فإذا وقع بعدها معمولها وكان نكرة منصوبًا أعرب "تمييزًا"، أو: "شبيهًا بالمفعول به"، وإن كان معرفة أعرب شبيهًا بالمفعول به؛ كالكلمات الثلاثة السالفة؛ فإنها لا تصلح تمييزًا؛ لعدم تنكيرها. فضبطها بالنصب -مع جوازه- يؤدي إلى ما يسمى: "الشبيه بالمفعول به". وهذا النوع قد يختلط أمره على كثير؛ فيقع في وهمهم أنه مفعول به، مع أنه ليس بالمفعول به الصريح.
وإذا كان الرفع والنصب قبيحين في تلك الكلمات -ونظائرها- فإن الجر بالإضافة خالٍ من ذلك القبح، وفيه ابتعاد عما يستكره١ كقول الشاعر:
وإذا جميل الوجه لم يأت الجميل فما جماله؟
ولما كانت فائدة هذه الإضافة مقصورة على التخفيف بحذف التنوين ونوني المثنى وجمع المذكر السالم، من آخر المضاف، وعلى التحسين المترتب على إزالة القبح، وهما أمران لفظيان -سميت: "إضافة لفظية"؛ لوقوع أثرها المباشر على الألفاظ دون المعاني؛ إذ أنها -في الأغلب- لا تؤثر في المعاني؛ كما سبق "فلا تفيد المضاف تعريفًا، ولا تخصيصًا، ولا تتضمن معنى حرف من حروف الجر الثلاثة المعروفة " وقد يسمونها –لهذا-: "الإضافة المجازية"٢؛ لأنها لغير الغرض الحقيقي من الإضافة، وهو الغرض المعنوي الذي أوضحناه.
أما تسميتها: "بغير المحضة" فلأن المضاف فيها لا بد أن يكون في
_________________
(١) ١ هذا تعليل نحوي. وهو –على حسنة المصنوع- ليس مقنعًا. والتعليل الحق هو الاستعمال العربي المأثور، الذي يتغلب فيه الجر على الرفع والنصب في تلك الأمثلة ونظائرها. أما العرب أهل اللغة الأصيلة فلا علم لهم بشيء مما نحن بصدده، "من مفعول، وشبهه، وعائد ورابط، وصفة مشبهة، و " ولو أنهم نطقوا بالمعمول مرفوعًا أو منصوبًا أكثر من نطقهم به مجرورًا لكان التعليل الحق -لاستحسان الرفع والنصب- هو محاكاة العرب ليس غير. ٢ كما أشرنا في رقم ١ من هامش ص٣ وفي ص٢٣، ويقولون: ليس المراد "بالمجازية" أنها بمعنى "المجاز" المعروف في البلاغة، الذي يحتاج إلى علاقة وقرينة وإنما المراد أنها إضافة في الظاهر والصورة، لا في الحقيقة والمعنى.
[ ٣ / ٣٣ ]
الأغلب١ وصفًا عاملًا -كما سبق- وأكثر الأوصاف العاملة يرفع ضميرًا مستترًا عند الإضافة. وهذا الضمير المستتر -برغم استتاره- يفصل بين الوصف المضاف، ومعموله المضاف إليه، ويجعل الإضافة غير خالصة الاتصال، وغير متمكنة من أداء مهمتها بسبب الفاصل؛ إذ الأصل الغالب في الإضافة الأصيلة ألا يقع بين طرفيها فاصل يضعف قوة الارتباط والاتصال بينهما.
وشيء آخر؛ هو أنه يمكن العدول عن الإضافة اللفظية، بالرجوع إلى الأصل الذي كان قبلها من غير أن يتأثر المعنى -في الأكثر- وذلك بجعل المضاف إليه معمولًا مرفوعًا، أو منصوبًا، على حسب حاجة الوصف بعد إزالة تلك الإضافة؛ ولهذا يصفونها بأنها على: "نية الانفصال، يريدون: أنها في النية والتقدير ليست موجودة، وليست ملحوظة؛ لأن الذي يلحظ ويعتبر موجودًا تتجه إليه النفس هو الأصل الأصيل؛ ففي مثل: "الصديق خالص النصح" -بالإضافة- يكون التقدير الملحوظ في النفس هو: "الصديق خالص النصح"، والمعنيان متحدان. ولكن الأسلوب الثاني الخالي من الإضافة هو الأصل الذي يُنوَى ويلاحظ؛ بسبب اعتبار الوصف شبيهًا بالفعل في بعض نواحيه التي منها العمل. والفعل يرفع دائمًا، وقد يرفع وينصب، وهو في كل حالاته لا يعمل الجر، فالأنسب فيما يشبهه أن يكون كذلك، والمخالفة -لداعٍ أقوى- هي مخالفة للأصل، والداعي لها أمر طارئ له اعتباره، ولكنه لا ينسينا الأصل الأول المكين، ومن ثم كان هو الملحوظ مع وجود الإضافة غير المحضة، وكانت معه على نية الانفصال٢.
مما تقدم يتضح -مرة أخرى- السبب في تسمية النوع الأول: "بالإضافة المحضة"، أو: "المعنوية"، أو: "الحقيقية"٣ وما يترتب على هذا من آثار مختلفة، منها: عدم زيادة "أل" في أول المضاف، في حين يجوز -أحيانًا-
_________________
(١) ١ انظر رقم ١ من هامش ص٦. ٢ ينطبق على هذا التعليل ما سبق في رقم ١ من هامش الصفحة الماضية. ٣ سبق إيضاح آخر لهذا في رقم ١ من هامش ص٣ وفي ص٢٤ وص٣٠.
[ ٣ / ٣٤ ]
زيادتها في المضاف إذا كانت الإضافة غير محضة؛ كما شرحنا١.
_________________
(١) ١ في ص١٢. وفيما سبق من الأحكام يشير ابن مالك إلى بعضها تاركًا بعضًا آخر؛ فيقول: وإن يشابه المضاف "يفعل" وصفًا- فعن تنكيره لا يعزل كرُبَّ راجينا عظيم الأملِ مروع القلب، قليل الحيلِ يريد: أن المضاف إذا كان وصفًا مشبهًا: "يفعل" "أي: مشبهًا الفعل المضارع في العمل والدلالة على الحال والاستقبال "، فإنه لا يعزل عن التنكير؛ أي: لا يفارق التنكير مطلقًا؛ سواء أكان مضافًا إلى معرفة أم نكرة؛ لأن هذه الإضافة لا تفيد تعريفًا ولا تخصيصًا، وضرب لهذا أمثلة تؤيد ما يقول: هي: "رب راجينا" فالمضاف -وهو كلمة "راج"- اسم فاعل لم يكتسب التعريف بإضافته إلى الضمير: "نا" بدليل، دخول "رب" على هذا المضاف؛ وهي لا تدخل إلا على النكرات. ومن الأمثلة الواردة قول شاعرهم: يا رب غابطنا لو كان يطلبكم لاقى مباعدة منكم وحرمانا وكذلك المضاف: "عظيم"؛ فإنه صفة مشبهة، أضيفت إلى المعرفة بعدها؛ فلم تكسب منها التعريف؛ بدليل أن كلمة: "عظيم" هذه تعرب نعتًا لكلمة: "راج" النكرة، ولا يمكن أن تكون المعرفة نعتًا للنكرة -إلا في مسألة سبقت في رقم ٣ من هامش ص٣١، وكذلك: "مروع"؛ فإنها اسم مفعول مضاف للمعرفة بعده، ولم يكتسب منها التعريف؛ بدليل إعرابه صفة لكلمة: "راج" النكرة. كما سبق. ومثله كلمة: "قليل" فإنها صفة مشبهة مضافة للمعرفة بعدها، ولم تكتسب منها التعريف؛ بدليل إعرابها نعتًا لكلمة: "راج". ومثلها: "هديًا" في قوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ . ثم بين أن الإضافة التي من هذا النوع تسمى: "لفظية"، وأما التي من النوع الآخر فتسمى: "محضة" و"معنوية"؛ فاللفظية: لا تفيد تعريفًا ولا تخصيصًا، بخلاف الأول حيث يقول: وذي الإضافة اسمها: "لفظية" وتلك "محضة" ومعنوية وأوضح بعد هذا أن زيادة: "أل" جائزة في أول المضاف الذي إضافته لفظية-، بشرط أن تزاد أيضًا في الثاني "أي: في المضاف إليه" أو في الذي أضيف إليه الثاني يقول: ووصل "أل" بذا المضاف مغتفرْ إن وصلت بالثان؛ كالجعد الشعَرْ أو بالذي له أضيف الثاني كزيد الضاربُ رأس الجاني ساق مثالين؛ أحدهما مثل: "راقني عناية الجعدِ الشعرَ بتصفيفه"، للمضاف المبدوء "بأل" "وهو: الجعد"؛ وللمضاف إليه: المبدوء بها أيضًا "وهو: الشعر"؛ فهي داخلة عليهما معًا. والآخر؛ وهو: "زيد الضارب رأس الجاني" المضاف المبدوء "بأل" "وهو: الضارب"، وللمضاف إليه، الخالي منها مباشرة "وهو: رأس" ولكنه مضاف، وبعده المضاف إليه: "الجاني" المبدوء بها
[ ٣ / ٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ثم ذكر بعد هذا حالة أخرى يصح أن يكون فيها المضاف وحده مبدوءًا بـ "أل"؛ وهي الحالة التي يكون فيها المضاف وصفًا مثنى، أو جمعًا اتبع سبيل المثنى "أي: تحققت فيه الشروط الواجبة في المثنى"؛ وهو جمع المذكر السالم؛ يقول: وكونها في الوصف كافٍ إن وقعْ مثنىً أو جمعا، سبيله اتبعْ يريد: يكفي وقوع "أل" في صدر المضاف الذي إضافته غير محضة بدون اشتراط شيء آخر سوى اشتراط أن يكون ذلك المضاف وصفًا مثنى، أو جمعًا تحققت فيه شروط التثنية "وهو جمع المذكر السالم". وقد ترك بقية الحالات الأخرى التي تدخل فيها "أل" على المضاف إذا كانت الإضافة غير محضة؛ وما يتبع هذا من شروط وتفصيلات أوضحناها في الصفحة السابقة.
[ ٣ / ٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
١- في هذا الجزء أبواب خاصة بالمشتقات، لكل منها باب مستقل شامل، وسنكتفي هنا بلمحة موجزة تناسب ما نحن فيه، ولا تغني عن الرجوع إلى تلك الأبواب.
اسم الفاعل: اسم مشتق، يدل على أمرين معًا: "معنى مجرد، وصاحب هذا المعنى". ولا بد في اسم الفاعل أن يشتمل على حروف مضارعه الأصلية، وأن يماثله في ترتيبها، وترتيب حركاتها، وسكناتها؛ مثل: قاعد ويقعد، ذاهب ويذهب، منصت وأنصت، متعلم ويتعلم وهو يفيد حدوث معناه، ولا يفيد الدوام أو الثبوت، إلا إذا تخلى عن دلالته الخاصة، وانتقل إلى اختصاص آخر؛ وهو: اختصاص "الصفة المشبهة". وهي: اسم مشتق؛ يدل على أمرين معًا: "معنى مجرد، ولكنه ثابت دائم. أو كالدائم، وصاحب هذا المعنى". فدلالتها على الزمن شاملة أنواعه الثلاثة، بسبب ذلك الدوام١، ولا بد أن تشتمل على الحروف الأصلية لمضارعها، ولكنها -في الغالب- لا تماثله في ترتيب الحركات والسكنات إلا إذا كانت في الأصل اسم فاعل أريد به الدوام٢. فمثال الصفة المشبهة الأصيلة: فَرِحٌ ويفرح، حَسَنٌ ويحسن، بليغٌ ويبلغ ومثال الصفة المشبهة التي كانت في أصلها اسم فاعل يفيد الحدوث، ثم أريد بها الدوام والثبوت بعد ذلك كلمة: بَاسِم، مشرق، محارب؛ في مثل: فلان باسم الثغر، مشرق الوجه، محارب الطغيان.
وإذا كانت الصفة المشبهة دالة على ثبوت معناها ودوامه -غالبًا- فإن زمنها بمقتضى هذه الدلالة لا بد أن يشمل –كما سبق٣- الماضي، والحال، والمستقبل. فكيف تكون إضافتها "غير محضة"، مع أننا اشترطنا في "غير المحضة": أن يكون الزمن فيها الحال، أو الاستقبال؟.
الحق: أن إضافتها قد تكون محضة في بعض الصور، وغير محضة في
_________________
(١) ١ كما سبق في ص٢٩. ٢ كما سيجيء في هامش ص٢٣٨ وفي ص٣٤٢ و٣٠٨. ٣ في هذه الصفحة وكذا في ص٢٩ حيث الإيضاح.
[ ٣ / ٣٧ ]
أخرى١؛ فقد قالوا: إن الاستمرار "أو: الدوام" يحتوي على الأزمنة الثلاثة دائمًا. لكن قد توجد قرينة تقوي جانب الزمن الماضي على غيره -وللقرينة المقام والاعتبار الأول دائمًا- فتضاف الصفة وتعمل الجر مع تلك القرينة؛ إذ تتغلب الإضافة، وتكتسب الصفة التعريف من المضاف إليه؛ ككلمة: "مالك" في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فكلمة: "مالك" وصف مشتق؛ زمنه يشمل الماضي، والحال، والمستقبل؛ لأن الله مُتَّصف بصفة التملك في جميع الأزمان. وقد وجدت قرينة تدل على تغليب الزمن الماضي؛ فصارت الإضافة بسببها محضة٢؛ وهذه القرينة هي: أن كلمة: "مالك" نعت للفظ الجلالة: "الله" وهو أعرف المعارف، فلا يمكن أن يكون نعته نكرة؛ فلا بد أن تكون كلمة: "مالك"، معرفة. فمن أين جاءها التعريف؟ لا سبيل لاكتسابها التعريف إلا من المضاف إليه، وقد اكتسبه أيضًا من الإضافة إلى ما بعده. وكل هذا يقتضي أن تكون إضافة الصفة هنا محضة.
ولو أعربنا كلمة: "مالك" بدلًا، أو: عطف بيان؛ لكان في هذا الإعراب -مع جوازه- عدول عن الظاهر الشائع؛ وهو: إعراب المشتق نعتًا، لا بدلًا، ولا عطف بيان؛ إذ يغلب على الأول الاشتقاق، وعلى الأخيرين الجمود -كما تقدم٣- هذا إلى أن إضافة الوصف إلى الظرف الدال بالقرينة على المضي أو على الدوام محضة٤، عند جمهور النحاة.
أما إذا تغلب جانب الحال أو الاستقبال، بأن قامت قرينة تؤيد أحدهما فالإضافة غير محضة؛ فلا يتعرف بها الوصف، ولا يتخصص، ويجوز إزالتها، وإعمال الوصف في معموله عملًا آخر غير الجر؛ كقراءة من قرأ قوله تعالى:
_________________
(١) ١ انظر ص٦ و٣٠٧. ٢ لما سبق في: "د" من ص٥ من أن إضافة المشتق الماضي الزمن محضة. ٣ في رقم ٥ من هامش ص٥ ويجيء في ص٦٦٥. ٤ وقد سبقت الإشارة لهذا في "و" ص٥.
[ ٣ / ٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ، وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ ١؛ فجعل الليل سكنًا أمر لا يقتصر على زمان دون آخر؛ فقد وقع في الماضي، وهو يقع الآن، وسيقع بعد ذلك، غير أن الكلام فيه ما يقوي جانب الحال والمستقبل على الماضي، ويجعل الإضافة غير محضة؛ هو أن المحضة تقتضي -غالبًا- أن يكون المضاف اسمًا جامدًا، أو في حكم الجامد، فلا يعمل؛ وهذا يؤدي إلى اعتبار كلمة: "جاعل" في حكم الجامد، فلا تنصب مفعولًا به، ولا مفعولين، وإلى إعراب كلمة: "سكنا" المنصوبة، مفعولًَا به لعامل محذوف، تقديره "يجعل"، أو ما يماثله، وكأن الأصل: جاعل الليل يجعله سكنًا. وفي كل هذا عدول عن النسق الظاهر، والإعراب الواضح الذي يدخل الوصف "جاعل" هو وفعله في سلك الألفاظ العاملة التي تنصب مفعولين. وقد أضيف الوصف إلى أحدهما، ونصب الثاني مباشرة، فلا حاجة إلى تأول وتقدير يبعدان عن هذا السنن الواضح.
وشيء آخر؛ هو: أن زمن الوصف في الآية دائم مستمر؛ يشمل الماضي والحال، والمستقبل. ولكن هذا الدوام الزمني ليس متصل الأجزاء بغير انقطاع، وإنما يتخلله انقطاع يزول، ثم يعود مرة فأخرى؛ فحين يجعل الله الليل سكنًا يكون الليل موجودًا، وحين لا يجعله سكنًا يختفي. ثم يجعله مرة أخرى؛ ثم يزيله، ثم يعيده؛ وهكذا دواليك؛ فالاستمرار موجود حقًّا؛ ولكنه على ما وصفنا من توالي الإيجاد والإزالة بغير توقف، ومن تجدد الظهور والاختفاء بغير انقطاع٢، أما الدوام المتصل على حالة واحدة، هي: جعل الليل سكنًا في جميع لحظات الزمان وأوقاته - فلا وجود له.
ولما كان الانقطاع والتجدد هما من خصائص الفعل المضارع، وزمن المضارع هو الحال أو الاستقبال كان الوصف "المشتق" الذي يشاركه فيهما شبيهًا به من الناحية المعنوية، ومحمولًا عليه في ناحية أخرى، هي
_________________
(١) ١ شيئًا يستريح إليه المتعب بالنهار، ويسكن للراحة والاطمئنان فيه. "انظر ج"ص"٤٠". ٢ وهذا يسمى: الاستمرار المتجدد، أو الاستمرار التجددي، وله إشارة أخرى في رقم ٤ من هامش ص٢٤٧، وفي رقم ٢ من هامش ص٢٨٢.
[ ٣ / ٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الدلالة الزمنية أيضًا. أي: أنه شبيه به في الدلالة على التجدد والحدوث، وفي الدلالة الزمنية المعينة. وإذا كانت دلالة الوصف الزمنية على هذه الشاكلة فإن إضافته غير محضة١.
ب- إذا كان الوصف المضاف مطلق الزمن؛ أي: لا دليل معه يبين نوعًا من أنواع الزمن الثلاثة كانت إضافته محضة؛ نحو: "صاحب السلطان كراكب السفينة"٢ فلا قرينة في المثال تدل على ربط المعنى المقصود بزمن معين؛ ماضٍ، أو حال، أو مستقبل، أو ما يشمل الثلاثة "وقد سبقت الإشارة لهذا"٣.
ج- أشرنا٤ إلى أن إضافة الوصف إلى الظرف نوع من الإضافة المحضة، وأوضحنا شرط ذلك؛ كالمثال السابق: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ أي: مالك الأمر والنهي في يوم الدين. بخلاف: "جاعل الليل سكنًا"؛ لأن الليل مفعول به، في الأصل قبل الإضافة، وليس ظرفًا، وإلا فسد المعنى٥.
د- من الإضافة غير المحضة ما يأتي من الأنواع الملحقة بها٦؛ وهي:
١- إضافة الاسم إلى اسم آخر كان قبل الإضافة نعتًا للمضاف؛
_________________
(١) ١ كل ما سبق تعليل خيالي -مقبول هنا- للأمر الواقع المستمد من الكلام العربي. والعلة الأولى هي الكلام العربي نفسه، وأنه يسير على النظام الذي سبق تعليله، برغم أن العرب لا تعرف اصطلاح الإضافة المحضة، ولا غير المحضة. ٢ يريدون بذلك: أن راكبها لو سلم من الغرق لم يسلم من الفرق. أي: من الخوف. ٣ في "ج" من ص٥. ٤ في "و" ص٥. وفي ص٣٨. ٥ إذ المراد -عند أصحاب هذا الرأي- جعل الليل نفسه بظلامه وانقطاع الحركة والعمل فيه، وبخصائصه الأخرى هو للسكن، لا أن السكن واقع فيه. "وسبقت إشارة للآية في آخر ص٣٨". ٦ وبعض صوره لا يختلف فيه معنى المتضايفين، مع أن الأصل في الإضافة بنوعيها، ولا سيما المحضة -كما سبق في رقم ١ من هامش ص٧- أن يختلف فيها معنى المتضايفين، ومدلولهما. ويدور الجدل في الأنواع التي سنذكرها -وهي التي أشرنا إليها عابرة في تلك الصفحة وسنفصلها هنا، وبعد الفراغ من تفصيلها نعرض -في ص٤٧ وما بعدها- للجدل وموضوعه، ونبدي الرأي فيه، وفي كل ما تناوله.
[ ٣ / ٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
"وهذا ما يعبرون عنه بأنه إضافة الاسم المنعوت إلى نعته". كقولهم: "صلاة الأولى" تذهب الخمول. كان الخلفاء السابقون يقصدون "مسجد الجامع"؛ ليذيعوا على الناس ما يريدون إذاعته. إني أحرص على "ديانة القيِّمة"؛ لأسعد.
والأصل: الصلاة الأولى، أو: صلاة الساعة الأولى. المسجد الجامع أو: مسجد الوقت الجامع، الديانة القيِّمة، أو ديانة الملة القيِّمة١.
٢- إضافة الاسم إلى اسم آخر كان قبل الإضافة منعوتًا للمضاف. فصار بعدها هو المضاف إليه. "أي: إضافة النعت إلى منعوته" كقوله تعالي: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ . وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ والأصل في الآيتين: اليقين الحق، فتقدمت الصفة على الموصوف، وصارت مضافًا، وصار الموصوف مضافًا إليه مجرورًا. ومثله ما جاء في خطبة قائد بين جنوده: "إن العدو لن يعبأ بكم إلا إذا أحس منكم صادق الجهاد، وعظيم البلاء، وملأتم قلبه فزعا، وضربتموه كما تضرب عوادي الوحوش، وطردتموه كما تطرد غرائب الإبل، وتركتم جنوده بين صريع وأسير " أي: الجهاد الصادق. البلاء العظيم، الوحوش العوادي، الإبل الغرائب
٣- إضافة المسمى إلى الاسم٢؛ نحو: شهر٣ رجب معظَّم في
_________________
(١) ١ في الأمثلة السالفة حذف المضاف إليه المنعوت، وأقيم النعت مقامه، فصار مضافًا إليه. "انظر ما يتصل بهذا في ص٥٠". ٢ وعكسه "وهو إضافة الاسم إلى المسمى" مثل إضافة: "لدن وعند" طبقًا لما سيجيء في ص١١٩. ٣ جاء في التصريح –ج٢ باب التوكيد عند الشاهد: "يا ليت عدة حول كله رجب" ما نصه: "قال الدنوشري: هل "رجب" منصرف، وكذلك "صفر" أو لا؟ قال سعد الدين في حاشيته على الكشاف: إن أريد بهما معين فهما غير منصرفين وإلا فمنصرفان. قال ناصر الدين اللقاني: وكأن وجه ذلك أن المعين معدول عن الرجب وعن الصفر، كما قالوا في "سحر" إنه معدول عن السحر فيما أريد به "سحر" بعينه؛ ففيهما العلمية والعدل. وقد يقال: إن المانع هو العلمية والتأنيث باعتبار المدة". ا. هـ، وستجيء إشارة لهذا في باب الممنوع من الصرف ج٤ ص١٩٦ م١٤٧.
[ ٣ / ٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الجاهلية والإسلام. شجر التفاح كثير في الشام. وهذه هي إضافة: "البيان أو: "الإضافة البيانية" التي يقصد منها إيضاح الأول وبيانه بالثاني١، وهي كثيرة في استعمالنا؛ كإضافة الأيام والعلوم إلى أسمائها؛ مثل: يوم الخميس. يوم الجمعة. علم الحساب. علم الهندسة ولها أمثلة أخرى وردت في المطولات، منها قولهم: لقيته ذات مرة، أو ذات ليلة. مررت به ذات يوم. داره ذات اليمين، أو؛ ذات الشمال. مشينا ذا صباح٢
ومن المفيد المهم أن ننقل هنا ما دونه ابن يعيش شارح المفصل٣ خاصًا بهذا. قال ما نصه "مع حذف بعض الأمثلة، اكتفاء ببعض":
"اعلم أنهم قد أضافوا المسمى إلى الاسم مبالغة في البيان؛ لأن الجمع بينهما آكد "أقوى" من إفراد أحدهما بالذكر. وفي ذلك دليل من جهة النحو على أن الاسم عندهم غير المسمى؛ إذ لو كان إياه لما جاز إضافته إليه، وكان من إضافة الشيء إلى نفسه. فالاسم هو اللفظ المعلق على الحقيقة؛ عينا كانت تلك الحقيقة، أو معنى؛ تمييزا لها باللقب مما يشاركها في النوع،
_________________
(١) ١ فرق بعض النحاة بين الإضافة التي "للبيان"، والإضافة البيانية؛ بأن التي للبيان يكون بين جزأيها عموم وخصوص مطلق، وأن "البيانية" يكون بين جزأيها عموم وخصوص من وجه. وهذا الخلاف شكلي؛ لا أثر له؛ لأنه محصور في المراد من اصطلاح معين عند كل فريق. هذا وقد سبق "في ج١ ص١٩ م٢" معنى العموم والخصوص المطلق والوجهي. ٢ "ذا" و"ذات" -ولهما بيان آخر خاص بإضافتهما، في ص٧٤- من الظروف غير المتصرفة بشرط إضافتهما للزمان، دون غيره؛ فيلتزمان النصب على الظرفية الزمنية إلا على لغة ضعيفة رفضها جمهور النحاة. ومن الأمثلة التالية ما يساير هذه اللغة. كما أن "ذات" قد تضاف إلى كلمة: "اليمين" أو "الشمال" وهما من الظروف المكانية، فتصير ظرفا مكانيًا متصرفًا ومنصرفًا. وقد تكون اسمًا محضًا مستقلًا، معناه حقيقة الشيء وماهيته، والنسب إليها: "ذووي" باعتبارها أصلها، أو: "ذاتي" باعتبار لفظها الحالي. "طبقا لما سبق في ج١ م٢٦ ص٣٥٨، أما البيان التفصيلي ففي باب النسب ج٤ م١٧٨ ص٥٥٤". ٣ في ج٣ ص١٢.
[ ٣ / ٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والمسمى تلك الحقيقة؛ وهي ذات اللقب، أي: صاحبته١. فمن ذلك قولهم: "لقيته ذات مرة"، والمراد: الزمن المسمى بهذا الاسم الذي هو: مرة. ومثله: "ذات ليلة، ومررت به ذات يوم، وداره ذات الشمال، وسرنا ذا صباح" كل هذا معناه وتقديره: داره شمالًا، وسرنا صباحًا ، بالطريق التي ذكرناها. إلا أن في قولنا: ذا صباح، وذات مرة –تفخيما للأمر. "ومن ذلك قول الشاعر:
عزمت على إقامة ذي صباح لأمر ما يسود من يسود
المراد: على إقامة صاحب هذا الاسم، وصاحبه هو: صباح؛ فكأنه قال: على إقامة: صباح
ومثله قول الكميت:
إليكم ذوي آل النبي تطلعت نوازع من قلبي ظماء وألبب٢
فالمراد: يا آل النبي، أي: يا أصحاب هذا الاسم الذي هو آل النبي، ولو قال: "يا آل النبي" لم يكن فيه ما في قوله: "يا ذوي آل النبي" من المدح والتعظيم. وفائدة هذا الأسلوب ظاهرة؛ لأنه لما قال: يا ذوي آل النبي جعلهم أصحاب هذا الاسم؛ وهو آل النبي. ومن كان صاحب هذا الاسم كان ممدوحًا معظمًا لا محالة
ومثله قول الأعشى:
فكذَّبوها بما قالت: فصحبهم ذو آل حسان يزجي الموت والشرعا٣
أي: صبحهم الجيش الذي يقال له: آل حسان.
ومثله قول الآخر:
_________________
(١) ١ بمعنى أنها الذات المختصة به، المرادة منه. ٢ الألبب جمع: لب، والقياس: ألب بالإدغام الذي منع منه ضرورة الشعر". ٣ "يزجي = يسوق. الشرع: كعنب، جمع شرع؛ بكسر فسكون، وهو الثأر والوتر".
[ ٣ / ٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إذا ما كنت مثل ذوي عدي ودينار، فقام على ناعي
أي: مثل كل واحد من الرجلين المسميين "عديًا"، و"دينارًا" "وحكي عن العرب: هذا ذو زيد، ومعناه: هذا صاحب هذا الاسم، وقد كثر ذلك عندهم. وربما لطف١ هذا المعنى على قوم، فحملوه على زيادة. "ذي"، و"ذات". والصواب ما ذكرناه" ا. هـ.
وهذا كلام جليل في إيضاح تلك الأساليب التي أضيف فيها المسمى إلى الاسم؛ لتحقيق غرض بلاغي هام، كالإيضاح مع التوكيد.
ومن أمثلتها الواردة أيضًا قولهم: "اذهب بذي تسلم. اذهبا بذي تسلمان. اذهبوا بذي تسلمون ". أي: اذهب بسلامتك التي تلازمك ولا تفارقك. اذهبا بسلامتكما. اذهبوا بسلامتكم"٢.
٤- إضافة الموصوف إلى اسم قائم مقام الصفة؛ كقول الشاعر:
علا زيدنا يوم النقا رأس زيدكم بأبيض، ماضي الشفرتين يماني ٣
أي: علا زيد صاحبنا رأس زيد صاحبكم؛ فحذف الصفتين، وجعل الموصوف خلفًا عنهما في الإضافة. ويرى بعض النحاة أن البيت ونحوه هو من إضافة الشيء إلى ملابسه٤ بعد تنكير العلم، وإضافته إضافة محضة من غير حاجة لتأويل بما ذكر٥. والرأيان صحيحان.
_________________
(١) ١ خفي ودق. ٢ وسيجيء الإيضاح الأوفى لهذا، والإعراب، في المكان المناسب، ص٩٥. وكذلك سبقت الإشارة لكلمة: "ذا" و"ذات" وما يتصل بهما لمناسبة في باب الظرف "ج٢ ص٢١٠، ٢١٥، ٢٢٩ م٧٩"، ولمناسبة أخرى في ج١ "بابي الأسماء الستة، والموصول" وفي باب الموصول الكلام على جمع "ذو" وإفرادها وعلى "ذو" الطائية التي بمعنى "الذي" وفروعه، وحكمها. ٣ سبق هذا البيت في الجزء الأول "م٢٣ ص٢٦٥" لمناسبة أخرى هناك؛ وهي بيان السبب في إضافة العلم أحيانا، أو في تعريفه بإحدى وسائل التعريف، مع أن الأصل في العلم أن يكون معرفة. ٤ أي: ما له به نوع اتصال لأدنى ملابسة. وقد سبق بيان هذا النوع في رقم ٢ من ص٢١. ٥ إيضاح هذا في باب العلم ج١ ص٢٠٧ م٢٢.
[ ٣ / ٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٥- إضافة المؤكَّد إلى المؤكِّد، وأكثر ما يكون ذلك في أسماء الزمان المبهمة "أي: التي لا تحدد ببدء وانتهاء معرفين؛ مثل كلمة: حين، وقت، زمن، أيام ونحوها مما سبق الكلام عليه في الجزء الثاني، باب: "الظروف"، نحو: إذا اشتدت وقدة الصيف أسرع الناس إلى سواحل البحار؛ ليقيموا بها ما وسعهم الأمر، وحينئذ ينعمون بجو معتدل، وهواء رطب منعش أي: حين إذ يقيمون ينعمون؛ فحذفت الجملة المضارعية الأولى، وهي المضاف إليه، وعوض عنها التنوين. فالمؤكد هو: "الحين" وهو زمن مبهم. والمؤكِّد هو: "إذ" الظرفية المضافة إلى الجملة المضارعية المحذوفة١. والمراد من لفظ: "الحين" المبهم هو المراد من لفظ: "إذ" المخصصة بالجملة التي أضيفت إليها، فالظرف الزمني الثاني مؤكد للأول؛ لاتفاق معناهما، والمراد منهما، مع مجيئه بعده٢..
ويرى بعض النحاة -بحق- أن مثل هذا يعد من إضافة العام إلى الخاص، لا المؤكد إلى المؤكد، لتخصيص الظرف الثاني -كما قلنا- بالجملة التي أعربت مضافًا إليه، وهي الجملة المضارعية التي حذفت وقام مقامها التنوين عوضًا عنها
ومن النادر أن تكون إضافة المؤكد إلى المؤكد في غير أسماء الزمان المبهمة؛ كقول الشاعر:
فقلت أنجوا عنها نجا الجلد إنه سيرضيكما منها سنام وغاربه٣
_________________
(١) ١ مع ملاحظة أن الظرف لا يسمى ظرفًا -اصطلاحًا- إلا إذا كان منصوبًا "لفظًا أو محلًّا" على الظرفية. فإذا صار مضافًا إليه، أو مبتدأ، أو شيئًا آخر غير النصب على الظرفية، فإنه لا يسمى في الاصطلاح ولا يعرب ظرفًا. ٢ ومن الأمثلة أيضًا البيت الآتي في صفحة ٥٦ وهو: أنجب أيام والداه به إذ نجلاه؛ فنعم ما نجلا وشرح البيت وموضع الشاهد فيه موضحان هناك ٣ قاله أعرابي نزل عنده ضيفان، فذبح لهما ناقة. فقالا: إنها مهزولة. فقال لهما البيت ومعنى: انجوا: اسلخا يقال: نجوت الجلد، بمعنى: سلخته و"السنام": الجزء المنحني المرتفع في ظهر البعير والناقة، وهو مقر الدهن، و"الغارب" أعلى الظهر بين السنام والعنق.
[ ٣ / ٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يريد: اسلخا عن الناقة نجا الجلد -والنجا، بالقصر- هو: الجلد.
٦- إضافة الاسم الملغى١ إلى الاسم المعتبر٢؛ كقوله تعالي: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾، ومثل: مررت بكم فألقيت اسم السلام عليكم. والأصل: الجنة التي وعد المتقون - ألقيت السلام عليكم٣.
٧- إضافة الاسم المعتبر إلى الاسم الملغى كقول الشاعر:
أقام ببغداد العراق وشوقه لأهل دمشق الشام شوق مبرح٤
٨- ومن الإضافة غير المحضة قولهم: "لا أبا لفلان" لوجود الفاصل بين المتضايفين. وقد سبق٥ -في مناسبة أخرى- الكلام على هذا الأسلوب من ناحية الإضافة، ومن ناحية إعرابه ومعناه.
٩- ومن الإضافة غير المحضة إضافة صدر المركب المزجي إلى عجزه -مسايرة لبعض اللغات الجائزة فيه- نحو: قامت الطائرة من "أفغانستان" فوصلت إلى "بور سعيد" في بضع ساعات.
_________________
(١) ١ الزائد الذي يمكن حذفه فلا يتأثر المعنى الأصلي بحذفه. ٢ الأصلي الذي لا يمكن حذفه إلا بفساد المعنى. ٣ ومن هذا قول لبيد بن ربيعة لبنتيه، حين حضرته الوفاة، ينصح لهما بعدم اللطم، إن هو مات، وبترك الجزع. وحسبهما البكاء المجرد حولًا كاملًا. ثم هو يسلم عليهما يقول: إلى الحول، ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولًا كاملًا فقد اعتذر وكذلك: "فنن الغصون" في شعر نقله القرطبي في مقدمة تفسيره "ج١ ص٢١" جاء فيه: ما هاج شوقك من هديل حمامة تدعو على فنن الغصون حمامًا ٤ وهذه الزيادة على اعتبار ألا توجد بلدة اسمها: "بغداد": ولا أخرى اسمها: "دمشق"، غير هاتين. أما عند علم المتكلم بوجود غيرهما فالإضافة محضة، من نوع إضافة العلم إلى ما يخصصه بعد أن فقد علميته؛ بسبب اشتراكه بين أفرا متعددة. "كما سبق في باب العلم ج١ م٢٣ رقم٢ من هامش ص٢٦٤". ٥ في ج١ ص٧٥ م٨ عند الكلام على الأسماء الستة وفي ج١ ص٥٢٨ م٥٦ باب "لا".
[ ٣ / ٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإنما كانت الإضافة هنا لفظية؛ لأن كلًّا من الجزأين يكمل الآخر كما يكمل الحرف الواحد في الكلمة الواحدة نظائره فيها، كالخاء، أو الشين، أو الباء في كلمة: "خشب" مثلًا.
وفائدة هذه الإضافة التخفيف الناشئ من التركيب، مع التنبيه إلى شدة الامتزاج١.
١٠- ومن الإضافة غير المحضة: "الكنية" على الوجه الذي سبق تفصيله وإيضاحه في الجزء الأول٢
إلى هنا انتهت تلك الإضافات الملحقة "بغير المحضة". ونعود إلى ما أشرنا إليه٣ من الجدل الدائر حولها. ويتركز فيما يأتي:
أمحضة أم غير محضة؟ أهي نوع ثالث مستقل بنفسه، ولكن إضافته "شبيهة بالمحضة"؛ ويجب أن يسمى بهذا الاسم؟
ثم لهذا النوع -عندهم- اعتباران؛ أحدهما الاتصال؛ لأن المضاف غير مفصول من المضاف إليه بالضمير الذي يلاحظ وينوى في الإضافة غير المحضة، كما سلف بيانه. والآخر: الانفصال؛ لأن المعنى لا يصح إلا بتأول
_________________
(١) ١ كما سيجيء في ج٤ باب الممنوع من الصرف - م١٤٨ ص٢١٧. ٢ في الجزء الأول "م٢٣ ص٢٧٧ عند الكلام على "العلم" ونقلنا بعضه في "أ" من ص٤٢٩ فقلنا ما نصه في الجزء الأول: "أما الكنية فهي علم مركب تركيبًا إضافيًا بشرط أن يكون صدره "وهو المضاف" كلمة من الكلمات الآتية: "أب، أم"، "ابن، بنت"، "أخ، أخت"، "عم، عمة"، "خال، خالة" وليس منه أب لمحمد، وأم لهند، وغيرهما من كل ما لا إضافة فيه على الوجه السابق ". ثم قلنا في رقم "أ" من ص٤٢٩ ما نصه: "والكنية -مع تركيبها الإضافي- معدودة من قسم العلم الذي معناه إفرادي؛ فكل واحد من جزأيها لا يدل بمفرده على معنى يتصل بالعلمية؛ فإذا وقع بعدها تابع -كالنعت مثلًا في قولنا: جاء أبو علي الشجاع- فإن النعت "وهو هنا كلمة: "الشجاع" يعتبر في المعنى نعتًا للاثنين معًا، أي: للمضاف والمضاف إليه، ولا يصح أن يكون نعتًا لأحدهما فقط، وإلا فسد المعنى، لكنه يتبع في الإعراب المضاف وحده و " ا. هـ راجع النص كاملًا. ٣ في رقم ٦ من هامش ص٤٠.
[ ٣ / ٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وتكلف يخرجان الإضافة عن ظاهرها١. فأيهما الصحيح؟. وبعد كل ما سبق أقياسية هي أم سماعية؟.
لكل رأي أدلته التي يقويها أصحابه بتأويل الأسلوب تأويلًا يبعده عن ظاهره، وبتخريجه إلى حيث يريدون من إثبات رأيهم ودعمه
والأمر لا يحتاج إلى هذا العناء الجدلي الذي له أسبابه التاريخية النحوية التي لا تعنينا اليوم؛ فحسبنا أن نترك فضول التأويل والتخريج، ونعول على ظاهر الأسلوب الإضافي تعويلًا لا يعارض المراد منه؛ فنجد تلك الإضافات المتعددة قد انحصرت في قسمين:
أولهما: يكون فيه المضاف والمضاف إليه بمعنى واحد، مع اختلاف لفظهما. أي: أن اللفظين مختلفان، ولكن مدلولهما متحد، كإضافة المسمى إلى الاسم "في مثل: شهر رمضان -شجر البرتقال- علم الهندسة "، ومثل هذه الإضافة لا تفيد المضاف تعريفًا ولا تخصيصًا؛ لأن المضاف من حيث المعنى هو نفس المضاف إليه، أو بمنزلته؛ والشيء لا يتعرف ولا يتخصص بنفسه، أو بما هو بمنزلة نفسه؛ فلا يمكن أن تكون الإضافة في هذا القسم "محضة"؛ إذ "المحضة" لا بد أن تفيد المضاف تعريفًا أو تخصيصًا إذا كان غير متوغل في الإبهام، وأن تتضمن معنى حرف من أحرف الجر الثلاثة المعروفة٢، و"الإفادة والتضمين"، يقتضيان أن يكون معنى المضاف غير معنى المضاف إليه.
ثانيهما: يكون فيه أحد الاسمين المتضايفين أصليًا والآخر زائدًا "يمكن الاستغناء عنه من غير أن يتأثر المعنى المراد بحذفه" نحو: مررت بكم فألقيت اسم السلام عليكم فكلمة: "اسم" زائدة؛ فلا فائدة منها مستجدة، وإذا كانت كذلك فكيف تعتبر إضافتها محضة؟.
إن الإضافة المحضة تؤثر في الأسلوب تأثيرًا معنويًا؛ لا غنى عنه -كما قلنا- فحيث يمكن الاستغناء عن أحد طرفي الإضافة لا تكون الإضافة محضة.
_________________
(١) ١ راجع الهمع والصبان. ٢ بيانها في: "أ، ب، ج" ص١٨، ١٩، ٢٠.
[ ٣ / ٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أما قياسية تلك الإضافات الملحقة بغير المحضة، أو عدم قياسيتها، فكثرة النحاة تقصرها على المسموع، ولا تبيح فيها القياس. إلا الكوفيين فيبيحون القياس على المسموع، بشرط اختلاف لفظي المضاف والمضاف إليه، بحجة أن الوارد من تلك الإضافات كثير كثرة تكفي للقياس عليه، وأن الحاجة قد تدعو لاستخدام القياس؛ للانتفاع بفائدة تلك الإضافات المتعددة الأنواع، فإنها لا تخلو من فائدة معنوية –كالإيضاح مع التوكيد-، برغم أن هذه الفائدة المعنوية تختلف -نوعًا ومقدارًا- عن الفائدة المعنوية التي للإضافة المحضة١
ورأي الكوفيين سديد مفيد. وفي الأخذ به هنا تيسير محمود تتطلبه حياة الناس كما طلبته قديمًا. لكن من المستحسن -وبخاصة القسم الثاني- أن نأخذ به في أضيق الحدود؛ حين تشتد إليه الحاجة، وتقوم قرينة على بيان المراد منه، بحيث لا يشوبه لبس أو غموض.
وقد صرح بعض كبار النحاة باستحسان الرأي الكوفي، ففي شرح شواهد العيني للبيت المرقوم "٤٤٨" وهو الذي سبق هنا في الإضافة الخامسة "ص٤٥" وصدره:
"فقلت: انجُوَا عنها نجا الجلد إنه "
ما نصه:
"الشاهد في: "نجا الجلد" حيث أضاف المؤكَّد إلى المؤكِّد؛ لأن "النجا" -بالقصر- هو الجلد. والأحسن ما قاله الفراء: إن العرب تضيف الشيء إلى نفسه عند اختلاف اللفظين كقوله تعالى: ﴿حَقُّ اليَقِينِ﴾ ٢.."ا. هـ.
وقال الأشموني عند الكلام على بيت ابن مالك٣:
ولا يضاف اسم لما به اتحدْ معنى، وأوِّلْ موهمًا إذا وردْ
ما نصه: "لا يضاف اسم لما اتحد به معني؛ كالمرادف مع مرادفه؛
_________________
(١) ١ ومع أن السماع يؤيدهم يزيدون فيستخدمون "قياس التنظير" فيقولون: إن العرب أجازت عطف الشيء على نفسه إذا اختلف اللفظان: كقول قائلهم: وألقي قولها كذبًا ومينًا والمين هو الكذب. والأصل في عطف النسق المغايرة. والمضاف والمضاف إليه كالمعطوف والمعطوف عليه؛ لهذا قال: "ياسين" في هذا الموضع من حاشيته على "التصريح": "إنهم استدلوا بالسماع والقياس، ووافقهم في التسهيل" ا. هـ. ولما تقدم إشارة في رقم ٨ من ص٦٦٠. ٢ انظر رقم ٤ من هامش ص٥١. ٣ ستجيء له إشارة أخرى في هامش ص٦٥.
[ ٣ / ٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والموصوف مع صفته؛ لأن المضاف يتخصص أو يتعرف بالمضاف إليه؛ فلا بد أن يكون غيره في المعنى؛ فلا يقال، قمح بر، ولا رجل فاضل، ولا فاضل رجل. وإذا جاء من كلام العرب ما يوهم جواز ذلك وجب تأويله؛ فمما أوهم إضافة الشيء إلى مرادفه قولهم: "جاءني سعيد كرز". وتأويله: أن يراد بالأول المسمى، وبالثاني الاسم؛ أي: جاءني مسمى هذا الاسم١. ومما أوهم
_________________
(١) ١ للاسم مع المسمى حالات مختلفة؛ فقد يكون الاسم هو المسمى نفسه وذاته، وقد يكون غير المسمى، و، عرض لتفصيل الكلام على هذا الموضوع تفصيلًا وافيًا ابن السيد البطليموسي الأندلسي في رسالة خاصة نقلتها: "مجلة المجمع اللغوي بدمشق"، في الجزء الثاني من مجلدها السابع ولأربعين ص٣٣٣، وعنها نقلنا النص التالي: "الباب الأول: في تبييين كيف يكون الاسم غير المسمى ، إن الاسم الذي يقال إنه غير المسمى هو الاسم الذي يراد به التسمية، والعبارة عن المعنى الذي يروم المتكلم تقريره في نفس من يخاطبه. وهذا الاسم هو المراد بقولهم للرجل: "ما اسمك؟ وعرفني باسمك"؛ لأنه ليس يسأله أن يعلمه بذاته ما هي؟ وإنما يسأله يعلمه بالعبارة المعبر بها عنه، المشار بها إلى ذاته. وكذلك قولهم: "محوت اسم علي من الكتاب، وأثبت اسمه في الديوان" فالاسم في هذا كله غير المسمى اضطرارًا؛ لأن اللفظة ليست الشخص الواقع تحتها. والاسم والتسمية في هذا الباب لفظان مترادفان على معنى واحد؛ كما يقال: سيف، وصمصام، وحسام. والاسم ههنا وإنما كان يفيد ما تفيده التسمية فبينهما فرق؛ وذلك أن التسمية مصدر، من قولك: سميت الشيء أسميته تسمية، فأنا: مسمٍّ، وهو: مسمًّى؛ كقولك: سويته، أسويه، تسوية؛ فأنا: مسوٍّ، وهو: مسوٍّي. والاسم ليس بمصدر؛ وإنما يراد به الألفاظ المعبر بها عن الأشياء، كمحمد، وعلي، وجوهر، وعرض. ويدلك على الفرق بينهما أن التسمية تعمل عمل الفعل، والاسم لا يعمل عمل الفعل؛ ألا ترى أنك تقول: عجبت من تسمية زيد ابنه كلبًا؛ كما تقول: عجبت من تسوية زيد الثوب. ولا تقول: عجبت من اسم زيد ابنه كلبًا. وهذا كما تقول: "عجبت من قوت زيد عياله" -بفتح القاف- فإن ضممت القاف لم يجز؛ لأن "القوت -بفتح القاف- مصدر قاته، يقوته، قوتًا. و"القوت" -بضم القاف- الطعام نفسه؛ فجرى مجرى الاسم في الامتناع من العمل؛ لأنه نوع من أنواع الاسم. ومما جاء من هذا الباب قوله ﵎: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ يريد: التسميات. ومن ذلك قوله ﵇: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة". ولو كان الاسم هنا هو المسمى بعينه لكان الله تسعة وتسعين شيئًا. وهذا كفر بإجماع و و ومن ذلك قول الشاعر: وسميته يحيي ليحيا، ولم يكن لردِّ قضاء الله فيه سبيلُ ولو كان الاسم هنا هو المسمى لوجب أن يموت من سمي: "يموت". ويحيا من سمي "يحيي" وهذا النوع كثير في القرآن والحديث وكلام العرب يغني ما ذكرناه منه عن الإكثار منه". ا. هـ. ثم عرض بعد ذلك لأنواع أخرى؛ منها ما يكون فيه الاسم هو المسمى، كلاهما ملازم الآخر لا يفارقه مطلقًا، مثل كلمة: "حي، أو "متحرك". فمن المستحيل أن توجد الحياة بغير الجسد الذي تحل فيه، ومن المستحيل أن توجد الحركة مستقلة بنفسها بغير جسم تظهر فيه. إلى غير ذلك مما عرضه.
[ ٣ / ٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إضافة الموصوف إلى صفته قولهم: "حبة الحمقاء"، و"صلاة الأولى"، و"مسجد الجامع"، وتأويله أن يقدر موصوف، أي: حبة البقلة الحمقاء، وصلاة الساعة الأولى، ومسجد المكان الجامع١. ومما أوهم إضافة الصفة إلى الموصوف قولهم: جرد قطيفة٢" وسحق عمامة٣، وتأويله: أن يقدر موصوف أيضًا، وإضافة الصفة إلى جنسها؛ أي: شيء جرد من جنس القطيفة، وشيء سحق من جنس العمامة" ا. هـ. كلام الأشموني.
ثم قال ما نصه:
"أجاز الفراء إضافة الشيء إلى ما بمعناه لاختلاف اللفظين. ووافقه ابن الطراوة، وغيره ونقله في "النهاية" عن الكوفيين، وجعلوا من ذلك ما ورد في الآيات القرآنية من نحو: ﴿وَلَدَارُ الآخِرَةِ﴾، ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾، ﴿حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾، ﴿جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾، وظاهر التسهيل وشرحه موافقته"٤. ا. هـ. الأشموني.
ويقول الرضي في شرح الكافية٥ -بعد أن شرح مذهب الكوفيين وغيرهم وعرض أمثلة مما سبق- ما نصه: "الإنصاف أن مثله كثير لا يمكن دفعه"٦.
_________________
(١) ١ انظر ما سبق متصلًا بهذا في رقم ١ من ص ٤٠. ٢ بمعنى: قطيفة مجردة. ٣ بمعنى: عمامة مجردة. ٤ ومن الأمثلة القرآنية أيضًا قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ قال "المصباح المنير" في مادة: "عرم" ما نصه: "العرم قيل: جمع "عرمة" مثل كلم وكلمة، وهو: السد، وقيل: السيل الذي لا يطاق دفعه. وعلى هذا فقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ بإضافة الشيء إلى نفسه؛ لاختلاف اللفظين". ا. هـ، وجاء في المصباح المنير أيضًا ما نصه في مادة: "ظهر": "أفضل الصدقة ما كان على ظهر غنى" المراد: نفس الغنى. ولكن أضيف للإيضاح والبيان؛ كما قيل: "ظهر الغيب، وظهر القلب". والمراد: نفس الغيب، ونفس القلب. ومثله: "نسيم الصبا"، وهي نفس الصبا. قاله الأخفش، وحكاه الجوهري عن الفراء أيضًا. والعرب تضيف الشيء إلى نفسه، لاختلاف اللفظين؛ طلبًا للتأكيد. قال بعضهم: ومن هذا الباب: ﴿حَُّ الْيَقِينِ﴾، ﴿وَلَدَارُ الآخِرَةِ﴾ " ا. هـ. ٥ ج١ص٢٨٨. ٦ وزاد على هذا قوله: "ولو قلنا: إن بين الاسمين في كل موضع فرقًا لاحتجنا إلى تعسفات كثيرة".
[ ٣ / ٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وقد أطلنا الكلام في أمر الإضافات السالفة لنفصل في أمرها بحكم قاطع -وهو إباحتها- فيُحسَم النزاع، ويوقَف الجدل الذي امتد حتى وصل إلينا عنيفًا، واستخدمه اليوم -بغير حق- بعض الباحثين في إصدار أحكام بالفساد والخطأ على بعض الإضافات الشائعة، مثل: "استرحنا من عناء التعب"، و"نعمنا برغد الرخاء".
[ ٣ / ٥٢ ]
السابع: عدم الفصل بين المضاف والمضاف إليه باسم ظاهر، أو بضمير بارز١، أو بغيرهما؛ لأن المتضايفين بمنزلة الكلمة الواحدة ذات الجزأين، لا يصح أن يتوسط بينهما فاصل. غير أن هناك مواضع يجوز فيها الفصل في السعة٢؛ فإباحتها في الشعر، وملحقاته، أقوى. ومواضع أخرى يجوز فيها الفصل للضرورة٣.
١- فأما مواضع الفصل في السعة فمنها:
١- أن يكونا المضاف مصدرًا والمضاف إليه هو فاعله في الأصل قبل الإضافة، والفاصل بينهما إما مفعول به للمصدر٤؛ كقول الشاعر:
حملت إليه من ثنائي حديقة سقاها الحجا سقي الرياضَ السحائبِ
والأصل: سقي السحائب الرياض. وقول الآخر:
عَتَوْا إذ أجبناهم إلى السلم رأفةً فسقناهم سوق -البغاثَ- الأجادلِ٥
يريد: سوق الأجادلِ البغاثَ، فوقع الفصل في المثالين بين المصدر وفاعله بمفعوله المنصوب.
وإما ظرف للمصدر؛ كقولهم: تَرْكُ يومًا نفسك وهواها، سعيٌ لها في
_________________
(١) ١ أما المستتر فقد يفصل في الإضافة غير المحضة كما عرفنا في ص٣٤. ٢ أي: في النثر المرسل؛ حيث يجد الناثر من فسحة القول، وحرية التعبير، والتصرف ما لا يجده الشاعر، ونحوه المقيد بقيود الشعر، وضوابطه؛ من وزن، وقافية، وخصائص شعرية ترهقه، وتضيق بها حريته في التعبير، ولهذا منحوه أنواعًا من التيسير لم يمنحوها الناثر، وأباحوا أن يقع في الشعر -وملحقاته- بعض أمور معينة لا تباح في النثر المرسل؛ تخفيفًا على الشاعر، ونزولًا على حكم الضرورة. وسموا تلك الأمور المحددة: "الضرورات الشعرية، ونظائرها". ولا شك أن ما يباح في النثر مباح في النظم بالأولوية. هذا، وفريق من البصريين يمنع الفصل بين المتضايفين في السعة، وسيجيء في ص٥٨. ٣ أي: الضرورة الشعرية وما يلحق بها، مما أوضحناه في ج٤ م١٤٨ ص٢٠٦ باب: "ما لا ينصرف". حيث البيان الكامل للضرورة، وملحقاتها. ٤ بشرط أن يكون المفعول غير جملة؛ فلا يجوز: سرني قول:- الدين حق الملحد، أي: قول الملحد: الدين حق. ٥ معنى البيت: إن الأعداء عَتَوْا، "أي: أفسدوا" بعد أن رحمناهم، وأجبناهم إلى السلم رأفة بهم. فلم نجد بدًّا أن نطاردهم ونسوقهم أمامنا كما تسوق الأجادل البغاث. "الأجادل: جمع أجدل، ويسمى: الصقر؛ وهو من جوارح الطيور القوية التي تحسن اصطياد الطيور الضعيفة. والبغاث: طائر ضعيف، يصاد، ولا يصيد، ولا ينتفع صائده بشيء منه".
[ ٣ / ٥٣ ]
رداها. فقد فصل الظرف: "يومًا" بين المصدر وفاعله، وهما: ترك نفسك ١.
٢- أن يكون المضاف اسم فاعل للحال أو الاستقبال، والمضاف إليه هو مفعوله، والفاصل بينهما إما: مفعوله الثاني، وإما الظرف، وإما الجار والمجرور المتعلقان بهذا المضاف، فمثال الفصل بالمفعول الثاني قول الشاعر:
ما زال يوقِنُ من يؤمُّك بالغنى وسواك مانع -فَضْلَهُ- المُحْتَاجِ
أي: مانع المحتاج فضله. والأصل قبل الإضافة مانع المحتاج فضله؛ فاسم الفاعل هنا ناصب مفعولين، ثم أضيف إلى أولهما، وبقي الثاني منصوبًا، ولكنه تقدم وفصل بين المتضايفين. ومثال الظرف قول الشاعر:
وداعٍ إلى الهيجا وليس كِفَاءَهَا كجالبِ -يومًا- حتفِهِ بسلاحِه
والأصل: كجالب حتفه يومًا ، ومثال الجار والمجرور المتعلقين به قوله ﵇: "هل أنتم تاركو - لي - صاحبي". والأصل: تاركو صاحبي لي.
٣- الفصل بالقسم، أو: بإما، أو: بالجملة الشرطية؛ سواء أكان المضاف شبه فعل٢ أم غيره؛ فمثال القسم: شرُّ -والله- البلادِ بلاد لا عدل فيها ولا أمن. ومثال "إما" قول الشاعر:
هما خُطَّتَا٣ إما إسار٤ ومنة٥ وإما دَمٌ، والقتل بالحرِّ أجدرُ
أي: هما خطتا إسار وقد حذفت نون المثنى المضاف وفصلت بينه وبين المضاف إليه كلمة: "إما". ومثال الشرط ما نقل من نحو: هذا غلام -إن شاء الله- أخيك". والأصل: هذا غلام أخيك إن شاء الله.
٤- الفصل بـ"ما" الزائدة حيث يكون المضاف منادى، وحرف النداء هو: "يا"؛ كقول الشاعر:
_________________
(١) ١ والأصل: ترك نفسك شأنها، وحذف المفعول أو: مضاف لمفعوله وفاعله محذوف، أي: ترك نفسك. ٢ المراد به هنا: نوعان -فقط- من الأسماء التي تشبه الفعل في معناه وعمله، هما: المصدر، واسم الفاعل للحال والاستقبال. ٣ أصل الكلام: خطتان؛ تثنية خطة، بمعنى: حالة وطريقة. ٤ أي: أسر، وهو وقوع المحارب مغلوبًا في يد عدوه المنتصر. ٥ امتنان بإطلاق السراح، ومنح الحرية.
[ ٣ / ٥٤ ]
يا شاةَ -ما- قُنُصٍ لمن حلت له حرمت عليَّ وليتَهَا لم تحرم
٥- الفصل بالتوكيد اللفظي بشرط أن يكون المضاف منادى قد تكرر لفظه للتوكيد اللفظي، من غير أن يضاف اللفظ الذي جاء للتوكيد، نحو: "يا صلاح، صلاح، الدين الأيوبي، ما أطيب سيرتك"؛ على اعتبار أن كلمة: "صلاح"، الأولى منادى، منصوب، مضاف، وكلمة: "الدين" مضاف إليه، وكلمة: "صلاح" الثانية هي التوكيد اللفظي للأولى، وقد فصلت بين المتضايفين١.
ب- وأما مواضع الفصل المباح في الضرورة فمنها:
١- وقوع المضاف اسما –مشبها الفعل في العمل، رافعًا بعده فاعله الذي يفصل بينه وبين المضاف إليه؛ كقول الشاعر:
نرى أسهما للموت تصمي٢ ولا تنمي٣ ولا نرعوي٤ عن نقض -أهواؤنا- العزم
فقد فصل بين المضاف والمضاف إليه بكلمة: "أهواؤنا" وهي فاعل المصدر المضاف، والأصل: عن نقض العزم أهواؤنا. أي: عن أن تنقض أهواؤنا العزم.
٢- أن يكون الفاصل بين المضاف والمضاف إليه أجنبيا من المضاف، "أي: أن يكون الفاصل معمولًا لعامل آخر غير هذا المضاف"؛ كالفصل بالفاعل الأجنبي في قول الشاعر:
_________________
(١) ١ وكان من الجائز أن تنون، ولكن حذف تنوينها بقصد المشاكلة بين الاسمين. ولهذا المثال وأشباهه طرق مختلفة في ضبطة وإعرابه. وبيانها المفصل في موضعها الأنسب من باب المنادى "ج٤ ص٤٠ و٤١ م١٣٠"، ومن تلك الطرق اعتبار الاسم المكرر زائدًا زيادة محضة بين المتضايفين لا يوصف فيها بإعراب ولا بناء. عند من يجيز زيادة الأسماء. ٢ تصيب فتقتل الصيد، والصائد يراه. ٣ أنْمَى الصيادُ الصيد، رماه فأصابه، فذهب الصيد بعيدًا عنه ومات. فمعنى: لا تنمي، لا تخطئ الإصابة القاتلة. ٤ لا نرعوي: لا نرجع عن الغي، ولا نرتدع.
[ ٣ / ٥٥ ]
أنجب١ أيامَ والداه به إذ نجلاه٢؛ فنعم ما نجلا
والأصل: أنجب والده به أيام إذ٣ نجلاه فقد فصل الفاعل٤ وهو "والداه" بين المضاف: أيام، وبين المضاف إليه وهو: "إذ نجلاه"، والفاصل هنا ليس معمولًا للمضاف.
٣- الفصل بالمفعول الأجنبي؛ كالذي في قول الشاعر يصف فتاة:
تسقي امتياحا٥ ندى -المسواكَ- ريقتِهَا كما تضمن ماءَ المزنة الرصفُ٦
يريد: أنها تسقي المسواك ندى ريقتها. فقد توسط المفعول به الأجنبي، "وهو: المسواك" بين المضاف والمضاف إليه، وفصل بينهما، مع أنه معمول للفعل: "تسقى" وليس معمولًا للمضاف.
٤- الفصل بالظرف الأجنبي٧: كالذي في قول الشاعر يصف رسوم الدار بأنها:
كما خطَّ٨ الكتاب بكفِّ -يومًا- يهوديٍّ يقارب٩ أو يزيلُ١٠
_________________
(١) ١ أنجب الرجل: ولد له ولد نجيب. ٢ ولداه، ورزقا به. ٣ "أيام"، مضاف، و"إذ" مضاف إليه، من إضافة العام الخاص، أو المؤكِّد للمؤكَّد. "وقد سبق الكلام عليها مع الإشارة لهذا البيت في النوع الخامس ص٤٥" و"إذ" مضاف، والجملة بعدها مضاف إليه. ٤ الفاصل في البيت هو الفاعل ومعه الجار والمجرور، فيؤخذ من هذا البيت الذي استشهد به النحاة على الفصل بالفاعل، جواز الفصل بالفاعل فقط، أو به ومعه الجار والمجرور. ٥ الامتياح: استخدام السواك لتنظيف الأسنان، ويعرب هنا: حالًا مؤولة، أي: ممتاحة. وهذا الإعراب أحسن من غيره. ٦ الحجارة المتراصة المتلاصق بعضها إلى بعض. والماء المتراكم فوقها، أو النافذ منها، يكون أنقى وأصفى من غيره، المفرد: رصفة. ٧ أي: الذي ليس معمولًا للمضاف. ٨ كتب. ٩ أي: يقرب الكلمات والحروف بعضها من بعض. ١٠ يزيل "بفتح الياء" يباعد ويفرق.
[ ٣ / ٥٦ ]
والأصل: كما خط الكتاب يومًا بكف يهودي؛ فوقع الظرف الأجنبي فاصلًا بين المضاف وهو: "كف"، والمضاف إليه، وهو: "يهودي".
٥- الفصل بالجار مع مجروره الأجنبيين، كما في قول الشاعر١:
هما أخوا -في الحرب- من لا أخا له إذا خاف يومًا نبوة، ودعاهما
تريد: هما أخوا من لا أخا له في الحرب. وقول الآخر٢:
كأن أصوات -من إشغالهن٣، بنا- أواخر الميس٤ أصوات الفراريج٥
يريد: كأن أصوات أواخر الميس
٦- الفصل بنعت المضاف؛ مثل:
ولئن حلفت على يديك لأحلفن بيمين أصدق من يمينك مقسم
أي: بيمين مقسم، أصدق من يمينك.
٧- الفصل بالنداء، كالذي في قول الشاعر:
وفاق٦ –كعب٧- يجير منقذ لك من تعجيل تهلكة٨، والخلد في سقرا٩
أي: وفاق بجير يا كعب
_________________
(١) ١ هو لامرأة من بني قيس. كما جاء في الجزء الأول من كتاب: "الموشح" للمرزباني، عند الكلام على الشاعر: أبو حية النميري. ٢ هو: ذو الرُّمَّة. ٣ مبالغتهن في السير. ٤ الميس: شجر تصنع منه الرحال. والمراد هنا: الرحال.
(٢) جمع فَرُّوج، وهو فرخ الدجاج. والشاعر يشبه أصوات الرحال وقت سير الإبل المسرعة بأصوات الفراريج. "راجع مجمع البيان، لعلوم القرآن، ج٣ ص٤". ٦ موافقة. ٧ يا كعب. ٨ هلاك. ٩ سقر: جهنم. وأصل القصة: أن "كعبًا" و"بجيرًا" أخوان، أبوهما: "زهير بن أبي سلمى" الشاعر الجاهلي المشهور. وقد أسلم "بجير" قبل أخيه، فأراد أن يسلم أخوه، فقال شعرًا يحبب إليه الإسلام، ويحذره سوء العاقبة إن خالف، ومنه هذا البيت. ومعناه: موافقة بجير -يا كعب- تنقذك من الهلاك، ومن الخلود في سقر.
[ ٣ / ٥٧ ]
تلك أشهر مواضع: "الفصل" -بنوعيه- بين المضاف والمضاف إليه كما رآها كثرة النحاة.
لكن فريقًا من نحاة البصرة لا يبيحون الفصل في السعة، ويقتصرونه على الضرورات. والأخذ برأيهم أفضل؛ حرصًا على وضوح المعاني، وجريًا على مراعاة النسق الأصيل في تركيب الأساليب. فمما لا شك فيه أن الفصل بين المتضايفين لا يخلو من إسدال ستارٍ ما على المعنى لا يرتفع ولا يزول إلا بعد عناء فكري يقصر أو يطول، وأن الأسلوب المشتمل على: "الفصل" غريب على اللسان والآذان، ولا سيما اليوم.
سواء أخذنا بهذا الرأي الأفضل أم بذاك -وكلاهما جائز- فلا مناص لمن يبيح الفصل أن يبيحه حيث تقوم القرينة عليه، ويتضح المعنى معه، في غير إبهام ولا غموض١.
_________________
(١) ١ وفي الفصل ومواضعه يقول ابن مالك في آخر باب: "الإضافة" أبياته التالية. المختصرة الملتوية "وقدمناها من موضعها الذي في ص؟ لتساير الترتيب المعنوي الأنسب للمسائل المترابطة التي يتمم بعضها بعضًا، على أنا وضعنا هنا على يسار كل بيت رقمه الذي يدل على ترتيبه في الباب؛ كما رتبه الناظم". فصل مضاف، شبه فعل ما نصب مفعولًا، أو: ظرفًا: أجز. ولم يعب: ٣٤ فصل يمينٍ. واضطرارًا وجدا بأجنبيٍّ، أو: بنعت، أو: ندا -٣٥ التقدير: أجز فصل ما نصبه المضاف الذي يشبه الفعل، حالة كون المنصوب مفعولًا به، أو ظرفًا. "يريد: إذا كان ذلك المنصوب مفعولًا به، أو ظرفًا" فكلمة: "فصل" مفعول للفعل: "أجز". و"فصل" مضاف، وكلمة: "مضاف"، التي بعدها هي المضاف إليه. "شبه" نعت لكلمة: مضاف. و"فعل" مضاف إليه مجرور. "ما" اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل للمصدر الذي هو كلمة: "فصل". و"نصب" جملة فعلية، لا محل لها، صلة الموصول. والمفعول ضمير محذوف، والتقدير: نصبه. و"مفعولا"، حال من الضمير المحذوف، و"أو" حرف عطف. "ظرفًا" معطوف على "مفعولًا". ثم يقول: واضطرارًا وجد الفصل بأجنبي. والمعنى: يجوز الفصل بين المضاف المشبه للفعل، =
[ ٣ / ٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
من مواضع الفصل للضرورة: الفصل بين المتضايفين بالفعل الزائد "أي: الذي يمكن حذفه مع فاعله١ بغير أن يفسد المعنى" ومنه قول العربي يسأل عن أهله:
بأي -تراهمُ- الأرضين حلوًا؟ أبالدبران، أم عسفوا الكفارا
يريد: بأي الأرضين؟ فجملة: "تراهم"٢ زائدة، فاصلة بين المتضايفين. ثم يسأل: أحلوا المكان الذي يسمى: الدبران -بفتح الباء- أم قصدوا المكان الآخر المسمى: الكفار؟
وأيضًا الفصل بالمفعول لأجله؛ كقول الشاعر:
أشم كأنه رجل عبوس معاود -جرأةً- وقتِ الهوادي
والأصل: معاود وقت الهوادي؛ جرأة. أي: يعاود الحرب وقت ظهور أعناق الخيل؛ لجرأته في الحرب٣.
وكذلك الفصل بلام الجر الزائدة بين المضاف المنادى والمضاف إليه٤ كقول الشاعر:
يا بؤس للحرب ضرارًا لأقوامِ
_________________
(١) = والمضاف إليه بشيء نصبه ذلك المضاف، لكن بشرط أن يكون هذا الفاصل المنصوب مفعولًا به، أو ظرفا. وقد أوضحنا هذه القاعدة بالشرح والتمثيل، وبالتفصيل المناسب. ثم بين بعد ذلك أن الفصل بين المتضايفين جائز باليمين. أما في حالة الضرورة فقد وجد الفصل بالأجنبي "وهو الذي ليس معمولًا للمضاف" أو بالنعت، أو بالندا. هذا والنعت والنداء يدخلان في الفصل بالأجنبي؛ ولكنه خصهما بالذكر مبالغة في إيضاحهما. ثم إن تخصيص هذه المسائل بحالة الضرورة يدل على أن ما سرده قبلها يكون في السعة. ١ إن كان له فاعل؛ لأن بعض الأفعال الزائدة لا فاعل له، وإذا حذف الفعل مع فاعله كان المحذوف جملة. ٢ ليس من اللازم ما يقولونه من أنها زائدة هنا. ٣ أشار الصبان إلى أن صدر البيت ورد مكان العجز في بعض المراجع. ٤ سبقت إشارة لهذا عند الكلام على لام الجر ج٢ م٩٠ ص٣٦٧، وهناك تكملة هذا الشطر، وتفصيل الكلام على البيت، وعلى لام الجر.
[ ٣ / ٥٩ ]
الثامن: استفادة المضاف من المضاف إليه وجوب التصدير١، وانتقال هذا الوجوب من الثاني للأول. فإذا كان المضاف إليه لفظًا من الألفاظ التي يجب تصديرها في جملتها كألفاظ الاستفهام و فإنه يفقد التصدير حين يصير مضافًا إليه، وينتقل وجوب التصدير إلى المضاف الذي ليس من ألفاظ الصدارة الحتمية؛ ولهذا وجب تقديم المبتدأ في مثل: كتاب من معك؟ والخبر في مثل: صباح أي يومٍ السفر؟ والمفعول به في مثل: دعوة أيهم تجيب؟ والجار والمجرور في مثل: من بلاد الأنصار أقبلت؟ وهكذا وأصل الكلام: معك كتاب من؟ السفر صباح أي يوم؟ تجيب دعوة أيهم؟ أقبلت من بلاد أي الأنصار؟ ففي الأمثلة السابقة تقدم وجوبا كل من المبتدأ، والخبر، والمفعول به، والجار مع مجروره و مع أن كل واحد من هذه الألفاظ ليس من الألفاظ الواجبة التصدير لذاتها؛ ولكنه استفاد حق التصدير الواجب من المضاف إليه، وسلبه هذا الحق؛ إذ المضاف إليه هنا أداة استفهام، وأدوات الاستفهام واجبة التصدير بنفسها قبل أن تصير: "مضافًا إليه" فحين صارت مضافًا إليه فقدت هذا التصدير الواجب، وانتقل منها إلى المضاف.
التاسع: وجوب تقديم المضاف، على المضاف إليه، وكذلك على معمولات المضاف إليه، إن وجدت. فلا يجوز أن يتقدم المضاف إليه، ولا شيء من معمولاته "سواء أكانت هذه المعمولات مفردة، أم جملة، أم شبه جملة"، إلا حالة واحدة يجوز فيها تقديم المعمول؛ هي: أن يكون المضاف كلمة: "غير" التي يقصد بها النفي٢؛ ففي نحو: "أنا مرشد الغرباء " لا يصح: "أنا الغرباء مرشد " وفي نحو: "أنا مثل كاتب سطورًا"، لا يصح أن يقال: "أنا - سطورا - مثل كاتب" أما في نحو: "أنا غير منكر فضلا-" فيجوز: "أنا - فضلًا - غير منكر"؛ لأنه يجوز: "أنا فضلًا لا أنكر".
ومنه قول الشاعر:
_________________
(١) ١ بشرط أن يكون المضاف إليه واجب الصدارة. ٢ علامتها: أن يصح إحلال حرف نفي وفعل مضارع محل كلمة: "غير" والمضاف إليها، مع استقامة المعنى.
[ ٣ / ٦٠ ]
المسألة ٩٨: أبنية المصادر
مدخل
المسألة٩٨: أبنية المصادر ١
المصادر الصريحة ثلاثة أنواع قياسية:
أولها: "المصدر الأصلي"، وهو ما يدل على معنى مجرد، وليس مبدوءًا "بميم" زائدة، ولا مختومًا بياء مشددة زائدة، بعدها تاء تأنيث مربوطة؛ ومن
_________________
(١) ١ إذا أطلق المصدر كان المراد النوع الأول من الثلاثة الآتية، وهو: "الصريح الأصلي" دون المؤول، ودون النوعين الآخرين -كما سيجيء في ص١٨٥، ١٨٨، ٢٠٧. وهنا موضع الكلام على المصادر الثلاثة الصريحة، وكل واحد منها يصح أن يتعلق به شبه الجملة. مع ملاحظة ما سبق في باب: "المفعول المطلق" "ج٢ م٧٤ ص١٦٦" من أمور هامة تختص بالمصدر من ناحية تقسيمه إلى: مؤكد لعامله، ومبين للنوع، ومبين للعدد ، ومن ناحية ذكر عامله أو حذفه إلخ أما المصدر المؤول فقد سبق تفصيل الكلام عليه "في ج١ م٢٩ ص٢٩٥ آخر باب: الموصول" حيث سردنا الحروف المصدرية، ومهمة كل منها؛ وصلته، وطريقة السبك، وما يمتاز به المصدر المؤول دون الصريح، وسائر أحكامه المختلفة. وقد وضع ابن مالك في "ألفيته" هذا الباب بعد بابي "إعمال المصدر" و"إعمال اسم الفاعل، واسم المفعول" ولعل حجته ما ردده بعض النحاة من أن الإعمال أمر نحوي وثيق الصلة بالأبواب التي سبقت، وأن الأبنية والصيغ أمر صرفي يجيء في المنزلة التالية لمسائل النحو وأبوابه. وهذه حجة واهية -فيما نرى- إذ الترتيب المنطقي يقتضي تقديم الأبنية والصيغ ليكون إعمالها وأحكامها وكل ما يختص بها منصبًا على شيء معلوم مفهوم. ولا يعقل سرد الأحكام الخاصة بشيء دون أن يكون معلومًا من قبل. لهذا لم نأخذ بترتيب ابن مالك هنا، وقدمنا باب أبنية المصادر. كلمة عن الجمود والاشتقاق، ومكان المصدر منها: الاسم قسمان: أ- جامد؛ وهو: ما لم يؤخذ من غيره. "أي: أنه وضع على صورته الحالية ابتداء. فليس له أصل يرجع إليه، وينتسب له". مثل: شجرة، قلم، أسد، حجر ومثل: فهم، نبوغ، ذكاء، سماحة والجامد قسمان: "اسم ذات"؛ وهو: ما يدل على شيء مجسم محسوس، كالأمثلة الأربعة الأولى، وما شابهها من أسماء الأجناس الحسية "وهي التي لها كيان مجسم محسوس يدخلها في دائرة الحس"، و"اسم معنى"؛ وهو: ما يدل على شيء عقلي محض "أي: شيء معنوي يدرك بالعقل، ولا يقع في دائرة المحسوس" كالأمثلة الأربعة الأخيرة وأشباهها مما ليس مجسمًا ولا مشخصا؛ كسائر الأجناس المعنوية.
[ ٣ / ١٨١ ]
أمثلته: علم، فهم، تقدم، استضاءة، إبانة. ومثل: بلاء، نضال
_________________
(١) = ب- مشتق: هو ما أُخذ من غيره؛ بأن يكون له أصل ينسب له، ويتفرع منه، ويتردد ذكر المشتق أحيانًا باسم: "الوصف أو الصفة"، وهذان غير الوصف أو الصفة المراد منهما النعت الآتي في ص٤٣٤، ولا بد في المشتق أن يقارب أصله في المعنى، وأن يشاركه في الحروف الأصلية. وأن يدل -مع المعنى- على ذات أو على شيء آخر يتصل به ذلك المعنى بوجه من الوجوه، كأن تكون الذات هي التي فعلته "كما في اسم الفاعل" أو هي التي وقع عليها؛ "كاسم المفعول" أو غير ذلك من زمان، أو مكان، أو آلة مما سيجيء تفصيله في أبواب المشتقات والمشتقات الأصلية التي تدل على معنى وذات أو شيء آخر، سبعة؛ هي: اسم الفاعل، اسم المفعول، الصفة المشبهة، أفعال التفضيل، اسم الزمان، اسم المكان، اسم الآلة. أما المصدر الميمي فالصحيح أنه ليس من المشتقات -كما سيجيء في ص١٨٦، وفي الباب الخاص به ص٢٣١، وأما المصدر الصناعي فجامد مؤول بالمشتق -كما سيأتي في ص١٨٧- ويتوسع كثيرًا في المراد من المشتق حتى يشمل ثلاثة أشياء أخرى تدل على معنى وزمن مجردين من الذات وغيرها، وهي: الفعل الماضي، والمضارع، والأمر، والقرائن هي التي تحدد المراد من نوع المشتق، أهو مما يدل على المعنى والذات معًا؟ أم على المعنى والزمان معًا؟ أم المعنى وشيء آخر؟ وإذا استعمل علمًا فإنه يصير بمنزلة الجامد، فيفقد خواص المشتق وأحكامه: وتطبق عليه أحكام الجامد التي منها: أنه إذا أضيف كانت إضافته محضة، بالتفصيل والشروط السابقة في ص٤ "راجع هامش ص٨٩ ج١ م١٠". وهناك بعض أسماء جامدة قد تلحق -أحيانًا- بالمشتق الدال على الذات والمعنى؛ وتسمى: "الأسماء الجامدة الملحقة بالمشتق"، أو: "الأسماء المشتقة تأويلًا"، ومنها: اسم الإشارة، ومنها: الاسم الجامد المنسوب، والاسم الجامد المصغر، وأكثر ألفاظ "الموصول"؛ كالموصولات المبدوءة بهمزة وصل. وسيجيء البيان في باب النعت -ص٤٥٨- فكل هذه الأسماء جامدة، ملحقة بالمشتق. ويلاحظ أن هذه الأسماء "الملحقة بالمشتق"، أو "المشتقة تأويلًا" إنما تكون كذلك في بعض الحالات دون بعض؛ فليست ملحقة بالمشتق في جميع حالاتها: وإنما تلحق به حيث تكون في موضع لا يصلح فيه إلا المشتق، كالنعت مثلًا؛ إذ الأصل في النعت أن يكون مشتقًا، ولا مانع أن يكون لفظًا ملحقًا بالمشتق كالألفاظ السابقة. "وفي مجلة المجتمع اللغوي ج١ ص٣٨١ بحث مستقل في الاشتقاق. وفي الجزء الثاني منها بحث آخر، في ص١٩٥، ٢٤٥". أصل المشتقات: أ- المصدر الصريح -في الرأي الشائع المختار- هو أصل المشتقات العشرة، ومنه تتفرع. ولا يعنينا اليوم سرد كل الأدلة التي قام عليها اختياره وتفضيله، وحسبنا أقواها. وهو قولهم: إنه "بسيط"؛ لدلالته على المعنى المجرد، و"البسيط" أصل المركب. بخلاف "الفعل الماضي" الذي يعده آخر -كالكوفيين- الأصل؛ بحجة أنه يدل على المعنى المجرد وعلى الزمن؛ فهو يدل على ما يدل عليه المصدر =
[ ٣ / ١٨٢ ]
فضل، صلاح في قول شوقي يخاطب رجال الصحف الوطنية:
_________________
(١) = وزيادة، وبتغيير يسير يدخل على بنيته يجيء المضارع أو الأمر ؛ فالمصدر لهذا أحق عندهم بأن يكون الأصل ، ولا يعنينا هذا ولا غيره بعد اشتهار الرأي الأول وشيوعه من غير ضرر لغوي في الأخذ به. فالخلاف لا قيمة له؛ -كما سيجيء البيان في هامش ص٢١٠- ولا سيما أن المشتقات الواردة عن العرب -وهي كثيرة- لا دليل معها، على الأصل الذي تفرعت منه. ب- وإذا كان المصدر الصريح هو أصل المشتقات العشرة، فهل الاشتقاق من غير ممنوع؟ بعبارة أخرى: هذا المصدر يدل على المعنى المجرد؛ فلا دلالة له على ذات، أو زمان، أو مكان، أو تذكير، أو تأنيث أو عدد " -وهذا هو الغالب: لأنه قد يدل على المرة أو الهيئة، كما سيجيء في ص٢٢٥ أما المصدر المؤول فيدل على زمن، وغيره "كما سبق في ج١ ص٣٠٢ م٢٩ و " فهل يترتب على هذا أن يكون الاشتقاق مأخوذًا من أسماء المعاني المصدرية وحدها دون الاشتقاق من أسماء "الذوات" التي يسمونها أسماء: "الأعيان"، "يريدون: الأشياء المجسمة المحسوسة" ودون الاشتقاق من أسماء المعاني التي ليست بمصادر، كالاشتقاق من أسماء الأعداد وغيرها مما سيأتي؟ "مع ملاحظة أن بعض القدماء كان يطلق كلمة: "الأخذ" على الاشتقاق من غير المصادر الصريحة -كما في كتاب "أصول اللغة الذي أصدره المجمع في القاهرة سنة ١٩٦٩ ص٢٢". الجواب عن هذا: أن الاشتقاق من أسماء الأجناس الخاصة بالمعاني المصدرية جائز لا يكاد يمنعه مانع. أما الاشتقاق من أسماء الأجناس الحسية، فنوعان: أ- نوع جرى الترجيح قديمًا وحديثًا على قبوله، وهو اشتقاق صيغة "مفعلة" -بفتح الميم والعين- من الجامد الثلاثي الحسي للدلالة على مكان يكثر فيه ذلك الشيء الحسي المجسم؛ "كمعنبة"؛ لمكان يكثر فيه العنب، و"مخشبة" لمكان يكثر فيه الخشب "وهكذا مما سيجيء تفصيله وإيضاح حكمه في مكانه المناسب من بابي: "اسم الزمان والمكان" ص٣١٨ و"ح" ص٣٢٦" ولا بد في هذا النوع من أن تكون الصيغة مقصورة على "مفعلة" دون غيرها. وأن تكون من ثلاثي حسي جامد؛ لتحقيق الدلالة على المكان والشيء الحسي الذي يكثر به، كما سنبينه في الموضع المشار إليه. ب- ونوع يخالف ما سبق. واتجه رأي الأغلبية من القدماء إلى منعه، والتشدد في حظر القياس عليه. وقد عرض المجمع اللغوي القاهري لهذا النوع، وأطال البحث فيه، وعقد بشأنه فصلًا طويلًا تربى صفحاته على ست وثلاثين "في الجزء الأول من مجلته، في ص٢٣٢ وما بعدها" بعنوان: "الاشتقاق من أسماء الأعيان"، وقد وفى البحث حقه، وأولاه من العناية ما هو به جدير، وعرض مئات من الكلمات المسموعة عن العرب الفصحاء، مشتقة من أسماء الأجناس الجامدة العينية، غير الثلاثية واستخلص منها قرارًا نصُّه الحرفي -كما جاء في المرجع السابق: "اشتق العرب كثيرًا من أسماء الأعيان، والمجمع يجيز هذا الاشتقاق للضرورة في لغة العلوم" ا. هـ. ومن هذا النص يتبين أنه غير مقصور على صيغة معينة، ولا نوع خاص من المشتقات العينية بالرغم من مخالفته لنص آخر سنذكره بعد، وبالرغم من أنه مقصور على لغة العلوم. وقد سجل المجمع في بحثه عدم حاجة الفن والأدب إلى استخدامه؛ لكثرة الوسائل اللغوية الأخرى التي تغني عنه. وكان =
[ ٣ / ١٨٣ ]
حمدنا بلاءكمو في النضال وأمس حمدنا بلاء السلف
ومن نسي الفضل للسابقين فما عرف الفضل فيما عرف
أليس إليهم صلاح البناء إذا ما الأساس سما بالغرف؟
_________________
(١) = الأولى أن يجعله عامًّا بعد أن عرض مئات من الكلمات المنقولة عن العرب، والتي استند إليها في قراره. وكثر منها ليس مقصورًا على ما يستخدم في لغة العلوم وحدها؛ فالاستناد إلى تلك الكثرة الوافرة يجعل القياس عليها صحيحًا قويًّا، ويقتضي أن يكون ذلك القياس عامًّا شاملًا لغة العلم وغيره. هذا إلى أن قصره على لغة العلم وحده وفصلها من لغة الأدب عسير أشد العسر في معاهد التعليم، وفي الخطابة، وفي غيرها من كل ما يقوم على اللغة الصحيحة، وتتشابك فيه لغة العلم ولغة الأدب. وها نحن أولاء نرى الاشتقاق من أسماء الأعيان قد شاع بين طوائف المثقفين في الشئون المختلفة، غير مقصور على نوع معين، واشتهر حتى صار بمنزلة: "الاصطلاح" ومن الخير قبوله ما دام لا يؤدي إلى خفاء أو لبس. وقد أصلح المجمع قراره السابق، وجعله مطلقًا غير مقيد بشيء مما سبق؛ فقد جاء في ص٦٩ من كتابه المجمعي الصادر في سنة ١٩٦٩ مشتملًا على القرارات المجمعية الصادرة من الدورة التاسعة والعشرين إلى الدورة الرابعة والثلاثين ما نصه تحت عنوان: "الاشتقاق من أسماء الأعيان دون قيد الضرورة" بناء على رأي لجنة الأصول، وهو: "قرر المجمع من قبل إجازة الاشتقاق من أسماء الأعيان للضرورة في لغة العلوم، كما أقر قواعد الاشتقاق من الجامد. واللجنة تأسيسًا على أن ما اشتقه العرب من أسماء الأعيان كثير كثرة ظاهرة، وأن ما ورد من أمثلته في البحث الذي احتج به المجمع لإجازة الاشتقاق، يربى على المائتين -ترى التوسع في هذه الإجازة بجعل الاشتقاق من أسماء الأعيان جائزًا من غير تقييد بالضرورة" ا. هـ. وقد وافق المجمع ومؤتمره على رأي اللجنة، وصدر قرارهما في الجلسة الثامنة من مؤتمر الدورة الرابعة والثلاثين سنة ١٩٦٨. أما قواعد الاشتقاق المشار إليها في القرار السالف فقد ورد بيانها في الكتاب المجمعي الذي تقدم ذكره؛ ففي ص٦٢ منه النص الآتي تحت عنوان: "قواعد الاشتقاق من الجامد العربي والمعرب" ومعها البحوث الخاصة بها. أولا: في الاسم الجامد العربي: ١ إذا أريد اشتقاق فعل ثلاثي لازم من الاسم العربي الجامد الثلاثي مجرده ومزيده، فالباب فيه "نصر" ويعدى إذا أريدت تعديته بإحدى وسائل التعدية، كالهمزة والتضعيف ؛ مثل: قطنت الأرض تقطن، كثر قطنها. وقطنها زرعتها قطنًا". ٢ أما إذا أريد اشتقاق فعل ثلاثي متعدٍّ فالباب فيه "ضرب" مثل: قطنت الأرض أقطنها زرعتها قطنًا. ٣ وفي كلتا الحالتين يستأنس بما ورد في المعجمات من مشتقات للأسماء العربية الجامدة؛ لتحديد صيغة الفعل؛ تبعًا لما ورد من هذه المشتقات. ٤ ويشتق الفعل من الاسم العربي الجامد غير الثلاثي على وزن "فعلل" متعديًا، وعلى وزن "تفعلل" لازمًا. وإذا كان الاسم رباعي الوصول، أو رباعيًّا مزيدًا فيه، مثل: درهم وكبريت، اشتق منه على وزن "فعلل" بعد حذف الزائد من المزيد؛ فيقال درهم الزهر وكبرت، أي: صار كالدرهم والكبريت =
[ ٣ / ١٨٤ ]
ومئات أخرى. وهذا النوع -وحده- هو المقصود من كلمة: "مصدر" حين تذكر مطلقة بغير قيد يبين نوعًا معينًا. أما غيره فلا بد أن يذكر معه ما يبين نوعه.
_________________
(١) = وإذا كان خماسيًّا؛ مثل سفرجل، اشتق منه على وزن "فعلل" بعد حذف خامسة، فيقال سفرج النبت، بمعنى: صار كالسفرجل. ٥ وتؤخذ المشتقات الأخرى من هذه الأفعال على حسب القياس المصرفي. ثانيًا: في الاسم الجامد المعرب: ٦ ويشتق الفعل من الاسم الجامد المعرب الثلاثي على وزن "فعل" بالتشديد متعديًا، ولازمه "تفعل". ٧ ويشتق الفعل من الاسم الجامد المعرب غير الثلاثي على وزن "فعلل" ولازمه "تفعلل" "ا. هـ المنقول من كتاب المجمع. هذا، ولعل قرار المجمع يشمل -فيما يشمل- الاشتقاق من أسماء المعاني التي ليست مصادر؛ كالاشتقاق من أسماء العدد؛ فإن هذه أسماء معادن جامدة وليست بحسية، ولا بمصادر، وكالاشتقاق من أسماء الأزمنة وأسماء الصوت، وهما من أسماء المعاني الجامدة أيضًا. وفي مجلة المجمع "ج١ ص٣٨١" بحث مفيد في هذا، وفي الاشتقاق وأنواعه عامة. وقد سبقت الإشارة إليه وإلى أن بعض القدماء كان يسمى الاشتقاق من غير المصادر الصريحة: "الأخذ". بناء على ما سبق من جواز الاشتقاق من أسماء الأعيان يقال "كما جاء في مجلة المجمع اللغوي القاهري، ص٨ من العدد الخاص بالبحوث والمحاضرات التي ألقيت في مؤتمر الدورة الثلاثين لسنة ١٩٦٣-١٩٦٤" "مغنطَ من المغناطيس، وقصدر من القصدير، كما قيل قديمًا ذهب من الذهب، وكبرت من الكبريت " ا. هـ. وجاء في العدد الخاص مؤتمر الدورة التاسعة والعشرين -ص هـ- ما نصه في الاشتقاق السالف من الاسم الجامد: "أن يكون الثلاثي اللازم من باب: "نصر" والمتعدي من باب: "ضرب" وغير الثلاثي من باب: "فعلل" في المتعدي: "وتفعلل" في اللازم" ا. هـ. وقد سبقت الأمثلة. "ملاحظة": يتصل اتصالًا وثيقًا بما سبق ما قرره المجمع من صحة اشتقاق "فعل" من العضو للدلالة على إصابته. ونص القرار -"كما جاء في ص٣٩ من كتابه الذي أخرجه سنة ١٦٩٦ باسم: "كتاب في أصول اللغة" مشتملًا على مجموعة القرارات التي أصدرها المجمع من الدورة التاسعة والعشرين إلى الدورة الرابعة والثلاثين" بعنوان: "اشتقاق "فعل" من العضو للدلالة على إصابته" قال بعد العنوان: "كثيرًا ما اشتق العرب من اسم العضو "فعلًا" للدلالة على إصابته. وقد نص أبو عبيد على أن ذلك عام في كل ما يشكى منه في الجسد، وكذلك نص ابن مالك في التسهيل على أنه مطرد" ا. هـ. لهذا ترى لجنة الأصول بالمجمع قياسيته. ووافقها المجلس والمؤتمر على رأيها، وصدر قرارهما بالموافقة في جلسة المؤتمر الثامنة من دورة ٢٩ سنة ١٩٦٣ هذا وفي الكتاب المجمعي السالف البحوث المفيدة التي اعتمد عليها المجمع ومؤتمره في إصدار القرار السالف، مدعومة بعشرات من الكلمات المسموعة التي تؤيده، ومن مثل: جلده. رأسه. بطنه ، أي: أصاب جلده. ورأسه. وبطنه و
[ ٣ / ١٨٥ ]
ويدخل في نوع المصدر الأصلي المصدر الدال على "المرة١ والهيئة" فوق دلالته على المعنى المجرد، ولكنه لا يذكر إلا مقيدًا بذكر المرة أو الهيئة٢.
ثانيهما: المصدر الميمي٣، وهو: "ما يدل على معنى مجرد، وفي أوله "ميم" زائدة، وليس في آخره ياء مشددة زائدة بعدها تاء تأنيث مربوطة٤"، ومن أمثلته: مطلب، مضيعة، مجلبة، مَعدل "بمعنى: طلب، ضياع، جلب، عدول" في قول بعض الحكماء: "ينبغي للعاقل إذا عجز عن إدراك مطلبه ألا يسرف في الهم؛ فإن الإسراف فيه مضيعة للحزم؛ مجلبة لليأس، معدل عن السداد. وإذا ضاع الحزم، وأقبل اليأس، واختفى السداد -فرّت فرص النجاح، وساءت الحياة".
وهو قياسي، ويلازم الإفراد، والراجح أنه لا يعد من المشتقات٥. وسيجيء تفصيل الكلام على طريقة صياغته، وفائدته، وبقية أحكامه الأخرى٦:
ثالثها: المصدر الصناعي؛ -وهو قياسي- ويطلق على: كل لفظ "جامد أو مشتق، اسم أو غير اسم" زيد في آخره حرفان، هما: ياء مشددة، بعدها تاء تأنيث مربوطة؛ ليصير بعد زيادة الحرفين اسمًا دالًا على معنى مجرد لم يكن يدل عليه قبل الزيادة. وهذا المعنى المجرد الجديد هو مجموعة الصفات الخاصة بذلك اللفظ، مثل كلمة: إنسان؛ فإنها اسم، معناه الأصلي: "الحيوان الناطق"
_________________
(١) ١ سيجيء الكلام عليه في ص٢٢٥. ٢ في ص٢٠٧ تعريف مفيد آخر المصدر. ٣ له بحث مستقل في ص٢٣١. ٤ يسميها بعضهم: "تاء التأنيث"، ويسميها غيرهم: "تاء النقل" من حالة إلى أخرى؛ كالنقل من المذكر للمؤنث، أو من الوصفية "الاشتقاق" إلى الاسمية المحضة "كما في مجلة المجمع اللغوي،ج١ ص١٤، وانظر رقم ١ من هامش الصفحة الآتية" والأمران سيان. ولكن التسمية الأولى أشهر وأوضح. وهي بكل أسمائها علامة قاطعة على التأنيث اللفظي "وقد فصلنا هذا في ج٤ م١٦٩ ص٥٤٢ باب: التأنيث، وفي هامشي ص٥٤٦، ٥٤٧". ٥ كما سبق في "ب" هامش ص١٨٢، وكما سيجيء في ص٢٣٤، ٢٣٥ لكن يصح أن يتعلق به شبه الجملة؛ كالشأن في المصادر الأصلية الصريحة. ٦ في ص٢٣١.
[ ٣ / ١٨٦ ]
فإذا زيد في آخره الياء المشددة، وبعدها تاء التأنيث المربوطة١، صارت الكلمة: "إنسانية" وتغيرت دلالتها تغيرًا كبيرًا؛ إذ يراد منها في وضعها الجديد معنى مجرد، يشمل مجموعة الصفات المختلفة التي يختص بها الإنسان، كالشفقة، والحلم، والرحمة، والمعاونة، والعمل النافع و ولا يراد الاقتصار على معناها الأول وحده، ومثلها: الاشتراك والاشتراكية، الأسد والأسدية، الوطن والوطنية، التقدم والتقدمية، الحزب والحزبية، الوحش والوحشية، الرجع والرجعية و وهكذا.
وليس لهذا النوع من المصدر القياسي صيغ أخرى، ولا دلالة غير التي شرحناها. ولا أحكام نحوية تخالف الأحكام العامة التي لكل اسم من سائر الأسماء، إلا أنه اسم جامد، مؤول بالمشتق، يصح أن يتعلق به شبه الجملة -كما سبق٢٢- ويصح أن يكون نعتًا وحالًا و ٣ بخلاف النوعين السابقين، فهما اسمان جامدان، ولكل منهما أحكام خاصة به، وأوزان وطرق لصياغته٤ على حسب البيان التالي:
_________________
(١) ١ وتسمى "تاء النقل"؛ لأن الاسم قبل مجيئها كان مختومًا بياء النسب التي تجعله في حكم المشتق. فلما جاءت هذه التاء نقلته إلى الاسمية المحضة، وخلصته للدلالة على الحدث، أي: على المعنى المجرد. ٢ في "ب" من هامش ص١٨٢. ٣ عرضت المراجع القديمة لهذا المصدر الصناعي القياسي بما لا يخرج عما قدمناه. وكذلك عرض له مجمع اللغة القاهري عرضًا موجزًا في دور انعقاده الأول، وفيما يلي النص الحرفي -كما ورد في محضر الجلسة الثانية والثلاثين من محاضر جلسات دور الانعقاد الأول ص٤٢٦- على لسان أحد الأعضاء قال: "حاجتنا إلى المصدر الصناعي ماسة في علم الكيمياء وغيره من العلوم. وقد قال العلماء إنه من المولَّد المقيس على كلام العرب. وتخريجه سهل؛ لأن هذا المصدر مكون من اللفظ المزيد عليه ياء النسب، وتاء النقل، على رأي أبي البقاء في: "الكليات". ا. هـ. وتقدم المراد من تاء النقل في رقم ٤ من هامش الصفحة السالفة. ثم جاء في المحضر بعد ذلك ما نصه: "أن عضوًا قرأ نصوصًا من شرح القاموس في مادة: "كيف" ونصوصًا أخرى من "كليات أبي البقاء"، وأن مناقشة الأعضاء في هذه النصوص انتهت إلى القرار الآتي وهو: "إذا أريد صنع مصدر من كلمة يزاد ياء النسب والتاء" ا. هـ. وقد وافق عليه المجلس نهائيًّا طبقًا لهذا، ولما في ص٢١ من كتاب المجمع المشتمل على القرارات السليمة من الدورة الأولى إلى الدورة الثامنة والعشرين. ٤ والأصل في المصدر الصريح بأنواعه الثلاثة السالفة الخالية من الدلالة على المرة أو الهيئة أن يدل على المعنى المجرد "وهو -كما في ص١٨١ وب من ص١٨٣- المعنى العقلي المحض الذي لا وجود له في غير الذهن"، فلا يدل -بصيغته- على ذات، ولا على زمن، ولا إفراد ولا تثنية، ولا جمع =
[ ٣ / ١٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ولا تأنيث، ولا تذكير، ولا علمية، ولا شيء أكثر من ذلك المعنى المجرد. والمعاني المجردة كثيرة، لا تكاد تحصر، والحاجة إلى استعمالها شديدة. ومن العسير على غير العرب الأوائل معرفة المصدر الصحيح للفعل، والاهتداء إليه بين غيره من المصادر الأخرى الكثيرة المتنوعة. بل أن العرب الأوائل -وهذا أمر يجب التنبة له- نطقوا المصادر بفطرتهم ارتجالًا، دون أن يعرفوا أسماءها الاصطلاحية، وأحكامها المختلفة، وغير هذا مما وضع عند تدوين العلوم العربية، ولا سيما النحو. فلوضع ضوابط للكشف عن هذا المصدر، والاهتداء إليه في يسر وسهولة وتوفيق، عكف اللغويون والنحويون -منذ عصور بعيدة- على فصيح الكلام العربي المأثور، وعرضوا للمصادر الواردة بأكثره خلال ما عرضوا له من المسائل، ودرسوها دراسة وافية من نواحيها المختلفة، وبذلوا فيها الجهد -كعادتهم- مصممين أن يصلوا من وراء هذه الدراسة الصادقة المضنية إلى تجميع أكثر المصادر الواردة، واستخلاص ظواهرها وخواصها، ثم تصنيفها أصنافًا متماثلة، لكل صنف أوصافه وخصائصه التي ينفرد بها، وتشترك فيها أفراده واحدًا واحدًا، دون غيرها، بحيث يصح أن ينطبق على كل صنف عنوان خاصٍّ به، تندرج تحته أفراده، ولا يشاركها فيه أفراد صنف آخر، له عنوانه الخاص، وله أوصافه وخصائصه التي تغاير ذاك. كما هو الشأن في كل القواعد والضوابط العلمية. وقد نجحوا فيما أرادوا. فجمعوا المصادر المأثورة جمعًا حميدًا -قدر استطاعتهم- ثم صنفوها، ونوعوها، وجعلوا لكل صنف ونوع قواعد وضوابط مركزة؛ تضم تحتها أفراده الكثيرة، المبعثرة، وتنطبق عليها وعلى نظائرها مما نطق به العرب، وما ستنطق به -قياسًا على ما نطقت به العرب- أجيال قادمة لإعداد لها من خلفائهم؛ فهذا صنف لمصدر الثلاثي المتعدي، وهذا صنف آخر لمصدر الثلاثي اللازم. وكلاهما قد يكون دالًا على حركة، أو صوت، أو غيرهما -وصنف ثالث لمصدر الرباعي أو الخماسي و والعارف بتلك الضوابط والقواعد يستطيع أن يهتدي إلى صيغة "المصدر الأصلي" الذي يريده في سرعة وتوفيق. وتخلص من هذا أمرين هامين: أولهما: أن تلك الضوابط والقواعد التي وضعوها، وحصروا بها أنواع المصادر، وأوزانها، ونسقوا صنوفها، ونظموا استعمالها -مستنبطة من أكثر الكلام العربي فصاحة، وصحة، وشيوعًا؛ فتطبيقها مباح لكل عارف بها، محسن لاستخدامها، من غير أن يلزمه أحد الرجوع إلى أصولها الأولى التي استنبطت منها، "وهي؛ المصادر الواردة في الكلام العربي الأصيل"؛ فإن هذا الرجوع عبث واضح، وجهد ضائع بعد أن استنفد الأئمة والعلماء جهدهم في استنباط قواعدهم وضوابطهم من ذلك الكلام الفصيح، وانتزعوا أحكامهم من أصيله للغالب، في دقة وحيطة، وبالغ أمانة. فالعمل بما استنبطوه إنما هو تطبيق صحيح على ذلك الكثير المسموع، أو مجاراة سليمة للشائع الوارد عن العرب، ومحاكاة سائغة لا مكان معها لإيجاب الرجوع إلى "الأصل" الأول، وتحتيم المعاودة إليه قبل استعمال الضوابط والقواعد؛ ففي هذا الرجوع إضاعة الجهد والوقت، فلن تأتي المعاودة بجديد. وقد يكون في هذا الإيجاب والتحتيم -فوق ما فيه من إضاعة الجهد، والوقت، والمال -تعجيز لغير المتفرغين المشتغلين "باللغويات" عامة، و"النحويات" =
[ ٣ / ١٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = خاصة، فليس بد من الأخذ الحر بما استنبطه ثقات العلماء الحاذقين، والاستناد إلى ما قالوه؛ فإذا قرروا، -مثلًا- أن مصدر الفعل الماضي الرباعي الذي على وزان: "فعَّل" هو: "التفعيل" وجب الإيمان بما قرروا؛ فنقول في مصادر: قوَّم، علَّم، كسَّر، كرَّم وأمثالها: تقويم، تعليم، تكسير، تكريم و وهكذا من غير بحث عنه في كلام عربي قديم. أو في مرجع لغوي، أو غيره فلا داعي لهذا البحث مع وجود القاعدة وانطباقها. وإذا قالوا: إن مصدر الفعل الثلاثي المتعدي هو: "فعل" وجب الاطمئنان لقولهم، والأخذ به، وتطبيقه -في غير تردد- على كل فعل ثلاثي متعدٍّ، نريد الوصول إلى مصدره، نحو: سمع سمعًا، فهم فهمًا، كتب كتابًا، ونظائر هذا من مئات، بغير رجوع إلى مرجع لغوي أو غير لغوي، ولو كان الرجوع إليه لا يكلفنا جهدًا، أو وقتًا، أو مالًا. وبهذه الطريقة المثلى نجنب أنفسنا الشطط، ونوقيها مساءة العافية التي تترتب على إهمال رأي الثقات البارعين من العلماء المتخصصين المتفرغين إهمالا يستحيل معه أن تستقيم أمور اللغة، أو يستقر لها وضع صالح، وحياة قوية ناهضة. فالواجب أن نعتمد على القاعدة في الوصول إلى المصدر القياسي للفعل، ولا نبالي بعد ذلك أله مصدر سماعي آخر أم لا؟ وما سبق مستمدٌّ من أقوال أئمة كبار يقررون: "أن استعمال المصدر القياسي جائز وإن سمع غيره"، وفي مقدمتهم: "الفراء" الذي وصفه الإمام اللغوي النحوي "ثعلب" -كما جاء في مقدمة كتاب معاني القرآن، للفراء -أحد أئمة الكوفة- بقوله: "لولا الفراء لما كانت عربية: لأنه خلصها وضبطها. ولولا الفراء ما كانت عربية؛ لأنها كانت تتنازع، ويدعيها كل من أراد، ويتكلم الناس فيها على قدر عقولهم وقرائحهم فتذهب " والذي وصفه عالم آخر "كما جاء في معجم الأدباء -ج٢٠ ص١١٠" بقوله: "لو لم يكن لأهل بغداد من علماء العربية إلا الكسائي والفراء لكان بهما الافتخار على جميع الناس". ا. هـ. وقيل عنه أيضًا -كما جاء في تهذيب ج١١ ص٢١٢ -"والفراء أمير المؤمنين في النحو". ا. هـ، وفي تاريخ بغداد: "كان يقال: النحو الفراء، والفراء أمير المؤمنين في النحو". وقد وصفه يحق أحد أعضاء المجمع اللغوي القاهري. بأنه "إمام الكوفيين، ووارث علم الكسائي، ولا يترتب علينا إذا أخذنا بمذهبه" -راجع ص١٠٨ من محاضر جلسات الدور الرابع. ومنهم العبقري: "ابن جني". في كتابه الخصائص "ج١ ص٣٦٢، ٣٦٧، ٤٣٩" ومن أوضح النصوص في هذه الصفحات ما جاء في ص٣٦٧ من الباب الذي عنوانه: "باب في اللغة تؤخذ قياسًا" "وقد سجلته مجلة المجمع اللغوي في أحد أعدادها، وسجلته محاضر جلسته في دور الانعقاد الرابع ص٤٥. وسجلناه في آخر الجزء الثاني من كتابنا. ثم هو صاحب المذهب الذي أخذه من المازني، ونصه -كما ورد في ص٤٤ من تلك المحاضر، وفي ج١ ص٣٦٧ من كتابه: "ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب". وهو القائل: "ليس كل ما يجوز في القياس يخرج به سماع، فإذا حذا إنسان على مثالهم، وأمَّ مذهبهم لم يجب عليه أن يورد في ذلك سماعًا، ولا أن يرويه رواية". ومثل هذا ما جاء =
[ ٣ / ١٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = في "المصباح المنير"، مادة: "خلف"، -ونصه: "عدم السماع لا يقتضي عدم الأطراد مع وجود القياس " ا. هـ. وأقوى من هذا كله ما دونه أبو البركات ابن الأنباري -المتوفى سنة ٥٧٧ هـ- في كتابه: "لمع الأدلة" في أصول النحو" "الفصل الحادي عشر ص٩٥" وفي مطلعه يقول ما نصه: "اعلم أن إنكار القياس في النحو لا يتحقق؛ لأن النحو كله قياس؛ ولهذا قيل في حده: "النحو علم بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب؛ ومن أنكر القياس فقد أنكر النحو. ولا نعلم أحدًا من العلماء أنكره؛ لثبوته بالدلائل القاطعة، والبراهين الساطعة " ا. هـ. وقد رأى المجمع اللغوي الاعتماد على ما قاله ابن جني، وعلى أدلته في كثير من المسائل الأخرى -كما في "جـ١ ص٢٢٦" من مجلته. ومن القائلين بقياسية المصدر: الزمخشري، ومكانته في العلوم العربية والشرعية معروفة "راجع كلامه ص١٣ من كتاب "القياس والسماع" لأحمد تيمور". لكل هذا لم يكن مقبولًا رأي "سيبويه"، ومن انضم إليه قديمًا وحديثًا، مخالفين رأي "الفراء" ومن وقف إلى جانبه؛ إذ يرى سيبويه أن الضوابط التي تحدد وتضبط مصادر الفعل الثلاثي لا يصح استخدامها قياسًا مطردًا قبل الرجوع إلى السماع، ويجب الاقتصار على المسموع وحده بعد البحث عنه والعثور عليه، وإنما تستخدم الضوابط والأقيس للوصول إلى المصدر حين لا يكون للفعل مصدر مسموع من العرب، فإذا ورد فعل لم يُعرف عن العرب كيف نطقوا بمصدره جاز استخدام القياس بتطبيق الضابط والقاعدة. أما مع ورود المصدر المسموع المعروف فلا يجوز؛ لأننا مقيدون "بالمصدر" الذي نطقت به العرب الخلص، وعرفناه عنهم، ولا داعي معه لخلق مصدر جديد لم ينطقوا به نصًّا. وهذا رأي غريب يعوق الانتفاع باللغة، ويسلمها إلى الجمود والتخلف. وأعجب من هذا، وأوغل في الغرابة أن يكون هناك رأي آخر يحرم استخدام الصيغ القياسية مطلقًا "أي مع وجود أخرى سماعية أو عدم وجودها، وسيجيء في ص٢٩١". والفراء وأنصار رأيه يخالفون. ولعل أظهر حججهم أن في رأي سيبويه إعناتًا من غير داعٍ؛ لأن القاعدة -أي قاعدة- إنما هي حكم عام مستنبط، كما شرحنا من الكثير الوارد عن فصحاء العرب، وضابط متنزع من الغالب الذي استعملوه، فكيف يراد منا أن نمتنع عن القياس على ذلك الكثير حين يوجد ما يخالفه ولو كان شاذًّا، وأن نقتصر على هذا المخالف وحده، دون استخدام القياس الذي يجري على نهج الكثير الفصيح المخالف له؟ كيف يتحتَّم علينا استعماله ولو كان شاذًّا، ويحرم علينا صوغ ألفاظنا وعباراتنا على النهج الغالب في كلام العرب الخلص مع علمنا أن الشاذ هو القليل النادر في كلامهم؟ ومع علمنا -كما تقدم- أن ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب؛ كما سجله ابن جني في المراجع السابقة، وكما يقرره جمهرة النحاة في مراجعهم، ومنه ما نقله الهمع -في باب الحال جـ١ ص٢٤٧- عن أبي حيان ونصه: "إنما نبني المقاييس العربية على وجود الكثرة" -كما سيأتي هنا -وما نقله أيضًا -في باب التصريف جـ٢ ص٢١٧- من مذاهب القياس، وفيها يقول ما نصه: "المذهب الثالث: التفصيل بين ما تكون العرب قد فعلت مثله في كلامها كثيرًا واطرد، فيجوز لنا إحداث نظيره، وإلا فلا " ا. هـ.
[ ٣ / ١٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فليس استخدامنا المصدر القياسي مع وجود السماعي إلا كاستخدامنا الألفاظ والكلمات التي تجري عليها الرفع، أو النصب، أو الجزم في أساليبنا الخاصة التي تنشئها إنشاء يختاره كل منا على حسب هواه، ونؤلفها تأليفًا مبتكرًا لم تنطق به العرب نصًّا، ولم تعلم عنه شيئًا، وإن كان لا يخرج في هيئة تكوينه، ومادة كلماته، وترتيبها، وضبط حروفها -على النسق الوارد عنهم، ولا يتعدى حدودهم العامة، فهي أساليبنا، ومن صنعنا، وهي في الوقت نفسه أساليب عربية صميمة، وتسمى بهذا الاسم؛ لجريانها على النظام العربي الأصيل في مفرادتها، وطرائق تركيبها، وضبط حروفها؛ فلا مسوغ عند هؤلاء لمنع استخدام المصدر القياسي مع وجود السماعي المعروف. وشيء آخر: هو أن قصر القياس في هذا الباب على الأفعال التي لم يرد لها مصادر مسموعة، يقتضينا أن نرجع لكل المظان المختلفة، ونطيل البحث؛ حتى نطمئن إلى عدم وجود مصدر سماعي للفعل؛ كي نستبيح استعمال المصدر القياسي. وفي هذا من الجهد المضني والوقت ما لا يقدر عليه خاصة الناس، بلْه عامتهم. ولو أخذنا به قبل استعمال كل مصدر لحملنا أنفسنا مالا تطيق، ودفعناها إلى اليأس، والانصراف عن لغتنا، وأنكرنا واقع الحياة الذي قضي باستقلال العلوم والفنون، وتفرغ طوائف العلماء للفروع المستقلة، والاعتماد على رأيهم الخاص فيما تفرغوا له، واستحالة أن يتخصصوا معه في "اللغويات". ثم ما هو المراد الدقيق من عدم معرفة المصدر الوارد للفعل؟ ما حدود هذا؟ وما ضبطه؟ وكيف يتحقق مع تفاوت الناس علمًا، وعملًا، واقتدارًا على استحضار المراجع وغيرها؟.. إن رأي الفراء وأنصاره رأي سديد؛ فيه رفق، وحكمة، ومسايرة واضحة لطبائع الأشياء. وليس فيه ما يسيء إلى اللغة، أو يسد المسالك أمام الراغبين فيها، المقبلين على اصطناعها وإعلاء شأنها. ولهذا يجب الأخذ به وحده، والاقتصار عليه؛ حفاظًا على حياة اللغة، وإبقائها -على الأيام- فتية متجددة الشباب والنفع. وقد يكون المصدر الذي نصنعه ولم ينطق بلفظه العرب نصًّا -غريبًا على الأسماع، ولكن هذه الغرابة والوحشة يزولان بالاستعمال. ثانيهما: أن الراجع إلى الكلام العربي الأصيل، أو المطولات اللغوية. قد يجد مصادر أخرى مسموعة لا تساير تلك الضوابط والقواعد برغم دقتها وإحكامها. وهذه المصادر الأخرى هي التي يسمونها: "مصادر سماعية"، أو "مصادر شاذة"، أو "مصادر قليلة الاستعمال"؛ أو ما شاكل هذا من الأسماء الدالة على قلتها وعدم صحة القياس عليها والحكم الصحيح على مثل هذه المصادر السماعية أنه يجوز استعمال كل واحد منها -بذاته- مصدرًا سماعيًّا مقصورًا على فعله الخاص؛ فلا يجوز استخدام وزنه في إيجاد صيغة كصيغته لفعل آخر غير فعله المعين، ويجوز -أيضًا- استعمال المصدر القياسي لفعله، فاستعمال المصدر السماعي لفعل معير لا يمنع استعمال المصدر القياسي لهذا الفعل؛ فمن شاء أن يصطنع المسموع أو القياسي فله ما شاء، ويجري هذا على كل فعل له مصدران مقيس ومسموع، فإن استعمال أحدهما مباح. وإلا كلفنا جمهرة الناس ما لا تطيق -كما تقدم؛ إذ نطالبها بمعرفة المسموع لكل قياسي، والاقتصار على هذا المسموع وحده. وفي هذا من التعجيز وتعطيل القياس أفدح الضرر. =
[ ٣ / ١٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ومما يؤيد استعمال القياس مع ورود السماع -وما أكثر ما يؤيده- ما جاء في "القاموس المحيط" -للفيروزآبادي- ج١ مادة: "سجد" من كلمات وردت في صيغة اسم الزمان أو المكان بالكسر، وكان قياسها الفتح، ومنها: مسجِد، مشرِق، مفرِق، مطلِع، مسقِط، مجزِر، مسكِن، منبِت، منسِك، مرفِق "ولهذا الحكم الخاص بالكلمات السالفة بيان وتحقيق مفيدان -في ص". وبعد أن سردها قال ما نصه: "ألزموها كسر العين، والفتح جائز، وإن لم نسمعه" ا. هـ.. وكذلك ما جاء في "تاج العروس شرح القاموس، مادة: "حج" حيث نقل عن السابقين أن المصدر السماعي الدال على المرة للفعل: "حَجَّ" هو: "حِجَّة" -على وزن: "فِعلَة" بكسر، فسكون، ففتح -بالرغم من أن هذه الصيغة خاصة بالمصدر الدال على "الهيئة" فقط في غير هذا. ولكنها استعملت مصدرًا لهذا الفعل يدل على "المرة" فقط، ولا يدل على الهيئة مطلقًا. ثم قال بعد ذلك ما نصه الحرفي خاصًا بصيغة "المرة": قال الكسائي: كلام العرب كله على فعلت فَعْلَة -بفتح، فسكون، ففتح -في المرة؛ إلا حججت حِجة، ورأيت رِئية". ا. هـ. ثم أردف صاحب التاج هذا بقوله مباشرة ما نصه: "فتبين أن "الفعلة" للمرة تقال بالوجهين؛ الكسر على الشذوذ، ولا نظير له في كلامهم، والفتح على القياس" ا. هـ، فهو يبيح القياس وتطبيق القاعدة مع وجود السماع المخالف لها، الوارد عن العرب. ومعنى هذا أن ورود السماع لا يلغي القياس، ولا يمنع استخدام القاعدة المخالفة. وكذلك جاء في القاموس مادة: "فسد" ما نصه: "لم يسمع انفسد" ا. هـ، فقال شارحه: "والقياس لا يأباه". هذا، وكما ينطبق حكم السماع والقياس على المصادر المختلفة ينطبق على غيرها مما له سماع وقياس كجموع التكسير، وسيجيء في بابها بالجزء الرابع، وكالمشقات، وسواها ولا معنى لقصر هذا الحكم على نوع دون نوع يماثله، أو مسألة أخرى تشابهها. قال الصبان "ج٤" في باب "جمع التكسير" تعليقًا على بيت ابن مالك الذي صدره: "والزمه في نحو طويل " وعلى كلام ابن حيان، ما نصه: "إذا سمع في جمع التكسير غير قياسه امتنع النطق بقياسه، وهذا أحد قولين في المصدر الوارد على خلاف قياسه، وهو نظير ما نحن فيه". ا. هـ. ويقول صاحب كتاب "القياس في اللغة العربية للخضر، ص٤١ ما نصه: "أما الألفاظ التي لم ترد إلا على الوجه المخالف للقياس؛ نحو: "عبيد" -تصغير عيد- فيقتصر فيها على ما ورد عن العرب، إلا أن يبدو لك أن تتعلق بمذهب من يجيز إجراء الألفاظ على مقتضى القياس زيادة على الوجه الثابت من طريق السماع"" أهم وسيجيء -في ج٤ أول باب: "جمع التكسير"- أن فريقًا من أئمة النحاة -في مقدمتهم الكسائي- زعيم المدرسة الكوفية -الذي أوضحنا منزلته في هامش ص١٨٩- يجيز استعمال السماع والقياس في الجموع، والمصادر، وغيرهما. فقد جاء في مقدمة: "القاموس المحيط"، في الأمر الخامس =
[ ٣ / ١٩٢ ]
أ- أوزان المصدر الأصلي؛ "وهو المصدر الحقيقي الذي يراد عند الإطلاق؛ أي: عند عدم التقييد ببيان نوع معين من أنواعه١:
المصدر الأصلي إما أن يكون لفعل ماضٍ ثلاثي، أو غير ثلاثي؛ علمًا بأن الفعل -ماضيًا وغير ماض- لا تتجاوز صيغته ستة أحرف. وأن الثلاثي لا بد أن يكون مفتوح الأول٢. أما ثانية فقد يكون مفتوحًا، أو مضمومًا، أو مكسورًا، فأوزانه ثلاثة٢ فقط؛ هي: فَعَلَ، فَعِلَ، فَعُلَ.
والأساس الأول في معرفة مصادر الثلاثي، وإدراك صيغها المختلفة إنما هو الاطلاع على النصوص اللغوية الفصيحة، وكثرة قراءتها، حتى يستطيع القارئ بالدربة والمرانة أن يهتدي إلى المصدر السماعي الصحيح الذي يريد الاهتداء إليه. أما الأوزان والصيغ القياسية الآتية فضوابط أغلبية صحيحة تفيد كثيرًا في الوصول إلى المصدر القياسي؛ فيكتفي به من شاء، ولكن الاطلاع والقراءة أقوى إفادة، وأهدى سبيلًا. وفيما يلي أوزان المصادر القياسية للفعل الثلاثي المتعدي واللازم:
١- إن كان الماضي ثلاثيًّا متعديًا غير دالٍّ على صناعة؛ فمصدره
_________________
(١) = من الأمور التي اختص بها "القاموس" ما نصه عند الكلام على ضبط المضارع: "السماع مقدم على القياس عند غير الكسائي. وأجاز الكسائي القياس مع السماع أيضًا -على ما قرر في الدواوين الصرفية" ا. هـ. ويجب التنبيه إلى ما أوضحناه؛ وهو أن استعمال المصدر "المسموع" مقصور على فعله، دون باقي الأفعال؛ فلا يجوز صوغ مصدر قياسي لفعل آخر على وزان هذا المصدر المسموع، بخلاف المصدر القياسي فإن صياغته غير مقصورة على فعل واحد، بل هي عامة شاملة لكل فعل توافرت فيه الشروط، وأدخلته تحت العنوان العام الذي ينطبق عليه وعلى نظائره المصدر القياسي، وهذا الحكم عامٌّ في كل مسموع مخالف للقياس، وليس مقصورًا على المصادر المسموعة. فيجب قصر المسموع على نفسه وحده دون استنباط حكم عام منه يمتد إلى غيره. "ملاحظة": من الألفاظ التي تتردد في النحو: المطرد، القياسي، القليل، النادر وبعض ألفاظ اصطلاحية أخرى؛ منها ما يفيد القياس، ومنها ما يمنعه. وتوضيح هذا كله مدون في الجزء الرابع، باب "جمع التكسير" ص٥٨٥ م١٧٢. ١ إيضاح هذا في ص١٨١ وما بعدها. "٢، ٢" من النادر أن يكون غير ذلك؛ ومنه ساكن الوسط في مثل: نعم، بئس
[ ٣ / ١٩٣ ]
القياسي: "فَعْل"، نحو: أخذ أخْذًا، فتح فتْحًا، حمد حَمْدًا، سمع سمْعًا١.
فإن دل على صناعة فمصدره الغالب: "فعالة"، نحو: صاغ الخبير المعادن صياغة دقيقة -حاك العامل الثوب حياكة متقنة، ثم خاطه الصانع خياطة جميلة٢.
ويلاحظ أن الثلاثي المعتدي لا يكون إلا مفتوح العين أو مكسورها. أما مضمومها فلا يكون إلا لازمًا، نحو: حسن، ظرف، شرف
٢- وإن كان الماضي ثلاثيًّا، لازمًا، مكسور العين، غير دالٍّ على لون، أو على معالجة٣، أو على معنى ثابت، فمصدره القياسي: "فَعَل" نحو: تعِب تَعَبًا، جزِع جَزَعًا، وجِع وَجَعًا، أسِف أَسَفًا.
فإن دل على لون، فالغالب في مصدره: "فُعْلَة"؛ نحو: سَمِر الفتى سُمرة، خضر الزرع خُضرة.
_________________
(١) ١ سيجيء "في ج٤ م١٨٤ ص٦٠٧" أن الواو التي هي "فاء" الفعل الثلاثي، مفتوح العين في الماضي، مكسورها في المضارع؛ "مثل: وعد، يعد" يجب حذفها في المضارع والأمر، وكذا في المصدر، بشرط أن يصير هذا المصدر على وزن: "فِعْلَة" "بكسر، فسكون، ففتح" لغير الهيئة، ومختومًا بالتاء في آخره عوضًا عن هذه الواو المحذوفة؛ فيقال: وعد، يعد، عِدْ، عِدَة ولا تحذف الواو من المضارع إلا بشرط أن يكون حرف المضارعة "وهو الحرف الذي يبتدئ به المضارع" مفتوحًا، وأن تكون عين المضارع مكسورة. ومن الأمثلة قول الشاعر: متى وعدتك في ترك الهوى عِدَةً فاشهد على عِدَتي بالزور والكذبِ وقول الناصح: لا تعِدْ عِدَة لا تثق من نفسك بإنجازها، ولا يغرنك المرتقى -وإن كان سهلًا- إذا كان المنحدر وعرًا. ولهذه المسألة تفصيلات وأحكام موضحة هناك. ٢ وفيما سبق يقول ابن مالك: "فَعْلٌ" قياس مصدر المعدَّى من ذي ثلاثة؛ كردَّ ردّا ٣ وهي المحاولة الحسية، وبذل الجهد العملي الجسمي للوصول إلى غاية ما، واتخاذ الوسيلة للتغلب على صعوبتها.
[ ٣ / ١٩٤ ]
وإن دل على معالجة فمصدره: "فُعُول"؛ نحو: قدم قدومًا، صعد صعودًا، لصق لصوقًا.
وإن دل على معنى ثابت فقياسه: "فُعُولة"؛ نحو: يبس يبوسة١.
٣- وإن كان الماضي الثلاثي لازمًا، مفتوح العين، صحيحها، غير دال على إباء وامتناع، ولا على اهتزاز وتنقل وحركة متقلبة، ولا على مرض، ولا سير، أو صوت، ولا على حرفة أو ولاية -فإنَّ مصدره القياسي: "فُعُول" نحو: قعد قعودًا، سجد سجودًا، ركع ركوعًا، خضع خضوعًا
فإن كان معتل العين فالغالب في مصدره أن يكون على: "فَعْل"، مثل: نام نومًا، صام صومًا. أو على "فِعَال"، نحو: صام صِيَامًا، قام قيامًا و فإن دل على إباء وامتناع فمصدره: "فِعَال" نحو: أبى إِبَاء، نفر نِفَارًا، شرد شِرَادًا، جمح جِمَاحًا.
وإن دل على تنقل وحركة متقلبة فيها اهتزاز فمصدره: "فَعَلان"؛ نحو: طاف طوفانًا، جال جولانًا٢- غلى غليانًا.
وإن دل على مرض فمصدره: "فُعَال"، نحو: سعل سُعَالًا، رعف٣ الأنف رُعَافًا.
وإن دل على نوع من السير فمصدره: "فَعِيل"، نحو: رحل رحيلًا، ذمل٤ ذميلًا.
_________________
(١) ١ وفي هذا النوع يقول بن مالك: و"فَعِل اللازم بابه: "فَعَلْ" كفَرَح، وكجَوًى، وكشَلَلْ تقول: فرِح المنتصر فرَحًا عظيمًا، وجوِي المحب جوًى، بمعنى اشتدت به حرقة لحب "وأصل جوًى: "جَوَيٌ"، على وزن: فَعَل تحركت الياء، وانفتح ما قبلها. فقلبت ألفا، فالتقى ساكنان؛ الألف والتنوين؛ فحذفت الألف لالتقاء الساكنين؛ فصارت: جوًى " وشلل المريض شللًا، أصابه مرض الشلل. وهو المرض الذي يمنع الأعضاء عن الحركة. ٢ أما المصدر "تَجوال" -بفتح التاء- فيجيء الكلام عليه في رقم ١ من هامش ص٢٠٠ وبيان أن فعله هو: "جال" أو "تجول". ٣ سال منه الدم. ٤ مشى مشيًا فيه رفق ولين.
[ ٣ / ١٩٥ ]
وإن دل على نوع من الصوت فمصدره: "فَعِيل" و"فُعَال"؛ نحو: صرخ الطفل صريخًا وصراخًا، ونعب١ الغراب نعيبًا ونعابًا. وقد اشتهر "فعيل" مصدرًا لبعض الأفعال أكثر من "فعال"؛ مثل صهلت الخيل صهيلًا، أزت٢ القدور أزيزًا.
"ويؤخذ مما سبق أن وزن: "فعال" يكون مصدرًا لما يدل على مرض أو صوت، وأن وزن "فعيل" يكون مصدرًا لما دل على سير أو صوت أيضًا".
وإن كان دالَّا على حرفة أو ولاية فمصدره: "فعالة": نحو: تجر تجارة، سفر سفارة، أمر إمارة، نقب نقابة٣.
٤- إن كان الماضي ثلاثيًّا، لازمًا، مضموم العين٤ فمصدره: إما: "فَعَالة"، وإما "فُعُولة". فيكون "فعالة" إذا جاءت الصفة المشبهة منه على وزن "فعيل": نحو: ملُح فهو مليح، ظرُف فهو ظريف، شجُع فهو شجيع فالمصدر: ملاحة، ظرافة، شجاعة. ويكون: "فعولة" إذا جاءت الصفة المشبهة منه على: "فعْل"، نحو: سهُل فهو سهْل، عذُب فهو عذْب، صعُب فهو صعْب فالمصدر: سهولة، عذوبة٥، صعوبة وهذا الضابط في الحالتين أغلبي منقوض بأمثلة أخرى، مثل: ضخُم فهو ضخْم، مع أن المصدر الشائع هو ضَخَامة. وملُح الطعام -أي: صار مِلحًا- ومصدره: المُلُوحة. مع أن الصفة المشبهة منه ليست على فعل ولا فعيل٥.
تلك هي الأوزان القياسية للفعل الثلاثي بنوعيه؛ المعتدي واللازم؛ وهي أوزان أغلبية. وقد يرد في الكلام المأثور ما يخالفها، فيجب قبوله على اعتباره مسموعًا يصح استعماله -بنصه- مصدرًا لفعله الخاص به، دون استخدام
_________________
(١) ١ صاح. ٢ ارتفع لها صوت من شدة الغليان. ٣ بمعنى: رأس رياسة، أي: صار رئيسًا. ٤ أشرنا في ص١٩٤ إلى أن الثلاثي، مضموم العين، لا بد أن يكون لازمًا. "٥، ٥" راجع الخضري في هذا الموضع.
[ ٣ / ١٩٦ ]
صيغته ووزنها في أفعال أخرى، أو القياس عليها في فعْل غير فعله. وهذا الوزن السماعي لا يمنع استعمال الصيغة القياسية؛ كما أوضحنا أول الباب١. ومن أمثلة السماعي: سخط سُخْطًا، ذهب ذَهَابًا، شكر شُكْرًا، عظم عَظَمَة وغير هذا كثير؛ جعل النحاة يقررون ما سبق من أن أوزان المصادر القياسية للماضي الثلاثي، أوزان جارية على الأغلب، ولا تفيد الحصر؛ لوجود كثير سماعي غيرها٢؛ حتى قيل إنها لا تكاد تنضبط٣، واقتصر بعض النحاة على سرد تسٍع وتسعين صيغة تخالف كل واحدة منها القياس
_________________
(١) ١ في ص١٩١ عند الكلام على: "ثانيهما". ٢ انظر "الملاحظة" التي في هامش ص١٩٣. ٣ وفي مصادر الثلاثي اللازم مفتوح العين يقول ابن مالك: و"فَعَلَ" اللازم مثل: قعدا له "فُعُول" باطراد كَغَدَا ما لم يكن مستوجبًا "فِعالًا" أو: "فَعَلان" فادْرِ، أو "فُعالا" أي: أن مصدر "فعل" اللازم، مفتوح العين، هو: "فُعول" باطراد؛ كغدا غدوًّا؛ "بمعنى ذهب في وقت الغدوة، وهي أول النهار" وهذا يكون في الحالة التي لا ستوجب فيها الفعل مصدرًا آخر على وزن: "فعال" أو: "فعلان" أو "فعال" وقد بين في البيتين التاليين هذه الحالة بقوله: فأولٌ لذي امتناعٍ كأبى والثانِ للذي اقتضى تقلبا يريد: أن الوزن الأول وهو "فعال" يكون مصدرًا لكل فعل دل على امتناع، نحو: أبى إباء، وأن الوزن الثاني؛ "فعلان" يكون مصدرًا لكل فعل دل على حركة وتقلب واضطراب. مثل جال جولانًا، طاف طوفانًا. أما الوزن الثالث وهو: "فُعال" فقد بيَّن فعله بقوله: للدَّا "فُعَال"، أو: لصوت وشملْ صوتًا وسيرًا: "الفعيل"، كصهلْ "للدا: أي: للداء والمرض" ففعله يدل على داء ومرض؛ نحو: سعل سعالا، أو يدل على صوت، نحو: نعب، نعيبًا، وقد يستعمل "الفعيل" مصدرًا للفعل الدال على الصوت أو على السير، نحو صهل الحصان صهيلًا، رحل الغريب رحيلًا. ثم بين أن ما جاء مخالفًا لأنواع المصادر القياسي فأمره مقصور على النقل، أي على السماع. يقول: وما أتى مخالفًا لما مضَى فبابه النقل؛ كسُخْط، ورِضَا لأن فعلهما ثلاثي مكسور العين، فإن كان متعديًا فقياس مصدره: "فعل" كما عرفنا. فيقال فيهما سَخْط، ورَضْي، وإن كان لازمًا فقياس مصدره، فعل، كفرح، وغضب فجاء السماع فيهما مخالفًا للقياس في الحالتين. ثم أشار إلى مصدر الثلاثي مضموم العين "وهو لازم حتمًا، كما سبق، في ص١٩٤ وفي رقم ٤ من هامش ص١٩٦". "فعولة" "فعالة" لفعُلا كسهل الأمر وزيد جزلًا يريد: أن لهذا الفعل اللازم، مضموم العين، مصدران، هما "فعولة"؛ مثل: سهل الأمر سهولة و"فعالة" نحو: جزل جزالة، بمعنى جاد وأعطى، أو بمعنى: عظم
[ ٣ / ١٩٧ ]
الخاص بمصدر فعلها" ١ أما المصادر القياسية لغير الثلاثي فمضبوطة محصورة -غالبًا- وقل أن تخرج على الضوابط والحدود الموضوعة لها. كما سنرى.
"ملاحظة": وردت ألفاظ سماعية، كل واحد منها يؤدي معنى المصدر ولكن بصيغة اسم المفعول من الثلاثي، فهي في حقيقة أمرها مصادر سماعية من جهة المعنى، جاءت ألفاظها على وزن: "مفعول"؛ منها: معقول، مجلود "في قولهم: فلان لا معقول له ولا مجلود له؛ أي: لا عقل له ولا جلد " مفتون٢، ميسور٣، معسور٤. وكل ما سبق مقصور على السماع. ويرى سيبويه: أن تلك الألفاظ، ونظائرها ليست مصادر في المعنى، وأن كل واحد منها هو اسم مفعول في صيغته وفي معناه؛ فيجب عند تأويل الكلام الذي يحويه تأويلًا يساير اسم المفعول في المبنى والمعنى، دون التفات إلى المصدر٥.
مصادر الماضي غير الثلاثي:
١- إن كان رباعيًّا على وزن: "فعَّل"٦ مضاعف العين، صحيح اللام "أي: صحيح الآخر" غير مهموزها، فمصدره القياسي: "تفعيل" مثل: قوَّم تقويمًا، وقصَّر تقصيرًا؛ في قولهم: من قوَّم نفسه بنفسه أدرك بالتقويم ما يبتغي، ومن قصَّر في إصلاح عيبه قعد به تقصيره عن بلوغ الغاية.
وقد يكون على وزن: "فِعَّال" كقوله تعالى: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾،
_________________
(١) ١ راجع شرح التصريح في هذا المكان. ٢ فتنة، "خبرة". ٣ يُسْر "سهْل". ٤ عُمْر. ٥ لما سبق إشارة في " " ص٢٧٢ من باب: اسم المفعول. ٦ الأكثر في هذه الصيغة أن تكون للتكثير والمبالغة -قياسًا- كما سيجيء في الصفحة التالية، وكما سجله المجمع اللغوي القاهري فيها -وفي "التفعال" القياسية أيضًا على الوجه المبين بعد.
[ ٣ / ١٩٨ ]
وقد يكون على "فِعَال" بتخفيف العين؛ كقراءة من قرأ: "وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَابًا".
فإن كان معتل اللام فمصدره "التفعيل" أيضًا، ويجب حذف ياء "التفعيل" والاستغناء عنها بزيادة تاء التأنيث في آخر المصدر، وزيادتها في هذه الصورة لازمة، فيصير: "تفعلة"؛ نحو: رضَّى ترضية، وزكَّى تزكية، وورَّى تورية، مثل: "رضَّى الأخ البار أخاه ترضية كريمة، وزكَّاه تزكية صادقة، وحين رأى منه بادرة إساءة ورَّى١ تورية تمنعه من التمادي".
وأصل الأفعال: من غير التضعيف: رَضِيَ، زَكَا، وَرِيَ، فهي معتلة اللام ومصادرها مع التضعيف من غير حذف وتعويض هي: ترضِّيًا، تزكِّيًا، تورِّيًا فحذفت الياء الأولى التي هي "ياء التفعيل" وعوض عنها -وجوبًا- تاء التأنيث في آخر المصدر؛ فصار: ترضية. تزكية. تورية كما عرفنا. ومن الشاذ عدم الحذف. أو عدم التعويض.
وإن كان مهموز اللام٢ فمصدره "التفعيل"، أو "التفعلة" -وهذه هي الأكثر- نحو: برأ تبريئًا وتبرئة، وجزأ تجزيئًا وتجزئة، وهنأ تهنيئًا وتهنئة، وخطأ تخطيئًا وتخطئة٣.
"ملاحظة": مذهب البصريين أن "التَفعال" -بفتح التاء وإسكان الفاء- مثل٤: تذكار، بمعنى: التذكر، هو مصدر: "فَعَل" "المفتوح
_________________
(١) ١ دفع، أو أشار. ٢ أي: أن الحرف الأخير من أصول الكلمة همزة؛ نحو: برأ، خبأ، هَنِئَ. ٣ يجوز في الكلمات: تبريئًا، تجزيئًا، تهنيئًا، تخطيئًا، وما شبابههما أن يقال فيها تبرِّيًا، تجزِّيًا، تهنِّيًا، تخطِّيًا فقد جاء على هامش القاموس في مادة: "خطأ" عند الكلام على "خطية" ما نصه الحرفي: "عبارة الجوهري: "خطيئة" هي "فعيلة"، ولك أن تشدد الياء، -يريد أنك تقول: "خطية" بقلب الهمزة ياء ثم تدغم الياءين؛ لأن كل ياء ساكنة قبلها كسرة، أو واو ساكنة قبلها ضمة، وهما زائدتان للمد لا للإلحاق، ولا هما من نفس الكلمة فإنها تقلب الهمزة بعد الواو واوًا، وبعد الياء ياء، وتدغم. فتقول في مقروء: مقروّ، وفي خبئ: خبي" ا. هـ. ٣ ومن الأمثلة أيضًا: "تطيار" مصدر بمعنى: "طيران" في قول عمرو السدوسي: فأصبحت مثل النسر طارت فراخه إذا رام تطيارًا يقال له قع و"تعقاد" مصدر بمعنى: "العقد" في قول المرقش السدوسي: لا يمنعنك من بغا ء الخير تعقاد التمائمْ جاء في كتاب الامتناع والمؤانسة "لأبي حيان التوحيدي -ج٢ ص٢ الليلة السابعة عشرة" بيان لكلمة "تذكار" وأنها مصدر له نظائر على وزنه.
[ ٣ / ١٩٩ ]
الأول والثاني بغير تشديد الثاني" -وجيء بالمصدر على ذلك الوزن للتكثير. وقال الفراء وجماعة من الكوفيين: إنه مصدر: "فعَّل" -مفتوح العين المشددة- ورجحه ابن مالك وغيره؛ لكون هذا المصدر للتكثير، و"فعل" المضعف العين للتكثير أيضًا، ولكونه نظير "التفعيل" في الحركات، والسكنات، والزوائد؛ ومواقعها١.
وأسماعي هو أم قياسي؟ قولان؛ أظهرهما أنه قياسي٢. أما "التِفعال" بكسر التاء، كالتبيان والتلقاء فليس بمصدر، بل بمنزلة اسم المصدر٣.
وإن كان الماضي رباعيًّا على وزن: "أفعل" صحيح العين فمصدره على "إفعال" نحو: أجمل الخطيب القول إجمالًا محمودًا، وأحسن الإلقاء إحسانًا بارعًا. فإن كان معتل العين نقلت في المصدر حركة عينه إلى فاء الكلمة، وحذفت العين، وعوض عنها -غالبًا- تاء التأنيث في آخره، نحو: أقام إقامة. أبان إبانة. أعان إعانة والأصل: إقوام. إبيان. إعوان. فعين المصدر حرف علة متحرك بالفتح وقبله حرف صحيح ساكن؛ فنقلت حركة حرف العلة "العين" إلى الساكن الصحيح قبله؛ "تطبيقًا للأساليب العربية وضوابطها". وحذف حرف العلة الأول للتخلص من التقاء الساكنين؛ فصار
_________________
(١) ١ من الأمثلة أيضًا: تَجوال وتَطواف -بفتح التاء فيهما- وقد عرض لهما الصبان "ج٣ باب: "مالا ينصرف" في آخر الكلام على صيغة منتهى الجموع" وسجل ما نصه: "إنهما مصدران لجال وطاف. وقيل: لتجوَّل وتطوَّف" ا. هـ. ٢ أخذ مجمع اللغة العربية القاهري بهذا الأظهر بعد دراسة وافية، ورجوع لآراء المتقدمين ومنها: "ما قاله صاحب التسهيل، ونصه: "قد يغني في التكثير عن "التفعيل" "تفعال"، فقال شارحه ابن أم قاسم ما نصه: "ظاهر كلام النحويين أنه مقيس، وقد نص بعضهم على أنه مقيس" ا. هـ. راجع ص٢٥٧ الجلسة السابعة من محاضر الدورة العاشرة. ٣ ما سبق منقول عن الصبان في هذا الوضع. لكن ما المراد مما هو بمنزلة اسم المصدر؟ لعله يريد: أنه اسم مصدر "وسيجيء الكلام عليه في ص٢٠٧" والمراجع اللغوية -كالقاموس وشرحه- مختلفة في الحكم على هاتين الكلمتين؛ فقيل: إنهما مصدران على الشذوذ -بسبب كسر التاء- وقيل: اسما مصدر؛ وقيل غير ذلك
[ ٣ / ٢٠٠ ]
اللفظ: إقام، إبان، إعان، ثم زيدت تاء التأنيث في آخره؛ عوضا عن المحذوف؛ فصار المصدر: إقامة، إبانة، إعانة ومن الجائز ألا تزاد هذه التاء. ولكن الغالب زيادتها، كما سبق.
وإن كان رباعيًّا مجردًا على وزن "فعلل" فمصدره الغالب: "فعللة". وقد يكون على "فعلال"١ مع قلته، نحو: دحرجت الكرة دحرجة ودحراجًا، سرهفت٢ الصبي، سرهفة وسرهافًا. بهرج٣ المنافق حديثه بهرجة، وبهراجًا١.
ومثله الماضي الرباعي الذي على وزان: "فوعل" و"فيعل" فإن مصدرهما القياسي الغالب: "فعللة" -وهذه أكثر، و"فعلال"؛ نحو: حوقل٤ حوقلة وحيقالا، وبيطر٥ بيطرة وبيطارًا.
وإن كان رباعيًّا على وزن: "فاعل" غير معتل الفاء بالياء -فمصدره "فِعَال" و"مفاعلة"، نحو: خاصمت الباغي مخاصمة، أو: خصامًا. صارعت الطاغية مصارعة، أو: صراعًا فارقت أهل السوء مفارقة، أو: فراقًا و"المفاعلة" أكثر وأعم اطَّرادًا٦.
فإن كان رباعيًّا معتل الفاء بالياء فمصدره "المفاعلة"، نحو: يامَنْتُ ميامنة، وياسَرْتُ مياسرة، "أي: ذهبت جهة اليمين، وجهة اليسار".
_________________
(١) "١، ١" إذا كان "فعلال" مصدرًا مضاعفًا؛ كالزلزال، والوسواس، ونحوهما -جاز فتح أوله وكسره. وقد يراد -كثيرًا- بالمفتوح اسم الفاعل في المعنى؛ نحو: أعوذ بالله من شر الوسواس. يكره الناس الصلصال المزعج برنينه، والوعواع الصاخب بنباحه والمراد: الموسوس - المصلصل؛ بمعنى: الرنان - الموعوع، بمعنى النابح. "وعوع الكلب، نبح". وكل هذا قياسي. ٢ أحسنت غذاءه. ٣ أتي فيه بالزائف والباطل. ٤ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ٥ عالج الخيل والدواب، وما ليس بإنسان من أنواع الحيوان. ٦ ومن أمثلتها المسموعة أيضًا: "متاركة" في قول شاعرهم: متاركة اللئيم بلا جواب أشد على اللئيم من الجواب
[ ٣ / ٢٠١ ]
٢- وإن كان خماسيًّا، على وزن: "تفعل" فمصدره "تفعل" نحو: تعلَّم الراغب تعلمًا، ثم تخرَّج تخرجًا، وتدرَّب تدربًا
وإن كان خماسيًّا مبدوءًا بهمزة وصل على وزن: "انفعل" فمصدره "انفعال"، "والوصول إليه يكون بكسر ثالث الفعل، وزيادة "ألف" قبل الحرف الأخير" نحو: انشرح صدري انشراحًا عظيمًا حين رأيت عدونا ينهزم انهزامًا ساحقًا.
وإن كان خماسيًّا مبدوءًا بهمزة وصل، على وزن: "افتعل" فمصدره: افتعال، "والوصول إليه يكون بكسر الثالث من الفعل، وزيادة "ألف" قبل الحرف الأخير" نحو: إذا اقتصد الفقير بلغ باقتصاده الغنى. من اعتمد على نفسه كان خليقًا أن يدرك باعتماده ما يريد.
وإن كان خماسيًّا على وزن "تفعلَلَ" فإن مصدره يكون على وزن: "تفعلُل"، بضم الحرف الرابع؛ نحو: تدحرَج الحجر تدحرُجا.
٣- وإن كان سداسيًّا مبدوءًا بهمزة وصل، على وزن: "استفعل" وليس معتل العين فمصدره: "استفعال"، "والوصول إليه يكون بكسر الحرف الثالث من الفعل، وزيادة "ألف" قبل حرفه الأخير"؛ نحو: استحسان، واستقباح وأشباههما، مثل: إني أستحسن قراءة الأدب الرفيع استحسانًا لا يعادله إلا سماع الأغاني العالية الشجية، وأستقبح تافه الكتب استقباحًا لا يعادله إلا الأغاني الماجنة الخليعة.
فإن كان على وزن "استفعل" مع اعتلال عينه، نقلت في المصدر حركة عينه إلى الساكن الصحيح قبلها، وحذفت العين، وجاءت تاء التأنيث في آخره؛ عوضًا عنها وهو عوض لازم، نحو: استعاد المريض قوته استعادة، والأصل: استعوادًا، جرى فيها ما أسلفنا.
[ ٣ / ٢٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
ضم الحرف الرابع في الفعل الخماسي المبدوء بتاء زائدة للوصول إلى مصدره، ليس مقصورًا على "تفعلَل" وإنما يجري عليه وعلى ما يماثله، من كل فعل مبدوء بتاء زائدة، وعدد حروفه، وحركاتها، وسكناتها -يماثل "تفعلَل" من غير تقيد بنوع الحركات والسكنات؛ فليس من اللازم أن يكونا على وزن صرفي واحد؛ إنما اللازم أن يقابل المتحرك متحركًا، والساكن ساكنًا، وهذا الضابط يشمل عشرة أوزان غالبة:
١- تفعَّل؛ مثل: تجمَّل تجمُّلًا.
٢- تفاعَلَ؛ مثل: تغافَل تغافُلًا.
٣- تفعلَل؛ مثل: تلملَم تلملُمًا.
٤- تفعْيَل؛ مثل: تبيْطَر تبيْطُرًا.
٥- تمفْعَلَ؛ مثل: تمسْكَن تمسْكُنًا.
٦- تفوْعَل؛ مثل: تجوْرَب تجوْرُبًا.
٧- تفعْنَل؛ مثل: تقلْنَس تقلْنُسًا.
٨- تفعْوَل؛ مثل: ترهْوَك ترهْوُكًا١.
٩- تفعْلَتَ؛ مثل: تعفْرَت تعفْرُتا.
١٠- تَفَعْلَى؛ مثل: تَسَلْقَى تسلْقِيًا٢. لكن تقلب الضمة هنا قبل الياء كسرة.
_________________
(١) ١ ماج واضطراب في مشيه. ٢ أي: استلقى على ظهره.
[ ٣ / ٢٠٣ ]
تلك هي أشهر المصادر القياسية للفعل الماضي الرباعي، والخماسي، والسداسي١.
وهي على ضبطها واطرادها لم تسلم من مصادر مسموعة تخالفها، نحو:
_________________
(١) ١ لبعض المعاصرين تلخيص موجز للمصادر المختلفة، سلك فيه مسلكًا غير الذي جرت عليه المطولات. ومسلكه حميد، وتلخيصه -على إيجازه- نافع مفيد؛ قال ما نصه في مصادر الثلاثي الكثيرة: إن الغالب: أ- فيما دل على حرفة أن يكون على وزن: "فعالة"؛ كزراعة، وتجارة، وحياكة. ب- وفيما دل على امتناع أن يكون على وزن: "فعال"؛ كإباء، وشراد، وجماح. ج- وفيما دل على اضطراب أن يكون على وزن: "فَعَلان"؛ كغليان، وجولان. د- وفيما دل على داء أن يكون على وزن: "فُعَال"؛ كصداع، وزكام، ودوار. هـ- وفيما دل على سير أن يكون على وزن: "فَعِيل"، كرحيل، وذميل، ورسيم. "والأخيران نوعان من السير". ووفيما دل على صوت أن يكون على وزن: "فُعَال" أو: "فَعِيل"؛ كصراخ، وزئير. ز- وفيما دل على لون أن يكون على وزن "فُعْلة"؛ كحمرة، وزرقة، وخضرة. فإن لم يدل على شيء مما سبق فالغالب: أ- في: "فَعُل" أن يكون مصدره على: "فُعُولة" أو "فَعَالة"؛ كسهولة، ونباهة. ب- وفي: فَعِل اللازم أن يكون مصدره على: "فَعَل؛ كفرح، وعطش. ج- وفي: فَعَل اللازم أن يكون مصدره على: "فُعُول" كقعود، وخروج، ونهوض. د- وفي المعتدي من "فَعِل" و"فَعَل" أن يكون مصدره على: "فَعْل"؛ كفهم، ونصر. وأما الفعل الرباعي: أ- فإن كان على وزن: "أفْعَل" فمصدره على "إفعْال"، كأكرم إكرامًا. ب- وإن كان على وزن: "فعَّل" فمصدره "تفعيل"؛ كقدَّم تقديمًا. ج- وإن كان على وزن "فاعَل" فمصدره على "فِعَال" أو: "مُفاعلة" كقاتل قِتالًا ومقاتلة. د- وإن كان على وزن "فَعْلَلَ" فمصدره على "فَعْللة" كدحرَج دحرَجَة، ويجيء على وزن "فِعْلال" أيضًا إن كان مضاعفًا؛ كوسوس وَسوسة، ووُسواسًا. وأما الخماسي والسداسي فالمصدر منهما يكون على وزن ماضيه، مع كسر ثالثه، وزيادة ألف قبل آخره إن كان مبدوءًا بهمزة وصل، كانطلق انطلاقًا، واستخرج استخراجًا. ومع ضم ما قبل آخره فقط إن كان مبدوءًا بتاء زائدة؛ كتقدم تقديمًا- وتدحرج تدحرجًا. ثم قال: "تنبيه": الفعل إذا كانت عينه ألفًا تحذف منه ألف الإفعال والاستفعال، ويعوض عنها تاء في الآخر؛ كأقام إقامة، واستقام استقامة. وإذا كانت لامه "ألفًا" ففي: "فعَّل" تحذف ياء التفعيل، ويُعَوض عنها تاء أيضًا؛ كزكَّى تزكية. وفي "تفعل"، و"تفاعل" تقلب الألف ياء، ويكسر ما قبلها، كتأنَّى تأنيًا، وتغاضى تغاضيًا، وفي غير ذلك تقلب همزةً إن سبقتها "ألف" كألقى إلقاء، ووالى ولاء، وانطوى انطواء، واقتدى اقتداء، وارعوى ارعواء، واستولى استيلاء، واحلولى احليلاء. ا. هـ.
[ ٣ / ٢٠٤ ]
حوقل الطائع حيقالا١. تنزى٢ سرير الطفل تنزيا. تملق المنافق تملاقًا و والقياس: حوقلة. تنزية. تملقا٣
_________________
(١) ١ سبق في ص٢٠١ الحكم بقلة المصدر: "حيقال" دون المصدر: "حوقلة"، -وكلاهما قياسي. ٢ تحرك. ٣ وفي بيان المصادر القياسية لغير الثلاثي يقول ابن مالك في مصدر الرباعي الذي على وزن "فعَّل"، والرباعي الذي على وزن: "أفعَلَ"، والخماسي الذي على وزن: "تَفَعَّل": وغير ذي ثلاثة مقيسُ مصدره كقُدِّس التقديسُ وزكِّه تزكية، وأجمِلًا إجْمال من تَجمُّلا تَجمَّلًا يريد: أن "فعَّل" صحيح اللام مصدره "التفعيل"، مثل: قُدِّس التقديس. ومعتل اللام مصدره: "تفْعِلة"، نحو: زكى تزكية، أما: "أفْعَل" فمصدره: "إفْعَال"؛ نحو: أَجْمل إجمالًا. وأما "تفعَّل" فمصدره: "التفعُّل" نحو: التجمُّل. وإليها أشار بقوله: إجمال من "تجمُّلا تجمَّلًا" أي: أجْمِلا إجمال من تَجمَّل تجمُّلًا. ثم أشار إلى الرباعي المعتل العين والسداسي المعتل العين كذلك فبين أن عينهما تحذف، ويعوض عنها -غالبًا- التاء، قال: واستعذ استعاذة، ثم أقمْ إقامة وغالبًا -ذا- التا لزمْ: أي: وغالبًا أن هذا النوع يكن مختومًا بالتاء. والمراد من "استعاذ" السداسي معتل العين، ومن "أقام": الرباعي كذلك. وذكر مصدر الخماسي والسداسي المبدوء بهمزة وصل، وأنه يكون بفتح الحرف الذي قبل آخره ومده، فينشأ من مده ألف زائدة مع كسر الحرف الذي يلي الحرف الثاني. يريد: مع كسر الحرف الثالث: وما يلي الآخر مد وافتحا مع كسر تلو الثان مما افتتحا: بهمز وصل، كاصطفى. وضم ما يربع في أمثال قد تلملمًا أي: ما يليه الآخر "ويقع بعده الحرف الأخير" مده، وافتحه، واكسر الحرف الذي يتلو الثاني من فعل خماسي أو سداسي، مبدوء بهمزة وصل، فينشأ من هذا كله المصدر القياسي؛ نحو اصطفى العاقل إخواته اصطفاء، واستهوى أفئدتهم بكريم خلقه استهواء. وأشار إلى أن مصدر الخماسي الذي على وزن: "تَفَعْلَل" مثل: "تلملم" يكون بضم ما يربع فعله، أي: بضم ما يكون رابعًا، فينشأ المصدر المطلوب وهو: "تلملم". ثم بين أن "فعْلَلَة" هي المصدر القياسي للفعل: "فَعْلَلَ"، وقد يكون مصدره قليلًا "فعِلْال". يقول: "فِعْلَالٌ" أو "فَعْلَلَةٌ" لـ"فَعْلَلَا" وَاجْعَلْ مَقِيسًا ثَانيًا، لَا أَولًا ثم عرض لمصدر "فاعل" فقال إنه: "الفِعَال" و"المفاعلة"، وصرح بأن ما جاء مخالفًا للمقيس =
[ ٣ / ٢٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = من المصادر السالفة كلها، مقصور على السماع، لا يقاس عليه، ونص تصريحه: لِفَاعَل الفِعَالُ والمُفَاعَلَهْ وَغَيْرُ مَا مَرّ السّمَاعُ عَادَلَهْ أي: ساواه. ثم ختم ابن مالك الباب ببيتين في بيان الوزن الذي يصاغ عليه المصدر الدال على "المرة والهيئة" -وسيجيء شرحهما في مكانهما المناسب من ص٢٣٠- هما: و"فَعْلَةٌ" لِمَرَّةٍ كَجَلْسَةْ وَ"فِعْلَةٌ" لِهَيْئَةٍ كَجِلْسَةْ في غَيْرِ ذِي الثَّلَاثِ بِـ"التَّا" المَرَّهْ وَشَذَّ فيه هَيْئَةٌ؛ كالْخِمْرَهْ
[ ٣ / ٢٠٦ ]
المسألة ٩٩:
إعمال المصدر، واسمه ١:
_________________
(١) ١ عرفنا في ص١٨١، ١٩٣ -أن المصدر إذا أطلق كان المراد الصريح الأصلي دون المؤول وغيره من المصادر الميمية والصناعية، وأوجزنا القول عن المصدر واسمه في "جـ٢ ص١٧٤ م٧٥" لمناسبة هناك تتصل بالمفعول المطلق؛ ووعدنا أن نوفيهما في هذا الجزء. فأما صيغ المصدر القياسية والسماعية؛ وطريقة صياغة القياسي منها، وأوزانها وكل ما يتصل بذلك -فله باب خاص أعده النحاة لذلك، بعنوان: "باب أبنية المصادر"- وقد سبق في ص١٨١ م٩٨- وأما تعريفه وإعماله وأحكماه فنعود الآن لبسط الكلام عليها. "ويلاحظ أن "اسم المصدر" مقصور على السماع". أ- فالمصدر الصريح الأصلي: "أي: غير المؤول، وغير الميمي، والصناعي، كما قدمنا في ص١٨١، وأشرنا إليه هنا" هو: "الاسم الذي يدل -في الغالب- على الحدث المجرد، ويشتمل على كل الحروف الأصلية والزائدة التي يشتمل عليها الفعل الماضي المأخوذ منه. وقد يشتمل هذا المصدر على أكثر منها دون أن يشتمل على الميم الزائدة في أوله، وهي التي يبتدئ بها "المصدر الميمي"، ودون أن يختم بالياء المشددة تليها تاء التأنيث "وهما الذان يختم بهما المصدر الصناعي". وهذا التعريف -وهو بمعنى التعريف الذي سبق في ص١٨١- يتضمن أمرين معًا أحدهما: يتعلق بدلالته المعنوية، والآخر: يتعلق بصيغته اللفظية. فأما من ناحية دلالته المعنوية فإنه يدل في الغالب على مجرد الحدث؛ أي: يدل على أمر معنوي محض، لا صلة له بزمان، ولا بمكان، ولا بذات، ولا بعلمية، ولا بتذكير، أو تأنيث، ولا بإفراد، أو تثنية، أو جمع أو غيره -إلا إن كان دالًّا على "مرة، أو هيئة" -كما سيجيء في ص٢٢٥. وأما من ناحية تكوينه اللفظي فلا بد أن يكون جامدًا مشتملًا على جميع حروف فعله الماضي، أو على أكثر منها -كما سبق وكما تجيء أمثلتها- ولا يمكن أن ينقص عنه في الحروف؛ خذ مثلًا المصدر: "تحسُّن" فإنه يدل على أمر عقلي محض، ندركه بعقولنا، ولا نستطيع أن نحسه بحاسة من حواسنا؛ إذ لا وجود لشيء في خارج عقولنا يقال له تحسن يمكننا أن نراه، أو نلمسه، أو نسمعه، أو نذوقه، أو نشمه؛ فليس له وجود مادي تقع عليه إحدى الحواس؛ وإنما وجوده محصور في الذهن وحده، وهذا معنى كونه حدثًا مجردًا أو أمرًا معنويًا محضًا، أو نحو هذا من الأسماء. ثم إن هذا اللفظ الجامد "هو: تحسن" لا يدل على زمن مطلقًا "ماضٍ أو حال أو مستقبل"، ولا يدل كذلك على مكان، ولا ذات "وهي: الجسم، أو: المادة المجسدة"، وليس علمًا على شيء خاص معين، يدل عليه كما يدل العلم على صاحبه، فكل أمره مقصور على الدلالة المعنوية السابقة. وهو إلى ذلك مشتمل على جميع حروف فعله الماضي: تحسَّنَ، ومن أجل هذا كله يسمى: "مصدرًا" لانطباق التعريف عليه. بخلاف المصدر المؤول؛ فإنه يدل على زمن، وغيره -كما سبق في جـ١ ص٣٠٢ م٢٩- ومما يزيد الأمر وضوحًا ما يأتي:
[ ٣ / ٢٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ١ حين نقول: "تَحسَّنَ" أو "يتحسن" أو: "تحسنْ" نجد أن كل كلمة مستقلة من هذه الكلمات لا بد أن تدل على أمرين معًا؛ هما: المعنى المحض السالف "أي: الحدث المجرد" والزمان "ماضيًا، أو حالًا، أو مستقبلًا و" ولا يمكن أن تؤدي أمرًا واحدًا دون الآخر؛ ولذلك لا تسمى: "مصدرًا" وإنما تسمى: "فعلًا"، فالمصدر الصريح -غير الدال على المرة أو الهيئة- يؤدي شيئًَا واحدًا من شيئين يؤديهما الفعل، وهذا الشيء الواحد هو ما سوى الزمان. وفيه يقول ابن مالك في بيت سبق شرحه "في باب المفعول المطلق جـ٢ ص١٥٥ م٧٤": المصدر اسم ما سوى الزمان منْ مدولي الفعل؛ في كأمْنٍ من أمِنْ ٢ وأننا حين نقول "متحسن" نفهم من هذه الكلمة -دون الاستعانة بغيرها- أمرين معًا؛ وهما: المعنى المحض "أي: الحدث المجرد" الذي أوضحناه، و"الذات" أي: المادة المجسدة المجمدة، أو: "الجسم" الذي يتصف بالتحسن، فلا بد من المعنى والذات معًا، ولهذا لا تصلح كلمة "متحسن" لأن تسمى: "مصدرًا" ولا فعلًا، وإنما تسمى: اسم فاعل "وسيجيء الكلام عليه في ص٢٣٨. ٣ وفي مثل: أعطيت المحتاج عطاء يكفيه، نجد كلمة: "عطاو" تدل على معنى مجرد محض، ولا تدل معه على شيء آخر. ولكنها لا تشتمل على جميع الحروف التي في فعلها المذكور في جملتها؛ إذ الهمزة الأولى غير موجودة لفظًا ولا تقديرًا، ومن هنا لا نستطيع أن نسمي كلمة: "عطاء" مصدرًا للفعل الماضي: "أعطى" وإنما نسميها: "اسم مصدر"؛ وسنعرفه هنا. ومثلها: كلمة "سلام" و"عون" في نحو: سلمت على اللاجئ سلام الأخ، وعاونته عون الشقيق؛ فإن كل واحدة منهما لا تصلح مصدرًا للفعل المذكور معها "برغم أنها تصلح لغيره" لأن حروفها خالية لفظًا وتقديرًا من بعض حروف فعلها، فكلمة: "سلام" تشتل على "لام" واحدة مع أن فعلها المذكور في جملته مشتمل على لام مشددة تعد لامين. وكلمة: "عون" خلية من الألف التي في فعلها المذكور معها، فكلاهما ليس مصدرًا، وإنما يسمى: "اسم مصدر" -وسيجيء في الصفحة الآتية إيضاحه، وأنه سماعي. ٤ وفي مثل: دهن وكحل "بضم أولهما" من كل ما يشتمل على حروف فعله ولكنه ذات لا نسميه مصدرًا.
(٢) وفي مثل: برة؛ بمعنى: البر، وسبحان بمعنى: التسبيح، وحماد، بمعنى: الحمد -نجد هذه الكلمات وأشباهها، تدل على الحدث المجرد، ولا تدل معه على ذات، ولا زمان، ولا غيره، ولكننا لا نستطيع أن نسميها "مصادر؛ لأن كل واحدة منها صارت علم جنس"، يدل على المعنى الخاص به؛ فكلمة: "برة" جنس على "المبرة" بمعنى: البر، و"سبحان" علم جنس على: "التسبيح"، و"حماد" علم جنس على: الحمد؛ فهي ونظائرها أسماء مصادر "سبق الكلام عليها =
[ ٣ / ٢٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = في الجزء الأول ص٢٠٩ م٢٢ في علم الجنس". وقد قلنا إن المصدر لا بد أن يشتمل على كل حروف فعله الماضي، أو على أكثر منها. والمراد اشتماله عليها لفظًا أو تقديرًا. فاللفظي أن تكون جميع الحروف موجودة منطوقًا بها؛ نحو: أخذت أخذًا. تعلم الصبي تعلمًا، والتقديري: أن يكون الحرف محذوفًا قد عوض عنه حرف آخر، كمجيء تاء التأنيث في آخر المصدر عوضًا عن واو الفعل، في مثل وعد، عِدَةً، وكالتاء أيضًا حين تكون في أوله عوضًا، مثل سلم تسليمًا، وعلم تعليمًا؛ فإن إحدى اللامين حذفت من المصدر وجاءت في أوله التاء عوضًا. أو يكون الحرف محذوفًا للتخفيف وكثرة الاستعمال، مع ظهوره أحيانًا في بعض اللهجات واللغات؛ مثل: ضارب ضرابًا. قاتل قتالًا والأصل: ضيرابًا وقيتالًا؛ فقلبت الألف ياء لوقوعها بعد الكسرة، ثم حذفت تخفيفًا، ومن العرب من كان يظهرها. ومثال اشتمال المصدر على حروف أكثر من حروف فعله الماضي: إكرام، وإجمال -وأشباهمها؛ فإنهما مصدران للفعلين: "أكرم، وأجمل" وقد زيد في وسط كل مصدر منها الألف. ومثل: "فرقان" مصدر "فَرَق" فقد زيد في وسطه الألف. ومثل الألف التاء في كلمة: "معاونة" مصدر: عاون. ب- وأما اسم المصدر "وهو مقصور على السماع" فقالوا في تعريفه: "إنه ما ساوى المصدر في الدلالة على معناه، وخالفه بخلوه لفظًا وتقديرًا من بعض حروف عامله -الفعل، أو غيره- دون تعويض". وذلك كعطاء؛ فإنه مساوٍ لإعطاء في المعنى، ومخالف له بنقص الهمزة الأولى لفظًا وتقديرًا من غير أن يعوض عنها شيء. فإن خلا منه لفظًا ولم يخلُ تقديرًا فليس اسم المصدر؛ وإنما هو مصدر -كما تقدم- مثل كلمة قتال؛ فإن أصلها: قيتال، على الوجه الذي شرحناه في هذه الصفحة، وإن خلا منه لفظًا ولكن مع تعويض عنه فليس باسم المصدر، وإنما هو مصدر أصيل؛ نحو: عدة، مصدر الفعل "وعد" فقد حذفت الواو، وجاءت التاء في آخر الاسم عوضًا عنها؛ كما قلنا آنفًا. فلا بد في اسم المصدر من نقص بعض حروفه الأصلية أو الزائدة. وأن يكون النقص بغير تعويض عنه، وبغير وجود المحذوف مقدرًا. إن الفرق اللفظي بين المصدر الأصلي واسم المصدر واضح مما سبق "ولا سيما قصر "اسم المصدر" على السماع، أما المصدر الأصلي فمنه القياسي ومنه السماعي " ولكن الفرق المعنوي بينهما في حاجة إلى تجلية وإبانة. فما معنى: "أن اسم المصدر يساوي المصدر في الدلالة على معناه؟ " ذهب النحاة في الإيضاح مذاهب لا تخلو من غموض أو نقص. ولعل خيرها ما جاء في كتاب: "الأشباه والنظائر" للسيوطي، منسوبًا لابن النحاس: قال ما نصه: "الفرق بينهما أن المصدر في الحقيقة هو الفعل الصادر عن الإنسان وغيره؛ كقولنا: إن كلمة "ضَرْب" هي مصدر في قولنا: يعجبني ضرب زيد عمرًا. يكون مدلوله: "معنى" "يقصد: أن مدلول كلمة "المصدر" ومفهومها وسماها، هو أمر معنوي محض، وأنه هو المصدر حقيقة، لا مجازًا. أما اللفظ المذكور في الجملة، المركب من حروف هجائية معينة، فليس بالمصدر الحقيقي" وسموًا ما يعبر به عنه مصدرًا، "مجازًا"، "أي: تسمية مجازية، لا حقيقية" -نحو: "ضرْب" في قولنا: إن: "ضرْبًا" مصدر منصوب، إذا قلت: ضربت ضربًا؛ فيكون مسماه لفظًا". ا. هـ =
[ ٣ / ٢٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فهو يريد: أن كلمة "ضربًا" هي المسمى اللفظي المجازي لكلمة: "مصدر. ومقتضى هذا أن كلمة "مصدر" اسم له مدلولان أو مفهومان، وإن شئت فقل: له مسميان، أحدهما: معنوي محض؛ هو الحدث المجرد، وهذا الحدث هو المسمى الحقيقي -لا المجازي- لكلمة: مصدر. والمسمى الآخر لفظي؛ هو اللفظ الذي ننطق به، أو نكتبه، والذي نقول في إعرابه: إنه مصدر منصوب، وهو المصدر المجازي المراد منه المصدر الحقيقي المعنوي ثم قال بعد ذلك: "واسم المصدر اسم للمعنى الصادر عن الإنسان وغيره؛ كسبحان؛ والمسمى به: "التسبيح" الصادر عن الشخص المسبِّح -مثلًا- لا لفظ التاء، والسين، والباء، والياء، والحاء، بل المعنى المعبر عنه بهذه الحروف، ومعناه البراءة والتنزية". ا. هـ. راجع ياسين على التصريح. ويفهم مما سبق أن اسم المصدر كالمصدر المجازي السالف؛ كلاهما يدل مباشرة على الحدث المجرد من غير واسطة. ولكن كثيرًا من المحققين يقولون إن اسم المصدر يدل مباشرة على لفظ لا على الحدث المجرد، وأن دلالته على لفظ المصدر تؤدي -تبعًا- إلى الدلالة على معنى المصدر، وبذا تكون دلالته على الحدث المجرد دلالة غير مباشرة، وإنما هي بالواسطة؛ إذ هي من طريق المصدر. "راجع الخضري والصبان في هذا الموضع من الباب". ومن أوضح أسماء المصادر كل اس يدل على معنى مجرد، وليس له فعل من لفظه يجري عليه؛ كالقهقهري؛ فإنه لنوع من الرجوع، ولا فعل له -في المشهور- يجري عليه من لفظه. وكذلك كل اسم يدل على معنى مجرد، ويجري على وزن مصدر الثلاثي، مع أن الفعل المذكور معه في الجملة غير ثلاثي؛ مثل: توضأ وضوءًا، وأعان عونًا، وما شابههما من الوارد المسموع -كالشأن في جميع أسماء المصادر فإنها مقيدة بالسماع. بقيت مسألة هامة، تتلخص في: أن بعض الباحثين المحققين ينكر وجود قسم مستقل يطلق عليه: "اسم المصدر". وحجته: ما سبق هنا، وأن تعريف المصدر الأصيل ينطبق عليه. وهذا رأي قوي ودفعه عسير. ومسألة أخيرة: "أشرنا إليها في ص١٨٣"، نوردها بمناسبة دلالة المصدر -في الغالب- على شيء واحد من شيئين يدل عليهما الفعل؛ فإن هذه الدلالة تثير سؤالا: أيهما أصل للآخر؟ فالبصريون يقولون: المصدر. ويحتجون بأدلة، أقواها: أنه يدل على شيء واحد؛ هو المعنى المجرد؛ فهو "بسيط". والفعل الماضي يدل على شيئين؛ المعنى والزمن؛ فهو مركب. و"البسيط" أصل المركب. والكوفيون يقولون: الفعل الماضي هو الأصل الذي يدخله بعض التغيير. فتتفرع منه المشتقات؛ لأنه يدل على ما يدل عليه المصدر وزيادة؛ والذي يتضمن غيره والزيادة عليه يعد أصلًا له. وهذا -وغيره مما ذكره الفريقان- لا يعدو أن يكون أدلة جدلية دفاعية، لها طلاوة الجدل القوي، وليس لها قوة الحجة المنطقية، ولا صحة البرهان. إذ ليس لدينا في المشتقات الكثيرة المسموعة عن العرب ما يدل من قرب أو بعد على الأصل الذي تفرع منه هذا المشتق. أما المسألة في واقعها فليست إلا مجرد اصطلاح محض، غير أن كلمة: "المصدر" في أصلها اللغوي معناها: "الأصل" وقد شاعت بهذا المعنى بين أكثر النحاة. وأطلقوها اصطلاحًا على أنها للفعل وللمشتقات كلها، فلا ضرر من الأخذ بهذا. والاقتصار عليه.
[ ٣ / ٢١٠ ]
يعمل المصدر عمل الفعل١ في حالتين:
الأولى: أن يحذف الفعل، وينوب عنه مصدره في تأدية معناه، وفي التعدي واللزوم، وكثير من أنواع العمل، نحو قول الشاعر:
يا قابل التوب. غفرانا مآثم، قد أسلفتُها، أنا منها خائفٌ وَجِلُ
وقول الآخر:
شكرًا لربك يوم الحرب نعمته فقد حماك بعز النصر والظفر
ونحو: تعظيمًا والديك، وتكريمًا أهلك، وإشفاقًا على ضعيفهم المحتاج. والأصل: اغفر مآثم٢ اشكر لربك، عَظِّم والديك، كرِّم أهلك، وأشفق على ضعيفهم. فحذف فعل الأمر وجوبًا، وناب عنه مصدره، فعمل عمله في رفع الفاعل المستتر هنا، وفي نصب المفعول به، إن كان الفعل المحذوف ينصب مفعولًا به؛ كالفعلين: عظم، وكرم، وفي أكثر الأعمال الأخرى التي يعملها الفعل، كالعمل في النعت، وكتعلق الجار والمجرور به في المثال الأخير، وكغيرهما من باقي المعمولات؛ فكل هذا يعمله المصدر النائب عن فعله المحذوف وجوبًا. "وقد سبق٣ تفصيل الكلام على هذا الموضع، وبيان الحذف الجائز فيه والواجب، والقياسي وغير القياسي، وكيفية إعراب هذا المصدر وباقي معمولاته، وكل ما يتصل به من هذه النواحي المختلفة".
_________________
(١) ١ يخالف المصدر فعله في أمور؛ أهمها: أن المصدر لا يعمل إلا بالشروط التي سنذكرها، وأن فاعله يكثر حذفه جوازًا، وإذا حذف لا يتحمل المصدر ضمير المحذوف؛ إلا إذا كان المصدر نائبًا عن فعله "على الوجه المشروح في باب المفعول المطلق ج٢ ص١٧٨ م٧٦". أما رفع المصدر لنائب الفاعل فالمختار جوازه عند أمن اللبس، نحو: عجبت من قياس بالطيارة الصحراء، ومن إقامة فيها معامل النفط. أي: من أن تقاس الصحراء بالطيارة، وأن تقام معامل النفط فيها. بخلاف الفعل، فإنه يعمل وجوبًا بغير شرط، ويتحمل وجوبًا ضمير مرفوعه المحذوف؛ فاعلًا كان أو نائب فاعل. ٢ أي: ذنوبًا؛ "المفرد: مأثم؛ بمعنى: إثم؛ وهو: الذنب". ٣ في ج٢ ص١٧٨ م٧٦ موضوع: "حذف عامل المصدر، وإقامة المصدر نائبًا عنه".
[ ٣ / ٢١١ ]
الثانية:
أن يكون المصدر صالحًا -في الغالب١- للاستغناء عنه، بأن يحل محله فعل من معناه، مسبوق "بأن" المصدرية٢، أو: "ما" المصدرية، فيسبق الفعل "بأن" المصدرية حين يكون الزمن ماضيًا، أو مستقبلًا. ويسبق "بما" المصدرية حين يكون ماضيًا، أو حالًا، أو مستقبلًا،
ولكنها أوضح وأقوى في الزمن الحالي، حيث لا تصلح له "أن"؛ "لأنها لا تصلح إلا للماضي والمستقبل٣؛ بخلاف "ما" فإنها صالحة للثلاثة". فمن أمثلة الماضي: ساءنا بالأمس مدح المتكلم نفسه. التقدير: ساءنا بالأمس أن مدح المتكلم نفسه، أو: ما مدح ومن أمثلة المستقبل: سنسر غدًا باجتياز الاختراع مرحلة الاختبار. وقولهم:
تأن، ولا تعجل بلومك صاحبًا لعل له عذرًا وأنت تلوم٤
والتقدير: " بأن يجتاز الاختراع مرحلة الاختبار، أو: بما يجتاز بأن تلوم صاحبًا أو: بما تلوم صاحبًا " ومثل: لا شيء أنقص للأحرار من إفشائهم الأسرار، أي: من أن يفشوا الأسرار، أو: مما يفشون، ومن أمثلة الزمن الحالي: ينعشنا الآن إشاعة الشمس الدفء. والتقدير: ينعشنا الآن ما تشيع الشمس الدفء.
ومن هنا يتبين أن المصدر يصلح للعمل في الأزمنة الثلاثة بالطريقة المفصلة السالفة؛ دون غيرها. والذي يعينه لنوع خاص منها هو: القرينة.
_________________
(١) ١ انظر "أ" في الزيادة الآتية. ٢ "أن" المصدرية تشمل الناصبة للمضارع، والمخففة من الثقيلة. مع ملاحظة أن الناصبة لا تقع في مواضع، منها: عدم وقوعها بعد مايدل على اليقين، أما الناسخة فتقع. "وقد سبقت الإشارة في الجزء الأول ص٤٨٤ م٥٣ إلى علامة كل واحدة، وموضع استعمالها، وسيجيء في الجزء الرابع في باب: "إعراب الفعل ونواصبه". ٣ وهي تدخل على الماضي فتبقي زمنه على حاله، وعلى المضارع فيصير خالصًا للاستقبال. ٤ الذي يعين المصدر على المستقبل هنا ما في البيت من صيغة الأمر والنهي، وهما للمستقبل المحض فيجب مسايرة المصدر لهما في نوع الزمن.
[ ٣ / ٢١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
١- قلنا: إن الحالة الثانية هي التي يصلح فيها المصدر للاستغناء عنه "بأن والفعل" الذي بمعناه، أو: "ما والفعل" هذا الاستغناء أمر غالبي -فقط- كما نصوا على ذلك. وذكروا أمثلة لغير الغالب؛ منها قول بعض العرب: "سَمْع أذني أخاك يقول ذلك" فكلمة: "سمْع" مصدر، مبتدأ مضاف إلى فاعله: "أذُن" -وكلمة "أخا" مفعول للمصدر والجملة المضارعية من الفعل: "يقول"، وفاعله في محل نصب "حال" سدت مسد الخبر١ وأغنت عنه. ومثل قولنا: "كان استقبالك الضيوف حسنًا. إن إكرامك الوفود حميد لا إعراضَ عن أحد" فهذه المصادر -وأشباهها- عاملة في بعض كلام العرب، مع أنه يمتنع تأويلها بالفعل الذي قبله الحرف المصدري "أن"، أو "ما"؛ لالتزام أغلب العرب عدم وقوع الفعل المسبوق بأحد الحرفين في هذه المواضع؛ فلم يعرف عنهم وقوعه مبتدأ خبره حال سدت مسد الخبر، مثل: أن تسمع أذني أخاك يقول ذلك، ولم يعرف عنهم أيضًا وقوع "أن" المصدرية -بنوعيها المخففة من الثقيلة، والناصبة للمضارع- مع صلتها بعد "كان" و"إن" إلا مفصولة بالخبر، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى﴾، ولا وقوع الحرف المصدري وصلته بعد "لا"، غير المكررة. أي: أنه لا يتحقق في هذه المواضع الاستغناء عن المصدر بالفعل المسبوق "بأن، أو ما" المصدريتين٢.
وليس من اللازم كذلك أن يتحقق هذا لعمل المصدر في شبه الجملة بنوعيه، فقد يعمل فيهما من غير إحلال ما ذكر محله. أما عمله القياسي في غير شبه الجملة فيستلزم صحة الإحلال بالتفصيل السالف.
ب- من المصادر التي لا تعمل مطلقًا المصدر المؤكد لعامله المذكور
_________________
(١) ١ سبق بيان الحال التي تسد مسد الخبر، بأنواعها، وإعرابها، وشرح أحكامها في ج١ ص٥٢٢ م٣٩، مواضع حذف الخبر وجوبًا. ٢ سبق هذا الحكم في ج١ م٢٩، باب الموصولات الحرفية رقم ٤ من هامش ص٤١٠ بعنوان: "ملاحظة".
[ ٣ / ٢١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في الجملة؛ مثل: "خرج الإنسان من نطاق الكرة الأرضية خروجًا"؛ لأن إعماله يقتضي -مراعاة للغالب- أن يصلح في مكانه إحلال الفعل مع "أن" المصدرية، أو "ما" المصدرية؛ فيكون التقدير؛ خرج الإنسان أن خرج، أي: خروجه، فيصير المصدر المنسبك مضافًا إلى ضمير كان في الأصل فاعلًا له. وهذه الإضافة تخرجه من المصدر المؤكد: -وهو مصدر مبهم، وإلى مصدر مضاف لفاعله، والمصدر المضاف نوعي، لا توكيدي؛ كما عرفنا في باب: "المفعول المطلق".
ولكن هناك نوعًا من المصدر يؤكد عامله المحذوف وجوبًا، ويعمل عمله. وقد سبق إيضاح هذا النوع، وسرد فروعه وأحكامه١.
كذلك المصدر العددي؛ فإنه لا يعمل -في الغالب الأرجح؛ لأن مجيء "أن" أو "ما" وصلتهما يزيل العدد حتمًا٢، ويضيعه؛ ليحلا محله، فلا يوجد في التركيب الجديد ما يدل على العدد.
أما المصدر النوعي فيعمل في بعض حالات قليلة -ولكنها قياسية- منها: أن يكون مضافًا لفاعله٣ ولو كان هذا المصدر مفعولًا مطلقًا -نحو: زرعت حقلي زراعة الفلاح حقله أي: مثل زراعة الفلاح حقله، فقد عمل في فاعله المضاف إليه، وعمل النصب في مفعوله. وقد تكلمنا بمناسبة أخرى٤- على أقسام المصدر ما يعمل منها، وما لا يعمل.
_________________
(١) ١ في ج٢ ص١٧٨ م٧٦. ٢ أكثر هذه التعليلات مصنوع، ومن السهل نقضه. والتعليل الحق هو: استعمال العرب. ٣ وقد ينصب المفعول به أولا ينصبه، كما سبقت الإشارة لهذا "في ج٢ -رقم ٤ من هامش ص١٧٢ م٧٤ باب: المفعول المطلق". ٤ ج٢ ص١٧١ م٤ باب: المفعول المطلق.
[ ٣ / ٢١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ج- شروط أخرى:
الشرط السابق لإعمال المصدر هو شرط "وجودي"، أو "إيجابي" كما نقول اليوم، "أي: لا بد من تحققه ووجوده" وهناك شروط أخرى يسميها النحاة شروطًا عدمية "أو: سلبية، بمعنى: أنه لا بد من عدم وجودها"، وأهمها:
١- ألا يكون مصغرًا؛ فلا يجوز: فُتَيْحك الباب بعنف أمر لا يسوغ. تريد: فتحك الباب١.
٢- ألا يكون ضميرًا، فلا يجوز: حبي الأوطان عظيم، وهو بلادًا أجنبية أقل. تريد: وحبي بلادًا أجنبية أقل؛ فناب الضمير عن المصدر المحذوف. وهذا غير جائز إلا عند الكوفيين، ورأيهم هنا ضعيف؛ لأن الضمير النائب عن المصدر المحذوف لا ينوب عنه في العمل؛ طبقا للرأي الأصح، الأغلب الذي يؤيده الوارد الكثير.
٣- ألا يكون مختومًا بالتاء الدالة على الوحدة٢؛ فلا يصح: ابتهجت بضربتك العدو الغادر؛ لأن ضربة، مصدر مختوم بالتاء الزائدة الدالة على المرة الواحدة٣. فإن كانت التاء من صيغة الكلمة وليست للوحدة، نحو: "رحمة" و"رهبة" جاز أن يعمل؛ نحو: رحمتك الضعفاء دليل نبلك.
٤- ألا يتأخر عن معموله الذي ليس شبه جملة؛ فلا يصح: أعجبتني
_________________
(١) ١ ورد في السماع إعماله مصغرًا في مثل: رُوَيْد المستفهم، بمعنى: أمهل المستفهم. "فرويد" اسم فعل أمر. ويصح اعتباره مصدر نائبًا عن فعل الأمر، وأصله "إرواد" وفعله: "أرود" ثم صغر المصدر: "إرواد" تصغير ترخيم بحذف زوائده فانتهى إلى: "رويد". كما سيجيء في باب اسم الفعل، ج٤ ص١٠٨ م١٤١. ٢ أي: على المرة الواحدة. وسيجيء الكلام عليه في ص٢٢٥ م١٠٠. ٣ لأن الدلالة على العدد تعارض الدلالة الأصلية للمصدر؛ وهي الحدث المجرد من كل شيء آخر؛ كعدد، ونحوه. كما سبق عند الكلام عليه في "ب" من هامش ص١٨٣.
[ ٣ / ٢١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
-المريض- مساعدتك". والأصل: أعجبتني مساعدتك المريض.
أما المعمول شبه الجملة فالأحسن الأخذ بالرأي الذي يبيح تقديمه؛ لوروده في القرآن الكريم١ في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾، وقوله تعالى: ﴿لا يَبْغُونَ، عَنْهَا، حِوَلًا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا، رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾، وقولهم: "اللهم اجعل، لنا من أمرنا، فَرَجًا"، وقول الشاعر:
وبعض الحلم عند الجهـ ـل للذلة إذعانُ
والأصل: السعي معه. حِوَلًا عنها. رأفة بهما. فرجًا لنا من أمرنا. إذعان للذلة و ولا داعي للتكلف والتأويل للمنع، من غير داعٍ، وبخاصة في القرآن.
٥- ألا يكون مفصولًا من معْموله -المفعول، وغير المفعول- بفاصل أجنبي٢، ولا بتابع٣، ولو كان هذا التابع نعتًا أو غيره من التوابع الأربعة٤، فلا بد أن تقع بعده -مباشرة- كل معمولاته من غير فاصل أجنبي بينها؛ لأن الفصل بالأجنبي ممنوع مطلقًا فلا يجوز: إني أقوى على تأدية في الصباح أعمالًا مختلفة؛ أي: على تأدية أعمالًا مختلفة في الصباح. كما٥ لا يجوز: إني أبادر إلى تلبية صارخًا المستغيث. أي: إلى تلبيةٍ المستغيثَ صارخًا و و
_________________
(١) ١ ولأن شبه الجملة يقع فيه التوسع والتساهل في كلام العرب؛ هذا إلى وروده متقدمًا في الآيات والأمثلة التالية. -ولهذا إشارة في رقم١ من هامش ص٢٦٣. ٢ أي: بفاصل ليس معمولا لهذا المصدر. ٣ وإذا كان للمصدر معمولات لم يجز العطف عليه إلا بعد استيفائه جميع معمولاته. وفي رقم١ من هامش ص٤٣٦ حكم الفصل بين التابع ومتبوعه، ثم "انظر الحالة الثانية التي في ص٦١٠". ٤ لهذا تأخر النعت عن المعمول شبه الجملة في قول الشاعر: إن وجدي بك -الشديد- أراني عاذرًا من عهدت فيك عذولًا ٥ وهذا يستلزم عدم الفصل بالأجنبي بين المعمولات.
[ ٣ / ٢١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٦- ألا يكون مثنى أو جمعًا "فيجب أن يكون مفردًا" ومن الشاذ إعمال غير المفرد؛ كقول الشاعر:
قد جربوه فما زادت تجاربهم أبا قدامة إلا المجد والفَنَعَا١
فكلمة: "أبا" "من أبا قدامة" مفعول به للمصدر المجموع جمع تكسير، وهو: "تجارب"٢. وأجاز بعض النحاة إعمال الجمع. ورأيه حسن؛ لورود السماع به في بضعة أمثلة، ولما فيه من تيسير يفيد ولا يضر.
٧- ألا يكون محذوفًا والمعمول غير شبه جملة؛ فإن كان شبه جملة جاز إعمال المصدر المحذوف؛ ولهذا أجازوا أن يكون الجار والمجرور في: "بسم الله الرحمن الرحيم". متعلقًا بمصدر محذوف، والتقدير: ابتدائي باسم الله.
_________________
(١) ١ الفَنَع: الكرم والخير. ٢ راجع العيني.
[ ٣ / ٢١٧ ]
أقسام المصدر العامل المقدر بالحرف المصدري وصلته:
ثلاثة أقسام رئيسية:
١- مضاف، وهو أكثرها عملا، وأعلاها فصاحة؛ نحو قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾، المصدر الأول: "ذكر" مضاف لضمير "الكاف"، ومعها الميم١.
وإذا أضيف المصدر فقد يضاف لفاعله وينصب المفعول به٢ إن وجد؛ فيكون الفاعل مجرورًا في اللفظ، مرفوعًا في المحل، كقولهم؛ "مصاحبة المرءِ العقلاءَ ألزم، ومجانبة المرءِ السفهاءَ أسلم". فقد أضيف كل من المصدرين: "مصاحبة"، و"مجانبة" لفاعله: "المرء"، وجره لفظًا فقط؛ لأنه مرفوع محلا، ونصب المفعول بعد ذلك؛ وهو: "العقلاء" و"السفهاء"، ومثل قول الشاعر:
وأقتل داء رؤية العين ظالما يسيء، ويتلى في المحافل حمدُهُ
فالمصدر؛ وهو؛ "رؤية" أضيف لفاعله -"العين" المجرور لفظًا، المرفوع محلًّا، ونصب المفعول به "ظالمًا".
ومثل:
يا من يعز علينا أن نفارقهم وجداننا كل شيء بعدكم عدمُ
فالمصدر: "وجدان" أضيف لفاعله: "نا" -على الوجه السالف- ونصب المفعول به: "كل".
فإذا جاء تابع للفاعل -كالنعت، أو: التوكيد، أو: العطف، أو: البدل -جاز في التابع الجر؛ مراعاة للفظ الفاعل المتبوع، وجاز الرفع مراعاة لمحل هذا الفاعل؛ ففي المثال الأول: نقول: مصاحبة المرء العاقل العقلاء ألزم، ومجانبة المرء المهذب السفهاء أسلم، بجر كلمتَي: "العاقل"
_________________
(١) ١ ومن الأمثلة: "رعاية" توقّي منة"، وفي قول شاعرهم: رعاية الله خير من توقينا ومنة الله بالإحسان تغنينا ٢ وهذا إن كان فعله متعديًا لواحد، أو كان متعديًا لأكثر على الوجه المبين في رقم٣ من هامش الصفحة الآتية، فإن كان الفعل لازمًا جاز إضافته لفاعله، أو للظرف.
[ ٣ / ٢١٨ ]
و"المهذب"؛ أو برفعهما، على الاعتبارين السالفين١.
وقد يضاف المصدر للظرف٢؛ فيجره، ويرفع الفاعل وينصب المفعول به إن وجد؛ نحو: إهمال اليوم المريض الدواء معوق للشفاء.
وقد يضاف المصدر لمفعوله؛ فيصير المفعول به مجرورًا في اللفظ منصوبًا في المحل٣؛ ويجيء الفاعل بعدهما مرفوعًا إن وجد؛ كقولهم: "صيانة٤ الحواسِّ الشابُ وديعة تنفعه في شيخوخته"٥. والأصل: صيانة الشاب الحواس، فأضيف المصدر: "صيانة" إلى مفعوله: "الحواس" فصار المفعول به مجرورًا لفظًا، منصوبًا محلا. وتلاهما الفاعل مرفوعًا٦. فإذا جاء للمفعول به تابع -من التوابع الأربعة- جاز في التابع الجر مراعاة للفظ المفعول به، أو النصب مراعاة لمحله. فنقول في المثال السالف: صيانة الحواس ِّالخمسَِ الشابُّ، دين عليها بجر كلمة: "الخمس" أو نصبها
"ملاحظة": إنما يضاف المصدر لفاعله وينصب المفعول به، أو: العكس، حين يقتضي المقام ذكرهما، وإلا فقد يحذف أحدهما، أو
_________________
(١) ١ ومن ذلك قول العرب -كما جاء في كتاب: "معاني القرآن" الفراء ج١ ص١٦: عجبت من تساقط البيوت بعضُها على بعض، "بالرفع"، أو بعضِها على بعض "بالكسر". فرفع كلمة: "بعض" على اعتبارها بدلا من البيوت المرفوعة المحل؛ لأنها مجرورة لفظًا في محل رفع فاعل المصدر و ٢ إذا صار الظرف "مضافًا إليه، زال عنه اسم الظرف؛ إذ لا يصح تسميته ظرفًا -كما كررنا في مناسبات مختلفة- إلا في حالة واحدة؛ هي نصبه على الظرفية. ٣ فإن كان المصدر متعديًا لمفعولين أو ثلاثة جاز إضافته لأحدها ونصب ما عداه، ثم يرفع الفاعل، ويجوز إضافته للفاعل، ونصب المفعول به الواحد أو الأكثر، كما يجوز إضافته الظرف، مع بقاء الفاعل مرفوعًا -إن وجد- وترك ما يوجد من مفعول به أو أكثر منصوبًا "إن وجد". ٤ أي: محافظته على سلامتها. ٥ المراد: أن من صان حواسه في شبابه تصونه في شيبته وكهولته؛ فلا يشكو الأمراض وضعف هذه الحواس؛ لأنه لم يهملها، ولم يسرف في الانتفاع بها زمن شبابه؛ فظلت سليمة حتى وصل إلى زمن المحرم والكبر. ٦ ومن الأمثلة الواردة التي أضيف فيها المفعول به، ورفع الفاعل قول الشاعر: نَجُذُّ رقاب الأوس من كل جانب كجذِّ عقاقيل الكروم خبيرها فقد أضيف المصدر: "جذَّ" إلى مفعوله: "عقاقيل"، وجاء فاعله "وهو: خبير" مرفوعًا بعدهما. "عقاقيل الكروم: ما زرع من فروع العنب".
[ ٣ / ٢١٩ ]
يحذفان معًا. فمن إضافة المصدر لفاعله مع حذف المفعول به الذي لا يتعلق الغرض بذكره؛ قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ﴾، والأصل: استغفار إبراهيم ربه لأبيه. كما يجوز العكس بحذف الفاعل مع ذكر المفعول به كقوله تعالى: ﴿لا يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾، أي: من دعائه الخير.
٢- منون، ويلي السابق في كثرته وفصاحته، نحو قوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيمًا﴾ ١، فكلمة: "يتيمًا"، مفعول به للمصدر: "إطعام"، ومنه قول الشاعر:
بضربٍ بالسيوف رءوسَ قومٍ أزلْنا هامهُنَّ٢ عن المقيلِ٣
فكلمة: رءوس، مفعول به للمصدر: "ضَرْب".
٣- مبدوء "بأل" وهو -مع قياسيته كسابقيه- أقل منهما استعمالًا وبلاغة. ومن أمثلته قول الشاعر يَذُم:
ضعيف النكاية٤ أعداءَه يخال الفرارَ يراخي الأجلْ٥
فكلمة: "أعداء" مفعول به للمصدر: "النكاية".
إعمال اسم المصدر ٦:
اسم المصدر نوعان: علَم، وغيرُ علَم، فالأول لا يعمل٧؛ ومن أمثلته: "برة" علم جنس على: "البر"، و"فجار" علم جنس على: "الفجرة" بمعنى: "الفجور"، بشرط أن يكون فعلهما: "أفجر" و"أبر" في
_________________
(١) ١ ذي مسبغة: صاحب مجاعة. "أي: أنه جائع". ٢ الهام: الرءوس. المفرد: هامة. ٣ المقيل: مكان الاستقرار والثبات. والمراد هنا: العنق؛ إذ يستقر الرأس فوقه. ٤ التنكيل والتعذيب. ٥ معنى البيت: هذا الشخص قليل التنكيل والتعذيب لأعدائه؛ خوفًا على حياته منهم؛ لظنه أن الفرار من ميدان القتال يطيل الأجل ويؤخر الموت. ٦ سبق تعريفه مفصلًا، وبيان الفرق بينه وبين المصدر في هامش ص٢٠٧، ٢٠٨. ٧ لأن العلم -في جميع صوره ومواقعه الإعرابية المختلفة- لا يعمل مطلقًا، ولو كان في أصله مشتقًا.
[ ٣ / ٢٢٠ ]
مثل: أفجر فلان فلانًا، وأبره؛ بمعنى: صيره ذا فجور، وبر. فإن كان فعلهما "فجر" و"بر" فهما مصدران مباشرة١.
أما غير العلم فيعمل بالشرط الذي يعمل به المصدر الذي ليس نائبا عن فعله؛ "وهو: إحلال الحرف المصدري "أن" أو: "ما" وصلتها محله٢".
وإعمال اسم المصدر -مع قياسيته- قليل. والأفضل العدول عنه إلى المصدر قدر الاستطاعة، ومن أمثلة إعماله قول الشاعر:
بعشرتك الكرام تعد منهم فلا ترين لغيرهمُ الوفا
وقول الآخر:
إذ صح عون الخالق المرء لم يجد عسيرًا من الآمال إلا ميسرا
فكلمة: "الكرام" مفعول به لاسم المصدر: "عشرة"، وفعله هنا: "عاشر". وكلمة: "المرء" مفعول به لاسم المصدر: "عَوْن" وفعله هنا عاون ٣.
_________________
(١) ١ انظر رقم ٣، ٥ من هامش ص٢٠٨. ٢ وبيان هذا في ص٢١٢. ٣ اقتصر ابن مالك على أربعة أبيات في تدوين كل الأحكام السالفة؛ أولها: بفعله المصدر الحق في العمل مضافًا، أو مجردًا، أو مع "أل" إن كان فعل مع "أن" أو: "ما" يحل محله، ولاسم مصدر عمل يريد: ألحق المصدر بفعله في العمل، فاجعله مثله في التعدي واللزوم وغيرهما مما أوضحناه. وهذا الإلحاق بفعله يشمل الأحوال الثلاثة للمصدر؛ إذ يكون مضافًا، أو مبدوءًا بأل، أو مجردًا من أل والإضافة؛ فيكون منونًا. ثم بين أنه يعمل عمل فعله بشرط أن يمكن إحلال فعل مسبوق "بأن" أو "ما" المصدريتين محله. فإن لم يمكن إحلال أحد الحرفين المذكورين مع صلته محل المصدر لم يعمل شيئًا. وهذا كلام مبهم مجمل أوضحناه وفصلناه في الشرح. ثم قال: وبعد جرِّه الذي أضيف لَهْ كمِّلْ بنصب أو برفع عَمَلَهْ عرفنا أن المصدر العامل يجوز أن يضاف إلى فاعله وينصب المفعول، أو العكس، وهو هنا يقول: =
[ ٣ / ٢٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بعد إضافة المصدر إلى ما أضيف له، وبعد جره للمضاف إليه -كمل عمله بعد ذلك بالنصب أو بالرفع، وذلك بأن تأتي باللفظ منصوبًا مفعولًا به إن كان المصدر قبله مضافًا للفاعل المجرور في اللفظ، المرفوع في المحل. أو أن تأتي بكلمة مرفوعة فاعلًا، إن كان المصدر قبلها مضافًا للمفعول به وصير هذا المفعول مجرورًا في اللفظ منصوب المحل. وختم الباب بقوله: وجرّ ما يتبع ما جُرَّ ومن راعى في الإتباع المحل فحَسَنْ يريد: إن جاء تابع للمضاف إليه المجرور فجُرَّ "فاجرُرْ " هذا التابع؛ مراعيًا لفظ المجرور، سواء أكان مرفوعًا محلًا؛ لأنه فاعل، أو منصوبًا محلًا؛ لأنه مفعول به. وبين أن هذا الجر لمراعاة اللفظ ليس محتومًا؛ فمن يراعي المحل المرفوع أو المنصوب فعمله حسن، ورأيه سديد.
[ ٣ / ٢٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- بعض النحاة يجعل لاسم المصدر قسمًا ثالثًا يسميه: "المبدوء بميم زائدة لغير المفاعلة". ومن أمثلته: المحمدة، أي: الحمد، والمضرب، أي: الضرب، ومصاب، "بمعنى: إصابة" في قول الشاعر:
أظلومُ١ إن مصابكم رجلا أهدى السلام -تحية- ظلمُ
لكن يرى المحققون أن المبدوء بالميم كالأمثلة السابقة -ونظائرها- هو نوع من المصدر يسمى: "المصدر الميمي"، "وله أحكام خاصة ستجيء في بابه"٢، وليس باسم مصدر. وهذا الرأي هو الشائع اليوم، والأخذ به واجب، وإعماله عمل فعله كثير بالطريقة التي سنشرحها هناك٢.
أما المبدوء بميم زائدة للمفاعلة فمصدر أصيل نحو: قاومت الباطل مقاومة عنيفة، وناصرت أهل الحق مناصرة لا تواني فيها ولا قصور.
ب- اسم المصدر العامل ثلاثة أقسام، كالمصدر العامل:
١- مضاف، وهو الأكثر؛ نحو: ناصرت الوطن نصر الحر وطنه، وهدمت الباطل هدم الخيمة صاحبها.
وإضافته -كما رأينا- قد تكون لفاعله مع نصب المفعول به، وقد تكون للمفعول به مع رفع الفاعل. ويجوز في تابع المضاف إليه الجر مراعاة للفظه، كما
_________________
(١) ١ المعنى: يا ظلوم، إنَّ إصابتكم رجلا أهدى إليكم السلام للتحية ظلمٌ منكم. فكلمة "رجل" مفعول به المصدر الميمي: "مصاب" على الرأي الأحسن. وكلمة: "ظلم" خبر "إن". وسيعاد ذكر البيت في هامش ص٢٣٦ بمناسبة هناك. و"ظلوم" اسم امرأة. قال الشنقيطي -صاحب الدرر اللوامع على همع الهوامع- ج٢ ص١٩٦ ما نصه: "أكثر الرواة على أن الرواية: "أظلوم" كما جاء في الأصل، وبعضهم قال: إن الصحيح "أظليم" بالياء المثناة التحتية"، ثم نقل الخلاف في قائل البيت، وارتضى أن الصحيح نسبته إلى الحارث بن خالد بن العاص من قصيدة مطلعها: أقوى منَ ال ظليمة الحرْمُ فالعيِّران، فأوحش الحطْمُ "٢-٢" ص٢٣١ م١٠١.
[ ٣ / ٢٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يجوز مراعاة محله في الرفع والنصب على الوجه الذي سبق في المصدر١.
٢- منون؛ نحو: طربت لنصرٍ حرٌّ وطنه انتصارًا باهرًا.
٣- ومحلى بأل؛ مثل: عاونت الصديق كالعون الأهلَ..
ج- من أحكام اسم المصدر العلَم أنه لا يضاف، ولا تدخل عليه "أل" التي للتعريف، ولا يقع موقع الفعل، ولا يوصف، ولا يقصد به الشيوع٢.
_________________
(١) ١ في ص٢١٨. ٢ راجع ما نقله الصبان في هذا الموضع عن "الهمع".
[ ٣ / ٢٢٤ ]
المسألة ١٠٠:
المصدر الدال على المرة، والدال على الهيئة:
عرفنا١ أن المصدر الأصلي لا يدل بذاته إلا على: "المعنى المجرد"، فلا علاقة له -في الغالب- بزمان، ولا مكان، ولا تأنيث، ولا تذكير، ولا عَلَمية، ولا عدد، ولا هيئة، ولا شيء آخر غير ذلك المعنى المجرد.
لكن من الممكن تناوله ببعض التغيير اليسير والزيادة اللفظية القليلة، فلا يُقتصر -بعدهما- على المعنى المجرد، وإنما يدل عليه وعلى شيء آخر معه هو: "المرة الواحدة"، أو: الهيئة"٢، بمعنى: أن المصدر الأصلي يدل بعد هذا التغيير، والزيادة اللفظية -إما على المعنى المجرد مزيدًا عليه الدلالة العددية التي تبين الوحدة، "أي: أنه واحد، لا اثنان، ولا أكثر ". وإما على المعنى المجرد مزيدًا عليه وصفة بصفة من الصفات؛ كالحسن، أو: القبح؛ أو: الطول، أو: القصر أو غير ذلك مما يتصل بهيئته، وشكله، وأوصافه، لا بعدد مراته٣.
فالمصدر الأصلي في دلالته الأساسية الأولى خالٍ من التقييد، بخلافه إذا دل على المرة أو الهيئة؛ فإنه يكون في "المرة" مقيدًا -مع الحدث- بالدلالة على أن هذا الحدث مرة واحدة، وفي "الهيئة" يكون مع الحدث مقيدًا بوصف خاص٤.
_________________
(١) ١ في رقم ٤ من هامش ص١٨٧، أما الكلام المفصل عن أصل المشتقات ففي ص١٨٢. ٢ أي: هيئة الحدث وكيفيته وشكله. وفسر بعضهم الهيئة بأنها: "النوع". ٣ فائدة المصدر الدال على "المرة" أو على "الهيئة" أنه يدل على شيئين معًا بأوجز لفظ، وأقل كلمات. ومن الممكن الوصول إلى هذه الدلالة بتعبير آخر، ولكنه سيكون تعبيرًا أكثر ألفاظًا وكلمات. أما المصدر الأصلي فلا يدل إلا على شيء واحد -في الغالب- هو المعنى المجرد الخالي من كل تقييد وتحديد. ٤ ومتى دل المصدر الأصلي على المرة بالطريقة التي شرحناها -فإنه يصير من قسم المصدر الأصلي الذي يدل معناه على المرة، مع توكيد معنى عامله أيضًا؛ أي: أنه يدل على الأمرين معًا. ويكون بيان المرة هو الأهم -طبقًا لما سبق في باب: "المفعول المطلق"، ج٢ م٧٤ ص١٦٩- وكذلك حين يدل على الهيئة؛ فإنه يصير من قسم المصدر الذي يدل معناه على الهيئة مع توكيد معنى عامله، ويكون بيان الهيئة هو الأهم؛ طبقًا للبيان المشار إليه آنفًا.
[ ٣ / ٢٢٥ ]
وإذا دل المصدر الأصلي -بعد التغيير- على المعنى المجرد مزيدًا عليه الدلالة على الوحدة -وهي "المرة"- أو على "الهيئة" فإنه يظل محتفظًا باسمه كما كان. ولكنه يشتهر باسم: المصدر الدال على "المرة"، أو على "الهيئة" فهو في الحالتين مصدر أصلي١ له اسمه، وكل أحكام المصدر الأصلي٢. إلا أن الدال على "المرة" لا يعمل -كما سبق٣.
أ- فإذا أردنا الدلالة على "المرة" الواحدة من المصدر الأصلي لفعل ثلاثي فوق دلالته على المعنى المجرد: "أتينا بمصدره المشهور، مهما كانت صيغته، ومهما كان وزنه"، "وجعلناه على وزن: "فَعْل"، ولو بحذف أحرفه الزائدة إن اقتضي الأمر هذا"، "وزدنا في آخره تاء التأنيث": فيصير الوزن: "فَعْلَة"، وهي صيغة المصدر المطلوب الدال على "المرة" فوق دلالته على المعنى المجرد؛ ولا تتحقق هذه الصيغة إلا بتحقق الأمور الثلاثة السالفة. فللوصول إلى الصيغة الدالة على "المرة" من المصادر: أخذ، قعود، فرح، جولان وأشباهها يجب: "تجريد كل مصدر أصلي من حروفه الزائدة، إن وجدت"، ثم "تحويل صيغته بعد ذلك إلى: "فَعْل"، ثم "زيادة تاء التأنيث في آخرها"؛ فتصير: أخذة، قعدة، فرحة، جولة؛ وهذه المصادر الأصيلة تدل هنا على
_________________
(١) ١ كما سبقت الإشارة لهذا "في رقم ٤ من الهامش السابق وفي رقم ٤ من هامش ص١٨٧" قال الصبان في هذا الموضع ما نصه: "مقتضى ما سبق أن "فَعْلَة" التي للمرة كجلسة، هي من المصادر؛ فيكون للفعل: جلس -مثلًا- مصدران؛ أحدهما دال على "المرة"؛ وهو "جَلسة"؛ والثاني لا دلالة عليها وهو: "جلوس" ا. هـ. وأين المصدر الميمي؟ الحق أن لكل فعل ثلاثة أنواع من المصادر "كما أوضحنا في ص١٨١" أولها: المصدر الأصلي الصريح الذي لا يدل إلا على المعنى المجرد. وثانيهما: المصدر الأصلي الذي يدل على المعنى المجرد مزيدًا عليه "المرة" أو "الهيئة". وثالثها المصدر الميمي. أما المصدر الصناعي فليس مصدرًا للفعل، ودلالته تختلف عن دلالة غيره. ولا يكون هو، ولا الميمي دالين على المرة أو الهيئة. ٢ ومنها: أن يتعلق به شبه الجملة. ٣ وفي رقم ٣ من ص٢١٥. حيث بيان السبب، "وسيجيء في رقم ٢ من هامش ص٢٣٠ أن المصدر المبين للنوع قد يعمل ".
[ ٣ / ٢٢٦ ]
المعنى المجرد، وعلى المرة معًا؛ نحو: أخذت من المال أَخْذة. قعدت على الأريكة قَعْدة. تجددت لنا فَرْحة بالنصر. قمت بجَوْلة حول المدينة. والمعنى: أخذة واحدة، قعدة واحدة، فرحة واحدة، جولة واحدة١.
فإن كانت صيغة المصدر الأصلي موضوعة في أصلها على وزن: "فعلة": نحو: نظرة. هفوة. رأفة. صيحة لم تدل بنفسها في هذه الصورة على المرة، ووجب زيادة لفظ آخر معها ليدل على "المرة" أو قيام قرينة أخرى تدل عليها. والغالب في اللفظ الآخر أن يكون نعتًا. فنقول مثلًا: ربما تنفع النظرة الواحدة في ردع المسيء. قد تعقب الهفوة الواحدة عواقب خطيرة. إن رأفة واحدة بضعيف قد تضمه إلى أعوانك المخلصين. أهلك الله بعض الغابرين بصيحة لم تتكرر٢
ولا بد في صياغة "فَعْلة" الدالة على "المرة" من تحقق شرطين: أن تكون لشيء حسي صادر من الجوارح الظاهرة والأعضاء الجسمية، وأن يكون ذلك الشيء المحسوس غير ثابت؛ فلا تصح صياغة "فَعْلة" لدلالة على أمر معنوي عقلي محض، كالذكاء، أو العلم، أو الجهل، أو النبوغ ولا تصح صياغتها من الأوصاف الثابتة؛ كالظرف، والحسن. والملاحة، والقبح، والطول، والقصر
وإن كان الفعل الماضي غير ثلاثي فالوسيلة للدلالة على المرة من مصدره الأصلي هي: زيادة تاء التأنيث في آخر هذا المصدر مباشرة، دون زيادة، أو حذف، أو تغيير آخر. مثل: "إنعام" مصدر الفعل الرباعي: "أنعَم"
_________________
(١) ١ ومن الشاذ المسموع قول العرب: حَج فلان حِجة "بكسر الحاء" ومنه شهر ذي الحجة فجاءوا بالمصدر الدال على المرة مصوغًا على وزن: "فِعْلة" "بكسر، فسكون" وهذه الصيغة هي الخاصة بالهيئة. وبالرغم من هذا السماع الوارد عنهم لا مانع أن نقول في المرة: "حَجّة" بفتح أول الكلمة تطبيقًا لصيغة: "فَعْلة" الخاصة بالمرة؛ عملًا بالبيان المفيد الذي عرضناه في ص١٩١. ومن المسموع أيضًا رأيته رؤية "بوزن فُعْلة" مرادًا بها المرة، ولا مانع من استعمال القياس فيهما أيضًا -راجع "تاج العروس"، مادة: "حج". هذا، وقد نقل ابن خالويه في كتابه المسمى: "ليس في كلام العرب" أن فتح الراء مسموع أيضًا. ٢ انظر آخر الملاحظة الآتية في ص٢٢٩.
[ ٣ / ٢٢٧ ]
و"تبيُّن" مصدر الفعل الخماسي: "تبين"، و"استفهام" مصدر الفعل السداسي: "استفهم" فإن صيغها الدالة على "المرة" هي: "إنعامة". تبيُّنة١. استفهامة نحو: إن إنعامة الله تملأ النفس انشراحًا. تبيُّنة الحق جلبت الخير ودَفَعَت البلاء. استفهامةٌ وهدايةٌ٢ خير من صمت وضلالة.
فإن كان مصدر الفعل غير الثلاثي مشتملًا في أصله على تاء التأنيث؛ فإنه لا يصح للدلالة المباشرة على المرة، ويجب زيادة لفظ آخر معه، أو قيام قرينة تدل عليها. نحو: "استعانة" تقول: استعانة واحدة بأريحي قد تمنع خطرًا داهِمًا. والغالب في اللفظ الآخر أن يكون نعتًا؛ كالمثال السالف.
ب- وإذ أردنا أن ندل على "الهيئة" بمصدر الثلاثي -فوق دلالته على المعنى المجرد- صغناه بالطريقة السالفة على وزن: "فِعْلة"، "بأن نجيء بمصدر الفعل الثلاثي، دون غيره من الأفعال التي ليست ثلاثية ونحذف ما فيه من الحروف الزائدة إن وجدت،" ثم "نزيد في آخره تاء التأنيث"، ثم "نجعله على صورة: "فِعلة" فهذه أمور ثلاثة لا بد من تحققها؛ فنقول في مصادر الثلاثي السالفة: إخذة، قِعْدة، فِرْحة، جِيلة٣ نحو: إخذة القط فريسته مزعجة، قِعْدة الوقور جميلة، فِرْحة العاقل يزينها الاعتدال، جِيلة٣ الرحالة شاهدة برغبته في كشف المجهول. والمعنى: هيئة أخذ القط، وطريقته في الأخذ -هيئة قعود الوقور، وطريقته، وشكل قعوده -هيئة فرح العاقل وصورته في أثناء فرحه -هيئة جولان الرحالة، وشكل جولانه، ومنظره
فإن كانت صيغة المصدر الأصلي موضوعة في أصلها على وزن: "فِعْلة" الخاص "بالهيئة"؛ نحو: عِزة، نِشدة٤، رِخوة٥ وجب
_________________
(١) ١ يجب فتح ما قبل تاء التأنيث هنا وفي كل موضع آخر. ٢ أي: مع هداية: بمعنى أنها تؤدي إليها. "٣، ٣" أصلها: "جولة"، "قلبت الواو الساكنة ياء بعد الكسرة". ٤ نشد للرجل مأربه نشدًا ونِشدة: طلبه وسعى وراءه. ٥ استرخاء.
[ ٣ / ٢٢٨ ]
التصرف بإيجاد ما يضمن الدلالة على "الهيئة"؛ كزيادة بعض الألفاظ للدلالة عليها؛ أو إقامة قرينة -أي قرينة- ترشد إليها، وإلى ما يراد منها من حسن، أو قبح، أو زيادة، أو نقص أو غير هذا من الأوصاف التي يراد وصف المصدر بها، مثل: العِزة الجاهلية تحمل صاحبها على الطغيان. نشدة المآرب بالحكمة كفيلة بإدراكها.
ويلاحظ أن الدلالة على "الهيئة" بالصيغة المباشرة السالفة، إنما تقتصر على مصدر الفعل الثلاثي؛ مع زيادة التاء في آخر هذا المصدر إن لم تكن موجودة؛ فمنهما تتكون الصيغة الدالة بنفسها على المعنى المجرد وعلى "الهيئة" معًا. أما الأفعال التي ليست ثلاثية فلا تصاغ -قياسًا- من مصادرها الأصلية صيغة تدل على "الهيئة"، وإنما يزاد على المصدر الأصلي قرينة، أو لفظ يدل على الوصف المراد، من غير التزام قرينة معينة، أو لفظ معين. فعند إرادة الدلالة على الهيئة من المصادر: تكلُّم، استماع، اندفاع، وأشباهها نقول: التكلم الكثير مدعاة للملل. الاستماع الحسن أمارة العقل الراجح. الاندفاع الطائش مقدمة البلاء العاجل.
ومجمل القول: إذا كان المصدر الأصلي موضوعًا في أصله على وزن: "فِعلة" كعزة"، وأردنا أن يدل على "المرة" وجب تحويله إلى صيغة "فَعلة" فنقول: ثارت في رأسي الجاهلي عَزة أبعدته عما يحسن بالعاقل.
وكذلك إن كان موضوعًا في أصله على وزن: "فَعْلة"؛ كرحمة. وأردنا أن يدل على "الهيئة" فإننا نحوله إلى صيغة: "فِعْلة"؛ فنقول: رِحْمة، مثل: "رِحْمة تداوي، ورِحْمة تجرح"١.
وخلاصة ما سبق:
١- أن الفعل الثلاثي يصاغ بشرطين -مصدره الأصلي الشائع على وزن: "فعلة" للدلالة على أمرين معًا؛ هما: المعنى المجرد، و"المرة".
_________________
(١) ١ هذه حكمة قديمة، معناها أن هيئة الرحمة، والطريقة التي تظهر بها، وتقدم لمستحقها -قد تكون طريقة كريمة تفيده، وتزيل أو تخفف آلامه ومتاعبه. وقد تكون طريقة جافة خشنة تؤلمه" وتجرح شعوره.
[ ٣ / ٢٢٩ ]
ويتوصل إليهما من مصدر غير الثلاثي بزيادة تاء التأنيث على هذا المصدر.
٢- ويصاغ مصدر الثلاثي على وزن "فعلة" للدلالة على أمرين معًا؛ هما: المعنى المجرد، والهيئة. ولا يصاغ المصدر للهيئة مباشرة من غير الثلاثي.
٣- مصدر المرة والهيئة هو مصدر أصلي يحتفظ باسمه، وبخصائصه١ التي عرفناها، وبعمله. إلا أن المصدر الدال على المرة لا يعمل٢.
٤- إذا كانت صيغة المصدر الأصلي موضوعة في أصلها على صورة المصدر الذي نريد أن يدل على المرة أو الهيئة، وجب إدخال تغيير أو زيادة عليها أو المجيء بقرينة تدل على المراد، وتُرشد إلى المرة أو الهيئة، طبقًا للتفصيل الذي سبق ٣.
_________________
(١) ١ ومنها أن يتعلق به شبه الجملة، وأنه مع دلالته على المرة أو الهيئة هو مؤكد لعامله أيضًا -طبقًا لما سبق في رقم ٤ من هامش ص٢٢٥- والتفصيل في باب: "المفعول المطلق" ج٢ م٧٤ ص١٩٩. ٢ راجع إيضاح هذا في رقم ٣ من هامش ص٢١٥، وفي ص٢٢٦ من هذا الجزء. وكذلك في ص٢٠٠ م٧٤ ج٢ "باب المفعول المطلق"؛ حيث قلنا هناك ما نصه: "قد يعمل المبين النوع أحيانًا، كأن يكون مضافًا لفاعله، ناصبًا لمفعوله أو غير ناصب؛ نحوه: تألمت من إيذاء القوي الضعيف. حزنت حزن المريض. وهذا العمل على قلته قياسي". ٣ وفي اسم المرة واسم الهيئة وصياغتهما مصدر الثلاثي يقول ابن مالك في ختام باب: "أبنية المصادر" بيتين سجلناهما هناك في ص٢٠٠. و"فعلة" لمرة كجَلْسهْ و"فعلة" لهيئة؛ كجلسة ويقول في صياغتهما من مصدر غير الثلاثي: في غير ذي الثلاث بـ"التا" المرة وشذ فيه هيئة؛ كالخمرة أي: الدلالة على "المرة" من مصدر غير الثلاثي -تكون بزيادة التاء في آخر المصدر. أما "الهيئة" فلا تجيء منه مباشرة، وشذ مجيئها منه، كقولهم: فلان حسن الخِمْرة، وهي حسنة النقبة: والفعل منهما خماسي، هو: اختمر، بمعنى: لف الرأس بثوب ونحوه. وانتقب بمعنى لبس النقاب، وهو البرقع.
[ ٣ / ٢٣٠ ]
المسألة ١٠١:
ب ١ -المصدر الميمي:
يصاغ من المصدر الأصلي للفعل الثلاثي وغير الثلاثي صيغة قياسية، تلازم الإفراد٢ والتذكير٣، وتؤدي ما يؤديه هذا المصدر الأصلي من الدلالة على المعنى المجرد ومن العمل -كما سيأتي- لكنها تفوقه في قوة الدلالة وتأكيدها٤.
_________________
(١) ١ سبق الكلام على: "أ" في ص١٩٣، وهو وزن المصدر الأصلي، كما سبق الكلام على النوع الثالث؛ وهو: "المصدر الصناعي" في ص١٨٦. ٢ يدل على هذا ما سجله النحاة في باب البدل -كما سيجيء في رقم ٢ من ص٦٧٦. "٣، ٤" وقد وردت هذه الصيغة لبيان السبب، وقال الرضي في شرح الشافية، آخر باب المصدر ما نصه: "يجيء "المفعلة" لسبب الفعل؛ كقوله ﵇: "الولد مبخلة، مجبنة، محزنة" ا. هـ. وقول عنترة العبسي: نبئت عمرًا غيرَ شاكر نعمتي والفكر مخبثة لنفس المنعمِ وقولهم أيضًا: الشكر مبعثة لنفس المفضل. والمفهوم أن هذا المعنى مقصور على السماع. وكذلك صيغته المختومة بالتاء؛ حيث يتشدد غالب النحاة "بغير داعٍ قوي" فيجعلها سماعية، على الرغم من الأمثلة الكثيرة الواردة بالتاء -والتي رآها مؤتمر المجمع اللغوي كافية للقياس عليه، كما سيجيء في٣ ص٢٣٥- مثل: مقالة، مرة، مهلكة، منصبة، مخافة كقول الشاعر: مقالة السوء إلى أهلها أسرع من منحدِر سائلِ وقول الآخر: لا تنم واغتنم مسرة يوم إن تحت التراب نومًا طويلًا وقول دعبل: ألم أقل لك: إن البغي مهلكة والبغي والعجب إفساد لأقوام؟ وقول علي ﵁ فيما ورد منسوبًا له: ليس لواضع المعروف في غير حقه، وعند غير أهله، من الحظ إلا محمدة اللئام، وثناء الأشرار، ومقال الجهال. وقوله أيضًا: الحمد لله المعروف من غير رؤية، الخالق من غير منصبة. وقول الأحنف بن قيس: رب حلم قد تجرعته؛ مخافة ما هو أشد منه.
[ ٣ / ٢٣١ ]
وتسمى هذه الصيغة: المصدر الميمي١. وتعرب -في الأغلب٢- على حسب حاجة الجملة.
١- وللوصول إليها من الفعل الثلاثي غير المضعف٣ نأتي بمصدره القياسي المشهور -مهما كانت صيغته- وندخل عليه من التغيير اللفظي ما يجعله على وزن "مفعل" -بفتح الميم والعين- وهذه هي الصيغة القياسية للمصدر الميمي في جميع حالات٤ الفعل الماضي الثلاثي غير المضعف. ما عدا حالة واحدة٥؛ وهي التي يكون فيها الفعل الماضي الثلاثي صحيح الآخر، معتل الفاء٦ بالواو التي تحذف٧ في مضارعه؛ "لوقوعها بين الفتحة والكسرة؛ مثل: وصل، وصف، وعد، وثب، وجد فإنها أفعال واوية الفاء، ومضارعها مكسور العين، محذوف الواو، وهو: يصل، يصف، يعد، يثب، يجد " وفي هذه الحالة الواحدة تكون على وزن: "مَفْعِل" بكسر العين٨.
_________________
(١) ١ انظر ما يتصل بهذه التسمية في "أ" من ص٢٢٣، وسبق في ص١٨١ الكلام المفصل عن المصدر الأصيل، وعن أصل المشتقات. ٢ البيان في رقم ٦ من هامش ص٢٣٥. ٣ مضعف الثلاثي: ما كانت عينه ولامه من جنس واحد، مثل الفعل: مد، فر، سر ٤ أي: سواء أكان الفعل الثلاثي غير المضعف متعديًا، أم لازمًا، صحيحًا، أم معتلًا، مضموم العين أم مفتوحها أم مكسورها. "إلا حالة واحدة ستُذكَر". ٥ وهناك حالة أخرى يجوز فيها فتح العين وكسرها، وسيجيء الكلام عليها في ملاحظة خاصة ص٢٣٦. ٦ هو: معتل الأول، ويسمى: "مثالًا". وسيجيء في رقم ٤ من هامش الصفحة الآتية أن بعض القبائل يجعل المثال هنا كغيره. ٧ بأن يكون مضارعه مكسور العين؛ فتقع الواو فيه بين الفتحة والكسرة، وهذا يؤدي -في الغالب- إلى حذفها كالأمثلة المعروضة. فلا بد من صيغة: "مَفْعِل" -بكسر العين- من تحقق -ثلاثة شروط، أن يكون الثلاثي معتل "الفاء" بالواو -وأن يكون مضارعة مكسور العين- وأن يكون حرف العلة "الواو" محذوفًا فيه. فإن خلا شرط من الثلاثة فالقياس: "مَفْعَل"؛ كأن يكون صحيح "الفاء"، مثل: كتب، أو يكون معتل الفاء بالياء؛ مثل: "يبس، يقن، يقظ أو يكون معتل الفاء بالواو ولكن مضارعه غير مكسور العين؛ فلا تحذف فيه الواو، قياسًا؛ مثل: وجع يوجع، وحل يوحل، وله، يوله، بمعنى: فقد عقله لحزن أو فرح أو نحوهما. وإن كان معتل الفاء واللام فصيغته: "مَفْعَل" بفتح العين. ٨ مع ملاحظة حالة المضعف التي يجوز فيها فتح العين وكسرها وستأتي.
[ ٣ / ٢٣٢ ]
فمن أمثلة "مَفْعَل" بفتح الميم والعين: ملعب، بمعنى لعب. مسقط؛ بمعنى: سقوط. مصعد، بمعنى: صعود. مأكل؛ بمعنى: أكل. مغنم؛ بمعنى: غنم. مأثم؛ بمعنى: إثم. مخبثة؛ بمعنى: خبث. منطق، بمعنى: نطق. مقدم: بمعنى: قدوم. معاب١؛ بمعنى: عيب. وأفعالها الماضية: لعب، سقط، صعد، أكل، غنم، أثم، خبث، قدم، عاب، يقال: فلان رياضي يحسن مَلْعَب الكرة. سقط البرد، وكان مسقطه عنيفًا. صعدت إلى قمة الجبل مسترشدًا في مصعدي بخيبر. أهلك فلانًا مأكله الحرام ومثل قولهم: ليس في الشر مغنم، ولا لوم على امرئ إلا في مأثم، والكفر مخبثة لنفس المنعم. وقول الشاعر:
لا يملأ الهول صدري قبل مقدمه ولا أضيق به ذرعًا٢ إذا وقعا
وقول الآخر:
أنا الرجل الذي قد عبتموه وما فيه لعياب معاب٣
ومن أمثلة: "مَفْعِل" بكسر العين": موصِل؛ بمعنى: وصول. موصِف، بمعنى؛ وصف. موعِد، بمعنى: وعد و و و فيقال: كان موصِلي للصديق تنفيذًا للموعِد الذي بيننا، وكان موصِفه لمكان التلاقي واضحًا؛ فلم أخطئه أي: كان وصولي للصديق تنفيذًا للوعد الذي بيننا، وكان وصفه٤
فإن كان الثلاثي مضعف العين جاز في مصدره الميمي أن يكون مفتوح العين
_________________
(١) ١ أصلها: "مَعْيَب" -على وزن: مَفْعَل- ثم تناولها التغيير الصرفي الذي انتهى بها إلى: "معاب". "بأن نقلت فتحة الياء إلى الساكن الصحيح قبلها، فهي متحركة بحسب الأصل، وما قبلها متحرك أخيرًا، فتقلب الياء ألفًا". ٢ الذرع: الطاقة والاحتمال. وضاق بالأمر ذرعًا: ضعفت طاقته عن احتماله، ولم يجد منه خلاصًا. ٣ سيعاد البيت لمناسبة أخرى في ص٢٣٦. ٤ بعض القبائل العربية الفصيحة لا يفرق بين معتل الفاء وصحيحها، وإنما يجعل صيغة المصدر الميمي واحدة لجميع أنواع الثلاثي، هي: "مَفْعَل" بفتح الميم والعين. ورأيه -على صحة محاكاته- مخالف لأكثر القبائل التي يشيع العمل برأيها اليوم وقبل اليوم. ومن المستحسن الاكتفاء بمتابعة الأكثرية.
[ ٣ / ٢٣٣ ]
أو مكسورها١ كالمفَِرّ -بفتح الفاء وكسرها- في قولهم: لا ينفع الجاني المفر من قصاص الدنيا، فقصاص الآخرة أشد.
أما ما ورد من الألفاظ المسموعة خارجًا في صياغته على الضابط الموضح في الحالتين السابقتين؛ مخالفًا له -فحكمه: جواز استعماله بالصيغة الواردة، أو إخضاعه للضابط، وتطبيق القاعدة عليه؛ فيصاغ صياغة جديدة على حسب مقتضاها.
٢- وإن كان الماضي غير ثلاثي فمصدره الميمي يصاغ على صورة مضارعه، مع إبدال أول المضارع ميمًا مضمومة، وفتح الحرف الذي قبل آخره إن لم يكن مفتوحًا٢ ففي مثل الأفعال: عرف، تعاون، استفهم يكون المضارع: يعرف، يتعاون، يستفهم. وتكون صيغة المصدر الميمي: معرف، متعاون، مستفهم يقال: "كان معرفك للنظرية العلمية واضحًا، والمتعاون بيننا في فهمها خير وسيلة لتحقيق الغرض، والإجابة على كل مستفهم أنارت غوامض البحث". تريد: "كان تعريفك. والتعاون بيننا والإجابة عن كل استفهام" ومثل قول الشاعر:
ألا إنما النعمى تجازى بمثلها إذا كان مسداها إلى ماجد حرّ
أي: إسداؤها.
وملخص ما سبق من حيث: الصياغة القياسية، والحكم، والدلالة:
١- أن المصدر الميمي للماضي الثلاثي غير المضعف يصاغ دائمًا على وزن "مَفْعَل" -بفتح الميم والعين- إلا إن كان الماضي صحيح الآخر معتل
_________________
(١) ١ صرح بجواز الأمرين صاحب "المصباح المنير" في فصول آخر كتابه -ص٩٦٢: عند الكلام على صوغ المصدر الميمي واسم الزمان والمكان- وساق مثالًا نصه: "فر مفَرًّا ومفِرًّا". ٢ وقد يستتبع هذا تغييرًا صرفيًّا في بعض الحالات؛ كالذي في كلمة: مقام -بضم الميم- في قول الشاعر: وإن مُقام الحر في دار ذلة ليدفع عنه الفقر شر من الفقر ففعلها: "أقام"، والمصدر الميمي منه هو: "مُقْوَم" على وزن: مُفْعَل. ثم ينقلب حرف العلة -الواو- أيضًا "انظر رقم ١ من الهامش السابق".
[ ٣ / ٢٣٤ ]
الأول بالواو التي تحذف عند كسر عين مضارعه، فيجيء مصدره الميمي على "مَفْعِل" بكسر العين١.
أما المصدر الميمي للثلاثي المضعف فيجوز فيه فتح العين وكسرها.
٢- وأن المصدر الميمي لغير الثلاثي يصاغ على صورة مضارعة، مع إبدال الحرف الأول ميمًا مضمومة، مع فتح الحرف الذي قبل آخره٢.
٣- وأن المصدر الميمي يلازم الإفراد٣ والتذكير، ولا تلحقه تاء التأنيث إلا سماعًا في رأي كثير من النحاة. ويخالفهم -بحق- آخرون٤.
والراجح أنه لا يعد من المشتقات، ولكن يصح أن يتعلق به شبه الجملة -كما سبق٥-.
٤- أنه يعرب على حسب حاجة الجملة إليه ما كان منه مسموعًا بالنصب٦.
_________________
(١) ١ هذا هو القياس في الحالتين. أما السماع فقد يجيء بغيرهما؛ كصيغة: "مَفْعَلة" في الحديث الذي سبق في رقم ٣ من هامش ص٢٣١ ونصه: "الولد مبخلة، مجبنة، محزنة" وفي غيره مما ذكرناه. ٢ فهو من مصدر غير الثلاثي كاسم المفعول من غير الثلاثي، وكاسم الزمان والمكان كذلك. والتمييز بينهما يكون بالقرائن التي تعين أحدها. ٣ كما سيجيء في رقم ٢ من ص٦٧٦، لمناسبة هناك. ٤ في الاقتصار على السماع تشدد بغير حجة قوية؛ إذ الأمثلة الفصيحة الواردة بالتاء كثيرة تبيح القياس عليها. وقد عرض مؤتمر المجمع اللغوي "المنعقد بالقاهرة في فبراير سنة ١٩٧١" لهذه المسألة واطلع على عشرات من الكلمات المسموعة بالتاء سجلها في محاضر جلساته، وقد أصدر قرارًا حاسِمًا في جواز إلحاق تاء التأنيث بالمصدر الميمي عامة. انظر ما يتصل بهذا في "أ" من ص٢٢٣. وفي رقم "٣، ٤" من هامش ص٢٣١ بعض الأمثلة المختومة بالتاء. ٥ في رقم "ب" من هامش ص١٨٢. ومع أنه لا يعد من المشتقات يجوز أن يتعلق به شبه الجملة: لما في المصدر الميمي من رائحة الفعل التي تكفي مسوغًا للتعليق. "راجع رقم ١، ٢ من هامش ص٢٥١، ٣٢١". ٦ يقع المصدر الميمي في جميع المواقع الإعرابية المختلفة "فيكون مبتدأ، وخبرًا، وفاعلًا، وإلخ". وهناك ألفاظ مسموعة بالنصب في أكثر أحوالها باعتبارها مفعولًا مطلقًا لفعل محذوف، أو مفعولًا به لفعل محذوف كذلك. ومن الأول قولهم لمن يريد أن يؤدي عملًا: أفعل، وكرامة، ومسرة، أي: وأكرمك كرامة وأسرك مسرة ومن الثاني كلمة: "مرحبًا" تقال للترحيب بالشيء، أي: أنه صادف مكانًا رحبًا، ولقي موطنًا واسعًا. ومنه قول القائل: مرحبا بالخطب يبلوني إذا كانت العلياء فيه السببا وقد سبق تفصيل هذا النوع في ج٢ باب المفعول المطلق م٧٦ ص١٩٢.
[ ٣ / ٢٣٥ ]
٥- ومن حيث العمل فإنه يعمل عمل مصدره١.
٦- أما من حيث الدلالة فيدل على المعنى المجرد -كالمصدر الأصلي- ويمتاز الميمي بقوة دلالته وتأكيدها. ولا يدل على بيان السبب إلا سماعًا.
"ملاحظة": جاء في بعض المراجع اللغوية ما نصه٢:
"إن كان الماضي الثلاثي معتل العين بالياء فالمصدر الميمي مفتوح العين، واسم الزمان والمكان مكسور كالصحيح؛ نحو: مال مَمَالًا، وهذا مَمِيله هذا هو الأكثر. وقد يوضع كل واحد موضع الآخر؛ نحو المَعاش والمَعِيش، والمسار والمسير. قال ابن السكيت: لو فُتِحَا جميعًا في اسم الزمان والمكان، وفي المصدر الميمي، أو كسرا معًا فيهما -أي: في الاسم والمصدر- لجاز، لقول العرب: المعاش والمعيش؛ يريدون بكل واحد: المصدر واسم الزمان والمكان، وكذا المعاب والعيب، قال الشاعر:
أنا الرجل الذي قد عبتموه وما فيه لعياب معاب ٣
_________________
(١) ١ ومن أمثلة إعماله قول الشاعر يخاطب امرأة اسمها "ظلوم": أظلوم، إن مصابكم رجلًا أهدى السلام تحية -ظلم يريد: إن أصابتكم رجلًا أهدى السلام تحية -ظلم. وكلمة: "ظلم" خبر "إن" وقد سبق -في ص٢٢٣- رواية أخرى في البيت، وبيان قائله، وشرحه. وقول الآخر: وأمر تشتهيه النفس حلو تركت مخافةً سوء السماع أي: خوفًا سوء السماع. ٢ المصباح المنير -ص ٩٦٢- من الفصول الأخيرة. ٣ سبق هذا البيت لمناسبة أخرى في ص٢٣٣.
[ ٣ / ٢٣٦ ]
وقول الآخر:
أزمان قومي والجماعة كالذي منع الرحالة أن تميل مميلًا
أي: أن تميل ميلًا. الرحالة: الرحل، والسرج أيضًا. وقال ابن القوطية أيضًا: من العلماء من يجيز الفتح والكسر فيهما؛ مصادر كن أو أسماء زمان ومكان؛ نحو: الممال والمميل، والمبات والمبيت" ا. هـ.
[ ٣ / ٢٣٧ ]
المسألة ١٠٢: اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة
مدخل
المسألة ١٠٢: اسم الفاعل، اسم المفعول، الصفة المشبهة:
تعريف كلٍّ، وصوغُه، وإعمالُه.
اسم الفاعل، تعريفه:
"اسم مشتق، يدل على معنى مجرد، حادث١ وعلى فاعله". فلا بد أن يشتمل على أمرين معًا؛ هما: المعنى المجرد الحادث، وفاعله، مثل كلمة: "زاهد"، وكلمة: "عادل" في قول القائل: "جئني بالنمر الزاهد، أجئك
_________________
(١) ١ أي: عارض، يطرأ ويزول؛ فليس له صفة الثبوت والدوام، ولا ما يشابههما. ويعترض بعض النحاة في التعريف عن كلمتي: "اسم، مشتق" بحجة أنه لا يوجد: "لفظ يدل على معنى مجرد، غير دائم، وعلى فاعله" إلا وهو اسم مشتق. وهذا صحيح. ولكنه ذكرناهما مبالغة في الإيضاح. أما المعنى المجرد أو الحدث المحض فقد بسطنا الكلام فيه في هامش ص١٨١، ٢٠٧، ودلالة اسم الفاعل على هذا المعنى المجرد هي دلالة مطلقة؛ أي: صالحة للقلة والكثرة، إلا إذا وجدت قرينة توجه المعنى لأحدهما وحده -كما سيجيء في الصفحة التالية. وأما المقصود من المشتق فهو: المأخوذ من كلمة أخرى مع تقاربهما لفظًا ومعنى. كما سبق -وفي ص١٨٢ بيان مفصل عن أصل المشتقات وعددها و وأما المعنى الحادث، "أو: غير الدائم، وغير الشبيه بالدائم" فهو الأمر الطارئ الذي يحدث ويزول من غير أن يدوم، أو يطول ثباته وبقاؤه حتى يقارب الدائم، ومن غير أن يشمل الماضي. وقد ارتضى صاحب "التسهيل" تعريفًا آخر لاسم الفاعل لا يخرج -مع طوله- عن التعريف السابق، ولكنه يزيده إيضاحًا. فمن زيادة الفائدة أن نذكره. نقلًا عن حاشية الخضري- قال: "إنه الصفة الدالة على فاعل الحدث، الجارية في مطلق الحركات والسكنات على المضارع من أفعالها في حالتي التذكير والتأنيث -كما سيجيء في ص٣٠٨- المفيدة لمعنى المضارع أو الماضي. فخرج بالدالة على الفاعل، اسم المفعول، وما بمعناه؛ كمحمود، وقتيل. وبالجارية على المضارع الجارية على الماضي؛ كفرح، وغير الجارية على فعل، ككريم، وبالتأنيث نحو: "أهيف"؛ فإنه لا يجري على المضارع إلا في التذكير؛ لأن مؤنثه هيفاء. ولمعناه أو معنى الماضي لإخراج نحو: ضامر الكشح، مما يدل على الاستمرار، ويخرج به أيضًا: أفعل التفضيل؛ لأنه للدوام، كما خرج قبله. "فهذه المخرجات، ما عدا الأول والأخير -وهما اسم المفعول، واسم التفضيل- صفات مشبهة، =
[ ٣ / ٢٣٨ ]
بالمستبد العادل". فكلمة: "زاهد" تدل على أمرين معًا هما: الزهد مطلقًا، والذات التي فعلته أو ينسب إليها، وكذا كلمة: "عادل" تدل على أمرين معًا؛ هما العدل مطلقًا والذات، التي فعلته أو ينسب إليها، ومثلهما كلمتي: "واشٍ" و"سائل" في قول المعري:
أعندي وقد مارست كل خفية يُصدَّق واشٍ١، أو يُخيَّب سائلُ
ودلالة اسم الفاعل على المعنى المجرد الحادث، أغلبية؛ لأنه قد يدل٢ -قليلًا- عن المعنى الدائم، أو شبه الدائم، نحو: دائم، خالد، مستمر، مستديم و ٣
ودلالته على ذلك المعنى المجرد مطلقة "أي: لا تفيد النص على أن المعنى قليل أو كثير " فصيغته الأساسية محتملة لكل واحد منهما٤، إلا أن وجدت قرينه تعين أحدهما دون الآخر.
_________________
(١) = لا اسم فاعل. هذا هو الاصطلاح المشهور. وأما ما يأتي في: "أبنية أسماء الفاعلين" من أنه يطلق عليها اسم الفاعل فباعتبار اصطلاح آخر، وهو مجاز -كما سيأتي. "وإن شئت فقل: اسم الفاعل ما دل على فاعل الحدث، وجرى مجرى الفعل في إفادة الحدوث. فخرج بالأول اسم المفعول، وبالثاني الصفة بجميع أوزانها، وأفعل التفضيل" ا. هـ. واستعمال ذلك الإصلاح شائع قبل "ابن مالك"، ومنه ما جاء في "أمالي القالي" -ج٢ ص١٨٤ ونصه: "قال أبو علي: غمَض وغمُض "بفتح الميم وضمها" فمن قال غمُض بضم الميم، قال في الفاعل: غميض. ومن قال: غمَض بفتح الميم، قال في الفاعل غامض" ا. هـ. فالمراد بالفاعل في الأول: الصفة المشبهة، وفي الثاني: اسم الفاعل. ١ أصلها: واشيٌ، على وزن: فاعل، حذفت الضمة؛ لثقلها على الياء، ثم حذفت الياء؛ لالتقاء الساكنين، طبقًا للبيان الذي سبق عند الكلام على المنقوص ج١ م١٦ ص١٧٣. ٢ شرط هذه الدلالة أن تكون هي المعنى الصريح لصيغته اللفظية، أو أن توجد قرينة أخرى توجه المعنى إلى الدوام وشبهه، مع بقاء اسم الفاعل في الحالتين على صيغته وصورته الخاصة به، وأحكامه النحوية التي تفرَّد بها "انظر الزيادة الآتية في ص٢٤٢". ٣ وكذلك في الحالة التي يصير فيها: "صفة مشبهة" وستأتي في الزيادة ص٢٤٢. ٤ جاء في ص١٣٠ من شرح درة الغواص، ما نصه: "قال ابن بري: إن باب "فاعل" كضارب، وقاتل عام لكل من صدر منه الفعل، قليلًا كان أو كثيرًا؛ فلا يمنع أن يقع "فاعل" موقع "فعال" المختص بالكثير؛ لعمومه. ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ، لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ لا يقتضي أن يكون السائل هنا من قل سؤاله؟ ومثله في صفات الباري: الخالق والخلاق، والرازق والرزاق والمراد بأحدهما ما يراد بالآخر". اهـ، وفي حاشية ياسين على شرح الفاكهي لقطر الندى "ج٢ ص٢١٧ ما نصه: "قال الشاطبي في شرح الألفية: اسم الفاعل دال على الفعل، كثيرًا كان أو قليلًا: فيقال "فاعل" لمن تكرر منه الفعل وكثر، ولمن وقع منه فعل ما فإذا أرادوا أن يشعروا بالكثرة وضعوا لها مثالا دالًّا عليها؛ مثل: فَعُول" ا. هـ ولهذا إشارة في ص٢٥٧ وهامشها.
[ ٣ / ٢٣٩ ]
صوغه ١:
أ- يصاغ من مصدره الماضي الثلاثي، المتصرف، على وزن: "فاعِل"؛ بأن نأتي بهذا
المصدر -مهما كان وزنه- وندخل عليه من التغيير ما يجعله على وزن: "فاعِل". ولا فرق في الماضي بين المتعدي واللازم، ولا بين مفتوح العين، ومكسورها، ومضمومها٢؛ نحو: "فتح، يفتَح، فتحًا؛ فهو: فاتح، قعَد، يقعُد، قعودًا؛ فهو: قاعد، حسب، يحسب، حُسابًا؛ فهو: حاسب. نعم، ينعم، نعمًا؛ فهو: ناعم" كرم، يكرم كرمًا؛ فهو كارم. حسن، يحسن، حسنًا؛ فهو: حاسن"؛ بشرط أن يكون الكرم والحسن أمرين طارئين، لا دائمين٣
_________________
(١) ١ عقد ابن مالك بابًا مستقلا لإعمال اسم الفاعل، وضمنه إعمال اسم المفعول "وسيجيء شرحه في هامش ص٢٥٠". ثم عقد بابًا آخر "سيجيء شرحه أيضًا في هامش ص٢٨٩" لابنيتهما وصيغهما، وأبنية الصفة المشبهة، فاصلًا بينهما بباب آخر؛ هو: "باب أبنية المصادر". وهذا ترتيب ارتضاه لسبب ذكرناه في أول باب "أبنية المصادر" ص١٨١ ولم نقبله هناك، ولا نستحسنه هنا؛ إذ الكلام على الشيء وإعماله لا بد أن يجيء بعد معرفة ذلك الشيء وإدراك كنهه، وهذا يقتضي تقديم الكلام على صيغة وأبنيته أولا. كذلك لا نستحسن عقد بابين مستقلين؛ أحدهما الصيغ والأبنية. والآخر للإعمال والأحكام: لما في هذا من التشعيب والتشتيت من غير مسوغ. ٢ مضموم العين لا يكون إلا لازمًا. "انظر البيان الخاص باللازم في هامش ص٢٨٩". ٣ نص على هذا كثيرون -في باب: أبنية أسماء الفاعلين ؛ منهم "الخضري" و"الصبان"، وصاحب حاشية "التصريح"؛ ومنهم: "صاحب المصباح المنير" في فصل الفعل ودلالته، ودلالة المشتقات، بآخر كتابه، ص٩٤٧ وما بعدها، وكذلك محمد الرازي في كتابه: "غرائب أي التنزيل" المطبوع على هامش كتاب: "إملاء ما من به الرحمن " للعكبري، ص١٣٣ حيث عرض للآية الكريمة: ﴿ضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ وأوضح السبب في التعبير بكلمة: "ضائق" دون "ضيق" بما نصه: "إن ضيق صدر الرسول عارض غير ثابت؛ لأن النبي ﵇ كان أفسح الناس صدرًا. ونظيره قولك: فلان سائد وجائد. فإذا أردت وصفة بالسيادة والجود الثابتين المستقين، قلت: سيد وجواد. كذا قال الزمخشري" ا. هـ. ويقول ابن يعيش في الآية السالفة: ﴿ضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ إنه عدل عن "ضَيِّق" إلى: "ضائق" ليدل على أن هذا الضيق عارض في الحال، غير ثابت ؛ ومثل هذا يقال في كلمة: "فارح" من قول أشجع السلمي يرثي عمرو بن سعيد الباهلي: وما أنا من رزه -وإن جل- جازع ولا بسرور بعد موتك فارح وراجع ما يأتي في ص٢٩٢ حيث البيان والإفصاح.
[ ٣ / ٢٤٠ ]
وكذلك بقية المعاني السابقة، حين يكون المراد النص على حدوث المعنى.
ويجب أن يَتَحقق في صيغة: "فاعل" المذكورة أمران؛ أن يكون ماضيها الثلاثي متصرفًا، وأن يكون معنى مصدره غير دائم؛ لأن الماضي الجامد "مثل: نِعْم، وعسى، وليس " لا يكون له مصدر، ولا اسم فاعل، ولا شيء من المشتقات الأخرى، ولأن المصدر الدال على معنى دائم، أو شبه دائم -لا يُشتق منه ما يدل نصا على الحدوث، وعدم الدوام، وهو: اسم الفاعل. إنما يشتق من ذلك المصدر شيء آخر يدل على الدوام أو شبهه؛ "كالصفة المشبهة"١، ولها صيغ متعددة بتعدد الاعتبارات المختلفة، وأحكام خاصة بها، سنعرفها في بابها٢.
_________________
(١) ١ لها باب خاص يجيء في ص٢٨١. ومثلها اسم التفضيل، فإنه يدل على الدوام، طبقًا للبيان الذي في رقم ١ من هامش ص٢٨٢، ولما سيجيء في بابه ص٣٩٤. ٢ ص٢٨١.
[ ٣ / ٢٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- قلنا: إن صيغة "فاعل" المراد بها: "اسم الفاعل" لا تُشتق إلا من مصدر فعل ماضٍ، ثلاثي، متصرف. ويتساوى في هذا كل أنواع الماضي "الثلاثي المتصرف، المتعدي واللازم، مفتوح العين، ومضمومها، ومكسورها" فلا مكان للتوهم بأن بعض أنواع الماضي الثلاثي المتصرف اللازم لا يصاغ من مصدره اسم الفاعل على صيغة "فاعل" للدلالة على الحدوث نصًّا؛ إذ من أين يجيء التوهم بعد أن قطع الأئمة بالحكم العام السابق، وبقياسية: كرُم الرجل؛ فهو: كارم، بخل فهو: باخل، شرف فهو: شارف، "أي: صار صاحب شرف"، وحسن فهو: حاسن، وغني فهو: غانٍ و وأمثال هذا مما فعله ثلاثي متصرف، لازم، يدل على معنى طارئ غير ثابت، ولا شبيه بالثابت. أمَا إن كان المعنى ليس طارئًا حادثًا وإنما هو دائم أو شبه دائم -فيجب التصرف؛ إما بتغيير صيغة "فاعل" الدالة على الحدوث إلى أخرى دالة على الثبوث أو شبهه؛ كأن نقول: كريم، بخيل، شريف، حسن، غني -"كما سيجيء في باب الصفة المشبهة" وإما بإيجاد قرينة -لفظية أو معنوية - تدل على أن صيغة: "فاعل" لا يراد منها الحدوث؛ وإنما يراد منها الثبوت، ومن القرائن اللفظية: إضافة اسم الفاعل من الثلاثي اللازم إلى فاعله١، نحو: لي صديق، راجح العقل، رابط الجأش، حاضر البديهة والأصل: راجع عقله،
_________________
(١) ١ إضافة اسم الفاعل إلى فاعله تخرجه -حتمًا- من بابه من غير تغيير في صيغته التي هو عليها عند إضافته لفاعله، وتدخله في باب: "الصفة المشبهة"؛ فتسري عليه كل أحكامها المعروضة في بابها "وستجيء الإشارة لهذا في ص٢٥٦، ٢٦٥، ٢٩٢، والبيان الوافي في "د" ص٢٦٥". ونلخصه فيما يأتي: أإن كان فعله لازمًا ثلاثيًّا أو غير ثلاثي فلا يكاد يوجد خلاف في جواز إضافته إلى فاعله عند الرغبة في إبعاده عن باب اسم الفاعل وإدخاله في باب الصفة المشبهة على الوجه السابق لتحقيق الغرض المعنوي الذي تحققه تلك الصفة: ومتى تم إدخاله في باب الصفة المشبهة زال عنه اسمه القديم، وصار اسمه عند فريق من النحاة "الصفة المشبهة"، وعند فريق آخر "الملحق بها"، وهذا الخلاف في التسمية لا أثر له في المعنى ولا في الإعراب =
[ ٣ / ٢٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رابط١ جأشه، حاضرة بديهته. ومنها: أن تكون صيغته اللفظية صريحة الدلالة على الدوام أو شبهه٢.
ومثال القرينة المعنوية قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وقول المؤمن: رباه، آمنت بك، خالقَ الأكوان، لا شريك لك، وخفتك قاهرَ الطغاة لا يعجزك شيء وقول شوقي:
_________________
(١) = والفريقان متفقان على أن صورته الأولى لا تتغير، بالرغم من تغير اسمه. ب- وإن كان فعله متعديًا لأكثر من مفعول به لم يجز إضافته لفاعله. "راجع ما يتمم هذا في رقم ٣ من هامش ص٢٥٦". ج- وإن كان فعله متعديًا لمفعول به واحد فالصحيح جواز إضافة اسم الفاعل إلى فاعله للغرض السالف، وهو إدخاله في باب: "الصفة المشبهة"؛ ليؤدي ما تؤديه، مع بقائه على صورته الأولى. أما المفعول به الذي ينصبه هذا الفعل فالغالب الفصيح حذفه والاستغناء عنه متى وجد اسم الفاعل المضاف لفاعله، والذي انتقل نهائيا إلى باب: "الصفة المشبهة". ويجوز على قلة يباح الأخذ بها أن ينصبه اسم الفاعل الذي صار صفة مشبهة. وإنما ينصبه بشرط أمن اللبس عند ذكره فلا يختلط بغيره، وبشرط تغير اسمه، فلا يسمى "مفعولًا به"، وإنما يسمى: "الشبيه بالمفعول به" كما يقال في إعرابه إنه منصوب؛ لاعتباره "شبيهًا بالمفعول به"؛ كالشأن في إعرابه مع الصفة المشبهة الأصلية. وسبب الاشتراط أن اسم الفاعل في هذه الصورة الجديدة ليس اسم فاعل إلا في الصورة الشكلية والصيغة الظاهرة دون الحقيقة الواقعة، وهي المعنى الذي انتهى إليه، وصار بسببه صفة مشبهة أو ملحقًا بها، والصفة المشبهة وما ألحق بها -كاسم الفاعل في حالته التي نتكلم عنها- لا تنصب المفعول به الأصلي. ولما كان كثير من الأساليب الفصيحة المأثورة، قد ظهر فيها بعد هذه الصفة وملحقاتها مفعول فعلها منصوبًا وهو لا يصلح أن يكون حالًا، ولا تمييزًا، ولا شيئًا آخر من المنصوبات غير المفعول به لجأ النحاة إلى التوفيق بين الدواعي المختلفة؛ لمنع التعارض بينها؛ فأجازوا وقوع المفعول به بعد هذه الصفة المشبهة، بشرط أن يتغير اسمه؛ فيسمى: "الشبيه بالمفعول به" لا مفعولًا به، واشترطوا لوقوعه بعد ملحقاتها أن يسمى أيضًا: "الشبيه بالمفعول به" لا مفعولا به، وألا يؤدي إلى لبس في الحالتين. وقالوا: إن الأفصح بعد ملحقات الصفة المشبهة حذفه؛ مبالغة من أمن اللبس، بالرغم من صحة ذكره، وسيجيء إيضاح آخر لهذا في هامش ص٢٦٤، ٢٦٥. ١ ربط جأشه رِباطة -بالكسر- اشتد قلبه كما في القاموس ا. هـ فالفعل هنا لازم. ٢ طبقًا للبيان السابق في ص٢٣٩.
[ ٣ / ٢٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قف "بروما"١ وشاهد الأمر، واشهد أن للملك مالكًا، سبحانَهْ
فهذه الأوصاف المتصلة بالله، من المُلك٢ والخلق، والقهر ليست طارئة، ولا عارضة، ولا مؤقتة بزمن محدود تنقضي بانقضائه؛ لأن هذا لا يناسب المولى جل شأنه، ومن ثم كانت تلك الصيغ في معناها ودلالتها: "صفات مشبهة" وليست "اسم فاعل"، إلا في الصورة اللفظية، والأحكام النحوية الخاصة به برغم أنهما على صيغة: "فاعل"؛ فهذا الوزن وحده ليس كافيًا في الدلالة على الحدوث أو على الثبوت والدوام؛ فلا بد معه من القرينة التي تعين أحدهما، وتزيل عنه اللبس والاحتمال؛ كي يمكن القطع بعد ذلك بأنه في دلالته المعنوية -لا الشكلية- اسم فاعل، أو صفة مشبهة.
_________________
(١) ١ يسميها العرب القدماء: رومية. ٢ يمعنى التملك.
[ ٣ / ٢٤٤ ]
ب- ويصاغ اسم الفاعل من مصدر الماضي غير الثلاثي بالإتيان بمضارعه، وقلب أول هذا المضارع ميمًا مضمومة، مع كسر الحرف الذي قبل آخره، إن لم يكن مكسورًا من الأصل. فإذا أردنا الوصول إلى اسم الفاعل من الفعل: "قاوم" آتينا بمضارعه، وهو: "يقاوم"، وأجرينا عليه ما سبق؛ فيكون اسم الفاعل هو: "مقاوم"، وفي مثل: يتبين -وهو مضارع للماضي: "تبين"- نقول: متبيِّن نحو: الفريسة مقاوِمة المفترس، والغلب متبيِّن للقوي. وفي مثل: أذل وأعز؛ ومضارعهما يذل ويعز نقول: "مذِلّ" و"معِزّ" كقول عائشة -﵂- في رثاء أبيها: "نضر الله وجهك يا أبت؛ فقد كنت للدنيا مذلًا بإدبارك عنها، وللآخرة معزًا بإقبالك عليها".
ج- مجيء الصيغة من مصدر الفعل غير الثلاثي بالطريقة السالفة لا يكفي -من غير قرينة- للقطع بأنها صيغة "اسم فاعل"؛ فقد يوهمنا مظهرها أنها كذلك، مع أنها في حقيقتها "صفة مشبهة"؛ بسبب دلالتها على معنى ثابت. ومن هذا: الصيغة المضافة إلى فاعلها١ في مثل: "النجم مستدير الشكل، متوقد الجرم؛ مستضيء الوجه. والكوكب مستدير الشكل، منطفئ الجسم، مظلم السطح". والأصل: مستدير شكله، متوقد جرمه، مستضيء وجهه، منطفئ جسمه، مظلم سطحه. وأفعالها هي: "استدار، توقد، استضاء، انطفأ، أظلم و " فقد قامت في الأمثلة السابقة قرينة لفظية، "هي إضافة الصيغة إلى فاعلها على الوجه المشروح" وقرينة معنوية، "هي اليقين الشائع بدوام تلك الأوصاف"، وتدل كل منهما وحدها على أن الصيغة ليست اسم فاعل؛ بالرغم من صورتها الظاهرة. وإذًا لا بد من قرينة تقوم بجانب الصيغة هنا -كما قامت في صيغة "فاعل" المشتق من مصدر الثلاثي؛ لتبعد الوهم، وتحدد النوع؛ أهو اسم فاعل نصًّا، أم صفة مشبهة قطعًا.
د- لا بد من زيادة تاء التأنيث في آخر "اسم الفاعل" للدلالة على
_________________
(١) ١ إيضاح هذا في هامش ص٢٤٢، وما تشير إليه من صفحات أخرى، ولا سيما ص٢٦٥.
[ ٣ / ٢٤٥ ]
تأنيثه، سواء أكان فعله ثلاثيًّا أم غير ثلاثي؛ إلا في المواضع التي يحسن ويكثر ألا تزاد فيها١، ومنها: اسم الفاعل الخاص بالمؤنث؛ كالمرأة مثلًا؛ أي: الخاص بأمر مقصور عليها، يناسب طبيعتها وتكوينها الجسمي؛ فلا يحتاج لعلامة تدل على التأنيث، وتمنع اللبس؛ مثل: الحامل، والمرضع، في نحو: "ولدت الحامل، وصارت مرضعًا"٢.
هـ- كسر الحرف الذي قبل الآخر في اسم الفاعل من مصدر الفعل غير الثلاثي -قد يكون كسرًا ظاهرًا كما في مثل: "متوقِّد، منطفِئ، مظلِم "، وقد يكون مقدرًا كما في مثل: "مستضِيء، مستدير، مختار"؛ فأصلها: مستضْوِئ، مستدْوِر، مختَيِر و فقلبت الواو في الكلمتين الأوليين ياء بعد نقل كسرتها إلى الساكن الصحيح قبلها؛ تطبيقًا لقواعد صرفية في "الإعلال". وكذلك قلبت الياء في "مختير" ألفًا: لوقوعها متحركة بعد فتحة
إعماله:
يجري اسم الفاعل مجرى فعله في العمل، وفي التعدي واللزوم بتفصيلات وشروط تختلف باختلاف حالتي تجرده من: "أل" الموصولة٣ أو اقترانه بها٤.
_________________
(١) ١ هي مدونة في باب: "التأنيث" ج٤ ص٥٤٢ م ١٦٩. ٢ إنما يكون الأحسن والأبلغ حذف تاء التأنيث من كلمة: إذا كانت بمعنى: "حبلى" فيكون الشأن في "حامل" كالشأن في "لابِن، وتامِر" أي: صاحب لبن وتمر. أي: منسوب لهما. أما إن كانت بمعنى التي تحمل شيئًا فوق رأسها أو ظهرها أو نحوهما فلا تحذف التاء. وكذلك تحذف استحسانًا من كلمة: "مرضع" إن أريد بها التي من شأنها وبمقتضى طبيعتها الجسمية أن تكون صالحة للإرضاع، ولو لم تزاوله فعلًا، وكذا المرأة المنسوبة للإرضاع، كالتي تتخذه حرفة، أو تشتهر به. أما التي ترضع الطفل فعلًا بأن تلقمه ثديها فيتناوله بفمه، فهي مرضعة. وسيجيء الإيضاح الكامل لهذا في موضعه المشار إليه من الجزء الرابع. ٣ لأن "أل" الداخلة على المشتقات العاملة هي: الموصولة -غالبًا- كما سيجيء في رقم ١ من هامش ص٢٥٤، وكما سبق عند الكلام على "أل" في باب "الموصول" ج١. وهل هي في الوقت نفسه تفيد التعريف؟ رأيان. ٤ في الصفحة التالية تفصيل الكلام على حالة التجرد "أ" أما حالة الاقتران ففي: "ب" ص٢٥٤.
[ ٣ / ٢٤٦ ]
أ- فإن كان مجردًا منها رفع فاعله بغير شرط إن كان الفاعل ضميرًا مستترًا١ أو ضميرًا بارزًا٢، وعمل كذلك في باقي المعمولات التي ليست فاعلًا ظاهرًا، ولا مفعولًا به.
أما الفاعل الظاهر فلا يرفعه إلا إذا كان اسم الفاعل مستوفيًا للشروط الآتية٣، وفي مقدمتها اعتماده على أحد الأشياء المذكورة هناك. نحو: أقادم صديقنا الآن؟
وأما نصبه المفعول به فلا يجوز إلا بعد استيفائه تلك الشروط، ومنها الاعتماد أيضًا، وأن يكون: بمعنى الحال أو الاستقبال، أو الاستمرار المتجدد٤ الذي يشمل الأزمنة الثلاثة، مثل: "من يكن اليوم مهملًا عمله يجد نفسه غدًا فاقدًا رزقه". ومثل: "ما أعجب الصانع الماهر، مديرًا مصنعه في حزم، مدبرًا أمره في يقظة".
ويقولون في سبب إعماله: إنه جريانه -غالبًا- على مضارعه الذي بمعناه٥، وإن هذه الشروط تقرِّبه من الفعل، وتبعده من الاسمية المحضة
_________________
(١) ١ إذا كان فاعله ضميرًا مستترًا وجب أن يكون ضمير غائب؛ طبقًا للبيان الذي في "ج" من الزيادة ص٢٥٢. ٢ إلا إن كان اسم الفاعل مبتدأ مستغنيا بمرفوعه عن الخبر فالأكثر اعتماده على نفي أو استفهام كالشأن في جميع المشتقات العاملة "وسيجيء هذا في "أ" من ص٢٥٢". ٣ في ص٢٤٩. والاعتماد هنا يختلف عنه في باب: "المبتدأ والخبر" -طبقًا للبيان الآتي في "أ" ص٢٥٢. ٤ الاستمرار التجددي معناه: أن الأمر يحدث ثم ينقطع، ثم يعود ثم ينقطع، وهكذا دواليك، كاستمرار الليل والنهار. وهناك استمرار الدوامي؛ وهو الذي لا انقطاع فيه؛ نحو: مرتفع القامة، واسع الفم "وقد سبقت الإشارة الموضحة لهذا في ص٣٩، وله إشارة أخرى في رقم ٢ من هامش ص٢٨٢". ٥ يريدون: أن اسم الفاعل في هذه الصورة يوافق مضارعه في المعنى، وفي الحدث والتجدد، وفي عدد الحروف، وفي هيئتها؛ "بأن يكون الساكن في أحدهما مقابلا في ترتيبه لساكن في الآخر، وكذلك المتحرك فيهما"، هذا إلى الاشتراك في الحروف الأصلية. خذ مثلًا لذلك اسم الفاعل: "مخبِر" فإنه موافق لمضارعه: "يخبر" في كل ما سبق؛ فمعناهما واحد، وكلاهما أربعة أحرف، ثانيها ساكن وما عداه، تحرك؛ فكل حرف ساكن أو متحرك يماثله في الحركة والسكون نظيره في الترتيب. وكلاهما يشابه الآخر في الحروف الأصلية. ومثله اسم الفاعل: "فاقد" فإنه جارٍ على مضارعه فيما سبق. وهكذا. مسافر ويسافر، ومتدحرج ويتدحرج، ومتعلم ويتعلم، والسبب لسالف مستنبط من الاستعمال العربي الذي هو السبب الأول الأصيل.
[ ٣ / ٢٤٧ ]
ولهذا يمكن أن يحل محله المضارع الذي بمعناه.
فإن لم يكن اسم الفاعل المجرد من "أل" الموصولة مستوفيًا الشروط الآتية -ومنها الاعتماد- لم يرفع فاعلًا ظاهرًا ولم ينصب مفعولًا به. وإن لم يكن بمعنى الحال، أو الاستقبال، أو الاستمرار المتجدد؛ بأن كان بمعنى الماضي المحض، لم ينصب المفعول به إلا بشرطين:
أولها: تحقق الشروط الآتية؛ ولا سيما الاعتماد.
وثانيهما: صحة وقوع مضارعه موقعه من غير فساد المعنى. نحو: "كانت الأمطار أمسِ غاسلةً الأشجارَ، منقيةً مياهُها الهواءَ"؛ إذ يصح: كانت الأمطار أمس تغسل الأشجار وتنقي مياهها الهواء. ولا يصح: هذا حاصدٌ قمحًا أمس؛ إذ لا يقال: هذا يحصد قمحًا أمس.
وأما عمله في شبه الجملة بنوعيه وفي باقي المعمولات الأخرى التي ليست بفاعل ظاهر، ولا بمفعول به منصوب -فلا يشترط فيها شيء؛ لأن الشروط مطلوبة لإعماله في الفاعل الظاهر، والمفعول به المنصوب، كما أسلفنا، وهذا أمر يجب التنبُّه له.
وإنما أهمل اسم الفاعل الذي بمعنى الماضي، فلم ينصب المفعول به مباشرة من غير اشتراط شيء -كما نصب فعله المتعدي- لأنه لا يجري على لفظ الفعل الماضي الذي بمعناه، فهو يشبهه معنى، لا لفظًا؛ ولهذا لا يجوز أن ينصب المفعول به مباشرة عند عدم تحقق الشروط؛ فيجب في هذه الصورة الإضافة، بأن يكون اسم الفاعل مضافًا، ومعموله مضافًا إليه مجرورًا١، ولا يصح تسمية هذا المعمول مفعولًا به، ولا إعرابه كذلك والإضافة في
_________________
(١) ١ انظر رقم ٣ من هامش ص٢٥٥. وملخص ما تقدم: أن اسم الفاعل المجرد من "أل" الموصولة في حالتي مضيِّه وعدم مضيِّه يرفع الفاعل الضمير؛ مستترًا وبارزًا. لكنه لا يرفع الفاعل الظاهر في الحالتين إلا بتحقق الشروط؛ ومنها: الاعتماد، ولا ينصب المفعول به مباشرة -كما ينصبه فعله- إلا إذا كان لغير الماضي، مع استيفائه بقية الشروط الأخرى التالية. فإن كان بمعنى الماضي لم ينصب المفعول به إلا بعد استيفاء تلك الشروط مزيدًا عليها صحة وقوع مضارعه موقعه. أما العمل في بقية المعمولات الأخرى فلا يحتاج لاشتراط شيء، فهو كالفاعل الضمير، سواء أكان اسم الفاعل بمعنى الماضي أم غيره.
[ ٣ / ٢٤٨ ]
هذه الصورة إضافة محضة، لا يجوز فيها وجود "أل" في اسم الفاعل ما دام بمعنى الماضي فقط كما تقدم في باب الاضافة١.
وفيما يلي تلك الشروط التي أشرنا إليها:
١- أن يسبقه شيء يعتمد عليه؛ كالاستفهام المذكور نصًّا، مثل قول الشاعر:
أمنجزٌ أنتمُ وعدًا وثقت به أم اقتفيتم جميعا نهج عرقوبِ؟
أو الاستفهام المقدر في مثل: غافرٌ أخوك الإساءة أم محاسب عليها؟ فإن الأصل: أغافرٌ أخوك ؟ بدليل وجود "أم" المعادلة٢
أو النداء في مثل: يا بانيًا٣ مستقبلك بيمينك ستدرك غايتك. أو النفي٤ في مثل: ما مخلفٌ عهده شريف، وقول الشاعر:
سليمُ دواعي الصدر٥، لا باسطًا أذى ولا مانعًا خيرًا، ولا قائلًا هجرًا٦
أو: أن يقع نعتًا لمنعوت مذكور؛ في مثل: الحسد نار قاتلةٌ صاحبها. أو لمنعوت محذوف لقرينة؛ مثل: كم معذب نفسه في طلب الحرية لبلاده يرى العذاب من أجلها نعيمًا، وكم مبدد ثروته في سبيلها يرى التبديد ذخرًا. أو يقع حالًا في مثل: سحقًا وبعدًا للمال جالبًا الذل والشقاء لصاحبه. أو يقع خبرًا لمبتدأ، أو لناسخ، أو مفعولا لناسخ؛ مثل: هذا منفقٌ مالًا في وجوه البر. اشتهر العربي بأنه حامٍ عشيرته، أحسب الحر موطنًا نفسه على احتمال المشتقات في سبيل حريته، وكنت أزعم المشقة موهنةً عزيمته؛ فإذا هي
_________________
(١) ١ راجع "د" من ص٥ ورقم ٣ من هامش ص١٢. ٢ في ص٥٨٥ -باب العطف- إيضاح الكلام على: "أمْ" وبيان أحكامها. ٣ يرى النحاة في مثل هذه الصورة أن اسم الفاعل المنادى بمنزلة نعت لمنعوت محذوف؛ والتقدير: يا شخصًا بانيًا. فالمسوغ عندهم هو وقوعه نعتًا لا منادى. والخلاف شكلي لا يُلتفت إليه؛ لأنه لا يغير الحكم، ولا أثر له مطلقًا. ٤ ويشمل النفي التقديري الذي في مثل: إنما محسن علي صنيعه؛ لأن معناه: ما محسن على إلا صنيعه، وفي مثل: غير مهمل واجبه عاقل. ٥ دواعي الصدر: الأمور والدوافع التي تحرك القلب. ٦ قولًا رديئًا سيئًا.
[ ٣ / ٢٤٩ ]
أكبر حافز. أعلمتُ الجنودَ القائدَ مضاعفًا الثناء عليهم
٢- ألا يكون مصغرًا، فلا يصح: يقف حويرسٌ زرعًا؛ أي: يقف حارس زرعًا.
٣- ألا يكون له نعت يفصل بينه وبين مفعوله؛ فلا يصح: يقبل راكب مسرعٌ سيارةً. فإن تأخر النعت عن مفعول اسم الفاعل جاز؛ يقبل راكب سيارة مسرع. ويجوز الفصل بالنعت إن كان معمول اسم الفاعل شبه جملة، لا مفعولًا به؛ نحو: "لا تستشر إلا قادرًا، ناصحا، على حل المشكلات، ولا تركن إلى صداقة ساعٍ، طامع، وراء مآربه"؛ والأصل: قادرًا على حل المشكلات، ناصحًا، ساعٍ وراء مآربه، طامع.
٤- ألا يفصل بينه وبين مفعوله فاصل أجنبي "وهو الذي ليس معمولًا لاسم الفاعل، وإنما يكون معمولًا لغيره"؛ فلا يجوز "هذا مكرِّمٌ، واجبها، مؤديةً" والأصل: هذا مكرمٌ مؤديةً واجبها؛ ففصلت كلمة: "واجب" بين اسم الفاعل ومفعوله، مع أنها ليست معمولًا لاسم الفاعل: "مكرم"؛ وهذا لا يصح.
وهناك حالة يصح فيها الفصل بالأجنبي؛ هي: أن يكون الفاصل الأجنبي شبه جملة، أو أن يكون معمول اسم الفاعل شبة جملة، لا مفعول به؛ نحو: الرحيم مساعدٌ، عن النهوض، عاجزًا. ونحو: إن هذا الشاهد ناطقٌ، نافعٌ، بالحق، والأصل: الرحيم مساعد عاجزًا عن النهوض. إن هذا الشاهد ناطق بالحق نافع١.
_________________
(١) ١ فيما سبق يقول ابن مالك في الباب الذي عنوانه: "إعمال اسم الفاعل"؛ وضمنه إعمال اسم المفعول أيضًا: كفعله اسم فاعل في العملِ إن كان عن مضيه بمعزلِ وولي استفهامًا، أو: حرف نِدا أو: نفسًا، أو: جا صفة، أو: مسندًا يقول: اسم الفاعل في العمل -من ناحية التعدي واللزوم- كفعله، بشرط أن يكون بمعزل عن الزمن الماضي، أي: بمكان بعيد عنه. والمراد: أنه لا يكون للزمان الماضي. ويشترط أن يلي =
[ ٣ / ٢٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = استفهامًا "أي: يقع بعد استفهام" أو: بعد حرف نداء، أو: بعد نفي، أو: أن يكون اسم الفاعل صفة "والمراد بها هنا: النعت، والحال". أو مسندًا. والإسناد المقصود يتحقق بكونه خبرا للمبتدأ أو الناسخ، كما يتحقق بكونه مفعولًا لناسخ من النواسخ التي تنصب مفعولين أو أكثر. "والجار والمجرور: "عن مضيه" متعلقان بكلمة: "معزل": فإن اسم المكان فيه رائحة الفعل، برغم أنه مشتق لا يعمل؛ فيجوز أن يتعلق به شبه الجملة، كما في رقم ٥ من هامش ص٢٣٥ وفي رقم ٢ من هامش ص٣٢١، وكما سبق في ج٢ ص٣٤٣ م٨٩ عند الكلام على تعلق شبه الجملة، وراجع الخضري عند كلامه على البيت السالف". هذا ما تضمنه البيتان. وفيهما قصور واضح تداركناه في الشرح. أو يقع نعتًا في المعنى لمنعوت محذوف معروف. وهذا الذي يشير إليه ابن مالك بقوله بعد البيتين السابقين: وقد يكون نعتُ محذوفٍ عرفْ فيستحق العمل الذي وُصِفْ
[ ٣ / ٢٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- يختلف الاعتماد هنا عنه في باب: المبتدأ والخبر؛ فهو هناك مقصور على النفي والاستفهام دون غيرهما -كما أشرنا١- فوجود أحدهما شرط "أغلبي" لكي يرفع الوصف فاعلًا يغني عن الخبر. وقد يمكن الاستغناء عن هذا الشرط هناك. فيرفع الوصف فاعله الذي يستغني به عن الخبر بدون اعتماد على نفي أو استفهام، كما أوضحنا الحكم وتفصيله في موضعه المناسب من باب: المبتدأ والخبر٢.
ب- إذا وقع الوصف "ومنه اسم الفاعل " مبتدأ مستغنيًا بمرفوعه عن الخبر فإنه يحتاج إلى شروط أغلبية٣ أخرى؛ أهمها: ألا يكون مُعرَّفا، ولا مثنى، ولا مجموعًا؛ لأن الوصف -فيما يقولون- بمنزلة الفعل، والفعل لا يعرف، ولا يثنى، ولا يجمع. وتفصيل هذا في مكانه من الباب المشار إليه٤.
ج- إذا رفع اسم الفاعل ضميرًا مستترًا وجب أن يكون مرجع هذا الضمير غائبا٥؛ لأن اسم الفاعل لا يعود ضميره إلا على الغائب؛ ففي مثل: أنا ظانٌّ محمدًا قائمًا -يكون التقدير: أنا رجل ظان فالضمير في: "ظان" تقديره: "هو"، يعود على ذلك المحذوف، ولا يصح تقديره: أنا٦ فقد قال النحاة: إن الضمير قد يختلف مع مرجعه في مثل: "أنا عالم فائدة التعاون، وأنا مؤمن بحميد آثاره، فالضمير في كلمتي: "عالم ومؤمن" مستتر يتحتم أن يكون تقديره: "هو" كما عرفنا. لكن ما مرجعه؟
يجيبون: إن أصل الجملة: أنا رجل عالم فائدة التعاون، وأنا رجل مؤمن بحميد آثاره. فالضمير للغائب، تقديره؛ "هو" عائد هنا على محذوف حتمًا،
_________________
(١) ١ في رقم ٢ من هامش ص٢٤٧. ٢ ج١ ص٣٢٤ م ٢٣. ٣ أي: مراعي فيها أنها الأغلب. ٤ باب: المبتدأ والخبر -ج١ م٣٤. ٥ أي: يجب أن يكون ما يعود عليه هذا الضمير غائبًا. ٦ راجع الخضري ج١ باب "ظنَّ" عند بيت ابن مالك: وخص بالتعليق والإلغاء ما
[ ٣ / ٢٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ولا يصح عودته على الضمير: "أنا" المتقدم، كما لا يصح أن يكون الضمير المستتر تقديره: "أنا"، بدلًا من: "هو" لأن اسم الفاعل لا يعود ضميره إلا على الغائب، وهذا يقتضي أن يكون الضمير المستتر للغالب أيضًا. الظاهر أن هذا الحكم ليس مقصورًا على اسم الفاعل، بل يسري على غيره من المشتقات المحتملة ضميرًا مستترًا؛ فيجب إرجاعه للغائب كذلك.
[ ٣ / ٢٥٣ ]
ب- وإن كان اسم الفاعل مقترنًا "بأل" الموصولة١ فإنه يعمل مطلقًا بغير تقيد بزمن معين٢، ولا بشرط من الشروط السالفة التي منها: الاعتماد، وعدم التصغير و نحو: ما أعجب رائدنا هذا، فهو الناظم أمس قصيدة رائعة، وهو الناطق الآن الحكمة والبيان، وهو المواجه خصمه غدًا بالحجة والبرهان٣ وكقول المتنبي:
القاتل السيف في حسم القتيل به وللسيوف كما للناس آجالُ
بعض أحكام اسم الفاعل العامل:
١- إذا كان اسم الفاعل مستوفيًا شروط إعماله لنصب المفعول به جاز نصب هذا المفعول مباشرة -بشرط أن يكون اسمًا ظاهرًا- وجاز جره باعتباره "مضافًا إليه"، واسم الفاعل هو "المضاف"؛ ففي نحو: ما أنت اليوم مصاحب الغادر -يصح نصب كلمة: "الغادر" باعتبارها مفعولًا به لاسم الفاعل، ويجوز جرها باعتبارها مضافًا إليه. فإذا جاء تابع للمفعول به المنصوب مباشرة وجب في هذا التابع النصب، مراعاة للفظ المتبوع المنصوب، ولا يصح إلا النصب. أما عند جر المتبوع بالإضافة فيجوز في تابعه الأمران، إما مراعاة الأصل السابق وهو النصب؛ لأن المضاف إليه كان مفعولًا به في أصله -وإما مراعاة الأمر الواقع الآن، وهو: الجر. ففي مثل: ما أنت مصاحب الغادر
_________________
(١) ١ لأن: "أل" الداخلة على المشتقات العاملة هي الموصولة، غالبًا، "كما أشرنا في رقم ٣ من هامش ص٢٤٦"، وهل هي في الوقت نفسه معرفة؟ رأيان. "راجع الكلام عليها في ج١ باب الموصول ص٣٢٠ م٢٦". ٢ لأنه مع فاعله سيكون صلة لـ"لأل" الموصولة، فهو بمنزلة الفعل، والفعل يعمل ماضيًا وغير ماضٍ، وكذلك ما كان بمنزلته، وحل محله. والتعليل الصحيح هو استعمال العرب. ٣ وفي المقترن بـ"أل" يقول ابن مالك: وإن يكن صلة "أل" ففي المُضِي وغيره إعماله قد ارتُضِي يريد: أن اسم الفاعل إذا كان مبدوءًا بـ"أل" الموصولة فإنه يعمل في حالتي التعدي واللزوم عمل فعله، من غير تقيد بنوع زمن أو بغيره، فيعمل بغير شرط سواء أكان الزمن ماضيًا أم غير ماضٍ.
[ ٣ / ٢٥٤ ]
والمنافقَ، يتعين نصب المعطوف، وهو كلمة: "المنافق" تبعًا للمعطوف عليه المنصوب؛ وهو كلمة: "الغادر". وفي مثل: ما أنت مصاحب الغادر والمنافق؛ بجر المعطوف عليه، يجوز في المعطوف النصب، ويذكر في إعرابه: أنه منصوب؛ تبعًا لأصل المعطوف عليه، كما يجوز فيه الجر تبعا لحالة المعطوف اللفظية.
ويجوز في مفعول اسم الفاعل أن تدخل عليه لام التقوية١، فتجره، نحو: أنت متقنٌ "العملَ" أو للعمل ونحو قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ ٢، والأصل: فعّال٢ ما يريد.
فإن كان لاسم الفاعل المستوفي الشروطَ مفعولان أو ثلاثة وأضيف إلى واحد منها وجب ترك الباقي مفعولًا به منصوبًا كما كان، نحو: أنا ظانٌّ الجوَّ معتدلًا. أأنت مخبرٌ الصديقَ الزيارةَ قريبةً؟ وفعلهما "ظن" الناصب لمفعولين، و"أخبر" الناصب لثلاثة، فاسم الفاعل المستوفي لشروط نصب المفعول به مماثل لفعله في نصب المفعول به أو المفعولين أو: الثلاثة، وعند إضافته لمفعول به منها يظل الباقي على حاله منصوبا٣.
وقد يضاف اسم الفاعل للخبر؛ لشبهه بالمفعول به، مثل: أنا كائن
_________________
(١) ١ سبق إيضاحها في ج٢ ص٣٤٨ م٩٠ باب: حروف الجر. "٢، ٢" صيغة: "فعّال" هذه إحدى صيغ المبالغة التي هي نوع من اسم الفاعل. وستأتي في ص٢٥٧. ٣ وإذا كان اسم الفاعل غير مستوفٍ لشروط نصب المفعول به -كأن يكون بمعنى الماضي مع خلوه من: "أل"- وكان فعله ناصبًا مفعولين أو ثلاثة وجب في هذه الحالة أن يضاف اسم الفاعل إلى ما يليه مما هو في أصله مفعول به للفعل، ويترك الباقي منصوبًا على حاله. وإن وجد فاعل ظاهر وجب تركه مرفوعًا، "ولا يجوز إضافة اسم الفاعل إلى فاعله إذا بقي اسم الفاعل محتفظًا باسمه وبمعناه سواء أكان فعله لازمًا أم متعديًا؛ "كما سيجيء في الحكم الثاني بالصفحة التالية، والبيان في ص٢٦٥" نحو: هذا معطي محتاجٍ أمس درهمًا. ومُعْلم حامدٍ أمس محمودًا قادمًا. والناصب لهذه المفعولات الباقية على حالها من النصب فعل محذوف إليه اسم الفاعل الحالي الذي لا يعمل. وأجاز بعض النحاة أن يكون الناصب هو اسم الفاعل المذكور؛ لأنه اكتسب بالإضافة شبهًا بالمقرون "بأل" الموصولة، والمقرون "بأل" هذه يعمل، ولو لم يستوفِ الشروط طبقًا لما تقدم؛ كما إذا كان بمعنى الماضي. وهذا رأي فيه تيسير، يحسن الاقتصار عليه؛ لبعده من التكليف. "والحكم السابق تكملة هامة في هامش ص٢٤٣".
[ ٣ / ٢٥٥ ]
أخيك. فإن كان مفعول اسم الفاعل ضميرًا متصلًا وجب جره بالإضافة١ نحو: والدك مكرمك، ولا يجوز إعرابه مفعولًا به إلا في رأي مرجوح.
٢- عرفنا٢ أنه لا يجوز إضافة اسم الفاعل إلى مرفوعه مع احتفاظه باسمه وبقائه اسم فاعل. لكن إن دل على الثبوت، وقامت قرينة تدل على هذا من غير أن تتغير صيغته وصورته اللفظية الظاهرة، صار صفة مشبهة يجري عليه كل أحكامها، ومنها: أن يكون لازمًا ينصب مفعولًا به أصيلًا، وأن تجوز إضافته إلى فاعله٣، وهذا أحد الأحكام التي يختلف فيها اسم الفاعل العامل، والمصدر العامل٤.
_________________
(١) ١ تطبيقًا لقاعدة وصل الضمير التي مرت تفصيلاتها في "ج١ ص١٨١ م٢٠". فإن كان الضمير معمولًا لوصف يعرب -غالبًا- صلة "أل"، وهذا الوصف للمثنى أو لجمع المذكر السالم وملحقاتهما؛ نحو: والداك المكرماك. أهلك المكرموك و فالأحسن -عند حذف نون التثنية والجمع- اعتبار الضمير "مضافًا إليه" "كما سبق البيان في باب الإضافة، ص١٠" ونقلنا: أن بعض النحاة يجيز اعتبار الضمير مفعولًا به للوصف، "وهو هناك أم فاعل"، والنون محذوفة للتخفيف لا للإضافة. وقلنا إن الخير في الاقتصار على الإعراب الأول؛ منعًا للإلباس والغموض المنافيان للغرض الأصيل من اللغة، كما قلنا إن هذه النون قد تحذف في حالات أخرى، "عرضناها في ج١ م١١ ص١٤٢، وتشمل حالة في باب "لا" النافية للجنس. ط١ م٥٦ هامش ص٦٢٩". ٢ في هامش ص٢٤٢. والتفصيل في "د" من ص٢٦٥. ٣ لهذا إيضاح وتفصيل هامَّان، سجلناهما في هامش ص٢٤٢ وفي ص٢٦٥. ٤ قال شارح المفصل "ج١ ص٦٢" -بتصرف- الفرق بين المصدر العامل واسم الفاعل العامل من وجوه أشهرها خمسة: "أولها": أن "أل" في المصدر مقصورة على التعريف غالبًا، ولكنها في اسم الفاعل للتعريف، وهي اسم موصول في الوقت نفسه؛ وهذا رأي شارح المفصل ويخالفه آخرون "راجع ج١ ص٢٥١ م ٢٦ باب الموصول". "ثانيها": أن المصدر العامل يضاف إلى فاعله حينًا، وإلى مفعوله حينًا آخر، ولكن اسم الفاعل لا يضاف لفاعله، إلا إذا ترك اسمه، وصار نوعًا من الصفة المشبهة -كما سبق، في هامش ص٣٤٢. "ثالثها": أن المصدر يعمل في الأزمنة الثلاثة. أما اسم الفاعل فلا يعمل إلا في الحال أو في المستقبل بشروط، وقد يعمل في غيرهما، ولكن بشروط أيضًا. - طبقًا للتفصيل الذي سبق في إعماله، ص٢٤٦. "رابعها": أن المصدر لا يتقدم عليه شيء من معمولاته "إلا شبه الجملة بالإيضاح الذي =
[ ٣ / ٢٥٦ ]
٣- جميع ما تقدم من الأحكام، والشروط، والتفصيلات الخاصة باسم الفاعل المفرد تسري باطراد عليه إذا صار مثنى١ لمذكر أو مؤنث، أو جمعًا لمذكر أو مؤنث سالمين، أو جمع تكسير. فلا فرق بين مفرده ومثناه وجمعه في شيء مما سبق١ خاصًّا بإعماله، أو عدم إعماله، مقترنا "بأل" أو غير مقترن بها.
صيغة المبالغة: "تكوينها، والغرض منها"
٤- يجوز تحويل صيغة. "فاعل" -وهي صيغة: "اسم الفاعل" الأصلي من مصدر الفعل الثلاثي المتصرف- إلى صيغة أخرى تفيد من الكثرة والمبالغة الصريحة في معنى فعلها الثلاثي الأصلي ما لا تفيده إفادة صريحة صيغة: "فاعل"٢ السالفة، مثال هذا أن نتحدث عن شخص يزرع الفاكهة، فنقول: فلان زارعٌ فاكهة. فإذا أردنا أن نبين في صراحة لاحتمال معها، كثرة زراعته الفاكهة، ونبالغ في وصفه بهذا المعنى -نقول: فلان زرَّاعٌ فاكهة مثلًا. فكلمة: "زرَّاع" تفيد من كثرة زراعته، ومن المبالغة في مزاولة الزراعة ما تفيده كلمة: "زارع" مع أن الكلمتين من فعل ثلاثي واحد؛ هو: "زرع"، وكلتاهما تدل على أمرين؛ معنى مجرد؛ هو: "الزرع" وذاتٌ فعلته. ولكنهما تختلفان بعد ذلك في درجة الدلالة على المعنى المجرد، "أي: في
_________________
(١) = تقدم في رقم ٤ من ص٢١٥" أما اسم الفاعل المقرون بـ"أل" فلا يتقدم عليه إلا شبه الجملة، وأما غير المقرون بها فيجوز أن يتقدم عليه الجملة وغيره. "إلا في بعض حالات تجيء في ص٢٦٣ أ". "خامسها": أن اسم الفاعل يتحمل الضمير؛ لأنه جارٍ على فعله، والفعل يتحمل الضمير، أما المصدر الذي لا ينوب عن فعله فلا يتحمل الضمير، والفاعل معه يكون ملاحظًا في النية، مقدرًا غير مستتر فيه "ويرى بعض النحاة أنه مستتر فيه". هذا ملخص ما جاء في المرجع السالف بتصرف قليل يقتضيه التحقيق. "١، ١" وهذا إذا صح تثنيته وجمعه؛ فهناك حالات يغلب عليه فيها أن يلتزم الإفراد والتنكير وقد أشرنا إلى بعضها في: "ب" من ص٢٥٢. "ومنها: أن يكون مبتدأ مستغنيًا بمرفوعه عن الخبر، على الوجه المشروح في ج١ ص٣٢٤ م٢٣". ٢ لأن صيغة اسم الفاعل الأساسية مطلقة. "أي: لا تدل بذاتها على قلة أو كثرة" فهي صالحة للأمرين، ما لم تقم قرينة تعين أحدهما دون الآخر وقد سبق البيان الكامل في ص٢٣٩ وفي هامشها رقم ٤.
[ ٣ / ٢٥٧ ]
مقدار قلته، وكثرته، وضعفه، وقوته"؛ فصيغة: "فاعل" التي هي وزن "اسم الفاعل" من الثلاثي لا تدل وحدها على شيء من ذلك إلا من طريق الاحتمال، ولا تدل دلالة صريحة خالية من هذا الاحتمال، على قوة، ولا ضعف، ولا كثرة، ولا قلة في المعنى المجرد؛ فكلمة "زراع" لا تدل بلفظها -بغير قرينة أخرى- على أكثر من ذات متصفة بأنها تفعل الزراعة. وليس في صيغة الكلمة دليل صريح على أن تلك الذات تفعل الزراعة قليلًا أو كثيرًا بخلاف صيغة "فعّال" مثلًا؛ فإنها تدل بنصها وصيغتها الصريحة على الكثرة والمبالغة في ذلك الفعل، أي: في المعنى المجرد. ولهذا تسمى: "صيغة مبالغة"، ومن ثَمَّ كان الذي يستخدم صيغة "فاعل" يرمي إلى بيان أمرين: "المعنى المجرد مطلقا، وصاحبه"، دون اهتمام ببيان درجة المعنى؛ قوة وضعفًا، وكثرة وقلة. بخلاف الذي يستخدم "صيغة المبالغة"؛ فإنه يقصد إلى الأمرين مزيدًا عليهما بيان الدرجة١، كثرةً وقوةً.
وما قيل في: "زارعٌ فاكهة وزرّاعٌ فاكهة" يقال في: ناظمٌ شعرًا، ونظّامٌ شِعرًا. صانعٌ خبزًا، وصنّاع خيرًا. قائلٌ الصدق، وقوّالٌ الصدق وهكذا يمكن تحويل صيغة "فاعل" الدالة على اسم الفاعل من الثلاثي المتصرف إلى صيغة: "فعّال" أو غيرها من الصيغ المعروفة باسم: "صيغ المبالغة".
وأشهر أوزانها خمسة قياسية؛ هي:
"فعّال"٢؛ نحو: ما أعظم الصديق إذا كان غير قوّال سوءًا. ولا فعّال إساءة، وقول الشاعر:
وإني لقوّال لِذِي البثِّ٣ مرحبا وأهلا إذا ما جاء من غير مَرْصَد٤
و"مِفعال"٥، نحو: الطائر مِحذار صائده، مِخواف أعداءه.
_________________
(١) ١ ولهذا لا تصاغ من مصدر فعل لا يقبل الزيادة والتفاوت؛ طبقًا للبيان الذي في: "هـ من ص٢٦٩، وانظر الملاحظة الآتية في ص٢٦٢. ٢ قد تكون صيغة: "فعّال" للنسب أحيانًا، طبقًا للبيان الآتي في "و" من ص٢٦٩. ٣ الحزن. ٤ ميعاد. ٥ هذه الصيغة مشتركة بين صيغ المبالغة واسم الآلة الذي سيجيء الكلام عليه في باب خاص ص٣٣٣ م١٠٧ فهي صيغة مشتركة في البابين. والتفريق بينهما يكون خاضعًا للقرائن.
[ ٣ / ٢٥٨ ]
و"فعول"؛ نحو: البارُّ وَصُول أهله. وقول الشاعر يخاطب سيدًا كريمًا:
ضَرُوب بنصل السيف سُوق سِمَانها١ إذا عدموا زادًا فإنك عاقر
وقول الآخر يفتخر:
إذا مات منا سيد قام سيد قَُئول٢ بما قال الكرام فَعُولُ٣
ومثل:
ذريني؛ فإن البخل يا أم مالك لصالح أخلاق الرجال سَرُوقُ
و"فَعِيل"؛ نحو: أقدُرُ٤ من يكون سَمِيعًا خَيْرًا، نَصِيرًا عدلًا٥.
وقول الشاعر:
فتاتان: أما منهما فشَبِيهة هلالًا، وأخرى منهما تشبه البدرا
و"فَعِل"؛ نحو: يسوءنا أن نرى جاهلًا مَزِقًا أوراقه، راميًا بها في الطريق. وقول الشاعر:
حَذِرٌ أمورًا لا تضير، وآمن ما ليس ينجيه من الأقدار
هذه هي الصيغ الخمس القياسية. وهناك بعض صيغ قليلة مقصورة على السماع عند أكثر القدماء؛ أشهرها من الفعل الماضي الثلاثي: "فِعِّيل"٦.
_________________
(١) ١ الضمير عائد على الإبل ونحوها مما يُعقَر؛ ليُشوَى، أو يُطبَخ فيؤكل. ٢ كثير القول. ٣ كثير الفعل. ٤ أعظِّم. ٥ متى تزاد تاء التأنيث على صيغة "فعيل" ومتى لا تزاد؟ لهذا بيان مفيد يجيء في ج٤ باب "التأنيث" م١٦٩. ٦ يخالف هذه الأكثرية في رأيها فريق آخر، منهم: "ابن قتيبة" في كتابه: "أدب الكاتب، باب: اختلاف الأبنية في الحرف الواحد؛ لاختلاف المعاني" حيث يقول ما نصه: "ما كان على "فِعِّيل" فهو مكسور الأول، لا يفتح منه شيء، وهو لمن دام منه الفعل؛ نحو: رجل سِكِّير، كثير السكر، وخِمِّير، كثير الشرب الخمر، وفِخِّير كثير الفخر. وعِشِّيق كثير العشق. وسِكِّيت دائم السكوت. وضِلِّيل، وصِرِّيع، وظِلِّيم، ومثل ذلك كثير. ولا يقال ذلك لمن فعل الشيء مرة أو مرتين حتى يكثر منه، ويكون له عادة" ا. هـ. فهو يقرر أن صيغة: "فِعِّيل" كثيرة في المبالغة، وإذا ثبتت كثرتها كان القياس عليها جائزًا. وقد جعل المجمع القاهري هذه الصيغة قياسية، وليست مقصورة على السماع، كما يرى النحاة الأقدمون. ونص قراره "كما جاء في الصفحة التاسعة، من تقرير لجنة الأصول المرفوع إلى المؤتمر اللغوي الذي انعقد في آخر يناير سنة ١٩٦٧ فوافق عليه" هو: "في اللغة ألفاظ على صيغة "فِعِّيل" من مصدر الفعل الثلاثي اللازم والمتعدي للدلالة على المبالغة. وكثرتها تسمح بالقول بقياسيتها، ومن ثم يجوز أن يصاغ من مصدر الفعل الثلاثي -لازمًا أو متعديًا- لفظ على صيغة "فِعِّيل" -بكسر الفاء وتشديد العين- لإفادة المبالغة" ا. هـ. وقد ذكر هذا القرار مرة أخرى ومعه بعض البحوث والمذكرات العلمية التي اعتمد عليها المجمع ومؤتمره في ص٣٤ من الكتاب الذي أصدره المجمع سنة ١٩٦٩ باسم: "كتاب في أصول اللغة" مشتملًا على القرارات من دورة ٢٩ إلى ٣٤.
[ ٣ / ٢٥٩ ]
و"مِفْعَل"؛ نحو: إنه شِرِّيب أهوال، ومِسْعَر١ حروب. وفعلهما الثلاثي؛ شرب، وسعر. ومن غير الثلاثي: دَرَّاك، سَآَّر، معوان٢، مهوان، نذير، سميع، زهوق، وأفعالها الشائعة: أدرك. أسأر "بمعنى: ترك في الكأس بقية" أعان، أهان، أنذر، أسمع، أزهق.
أحكامها: لصيغ المبالغة القياسية أحكام؛ أهمها:
أ- أنها لا تصاغ إلا من مصدر فعل ثلاثي، متصرف، متعدٍّ، ما عدا صيغة: "فعَّال" فإنها تصاغ من مصدر الفعل الثلاثي اللازم٣ والمتعدي؛ كقوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ ٤ مَهِينٍ ٥، هَمَّازٍ ٦ مَشَّاءٍ ٧ بِنَمِيمٍ ٨، مَنَّاعٍ ٩ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾، وقولهم: فلان بسَّام الثغر، ضحَّاك السن، وقول الشاعر:
_________________
(١) ١ مسعر حرب: من يكثر إشعالها، وإيقاد نيرانها. ٢ ومنه قول شاعرهم: وكن على الخير معوانًا لذي أمل يرجو نداك؛ فإن الحر معوان ومثله "متلاف" "من أتلف" في قول أبي فراس الحمداني: ٣ يرى بعض اللغويين أن المسموع كثير من صيغة "فعال" المشتقة من مصدر الفعل الثلاثي اللازم للدلالة على المبالغة؛ ولذا يجيز -لشدة الحاجة إليها- اشتقاقها من مصدر الثلاثي اللازم أيضًا، ومنه الآية التالية. وهو رأي حسن ارتضاه المجمع اللغوي، وسجله في مجلته ج٣ ص١٤، ١٥. وفي المراجع اللغوية صيغ متنوعة مسموعة -غير صيغة "فعال"- لم تستوفِ شروط الصياغة، فيجب الوقوف عليها فيما عند حد السماع. ومن أمثلتها "ضحوك وعبوس" في قول شاعرهم: ضحوك السن إن نطقوا بخير وعند الشر مطراق عبوس فقد صاغ من الثلاثي اللازم كلمتي: "ضحوك وعبوس" مع أن فعلهما لازم، كما صاغ كلمة "مطراق" مع أن فعلها الشائع رباعي؛ هو: أطرق، بمعنى: سكت، ونظر إلى الأرض. وسيعاد البيت في ص٢٦٦ لمناسبة هناك. ومثل: "بشوش" في قول عنترة: ألقى صدور الخيل وهي عوابس وأنا ضحوك نحوها وبشوش ٤ كثير الحلف. ٥ حقير دنيء. ٦ كثير الهمز "أي: كثير الطعن والضرب، والإيذاء". "٧، ٨" كثير المشي بالنميمة "وهي: السعي بين الناس بالإفساد". ٧ كثير المنع
[ ٣ / ٢٦٠ ]
وإني لصبَّار على ما ينوبني وحسبك أن الله أثنى على الصبرِ
ولست بنظَّار إلى جانب الغنى إذا كانت العلياء في جانب الفقرِ
ب- وأنها لا تجري على حركات مضارعها وسكناته، بالرغم من اشتمالها على حروفه الأصلية، ولهذا كانت محمولة في عملها على اسم الفاعل لا على فعله.
ج- وأنها -في غير الأمرين السالفين- خاضعة لجميع الأحكام التي يخضع لها اسم الفاعل بنوعيه المجرد من: "أل" والمقرون بها، فلا اختلاف بينهما إلا في الأمرين المتقدمين، وكذلك في شكل الصيغة، وفي أن صيغة المبالغة بنصها الصريح أكثر مبالغة، وأقوى دلالة في معنى الفعل١ من صيغة اسم الفاعل المطلقة، وما عدا هذا فلا اختلاف بينهما في سريان الأحكام والشروط وسائر التفصيلات التي سبق الكلام عليها في اسم الفاعل٢.
_________________
(١) ١ وهو المعنى المجرد. ٢ في الأحكام المتعددة السالفة يقول ابن مالك أبياتًا نذكرها بترتيبها في "ألفيته"، وإن لم نلتزم ترتيبه في عرض مسائلها، وشرحها؛ إذ اخترنا ترتيبًا آخر يصل المسائل المرتبطة بعضها ببعض. قال في صيغ لمبالغة: فعالٌ، أو مِفعالٌ، أو فعولُ في كثرة عن "فاعل" بديلُ فيستحق ما لَه من عملِ وفي "فعيل" قلَّ "ذا" و"فَعِلِ" يريد: أن. صيغة فعال، ومفعال، وفعول، تغني -عند إرادة الكثرة- عن صيغة "فاعل" وأنها تذكر من أجل ذلك بدلًا من صيغة فاعل، وكل واحد من هذه الألفاظ يستحق ما يستحقه "فاعل" من العمل عند استيفاء الشروط. ثم بين أن استعمال صيغتي: "فعيل" و"فعل" قليل في المبالغة. ثم انتقل إلى تسجيل قاعدة أخرى؛ هي: أن اسم الفاعل -ومثله صيغ المبالغة- لا تتغير أحكامه إن كان غير مفرد؛ فالأحكام السابقة كلها مطردة في المفرد وغير المفرد، إلا بعض حالات وكلاهما سواء في الخضوع لتلك الأحكام والتفصيلات التي سبق بيانها عند الكلام على اسم الفاعل المفد، وشروط إعماله مقترنًا وغير مقترن إلى غير ذلك من سائر القواعد التي سلفت. قال في هذا: وما سوى المفرد مثله جعلْ في الحكم والشروط حيثما عملْ ثم تعرض لاسم الفاعل العامل الناصب مصرحًا بجواز نصب مفعوله، أو جره مضافًا إليه فإن =
[ ٣ / ٢٦١ ]
ملاحظة: ورد في المسموع الذي لا يقاس عليه بعض صيغ المبالغة خاليًا من معنى: "المبالغة"، مقتصرًا في دلالته المعنوية على المعنى المجرد الذي لا مبالغة فيه؛ فهو يدل على ما يدل عليه اسم فاعله الخالي من تلك المبالغة المعنوية: مثل كلمة: "ظلوم" في قول الشاعر:
وكل جمال للزوال مآله وكل ظَلُوم سوف يلبى بظالمِ
فإنها ليست للمبالغة؛ إذ المقام هنا يقتضي أن يكون المراد من لفظ: "ظلوم" هو: "ظالم" وليس كثير الظلم؛ لأن كلا من الاثنين سيلقى ظالمًا. من غير أن يتوقف هذا اللقاء إلا على مجرد وقوع الظلم من أحدهما، دون نظر لقلة الظلم أو كثرته١.
_________________
(١) = نصب أكثر من مفعول جاز جر واحد ووجب نصب الباقي، قال: وانصب بذي الإعمال تلوًا، واخفضٍ وهو لنصب ما سواه مقتضي "ذي الإعمال": صاحب الإعمال، أي: المستوفي شروط العمل، وهو اسم الفاعل. "تلوًا": تاليًا -أي: المفعول به الذي يتلوه". وبيَّن بعد ذلك أن الاسم المجرور على الوجه السالف يجوز فيه الجر، ويجوز فيه النصب: واجررْ أوانصب تابع الذي انخفضْ كمبتغي جاهٍ ومالًا من نهضْ والأصل: من نهض مبتغي جاهٍ ومالًا. فعطف كلمة: "مالا" على كلمة: "جاه" المجرورة بالإضافة، ولكنها منصوبة باعتبارها مفعولًا به لاسم الفاعل في الأصل قبل الإضافة. ١ ينطبق هذا على كلمة: "فخور" في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ فليس المراد هنا كثرة الفخر؛ لأن الله يكره صاحب الفخر مطلقًا؛ بغير نظر إلى كثرة فخره أو قلته.
[ ٣ / ٢٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- إذا كان اسم الفاعل -ومثله صيغ المبالغة- مقرونًا بـ"أل" لم يجز تقديم شيء من معمولاته عليه إلا شبه الجملة. لأن "أل" الداخلة عليه موصولة، واسم الفاعل مع فاعله بمنزلة الصلة لها؛ والصلة لا تتقدم هي ولا شيء منها ولا من معمولاتها على الموصول؛ إلا شبه الجملة١؛ لأنه محل التساهل؛ فيصح أن يقال: أنا لك المرافق، ومعك الدائب، أي: أنا المرافق لك، الدائب معك.
أما إن كان مجردًا منها فيجوز تقديم المعمول: مفعولًا كان أو غير مفعول٢ إلا في بعض حالات، فمثال التقديم الجائز: الحديقة، عطرًا، فواحة، والأصل: الحديقة فواحة عطرًا.
ومن الحالات التي لا يجوز فيها التقديم أن يكون اسم الفاعل مجرورًا بالإضافة، أو بحرف جر أصلي، نحو: يروقني رسم مصور طيورًا، ألا تغضب من معذب الحيوان؟ فلا يجوز: يروقني -طيورًا- رسم مصور. ألا تغضب، الحيوان، من معذب، بخلاف المجرور بحرف جر زائد؛ فيجوز أن يتقدم عليه معموله؛ نحو: ما العزيز، الهوان يقابل، والأصل: ما العزيز يقابل الهوان.
وأجاز قوم تقديم المعمول إن كان اسم الفاعل: "مضافًا إليه"، و"المضاف" كلمة: "غير" أو: "حق"، أو: "جد" أو: مثل، أو: أول، نحو: "المنافق، الوعد، غير منجز". "هذا، الأعداء، حق قاهر، أو: جد قاهر"، والأصل: المنافق غير منجز الوعد. هذا حق قاهر الأعداء، أو: جد قاهر الأعداء. "شاعرنا، درًا، مثل ناظم"، "العرب، ضيفًا، أول ناصر". وهذا الرأي حسن؛ لما فيه من تيسير، وأحسن منه براعة استخدامه في أنسب الأساليب له، وأليق المواقف.
_________________
(١) ١ راجع ج١ ص٢٧٦ م٢٧ وسبقت الإشارة للسبب في رقم ١ من هامش ٢١٦. ٢ راجع هامش ص٢٥٦ الوجه الرابع.
[ ٣ / ٢٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يجوز أيضًا تقديم معموله على مبتدأ يكون اسم الفاعل خبرًا له، نحو: الضيوف أنت مصافح. والأصل: أنت مصافح الضيوف.
ب- يجوز إعمال اسم الفاعل -أحيانا- وهو محذوف؛ مثل: أعليًّا أنت مساعده؟ فقد اشتغل اسم الفاعل المذكور بضمير الاسم السابق، واستغنى بنصبه عن نصب الاسم السابق، فلم يبق إلا أن يكون الناصب للاسم السابق عاملًا آخر، محذوفًا، يفسره المذكور على الوجه المعروف في باب: "الاشتغال"١ والتقدير: أمساعد عليًّا أنت مساعده؟ ومثله أيضًا: أعليًّا أنت مساعد أخاه، والتقدير: أمساعد عليًّا أنت مساعد أخاه. ومثله في كل ما سبق صيغ المبالغة.
ج- عرفنا أن اسم الفاعل يدل -غالبًا- هو وصيغ المبالغة، على الحدوث وعدم الدوام، وعرفنا طريقة صوغه.
لكن قد يراد منه النص على الثبوت والدوام مع قيام قرينة تدل على هذا، فيصير صفة مشبهة٢. ويسمى باسمها -بالرغم من بقائه على صورته الأصلية٣؛ ويجري عليه أحكام الصفة المشبهة؛ فيجوز في السببي٤ بعده إن كان معرفة:
_________________
(١) ١ في هذا المثال -وأشباهه- نجد الاسم السابق منصوبًا مع أن الضمير الراجع إليه مجرور. لكنه مجرور في حكم المنصوب؛ لأن كلمة: "مساعد" في حكم الفعل، وتنوينها ملحوظ وإن لم يكن ملفوظًا؛ فالضمير هنا كالضمير في مثل: أعليا مررت به؛ مجرور وهو في الحكم منصوب. كما سبق في باب الاشتغال ج١ "راجع شرح المفصل ج٦ ص٦٩". ٢ سيجيء في ٢٨١ م١٠٤ باب خاص بها يتضمن تعريفها، وتفصيل أحكامها، والتغيير في دلالة اسم الفاعل والصفة المشبهة. ٣ كما سبق في ص٢٤٣، ٢٥٦، ويجيء في ص٢٩٢. ٤ لا بد لكل اسم مشتق عامل من صاحب يقوم به معنى المشتق، مثل: محمد عالم. علي محسن. الجو معتدل؛ فالكلمات: محمد، علي، الجو: هي الصاحب الأصيل الذي قام به معنى المشتق قيامًا مباشرًا متصلًا بذاته، وقد يقوم المعنى بشيء آخر يتصل بالصاحب الأصيل بنوع اتصال، ويرتبط به من بعض النواحي؛ كأن نقول: محمد عالم أبوه، علي محسن أخوه، الجو معتدل حرارته، فالأب والأخ والحرارة و ليست الصاحب الأصيل للوصف المشتق؛ وإما ترتبط معه برابط يجمع بينهما؛ كالأبوة، والأخوة، والتبعية في أمر ما. هذا الرابط يسمى: "السببي" ولا بد فيه من ضمير يعود على الأصل. وقد تقوم "أل" خلفًا عن الضمير في مذهب الكوفيين -كما سيجيء في ص٢٦٨ وفي رقم ٤ من هامش ص٢٧٧ وفي رقم ٣ من هامش ص٣١٠- وقد اشترطوا وجوب السببية في مرفوع اسم الفاعل إذا جرى اسم الفاعل على موصوف؛ نحو: الرجل صادق أبوه، -كما سيجيء في هامش ص٣١٠-
[ ٣ / ٢٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الرفع والنصب والجر، نحو: هذا عابد طائع، مرتفع الجبهة، طاهر القلب، ناصعٌ صفحة؛ فيجوز في السببي هنا؛ "وهو: الجبهة، القلب، صفحة" الرفع على أنه فاعل للصفة المشبهة. والجر على اعتباره مضافًا إليه، والنصب على أنه شبيه بالمفعول به وليس مفعولا به١.
فإن كان السببي نكرة -جاز نصبه على أنه تمييز، أو على أنه شبيه بالمفعول به. ومقتضى ما سبق أن السببي المعرفة والنكرة يجوز فيه دائمًا الرفع على الفاعلية، والجر على الإضافة٢؛ كما يجوز فيه النصب أيضًا؛ ولكن المنصوب في حالة التعريف يعرب شبيهًا بالمفعول به، وفي حالة التنكير يعرب شبيهًا بالمفعول به، أو: تمييزًا.
د- لا يجوز إضافة اسم الفاعل إلى مرفوعه "سواء أكان فعله ثلاثيًا أم غير ثلاثي، لازمًا أم متعديًا" إلا إذا أريد منه الثبوت والدوام، وقامت القرينة على هذا؛ فيصبر صفة مشبهة، تجري عليه كل أحكامها، ومنها: أن يحكم عليه باللزوم فلا ينصب المفعول به الأصيل ولو كان فعله متعديًا، وهذا على حسب البيان المشروح فيما سبق٣ وفيما يلي:
_________________
(١) ١ لأن "الصفة المشبهة" الأصيلة -كما سبق البيان في ص٢٤٢- كفعلها لا تنصب المفعول به؛ لأنها تصاغ من مصدر فعل ثلاثي لازم، فلما كان السببي بعدها منصوبًا ولا يصلح لإدخاله تحت نوع آخر من المنصوبات -أعربوه "شبيهًا بالمفعول به" إن كان معرفة، ولم يعربوه مفعولا به؛ لأن المفعول به لا بد أن يقع عليه أثر فعل الفاعل، وهذا لا يقع عليه أثر الصفة المشبهة؛ وهي بمنزلة الفعل في هذه الحالة، ومن ثم لم يحملوه في التسمية على المفعول به الذي ينصبه اسم الفاعل مع أن الصفة المشبهة إنما سميت باسمها؛ لشبهها اسم الفاعل في كثير من الأمور، "وسيجيء بيان وافٍ عن هذا كله في بابها". أما إن كان نكرة فيجوز نصبه على التشبيه بالمفعول به، أو على التمييز. ٢ بشرط خلوِّ المضاف مما يعارض الإضافة؛ كالتنوين..؟ ٣ في هامش ص٢٤٢.
[ ٣ / ٢٦٥ ]
اسم الفاعل المضاف لفاعله بقصد النص على الثبوت والدوام بقرينة، فيترك الحدوث، وينتقل إلى معنى الصفة المشبهة- ثلاثة أنواع "وكذا صيغة المبالغة، وهذه لا تصاغ إلا من الثلاثي":
أولها: نوع مأخوذ من الفعل اللازم -الثلاثي وغير الثلاثي- مثل: عالٍ وشامخ في نحو: هذا عالي القامة، شامخ الأنف "وفعلهما: علا، شمخ". ومثل "تائب" في قول الشاعر:
تباركت؛ إني من عذابك خائفٌ وإني إليكم تائب النفس باخعُ١
"والفعل: تاب"، وقول الآخر يمدح:
ضحوك السن إن نطقوا بخير وعند الشر مطراق عبوس٢
ولا يكاد يوجد خلاف في جواز انتقال هذا النوع من حالة الحدوث إلى معنى الصفة المشبهة.
ثانيها: نوع مأخوذ من فعل متعدٍّ لمفعول به واحد. والراجح في هذا النوع جواز انتقاله إلى معنى الصفة المشبهة، بشرط أن يكون اللبس مأمونًا؛ "وهو: التباس الإضافة للفاعل بالإضافة للمفعول به". فإذا لم يؤمَن اللبس لم تجز الإضافة؛ كقولهم: فلان راحم الأبناء، نافع الأعوان، يريدون: أن أبناءه راحمون وأعوانه نافعون. فإذا كان المقامُ مقامَ مدح الأبناء والأعوان جاز؛ لدلالة المقام على أن الإضافة للفاعل؛ كصدورها ممن يرد على قول القائل: "ليس أبناء فلان بمفطورين على الرحمة، ولا أعوانه بمطبوعين على النفع"، أو من يرد على قول القائل: "أبناء فلان قساة، وأعوانه ضارون، بسجيتهم " ففي هذا المثال وأشباهه مما يحذف فيه المفعول به ويؤمن فيه اللبس لقرينة لفظية، أو: معنوية، يجوز في السببي -ككلمة: "الأبناء" وكلمة: "الأعوان"- إما الرفع؛ على أنه فاعل للصفة المشبهة "وهي: راحم. نافع"، وإما النصب
_________________
(١) ١ قاتل لها حزنًا. ٢ والفعل: "أطرق. عبس"، وقد سبق هذا البيت في رقم ٣ من هامش ص٢٦٠ لمناسبة أخرى.
[ ٣ / ٢٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
على أنه شبيه بالمفعول به، ولا يصلح تمييزًا إن كان معرفة، كما في المثال. وإما الجر، على أنه مضاف إليه. وهذه الأوجه الإعرابية الثلاثة هي التي تجري على معمول الصفة المشبهة الأصيلة١، كالتي في مثل: "فلان جميل الوجه، حسن الهيئة، حلو الحديث" ومن أمثلة هذا النوع:
ما الراحم القلب ظلامًا وإن ظلما ولا الكريم بمناع وإن حرما
وفي هذا النوع من الإضافة إلى المرفوع يكثر حذف المفعول به، الذي كان معمولًا لاسم الفاعل قبل إضافته لفاعله، وقبل أن يصير بهذه الإضافة صفة مشبهة. ويصح ذكر هذا المفعول به في الرأي الراجح -مع إعرابه "شبيهًا بالمفعول به"، لا مفعول به أصيلًا، مثل: "فلان راحم الأبناء الناس، ونافع الأعوان أفرادًا كثيرة". فكلمتا: "الناس" و"أفرادًا" شبيهتان بالمفعول به. ولا داعي لمنع هذا الشبيه المنصوب من ذكره وظهوره في الجملة، بزعم أن منصوب الصفة المشبهة -إذا كان شبيهًا بالمفعول به- لا يزيد على واحد كما قرره النحاة. وقرارهم حق؛ فمنصوبها الشبيه بالمفعول به لا يزيد على واحد. والذي في المثال السابق -ونظائره- لم يزد على واحد. ولكن المانعين يتوهمون أن الواحد يشمل "المضاف إليه" بعد الصفة المشبهة؛ لأن هذا "المضاف إليه" يجوز نصبه على التشبيه بالمفعول به قبل إضافته٢؛ فاعتبروه بمنزلة "الشبيه بالمفعول به". برغم أنه: "مضاف إليه" مجرور، وبنوا على هذا عدم صحة المنصوب
_________________
(١) ١ لا يقال في هذا النوع: إن فعله متعدٍّ في أصله؛ فكيف يصح تحويله إلى صفة مشبهة، لا تصاغ إلا من الثلاثي اللازم كما سبق؟ فقد أجابوا أن المراد باللزوم إما اللزوم "الأصلي" "بأن يكون الفعل موضوعًا في أصله لازمًا" وإما اللزوم: "التنزيلي، أو: الحكمي" "بأن يحذف مفعول الفعل المتعدي حذفا غالبًا في بعض حالاته كالتي هنا"، وإما اللزوم: "التحويلي" "بأن يكون الفعل متعديًا ولكنه يحول إلى صيغة "فَعُل" بضم العين، وهي صيغة لازمة؛ لغرض عين، كالمدح، أو الذم" ونتيجة الثلاثة واحدة؛ هي أن التعدي غير معتبر هنا. فلا تنصب الصفة المشبهة المفعول به الأصيل كما ينصبه فعلها حين تكون منقولة عن اسم الفاعل، ولكنها قد تنصبه على "أنه شبيه بالمفعول به"، وليس مفعولًا به "كما سبق الإيضاح في هامش ص٢٤٢، وستجيء إشارة هنا، وفي رقم ٤ من هامش ص٣٠٦". ٢ انظر رقم ٣، ٤ من ص٣١٤.
[ ٣ / ٢٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الآخر معه؛ لئلا يزيد منصوب الصفة المشبهة على واحد إذا كان شبيهًا بالمفعول به.
قال "الصبان" في هذا الموضع١: لا داعي للأخذ بالوهم السابق، ولا بما يترتب عليه، فالصحيح عنده في هذه الصورة وأشباهها جواز الإضافة إلى المرفوع مع ذكر المنصوب الواحد بعده، والذي يعرب "شبيهًا بالمفعول به".
وفي رأيه تيسير، واستبعاد لشرط أن يكون الفعل محذوف المفعول به، كما اشترطه بعضهم.
ثالثها: نوع مأخوذ من فعل متعدٍّ لمفعولين، أو ثلاثة: نحو: "أنا ظانٌّ رفيقًا قادمًا، ومخبر الأصدقاء السرور شاملًا بقدومه". ولا يكاد يوجد كبير خلاف في منع انتقال هذا النوع إلى معنى الصفة المشبهة من طريق إضافته لفاعله؛ لأن الوصف ينصب مفعولين أو أكثر كفعله، ومنصوب الصفة المشبهة لا يزيد على واحد على الوجه الذي أوضحناه في النوع السالف.
هذا، ولأكثر النحاة فلسفة خيالية فيما تقدم؛ فهم يقولون٢: إن إضافة اسم الفاعل إلى مرفوعه تتم على الصور السابقة في ثلاث مراحل مرتبة٣:
أولها: تحويل الإسناد عن المرفوع إلى ضمير الموصوف.
وثانيها: نصب المرفوع بعد ذلك على التشبيه بالمفعول به.
وثالثها: جره على الإضافة.
ففي مثل: الطبيب رائف القلب، يكون الأصل: الطبيب رائف قلبه؛ -برفع كلمة: قلب"- ثم يتحول الإسناد عن المرفوع السببي، وينتقل إلى الضمير المضاف إليه؛ وهو: "الهاء" ويستتر هذا الضمير في الوصف: "رائف"، ويعوض منه "أن" في رأي الكوفيين٤؛ وينصب المرفوع الذي تحول عنه الإسناد؛ لأنه صار بعد تحويل الإسناد عنه أشبه بالفضلة؛
_________________
(١) ١ آخر باب: إعمال اسم الفاعل. ٢ كما سيجيء في "ب" ص٣١٥ في الصفة المشبهة. ٣ والضمير في هذه المراحل قد يشابه الصورة الآتية في ص٣١٠، وقد يمتنع بعض هذه المراحل؛ طبقًا لما سيجيء في ص٣٠٥. ٤ كما سلف في رقم ٤ من هامش ص٢٦٤، وكما يجيء في رقم ٤ من هامش ص٢٧٧.
[ ٣ / ٢٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بسبب استغناء الوصف عنه بضمير الموصوف؛ فينصب مثلها، ويصير: "الطبيب رائف القلب". ثم يجر بالإضافة؛ فرارًا من القبح البادي في إجراء الوصف اللازم أو ما يشبهه مجرى المتعدى. "والمراد بما يشبهه١: الوصف المتعدي لمفعول واحد، ومفعوله محذوف". فيصير: "الطبيب رائف القلب".
ويقولون في تعليل هذه المراحل الثلاث٢ المتخيلة: إنه لا يصح إضافة الوصف لمرفوعه مباشرة؛ لأنه عينه في المعنى؛ فلزم إضافة الشيء إلى نفسه٣، ولا يصح حذفه لعدم الاستغناء عنه، فلم يبقَ طريق إلى إضافته لمرفوعه إلا ذلك الطريق الذي وضحنا مراحله. ويستدلون على الإضافة بكثير من الأمثلة المأثورة تؤيد٤ رأيهم.
وكل هذا كلام افتراضي؛ لا تعرفه طوائف العرب؛ أصحاب اللغة، ومرجعها الأول الصحيح. فإغفاله خير. ولن يترتب عليه ضرر.
هـ- لا تجيء "صيغ المبالغة" إلا من مصدر فعل قابل للزيادة، فلا يقال: موات ولا قتال، في شخص مات أو قتل؛ إذ لا تفاوت في الموت والقتل.
وسيجيء١ أنه كثر في الأساليب الفصيحة المسموعة استعمال صيغة: "فعال" للدلالة على "النسب" -بدلًا من يائه- وكثر هذا الحرف؛ فقالوا: حداد لمن حرفته "الحدادة"، ونجار لمن حرفته "النجارة" وكذا: لبَّان، وبقَّال، وعطَّار. ونحوها من كل منسوب إلى صناعة. والأحسن الأخذ بالرأي القائل بقياس هذا في النسب إلى الحرف؛ لأن الكثرة الواردة منه تكفي للقياس عليه.
_________________
(١) ١ انظر هامش ص٢٦٧. ٢ أشرنا في آخر الهامش السالف إلى أن بعض هذه المراحل قد يمتنع؛ طبقًا لما سيجيء في ص٣٠٥. ٣ وهذه حجة ضعيفة بعد ما تقدم في ص٤٠ وما بعدها من جواز هذه الإضافة. ٤ سنعرض بعضها في ص٢٨٥ ونزيد الأمر وضوحًا عند الكلام عليه في الصفة المشبهة ص٢٩٤. في ج٤ باب: "النسب" م١٧٩ "ج" من ص٦٨٤.
[ ٣ / ٢٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وجعلوا من استعمالها في النسب قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أي: بمنسوب إلى الظلم، وحجتهم أن صيغة "فعال" هنا لو كانت للمبالغة وليست للنسب لكان النفي منصبًّا على المبالغة وحدها؛ فيكون المعنى: وما ربك بكثير الظلم؛ فالمنفي هو الكثرة وحدها دون الظلم الذي ليس كثيرًا. وهذا معنى فاسد؛ لأن الله لا يظلم مطلقًا، لا كثيرًا ولا قليلًا.
[ ٣ / ٢٧٠ ]
المسألة ١٠٣:
اسم المفعول:
تعريفه:
اسم مشتق١، يدل على معنى مجرد، غير دائم٢، وعلى الذي وقع عليه هذا المعنى. فلا بد أن يدل على الأمرين معًا٣، "وهما: المعنى المجرد، وصاحبه الذي وقع عليه". مثل كلمة: "محفوظ" و"مصروع" في قولهم: العادل محفوظ برعاية ربه، والباغي مصروع بجناية بغيه. "فمحفوظ" تدل على الأمرين أيضًا؛ المعنى المجرد؛ "أي: الحفظ" والذات التي وقع عليها الحفظ وكذلك "مصروع" تدل على الأمرين أيضًا؛ المعنى المجرد؛ "أي: الصرع"، والذات التي وقع عليها. ومثل هذا يقال في كلمة: "منسوب" من قول الشاعر:
لا تلم المرء على فعله وأنت منسوب إلى مثله٤
وهكذا
ودلالته على الأمرين السالفين مقصورة على الحدوث -أي على: الحال- فهي لا تمتد إلى الماضي، ولا إلى المستقبل، ولا تفيد الدوام إلا بقرينة في كل صورة.
صوغه ٥:
أ- يصاغ قياسًا على وزن: "مفعول" من مصدره الماضي الثلاثي
_________________
(١) ١ في ص١٨٢ بيان مفصل عن أصل المشتقات. ٢ أي: لا يلازم صاحبه. وسيجيء أيضًا أن هذا المعنى المجرد يفيد الحدوث، فلا يمتد إلى الماضي ولا إلى المستقبل إلا بقرينة. ٣ يمكن استجلاء المراد من بعض ألفاظ التعريف على ضوء ما سبق في تعريف اسم الفاعل ص٢٣٨. ٤ وبعد هذا البيت: من ذم شيئًا وأتى مثلَهُ فإنما يزري على عقلِهِ ٥ أشرنا في رقم ٣ من هامش ص٢٣٩ إلى ابن أبي مالك وضع في "ألفيته" بابين؛ أحدهما =
[ ٣ / ٢٧١ ]
المتصرف١؛ مثل: "محفوظ" من "حفظ" و"مصروع" من "صرع" و"منسوب" من "نسب"، و"معلوم" من "علم" و"مجهول" من "جهل" و"معروف" من "عرف". ومثل "محمود" من "حمد" في قول الشاعر:
لعل عتبك محمود عواقبه وربما صحت الأجسام بالعلل
ب- ويصاغ قياسيًا من مصدر الماضي غير الثلاثي بالإتيان بمضارعه وقلب أوله ميمًا مضمومة مع فتح ما قبل الآخر.
فللوصول إلى اسم المفعول من: "سارع" نجيء بمضارعه: "يسارع"، ثم ندخل عليه التغيير السالف، فيكون اسم المفعول: "مسارَع"، نحو: الخبر مسارَع إليك. واسم المفعول من "هدَّم" هو: مهدَّم؛ نحو: صرح البغي مهدم، واسم المفعول من: "أوجع" هو: "موجَع؛ كما في قول الشاعر٢ الكهل الوفي:
خُلقْت ألوفًا؛ لو رجعت إلى الصبا لفارقت شيبي موجَعَ القلب، باكيًا
وهكذا: استخرج، يستخرج، مستخرج، نحو: المستخرج من النفط في بلادنا يكفي حاجاتنا. ومثل: "منزهة"، ومكرمة" في قول أبي تمام في وصف قصائده:
منَزَّهة عن السرق المورَّى٣ مكرمة عن المعنى المعاد
_________________
(١) = عنوانه: "إعمال اسم الفاعل"، ولكنه ضمنه إعمال اسم الفاعل واسم المفعول معًا، فهو باب ينطوي على إعمالهما. وقد مرَّ شرح أبياته في مناسباتها الخاصة ابتداء من ص٢٤٩. وثانيهما عنوانه: "أبنية أسماء الفاعلين، والمفعولين، والصفات المشبهة بها"، وسيجيء شرح أبياته في مناسباتها ابتداء من هامش ص٢٨٩، وفصل بين البابين بآخر عنوانه: "أبنية المصادر" وقد ارتضى هذا الترتيب لحكمة رآها، قد تكون -كما يقول بعض النحاة- الرغبة في موالاة مواضع الإعمال للمصدر وللمشتقات، حتى إذا فرغ من الكلام على شئون الإعمال لهذه العوامل الاسمية التي بينها كثير من الترابط والتشابه انتقل إلى الكلام على أبنيتها وصيغها. وقد سبق أن أشرنا أننا لا نرتضي هذا الترتيب؛ لما فيه من توزيع الأحكام والصيغ على بابين مستقلين ومنفصلين عن الإعمال؛ إذ الأنسب تعريف ل عامل مع ذكر صيغه وأحكامه في باب واحد. ١ أما الماضي الجامد فليس له مصدر، ولا اسم مفعول، ولا اسم فاعل، ولا صفة مشبهة، ولا غيرها من المشتقات ٢ هو المتنبي. ٣ السرق المورى: السرقة التي يخفيها السارق.
[ ٣ / ٢٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- فتح الحرف الذي قبل الآخر قد يكون ظاهرًا كالأمثلة السالفة، وقد يكون مقدرًا؛ مثل: مستعان، منقاد أصلهما: مستعون. منقود قلبت الواو ألفًا بعد فتح ما قبلها بنقل حركتها إليه؛ تطبيقًا لقاعدة صرفية١.
ب- إذا كان اسم المفعول مؤنثا وجب زيادة تاء التأنيث في آخره؛ كما في آخر: "منزهة، ومكرمة" من بيت أبي تمام السابق.
ج- قد وردت صيغ سماعية تؤدي ما يؤديه اسم المفعول المصوغ من مصدر الثلاثي وليست على وزنه؛ فهي نائبة عن صيغة "مفعول" في الدلالة على الذات والمعنى. ومن تلك الصيغ: "فعيل"، بمعنى: مفعول؛ نحو: كحيل: بمعنى: مكحول. و"فعل"، كذبح؛ بمعنى مذبوح. و"فعل" كقنص، بمعنى: منقوص، و"فعلة"؛ كغرفة، ومضغة، وأكلة، بمعنى: مغروفة، وممضوغة ومأكولة وهذه الصيغ وأمثالها غير مقيسة. لكن هل تعمل عمل اسم المفعول كما تؤدي معناه؟ الأحسن الأخذ بالرأي القائل: إنها تعمل عمله -بشروطه- فترفع نائب فاعل حتمًا، وقد تنصب مفعولًا به -أو أكثر- إن كان فعلها المبني للمجهول كذلك؛ فحكمها حكم المبني للمجهول. وفي هذا الرأي توسعة لمن شاء اتباعه٢.
غير أن حكمًا سيجيء٣ لا يسري عليها؛ هو أن اسم المفعول يجوز أن يضاف لمرفوعه بشرط أن تكون صيغته أصلية٤، فإن كانت نائبة عن
_________________
(١) ١ في باب "الإعلال والإبدال" ج ٤. ٢ سيجيء كلام ابن مالك على صياغة: "اسم المفعول" وعلى صيغة: "فعيل" في الباب الذي خصه بأبنية المشتقات، هامش ص٢٨٩، وما بعدها. ٣ في ص٢٧٥. ٤ هي التي تكون من الثلاثي على وزن: "مفعول"، ومن غير الثلاثي على وزن المضارع بعد إبدال أوله ميمًا مضمومة مع فتح الحرف الذي قبل الآخر. أما غير الأصلية. فقد أوضحناها في "ج" هنا.
[ ٣ / ٢٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأصيلة -كفعيل؛ بمعنى: مفعول، وغيرها مما سبق -فلا تضاف لمرفوعها.
د- سبقت الإشارة١ إلى أنه وردت صيغ مسموعة على وزن: "مفعول"، ولكن معناها هو معنى المصدر؛ فهي في حقيقة أمرها مصادر سماعية على وزن المفعول، منها: معقول، مجلود، مفتون، ميسور، معسور، أي: عقل، جلد، فتنة؛ بمعنى: خبرة، يسر "سهل"، عسر "ضد: سهل"، ومن كلامهم: "فلان لا معقول له ولا مجلود". وقد سبق شرح هذا وشرح بقية الكلمات الأخرى في ص١٩٨، وأوضحنا رأي سيبويه هناك.
_________________
(١) ١ في ص١٩٨ تحت عنوان ملاحظة.
[ ٣ / ٢٧٤ ]
إعماله:
يجري على اسم المفعول كل ما يجري على اسم الفاعل من الاقتران "بأل" وعدم الاقتران بها، ومن الشروط اللازمة لعمله و
فإن كان مقرونًا "بأل" عمل مطلقًا، "بغير اشتراط شيء". وإن لم يكن مقترنًا بها وجب تحقق كل الشروط التي سبقت لإعمال اسم الفاعل١؛ وفي مقدمتها: الاعتماد، وعدم التصغير، وأن يكون بمعنى الحال أو الاستقبال أو الاستمرار التجددي و فإذا استوفى شروط الإعمال كلها عمل ما يعمله مضارعه المبني للمجهول؛ فيحتاج -وجوبًا- لنائب فاعل مثله: ويكتفي بنائب فاعله إن كان مضارعه مكتفيًا بنائب الفاعل٢. نحو: يساعد القوي زميله. يساعد الزميل. هل القوي مساعد زميله؟ ولما سبق يمكن أن يحل محل اسم المفعول مضارع بمعناه مبني للمجهول.
وإذا كان مضارعه ناصبًا مفعولين ثم حذف فاعله فإن أحد المفعولين ينوب عنه، ويصير مرفوعًا مثله، ويبقى المفعول الآخر على حاله منصوبًا، وكذلك اسم المفعول؛ نحو: يظن الرجل العوم نافعًا -يظن العوم نافعا- هل المظنون العوم نافعًا؟
وإن كان فعله متعديًا لثلاثة ثم حذف فاعله وناب أحد المفعولات عنه صار مرفوعًا مثله. ووجب نصب ما عداه؛ وكذلك الشأن في اسم المفعول؛ نحو: تخبر المراصد الطيارين الجو هادئًا -يخبر الطيارون الجو هادئًا- هل المخبر الطيارون الجو هادئًا؟.
ويجوز -بقلة في الأحوال السابقة كلها أن يضاف اسم المفعول إلى نائب فاعله الظاهر؛ بشرط أن تكون صيغة اسم المفعول أصلية٣ فيصير نائب الفاعل مضافًا إليه، مجرور اللفظ، ولكنه مرفوع المحل؛ مراعاة
_________________
(١) ١ ص٢٤٦ وما بعدها، وفي "ب" من ص٢٥٤. ٢ وهذا يتحقق حين المضارع من الأفعال التي تنصب مفعولًا به واحدًا قبل بنائه للمجهول، وقد حذف فاعله، وقام المفعول به الواحد مقامه، وناب عنه؛ وصار مرفوعًا، ولم يبق، في الكلام مفعول به آخر. ٣ شرحنا الأصلية في رقم ٤ من هامش ص٢٧٣، وغير الأصلية في "ج" من تلك الصفحة.
[ ٣ / ٢٧٥ ]
لأصله١؛ نحو: إن القوي مساعد الزميل، هل يشيع مظنون العوم نافعًا" أمخبر الطيارين الجو هادئًا؟ فإن لم تكن صيغته أصلية امتنع أن يضاف لمرفوعه. وإذا جاء تابع لهذا المضاف إليه جاز جره مراعاة للفظ المضاف إليه، أو رفعه؛ مراعاة لأصله؛ نحو: إن القوي مساعد الزميل والزميلة -هل يشيع مظنون العوم البارع نافعًا؟ أمخبر الطيارين المسافرين -أو المسافرون- الجو هادئًا؟ بجر التابع أو رفعه في كل ذلك وأشباهه.
ما سبق حين يكون مضارعه متعديًا. فإن كان لازمًا قد حذف فاعله وناب عنه شيء آخر غير المفعول به؛ كالظرف، أو الجار مع مجرور أو المصدر فإن اسم المفعول يكون لازمًا أيضًا، ويحتاج لنائب فاعل من هذه الأشياء الصالحة للنيابة عند عدم وجود المفعول به، نحو: "اعتكف المريض في الغرفة، يُعتكف في الغرفة، هل الغرفة معتكف فيها؟ ". "اتسع المجال أمام المخلص. يتسع أمام المخلص. هل المتسع أمام المخلص"٢.
هذا؛ واسم المفعول حين يضاف بقلة إلى مرفوعة- نحو: الغرفة مفتوحة النوافذ، وقول المتنبي وقد سبق:
خلفت ألوفًا، لو رجعت إلى الصبا لفارقت شيبي موجع القلب باكيًا
والأصل: مفتوحة نوافذها. موجع قلبي يظل مع إضافته لمرفوعه دالًا
_________________
(١) ١ هذا الحكم مأخوذ من كلام ابن مالك الآتي؛ حيث يقول: وكل ما قُرِّر لاسم فاعلِ يعطى اسم مفعول بلا تفاضلِ ٢ فيما سبق من الكلام على اسم المفعول، وأنه يجري عليه ما يجري على اسم الفاعل، وأنه كالمضارع المبني للمجهول في أنه يرفع نائب فاعل، لا فاعلًا. يقول ابن مالك في الباب الذي عنوانه: "إعمال اسم الفاعل" وضمنه اسم المفعول. وكل ما قرر لاسم فاعلِ يعطى اسم مفعول بلا تفاضلِ فهو كفعل صِيغَ للمفعول في معناه؛ كالمعطَى كفافًا يكتفي "لا تفاضل، أي: بلا زيادة في أحدهما على الآخر". وإعراب المعطى كفافًا يكتفي: "المعطى": مبتدأ، "أل" فيه موصولة يعود عليها الضمير الذي في كلمة: "معطى"، وهذا الضمير نائب الفاعل، وأصله المفعول الأول لكلمة: "معطى"، "كفافًا": المفعول الثاني. "يكتفي" هذه الجملة المضارعية خبر المبتدأ.
[ ٣ / ٢٧٦ ]
على الحدوث، كما كان قبل الإضافة إليه١. إلا إن قامت قرينة تدل على أن المراد منه الثبوت والملازمة الدائمة، فيصير صفة مشبهة؛ لما أوضحناه٢ من أن الأصل في اسم المفعول أن يدل على معنى حادث غير دائم الملازمة لصاحبه "فهو -عند عدم القرينة- يدل على مجرد الحدوث الذي لا يشمل الماضي ولا المستقبل ولا يفيد الاستمرار". فإن قصد به النص على الثبوت والدوام -وقامت قرينة تدل على هذا- صار صفة مشبهة٣؛ فيسمى باسمها، ويخضع لأحكامها؛ وبالرغم من بقائه على صورته الأصلية؛ إذ لا يصح تغيير صورته بسبب انتقال معناه من الحدوث إلى الدوام والاستمرار.
والكثير الغالب في اسم المفعول عدم إضافته إلى مرفوعه إلا إذا أريد تحويله إلى الصفة المشبهة؛ ليدل مثلها على معنى ثابت دائم، لا حادث؛ وبشرط وجود القرينة التي تدل على ثبوته ودوامه. وإذا صار صفة مشبهة جاز في السببي٤ الواقع بعده الرفع، على اعتباره "فاعلًا"، ولا يصح اعتباره نائب فاعل للصفة المشبهة٥ التي جاءت على صورة اسم المفعول. ويجوز فيه النصب على اعتباره "شبيهًا بالمفعول به" إن كان معرفة، و"تمييزًا" أو "شبيهًا بالمفعول به" إن كان نكرة، ويجوز فيها الجر على اعتباره مضافًا إليه، ففي مثل: أنت مرموق المكانة دائمًا، مسموع الكلمة؛ مُحَصَّن خلقًا، مكمَّل علمًا، يجوز في الكلمات٥: "المكانة، الكلمة، خلقا، علمًا" الرفع على اعتبارها فاعلًا
_________________
(١) ١ وهذه الإضافة مع الدلالة على الحدوث قليلة -كما سيجيء- وهي مع قلتها جائزة. لكنها لا تساير الكثير من الأساليب الفصيحة المأثورة. ٢ في ص٢٧١. ٣ يحسن الاستئناس فيما يأتي بنظيره السابق في اسم الفاعل في "ج" من ص٢٦٤؛ فكلاهما موضع للآخر. ٤ أوضحنا للسببي تفصيلًا في رقم ٤ من هامش ص٢٦٤ ثم في ص٣١٠، وملخصه: أنه الذي ليس أجنبيًّا من الموصوف: فيشمل ما يحوي ضمير الموصوف لفظًا؛ نحو: الوالد مسموعة كلمته. أو تقديرًا، نحو: الوالد مسموع الكلمة، أي: مسموع الكلمة منه. وقيل إن "أل" خلف عن الضمير؛ تبعًا لرأي الكوفيين الذي سبقت الإشارة إليه في رقم ٤ من هامش ص٢٦٤ وفي ص٢٦٨. ٥ لأن الصفة المشبهة لا ترفع نائب فاعل مطلقًا.
[ ٣ / ٢٧٧ ]
للصفة المشبهة، ويجوز فيها الجر؛ لاعتبارها مضافًا إليه، ويجوز فيها النصب، إما على التشبيه بالمفعول به إن كانت معرفة، وإما على التمييز أو على التشبيه بالمفعول به إن كانت نكرة. ولا مناص من قيام قرينة تدل على أن المراد من الصيغة هو الصفة المشبهة، وليس اسم المفعول.
أما إذا أضيف اسم المفعول لمرفوعه بغير إرادة تحويله إلى الصفة المشبهة وبغير القرينة الدالة على إفادة الدوام، وهذه الإضافة قليلة جائزة، كما سبق؛ فإنه يظل محتفظًا باسمه وبكل الأحكام الخاصة به، وقد عرفناها.
ولا بد في اسم المفعول الذي يصير صفة مشبهة من أن يظل على صيغته الأصيلة التي أوضحناها، لا الصيغة التي تنوب عليها، وأن يكون فعله في أصله متعديًا لمفعول واحد؛ ليكون هذا المفعول الواحد في السببي الذي يصح في إعرابه الأوجه الثلاثة السالفة؛ كالمثال السابق؛ وكقولهم: لا ينقضي يوم لا أراك فيه إلا علمت أنه مبتور القدر، منحوس الحظ١.
فإن كان فعله لازمًا لم يصلح أن يصاغ منه اسم المفعول الصالح للانتقال إلى الصفة المشبهة. وكذلك إن كان فعله متعديًا لأكثر من واحد؛ فإنه في الرأي الشائع لا يصلح٢؛ سواء أذكر مع السببي مفعول آخر أم لم يذكر.
ومن الأمثلة لاسم المفعول المراد منه الصفة المشبهة٣ ما ورد عنهم في رفع السببي على الفاعلية، هو:
بثوب، ودينار، وشاة، ودرهم فهل أنت مرفوع بما ههنا رأسُ٤؟
_________________
(١) ١ نحس السعد حظ: جفاه وتركه. ٢ حجة المانعين هو ما سبق مفصلًا في ص٢٦٧ وفيها الرد عليهم، ومنه يفهم أنه لا مانع أن يكون الفعل متعديًا لاثنين فقط، يكون أحدهما السببي المجرور، ويبقى الآخر منصوبًا؛ على اعتباره شبيهًا بالمفعول به، لا مفعول به أصيلًا. ٣ إذ المقصود إفادة الثبوت. ٤ وردت البيت بهذا النص في بابي صوغ: "اسم المفعول، والصفة المشبهة" ببعض المراجع النحوية؛ "كالتصريح والهمع "، ولكنه ورد بنص آخر في الجزء الأول من كتاب: "معاني القرآن" للفراء، سورة البقرة ص٥٢، قال:
[ ٣ / ٢٧٨ ]
فكلمة: "رأس" فاعل للصفة المشبهة التي هي كلمة: مرفوع.
وفي نصبه على التشبيه بالمفعول به:
لو صنت طرفك لم تُرَع بصفاتها لما بدت مجلوة وجناتها١
وفي جره:
تمنى لقائي الجونُ٢ مغرورُ نفسِهِ فلما رآني ارتاع ثُمت٣ عردا٤
وهكذا و ٥.
_________________
(١) فأبلغْ أبا يحيى إذا ما لقيته على العيس في آباطها عَرَق يَبْسُ بأن السُّلامِيَّ الذي بِضَريَّة أمير الحمى قد باع حقي بني عبْسِ بثوب، ودينار، وشاة، ودرهمٍ فهل هو مرفوع بما ههنا رأسُ؟ العرق اليبس: الجفاف. السلامي: رجل منسوب إلى موضع بنجد، يقال له: سلام -ضربة: قرية نجدية في طريق القادمين من البصرة إلى مكة- وكلمة: "عبس" مجرورة، مع أن السين في آخر أبيات القصيدة كلها مرفوعة. وهذه المخالفة في الشعر تسمى الإقواء. ١ الدليل على النصب أن الأنسب أن تكون منصوبة بالكسرة؛ لتساير آخر الشطر الأول الذي وقعت فيه كلمة: "صفاتها" مجرورة بالكسرة. ٢ من معاني "الجون" في اللغة: الأبيض أو الأسود، وهو هنا: اسم رجل. ٣ بمعنى: "ثم" حرف عطف، والتاء للتأنيث. ٤ فر هاربًا. ٥ فيما سبق من إضافة اسم المفعول لمرفوعه يقول ابن مالك من غير تفصيل: وقد يضاف ذا إلى اسم مرتفعْ معنى؛ كمحمود المقاصد الورعْ يشير بكلمة "ذا" إلى اسم المفعول لاتجاه الكلام السابق إليه. وأصل مثال الناظم الورع محمود مقاصد، لحقه ما ذكرناه في الزيادة التالية.
[ ٣ / ٢٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
يضاف اسم المفعول إلى مرفوعه بالشروط والتفصيلات التي سلفت١، ولكن بالطريقة التي ارتضوها، وقد شرحناها٢ وافية في إضافة اسم الفاعل لمرفوعه؛ أي: بعد تحويل الإسناد عن السببي إلى ضمير الموصوف، ثم نصب السببي على التشبه بالمفعول به، ثم جره على الإضافة بعد ذلك، كمثال الناظم، وهو: محمود المقاصد الورع. فأصله: الورع محمودة مقاصده. فكلمة: "مقاصده" مرفوعة على النيابة "لمحمودة" ثم صار: الورع محمود "المقاصد" بالنصب؛ ثم صار: محمود المقاصد، بالجر.
والسبب عندهم: ما تقدم٢ من أن الوصف هو عين مرفوعة في المعنى؛ فلو أضيف إليه من غير تحويل للزم إضافة الشيء إلى نفسه من غير مسوغ وهي -في الأغلب- غير صحيحة. ولا يصح حذفه؛ لعدم الاستغناء عنه. فلا طريق إلى إضافته إلا بتحويل الإسناد عنه إلى ضمير يعود إلى الموصوف ثم ينصب السببي لصيرورته فضلة حينئذ، بسبب استغناء الوصف بالضمير، ثم يجر السببي، فرارًا من قبح إجراء وصف المتعدي لواحد مجرى وصف المتعدي لاثنين٣
وقد قلنا٤ إن هذه الأمور الثلاثة بترتيبها السابق فلسفة خيالية يرددها كثير من النحاة؛ "كصاحب التصريح، وعنه أخذ الصبان"، ولا شيء منها يعرفه العربي الأصيل، فليس في إهمالها إساءة.
_________________
(١) ١ في ص٢٧٥ وما بعدها. "٢-٢" ص٢٦٨ وما يليها. ٣ من المفيد الرجوع إلى ص٢٦٧ وما يليها. ٤ في ص٢٦٩.
[ ٣ / ٢٨٠ ]
المسألة ١٠٤:
الصفة المشبهة باسم الفاعل المتعدي لواحد ١:
تعريفها:
نسوق الأمثلة التالية؛ لكشف دلالتها، وإيضاح ما في معناها من دقة: سئل أحد الأدباء القدامى أن يصف: "أبا نواس"؛ فكان مما قال: "عرفته جميل الصورة، أبيض اللون، حسن العينين والمضحك، حلو الابتسامة، مسنون الوجه٢، ملتف الأعضاء، بين الطويل والقصير، جيد البيان، عذب الألفاظ.. و ".
في هذا الوصف كثير مما يسمى: "صفة مشبهة"؛ مثل: جميل، أبيض، حسن، حلو و فما الذي تدل عليه كل كلمة من هذه الكلمات، ونظائرها؟
لنأخذ مثلًا كلمة: "جميل" فإنها اسم مشتق، يدل على أربعة أمور مجتمعة:
أولها: المعنى المجرد الذي يسمى: "الوصف"، أو "الصفة". وهو هنا: الجمال.
ثانيها: الشخص، أو غيره من الأشياء التي لا يقوم المعنى المجرد إلا بها، ولا يتحقق وجوده إلا فيها. وإن شئت فقل: هو الموصوف الذي يتصف بهذا الوصف، "الصفة" ، ولا يمكن أن يوجد الوصف مستقلًا بنفسه بغير موصوفه.
والمراد به في المثال: الشخص الذي ننسب له الجمال، ونصِفُه به.
_________________
(١) ١ في ص٢٩٤، ٣٠٠ وهامشهما، سبب هذه التسمية، وفي ص١٨٢ بيان مفصل عن أصل المشتقات. ٢ وجه مسنون: أملس جميل.
[ ٣ / ٢٨١ ]
ثالثها: ثبوت هذا المعنى المجرد "الوصف، أو: الصفة" لصاحبه في كل الأزمنة ثبوتًا عامًا؛ أي: الاعتراف بتحققه ووقوعه شاملًا الأزمنة الثلاثة المختلفة؛ فلا يختص ببعض منها دون آخر، بمعنى أنه لا يقتصر على الماضي وحده، ولا على الحال وحده، ولا على المستقبل كذلك، ولا يقتصر على زمنين دون انضمام الثالث إليهما؛ فلا بد أن يشمل الأزمنة الثلاثة؛ بأن يصاحب موصوفه فيها. فوصف شخص بالجمال على الوجه الوارد في العبارة السابقة معناه الاعتراف بالجمال له، وأن هذا الجمال ثابت متحقق في ماضيه، وفي حاضره، وفي مستقبله، غير مقتصر على بعض منها. "ولهذا نتيجة حتمية تجيء في الأمر الرابع التالي".
رابعها: ملازمة ذلك الثبوت المعنوي العام للموصوف ودوامه؛ لأنه -كما أوضحناه- يقتضي أن يكون المعنى المجرد الثابت وقوعه وتحققه ليس أمرًا حادثًا الآن، ولا طارئًا ينقضي بعد زمن قصير. وإنما هو أمر دائم ملازم صاحبه "الموصوف" طول حياته، أو أطول مدة فيها حتى يكاد يكون بمنزلة الدائم١؛ إذ ليس بمعقول أن يصحبه في ماضيه وحاضره ومستقبله من غير أن يكون ملازمًا له، أو كالملازم٢؛ فالجمال مثلًا لا يفارق صاحبه، وإن فارقه٣ فزمن المفارقة أقصر من زمن الملازمة الطويلة التي هي بالدوام أشبه. ومن ثم كان هذا الأمر الرابع نتيجة للثالث٤.
_________________
(١) ١ ويشبهها في هذا الدوام والاستمرار "أفعل التفضيل" -كما في رقم ٢ من هامش ٢٥١ وكما سيجيء في بابه ص٣٩٥. ٢ يدخل في حكم الملازمة بعض الأوصاف التي لا تفارق صاحبها، ولكن آثارها لا تظهر إلا في مناسبات خاصة بها؛ فمثلها يطرأ، ويزول، ثم يتجدد وهكذا، مما يسمى: "الاستمرار المتجدد، أو: الاستمرار التجددي". ومن هذا النوع كثير من العادات والسجايا؛ كالفرح؛ والغضب، والشبع، نحو: فلان فرح، أو: غضوب، أو شبعان فهذه صفات تظهر في مناسباتها -كما سيجيء في الأمر الأول من ص٢٨٥، وفي الثالث من ص٣٠٧. ٣ تكون هذه المفارقة لسبب طارئ مؤقت -في الغالب- كمرض، أو خوف، أو شيخوخة ٤ ولا بد من النص على هذا الأمر الرابع؛ إذ لا يلزم من حصول الأمر الثالث وتحققه أنه يلازم صاحبه ملازمة دائمة؛ فمن الممكن حصول الأمر في الماضي وفي الحال وفي المستقبل من غير أن يلازم صاحبه الملازمة المستمرة -أو شبهها- في كل حالة: ومن الممكن أن يقع فيها كلها مجتمعة من غير أن يستمر في المستقبل كذلك.
[ ٣ / ٢٨٢ ]
فكلمة: "جميل" في الكلام السالف -وأشباهه- تدل على:
١- معنى مجرد "أي: على وصف، أو: صفة"؛ هو: الجمال.
٢- وعلى صاحبه الموصوف به.
٣- وعلى ثبوت ذلك المعنى له وتحققه ثبوتًا زمنيًا عامًا. "ويشمل الماضي والحاضر، والمستقبل".
٤- وعلى دوام الملازمة، أو ما يشبه الدوام١.
والناطق بتلك الكلمة إنما يريد الأمور الأربعة مجتمعة، إن كان خبيرًا باللغة، وبدلالة الألفاظ فيها.
ومثل هذا يقال في كلمة: "أبيض"؛ فهي اسم مشتق يدل على ما يأتي:
١- معنى مجرد "أي: وصف، أو: صفة"، هو: البياض.
٢- الشيء الذي لا يقوم ولا يتحقق المعنى المجرد إلا بوجوده فيه "أي: الموصوف الذي يراد وصف بصفة: "البياض"، وهو هنا الشخص الذي نريد أن ننسب له تلك الصفة؛ ونصفه بها.
٣- أن ذلك المعنى المجرد "الوصف، أو: الصفة"، ثابت له متحقق في كل الأزمنة ثبوتًا عامًا؛ فليس خاصًا بزمن من الثلاثة دون غيره، أو بزمنين، فالبياض، يصاحب المتصف به في ماضيه، وحاضره، ومستقبله.
٤- أن هذا الثبوت العام يلازم صاحبه، ولا يكاد يفارقه؛ لأن مصاحبته إياه في الأزمنة الثلاثة تقتضي أن يكون ملازمًا له أو في حكم الملازم، برغم أنه قد يفارقه حينًا.
فالناطق بكلمة: "أبيض" في التركيب السابق -ونظائره- إنما يريد بها الدلالة على تلك الأمور الأربعة مجتمعة إن كان يفهم أسرار العربية، ويجيد اختيار الألفاظ التي توضح تلك الأسرار.
وما يقال في كلمتي: "جميل"، و"أبيض" يقال في: "حسن" و"حلو"، و وأمثالهما
من كل ما تقدم يتبين المراد من قول النحاة في تعريف الصفة المشبهة
_________________
(١) ١ إلا إنْ وجدت قرينة تمنع الدوام وشبيهه، كما سيجيء في ص٣٠٧. وانظر رقم ١ من هامش ص٢٩٣.
[ ٣ / ٢٨٣ ]
الأصيلة إنها: "اسم مشتق؛ يدل على ثبوت صفة لصاحبها١ ثبوتًا عامًّا"٢.
أنواعها، وطريقة صوغ كل نوع:
الصفة المشبهة ثلاثة أنواع قياسية٣:
أولها وأكثرها: "الأصيل"، وهو المشتق الذي يصاغ أول أمره من مصدر الفعل الثلاثي، اللازم، المتصرف؛ ليدل على ثبوت صفة لصاحبها ثبوتًا عامًا -وقد شرحناه بالأمثلة- ولهذا النوع أوزان وصيغ كثيرة خاصة به، وسنذكر أشهر القياسي منها
ثانيها: الملحق بالأصيل من غير تأويل، ويلي الأول في الكثرة؛ وهو: "المشتق الذي يكون على الوزن الخاص باسم الفاعل أو باسم المفعول٤، من غير أن يدل دلالتهما على المعنى الحادث وصاحبه، وإنما يدل -بقرينة- على أن المعنى ثابت لصاحبه ثبوتًا عامًا". وقد عرفنا طريقة صياغته في الباب الخاص بكل منهما٥.
وحكم هذا النوع أنه قياسي، وأنه بمنزلة الصفة المشبهة؛ فله اسمها، ودلالتها، وأحكامها المختلفة، دون أوزانها؛ لأنه يظل على صيغته الخاصة باسم الفاعل أو اسم المفعول، ويلازم وزنه السابق، على الوجه الذي شرحناه في باب كل منهما٥.
ثالثها وأقلها: الجامد المؤول بالمشتق، وهو: "الاسم الجامد الذي يدل دلالة الصفة المشبهة مع قبوله التأول بالمشتق٦".
وحكمه: أنه قياسي يظل على لفظه الجامد القابل للتأويل، ويؤدي معناها، ويعمل عملها دون أن تتغير صيغته.
_________________
(١) ١ وقد يقتصرون في التعريف على: أنها اسم مشتق يدل على ثبوت صفة لصاحبها. أو: اسم مشتق يدل على الثبوت. ولا بأس بالإيجاز إن كان المراد معه واضحًا -موافقا ما شرحناه-. ٢ أي: شاملًا الأزمنة الثلاثة شمولًا مستمرًا ثابتًا -كما شرحناه-. ٣ بيان قياسيتها في رقم ٢ من هامش ص٢٩١. ٤ سواء أكان فعلهما ثلاثيًا أم غير ثلاثي. "٥، ٥" في هامش ص٢٤٢ وفي "ج" من ص٢٦٤ وفي "د" من ص٢٦٤، ثم في ص٢٧٧. ٦ ولذا يصح وقوعه نعتًا كما سيجيء في ص٤٦٣ "باب النعت".
[ ٣ / ٢٨٤ ]
وبالرغم من قياسيته يحسن الإقلال منه قدر الاستطاعة، وقد يزاد على آخره ياء مشددة للنسب، فتقرِّبه من المشتقات؛ نحو: تناولنا شرابًا عسلًا طعمه، أو: تناولنا شرابًا عسليًّا طعمه. ويجوز في معموله "وهو هنا كلمة: طعم" ما يجوز في معمول الصفة المشبهة من الرفع، أو النصب، أو الجر، على التفصيل المذكور في إعمالها -وسيأتي١- فنقول: تناولنا شرابًا عسليًا طعمه بالرفع، عسلًا طعمًا بالنصب، عسل الطعم بالجر بالإضافة. مع جواز زيادة الباء المشددة في كل حالة، وعليها تقع علامات الإعراب.
ومن أمثلته قول الشاعر يهجو:
فراشة الحِلمِ، فرعون العذاب، وإن تطلب نداه فكلب دونه كلب
والمراد بفراشة: طائش، وبفرعون: أليم، أو: شديد. والمعاني الثلاثة على التأويل بالمشتق، وقول الآخر:
فلولا الله والمهر المفدى لأبْت وأنت غربال الإهاب
والمراد: مثقب الجلد. وهذا على التأويل بالمشتق أيضًا.
والآن نعود إلى صياغة النوع الأول الأصيل، وأوزانه:
لما كانت الصفة المشبهة الأصلية لا تصاغ قياسًا إلا من مصدر الفعل الماضي الثلاثي، اللازم، المتصرف تحتم أن يكون فعلها كسائر الأفعال الثلاثية، إما مكسور العين "أي: على وزن: "فعِل"، وهو أكثر أفعالها المتصرفة التي يقع الاشتقاق من مصدرها، وإما مضموم العين، "أي: على وزن "فعُل"، ويلي الأول في كثرة الصياغة من مصدره، وإما مفتوح العين، "أي: على وزن "فعَل"، وهو أقل أفعالها، بل أندرها. وأوزانها القياسية من هذه الأنواع الثلاثة كثيرة نعرض أشهرها، وضوابطه فيما يلي:
١- فإن كان الماضي الثلاثي اللازم على وزن "فعِل" -بكسر العين- وكان دالًا على فرح، أو حزن، أو أمر من الأمور التي تطرأ وتزول سريعًا،
_________________
(١) ١ في ص٢٩٤.
[ ٣ / ٢٨٥ ]
ولكنها تتجدد١، وتتردد على صاحبها كثيرًا لأنه اعتادها -فالصفة المشبهة على وزن: "فعل" للمذكر، و"فعلة" للمؤنث- ويلاحظ أن هذين الوزنين ليسا مقصورين على الصفة المشبهة من مصدر الفعل "فعل" فقد يكونان من مصدر "فعل" أيضًا، كما سنعرف -نحو: فرح فهو فرِحٌ، طرب فهو طرِبٌ، بطر فهو بطِر، حذر فهو حذِر، تعب فهو تعِب، ومن هذا قولهم: الحذِر آمن، والضجِر مكروب، والبطِر مهدَّد بزوال النعم.
وقول الشاعر:
ويل للشجِي٢ من الخلي٣ فإنه نصب الفؤاد، بحزنه مهموم
وإن كان دالًّا على خلو، أو امتلاء، ونحو هذا مما يطرأ ويتكرر ولكنه يزول ببطء -فالصفة المشبهة على وزن: "فعلان" ومؤنثها -في الغالب- على وزن: "فعلى"- نحو: عطش فهو عطشان، ظمئ فهو ظمآن، صدى فهو صديان، شبع فهو شبعان، روي فهو ريان، يقظ فهو يقظان، عرق فهو عرقان. ومن هذا قولهم في الهجاء: فلان شبعان البطن، صديان الروح، نائم العقل، يقظان الهوى.
_________________
(١) ١ ويسمى استمرارها: متجددًا، أو: تجدديًا -كما أوضحنا في ص٣٩ وفي رقم ٤ من هامش ص٢٤٧ وفي رقم ٢ من هامش ص٢٨٢. ٢ الحزين المهموم. "ملاحظة": في كلمة "شجي" ونظائرها بيان لغوي مفيد، نعرضه فيما يأتي: جاء في القاموس المحيط "ج٤ مادة: شجاه" ما نصه: "شجاه: حزنه وطربه؛ كأشجاه فيهما. ضد و شجي به، كرضي شجًى. والشجِي المشغول. وشدد ياؤه في الشعر " ا. هـ كلام القاموس. لكن قوله: "شدد ياؤه في الشعر" تقييد غير صحيح؛ فقد جاء في: "الاقتضاب، في شرح أدب الكتاب" تأليف ابن السيد البطليوسي، في باب: ما يشدد، والعامة تخففه ص١٩٧ ما نصه: "أكثر اللغويون من إنكار التشديد في لفظة: "الشجي" وذلك عجيب منهم؛ لأنه لا خلاف بينهم أنه يقال: شجوت الرجل أشجوه إذا أحزنته، وشجي يشجى إذا حزن. فإذا قيل: "شجٍ" بالتخفيف كان اسم الفاعل من "شجي" يشجى؛ فهو "شجٍ"؛ كقولك: "عمي يعمى فهو عمٍ". وإذا قيل: "شجيٌّ" بالتشديد، كان اسم المفعول من: "شجوته" أشجوه؛ فهو مشجوٌّ وشجيٌّ". كذلك مقتول وقتيل، ومجروح وجريح. ثم انبرى بعد ذلك يسرد أمثلة مسموعة للمشدد تؤيد رأيه" ا. هـ. وقريب من هذا المثل في معناه قولهم أيضًا: "ما أهون على النائم القرير سهر المسهَّد المكروب". ٣ الخالي من الهم والحزن.
[ ٣ / ٢٨٦ ]
فإذا كان دالًا على أمر خلقي يبقى ويدوم، "مثل: لون، أو عيب، أو حلية، وكل هذا خلقي يبقى ويثبت" فالصفة في الغالب على وزن: "أفعل" للمذكر، و"فعلاء" للمؤنث؛ نحو: حمر فهو أحمر، خضر فهو أخضر، عرج فهو اعرج، عور فهو أعور، حور١ فهو أحور، كحل فهو أكحل ومنه قولهم: اشتهرت الخيول العربية برشاقة الجسم، وضمور البطن، وأنها دعجاء٢ المقلة، كحلاء العين، وَطْفاء الأهداب٣.
فالصفات المشبهة التي ماضيها مكسور العين -تدور معانيها الغالبة حول ثلاثة أشياء؛ أمور تطرأ وتزول سريعًا ولكنها تتردد كثيرًا، أو أمور تطرأ وتتكرر، تزول ببطء. أو أمور تثبت وتبقى في الغالب.
٢- إذا كان الثلاثي اللازم على وزن: "فعُل" "بضم العين" فالصفة المشبهة كثيرة الأوزان؛ فقد تكون على وزن: "فعيل"؛ مثل: شرُف فهو شريف، نبُل فهو نبيل، قبُح فهو قبيح.
أو: على وزن: "فَعْل"؛ مثل: ضخُم فهو ضخْم، شهُم فهو شهْم، صعُب فهو صعْب.
أو على وزن: "فَعَل"؛ مثل: حسُن فهو حَسَن، بَطُل٤ فهو بَطَل.
أو على وزن: "فَعَال"؛ مثل: جبُن فهو جبان، رزُنت المرأة فهي رزان٥، حصُنت فهي حصان، أي: عفيفة.
أو على وزن: "فُعَال"؛ مثل شجُع فهو شُجاع، فَرُت الماء "بمعنى: عذب"، فهو فُرَات.
_________________
(١) ١ الحور: شدة بياض العين مع شدة سوادها. ٢ الدعج: سعة العين مع شدة سوادها. "دعج، دعجًا، فهو أدعج، وهي: دعجاء". ٣ غريزة شعر الجفون "وطِف وطفًا؛ فهو: أوطف؛ وهي: وطفاء". ٤ صار بطلًا. ٥ بمعنى: متوقرة، غير طائشة. والكثير قصر هذا الوزن على المؤنث.
[ ٣ / ٢٨٧ ]
أو على وزن: "فُعْل": مثل: صلُب فهو صُلْب - أو على وزن: "فِعْل"؛ نحو ملُح الماء فهو مِلْح.
أو على وزن: فَعِل: مثل نَجُس الصديد فهو نَجِس.
أو على وزن: "فَاعِل"؛ مثل: طهُر فهو طاهر.
وليست الأوزان السابقة مقصورة على الصفة المشبهة المصوغة من مصدر: "فعُل" بضم العين، بل بعضها مقصور عليها؛ وهو: "فَعَل" كحسن، و"فَعَال": كجبان، و"فُعال": كشجاع وبعضها غير مقصور ولا مختص؛ لأنه مشترك بين فعُل -بضم العين- وفعِل، بكسرها. ومن هذا:
"فعيل"؛ مثل: بخُل الوضيع فهو بخيل. كرُم الماجد فهو كريم.
ومنه: "فَعْل"؛ مثل: سبط فهو سَبْط١، ضخم فهو ضَخْم؛ ومنه: "فِعْل" مثل؛ صفِر جيب المسرف؛ فهو صِفْر. ملُح ماء البحر فهو مِلْح.
ومنه: "فُعْل"؛ مثل: حَرَّ القوي فهو حُرٌّ، "والأصل: حَرِرَ". صلُب الحديد فهو صُلْب.
ومنه: "فَعِل"، كفرِح المنتصر فهو فَرِح. نَجُس الطعان الحرام فهو نَجِس.
ومنه: "فاعل"، مثل: صحِب الضوء الشمس فهو صاحب. طهر ثوب المصلى فهو طاهر.
٣- وإن كان الثلاثي اللازم على وزن "فَعَل" بفتح العين وهو أندر أفعالها. كما أسلفنا- فالصفة المشبهة على وزن فيعِل؛ نحو: مات يموت فهو ميت٢.
_________________
(١) ١ طويل. ٢ ومثله: ساد يسود؛ فهو: "سَيِّد. وإنما كان ساد ومات على وزن "فَعَل" بفتح العين؛ لأن مضارعهما بضم العين، وهذا لا يجيء إلا من ماضٍ مفتوح العين أو مضموم العين، ومضمومها لا يصلح هنا؛ لأنه -في الغالب- للمدح أو الذم، على غير ما هنا.
[ ٣ / ٢٨٨ ]
تلك أشهر الصيغ والأوزان القياسية للصفة المشبهة١.
وهناك صيغ أخرى سماعية، متناثرة في الكلام العربي الفصيح ومراجعه،
_________________
(١) ١ وقد عرض ابن مالك -كما أشرنا في رقم ٣ من هامش ص٢٣٩ ورقم ٥ من هامش ص٢٧١- لصياغة الصفة المشبهة في باب مختلط، عقده لصياغتها وصياغة اسم الفاعل واسم المفعول، عنوانه: "أبنية أسماء الفاعلين، والمفعولين، والصفات المشبهة بها". ونص ما جاء على حسب ترتيب أبياته: كفاعلٍ صغ اسم فاعل إذا من ذي ثلاثة يكون؛ كغَذَا "غذا الماء: سال. غذوت الوليد: أطعمته، أو ربيته. فالفعل لازم، ومتعدٍّ". يقول: صغ اسم الفاعل من الفعل الثلاثي المتصرف على مثال "فاعل" أي: على وزن فاعل. وضرب مثلًا للفعل الثلاثي هو "غذا"، ويصلح مثالًا للثلاثي المتعدي واللازم، إشارة إلى أن اسم الفاعل لا يختلف وزنه باختلاف تعدي الثلاثي أو لزومه. فالمهم أن يكون ثلاثيًا، أو على وزن "فعَل" -بفتح العين- كما يفهم من المثال، ومن الكلام الآتي بعد. ثم قال: وهو قليلٌ في: "فَعُلْت" و"فَعِلْ" غير معدًّى، بل قياسه "فَعِلْ" أي: أن صيغة "فاعل" قليلة إذا جاءت من مصدر الفعل "فعُل" أو "فعِل" اللازمين؛ نحو: حمُض فهو حامض، وطمِع فهو طامع. وبين أن اسم الفاعل في مصدرهما يجيء على وزن "فَعِل"؛ نحو: نجُس فهو نجِس، فرِح فهو فرِح، وبطِر فهو بطِر والحق أن هذه الصيغة ليست باسم فاعل حقيقي، وإنما هي صفة مشبهة -وقد سبق البيان في هامش ص٢٣٨ وكذلك الصيغ الآتية التي عرضها في البيت التالي، وفعلها هو "فعل" مكسور العين أيضًا. يقول: "وأفعَلٌ" "فعلان" نحو: أشِرِ ونحو صديانَ، ونحو: الأجهرِ يريد: أن "أفعل" و"فعلان" شأنهما كشأن: "فعِل" فكل من الثلاثة عنده هو اسم الفاعل من مصدر "فعل" الثلاثي اللازم مكسور العين، وضرب لها أمثلة هي أَشِر الأحمق فهو أَشِرٌ، وصدي الضال في الصحراء فهو صديان "كعطش فهو عطشان؛ وزنًا، ومعنى، وحكمًا". وجهر الرجل "لم يقدر على الإبصار في الشمس" فهو أجهر. وكل هذه صفات مشبهة، وليست باسم فاعل حقيقي، كما قد يفهم من ظاهر كلام ابن مالك "انظر هامش ص٢٣٨"، ولعل قصده -كما قال بعض الشراح- أن تلك الأفعال تدل في الغالب على معانٍ لازمة أو ما يشبهها، فيناسبها أن يصاغ منها صفات مشبهة بتلك الأوزان، لا أسماء فاعلين. ثم قال: "وفَعْلٌ" اولى "وفعيل" بِفَعُلْ كالضخْم، والجميل، والفعل جَمُلْ أي: أن الماضي الثلاثي إذا كان على "فعل" -بضم العين- فالأولى أن يكون اسم فاعله على وزان "فعل: أو "فعيل"؛ مثل: ضخم الفيل فهو ضخم، وجمل الغزال فهو جميل =
[ ٣ / ٢٨٩ ]
فإذا عرف المتكلم صيغة مسموعة مخالفة للصيغة القياسية جاز له استعمال ما يشاء منهما، ولكن الأفضل الاقتصار على المسموعة، ولا سيما الصيغة المشهورة.
_________________
(١) = ثم بين في البيت الآتي أن مجيء اسم الفاعل من مصدر ذلك الفعل على وزان: "أفعل"، أو: "فعل" قليل، نحو: خضب فهو أخضب. وبطل العربي فهو بطل، وكذلك بين أن اسم الفاعل -أحيانًا قليلة- لا يجيء من مصدر: "فعل" على صيغة "فاعل" التي هي الغالبة فيه؛ نحو، شاب الرجل فهو أشيب، وشاخ الشاب فهو شيخ، فقد استغني عن صيغة فاعل بأخرى. وفي هذا كله يقول: "وأفْعَلٌ" فيه قليل، و"فَعَلْ" وبسوى الفاعل قد يَغنَى "فَعَلْ" "غني يغنى، بمعنى: استغنى". ونكرر ما سبق أن كل الصيغ التي من مصدر الثلاثي وليست على وزن: "فاعل"، هي -على غير ما يفهم من ظاهر كلام ابن مالك- "صفات مشبهة"، وليست "اسم فاعل" إلا من طريق التسمية المجازية التي شاعت قديمًا حتى صارت اصطلاحًا عندهم؛ طبقًا للبيان السالف في هامش ص٢٣٨. ثم انتقل بعد ذلك إلى بيان صيغة اسم الفاعل من غير الثلاثي، فقال: إنها على وزن مضارعه، مع كسر متلوِّ الأخير "أي: كسر الحرف الذي يتلوه الأخير، ويجيء بعده" وضم ميم زائدة تجيء أول المضارع بدلًا من حرف المضارعة، نحو: "ساعد، يساعد، مساعد". "تكرم، يتكرم، متكرم". "واصل، يواصل، مواصل " يقول: وزنة المضارع اسم فاعل من غير ذي الثلاث؛ كالمواصلِ مع كسر متلوّ الأخير مطلقًا وضم ميمٍ زائدٍ قد سبقا يريد: زنة اسم الفاعل من مصدر الفعل غير الثلاثي هي زنة مضارعه، بشرط كسر الحرف الذي قبل الأخير في المضارع، وضم حرف الميم الزائد الذي يسبق بقية حروف المضارع؛ "لأنه يتصدر الفعل، ويحل محل حرف المضارعة". نحو: المواصل، والفعل الرباعي؛ هو؛ واصل، ومضارعه يواصل، واسم الفاعل: مواصِل. وقد تحقق المطلوب؛ بكسر الحرف الذي قبل الأخير، وحذف حرف المضارعة من الأولى، وإحلال الميم المضمومة الزائدة محله "وقد تكلمنا على كل ما سبق في ص٢٣٦". ثم انتقل بعد ذلك على الكلام على صيغة اسم "الفعل" من مصدر الفعل غير الثلاثي؛ فأوضح أنها هي صيغة اسم الفاعل من مصدر غير الثلاثي، ولكن بعد أن يفتح الحرف الذي قبل الآخر. فلا فرق بين صيغتيهما، وطريقة الوصول إليهما إلا في أمر واحد: هو أن الحرف الذي قبل الآخر مكسور في صيغة اسم الفاعل، مفتوح في صيغة اسم المفعول، نحو: مساعد، ومساعد -متكرِّم، متكرَّم، ومواصِل، ومواصَل. منتظِر. ومنتظَر أما صيغة اسم المفعول من مصدر الفعل الثلاثي فهي على وزن: "مفعول" باطِّراد؛ كالوزن الذي نأتي به من: "قصد" فنقول: مقصود. أو من "كتب" فنقول: مكتوب. وفيما سبق يقول:
[ ٣ / ٢٩٠ ]
أما إذا لم توجد صيغة مسموعة، أو وجدت ولكنه لا يعرفها١ فليس أمامه إلا استخدام الصيغة القياسية٢.
_________________
(١) = وإن فتحت منه ما كان انكسرْ صار اسم مفعول: كمثل: المنتظرْ وفي اسم مفعول الثلاثي اطَّرَدْ زنة مفعول، كآتٍ مِن: قَصَدْ أي: كالوزن الآتي من الفعل: قصد، وأشار بعد هذا إلى أن اسم المفعول من الثلاثي قد يكون على وزن "فعيل"، لا مفعول؛ فيعمل عمله -بشروطه- وأن هذا نقل عن العرب، وسماع منهم؛ فهو مقصور على النقل والسماع، ولا يجوز القياس عليه، بل يجب الوقوف عند ما ورد منه، لا نزيد عليه شيئًا. وقد مثل له: بفتاة كحيل؛ بمعنى مكحولة العينين، وفتى كحيل؛ بمعنى: مكحولهما. "ويلاحظ أن صيغة: "فعيل" التي بمعنى: "مفعول" يستوي فيها المذكر والمؤنث -غالبًا- فتستعمل بلفظ واحد لهما من غير زيادة تاء تدل على التأنيث، بشروط وتفصيلات يجيء الكلام عليها في الجزء الرابع، "الباب الخاص بالتأنيث"، وأهم هذه الشروط ألا يذكر قبلها الشيء الذي نتحدث عنه أو نَصِفُهُ، أي: الموصوف الذي يقوم به معناها ويتحقق فيه مدلولها" يقول: وناب نقلًا عنه ذو فعيلِ نحو: فتاة أو فتى كحيلِ وقد تكلمنا على كل ما سبق خاصًّا باسم المفعول في ص٢٧١. ذو فعيل: أي صاحب هذا اللون. موازنه". ١ لخفائها عن العلماء؛ لا لقصور وجهل من المتكلم. ٢ الصفة المشبهة قياسية "كما صرح بهذا في أول بابها الأشموني -وغيره- كالتصريح في أول باب: "كيفية أبنية أسماء الفاعلين وفي أول باب: الصفة المشبهة"؛ فيجوز صياغتها على وزن إحدى الصيغ التي عرضناها، بشرط أن تتحقق الشروط والأوصاف الخاصة بهذه الصيغة. ولا التفات إلى الرأي القائل بوجوب الاقتصار على الصيغ السماعية إن وجدت؛ لأن الأخذ بهذا الرأي معطل للقياس؛ منافٍ لمعناه الحقيقي، وللغرض منه. فوق ما فيه من إعنات ومشقة لا يحتملها جمهرة الخاصة، بله العامة؛ إذ يطالب بالرجوع إلى المراجع اللغوية، وجميع المظان الحاوية لمفرداتها، للبحث عن الصيغة السماعية قبل استعمال القياسية. فإذا ثبت عدم وجود صيغة سماعية جاز استعمال القياسية وليس هذا بمعقول ولا سائغ، بل ليس من صالح اللغة تضييقها على هذا الوجه المعوق لها، الحائل دون استعمالها، من غير فائدة مرجوة في هذا التحجير والإرهاق. وأعجب من هذا رأي آخر يحرم استخدام الصيغ القياسية مطلقًا "مع وجود أخرى سماعية أو عدم وجودها، كالذي قيل في صوغ المصدر ص١٨٨ وما بعدها". زاعمًا أن إيجاد الصيغة القياسية إنما هو إيجاد وخلق اللفظ لم ينطق به العرب أصحاب هذه اللغة، المستأثرون بخلق مفرداتها وكلماتها وهو زعيم خاطئ دفعناه مرارًا في أجزاء هذا الكتاب، وأوضحنا أسباب خطئه؛ قاصدين أن نكشف خطره وضرره، كي لا يجد له في أيامنا واهِمًا يأخذ به. وهذه المناسبة تحملنا إلى أن يعود فنردد هنا أيضًا ما سبق أن عرضناه في رقم ٣ من هامش ص١٨٨ من إباحة استخدام المصدر وغيره استخدامًا قياسيًّا مطردًا. ونشير بوجه خاص إلى كلام ابن جني المدون هناك، وهو كلام هامٌّ مفيد.
[ ٣ / ٢٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
وبهذه المناسبة نشير إلى حكم سبق١، فنردده لأهميته؛ وهو: أن الصفة المشبهة قد يراد منها النص على الحدوث؛ لحكمة بلاغية، مع قيام قرينة تدل على هذا المراد- فتصير اسم فاعل؛ لما اسمه، ومعناه، وحكمه، وتنتقل إلى صيغته الخاصة به، "وهي صيغة اسم "فاعل" من مصدر الثلاثي"؛ فلا بد أن تترك اسمها، وصيغتها، ومعناها، وحكمها، وتصير إليه في كل شأن من شئونه بغير إبقاء على حالها السابق. فإذا أردنا النص على وصف رجل بالفصاحة. وبيان أنها صفة ثابتة ملازمة له؛ ردًّا على من قال إنها طارئة عليه، مؤقتة -أتينا بالصفة المشبهة، "دون اسم الفاعل الحادث"؛ لأنها المختصة بهذه الدلالة، وتخيرنا من صيغها وأوزانها الصيغة الملائمة للمراد. فقلنا: "فصيح" وأجرينا على هذه الصيغة اسم "الصفة المشبهة وكل أحكامها، بشرط إرادة النص. ووجود القرينة الدالة عليه.
لكن إذا أردنا الدلالة على الحدوث نصًّا، وأن الفصاحة طارئة غير ملازمة -أتينا باسم الفاعل الحادث، دون الصفة المشبهة؛ لأنه المختص بهذه الدلالة نصًّا. وجئنا بصيغته الخاصة من مصدر الثلاثي، وهي صيغة "فاعل"، فقلنا: "فاصح" غدًا، مثلًا، وأجرينا عليها اسمه، وكل أحكامه وحده كما أسلفنا١.
وربما تترك الصفة المشبهة دلالتها على الدوام، وتدل على المضي وحده -وهذا نادر٢. أو تدل على الحال وحده، أو المستقبل كذلك، من غير أن تترك صيغتها، وإنما تظل عليها مع تغير الدلالة، وكل هذا حين توجد قرينة تدل على
_________________
(١) "١، ١" في ص٢٤١، ٢٤٢ حيث البيان والدليل. ٢ لتحقيق هذه المسألة يمكن الرجوع إلى: "الخضري" في أول باب: "الإضافة" عند قول ابن مالك: "وإن يشابه المضاف يفعل " حيث صرح أنها لا تكون للماضي وحده مطلقًا كما يمكن الرجوع للصبان أول باب: "الصفة المشبهة" حيث صرح بأنها مع القرينة قد تكون للماضي وحده، أو للحال وحده، أو للمستقبل كذلك. وساق مثالًا هو "كان زيد حسنًا فقبح، أو سيصير حسنًا، أو هو الآن فقط حسن"؛ ففي الحكم خلاف، والمختار ما قررناه من الندوة. ثم انظر رقم ١ في هامش الصفحة التالية؛ لأهميته.
[ ٣ / ٢٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أن المراد هو الاقتصار على: المضي، أو على الحال، أو على الاستقبال، وليس المراد الدوام١؛ بالرغم من بقاء الصيغة على صورتها؛ نحو: "هذا المتسابق سريع العدو في الساعة الماضية، بطيء الحركة الآن، وسيبدو بعد قليل فسيح الخطو، بعيد القفز، عظيم الأمل في الفوز". ولكن بقاءها على صيغتها مع تغير دلالتها بسبب اقتصارها على زمن بعيد خاص -ولا سيما الماضي- رأي ضعيف٢؛ لا يحسن اتباعه ولا القياس عليه؛ بالرغم من وجود القرينة الدالة على تغير الدلالة. أما إذا لم توجد القرينة فيجب تغيير الصيغة بتحويلها إلى صيغة: "فاعل"٣.
واسم الفاعل من الثلاثي إذا أريد به الدلالة على الثبوت -بشرط وجود قرينة- فإنه يصير صفة مشبهة يحمل اسمها دون اسمه، ويدل دلالتها، ويخضع لأحكامها وحدها. وتتغير صياغته؛ فتصير من الثلاثي على وزن من أوزانها القياسية، وقد يظل محتفظًا بصيغته التي كان عليها قبل الانتقال٤، إلى الدلالة الجديدة، بشرط وجود القرينة، كما في مثل: أهذا الطبيب رحيب الصدر؟ فيجاب: نعم، راحب الصدر٥. وقد بسطنا القول في كل هذا في موضعه من البابين.
_________________
(١) ١ جاء في "التصريح، شرح التوضيح" -ج٢ باب: "أبنية أسماء الفاعلين " أمثلة متعددة لها، قال بعد سردها ما نصه: "جميع هذه الصفات المتقدمة الدالة على الثبوت، صفات مشبهة باسم الفاعل إلا إذا قصد بها الحدوث؛ في أسماء الفاعلين" ا. هـ. وجاء في الحاشية تعليقًا على هذا نصه: "قوله: إلا إذا قصد بها الحدوث- قضيته: إن تلك الصيغ تستعمل للحدوث، وإن لم تحول إلى فاعل. فقولهم: "إذا قصدوا الحدوث حولت إلى فاعل" ليس بواجب إلا أن أريد النص على الحدوث كما يدل عليه قول الرضي؛ استدلالا لشيء ذكره. ولهذا اطرد تحويل الصفة المشبهة إلى: "فاعل" كحاسن وضائق عند قصد النص على الحدوث" ا. هـ. ٢ وسيجيء في ص٣٠٧. ٣ كما سيجيء في رقم ٣ ص٣٠٧. وانظر رقم ١ هنا. ٤ كما سبق في هامش ص٢٤٢، و"ج" من صفحتي ٢٤٥، ٢٦٤. ٥ بإضافة اسم الفاعل إلى فاعله؛ لتكون هذه الإضافة هي القرينة المطلوبة.
[ ٣ / ٢٩٣ ]
إعمالها:
الصفة المشبهة الأصلية١ مشتقة من مصدر الفعل الثلاثي اللازم؛ فحقها أن تكون كفعلها؛ ترفع فاعلًا حتمًا، ولا تنصب مفعولًا به. لكنها خالفت هذا الأصل، وشابهت اسم الفاعل المتعدي لواحد؛ "فإنه -كفعله المتعدي- يرفع فاعلًا حتمًا، وقد ينصب مفعولًا به"، وصارت مثله ترفع فاعلها حتمًا، وقد تنصب معمولًا٢ لا يصلح إلا مفعولًا به، ولكن هذا المعمول حين تنصبه لا يسمى مفعولا به، وإنما يسمى: "الشبيه بالمفعول به٣؛ إذ كيف يعتبر مفعولًا به وفعلها لازم لا ينصب المفعول به؟ لهذا يقولون في إعرابه حين يكون منصوبًا، إنه: "منصوب على التشبيه٤ بالمفعول به".
ولا تنصب هذا الشبيه إلا بشرط: "اعتمادها"٥؛ سواء أكانت مقرونة؛ "بأل" أم غير مقرونة. مثل الكلمات: القول، الطبع، القلب وفي قولهم: "إنما يفوز برضا الناس الحلو القول، الكريم الطبع، الشجاع القلب" ولا يشترط هذا الشرط لعملها في معمول آخر "غير الشبيه بالمفعول به": كالحال، والتمييز، وشبه الجملة
_________________
(١) ١ سبق في ص٢٨٤ أن الصفة المشبهة ثلاثة أنواع: أصيل، وملحق به، ومؤول. ٢ وهذا من أسباب تسميتها بالصفة المشبهة باسم الفاعل المتعدي لواحد. وسيجيء التفصيل في ص٢٨٨ وما بعدها، وفيها أنواع المعمولات التي تنصبها. ٣ كما سيجيء في رقم ٣ من ص٣٠٠. ٤ أشرنا إلى هذا في مناسبة سابقة "هامش ص٢٤٢، ٢٦٥" فقلنا إن السبب هو: صوغ الصفة المشبهة من مصدر فعل ثلاثي لازم، وقد ورد السببي بعدها منصوبًا لا يصلح أن يعرب نوعًا آخر من المنصوبات غير المفعول به، فأعربوه "شبيهًا بالمفعول به"، ولم يعربوه مفعولًا به؛ لئلا تخالف فعلها. وأيضًا فالمفعول به يقع عليه أثر فعل الفاعل. أما معمول الصفة المشبهة هذا فلا يقع عليه الأثر، فلم يجعلوا اسمه "مفعولا به" كاسم المنصوب الذي نصبه اسم الفاعل، مع أنه الصفة المشبهة سميت باسمها لشبهها باسم الفاعل في كثير من أحواله، ومنها عمل النصب. ففي مثل: الحاكم ضارب المذنب، يعرب "المذنب" مفعولًا به مباشرة، لأنه وقع عليه الضرب. لكن إذا قلنا: الحاكم سمح الطبع، لا يعرب "الطبع" إلا شبيهًا بالمفعول به؛ لأن السماحة لم تقع عليه وإنما قامت به، وفرق كبير بين الاثنين أوضحناه من قبل "في ج٢ ص٥٣ م٦٥". ومثل هذا حسن الرأي، جميل المظهر "راجع الشرح المفصل ج٦ ص٨١". ٤ سبق بيان الاعتماد في ص٢٤٩.
[ ٣ / ٢٩٤ ]
لأن كلمة "معمول" ليست مقصورة الدلالة على هذا الشبيه، ولا على النوع المنصوب منه. بل إن معمولها الشبيه البارز -ويسمى أيضًا السببي١"- يجوز فيه ثلاثة أوجه٢؛ أن يكون مرفوعًا على اعتباره فاعلًا لها، ويجوز أن يكون منصوبًا على التشبيه بالمفعول به إن كان هذا المعمول "أي: السببي" نكرة، أو معرفة: كالأمثلة السابقة، أو منصوبًا على التمييز بشرط أن يكون نكرة٣؛ "نحو الحلوُ قولًا، الكريم طبعًا، الشجاع قلبًا"، ويجوز أن يكون مجرورًا بالإضافة: "نحو: الحلو القول، الكريم الطبع، الشجاع القلب" أي: أن هذا المعمول السببي يجوز فيه -دائمًا- ثلاثة أوجه إعرابية؛ "إما الرفع على الفاعلية"٤، "وإما النصب على التشبيه بالمفعول به، إن كان المعمول -أي: السببي- معرفة أو نكرة، ويصح في المعمول النكرة دون المعرفة نصبه تمييزًا"، "وإما الجر على الإضافة"، ولا فرق في هذه الأوجه الثلاثة بين أن تكون الصفة المشبهة مقرونة "بأل" أو مجردة منها"، كما تقدم، ولا بين أن يكون هذا المعمول مقرونًا بها أو مجردًا منها. إلا أن المعمول المقرون بها لا يعرب تمييزًا كما عرفنا.
وفي جميع حالاتها لا يشترط لإعمالها: "الاعتماد"، إلا في الحالة الواحدة التي سبقت، وهي التي تنصب فيها "الشبيه بالمفعول به"٥.
_________________
(١) ١ تكرر في مناسبات مختلفة إيضاح معنى "السببي" والمراد منه؛ كالذي في رقم ٤ من هامش ص٢٦٤. ٢ هناك معمولات يمتنع فيها الرفع، وأخرى يجب. وسيجيء ذكرها في ص٣٠٤ وما بعدها. وهناك معمولات مجرورة وأخرى منصوبة، غير الشبيه بالمفعول به، منها: الحال، والتمييز، والظروف وغيرها مما سيجيء في ص٣٠٩، والمعمولات كلها بحالاتها الإعرابية المختلفة لا تقتضي اعتماد الصفة المشبهة إلا الشبيه بالمفعول به -كما سبق، وكما سيجيء في رقم ٣ من ص٣٠٠. ٣ لأن التمييز في الأغلب لا يكون إلا نكرة. ٤ في حاشية ياسين أول هذا الباب عند تعريف الصفة المشبهة: "أن نحو: زيد حسن ليس صفة مشبهة، ثم جاء بعد ذلك مباشرة ما نصه: "إن النحاة لا يسمونها صفة مشبهة إلا إذا خفضت أو نصبت" ا. هـ. ويفهم من هذا أنها لا تسمى صفة مشبهة في مثل: "فلان حسنٌ وجهُه"، ونحوه من كل ما وقع فيه فاعلها اسما ظاهرًا أو مستترًا. وهذا رأي مرفوض -بحق- إلا عند ابن هشام. ٥ راجع ص٢٩٤ ورقم ٣ من ص٣٠٠.
[ ٣ / ٢٩٥ ]
وينشأ من هذا التفريع صور متعددة أكثرها صحيح، وأقلها غير صحيح. ومن المشقة والإرهاق أن نتصدى لحصر صورهما، ونحدد عددهما على الوجه الذي فعله بعض الخياليين، فأوصلهما إلى مئات، بل ألوف١، وانتهى به التحديد إلى ما لا خير فيه.
وإذا كان التحديد على الوجه السالف خياليًا مرهقًا، فإن الحرص على سلامة الأداء، وصحة التعبير يقتضينا أن نعرف الصور الممنوعة؛ كي نتجنبها، ونصون أنفسنا من الخطأ. وقد وضع لها النحاة ضابطًا نافعًا، يسهل فهمه واستيعابه، فقالوا٢:
يمتنع جر المعمول في كل صورة جمعت ما يأتي كاملًا؛ حيث لا يصح إضافة الصفة المشبهة إلى معمولها:
١- إفراد الصفة المشبهة "بأن تكون غير مثناة، وغير جمع مذكر سالم".
٢- اقترانها "بأل".
٣- تجرد معمولها من "أل"، ومن الإضافة إلى ما فيه أل، ومن الإضافة إلى المختوم بضمير يعود على ما فيه "أل".
٤- تجرد الموصوف من "أل".
فيمتنع الجر في: غرد محمود الرخيمُ٣ صوتِهِ، ولا يمتنع في: غرد الطائر الرخيمُ صوته. فإذا كانت الصفة بـ"أل"، وكذلك معمولها صح الجر بالإضافة مثل: لا تجادل إلا السمحَ الخلقِ، العفَّ القولِ، الأمينَ الزللِ.
ويجوز الجر بالإضافة أيضًا إذا كانت الصفة مقرونة بـ"أل" والمعمول مجردًا، لكنه مضاف إلى المقترن بها: مثل: هذا الحكيم إعدادِ الخطط، الحسنُ تدبيرِ الأمور. كما يجوز الجر إن كانت الصفة مقرونة بـ"أل"، ومعمولها مجرد من: "أل"، ولكنه مضاف لمضاف إلى ضمير يعود على المقرون بها،
_________________
(١) ١ كما جاء في حاشية الصبان وغيره من المطولات. ٢ راجع حاشية الخضري. ٣ الضمير عائد على؛ "محمود": وهو خال من: "أل".
[ ٣ / ٢٩٦ ]
مثل: راقني الطاووس البديعُ لونِ ريشِهِ؛ فإن الضمير الذي في آخر كلمة: "ريش" عائد على الطاووس وفيه "أل". وهكذا.
هذا هو الضابط العام الذي يرشدنا إلى المعمول الذي يمتنع جره بالإضافة، ويوضح الصور الكثيرة التي لا يجوز فيها إضافة الصفة المشبهة إلى معمولها. وأقرب هذه الصور للخاطر: الأربعة الآتية١، وهي حالات جر ممنوع حين يكون فيها الموصوف مجردًا من: "أل".
١- أن تكون الصفة مقرونة بـ"أل" والمعمول مجرد منها، مضاف إلى ضمير الموصوف الخالي منها؛ نحو: إبراهيم النبيلُ خلقِهِ.
٢- أن تكون الصفة مقرونة بـ"أل" والمعمول مجرد منها، مضاف إلى مضاف لضمير الموصوف الخالي منها؛ نحو: إبراهيم النبيلُ خلقِ والده.
٣- أن تكون الصفة مقرونة بـ"أل" والمعمول مجرد منها، مضاف إلى الخالي من "أل" والإضافة؛ نحو: هذا النبيل خلقِ والدٍ.
٤- أن تكون الصفة مقرونة بـ"أل" والمعمول مجرد منها، خالٍ من "أل" والإضافة؛ نحو: هذا النبيل خلقٍ.
_________________
(١) ١ عدها الأشموني تسعًا نكتفي بالإشارة إليها. وفي الصفحة التالية تقسيم آخر حسن.
[ ٣ / ٢٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) زيادة وتفصيل: أ- سلك بعض النحاة مسلكًا حسنًا آخر؛ لبيان أكثر الصور الصحيحة والممنوعة التي تتردد على الخواطر؛ فقال: الصفة المشبهة إما أن تكون مقرونة بـ"أل"، وإما أن تكون مجردة منها؛ فإذا كانت مقرونة بـ "أل" فلمعمولها ستة أحوال يمتنع الجر في بعضها:
(٢) أن يكون مقرونًا بـ"أل" أيضًا مثل: أحب الكتاب العظيم الفائدة.
(٣) أن يكون مجردًا من "أل" ولكنه مضاف للمقرون بها: مثل: أحب الكتاب العظيم فائدة البحوث.
(٤) أن يكون مجردًا من "أل" ولكنه مضاف لضمير يعود على الموصوف مثل: أحب الكتاب العظيم فائدته.
(٥) أن يكون مجردًا من "أل" ولكنه مضاف لمضاف للمقرون بضمير يعود على الموصوف؛ مثل: أحب الكتاب العظيم فائدة بحوثه.
(٦) أن يكون مجردًا من "أل"، ولكنه مضاف إلى الخالي من "أل" والإضافة؛ مثل: أحب الكتاب العظيمَ فائدةِ بحوث.
(٧) أن يكون مجردًا من "أل" ومن الإضافة معا؛ نحو: أحب الكتاب العظيمَ فائدة. وهذه الحالات الست قد يكون المعمول في كل واحدة منها مرفوعًا، أو منصوبًا. أو مجرورًا، فمجموع الصور ثماني عشرة صورة. وبعضها يمتنع فيه جر المعمول. هذه أحوال المعمول وصوره حين تكون الصفة مقرونة بـ"أل". فإن كانت مجردة منها فله ست حالات هي الحالات السالفة نفسها مع تجريد الصفة من "أل" وبعد هذا التجريد يكون المعمول في كل حالة مرفوعًا أو منصوبًا، أو مجرورًا، فله ثماني عشرة صورة أيضًا، بعضها يمتنع جره كذلك. فمجموع صوره
[ ٣ / ٢٩٨ ]
في حالتي اقتران الصفة "بأل" وعدم اقترانها هو: ست وثلاثون صورة بعضها يمتنع جره.
وأظهر الممنوع منها هو الأربعة التي سبق إيضاحها قبل هذه الزيادة مباشرة١. "وهناك غيرها ممنوع ولكن لا حاجة للإثقال بسرده؛ لقلة وروده على الأذهان، وندرته في الأساليب الناصعة".
ب- ما ليس ممنوعًا من الصور يجوز استعماله. ولكنه -مع جواز استعماله- متفاوت في درجته؛ حسنًا وقبحًا، وقوة وضعفًا:
١- فمن القبيح أن ترفع الصفة المقرونة: بـ"أل" أو المجردة منها، فاعلًا نكرة؛ نحو: صلاح الحسن وجه، أو الحسن وجه أب أو: صلاح حسن وجه، و
ومن القبيح أيضًا أن تكون الصفة مقترنة بأل، أو مجردة، ومرفوعها مقرونًا "بأل"، أو مجردًا منها. ولهذا صور أربع.
٢- من الضعيف: أن تكون الصفة المشبهة نكرة ومعمولها معرفة منصوبة أو مجرورة، إلا إذا كان المعمول "بأل"، أو مضافًا لما فيه "أل".
ومن الضعيف أيضًا: أن تكون الصفة "بأل" مضافة على معمولها الخالي منها. ولكنه مضاف لضمير يعود على المقرون بها.
وما عدا حالتي القبح والضعف -مما ليس ممنوعًا- حسن قوى.
_________________
(١) ١ في ص٢٩٧.
[ ٣ / ٢٩٩ ]
المسألة ١٠٥:
أوجه التشابه والتخالف بينها وبين اسم الفاعل المتعدي لواحد ١:
يجدر بنا الآن -وقد عرفنا أحوال كل منهما وقياسيته، وفرغنا من شرح أحكامهما- أن نعرض لموازنة نافعة بينهما.
أ- إنها تشبهه في أمور، ومن أجل هذه الأمور مجتمعة٢ سميت: "الصفة المشبهة باسم الفاعل المتعدي لواحد". وأهم هذه الأمور المشتركة بينهما:
١- الاشتقاق. فإن لم تكن مشتقة -كما في بعض أنواعها٣ القليلة- فليست بصفة أصيلة مشبهة باسم الفاعل، وإنما هي صفة مشبهة على وجه من التأويل، نحو: عرفت رجلًا أسدًا أبوه، أو نمرًا خادمه، أو ثعلبًا حارسه ونحو: هذه قمر وجهها، حرير شعرها، "ويجوز في كل هذا النوع زيادة ياء النسب في آخره" والمعنى التأويلي شجاع أبوه، غادر خادمه، ماكر حارسه، مضيء أو جميل وجهها، ناعم شعرها و
وهذا النوع المؤول٣ قياسي -على قلته- ولكن يحسن التخفف منه قدر الاستطاعة.
٢- الدلالة على المعنى وصاحبه.
٣- عملها النصب في "الشبيه بالمفعول به" بشرط اعتمادها. ولكن هذا الاعتماد عام في المقرونة "بأل" والمجردة منها. "وقد سبق بيان هذا عند الكلام
_________________
(١) ١ أما غير المتعدي فلا تشبهه؛ لأنها تعمل النصب فيما يسمى: الشبيه بالمفعول به. وأما الفعل اللازم فلا ينصب المفعول به، ولا ما يشبهه. أما المتعدي لأكثر من واحد فلا تشبهه؛ لأن الصفة المشبهة الأصيلة مشتقة من فعل لازم. ٢ مجموعها كاملًا هو السبب في التسمية؛ لا بعضها. "٣، ٣" راجع الكلام عليه في ص٢٨٤.
[ ٣ / ٣٠٠ ]
على إعمالها، كما سبق١ تفصيل الاعتماد، وما يتصل به في موضعه المناسب من باب اسم الفاعل٢، ومنه يعلم أن الاعتماد ضروري لعمل اسم الفاعل النصب إذا كان غير مقترن بـ"أل" أما هي فالاعتماد ضروري لها في الحالتين٣، إذا أريد أن تنصب الشبيه ".
ومما تجب ملاحظته أن الاعتماد شرط في نصب الصفة المشبهة لما يسمى: "الشبيه بالمفعول به"، أما غيره فتعمل عملها فيه بدون شرط؛ كالرفع في فاعلها، والجر فيما أضيف إليها، والنصب في كل المنصوبات الأخرى؛ ومنها: الحال، والتمييز، والمفعول لأجله، والظرف، والمفعول المطلق٤، وكل معمول مرفوع، أو مجرور، أو منصوب. إلا المنصوب على "التشبيه بالمفعول به" فلا بد فيه من الاعتماد.
٤- قبول التثنية. والجمع، والتذكير، والتأنيث، مثل: "جميل، جميلة، "جميلان، جميلتان"، "جميلون، جميلات"، ومثل: "حسن، حسنة"، "حسنان، حسنتان"، "حسنون، حسنات"، وهكذا و
فإن لم تصلح للتثنية والجمع والتذكير والتأنيث؛ فليست صالحة لأن تكون صفة مشبهة؛ مثل كلمتَي: "قنعان"٥، و"دلاص"٦؛ فلكتاهما تستعمل بلفظ واحد للمفرد وفروعه، وللمذكر والمؤنث، تقول: "رجل، أو رجلان، أو رجال. أو امرأة، أو امرأتان، أو نسوة"، قُنْعَان، في كل حالة مما سبق. "وهذه درع أو هاتان درعان
_________________
(١) ١ في ص٢٩٤، ٢٩٥. ٢ في ص٢٩٤. ٣ فاقترانها بـ"أل" أيضًا يقتضي الاعتماد؛ بناء على الرأي القوي الذي يجعل "أل" فيها للتعريف. "انظر رقم ٢ ص٣١٣". ٤ نصب المفعول المطلق في مذهب يحسن الأخذ به. ٥ القنعان "بضم القاف، وسكون النون" من يستطيع إقناع غيره بكلامه، ويحمله على الرضا برأيه. ٦ درع دلاص: براقة لينة.
[ ٣ / ٣٠١ ]
أو هؤلاء دروع" -دلاص، في كل حالة أيضًا. ومثل كلمة: "مرضع" في نحو: ما أعظم حنان، مرضع الأولاد. فإن هذه الكلمة لا تلحقها علامة التأنيث -غالبًا-١، لأنها خاصة بالمؤنث، ولا تستعمل بهذا المعنى في المذكر.
_________________
(١) ١لإلحاق التاء بهذه الكلمة أو عدم إلحاقها بيان جليل في رقم ٢ من هامش ص ٢٤٦.
[ ٣ / ٣٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
بمناسبة الإشارة إلى تأنيث "الصفة المشبهة" وتذكيرها نعرض للحالات التي يجب أن
تطابق فيها الموصوف وحده، أو السببي وحده، والحالات التي يجوز فيها مطابقة هذا، أو ذاك. ويشترط أن تكون الحالات السالفة وأحكامها مقصورة على تأنيث الصفة المشبهة وتذكيرها حين ترفع السببي للمنعوت:
١- إذا رفعت الصفة المشبهة سببيًّا للمنعوت، وكانت صالحة١ في لفظها ومعناها للمذكر والمؤنث جاز أن تطابق هذا أو ذاك، سواء أكانا مذكرين معًا. أم مؤنثين معًا، أم مختلفين تذكيرًا وتأنيثًا، فمثال المذكرين معًا: هذا عالم عظيم نفعه. ومثال المؤنثين معًا: هذه عالمة عظيمة والدتها. ومثال المنعوت المذكر والسببي المؤنث: هذا عالم عظيمةٌ تلميذاتُه، أو عظيمٌ تلميذاتُه، ومثال المنعوت المؤنث والسببي المذكر: هذه عالمة عظيمٌ اختراعُها، أو عظيمةٌ اختراعها.
وسبب الإباحة في هذه الحالة أن الكلمة صالحة١ للأمرين مع زيادة تاء التأنيث في المؤنث، وانتفاء القبح اللفظي والمعنوي٢ منها. بخلاف الصور الآتية، فإن فيها قبحًا، ولذا تمتنع المطابقة.
٢- إذا كان لفظها -دون معناها- مختصًا بأحدهما وجب -في الأغلب- أن يكون المنعوت مثلها في التذكير، أو في التأنيث، ولا يصح -في الرأي الأغلب- أن تقع نعتًا لما يخالف لفظها في التذكير أو التأنيث؛ مثل كلمة:
_________________
(١) ١ صلاحها بأن تكون صيغتها بما يستعمل لنعت المذكر حينًا، ولنعت المؤنث حينًا آخر؛ فلا يكون وزنها أو معناها مختصًّا بأحدهما، لا يستعمل في الآخر. ٢ "ملاحظة": بالرغم من جواز الأمرين في الصور السالفة يحسن مراعاة السببي تذكيرًا وتأنيثًا. وذلك بوضع فعل مكان الصفة المشبهة وتطبيق ما يجري على هذا الفعل من ناحية التذكير والتأنيث على الصفة المشبهة؛ فإذا وجب تأنيث الفعل أو جاز أو امتنع كان الشأن في حكم الصفة المشبهة مثله. وبهذا يتوحد الحكم هنا وفي باقي أنوع النعت السببي الذي يجيء في ص٤٥٢.
[ ٣ / ٣٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عجزاء١ و نحو: تلك فتاة عجزاء أختُها. فلا يصح: ذلك فتى عجزاء أختُه.
٣- وكذلك إن كان معناها -دون لفظها- مختصًّا بأحدهما، فلا يصح -في الأغلب- أن تقع نعتًا لما يخالف معناها في التذكير أو التأنيث، مثل: كلمتَي: خصي، ومرضع٢ و في قول بعض المؤرخين: يصف بيت أحد المماليك وشاهدت مملوكًا خصيًّا خادمه، وأميرًا مرضعًا جاريتها و فلا يصح: مملوكة خصيًّا خادمها، ولا أميرًا مرضعًا جاريته.
٤- وكذلك إن كان لفظها ومعناها مختصين بأحدهما؛ كأكمر "وهو خاص بالذكور"، ورتقاء "وهو خاص بالنساء"؛ نحو: انصرف رجل أكمرُ وليدُه. وعجبتْ أمٌّ رتقاءُ وليدتُها. فلا يصح -في الأغلب- انصرفت امرأة أكمرُ ابنها، ولا: عجب والد رتقاءُ بنته
ومن النحاة من يجعل الحالات الثلاث الأخيرة كالحالة الأولى، فيجيز أن تقع الصفة بعد موصوف يخالفها لفظًا فقط، أو معنى فقط، أو لفظًا ومعنى معًا، فلا فرق عنده في جميع الأحوال الأربعة السابقة من حيث التذكير والتأنيث. فيجيز أن تكون الصفة مطابقة فيهما للموصوف أو للسببي. وهذا الرأي -على قلة أنصاره- سائغ؛ لما فيه من التيسير، ومنْع التشعيب، مع موافقته لبعض النصوص العربية الفصيحة. ولكن الرأي الأول أكثر شيوعًا في النصوص العالية المأثورة التي تمتاز بسمو عبارتها، وقوة بلاغتها، وبُعدها من القبح اللفظي.
كل ما سبق مقصور على الحالات التي ترفع فيها الصفة المشبهة سببي المنعوت. لكن هناك بعض حالات خاصة تحتاج إلى إيضاح٣؛ ففي مثل: "مررت
_________________
(١) ١ امرأة عجزاء: أي: كبيرة العجيزة؛ "وهي: المقعدة"، ولا يقال في الفصيح: رجل أعجز. ٢ لكلمة "مرضع " بيان خاص بمعناها وبإلحاق تاء التأنيث بآخرها، أو عدم إلحاقها في رقم ٢ من هامش ص٢٤٦. ٣ ما يأتي هو ما أشرنا إليه في رقم ١ من هامش ص٢٦٨.
[ ٣ / ٣٠٤ ]
بفتاة حسن الوجهُ" يكون السببي -وهو: الوجه- واجب الرفع، لا يجوز فيه الجر بالإضافة؛ لأن الجر بالإضافة يقتضي إزالة الإسناد عنه "بالطريقة التي سبق شرحها في ص٢٦٨ والتي ستأتي في "ب" ص٣١٠"، وتحويله إلى ضمير الموصوف وهو الضمير المستتر في الصفة، ومتى تحملت الصفة المشبهة هذا الضمير المستتر وجب -في المثال السالف وأشباهه- "تأنيثها بالتاء؛ مراعاة للمنعوت: فعدم التأنيث في المثال السابق وأشباهه دليل على أن المعمول ليس "مضافًا إليه" مجرورًا؛ وإنما هو فاعل واجب الرفع.
وقد يتعين عدم الرفع؛ كما في: "امرأة حسنة الوجهِ"؛ لأن "الوجه" لو كان فاعلًا لوجب تذكير الوصف للسبب السالف. وقد يجوز الأمران -الرفع والجر- كما في: "مررت برجل حسن الوجهُِ".
فالصفة المشبهة إذا تحملت ضميرًا مستترًا للموصوف وجب مطابقتها في التأنيث والتذكير لذلك الموصوف، ووجب أن يكون معمولها غير فاعل١
_________________
(١) ١ ملاحظة: راجع كل الحالات السابقة وتوابعها في حاشية الصبان، آخر الباب عند قول ابن مالك: "فارفع بها"
[ ٣ / ٣٠٥ ]
ب- وتخالفه في أمور وأحكام هامة؛ توضح حقيقة كل منهما، وتميزه من الآخر؛ منها:
١- اشتقاقها من الفعل اللازم حقيقة، أو من المتعدي الذي هو في حكم اللازم وفي منزلته؛ فمثال الأول: حسن، وجميل؛ في نحو: "الغزال حسن الصورة، جميل العينين"، وفعلهما: حسُن وجَمُل "بضم عينهما". وهما فعلان لازمان. وكذلك سَمْح، وجامد، في قول الشاعر:
السمح في الناس محبوب خلائقه والجامد١ الكف ما ينفك ممقوتا
وفعلهما: "سَمُح، وجمد"، وهما لازمان.
ومثال الثاني: "هذا فارع٢ القامة، عالي الرأس؛ إذا أريد بكل من: "فارع" و"عالٍ" الثبوت والدوام٣، لا التجدد والحدوث. وفعلهما: "فرع" وعلا؛ وكلاهما متعدٍّ. ولكن مجيء الصفة المشبهة من مصدره -عند إرادة الثبوت نصًّا- جعله بمنزلة اللازم؛ إذ إنها لا تصاغ أصالةً إلا منه، ولا تصاغ من المتعدي إلا على هذا الاعتبار الذي يجعله بمنزلة اللازم٤. أما اسم الفاعل فيصاغ من اللازم والمتعدي بغير تقيد بأحدهما.
١- تعدد صيغها القياسية وكثرة الأوزان المسموعة؛ بخلاف اسم الفاعل؛ فإن له صيغة قياسية واحدة إذا كان فعله ثلاثيًا؛ وهي صيغة: "فاعل". وأخرى على وزن مضارعه مع إبدال أوله ميما مضمومة وكسر الحرف الذي قبل الآخر -كما عرفنا- إذ كان فعله غير ثلاثي. والصيغتان محدودتان مضبوطتان.
_________________
(١) ١ جامد الكف هو: البخيل. وكلمة: "جامد" في أصلها اسم فاعل، ولكنها هنا صفة مشبهة، بقرينة لفظية؛ هي إضافتها إلى الفاعل، "واسم الفاعل إذا أضيف لمرفوعه صار صفة مشبهة؛ طبقًا لما تقرر في بابه " وأخرى معنوية، هي: أن الجمود -بمعنى: البخل- صفة من الصفات الثابتة التي تلازم صاحبها غالبًا. ٢ طويل مرتفع ٣ يدل على هذا هنا إضافة اسم الفاعل إلى فاعله؛ لأن إضافته لمرفوعه تصيره صفة مشبهة. ٤ راجع إيضاح هذا وبيان أنواع اللزوم في هامش ص٢٦٧، ومن تلك الأنوع: أن يحول الثلاثي المتعدي إلى صيغة "فعُل" "بضم العين" بقصد المدح أو الذم أو غيرهما، فيصير لازمًا بالتحويل؛ "لأن هذه الصيغة لا تكون إلا لازمة". وعندئذ تجيء الصفة المشبهة من مصدره قياسًا، ومن ثم كان "الرحمن"، و"الرحيم" و"العليم" ونظائرها من صفات المولى -معدودًا- من الصفات المشبهة مع أن فعلها الأصلي: هو: "رحِم"، "علِم" وهما فعلان متعديان.
[ ٣ / ٣٠٦ ]
٣- دلالتها على معنى دائم الملازمة لصاحبه، أو كالدائم؛ فلا يقتصر على ماضٍ وحده، أو حال وحده، أو مستقبل كذلك، أو على اثنين دون الثالث، فلا بد أن يشمل معناها الأزمنة الثلاثة مجتمعة مع دوامه أو ما يشبه الدوام كما شرحنا. وهذا يعبر عنه بعض النحاة بأنه: "دلالتها على معنى في الزمن الماضي المتصل بالحاضر١ الممتد، مع الدوام"؛ لأن اتصال الماضي بالحاضر، ودوام هذا الحاضر، وامتداده يستلزم اتصال الأزمنة الثلاثة حتما. فغاية العبارتين واحدة. وعلى هذا لا يصح أن يقال في الرأي الأقوى الذي يجب الاقتصار عليه: الوجه حسنٌ أمس، أو الآن، أو غدًا. أما على الرأي الضعيف الذي سبق أن أشرنا بإهماله٢ فيجوز -بشرط وجود قرينة- بقاءُ الصفة المشبهة على صيغتها مع تغير دلالتها إلى الماضي، أو الحال، أو المستقبل. وأما على الرأي القوي فنقول في هذه الصور وأمثالها مما يقتصر فيه المعنى على نوع من الزمن دون اكتمال الأنواع كلها: الوجه حاسنٌ أمس، أو: الوجه حاسنٌ الآن، أو: الوجه حاسنٌ غدًا؛ وذلك بتحويل صيغة الصفة المشبهة إلى صيغة اسم الفاعل، وإخضاعها لأحكامه كلها. وهذا الرأي وحده أحق بالأخذ. وقد سبق أن أوضحنا٣ أن من يريد الدلالة على ثبوت الوصف ودوامه نصًّا فعليه أن يجيء بالصفة المشبهة، ومن يريد الدلالة نصًّا على حدوثه وتقييده بزمن معين دون باقي الأزمنة فعليه أن يجيء باسم الفاعل. وأنه لا بد مع الإرادة من قرينة تبين نوع الدلالة؛ أهي الثبوت والدوام، أم الحدوث.
ولا فرق في دلالتها على دوام الملازمة بين أن يكون الدوام مستمرًّا لا يتخلله انقطاع؛ "كطويل القامة، حلو العينين"، وأن يتخلله انقطاع أحيانًا، "نحو: سريع الحركة، بطيء الغضب"، فيمن طبعه هذا؛ فإن الانقطاع الطارىء -ولو تكرر- لا يخرج الصفة عن أنها في حكم الملازمة لصاحبها؛ إذ إنها من عاداته الغالبة عليه٤.
_________________
(١) ١ أي: بالزمن الحالي. ٢ في ص٢٩٣. مع الرجوع إلى رقم ١ من هامش ص٢٩٣. ٣ في ص٢٤٢ عند الكلام على اسم الفاعل، وأحكامه، ثم في ص٢٩٣. ٤ على الوجه الذي سبق في هامش ص٢٨٢.
[ ٣ / ٣٠٧ ]
٤- مجاراتها لمضارعها في حركاته وسكناته حينًا، وعدم مجاراته أحيانًا إن كان فعلها في الحالتين ثلاثيًّا. "والمراد بالمجاراة أمران: أن يتساوى عدد الحروف المتحركة والساكنة في كل منهما، وأن يكون ترتيب المتحرك والساكن فيهما متماثلا، فإن كان الثاني أو الثالث أو الرابع -أو غيره- في أحدهما متحركًا كان في الآخر كذلك. أو كان ساكنًا فهو ساكن في الآخر. وليس من اللازم أن يتفق نوع الحركة في كل منهما؛ فقد يكون الأول مفتوحًا في أحدهما، مضمومًا في الآخر مثلًا.
فمن أمثلة المجاراة بينهما قولهم في الذم: فلان ساكن الريح١، أشأم الطالع، والمضارع من الثلاثي هو: يسكن. يشؤم. ومن الأمثلة المخالفة: رخيص، ثمين، نجيب، هجين، لطيف، وغيرها مما في قول شوقي:
"الوطن كالبنيان؛ فقير إلى الرأس العاقل، والساعد العامل، وإلى العتب الوضيعة، والسقوف الرفيعة. وكالروض محتاج إلى رخيص الشجر وثمينه، ونجيب النبات وهجينه؛ إذ كان ائتلافها في اختلاف رياحينه؛ فكل ما كان منها لطيفًا موقعه، غير نابٍ موضعه فهو من نوابغ الزهر قريب، وإن لم يكن في البديع ولا الغريب ". وأفعالها المضارعة التي لا تجاريها "وهي من الثلاثي": يرخص، يثمن، ينجب، يهجن، يلطف
أما الصفة المشبهة من مصدر غير الثلاثي٢ فلا بد من مجاراتها لمضارعها؛ إذ هي في الأصل اسم فاعل أو اسم مفعول من غير الثلاثي وهما من غير الثلاثي يجاريان المضارع حتمًا، ثم أريد من كل منهما الثبوت؛ فصار صفة مشبهة على هذا الاعتبار -كما عرفنا- لأن الصفة المشبهة لا تصاغ أصالة إلا من ثلاثي؛ فوجب أن تكون من غير الثلاثي مجارية لمضارعها. ومن الأمثلة: فلان مستقيم الخطة، معتدل النهج، مسدد الرأي. ومضارعها: يستقيم، يعتدل، يسدد و
_________________
(١) ١ أي: ثقيل الظل. ١ وهذا إن كانت في أصلها اسم فاعل، أو اسم مفعول، وقد تحول كل منهما إليها في الدلالة.
[ ٣ / ٣٠٨ ]
أما اسم الفاعل فلا بد أن يجاري مضارعه دائمًا١ -نحو: ذاهب، ويذهب، فاهم ويفهم، سامع ويسمع. ونحو: مكافح ويكافح، مرتفع ويرتفع، متمهل ويتمهل.
٥- امتناع تقديم معمولها عليها إن كان "شبيهًا بالمفعول به"٢، أما غيره فيصح؛ كشبه الجملة، والمنصوبات الأخرى التي ينصبها الفعل القاصر والمتعدي والتي يجوز تقديمها؛ كالمفعول لأجله، والحال، و و فلا يصح الغزال العين جميل؛ بنصب كلمة: "العين" على التشبيه بالمفعول به للصفة المشبهة بعدها.
أما اسم الفاعل فيجوز تقديم معموله عليه في حالات كثيرة إذا كان٣ غير مقرون بـ"أل" مثل: العواصف شجرًا مقتلعةٌ، والسحب الكثيفة نور الشمس حاجبةٌ. والأصل: مقتلعة شجرًا، حاجبة نور الشمس.
وكذلك يجوز في الصفة المشبهة تقديم معمولها عليها إن كان شبه جملة أو فضلة ينصبها العامل المتعدي واللازم ولا يمنع من تقديمها مانع آخر كما قلنا. ومن أمثلة هذا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فشبه الجملة: "على كل شيء" متعلق بالصفة المشبهة: "قدير"، وكذلك ما ورد في وصفهم عمر ﵁: "كان بالضعفاء رحيم القلب، لين الجانب، وعلى الطغاة شديد البأس، قاسي الفؤاد. وأمام الشدائد ثقة بالله. ثبت الجنان، قوي الإيمان "، والأصل: "كان رحيم القلب بالضعفاء شديد البأس على الطغاة، ثبت الجنان أمام الشدائد، ثقة بالله.
٦- وجوب سببية معمولها المجرور، أو المنصوب على التشبيه بالمفعول به. فلا بد أن يكون معمولها سببيًا في الحالتين، وكذلك إذا كان معمولها
_________________
(١) ١ كما أشرنا في ص٣٧ وفي هامش ص٢٣٨. ٢ وبمقتضى القواعد العامة لا يجوز تقديم معمولها المرفوع، ولا المضاف إليه. ٣ وقد عرضنا لتلك الحالات في بابه ص٢٦٣.
[ ٣ / ٣٠٩ ]
مرفوعًا، والصفة جارية على موصوف. والمراد بالسببي١: الاسم الظاهر المتصل بضمير يعود على صاحبها٢، اتصالًا لفظيًا أو معنويًا. فمثال اللفظي: لنا صاحب سمح خليقته، حلو شمائله، كريم طبعه، تهفو القلوب إليه كأنما بينه وبينها نسب، وقول الشاعر:
لقد كنت جلدًا قبل أن توقد النوى على كبدي نارًا بطيئًا خمودها
فكل كلمة من الكلمات: خليقة، شمائل، طبع، خمود معمول للصفة المشبهة التي قبله، وهو معمول سببي؛ لأنه اسم ظاهر، متصل بضمير يعود -مباشرة- على المتصف بمعنى تلك الصفة.
ومثال المعنوي قول الفرزدق في مدح زين العابدين بن الحسين:
سهل الخليقة، لا تخشى بوادره تزينه الخصلتان: الحلم٣، والكرمُ
لا يخلف الوعد ميمون بغرته رحب الفناء، أريب حين يعتزمُ
والأصل: سهل الخليقة منه، رحب الفناء منه، أي: من زين العابدين في المثالين. فالضمير محذوف مع حرف الجر، وهو مع حذفه ملحوظ كأنه موجود٤. أو أنه لا حذف في الكلام. وأن "أل" الداخلة على السببي تغني عن الضمير٥.
أما اسم الفاعل فيعمل في السببي والأجنبي، مثل: "مكرم، مكرمة، منكرة، عاطفة في قولهم: "تكريم العظيم تأييد له، ونصر للفضيلة، وتكريم الحقير إغراء له، ومشاركة في جرائمه؛ فشتان بين مكرم عظيمًا
_________________
(١) ١ سبق إيضاح السببي مرة أخرى بتمثيل جلي في رقم ٤ من هامش ص٢٦٤. واشتراط سببية المعمول مقصور على حالتي نصبه على التشبيه بالمفعول به، أو جرِّه بالإضافة. أما المعمول المرفوع أو المنصوب على اعتبار ووجه آخر؛ كباقي المكملات المنصوبة -فلا يشترط فيه السببية؛ فيجوز أن يكون أجنبيًّا في الحالتين: نحو: أجميل النجمان؟ وما مظلم الفرقدان: "وهما، نجمان متقاربان" والوالد بك فرح. ولكن نجيب السببية في مرفوعها -كما قلنا -إذا جرت الصفة على موصوف أي على شيء يجري عليه معناها؛ نحو: البلبل جميل تغريده، وكذلك اسم الفاعل؛ نحو: الرجل قام أبوه. ٢ هو الموصوف، أي الذي يتصف بمعناها. وقد يغني عن الضمير "أل" على الوجه الكوفي المبين في رقم ٤ من هامش ص٢٦٤. وفي رقم ٤ التالي. ٣ لاحظ الشبه بين الضمير في هذه الصورة وبينه في المراحل الثلاث التي سلفت في ص٢٦٨. ٤ كما سبق في رقم ٤ من هامش ص٢٦٤ وص٢٦٩، ورقم ٤ من هامش ص٢٧٧، وهذا =
[ ٣ / ٣١٠ ]
يستحق التكريم ومكرم صغيرًا هو أولى بالزراية والتحقير. وما الجماعة الناهضة إلا المكرمة عظماءها، المنكرة أراذلها، العاطفة أقوياؤها على ضعفائها".
٧- استحسان إضافتها إلى فاعلها المعنوي١ وجره بالإضافة٢؛ سواء أكانت الصفة المشبهة من الصفات التي تلازم صاحبها ولا تفارقه، مثل: البدوي طويل القامة، عريض الجبهة، أسمر اللون، أم كانت من الصفات التي تلازمه طويلًا وقد تفارقه نحو: العربي قوي السمع، حديد٣ البصر خفيف الحركة والأصل: البدوي طويلة قامته، عريضة جبهته، أسمر لونه، قوي سمعه، حديد بصره و
أما اسم الفاعل فإضافته إلى مرفوعه ممنوعة في أكثر أحواله التي يدل فيها على الحدوث، لا على الدوام. وقد سبق تفصيل هذا٤؛ حيث أوضحنا أن اسم الفاعل الدال على الحدوث، وفعله لازم أو متعدٍّ لأكثر من مفعول، لا يجوز إضافته لفاعله إلا إذا أريد منه الدلالة على الثبوت، كدلالة الصفة المشبهة، وأن الذي فعله متعدٍّ لمفعول واحد قد يجوز إضافته لفاعله عند أمن اللبس للدلالة على الثبوت و إلى آخر ما سردناه هناك، وأن اسم الفاعل إذا ترك الدلالة على الحدوث إلى الدلالة على الثبوت والدوام لا يبقى له اسمه، ولا أحكامه، وإنما ينتقل إلى الصفة المشبهة؛ فيسمى باسمها، ويخضع لأحكامها دون أن تتغير صيغته.
_________________
(١) = الرأي الكوفي أحسن؛ لخلوه من الحذف والتقدير. وكل ما يقال للغض منه مردود؛ إذ ليس فيه ضعف. على هذا يكون السببي هو الاسم الظاهر المتصل بضمير صاحب الصفة، أو بما يغني عن الضمير. وقد اجتمع الأمران في قول الشاعر "سويد بن أبي كاهل" يصف ثغر فتاة: أبيض اللون، لذيذ طعمُهُ طيب الريق إذا الريق خدعْ "خدع: فسد". ١ المراد بالفاعل المعنوي الاسم الواقع بعدها، المتصف بمعناها، الذي يعرب فاعلًا حقيقيًا لها لو جعلناها فعلًا. ٢ سيجيء سبب الاستحسان في ص٣١٦. ٣ قوي. ٤ في ص٢٤٢ و٢٦٥.
[ ٣ / ٣١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- بقيت، أمور وأحكام أخرى تنفرد بها الصفة المشبهة١، ولا يشاركها فيها اسم الفاعل، منها:
_________________
(١) ١ فيما سبق من الأحكام الخاصة بإعمال الصفة المشبهة يقول ابن مالك في باب عقده لها؛ عنوانه: "الصفة المشبهة باسم الفاعل". ولكنه باب مختصر؛ لم يستوفِ تلك الأحكام. قال في تعريفها: صفةٌ استحسنَ جرُّ فاعلِ معنى بها المُشْبِهَةُ اسم الفاعلِ يريد: الصفة التي يستحسن أن يجر بها فاعلها في المعنى، هي: "الصفة المشبهة باسم الفاعل"، وهي تجره باعتباره مضافًا. وفاعلها المعنوي هو المضاف إليه. وقد شرحنا هذا الاستحسان "في رقم ٧ من ص٣١١ وفي "ب" من ص٣١٥ الآتية" وقال بعد ذلك: وصوغها من لازمٍ لحاضرِ كطاهر القلب جميل الظاهر أى: أنها تصاغ من مصدر الثلاثي اللازم للدلالة على معنى متصل بالزمن الحاضر؛ "أي -الحالي" اتصال دوام وملازمه؛ فيشمل الأزمنة الثلاثة "على الوجه المشروح في: "ثالثًا، ورابعًا" من ص٢٨٢" ومثل لها بمثالين؛ أحدهما: صفه مشبهه، كانت فى أصلها اسم فاعل، ثم أريد منه الثبوت والدوام؛ فصار صفة مشبهة، في معناه وأحكامه. وبقي على وزنه وصيغته الأولى الخاصة باسم الفاعل؛ هو: طاهر القلب، والثاني: صفة مشبهة أصيلة في صيغتها، وفى معناها؛ هو: جميل الظاهر. ثم قال: وعمل اسم فاعل المعدَّى لها على الحد الذي قد حدا "قد حدا: أصله: قد حد، زيدت ألف في آخر الفعل لأجل الوزن الشعري. والمراد: على الرسم والضبط والتحديد التي قد حدد لكل منهما، ووضعت له الشروط الخاصة به". يقول: ما ثبت لاسم الفاعل المتعدى -والمراد: المتعدي لواحد فقط -يثبت لها؛ بشرط مراعاة الحدود والضوابط التي وضعت لكليهما، والتي منها: أن منصوبها لا يسمي مفعولًا به، وإنما مسمى: "المنصوب على التشبيه بالمفعول به". وهذا إن كان المنصوب معرفة؛ فإن كا نكرة، فهو تمييز =
[ ٣ / ٣١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
١- عدم تعرفها بالإضافة "في الرأي الراجح بين آراء قوية أيضًا أشرنا إليها من قبل١" أما هو فيتعرف بها إذا كان بمعنى الماضي فقط، أو أريد به الاستمرار فيلحظ في هذا الاستمرار جانب المضي وحده.
٢- "أل" الداخلة عليها قد تعتبر للتعريف وموصولة معًا -في رأي- وأداة تعريف فقط في رأي أقوى.
أما الداخلة عليه فمعرفة واسم الموصول معًا "كما سبق في بابه. وفي ج١ ص٢٧٨ م٢٧".
_________________
(١) = أو منصوب على التشبيه أيضًا، ومنصوب اسم الفاعل المتعدي لواحد يسمى: "مفعولًا به" وكذا بقيه الفوارق بينهما، فيجب مراعاتها. ثم بين شرطين من شروط إعمالها؛ هما عدم سبق معمولها عليها. وكونه سببيًّا؛ يقول: وسبق ما تعمل فيه مجتنب وكونه ذا سببيه وجب "أى: مجتنب أن يسبقها ما تعمل فيه، ووجب كون معمولها ذا سببيه". ولم يذكر التفصيلات اللازمة. وانتقل بعد ذلك إلى كيفية ضبط هذا المعمول. فأدمجه في ثلاثة أبيات حرمت كثيرًا من الوضوح والتوقية؛ هي: فارفع بها، وانصب، وجرَّ مع "ألْ" ودون "ألْ" مصحوب "أل" وما اتصلْ: يعني: ارفع بالصفة المشبهة، أو: انصب، أو جر وكل هذا جائز مع وجود "أل" في الصفة المشبهة، ودون وجودها. لكن ما الذي سترفعه الصفة أو تنصبه أو تجره؟ بينه بأنه المعمول المصحوب "أل" "أى: المقترن بها"، وأنه أيضًا هو المعمول الذي اتصل. بها، مضافًا، أو مجردًا، ولا تجرر بها مع "أل" سما من "أل" خلا: ومن إضافة لتاليها، وما لم يخل فهو بالجواز وسما يريد: أنه المعمول الذ اتصل بالصفة مع إضافته، أو مع تجريده من "أل" والإضافة -كما أوضحنا كل هذا بالأمثلة الكثيرة "في ص٢٩٤"، وانتقل بعد ذلك إلى بيان حالات لا يجوز فيها الجر. فقال: لا تجر بالصفة المشبهة المقرونة بـ"أل" سما "اسما" خلا من "أل" أو خلا من الإضافة إلى تالي "أل" فعنده أن معمول الصفة المشبهة لا يصح أن يكون مجرورًا بها وهي مقترنة بـ"أل" مع خلاوه من "أل"، أو عدم إضافته لما فيه "أل". فإن لم يخل جاز الجر. وفي هذا الكلام نقص كبير. ١ انظر ص٦، ٢٩.
[ ٣ / ٣١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٣- مخالفتها فعلها اللازم أصالة، فتنصب معمولها على التشبيه بالمفعول به دون فعلها؛ فإنه قاصر لا ينصب المفعول به١، ولا شبهه. أما اسم الفاعل فلا يخالف فعله في التعدي واللزوم.
٤- إعراب معمولها المنصوب مشبهًا بالمفعول به -وليس مفعولا به- سواء أكان المعمول معرفة أم نكرة، وتمييزًا فقط إن كان نكرة١.
أما معموله فمفعول به مباشرة، ما دام منصوبًا قد وقع عليه فعل الفاعل.
٥- تأنيثها يكون أحيانًا بألف التأنيث؛ نحو: هذه بيضاء الصفحة. أما هو فلا تدخله ألف التأنيث.
٦- عدم مراعاة محل معمولها المجرور بإضافته إليها، المتبوع بعطف؛ أو بغيره من التوابع. بخلاف اسم الفاعل.
٧- عدم إعمالها محذوفة؛ فلا يصح هذا حسن القول والفعل، بنصب "الفعل"، على تقدير: وحسن الفعل، أما هو فيجوز: أنت ضارب اللص والخائن، بنص الخائن. كما يجوز في باب: "الاشتغال" أن يقال: أضعيفًا أنت مساعده، أي: أمساعدًا ضعيفًا ؟ " بتقدير اسم فاعل محذوف بعد الهمزة، ولا يصح: أوَجْهًا هذه المرأة جميلته٢.
٨- عدم الفصل بينها وبين معمولها المرفوع أو المنصوب٣ بظرف أو جار ومجرور -في الرأي الأرجح- إلا عند الضرورة، بخلافه.
٩- وجوب تغيير صيغتها إلى صيغة اسم الفاعل إن تركت الدلالة على الثبوت -بقرينة- إلى الدلالة على الحدوث. أما هو فقد يبقى على صيغته إن ترك الدلالة على الحدوث -بقرينة- إلى الدلالة على الثبوت.
١٠- جواز إتباع معمولة بالنعت أو غيره من باقي التوابع. أما معمولها فلا يتبع بنعت، أي: لا يصح نعته.
_________________
(١) "١، ١" انظر ما يتصل بهذا في ص٢٦٦، ٢٦٧، وفي رقم ٤ من هامش ص٢٩٤. ٢ يوضح هذا ما سبق في: "ب" ٢٦٤. ٣ أما الفصل بينها وبين معمولها المجرور فحكمه حكم الفصل بين المتضايفين، وقد سبق في ص٥٣.
[ ٣ / ٣١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ب- يذكر النحاة تعليلًا جدليًا١ لاستحسان إضافة الصفة المشبهة لفاعلها دون إضافة اسم الفاعل لفاعله، ونلخصه هنا "بالرغم من أنه جدل منقوض بجدل مثله، ومعارض بأمثلة كثيرة، أوردها المعترضون، وضمنوها بطون المطولات، وأن التعليل الحق هو استعمال العرب ليس غير".
إن إضافة اسم الفاعل إلى فاعله ممنوعة -على وجه يكاد يقع عليه الاتفاق- إذا بقي على دلالة الحدوث نصًّا، وكان فعله لازمًا، أو متعديًا لأكثر من مفعول به؛ لأن إضافته في هاتين الصورتين توقع في اللبس. فتوهم أنه أضيف؛ ليجاري الصفة المشبهة -حيث تضاف لفاعلها كثيرًا- وأنه ترك دلالته على الحدوث والتجدد؛ ليصير دالًا على الثبوت والدوام مثلها؛ فأضيف إضافتها؛ ليؤدي دلالتها.
أما إن كان فعله متعديًا لواحد؛ فقد يمتنع إضافته إذا أوقعت في لبس. كما في مثل: البارُّ مكرمٌ أبوه فلو قلنا: البار مكرم الأب لجاز أن يقع في الوهم أن الإضافة هي للمفعول، لا للفاعل، وأن الأصل: البار مكرم أباه؛ بل إن إضافته قليلة حين يكون فعله متعديًا لواحد، ومعناه من المعاني التي لا تقع على الذوات، "أي: على الأجسام"؛ حيث اللبس مأمون، والإبهام غير واقع. مثل محمد كاتبٌ أبوه، فلا يصح: محمد كاتبُ الأبِ -إلا على قلة كما سبق- مع أنه لا لبس ولا إبهام في الإضافة؛ إذ الكتابة لا تقع على الذوات.
أما السبب في عدم صحة هذا -إلا على قلة- فلأن الصفة الدالة على الثبوت لا تضاف إلى فاعلها إلا بعد تحويل إسنادها عنه إلى ضمير موصوفها، واستناد الضمير فيها "كما أشرنا في ص٢٦٨"، إذ لو لم يتحول الإسناد بالطريقة السالفة للزم إضافة الشيء إلى نفسه؛ لأن الصفة هي نفس مرفوعها في المعنى، وهو أمر غير جائز، إلا في مواضع٢ ليس منها الموضع الحالي.
ويؤيد هذا -عندهم- تأنيث الصفة المشبهة بالتاء في مثل: مررت بالفتاة
_________________
(١) ١ أشرنا إليه في ص٢٦٨. ٢ سبقت في باب الإضافة "د" ص٤٠.
[ ٣ / ٣١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحسنة الوجه١؛ فلو لم تكن الصفة مسندة إلى ضمير الفتاة لوجب تذكيرها كما تذكر مع فاعلها المرفوع؛ لهذا كان من المستحسن -وقيل: من الواجب- في مثل: أقبلت الفتاة الجميل وجهها أن تضاف الصفة إلى فاعلها؛ فيقال: أقبلت الفتاة الجميلة الوجه، لأن في الإضافة تخفيفًا وتقليلًا من عدة أمور تتشابه في أن كل اثنين منها بمنزلة شيء واحد، ففي المثال السابق قبل الإضافة "وهو: مررت بالفتاة الحسن وجهها" -الجار والمجرور بمنزلة الشيء الواحد، وكذلك الصفة مع الموصوف، والفعل مع فاعله، والمضاف مع المضاف إليه. وكل هذه الأمور المتشابهة المجتمعة تقتضي التخفيف، ولم يمكنهم أن يزيلوا منها شيئًا إلا الضمير؛ حيث تصرفوا في شأنه، فنقلوه، وجعلوه فاعلًا بالصفة، فاستتر فيها؛ لأن الصفة في هذه الصورة تعد بمنزلة الجارية على من هي له٢، حيث رفعت ضميره، ومن ثم استحسنت الإضافة في المثال السالف، وفي نحو: أقبلت الفتاة الجميلة وجهها، فيصير: أقبلت الفتاة الجميلة الوجه، ولم تستحسن، أو لم تصح في: محمد كاتب الأب، "وأصله قبل الإضافة. محمد كاتب أبوه"؛ لقلة الأشياء المتشابهة التي تقتضي التخفيف.
وسبب آخر -عندهم- هو: أن الإسناد في مثل؛ الفتاة الجميلة الوجه -بإضافة الصفة إلى فاعلها- قد تغير؛ فصار الجمال مسندًا إلى الضمير العائد إلى الفتاة كلها بعد أن كان الإسناد متجهًا إلى وجهها فقط، وهو جزء منها، أي: أن الإسناد في ظاهره هو للكل، ولكن المراد منه الجزء على سبيل المجاز؛ لأن من جَمُل وحَسُن بعضه ساغ أن يسند الجمال والحسن إلى كله مجازًا؛ لحكمة بلاغية؛ قد تكون المبالغة أو نحوها وهذا لا يستساغ في مثل: محمد الكاتب الأب "والأصل: محمد كاتب أبوه"؛ لأن من كتب أبوه لا يحسن أن تسند الكتابة إليه إلا بمجاز بعيد غير مقبول، سرى من المضاف -وهو "الأب"- إلى المضاف إليه؛ وهو: "الهاء". فهو
_________________
(١) ١ إيضاح هذا في ص٣٠٣. ٢ سبق إيضاح الكلام على الضمير العائد على من هو له أو غير من هو له في ج١ ص٣٣٥ م٣٥.
[ ٣ / ٣١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من الإسناد إلى المضاف إليه، مع إرادة المضاف. وشتان بين الإسنادين والمجازين؛ فالإسناد في الأول واقع بين الكل والجزء الذي هو بعضه، فيصح إطلاق كل منهما وإرادة الآخر، بخلاف الثاني فهو بين الأبوة والبنوة.
هكذا يقولون١، وهو تعليل جدلي محض كما قلنا. وفيه مخالفة لما أجازوه من قبل، من إضافة الشيء إلى نفسه أحيانا ٢.
_________________
(١) ١ راجع حاشية التصريح في المكان. ٢ كالذي في ص٤١، ٥١ وما بينهما.
[ ٣ / ٣١٧ ]
المسألة ١٠٦: اسم الزمان واسم المكان ١
تعريفهما:
اسمان يصاغان من المصدر الأصلي١ للفعل بقصد الدلالة على أمرين معًا: هما: المعنى المجرد الذي يدل عليه ذلك المصدر؛ مزيدًا عليه الدلالة على زمان وقوعه، أو مكان وقوعه.
أو يقال: اسم الزمان ما يدل -بكلمة واحدة- على المعنى المجرد وزمانه٢، واسم المكان ما يدل -بكلمة واحدة- على المعنى المجرد ومكانه٣.
ومن الميسور الوصول إلى هذه الدلالة بتعبيرات أخرى خالية من الاسمين السالفين. ولكنها تعبيرات لن تبلغ في الإيجاز مبلغ اسم الزمان واسم المكان، فمزية كل منهما أنه يؤدي بكلمة واحدة ما لا يؤديه غيره إلا بكلمات متعددة.
صوغهما:
أ- طريقة صياغتهما، والوصول إليهما من الماضي الثلاثي، غير معتلِّ العين بالياء٤، تتحقق بالإتيان بمصدره القياسي -مهما كانت صيغته- ثم
_________________
(١) "١، ١" لم يعرض لهما ابن مالك في: "ألفيته". وعرضنا لهما هنا استيفاء للمشتقات. وقد سبق في ص١٨٢ بيان مفصل عن المشتقات، وعن أصلها؛ أهو المصدر الصريح، أم الفعل الماضي؟ وأن بعض القدامى يطلق كلمة: "الأخذ" على الاشتقاق من غير المصدر الصريح. ٢ وفي حالة نصبه التي يكون مشتركا فيها مع حروف عامله يعرب ظرف زمان؛ كقولهم: قعدت مقعد الضيف، أي: زمن قعوده. فكلمة: "مقعد" ظرف زمان منصوب. "راجع الخضري والصبان ج١ أول باب الظرف". ٣ وإذا كان منصوبًا مشتركًا مع عامله في حروفه فإنه يعرب ظرف مكان -كما تقدم في باب الظرف في الجزء الثاني- نحو: قعدت مقعد الغائب، أي: مكان قعوده. ٤ أما صوغهما من الثلاثي معتل العين بالياء فقد سبق حكمه في ص٢٢٩ تحت عنوان: "ملاحظة"، كما أشرنا في ص٣٠٨.
[ ٣ / ٣١٨ ]
جعلها على وزن: "مَفعَل"١ -بفتح الميم والعين- في جميع الحالات، ما عدا حالتين، تكون الصيغة فيهما على وزن "مَفعِل"١ -بكسر العين-:
الأولى: الماضي الثلاثي صحيح الأحرف الثلاثة، مكسور العين في المضارع؛ مثل: جلس يجلس، رجع يرجع، قصد يقصد، حسب يحسب و
الثانية: الماضي معتل الفاء بالواو٢، صحيح اللام٣، بشرط أن يكون مضارعه مكسور العين٤، تحذف فيه الواو لوقوعها بين الفتحة والكسرة، مثل: وأل يئل٥، وثق يثق، وجم يجم٦، وخز يخز٧، وعد يعد.
فمن أمثلة "مفعَل" -بفتح العين- للزمان: مطلع الفجر خير وقت للقراءة والإطلاع النافع. لكثير من الطيور هجرة سنوية، فرارًا من البرد فإذا أقبل المشتى، وحل المهجر، رحلت إلى بلد أكثر دفئًا، وأنسب
_________________
(١) "١، ١" سيجيء في "ب" من ص٣٢٥ حكم زيادة تاء التأنيث في آخر هذه الصيغة. ٢ بعض النحاة قد صرح بأن يكون حرف العلة الذي في أول الفعل الثلاثي هو "الواو" وبعضهم أطلق ولم يعين نوع الحرف، مكتفيًا بأن يذكر أن الفعل معتل الأول. لكن السيوطي قد نص على أن الماضي المعتل الفاء بالياء، الصحيح اللام مثل: يَقِظ. يَمِن. يَسِر، تكون الصيغة منه على وزن: "مفعَل" بفتح العين "الهمع ج٢ ص١٦٨". ٣ لأن معتل الفاء واللام معًا يجب فيه فتح "العين"؛ تطبيقًا للقاعدة العامة؛ وهي: أن الثلاثي معتل اللام يجب أن تكون صيغة مصدره الميمي واسم زمانه واسم مكانه على وزن "مفعل" -بفتح العين- دائمًا؛ سواء أكان بعض أصوله الأخرى حرف علة أو حرفًا صحيحًا: فاعتلال "لامه". ولو انفردت بالاعتلال -كافٍ لتطبيق القاعدة السالفة وجوبًا. ٤ بعض النحاة لا يشترط في معتل الفاء بالواو أن يكون مضارعه مكسور العين، ولا ما يترتب على كسرها من حذف الواو في المضارع أحيانًا كثيرة. فيقولون "الموجل والموحل". بالكسر فيهما، على اعتبار أن عين الفعل المضارع فيهما مفتوحة "أي: وجل يوجل وحل يوحل" وأمثالهما. وبناء على هذا يجوز في اسم الزمان واسم المكان من الثلاثي المعتل الأول بالواو أن تكون صيغته على وزن "مفعل" -بفتح العين وكسرها- "وقد قال شارح المفصل -ج٦ ص١٠٨- إن الفتح أقيس، والكسر أفصح" فالأمران صحيحان قويان. ٥ وأل يئل، بمعنى: التجأ يلتجئ. ٦ وجم من الأمر وجومًا، كرهه، أو: تركه مضطرًا. أو: سكت على غيظ. ٧ طعن برمح ونحوه.
[ ٣ / ٣١٩ ]
جوًّا. والمراد: زمن طلوع الفجر. زمن الشتو "بمعنى: الشتاء". زمن الهجر: "بمعنى الهجرة". وأفعالها الثلاثية هي: طلع. شتا. هجر.
ومن أمثلة "مفعل" -بكسر العين- للزمان: كلمتا مغرس، وموعد في قولهم: لغرس الشجر مواسم معينة: فإذا حان المغرس، وحل موعده أسرع الزراع إلى غرس ما يريدون.
ومن أمثلة "مفعِل" -بفتح العين -للمكان: "مدخل، مطعم، مطبخ، مكتب، ملعب، مشرب، منأى، مسرح، مأوى " في قول القائل: "زرت بيتًا لأحد الرفاق؛ فراقني جماله؛ وتمام نظافته، وبراعة تنسيقه، ووفاؤه بمطالب الحياة السعيدة؛ فهذا مدخل للأضياف، يسلمهم إلى غرفة استقبال أنيقة. وهذا مطعم واسع، حسن الترتيب، يحمل إليه شهي الطعام من مطبخ آية في النظافة. وفي جانب هادئ غرفة واسعة جعلها رب البيت مكتبًا له، تطل على حديقة عامرة بعيون الأزاهير. وفي أحد الأطراف ملعب فسيح، مهدت طرقه، وفرشت أرضه بالكلأ الناعم الأخضر. وفي ركن منه مشرب للدافىء والبارد. وفي منأى عنه مسرح ومأوى للطيور الأليفة، وبعض الحيوانات المستأنسة ".
والمراد؛ مكان الدخول، مكان الطعام، مكان الطبخ، مكان الكتابة. مكان اللعب، مكان الشرب، مكان النأي، أي: البعد. مكان السرح أي: الرعي، مكان الإيواء
ومن أمثلة "مفعل" -بكسر العين- للمكان؛ مجلس، مرجع، مقصد، موثق، موئل، مورث؛ كقولهم في وصف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: كان واضح الجلال، عظيم الهيبة. مجلسه مجلس علم ووقار؛ لا تسمع فيه لغوًا، ولا تأثيمًا، والإمام فيه مرجع الفتوى، ومقصد المستفهم، وموثق الشاك، وموئل اللائذ
أي: مكان الجلوس، مكان الرجوع، مكان القصد، مكان الوثوق، مكان الوأل، "أي: الالتجاء".
[ ٣ / ٣٢٠ ]
أما صياغتهما والوصول إليهما من الماضي الثلاثي المعتل العين بالياء فقد سبق بيانها١.
ب- فإن كان الماضي غير ثلاثي فطريقة صوغهما تتحقق بالإتيان بمضارعه: ثم قلب أوله ميمًا مضمومة، وفتح الحرف الذي قبل الآخر، فتنشأ صيغة صالحة لأن تكون اسم زمان واسم مكان٢، ويكون توجيهها لأحدهما خاضعًا للقرائن اللفظية أو غير اللفظية، فالقرينة وحدها هي التي تتحكم في هذه الصيغة؛ فتجعلها لأحدهما دون الآخر.
فمن الأمثلة: ممسى ومصبح "أمسى، يمسى، ممسى. أصبح، يصبح، مصبحًا"، نحو: الحمد لله ممسانا ومصبحنا، ونحو قول التاجر: متجري مصبحي وممساي. والمراد: "الحمد لله في وقت إمسائنا وإصباحنا. متجري مكان إصباحي وإمسائي.
ونحو: الفلك دوار في حركة دائبة، فليس له منقطع يتوقف عنده إذا حان، ولا متوقف يستريح ساعته إذا حلت. والمراد؛ ليس له زمان انقطاع، ولا زمان توقف.
ومن الأمثلة: كوخ تملؤه السكينة والطمأنينة والوئام خيرٌ مستقرًا وأعظم مقامًا من قصر فخم يسوده القلق والفزع، ودواعي الشقاق. والمراد: خير مكان للاستقرار، وأعظم مكان للإقامة.
حكمها:
اسم الزمان والمكان مشتقان يصح أن يتعلق بهما شبه الجملة٣
_________________
(١) ١ وفي ص٢٣٦ بعنوان: "ملاحظة". ٢ وصالحة أيضًا لأن تكون مصدرًا ميميًّا، وأن تكون اسم مفعول -لأن هذه المشتقات الأربعة مشتركة في صيغتها التي تصاغ من مصدر غير الثلاثي، متحدة في طريقة الوصول إلى إيجاد هذه الصيغة. وعلى هذا يكون التفريق والتمييز المعنوي بينها موكولًا للقرائن، خاضعًا لوحيها. ٣ يجوز أن يتعلق بهما شبه الجملة؛ لأن فيهما رائحة الفعل، وهي تكفي مسوغًا للتعليق؛ "كما سبق في هامش ص٣٥١".
[ ٣ / ٣٢١ ]
ولكنهما لا يعملان شيئًا من عمل فعلهما؛ فلا يرفعان الفاعل -أو نائبه، ولا ينصبان المفعول به، ولا غيره
ويصح -عند الحاجة- زيادة تاء التأنيث في آخر صيغة "مفعل" -بفتح العين، وكسرها- بشرط أن تكون الصيغة للمكان؛ مرادًا تأنيث معناه؛ سيجيء البيان الخاص بهذا١.
_________________
(١) ١ في "ب" من ص٣٢٥ مشتملًا على قرار المجمع اللغوي في ذلك.
[ ٣ / ٣٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- يقول فريق من النحاة: إن اللغة أسماء للزمان أو للمكان على وزن "مفعل" -بكسر العين- سماعًا عن العرب. وكان القياس الفتح؛ ومنها: المشرق، المغرب، المطلع، المسجد، المرفق١، المنسك٢، المفرق٣، المجزر٤، المسقط٥، المنبت، المسكن، المحشر، الموضع، مجمع الناس، المخزن، المركز، المرسن٦، المنفذ٧، المعدن، المأوى، إذا كان خاصًّا بالإبل تأوي إليه.
والملاحظ أن النحاة كثير من مراجعهم حين يسردون الكلمات السالفة يصفونها بأنها وردت عن العرب بالكسر، وأن قياسها الفتح، ويكتفون بهذا، دون أن يعرضوا ببيان شافٍ لأمرين هامين.
أولهما: ما تنص عليه المراجع اللغوية من ورود السماع الصحيح بالكسر وبالفتح في أغلب تلك الكلمات "دون الاقتصار على أحد الضبطين"٨ مثل: مسجد، موضع، منبت، مطلع، مسقط، مظنة، مشرق، مغرب، مسكن، مجمع الناس، مغرب، مرفق، منسك٩، محشر فورود السماع بالفتح أيضًا أدخل تلك الكلمات في مجال الضابط العام، وجعله منطبقًا عليها. وإذًا لا معنى لإبرازها ووصفها بأنها: "وردت مكسورة، وكان قياسها الفتح". فقد ثبت أنها وردت بالفتح أيضًا؛ فاجتمع في الفتح السماع وانطباق الضابط
_________________
(١) ١ مكان الرفق "والرفق: ضد العنف والقسوة". ويطلق اليوم على المكان الذي يكون مقر المنفعة العامة، كمرفق الكهرباء، أو مرفق السكك الحديدة. ٢ المعبد. ٣ مكان الفرق في وسط الرأس. ٤ مكان الذبح. ٥ مكان السقوط. ٦ لموضع الرسن، وهو الحبل الذي تقاد به الدابة ٧ موضع النفوذ. ٨ ومن هذه المراجح التي نصت على مجيئها بالفتح والكسر نصًّا مريحًا: "المصباح المنير" آخر ج٢ ص٩٦٤ الفصل الخاص بصيغة مفعل للزمان والمكان والمصدر الميمي. ٩ ومن الكلمات الواردة بالفتح والكسر غير ما سبق، ما سجله السيوطي في كتابه: المزهر. ج٢ ص٦٣ في باب: ضوابط واستثناءات في الأبنية وغيرها. وهي: "المطلع، المفرد، المحشر، المنبت، المذمة، المحل ".
[ ٣ / ٣٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
العام عليه، "أي: اجتمع فيه السماع والقياس" كما أن ورود السماع بالكسر يجيز فيها استخدام الكسر أيضًا: مراعاة للمسموع، دون أن يوجب الاقتصار عليه. بل إن ورود السماع بالكسر وحده لا يوجب الاقتصار عليه وإهمال القياس١. فيكف وقد اجتمع لها السماع والقياس معًا؟
ثانيهما: أن كثيرًا من أفعال تلك الألفاظ يصح في مضارعه كسر العين؛ طبقًا للوارد عن العرب؛ كمضارع الأفعال الصحيحة: "رفق، فرق، جزر، حشر " فليست عين المضارع فيها مقصورة في اللغة على الفتح أو على الضم؛ بل يجوز فيها الكسر أيضًا" طبقًا للوارد. وإذا جاز فيها الكسر كانت صيغة الزمان والمكان بكسر العين قياسية مطردة؛ وتكون كنظائرها الكثيرة المكسورة التي تخضع للضابط العام، وتنطبق عليها القاعدة الخاصة بطريقة الصوغ المطرد، ولا يكون ثمة معنى لإبرازها من بين نظائرها، وتخصيصها بأنها: "وردت مسموعة بالكسر، وكان قياسها الفتح". ذلك أن الفتح والكسر سماعيان وقياسيان معًا فيها
وخلاصة ما تقدم أن تلك الكلمات التي تمالأ فريق من النحاة على أنها مسموعة بالكسر، وأن قياسها الفتح ليست مخالفة للقياس الأصيل، ولا خارجة عن نطاق القاعدة العامة المتعلقة بالصياغة المطردة؛ إما لأنها مسموعة بالفتح أيضًا كورودها مسموعة بالكسر، وإما لأن عين مضارعها مسموعة بالكسر وغير الكسر، ومتى ورد فيها الكسر صح مجيء الصيغة مكسورة العين، وفاقًا للقاعدة العامة، والقياس المطرد ٢.
_________________
(١) ١ طبقًا للبيان الشامل الذي سبق في هامش ص١٩١ وما بعدها؛ وهو عام في كل ما ينطبق عليه سماع وقياس من المصادر، والجموع، وغيرها وفيه نص خاصٌّ بالكلمات التي وردت هنا؛ والتي وصفوها بأنها: "وردت مسموعة بالكسر، وكان قياسها الفتح "، فقد قال عنها "القاموس المحيط" في مادة: "سجد" ما نصه: "ألزموها كسر العين والفتح جائز، وإن لم نسمعه"، أما بقية الأدلة على الموضوع العام فهناك بيانها الأكمل ٢ هذا إلى ما نقلناه عن القاموس في رقم ١ السابق من الحكم عليها بحكم عام شامل؛ هو قوله: "الفتح جائز، وإن لم نسمعه".
[ ٣ / ٣٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ب- وردت صيغ -كثيرة لاسم المكان، قليلة لاسم الزمان- من مصدر الثلاثي على وفاق القاعدة، ولكنها مختومة بتاء التأنيث للدلالة على تأنيث المعنى المراد من الكلمة؛ "إذ يقصد منها: البقعة، بمعنى المكان". فمما ورد في الكلام العربي الفصيح: "المَزِلَّة" بكسر الزاي لموضع الزلل، المظَنة بفتح الظاء١" لمكان الظن، المَشْرَقة "بفتح الراء" لموضع شروق الشمس والقعود فيها، موقَعَة الطائر "بفتح القاف" للمكان الذي يقع فيه، المشرَبة للغرفة، المدبغة، المزرعة، المزلقة، المنامة وكثير مثل هذا يزيد على المائة، ولكنه يكاد يقتصر على المكان. فهل يجوز القياس على هذا الوارد من المكان مرادًا منه: "البقعة"، بزيادة تاء التأنيث على صيغة "مفعَِل" التي هي بفتح العين أو بكسرها، لتصير "مفعَِلة" بفتح العين أو كسرها٢ مع بقاء الدلالة على ما كانت عليه؟
اختلف قدماء النحاة في الرأي؛ فقليلهم يجيز القياس، وأكثرهم يميل -بغير داعٍ قوي- إلى المنع؛ لتوهمه أن هذا الكثير -المسموع المختوم بالتاء في صيغة اسم المكان- قليل لا يكفي للقياس عليه.
والحق أن الرأي الذي يبيح القياس عليه سديدٌ موفقٌ؛ إذ كيف يوصف الوارد من تلك الأمثلة المكانية بالقلة مع أنه يبلغ العشرات٣؟ نعم؛ إنها قلة، ولكنها: "نسبية"، "أي: بالنسبة للصيغ الواردة من غير تاء التأنيث"، والقلة "النسبية" على هذا الوجه تبيح القياس العام، وتجيز المحاكاة من غير تقييد٤، وإن كانت لا تبلغ في درجة القوة والفصاحة مبلغ الأولى٥، فاختلاف الدرجة في القوة والفصاحة لا يمنع من صحة القياس والمحاكاة. ولا داعي للتضييق الذي لا يدفع عن اللغة أذى؛ ولا يجلب لها نفعًا. فالأنسب إباحة القياس في صيغة "مفعَِلة"
_________________
(١) ١ وقد سمع فيها الكسر أيضًا. ٢ دالة على المؤنث، المراد به البقعة، بمعنى المكان. ٣ قال شارح "القاموس المحيط" في مادة "أسد" إن بعضهم جعله مقيسًا؛ لكثرة أمثاله. ٤ انظر البيان الخاص بهذا في رقم ٤ من هامش ص٧٩. ٥ هذا رأي بعض أئمة العربية ممن يفسرون القياس "كما جاء في مجلة المجمع اللغوي ج١ ص٢٣٢" بأنه الجري على مقتضى الكثرة في جنسها، لا الأغلبية العامة. وبه أخذ المجمع اللغوي في كثير من أحكامه وقراراته، بع أن بيَّن قوته، ورجاحة أدلته، وشدة الحاجة للأخذ به.
[ ٣ / ٣٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بفتح العين أو كسرها؛ تبعًا للقواعد السابقة الخاصة بصياغتها، مع الاقتصار في القياس على اسم المكان؛ لأن أمثلته الواردة هي التي بلغت في الكثرة حدًّا يبيح القياس عليها، دون اسم الزمان، حتى لقد علل النحاة واللغويون التأنيث بأنه إرادة البقعة لا المكان١ وهى غير "مفعلَة" الآتية هنا في "ج".
وأهم مما سبق وأقوى في إباحة القياس أن النحاة يقررون أن إلحاق تاء التأنيث بالمشتقات قياسي لتأنيث معناها، وأن هذا الإلحاق قياسي مطرد في جميع أنواعها، إلا بعض صيغ معينة، ليس منها صيغة اسم الزمان والمكان -كما سيجيء في باب التأنيث، ج٤ م١٦٩ ص٤٤٠.
هذا، وقد أباح مؤتمر المجمع اللغوي القاهري "في دورته الثالثة والثلاثين التي بدأت في آخر يناير سنة ١٩٦٧ زيادة التاء للتأنيث في "مفعلة" "صيغة اسم المكان" مطلقًا، "أي: سواء كثر في المكان الشيء أو لم يكثر، وعرض عليه من المسموع الصحيح الوارد لها نحو: ستة وعشرين ومائة "١٢٦" كلمة ختمت فيها صيغة المكان بتاء التأنيث٢.
ج- قد يصاغ من الاسم الجامد الثلاثي٣ الحسي٤ صيغة على وزن:
_________________
(١) ١ جاء هذا التعليل في بعض المراجع الكبيرة، "ومنها: شرح المفصل ج٦ ص١٠٩ موضوع: اسم الزمان والمكان". وسيبويه أحد الأئمة الذين يجيزون في الكلمة ملاحظة لفظها أو ملاحظة معناها؛ فيعود عليها الضمير، وأسماء الإشارة، ونحوها مما تقع فيه المطابقة -بالتذكير أو التأنيث؛ مراعاة لأحد الاعتبارين السابقين مع وجود قرينة تمنع اللبس والاشتباه. نحو: "أتتني كلام أُسَرُّ بها"، مراعيًا المعنى، أي: أتتني رسالة، أو عبارة، أو مقالة. ويصح: أتاني كلام أسرُّ به، مراعيًا اللفظ؛ وهو: الكلام. ومثل: "حاشا" يكون حرف جر" ويكون فعلًا ماضيًا. وإذا كانت فعلًا ماضيًا فالكثير الفصيح ألا تقع بعد "ما" المصدرية ". فالتأنيث ملحوظ فيه الكلمة، والتذكير ملحوظ فيه اللفظ، أو الحرف. والأفضل اليوم -بل الواجب- عدم الأخذ برأي سيبويه هنا إلا في "مفعلة" التي نحن بصددها. أما غيرها فيقتصر فيه على ما سمع أو ورد فيه نص خاص باستعماله، دون إطلاق هذا الحكم وتعميمه. فالواجب تقييده بما سلف؛ منعًا لإفساد البيان اللغوي، وحرصًا على سلامة اللغة. ٢ راجع القرار وما يتصل به في ص٤٣ من الكتاب الذي أخرجه المجمع سنة ١٩٦٩ باسم: "كتاب في أصول اللغة، مشتملًا على مجموعة القرارات التي أصدرها المجمع ومؤتمره من الدورة التاسعة والعشرين إلى الدورة الرابعة والثلاثين". ٣ الثلاثي أصالة أو تحويلًا "بالتفصيل المبين في الصفحة الآتية. ٤ سواء أكان حيوانًا، أم نباتًا، أم جمادًا، وقد أشرنا لهذا في "ب" من هامش ص١٨٠. حيث الكلام على أصل "المشتقات" بتفصيل مفيد، وأن بعض القدماء كان يطلق كلمة: "الأخذ" على الاشتقاق من غير المصدر الصريح كالجامد الحسي و و
[ ٣ / ٣٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
"مَفعَلة" بفتح الميم والعين دائمًا بقصد الدلالة على مكان يكثر فيه ذلك الشيء١ الحسي المجسم، "أي: الذي ليس معنويا٢. فإذا وجد مكان يكثر فيه: "ورق" -مثلًا- صغنا "مفعَلة" من: "ورق" فقلنا: "مورَقَة"؛ للدلالة على مكان يكثر فيه ذلك الشيء الحسي المسمى: "بالورق". وإذا وجد مكان يكثر فيه: "عنب" صغنا من كلمة "عنب": "معنَبة"، للدلالة على مكان يكثر فيه ذلك الشيء المجسم المسمى: "بالعنب". وإذا وجد مكان يكثر فيه: "البلح"، صغنا من كلمة: "بلح"؛ "مبلحة" للدلالة على المكان الذي يكثر به البلح. وهكذا تصاغ "مفعلة" -من الاسم الثلاثي الجامد للدلالة على أمرين معًا، هما: المكان وما يكثر فيه من شيء حسي معين، "كما سبقت الإشارة لهذا٣".
فالمراد: هو وصف بقعة، أو قطعة من الأرض بكثرة ما فيها من شيء خاص مجسم. ومن الأمثلة أيضًا: مأسدة: لأرض يكثر فيها الأسد. مذأبة: لأرض يكثر فيها الذئب. مذهبة: لأرض يكثر فيها الذهب. مقمحة: لأرض يكثر فيها القمح. مرملة: لأرض يكثر فيها الرمل. إلى غير ذلك من الأسماء الثلاثية الجامدة الحسية. ويسمى الاشتقاق بالطريقة السالفة: الاشتقاق من أسماء الأعيان٣ الثلاثية". أما غير الثلاثية فلا يصاغ منها "مفعلة" لهذا القصد. إلا إن كان الاسم مشتملًا على بعض الحروف الزائدة التي يمكن حذفها، وتجريده منها، وإبقاؤه على ثلاثة أحرف أصلية تشتق منها تلك الصيغة بغير لبس؛ مثل: "مبطخة" لأرض يكثر فيها: "البطيخ". و"مغزلة" لأرض يكثر فيها الغزال، و"محصنة" لأرض يكثر فيها الحصان. فالأمر في هذه الصيغة مقصور على الثلاثي؛ إما أصالة، وإما
_________________
(١) ١ هذه الكثرة شرط لا بد من تحققه قبل الصياغة المطلوبة. ٢ أما المعنوي "كالمصدر" فهو أصل الاشتقاق. ٣ سبقت الإشارة لهذا في "ب" من هامش ص١٨٣. ٤ الأعيان، أو الذوات: جمع عين وذات، وهي الشيء المجسم المشخص. وهذا النوع من الاشتقاق مخالف للنوع الآخر المأخوذ من المصادر؛ إذ المصدر أمر معنوي محض.
[ ٣ / ٣٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تحويلًا؛ بأن يتجرد المزيد من أحرف زيادته ويسير ثلاثيًا؛ اتِّباعا للمأثور الغالب عن العرب.
أما المجرد من غير الثلاثي فيسلك معه مسالك أخرى في التعبير عن هذه الدلالة على حسب اختيار المتكلم وقدرته البلاغية؛ دون استخدام لتلك الصيغة؛ إذ لا يكاد يوجد خلاف في منع صياغة: "مفعلة" من المجرد الذي تزيد حروف الأصلية على ثلاثة١.
بقي أن نشير إلى مسألتين هامتين:
الأولى: أقياسيةٌ تلك الصيغة أم مقصورةٌ على السماع؟ لقد ارتضى المجمع اللغوي القاهري قياسيتها، ونصُّ قرارِه٢:
"جاءت أمثلة من تلك الصيغة عن العرب، ولنا أن نتكلم بما جاء عنهم. وهل لنا أن نقيس عليه؛ فنقول مثلًا: "مغزلة" للأرض التي يكثر فيها الغزال، وقد جرد لفظ: "الغزال" من زيادته، ومخسة للأرض التي يكثر فيها الخس، و"متبرة" للأرض التي يكثر فيها التبر -إذا كان العرب لم يقولوا هذا؟
_________________
(١) ١ قال الرضي في شرحه للكافية في الباب الذي عنوانه: "ما كثر بالمكان يبنى على مفعلة". ما نصه: "لم يأتوا بمثل هذا -يقصد أنهم لم يأتوا بمفعلة- في الرباعي فما قوته؛ نحو: الضفدع، والثعلب، بل استغنوا بقولهم: كثير الثعالب. أو تقول: مكان مثعلب ومعقرب ومضفدع ومطحلب بكسر اللام الأولى -"يريد: اللام الأولى في الوزن الصرفي للكلمات الرباعية " -على أنها اسم فاعل- قال لبيد: يمَّمْن أعدادًا "بلُبْنَى؛ أو "أجا" مضفدعات كلها مطحْلِبَهْ" ا. هـ. ص١٨٨ من الطبعة التي أخرجها: الزفزاف وزميله. وقد جاء في شرحها البيت السالف إن معنى: "يممن" هو: قَصَدْنَ -ومعنى الأعداد: "بفتح الهمزة" هو: الماء الذي لا ينقطع. المفرد: عد؛ بكسر أوله -ولبنى وأجا: جبلان- مضفدعات: كثيرة الضفادع، مطحلبة: كثيرة الطحالب ٢ ورد قراره مسجلًا في ص١٢ من محاضر جلسات الدورة الثالثة المطبوعة بالمطبعة الأميرية سنة ١٩٣٨. وله إشارة عابرة في ص٤٣ من الكتاب الذي أخرجه المجمع سنة ١٩٦٩ مشتملًا على القرارات المجمعية من الدورة التاسعة والعشرين إلى الدورة الرابعة والثلاثين.
[ ٣ / ٣٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في المسألة رأيان مبنيان على الاختلاف في التقدير:
"أحدهما: أن هذا البناء -مع كثرته- من قبيل المسموع ومعنى هذا أن الكثرة لم تصل إلى حد أن يقاس عليها.
"والآخر: أن الكثرة وصلت إلى حد أن يقاس عليها. وله من كلام بعض١ الأئمة الكبار ما يعضده.
"وقد أخذ المجمع بالرأي الثاني؛ لأنه قوي، والحاجة داعية إلى القياس على ما قال العرب" ا. هـ٢.
_________________
(١) ١ ومن هؤلاء صاحب: "المكمل، شرح المفصل" حيث يقول ما نصه: "اعلم أنهم إذا أرادوا أن يذكروا كثرة حصول شيء بمكان وضعوا لها "مفعلة"، وهذا قياس مطرد في كل اسم ثلاثي، كقولك أرض مسبعة، أي: يكثر فيها " ا. هـ. وسرد بعد هذا أمثلة كثيرة. ٢ للقرار المجمعي السابق ما يشبه التتمة المستقلة، صدرت بعده بأمد طويل؛ ففي الجلسة التالية للمؤتمر المجمعي بتاريخ ١٧/ ١٢/ ١٩٥٩ عرض استفسار لأحد الأعضاء، نصه: "كان المجمع الموقر قد اتخذ القرار الآتي: "تصاغ: "مفعلة" "بفتح العين" قياسًا من أسماء الأعيان الثلاثية الأصول للمكان الذي تكثر فيه الأعيان؛ سواء أكانت من الحيوان، أم من النبات، أم من الجماد ". وقد يسر هذا القرار لواضعي المصطلحات العلمية وضع كثير من الألفاظ العربية على هذا الوزن أمامها أشباهها من الألفاظ الأعجمية؛ مثال ذلك: ملبنة، مزبدة، مقطنة، موردة، مقصبة "وفي أثناء معالجتي لهذه الألفاظ -وما يشابهها- برزت عقبة لم أستطع تذليلها، ولذلك رأيت عرضها على مؤتمر المجمع الموقر؛ وهي تلخص بالسؤال الآتي: إذا لم يكن لاسم العين الثلاثي فعل وكانت عين الاسم حرف علة، "كما في كلمات: توت. خوخ. جوز، وأشباهها" فما هو حرف العلة في اسم المكان الذي يصاغ من اسم العين على وزن مفعلة؟ "وبعد؛ أرجو المذاكرة في هذا الموضوع، أو إحالته على اللجنة المختصة؛ بغية اتخاذ قرار ينير السبيل أمام الباحثين في المصطلحات العلمية" ا. هـ. وقد أحيل الاستفسار إلى لجنة الأصول؛ فدرسته واتخذت فيه قرارًا قدمته للمؤتمر فوافق عليه، ونص القرار: "القاعدة في صوغ: "مفعلة" مما وسطه حرف علة هي: "الإعلال" فيقال في مثل: "توت"، و"خوخ"، و"تين": متاتة، ومخاخة، ومتانة. لكن وردت في اللغة ألفاظ كثيرة بالتصحيح لا الإعلال؛ مثل: مثوبة، مشورة، مصيدة، مقودة، مبولة، ويرى النحاة أن الاحتفاظ بالأصل يلجأ إليه أحيانًا. ولا شك أن بقاء الكلمة من غير إعلال أبين في الدلالة على المعنى. ولإعلال في هذا الباب غير مستحكم. وقد نقل عن أبي زيد النحوي إجازة التصحيح في "أفعل"، و"استفعل"؛ كأغيم، وأغيل، واستحوذ، واستقوم، واستجوب، =
[ ٣ / ٣٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثانية: أن هذه الصيغة تختلف في مدلولها وفي المراد منها عن صيغتي:
_________________
(١) = واستصوب وإذا أجيز الصحيح في الأفعال فالإجازة في الأسماء مقبولة؛ لأن الأسماء في هذا الباب محمولة على الأفعال، في الإعلال" ا. هـ. هذا نص الاستفسار، وقرار اللجنة والمؤتمر بشأنه، "كما وردت نصوصها الحرفية في ص٥٠ من مجموعة البحوث، والمحاضرات لمؤتمر المجمع، في دورته السادسة والعشرين، سنة ١٩٥٩-١٩٦٠". وإني ألحظ في هذا القرار غموضًا وتعارضًا يتطلبان التجلية والتوفيق. فالقرار ينص على أن القاعدة هي: الإعلال. وهذا حكم يقتضينا التمسك بالقاعدة. وعدم الخروج عليها، ما دامت قد استحقت اسمها: وما خالفها فشاذ يحفظ ولا يقاس عليه كما يقولون. لكن القرار يعود بعد ذلك فيقول: وردت ألفاظ كثيرة في اللغة بالتصحيح لا بالإعلال فما مراده بالكثرة؟ إن كانت قد بلغت الحد الذي يصح القياس عليه لم تكن القاعدة السالفة "وهي قاعدة: "الإعلال" فريدة يجب الاقتصار عليها؛ وإنما تكون إحدى قاعدتين، يجوز القياس على كل منهما؛ هما: "التصحيح والإعلال". وإن كان لم تبلغ حد الكثرة المطلوبة وجب الاقتصار على الأول عند التعليق، واعتبار ما ورد من الثانية شاذًّا. ثم ما المراد من أن الأصل يُلجأ إليه أحيانًا؟ أهذا الالتجاء واجب أم جائز؟ وما تحديد هذه الأحيان؟ ومن الذي له الحق في تحديدها؟ و وإذا كان بقاء الكلمة من غير إعلال أبين من غير شك "كما يقول القرار" في الدلالة على المعنى من الإعلال -فلماذا نترك الأبين إلى غيره؟ وكيف يختار أئمة النحو ضابطًا عامًّا يؤدي إلى غير الأبين مع ترك ما يؤدي إلى الأبين؟ وإذا كان الإعلال في هذا الباب غير مستحكم "كما يقول القرار" فلم التمسك به، وبناء القاعدة عليه؟ وإذا كان المنقول عن أبي زيد -كما يشعر القرار -جواز التصحيح في "أفعل" و"استفعل"، فهل يجوز التعميم بحيث يشمل التصحيح غيرهما أيضًا، بالرغم من أن أبا زيد قصر الأمر عليهما دون غيرهما؟ وبالرغم أيضًا مما قاله ابن جني في كتابه الخصائص "ج١ ص٩٩" ونقله السيوطي وغيره في كتابه: "الأشباه والنظائر" وفي كتابه المزهر "ج١ ص١٣٦" عند الكلام على المطرد في الاستعمال مع شذوذه في القياس؟ مثل: استحوذ واستصوب؟ فقد قال ما نصه: "اعلم أن الشيء إذا اطرد في الاستعمال، وشذ عن القياس فلا بد من اتباع السماع الوارد فيه نفسه، لكنه لا يتخذ أصلا يقاس عليه غيره، ألا ترى أنك إذا سمعت استحوذ، واستصوب أديتهما بحالهما، ولم تتجاوز ما ورد به السماع فيهما إلى غيرهما؛ ألا تراك لا تقول في استقام استقوم، ولا في استساغ استسوغ، ولا في استباع استبيع، ولا في أعاد أعود ولم نسمع شيئًا من ذلك. قياسًا على قولهم أخوص الرمث "الرمث: نبت حامض. وأخوص: صار كالخوص" فهل يجوز التعميم برغم كل ما سبق مما نقلناه؟ وما المراد من قول التقرير: إذا أجيز التصحيح في الأفعال فالإجازة في الأسماء مقبولة ؟ فهل اطرد التصحيح في الأفعال حتى تحمل عليه الأسماء فيه؟ وإذا كان مطردًا أو كثيرًا إلى الحد الذي يبيح قياس الأسماء عليه فلم منعه القدماء إلا في المسائل التي نصوا عليها؟ تلك هي بعض =
[ ٣ / ٣٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
"مفعل" و"مفعلة" الخاصتين "باسم المكان" فهاتان الصيغتان مشتقتان من المصدر، وتدلان على المكان وعلى المعنى المجرد الذي يحدث به. أما تلك فتضاغ من الثلاثي المحسوس للدلالة على المكان وعلى شيء حسي معين يكثر به، لا على شيء معنوي، فالفرق كبير بين الدلالتين. والفرق أكبر وأوسع في الأصل الذي يشتقان منه، وفي طريقة الصياغة، ووزن الصيغة، ما يتبين هذا جليًّا في الشرح الخاص بكل.
د- ملخص ما سبق من أوزان المصدر الميمي١ واسمي الزمان والمكان إذا كانت أفعالها الماضية ثلاثية، وماضي المصدر الميمي غير مضعف هو:
١- إذا كان الماضي الثلاثي معتل اللام، "مثل: دعا. سعى " فالصيغة للمشتقات الثلاث هي وزن: "مفعل" "بفتح، فسكون، ففتح" تقول: مدعى. مسعى
٢- إذا كان الماضي الثلاثي صحيح الأحرف ومضارعه مضموم العين أو مفتوحها: "مثل: نظر ينظر. فتح يفتح " فالصيغة للثلاثة على وزن "مفعل" أيضًا كالسابقة.
٣- إذا كان الماضي الثلاثي صحيح الأحرف، ومضارعه مكسور العين، "مثل: جلس يجلس. عرف يعرف " فالميمي على وزن: "مفعَل" أيضًا، واسما الزمان والمكان على وزن: "مفعِل" بكسر العين.
_________________
(١) = الجوانب التي تحتاج إلى إلى التجلية والبيان، مع ترك جوانب أخرى من ذلك القرار يغشيها الغموض أيضًا ولا سيما إذا عرضنا لرأي سيبويه في مثل تلك الكلمات التي لم يجر عليها الإعلال بالنقل من مثل: استحوذ، استصوب.. فهو يقول ما ملخصه: سمعنا جميع الشواذ المذكورة معلة أيضًا على القياس إلا استحوذ، واستروح الريح، وأغيلت ثم قال: ولا مانع من إعلالها وإن لم يسمع؛ لأن الإعلال هو الكثير المطرد. راجع ص٤٧ من كتاب: ليس من كلام العرب لابن خالويه. ويدور بخلدي أن القرار لو اقتصر على سرد القاعدة التي جاءت في صدره، وزاد عليها إباحة التصحيح في حالة واحدة هي: أن يخفى معنى الكلمة بالإعلال أو يلتبس بغيره، ولا منجاة من الخفاء اللبس إلا بالتصحيح -لو فعل هذا- لكان سليمًا من الغموض، بعيدًا من التعارض، مسايرًا بعض المذاهب اللغوية العامة. ١ سبق تفصيل الكلام عليه في ص٢٣١.
[ ٣ / ٣٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٤- إذا كان الماضي الثلاثي معتل الفاء بالواو، صحيح اللام، ومضارعه مكسور العين تحذف فيه الواو؛ "مثل: وعد يعد " فالصيغة للثلاثة هي: "مفعل" بكسر العين.
ويتبين مما سبق أن صيغة الثلاثة لا تختلف إلا في صورة واحدة هي التي يكون فيها الماضي الثلاثي صحيح الأحرف مكسور العين في المضارع، فيصاغ المصدر الميمي على وزن "مفعل" -بفتح العين- ويصاغ اسمًا للزمان والمكان على وزن "مفعل" بكسر العين. ويجوز في المصدر الميمي أيضًا أن يكون على وزن "مفعل" -بفتح العين أو كسرها- إن كان ماضيه مضعفًا١.
كل ما سبق حين يكون الماضي ثلاثيًا فإن كان غير ثلاثي فيصاغ الثلاثة -وكذا اسم المفعول- على وزن المضارع مع إبدال أوله ميمًا مضمومة وفتح الحرف الذي قبل آخره، وتكون القرائن هي المميزة بين الأنواع الثلاثة والدالة على النوع المناسب للسياق دون غيره الثلاثة الأخرى.
_________________
(١) ١ طبقًا لما سلف في ص٢٢٧.
[ ٣ / ٣٣٢ ]
المسألة ١٠٧: اسم الآلة
تعريفه:
اسم يصاغ قياسًا من المصدر الأصلي١ للفعل الثلاثي المتصرف -لازمًا أو متعديًا- بقصد الدلالة على الأداة التي تستخدم في إيجاد معنى ذلك المصدر. وتحقيق مدلوله.
وليس الوصول إلى تلك الدلالة المعنوية مقصورًا على صيغة اسم الآلة القياسي، فمن الممكن الوصول إلى تلك الدلالة بأساليب مختلفة، ليس في واحد منها الصيغة القياسية التي تخص "اسم الآلة"، ولكن هذا الوصول يتطلب ألفاظًا، وكلمات متعددة لا يتطلبها صوغ اسم الآلة القياسي؛ فإنه يقوم بهذه الدلالة المعنوية بكلمة واحدة، فمزيته أن يؤدي باللقطة المنفردة ما لا يؤديه غيره إلا بالكلمات المتعددة.
صوغه:
صياغته القياسية لا تكون إلا من مصدر الفعل الثلاثي المتصرف مطلقًا٢ يصاغ من غيره.
وأوزان اسم الآلة ثلاثة قياسية: هي: مِفعَل. مِفعَال. مِفعَلة. وطريقة صوغها أن نجيء بذلك المصدر مهما كان وزنه، وندخل عليه من التغيير ما يجعله على وزن إحدى الصيغ الثلاث٣. مثال ذلك:
١- نشر النجار الخشب نشرًا، فآلة النشر هي: مِنشَر. أو: مِنشار، أو: مِنشَرة.
_________________
(١) ١ في ص١٨٢ تفصيل الكلام على أصل المشتقات؟ مصدرًا وغير مصدر ولم يعرض ابن مالك في "ألفيته" لاسم الآلة. وقد عرضنا له استيفاء المشتقات. ٢ أي: سواء أكان الفعل متعديًا أم لازمًا، كما تقدم. وانظر: "ب" ص٢٣٦ حيث البيان الخاص يصوغه من اللازم. ٣ زاد عليها مجمع اللغة العربية أوزانًا أخرى تجيء في ص٣٣٧.
[ ٣ / ٣٣٣ ]
٢- برد الصانع الحديد بردًا، فآلة البرد هي: مبرد، أو: مبراد، أو: مبردة.
٣- ثقبت سداد القارورة ثقبًا -فآلة الثقب هي: مثقب، أو: مثقاب، أو مثقبة.
٤- سخن الماء سخانة وسخونة -فالآلة التي تتحقق بها السخونة، هي: مسخن، أو: مسخان، أو: مسخنة.
٥- سلكت الطريق سلوكًا، أي: ذهبت فيه ونفذت منه. فالآلة التي يتحقق بها الذهاب والنفاذ، هي: مسلك، أو: مسلاك، أو: مسلكة.
٦- سمحت للمحتاج ببعض الغلة سموحًا، وسماحًا، وسماحة، فالآلة التي يتحقق بها السماح وتستخدم في الإعطاء، والتناول، هي: مسمح أو: مسماح، أو: مسمحة و وهكذا.
حكمه:
اسم الآلة لا يعمل عمل فعله؛ فلا يرفع فاعلًا أو نائب فاعل، ولا ينصب مفعولًا به، ولا غيره؛ فهو واسم المكان واسم الزمان المشتقات الثلاث التي لا تعمل عمل فعلها١.
ويلاحظ أن صيغة "مفعال" مشتركة بين "اسم الآلة" و"صيغة المبالغة"؛ فهي من الأوزان الصالحة لهذه، ولتلك -كما سبق٢- والتفرقة بينهما في الدلالة تكون بإحدى القرائن اللفظية أو المعنوية؟ كالشأن في كل صيغة مشتركة، أو لفظ يصلح لمعنيين أو أكثر؛ فالقرينة وحدها هي التي تتحكم في التوجيه هنا أو هناك، ففي مثل: "تخيرت للخشب الجزل منشارًا قويًّا يمزقه" -تكون صيغة "مفعال" اسم آلة: بخلافها في مثل: "ما أعجب فلانًا في التحدث عن
_________________
(١) ٢ وكذلك المصدر المصوغ للدلالة على المرة -كما سبق في رقم ١ من هامش ٢٧٤- ومع أن هذه الأربعة لا تعمل، يجوز أن يتعلق بها شبه الجملة لما فيها من رائحة الفعل "راجع هامش ص٢٢١". ٣ في رقم ٤ من هامش ص٢٥٨.
[ ٣ / ٣٣٤ ]
نفسه، ونشر أخباره، وانتهاز الفرص للإعلان عن شئونه!! إنه جدير بأن يسمى: منشارًا"؛ فإنها صيغة مبالغة في النشر. ومثل: كلمة: "مذياع"؛ فقد يراد منها الآلة الصماء التي تستخدم في نقل الأخبار المذاعة. وقد يراد منها الشخص المتكلم في تلك الآلة١. فمثال الحالة الأولى تدل عليها القرينة: توقف المذياع لخلل في أسلاكه. ومثال الثانية التي تدل عليها القرينة أيضا: ما أفصح المذياع، وما أعذب صوته، لم يتلجلج، ولم يتردد، ولم يشوه كلامه بلحن أو خطأ، مع أنه كان يرتجل بغير إعداد.
_________________
(١) ١ هذا من الوجهة اللغوية. وقد جرى العرف اليوم على تسمية الآلة "بالمذياع" وتسميه الشخص: بالمذيع.
[ ٣ / ٣٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- وردت ألفاظ مسموعة شذت صيغتها عن القياس؛ منها: "المنخل"؛ للأداة التي ينخل بها الدقيق. "والمدق"؛ للأداة التي تدق بها الأشياء الصلبة "والمدهن"؛ للأداة التي تستخدم في الدهان. و"المكحلة"؛ للأداة التي تستخدم في الكحل، أو للوعاء الذي يوضع فيه. و"المسعط"؛ للأداة التي يسعط بها العليل، أو الصبي؛ إي: يوضع بها الدواء في أنفه، "وكل ما سبق بضم أوله وثالثه إلا "المدق" فبضم أوله وثانيه"، "وإراث" للأداة التي توقد النار
ولما كانت تلك الأوزان -وأشباهها- خارجة عن الصيغ القياسية، جاز استعمالها كما وردت مسموعة عن العرب، وجاز -كما سيتبين بعد١- اشتقاق صيغة قياسية من مصادر أفعالها الثلاثية المتصرفة تؤدي معناها ومهمتها، بحيث تجيء الصيغة الجديدة على وزن "مفعل" أو: "مفعلة" أو "مفعال" وهي الأوزان الثلاثة القياسية لاسم الآلة.
ب- في محاضر جلسات المجمع اللغوي القاهري، في دور انعقاده الأول "ص٣٧١"، بحث وافٍ على اسم الآلة، ونصوص متعددة من المراجع المطولة الأصيلة التي تصدت لبيان أحكامه. ومن ذلك البحث وما تبعه من بحوث فرعية، وما أثاره من جدل عنيف، ومناقشات مستفيضة مسجلة هناك -يتبين أن بين العلماء خلافًا شديدًا يكاد يتركز في ثلاث مسائل:
أولها: أن يكون اشتقاق اسم الآلة من مصدر الثلاثي المتصرف، المتعدي واللازم، أم من مصدر المتعدي فقط، كما يميل إليه أكثر السابقين؟ وهل يشتق من أسماء الأعيان؟
ثانيها: أيجوز اشتقاق من مصدر الأفعال غير الثلاثية، أم أمره مقصور على الثلاثية وحدها؟
ثالثها: أيجوز القياس مع وجود صيغة مسموعة تخالفه، أم يجب الاقتصار عليها؟
_________________
(١) ١ في "ب" التالية.
[ ٣ / ٣٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وخير إجابة عن تلك الأسئلة -وهي إجابة مستمدة في أكثرها من البحوث والمناقشات التي دارت بالمجمع، ثم من مراجع واعتبارات أخرى- هي:
١- جواز الاشتقاق من مصدر الفعل الثلاثي المتصرف اللازم والمتعدي، دون مصدر الأفعال غير الثلاثية، ودون أسماء الأعيان. فيجب الاقتصار في هذين على المسموع وحده.
٢- ويجوز القياس بصوغ اسم الآلة من مصدر الفعل الثلاثي المتصرف مع ورود صيغة مسموعة تخالفه. لكن الأحسن الاقتصار على هذه الصيغة المسموعة، وبخاصة إذا كانت شائعة.
"ملاحظة": جاء في مجلة المجمع اللغوي، القرار الآتي نصه١:
"يضاف إلى الصيغ الثلاث المشهورة في اسم الآلة، "وهي: مفعل، مفعلة، مفعال، وكذا: "فعالة" التي أقر مجلس المجمع قياسيتها من قبل" صيغ أخرى؛ هي:
أ- فعال؛ مثل: إراث "لما تؤرث به النار، أي: توقد".
ب- فاعلة: مثل: ساقية.
ج- فاعول؛ مثل: ساطور.
وبهذا تصبح الصيغ القياسية لاسم الآلة سبع" ا. هـ.
وفي الصيغ الأربع الجديدة التي اشتمل عليها هذا القرار ما يقتضي التأمل والتلبث. فصيغة: "فعالة" المقترحة: "اعتمادًا على كثرتها في الاستعمال القديم والحديث؛ ومن الحديث: ثلاجة، خرامة، خراطة، كسارة: لآلة الثلج، والخرم، والخرط، والكسر؛ إنما تصاغ على أصل عربي فصيح وهو صيغة: "فعال" المؤنثة المشتقة للدلالة على المبالغة، أو على النسب لأمر من
_________________
(١) ١ راجع ص٢٥٠ من مجلة المجمع اللغوي، العدد الخاص بالبحوث والمحاضرات التي ألقيت في مؤتمر الدورة التاسعة والعشرين، سنة ١٩٦٢-١٩٦٣. وكذلك ص١٩ من كتابه الذي أخرجه سنة ١٩٦٩ باسم "كتاب في أصول اللغة" مشتملًا على مجموعة القرارات التي أصدرها من الدورة التاسعة والعشرين إلى الدورة الرابعة والثلاثين وفي هذا المرجع القرار متبوعًا بالأدلة والبحوث العلمية التي تؤيده.
[ ٣ / ٣٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأمور؛ طبقًا لما سيجيء في باب: "النسب١"، ثم تستعمل بعد ذلك مجازًا "لغرض بلاغي" في الدلالة على الآلية أو السببية. وهذا الاستعمال المجازي مباح فصيح في كل عصر، بشرط توافر ركني المجاز "وهما: العلاقة، والقرينة" ومن المعروف بلاغة أن المجاز إذا اشتهر صار حقيقة عرفية فصيحة؛ ينسى معها "العلاقة والقرينة"؛ طبقًا لما قرره البلاغيون، فلا حاجة -إذًا- لقرارٍ بزيادة تلك الصيغة على صيغ اسم الإلة. هذا إلى أنها لا تكون نصًّا في دلالتها على الآلية -أحيانًا- وبذا تختلف عن الصيغ المسموعة.
أما الصيغ الثلاث الجديدة التي زيدت أيضا "أ. ب. ج" فأمر قياسيتها غير واضح؛ فهل المراد أن يصاغ على وزنها اسما، آلات من كل ما يصاغ منه اسم الآلة؟
إن كان هذا هو المراد -وهو ما يقتضيه حكم القياس- كان غريبًا؛ لأن الاستعمال العربي القديم لتلك الكلمات كان متجهًا في بعضها إما للمجاز على الوجه الذي شرحناه؛ كاستعمالهم كلمة: "الساقية"، وإما للأداة الخاصة في بعض كلمات أخرى معينة دون غيرها كما في كلمة "إراث" و"ساطور"، ونحوهما من عشرات الكلمات المتباينة التي استعملوا -بقلة- كل واحدة منها أداةً دون أن تخضع تلك الكلمات كلها لكثرة استعمالهم أو لصيغة واحدة تجمعها، أو وزن واحد تندرج تحته؛ فالحكم بالقياس على تلك الصيغ الثلاث واستعمالها من غير طريق المجاز مخالف للمراد من القياس اللغوي، ومؤدٍّ للاضطراب. هذا إلى أنه يمكن الاستغناء عن الصور الجديدة كلها باختيار صيغة من الصيغ القديمة تستعمل أداة موصلة للمعنى المراد من كل صيغة من هذه الصيغ المستحدثة.
_________________
(١) ١ في الجزء الرابع.
[ ٣ / ٣٣٨ ]
المسألة ١٠٨: التعجب
مدخل
المسألة ١٠٨: التعجب
معناه:
إذا رأينا في أحد الكواكب أشباحًا تحاول الاتصال بنا، أو شاهدنا بئرًا تغيض١ فجأة، أو مطرًا ينهمر في يوم صحو٢، أو سيارة جديدة تتوقف عن المسير بغير سبب معروف، كان هذا أمرًا باعثًا للدهش، وانفعال٣ النفس به؛ واستعظامها إياه؛ لخفاء سره عليها، وعدم وجود نظير له، أو قلة نظائره، وقد يعبر عنه الناس بأنه أمر عجيب، أو غريب، أو مثير أو نحو هذا من العبارات التي يريدون منها ما يسميه اللغويون: "التعجب"، ويعرفونه بأنه:
"شعور داخلي٤ تنفعل به النفس حين تستعظم أمرًا نادرًا، أو لا مثيل له؛ مجهول الحقيقة٥، أو خفي السبب"٦. ولا يتحقق التعجب إلا باجتماع هذه الأشياء كلها.
أسلوبه:
له أساليب كثيرة٧ تنحصر في نوعين:
_________________
(١) ١ يجف ماؤها. ٢ لا غيم فيه، ولا مطر، ولا برد. ٣ تأثر. ٤ وقد يترتب عليه ظهور آثار خارجية؛ كالتي تبدو على الوجه، أو غيره. ٥ أي: الذات. بأجزائها التي تتركب منها. ٦ لهذا يقال: إذا ظهر السبب بطل العجب، ولهذا أيضًا لا يوصف المولى جل شأنه بأنه متعجب؛ إذ لا يخفى عليه شيء، وإذا ورد في كلامه، أو في الحديث الشريف، أو غيرهما، ما يدل على أنه يتعجب، فالمراد: إما توجيه السامعين إلى إظهار العجب والدهشة، وإما المراد: اللازم؛ هو الرضا والتعظيم، أو: نحو ذلك من الأغراض البلاغية. ٧ والغرض الأساسي من كل منها هو: "التعجب". لكن بعضها قد يتضمن أحيانا كثيرة التعجب وغرضًا آخر معه: "المدح، أو الذم": كما سيتبين في هذا الباب، وفي باب "نعم وبئس" عند الكلام على الأفعال التي تجري مجراهما ص٣٧٠.
[ ٣ / ٣٣٩ ]
أحدهما: مطلق؛ لا تحديد له ولا ضابط، وإنما يترك لمقدرة المتكلم، ومنزلته البلاغية، ويفهم بالقرينة.
والآخر: "اصطلاحي"، أو "قياسي" مضبوط بضوابط وقواعد محددة، ولا تكاد تختلف في استعماله أقدار المتكلمين.
ومن أمثلة الأول: "لله در١ فلان"، في قول القائل:
لله درك!! أي جنة٢ خائف ومتاع دنيا. أنت للحدثان٣
ومنها: "يا لك، أو يا له، أو يا لي" كقول الشاعر:
فيالك بحرًا لم أجد فيه مشربًا وإن كان غيري واجدًا فيه مسبحًا
ومنها: "شَدَّ٤" في نحو: شَدَّ ما يفخر اللئيم بأصوله إن كانت له أصول، ويتمدح بفعاله إن كان له فعل محمود.
ومنها كلمة: "عَجَب"، مصدرًا، ومشتقاته، مثل: عَجِب، و"عجيب" في نحو: قولهم: عجبت لمن يشتري المماليك بماله، ولا يشتري الأحرار بكريم فعاله. وقول الشاعر:
أقاطنٌ٥ قومُ سَلْمَى أَم نَوَوْا ظَعْنَا٦؟ إِنْ يَظْعَنوا فعجيبٌ عيْشُ مَنْ قَطَنا
ومنها: الاستفهام المقصود منه التعجب؛ كقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْْ﴾، وكقول شوقي يخاطب تمثال أبي الهول٧:
إلامَ ركوبُكَ مَتنَ الرمالِ لِطَيِّ الأَصيلِ، وجَوْب السِّحَرْ؟
_________________
(١) ١ أصل هذا الأسلوب ومعناه مدون في ج٢ م٦٠ ص٢١. ٢ وقاية. ٣ حوادث الدهر ومصائبه. ٤ فعل ماضٍ يفيد التعجب من شدة الأمر وكثرته. ٥ أمقيم؟ ٦ ارتحالًا وسفرًا. ٧ تمثال رأسه كرأس إنسان، وجسمه على هيئة جسد الأسد. أقامه أحد الفراعين في صحراء الأهرام، بالجيزة. "قرب القاهرة".
[ ٣ / ٣٤٠ ]
ومنها: "سبحان الله" التي تصاحبها قرينة تدل على أن المقصود منها التعجب؛ كقول رجل سئل عن اسمه: "سبحان الله! تجهلني، والخيل والليل والبيداء تعرفني؟!! ".
إلى غير ذلك من كل لفظ يدل على التعجب١ وتُفهم منه هذه الدلالة بقرينة، من غير أن يكون من النوع "الاصطلاحي" "القياسي".
أما النوع "الاصطلاحي، أو القياسي: فصيغتان٢: "ما أفعله" و"أفعِل به". وهذان وزنان يُستعملان عند إرادة التعجب من شيء تنفعل به النفس على الوجه الذي شرحناه؛ فعند التعجب من الجمال الباهر -مثلًا- أو الضخامة البالغة، أو: القصر المتناهي أو غيره نأتي بأحد أسلويين قياسيين.
أولهما٣: فعل ماضٍ، ثلاثي٤، يشتمل على المعنى الذي يراد التعجب منه، ثم نجعل هذا الماضي على وزان، "أفعل". وقبله: "ما" الاسمية التي هي مبتدأ، وعلامة التعجب؛ ولذا تسمى: "ما التعجبية" وتقديمها على هذا الماضي واجب، وفاعله ضمير مستر وجوبًا، تقديره: "هو" يعود على: "ما"، وبعده اسم منصوب هو في ظاهره وفي إعرابه مفعول به٥. ولكنه في المعنى فاعل٦؛ إذ كان في الجملة -وفي الحقيقة- قبل التعجب فاعلًا؛ نحو؛ ما أجمل الوردة الناضرة!. ما أضخم هرم الجيزة!. ما أقصر
_________________
(١) ١ مثل كلمة: "واها" في نحو: واها لسلمى ثم واهًا واهًا ومثل حرف النداء في: يا جارتا ما أنت جارة!! ٢ هناك صيغة ثالثة قياسية يأتي الكلام عليها في "ج" من ص٣٤٧. ٣ الثاني في ص٣٤٤. وكلاهما يجب تصحيح عينه المعتلة إن كانت مستحقة للإعلال بالنقل طبقًا للبيان الآتي في: "أ" ص٣٤٧. ٤ وقد يصاغ من الرباعي الذي على وزن: أفعل، على الوجه الآتي في ص٣٤٨. "٥، ٦" لهذا لا يصلح التعجب إن كان المفعول به حقيقيًا في أصله "قد وقع عليه فعل الفاعل" ففي مثل: سقى المطر الزرع؛ لا يصح أن يقال: ما أسقى الزرع؛ بقصد التعجب الواقع على الزرع. لأن المفعول به هنا حقيقي، وليس فاعلًا في المعنى انظر "أ" من ص٣٤٧.
[ ٣ / ٣٤١ ]
سكان المناطق القطبية! فكلمة: "ما" في هذه الأمثلة وأشباهها مبتدأ١، والجملة الفعلية بعدها خبرها، ثم المفعول به الذي هو فاعل في المعنى: فالأصل جملت الوردة، ضخم الهرم، قصر سكان المناطق القطبية.
وعند إرادة التعجب من كبر قارة آسيا، وسعتها، وغزارة سكانها، وعلو جبالها و نقول: ما أكبرها!! وما أوسع رقعتها!! وما أغزر سكانها!! وما أعلى جبالها!! والإعراب كما سبق تمامًا، وكذلك المفعول به.
و"ما" التعجبية في هذه التراكيب -ونظائرها- هي نوع من "النكرة التامة"٢، وتتضمن -بذاتها٣- معنيين معًا، أو أنها ترمز إليهما معًا؛ هما: "توجيه الذهن إلى أن ما بعدها عجيب. وأن الذي أوجده أمر عظيم"، ويصفها النحاة بأنها "نكرة تامة". والماضي بعدها جامد لا محالة٤ مع أنه في أصله ثلاثي متصرف، ولكنه يفقد التصرف باستعماله في التعجب رباعيًا على وزن "أفعل" كما يفقد -في الأرجح- الدلالة على الزمن إن لم توجد قرينة تدل على الزمن٥.
_________________
(١) ١ انظر "أ" من الزيادة التالية في ص٣٤٣. ٢ يريدون بالتنكير أنها بمعنى: "شيء" أي شيء. وبالتمام: أنها لا تحتاج إلا للخبر، فلا تحتاج بعدها إلى نعت أو غيره من القيود. وتنكيرها أفادها إبهامًا جعلها في أسلوب التعجب بمعنى: "شيء عظيم". وعلى هذا تكون "النكرة التامة" هي النكرة المحضة الخالصة من كل قيد، أما المقيدة بنعت أو غيره من القيود فتسمى: "نكرة ناقصة". وبيان هذا في ج١ م ١٧. ٣ أي: بلفظها وتكوينها، لا بلفظ أو شيء آخر غيرها. ٤ ولا يدل -عند المحققين- على زمن؛ لأن الجملة التعجبية متجردة لمحض "الإنشاء" المقصود منه "التعجب"، فلا دلالة فيما على زمن عندهم "كما سيجيء في رقم ٢ من هامش ص٣٤٤ وفي رقم ١ من هامش ص٣٤٩، وفي رقم ٤ من هامش ص٣٦١ وعدم دلالتها على الزمن مشروط بألا تشتمل على لفظة: "كان" أو "يكون" أو غيرهما من الألفاظ أو القرائن التي أريد منها أن تدل على زمن معين؛ طبقًا للبيان الخاص بهذا في الصفحات السالفة، وفي صدر الجزء الأول عند الكلام على الأفعال م٤. ٥ كما سيجيء في ص ٣٤٧، ٣٤٩، ٣٥٧.
[ ٣ / ٣٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- لسنا بحاجة إلى الأخذ برأي من يقول: إن "ما" التعجبية اسم موصول، مبتدأ، والجملة بعدها صلتها، والخبر محذوف. ولا برأي آخر يقول: إنها نكرة ناقصة "تحتاج إلى نعت بعدها" والجملة بعدها نعت لها، والخبر محذوف، ولا استفهامية ولا ولا فكل هذه الآراء تحمل في طياتها كثيرًا من التعسف، وتقوم على الحذف والتأويل من غير داعٍ، ومن غير أن تمتاز بمزية تصرفنا عن الإعراب الأول الذي يتضمن كل مزاياها، ويخلو من عيوبها. فعلينا التمسك به وحده، وأن نختصر في الإعراب، فنقول: "ما" تعجبية، قاصدين مع هذا الاختصار أنها نكرة تامة مبتدأ -من غير حاجة للتصريح بما اصطلحنا عليه
ب- ورد عن العرب قولهم: "ما أمليح فلانًا وما أحيسنه، بتصغير الفعلين الماضيين: "أملح وأحسن" عند استخدامهما في التعجب، مع أن الأفعال لا تصغر فهل يصح تصغير غيرهما من الأفعال الماضية المستخدمة في التعجب، والتي على وزن "أفعل"؛ قياسًا على هذين الفعلين الماضيين؟ الرأي الشائع عدم الجواز، ولكن سيبويه وبعض البصريين وفريق من غيرهم يبيحه. وفي الأخذ بهذا الرأي -أحيانًا- تيسير وتوسعة لا ضرر منهما١
_________________
(١) ١ تفصيل هذا كاملًا في باب: "التصغير" من الجزء الرابع م١٧٥ ص٦٣١.
[ ٣ / ٣٤٣ ]
ثانيهما١: فعل ثلاثي لازم مشتمل على المعنى الذي يراد التعجب منه، ونجعل هذا الفعل على وزن: "أفعل"، وبعده باء الجر، تجر اسمًا ظاهرًا، أو: ضميرًا متصلًا بها، وكلاهما هو الذي يختص بمعنى الفعل. ففي الأمثلة السابقة يقال: أَجْمِلْ بالوردة النَّاضرة! أضْخِم بهرم الجيزة! أَقْصِرْ بسكان المناطق القطبية!. أَكْبِرْ بقارة آسيا! وأَوْسِعْ برقعتها! وأغزِرْ بسكانها! وأَعْلِ بجبالها! أو: أَكبِرْ بقارة آسيا! وأَوسِعْ بها! وأَغزرْ بسكانها! وأكثْر بهم!
أما إعراب: "أجملْ بالوردة الناضرة" ففيه وفي نظائره إعرابان:
أ- أن نقول "أجْمِلْ"، فعل ماضٍ على صورة الأمر، "أي على شكله الظاهر فقط٢، دون الحقيقة المعنوية" "بالوردة" الباء، حرف جر زائد٣ "الوردة " فاعل مجرور بالباء لفظًا، ولكنه في محل رفع على الفاعلية. "الناضرة" نعت، إما مجرور بالكسرة تبعًا للفظ الفاعل المنعوت، وأما مرفوع بالضمة تبعًا لمحل المنعوت، ويكون المراد هو: جَمُلت الوردةُ، أي: صارت ذات جمال عجيب، وضخم الهرمُ، أي: صار ذا ضخامة عجيبة. قَصُرَ سكان المناطق القطبية. أيضًا وهكذا باقي صيغ "أفْعِل" التي جاءت في ظاهرها على صورة الأمر، وهي في الحقيقة فعل ماضٍ؛ يراد منه في ظاهره وفي حقيقته التعجب. ومِثْل النعت هنا غيره من التوابع؛ فكل منها يجوز فيه الجر والرفع.
هذا إعراب الفاعل المجرور بالباء حين يكون اسمًا ظاهرًا معربًا، أما حين يكون اسمًا مبنيًا؛ كالضمير البارز، أو غيره من المبنيات "ومن الأمثلة
_________________
(١) ١ أما أولهما ففي ص٣٤١ وكلاهما يجب تصحيح عينه المهملة كما أشرنا هناك؛ طبقًا للبيان الآن في: "أ" ص٣٤٧. ٢ جاء على صورة الأمر لإنشاء "التعجب"؛ فالجملة كلها إنسانية محضة، ولا دلالة لها -عند المحققين- على زمن، إلا إن وجد تقييد يدل على الزمن "كما أشرنا في رقم ٤ من هامش ص٣٤٢ وكما سيجيء في رقم ١ من هامش ص٣٤٩ و٣٥٣ و٣٦٢"، وهو مبني على السكون حينًا، وعلى حذف آخره حينًا آخر على حسب أحكام بناء الأمر. ٣ وزيادته في هذا الموضع لازمة؛ فلا يمكن الاستغناء عنه بشرط أن يكون المجرور به اسمًا صريحًا، ولا مصدرًا مؤولًا من "أن أو أنْ" وصلتهما؛ إذ في هذه الصورة المصدرية يجوز -إلا مع "أنْ" الناسخة في رأي- حذف حرف الجر. انظر رقم ٢ من هامش الصفحة الآتية. كما سبق عند الكلام على "باء الجر" هامش رقم ١ من ص١٥٣ م٧١، ٣٥١، م٨٩، وكما سيجيء البيان في رقم ١ من هامش ص٣٦٢.
[ ٣ / ٣٤٤ ]
الآية الكريمة: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ وبعض الأمثلة التي سلفت؛ "فإنه يكون مبنيًا ويذكر في إعرابه: "أنه مجرور بكسرة مقدرة على آخره، منع من ظهورها علامة البناء الأصلي في محل رفع"١؛ فهو كسابقه في أنه مجرور اللفظ، مرفوع المحل، وفي أنه يجوز في تابعه الأمران: الرفع والجرّ.
ب- أو نقول: "أَجْمِلْ" فعل أمر حقيقي، وفاعله ضمير مستتر تقديره: أنت، يعود على مصدر الفعل المذكور "وهو: الجمال"، و"بالوردة" الباء حرف جر أصلي، وهي ومجرورها أصليان متعلقان٢ بالفعل. والمراد الملحوظ: يا جمالُ أجمِلْ بالوردة؛ أي: لازِمْها؛ ولا تفارقْها. فالخطاب الملحوظ موجه لمصدر الفعل المذكور، بقصد طلب استمراره، ودوام بقائه معه٣. ومثل هذا يقال في الأمثلة الأخرى، والفاعل مفرد مذكر للمخاطب دائمًا؛ لأنه ضمير مستتر للمصدر المخاطب في كل الأحوال.
والإعرابان صحيحان٤. والمعنى عليهما صحيح أيضًا؛ فلا خلاف بينهما
_________________
(١) ١ يلاحظ أن الضمير الواقع فاعلًا في آية: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ إنما جاء خلفًا عن "واو الجماعة" للغائبين؛ إذ الأصل بناء على التقدير السالف: "سمعوا"، ولما كانت واو الجماعة لا تكون في محل جر امتنع وقوعها بعد "باء الجر" الزائدة لزومًا. ولم يكن بد من التوفيق بين الآمرين بالاستغناء عن واو الجماعة والإتيان بالضمير "هم" مكانه؛ لأنه الضمير الذي يصلح للرفع وللجر مع دلالته على جماعة الغائبين. ٢ لازمان لا يمكن الاستغناء عنهما، إلا في حالة واحدة يمكن فيها حذف الباء "في الرأي الأغلب. حين تجر مصدرًا مؤولًا "وسيجيء تفصيل الكلام عليها عند بيان الحكم التاسع من أحكام التعجب ص٣٦٢ م١٠٩، وسبقت الإشارة لهذا في رقم ٢ من هامش الصفحة السالفة، وفي ج٢ ص١٧٥ م٧١". ٣ ويصح أن يكون موجهًا للمخاطب الذي يراد منه أن يتعجب مع وجوب إبقاء الضمير على حاله من الإفراد والتذكير. وهذا الوجه هو الذي ينطبق في يسر وغير تكلف على مثل قول الشاعر: إذا عُمِّرَ الإنسان تسعين حِجَّةً فأَبْلِغْ بها عُمْرًا، وأَجْدِرْ بها شُكرا ٤ وبهما قال الأقدمون، ولكل رأي أنصاره وأدلته المقبولة؛ فلا معنى لتجريح أحدهما كما يفعل بعض المتسرعين. ومن الإنصاف القول بأن المذهبين مقبولان، ولكن كثيرًا من أدلتهما وتعليلاتهما مصنوع، لا يثبت على التمحيص؛ ولا يعرفه العربي صاحب هذه اللغة ولا يدور بخلده، فوق أنه لا يساير القواعد النحوية الأصلية المنتزعة من كلامه. فمن الخير إهمال الجدليات والتعليلات الزائفة التي تتردد في نواحٍ كثيرة من هذا الباب وغيره.
[ ٣ / ٣٤٥ ]
في تأدية الغرض. إلا أن الإعراب الثاني أيسر وأوضح، وهو إلى عقول ناشئة المتعلمين أقرب. ويزداد يسرًا ووضوحًا حين يكون الفاعل المجرور بالباء اسمًا مبنيًا كالضمير، وغيره من المبنيات التي تحتاج في إعرابها إلى تطويل.
ويلاحظ أن صيغة: "أفْعِلْ" هذه جامدة -كأختها الأولى- مع أن فعلهما الأصلي ثلاثي متصرف، ولكنه يفقد التصرف بسبب استعماله في التعجب -كما أوضَحْنا١-
_________________
(١) ١ في ص٣٤٢، وما يجيء من ص٣٤٩، ٣٥٧ وفي الأحكام السابقة يقول ابن مالك في باب عنوانه: "التعجب": بـ"أَفْعَلَ" انْطِقْ بعْد: "ما"؛ تعجبًا أَوْ جِئْ بـ"أَفْعِلْ" قَبْل مجْرُورِ بِـ"ببا" أي: انطق بصيغة: "أفعَل" لأجل التعجب، بشرط أن تكون هذه الصيغة واقعة بعد كلمة "ما" وهي: "ما" التعجبية، وإن شئت فَجِئْ بصيغة أخرى هي: "أَفْعِلْ" وبعدها المتعجب منه "أي من شيء فيه". مجرور بالباء. ثم قال: وتِلْوَ "أَفْعَلَ" انْصِبنَّهُ؛ كَما أَوْفَى خَلِيلَيْنَا! وأَصْدِقْ بِهِما! أي: "انصب ما يجيء بعد "أفعل". والذي يجيء بعد "أفعل" هو المفعول به المتعجب منه، "أي: من شيء، فيه" ثم ساق في آخر البيت مثالين؛ أحدهما: للمتعجب منه "أي: من شيء فيه" المنصوب بعد "أفعل"؛ وهو: "خليلينا". والثاني المتعجب منه المجرور بالباء بعد "أفعِلْ" وهو "أصدِقْ بهما". ثم ساق بيتًا ثالثًا ضمنه حكمًا سنذكره في مكانه من الأحكام بصفحة ٣٦٠؛ هو جواز حذف المتعجب منه إذا دل عليه دليل، ولم يتأثر المعنى بحذفه؛ يقول: وحَذْفَ ما مِنْه تَعَجَّبْت اسْتَبِحْ إِنْ كَانَ عِنْدَ الحَذْفِ معناهُ يَِحْ يضح. أي: يتضح. والفعل: "وضَح يضِح"، والأصل: "يوضح، ثم حذفت الواو خضوعًا لقاعدة صرفية تقضي بحذفها إذا وقعت ساكنة في المضارع وقبلها فتحة وبعدها كسرة، وسيذكر البيت لمناسبة أخرى في ص٣٦٠. ثم ذكر بعد هذا بيتًا يقرر فيه أن هذين الفعلين ممنوعان من التصرف؛ فهما جامدان بحكم قديم محتوم قرره النحاة: ونص البيت: وفي كِلاَ الفِعْلَيْنِ قِدْمًا لَزِما مَنْعُ تَصَرُّفٍ بِحُكْمِ حُتِما في ترتيب البيت التواء، والأصل: ولزم منع تصرف في كلا الفعلين بحكم حتم قدمًا؛ أي: قديمًا. وسيجيء إيضاح لهذا البيت في مكانه الأنسب عند الكلام على أحكام التعجب "ص٣٧٥".
[ ٣ / ٣٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- همزة الماضي: "أفعل" في التعجب هي لتعدية الصيغة التي يكون فعلها الثلاثي إما لازمًا في الأصل، وإما متعديًا، ولكنه يفقد التعدية عند أخذ الصيغة منه؛ فتحل محلها تعدية جديدة تغايرها. فمثال الأول: ما أظرف الأديب!! فإن الفعل: "ظرف" لازم أصالة؛ فصار متعديًا. ومثال الثاني: ما أنفع الحذر!! فإن الفعل: "نفع" متعدٍّ في أصله. وتزول عند أخذ الصيغة منه، فتنصب مفعولًا به جديدًا كان في الأصل فاعلًا؛ إذ الأصل: نفع الحذر. فكلمة: "الحذر" فاعل يصير مفعولًا به بعد التعجب١.
أما همزة "أفْعِلْ"، فللصيرورة على اعتباره ماضيًا على صورة الأمر
ويجب تصحيح العين في الصيغتين إن كانت في غير التعجب تستحق الإعلال بالنقل؛ مثل: ما أطول النخلة، وأطول بها٢ ومن هذا قولهم: "ما أحوج الجبانَ إلى أن يرى ويسمع عجائب الشجعان" وكذلك يجب فكَ "أفْعِلْ" المضعف، نحو: أشْدِد بحمرة الورد. وقول الشاعر:
أعْزِرْ عَليّ بأن تكون عليلًا أو أن يكون لك السَّقام نزيلًا
ب- يشيع في هذا الباب ذكر: "المتعجب منه" "وهو المعمول المنصوب أو المجرور بالباء" والتعبير الأنسب: هو: "المعمول المتعجب من شيء يتصل به" الأن التعجب في مثل: ما أنفع العلم!!، إنما هو من نفع العلم" لا من العلم ذاته. ولا بأس بالتعبير الشائع على اختصاره المقبول؛ لأن المراد منه مفهوم.
ج- هناك صيغ أخرى للتعجب٣، وأشهرها: "فَعُلَ"٤ -بضم
_________________
(١) ١ كما سبق في ص٣٤١. ٢ عملًا بالضابط العام في الإعلال بالنقل. وسيجيء تفصيل الكلام على هذا الضابط في موضعه المناسب "ج٤ م١٨٣ -ص٧٣٣". ٣ سيجيء تفصيل الكلام عليها في ص٣٨٤ م١١١ من باب: "نعم وبئس". ٤ جاء في الأشموني -ج٢ آخر باب "تعدي الفعل ولزومه" -ما نصه عند الكلام على =
[ ٣ / ٣٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
العين وهو فعل لازم؛ نحو: كبرت كلمة تخرج من فم الجاحد، وخبث لفظًا يجري على لسانه.
ومنها: "أفْعَلَ" بغير "ما" التعجبية، وأصله فعل ثلاثي زيد في أوله، همزة التصيير؛ نحو: أحسنت قولًا، وأبرعت عملًا. أي: ما أحسن قولك، وما أبرع عملك وفعلها الثلاثي حَسُن وبرَعَ.
والمشهور أن الصيغة الأولى قياسية، والثانية سماعية ذكرناها لندرك أمثلتها المسموعة.
_________________
(١) = السبب الثاني الذي يجعل الفعل المتعدي لازمًا: "التحويل إلى "فَعُل" -بضم العين- لقصد المبالغة والتعجب، نحو: ضَرُب الرجل، وفهُم بمعنى: ما أَضرَبَه وأَفهَمَه! ". ا. هـ، فلم يأتِ في كلامه ولا في حاشية الصبان ما يدل صراحة على أن المبالغة والتعجب يلازمان مدحًا أو ذمًّا؛ مع أن النحاة صرحوا بأن تحويل الفعل الثلاثي إلى "فَعُل" -بضم العين- بقصد المدح أو الذم يستلزم التعجب حتمًا -كما سيجيء في ص٣٨٤.
[ ٣ / ٣٤٨ ]
شروط الفعل الذي يبنى منه الصيغتان القياسيتان بناءً مباشرًا:
يشترط فيه ثمانية شروط:
١- أن يكون ماضيًا١.
٢- ثلاثيًا؛ فلا يصاغان من فعل زادت حروفه على ثلاثة؛ مثل: دحرج. تعاون. استفهم إلا أن كان الرباعي قبل التعجب على وزن: "أفعل" فيجوز -في الرأي الأنسب٢- صياغتهما منه بشرط أمن اللبس؛ كالأفعال "أعطَى "أعطى، أقفر، أظلم، أولى " فيقال: ما أعطى التقي، ما أقفر الصحراء، ما أظلم عقول الجهلاء، ما أولى الناصح بردع نفسه.
ومن الشاذ قولهم: ما أخصرَ كلام الحكماء، فبَنوه من "اخْتُصِر" الخماسيّ المبنى للمجهول أيضًا٣.
٣- متصرفًا في الأصل تصرفًا كاملًا، قبل أن يدخل في الجملة التعجيبة. "أما بعد دخوله فيها فيصير جامدًا٤". فلا يصاغان من: ليس، عسى، نعم، بئس ونحوها من الأفعال الجامدة تمامًا، ولا من نحو: "كاد" التي هي من أفعال المقاربة؛ لأن "كاد" هذه ناقصة التصرف ليس لها إلا المضارع في الأغلب.
٤- أن يكون معناه قابلا للتفاضل والزيادة؛ ليتحقق معنى "التعجب"؛ فلا يصاغان مما لا تفاوت فيه، نحو: فَنِيَ، مات، غرق، عَمِيَ؛ إذ لا تفاوت في الفناء، ولا في الموت، ولا الغرق، ولا العمى، وحيث يمتنع التفاوت والزيادة في معنى الفعل يمتنع الداعي للعجب؛ إذ يكون المعنى مألوفا.
_________________
(١) ١ مع ملاحظة أن الفعل الذي يدخل في صيغة التعجب يفقد -غالبًا- الدلالة على الزمن عند عدم القرينة -في رأي المحققين. ويتجرد منها إلا في صورة واحدة تقدمت. "طبقًا لما أشرنا إليه في هامش ص٣٤٢، نقلًا عن الجزء الأول؛ حيث البيان وذكر المراجع في صدره عند الكلام على الأفعال. وسيجيء الإيضاح في هامش ص٣٥٣، وص٣٦١". ٢ وبه أخذ المجمع اللغوي؛ طبقًا لما جاء في ص١٢١ من كتابه الذي أخرجه سنة ١٩٦٩باسم: "كتاب في أصول اللغة" ٣ ففيه شذوذان؛ أنه غير ثلاثي، وأنه مبني للمجهول. وسيجيء أنهما لا يصاغان من المبني للمجهول. ٤ كما سبق في هامش ص٣٤٢ ويجيء في ص٣٥٧.
[ ٣ / ٣٤٩ ]
٥- ألا يكون عند الصياغة مبنيًّا للمجهول بناء يطرأ ويزول، كالأفعال: عُرِف، عُلِم، فُهِم وغيرها مما يبنى للمجهول حينًا وللمعلوم حينًا آخر، دون أن يلازم البناء للمجهول في كل الأحوال.
أما الأفعال المسموعة التي يقال إنها تلازم البناء للمجهول. "مثل: زُهيَ، هُزِلَ "١ فالأنسب الأخذ بالرأي الذي يجيز الصياغة منها بشرط أمن اللبس٢؛ فيقال: ما أزهى الطاووس! وما أهزل المريض!
٦- أن يكون تامًّا، "أي: ليس ناسخًا"؛ فلا يصاغان -وفي الرأي الأقوى- من "كان، وكاد"، وأخواتهما
٧- أن يكون مثبتًا، فلا يصاغان من فعل منفى؛ سواء أكان النفي ملازمًا له، أم غير ملازم؛ مثل: ما عاج الدواء، بمعنى: ما نفع، ومثل ما حضر الغائب، فالفعل الأول، وهو: "عاج" الذي مضارعه: "يَعِيج " ملازم للنفي في أغلب أحواله، لا يفارقه إلا نادرًا، والفعل: "حضر" في هذا التركيب وأشباهه مسبوق بالنفي، ويستعمل بغير النفي كثيرًا، وكذلك أفعال أخرى متعددة.
_________________
(١) ١ تقدم بيانها، وحكمها، وتحقيق هام خاص بها "في ج٢ ص١٠٢ م٦٧ باب: النائب عن الفاعل" ومن هذا التحقيق الخاص يتبين خطأ القول بوجود أفعال ملازمة للبناء المجهول دائمًا "بعدها مرفوعها فاعل بها؛ كما يزعمون"، وأن الأفعال المعروفة ببنائها للمجهول دائمًا ليست إلا كغيرها من سائر الأفعال الأخرى؛ تبنى حينًا للمعلوم، وحينًا للمجهول، على حسب مقتضيات المعنى، ودواعي الاستعمال الصحيح. أما قصر عدد معين من الأفعال على البناء المجهول دائمًا دون استعماله للمعلوم فغلط شائع. وبناء على هذا التحقيق الهام والتصحيح المفيد يجوز أن يصاغ من مصادر تلك الأفعال مباشرة من غير وسيط. "صيغتا التعجب" القياسي، وأن يصاغ من مصدرها مباشرة: "أفعل التفضيل". وفوق هذا يؤيد فريق من النحاة -ومنهم ابن مالك- صياغة التعجب من مصدر تلك الأفعال بفرض أنها ملازمة البناء للمجهول. أما الأفعال الأخرى التي ليس ملازمة للمجهول فلا يصح التعجب المباشر منها -اتفاقًا- إذا كانت مبنية للمجهول عند الصياغة للتعجب بناء عارضًا، لا ملازمًا في رأي من يقول بهذه الملازمة التي قرر المحققون خطأها. ٢ وهذا رأي المجمع اللغوي أيضًا -ما جاء في ص١٢١ من كتابه المجمعي الذي أصدره سنة ١٩٦٩ باسم: "كتاب في أصول اللغة".
[ ٣ / ٣٥٠ ]
٨- ألا تكون الصفة المشبهة١ منه على وزن: "افعل" الذي مؤنثه: "فعلاء"، نحو "عرج، فهو: أعرج، وهي: عرجاء". "خضر، فهو: أخضر، والحديقة خضراء". "حمر الجلد؛ فهو: أحمر، والوردة حمراء". "حور فهو: أحور، وهي: حوراء" وهكذا من كل صفة مشبهة تدل على لون، أو عيب، أو حِلية، أو شيء فطري٢
_________________
(١) ١ سبق الكلام عليها وعلى أوزانها في ص٣٨١ م١٠٤. ٢ لا ترتاح النفس للتعليلات التي ذكروها لمنع الصياغة من هذا القسم بأنواعه المختلفة، التي لا ينطبق عليها الشرط الثامن، ولا سيما التعليل بخوف اللبس بين صيغتي: "أَفْعَلَ" التي تستعمل أحداهما في التعجب، والأخرى في الصفة المشبهة فإن هذا اللبس وَهْم لا يتحقق؛ إذ كيف يتحقق وإحداهما فِعْل، والأخرى اسم، ولكل منهما أحكام تغاير الأخرى. فالقرائن قوية تمنعه. ولا علة إلا علة الاستعمال العربي المجرد. وهو -فيما يبدو لنا- لا يمنع من صياغة التعجب من تلك الأشياء، وكذا "التفضيل" كما سيجيء في رقم ١ من هامش ص٣٩٨؛ وذلك لسببين: أولهما: ورود السماع بقدر من تلك الأشياء يكفي للقياس عليه. وثانيهما: شدة الحاجة إلى التعجب منها في عصرنا؛ بسبب ما كشفه العلم الحديث من التفاوت الواسع في معنى كل منها، والاختلاف البعيد بين أنواعه ودرجاته وليس من الممكن إغفال هذا التفاوت والاختلاف في استعمالاتنا التى تساير الحياة. ومثل هذا يقال في صوغ "التفضيل" من الأفعال الدالة على تلك المعاني، وبالرغم من أن للنحاة ما يشبه العذر في بعض أنواع "التفضيل"، ولكنه عذر يمكن دفعه -كما سيجيء البيان المفيد في رقم ١ من هامش ص٣٩٨. ويصرح بعض أئمة الكوفيين: كالكسائي، وهشام الضرير وغيرهما، برأي حسن يوافق ما سبق؛ هو صحة مجيء التعجب مما يدل على الألوان والعاهات، ووافقهم الأخفش من البصريين في العاهات، دون الألوان. وبرأي الكوفيين أخذ المجمع اللغوي -كما جاء في ص١٢١ من كتابه السالف. وفي الشروط السابقة يقول ابن مالك "ساردًا سبعة، أما الثامن وهو: "الفعل الماضي" فمفهوم من السياق": وَصْغْهُمَا مِنْ ذِي ثَلاثٍ، صُرِّفَا قَابِلَ فَضْلِ، تَمَّ، غيْرِ ذِي انْتِفَا وَغَيْرِ ذِي وَصْفٍ يضاهي أَشْهَلا وَغَيْرِ سَالكٍ سَبِيلَ فُعِلا يريد: صغهما من صاحب الحروف الثلاثة "وهو الماضي الثلاثي"، المتصرف، القابل للتفاوت، التام، غير المنفي، والذي صفته المشبهة ليست مثل: "أشهل" "شَهِل الرجل، فهو: أشهل، الأنثى شَهْلاء، أي: قلّ سواد عينه، وخالطتها حمرة"، وغير مبني على صيغة: "فُعِل"؛ وهي صيغة بناء الماضي الثلاثي للمجهول، فهذه سبعة شروط لم يذكر بينها أنهما يصاغان من فعل، لا من اسم ولا من حرف؛ لأن هذا الذي تركه مفهوم مما سرده، كما قلنا.
[ ٣ / ٣٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
زاد بعض النحاة شرطا آخر خالف به الأكثرين؛ هو: ألا يُستغنَى عن الصياغة منه بصيغة أخرى مسموعة؛ فلا يصح: ما أقْيله!! في التعجب من قيلولته١؛ لأنهم استغنوا عنها بقولهم: ما أكثر قائلته. ولا يصح ما أسكره، ولا ما أقعده، ولا ما أجلسه؛ لأنهم استغنوا عنها بقولهم: ما أشدَّ مكره. ما أكثر قعوده. ما أحسن جلوسه.
والحق أن هذا شرط غير مقبول٢؛ إذ يقتضينا أن نرهق أنفسنا بالبحث المضني في جميع المظان لمعرفة ما استغنوا به عن الصيغة القياسية؛ وهذا تكليف لا يطاق، ولا يمكن تحقيقه، وفيه تعويق للتعبير، وتعطيل للقاعدة، وتحويل للقياس عن معناه السديد.
_________________
(١) ١ وهي وقت اشتداد الحر ظهرًا. والفعل الماضي: قال. ٢ ولم يأخذ المجمع اللغوي بهذا الشرط.
[ ٣ / ٣٥٢ ]
كيفية التعجب إذا كان الفعل غير مُسْتَوْفٍ للشروط الثمانية:
١- إن كان الفعل جامدًا؛ مثل: نعم، وبئس أو غير قابل للتفاوت؛ مثل: مات. فني و فلا يصاغ منه صيغة تعجب.
٢- إن كان الفعل زائدًا على ثلاثة "مثل: انتصرَ وتَغَلَّب" أو: كان الوصف منه على "أفْعَل فَعْلاء" "مثل: حور وخضر" لم تجئ منه الصيغة مباشرة. وإنما تجيء من فعل آخر مستوفٍ للشروط؛ صالح لما نريده؛ "نحو: قوي، ضَعُفَ، حَسُن، قَبُح، عظُمَ، حَقَر " فنقول: "ما أقوى، ما أضعف، ما أحسن، ما أقبح، ما أعظم، ما أحقر، ما أشد، ما أكبر، ما أصغر" ونحو ذلك مما يناسب؛ أو نقول: "أقْوِ، أضعف، أحْسِنْ، أقْبِحْ، أعظِمْ، أحْقِرْ ".
ثم نجيء بعد هذه الصيغة بمصدر الفعل الذي لم يستوفِ الشروط بسبب زيادته على ثلاثة أحرف، أو بسبب أن الوصف منه على: "أفعل فعلاء"، ونضعه بعد صياغة الفعل الجديد المناسب، المستوفي. وننصب هذا المصدر بعد "ما أفعل" ونجره بالباء بعد "أفعل": نحو: ما أقوى انتصار الحق! وما أضعف تغلب الباطل! أقو بانتصار الحق! وأضعف بتغلب الباطل! ونحو: ما أَجْمَلَ حَوَر العيون! أجمل بحور العيون! ما أنضر خضرة الزرع! أنضر بخضرة الزرع! والأفعال غير المستوفية هي: "انتصر، تغلب، حور، خضر". أما الأفعال التي تخيرناها للصياغة مكانها فهي: "قوي، ضعف، جمل، نضر ".
٣- إن كان الفعل منفيًّا أخذنا الصيغة من الفعل المناسب الذي نختاره بالطريقة السالفة، ووضعنا بعدها مضارع الفعل المنفي مسبوقًا "بأن" المصدرية، والنفي: ففي نحو: ما فاز الرأي الضعيف!. نقول: ما أجمل ألا يفوز الرأي الضعيف١!. وفي نحو: ما حضر خطيب الحفل، نقول مثلًا: ما أقبح ألا
_________________
(١) ١ كان الفعل ماضيًا منفيًا قبل التعجب، فصار بعده مضارعًا، مسبوقًا "بأن المصدرية"؛ وهي تخلصه للاستقبال. فهل بين الصورتين اختلاف في الزمن؟ أجابوا: إن الصيغة مع التعجب صارت خالصة لإنشاء التعجب المحض إنشاء غير طلبي، وتركت الدلالة على الزمان: كالشأن الغالب في التعجب عند عدم وجود ما يدل على تقييد زمني مقصود. "وقد أشرنا لهذا في هامش ص٣٤٢، ويجيء إيضاح لها في رقم ٤ من هامش ص٣٦١ وفي هذا الهامش صورة مستثناة لا تتجرد من الزمن".
[ ٣ / ٣٥٣ ]
يحضر خطيب الحفل. والمصدر المؤول من "أن والفعل" في هذه الأمثلة وأشباهها في موضع نصب مفعول به.
وإنما أتينا "بأن والفعل"؛ لنستطيع المحافظة على بقاء الفعل الأصلي منفيًا؛ إذ لو أخذنا منه صيغة التعجب مباشرة لزال نفيه، ولم يظهر الشأن في التعجب أهو منفي أم غير منفي؟
ويجوز أن نقول في الصور السابقة: أجْمِلْ بألا يفوز الرأي الضعيف! أقْبِح بألا يحضر خطيب الحفل! فيكون المصدر المؤول مجرورًا بالباء. فالمصدر المؤول من: "أن والفعل" المنفي وفاعله إما أن يكون في محل نصب بعد: "ما أفعل" وإما أن يكون في محل جر بالباء بعد: "أفعل".
ويجوز في الفعل المنفي أن نجيء بمصدره الصريح -بدلًا من المصدر المؤول- مسبوقًا بكلمة: "عدم" الصريحة في معنى النفي "أو بما يشبهها" ومجرورًا بالإضافة إليها؛ ففي مثل: ما صرخ المتكلم وما هسَّ، نقول: ما أحسن عدم صراخ المتكلم، وما أجمل عدم همسه. أحسن بعدم صراخ المتكلم!، وأجمل بعدم همسه!.
٤- إن كان الفعل مبنيًّا للمجهول بناء عارضًا يطرأ ويزول أخذنا الصيغة من الفعل الذي نختاره بالطريقة التي شرحناها، ووضعنا بعدها الفعل المبني للمجهول، مسبوقا بـ"ما المصدرية"١، ففي نحو: عُرف الحق، وهُدي إليه الضالّ: نقول: ما أحسَنَ ما عُرف الحق! وما أنفع ما هُدي إليه الضال. أو: أحسِن بما عرف الحق!، وأنفع بما هدي إليه الضال؛ فالمصدر المؤول من "ما" وصلتها مفعول به بعد الصيغة الأولى، ومجرور بالباء بعد الصيغة الثانية.
_________________
(١) ١ وهي الغالبة في هذا الموضوع دون غيرها.
[ ٣ / ٣٥٤ ]
وإنما أتينا "بما" المصدرية محافظة على بقاء الفعل مبنيًّا للمجهول، ولولاها لزال بناؤه للمجهول فلا يتبين أسلوب التعجب أللمجهول هو أم للمعلوم؟
أما الفعل الملازم للبناء للمجهول سماعًا عند من يقول بهذه الملازمة١ فقد سبق٢ أن الأنسب الأخذ بالرأي الذي يجيز الصياغة من مصدره مباشرة.
٥- وإن كان الفعل ناسخًا، "أي: غير تام" فإن كان له مصدر وجب أن نضع مصدره بعد صيغة التعجب التي نأخذها من الفعل الآخر الذي نختاره على الوجه المشروح فيما سلف، ففي مثل: كان العربي رحالًا بطبعه، نقول: ما أكثر كون العربي رحالًا بطبعه! -أو: أكثر بكون العربي رحالًا بطبعه! وإن لم يكن له مصدر أخذنا الصيغة من الفعل الآخر الذي نختاره ووضعنا بعدها الفعل الأصلي الذي ليس له مصدر، وقبله "ما" المصدرية فينشأ منها ومن الفعل والفاعل بعدها مصدر مؤول هو مفعول به منصوب بعد: "ما أفتل" ومجرور "الباء" بعد: "أفعل". ففي مثل: كاد الكذب يهلك صاحبه، نقول: ما أسرع ما كاد الكذب يهلك صاحبه وهكذا
هذه هي الطرائق الموصلة للتعجب إذا كان الفعل غير مستوفٍ للشروط. أما إذا كان مستوفيًا للشروط كلها فإن الصيغتين القياسيتين٣ تؤخذان منه مباشرة. ولا مانع من التعجب منه بالطريق غير المباشر أيضا؛ وذلك بالإتيان بفعل آخر مناسب. "نحو: حَسُن، قبُح، قوي، وغيرها من الأفعال الثلاثية التي تناسب المراد"، ثم نأخذ منه الصيغة التعجبية، ونجعل بعدها مصدر الفعل المستوفي للشروط، إما منصوبًا بعد "ما أفعل" وإما مجرورًا بالباء بعد "أفعل" ففي مثل: برع الذكي، وسبق أنداده، نقول: ما أعظم براعة الذكي!، وما أوضح سبقه أنداده! أو: أعظم ببراعة الذكي! وأوضح بسبقه أنداده فليس من اللازم -والفعل مستوفٍ للشروط- أن نأخذ
_________________
(١) ١ انظر تخطئة هذا الرأي في رقم ١ من هامش ص٣٥٠. ٢ في ص٣٥٠. ٣ وهناك الصيغ المشار إليها في "ج" من ص٣٤٧.
[ ٣ / ٣٥٥ ]
منه صيغة التعجب مباشرة، وإنما يجوز أن نأخذها منه أو من طريق فعل مختار آخر كما أوضحنا١
_________________
(١) ١ وفي طريقة التعجب إذا كان الفعل غير مستوفٍ للشروط يقول ابن مالك: وَأَشْدِدَ اوْ أَشَدَّ أَوْ شِبْهُهُمَا يَخْلُفُ مَا -بَعْضَ الشُروط- عَدِمَا يريد: أن صيغة: "أشدِد" "على وزن: أفعِل" وصيغة "أشد" على وزن: "أفعل"؛ لأن أصلها قبل الإدغام: "أشدد" أو شبه هاتين الصيغتين مما يؤخذ من فعل آخر مستوفٍ للشروط، تخلف الصيغة التي لا يمكن صوغها مباشرة من الفعل الذي عدم بعض الشروط، أي: فقَدَ بعض الشروط فهي تحل محلها. "وكلمة: "أو" في البيت: حذفت همزتها ونقلت حركتها الواو الساكنة قبلها؛ محافظة على وزن الشعر". ثم بيَّن أن مصدر الفعل العادم للشروط ينصب بعد الصيغة الجديدة التي جئنا بها إن كانت على وزن: "أفعل"، ويجر هذا المصدر بالياء إن كانت على وزن: "أفعل" يقول: وَمَصْدَرُ العَادِمِ بَعْدُ، يَنْتَصِبْ وَبَعْدَ: "أَفْعِلْ" جَرُّه بـ"الْبَا" يَجِبْ "بعد" أي: بعد الصيغة الجديدة ثم قرر أن ما جاء مخالفًا لما سبق فهو محكوم عليه بالندور "القلة القليلة جدًّا"، وأنه لا يقاس على المأثور منه "أي: المسموع منه عن العرب": وَبالنُّدُورِ احْكمْ لِغَيْرِ مَا ذُكِرْ وَلا تَقِسُ عَلَى الَّذِي مِنْهُ أُثِرْ
[ ٣ / ٣٥٦ ]
المسألة ١٠٩:
الأحكام الخاصة بالتعجب
أشهر أحكامه ما يأتي:
١- وجوب اعتبار فعليه جامدين بعد صياغتهما للتعجب١. "مع أنهما في أصلهما الثلاثي قبل التعجب مشتقان حتمًا" ولهذا لا يجوز أن يتقدم عليهما "المتعجب منه"٢، فلا يصح: العلم ما أنفع!! والجهالة ما أضر!! بتقديم المعمولين: "العلم والجهالة". كما لا يصح: بالعلم أنفِع!! وبالجهالة أضرِرْ!!
ولا يصح أن تلحقهما علامة تذكير، أو تأنيث، أو إفراد، أو تثنية، أو جمع؛ فلا بد من بقائهما على صيغتهما في كل الأحوال من غير زيادة ولا نقص، ولا تغيير في ضبط الحروف. ولكن إذا اتصل بآخرهما ضمير بارز يعود على المتعجب منه وجب أن يكون هذا الضمير مطابقًا لمرجعه، نحو: الزارع ما أنفعه!، والزارعة ما أنفعها! والجنديان ما أشجعهما! والوالدات ما أشفقهن! و و
٢- وجوب إفراد فاعلهما المستتر٣، وتذكيره، فلا يكون لغير المفرد المذكر، وإذا كان ضميرًا مستترًا فهو واجب الاستتار.
٣- امتناع الفصل بين فعل التعجب ومعموله إلا بشبه الجملة، أو
_________________
(١) ١ كما سبق في ص٣٤٢، ٣٤٦، ٣٤٩، وفي عدم تصرفهما يقول ابن مالك: وفي كلا الفعلين قِدْمًا لَزِما منْعُ تصرُّف بحُكِمٍ حُتِما وقد سبقت الإشارة لهذا البيت بمناسبة أخرى في ص٣٤٦. ٢ لأن الجامد لا يتقدم عليه معموله، في الأغلب -كما سيجيء البيان في رقم ٢ من هامش ص٤٠٠. ٣ أما غير المستتر فلا يسري عليه هذا الحكم كالذي في قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ . وقد سبق إعراب هذه الآية في ص٣٤٤، وستذكر لمناسبة أخرى في ص٣٦٠، وفي رقم ٤ من هامش ص٣٦١.
[ ٣ / ٣٥٧ ]
بالنداء؛ أو "كان" الزائدة بالإيضاح الآتي بعد١. فلا يجوز: "ما أضيع -حقًا- المودة عند من لا وفاء له، وما أبعَد -يقينًا- المجاملة ممن لاحياء عنده". ويجوز: "ما أضيع -في بلادنا- المودة عند من لا وفاء له! وما أبعد -بيننا- المجاملة ممن لا حياء له! ". كما يجوز: السماحة تدفع إلى أداء الحقوق، والشح يصد عنها؛ فأكرم -يا أخي- بها! وأقبِحْ يا زميلي به! " ومن أمثلتهم في الفصل بالجار والمجرور قولهم: "ما أهون على النائم القرير سهر المسهَّد المكروب "٢ وقول الشاعر:
بني تغلب، أَعْزِزْ عَليَّ بأن أرى دياركمو أمست وليس بها أَهْلُ
وبالظرف قول الشاعر:
أقيمُ بدارِ الحزمِ ما دام حزمُها وَأَحْرِ -إِذا حالتْ- بأن أَتَحَوَّلا
ويشترط في شبه الجملة الذي يجوز الفصل به أن يكون متعلقًا بفعل التعجب٣ -كالأمثلة السالفة- فلو كان متعلقًا بمعمول فعل التعجب أو بغير فعل التعجب. لم يصح الفصل به -ففي مثل: "ما أحسنَّ الحليم عند دواعي الغضب!. وما أشجع الصابر على الكفاح! " لا يجوز: "ما أحسنَ عند دواعي الغضب الحليم، ولا: ما أشجع على الكفاح الصابر"؛ لأن الظرف متعلق بكلمة: "الحليم"، والجار والمجرور متعلقان بكلمة: "الصابر".
وقد يجب الفصل بالجار ومجروره المتعلقين بفعل التعجب إذا كان معمول فعل التعجب مشتملًا على ضمير يعود على المجرور، نحو: ما أليقَ بالطبيب أن يترفق!، وما أحق بالمريض أن يصبر! فالمصدر المؤول من "أنْ والفعل" هو معمول لفعل التعجب، ومشتمل على ضمير يعود على المجرور ٤ ومنه قول الشاعر:
_________________
(١) ١ في الحكم الثامن؛ ص٣٦١. ٢ سبق هذا المثل في آخر رقم ٢ من هامش ص٢٨٦. ٣ قد يتعدى فعل التعجب إلى مفعوله بحرف جر معين تبعًا لفعله الأصلي قبل التعجب. وسيأتي بيان هذا في الزيادة ص٣٦٣. ٤ في الحكمين السابقين يقول ابن مالك باختصار في ختام الباب: =
[ ٣ / ٣٥٨ ]
خَليلَيَّ ما أَحْرَى بذي اللُّبُ أنْ يُرى صَبورًا، ولكنْ لا سبيلَ إلى الصبْرِ
٤- عدم جواز العطف مطْلقًا. على فاعل "أفْعَلَ" في التعجب وكذلك لا يجوز اتباعه، فالتوابع كلها ممنوعة إذا كان هو المتبوع وحده. أما إن كان المتبوع هو الجملة التعجبية كلها "فعلها وفاعلها" فلا يمتنع؛ فيصح عطف جملة جديدة على الجملة التعجبية؛ كقول الشاعر:
أولئك قومي بارك الله فيهمُو على كل حال ما أَعفَّ وأَكْرَما
فقد عطفت الجملة الثانية "المكونة من الفعل الماضي: "أكرم" وفاعله" على الجملة التعجبية التي تسبقها "والتي تتكون من الماضي "أعفَّ" وفاعله". وكما يجوز الاتباع بالعطف بجملة يجوز الاتباع بالتوكيد اللفظي بجملة تؤكد الجملة التعجبية كلها توكيدًا لفظيًا. ويجوز الإبدال منها كذلك "بدل جملة من جملة". أما الاتباع بالنعت فلا يصح؛ لأن المتبوع "وهو: المنعوت" لا يكون جملة.
٥- وجوب أن يكون المعمول "أي: المتعجَّب منه" معرفة، أو نكرة مختصة، فمثال المعرفة ما تقدم من الأمثلة الكثيرة، وقول الشاعر:
ما أصعبَ الفعلَ لمن رامَه! وأَسهلَ القَوْلَ على من أَرَاد!
ومثال النكرة المختصة بوصف أو إضافة أو غيرهما مما يفيد الاختصاص: ما أسعد رجلًا عرف طريق الهدى فسار فيه! وما أشقى إنسانًا تبين الرشد من الغي، فانصرف عن الرشد، واتبع الضلال!
_________________
(١) = وفِعْلُ هَذَا البَابِ لَنْ يُقَدَّمَا مُعْمُولُهُ، وَوَصْلَهُ به الْزَمَا أي: معمل الفعل في هذا الباب لا يتقدم على فعله. والزم وصل المعمول بفعله، بحيث لا يفصل بينهما فاصل إلا ما أشار إليه في البيت الأخير التالي: وَفصْلُهُ بظَرْفٍ اوْ بِحًرْفِ جَرْ مُسْتَعْمَلٌ، والْخُلْفُ فِي ذَاكَ اسْتَقَرْ أي: أن الفصل بشبه الجملة مستعمل في الكلام المأثور، والخلاف بين النحاة ثابت في أمر القياس عليه. ولكن الرأي الرشيد جواز القياس عليه. وكذا الفصل بالنداء فيه خلاف، والصواب جوازه. وهل يجوز الفصل بالظرف ومعه الجار والمجرور؟ في هذا خلاف: والأرجح المنع.
[ ٣ / ٣٥٩ ]
ولولا هذا الشرط لكان التعجب لغوًا؛ إذ لا فائدة من قولنا: ما أسعد رجلًا ما أشقى إنسانًا ويتساوى في هذا الحكم معمول "أفْعَلَ وأفْعِلْ".
٦- جواز حذف المعمول المتعجب١ منه في إحدى حالتين؛ "سواء أكان منصوبًا بأفْعَلَ، أم مجرورا بالباء بعد أفْعِلْ".
أولاهما: أن يكون ضميرًا يدل عليه دليل بعد الحذف؛ كقول الشاعر:
جزى اللَّهُ عني -والجزاء بفضله- ربيعةَ، خيرًا. ما أَعَفَّ! وأَكْرَمَا!
أي: ما أعَفَّها وأكرَمها. وقول الآخر:
أرى أمَ عمْرو دَمْعُها قَدْ تَحَدَّرَا بكاءً على عَمُرٍو. وما كان أصبرا!
أي: أصبرها.
ثانيتهما: أن تكون صيغة التعجب هي: "أفْعِلْ" وقد حذف معمولها المجرور وحذف معه حرف الجر، وقبلها صيغة للتعجب على وزن: "أفْعِلْ" أيضًا، ولهذه الصيغة الأولى معمول مذكور، مماثل للمعمول المحذوف مع حرف الجر وقد عطفت الصيغة الثانية مع فاعلها على الأولى مع فاعلها: عطف جملة على جملة٢؛ كقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ ٣، أي: وأَبصِرْ بهم. ونحو: أحسِنْ بصاحب المروءة وأكرِمْ!؛ أي: وأكرِم بصاحب المروءة، وقول الشاعر:
أَعْزِزْ بنَا!، وأَكْفِ! إِنْ دُعينا يَوْمًا إلى نَصْرِةَ مَنْ يَلينَا٤
_________________
(١) ١ سبقت الإشارة في "ب" من ص٣٤٧ إلى ما يتردد في هذا الباب من قولهم: "المتعجَّب منه"، وأنهم يريدون: المعمول الذي له صلة بالأمر الذي يدعو للتعجب. ٢ لم يشترط بعض النحاة شيئا من هذا كله، واكتفى باشتراط وجود قرينة تدل على المحذوف، وقالوا هذا الرأي أحسن وأوجه. ٢ سبق هذا المثال لمناسبة أخرى في ص٣٤٤، وفي رقم ٣ من هامش ص٣٥٧. ٣ وإلى هذا أشار ابن مالك ببيت سبق شرحه في ص٣٤٦، هو: وحذْفَ ما مِنْه تَعجَّبْتَ اسْتَبحْ إِنْ كَانَ عِنْد الحذفِ معناه يَضِحْ
[ ٣ / ٣٦٠ ]
٧- تجرد فعل التعجب -في الأغلب١- من الدلالة على زمن؛ لأن الجملة التعجبية كلها إنشائية محضةُ، الغرض منها إنشاء التعجب، فتركت الدلالة الزمنية، وانسلخت منها، واقتصرت على تحقيق الغرض الذي أُنشئت من أجله، وهو "الإنشاء غير الطلبي"، المقصود منه إعلان التعجب، كما أسلفنا٢.
٨- جواز الفصل بين "ما" التعجبية وفعل التعجب بـ"كان" الزائدة٣ كقول الشاعر يحن إلى أهله ورفاقه:
ما كان أَجملَ عهدَهم وفعالهَم! من لي بعهدٍ في الهناءِ تصَرّما؟
وقول الآخر:
ما كان أَحوجَ ذا الجمالَ إِلى عَيْب يُوَقِّيهِ من الْعَينِ
وقد تقع "كان" التامة المسبوقة بما المصدرية بعد صيغة التعجب؛ نحو: ما أحسن ما كان الإنصاف٤.
_________________
(١) ١ قلنا: "في الأغلب" لوجود حالة قد يدل فيها على الزمن هي المشار إليها في رقم ٣ من هامش ص٣٤٢ ٢ انظر رقم ٣ من هامش ص٣٤٢ حيث الحالة التي يدل فيها على الزمن. وهامش ص٣٥٣، ورقم الآتي هنا. ٣ سبق تفصيل الكلام على زيادتها، وما يستتبعه من أحكام في ج١ ص٤١٨" م٤٤، وفي هامش ص٣٩ منه. ٤ "ما" مصدرية، "كان" فعل ماضٍ تام، بمعنى: وُجد وظهر، الإنصاف" فاعلها. والمصدر المؤول مفعول فعل التعجب. والتقدير: ما أحسن وجود الإنصاف في الماضي. فإن قصد الاستقبال جيء، بالفعل التام: "يكون" بدلًا من الفعل: "كان ". ووجود الفعل الماضي "كان". والمضارع: "يكون" يقيد التعجب بزمن معين، وهذا -وإن كان قليلًا جائز؛ فمن الجائز تقييد فعل التعجب بزمن ماضٍ والمجيء بالفعل "كان"، أو: "أمسى" للنص على هذا التقييد بالمضي، وبكلمة: "الآن" أو ما بمعناها للنصّ على التقييد بالزمن الحالي، وبالفعل "يكون" ونحوه. كالظروف المستقبلة للدلالة على الاستقبال، ومنه قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ والمهم وجود قرينة تدل على التقييد المقصود. وبغير التقييد تتجرد الجملة التعجبية من الدلالة الزمنية "كما رددنا في هامش ص٣٤٢، ٣٤٩، ٣٥٣ و - "راجع الأشموني والصبان آخر هذا الباب". وقد تقع "كان" بلفظ الماضي زائدة بين "ما" التعجبية وفعل التعجب. والأحسن في هذه الصورة أن تكون مهملة لا عمل لها مطلقًا، ولا فائدة منها إلا الدلالة على أن زمن التعجب ماضٍ "طبقًا للبيان والتفصيل السابقين في ج١ م٤٤ "زيادة كان" وكذلك م٤ عند الكلام بل الأفعال.
[ ٣ / ٣٦١ ]
٩- جواز حذف الباء الداخلة على معمول "أَفْعِلْ" بشرط أن يكون ما تجره مصدرًا مؤولًا من "أن المصدرية". و"الفعل"، أو "أن" مع معموليها١، نحو: أحببْ أن تكون المقدَّم، وقول الشاعر:
أَهْوِنْ عليَّ إِذا امتلأَتَ من الكَرَى أَنِّي أبيتُ بليلةِ الملسوع
والأصل: بأن تكون وبأني
_________________
(١) ١ يرى بعض النحاة "كما أشرنا في رقم ٣ من هامش ص٣٤٤، وكما سبق في ج٢ ص١٣٥ م٧١" أن حذف "الباء" ممنوع هنا قبل المصدر المؤول من "أنَّ" ومعموليها؛ بحجة أنه غير مسموع بخلاف حذفها قبل المصدر المؤول من "أنَّ والفعل والفاعل" فهو مسموع إلى الحد الذي يبيح القياس عليه. وهذا رأي رفضه آخرون -ورأيهم حق- لأن حذف حرف الجر مطَّرد قبل: "أنْ وأنَّ" المصدريتين؛ فلا معنى لإخراج "أنَّ" هنا، وبخاصة مع وجود أمثلة مسموعة، ولو قليلة؛ لأن قلتها في موضع بعينه لا تقدح في الاطِّراد المستمد من أغلب الحالات. لكن إذا حذفت "باء الجر" أتلاحظ وتقدر بعد الحذف، فيعرف ما بعدها على اعتبارها كالمذكورة، أم لا تلاحظ ولا تقدر؛ فيعرب ما بعدها على اعتبار عدم وجودها وعدم ملاحظتها؟ قولان. ولعل الأول هو الأنسب؛ لمسايرته الحالات الأخرى التي ليست للتعجب، فيكون الأمر مطردًا في التعجب وغيره. ومن الضرورات الشعرية المستقبحة التي لا يرتضيها كثير من النحاة -حذف "باء الجر" من المتعجب منه إذا لم يقع بعدها "أنّ"، أو "أنْ" وإذا حذفت -مع الاستقباح- فما حكم الاسم الظاهر بعدها؟ قيل: يرفع؛ لأنه في الأصل بمنزلة الفاعل، وقيل: ينصب؛ لأنه بمنزلة المفعول به.
[ ٣ / ٣٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
١- عرفنا١ أن صيغة: "أفْعَلَ" تحتاج إلى معمول بعدها منصوب، يعرب مفعولًا به، وأن صيغة: "أَفْعِلْ" تحتاج إلى معمول بعدها مجرور بالباء، وأنهما يحتاجان -أحيانًا- إلى شبه جملة بعدهما، وقد يفصل شبه الجملة بينهما وبين معمولهما و
وقد تحتاج صيغة التعجب إلى معمولات أخرى غير التي سبقت؟ كالحال والتمييز، والاستثناء
وقد تحتاج إلى معمول مجرور بحرف جر معين٢؛ مجاراة لفعلها الأصلي قبل التعجب؛ ويصير الجار والمجرور متعلقين بها. "أي: بصيغة فِعْل التعجب"٣. ولكن ما هو هذا الحرف المعين من حروف الجر؟ ٤.
إن كان فعل التعجب دالًّا على حب، أو كره، أو ما بمعناهما؛ -كالود، والبغض- فحرف الجر المناسب: هو: "إلى" بشرط أن يكون ما بعد "إلى" فاعلًا في المعنى لا في اللفظ" وما قبلها مفعولًا في المعنى لا في اللفظ؛ نحو: ما أحبَّ العلم إلى النابغين، وما أبغض النقص إلى القادرين!!. ففعل التعجب: "أحبّ" قد نصب مفعوله. واحتاج إلى جارٍّ ومجرور تبعًا لأصله، فجيء بهما. وحرف الجر هو: "إلى" لأن فعل التعجب دالٍّ على "الحب"، وما بعد "إلى" مجرور بها. لكنه فاعل معنوي، لا نحوي؛ لأنّ النابغين
_________________
(١) ١ في ص٣٤١. ٢ كما أشرنا في رقم ٣ من هامش ص٣٥٨. ٣ إذا كان المفعول به لصيغة الماضي "أفعل" ضميرًا بعده تمييز؟ فما نوع هذا التمييز؟ أتمييز مفرد أم تمييز جملة؟ وكذلك ما نوع التمييز بعد الضمير المجرور بالباء في صيغة: "أَفِعِلْ به"؟ الإجابة في: "باب التمييز" -ج٢ م٨٨ ص٣٤٣. ٤ انظر أمن ص٤٣٢؛ حيث الكلام على تعدية "أفعل التفضيل" بحرف الجر، فيتبين التشابه والتخالف بين التعجب والتفضيل" في هذه التعدية.
[ ٣ / ٣٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والقادرين هم الفاعلون لحب العلم، وبغض النقص. وما قبل إلى: "العلم النقص" هو المفعول المعنوي -لا النحويّ؛ لأنه الذي وقع عليه الحب -والبغض.
ولهذا ضابط سبق بيانه١؛ هو: أن يحذف فعل التعجب ومعه "ما التعجبية" إن وجدت، وبوضع مكانهما فعل آخر من مادته ومعناه، يكون فاعله النحوي هو الاسم المجرور بـ"إلى"، ومفعوله هو الاسم الواقع بينها وبين فعل التعجب. فإن استقام المعنى على هذا صح مجيء "إلى"، وإلا وجب تغييرها. ففي المثال السابق نقول: أحَب، أو: يحب النابغون العلم، ويكره القادرون النقص. وقد استقام المعنى فدلت استقامته على صحة مجيء "إلى".
فإن كان ما بعدها ليس فاعلًا في المعنى. وإنما هو مفعول معنوي وما قبلها هو الفاعل المعنوي وجب الإتيان "بلام الجر". بدلًا من: "إلى"؛ نحو: ما أحبّ الوالدة لمولودها!، فالوالدة هي الفاعل المعنوي -لا النحويّ- الذي فَعَل الحب أو قام به الحب. والمولود هو المفعول المعنوي -لا النحوي- الذي وقع عليه الحبّ؛ لصحة قولنا: أحبت، أو تحب الوالدة مولودها فمعنى: "إلى"، و"اللام"، في مثل هذا الموضع هو: "التبيين، أي: بيان الفاعل المعنوي والمفعول المعنوي، وتمييز كل منهما من الآخر.
ب- إن كان أصل فعل التعجب فعلًا متعديًا بنفسه لواحد فإنه يصير لازمًا يتعدى بحرف جر خاصٌّ هو: "اللام" كذلك، مثل: ما أضرب الناس للجاسوس!!
وإن كان أصل فعل التعجب فعلًا لازمًا يتعدى إلى معموله بحرف جر معين وجب أن يجاري أصله في التعدي بهذا الحرف إلى معموله؛ نحو: ما أغضب الناس على الخائن. وقول شوقي:
ما أجمل الهجرة بالأحرارِ إنْ ضنّت الأوطان بالقرارِ
لأنه يقال: غضب الله على الكافر جَمُلَ المرء بخُلقه
_________________
(١) ١ ج٢ ص٣٤٥ م٩.
[ ٣ / ٣٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ج- قد يصاغ فعل التعجب من فعل ينصب بنفسه مفعولين١ مثل "كَسَا"، و"ظن" في نحو: كَسَا الغنيُّ فقيرًا ثيابًا. ظن البخيلُ الجودَ تبذيرًا.
ولفعل التعجب الذي يصاغ من المتعدي لمفعولين أربع حالات٢.
الأولى: أن يكتفي بفاعل المتعدي فينصبه مفعولًا به؛ نحو: ما أكسى الغَنِيَّ!!، ما أظَنَّ البخيلَ!! فكلمتا: "الغني والبخيل" كانتا في الأصل قبل التعجب فاعلًا؛ فصارتا بعده مفعولًا به لفعل التعجب الذي اكتفى بهذا المفعول به، واقتصر عليه.
الثانية: أن يزيد على الفاعل السابق الذي صار مفعولًا به، أحد المفعولين الأصليين مجرورًا باللام؛ فنقول: ما أكسى الغنيَّ للفقير!!. ما أظَنَّ البخيلَ للجود!! فكلمتا: "البخيل"، و"الجود" كانتا قبل التعجب مفعولين للفعل المتعدي لاثنين، ثم صارتا بعد التعجب مجرورين باللام، ومتعلقين مع مجرورهما بفعل التعجب.
الثالثة: أن يزيد على الحالة السابقة المفعول الأصلي الثاني؛ فنقول: ما أكسى الغنيَّ للفقير ثيابًا!. ما أظنَّ البخيلَ للجودِ تبذيرًا!.
الرابعة: حذف لام الجر السابقة ونصب الثلاثة مباشرة بشرط أمن اللبس، نحو: ما أكسى الغني الفقيرَ الثيابَ!! وما أَظَنَّ البخيلَ الجودَ تبذيرًا. فإن خيف اللبس أدخلت لام الجر على المفعولين الأصليين؛ نحو: ما أظَن الرجلَ لأخيك، لأبيك، والأصل: ظَنَّ الرجل أخاك أباك.
لكن "أفْعَلَ" في التعجب لا ينصب إلا مفعولًا به واحدًا، وفي الأمثلة السابقة استوفى حقه بنصبه المفعول به الذي كان في الأصل فاعلًا. فما الذي
_________________
(١) ١ سواء أكان أصلهما المبتدأ والخبر كالفعل: "ظن" أم لم يكن أصلهما ذلك، كالفعل: "كَسَا". ٢ كثر الخلاف والاضطراب بين المراجع المطولة بشأن هذه الحالات. وأصفاها -مع إيجازه- ما جاء في شرح "التصريح". وقد نقلنا هنا صفوة ما تضمنته المطولات.
[ ٣ / ٣٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) نصب المفعول الثاني، إن وجد، وكذلك الثالث؟ إن البصريين يقدرون فعلًا -أو ما يشبهه- ينصب المفعول الثاني إن وجد، وكذلك الثالث؛ ويسترشدون في تقديره بفعل التعجب المذكور قبله؛ فيقولون في تأويلهم: "ما أكسَى الغنيَّ يكسو الفقير!!. أو: ما أكسى الغنيَّ يكسو الفقير ثيابًا!! ". "ما أظَنَّ الغنيَّ؛ يظن الجود -أو ما أظَنَّ الغنيّ يظن الجود تبذيرًا!! " والكوفيون لا يقدرون محذوفًا ولا يتأولون، ويقولون: حقًا أنّ "أَفْعَلَ" في التعجب لا ينصب إلا مفعولًا به واحدًا، لكنه في هذه الصور وأمثالها ينصب أكثر من مفعول به واحد. ولا أثر للخلاف في المعنى، ولكن في رأي الكوفيين يسْر وقبول؛ لبعده من التكلف، والحذف، والتقدير.
[ ٣ / ٣٦٦ ]
المسألة ١١٠:
ألفاظ المدح والذم:
"ومنها: "نِعْم"، و"بِئْس"١، وما جرىَ مجراهما"
في اللغة ألفاظ وأساليب كثيرة؛ تدل على المدح، أو الذم. بعضها يؤدي هذه الدلالة صريحة؛ لأنه وُضع لها من أول الأمر نَصًّا، وبعضها لا يؤديها إلا بقرينة٢. فمن الأول الذي يؤديها صريحة قولك: "أمدحُ، أُثْني، أَستحسِن أذم، أهجو، أستقْبحُ" وأشباهها، وما يشاركها في الاشتقاق، نحو: أمدح في الرجل تجلُّدَه، وحسنَ بلائه، وأذم فيه يأسه، وفتور عزيمته -أُثني عليك بما أحسنت، وأهجو من قبض يده عن الإحسان.
ومنها: الجميل، العظيم، الفاضل، الماجد، البخيل، الحقود، الخائن وغيرها من ألفاظ المدح والذم الصريحين.
ومن الثاني الذي يحتاج لقرينة: وَفْرة لا تكاد تعَدّ؛ في مقدمتها: أساليب النفي، والاستفهام، والتعجب٣، والتفْضيل، ونحوهما؛ فإنها أساليب قد تضم أحيانًا إلى معناها الخاص دلالتها على المدح أو الذم، بقرينة؛ كقولك في إنسان يتحدث الناس بفضائله ومزاياه، أو: بنقائصه وعيوبه: "ما هذا بشرًا". تريد في حالة المدح: أنه مَلَك، مثلًا، وفي حالة الذم: أنه شيطان. ومثل قول شوقي:
هل المُلْك إلا الجيشُ شأنًا ومظهرًا؟ ولا الجيشُ إلا رَبُّه حين يُنسَبُ؟
_________________
(١) ١ فيها لغات؛ أشهرها: "كسر الأول مع سكون الثاني"، "وفتح الأول مع كسر الثاني"، وفتح الأول مع سكون الثاني"، وكسر الأول والثاني معًا". والأفصح والأشهر عند استعمالها في المدح والذم الاقتصار على اللغة الأولى. ٢ حالية، أو كلامية. ٣ انظر رقم ٦ من هامش ص٣٣٩.
[ ٣ / ٣٦٧ ]
وقوله:
إِلامَ١ الخُلْفُ بينَكُمُ؟ إِلامَا؟ وهَذِي الضّجةُ الكُبرَى عَلامَا٢؟
وفيمَ يَكيدُ بعضكمو لبعض؟ وتُبْدُون العداوةَ والخِصاما؟
وقول المتنبي: ما أبعدَ العيبَ والنقصانَ من شَرَ فِي!!
وقوله في ذم قائد الجيش الرومي:
فأَخْبِثْ به طالبًا قَهْرَهُمْ!! وأَخْيبْ به تاركًا ما طلبْ!
وقول أعرابي سئل عن حًاكمين: أما هذا فاحرص الناس على الموت في سبيل الله، وأما ذلك فأحرص الناس على الحياة في سبيل الشيطان..
ومن النوع الأول الصريح: "نعم"، و"بئس" وما جرى مجراها من الألفاظ التي تدل نصبًا على المدح العام٣ أو: الذم العام٣، وتمتاز "نعم وبئس" من باقي نوعهما الصريح بأحوال وأحكام خاصة بهما، دون نظائرهما من النوع الصريح، وأشهر هذه الأحوال والأحكام ما يأتي:
١- دلالة "نعم" على المدح العام، و"بئس" على الذم العام ٣
_________________
(١) ١ إلى أي شيء؟ فكلمة "م" أصلها: "ما" الاستفهامية التي تحدف ألفها عند الجر وعدم الوقف عليها. أما عند الوقف فتحدث الألف، وتحل "هاء" السكت. ولكنها لم تحذف في آخر الشطرين؛ مراعاة لقواعد القافية، كي تماثل آخر الأبيات التالية لها. والخطاب موجة للمصريين. ٢ على أي شيء؟ ويقصد بالضجة الخلاف الحزبي الطاغي في عصه، والخصومات العنيفة بين الأحزاب المصرية بسبب بعض المشروعات السياسية، ومنها: المشروع الذي كان سببًا في احتدام النزاع؛ وهو: الذي اشتهر باسم: "تصريح ٢٨ فبراير١٩٢٢". اعترفت فيه إنجلترا -وكانت مصر إذ ذاك- باستقلال البلاد المصرية ولكن بقيود وشروط. "٣، ٣، ٣" المراد بالعموم هنا في المدح وفي الذم أنه ليس مصورًا على شيء معين، ولا على صفة خاصة، ولا يتجه إلى أمر، دون آخر، ولا يتضمن معنى التعجب -كما نص على هذا "الخضري" في آخر الباب- بل يتجه بغير تعجب إلى كل أمور الممدوح أو المذموم؛ فالمدح العام يشمل الفضائل كلها؛ مبالغة، ولا يقتصر على بعض منها؛ كالعلم، أو الكرم، أو الشجاعة والذم العام يشمل العيوب كلها مبالغة، ولا يقتصر على بعض منها؛ كالكذب، أو الجهل، أو السفه.. ومن الأمثلة قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ فالمدح والذم هنا مختلفان بسبب "للعموم" عنهما في الأفعال الأخرى التي تجري مجري "نعم وبئس" حيث يكون المدح والذم في تلك الأفعال الأخرى خاصين ومتضمنين التعجب، "طبقًا لما سيجيء في ص٣٨٤". وإنما يستفاد العموم مع "نعم، وبئس" عند الإطلاق وعدم التقييد؛ فإن وجد تقييد زال التعميم؛ نحو: نعم الغني محسنًا.
[ ٣ / ٣٦٨ ]
واعتبار كل لفظ منهما في هذه الحالة وحدها فعلًا ماضيًا، لازمًا١ جامدًا، لا بد له من فاعل. ومع أن كلا منهما يعرب فعلًا ماضيًا فإنه متجرد من دلالته الزمنية، ومنسلخ عنها بعد أن تكوّنت منه وفاعله جملة "إنشائية غير طلبية"؛ يقصد منها إنشاء المدح العام، أو الذم العام، من غير إرادة زمن ماضٍ أو غير ماضٍ فكلاهما انتقل إلى نوع خاص من "الإنشاء المحض غير الطلبي" لا دلالة فيه على زمن٢ مطلقًا، نحو: نعم أجر المخلصين -بئس مصير المتجبرين.
ولجمودهما في هذه الحالة وحدها لا يكون لهما مضارع، ولا أمر، ولا شيء من المشتقات وتلحقها تاء التأنيث -جوازًا -إذا كان فاعلهما اسمًا ظاهرًا مؤنثًا٣، ويصح حذفها بكثرة، ولو كان الفاعل مؤنثًا حقيقيًا؛ نحو: نِعْم أو: نِعمتْ فتاة العمل والنشاط، وبئس ، أو: بئست فتاة البطالة والخمول. أما في غير هذه الحالة بالمدح والذم فهما فعلان ماضيان، متصرفان، دالان على زمن مضى: نحو نعم العيش ينعم، فهو ناعم؛ أي: لانّ واتسع. وبَئِسَ المريض يَبْأَس؛ فهو: بائس
٢- قَصْر فاعلهما على أنواع معينة، أشهرها ما يأتي:
١- المعرّف "بأل" الجنسية٤، أو: "العهدية"٥، نحو: نعم الوالد
_________________
(١) ١ انظر ما يختص بهذا في رقم ٣ من ص٣٧٣. ٢ انظر الصبان في هذا الموضع، أما البيان الكامل وذكر المراجع الأخرى ففي صدر الجزء الأول -م٤- عند الكلام على أقسام الفعل. ٣ وكذلك إذا كان "المخصوص" مؤنثًا فإنه يجوز تذكير الفعل وتأنيثه وإن كان الفاعل مذكرًا؛ طبقًا لما سيجيء بيانه في ص٣٧٨. وقد سبق في باب الفاعل "ج٢ م٦٦ ص٦٧ و٧٠" بيان الحالتين السالفتين، وحكم تاء التأنيث من جهة ذكرها وحذفها. ٤ هي الداخلة على نكرة لإفادة العموم والشمول مع التعريف، ويغلب أن يصلح في مكانها كلمة: "كل" فلا تدخل على ما يقبل التعريف في أغلب استعمالاته؛ مثل: "غير" -مع ملاحظة ما سبق في رقم ٤ من هامش ص٢٤- ولا على المعرفة مثل: "الله". ٥ "وانظر المراد من الجنس والعهد في هذا الباب في "أ" من ص٣٧٤، ثم ما يتصل بالمسألة في ص٣٧٥ و٣٧٦". وقد سبق تفصيل الكلام على أنواع "أل" وأحكامها في باب المعارف بالجزء الأول، م٣١.
[ ٣ / ٣٦٩ ]
الشفيق، وبئس الولد العاق. وقول الشاعر:
حياةٌ على الضيْم بئس الحياةُ ونعم المماتُ إذا لم نَعِزْ١
ب- المضاف إلى المعرف "بأل" السابقة، نحو: نعم رجل الحرب خالدٌ، وبئس رجل الجبن والكذب مُسَيْلمةُ
ج- المضاف إلى المضاف إلى المعرف بها؛ نحو: نعم قارئ كتب الأدب، وبئس مهمل أمر اللغة.
د- الضمير المستتر وجوبًا بشرط أن يكون ملتزمًا الإفراد والتذكير٢، وعائدًا على تمييز بعده٣، يفسر ما في هذا الضمير من الغموض والإبهام؛ نحو: نعم قومًا العرب، وبئس قومًا أعداؤهم. ففي كل من: "نعم" و"بئس" ضمير مستتر وجوبًا٤ تقديره: "هو" مرادًا منه الممدوح، أو المذموم، ويعود على التمييز "قومًا" أي: نعم القوم قومًا وبئس القوم قومًا
ولا بد من مطابقة هذا التمييز لمعناهما، "أي: لا بد من مطابقته لما يسمى: "المخصوص" بالمدح أو الذم، بحيث يتطابقان تذكيرًا، وتأنيثًا، وإفرادًا، وغير إفراد"، نحو: نعم رجلين: القائد والجندي، نعم رجالا: الحليم، والصبور، والمتواضع. نعم، أو: نعمت، فتاةً المجاهدة. نعم، أو: نعمت، فتاتين: المجاهدتان. نعم، أو: نعمت فتيات المجاهدات.
_________________
(١) ١ إذا لم نَعِزْ "مع تخفيف الزاي، للقافية والأصل: التشديد" إذا لم تكن أصحاب عزة، أي: قوة، وكرامة، وهيبة. ٢ اشتراط التذكير ليس متفقًا عليه؛ وإنما هو رأي الأكثرية القائلة بأن الفاعل الاسم الظاهر يراد به الجنس في ضمن جميع الأفراد؛ بأن يجعل راجعًا إلى التميز المراد به الجنس؛ لكونه على نية "أل الجنسية" إذ الأصل مثلًا: نعم الرجل. ٣ فلا يصح تقديم التمييز هنا على الفعل. وهذا أحد المواضع التي يجوز أن يعود الضمير فيها على متأخر لفظًا ورتبه. "وقد تقدم تفصيل الكلام عليها في الجزء الأول ص١٨٤ م٢٠" ثم انظر رقم ٤ من هامش هذه الصفحة. ٤ ومن النادر الذي لا يقاس عليه إبرازه مجرورا بالباء الزائدة في مثل قولهم: نعم بهم قومًا. وقد ذكرنا هذا الرأي للاستعانة به على فهم الوارد المسموع دون محاكاته.
[ ٣ / ٣٧٠ ]
ولا بد أن يكن التمييز صالحًا لقبول "ألْ" المعرفة١، فلا يصلح أن يكون من الكلمات المتوغلة -غالبًا -في الإبهام؛ ككلمة: غير، ومثل: وشبه٢
ويجوز -في الرأي الراجح -أن يجتمع في أسلوب المدح أو الذم الفاعل الظاهر والتمييز٣؛ نحو: نعم الشجاع رجلًا يقول الحق غيرَ هَيَّاب، وقول الشاعر:
_________________
(١) ١ والأحسن اعتبار هذا التمييز من نوع تمييز "الذات" "أي: تمييز "المفرد"، ولا تمييز "النسبة" "طبقًا للبيان التفصيل الذي سبق في باب: "التمييز" ج٢ م٨٨ عند الكلام على أقسام التمييز ص٣٨٩ و٣٩١ وما بعدهما". ومن أحكام هذا التمييز أنه -على الصحيح- لا يجوز حذفه مع استتار الضمير الفاعل العائد عليه؛ لكيلا يبقي الفاعل الضمير مبهمًا، ليس له ما يفسره؛ فالتمييز يفسر الفاعل المستتر. فإن وجدت قرينة تدل على التمييز بعد حذفه، وتكون عوضًا عند صح الحذف؛ كالتاء في قولهم: إن زرت الصديق فبها ونعمت؛ أي: نعمت زيارةً زيارتك، ومنه قوله ﵇: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل" أي: فبالرخصة أخذ، ونعمت رخصة الوضوء. ولا يصح تقديمه على "نعم وبئس" كما أسلفنا، ولا تأخيره عن "المخصوص" بالمدح والذم؛ ولهذا حكموا بالشذوذ على مثل: نعم محمد رجلًا، باعتبار "محمد" هو "المخصوص". أما باعتباره فاعلًا فلا يصح؛ لأنه ليس من الأنواع السالفة التي تصلح فاعلًا في هذا الباب. ويصح أن يكون لهذا التمييز نعت أو غيره من التوابع، ومن أمثلة النعت قولهم: إن الكذوب لبئس خلاَّ يُصْحَب كما يصح أن يفصل بينه وبين الفاعل فاصل، كقوله تعالى: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾، ويجوز تثنيته وجمعه -كما أشرنا- وبسبب هذا الجواز امتنع إبراز الفاعل المستتر، وتثنيته وجمعه، اكتفاء بتثنية التمييز وجمعه؛ فلا يصح: نِعْما -ونْعُموا في الرأي الراجح. ٢ فيما سبق يقول ابن مالك بإيجاز: فِعْلاَنِ غَيْرُ مُتَصرِّفَيْنِ "نَعْم" و"بِئْس" رافِعانِ اسْميْنِ مُقَارنَيْ "أَلْ" أَو مُضَافَيْنَ لِمَا قَارَنَهَا كَنِعْمَ عُقْبَى الكُرَما وَيَرْفَعَان مُضْمَرًا يُفَسِّرُهْ مُمَيِّزٌ، كَنِعْمَ قَوْمًا مُعْشَرَهْ تضمنت الأبيات الثلاثة أن "نعم وبئس" فعلان جامدان، وأنهما يرفعان فاعلين مقترنين بـ"أل" أو مضافين للمقترن بـ"أل" أو ضميرًا يفسره مميز "تمييز، كنعم قومًا معشره". وترك الناظم بقية أنواع الفاعل التي في الصفحات التالية. ٣ وفي هذا يقول ابن مالك: وَجَمْع تَمْيِيزٍ وفًاعِلٍ ظَهَرْ فِيهِ خِلاَفٌ عَنْهُمُو قَدِ اشْتَهَرْ
[ ٣ / ٣٧١ ]
نعْمَ الفتاةُ فتاةً هندُ لو بَذلتْ رَدَّ التحية نطقًا أَو بإِيماءِ١
هـ- كلمة: "ما"٢ أو: "من"٣، نحو: "نعم ما يقول الحكيم المجرب، وبئس ما يقول الغر الأحمق"، ونحو: "نعم من تصحبه عزيزًا. وبئس من ترافقه منافقًا" وقيلَ: إن "ما" تتميز، والفاعل ضمير مستتر تفسّره "ما" وكذلك: "مَنْ".
_________________
(١) ١ عند الجمع بينهما قد يكون سبب التمييز غير دال على معنى زائد على الفاعل؛ نحو: نعم الرجل رجلًا عُمر؛ فيكون من نوع التمييز الذي يفيد مجرد التوكيد؛ كالذي في قول أبي طالب عم الرسول ﵇: ولقد علمت بأَن دِين محمدٍ من خير أَديان البرية دينًا "كما سبق في باب التمييز ج٢ م٨٧ ص٣٢٧". ويجوز أن يكون دالًا بنفسه على معنى زائد على معنى الفاعل؛ نحو: "نعم الفتى فتى صلاح"، إذا كان المراد أنه فتى حقًا، أي من ناحية الفِتوة، يظهر عليه أماراتها. ويجوز أن تكون زيادة المعنى ليست ناشئة منه مباشرة، وإنما هي من أحد توابعه أو معمولاته، نحو نعم الرجل رجلًا مجاهدًا صلاح و ٢ وفيها يقول ابن مالك: وَ"مَا" مُمَيِّزٌ، وَقِيل: فَاعِلُ في نَحْو: نَعْمَ مَا يَقُولُ الفَاضِلُ في "ب" من ص٣٧٤ أشهر إعرابات "ما" بعد نعم وبئس". ويقول علماء رسم الحروف إن "ما" إذا كانت معرفة تمة فقد تكون: "تامة عامة" ومعناها: "الشيء"، ولفظ: "الشيء" يلاحظ عند التقدير. وعلامتها ألا يكون قبلها اسم تكون هي وعاملها صفة له في المعنى، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ التقدير: نعم الشيء هي وقد تكون معرفة "تامة خاصة"، وعلامتها: أن يسبقها اسم تكون هي وعاملها صفة له في المعني، وتقدر من لفظ ذلك الاسم؛ نحو: أصلحت الخط إصلاحًا نِعِمًا، التقدير: نعم الإصلاح. هذا كلامهم. ويقول أكثرهم إن: "ما" في الصورتين توصل خطًّا بآخر الفعل: "نعم وبئس" وتدغم هي "وميم" نعم، وتكسر عندئذ "العين" للتخلص من السكون الناشيء من الإدغام. غير أن الحكمة في هذا الاتصال الكتابي غير سائغة عند فريق آخر؛ إذ هي: مجرد المحاكاة السابقين ممن كتبوها في الطور الأول وقت استحداث الخط. فالخير في فصلها، "بالرغم من أننا فصلناها مرة في أعلى هذه الصفحة، ووصلناها في هامشها" إلى أن يستقر الاصطلاح على وضع جديد موحد. ومثلها عندهم في الاتصال "بنعم" كلمة "ما" النكرة الناقصة وهي النكرة الموصوفة التي معناها الذي تقدر به: "شيء"؛ مثل: إن قراءة الكتب الأدبية نعما يقوم الألسنة. والحكمة والرأي هنا مشابهًا فيما سبق. ٣ وتكون: "من" موصولة، أو نكرة تامة، أو نكرة موصوفة، ولا تكون معرفة تامة.
[ ٣ / ٣٧٢ ]
و"الذي" "اسم موصول"؛ نحو: نعم الذي يصون لسانه عما لا يَحْسن، وبئس الذي يغتاب الناس.
ز- النكرة المضافة لنكرة، أو غير المضافة؛ كقول الشاعر:
فنَعم صاحبُ قومٍ لا سلاح لهم وصاحبُ الكربِ عثمانُ بنُ عفَّانا
ومثل: نعم قائد أنت
والنوعان الأخيران "وهما: الذي، والنكرة"، أقل الأنواع استعمالًا، وسُمُوًّا بلاغيًّا، مع جوازهما.
٣- عدم نصبهما المفعول به؛ لأن كلا منهما في هذا الاستعمال فعل ماض جامد لازم -كما تقدم١ ولكن يصح زيادة "كاف الخطاب" الحرفية في آخرهما، نحو: نِعْمك الرجل عثمان، وبئْسك الرجل زياد. وهذه الكاف حرف محض لمجرد الخطاب؛ فلا يعرب شيئًا، ولكنه يتصرف على حسب نوع المخاطب٢. وزيادته -مع جوازها -قليلة في الأساليب البليغة٣.
_________________
(١) ١ في رقم ١ من ص٣٨٦. ٢ تذكيرًا، وتأنيثًا، وتثنية، وجمعًا ٣ سبق بيان هذا مفصلًا في ج١ ص٢٣٨ م١٩ باب: الضمير، بمناسبة الكلام على: "كاف الخطاب" الحرفية.
[ ٣ / ٣٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- إذا كانت: "أل" جنسية في مثل: "نعم الوالد عليّ" ونظائره طبقًا لما أوضحناه١، فقد يراد منها الدلالة على الجنس حقيقة؛ فكأنك تمدح كل والد. ويدخل في هذا التعميم عليّ، ثم تذكره بعد ذلك خاصة؛ فكأنك مدحته مرتين؛ إحداهما مع غيره، والأخرى وحده.
وقد يكون المراد الجنس مجازًا؛ فكأنك جعلت الممدوح بمنزلة الجنس كله للمبالغة في المدح.
أمّا إذا كانت "أل" للعهد١، فقد تكون لشيء معهود في الذهن لم يذكر خلال الكلام؛ فتكون للعهد الذهني. فإن ورد في الكلام فهي للعهد الذكري. كالذي في قولهم:
خيرُ أيامِ الفتَى يومٌ نَفَعْ فاتْبَع الحقَّ، فنِعْم المُتَّبَعْ
و"أل" الجنسية أقوى وأبلغ في تأدية الغرض، والعهدية أوضح وأظهر.
ب- إذا وقعت كلمة: "ما"٢ بعد: "نعم وبئس" جاز فيها إعرابات كثيرة؛ وأشهرها ما يأتي:
١- إعرابها حين يليها اسم منفرد "مثل: الزراعة نِعْم ما الحرْفُة" -إما نكرة تامة فاعلًا، وإما نكرة تامة: تمييزًا، وفاعل "نعم"، و"بئس" في هذه الصورة ضمير مستتر يعود على هذا التمييز، وتعرب الكلمة المنفردة التي بعدها "وهي: الاسم المنفرد" خبرًا لمبتدأ محذوف، أو مبتدأ والجملة قبلها خبر عنها -كما سنعرف في إعراب المخصوص-.
٢- إعرابها حين يليها جملة فعلية، "مثل: نِعْم ما يقول العقلاء. وبئس ما يقول السفهاء "، إما نكرة ناقصة، تمييزًا، والفاعل ضمير مستتر يعود عليها. والجملة بعدها صفة لها. وإما معرفة٣ ناقصة، فاعلًا، والجملة بعدها صلتها.
_________________
(١) ١ راجع: "أ" ص٣٦٩. ٢ انظر بعض أنواع "ما في رقم ١ من هامش ص٣٧٢ ثم ما يجيء في الصفحة التالية. ٣ اسم موصول.
[ ٣ / ٣٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) إعرابها حين تنفرد فلا يليها شيء؛ "نحو: الرياضة نعما، والإسراف فيها بئسما" إمَّا أن تكون نكرة تامة فاعلًا، وإمَّا تمييزًا، والفاعل ضمير مستتر يعود عليها. ففي كل الأحوال السابقة يجوز أن يكون الفاعل ضميرًا مستترًا يعود على "ما" لا فرق بين أن تكون نكرة تامة، وناقصة، ومعرفة تامة. كما يجوز أن تكون "ما" باعتباراتها المختلفة فاعلًا. فإذا اعتبرناها نكرة ناقصة فالجملة بعدها صفتها، وإذا اعتبرناها معرفة ناقصة فالجملة بعدها صلتها، وإذا وقع بعدها كلمة منفردة، أو لم يقع بعدها شيء، فهي تامة، تعرب فاعلًا، أو تعرب تمييزًا والفاعل ضمير. ولما كان كل نوع من أنواع "ما" مختلفًا في دلالته اللغوية عن النوع الآخر، كان تعدد هذه الأوجه الإعرابية جائزًا حين لا توجد قرينة توجه المعنى إلى أحدها دون الآخر؛ فإذا وجدت القرينة وجب الاقتصار على ما تقتضيه، فليس الأمر على إطلاقه -كما قد يتوهم بعض المتسرعين؛ ففي مثل: "لا أجد ما أتصدق به إلا اليسير؛ فيجيب السامع: نِعْم ما تجود به". تكون "ما" هنا نكرة موصوفة؛ فكأنه يقول: نِعم شيئًا أي شيء تجود به، وفي مثل؛ أعطيتك الكتاب الذي طلبته؛ فتقول: نعم ما أعطيتني؛ فكلمة "ما" موصولة، وهكذا وإلا كانت الألفاظ ودلالتها فوضى. والقرائن والأسرار اللغوية لا قيمة لها، ومثل هذا يقال في "ألْ" السابقة، من ناحية أنها للعهد أو للجنس وفي غيرها من كل ما يجوز فيه أمران، أو أكثر وتقوم بجانبه قرينه توجه إلى واحد دون غيره.
[ ٣ / ٣٧٥ ]
٤- امتناع توكيد فاعلهما المفرد الظاهر توكيدًا معنويًا، فلا يصح نعم الرجل كلهم١ محمد، ولا بئس الرجل أنفسهم عليّ. كما لا يصح: نعم الرجل كله محمد، ولا بئس الرجل نفسه عليّ٢ فإن كان فاعلهما مثني أو جمعها جاز، نحو: نعم الصديقان كلاهما، محمد وعلي- نعم الأصدقاء كلهم محمد وعلي وحامد ومثلهما المثنى والجمع للمؤنث
أما التوكيد اللفظي فلا يمتنع، وكذلك: "البدل، والعطف٣". وأما النعت فيجوز إذا أريد به الإيضاح والكشف، لا التخصيص٤، كقول الشاعر:
لعَمْري -وما عَمْرِي عليَّ بِهَيِّنٍ لبِئْس الفتَى المدعُوُّ بالليَّلِ حاتِمُ
_________________
(١) ١ "كلهم" بالجمع مراعاة لمعنى الفاعل لا لفظه؛ لأنه بمعنى الجنس المشتمل على أفراد كثيرة، كما سبق في "أ" من ص٣٦٩. "انظر رقم ٢ التالي". ٢ لا يصح التوكيد المعنوي إذا كان لفظه للجمع كالمثالين الأولين؛ لأن فيه تناقضا بين ظاهره اللفظي الدال على الجمع، وظاهر الفاعل الدال لفظه على الإفراد. كما لا يصح أيضًا إذا كان لفظه للمفرد؛ منعًا لمتناقض بين ظاهره اللفظي ومعنى الفاعل الملحوظ فيه الجنس كله، أو أنه بمنزلة الجنس كله. هذا على اعتبار "أل" جنسية؛ أما على اعتبارها للعهد فلم يقطعوا فيه برأي، وإنما قالوا لا يستبعد جوازه "راجع الصبان وغيره في هذا الموضع"، وهذه فتوى مضطربة. والأحسن الأخذ بالرأي الذي لا يبيح التوكيد المعنوي مطلقًا؛ لأن الغرض منه لا يتحقق هنا مع "أل" العهدية؛ إذ مقام المدح والذم لا يتطلب الإحاطة والشمول فتأتي له بلفظ: "كل، أو جميع، أو عامة"، أو نحوها من ألفاظ التوكيد الدالة على الشمول، وليس المقام بمقام رفع احتمال الشك عن ذات الفاعل فتأتي له بلفظ التوكيد الذي يزيل الشك عنها؛ مثل كلمة: "نفس"، أو ما يشبهها ٣ اشترط بعض النحاة في "البدل والعطف" ن يكون كل منهما صالحًا لمباشرة "نعم" "بأن يكون معرفًا "بأل" أو مضافًا إلى المعرف بها، ولو بواسطة و."، وبعض آخر لم يشترط هذا؛ محتجًا بأنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع. ولم يوضح لنا أحد الفريقين موقفه من السماع الكثير الوارد عن العرب؛ لتكون الحجة قاطعة، ولهذا كان من التيسير المقبول الأخذ برأي من لا يشترط ما سبق. ٤ لأن تخصيصه منافٍ للشمول والتعميم عند من يجعل "أل" جنسية، فإذا أريد به الكشف والإيضاح على تأويل أنه الجامع لكل الصفات، صح النعت به. وأما القائلون بأنها للعهد فلا يشترطون هذا، ويبيحون النعت. فهنا صورتان؛ يجوز النعت مع التأول في إحداهما، وعدم التأول في الأخرى، ومن الخير ترك هذا العناء كله، والاقتصار على النتيجة النافعة التي ينتهي إليها الرأيان وهي: النعت، وإهمال ما يحف به من جدل.
[ ٣ / ٣٧٦ ]
وقال الآخر:
نعمَ الفتَى المُرِّيّ١ أنْتَ، إذا همو حضَروا لدى الحَجَرَات٢ نارَ الْمُوقِد
فإن كان الفاعل ضميرًا مستترًا فلا يجوز أن يكون له تابع من نعت، أو عطف، أو توكيد، أو بدل.
٥- حاجتهما -في الغالب- إلى اسم مرفوع بعدهما هو المقصود بالمدح أو الذم، ويسمى: "المخصوص بالمدح أو بالذم". وعلامته: أن يصلح وقوعه مبتدأ، وخبره الجملة الفعلية التي قبله مع استقامة المعنى، نحو: "نِعْم المغرد البلبلُ، بئس الناعب الغرابُ"؛ فالبلبل هو: المخصوص بالمدح، والغراب: هو المخصوص بالذم، كلاهما يصلح أن يكون مبتدأ، والجملة الفعلية قبله خبره؛ فنقول: البلبل نعم المغرد. الغرابُ بئس النَّاعب.
ويشترط في هذا المخصوص أن يكون معرفة، أو نكرة مختصة بوصف، أو إضافة، أو غيرهما من وسائل التخصيص٣ وأن يكون أخص من الفاعل٤، لا مساويًا له، ولا أعم منه٥؛ وأن يكون مطابقًا له في المعنى، "فيكون مثله في مدلوله تذكيرًا، وتأنيثًا، وإفرادًا، وتثنية، وجمعًا" وأن يكون متأخرًا عن الفاعل؛ فلا يتوسط بينه وبين فعله٦، -ويجوز تقدمه على الفعل والفاعل معًا- كما يجب تأخره عن التمييز إذا كان الفاعل ضميرًا مستترًا له تمييز؛
_________________
(١) ١ المنسوب لقبيلة مُرَّة -والمقصود به: سِنَان بن أبي حارثة المري. ٢ الحجرات، جمع: حَجَرة "بفتح الحاء والجيم" وهي شدة برد الشتاء. وقد تقرأ: حُجُرات جمع: حُجْرة: بضم فسكون. ٣ أو يصلح أن يكون خبرًا إذا جعلنا الفاعل مبتدأ موصوفًا بكلمة: "الممدوح" أو كلمة: "المذموم" على حسب المعنى؛ "لأن مفسر الفاعل كالفاعل"، نحو: نعم الصانع خليل، وبئس المصنوع النسيج، أي: "الصانع، الممدوح خليل" "المصنوع، المذموم النسيج" وسيجيء الكلام، على إعراب المخصوص في ص٣٧٨. ٤ لأن المراد من الفاعل هو الجنس كله طبقًا للرأي الأغلب. ٥ حجتهم في أن يكون أخص: أن يحصل التفصيل بعد الإجمال؛ ليكون أوقع في النفس والحجة الحقيقية وحدها هي استعمال العرب، كالشأن في باقي الحجج التالية. ٦ بزعم أن هذا أدعى للتشويق، لكن يجوز أن يتقدم على الفعل والفاعل وفي هذه الصورة لا يسمى: مخصوصًا. والسبب في المنع هو استعمال العرب ليس غير، ويجب إهمال هذه التعليلات.
[ ٣ / ٣٧٧ ]
نحو: نعم رجلًا المخترعُ.
أما إذا كان الفاعل اسمًا ظاهرًا، فيجوز تقديم "المخصوص" على التمييز وتأخيره، فنقول: نِعم العالِمُ رجلًا إبراهيم، أو: نِعم العالِمُ إبراهيم رجلًا.
وإذا كان المخصوص مؤنثًا جاز تذكير الفِعل وتأنيثه، وإن كان الفاعل مذكرًا؛ نحو: نعم الجزاء الهدية، ونعم الشريك الزوجة، أو نعمتْ، فيهما. والتذكير في هذه الحالة أحسن ليطابق الفاعل١.
حذف المخصوص:
يجوز حذف "المخصوص"، إن تقدم على جملته لفظ يدل عليه بعد حذفه، ويغني عن ذكره متأخرًا، ويمنع اللبس والخفاء في المعنى؛ ويُسمَّى هذا اللفظ؛ بـ"المُشْعِر بالمخصوص"؛ سواء أكان صالحًا لأنْ يكون هو "المخصوص" أم غير صالح٢؛ ويعرب على حسب الحالة؛ مثل: سمعت شعرًا عذبًا لم أتعرَّف صاحبه، ثم تبينتُ أنه البُحْتريّ؛ فنعم الشاعر. أي: فنعم الشاعر البُحْتريّ. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ﴾، أي: نعم العبد الصابر، ويصح: نعم العبد أيوب. وعلى التقدير الأول يكون "المشعر" -وهو كلمة: "صابرا"- من النوع الذي لا يصلح أن يكون "مخصوصًا"؛ لأنه نكرة غير مختصة، بخلافه على "التقدير الثاني".
إعراب المخصوص:
المشهور إعرابان؛ أحدهما: أن يكون مبتدأ مؤخرًا، والجملة الفعلية التي قبله خبر عنه، كما في المثالين السالفين٣
وثانيهما: اعتباره خبرًا لمبتدأ محذوف وجوبًا، تقديره: "هو"، أو: هي أو غيرهما مما يناسب المعنى، ويقتضيه السياق، فيكون في المثالين السابقين٣
_________________
(١) ١ لهذا إشارة في رقم ٣ من هامش ص٣٦٩. ٢ وهذه الصورة قليلة. "٣، ٣" في رقم ٥ من ص٣٧٧.
[ ٣ / ٣٧٨ ]
مثلًا: نِعم المغرد هو البلبل، وبئس الناعب هو الغراب. أي: الممدوح البلبل، والمذموم الغراب. فالمراد من الضمير هنا: "الممدوح" أو: "المذموم".
وهناك إعراب ثالث؛ هو: أن يكون مبتدأ وخبره محذوف؛ تقديره: "الممدوح" أو "المذموم".
تلك هي الأوجه الثلاثة المشهورة، ويلاحظ أن كُلاَّ منها قائم على الحذف والتقدير، أو التقديم والتأخير، مع الركاكة والضعف، مع أن هناك رأيًا قديمًا آخر أولى بالاعتبار؛ لخلوه من تلك العيوب وغيرها؛ هو: إعراب المخصوص "بدلًا"١ من الفاعل؛ فيكون: "البلبل" بدلا من "المغرد"، ويكون: "الغراب" بدلًا من: "الناعب" هكذا
وحبذا الأخذ بهذا الرأي السهل الواضح في تقديرنا.
يجوز في هذا المخصوص أن تعمل فيه النواسخ؛ نحو: نعم مداويًا كان الطبيب؛ فهو اسم "كان" والجملة قبلها خبرها٢
_________________
(١) ١ الأحسن أن يكون بدل كل من كل على جميع الاعتبارات؛ لأن المراد من البدل هو المراد من المبدل منه. ومن العجيب أن يكون هذا رأي قلة من النحاة مع وضوحه، وقوة انطباق قواعد البدل عليه، وعدم تناقضه مع قاعدة أخرى. وأما ما وجِّه إليه من عيب فقد دفعه العائبون أنفسهم، وانتهوا إلى خلوه من العيوب "كما يدل على هذا ما ورد في المطولات، ومنها حاشية الصبان في هذا الموضع، وقد نقل عن بعض المحققين جواز البدلية، وسجله في آخر باب عطف البيان" فلماذا لم يجعلوه في قوة غيره؟ بل لماذا لم يقدموه على غيره؟ ولا نريد أن نسجل هنا تلك العيوب وطرق دفعها؛ كي لا نسجل ما لا طائل وراءه. ومن شاء أن يطلع عليها فليرجع إليها في مظانها التي ذكرناها والتي لم نذكرها. ٢ وفي المخصوص وإعرابه يقول ابن مالك: وَيُذْكَرُ "الْمَخْصُوصُ" بَعْد مبتدا أَوْ خَبَرَ اسْمِ لَيْس يَبْدُو أَبَدا أي: يذكر المخصوص بعد الفاعل، ويعرب المبتأ، أو خبرا لمبتدأ محذوف وجوبًا، لا يجوز أن يظهر. ويقول في حذفه: وَإِنْ يُقَدَّمْ مُشْعِرٌ بِهِ كَفَى كَالْعِلْمُ نِعْمَ المقُتَنَى وَالمقْتَفَى يريد: إن تقدم على المخصوص ما يشعر بمعناه ويدل عليه من غير لبس، أو فساد -كفى وأغنى عنه وجاز حذفه، كالأمثلة التي سبقت في الشرح. أما مثال: العلم نعم المقتنى والمقتفي فالمخصوص قد تقدم فصار في الظاهر هو المشعر، والأصل: "نعم المقتنى والمقتفي العلم"، فأغنى عن المخصوص؛ منعًا للتكرار الذي لا فائدة منه هنا، و"المقتنى": الشيء الذي يُتَّخَذ قِنْية، أي: الشيء الغالي، الذي يحرص الناس على ادخاره والاحتفاظ به. و"المقتفى" الذي يُقْتَفى؛ أي: يتبع وتراعى أحكامه
[ ٣ / ٣٧٩ ]
ومن النوع الأول الصريح١: الفعل: حب" يكون للمدح العام مع الإشعار بالحُبّ، ويكثر أن يكون فاعله كلمة: "ذا" التي هي اسم إشارة٢ نحو: حبذا الموسيقيّ إسحاق، وقول الشاعر:
يا حبذا النيل على ضوء القمرْ وحبذا المساء فيه والسحرْ
فإن جاء بعده الفاعل "ذا" وقبله: "لا" النافية كان للذم العام، نحو: لا حبذا البخيل مادر٣.
وإنما كان معنى الفعل: "حب" هو: المدح مع الإشعار بالحب والقرب من القلب؛ لأنه فعل مشتق من مادة: "الحب"، وفاعله اسم إشارة للقريب. وهو ينفرد بهذه المزية دون "نعم".
ومما يدل على الذم العام الصريح أيضًا الفعل: "ساء"، تقول: ساء البخيل مادر، كما تقول: بئس للبخيل مادر، وقول الشاعر:
أألوم من بخلت يداه وأغتدي للبخل تربًا٤؟ ساء ذاك صنيعا!
فمعناهما واحد، هو: الذم العام٥، وكذلك أحكامهما.
ومما تقدك نعلم "حبذا" جملة فعلية -على الرأي الأرجح -الفعل: فيها: "حب"، وهو هنا ماضٍ جامد٦، وفاعله هو كلمة: "ذا" اسم الإشارة، مبنية
_________________
(١) ١ أي: الذي يدل على المدح أو الذم دلالة صريحة بغير قرينة "انظر ص٣٦٧". ٢ وعندئذ تتصل بآخره في الكتابة وجوبًا؛ طبقًا لقواعد رسم الحروف. ومن الأمثلة أيضًا قول الشاعر: حبذا ليلة تَغَفَّلْت عنها زمني فانتزعْتها من يديه تغفلته: خدعته وهو غافل. أما الحرف "يا" فيجيء تفصيل الكلام عليه في مكانه الأنسب، وهو باب: "النداء" -ج٣ م١٢٧ ص٥ -ومنه يتعين أن الحرف: "يا" هنا: حرف تنبيه، أو حرف نداء ٣ اسم رجل يضرب به المثل قديمًا في البخل. ٤ صديقًا وصاحبًا. ٥ إلا إن لوحظ في الفعل "ساء" أنه محول من أصله إلى صيغة "فعل" بقصد الذم الخاص مع التعجب، كما سيجيء الكلام على تحويل الأفعال الثلاثة إلى هذه الصيغة ص٣٨٤ و٣٨٥. ٦ هو في الأصل مشتق. ولكنه صار جامدًا، كامل الجمود بعد انتقاله إلى حالته الجديدة التي قصد بها إنشاء المدح فصار مع فاعله جملة إنشائية خالية من الدلالة الزمنية على الوجه الذي شرحناه في رقم ١ من ص٣٦٨.
[ ٣ / ٣٨٠ ]
على السكون في محل رفع. "الموسيقي" هو المخصوص بالمدح، ويعرب مبتدأ خبره الجملة التي قبله، أو خبر لمبتدأ محذوف، أو غير هذا مما فصلناه١ في إعراب "مخصوص: نعم وبئس إلا بدليل فلا يصح هنا.
ومن أحكام هذا المخصوص أيضًا أنه لا يصح تقدمه على الفاعل وحده، دون الفعل، ولا على الفعل والفاعل معًا، فلا يصح: حب على ذا، ولا على حبذا؛ لأن تقدمه غير مسموع في الكثير الفصيح من كلام العرب؛ فصارت: "حبذا" معه ثابتة الموضع والصورة كالمثل؛ والأمثال لا تتغير مطلقًا. هذا إلى أن تقدمه قد يوهم "في مثل الصورة الثانية التي يكون فيها المخصوص مفردًا مذكرا" أن الفاعل ضمير مستتر، وأن "ذا" مفعول لا فاعل، وفي هذا إفساد للمعنى، لكن يصح أن يتقدم على التمييز أو يتأخر عنه؛ نحو: حبذا رجلًا العصامي، أو: حبذا العصامي رجلًا، ويصح الفصل بالنداء بينه وبين "حبذا" كما يصح حذفه إن دلت عليه قرينة لفظية أو حالية٢. كقول الشاعر:
ألا حبذا لولا الحياة، وربما منحت الهوى ما ليس بالمتقاربِ
_________________
(١) ١ في آخر ص٣٧٨. ٢ كثير من النحاة يمنع أن يكون الفاعل "ذا" تابع من التوابع الأربعة شأنه في هذا شأن فاعل "نعم" وبئس، إذا كان ضميرًا مستترًا، فإذا وقع بعد "ذا" اسم فهو "المخصوص" وهذا الرأي سديد هنا؛ لأن حاجة اسم الإشارة المخصوص الذي يوضحه ويزيده جلاء أشد من حاجته إلى البدل، أو غيره من التوابع. ويجب الأخذ بهذا الرأي في صورتي "حب" المنفية وغير المنفية، ما دام الأسلوب لإنشاء المدح أو الذم. لهذا يقولون في كلمة: "المجاهد" في مثل: حبذا المجاهد -إنها المخصوص، ويعربونها إعرابه، ولا يعربونها بدلًا. لكن يجوز توكيد جملة: حبذا توكيدًا لفظيًّا، ومنه قول الشاعر: ألا حبذا، حبذا، حبذا حبيب تحملت منه الأذى ومما يقوي منع إعرابه عطف بيان أن عطف البيان لا بد أن يكون كمتبوعه -في الرأي الأصح- تعريفًا وتنكيرًا كما سيجيء في ص٥٥٠، وقد وردت أمثلة كثيرة فصيحة وقع فيها مخصوص حبذا نكرة، منها قول جرير: وحبذا نفحات من يمانية تأتيك من قِبَل الريان أحيانا فلو أعربنا كلمة: "نفحات" عطف بيان لخالفت متبوعها -وهو اسم الإشارة- في تعريفه.
[ ٣ / ٣٨١ ]
والأصل مثلًا: ألا حبذا أخبار الحب، أو النساء لولا الحياء، ولا يصح أن تعمل فيه النواسخ، بخلاف مخصوص "نعم" كما سبق١.
ومثل الإعراب السابق يقال في: لا حبذا البخيل مادر، مع إعراب "لا" حرف نفي، فليس ثمة خلاف بين الصيغتين في شيء إلا في وجود "لا" النافية قبل: "حبذا" مباشرة "أي بغير فاصل مطلقًا"٢ وبسببها تصير الجملة لإنشاء الذم لا المدح. ولا يصح أن يحل حرف نفي آخر محل: "لا" في هذا الموضع ومن الأمثلة الجامعة للصورتين قول الشاعر:
ألا حبذا عاذري في الهوى ولا حبذا الجاهل العاذل
وقول الآخر:
ألا حبذا أهل الملا، غير أنه إذا ذكرت ميٌّ فلا حبذا هيا
وإذا كان فاعل؛ "حب" -في حالتي النفي وعدمه- هو كلمة: "ذا" وجب أمران؛ فتح الحاء في "حب٣" وأن يبقى الفاعل: "ذا" على صورة واحدة لا تتغير في الحالتين؛ هي صورة الإفراد والتذكير مهما كان أمر المخصوص من الإفراد، أو التثنية، أو الجمع، أو التذكير، أو التأنيث نحو: حبذا الطبيبة فاطمة. حبذا الطبيبتان الفاطمتان. حبذا الطبيبات الفاطمات. حبذا الطبيب محمد. حبذا الطبيبان المحمدان. حبذا الطبيبون -أو الأطباء- المحمدون، فلا يصح إخراج "ذا" عن الإفراد
_________________
(١) ١ في ص٣٧٩. ٢ ويصح وقوع الحرف "يا" قبل "حبذا المثبتة، وفيما سبق خاصًّا بالفعلين: "ساء وحب" يقول ابن مالك: واجعل كبئس ساء واجعل: "فعلا" من ذي ثلاثة كنعم مسجلا وسيجيء شرح هذا البيت في هامش ص٣٩١، ثم يقول بعده: ومثل "نعم" حبذا الفاعل "ذا" وإن ترد ذمًّا فقل: "لا حبذا" أي: مثل: "نعم" مع فاعلها في إنشاء المدح، جملة، "حبذا": وهي جملة فعلية، الفاعل فيها هو كلمة: "ذا". أما عند إرادة الذم فقل: "لا حبذا" بزيادة "لا" النافية. ٣ يشترط وصلها: بـ"لما" كتابة -كما سبق في رقم ٢ من هامش ص٣٨٠.
[ ٣ / ٣٨٢ ]
والتذكير؛ لأنها دخلت في أسلوب يشبه المثل، والأمثال لا تتغير مطلقًا، ولا تخالف الصورة الأولى التي وردت بها عن العرب١
فإن كان فاعل: "حب" اسمًا آخر غير كلمة: "ذا" فإنه لا يلتزم صورة واحدة، وإنما يساير المعنى، فيكون مفردًا أو غير مفرد، مذكرًا، أو غير مذكر، كل هذا على حسب ما يقتضيه المعنى. وعندئذ يجوز رفعه أو جره بباء زائدة في محل رفع، كما يجوز في "حاء" الفعل: "حب" أن تضبط بالفتحة أو الضمة، مثل: حب المضيء القمر، حب المضيئان القمران. حبت المضيئات الأقمار وهكذا٢؛ "لأنه يجري على "حب" من ناحية ضبط فائها وعينها ما يجري على مثلهما من الفعل الذي يحول إلى "فعل" وسيجيء الكلام عليه٣".
_________________
(١) ١ يقول ابن مالك: وأوْلِ: "ذا" المخصوص، أيا كان، لا تعدل بـ"ذا" فهو يضاهي المثلا "أوْلِ ذا: أتْبِعْ كلمة "ذا" وجيء بعدها بالمخصوص أيًا كان، في أي مكان وصورة وجد من الأسلوب الخاص بالمدح والذم، أي: سواء أوجد للمفرد وفروعه أم المذكر وفروعه، لا تعدل بذا: لا تمل بلفظ "ذا" إلى غيره، ولا تنصرف عنه إلى سواء، والمراد لا تدخل عليه تغييرًا مطلقًا، يضاهي: يشابه". ٢ يقول ابن مالك في الفاعل إذا كان غير كلمة "ذا"؛ وفي رفعه أو جره بالباء الزائدة، وفي ضبط "حاء" الفعل معه ومع "ذا": وما سوى "ذا" ارفع بِحَبَّ، أو: فجُرْ بالبا، ودون "ذا" انضمام الحا كَثُرْ "الفاء في: "فجُر" زائدة، أو في جواب شرط مقدر؛ أي: إن شئت فجر؛ لأن حرف العطف لا يدخل على مثله": يقول: ارفع الفاعل إذا كان اسمًا غير كلمة "ذا"، أو: جره بالباء الزائدة. ودون "ذا" أي: في غير الفاعل: "ذا"، كثر انضمام الحاء في فعله "حب"، ويفهم من هذا أن ضم الحاء لا يصح إذا كان الفاعل هو كلمة: "ذا" كما شرحنا. ٣ في ص٣٩٠.
[ ٣ / ٣٨٣ ]
المسألة ١١١:
الأفعال ١ التي تجري مجرى "نعم" و"بئس":
الأصل العام: أن يقتصر كل فعل تحتويه الجملة المفيدة على تأدية معنى واحد مناسب؛ يكتفى به، ولا ينضم إليه معنى آخر. وينطبق هذا الأصل العام على أكثر الأفعال الثلاثية، حيث يقتصر كل فعل منها على تأدية معناه الخاص الواحد من غير دلالة معه على مدح، أو: ذم أو: تعجب كالأفعال: فرح، قعد، فهم و ومئات غيرها فإن كان كل فعل منها يؤدي معناه المعين؛ "وهو: الفرح، القعود، الفهم " تأدية مجردة من الإشعار بمدح، أو ذم، أو تعجب؛ فلا صلة لها بشيء من هذه المعاني الثلاثة.
لكن من الممكن أن يدخل شيء من التغيير على صيغة كل فعل من الأفعال السابقة –ونظائرها– ليصير على وزن معين، فيؤدي معناه الأصلي الخاص مع زيادة في الدلالة؛ تتضمن المدح بهذا المعني اللغوي الخاص، أو الذم به، كما تتضمن –في الوقت نفسه –الإشعار بالتعجب في الحالتين. فالزيادة الطارئة على المعنى اللغوي الأصلي للفعل بعد تغيير صيغته –تتضمن الأمرين معًا. وإن شئت فقل: إن الفعل الثلاثي في صيغته الجديدة، الناشئة من التغيير يؤدي ثلاثة أمور مجتمعة؛ هي: معناه اللغوي الخاص، مزيدًا عليه المدح بهذا المعنى الخاص أو الذم به على حسب دلالته الأصلية، وأيضًا إفادة التعجب في حالتي المدح والذم٢.
والمدح والذم هنا خاصان؛ لأنهما يقتصران على المعنى اللغوي للفعل، وهذا المعنى معين محدود، ولهذا يكون المدح به أو الذم خاصًا، مع إفادة التعجب
_________________
(١) ١ قد نضيق بهذه الأفعال وأحكامها، وننفر –أحيانًا– من جرسها بعد تحويلها المدح أو الذم وما يصحبهما، بالرغم من أن هذا التحويل قياسي. فحبذا الاقتصار على فهم الوارد منها، والاستغناء عن محاكاته؛ -مع صحة محاكاته– نزولًا على الدواعي البلاغية العالية. -كما سنشير في رقم ١ من هامش ص٣٨٧ وكذلك في ص٣٩٣. ٢ سبقت الإشارة لهذا. "ملاحظة": انظر حكمًا آخر يتصل بهذا التحويل -سيجيء في "ج" ص٣٨٩-.
[ ٣ / ٣٨٤ ]
في كل حالة، فلا إهمال للمعنى الخاص الأساسي للفعل، ولا تعميم فيه ولا شمول، ولا خلو من التعجب، فالأسلوب هنا باشتماله على الأمور الثلاثة السالفة مختلف عنه مع "نعم وبئس"؛ لأن معناهما: المدح والذم العاملين الشاملين، الخاليين من إفادة التعجب١.
وإنما يقوم الفعل الثلاثي٢ بتأدية معناه الخاص مع تلك الزيادة في الدلالة إذا تحقق في صوغه أمران:
أولهما: أن يكون مستوفيًا كل الشروط التي يجب اجتماعها في الفعل الذي يصلح أن تصاغ منه –مباشرة– صيغتا التعجب٣، وفي مقدمتها: أن يكون ثلاثيًا.
ثانيهما: أن يكون على وزن: "فعل" –بضم العين-؛ سواء أكان مصوغًا على هذا الوزن من أول الأمر نقلًا عن العرب؛ مثل: شرف، وكرم، وحسن و، أم لم يكن؛ كفهم٤، وجهل، وبرع ؛ فيصير: فهم، جهل٤، برع
"ومعلوم أن الفعل الثلاثي لا يخرج –في الأغلب٥– عن ثلاثة أوزان؛ تنشأ من تحريك عينه بالفتح؛ "نحو: ذهب"، أو بالكسر؛ "نحو: علم" أو بالضم؛ "نحو: ظرف". أما أوله فمفتوح في أغلب الحالات٦ والأوزان التي
_________________
(١) ١ انظر رقم ٣ من هامش ص٣٦٨ ففيها إشارة وافية، موضحة لهذا. أما بيان الفروق المختلفة كلها فتأتي في: "أوب" من ص٣٨٨. ٢ إلا الفعل: "ساء" فحكمه في ص٣٩٢. ٣ سبق بيانها وشرحها في ص٣٤٩ و٣٨٥ من باب: التعجب؛ -وليس من اللازم لتحقيق الشرط الأول "وهو أن يكون الفعل ماضيًا" أن يكون هذا الماضي المراد تحويله حلقي الفاء؛ -كما يرى بعض النحاة– فقد يكون، أو: لا يكون "وحروف الحلق ستة؛ هي: الهمزة، العين، الغين، الحاء، الخاء، الهاء". "٤، ٤" يرى بعض النحاة: أنه لا يجوز تحويل "علم، وجهل، وسمع" إلى: "فعل" وحجته: أن هذا التحويل غير مسموع. وفي رأيه تعسير لا داعي له، لمعارضته حكمه القياس، والغرض منه، ولأنه سمع تحويلها –كغيرها- عن بعض القبائل العربية. ٥ هناك أفعال صحيحة العين، ساكنتها أصالة وهي قليلة العدد، ومنها: "نعم وبئس" وليس منها الأفعال المعتلة العين؛ مثل: غاب، قام، نام -؛ فإن سكونها طارئ لأن عينها في الأصل متحركة. ٦ قلنا: "في أغلب الحالات" لأن قليلًا من الأفعال الماضية. مكسور الأول؛ مثل: نعم، بئس
[ ٣ / ٣٨٥ ]
يكون فيها مبنيًا للمعلوم. والثلاثي مضموم العين لا يكون إلا لازمًا؛ ولهذا يصير الفعل المتعدي لازمًا إذا تحول من صيغته الأصلية إلى صيغة: فعل".
وصوغه على وزن: "فعل"، "بقصد تأديته لمعناه اللغوي المعين؛ مع المدح الخاص به، أو الذم الخاص، ومع الإشعار بالتعجب١ فيهما"، يقتضي الأحكام والتفصيلات الآتية:
أ- اعتبار الفعل بعد تلك الصياغة لازمًا؛ مجردًا من الدلالة الزمنية، وجامدًا كامل الجمود "فلا مضارع له؛ ولا أمر، ولا غيرهما من بقية المشتقات".
ب- صحة تحويل الفعل الثلاثي الصحيح٢، غير المضعف٣، تحويلًا مباشرًا إلى صيغة: "فَعُلُ" بضم العين؛ فيفيد بعد التحويل معناه اللغوي مقرونًا بالمدح أو الذم الخاضين بمعناه، مع التعجب في كل حالة؛ تبعًا لمعناه اللغوي الأصلي قبل التحويل؛ ففي مثل: "فَهِمَ المتعلم، عدل الحاكم، نقول: فَهُمَ المتعلم، عَدُلَ الحاكم؛ فيفيد التركيب الجديد معنى الفعل في اللغة، مزيدًا عليه مدح المتعلم بالفهم فقط، ومدح الحاكم بالفهم فقط، ومدح الحاكم بالعدْل فقط، مع التعجب في الحالتين". وفي مثل: "جَهِل٤ المهملُ، حَسَد الأحمقُ نقول جَهُلَ المهملُ؛ حَسُدَ الأحمقُ؛ فيفيد الأسلوب معنى الفعل، مزيدًا عليه ذم المهمل بسبب جهله، وذم الأحمق بسبب حسده فقط. مع التعجب في الصورتين" ولا فرق في هذا التحويل وآثاره بين الثلاثي مفتوح العين، أو مكسورها، أو: مضمومها.
ويجوز في الفعل بعد تحويله إمَّا إبقاؤه على صورته الجديدة، وإمَّا تسكين
_________________
(١) ١ وهو بدلالته على معناه مزيدًا عليه التعجب مع المدح أو الذم الخاصين، يختلف عن: "نعم وبئس" –كما شرحنا-. ٢ ما ليس في أصوله حرف علة. أما المعتل فتجيء أحكامه في ص٣٩٢. ٣ مضعف الثلاثي ما كانت عينه ولامه من جنس واحد. "وسيجيء الكلام على تحويل المضعف في ص٣٩٠". ٤ انظر ما يختص بتحويل الأفعال: "علم، جهل، سمع" إلى: "فعل" في رقم ٤ من هامش الصفحة السالفة.
[ ٣ / ٣٨٦ ]
عينه المضمومة، كما يجوز تسكين عينه بعد نقل حركتها "وهي الضمة"، إلى أوّله؛ فنقول في الصورتين الأخيرتين: "فهم المتعلم، عدل الحاكم، جهل المهمل، حسد الأحمق" أو: "فهم، عدل، جهل، حسد١".
وإذا تم تحويل الفعل على الوجه السالف صار بمنزلة: "نعم، وبئس" في الجمود، وفي أصل دلالتهما وهي مجرد المدح والذم –مع مراعاة الفوارق بينهما٢-، ويجري عليه من الأحكام النحوية المختلفة ما يجري عليهما؛ فيحتاج إلى فاعل من نوع فاعلهما الذي سبق بيانه، وقد يحتاج إلى تمييز، وإلى "مخصوص" كما يحتاجان. ويسري على فاعله وتمييزه ومخصوصه. كل الأحكام التي تسري حين يكون الفعل: "نعم أو بئس". فإذا قلت في المدح: فهم المتعلم حامد، وفي الذم: خبث الماكر سعيد، فكأنك قلت: نعم الفاهم حامد، وبئس الماكر سعيد مع ملاحظة الفرق المعنوي الذي أوضحناه.
وهكذا يُطبق على الفعل الصحيح الثلاثي غير المضعف٣، بعد تحويله إلى: "فعل" جميع ما يطبق على: "نعم وبئس"، ويخضع النوعان لأحكام واحدة ما عدا بعض الفروق المعنوية السالفة وبعض فوارق في فاعله٤ وستأتي.
_________________
(١) ١ بالرغم من جواز الأمرين تسكين العين على الوجه السالف، أو نقل حركتها إلى أول الفعلين يحسن تركهما اليوم في استعمالاتنا، وعدم الالتجاء إلى استخدامها قدر الاستطاعة، وحسبنا الاستعانة بهما على فهم الوارد المسموع، دون محاكاته؛ فرارًا من الغموض الشديد، واللبس القوي كما سبقت الإشارة في رقم ١ من المسموع، دون محاكاته؛ فرارًا من الغموض الشديد، واللبس القوي كما سبقت الإشارة في رقم ١ من هامش ص٣٨٤-. ٢ من الفوارق ما يأتي في الزيادة ص٣٨٨ وهي مختصة بالفاعل، وأن المدح والذم بصيغة الفعل الذي تم تحويله خاصان، وليسا عامين، وأنهما يتضمنان التعجب، بخلافهما مع: "نعم وبئس". حيث يقتصر معناهما على المدح العام، والذم العام، فلا يتضمنان تعجبًا. ٣ سيجيء الكلام على المضعف في ص٣٩٠. ٤ في الزيادة ص٣٨٨.
[ ٣ / ٣٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- تبين مما تقدم١ أن الفعل الذي يتم تحويله إلى "فعل" على الوجه المشروح إنما يدل –فوق معناه اللغوي الأصيل– على مدح خاص أو ذم خاص، وأنه لا بد من إشرابه معنى "التعجب" في الحالتين. وبالتخصيص فيهما والتعجب يخالف "نعم وبئس"؛ لأن معناهما المدح العام والذم العام ولا يتضمنان تعجبًا.
ب- وينفرد "فاعل" الفعل الذي تم تحويله بأمور لا تكون في فاعل: "نعم وبئس".
منها: صحة وقوعه اسمًا ظاهرًا خاليًا من "أل" ومما يشترط في فاعل نعم،٢ نحو: قوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾، ومثل عدل عمر.
ومنها: كثرة جره بالباء الزائدة إن كان اسمًا ظاهرًا، فيجر لفظًا ويرفع محلًا، نحو: حمد بالجار معاشرة، وسعد بالرفيق مزاملة. أي: حمد الجار معاشرة، وسعد الرفيق مزاملة.
ومنها: صحة رجوعة –إن كان ضميرًا– إلى شيء سابق عليه؛ فيطابقه حتمًا. أو إلى التمييز المتأخر عنه فلا يطابقة. وتقول: الأمين وثق رجلًا؛ ففي الفعل: "وثق" ضمير يجوز عودته على: "الأمين" المتقدم، أو: على التمييز: "رجلًا" المتأخر عنه، ولهذا الرجوع إلى أحدهما أثره في المطابقة بين الفاعل الضمير ومرجعه؛ إذ عند رجوعه للسابق تجب مطابقته فنقول: الأمينان وثقا رجلين –الأمناء وثقوا رجالًا –الأمينة وثقت فتاة –الأمينتان وثقتا فتاتين –الأمينات وثقن فتيات. أما عند عودته إلى التمييز المتأخر فلا تصح المطابقة، بل يلتزم الإفراد والتذكير؛ شأنه في هذا شأن فاعل "نعم وبئس" إذا كان ضميرًا مستترًا، فنقول في كل الصور السالفة: "وثق" بغير إدخال تغيير عليه يدل على تأنيث، أو تثنية، أو جمع.
وفيما سبق يقول: "ابن عقيل والأشموني" وحاشيتاهما، عند شرحهما لكلمة: "مسجلًا" في آخر بيت ابن مالك الذي نصه: -كما سبق في ص٣٨٢".
_________________
(١) ١ في ص٣٨٤ وما بعدها. ٢ راجع رقم ٢ ص٣٦٩.
[ ٣ / ٣٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
"واجعل كبئس ساء. واجعل "فعلًا" من ذي ثلاثةٍ كنعم مسجلًا".
إن معناها هو: مطلقًا عن التقييد بحكم دون آخر ثم قال الخضري ما نصه١:
"لكن "فعل" يخالف "نعم وبئس" في ستة أمور:
اثنان في معناه: إشرابه التعجب، وكونه للمدح الخاص –أو للذم الخاص٢ – "واثنان في فاعله الظاهر؛ جواز خلوه من "أل" نحو: وحسن أولئك رفيقًا، وكثره جره بالياء الزائدة، تشبيهًا بأسمع بهم؛ كقولهم:
حبّ بالزور٣ الذي لا يرى منه إلا صفحة أو لمام٣
"واثنان في فاعله المضمر؛ جواز عوده ومطابقته لما قبله؛ ففي: "محمد كرم رجلًا" يحتمل عود الضمير إلى: "رجلًا" كما في نعم، وإلى "محمد" كما في فعل التعجب، لتضمنه معناه. وتقول: المحمدون كرم رجالًا - على الأول٤ وكرموا رجالًا على الثاني٥ فقول المصنف: "كنعم مسجلًا" ليس على سبيل الوجوب في كل الأحكام. والكلام في غير "ساء". أما "ساء" فيلازم أحكام "بئس " ا. هـ كلام الخضري.
ج- بمناسبة ما تقدم يقول الصرفيون إن أبواب الفعل الثلاثي المستعملة أصلة -بحسب حركة العين في الماضي والمضارع- ستة، الخامس منها هو باب: "فعل يفعل" بضم العين فيهما معًا؛ كحسن يحسن، وشرف يشرف أو كرم يكرم و ويردفون كلامهم بتقرير أمرين٦:
أولهما: أن هذا الباب "الخامس" مقصور في أصله على الأوصاف الفطرية والسجايا الخلقية الدائمة أو التي تلازم صاحبها زمنًا طويلًا.
ثانيهما: صحة تحويل كل فعل ثلاثي من الأبواب الأخرى إلى هذا الباب ليدل الفعل بعد هذا التحويل على أن معناه صار كالغريزة والسجية في صاحبه.
_________________
(١) ١ وهو المفهوم أيضًا من كلام الأشموني والصبان. ٢ انظر الصبان في هذا أيضًا. "٣، ٣" سيعاد البيت مشروحًا في ص٣٩١ لمناسبة هناك. ٤ أي: على التقدير الأول الذي يعود فيه الضمير المستتر على التمييز بعده بغير أن يطابقه، فيظل الضمير مفردًا، مذكرًا. ٥ أي: على التقدير الثاني الذي يرجع فيه الضمير المستتر إلى مرجع قبله فيطابقه. ٦ سجلهما صاحب شذا العرف في أول كتابه ص١٨ عند كلامه على: الباب الخامس من "التقسيم الثالث للفعل بحسب التجرد والزيادة".
[ ٣ / ٣٨٩ ]
ج- فك الإدغام إن كان الفعل: "مضعفًا"، مثل: فر، لح ويرد إلى أصله قبل الإدغام، فيصير: فرر١، لجج٢، ثم يحول إلى: "فعل": فيصير: فرر، لجج ثم يعود إلى الإدغام، فيصير كما كان٣: "فر"، لج، تقول في الذم –مثلًا– فر الرجل جبانًا، لج القط مواء، أو: فر بالرجل جبانا، لج بالقط مواء.
ويجوز حذف الفتحة في أول الفعل لتحل مكانها الضمة التي في عين الفعل عند تحويله إلى: "فعل"، وتسكن عين الفعل٤؛ فتصير الجملة: فر الرجل جبانًا، لج القط مواء، أو: فر بالرجل جبانًا، لج بالقط مواء.
ومن المضعف الذي تجري عليه هذه القواعد الفعل؛ "حب"٥ عند تحويله إلى: "فعل" بقصد المدح، بشرط ألا يكون فاعله كلمة: "ذا" في مثل: "ذا" في مثل: "حبذا" لأن "حب" في هذه الصورة المركبة مع "ذا" يجب فتح الحاء فيها، وبقاء "ذا" على حالها من الإفراد والتذكير في كل الأساليب، مهما كان حال الممدوح من ناحية إفراده، وعدم إفراده. وتذكيره أو تأنيثه، كما يجب في هذه الصورة أيضًا وصل الفعل: "حب" بفاعله: "ذا" كتابة، وتركيبهما معًا تركيبًا خطيًا كما سبق٦.
أما إن كان الفاعل اسمًا ظاهرًا غير كلمة "ذا" فإن الفعل "حب" يخضع لما أشرنا إليه؛ من فتح الحاء أو ضمها، كما يجري على فاعله الأحكام الخاصة بالمحول، والتي أوضحناها. تقول حب الجندي رجلًا، أو: حب بالجندي رجلًا. ومنه قول الشاعر:
_________________
(١) ١ من باب: ضرب. ٢ من باب: تعب. ٣ ويكون التمييز بين دلالتي الفعل بالقرائن الأخرى؛ فهي التي تدل على أنه باقٍ يؤدي معناه الأصلي، أو أنه انتقل إلى "فعل" ليؤدي معنى المدح أو الذم. ٤ كما سبق في ص٣٨٧. ٥ تفصيل الكلام عليها في ص٣٨٠. ٦ في رقم ٢ من هامش ص٣٨٠ وفي رقم ٣ من هامش ص٣٨٢.
[ ٣ / ٣٩٠ ]
حب١ بالزور٢ الذي لا يرى منه إلا صفحة٣ أو لمام٤
وهكذا٥
_________________
(١) ١ بضم الحاء أو فتحها؛ طبقًا لما شرحناه –وقد سبق البيت لمناسبة أخرى في ص٣٨٩- ٢ الزور: "يستوي فيه المفرد وغيره"، ومعناه الزائر. ٣ صفحة الشيء: جانبه. ٤ جمع لِمّة "بكسر اللام وتشديد الميم"، وهي شعر الرأس الذي يصل إلى شحمة الأذن. ٥ وإلى ما سبق من الكلام على تحويل الفعل إلى "فعل" على الوجه الذي شرحناه يقول ابن مالك بيتًا مختصرًا –سبقت الإشارة إليه "في هامش ص٣٨٢"؛ هو: واجعل كبئس "ماء" واجعل "فعلًا" من ذي ثلاثة كنعم، مسجلًا "مسجلًا: حرًا لا يعوقه ولا يقيده قيد". يطلب أن تكون: "ساء" مثل: "بئس" في معناها وأحكامها. وأن يكون "فعل" "وقد زاد في آخره ألفًا لوزن الشعر"، من كل فعل ثلاثي، مثل: "نعم" في معناها، وفي أحكامها، من غير تقييد يجعل بينهما فرقًا فيما سبق. هذا رأيه وليس غرضه "نعم" وحدها، وإنما مثلها: "بئس" أيضًا. والحق أن هناك فروقًا، بين "نعم" وهذا الفعل المحول وقد سردناها في ص٣٨٩. أما "ساء" فالخلاف شديد فيه؛ أهو مثل: "بئس" تمامًا في المعنى والأحكام، أم هو مثلها في المعنى، ولكنه في الأحكام كالأفعال المحولة؟ وقد أوضحنا كل ذلك في الشرح.
[ ٣ / ٣٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
إن كان الفعل المراد تحويله معتل "الفاء" مثل: وثق، وفد فحكمه حكم الصحيح. وإن كان معتل العين بالألف. مثل: صام، هام، نام، بقي على حاله، وقدر فيه التحويل تقديرًا عقليًا محضًا عند وجود قرينة تدل على قصد المدح أو الذم؛ ليكون لهذا التقدير أثره الواقعي في الفاعل، وفي المخصوص ، وإن شئت فقل: إن حكمه هو حكم الصحيح أيضًا مع نية التحويل الذي ترشد إليه القرينة. ويدخل في هذا النوع الفعل: "ساء" فيصح أن يلاحظ فيه التحويل عند قيام قرينة؛ فيستعمل استعمال الأفعال التي تحولت، ويصح ألا يلاحظ فيه ذلك؛ لأنه موضوع في أصله للذم العام الصريح١ مثل: "بئس"؛ فتجري عليه أحكام "بئس" من نواحيها المختلفة.
وإن كان الفعل معتل اللام –فقط– بالواو، أو بالألف التي أصلها الواو: مثل: سرو٢، غزا ظهرت الواو في الكلام مفتوحة وقبلها الضمة، ولو لم تكن الواو موجودة من الأصل ويجوز تسكين ما قبل الواو مباشرة٣؛ فنقول: سَرُوَ، غَزُوَ، أو: سَرْوَ، غَزْو.
وإن كان الفعل معتل اللام بالياء؛ نحو: خشي، ورمي٤، قلبت الياء واوًا قبلها ضمة، ويجوز تسكين ما قبلها٣؛ فتصير: خَشُوَ، أو خَشْوَ، رمُوَ، أو رَمْيَ.
وإن كان الفعل معتل العين واللام معًا، وحرف العلة فيهما هو "الواو"؛ مثل: قَويَ "من القوة، أصله: قوو"، فإن الواو الأولى تتحرك بالكسرة؛ فقلبت بعدها الواو الثانية ياء؛ فتصير؛ "قوي" فكأن الفعل بقي على حاله.
وإن كان معتل العين واللام معًا بالواو فالياء، نحو: شوى: قلبت الياء
_________________
(١) ١ كما سبق في ص٣٨٠. ٢ سرو الرجل: صار سريًا، أي: غنيًا شريفًا. "٣، ٣" راجع التصريح "عند الكلام على: "حبذا" آخر هذا الباب" وكذا الخضري. ٤ لأن الألف التي في آخر الفعل أصلها ياء.
[ ٣ / ٣٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عند التحويل واوًا، لوقوعها متطرفة بعد ضمة، ثم أدغمت الواو في الواو، فتصير: "شو". ويجوز عدم القلب واوًا فتبقي الياء مع تسكين ما قبلها فتقول: شوي. وكذلك نقول في قوي: قوى، ولا يجوز القلب والإدغام في هذه الحالة لأن السكون ليس أصليًا.
وإن كان معتل العين واللام معًا بالياء؛ نحو: حيَّ، وعيَّ لم يصح تحويله١
هذا ملخص ما جاء في المطولات المتداولة خاصًا بتحويل الفعل المتعل مع تعدد الآراء، وشدة الخلاف فيه. ولا أعرف أن النحاة نقلوا لأكثر هذه الصور أمثلة مسموعة تؤيد كلامهم. فهل هي صور خيالية تدريبية؟
لا يحسن اليوم استعمال شيء منها؛ سواء أكانت خيالية محضة أم لها مسموع يؤيدها؛ لأنها ثقيلة، مجافية للأسلوب الأدبي الرفيع، والذوق البلاغي السائغ. وفي الميادين اللغوية الأخرى ما يغني عنها تمامًا –كما أشرنا من قبل٢.
_________________
(١) ١ راجع الهمع، وشرح التصريح في باب: "نعم وبئس" عند الكلام على تحويل الثلاثي إلى: "فعل". وكذلك الصبان في هذا الموضع، ثم حاشية ياسين على شرح التصريح في أول باب التعجب. ٢ في رقم ١ من هامش ص٣٨٤ وفي رقم ١ من هامش ص٣٨٧.
[ ٣ / ٣٩٣ ]
المسألة ١١٢: أفْعَلُ التفضيل ١
يتضح معناه من الأمثلة الآتية:
إن كلمة: "أكبر" –في المثال الأول– تدل على أمرين معًا؛ هما: اشتراك الشمس والأرض في معنى معين؛ هو: "الكبر"، وأن الشمس تزيد على الأرض في هذا المعنى.
وكلمة: "أقدم" –في المثال الثاني– تدل على أمرين معًا؛ هما: اشتراك الأهرام والقاهرة في معنى معين؛ هو: "القدم" وأن الأهرام تزيد عليها في هذا المعنى.
وكلمة: "أوسع" –في المثال الثالث– تدل على اشتراك المحيطات واليابسة في معنى معين؛ هو: السعة، والمحيطات تزيد عليها فيه
ومثل هذا يقال في الباقي وفي نظائره.
فكل كلمة من هذه الكلمات المشتقة -ونظائرها- تسمى: "أفعل
_________________
(١) ١ ربما كان الأنسب أن يذكر مع المشتقات. ولكنا وضعناه هنا اتباعًا لترتيب ابن مالك في: "ألفيته". ٢ جمع: هرم؛ بناء فرعوني قديم، له شكل هندسي؛ خاص. ٣ الماضي: سرع، مثل: صغر.
[ ٣ / ٣٩٤ ]
التفضيل١" وتعريفه: "أنه اسم، مشتق، على وزن: "أفعل" يدل –في الأغلب٢– على أن شيئين اشتركا في معنى، وزاد أحدهما على الآخر فيه". فالدعائم أو الأركان التي يقوم عليها التفضيل الاصطلاحي –في أغلب حالاته– ثلاثة:
١- صيغة: "أفعل"، وهي اسم، مشتق.
٢- شيئان يشتركان في معنى خاص.
٣- زيادة أحدهما على الآخر في هذا المعنى الخاص.
والذي زاد يسمى: "المفضل"، والآخر يسمى: "المفضل عليه"، أو: "المفضول". ولا فرق في المعنى والزيادة فيه بين أن يكون أمرًا حميدًا، أو ذميمًا٢.
وبدل أفعل التفضيل -في أغلب صوره– على الاستمرار والدوام٣، ما لم توجد قرينه تعارض هذا، فشأنه في الدوام والاستمرار شأن الصفة المشبهة على الوجه المشروح في بابها٤.
طريقة صياغته:
يصاغ "أفعل التفضيل" من مصدر الفعل الذي يراد التفضيل في معناه، بشرط أن يكون هذا الفعل مستوفيًا كل شروط "التعجب" التي عرفناها٥ في
_________________
(١) ١ هذه التسمية اصطلاحية، أي: الصيغة التي على وزان: "أفعل"؛ لتدل على التفضيل أو المفاضلة؛ "وهي: الزيادة في أمر حسن أو قبيح؛ كما سيجيء عند تعريفه". أما "التفضيل" غير الاصطلاحي فليس له ضوابط معينة، وإنما هو متروك لبراعة المتكلم، ومقدرته البلاغية التي تمكنه من اختيار الألفاظ والأساليب الدالة على المفاضلة بين شيئين في أمر، وزيادة أحدهما على الآخر في هذا الأمر، من غير استخدام الطريقة الاصطلاحية. "٢، ٢" في الزيادة والتفصيل ص٤٠٦ بيان مفيد عن المقصود بالاشتراك، وعن الزيادة، وأن "أفعل" التفضيل قد يفيد البعد لا الاشتراك، ثم أمور أخرى هامة. ٣ نص على هذا صاحب التسهيل "راجع هامش ص٢٣٨". ٤ في ص٢٨١ م١٠٤. ٥ ص٣٤٩.
[ ٣ / ٣٩٥ ]
بابه "بأن يكون فعلًا ثلاثيًا١، متصرفًا، تامًا، مبنيًا للمعلوم٢ و و و" فالشروط التي يجب توافرها لصياغة "أفعل التفضيل" هي –نفسها– الشروط التي لا بد من توافرها لصوغ "فعلي التعجب"؛ مثل الأفعال: سمع، عدل، فهم، بعد، بقي، خبث و ومن الأخيرين جاء: "أبقى –وأخبث" في قول الشاعر:
الخيرُ أبقى٣، وإن طال الزمان به والشر أخبث ما أوعيت من زاد
فإن كان الفعل غير مستكمل الشروط، وكان السبب هو جموده أو عدم قبول معناه للمفاضلة "كالفعل: مات، فنى، عدم " لم يجز التفضيل منه مطلقًا؛ "بطريق مباشر، أو غير مباشر"؛ لأنه بجموده لا مصدر له٤ ولأنه بعدم قبوله المفاضلة يفقد الأساس الذي يقوم عليه التفضيل في أغلب حالاته.
أما إن كان السبب فقد شرط آخر غير الشرطين السابقين فإن٤ صياغة "أفعل" تمتنع من مصدره مباشرة٥، وتصاغ –كالتعجب– من مصدر
_________________
(١) ١ إن كان الفعل رباعيًا على وزن: "أفعل" ففيه الخلاف السابق في التعجب ص٣٤٩. ومن المسموع الذي فعله رباعي قولهم: "هو أعطاهم للدراهم، وأولاهم بالمعروف". وهذان شاذان عند من يمنع ذلك مطلقًا، وعند من يمنعه إذا كانت الهمزة للنقل. أما قولهم: هذا المكان أقفر من غيره فشاذ عند من يمنعه مطلقًا، لأن همزته ليست للنقل. ٢ مع ملاحظة الخلاف في أمر المبني للمجهول، ونتيجته، وأثر ذلك في الحكم؛ على الوجه الذي سبق تمحيصه في ص٣٥٠ مع الرجوع إلى البحث الهام الذي يعارض أن يكون في اللغة العربية أفعال ملازمة البناء للمجهول دائمًا "وقد تقدم في ج٢ م٦٧ ص١٠٢". ٣ أصل الكلام: أبقى من غيره، فالمفضل عليه محذوف؛ طبقًا لما سيجيء في ص٤٣٠. "٤، ٤" يرى بعض النحاة أن الفعل المنفي كالجامد لا يجيء منه التفضيل مطلقًا –بطريقة مباشرة أو غير مباشرة– لأن المصدر المؤول يكون في حالة النفي معرفة؛ فلا يصح أن يكون تمييزًا لكن التحقيق صحة مجيء التفضيل فيه بالطريقة غير المباشرة؛ إما لصحة مجيء كلمة: "عدم" قبله وإما لصحة تنكير، فليس من اللازم أن يكون معرفة في كل الأحوال. ٥ ومن الشاذ استعمال كلمتي: "خير" و"شر" في التفضيل؛ لأن صيغتهما الحالية الظاهرة تخالف صيغته، نحو: الكسب القليل خير من البطالة، والبطالة شر من المرض. وقولهم: "خير الناس أنفعهم للناس، وشرهم أقربهم إلى الإساءة والعدوان" وقول الشاعر: إذا كان وجه العذر ليس ببيّن فإن اطراح العذر خير من العذر ويقول الآخر: =
[ ٣ / ٣٩٦ ]
فعل آخر مناسب للمعنى، مستوفٍ للشروط، ويوضع بعد صيغة "أفعل" مصدر الفعل الأول –الذي لم يكن مستوفيًا للشروط- منصوبًا على التمييز. فمثلًا الفعل: تعاون، لا يصاغ من مصدره "أفعل" التفضيل مباشرة؛ لأنه فعل خماسي؛ فنصوغه بطريقة غير مباشرة" بأن نأخذه من مصدر فعل آخر مناسب "مثل: كَبِر، كَشُر، نفع" ونجعل بعده مصدر الفعل
_________________
(١) = وشر العالمين ذوو خمول إذا فاخرتهم ذكروا الجدودا وخير الناس ذو حسب قديم أقام لنفسه حسبًا جديدًا أي: أخيرًا وأشر؛ حذفت همزتها لكثرة الاستعمال حذفًا شاذًا. ومن الجائز إرجاعها عند استعمالهما، فقد ورد الكلام الفصيح مشتملًا عليها. وفعلهما المسموع "خار يخير، وشر يشر" ويرى بعض اللغويين أنهما اسمان جامدان لا فعل لواحد منهما فمجيء التفضيل منهما شاذ عنده. ففيهما على هذا الرأي شذوذان صوغهما من الجامد، وسقوط همزتهما. أما على الرأي الأول –وهو الصحيح– ففيهما شذوذ واحد؛ هو سقوط همزتهما، لأن لكل منهما فعلًا وقد اجتمع في آية قرآنية استعمال كلمة "خير" لغير التفضيل، ثم للتفضيل، في قوله تعالى: ﴿ إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ . ومثلهما في حذف الهمزة شذوذًا: "حب" في قول القائل: "وحب شيء إلى الإنسان ما منعا"، أي: أحب شيء. وجاء في ص٦٠ من مجلة المجمع اللغوي القاهري: "عدد البحوث والمحاضرات التي ألقيت في مؤتمر الدورة الثلاثين، لسنة ١٩٦٣-١٩٦٤" ما نصه على لسان أحد الأعضاء: "قالوا إن الهمزة حذفت في التفضيل من كلمتي: "خير وشر" لكثرة الاستعمال، وذلك ادعاء لا دليل عليه، ولا يتناسب مع معاني لفظي: "خير وشر" لأنهما يفيدان التفضيل أو الزيادة بماتهما، كما تفيد ذلك ألفاظ كثيرة بوضعها اللغوي: مثل زائد، وناقص، وعالٍ، وسافل وإن استعمال هاتين الكلمتين في معنى "أفعل" إنما كان على معنى الاستغناء بهما عن بناء وزن "أفعل" من مادتهما؛ لأن قصد المفاضلة الذي يصاغ له "أفعل" قد حصل من أصل المادة حيث لو بنى منها وزن "أفعل" لكان تحصيلًا للحاصل، أو تفضيلًا على تفضيل، وهذا هو ظاهر كلام ابن مالك في الكافية" ا. هـ. ولا أثر لهذا الرأي يترتب عليه حكمًا خاصًا. سوى الحكم بمنع استعمال: "أخير، وأشر" بغير حجة قوية؛ إذ كيف يمتنع استعمالهما ولكل منهما فعل ثلاثي يصح صوغ التفضيل من مصدره قياسًا كسائر الأفعال الثلاثية الصالحة لذلك؟ وأيضًا فاللفظان مسموعان بصيغة التفضيل ولا اعتراض على استعمال الكلمة المسموعة بنصها الوارد. وفوق هذا فالكلمات التي سبقت هنا لتأييد المنع "ومنها: زائد ناقص، عالٍ، سافل.." كلمات يصح صوغ التفضيل من مصادرها قطعًا. فلا دليل فيها على المنع وشذ كذلك صوغ "أفعل" من اسم العين، "أي: من الاسم الدال على ذات، وشيء مجسم" فقد ورد: هو أحنك البعيرين" أي: أكثرهما أكلا؛ فبنوا "أفعل" من شيء مجسم: هو، الحنك. كما شذ قولهم: هذا الكلام أخصر من ذاك فبنوه من الفعل: "اختصر" المبني للمجهول، الزائد على ثلاثة؛ فاجتمع فيه شذوذان.. وهكذا،.. وكل ما جاء مخالفًا للشروط فإنه يحكم عليه بالشذوذ؛ فيستعمل كما ورد من غير أن يقاس عليه غيره.
[ ٣ / ٣٩٧ ]
الأول "وهو التعاون" تمييزًا منصوبًا؛ فنقول: فلان أكبر تعاونًا من أخيه، أو: أكثر تعاونًا، أو: أنفع تعاونًا، أو: أقل. أو: أضعف، أو ما شاكل هذا مما يساير المعنى.
والفعل: "خضر" لا يصاغ من مصدره مباشرة "أفعل" للتفضيل؛ لأنه يدل على لون ظاهر؛ فنصوغه –بالطريقة السالفة، "غير المباشرة"– من مصدر فعل آخر مناسب، ونجعل بعد "أفعل" مصدر الفعل الأول، وهو: "الخضرة" منصوبًا على التمييز. فنقول: ورق الليمون أشد خضرة من ورق القصب١.
_________________
(١) ١ ومن المسموع من الألوان: "أسود من حلك الغراب" –"أبيض من اللبن"، وكل هذا الشاذ عندهم؛ يحفظ ولا يقاس عليه. وحكم الشذوذ هنا غير مفهوم ما دامت الكلمة نفسها قد استعملت صيغتها نصًا في المفاضلة اللونية؛ فهل يراد عدم التوسع في استعمالها في سواد شيء أو بياض شيء غير الشيء الذي وردت فيه نصًا؟ نعم، وهذا تضييق لا داعي له. بل إن منع التفضيل من كل ما يدل على لون تضييق لا داعي له أيضًا، ولا سيما بعد ورود السماع به واشتداد الحاجة إلى القياس على ذلك الوارد، بسبب ما كشف عنه العلم في عصرنا، ودلت عليه التجربة الصادقة من تعدد الدرجات في اللون الواحد، وفي العاهة الواحدة، وتفاوتها تفاوتًا واسع المدى كالمعروف اليوم في البياض، والحمرة، والخضرة، والسواد وسائر الألوان. وكذلك المعروف عند الأطباء في العاهات، كعاهة العمى -مثلا– فمنه عمى الألوان، وعمى الضوء و وكذا أكثر العاهات. وكل ما سبق يقتضي التفضيل بين درجات اللون الواحد –أحيانًا– والعاهة الواحدة أو العيب الواحد أيضًا. ومثل هذا يقال في التعجب –كما سبق في بابه-. والحجة التي يحتجون بها لمنعه –"وهي: أن صيغة الصفة المشبهة القياسية للألوان؛ فيلتبس الأمر بين المعنيين" –حجة واهية يكن دفعها بالقرائن، ومنها: "من" الداخلة على المفضل عليه في مثل: فلان أبيض من فلان، وهذا الزرع أخضر من ذاك؛ فيكاد يمتنع اللبس في هذا النوع من التفضيل الذي يشتمل أسلوبه على كلمة: "من" هذه. نعم قد تشتبه أحيانًا بكلمة: "من البيانية" ولكن هذا الاشتباه يمكن دفعه أيضًا، والتغلب عليه بالقرينة التي تزيله. وكذلك الشأن في النوعين الآخرين من أنواع "أفعل التفضيل" وهما: المقرون بأل"، و"المضاف" فإن احتمال اللبس فيهما قليل، وهو على قلته مما يمكن دفعه بالقرينة التي تحدد الغرض، وتوجه –في كل ما سبق– إلى أحد المعنيين دون الآخر؛ كما يحصل في غير هذا الباب، وبخاصة بعد موافقتهم على قياسية المعنوي "الذي سيجيء الكلام عليه بعد هذا مباشرة"، ومن ثم كان المذهب الكوفي الذي يبيح الصياغة من الألوان والعيوب والعاهات أقرب للسداد واليسر. وعليه قول المتنبي: -وهو كوفي –في الشيب: اِبْعَدْ، بَعِدْت بياضًا لا بياض له لأنت أسود في عيني من الظلم =
[ ٣ / ٣٩٨ ]
والفعل: عرج، لا يصاغ –مباشرة– من مصدره "أفعل"؛ لأنه فعل يدل على عيب ظاهر، وإنما نصوغ "أفعل" بالطريقة السالفة "غير المباشرة"؛ فنقول: هذا الفتى أوضح عرجًا من غيره.
وبهذه المناسبة نذكر أن الأفعال الدالة على الألوان والعيوب لا يصاغ من مصدرها "أفعل التفضيل" مباشرة إذا كانت الألوان والعيوب حسية ظاهرة. أما إن كانت معنوية داخلية فيصح أن يصاغ منها مباشرة؛ مثل: فلان أبله من فلان، أو: أحمق من فلان، أو: أرعن منه، أو: أهوج منه، أو: أخرق منه، أو أعجم منه، أو: أبيض سريرة منه، أو: أسود ضميرًا منه و و١،.
يتبين من كل ما تقدم أننا نتوصل بالطريقة "غير المباشرة" إلى التفضيل إذا فقد الفعل المتصرف القابل للمفاضلة، بعض الشروط الأخرى –ولا مانع من استخدام هذه الطريقة أيضًا مع الفعل المستوفي– وهي نفسها التي أوصلتنا إلى التعجب مما لم يستوف فعله بعض الشروط. وقد سبق شرحها في بابه فنستعين بها هنا على الوجه السالف لتوصلنا إلى التفضيل كذلك.
_________________
(١) = جاء في شرح العكبري لديوان المتنبي "ج٤ ص٣٥" عند شرح البيت السالف ما نصه: "وما قول أصابنا الكوفيين في جواز "ما أفعله"، في التعجب من البياض والسواد خاصة من دون سائر الألوان فالحجة لهم في مجيئة؛ نقلًا وقياسًا. فأما النقل فقول طرفة، وهو إمام يستشهد بقوله: إذا الرجال شتوا واشتد أكلهمو فأنت أبيضهم سربال طباخ فإذا كان يرتضى قوله فالأولى أن يرتضى قوله في كل ما يصدر منه، ولا ينسب هذا إلى شذوذ وقول الآخر: جارية في درعها الفضفاض أبيض من أخت بني إباض وأما القياس فإنما جوزناه في السواد والبياض لكونهما أصل الألوان ومنهما يتركب سائر الألوان. إذا كانا هما الأصلين للألوان كلها جاز أن يثبت لهما ما لم يثبت لسائر الألوان" ا. هـ. والحق أن الاقتصار على هذين اللونين لا معنى له بعد ما قدمنا. "انظر رقم ٢ من هامش ص٣٥١". ١ راجع حاشية "ياسين" على شرح التصريح، أول باب: "أفعل التفضيل".
[ ٣ / ٣٩٩ ]
ومما تجب ملاحظته: أن صيغة "أفعل التفضيل"، ومعناها، وأحكامها، تختلف اختلافًا كثيرًا عن صيغتي "التعجب" ومعناهما، وأحكامهما في أمور عرضنا لها هنا وهناك. ومنها: أن المصدر هنا ينصب على اعتباره، تمييزًا، وينصب هناك على اعتباره مفعولًا به١
ومتى تمت صيغة؛ "أفعل" على الوجه السالف صارت اسمًا جامدًا؛ ويترتب على جموده أمران:
أولهما: ألا توجد له صيغة أخرى تدل على التفضيل الاصطلاحيّ؛ فليس له بعد هذه الصياغة ماض، ولا مضارع، ولا مصدر، ولا اسم فاعل ولا اسم مفعول ولا شيء آخر من المشتقات أو غير المشتقات؛ لأن التفضيل الاصطلاحي مقصور على صيغة: "أفعل" وحدها وهي جامدة؛ كما أوضحنا، ولا يتقدم عليها شيء من معمولاتها –طبقًا لما يلي٢-.
_________________
(١) ١ وفي صياغة "أفعل" يقول ابن مالك في باب خاص عقده باسمه: صغ من مصوغ منه للتعجب: "أفعل" للتفضيل، وأب اللذ أبي أي: صغ "أفعل" الدلالة على التفضيل من مصدر الفعل الذي يصاغ منه التعجب. وامنع هنا الصياغة من مصدر الفعل الذي منع الصوغ منه هناك "فمعنى: ائب اللذأبي: امنع الذي منع" ثم قال: وما به إلى تعجب وصل لمانع به إلى التفضيل صل يريد: ما يتوصل به –من طريق غير مباشر بسبب مانع يمنع التعجب المباشر– صل به إلى التفضيل عند وجود مانع. ٢ وهذا حكم في كل العوامل الجامدة –كما سبق في ص٣٥٧، وفي رقم ٢ من هامشها– إلا بعض حالات معدودة نصوا عليها في مواضعها الخاصة بمناسباتها، ومنها الحالة الآتية في ص٤٠١ وأخرى في هامش ص٤٠٤ توجب التقدم. ومنها: جواز التقديم على "أفعل التفضيل" للضرورات الشعرية –ونحوها مما يدخل في حكم الضرورة– إذا كان معموله شبه جملة، كالذي في قول القائل: وللحلم أوقات وللجهل مثلها ولكن أوقاتي إلى الحلم أقرب والأصل: أقرب إلى الحلم.. "والجهل هنا: الغضب والانتقام".
[ ٣ / ٤٠٠ ]
ثانيهما: ألا يتقدم عليه –في حالة الاختيار- شيء من معمولاته، إلا حالة واحدة١ سيجيء الكلام عليها في القسم الأول الآتي.
أقسامه، وحكم كل قسم:
هو ثلاثة أقسام:
١- مجرد من "أل" والإضافة.
٢- مقترن "بأل".
٣- مضاف.
فأما القسم الأول المجرد من "أل" والإضافة فمثل: "أفضل"، و"أنفع" في قول بعضهم لظريف: لا أدري! أجدك أفضل من مزحك، أم مزحك أنفع من جدك. ومثل: "أحسن" في قول الشاعر:
وإني رأيت الضر أحسن منظرًا من مرأى صغير به كبر٢
وحكم هذا القسم أمران:
١- وجوب إفراده وتذكيره في جميع حالاته.
٢- ووجوب دخول "من" جارة للمفضل عليه "أي: للمفضول".
أ- فأما الأمر الأول "وهو: وجوب إفراده وتذكيره". فيقتضي أن تكون صيغته واحدة في كل استعمالاته ولو كان مسندًا لمؤنث، أو لمثنى، أو لجمع، فلا بد أن تلازم هذه الحالة دائمًا؛ نحو: الجمل أصبر من غيره على العطش –الجملان أصبر من غيرهما - الجمال أصبر من غيرها
_________________
(١) ١ في ص٤٠٣ رقم ٢ وهناك حالة أخرى سبق عرضها موضحة مفصلة "في باب "الحال" ج٢ م٨٤ ص٣٠٣ "د". وكذلك في رقم ٣ من هامش ص٣٠٠ من ذلك الجزء والباب" وملخصها: وهذا الملخص لا يغني عن الأصل السابق –أن أفعل التفضيل قد يقضي حالين؛ أحداهما تدل على أن صاحبها في طور من أطواره أفضل من نفسه أو غيره في الحال الأخرى. فالأحسن أن تتقدم إحداهما على عاملها "وهو أفعل التفضيل" وتتأخر الثانية عنه؛ نحو: الحقل قطنا أنفع منه قمحًا –الفدان عنبًا أحسن منه قطنًا– المتعلم تاجرًا أقدر منه زراعًا. وأجاز بعض النحاة تأخير الحالين معًا عن أفعل التفضيل بشرط أن تقع بعده الأولى مفصولة من الثانية بالمفضل عليه راجع ج٢. ٢ ومثل قول الشاعر: الموت أحسن بالنفس التي ألفت عز القناعة، من أن تسأل القوتا
[ ٣ / ٤٠١ ]
- الناقة أصبر من غيرها، الناقتان أصبر من غيرهما، النوق أصبر من غيرهن.
ب- وأما الأمر الثاني وهو: دخول: "من"١ جارة للمفضل عليه "أي: للمفضول" فأمر واجب أيضًا، بشرط أن يكون قصد التفضيل باقيًا. ولهذا كان وجودها دليلًا على إرادة التفضيل، وعدم انسلاخ "أفعل" عنه. وهي مختصة بهذا القسم وحده، وبدخولها على المفضول دون غيره، ولا وجود لها في القسمين الآخرين –كما سيجيء عند الكلام عليهما– ولا يجر المفضول غيرها من حروف الجر. ومن الأمثلة –غير ما سبق– قول المتنبي:
وما ليل بأطول من نهار بظل بلحظ حسادي مشوبًا
وما موت بأبغض من حياة أرى لهمو معي فيها نصيبًا
ودخول حذفهما معًا، بشرط وجود دليل عليهما؛ كقوله تعالى: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾، أي: والآخرة خير من الدنيا، وأبقى منها. وقد اجتمع الحذف والإثبات في قوله تعالى: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾، أي: أعز نفرًا منك. وقول الشاعر:
ومن يصبر يجد غب صبره ألذ وأحلى من جنى النحل في الفم
أي: ألذ من جني النحل.
وإذا حذفا من اللفظ كانا ملحوظين في النية والتقدير؛ وصارا بمنزلة المذكورين٢.
_________________
(١) ١ ومعناها هنا: الابتداء أو المجاوزة، فإذا كانت للابتداء فهي لابتداء الارتفاع إذا كان السباق للمدح؛ نحو: النشيط أفضل من الخامل، ولابتداء الانحطاط إذا كان السياق الذم؛ نحو: المنافق أضر من العدو. وإذا كانت للمجاوزة فمعناها أن المفضل جاوز المفضول في الأمر المحمود أو المذموم و"من" هذه غير "من" التي تجيء للتعدية المجردة "أي: التعدية التي لا دلالة معها على التفضيل مطلقًا؛ لأنه غير مراد" ومن صورها ما يجيء في "الملاحظة" الخاصة: ص٤٠٥. ٢ يقول ابن مالك في "أفعل التفضيل المجرد، ووصله بالحرف: "من" لفظًا أو: تقديرا": وأفعل التفضيل صله أبدا تقديرًا، أو لفظًا بـ"من" إن جردا ثم يقول في بيت سيعاد ذكره لمناسبة أخرى في ص٤١٦: وإن لمنكور بضف أو جردا ألزم تذكيرًا وأن يوحدا
[ ٣ / ٤٠٢ ]
وأكثر مواضع حذفها حين يكون "أفعل" خبر مبتدأ، أو خبر ناسخ، أو مفعولًا ثانيًا لفعل ناسخ "مثل ظن وأخواتها " أو مفعولًا ثالثًا لفعل ينصب ثلاثة "كالفعل: وأرى.." نحو: قرع الحجة بالحجة أنفع وهو بالعالم أليق- ربما كان ازدراء السفيه أنجع في إصلاحه -.
فلو طالعت أحداث الليالي وجدت الفقر أقربها انتيابا١
وأن البر خير في حياة وأبقى بعد صاحبه ثوابًا
أعلمت الجازع احتمال المشقة أجدر بأصحاب العزائم والهمم
ويقل حذفهما إذا كان "أفعل" حالًا. نحو: توالت النغمات أنعش للقلب وأندى للفؤاد، وأذهب للأسى ومثل قول الشاعر:
دنوب –وقد خلناك كالبدر –أجملا فظل فؤادي في هواك مضللًا
يريد: دنوت أجمل من البدر، وقد خلناك كالبدر، فكلمة "أجمل" حال من الفاعل: "التاء". وهذا النوع من الحذف –على قلته– قياسي تجوز محاكاته. وكذلك يقل حذفهما إن كان "أفعل" نعتًا لمنعوت محذوف مع عامله لقرينة، نحو: اتجه أوسع مساحة، وأكثر خصبًا، وأرحب للغريب صدرًا. والأصل: اتجه، واقصد بلدًا أوسع مساحة و والأحسن عدم جواز القياس على هذا النوع؛ لكثرة الحذف فيه، وتوقع اللبس في فهمه
٢- ومن الأحكام: وجوب تقديمها أحيانًا على عاملهما وحده، وهو: "أفعل" دون تقديمها على الجملة كلها. وإنما يجب التقديم على عاملهما إذا كان المجرور اسم استفهام؛ كهذا السؤال: فلان ممن أفضل؟ والأصل: فلان أفضل ممن؟ أو كان المجرور مضافًا إلى اسم استفهام، نحو: فلان من ابن من أفضل؟
_________________
(١) ١ ترددًا على الناس، ذهابًا ومجيئًا إليهم.
[ ٣ / ٤٠٣ ]
والأصل فلان أفضل من ابن من؟ ولا يجوز التقديم في غير حالتي الاستفهام السالفتين١ إلا للضرورة الشعرية كقول القائل:
وإن عناء أن تناظر جاهلا فيحسب –جهلا– أنه منك أعلم
وقول الآخر:
إذا سايرت أسماء يومًا ظعينة٢ فأسماء –من تلك الظعينة أملح
والأصل: "أعلم منك" وأيضًا "فأسماء أملح من تلك الظعينة". فقد تقدم الحرف "من" مع مجروره، مع أن الكلام خبري، وليس إنشائيًا استفهاميًا٣
٣- ومنها: امتناع الفصل بينهما وبين "أفعل" إلا بمعمولة، أو: "لو" وما يتبعها، أو: النداء –فمثال الفصل بالمعمول قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، وقول الشاعر:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند
قول الآخر:
لولا العقول لكان أدنى٤ ضيغم أدنى٥ إلى شرف من الإنسان٦
_________________
(١) ١ هناك حالة أخرى يتقدم فيها معمول "أفعل التفضيل" على عامله أفعل التفضيل. وقد سردنا ملخصها في رقم ١ من هامش ص٤٠١، وقلنا إن هذا الملخص لا يغني عن البيان والتفصيل المذكورين في باب الحال، "ج٢ م٨٤ ص٣٠٣ "د" ورقم ٣ من هامش ص٣٠٠ هناك". ٢ المرأة في هودجها، "تكريمًا وصيانة لها". ٣ وفي تقديم "من" مع مجرورها في حالتي الاستفهام يقول ابن مالك في بيتيه السابع والثامن –وسيذكران لمناسبة أخرى في ص٤١٩: وإن تكن بتلو "من" مستفهما فلهما كن أبدا مقدما -٧ كمثل: ممن أنت خير؟ ولدى إخبار التقديم نزرا وردا -٨ أي: أن تكن مستفهمًا بالاسم التالي: "من"، وهو مجرورها، فتقدمهما وجوبًا في كل الحالات. ثم قال: ورد التقديم نزرًا "أي نادرًا" في حالة الإخبار. أي في حالة الكلام الخبري، لا الإنشائي الذي شرحناه. ومما يلاحظ أن المثال الذي في البيت الثاني معيب؛ للسبب الموضح في الصفحة الآتية: ٤ أقل. ٥ أقرب. ٦ سيذكر هذا البيت لمناسبة أخرى في ص٤٣٣.
[ ٣ / ٤٠٤ ]
ومثال الفصل بكلمة: "لو" وما يتبعها قول الشاعر:
ولفوك أطيب –لو بذلت لنا- من ماء موهبة١ على خمر
ومثال النداء: أنت على أداء المهام الجسام أقدر –يا صديقي– من صفوة الأخلاء.
قول الشاعر:
لم ألف أخبث –يا فرزدق– منكمو ليلًا، وأخبث بالنهار نهارًا
فلا يجوز الفصل بينهما بأجنبي "وهو الذي ليس معمولًا لأفعل" ولا بشيء غير ما سبق؛ ولهذا حكموا بالخطأ أو الشذوذ على مثل: ممن أنت أفضل؛ لأن الجار والمجرور: "ممن" متعلقان "بأفضل"٢، و"أنت" مبتدأ خبره: "أفضل" وقد فصل المبتدأ بين "أفضل" والجار مع مجرورة، مع أن المبتدأ أجنبي من أفضل، "أي: ليس معمولًا له".
"ملاحظة": قد يصاغ "أفعل التفضيل" من مصدر فعل يتعدى بحرف الجر "من"؛ كالفعل: قرب، بعد فعند التفضيل يجيء هذا الحرف مع مجروره، إما متقدمين على "من" الجارة للمفضول ومتوسطين بينها وبين "أفعل"؛ نحو: المجرب أقرب من الصواب من الناشئ، وإما متأخرين عنهما؛ نحو: المجرب أقرب من الناشئ من الصواب٣
_________________
(١) ١ نقرة في جوف الصخر يخزن فيها الماء ليبرد. ٢ ويجب تقديمها عليه وحده في هذه الصورة. ٣ وهذا النوع الخاص بالتعدي يخالف النوع الذي سبق في ص٤٠٢ وهو الخاص بدخول "من" على المفضل عليه –كما ستجيء الإشارة لهذا في ص٤١٢.
[ ٣ / ٤٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- عرفنا١ أن: "أفعل التفضيل" يدل –في الأغلب– على اشتراك شيئين في معنى خاص، وزيادة أحدهما على الآخر فيه..، و فما ضابط الاشتراك؟!
ليس للاشتراك ضابط معين يحدد أنواعه، وإنما يكفي أن يتم على وجه من الوجوه يكون به واضحًا ومفهومًا للمتخاطبين، ولو كان اشتراكًا ضديًا، أو تقديريًا، كقول إنسان في عدوين له: هذا أحب إلى من ذلك. وفي نوعين من الشر: هذا أحسن من هذا. يريد في المثال الأول: هذا أقل بغضًا عندي، ويريد في المثال الثاني: هذا أقل شرًا من الآخر؛ فليس في نفس المتكلم قدر مشترك من الحب والحسن لهذا، أو لذاك. وإنما القدر المشترك هو الكره والقبح اللذان يضادان الحب والحسن. فالاشتراك إنما هو في أمر مضاد في معناه لمعنى: "أفعل" المذكور في الجملة، مع تفاوت النصيب بينهما، ووجود الزيادة في أحدهما وحده؛ فأحدهما عدو خفيف العداوة أو القبح، والآخر: شديدهما، فالزيادة موجودة ولكنها في أحد الأمرين المشتركين في معنى: مضاد لمعنى أفعل.
ومن غير الغالب ألا يكون بينهما اشتراك مطلقًا إلا على نوع جائز من التأول توضحه القرائن؛ كقولهم: الثلج أشد بياضًا من المسك، الصيف أحر من الشتاء، السكر أحلى من الملح، العسل أحلى من الخلّ. يريدون: أن بياض الثلج أشد في ذاته من سواد المسك في ذاته، والصيف حرارته أشد من الشتاء في برده، والسكر في حلاوته أقوى من الملح في ملوحته، والعسل حلاوته أشد من الخل في حموضته، وهكذا ؛ فليس بين كل اثنين مما سبق اشتراك في المعنى إلا في مطلق الزيادة المجردة، ودرجتها الذاتية المقصورة على صاحبها ؛ فالصلة بين كل اثنين مقصورة على هذه الزيادة المجردة، وبينهما بعد ذلك تباين تام يختلف عن التضاد السابق الذي يقوم بجانبه
_________________
(١) ١ في ص٣٩٥ وأشرنا في رقم ٢ من هامشها إلى أهمية ما يأتي هنا في الزيادة والتفصيل.
[ ٣ / ٤٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نوع من الاشتراك في أمر يتصف به الاثنان، وإن كان هذا الأمر مخالفًا معنى "أفعل".
ب- من الأساليب الصحيحة: فلان أعقل من أن يكذب –وأمثال هذا- فهل معناه تفضيل فلان في العقل على الكذب؟ وهذا معنى فاسد؛.
خير ما يقال في هذا وأمثاله: أن "أفعل التفضيل" يفيد هنا أمرين معًا؛ هما إفادة البعد عما بعده، وأن سبب هذه الإفادة هو المعنى اللغوي الأساسي المفهوم من مادة "أفعل" المعروض في الجملة الأصلية، فالمراد: فلان أبعد الناس من الكذب؛ بسبب عقله. وفي مثل: فلان أجل من الرياء، وأعظم من الخيانة يكون المقصود: فلان أبعد الناس من الرياء؛ بسبب جلاله، وأبعد من الخيانة بسبب عظمته ومثل هذا يقال في بيت الشاعر:
الحق أكبر من أن تستبد به يد، وإن طال في ظلم تماديها
فالغرض إعلان البعد عن تلك الأشياء مع بيان سبب البعد. وأفعل التفضيل في تلك الأساليب ونظائرها يفيد ابتعاد الفاضل من المفضول، ولا تكون "من" تفضيلية جارة للمفضول، وإنما هي مع مجرورها متعلقان "بأفعل" الذي هو بمعنى: متباعد؛ لأنها حرف الجر الذي يتعدى به الفعل "بعد" وباقي المشتقات التي من مادته؛ ومنها هنا: "أفعل" لتضمنه معنى "أبعد: بمعنى: "بعد" فهي متعلقة به من غير أن يدل على تفضيل؛ كنظيرتها في قولنا: أنا بعيد من الظالمين، بمعنى: متباعد.
وقيل إنه مستعمل في بعض مدلوله دون بعض؛ فهو يدل على زيادة البعد، دون أن يكون هناك مفضول حقيقي، ولا "من" الداخلة عليه
ومضمون الرأيين واحد١
ج- يجب تصحيح عين أفعل التفضيل إذا كانت قبل التفضيل مستحقة للإعلال، ونحو: الأديب أقوم لسانًا، وأبين قولًا من غيره، فيجب أن تسلم الواو والياء.
_________________
(١) ١ وهناك بعض آراء أخرى عرض لها "المغني" في "الباب الخامس من الجزء الثاني، عند كلامه على الجهة الرابعة من جهات الاعتراض.
[ ٣ / ٤٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
د- إذا كان أفعل التفضيل المجرد١ واجب الأفراد والتذكير فما بال العرب تقول: مر بنا سرب من الظباء، بعده أسراب أخر؛ فيأتون بكلمة: "أخر" مجموعة ومؤنثة؛ "إذ هي جمع، مفرده: "أخرى"، "وأخرى" مؤنث لكلمة "آخر" الذي أصله "أأخر" على وزن: "أفعل" المذكر الدال على التفضيل؛ فهو من القسم المجرد". فلم كانت "أخر" مجموعة ومؤنثة في المثال السالف –وأشباهه– مع أن القاعدة تقتضي الإفراد والتذكير، وأن يقال: أسراب "آخر" "التي أصلها: "أأخر" كما أسلفنا"٢.
أجاب النحاة: إن كلمة: "أخر" ليست مما نحن فيه؛ لأسباب ثلاثة مجتمعة:
أولها: أنها في استعمالاتها الصحيحة المختلفة –ومنها المثال السالف وأشباهه– لا تدل على التفضيل؛ "أي: لا تدل على المشاركة والزيادة" وإنما تدل على المغايرة المحضة، والمخالفة المجردة من كل معنى زائد عليها. فالكلام الذي تكون فيه يقتضي معنى المغايرة وحدها، لا معنى المفاضلة، أو نحوها. وهذا شأنها في الاستعمالات الواردة، فمعنى سرب آخر وأسراب أخر هو: سرب مغاير، وأسراب مغايرات، بدون تفضيل فيهما.
وثانيهما: أنها –في كلام العرب– لا يقع بعدها: "من" الجارة للمفضول، لا لفظًا ولا تقديرًا.
وثالثها: أنها –في كلامهم الفصيح تطابق وهي نكرة٣.
_________________
(١) ١ سبق الكلام عليه، في ص٤٠١. ٢ أي: أن الأصل أن يقال مثلًا: هذا ظبي آخر "وأصلها: أأخر" وهذه ظبية آخر "أأخر" لكنهم تركوا الأصل، وقالوا: ظبية أخرى؛ فأتوا بكلمة: "أخرى" التي هي المفردة المؤنثة لكلمة: آخر. والأصل أيضًا أن يقال: هذان ظبيان آخر "وأصلها: أأخر، وهاتان ظبيتان آخر" ولكنهم تركوا الأصل وقالوا: آخران، في تثنية المذكر، وأخريان في تثنية المؤنث. وكذلك الأصل أن يقال: هؤلاء ظباء آخر "أأخر" وهؤلاء ظبيات آخر "أأخر". لكنهم تركوا الأصل أيضًا، وقالوا: أخر، التي هي جمع مؤنث، مفرده: أخرى. ٣ أي: أنها لو كانت التفضيل وهي نكرة، لوجب عدم مطابقتها؛ كي تساير المسموع الكثير.
[ ٣ / ٤٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فلهذه الأمور الثلاثة لا تكون من القسم الأول الذي يدور فيه الكلام؛ بل إنها ليست للتفضيل مطلقًا٢ –كما تقدم؛ وإنما هي كلمة معدولة، "أي: محولة" عن كلمة: "آخر" التي أصلها "أأخر" جاءت لتؤدي معنى ليس فيه تفضيل، ذلك أن العرب حين أرادوا استخدام كلمة: "آخر" في معناها الأصلي –وهو المغايرة المحضة الخالية من معنى التفضيل– عدولوا بها عن وزنها الأول؛ بأن أدخلوا عليها شيئًا من التغيير، وحولوها إلى هذا الوزن الجديد؛ وهو: "أخر" لتؤدي معنى خاليًا من التفضيل لا يمكن أن تؤديه إذا بقيت على الصيغة الأولى. ويقول السيوطي١، قولًا أشبه بهذا؛ نصه:
"كان مقتضى جعل "أخر" من باب "أفعل التفضيل" أن يلازمه في التنكير لفظ الإفراد والتذكير. وألا يؤنث، ولا يثنى، ولا يجمع، إلا معرفًا، كما كان أفعل التفضيل؛ فمنع هذا المقتضى، وكان بذلك معدولًا عما هو به أولى؛ فلذلك منع من الصرف"٢
فالذي دعا النحاة لهذا التحليل والتعليل هو ما رأوه من جمعها وتأنيثها مع انطباق أوصاف القسم الأول عليها -في الظاهر- فلجئوا إلى مسألة العدول والتحويل ليتغلبوا على هذه العقبة ويجعلوا قاعدة: "أفعل التفضيل المجرد" مطردة.
قد يكون كلامهم سائغًا من الوجهة الجدلية المحضة، لكنه من الوجهة الحقيقية مردود، ذلك أن العرب لا تعرف شيئًا مما قالوه، ولم يدر بخلدها قليل أو كثير منه حين نطقوا بالتعبير السابق وأشباهه. فإبعادًا لهذا التكلف ومسايرة للأمر الواقع، يحسن الأخذ ببعض مما قاله النحاة -بحق- وهو: أنها ليست للتفضيل فلا تنطبق عليها أحكامه، أو أنها خالفت القاعدة؛ فهي من الشاذ
_________________
(١) "١، ١" الهمع ج٢ ص١٠٤. ٢ يقول العكبري –في كتابه: "إملاء ما من به الرحمن" ج١ ص٤٥٦، سورة البقرة ما نصه في كلمة: "أخر" "لا تنصرف للوصف والعدل عن الألف واللام؛ لأن الأصل في "فعل" صفة أن تستعمل في الجمع بالألف واللام؛ كالكبرى والكبر، والصغرى والصغر". ا. هـ. وهذه التعليل مردود كغيره بما ذكرناه هنا.
[ ٣ / ٤٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الذي يحفظ، ولا يقاس عليه. ولا عبرة بما عرضوه من أسباب أخرى؛ فهني أسباب ضعيفة لا تثبت على التمحيص، ومن السهل دفعها، وقد دفعها بعض النحاة فعلًا بما يرهق سرده من غير نفع عملي، فخير لنا أن فقر الواقع، من غير تكلف ولا جدال زائف.
هـ -ونزولًا على قاعدة الإفراد والتذكير السالفة عاب بعض النحاة على أبي نواس ذكر كلمتي: "صغرى" و"كبرى" مؤنثتين للتفضيل، مع أنهما مجردتان في قوله١:
كأن صغرى وكبرى من فقاقعها حصباء در على أرض من الذهب
والقياس: أصغر وأكبر. لأنهما صيغتان للتفضيل، مجردتان. والقاعدة تقضي بالتزام التذكير والإرادة في هذه الحالة..
ومما قيل في دفع هذا العيب: إن الشاعر لم يقصد التفضيل مطلقًا، ولا الحديث عن شيء أصغر من شيء آخر، أو أكبر منه؛ وإنما قصد صغرى أو كبرى من حيث هي: لا باعتبار موازنتها بغيرها؛ كمن يشاهد طفلة تحاول الركوب فيساعدها ويقول: ساعدتها لأنها: "صغرى"، أي صغيرة، وكمن يشاهد سيدة عجوزًا؛ فيعاونها عن النزول من السيارة ويقول: عاونتها لأنها كبرى؛ أي: كبيرة السن؛ فليس في كلامه هذا، ولا في المقام ما يدل على تفضيل أو موازنة بين اثنين يزويد أحدهما على الآخر في هذا المعنى.
وإذا كان الأمر على ما وصفنا فليس التأنيث لحنًا، لأن "أفعل" إذا كان مجردًا غير مقصود منه التفضيل "فالأكثر فيه عدم المطابقة؛ حملًا على أغلب أحواله، وقد يطابق، لعدم مجيء "من" لفظًا ومعنى. واعتمادًا على هذا السبب في المطابقة يخرج بيت أبي نواس السالف، ومثله قول العلماء العروضيين: "فاصلة صغرى وكبرى"، خلافًا لمن جعله لحنًا٢".
_________________
(١) ١ يصف كأسا مملوءة بشراب ذهبي اللون، تعلوه الفقاقيع. ٢ حاشية الخضري مع توضيح بعض كلماتها –"في هذا الباب عند الكلام على أفعل التفضيل المضاف والمقرون بأل". ومثل هذا في شرح التوضيح. وقال الأشموني في هذا الموضع ما نصه: " وإذا صح جمع "أفعل التفضيل"؛ لتجرده من معنى التفضيل جاز أن يؤنث؛ فيكون قول ابن هانيء: "كأن صغرى وكبرى من فقاقعها " صحيحًا ا. هـ.
[ ٣ / ٤١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهذا دفع حق، وهو خير من القول بأن في الكلام حذفًا وزيادة يؤديان إلى إخراج الكلمتين من هذا القسم، وإدخالهما في قسم آخر من أقسام "أفعل" التفضيل؛ كقسم المضاف١ إلى المعرفة؛ بحيث يؤدي إلى الحكم بصحتهما، وأن الأصل: "كأن" صغرى فقاقعها وكبرى من فقاقعها" فكلمة: "من" زائدة "مع أنها –في الغالب– لا تزاد إلا بعد نفي بشرط أن يكون مجرورها نكرة"، و"فقاقعها" الأولى محذوفة للدلالة الثانية عليها، ففي الكلام حذف من جهة، وزيادة من جهة أخرى وما أشد حاجاتنا إلى إهمال مثل هذا مما لا داعي له.
وأعجب منه قولهم في الدفاع عن الشاعر: "إن أفعل التفضيل المجرد يصح تأويله بما لا تفضيل فيه؛ فيطابق حينئذ كما في المضاف إلى المعرفة"، وقد جاء هذا الكلام في التسهيل"٢. ولا أدري: أيغيب عن أحد وجه ضرره وأثره السيئ في اللغة؟ إذ كيف تؤدي اللغة مهامها –وما أجلها– إذا كان من الجائز دون قيد ولا شرط. تأويل اللفظ الذي يشوبه خطأ لغوي تأويلًا يصلح عيبه من غير داعٍ معنوي لذلك؟
_________________
(١) ١ سيجيء الكلام على المضاف بنوعيه في ص٤١٦ و٤١٨. ٢ ونقله: الهمع، وياسين في حاشيته على التصريح، وكذا الصبان.
[ ٣ / ٤١١ ]
القسم الثاني:
أن يكون أفعل التفضيل مقرونًا "بأل". وهذا يوجب أمرين:
أحدهما: أن يكون مطابقًا لصاحبه في التذكير، والتأنيث، والإفراد، وفروعه؛ نحو: قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ –اليد العليا خير من اليد السفلى١. الشقيقان هما الأفضلان –الشقيقان هما الفضليان٢ –الأشقاء هم الأفضلون، أو الأفاضل٣ –الشقيقات هن الفضليات
والآخر: عدم مجيء "من" الجارة "للمفضل عليه"؛ لأن "المفضل عليه" لا يذكر في هذا القسم٤. أما الجارة لغيره فتجيء؛ كالتي في قول الشاعر:
فهم الأقربون من كل خير وهم الأبعدون من كل ذم
فالجار والمجرور –في الشطرين –لا شأن له بالتفضيل: لأن: "من" المذكورة هي التي تدخل على المجرور للتعدية٥، إذ: "الأقرب" و"الأبعد" يحتاجان إلى معمول مجرور "بمن" كفعلها: "قرب وبعد" فليست: "من" بعدهما هي التي تدخل على المفضول، وتجره؛ إنما هي مجرورها نوع آخر.
_________________
(١) ١ العليا: مؤنث الأعلى، والسفلى: مؤنث الأسفل. والألفاظ الأربعة صيغ تفضيل. ٢ تثنية: فضلى، مؤنث: أفضل. ٣ انظر رقم ٢ من هامش ص٤١٤؛ ففيه البيان. ٥ إذ تغني عنه "أل"؛ لأنها للعهد "وليست موصولة كالداخلة على اسم الفاعل، واسم المفعول" والتي للعهد تشير إلى شيء معين تقدم ذكره لفظًا أو حكمًا. وتعيينه يشعر بالمفضول؛ ولهذا قالوا: "لا تكون "أل" في "أفعل التفضيل" إلا للعهد؛ لئلا يعرى عن المفضول" –راجع الصبان، ج٢ أول باب أفعل التفضيل –وإذا لا يصلح أن يقال: على الأفضل من أمين. وأما قول الأعشى: ولست بالأكثر منهم حصى إنما العزة للكاثر فمؤول عندهم بتأويلات مختلفة؛ منها: زيادة "أل" في لفظ:"الأكثر"، ومنها: أن الجار والمجرور متعلق بكلمة محذوفة تماثل المذكورة، والأصل: "بالأكثر أكثر منهم"ومنهم أن "من" بمعنى "في" وكل هذه التأويلات مرفوضة لا يعرف عنها الشاعر "الأعشى" شيئًا؛ فهي إما لغة، وإما شاذة. ٥ وهي التي سبقت الإشارة إليها في ص٤٠٧، وتخالف الداخلة على المفضل عليه، والتي سبق بيانها في ص٤٠٢.
[ ٣ / ٤١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
قال صاحب التصريح١: إن "أفعل التفضيل" المقترن بأل يطابق موصوفه لزوما ومع ذلك لا بد من ملاحظة السماع، وأردف هذا بالنص الآتي:
"قال أبو سعيد على بن سعيد في: كفاية المستوفى، ما ملخصه: ولا يستغنى في الجمع٢ والتأنيث عن السماع؛ فإن الأشراف والأظرف لم يقل فيهما: الأشارف والشرفى. والأظارف، والظرفي، كما قيل ذلك في الأفضل والأطول، وكذلك الأكرم والأمجد، قيل فيهما: الأكارم والأماجد، ولم يسمع فيهما: الكرمى والمجدى" ا. هـ.
هذا ما قاله وما نقله صاحب "التصريح" وقد يكون من السداد إهماله. وترك الأخذ به، لما فيه من تضييق وتعسير بغير حق؛ إذ يفرض على المتكلم أن يبحث جهد طاقته عن الصيغة المسموعة؛ فإن اهتدى إليها بعد العناء استعملها، وإن لم يجدها لم يستعمل القياس مع شدة حاجته إلى استخدامه للوصول إليها.
على أن بذل الطاقة واحتمال العناء لا يوصلان أحيانًا إلى الصيغة المسموعة، لا لعدم وجودها، ولكن لتعذر الاهتداء إلى مكانها، برغم العناء المرهق المبذول في سبيلها. وهل أدل على هذا من أن صاحب الرأي السالف يقرر عدم ورود السماع بكلمات معينة منها: "الكرمى" مؤنث: "أكرم"، وأن غيره يقرر عدم ورود بكلمات أخرى منها: "الرذلى، والجملى"، "مؤنث: الأرذل والأجمل" على حين يسجل أبو علي القالي في الجزء الأول من كتابه: "الأمالي"٣ ما نصه: "قال بعض بني عقيل وبني كلاب: هو الأكرم، والأفضل، والأحسن، والأرذل، والأنذل، والأسفل، والألأم. وهي: الكرمى والفضلى، والحسنى،
_________________
(١) ١ ج٢ باب: "أفعل التفضيل" عند الكلام على النوع المقرون بأل. ٢ المفهوم من سياق الكلام في: "التصريح" أن مراده بالجمع السماعي مقصور على "جمع التكسير" دون غيره؛ إذ لا خلاف في قياسية جمعي التصحيح بالشروط الخاصة بكل منهما. –وقد سبقت عند الكلام عليهما في الجزء الأول– هذا، ولم يتعرض النص السالف لمثنى. فهل يريد بالجمع ما يشمل المثنى أيضًا كالشأن في عبارات بعض اللغويين؟ ٣ في ص١٥٢.
[ ٣ / ٤١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والرذلى، واللؤمى، وهن الرذل، والنذل واللؤم " ا. هـ؟. فقد سجل أنها مسموعة هي ونظائر لها. ومن تلك النظائر الأخرى المسموعة: العظمى، الصغرى، الكبرى، الوثقى، الفضلى، القصوى، الأولى، الجلى، الدنيا، الوسطى، الأخرى، العليا، السفلى، الكوسى "كثيرة الكياسة" الطولى "أنثى الأطول" –الضيقى "شديدة الضيق" و ولكل صيغة مما سبق مقابل على وزن "أفعل" لمذكرها. ولو حصرنا ما نقله صاحب الأمالي، وما نقله غيره في مواطن مختلفة، وما رأيناه بأنفسنا في المراجع اللغوية لكان من هذه الكلمات المبعثرة مجموعة كثيرة العدد، تبيح القياس عليها؛ لكثرتها التي تتجاوز المائة. ولا حاجة بنا إلى تأويلها، أو التمحل لإبعادها عن "التفضيل" وعن نوعه الذي نحن فيه؛ فإن تأويل النحاة –كما بسطوه هنا– يقوم على الجدل المحض الذي لا يعضده الحق.
وشيء آخر: أنه لو صح الأخذ برأي المانعين وحدهم ما كان للقياس حكمة ولا فائدة؛ لأن القياس مستمد من الكثير المسموع، وقد تحقق هذا الكثير هنا. فكيف نمنع القياس في بعض الصور التي ينطبق عليها؟ وكيف نحرم تطبيقه والانتفاع به، زاعين واهمين أن صيغة الكلمة ذاتها –بحروفها وتكوينها المادي– غير مسموعة؟ فلم الاستنباط، ووضع القواعد والضوابط العامة؟ وكيف يتحقق القياس؟..١.
لهذا كان مجمع اللغة العربية سديد الرأي حين قرر قياسية جمع "الأفعل" الذي للتفضيل المقرون بأل على "الأفاعل"، كما قرر صياغة مؤنثه على "الفعلى" قياسًا كذلك٢
_________________
(١) ١ يؤيد هذا ما سبق أن قلناه في قياسية مصدر الفعل الثلاثي ص١٨٤ وما بسطه ابن جني –وغيره– في الجزء الأول من كتابه: "الخصائص" في الفصل الرشيد المحكم الذي نشير إليه كثيرًا، وعنوانه: "اللغة تؤخذ قياسًا" وقد نشرناه كاملًا في آخر الجزء الثاني. ٢ طبقًا لما في ص١٥١ من الكتاب الذي أصدره في المجمع سنة ١٩٦٩؛ ففي تلك الصفحة تحت عنوان: "في أفعل التفضيل – جمع: "الأفعل" على الأفاعيل، وصوغ مؤنثه على: "الفعل" ما نصه منسوبًا إلى لجنة الأصول بالمجمع، ومصحوبًا بالأسانيد والبحوث المؤيدة له: "يختلف النحاة في جمع التفضيل المقترن بالألف واللام على: "الأفاعل"، وفي تأنيثه على "الفعلى". فمنهم من ذهب إلى أن جمعه على "الأفاعل" وتأنيثه على "الفعلى" مقصوران على =
[ ٣ / ٤١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
طالمًا رددنا –في هذا الكتاب– أن الحرص على سلامة اللغة أمر محمود، بل مفروض، ولكن بشرط ألا يكون بوسائل تعوق الانتفاع بها، وتزهد فيها، من غير فائدة ترجى، ولا ضرر يدفع.
نعم قد يقع جرس هذه الصيغ الجديدة القياسية غريبًا أول الأمر على الأسماع؛ كتلك الصيغ التي نقلها صاحب الأمالي عن بني عقيل، وبني كلاب ولكن لا يصح أن تحول غرابة الجرس بين الكلمة والانتفاع الضروري بها، فما أكثر الكلمات اللغوية الغريبة في جرسها على الأسماع، وقد تكون غريبة عند قوم مقبولة عند آخرين. على أن تداول الكلمة الغريبة كفيل بصقلها وإزالة غرابتها، ولكن يطول الزمن على تداولها، فما أسرع دورانها وشهرتها، بسبب الحاجة إلى استخدامها، وترديد الألسنة لها
_________________
(١) = السماع. ومنهم من ذهب إلى أن ذلك قياسي؛ مستندين إلى أن اقترانه "بأل" يبعده عن الفعلية من حيث أن الأفعال لا تدخلها الألف واللام، وذلك يدينه من الاسمية. ولما كان هذا الرأي أقرب إلى التيسير قررت اللجنة أنه يجوز "أفعل التفضيل" المقرن بالألف واللام على "الأفاعل"، ويلحق به في ذلك المضاف إلى المعرفة، وأنه يجوز تأنيثها على الفعلى" ا. هـ. وقد وافق المجمع ومؤتمره على قرار اللجنة في الجلسة السادسة من المؤتمر الثالث والثلاثين بدورة سنة ١٩٦٧.
[ ٣ / ٤١٥ ]
القسم الثالث:
أن يكون مضافًا١، ويشترط في هذا القسم شرطان عامان لا بد منهما في "أفعل التفضيل" المضاف مطلقًا "أي: سواء أكانت إضافته للمعرفة أم للنكرة".
أحدهما: ألا يقع بعد أفعل التفضيل "من" الجارة للمفضول، فلا بد أن يخلو الكلام منها ومن مجرورها؛ فلا يصح: محمود أفضل الطيارين من حامد، أما الجارة لغيره فتوجد: نحو: أبي أقرب الناس مني.
ثانيهما: أن يكون المضاف بعضًا٢ من المضاف إليه، بشرط إرادة التفضيل وبقاء معناه٣ ووجوده؛ فلا يصح: الطيار أفضل امرأة.
فتى تحقق الشرطان العامان، وكانت إضافته لنكرة، وجب حكمان:
أولهما: إفراده وتذكيره –كالمجرد٤-.
والآخر: مطابقة المضاف إليه لصاحب٥ أفعل التفضيل، "أي: للموصوف٦ الذي يتجه إليه معنى: "أفعل" ويتصف به". وفي التذكير. والتأنيث، وفي الإفراد وفروعه، وفي جنسه أيضًا..
_________________
(١) ١ إذا أضيف كانت إضافته غير محضة، وقيل: محضة على الوجه المبين في ص٥. وقد سبق بيانهما وتفصيل أحكامهما أول هذا الجزء. ٢ وسيجيء في الزيادة "ص٤٢١" اشتراط أن يكون "أفعل" بعض المضاف إليه، مع بيان المراد من هذه البعيضة. "وقد سبق لهذه المسألة المهمة توضيح آخر يتممها في ج٢ باب: التمييز ص٣٣٢ "ب" م٨٨". ٣ وهو المفاضلة الدالة على زيادة شيء على آخر؛ وبهذا تكون المفاضلة قائمة وموجودة. ٤ وفي حكم أفعل التفضيل المجرد من "أل" والإضافة، أو المضاف إلى نكرة – وأن هذا الحكم هو الإفراد والتذكير –يقول ابن مالك في بيت سبق ذكره في هامش ص٤٠٣: وإن لمنكور يضف أو جردا ألزم تذكيرًا، وأن يوحدا ٥ المضاف هو: "أفعل" والذي يتجه إليه معناه هو صاحبه الذي يتصف به؛ فكلاهما واحد من جهة المدلول والمعنى. ٦ أي الشيء الذي يقوم به معنى "أفعل"، فليس المراد بالموصوف والصفة هنا المنعوت وللنعت الاصطلاحيين.
[ ٣ / ٤١٦ ]
ومن أمثلته قول المتنبي:
وأحسن وجه في الورى وجه محسن وأيمن كف فيهمو كف منعم
وتقول: هذان الوجهان أحسن وجهين وهاتان الكفان أيمن كفين وجوه الشرفاء أحسن وجوه، وأكفهم أيمن أكف١.
فالأمور التي يجب اجتماعها كاملة عند إضافته للنكرة٢ –أربعة؛ هي:
١- امتناع "من" للمفضول.
٢- كون المضاف بعض المضاف إليه عند إرادة التفضيل.
٣- إفراد "أفعل" وتذكيره.
٤- مطابقة المضاف إليه لصاحب "أفعل" في الجنس، وفي الإفراد والتذكير وفروعهما.
_________________
(١) ١ جاءت المطابقة السابقة –في أغلب صورها التي منها التذكير والتأنيث- نتيجة لاشتراط أن يكون المضاف بعض المضاف إليه، "فلا يقال: سعيد أفضل امرأة"؛ لما تقرر: أن أفعل التفضيل المضاف لنكرة لا بد أن يكون بعضًا من المضاف إليه –في الأصح- بشرط أن يكون معنى المفاضلة قائمًا. وقد اشترط بعضهم لوجوب هذه المطابقة أن يكون المضاف إليه جامدًا؛ ليخرج مثل قوله تعالى: ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾، لعدم وجود صاحب "أفعل" والأحسن إهمال هذا الشرط أما كلمة "أسفل" في الآية فصفه لجمع محذوف. هذا، ومن المهم فهم الأساليب التي يكون فيها "أفعل التفضيل" مضافًا لنكرة مطابقة للموصوف الذي يتصف بمعنى أفعل التفضيل، "أي: مطابقة لصاحب أفعل التفضيل"؛ فإن المراد يكون إثبات المزية للمفضل على جنس المضاف إليه واحدًا واحدًا إن كان المضاف إليه مفردًا، واثنين اثنين إن كان المضاف إليه مثنى، وجماعة جماعة إن كان جمعًا. ومما يزيد الأمر وضوحًا الأمثلة الآتية: المصلح أفضل رجل، المصلحان أفضل رجلين، المصلحون أفضل رجال، المُصلحة أفضل امرأة المطلحتان أفضل امرأتين، المصلحات أفضل نساء فالمراد: المصلح أفضل من جميع الرجال إذا فُضِّلوا رجلًا رجلًا، والمصلحان أفضل من جميع الرجال إذا فضلوا رجلين رجلين، والمصلحون أفضل من جميع الرجال إذا فضلوا رجالًا رجالًا، والمصلحة أفضل من جميع النساء إذا فضلن امرأة امرأة، والمصلحتان أفضل من جميع النساء إذا فضلن امرأتين امرأتين، والمصلحات أفضل من جميع النساء إذا فضلن نساء، نساء، مجتمعات.. وهكذا الأمثلة الأخرى ونظائرها "انظر ص٤٢١ الآتية لإدارك الفرق بين ما هنا، وما هناك". ٢ انظر حكم العطف على هذه النكرة في ص٤٢٢.
[ ٣ / ٤١٧ ]
وإن كانت إضافته لمعرفة وجب تحقيق الشرطين العامين المشار إليهما آنفًا. وتجوز فيه بعد ذلك من ناحية التذكير والإفراد وفروعهما –المطابقة وعدمها، بشرط أن يكون الغرض من "أفعل التفضيل" باقيًا –وقد شرحنا هذا الغرض– ولكن ترك المطابقة في التثنية والجمع هو الأكثر، إذ الأفصح أن يكون مفردًا مذكرًا في جميع استعمالاته. فمثال المطابقة: عمر أعْدَلُ الأمراء، العمران١ أعدلا الأمراء، الخلفاء الراشدون أعدَلُوا الأمراء، فاطمة فُضْلَى الزميلات، الفاطمتان فُضْلَيَا الزميلات، الفاطمات فضليات الزميلات..
ومثال عدم المطابقة: عمر أعدل الأمراء، العمران أعدل الأمراء، الخلفاء الراشدون أعدل الأمراء فاطمة فضْلّى الزميلات، الفاطمتان فُضْلَى الزميلات، الفاطمات فضلَى الزميلات
أما إن كان الغرض الأصلي هو عدم المفاضلة مطلقًا٢ أو: كان الغرض هو بيان المفاضلة المجردة٣ فتجيب المطابقة للموصوف في الصورتين٤ في الإفراد والتذكير وفروعهما، مع جواز أن يكون أفعل التفضيل المضاف بعضًا من المضاف إليه، أو غير بعض. فمثال ما لا يراد منه المفاضلة مطلقًا قول أحد الرحالين يصف الأقزام في المناطق الشمالية:
" رأيت أهلها صغار الأجسام، قصارًا، لا يكاد أحدهما يزيد على خمسة أشبار، وليس لهم حكومة، ولكن عندهم قاض واحد يرجعون إليه، ويحترمون رأيه. وقد قابلته مرة فقال لي المترجم: هذا أفضل القضاة عندنا، وأوسع الرجال خبرة قضائية في بلدنا، وأرجحهم عقلًا ". فالمراد: فاضل، واسع، راجح
_________________
(١) ١ عمر بن الخطاب، وعمرو بن عبد العزيز. ٢ أي: عدم إرادة الزيادة، وأن "أفعل" بمعنى الفاعل، أو الصفة المشبهة. وهذا يقضي ألا يوجد المفضول، ولا "من" الجارة له. فقد سبق في "ب" من ص٤٠٢. وهذا يقتضي ألا يوجد المفضول، ولا "من" الجارة له. فقد سبق في "ب" من ص٤٠٢ أن "أفعل" لا يمكن تجريده من معنى المفاضلة مع وجود "من" الجارة للمفضول. ٣ أي: إثبات الزيادة المحضة التي لا يقصد منها زيادة شيء على المضاف إليه وحده، وإنما يقصد منها مجرد الزيادة عليه وعلى غيره. ٤ والأحسن الأخذ بالرأي القائل بقياسيتهما "بشرط وجود القرينة الموضحة للمراد منها؛ لكثرة مجيئهما، في أفصح الكلام، وأخذًا بالأيسر الذي لا ضرر فيه".
[ ٣ / ٤١٨ ]
ولا يراد التفضيل: إذ لا وجود لقاض آخر يكون هو المفضول
وفي غير المفرد نقول: هذان أفضلا القضاة، هؤلاء أفضلو القضاة. أو: أفاضلهم هذه فُضْلَى القاضيات، هاتان فُضْلَيا القاضيات، هؤلاء فضلَيَات القاضيات بالمطابقة في كل ذلك. ومثلها عند إرادة المفاضلة المطلقة؛ نحو: الحق أحقّ الأقوال بالاتباع. والدين أوْلَى الأصولِ بالتمسك به. فليس المراد في هذا المثال وأشباهه المفاضلة بين الأقوال بعضها وبعض، أو بينها وبين الأفعال، ولا بين الحق والباطل، وأن كلًا منهما جدير بالاتباع، ولكن الحق أجدر، ولا بين أصول الدين والكفر وفروعهما، وأن كلًا منها يستحق التمسّك به ولكن الدين أولى ليس هذا هو المراد، وإلا فسد الغَرض، وإنما المراد أن الحق في ذاته، والدين في ذاته، من غير نظر لشيء آخر غيرهما هما الأحَقَّان والأوْلَيَان.
ومثل هذا يقال: الوالد أحسن الناس منزلة، الوالدان أحْسَنا الناس منزلة، الوالدون أحاسن الناس منزلة، أو: أحسنو الناس منزلة، الوالدة حُسْنَى النساء منزلة، الوالدتان حُسنَيا النساء منزلة، الوالدات حُسنيات النساء منزلة١
_________________
(١) ١ يقول ابن مالك في بيان أن المقرون "بأل" يطابق وجوبًا وأن ما أضيف إلى معرفة يجوز فيه وجهان؛ هما المطابقة وعدمها بشرط أن تنوي من، أي: بشرط إرادة التفضيل، "أما عند عدم إرادة التفضيل فالواجب المطابقة –كما شرحنا-". وتلْوُ "أَلْ" طِبْقٌ، وَمَا لمَعْرِفهْ أضيفَ –ذُو وجْهَيْن عَنْ ذِي مَعْرِفَهْ أي: أن "أفعل" لذي يتلو "أل" ويقع بعدها تجب مطابقته لصاحبه، وأن ما أضيف لمعرفة فيه وجهان منقولان عن صاحب رأي ومعرفة بلغة العرب وأحكامها. ثم قال: هذَا إِذَا نَوَيْتَ مَعْنى: "منْ"، وإِن لَمْ تَنْوِ فَهْوَ طِبْقُ مَا بِهِ قُرِنْ "فهو طبق: مطابق الذي قرن التفضيل به، أي: للوصوف الذي يقصد به التفضيل، وبعد ذلك ذكر بيتين سبق شرحهما والإشارة لهما "في ص٤٠٤"؛ وهما: وإِنْ تَكنْ بتلو "مِنْ" مُسْتَفْهِمَا فلَهُمَا كنْ أَبَدًا مُقَدِّمَا كَمِثْلِ: ممَّنْ أَنْتَ خَيْرٌ؟ وَلَدَي إِخْبارِ التَّقْدِيمُ نَزْرًا وَرَدَا
[ ٣ / ٤١٩ ]
وفي الصورتين المذكورتين لا يلزم –كما سبق– أن يكون المضاف بعض المضاف إليه١.
_________________
(١) ١ لهذه المسألة إيضاح وافٍ سيجيء في الزيادة والتفصيل "آخر ص٤٢٣"، فمثال دخوله في جنس المضاف إليه وأنه بعضه: محمد ﵇ أفضل قريش: تريد أفضل رجالهم واحدًا واحدًا، وأفضل الناس من بينهم. ومثال عدم دخلوه في المضاف إليه، وأنه ليس بعضًا منه: يوسف أفضل إخوته "بوجود الضمير في إخوته، يعود عليه"، أي: أنه أفضلهم واحدًا واحدًا، لأننا إذا قلنا: من أخوة يوسف؟ لا يدخل فيهم يوسف، ولا يعد من بينهم؛ فلا يكون أفضلهم؛ لأن إضافة الإخوة للضمير تمنع أن يراد بهم ما يشمل يوسف. بخلاف ما لو قلنا: يوسف أفضل الأخوة، أو أفضل أبناء يعقوب "راجع ص٤٢٣ من الزيادة والتفصيل".
[ ٣ / ٤٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
لا يضافُ "أفعل" الدال على التفضيل إلا إذا كان بعضًا من المضاف إليه المفضول "كما سبق"١. وهذه "البعضية" تتحقق بإحدى صورتين.
١- أن يكون "أفعل" جزءًا٢ والمضاف إليه كُلاّ، نحْو: الرأس أنفعُ الجسم، والمخ أعظم الرأس
٢- أن يكون "أَفعَل" فردًا من بين أفراد كثيرة يشملها المضاف إليه. ولا بد في هذه الصورة أن يكون المضاف إليه جنسًا يندرج تحته أفراد متعددة، منها المضاف؛ نحو: الهرم المدَرّج أقدم الأهرامِ٣ -أبو الهول أجمل التماثيل. يكاد النيل يكون أكبر الأنهار العالمية– أضَرّ التَّرِكات ما كان مالًا لا علْم معه، ولا خُلُق.
وأَحَب أوطان البلاد إلى الفتى أرض ينال بها كريم المطلب
فكل من: "الأهرام، التماثيل، الأنهار، التَّرِكات، أوطان البلاد..". جنس يشمل أفرادًا كثيرة.
وليس من اللازم لتحقيق "البعضية" أن يكون المضاف إليه معرفة؛ فقد يكون نكرة، نحو: الهرم المدرّج أقدم هرم، أبو الهول أجمل تمثال، القلب أعظم عضو. وإذا كان المضاف إليه مفردًا نكرة، كهذه الأمثلة كَان معناه معنى الجمع، ومنزلته منزلة الجنس متعدد الأفراد، فيتحقق الشرط الأساسي السالف الذي يقتضي أن يكون "أفعل" بعضًا من المضاف إليه، أي: أنه بمنزلة قولك: الهرم المدرَج أقدم الأهرام هرمًا هرمًا، أبو الهول أجمل التماثيل واحدًا واحدًا، القلب أعظم الأعضاء عضوًا عضوًا. فالمراد بالمضاف إليه المفرد النكرة إنما هو جنسها؛ ولهذا قطعوا بأن المراد من: فلان أفضل رجل هو أنه أفضل الناس إذا عُدّوا رجلًا رجلًا. أي: أفضل من كل رجل٤
_________________
(١) ١ في ص٤١٦ وما بعدها. ٢ الجزء ما يتركب منه ومن أمثاله "كُلّ" ولا وجود للكل الحقيقي إلا بجميع أجزائه. ٣ جمع: هَرَم. ٤ راجع ص٤١٧ وهامشهما رقم ١ لإدراك الفرق بين الحالتين.
[ ٣ / ٤٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويقول الصبان عند الكلام على إضافة "أفْعَل" للنكرة ما نصه:
" زيدٌ أفضلُ رجل، أصله: زيد أفضل من كل رجل؛ فحذف: "من كل" اختصارًا، وأضيف: "أفعل" إلى: "رجل". وجاز كونه مفردًا مع كون "أفعل" بعض ما يضاف إليه –فالأصل أن يكون جمعًا –لفهم المعنى، وعدم التباس المراد. ووجب تنكيره؛ لأن القاعدة أن كل مفرد وقع موقع الجمع لا يكون إلا نكرة؛ فإن جئت بأل رجعت إلى الجمع، وأن جمعت أُدخلت "أل" اهـ.
ثم انتقل إلى مسألة هامة؛ هي العطف على "أفعل" فقال ما نصه":
"إن عطفت على المضاف إلى النكرة مضافًا آخر إلى ضميرها قلت: هذا أفضل رجل وأعقله، وهذه أكرم امرأة وأعقله. بتذكير الضمير وإفراده في المفرد وضده، والمذكر وضده؛ على التوهم؛ كأنك قلته من أول الكلام١. فإن أضفت "أفعل" إلى معرفة تأنيث، وجمعت، وأنثت؛ وهو القياس. وأجاز سيبويه الإفراد تمسكًا بقوله:
وميَّسة أحسن الثَّقَلين جِيدًا وسالفةً وأَحسنَه قَذَالًا٢
أي: أحسن مَنْ ذُكر٣ وظاهره وجوب تذكير الضمير وإفراده في نحو: هذه أكرم امرأة وأعقله، وهذان أكرم رجلين وأعقله وهكذا " اهـ. ثم قال بعد هذا مباشرة: "والوجه عندي جواز المطابقة إن لم تكن واجبة، أو أولى" اهـ. قال ياسين في حاشيته على التصريح تعليقًا على رأي سيبويه: "وحاصله: أن إفراد الضمير مع عوده على غير مفرد إنما هو على تأويله باسم الموصول. وعليه يتخرج ما يقع في عبارات المصنفين" اهـ.
ورأي الصبان أقرب إلى السَّداد؛ لموافقته القواعد العامة الخاصة بالمطابقة،
_________________
(١) ١ يريد: كأن المعطوف ليس معطوفا: " وكأنك نطقت به ابتداء كما تنطق بأفعال المضاف للنكرة. ٢ مؤخر الرأس. ٣ وما قاله "الصبان" نقل مثله "ياسين". وعلى هذا يكون الضمير المفرد العائد على غير المفرد هو بمعنى اسم الموصول –كما سيجيء -.
[ ٣ / ٤٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وبُعده عن اللبس، ولأن الآراء الأخرى لم تدْعَمها النصوص المتعددة التي تكفي لتأييدها فيما اطلعنا عليه من مراجع.
ويتصل بتلك المسألة الهامة أمرا آخر هو حكم أفعل التفضيل المعطوف في الصورة السالفة، من ناحية ضبطة، والأوجه الإعرابية الجائزة فيه، وقد سبق بيان بعض الصور١.
ومما يجب التنبه له أن هذه البعْضية لا تكون حتمية إلا إذا كان "أفعل" باقيًا على دلالة التفضيل الخاص –كما قدمنا٢– وعندئذ يكون المضاف إليه هو: "المفضول" ويتعين أن يكون "أفعَل". بعضًا منه. أما إذا لم تكن الدلالة على التفضيل باقية، أو كانت عامة يقصد منها الزيادة على المضاف إليه وعلى غيره فإن المضاف إليه لا يكون مفضولا، ولا يشترط في المضاف حينئذ أن يكون بعضًا منه؛ فقد يكون بعضًا أو لا يكون؛ ومثال ما ليس بعضًا: "يوسف أفضل إخوته". تريد: أنه فاضل فيهم، ولا تريد التفضيل، ولا أنه يزيد عليهم في الفضل٣. قال شارح المفصل ما نصه٤:
" وقد علم أن "أفعل" إنما يضاف إلى ما هو بعضه، فليعلم أنه لا يجوز أن تقول: "يوسف أحسن إخوته". وذلك أنك إذا أضفت الإخوة إلى ضميره خرج من جملتهم، وإذا كان خارجا منهم صار غيرهم، وإذا صار غيرهم لم يجز أن نقول: "يوسف أحسن إخوته" كما لا يجوز أن تقول: "الياقوت أفضل الزجاج"؛ لأنه ليس من الزجاج. فحينئذ يلزم من المسألة أحد أمرين كل واحد منهما ممتنع؛ أحدهما: ما ذكرناه من إضافة "أفعل" إلى غيره، إذ إخوة زيد غير زيد. والثاني: إضافة الشيء إلى نفسه؛ وذلك أنا إذا قلنا إن زيدًا من جملة الإخوة –نظرًا إلى مقتضي إضافة "أفعل"– ثم أضفت الأخوة إلى ضمير زيد، وهو من جملتهم، كنت قد أضفته إلى نفسه؛ بإضافتك إياه؛ إلى ضميره
_________________
(١) ١ في: "ب" ص١٤، باب الإضافة. ٢ في ص٤١٦، الشرط الثاني. ٣ سبقت إشارة لهذا في ص٤١٩. ٤ ج٣ ص٨ لابن يعيش.
[ ٣ / ٤٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وذلك فاسد١، فأما على النوع الثاني٢ وهو أن يكون "أفعل" فيه للذات بمعنى: "فاعل" فإنه يجوز أن تقول: "يوسف أحسن إخوته" ولا يمتنع فيه كامتناعه من القسم الأول؛ إذ المراد أنه فاضل فيهم؛ لأنه لا يلزم في هذا النوع أن يكون "أفعل" بعض ما أضيف إليه. وعليه جاء قولهم لنُصَيْبٍ الشاعر: "أنت أشعر أهل جِلْدتكَ" لأن أهل جِلْدته غيره، وإذا كانوا غيره لم تَسُغْ إضافة "أفْعَلَ"، إليهم؛ لما ذكرته، ويجوز على الوجه الثاني؛ لأنه بمعنى الشاعر فيهم، أو: شاعرهم " ا. هـ.
_________________
(١) ١ لإضافة الشيء إلى نفسه حكم آخر سبق بيانه توضيحه في"د" ص٤٠ وما بعدها. ٢ "أفعل" على قسمين: أولهما: ما يدل على التفضيل. والثاني ما لا دلالة فيه على تفضيل، وإنما يدل على وصف قائم بالذات، خال من المفاضلة خلوًّا تامًّا. كالذي سبقت الإشارة إليه في: "هـ" من ص١٤٠ وفي ص٤١٨.
[ ٣ / ٤٢٤ ]
وفيما يلي بيان الأقسام السالفة، وملخص أحكامها:
_________________
(١) ١ انظر المراد من الموصوف هنا في رقم ٦ من هامش ص٤١٦. ٢ سبق شرحها في رقم ٣ من هامش ص٤١٨.
[ ٣ / ٤٢٥ ]
من هذا الملخص وما سبقه يتبين ما يأتي فيما يختص "بأفعل".
١- وجوب إفراده وتذكيره إن كان مجردًا، أو مضافًا لنكرة.
٢- جواز مُطابقته وعدمها في الإفراد وفروعه والتذكير والتأنيث إن كان مضافا لمعرفة، والمفاضلة باقية. لكن التزام الإفراد والتذكير أفصح. وتجب البعضية في هذه الصورة.
٣- وجوب مطابقته في باقي الأحْوال. أي: حين يقترن "بأل"، أو يضاف لمعرفة والمفاضلة الحقيقية الخاصة غير قائمة. وفي هذه الإضافة الخالية من المضافة يجوز أن يكون بعضًا من المضاف إليه، وغير بعض.
[ ٣ / ٤٢٦ ]
المسألة ١١٣: عَمَل "أفعل" التفضيل
"أفعَل" التفضيل أحد المشتقات التي يصح أن يتعلق بها شبه الجملة، والتي يصح أن تعمل؛ فيكون معمولها مرفوعًا، أو منصوبًا، أو مجرورًا.
فمثال تعلق شبه الجملة به ما قاله أحد الوصافين في الإمام عليّ: "سمعته قُبَيْل المعركة يخطب في جنوده، فكان أفصح في القول لسانًا، وأعلى في الكلام بيانًا، ورأيته يخوض الوغَى؛ فكان أجرأ عند الإقدام قلبًا، وأقوَى لدى شِدّاتها عزمًا" ؛ فالجار والمجرور: "في القول"، متعلقان بأفصح. والجار والمجرور: "في الكلام"، متعلقان بأعلى. والظرف: "عند" متعلق: "بأجرأ". والظرف: "لدى" متعلق: "بأقوى".
أما عمله الرفعَ أو النصبَ أو الجرّ، ففيه البيان التالي:
أولا: علمه الرفع
١- يرفع الضمير المستتر باتفاق، نحو: العظيم أنبل نفسًا، وأشرف قصدًا، وأكثر تعلقًا بجلائل الأمور، ففي كل من "أنبل" و"أشرف"، و"أكثر" ضمير مستتر وجوبًا تقديره: "هو"، ويعود على: العظيم.
٢- ويرفع الضمير البارز أحيانًا –وهذا قياسي- نحو: مررت بزميل أفضلَ منه أنت، بجر كلمة: "أفضل"١، على اعتبارها نعتًا لزميل، و"منة": جار ومجرور متعلق بأفضل. و"أنت": فاعل١ أفعل التفضيل.
٣- وقد يرفع الاسم الظاهر –قياسا– إذا صح أن يحل محل "أفعل" التفضيل فعْلٌ بمعناه من غير فساد في المعنى أو في تركيب الأسلوب. فإن لم يصح كان رفعه الظاهر نادرًا لا يحسن القياس عليه.
_________________
(١) "١، ١" ويجوز رفع "أفضل" على اعتباره خبرًا مقدمًا، و"أنت" مبتدؤه. والجملة من المبتدأ والخبر في محل جر صفة لزميل. على الإعراب لا يكون "أفعل" قد رفع ضميرًا بارزًا.
[ ٣ / ٤٢٧ ]
وقد وضعوا للحالة الأولى ضابطًا مُطَّردا، وهو: أن يكون "أفْعل التفضيل" –في الأغلب– نعتًا والمنعوت اسم جنس، قبله نفي أو شبهه١. وأن يكون الاسم الظاهر المرفوع بأفعل التفضيل أجنبيًا٢ منه، ومفضَّلًا على نفسه ومفضولًا أيضًا –باعتبارين مختلفين- نحو: ما رأيت رجلًا أكمل في وجه الإشراق منه٣ أفعل تفضيل، نعت. والمنعوت قبلها اسم جنس منفيّ في جملته، وهو: "رجل"، و"الإشراقُ" فاعل لأفعل التفضيل، وهذا الفاعل مفَضَّل ومفضول معًا؛ فهو مفضَّل باعتباره في وجه العابد، ومفضول باعتباره في وجه غير وحه العابد. وهذا معنى قولهم: مفضل على نفسه ومفضول باعتبارين. وقد تحقق الضابط في المثال السالف؛ ومن ثَمَّ رفع أفعل التفضيل الاسم الظاهر. ومن الأمثلة: ما شاهدت عيونًا أجملَ فيها الحَوَرُ منه في عيون الظباء فأفعل التفضيل هو: "أجمل"، ومنعوته: "عيونًا" اسم جنس منفي في جملته، وفاعله الظاهر هو: "الحَوَر"، ولهذا الفاعل اعتباران، فهو مفضَّل إن كان في عيون الظباء، ومفضول إن كان في عيون غيرها. فقد تحقق في هذه الصورة الضابط الخاص كما تحقق في سالفتها.
وفي الصورتين يمكن أن يحل محل "أفعل" فعلٌ بمعناه من غير أن يترتب على هذا فساد، نحو: ما رأيت رجلًا يكمل في وجهه الإشراق وما شهدت عيونًا بجمل فيها الحَور
فإن لم يصلح أن يحل هذا الفعل محله لم يرفع اسمًا ظاهرًا، إلا نادرًا لا يقاس عليه –كما سبق –وإنما يرفع ضميرًا مستترًا وجوبًا؛ نحو: المشي أنفع من السباحة، ففي "أنفع" ضمير مستتر وجوبًا يعود على المشي، ولا يجوز في الرأي الراجح أن يرفع اسمًا ظاهرًا؛ لأنه لا يصح أن يحل محله فعل بمعناه؛ كما لا يصح أن يقال –في الرأي الراجح أيضًا –استمعت إلى فتى أعلمُ منه أبوه برفع كلمة "أبوه" على أنها فاعل لأفعل التفضيل٤: "أعْلم" إلا على لغة ضعيفة مرجوحة.
_________________
(١) ١ كالنهي، والاستفهام الذي بمعنى النفي، وسيجيء التمثيل لهما في "أ" ص٤٣٠. ٢ بأن يكون خاليًا من الضمير الذي يعود على الموصوف ويدل على صلة بين "أفعل"، ومنعوته. ٣ أي: من الإشراق "انظر "ب" في الزيادة، ص٤٣٠". ٤ لا يصح هذا: لأن أفعل التفضيل –في المثال أشباهه –ليس مفضلا على نفسه، وإنما هو مفضل على غيره.
[ ٣ / ٤٢٨ ]
ومن الأمثلة التي يرفع فيها الظاهر وينطبق عليها الضابط: "ما سمعت ببلاد أكثرَ فيها الثَّراءُ المدفون منه في البلاد العربية". ومنها مثالهم المرَدّد منذ عهود بعيدة حتى سَمَّوا مسألة الرفع باسمه، وهو: "ما رأيت رجلًا في عينه الكُحلُ منه في عين فلان" ويرمزون لكل ما سبق بقولهم: "إن أفعل التفضيل لا يرفع الظاهر إلا في مسألة: "الكُحل". يريدون المثال السالف المشتمل على كلمة: "الكُحل" وغيره مما يشابهه من الأمثلة التي ينطبق عليها الضابط العام كما ينطبق على مثال الكحل١
_________________
(١) ١ يقول ابن مالك فيما سبق من رفع أفعل التفضيل الظاهر كثيرًا إذا صح أن يحل محله فعل بمعناه، وقليلًا لا يقاس عليه إذ لم يصح: وَرَفْعُهُ الظَّاهِرَ نَزْرٌ. وَمَتَى عَاقَبَ فِعْلًا فكَثِيرًا ثَبَتَا يريد: أن رفع "أفعل" التفضيل للاسم الظاهر نزر "قليل" فلا يصح القياس عليه. لكن متى عاقب أفعلُ التفضيل فعلًا، "أي: وليه "أفعلُ" وأتى بعده فحل مكان الفعل"، فإن رفعه الظاهر في هذه الصورة قد ثبت نقله كثيرًا من العرب. وضرب لهذا الكثير مثلًا: كَلَنْ ترى فِي النَّاسِ مَنِ رَفِيقِ أوْلَى بِهِ الفَضْلُ مِنَ الصِّدِّيقِ والأصل: لن ترى في الناس من رفيق أولى به الفضل من الفضل بالصديق، ثم دخله الحذف الذي شرحناه والذي سيجيء في الزيادة. ومن الممكن أن يحل محله فعلى معناه هو: يحق.
[ ٣ / ٤٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- من أمثلة النهي: لا تخالفْ شريفًا أحبَّ إليه الخير منه إليك. ومن الاستفهام الذي بمعنى النفي: هل امرأة أحق الحمدُ منه بالأمّ؟.
ب- من كل الأمثلة السالفة يتبين أيضًا أن الاسم الظاهر الذي هو فاعل لأفعل التفضيل يقع بين ضميرين؛ أولهما: يعود للمنعوت. وثانيهما: يعود للفاعل الظاهر.
ويجوز حذف أولهما فقط، أو ثانيهما فقط، أو: هما معًا. فيجوز حذف الأول العائد على الموصوف –إن دل دليل على حذفه١؛ مثل ما رأيت رجلًا أكملَ، الإشراقُ منه في وجه العابد، ما شاهدت عيونًا أجملَ الحَوَرُ منه في عيون الظباء. والتقدير: أكملَ في وجهه الإشراق، وعيونًا أجملَ فيها الحورُ والمحذوف هنا ملحوظ كأنه مذكور١.
ومن الأمثلة الدقيقة الواردة عن القدماء: ما رأيت قومًا أشبهَ بعضٌ ببعض منه في قومك.
التقدير: ما رأيت قومًا أبْيَنَ فيهم شبه بعض ببعض منه في قومك.
ويجوز حذف الضمير الثاني العائد على فاعل اسم التفضيل بشرط أن تدخل "مِنْ" الجارة على الواحدة مما يأتي:
١- إما على اسم ظاهر مماثل للفاعل في لفظه ومعناه، فنقول: ما رأيت رجلًا أكمل في وجهه الإشراق من إشراق وجه العابد ما شاهدت عيونًا أجمل فيها الحور من حور عيون الظباء. والأصل؛ ما رأيت رجلًا أكمل في وجهه الإشراق منه في وجه العابد وما شاهدت عيونًا أجمل فيها الحور منه في عيون الظباء.
٢- وإما على المحل -أي: المكان- الذي يقوم به الفاعل؛ ويحل فيه، كالوجه في المثال السابق؛ فإنه المحل الذي يقوم به الإشراق، ويحل فيه. وكالعيون؛ فإنها محل الحور ومكانه و تقول ما رأيت رجلًا أكمل في وجهه الإشراق
_________________
(١) "١، ١" لأن المحذوف لدليل يدل عليه يُعَد بمنزلة المقدر، "الملحوظ"، والمقدر كالملفوظ.
[ ٣ / ٤٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من وجه العابد، ما شاهدت عيونًا أجمل فيها الحور من عيون الظباء و ففي هذه الصورة حذف مضاف واحد؛ إذ الأصل: من إشراق وجه العابد، ومن حور عيون الظباء.
٣- وإما: على صاحب ذلك الذي يقوم به الفاعل؛ ويحل فيه، كالوجه في المثال "أي: على شيء كلي له أجزاء متعددة، منها المحل الذي يحل فيه الفاعل" كالوجه في المثال الأول، والظباء في المثال الثاني و تقول ما رأيت رجلًا أكمل في وجهه الإشراق من العابد، ما شاهدت عيونًا أجمل فيها الحور من الظباء. وفي هذه الصورة حذف مضافان؛ إذ الأصل؛ من إشراق وجه العابد ومن حور عيون الظباء.
ويجوز حذف الضميرين معًا إذا حذف من الجملة كل ما يجيء بعد الفاعل الظاهر؛ فلا يذكر بعده شيء منها. وهذا بشرط أن يتقدم المفضّل نفسْهُ على "أفْعل" التفضيل؛ فيستغني "أفْعَلُ" بفاعله عما يكون بعده؛ نحو: ما شيء كالغزال أحسن به الحَوَرُ١. أو يتقدم محل المفضل على "أفعل"؛ نحو: ما شيء كعين الغزال أحسن بها الحورُ.
وربما خلت "من" في اللفظ على المفَضَّل "لا المفضول"، نحو: ما أحد أحسن بع الصبر من المتعلم.
وحبذا التخفف من استعمال هذه الأساليب الأخيرة، بل تركها قدر الاستطاعة.
_________________
(١) ١ ويقولون إن الأصل: ما شيء أحسن به الحور من حسن حور الغزال، حذف المضاف وهو: "حسن"، وحل المضاف إليه: "حَوَر" محله، فصار الكلام: من حور الغزال. ولما كان الحور منسوبًا للغزال، ومتصلًا به ملابسًا له صح حذفه استغناء عنه بالمضاف إليه الذي سيحل محله أيضًا؛ فصار الكلام: ما شيء أحسن به الحور من الغزال.
[ ٣ / ٤٣١ ]
ثانيًا: عمله النصب:
ينصب أفعل التفضيل المفعول لأجله، والظرف، والحال١ وبقية المنصوبات؛ فتكون معمولة له، إلا المفعول به، والمفعول المطلق، والمفعول معه. أما التمييز الذي هو فاعل في المعْنى فيصح أن يكون منصوبًا بأفعل التفضيل نحو: المتعلم أكثر إفادةً وأعظم نفعًا. فإن لم يكن فاعلًا في المعنى وكان "أفعل" التفضيل مضافًا صح أن ينصبه، نحو: المتنبي أوفر الشعراء حكمةً "وقد سبق ضابط كلّ٢".
ثالثًا: عمله الجر:
يعمل الجر في المفضول إذا كان مضافًا إليه، نكرة كان أم معرفة نحو: الجندي أسرعُ رجل للدفاع عن وطنه –القائد أقدرُ الجنود على إدارة رحَى الحرب
تعدية أفعل التفضيل بحروف الجر:
أ- إذا كان أفعل التفضيل٣ من مصدر فعل متعد بنفسه، دال على الحبّ أو البغض أو ما بمعناهما. كانت تعديته باللام بشرط أن يكون مجرورها مفعولًا به في المعنى٤، وما قبل: "أفعل" هو الفاعل المعنوي؛ نحو: الشرق أحب للدين من الغربي، وأبغض للخروج على أحكامه. إذا التقدير: يحب الشرقي الدين، ويبغض الخروج على أحكامه.
وتجئ "إلى" بدل اللام كان المجرور هو الفاعل المعنوي وما قيل "أفعل"
_________________
(١) ١ وقد ينصب حالين معًا؛ "طبقًا للبيان السابق في رقم ١ من هامش ص٤٠١" ولا مانع من وقوع الحال –هنا –جامدة غير مؤولة بالمشتق، كما هو مدون بباب الحال، ج٢. ٢ ج٢ م٨٨ باب التمييز. ٣ التعجب والتفضيل سيان في أكثر ما يأتي. "راجع ص٤٠٦". ٤ وذلك بإحلال فعل مناسب مكان أفعل التفضيل، يكون بمعناه. وقد سبق شرح هذا، وما يجيء بعده في ج٢ باب حروف الجر، عند الكلام على معنى: اللام وإلى ص٣٤٤ وما بعدها، و٣٤٧ م٩٠".
[ ٣ / ٤٣٢ ]
هو المفعول المعنوي؛ نحو: المال أحب إلى الشحيح من مُتَع الحياة. والتقدير: يحب الشحيحُ المال أكثر من متع الحياة١
ب- وإن كان فعله متعديًا بنفسه، دالًا على: "علْم" كانت تعديته بالباء؛ نحو: صديقي أعلم بي، وأنا أعرف به وأدرى بأحواله. فإن كان دالًا على معنى آخر كانت تعديته باللام، نحو: الحُر أطلبُ للثأر وأدفَعُ للإهانة، إلا أن كان الفعل يتعدى بحرف جر معيَّن فإن "أفعل" يتعدى به كذلك، نحو: كان أبو بكر أزهد الناس في الدنيا، وأبعدهم من التعلق بها: وأشفقهم على الرعيّة، وأنحاهم عن الظلم، وأذلهم لنفسه في طاعة ربه. وقول الشاعر:
أَجدَرُ الناس بحُبِّ صادق باذلُ المعروف من غير ثمنْ
ومثل البيت الذي سبق لمناسبة أخرى٢ وهو:
لولا العقول لكان أَدنى٣ ضيغمٍ أَدنى٤ إلى شرف من الإنسان
وإن كان فعله متعديًا لاثنين عُدّيَ لأحدهما باللام ونصب الآخر مفعولًا به؛ لعامل محذوف يفسره المذكور؛ "لأن "أفعل" التفضيل لا ينصب المفعول به كما سبق". نحو: فلان أكْسَى للفقراء الثيابَ. والتقدير: أكسَى للفقراء بكسوهم الثياب٥.
_________________
(١) ١ ومن هذا قول الشاعر: وأَحبُّ أَقطار البلاد إلى الفتى أرض ينال بها كريم المطلب ٢ في آخر ص٤٠٤. ٣ أقل. ٤ أقرب. ٥ لم لا يكون منصوبًا هنا "بأفعل" استثناء من عدم نصبه المفعول بع مباشرة، وقياسًا على الرأي الكوفي الذي سبق في ص٣٦٦ في صيغة: "أفعل" التي للتعجب، وهي صيغة لازمة أيضًا. ونستريح من التقدير؟ الحق أن كلا الإعرابيين معيب؛ إما لتعدية "أفعل" وهو لازم، وإما لتقدير شيء محذوف. ولكن الأول أخف نوعًا؛ لسرعة اتجاه الخاطر إلى العامل الظاهر؛ وأنه صاحب العمل لا المقدر.
[ ٣ / ٤٣٣ ]
المسألة ١١٤: التوابع الأربعة الأصيلة
مدخل
المسألة ١١٤: التوابع الأربعة الأصلية ١
أ- النعت. "ويسمى أيضًا: الصفة، أو: الوصف".
_________________
(١) ١ "التابع" الأصيل هنا: لفظ متأخر دائمًا، يتقيد في نوع الإعراب في لفظ معين متقدم عليه، يسمى: "المتبوع" –كما سيأتي – بحيث لا يختلف اللاحق عن السابق في ذلك النوع. فإذا كان النوع الإعرابي في اللفظ المعين السابق، هو: الرفع، أو النصب، أو الجر، أو الجزم، وجب أن يكون الثاني مسايرًا له في هذا؛ سواء أكان النوع الإعرابي في الأول لفظيًا، نحو: أقبل الأخُ الوفيُّ. أم: تقديريًّا؛ نحو: أقبل الفتى الوفيُّ، أم محليًا؛ نحو: أقبل سيبويه الوفيُّ. فلفظ: "الوفي" متقيد بالرفع "في الأمثلة الثلاثة" بحالة لفظ خاص قبله. ونقول: أكبرت الأخَ الوفيَّ –أكبرت الفتى الوفيَّ –أكبرت سيبويه الوفيَّ بنصب: "الوفي" في الأمثلة الثلاثة؛ مسايرة لذلك اللفظ الخاص. كما نقول قدرت في الأخ الوفيَّ مروءته، قدرت في الفتى الوفيِّ مروءته، قدرت في سيبويه الوفيِّ مروءته ، يجز: "الوفي" في الأمثلة الثلاثة أيضًا؛ مجاراة لذلك اللفظ السابق. وتقول: أفرخُ وأطربُ برؤية الأوفياء، ولن أفرحَ أطربَ برؤية الأعداء، ولم أفرحْ وأطربْ بسماع السوء؛ فالفعل: "أطرب"، وقد رفع مرة، ونصب مرة أخرى، وجزم ثالثة؛ تبعًا لفعل سابق، وتقييدًا به وهكذا يتقييد اللاحق بالسابق في نوع الإعراب، فيكونان معًا مرفوعين، أو: منصوبين، أو: مجرورين، أو مجزومين. ثم هما بعد ذلك يشتركان في الاسمية، أو الفعلية، أو الحرفية "كالتوكيد اللفظي للحرف" وقد يختلفان أحيانًا، "كما في بعض حالات العطف وستجيء في ص٦٤٢". ومما يجب الالتفات إليه أن التابع لا يتقيد بالمتبوع في: "البناء"، ولا في ضده: "الإعراب" ولا يسايره فيهما؛ ذلك لأن "البناء، أو: الإعراب" لا ينتقل مطلقًا من المتبوع إلى التابع؛ فلكل واحد من هذه الناحية استقلاله التام عن الآخر، بحيث لا يحكم على أحدهما بانه "مبني أو: معرب" إلا لوجود سبب خاص به؛ قائم بذاته يقضي بهذا أو بذاك، دون نظر للآخر. وقد أسلفنا أن المتقدم يسمى: "المتبوع"، والمتأخر يسمى: "التابع". ولا بد من تأخره عن متبوعه دائمًا. والتوابع الأصلية أربعة؛ "النعت"، "ويسمى أيضا: "الوصف، أو: الصفة"، فمعنى الكلمتين هنا غير معناهما السابق في "ب"، من هامش ص١٨٢، مرادًا منه هناك: المشتق"، "والتوكيد"، و"العطف بقسيمه"، و"البدل". "وسيجيء هنا تفصيل الكلام على كل واحد منها في باب خاص". ويلاحظ أن كل تابع من هذه التوابع الأربعة الأصلية يختلف اختلافًا كليًّا عن التابع العارض الذي سيجيء في ص٤٦٩. كما يختلف عن التابع العارض الذي سبق "في الجزء الأول م١٦ ص١٨١ رقم ٦ موضوع: الاسم المعرب، المعتل الآخر" بإهمال حركة الحرف الأخير من الكلمة وجعلها مماثلة لحركة الحرف الذي يجيء بعد كقراءة من قرأ: الحمدِ للَّهِ رب العالمين، بكسر الدال تبعًا لحركة اللام. =
[ ٣ / ٤٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بعض أحكام التوابع: إذا كان الواجب اتفاق التابع والمتبوع في نوع الإعراب فمن الواجب اختلافهما –حتمًا-. في سببه؛ فسببه في المتبوع قد يكون الفاعلية؛ أو: الابتدائية؛ أو: الخبرية؛ أو: المفعولية أو: الجر بالإضافة، أو: بالحرف، أو: بالجزم بالحرف أو غير ذلك من الأسباب المؤدية إلى الرفع، أو النصب، أو الجر، أو الجزم، أما في التابع فسببه واحد، هو: "التبعية" "لأنه النعت، أو عطف، أو توكيد، أو بدل"، ويتبين مما سبق أن التابع لا يجوز تقديمه على المتبوع مطلقًا. لكن قد يجوز تقدم معمول التابع في بعض الحالات التي ستجيء في أبوابها، بالرغم من أن البصريين يمنعون تقدم هذا المعمول، ون الكوفيين –كما سيجيء في ص٤٣٦-. ومن أحكام التوابع: صحة القطع في ثلاثة منها، هي: "النعت"، "إلا كلمة: كُلّ انظر ص٤٦٧ و٥١٣"، و"عطف البيان"، وكذا: "البدل" "على الوجه الموضح في "هـ" من ص٦٦٧". والصحيح أن القطع يدخل كذلك "عطف النسق"؛ طبقًا للرأي الآتي في رقم ١٠ من ص٦٦١، وهذا، وفي ص٤٨٦ وهامشها إيضاح القطع، وبيان المراد منه. ومن أحكامها أيضًا: أنها إذا اجتمعت، أو اجتمع عدد منها، وجب مراعاة الوجه الأفضل في تربيتها؛ وذلك بتقديم النعت، يليه عطف البيان، فالتوكيد، فالبدل، فعطف النسق؛ كما في البيت التالي: قدّم النعت، فالبيان، فأَكدْ ثم أَبجلْ، واختمْ بعطف الحروف ومن أحكامها أيضًا: ما نصوا عليه من أن التابع لا يفصل بين الموصول وصلته –طبقًا لما تقدم في ج١ م٢٧ ص٣٥١ وأنه يصح الفصل بين التابع والمتبوع بفاصل غير أجنبي محض؛ كمعمول الوصف في قوله تعالى ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ - عَلَيْنَا - يَسِيرٌ﴾ ومعمول الموصوف في نحو: تعجبني معاونتك ضعيفًا الكبيرةُ. وعامله؛ نحو: المريضَ أكرمت الجريحَ. ومفسر عامله؛ كقوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ والتقدير: إنْ هلك امرؤ هلك، ومعمول عامل الموصوف؛ كقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ عَالِمُ الْغَيْبِ﴾، والمبتدأ الذي يشتمل خبره على الموصوف؛ كقوله تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، والخبر؛ نحو: الصانع الناجحٌ المخلصُ. والقسم؛ نحو: الولد –والله البارُّ محبوب، وجواب القسم؛ كقوله تعالى: ﴿بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾، والاعتراض كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ والاستثناء؛ نحو: ماَ عرفت أحدًا إلا الوالدين كاملَ الشفقة. والمضاف إليه؛ نحو: أبو بكرِ الصديقُ أول الخلفاء "ويلاحظ أن النعوت المضاف –ومنه "الكنية" –له حكم خاص لفظي ومعنوي، يجيء في ص٤٤٤". ولا يجوز فصل المنعوت المبهم –كاسم الإشارة ونحوه– من نعته الذي لا يستغني عنه؛ فلا يقال: أكرمت هذا عليًا النابغَ. والأصل: أكرمت هذا النابغ عليًا، ومثله: الشِّمْرَي العبُور ؛ فلا يصح الفصل بين "العبور" ومنعوتها. واسم الموصول –وهو من الأسماء المبهمة –لا يصح الفصل بالنعت بينه وبين صلته، "كما سبق هنا وفي باب: "الموصول"، ج١ م٢٧" فيصح: أبصرت الذي في الحديقة المسرور، ولا يصح: أبصرت الذي المسرور في الحديقة. =
[ ٣ / ٤٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وكذلك لا يجوز الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه إذا كان المعطوف متممًا للمعطوف عليه النعت، ولا يستغني المنعوت عنهما معًا، "أي: عن النعت ومعه ما يكله"؛ ففي مثل: إنّ امرأ يتعلم ولا يعمل بعمله خاسر لا يصح أن يقال: إن امرأ يتعلم خاسر ولا يعمل بعمله، لأن المعطوف والمعطوف عليه هما جزءان لنعت واحد في المعنى. وكذلك لا يجوز الفصل بين المصدر ومعموله بتابع مطلقًا؛ نعتًا أو غير نعت -"طبقًا لما سبق في رقم ٥ من ص٢١٦" –وكذلك لا يجوز الفصل بين النعت ومنعوته إذا كان النعت له معنى، ويلازم التبعية في الأغلب، فلا يستقل بنفسه في الاستعمال بغير منعوته: مثل كلمة: "يَقَقٌ" في مثل: "هذا الورق أبيض يَقَقٌ" أي: خالص البياض، وكذا غيره مما يلازم التبعية ، وليس من اللازم في التابع ولا في المتبوع أن يكون لفظًا مفردًا فقد يكون مفردًا؛ وقد يكون جملة، أو شبه جملة، على حسب التقييد والتفصيل الموضح في أبواب التوابع الأربعة. ويصح الفصل بين النعت ومنعوته بكلمة: "كان" الزائدة بلفظ الماضي؛ مثل: سميت لزيارة صديق كان مريضٍ –كما سبق في باب كان، ج١-. ومن أمثلة الفصل بين التوكيد والمؤكَّد "بفتح الكاف المشددة" قوله تعالى: ﴿ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾، فكلمة: "كل" مرفوعة؛ لأنها توكيد لنون النسوة "الفاعل" وليست توكيدًا للضمير المنصوب المتصل بالفعل: "آتيت" والصحيح عدم جواز الفصل بين التوكيد والمؤكد إذا كان لفظ التوكيد هو كلمة: "كُلّ" التي تليها كلمة: "أجمع" لتقويتها في التوكيد، وما يقع بعد "أجمع" من ألفاظ التوكيد الملحقة التي تساق لتقوية التأكيد –وستجيء في ص٥١٧-. كذلك يصح الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بكلمة: "كان" الزائدة بلفظ الماضي، مثل: الصديق الحق مخلص في الشدة كان والرخاء. ويصح الفصل بينهما بالنداء؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ. رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا؛ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ - رَبَّنَا - وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ، وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ، وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا، وَتُبْ عَلَيْنَا؛ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا - وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ والأصل من غير الفصل بالنداء: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ﴾ – ﴿إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ فجاء النداء –وهو "ربنا" –وفصل بين المتعاطفين مرتين في آخر الآيات. ومن أمثلة الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ﴾ بنصب كلمة: "أرجل"؛ عطفًا على: "وجوه". وهناك حالتان يجب فيهما –طبقًا للأرجح –الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه، ستذكران في ص٦٣١ وما بعدها "من باب العطف" ومعهما حالتان أخريان يستحسن فيهما الفصل. وأن ماعدا الحالات السالفة يجوز فيه الفصل بشرط ألا يكون الفاصل طويلًا –وفي ص٦٣١ البيان-. ومن أمثلة الفصل بين البدل والمبدل منه قوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِصْفَهُ ﴾ . وقد أشرنا –في ص٤٣٥ –إلى أن البصريين لا يجيزون أن يتقدم معمول التابع على المتبوع وخالفهم الكوفيون، فيجيزون أن يقال: حضر طعامك رجل يأكل؛ بنصب كلمة: "طعام" المعمولة =
[ ٣ / ٤٣٦ ]
تعريفه:
تابع يُكمل متبوعَه١، أو سببيّ٢ المتبوع، بمعنى جديد يناسب السياق، ويحقق الغرض. وأشعر الأغراض الأساسية التي يفيدها النعت ما يأتي٣.
١- الإيضاح٤ إن كان المتبوع معرفة، كقول شوقي في الرسول ﵇:
_________________
(١) = الفعل: "يأكل" وقد وافقهم الزمخشري في قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ فجعل الجار ومجرورة متعلقين بكلمة "بلغيًا". وهذا رأي حين، لما فيه من تيسير. من كل ما تقدم جواز الفصل بين التابع ومتبوعه بغير الأجنبي المحض. أما الأجنبي المحض فلا يصح الفصل به؛ ففي مثل: مررت برجل عاقلٍ فرس أبلقَ.. لا يصح أن يقال: مررت برجل على فرس عاقل أبلق.. وهكذا: والصحيح أن العامل في التابع هو العامل في المتبوع، ولا تختلف التوابع في هذا ويتحتم أن يكون المتبوع اسمًا إذا كان التابع نعتًا، أو توكيدًا معنويًا، أو عطف بيان. أما إن كان التابع توكيدًا لفظيًّا، أو عطف نسق، أو بدلًا، فقد يكون المتبوع اسمًا أو غير اسم. وكل ما تقدم إنما خاص بالتابع والمتبوع نم ناحيتهما اللفظية. أما حكمهما من ناحيتهما المعنوية فقد يتفقان تمامًا في معناهما، كبدل الكل من الكل، وقد يختلفان تمامًا، كما في حالة العطف بالحرف: "لا" وقد يتفقان مع تفاوت كبير؛ كالنعت الذي للتوضيح وفيما سبق يقول ابن مالك: يَتْبَعُ في الْإِعرابِ الأْسماءَ الأُوَلْ نعتٌ، وتوكيدٌ، وعكفٌ، وبَدَلْ يريد: أن هذه الأربعة تتبع في إعرابها الأسماء الأول، أي: الأسماء التي سبقتها وتقدمت عليها، وهي الأسماء المتبوعة. واقتصر على الأسماء دون غيرها لأن هذه هي الأكثر. والتوابع الأربعة فضلات يصح الاستغناء عنها؛ إذ ليس واحد منها يؤدي في جملته معنى أساسيًا تتوقف عليه فائدتها الأصلية، إلا النعت؛ فإنه قد يتمم –أحيانًا– الفائدة الأساسية على الوجه الذي سيجيء في ص٤٤٠. ونكرر ما سبقت الإشارة إليه "في آخر هامش ص٣٤٣ وتفصيله في ص٤٦٩" وهو أن تابع من هذه التوابع الأربعة مغاير كل المغايرة لنوع التابع الآتي في ص٤٦٩. ١ لابد في المتبوع هنا –وهو المنعوت– أن يكون اسمًا، كما أشرنا. وقد يكون هذا الاسم مضافًا؛ كالكنية ولها حكمها الخاص الذي يجيء بيانه في ص٤٤٤. ٢ السببي هو: الاسم الظاهر المتأخر عن النعت، المشتمل على ضمير يعود على المتبوع المتقدم، ويدل على ارتباطه به بنوع من الارتباط؛ كالنبوة، أو الأخوة، أو الصداقة "انظر ص٤٥٢". ٣ ما عداها من الأغراض الأخرى، كالتفصيل، والإبهام قليل لا أهمية له؛ بل إنه داخل فيما سيأتي. ٤ الإيضاح: إزالة الاشتراك اللفظي ألفي يكون في المعرفة، ورفع الاحتمال الذي يتجه إلى مدلولها ومعناها؛ فكلمة مثل: "أحمد أو: محمود" أو: غيرهما من المعارف قد يشترك في =
[ ٣ / ٤٣٧ ]
أَشرَق النورُ في العوالِمِ لَمّا بشَّرتْها بأَحمدَ الأَنباءُ
اليتيم، الأُمِّيِّ، والبشر الموحَى إليه العلومُ والأَسماءُ
أَشرفِ المرسلين، آيتُه النطقُ مبينًا، وقومُه الفصحاءُ
ونحو: فتح مصرَ عَمْرُو بنُ العاص، الصائبُ رَيُه، المحْكمُ تدبيرُه
فالكلمات التي تحتها خط "فيما سبق" نعوت توضح منعوتها المعرفة.
٢- التخصيص١ إن كان المتبوع نكرة؛ كقول الشاعر:
بُنيّ، إن البِرَّ شيءٌ هيِّنُ وجهٌ طليقٌ، وكلامٌ لَيِّنُ
ونحو: كَم من كلمة خفيفة وزنُها، أودت بجماعة وفيرِ عددُها!!.
_________________
(١) = التسمية بها أكثر من شخص، فهي –مع أنها معرفة تدل على مُعين– قد تحمل أحيانًا نوعًا من الإبهام، أو الإجمال، يحتاج إلى مزيد بيان وإيضاح؛ فيجيء النعت لتحقيق هذا الغرض؛ فنقول: أحمد العالم محترم، ومحمود المحسن محبوب. ملاحظة هامة: النعت إنما يوضح متبوعة –ويخصصه كذلك– بأمور عرضية يدل عليها معنى النعت، وتكون مما يطرأ على الذات، كالعلم، والفهم، والذكاء.. أما توضيح الذات نفسها بلفظ يدل عليها وتكون هي المراد منه مباشرة، لا أن المراد أمر عرضي يطرأ عليها فمن اختصاص عطف البيان، والتوكيد اللفظي، وكذا التوكيد المعنوي بالنفس والعين، فإن كل واحد من هذه التوابع الثلاثة هو عين الأول "المتبوع" –كما سيجيء في أبوابها ص٥٢٥ و٥٣٨ و٥٤٢ و٥٠١ و٥٠٣– أما التوكيد المعنوي بلفظ، "كل" أو: "جميع" أو: "عامة" فإن المراد منه هو: "إفادة المسئول"، وليس الدلالة على الذات نفسها –والبيان في ص٥٠٩-. -راجع الصبان أول باب النعت-. ١ مدلول النكرة "كرجل، وشجرة، وكوكب" يشمل أفرادًا كثيرة قد يصعب حصرها؛ فإذا وصفت أمكن تقليل أفرادها، وتضييق عدد ما تشمل عليه تضيقًا نسبيًا، "أي: بالنسبة لحالتها قبل النعت"؛ فكلمة: رجل، تشمل ما لا يعد من الرجال، عالمهم، وجاهلهم، غنيهم، وفقيرهم، صحيحهم ومريضهم و و، لكن إذا قلنا هذا رجل عالم، تخصصت الكلمة بنوع معين من الرجال دون غيره، بعد أن كانت تشمله، وتشمل أنواعًا كثيرة معه. "راجع ص٢٣" والنعت يخصص متبوعه –كما يوضحه– بأمور عرضية مما يطرأ على الذات، طبقًا للملاحظة السابقة في آخر رقم ٤ من هامش الصفحة السالفة.
[ ٣ / ٤٣٨ ]
٣- مجرد المدح١؛ كقولهم: من أراد من الملوك والولاة، أن يُسعِد أمته، ويُقوي دولته، فيسلكْ مسالك الخليفة العادلِ عمَر بنِ الخطاب.
ونحو: رضي الله عن هذا الخليفةِ الشاملِ عدلُه، الرحيم قلبُه..
٤- مجرد الذم١؛ كقولهم: من أراد من الولاة أن يمَأ النفوس حَنَفًا، والقلوب بُغضًا فليَنْهج نهج والي الأمويين الحجّاج بنِ يوسفَ، الطاغِيَةِ.
ونحو: كان الحجاج الواليَ القاسِيَ قلبُه، الطائشَ سيفُه، الجامحَ هواه
٥- الترحُّم٢ نحو: ما ذنب البائسِ الجرِيحِ قلبُه يقسو عليه الزّنيمُ٣، والطائر الْمَهيض٤ جَناحُهه يعذبه الشِرّير؟
٦- التوكيد؛ نحو: كان خالدُ بنُ الوليدِ بضرب خصمه الضَّربة٥ الواحدة٥ فتقضي عليه.
ونحو: أُعْجبتُ بخالد الواحدةِ٥ ضَربتُه، القريدةِ٦ طعنتُه٧
_________________
(١) "١، ١" يتجرد النعت المدح الخالص أو الذم الخالص، حين يكون معناه اللغوي أو المراد الأصل منه غير مقصود، وتقوم القرينة الدالة على أن المقصود أمر آخر؛ هو: المدح أو الذم؛ فشهرة عمر بالعدل، والججَّاج بالطغيان؛ شهرة لا تكاد تخفى على أحد، جعلت القصد من كلمتي: "العادل" و"الطاغية" في المثاليين، إنما هو أمر آخر غير معناهما اللغوي الأصيل؛ ذلك الأمر هو: المدح في الأولى، والذم في الثاني، ولولا هذا لكان مشتملًا على لفظ لا يفيد معنى جديدًا، وهذا معيب بلاغة. ٢ إظهار الرحمة والحنان لغيرك. ٣ اللئيم المعروف بلؤمه وشره. ٤ المكسور. "٥ و٥ و٥" إنما كان النعت في هذا المثال –وأشباهه- للتوكيد، لأن صيغة "فَعْلة" التي فيه تدل لى المرة الواحدة من غير حاجة إلى كلمة أخرى. فإذا جاء بعدها كلمة: "الواحدة" لم تفد معنى جديدًا، وإنما تؤكد المعنى القائم. ومثلها كلمة: الفريدة؛ لأنها بمعنى: المنفردة، أي: الواحدة. وكذلك ما أشبهها من الكلمات الأخرى. ومن أمثلة النعت الدال على التوكيد قولهم: أمسِ الدابرُ لا يعود، وغدٌ القادمُ لن يتوقف. "فالدابر" و"القادم" نعتان للتوكيد؛ لأن "أمس" لا بد أن يكون دابرًا، "أي: منقضيًا"، والغد لا بد أن يكون قادمًا.. ٦ الوحيدة. ٧ وفي تعريف النعت بنوعيه يقول ابن مالك: فالنَّعتُ تابعٌ مُتِمٌّ مَا سَبَقْ بوَسْمِهِ، أَوْ وَسْمِ مَا بِهِ اعْتَلَقْ "بوسمه: أي: بزيادة سمة عليه، وهي الزيادة المعنوية الناشئة من النعت، والمنصبة على المنعوت. "اعتلق": بمعنى اتصل به بعلاقة، والذي يتصل: بالنعت بعلاقة هو: سببيه. فالمراد: أن النعت تابع يتمم المنعوت الذي سبقه، أو: يتمم ما اتصل بالمنعوت.
[ ٣ / ٤٣٩ ]
٧- وقد يتمم النعتُ الفائدةَ الأساسية بالاشتراك مع الخبر. مع أن الأصل في الخبر١ أن يتمم هذه الفائدة وحده. لكنه في بعض الأحيان لا يتممها إلا بمساعدة لفظ آخر كالنعت؛ كقوله تعالى يخاطب المعارضين: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾، أي: ظالمون. وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ٢.
وقول الشاعر:
ونحن أناسٌ لا توسّطَ عندنا لنا الصدر دون العالمين أو القبر
وقول الآخر:
ونحن أناسٌ نحبّ الحديث ونَكرهُ ما يوجب المأثَما
إذ لا تتحقق الفائدة بأن يقال: أنتم قوم –نحن أناس؛ لأن هذا معلوم
_________________
(١) ١ سواء أكان خبر مبتدأ أم خبر ناسخ. ٢ إيضاح هذا في باب المبتدأ والخبر "ج١ ص٣١٩ م٣٢". وقلنا هناك لا فرق في الحكم بين خبر المبتدأ؛ كالأمثلة المذكورة، وخبر الناسخ كقول الشاعر: ولا خير في رأي بغير رَوِيَة ولا خير في رأي تعاب به غدًا إذ لا فائدة من قولنا: لا خير في رأي بل لا يصح أن يقال هذا إلا مع التكملة، وهي هنا النعت؛ "وهو: شبه الحملة في الشطر الأول، والجملة الفعلية في الشطر الثاني". ومن شبه الجملة الواقع خبرًا نفتقرًا إلى بعده ليتمم به المعنى الأساسي قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ؛ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ، الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ، وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾ فلا يمكن أن يصح المعنى الأساسي هنا بغير النعت وما يتصل به.
[ ٣ / ٤٤٠ ]
بداهة من القرائن العامَّة المحيطة بالمتكلم١
تقسيم النعت، وحكم كل قسم:
١- ينقسم النعت باعتبار معناه إلى: نعت حقيقي، وإلى نعت سببيّ٢.
أ- فالحقيقي هو: ما يدل على معنى في نفس منعوتة الأصلي٣، أو فيما هو بمنزلته وحكمه المعنوي.
وعلامته: أن يشتمل على ضمير مستتر أصالة، أو تحويلًا يعود على ذلك المنعوت.
ولبيان هذا نسوق الأمثلة التالية:
يقول بعض الشعراء في وصف نوع من حكم الملوك إنه:
نكَدٌ خالدٌ، وبؤْسٌ مقيمٌ وشقاء يَجِدُّ منه شقاءُ
فكلمة: "خالد" نعت حقيقي، منعوتة الأصلي هو: "نكد". وهذا النعت يؤدي معناه في نفس منعوتة الأصلي مباشرة، ويشتمل على ضمير مستتر يعود إليه. وكلمة: "مقيمٌ" نعت حقيقي، ومنعوتة الأصلي هو: بُؤْس" وهذا النعت يؤدي معناه في نفس الأصلي مباشرة، ويشتمل على ضمير مستتر يعود إليه..
_________________
(١) ١ ومثل كلمة: "خُلَبًا" في قول الشاعر: لا يكنْ وعدُك برْقًا خُلَّبًا إِن خير القول ما الفعلُ مَعَهْ والبرق الخلب: الذي لا مطر معه. ومثل جملتي: "يفاد، ويصان" في قول الشاعر: ليس الغنى مالًا يفاد ويُقتنَى إن الغنى خُلقٌ يصان عن الدَنْس ٢ تفصيل الكلام على السببي في ص٤٥٢، وسيجيء في الزيادة ص٤٥٦ تقسيم معنوي آخر. ٣ المراد بنفس المنعوت ما ليس سببيًا له. ويلاحظ ما سبق "في رقم ١ من هامش ص٤٣٨" من أن النعت لا يتعرض للذات في صميمها، وكيانها الأساسي، وإنما يختص بالأمور العرضية التي تطرأ عليها.
[ ٣ / ٤٤١ ]
وتقول: استمعت إلى خطيب فصيح اللسان، عذبِ البيان، قويِّ الحجة. أو: استمعت إلى خطيب فصيحٍ لسانًا، عذبٍ بيانًا، قويِّ حجةً.
فكلمة: "فصيح" نعت حقيقي، والمنعوت هو: خطيب، وليس منعوتًا أصليًّا؛ ولكنه بمنزلة الأصلي وفي حكمه؛ لأن الجملة كانت في أساسها الأول: استمعت إلى خطيب فصيح لسانُه١ فالفصيح هو اللسانُ لا الخطيب. لكن جرى على الجملة تَغيير اقتضى أن يتركً الضمير البارز مكانه، وينتقل إلى النعت، ويستتر فيه، ويصير مسندًا إليه٢، فاعلًا، ويعرب الاسم الظاهر بعد النعت مضافًا إليه مجرورًا، ويصحّ أن يعرب تمييزًا منصوبًا، إن كان نكرة. أو منصوبًا على التشبيه بالمفعول به إن كان نكرة أو معرفة. وصارت كلمة: "فصيح" –وهي النعت –مشتملة على ضمير مستتر محوَّل٣، إليها من مكان آخر، وبسبب انتقال هذا الضمير إلى مكانه الجديد صار النعت يدل على معنى يدل على معنى في المنعوت بعد أن كان يدل على معنى في شيء آخر له صلة بالمنعوت. فالمنعوت في الحالة الجديدة صار منعوتًا بعد تحويل وإسناد جديدين. حين تَمَّا اتجه المعنى إليه، مع أنه ليس المقصود في الحقيقة بالنعت. لكن الصلة بين هذا النعت والاسم الظاهر بعده قوية، ومن أجلها كان النعت بمنزلة الاسم الظاهر، وفي حكمه المعنوي. ومثل هذا يقال: في عذب البيان، وقوي الحجة..
_________________
(١) ١ لأن الأصل أن ترفع الصفة المشبهة فاعلها فهي محتاجة إليه كالفعل أشد من احتياجها إلى غيره. ٢ مجازًا؛ وذلك للسبب الذي تكرر إيضاحه في إضافة اسم الفاعل لفاعله "ص٢٤٢ و٢٦٧ و٢٩٢ وفي إضافة اسم المفعول ص٢٧٥ و٢٨٠ والصفة المشبهة ص٣١٢" ومن ثم كانت تسمية النعت في هذه الحالة نعتًا حقيقيًا هي تسمية "مجازية" لسبب الذي شرحناه في الأبواب المذكورة، وهو جريانه على غير من هو له؛ إذ حول فيه الإسناد عن الظاهر إلى ضمير الموصوف، وصار الظاهر مجرورًا بالإضافة. ويجوز نصبه تمييزًا إن كان نكرة. كما يجوز نصبه على التشبيه بالمفعول به إن كان نكرة أو معرفة. أما النعت الحقيقي الأصلي فيجري فيه الضمير على الموصوف الذي هو له مباشرة، فليس فيه رائحة مجاز، أي: أن النعت يرفعه أصالة. أما في الأخرى فيرفعه بعد التحويل. ٣ أي: منقول.
[ ٣ / ٤٤٢ ]
حكم النعت الحقيقي:
الأغلب مطابقته للمنعوت١ وجوبًا في: التذكير والتأنيث، وفي التعريف والتنكير، وفي الإفراد وفروعه، وفي حركات الإعراب الثلاث. نحو: هذا خطيبٌ فصيحٌ –هذان خطيبان فصيحان –هؤلاء خطباء فصحاء –هذه الخطيبة فصيحة –هاتان خطيبتان فصيحتان هؤلاء خطيبات فصيحات وكذا الباقي.
وبناء على هذا الأغلب لا بد أن يطابق النعت الحقيقي منعوته في أربعة٢ أمور تجتمع فيه من العشرة السالفة٣، وأن يكون رافعًا ضمير الموصوف، أصالة أو تحويلًا. بالطريقة التي شرحناها.
_________________
(١) ١ إلا في المسائل الآتية في الزيادة والتفصيل "ب –ص٤٤٤ وج –ص٤٤٥". ٢ واحد من حركات الإعراب الثلاثة، وواحد من التعريف والتنكير، وواحد من التذكير والتأنيث، وواحد من الإفراد وفروعه. ٣ ما عدا المسائل الآتية في "ب" و"ج" من الزيادة والتفصيل.
[ ٣ / ٤٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- قد يكون المنعوت كُنية. وقد أوضحنا –فيما تقدم١ –أن تركيبها إضافي ولكنها معدودة من قسم العَلَم الذي معناه إفراديّ؛ فكل واحد من جزأيها لا يدل بمفردة على معنى يتصل بالعَلمية. فإذا وقع بعدها تابع –كالنعت في قولنا: جاء أبو عليّ الشجاعُ –فإن النعت وهو هنا كلمة: "الشجاع" يعتبر في المعنى نعتًا لأحدهما دون الثاني، وإلا فسد المعنى. ولكنه يتبع في الإعراب المضاف وحده؛ فلفظه تابع في حركة إعرابه للمضاف، وأما معناه فواقع على المضاف والمضاف إليه١ معا. وهذا الحكم يسري على النعت بنوعيه؛ الحقيقي والسببي –وستجيء له إشارة في السببي، في رقم٢ من هامش ص٤٥٢.
وكذلك يسري على العطف؛ "طبقا لما سيجيء في بابه. رقم٩ من ص٦٦١".
وعلى التوكيد "كما في ب ص٥٠٧".
وعلى البدل "كما في رقم٣ من هامش ص٦٦٦".
ب- هناك منعوتان معارف تقتضي أن يكون نعتها معرفة أيضا، ولكن من نوع معين من المعارف لا يصلح لها غيره، مثل كلمة: أيّ، وأيَّة" عند ندائهما؛ فإنهما يتعرفان بالنداء، ولا يصوفان إلا باسم معرف "بأل" أو باسم موصول، أو باسم إشارة مجرد من كاف الخطاب؛ نحو: يا أيها الوفيّ ما أنبلك –يا أيتها التي أحسنت - يأيهذا الوفيْ
ومثل اسم الإشارة، فإنه لا يوصف مطلقًا –منادى وغير منادى –إلا بمعرفة، مبدوءة "بأل"؛ نحو: يا هذا الناقد تَلَطفْ.
- وسيجيء تفصيل الحكم في باب النداء ج٤ ص٣٦ و٣٧ م١٣١ ٢..-.
_________________
(١) "١و١" انظر الكلام على الكنية ونعتها –ج١ م٢٣ ص٢٧٧ باب: "العلم". وقد سلف هنا في "ج" من ص١٦٧ حكم النعت بعد المركب الإضافي، ومنه العلم الكنية. ٢ بهذه المناسبة تنقل بعض ما جاء في الموضع المذكور خاصًا بكلمة: "أيّ وأيّة" عند ندائهما من وجوب إفرادهما؛ سواء أكانت صفتهما مفردة أم غير مفردة؛ نحو: يأيها الناصح أعمل بنصحك أولًا –يأيها المتنافسان ترفَّعا عن الحقد –يأيها الطلاب أنتم ذخيرة البلاد و و
[ ٣ / ٤٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ج- يستثنى من المطابقة الحتمية أمور:
منها: بعض ألفاظ مسموعة١ لا مطابقة فيها في الجمع؛ فالنعتْ جمع، والمنعوت مفرد؛ منها قولهم: هذا ثوبٌ أخلاقٌ –وبُرْمةٌ أعشارٌ –ونطفةٌ أمْشاجٌ٢ و
ومنها: ألفاظ التي تلزم –في الأغلب –صيغة واحدة في التذكير والتأنيث،
_________________
(١) = "أما من جهة التأنيث والتذكير فالأفضل الذي يحسن الاقتصار عليه عند النداء –وإن كان ليس بواجب –هو أن تماثل كل منهما صفتها. فمثال التذكير ما سبق. ومثال التأنيث: يأيتها الفتاة أنت عنوان الأسْرة –يأيتها الفتاتان أنتما عنوان الأسْرة –يأيتها الفتيات أنتن عنوان الأسرة. ويجوز في "أي" عدم المماثلة لنعتها المؤنث؛ فيصح أن تستعمل معه ومع نعتها المذكر بصورة واحدة خالية من تاء التأنيث، ولا يصح هذا في "أية" المختومة بالتاء؛ فلا بد من تأنيث صفتها المؤنثة. "ولا بد من وصفأيّ وأية" عند ندائهما، أما باسم تابع في ضبطه لحركتها اللفظية الظاهرة وحدها، وتصير بعد النداء العهد الحضوري. وإما باسم موصول مبدوء ب "بأل". وإما باسم إشارة مجرد من كاف الخطاب. ويتحتم في الرأي الأشهر والأوْلى أنْ يكون اسم الموصول واسم الإشارة تابعين في حرمتهما لحركة المنادى الشكلية الظاهرة، "أو المحلية؛ طبقًا للرأي السالف المردود"، فيكون كل منهما في محل رفع فقط؛ تبعًا لصورة المنعوت المنادى؛ نحو: يأيها العَلُم الخفاقْ تحيةً، ويأيتها الراية العزيزة سلمتِ على الأيام، أو: يأيها الذي يخفق فوق الرؤوس تحية، ويأيها التي ترفرفين سملت ونحو: أَيها ذا الشاكي وما بك داءٌ كن جَميلًا تر الوجود جميلا "فإن كانت: "أل" غير جنسية؛ بأن كانت زائدة في أصلها ولكنها صارت بعد النداء للعهد، أو للمح الأصل، أو للغلبة، أو ، لم يصح النعت بما دخلت عليه، فلا يقال: يأيها السيف، ولا يأيها الحرب لرجلين اسمهما سيف، وحرب. ولا: يأيها المحمدان أو المحمدون وكذلك لا يقال: يأيها ذاك العالم؛ لا شتمال الإشارة على كاف الخطاب؛ إذ لا يصح اشتمال الجملة الواحدة –في غير الندبة –على خطابين لشخصين مختلفين "طبقًا لما في ج٤ رقم٦ من هامش ص٣١ عند الكلام على القسم الرابع: "المضاف". "وإذا وصفت "أي وأية" باسم الإشارة السالف فالأغلب وصفه أيضًا باسم مقرون "بأل" كالبيت المتقدم " اهـ، المنقول الموجز. ١ أي: مقصورة على السماح؛ فلا يزاد عليها. ٢ الأخلاق: جمع خَلَق، وهو: البالي. والأعشار جمع: عُشْر –بضم فسكون -والأمشاج، جمع: مشيج، أو: مَشَج –بفتح الأول والثاني - ، وهو المختلط.
[ ٣ / ٤٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كصيغة: "فَعُول" بمعنى: "فاعل"؛ مثل صَبور؛ بمعنى: صابر: فهذه الصيغة –في الأغلب –لا تلحقها علامة تأنيث، وإنما تلازم التذكير؛ إفرادًا، وتثنية، وجمعًا –بالشروط والتفصيلات الآتية في باب "التأنيث١" –تقول: هذه فتاة صبور –هذان رجلان صبوران –هاتان فتاتان صبوران، هؤلاء رجال صُبُرٌ –وفتيات صُبُرٌ.
ومن تلك الألفاظ: المصادرُ التي تقع نعتًا، ويغلب عليها الإفراد والتذكير؛ طبقًا للبيان الخاص بها، وسيجيء ٢
ومنْها: أن يكون المنعوت جمع مذكر غير عاقل٣؛ فيجوز في نعته
_________________
(١) ١ ج٤ ص٤٤١ م١٦٩. وفي ذلك الموضع نص قرار أصدره مجمع اللغة العربية بالقاهرة يبيح زيادة تاء التأنيث في آخر صيغة "فَعُول" بمعنى "فاعل". وقد سجلناه هناك. ٢ في رقم٧ من ص٤٦٠ و"أ" من ص٤٦٤. ٣ المراد هنا بجمع المذكر لغير العاقل ما يشمل: "جمع التكسير للمذكر غير العاقل"، "أي: جمع التكسير الذي يكون مفرده مذكرًا غير عاقل؛ مثل: كُتب –أقلام –مياه " وما يشمل أيضًا: "الملحق بجمع المذكر السالم" مما يكون مفرده مذكرًا غير عاقل أيضًا مثل: أَرَضُون جمع أرض، ووابلون، جمع وابل؛ بمعنى: مطر غزير، وعِلّيُّون، جمع: عَلِّيّ للمكان العالي فلا يدخل فيما سبق جمع المذكر السالم الأصيل؛ لأن مفرده عاقل –في الأغلب-. وقد اشترطنا أن يكون المنعوت جمع مذكر غير عاقل، لأن هذا هو المفهوم من النص الصريح الوارد في حاشية ياسين أول باب: "النعت" –ج٢ –وهو أيضًا المفهوم من أمثلته، حيث قال ما نصه: "بقي أشياء مستثناة من المطابقة –أي: من مطابقة النعت وجوبًا للمنعوت في الجمع –كما بيناه في حواشي الألفية. ومن ذلك صفة مذكر ما لا يعقل؛ قال ابن الحاجب في أمالي القرآن: "أنت فيها بالخيار؛ إن شئت عاملتها معاملة الجمع المؤنث؛ وإن شئت عاملتها معاملة المفرد المؤنث؛ فتقول: هذه الكتب الأفاضل، والفُضْلَيات، والفُضَل، والفُضْلى. فالأفاضل على لفظه في التذكير. والفُضليات والفُضَل": إجراء له مجرى جمع المؤنث؛ لكونه لا يعقل. و"الفُضْلَى" إجراء له مجرى الجماعة. وهذا جار في الصفات والأبار، والأحوال؛ ولذلك جاء: "أُخر" نعتًا للأيام –يعنى قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ جمع: أخرى –ولولا ذلك لم يستقم. ولذلك لو قلت: "جائني رجال ورجال أُخَر" لم يجز حتّى تقول: أواخر، أو آخَرون؛ لأنه ممن يعقل -يريد: أن مفرده هو "آخَر" العاقل -" اهـ كلام ابن حاجب. =
[ ٣ / ٤٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحقيقي أن يكون مفردًا مؤنثًا، وجمع مؤنث سالمًا، وجمع تكسير للمؤنث، كما يجوز أن يكون جمع تكسير للمذكر، إن لاحظنا في المنعوت مفرده المذكر
_________________
(١) = ومن معاملة جمع ما لا يعقل من المذكر معاملة المفرد المؤنث قوله تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ ﴾ في قراءة الجمهور، وقراءة: "اللواتي" شذوذًا هي من معاملته معاملة جمع المؤنث " اهـ كلام ياسين. ذلك هو نص كلامه، ومفهومه واضح. لكن المفهوم الواضح –من بعض المراجع الأخرى أن الحكم السالف يسري كذلك على الجموع الدالة على المؤنث إذا كان مفردها مؤنثًا لا يعقل؛ سواء أكانت تلك الجموع التكسير أم كانت مختومة بالألف والتاء المزيدتين؛ نحوَ: السفن جارية، أو: جاريات، أو: جوارِ. والسفينات جارية، أو جاريات، أو جوار وهكذا ورد الحكم السالف في تلك المراجع خاليًا من التقييد بالمذكر، مقتصرًا على أنه جمع لما لا يعقل؛ فيشمل الجموع المختلفة لغير العاقل؛ تكسيرًا كانت أم غير تكسير. ومما تقدم يتبين خطأ الرأي الذي يوجب الجمع في "فَعْلاء" مؤنث "أفعل" إذا كانت نعتًا لجمع ما لا يعقل في مثل: عندي ثلاثة أثواب بيض، وأربعة حُمْر، فمن الخطأ –طبقًا لذلك الرأي –أن يقال: بيضاء، حمراء. وقد تصدى لهذه المسألة بعض المحققين القدامى وانتهى في تحقيقه إلى أن الإفراد ليس خطأ، وأريد رأيه بالأمثلة الواردة المسموعة، وبكلام فريق آخ من النحاة السابقين. وإن كان الأفصح عند هؤلاء المحققين هو الجمع كقوله تعالى: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ ولكن الأفصح لا يمنع استعمال الفصيح وغيره مما هو جائز. وقد بحث المجمع اللغوي القاهري هذه المسألة، وأبدى فيها رأيًا حاسمًا؛ هو الأخذ بما قاله المحققون من الجواز، وتصحيح النعت بصيغة "فعلاء" "مؤنث" "أفعل" إذا كان منعوتها جمعًا لما لا يعقل. "وقراره هذا مسجل في ص٥٣٧ من مجموعة محاضر جلساته في الدورة الرابعة عشرة –ومثل هذا يقال في وقوع تلك الصيغة خبرًا وحالًا، ونحوهما أما الجموع التي يكون مفردها مذكرًا عاقلًا فحكمها ما يأتي: أ- إن كانت جموع تكسير لمذكر عاقل جاز في نعتها أمران؛ أحدهما: أن يكون النعت جمع تكسير مناسبًا، أو جمع مذكر سالمًا، نحو: ما أنفعَ العلماء الأعلام، أو: ما أنفعَ العلماء العالمين. والآخر: أن يكون مفردًا مؤنثًا مناسبًا؛ ما أعظمَ الرجال المكافحة في الميادين الإصلاح. ب- إن كانت جمع مذكر سالمًا أصليًا فنعته جمع مذكر سالم، أو جمع تكسير للمذكر؛ محو إن المصلحين الجديرين بالإكبار هم الذين يرفعون شأن بلادهم، ويبتغون بالإصلاح رضا الله. أو إن المصلحين العظماء هم الذين ج- إن كانت جمع مؤنث سالمًا –وسيجيء المراد من هذا المجموع المؤنث –للعقلاء فالتحقيق أنه =
[ ٣ / ٤٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
غير العاقل، نحو: اقتنيت الكتب الغالية، أو: اقتنيت الكتب الغاليات، أو الغوالي. ومثل: اقتنيت الكتب الأحاسن، جمع الأحسن١
ومنها: أن يكون المنعوت "اسم جنس جميعًا" يفرق بينه وبين واحدة بالتاء المربوطة الدالة على الوحدة؛ مثل: تفَّاح وتفاحة؛ فيجوز في صفته –كما سبق عند تفصيل الكلام عليه٢ –إما الإفراد مع التذكير على اعتبار
_________________
(١) = يجوز في نعته –وكذا في خبره وحاله و و –أن يكون مفردًا مؤنثًا، أو جمعًا للتكسير مؤنثًا، أو جمعًا مختومًا بالألف والتاء المزيدتين للتأنيث؛ فقد جاء في تفسير البيضاوي لقوله تعالى: ﴿َلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ ما نصه: "مطهرة"، وقرئ: "مطهرات" وهما لغتان، فصيحتان، ويقال: النساء فعلت، وفعلن، وهن فاعلة، وفواعل، قال الشاعر: وإذا العذارى بالدخان تلفعت واستعجلت نصب القدور فملَّت " أهـ البيضاوي. وتعليقًا على هذا جاء في حاشية الشهاب على البيضاوي ما نصه: "قوله: هما لغتان فصيحتان"، يعني أن صفة جمع المؤنث السالم والضمير العائد إليه مع الفعل يجوز أن يكون مفردًا مؤنثًا، ومجموعًا مؤنثًا؛ فتقول النساء وفعلت والنساء فعلن، ونساء قانتات، ونساء قاتنة". اهـ الشهاب على البيضاوي. وجاء في تفسير النسفي بعد تلك الآية ما نصه: "لم تجمع الصفة كالموصوف لأنهما لغتان فصيحتان" اهـ النسفي. والمجموع المؤنث يشمل جمع التكسير للمؤنث، كما يشمل المجموع بالألف التاء المزيدتين. والبيت السابق منسوب في ديوان الحماسة "ج١ ص٢١٣" للشاعر: سلمة بن ربيعة. وجاء في تفسير "أبو السعود" للآية مثل ما في البيضاوي، وزاد عليه بعد قوله: "وهما لغتان فصيحتان" ما نصه: "الجمع على اللفظ والإفراد على تأويل الجماعة "اهـ. هذا حكم نعت الجمع المؤنث للعقلاء، وينطبق على غيرهم انطباقًا أتم وأقوى. أي: أن هذا الحكم ينطبق على الجمع الذي مفرده مؤنث مطلقًا، -عاقلًا وغير عاقل –بالرغم من أن الشائع بين كثير من النحاة أ، المطابقة واجبة بين النعت ومنعوته، إذا كان جمعًا مفردًا مؤنث، عاقل، ولا قوة لرأيهم أمام النص الصريح السالف. وأمام نصر قوي آخر؛ فقد قرأ بعض القراء آية سورة "النساء" وهي قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ مكان: "اللاتي". "راجع التفصيل في ج١ م٢٦ ص٣٤٣ باب: الموصول". ١ وهذا الحكم –بصوره المختلفة السالفة –ليس مقصورًا على النعت وإنما يشاركه فيه الخبر والحال –كما سلف-؛ بشرط أن يكون المبتدأ وصاحب الحال جمعين لذكر غير عاقل كما في المنعوت. "راجع حاشية ياسين في هذا الموضع". ٢ ج١ م١ ص٢١.
[ ٣ / ٤٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اللفظ؛ لأنه جنس، أو الإفراد مع التأنيث على تأويل معنى الجماعة؛ نحو قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ وإما جمع الصفة جمع تكسير، أو جمع مؤنث سالمًا؛ نحو قوله تعالى: ﴿السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ ومثل النعت فيما تقدم: الخبر، والإشارة إليه، والضمير العائد عليه
هذا، ولا يصح أن يفرق بين مذكره ومؤنثه بالتاء المربوطة للتأنيث؛ فلا يقال –في الغالب –للمفردة المؤنثة: حمامة –بطة –شاة ولا يقال للمفر المذكر: حمام –بط –شاء منعًا للالتباس في كل ذلك، وإنما يلزم مفرده صورة واحدة في التأنيث والتذكير يجيء بعدها النعت الدال على النوع؛ فيقال: حمامة أنثى وحمامة ذَكَر و
ومنها: أن يكون المنعوت معرفًا بأل "الجنسية"١؛ فيجوز نعته بالنكرة المختصة٢؛ "لتقارب درجتهما" أو بما يقوم مقامها؛ وهو الجملة٣ ومن الأمثلة قولهم: ما ينبغي للرجل مثلك أن يفعل كذا؛ لأن كلمة: "مثل" لا تتعرف إلا بالطريقة الموضحة فيما سلف٤. وكقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾، فالجملة: نسلخ المكونة من المضارع وفاعله –تصلُح صفة٥ والموصوف هو: "الليل" المعرف "بأل" الجنسية. ومثل جملة "سيبّ"٥ في قول الشاعر:
ولقد أَمُرُّ على اللَّئِيم يسبني فأعِفّ. ثم أقول لا يعنيني
ومنها: النعت إذا كان اسم عدد، وكان منعوته في الأصل٦ معدودًا محذوفا
_________________
(١) ١ في ص٣٠٨ ج١ م٣٠ تفصيل الكلام عليها. ٢ هي التي قل شيوعها وإبهامها؛ بسبب إضافتها، أو: إعمالها: أو: نعتًا، أو: شيء آخر يقلل إبهامها وعمومًا. ٣ السبب في ص٢٨ و٤٧٩. ٤ في رقم٤ من هامش ص٢٤. "٥ و٥" وكذلك تصلح حالًا –طبقًا لما مر في باب: "أل" ج١ وفي باب الحال وصاحبه. ٦ انظر الكلام على حذف المنعوت في ص٤٩٣.
[ ٣ / ٤٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أو مذكورًا؛ فالمحذوف نحو: اشتريت عدة كتب، قرأت منها هذا الأسبوع ثلاثًا أو ثلاثة؛ فيجوز في النعت أن تلحقه تاء تأنيث وأن يتجرد منها؛ أي: كتبًا ثلاثًا، أو ثلاثة١، ومثال المذكور: قرأت كتبًا ثلاثًا أو ثلاثة.
ومنها: النعت إذا كان منعوته تمييزًا مفردًا لأحد الأعداد المركبة، أو: العقود، أو: المعطوفة؛ فيجوز في النعت الإفراد، مراعاة للفظ المنعوت "التمييز" كما يجوز فيه الجمع؛ مراعاة لمعنى المنعوت فإنه يتضمن اسم العدد؛ تقول: هنا خمسة عَشَرَ رجلًا عالمًا، أو علماء، وعشرون طالبًا ذكيًّا، أو أذكياء، وثلاثة وعشرون كاتبًا، أو كتبة٢.
ومنها: أفعل التفضيل إذا كان مجردًا من "أل" والإضافة، أو كان مضافًا لنكرة؛ فإنه في هاتين الصورتين يلتزم الإفراد والتذكير –بالإيضاح الذي سبق في بابه٣: استمعت لخطيب أفصحَ من غيره –لِخطيبين أفصحَ من غيرهما– لِخطباء أفصحَ من غيرهن؛ كما تقول: استعمت لخطيب أفصح خطيبِ، لخطيبة أفصح خطيبة وكذلك باقي الصور من غير تغيير في كلمة "أفصح" التي هي النعت واجب الإفراد والتذكير مهما كان المنعوت، بشرط مراعاة الإيضاح المشار إليه٤
ومنها: أن يكون المنعوت منادى نكرة مقصودة؛ فيجوز في نعته أن يكون معرفة أو نكرة؛ بالتفصيل الذي سبق في مكانه٥.
د- قد يكون النعت مجرورًا لمجاورته لفظًا مجرورًا، لا لمتابعة المنعوت ويذكرون لها مثالًا كثر ترديده حتى ابْتُذِلَ، وهو: "هذا حجْرُ ضبِّ
_________________
(١) ١ انظر رقم ٩ من ص٤٦٢. ٢ راجع باب العدد ج٤ ص٣٩٧ م١٦٤ وص٤٠٥ م١٦٥. حيث البيان والتفصيل. ٣ ص٤٠١. ٤ ومما يستثنى من وجب المطابقة أيضًا بعض صور الصفة المشبهة سبقت الإشارة إليها في ص٣٠٣. ٥ سبق بيان هذا وإيضاحه في رقم ٣ من هامش ص٣١. ويجيء في ج٤ باب حكم تابع المنادى رقم ٢ من هامش ص٣٣ م١٣٠.
[ ٣ / ٤٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خَرِبٍ". يعربون كلمة: "خَرِب" صفة "لَجُحْر"، لا لضب؛ كي لا يفسد المعنى، ويجرّون النعت تبعًا للفظ: "ضبّ" الذي يجاوره. وقد أوَّلوه تأويلات أشهرها: أن الأصل: هذا حجرُ ضبٍّ خَرِب" ثم طرا حذف وغير حذف ، ويطيلون الكلام والجدل.
والحق أن هذا النوع الغريب من الضبط بسبب "المجاورة" والنوع الآخر الذي سببه: "التوهم" جديران لالإهمال، وعدم القياس عليهما، بل عدم الالتفات إليهما مطلقًا –كما قال بعض المحققين ممن سجلَّنا رأيهم-. وقد أشرنا إلى هذا مواضع مختلفة من أجزاء الكتاب١.
هـ- تقدم أن المطابقة الواجبة بين "النعت الحقيقي" ومنعوته تشمل الإفراد وفروعه التي هي: "التثنية والجمع". والمراد هنا: التثنية والجمع الاصطلاحيَّان عند النحاة؛ بأن يكون المثنى مختومًا "بالألف والنون"؛ أو بالياء والنون، ويسمى "جمع المذكر غير المفرق" أيضًا أما المثنى المفرَّق" أيضًا أما المثنى المفرَّق، مثل: محمد –ومحمد– العاقل والعاقل، وجمع المذكر المفرق، مثل: محمد ومحمد ومحمد، العاقل والعاقل والعاقل، فلهما حكم آخر؛ يجيء الكلام عليه عند تعدد النعت٢
ويدخل في حكم المفرد كل اسم دالّ على مفرد حقيقة، ولفظه على صورة المثنى، أو الجمع، مثل الأعلام، حمدان، محمدَيْن، خلْدون، سعادات، مكارم فيجب في النعت أن يطابقه في الإفراد. أي: أنه إذا سمي بالمثنى أو بالجمع فالمسمى مفرد في معناه، ويجب أن يكون نعته الحقيقي مفردًا مثله.
_________________
(١) ١ منها: "ج١ ص٤٥٤ م٤٩" "ج٢ ص٣٢٠ م٨٩" "وج٣ باب الإضافة ص٨". ٢ ص٤١٨.
[ ٣ / ٤٥١ ]
ب- والنعت السببيّ:
هو الذي يدل على معنى في شيء بعده، له صلة وارتباط بالمنعوت؛ نحو: هذا بيت متسعٌ أرجاؤُه، نظيفةٌ غرفُه، بديعةٌ فُرُشُهُ.
وعلامته: أن يذكَر بعده اسم ظاهر –غالبًا١ –مرفوع به، مشتمل على ضمير يعود على المنعوت مباشرة، ويَربِط بينه وبين هذا الاسم الظاهر الذي ينصَبّ عليه معنى النعت. كما في الأمثلة السالفة "متَّسع -نظيفة -بديعة ".
وحكمهُ: أنه يطابق المنعوت في أمرين معًا:
١- حركة الإعراب، -ومت ينوب عنها -.
ويطابق سبَبِيَّه في أمر واحد؛ هو: التذكير؛ والتأنيث. وحكم النعت في هذا التذكير والتأنيث حُكم الذي يصح أن يحل محله ويكون بمعناه؛ فإذا أمكن أن يوضع مكان النعت
فعل بمعناه مسْند للسببي، وصحّ في هذا الفعل التأنيث والتذكير، أو وجب أحدهما- كان حكم النعت كذلك٢.
أما من جهة إفراد النعت السببيّ، وتثنيته، وجمعه:
أ- فيجب إفراده إن كان السببي غير جمع، بأن كان مفردًا، أو مثنى؛ إذ لا تتصل بالنعت السببي علامة تثنية؛ فحكمه في هذا أيضًا كحكم الفعل الذي يصلح لأن يحل محله.
ففي مثل: "يعجبني الحقل الناضر زرعُه"؛ يجب في كلمة "الناضر"
_________________
(١) ١ والاسم الظاهر هو: "السببيّ". ومن غير الغالب أن يرفع ضميرًا بارزًا؛ نحو: جاءني امرأة مكرمته هي –جاءتني خادمة رجل مكرمها هو –مكرمة –في المثال الأول –بالرفع صفة للمضاف "خادم" وقد جرى الضمير المنفصل المرفوع على غير من هو له؛ لأن الخادم ليس هو المكرم في الحقيقة، وإنما المكرم هو: المرأة. لذلك وجب إبراز الضمير المرفوع؛ لعودته على غير من هو له: إذ لو لم يبرز لحصل اللبس في صور كثيرة بسبب أن الوصف في ظاهره للمضاف إليه، والغرض كونه للمضاف. "وقد سبق إيضاح الكلام على الضمير الجاري على غير صاحبه في ج١ ص٣٣٥ م٣٥ عند الكلام على أقسام الخبر". ومثل هذا يقال في المثال الثاني. ٢ يجب عند تطبيق هذه القاعدة ملاحظة أمرين؛ أولهما: الحكم الخاص بالنعت الذي منعوته كنية. وقد أوضحنا هذا الحكم في: "أ" من ص٤٤٤. وثانيهما: الحكم الخاص بالنعت. إذا كان صفة مشبهة. وقد سبق إيضاحه في ص٣٠٣.
[ ٣ / ٤٥٢ ]
الرفع؛ تبعًا للمنعوت١ وهو: "الحقل"؛ كما يجب فيها التعريف تبعًا له أيضًا. ولو كان المثال: "يعجبني حقلٌ.."؛ لوجب أن يقال في النعت؛ ناضرٌ زرعُهُ؛ بارلفع، وبالتنكير؛ تبعًا للمنعوت.
وفي مثل: "هذا رجل عاقلة أخته، وهذه فتاة محسنة أختها" يجب١ الإفراد والتأنيث فيهما؛ مراعاة للسببي٢؛ بالرغم من أن كلمة: "عاقلة" هي نعت لرجل؛ المذكر. إذ لو حل مكان النعت فعل لوجب تأنيثه٣؛ فنقول: هذا رجل عقَلَتْ أخته، هذه فتاة أحسنت أختها.
ويجب التذكير والإفراد في مثل: هذا رجلٌ محسن أخوه، وهذه فتاة محسنٌ أخوها، وبالرّغم من أن كلمة: "محسن" الثانية. هي نعت، للفتاة، لأنه لو حل الفعل محل النعْت لوجب تذكيره، فنقول: هذا رجل أحسن أخوه، هذه فتاة أحسَن أخوَها.
أمَّا في مثل: هذا حقل ناضر زروعه فيصح ناضر، أو ناضرة؛ لأنه لو حل مكان النعت فعْلٌ لقلنا: هذا حقل نَضَرتْ زروعُه، أو نضَر زروعُه؛ بوجود علامة التأنيث أو بعدمها.
ونقول عند إفراد السببي وتثنيته: هذا زميل مجاهد أبوه، هذان زميلان مجاهدٌ أبواهما، هذه زميلة مجاهدٌ أبوها، هاتان زميلتان مجاهدٌ أبواهما فلا يتصل بالنعت علامة تثنية؛ إذ الفعل الصالح لأن يحل محله لا يصح أ، يتصل به –لي الأغلب– علامة تثنية.
وهكذا يكون إحلال الفعل محل النعت السببي، وإسناده للسببي –مرشدًا إلى الطريقة التي
تراعى في النعت من جهة تذكيره، وتأنيثه، وإفراده؛ تبعًا للسببي المذكر أو المؤنث، المفرد أو المثنى.
ب- فإن كان السببي مجموعًا جمع تكسير جاز في النعت أمران؛ إما إفراده، وإمَّا مطابقته للسببي، نحو: هؤلاءِ زملاءُ كرامٌ آباؤهم، أو: هؤلاءِ
_________________
(١) "١و ١" في الرأي الحسن. ٢ مع وجوب مطابقة النعت للمنعوت في الأمرين الآخرين اللذين فيهما المطابقة الحتمية. ٣ المراد: لوجب أن تتصل بالفعل علامة التأنيث؛ لأن فاعله سيكون هو "السببي"، المؤنث تأنيثًا حقيقيًا يوجب تأنيث فعله.
[ ٣ / ٤٥٣ ]
زملاءُ كريمٌ آباؤهم. فإن كان مجموعًا جمع مذكر سالمًا، أو: جمع مؤنث سالمًا فالأفصح إفراد النعت وعدم جمعه١، نحو: هؤلاء زملاءُ كريم والدوهم، هؤلاء زميلات كريمة والداتهن
أما تعريف النعت أو تنكيره، وحركة إعرابه وما يتوب عنها –فيتْبع في هذا كله المنعوت من غير تردد،-كما أسلفنا-.
وملخص ما سبق:
أ- انقسام النعت باعتبار معناه إلى قسمين: حقيقي وسببي.
ب- النعت الحقيقي هو: كل ما يدل على معنى في نفس متبوعه الأصلي، أو فيما هو في حكمه. وإن شئت قفل: هو ما أسند إلى ضمير مستتر أصالة أو تحويلًا، يعود إلى المنعوت.
وحكمه: أن يَتْبع المنعوت في أربعة أشياء:
١- حركات الإعراب، -وما ينوب عنها-.
٢- الإفراد وفروعه.
٣- التعريف والتنكير.
٤- الذكير والتأنيث
ج- النعت السببي: ما رفع اسمًا ظاهرًا –في الغالب– يقع عليه معنى النعت، وبه ضمير يعود على المنعوت مباشرة.
وحكمه: أن يُتْبع المنعوت في أمرين محتومين؛ هما:
حركات الإعراب –وما ينوب عنها، والتعريف والتنكير
أما التذكير والتأنيث فيتْبع فيهما السببي؛ وجوبًا في بعض حالات، وجوازًا في غيرها٢.
وأما التثنية فلا يثنى.
وأما الجمع فيجوز جمعه وإفراده في كل الحالات تبعًا للسببي، ومطابقةً له.
_________________
(١) "١، ١" إلا إذا راعينا اللغة التي تجيز أن يتصل بالفعل علامة تثنية أو جمع، تبعًا للفاعل. المسند إليه أو لنائب الفاعل. فبمقتضى هذه اللغة يجوز أن يكون النعت مثنى، أو مجموعًا؛ مطابقًا سببيه فيهما. ومن الخير العدول عن هذه اللغة؛ لما أبديناه عند الكلام عليها "في باب الفاعل ج٢ م٦٦ ص٧٠".
[ ٣ / ٤٥٤ ]
إلا أن الإفراد أفصح وأقوى١ حين يكون السببي جمع مؤنث سالمًا أو جمع مذكر سالمًا.
د- فحكم النعت بنوعيه من جهة المطابقة وعدمها هو: المطابقة الحتمية في أمرين:
أحدهما: حركات الإعراب –وما ينوب عنها-،والآخر: التعريف والتنكير. أما التذكير والتأنيث فحكمه فيهما حكم الفعل الذي يصلح أن يحل محله. وأما الإفراد وفروعه، فالحقيقي يطابق فيها جميعًا. والسببي يطابق –حتمًا– في الإفراد، ولا يصح أن يطابق في التثنية. ويجوز في جمع التكسير المطابقة وعدمها وأما في غيره فالأحسن الإفراد٢
_________________
(١) ١ والاقتصار عليه أفضل. ٢ وهذا ما يريده ابن مالك بقوله: ولْيُعْطَ فِي التَّعْرِيفِ والتَّنْكِيرِ مَا لِمَا تلا: كَامْرُرْ بقَوْمٍ كُرَمَا وهْوَ لَدَى التَّوْحِيدِ وَالتَّذْكِيرِ أَو سِوَاهُمَا مالفِعْلِ: فاقْفُ مَا قَفَوْا "ما لما تلا؛ أي: ما ثبت للذي تلاه النعت. والذي تلاه النعت هو المنعوت. "اقف": أتبع. "ما قفوا": ما اتبعوه. أي: اتبع ما اتبعه العرب في ذلك". يريد: أن النعت يعطي في التعريف والتنكير حكم ما تلاه: فهو فيهما كالمنعوت، وضرب لهذا مثلًا: هو أمرر بقوم كرماء، فكرماء نعتًا؛ لأن المنعوت وهو "قوم" نكرة أيضًا. أما حكم النعت لدى التوحيد، "أي: عند الإفراد". وعند التذكير وسواهما من فروعهما فهو حكم الفعل؛ فاتبع في ذلك ما ابتعه العرب في أمر النعت المذكور أو في أمر الفعل مع تطبيق على النعت. وكلامه هذا يحتاج لتفصيل ضروري وقد عرضناه في الشرح.
[ ٣ / ٤٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
ينقسم النعت باعتبار معناه أيضًا إلى ما يأتي:
١- نعت تأسيسي، "أو: مؤسِّس" وهو الذي يدل على معنى جديد لا يفهم من الجملة بغير وجوده، نحو؛ راقني الخطيب الشاعر. فكلمة: "الشاعر" نعت أفاد معنى جديدًا لا يستفاد إلا من ذكرها.
٢- نعت تأكيد "أو: مؤكِّد"؛ وهو الذي يدل على معنى يفهم من الجملة بدون وجوده، نحو: تخيرت من الأطباء النِّطاشيَّ البارعَ. فالبارع نعت مفهوم المعنى من كلمة: "النطاسِيّ" التي بمعناه، ومن الجملة قبله أيضًا؛ لأن التخير، لا يكون –في الأغلب– إلا للبارع.
٣- نعت التوطئة، أو التمهيد؛ بأن يكون النعت جامدًا، وغير مقصود لذاته، والمقصود هو ما بعده، وإنما ذكر السابق ليكون توطئة وتمهيدًا لنعت مشتق بعده يتجه القصد له، نحو: استعنت بأخ أخٍ مخلصٍ. فكلمة: "أخ" الثانية نعت غير مقصود لذات، وإنما المقصود هو المشتق الذي يليه، ولذا يسمى النعت الجامد هذا بالنعت المُوَطِّئ١ كما سلف هنا. وسبقت له الإشارة
_________________
(١) ١ في مثل هذا التركيب يختلف النحاة في إعراب الكلمة الثانية "وهي: "أخ" ونظائرها الواقعة موقعها من مثل هذا الأسلوب". فكثرتهم لا تجيز إعرابها توكيدًا لفظيًا، ولا بدلًا مطابقًا، بحجة أن إعرابها توكيدًا لفظيًا سيجعلها مقيدة بالنعت، مع أن الكلمة الأولى المتبوعة مطلقة خالية من التقييد، وإذًا لا تصلح الثانية توكيدًا لفظيًا سيجعلها مقيدة بالنعت، مع أن الكلمة الأولى المتبوعة مطلقة خالية من التقييد، وإذًا لا تصلح الثانية توكيدًا لفظيًا للأولى، لأنها ليست مرادفة لها، وكذلك لا تصلح بدلًا مطابقًا، لأنها ليست مساوية للأولى، ولأن النعت –لأهميته– مقدم في الترتيب على البدل –كما سبق في ص٤٣٥-. وصحح فريق آخر أن تكون بدلًا مطابقًا، مستدلًا بقوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ، نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ فالثانية بدل كل "انظر ص٦٧٦ و٦٧٧". وصحح آخرون أن تكون توكيدًا لفظيًا "طبقًا للبيان الذي في رقم ٢ من هامش ص٥٢٥" أو: عطف بيان، أو بدل بعض و و ولكل أدلته الدلية العنيفة، وردوده القوية التي =
[ ٣ / ٤٥٦ ]
في ج١ باب: "لا" وستجيء في رقم٦ من ص٤٤٥.
_________________
(١) = يحتج بها على غيره نشهد هذه الجدليات ملخصه في آخر باب: "لا" النافية للجنس "ج١ من كتابي: التصريح، والصبان، ومختصرة في حاشية: الخضري". وصفوة ما نستخلصه من تلك المناقشات الدقيقة: جواز تلك الإعرابات كلها، وأن الأحسن إعراب الثانية نعتًا موطئًا؛ لخلوه من شوائب الضعف التي تشوب سواه "انظر ما يتصل اتصالًا قويًا بهذا في رقم٢ و٤ و من هامش ص٥٤٣ –حيث الكلام على عطف البيان ".
[ ٣ / ٤٥٧ ]
٢- تقسيم النعت باعتبار لفظه:
أ- الأشياء القياسية التي تصلح أن تكون نعتًا مفردًا١ هي:
الأسماء المشتقة١ العاملة، أو ما في معناها٢. "والمقصود بالعاملة: اسم فاعل –صيغ المبالغة –الصفة المشبهة –اسم المفعول٣ –أفعل التفضيل. أما غير العاملة –كاسم الزمان، واسم المكان، واسم الآلة –فلا تقع نعتًا".
والمقصود بما في معناها: كل الأسماء الجامدة التي تشبه المشتق في دلالتها على معناه، والتي تسمى: الأسماء المشتقة تأويلًا. فإنَّها تقع نعتًا أيضا. وأشهرها:
١- أسماء الإشارة غير المكانية؛ مثل: "هذا" وفروعه، وهي معارف فلا تقع نعتًا إلا للمعرفة؛ نحو: استعمت إلى الناصح هذا. أي: إلى الناصح المشار إليه؛ فهي تؤدي المعنى الذي يؤديه المشتق٤.
أما أسماء الإشارة المكانية "مثل: هُنا -ثَمَّ" فظروف مكان، لا تقع بنفسها نعتًا؛ لأن مهمتها تختلف عن مهمة النعت: ولكنها تتعلق بمحذوف يكون هو النعت: مثل: أسرع العطاش إلى ماء هنا، أي: موجود هنا، أي: موجود هنا –أو نحو هذا التقدير –ومن التيسير المقبول أن يقال للاختصار: "الظرف النعت"
كما سبق إيضاح هذا في مواضع مختلفة٥
٢- ذو، المضافة٦، بمعنى: صاحب كذا –فهي تؤدي ما يؤديه المشتق
_________________
(١) "١، ١" أما النعت بغير المفرد فيأتي في: "ب" و"ج" ص٤٧٢ و٤٧٦ –هذا والمشتقات هي: ما أخذت من المصدر للدلالة على معنى وصاحبه. وقد سبق تفصيل الكلام عليها وعلى أنواعها وأحكامها في هذا الجزء ص٣٧ و١٨٢ وما بعدهما. ٢ قال الدماميني: "المتبادر من هذا أنه يشترط في النعت كونه مشتقًا، أو مؤولًا به، وهو رأي الأكثرين. وذهب جمع محققون –كابن الحاجب –إلى عدم الاشتراط، وأن الضابط هو دلالته على معنى في متبوعه؛ كالرجل الدال على الرجولية " اهـ. راجع حاشيتي الصبان والخضري، لكن المثال المعروض بالدلالة التي ذكروها هو نوع من المؤول بالمشتق؛ فلا جديد في رأيهم. ٣ وما بمعناه؛ كفعيل في مثل: أمين؛ بمعنى: مأمون، وجريح "مجروح". ٤ انظر "ج" من ص٤٦٥ –وانظر ص٤٤٩ ج١. ٥ في ج١ ص٣٤٦ م٣٥ وفي ج٢ ص٢٠١ وص٣٢٨ م٨٩. ٦ والأغلب أن تكون إضافتها لاسم جنس ظاهر غير مشتق. أما إضافتها لغيره فشاذة "مقصورة على السماع" كأن تضاف للعلم أو للضمير العائد على اسم الجنسن أو للجملة. "راجع الصبان عند الكلام عليها في الأسماء الستة -ج١".
[ ٣ / ٤٥٨ ]
من المعنى. "وتكون نعتًا للنكرة"١؛ نحو: أنِست بصحبة عالم ذي خلق كريم، ومثل "ذو" فروعها: "ذوَا -ذوُو -ذوِي -ذات –ذاتا –ذوات ".
٣- الموصولات الاسمية المبدوءة بهمزة وصْل؛ مثل: الذي –التي – اللائي و، بخلاف: "أيّ" الموصولة٢.
أما "مَنْ"، و"ما" ففي النعت بهما خلاف، والصحيح جوازه –كما سيجيء٣ –ولما كانت الموصولات مَعْرفة وجب أن يكون منعوتها معرفة. ومن الأمثلة: الضعيف الذي يحترس من عدوه، أقرب إلى السلامة من القويّ الذي ينخدع، أو يستهين. والتأويل: الضعيف المحترس من عدوه، أقرب إلى السلامة من القوي المنخدع فمعناها معنى المشتق
٤- الاسم الجامد الدالّ على النسب قَصْدًا٤. وأشهر صُوَره أن يكون في آخرة ياء النسب، أو: أن يكون على صيغة: "فَعَّال"، أو غيرها من الصيغ٥ الدالة على الانتساب قصدًا كما تدل ياء النسب، فهو يؤدي المعنى الذي يؤديه لفظ: "المنسوب لكذا"، نحو: ألُمحُ في وجه الرجل العربيّ كثيرًا من أمارات الصراحة، والشجاعة، والكفاح. أي: المنسوب إلى العرب. ومثل: اشتهر الرجل اليوناني بالنشاط والهجرة إلى حيث يتسع الرزق أمامه، وفي بلادنا
_________________
(١) ١ هذه عبارة التصريح على التوضيح، ولم أرها لغيره. لكن في بعض المراجع الأخرى ما يفيد وقوعها نعتًا للمعرفة أيضًا. ٢ "أي": الموصولة معرفة، وهي لا تقع نعتًا، أما "أي" التي تقع نعتًا فهي نكرة، ومنعوتها نكرة بالتفصيل الذي سبق عند الكلام عليها في باب الإضافة ص١١١ و١١٣ وما بعدهما، والذي يجيء أيضًا في ص٤٦٨. ٣ في ص٤٦٦. ٤ إذا لم يكن النسب مقصودًا لم يكن الاسم بمعنى المشتق، ويظل على جموده الكامل، فلا يصلح نعتًا، كن اسمه؛ بدوي، أو مكي. ٥ ومنها صيغة: "فاعل" المنسوب إلى شيء معين. مثل: "سائس" الذي ينسب اليوم لمن يسوس الحيل، ويتول شئونها. ومثل: لابن، وتامر، لمن يشتغل باللبن والتمر. ويتول شئونهما -كما سيجئ في باب النسب- ج٤.
[ ٣ / ٤٥٩ ]
جماعة منهم تمارس الحِرَف والصناعات المختلفة. فتجد بينهم التاجر، والبقَّال، واللَّبان، والنجار، والحداد، و أي: المنسوب للتجارة، والبقل، واللبن، والنَّجْر "النِّجارة"، والحديد وإنما ينسب إليها لأنه يلازم العمل فيها والتفرغ لها١
وهذا النوع من الأسماء الجامدة يصلح نعتًا للنكرة وللمعرفة؛ ولا بد أن يطابقهما تنكيرًا، وتعريفًا. تقول: ألمحُ في وجه الرجلِ العربيِّ النبلَ أو: ألمح في وجه رجل عربي النبلَ-.
٥- المصغر: لأنه يتضمن وصفًا في المعنى؛ فهو في هذا كالنسب، ومن ثَمّ يلحقان بالمشتق، نحو: هذا طفلٌ رَجَيْلٌ، في المدح، وهذا رَجلٌ طُفيْلٌ، في الذم.
٦- الاسم الجامد المنعوت بالمشتق: نحو: اقتديت برجلٍ رجلٍ شريفٍ وهذا النوع من النعت هو المسمى "بالنعت هو المسمى "بالنعت الموطِّئ -،وقد سبق إيضاحه٢– ومنه قولهم الوارد عنهم: ألا ماءَ ماءً باردًا
٧- المصدر: بشرط أن يكون منكرًا٣، صريحا٤، غير ميميّ، وغير دال على الطَلب٥، وان يكون ثلاثيًا، وأن يلتزم صيغته الأصلية من ناحية
_________________
(١) ١ وفي النعت بالمشتق وشبهه يقول ابن مالك: وانعت بمشتق؛ كصعب: وذرب وشبهه: كذا، وذي، والمنتسب "رجل ذرب: حاد اللسان في الخير والشر. أو الحاد مطلقًا فيما يتناوله من الأمور. "المنتسب" هنا: المنسوب الذي يفيد النسبة إلى غيره". ٢ وفي رقم ٣ من ص ٤٥٦ وفي ج١ باب "لا" النافية للجنس. ٣ انظر "١" من الزيادة الآتية في ص ٤٦٤ لأهميتها، ولم يذكر كثرة النحاة هذا النص الذي صرح به بعضهم "كالخضري". والأمثلة الكثيرة المسموعة عن العرب تؤيد أصحاب النص. ٤ أي: غير مؤول. وقد يمكن الاستغناء عن هذا الشرط وعن الذي يليه "وهو: كونه: غير ميمي"، يذكر كلمة: "المصدر" مطلقة من كل قيد. والإكتفاء بها؛ اعتمادًا على ما سبق "في هامش ص ١٨١" وهو أن المصدر إذا أطلق لفظه "أي خلا من التقييدا" كان المراد منه "المصدر الأصلي الصريح" وحده، دون المبين للنوع، أو للعدد، ودون المؤول، والميمى. لكن التقييد هنا أدق وأنفع. ٥ إذا كان دالًا على الطلب "نحو: قيامًا للضيف؛ بمعنى: قم للضيف" لم يصح النعت به كما سيجئ في رقم ٢ من ص ٤٦٦-.
[ ٣ / ٤٦٠ ]
الإفراد والتذكير وفروعهما؛ "والأغلب أن تكون صيغته ملازمة الإفراد والتذكير، فإن كانت كذلك في أصلها لم يجز تثنيتها، ولا جمعها، ولا تأنيثها، ولا إخراجها عن وزنها الأول١" تقول: رأيت في المحكمة قاضيًا عدْلًا، وشهودًا صدْقًا، ونظامًا رِضًا، وجموعًا زَوْرًا٢ بين المتقاضين تريد: قاضيًا عادلًا، وشهودًا صادقين، ونظامًا مرضيًّا، وجموعًا زائرة بين المتقاضين
فالمعنى على تأويل المصدر باسم مشتق كالسابق، ويصح أن يكون على تقدير مضاف محذوف هو النعت، ثم حُذف وحلّ المصدر محله، وأعرب نعْتًا مكانه. والأصل: قاضيًا صاحبَ عدل –شهودًا أصحابٌ صدق– نظامًا داعيَ رضا– جموعًا أصحاب زَوْر، "أي: أصحاب زيارة"، والداعي للنعت بالمصدر مباشرة وترك المشتق، أو المضاف المحذوف على الوجه السالف أن النعت بالمصدر أبلغ وأقوى؛ لما فيه من جعل المنعوت هو النعت. أي: هو نفس المعنى؛ مبالغة.
وقد اختلف رأي النحاة في وقوع المصدر نعتًا؛ أقياسيّ هو أم مقصُور على السماع؟ وأكثرهم يميل إلى قصره على السماع، مع اعترافهم بكثرته في الكلام العربي الفصيح٣، وأنه أبلغ في أداء الغرض من المشتق٤. وهذا الاعتراف
_________________
(١) ١ إلا في حالات أشهرها أن يكون المصدر مسموعًا بالتأنيث أصلًا؛ نحو: رحمة، شفقة، فإن تاء التأنيث ملازمة لهما. أو أن يشيع الوصف بالمصدر، ويشتهر استعماله نعتًا، فيجوز تثنيته وجمعه قياسًا؛ لغلبة الوصف عليه كقول الشاعر: وبايعتُ ليلَى في الخلاءِ ولم يكن شهودٌ على ليلي، عدولُ مَقَانعُ المفرد، َدْل، بمعنى: عادل. ٢ الزور هنا: الزيارة. ٣ وفي مقدمته القرآن الكريم –ولا سيما سورة الجن– ومما ورد في غيرها كلمة: "بُور"، بمعنى "هلاك" في قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ أي: هلاكًا، بمعنى: هالكين وهو في أصله مصدر يوصف به المفرد، والمثنى والجمع، والمؤنث، والمذكر مع تأويله في كل ذلك بالمشتق "اسم فاعل " وقيل إنه جمع: "بائر" مثل: "حائل وحول" فيكون على هذا مشتقًا لا مصدرًا مؤولًا بالمشتق. أما في سورة الجن فقد جاء النعت بالمصدر في قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ أي عجيبًا -وكلمة؛ "عجب" مصدر –في قوله تعالى: ﴿مَاءً غَدَقًا ﴾ أي كثيرًا وفي كلمة: "صُعُدًا" بمعنى صعود في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ . والصُّعُدُ: هو الصعود بمعنى: المشقة، وجاء كذلك في قوله تعالى: في إخوة يوسف: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ﴾ . ٤ فقد قرر علماء البلاغة أن النعت بالمصدر يكون من باب: المبالغة، أو: من مجاز =
[ ٣ / ٤٦١ ]
بالكثرة١ يناقض أنه مقصور على السماع. فالأحسن الأخذ بالرأي الصائب الذي يجعله قاسيًا٢ –بشروطه– ولا خوف من اللبس المعنوي أو خفاء المراد؛ لأن القرائن والسياق يزيلان هذا كله، ويبقى للنعت بالمصدر مزيته السالفة التي انفرد بها دون المشتق.
٨- اسم المصدر إذا كان على وزن من أوزان مصدر الثلاثي؛ ككلمة "فِطْر" اسم مصدر للفعل: "أفطر"، وهي بمعنى: مُفْطرٍ، أو صاحب إفطار: تقول: هذا رجلٌ فِطْرٌ، ورجلان فِطْرٌ، ورجالٌ فِطْرٌ
٩- العدد، نحو: قرأت كتبًا سبعةً، وكتبت صحفًا خمسة٣.
١٠- بعض ألفاظ أخرى جامدة مؤولة بالمشتق، معناها بلوغ الغاية في
_________________
(١) = الحذف، أو المجاز المرسل، وأن الثلاثة قياسية. فهل يتناقض علماء لغة واحدة؟ وهل يقول البلاغيون إن النعت بالمصدر أبلغ من النعت بالمشتق في الوقت الذي يقول فيه بعض النحاة إن النعت بالمصدر –مع كثرته لا يصح قياسًا؟ وكيف يقولون ذلك والقرآن الكريم أفصح الكلام مشتمل عليه عدة مرات؟ إنه تناقض لا يدفعه إلا القول بقياسية النعت بالمصدر بشروطه السالفة. ويقول ابن جني –في كتابه المحتسب، ج٢ ص٤٦ –إن النعت بالمصدر مباشرة من غير تقدير شيء محذوف أبلغ وألطف من النعت بغير المصدر، ويؤيد كلامه بالأدلة، ويعرض الشواهد الكثيرة عليه؛ ولأنك تجعل المنعوت هو المصدر نفسه مبالغة –وأطال الكلام في هذا. وفي النعت بالمصدر يقول ابن مالك بيتًا سنعيده في ص٤٧٥ "بعد أن تكلم على النعت بالجملة، وسيأتي النعت بها في ص٤٧٢". ونَتُوا بمَصْدَرٍ كَثِيرًَا فالْتَزَمُوا الإِفْرَاد والتَّذْكِيرَا أي: نعت العرب بالمصدر كثيرًا في أساليبهم، ولم يخرجوا المصدر عن صيغته الملازمة للإفراد والتذكير، فهو يلازمها دائمًا، ولو كان المنعوت غير مفرد وغير مذكر، تقول: هذا أمر رِضًا، هذان أمران رضًا، هذه أمور رضا، هذه حالة رضا، هاتان حالتان رضا، أولئك حالات رضا ١ ولا سيما التي تؤيدها البلغة.. ٢ وبهذا الرأي أخذ مؤتمر المجمع اللغوي الذي انعقد بالقاهرة في فبراير سنة ١٩٧١، وسجل قراره بينه ما اتخذه من قرارات حاسمة محررة. ٣ يكون العدد عنا صفة إذا أريد تحقيق غرض من أغراض النعت. ويصح أن يكون بدلًا إذا أريد به تحقيق غرض من أغراض البدل المذكورة في بابه الآتي ص٦٦٦ وص٦٦٧ وإذا ذكر المنعوت المعدود جاز في النعت مطابقته في التأنيث والتذكير وعدم مطابقته. وكذلك لو حذف المعدود المنعوت كما أشرنا في ص٤٤٩، وكما يجيء في ج٤ باب العدد –م١٦٥ ص٥٠١-. ملاحظة: -بمناسبة إعراب العدد –أحيانًا– نعتًا كالوارد هنا نذكر بعض مواقعه الإعرابية الأخرى =
[ ٣ / ٤٦٢ ]
الكمال أو النقص، كلفظة:،كُلّ"١ مثل: عرفت العالِمَ كُلَّ العالمِ. و
١١- الجامد الذي يدل دلالة الصفة المشبهة مع قبوله التأويل بالمشتق٢ ومن أمثلته: فلانٌ رجلٌ فَراشةُ الحلِم، فِرْعَونُ العذابِ، غِربالُ الإِهاب. فكلمة: فراشة، وفرْعون، وغربال تعرب نعتًا بالمشتق؛ لأنها بمعنى: أحمق، وقاسٍ، وحقير.
_________________
(١) = فقد ذكرنا في الجزء القاني –باب: الحال،آخر المسألة ٨٤– الحكم الثالث، ونصه: من الألفاظ التي وقعت حالًا: "العدد من ثلاثة إلى عشرة، مضافًا إلى ضمير المعدود؛ نحو: مررت بالإخوان ثلاثتهم أو: خمسَتهم، أو: سعَتهم ، على تأويل: مُثَلثًا إياهم، أو: مُخَسًا، أو: مسبعًا ، ويجوز إتباعه لما قبله فلا يعرب حالًا، وإنما يعرب توكيدًا معنويًا بمعنى: جميعهم، ويضبط لفظ العدد بما يضبط به لفظ التوكيد. والصحيح أن هذا ليس مقصورًا على العدد المفرد، بل يسري على المركب نحو: جاء القوم خمسةَ عشرَهُم، بالبناء على الفتح في محل نصب، أو محل غيره على حسب حالة الجملة وبالرغم من أن العدد المركب مبني هنا فهو مضاف إلى الضمير" ا. هـ. وجاء في حاشية "ياسين" على التصريح، أول باب: التوكيد خاصًّا بهذه المسألة ما نصه: "إذا قيل: جاءني القوم ثلاثَتَهم بنصب "ثلاثَتِم فهو حال، وإن رفع فهو توكيد، قال الرضى. ولا يؤكد بثلاثة وأخواتها إلا بعد ان يعرف المخاطب كمية العدد قبل ذكر لفظ التوكيد وإلا كان مبتدأ" ا. هـ وانظر البيان الذي في ص٥١١. ١ سبق الكلام في ص٧٢ على حكمها إذا أضيفت: ويجيء تفصيل الكلام على حكمها في النعت ص٤٦٧ و٥١٣ وفي التوكيد ص٥٠٩ ولا يجوز فيها القطع إذا كانت نعتًا أو توكيدًا. ٢ سبق بيان هذا في مكانه ص٢٨٤.
[ ٣ / ٤٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- سبق١ أن المصدر يقع نعتًا بشرط أن يكون منكرًا و و
لكن ورد في الأساليب المسموعة وقوع المصدر نعتًا مع أنه مبدوء بأل المعرّفة، أو مضاف لمعرفة. ومن الأول كلمة: "الحق"٢ في مثل قول الشاعر:
إن أخاك الحقَّ من يسعى معكْ ومن يضرّ نفسه لينفعكْ
ومن الثاني قولهم: مررت برجل حسبِك٣ من رجل، أو شَرْعِك من رجل، "وهما مصدران بمعنى: كافيك " أو: همِّك من رجل، "بمعنى: مُهمك"، أو: نحْوِك من رجل "بمعنى: ماثلك ومَشابهك" فهذه المصادر كان حقها أن تتعرف بأل، وأن تكتسب التعريف من المضاف إليه، ولكنها لم تتعرف٤؛ بسبب أنها بمعنى المشتق الذي لا يستفيد التعريف، وقد سبق التفصيل في أول باب الإضافة٥-٠
ومن الأمثلة لهذا المشتق الذي لا يكتسب التعريف قوله تعالى: ﴿هَذَا عَارِضٌ﴾، فقد وصِف "عارض" بكلمة: "ممطر" المضافة إلى الضمير؛ فلم تكتسب منه التعريف، إذ لو اكتسبت منه التعريف لم يصح وقوعها نعتًا للنكرة: "عارض" وكقول الشاعر:
يا رُبَّ غابِطِنا لو كان يطلبكمْ لاقَى مباعدةً منكم وحرمانًا
فقد دَخَلت "رب" على اسم الفاعل المضاف إلى الضمير، ودخلوها عليه دليل على أنه لم يكتسب التعريف من المضاف إليه؛ لأن "رب" لا تدخل –في الأغلب–
_________________
(١) ١ في ص٤٦٠. ٢ انظر ما يتصل بوقوع هذه الكلمة نعتًا –في رقم ١ من هامش ص٤٦٨. ٣ سبق الكلام مفصلًا على "حسب" في ص١٤٩. ٤ بدليل أن منعوتها نكرة، فلو كانت معرفة ما صح وقوعها نعتًا للنكرة. ٥ ص٢٤.
[ ٣ / ٤٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إلا على النكرات، ومثل قول امرئ القيس في وصف حصانه:
وقد اغتدى والطيرُ وكُناتها بِمُنْجَرِدِ قَيْدِ الأَوابدِ، هَيْكل
"ففَيْد" مضاف لمعرفة. ولم يكتسب منها التعريف؛ بدليل وصف النكرة "منجرد" به١
ب- كذلك ورد في الأساليب المسموعة بعض أمثلة وقع النعت فيها من أنواع غير التي سلفت، كأنْ يكون مصدرًا لغير الثلاثي؛ نحو: الحازم لا يعالج الأمر عِلاجًا ارتجالًا، أو دالًا على المقدار، نحو: اشتريت من الفاكهة الخمس الأققَ، أو دالًا على جنس الشيء المصنوع، نحو: لبست الثوبَ الحريرَ، أو دالًا على بعض الأعيان التي يمكن تأويلها، نحو: حصدتَ الحقل القمح. أي: المزروع قمحًا، والأحسن الأخذ بالرأي السديد الذي يمنع القياس على هذه الأشياء؛ ضبطًا للأمور؛ ومنعًا للخلط بينها وبين غيرها مما ليس نعتًا.
ج- ١- من الأسماء ما يصلح أن يكون: "نعتًا" في بعض الأساليب؛ لاستيفائه شروط النعت، و"منعوتًا" في أخرى؛ لاستيفائه شروط المنعوت كذلك، فحكمه مختلف على حسب الدواعي الإعرابية: كأسماء الإشارة؛ نحو: احتفيت بالمصلح هذا، أو: بهذا المصلح. غير أنّ اسم الإشارة -المنادى أو غير المنادى لا يصح وصفه باسم إشارة٢.
واسم الإشارة معرفة؛ فلا يكون نعتًا إلا للمعرفة؛ وإذا وقع منعوتًا وجب أن يكون نعته مقرونًا بأل، "والأحسن أن يكون هذا المقْرون مشتقًا؛ فإن كان جامدًا فالأفضل اعتباره بدلًا٤ أو عطف بيان". ووجب أيضًا أن يطابق منعوته في الإفراد والتذكير وفروعهما مع عدم تفريق النعوت١، وألاّ يُفصَل منه
_________________
(١) ١ راجع شرح المفصل ج٣ ص٥٠. ٢ انظر ما يتصل بهذا ويوضحه في ص٤٨٣. ٣ لهذا صلة بما في ص٦٦٥. ٤ لهذا تفصيل مناسب مكلفة ج٤ م١٣٠ ص٣٦ حيث الكلام على أحكام: "تابع المنادى"، والشروط الخاصة بكل حاجة وحكم.
[ ٣ / ٤٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مطلقًا١، وألا يُقطع٢ منه في إعرابه٣.
ومن هذه الأسماء الصالحة للأمرين أسماء الموصولات حتى "مَنْ" و"ما" في الرأي الصحيح٤، نحو: وقف مَنْ خَطَب الفصيحُ، واستمع الحاضرون إلى الرائع ما قيل".
٢- ومن الأسماء ما لا يصلح أن يكون نعتًا، ولا منعوتًا؛ كالضمير، والمصدر الدال على الطلب٥؛ "نحو: سعيًا في الخير، بمعنى: اسْع في الخير"، وكثير من الأسماء المتوغلة في الإبهام٦، كأسماء الشرط، وأسماء الاستفهام، "كم" الخبرية، "ما" التعجبية، وكلمة: الآن الظرفية، وكثير من الظروف المبهمة، مثل: قبل، وبعد، ويستثنى من الأسماء المتوغلة في الإبهام بعض ألفاظ تقع نعتًا؛ منها: غير، وسوى و"من" النكرتان التَّامتان.
٣- ومنها: ما يصلح أن يكون منعوتًا، ولا يصلح أن يكون نعتًا، كالعَلَم، مثل: إبراهيم، عليّ، فاطمة وكالأجناس الباقية على دلالتها الأصلية، كرجل٧، ونمر، وقيل.
_________________
(١) ١ كما سبق في ص٤٣٥ وكما سيجيء في رقم ١ من هامش ص٤٨٧. ٢ سيجيء القطع وبيان أحكامه في ص٤٨٦ و٤٨٨. ٣ أما كونه جنسًا ولا وصفًا فأمر غالب لا لازم. ٤ كما سبق في رقم ٣ ص٤٥٩ "راجع الهمع ج٢ ص١١٨. باب النعت". وفي هذا الرأي بعض تيسير. ٥ لهذا إشارة في رقم ٥ من هامش ص٤٦٠. ٦ سبق شرحها في هذا الجزء ص٢٤ و٦٦، وفي ج٢ ص٢٢٤ م٧٩. ٧ يجوز أن يكون العلم نعتًا وكذلك اسم الجنس إذا خرجا على دلالتهما الأصلية، وأريد بهما معنى اشتهرا به؛ كدلالة حاتم على: الكرم، والرجل على: الكامل، والنمر على: الغادر و فعلى هذا القصد مع ما يؤيده من قرينة يصح تأويلهما بالمشتق. ووقوعهما نعتين. وقد تضاف كلمة: "رجل" إلى كلمة: "صدق". أو: "سوء"؛ فتكون بمعنى؛ المشتق؛ مثل: إني أحرص أن أعرف رجلًا رجلَ صدق، "أي: صالحًا"، وأتحاشى رجلًا رجلَ سوء، "أي: فاسدًا"، وليس المراد بالصدق هنا: صدق اللسان، ولا بالسوء الشر، إنما المراد بالأول: الكمال والصلاح وبالثاني: الفساد، ويكون النعت هنا من نوع النعت: "التوطئة" "انظر رقم ٣ من ص٤٥٦".
[ ٣ / ٤٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٤- ومنها ما يصلح أن يكون نعتًا، ولا يصلح أن يكون منعوتًا؛ وهي ألفاظ مضافة، معناها الدلالة على بلوغ الغاية في معنى المضاف إليه. ومن أشهرها: "كُلّ"١؛ نحو: أنت الأمين كلُّ الأمين، وذاك هو الخائن كلُّ الخائن، بمعنى: المتناهي في الأمانة، أو الخيانة، ومثل قول الشاعر:
ليس الفتى كلُّ الفتى إلا الفتى في أَدبهْ
قول الآخر:
إن ابتداء العُرْف٢ مجد سابق والمجد كلُّ المجد في استمامهِ
والفصيح الذي يحسن الاقتصار عليه أن يكون المضاف إليه اسمًا ظاهرًا، نكرة أو معرفة، على حسب المنعوت، وأن يكون هذا الاسم الظاهر مماثلًا للمنعوت في لفظه ومعناه معًا –وهذا هو الأغلب– أو مماثلًا لشيء له صلة معنوية قوية به، فمثال الأول قول الشاعر:
كم قد ذكرتك لو أُجْزَى بذكركمو يا أَشبه الناس كلِّ الناس بالقمر
فكلمة: "كل" نعت للناس. ومثال الثاني قول الآخر:
وإن كان ذنبي كل ذنب فإنه محا الذنب كلَّ المحو من جاءَ تائبًا
فكلمة "كلّ" الثانية نعت لذنب.
وإذا وقعت كلمة: "كل" نعتًا صارت من الجامد المؤول بالمشتق، وصار معناها: "الكامل" في كذا، وهو معنى يختلف عن معناها الآتي في التوكيد٣-.
_________________
(١) ١ سبقت الإشارة إلى إضافتها في ص٧٢ و١١٦ ولوقوعها نعتًا في ص٤٦٣، وأيضًا: سيجيء بيان عن وقوعها نعتًا ومنعوتة في ص٥١٣، ومنه يعلم أنه لا يجوز فيها القطع؛ سواء أكانت نعتًا أم توكيدًا. هذا، ولفظ "كل" مفرد مذكر دائمًا –كما قلنا في رقم ٢ من هامش ص٧٢– ولكن ما بعده من خبر، أو ضمير، أو غيرهما مما يحتاج إلى مطابقة أحيانًا، قد يطابق لفظه، أو لا يطابقة، تبعًا للبيان الآتي في ص٥١٣ والذي يتممه ما في ص٦٣ وما في "ج" من ص١٦٧. ٢ المعروف والجميل. ٣ ص٥٠٩ و٥١٢.
[ ٣ / ٤٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومنها: جِدّ، وحَقّ؛ نحو: سمعنا من الخطباء كلامًا بليغًا جدًَ بليغ، وأصغينا لهم إصغاءً حقَّ إصغاءٍ١.
ومنها: "أيّ"٢ بشرط أن يكون المنعوت بها نكرة، وكذلك المضاف إليه، نحو: الذي
بنى الهرمَ الأكبر عظيمٌ أيُّ عظيم. وقد سبق٣ بيان رأي آخر حاسم لا يشترط هذا، وأوضحنا هناك بإسهاب ما يشترط لوقوعها نعتًا، وما تؤديه حينئذ من المعنى الدقيق، ورأي النحاة في عدم حذف منعوته، أو في صحة حذفه.
ومما يصلح نعتًا ولا يصح منعوتًا الاسم المعرَب "بأل العهدية"٤ لأنه يشبه الضمير، ويقع موقعه؛ نحو: أكرمت عالمًا تَقيًّا فَنفَعني العَالِم. والتقدير: فنفعني ، والفاعل ضمير مستتر، فكلمة "العَالم" الثانية حلَّت محل الضمير الفاعل المستتر٥
_________________
(١) ١ سبق أن قلنا -في: "أ" من ص٤٦٤ –أن كلمة: "الحق" من المصادر المسموعة التي وقعت نعتًا وهي معرفة؛ فلم يتحقق التنكير الذي هو شرط النعت بالمصدر "طبقًا لما تقدم في رقم ٣ نم هامش ص٤٦٠" وعلى هذا يجوز النعت بها وهي معرفة أو نكرة. ٢ انظر ص١١١ و١١٢ وما بعدها، خاصًّا بكلمة: "أيّ النعتية"؛ لأهميته من ناحية الاستيفاء، وقوة الاستدلال الحاسم. وقد سبق الكلام عليها أيضًا في ج١ م٢٦ ص٢٦٣ باب: "الموصول" عند الكلام على: "أي الموصولة"؛ كما سبق في ج٢ م٧٥ ص١٧٣ عند الكلام على: "حذف المصدر الصريح". ٣ في ص١١١ وما يليها. ٤ في ج١ م٣٠ ص٣٠٤ تفصيل الكلام على: "أل" وأنواعها التي منها: "أل العهدية". والمعرف بالعهدية لا ينعت. "طبقًا كما جاء في التصريح وحاشيته عند الكلام عليها - ج١ باب: المعرف بالأداة بحجة أنه يشبه الضمير ويقع موقعه " كما يعللون. ٥ ومما يصلح نعتًا ولا يصلح منعوتًا: "المشتق العامل"؛ فيمتنع "على الصحيح" أنه يتقدم نعته على المعمول؛ أي: لا يصح أن يفصل النعت بإعتباره نعتًا بين العامل المشتق ومعموله. أما باعتباره شيئًا -كالحال، مثلًا– فلا مانع. وكذلك لا مانع من اعتباره نعتًا للمشتق إذا تقدم هذا المعمول فاصلًا بين المشتق ونعته –راجع التصريح، باب: الحال– ومجيء الكلام من النكرة-٠
[ ٣ / ٤٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
"ملاحظة": الأتباع –بفتح الهمزة-١:
نرى في بعض الأساليب الواردة عن العرب كلمة زائدة، لا تنفرد بنفسها في جملة، دون أن تسبقها –مباشرة في هذه الجملة كلمة أخرى مسموعة٢ تماثلها في وزنها، وفي أكثر حروفها الهجائية "أي: أنه ليس لهذه الكلمة المتأخرة الزائدة، المسموعة في الأسلوب الوارد استقلالٌ بنفسها في جملة ما، ولا استغناءٌ عن كلمة سابقة توافقها في وزنها وفي أكثر حروفها". وأيضًا ليس لهذه الكلمة الزائدة المسموعة٢ معنى تَجلبه، ولا حُكم إعرابيّ خاصّ بها٣ تُوصف معه بأنها مبتدأ، أو فاعل، أو نعت، أو مفعول، أو غير ذلك..، أو أنها معربة أو مبنية؛ فهي –لكل ما تقدم –خارجة عن نطاق الاستقلال بنفسها، وصوغها، خالية في معنى لغويّ تؤديه، وبعيدة من الاتّصاف بالإعراب أو البناء، أو التأثر بالعوامل. وإنما تزاد لمجرد التلميح، أو السخرية، أو المدح، أو محض التَّصويت والتنغيم. وتسمَّى هذه الكلمة الزائدة الواردة في الأسلوب السّماعيّ هي ونظائرها: "الأَتباع" –بفتح الهمزة –جمع: "تَبَع" –بمعنى التابع٤– ويراد به: كل لفظ مسموع، لا يستقل بنفسه في جملة، وإنما يجيء بعد كلمة تسبقه مباشرة "بغير فاصل" فيسايرها في وزنها، وفي ضبط آخرها، ويماثلها في أكثر حروفها، دون أنْ يكون له معنى خاص ينفرد به في هذه الجملة، ولا نصيبٌ في الإعراب أو البناء؛ مثل "بَسَن" في قولهم: "محمد
_________________
(١) ١ ولا مانع من كسرها، فتكون الكلمة مصدرًا، لا جمعًا "وانظزر رقم ٢ من هامش الصفحة الآتية". "٢، ٢" يشترط -في الرأي الصحيح- أن تكون هذه الكلمة الزائدة مسموعة في أسلوب وارد عن العرب؛ فليست زيادتها مباحة في غيره. كما أن زيادة غيرها من الكلمات الأخرى غير الواردة عن العرب ممنوعة. فالأمر مقصور على زيادة كلمة معينة مسموعة في تركيب معين مسموع كذلك. ولا يباح القياس هنا؛ منعًا لخلق كلمات لم يعرفها العرب، وإبعادًا للآثار اللغوية السيئة المترتبة على وضع ألفاظ جديدة من غير الطريق السديد المعد لذلك الوضع الجديد كطريق التعزيب، ونحوه ٣ إلا في بعض المركبات التي تعرب حالًا مبنية؛ كقولهم: تفرق الأعداء "شَفَرَ بَفَرَ" و "طبقًا للبيان المفصل الذي سبق في ج٢ باب: الحال، م٨٤ ص٣٣٦". ٤ التَّبَع –محركة -: "التابع" –والتَّبع –يكون واحد أو جمعًا. ويجمع على أتباع ا. هـ. قاموس. ثم قال: "والإتباع في الكلام مثل: حَسَن بَسَن". ا. هـ؛ فلا مانع من كسر الهمزة؛ فتكون الكلمة مصدرًا في حالة الكسر، لا جمعًا.
[ ٣ / ٤٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حسَنٌ بَسَنٌ". ومثل: "نَيْطان، ونِفْريت" في قولهم، اللصّ شيطانٌ نَيْطانٌ، أو: اللصّ عِفريتٌ نِفريتٌ وعند إعراب هذا اللفظ الزائد نقول: إنه تابع للكلمة التي قبله مباشرة، أي: من أتباعها في الوزن، وضبط الآخر، والمشاركة في معظم الحروف الهجائية، دون أن يكون لهذه التبعية العارضة بوصفها السالف علاقة بالتوابع الأصلية الأربعة المعروفة "وهي: النعت، التوكيد، العطف بنوعيه، البدل" كما سبقت الإشارة١؛ إذ لا يجري شيء من أوصاف هذه التوابع الأربعة الأصلية وأحكامها على التابع العارض المذكور فيما سبق؛ حيث يقتصر حكمه على أمر واحد، هو: أنه مثل الكلمة التي قبله مباشرة في وزنها، وأكثر حروفها، وضبط آخرها، دون بقية أحكامها النحوية، أو غير النحوية٢
_________________
(١) ١ في آخر هامش ص٤٣٤. ٢ ما تقدم في تعريف هذا "التابع" وحكمه هو ما تخيرناه من عدة آراء مضطربة في تعريفه وأحكامه. فلقد كثر الكلام في كل ذلك قديمًا، ووضعت كتب خاصة في "الاتباع" تتقارب أحيانًا وتتباعد أخرى. ومن أشهر الكتب المؤلفة فيه وأحسنها: كتاب: "الاتباع" للإمام أبي الطيب عبد الواحد مجمع بن علي اللغوي الحلبي المتوفى سنة ٣٥١ هـ وعليه اعتمدنا ما نقلناه. وقد ظهر هذا الكتاب سنة ١٩٦١ مطبوعًا، وحققه وشرحه الأستاذ عز الدين التنوخي عصْر مجمع اللغة العربية بدمشق. وكتب في صدره مقدمة نافعة تتضمن أظهر آراء المؤلف، يعنينا منها، ويتصل بموضوعنا قوله حرفيًا –في ص٧-. "الظاهر من بحث المصنف فيما بقي من خطبه كتابه، وفيما جرى عليه في الأبواب، وأن المعول عنده في التفريق بين "الاتباع والتوكيد" إنما هو على معنى التابع مع إمكان إفراده في الكلام؛ ذلك أن التابع-أو اللفظة الثانية إن لم يكن له معنى في نفسه، أو كان له سني المتبوع، ولم يجيء إلا لِيَتِد "أي: يقو"ما قبله ويقويه، ثم لا يتكلم به منفردًا –كان "إتباعًا". وإن كان يشارك اللفظة الأولى– أو المتبوع في المعنى فأفاد في تقويتها، وأمكن إفراد التابع في الكلام كان: "توكدًا". وبذلك يتبين لنا أن المعول عليه عند المصنف إنما هو التابع من حيث المعنى أو عدمه مع إمكان إفراده، وليس المعول على الواو، كما ذهب إليه الكسائي. وأبو عُبَيْد في غريب الحديث. فإن قولهم مثلًا "قسيم وسيم" ليس من "الاتباع" عند أبي الطيب، بل هو في باب "التوكيد"؛ فإن التابع: "وسيم" يمكن إفراده ومجيئه على حدة؛ لقولهم رجل وسيم. وقولهم: "شَرَّ بَرَّ" من التوكيد عند أبي الطيب مع أنه بلا واو. و"حظيت المرأة
[ ٣ / ٤٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وبَظِيتْ من "الإتباع" عند المصنف مع وجود الواو؛ لأن "بَظِيتْ" لا معنى لها وحدها، ولا تجيء في الكلام وحدها وإنما تجيء أبدًا تابعة لفعل: "حَظِيَتْ"؛ ولإتباعها كانت من "الإتباع" ومنه: "أقبل الحاجّ والداجّ" فهو من الإتباع عند شيخنا الحلبي –المصنف– مع وجود الواو: لأن "الداج" مع وجود الواو من الإتباع؛ إذ لا ثلة بين الحج والدّجّ، ولا يفرد عند التكلم فلا يقال: "أقبل الداجّ" وإنما يقال: "أقبل الحاجّ والداجّ" فهي تابعة أبدًا. "ومن أقوال المصنف تعليقًا على أمثلة "الإتباع والتوكيد" ونذكره للاستدلال، وعلى سبيل المثال، قولهم: "لا بارَكَ الله فيه ولا تارَكَ في باب الإتباع الذي أوله التاء، وعلق عليه بقوله: فهو وإن كان "تارك" مأخوذًا من التَّركَ، لا معنى له في هذا الموضع إلا الإتباع أي: لا صلة في المعنى بين باركَ وتاركَ، ولا يجيء "لا تاركَ الله فيه" ولو أمكن إفراد هذا التابع لكان من باب التوكيد " ا. هـ. من المقدمة. وكل ما سبق حسن، لكن كيف يكون للكلمة التابعة معنى المتبوعة –كما جاء في أول الكلام– وتسمى تابعة على الوجه المراد من التابع هنا لا التابع الأصيل الذي يدخل في التوابع الأربعة الأصلية التي سبقت في ص٤٣٤؟ هذا غير مفهوم ولا مقبول بناء على الضوابط العامة.
[ ٣ / ٤٧١ ]
ب١- النعت بالجملة:
الجملة التي تصلح نعتًا١ لا بد أن تجمع الشروط الأربعة الآتية:
١- أن يكون منعوتها نكرة محضة، مثل كلمتي "فارس وشجاع" في قولهم: "أقبلَ فارس يبتسم، وانتصر شجاع لا يخاف، ويتحقق هذا بخلُوها من "أل الجنسية"، ومن كل شيء آخر يُخَصَّص ويُقَلَّل الشيوع؛ كالإضافة، والنعت، وسائر القيود التي تفيد التخصيص٢.
والنكرة غير المحضة: هي التي لم تتخلص مما سبق؛ بأن يكون المنعوت إمَّا: مشتملًا على "أل الجنسية" التي تجعل لفظه معرفة، ومعناه نكرة، كقول الشاعرُ:
ولقد أَمُرّ على اللئيم يَسبني فَأَعِفُّ، ثُمّ أقول: لا يَعنيني
فجملة: "يسُب"، يصح إعرابها نعتًا في محل جر، مراعاة للناحية المعنوية، والمنعوت هو كلمة: "اللئيم"، ويصح أن يكون حالًا في محل نصب، مراعاة؛ لوجود "أل الجنسية"٣. وإما مقيدًا بقيد يفيد التخصيص؛ نحو: استمعت لمحاضرةٍ نفسيةٍ ألقاها عالم كبير زار بلادنا. فالنكرة هنا: "محاضرة -عالم" غير محضة؛ لأنها مقيدة بالنعت بعدها "وهو: نفيسة -كبير" ولذلك يصح إعراب الجملة الفعلية: "ألقي ×" "زار ×" نعتًا بعد كل واحد منهما٤
ومما يلاحظ أن المنعوت إذا كان غير محضة، فإن الجملة بعده –وكذا
_________________
(١) "١، ١" سبقت "أ" في ص٤٥٨ حيث الكلام على النعت المفرد، ويجيء النعت بشبه الجملة في "ج" ص٤٧٦ –وفي ص٤٨٠ "و" الرأي في الجملة من ناحية أنها نكرة، أو معرفة. وقد سبق "في ج١ م١ هامش ص١٥ وهامش ص٣٣٨ م٢٧" أن الجملة الواقعة نعتًا، أو صلة أو خبرًا، أو غير ذلك تسمى جملة باعتبار أصلها الأول حين تؤدي معنى مفيدًا مستقلًا. أما بعد أن صار لها محل فلا تؤدي معنى مستقلًا، ولا تسمى جملة "٢و٢" في هامش الصفحة الأولى بيان واف للمراد من المفيد. ٣ للحكم السابق بيان في ج١ ص١٩٥ م١٤ وفي ج٢ باب الحال م٨٤ ص٣١١. ٤ وينطبق هذا قوله تعالى لنبيه في شأن الكافرين: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا ﴾ فكلمة: "أحد" نكرة غير محضة؛ لأنها موصوفة مع مجروره بعدها. ويليها جملة فعلية تصلح أن تكون نعتًا أيضًا.
[ ٣ / ٤٧٢ ]
شبهها١ لا تعيين نعتًا. وإنما يجوز أن تكون نعتًا، وأن تكون حالًا والمنعوت يصير صاحب الحال، "وقد سبق٣ بيان هذا بإسهاب ".
٢- أن يكون المنعوت مذكورًا؛ نحو: إن رجلًا يصاحب الأشرار لا بد أن يحترق بأذاهم، وقول الشاعر:
إن في أضرعنا أَفئدةً تَعشق المجد، وتأبى أن تضاما
ويجوز حذف المنعوت بشرط أن يكون مرفوعًا، وبعض اسم متقدم عليه مجرور بالحرف: "من"، أو: "في"، والنعت جملة أو شبهها؛ مثل: "نحن –الشرقيين – أصحابُ مجدٍ تَلِيدِ؛ منَّا٣ سَبَقَ إلى كشف نظريات العلوم الكونية، ومنا استخدمها في الاختراع والابتكار، ومنا اهتدى قبل غيره إلى مَجاهل كوكبه، ومنا هَدَى البشرية إلى أقوم السبل لإسعادها؛ فليس فينا إلا كَشَف، أو: اخترع، أو: اهتدى،أو: هدى " تريد: منَّا فريق سبق،منا فريق استخدم،منا فريق اهتدى منا فريق هدى، ليس فينا إلا فريق كشف "وسيجيء الكلام مفصلًا على مواضع حذفه، قريبًا"٤.
٣- أن تكون الجملة النعتية خبرية، كبعض ما سبق، وكالتي في قول الشاعر:
ولا خيرَ في قوم تُذَلُّ كرامُهم ويعطُم فيهم نَذْلُهم، ويسود
فلا تصلح الإنشائية "بنوعيها الطلبي وغير الطلبي"، ولا يصح: رأيتَ مسكينًا عاونْه، وشاهدت محتاجًا هل تساعدُه؟ أو: لا تهنْه، ولا يصح هذا كتاب بِعتكَهُ؛ تريد: إنشاء البيع الآن "وقت النطق"، والموافقة عليه، لا أنك تخبر بأن البيع حصل قبل النطق٥.
_________________
(١) ١ كما سيجيء في ص٤٧٦ وانظر "أ" في ص٤٤٧. حيث البيان الخاص بهذا. ٢ في مواطن متفرقة، والأصيل منها في باب المعارف "ج١ ص١٤٥ م١٧". ٣ مع إعراب الجار والمجرور في هذه الأمثلة وأشباهها هو الخبر؛ لتكون الجملة الفعلية نعتًا –وكذا شبهها-٠ ٤ ص٤٩٣. ٥ هذا الشرط هام، لأن النعت يفيد منعوته إيضاحًا، أو تخصيصًا، أو أو –كما سبق أول الباب– فلا بد أن يكون حاصلًا كم قبل. والمعنى الإنشائي غير حاصل، ولا معلوم من قبل، إذ لا وجود له في الخارج الواقعي قبل النطق. فكيف يفيد الإيضاح، أو التخصيص. أو غيرهما؟ وما ورد مخالفًا لهذا الشرط فهوسماعي لا يقاس عليه. وبعضهم يؤوله بحذف مشتق من القول: مثل كلمة:،مقول، تكون الجملة الإنشائة مفعولًا له. وسيجيء بيان هذا في هامش ص٤٧٥.
[ ٣ / ٤٧٣ ]
٤- اشتمال الجملة الخبرية على ضمير يربطها بالمنعوت١، ويطابقه في الإفراد والتذكير وفروعهما٢، ويجعل الكلام والمعنى متماسَكْين متصلين، ولذا يسمَّى:،الرابط،، والأغلب أن يكون مذكورًا -سواء أكان بارزًا، أو مسْتترًا ٣ -فالمذكور البارز كالأمثلة السالفة؛ وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾، ومثل: نصيحة يتبعها عاقل قد تجلب خبرًا غامرًا، وتدفع بلاء قائلًا. وقول الشاعر:
كلُّ بيتٍ أَنت ساكنه غير محتاج إلى السُّرُج٤
والمستتر كقول الشاعر:
وكلّ امرئٍ يُولِ الجميل مُحَبَّب وكل مكان ينبت العز طيّب
وقول الآخر:
وإذا أراد الله نثر فضيلة طُوِيت٥ أتاح لها لسان حسود
وقد يكون محذوفًا٦ إذا كانت معروفًا بقرينة من السياق، أو غيره، ولا لبس في حذفه، كقول القائل:
وما أَدري أَغَيَّرهمْ تَناءٍ وطولُ الدّهر، أم مالٌ أَصابوا
_________________
(١) ١ سواء أكان اشتمالها عليه مباشرًا أم كان في شيء من مكملاتها وتوابعها؛ كالذي في قول الشاعر: لا أذود الكير عن شجرٍ قد جنيت المر من مُرة وفي الأمثلة الآتية صور للنوعين. ٢ إذا كان المبتدأ ضميرًا للمتكلم والخبر منعوتًا بجملة فعلية، جاز في الضمير الرابط أن يكون للمتكلم أو الغائب؛ نحو: أنا صادق أحب الإنصاف، أو يحب الإنصاف. وكذلك إن كان المبتدأ ضميرًا للمخاطب؛ نحو: أنت صادق تحب الإنصاف، أو يحب الإنصاف. ومراعاة التكلم أو الخطاب أحسن -كما سبقت الإشارة في ج١ م٣٥ ص٤٢٥ باب المبتدأ والخبر-. ٣ لأن الستتر مذكور، ولكنه غير ظاهر في الكلام. بخلاف المحذوف؛ فانه غير موجود مطلقًا. وبين المستتر والمحذوف جملة فوارق وآثار أوضحناها في باب: الضمير ج١ م١٨ ص١٤٦. ٤ جمح: سراج، وهو المصباح المضيء. ٥ الرابط ضمير مستتر تقديره: هي؛ نائب الفاعل. ٦ سيجيء تفصيل لحذفه في،ج، من ص٤٧٨.
[ ٣ / ٤٧٤ ]
التقدير: أصابوه. ومثل:،ما شيءٌ حميتَ بمستباح١،. أي: حتميته.
وقول الآخر:
قال لي: كيف أنت؟ قلت: عليلُ سهرٌ دائم،،وليلٌ طويلٌ
أي: أنا علي؛ سهره دائم، وليله طويل٢
_________________
(١) ١ صدر هذا البيت المنسوب لجرير: حَمَيْتَ حِمى تِهامة بعد نجدٍ ٢ وفي النعت بالجملة يقول ابن مالك: ونَعتُوا بِجُمْلَةٍ مُنَكَّرًا فَأُعْطِيَتُ ما أُعْطِيَتْهُ خَبَرًا يريد: أن العرب نطقلوا بالجملة نعتًا للمنكر، "آي: أن المنعوت بها منكر، لا بد من تنكيره "، وإذا وقعت نعتًا فإنها تعطى من الحكم ما أعطيته وهي خبر. يشير إلى ضرورة الرابط الذي يربطها بالمنعوت. وليس المقصود أنها تأخذ، وهي نعت -ميع الأحكام التي تستحقها إذا وقعت خبرًا. ذلك أن الجملة التي تعرب خبرًا تصلح أن تكون إنشاء طلبيًا وغير طلبي، "على الصحيح فيهما"، مع أن جملة النعت لا تصلح أن تكون إنشاء طلبيًا أو غير طلبي، ولذا تدارك الأمر فقال: وامْنَعُ هُنا إِيقاعَ ذاتِ الطَلبِ وَأِنْ أَتَتْ فالْْقَوُل أَضُمِرْ تُصِبِ أي: امنع هنا "في باب النعت، لا في باب الخبر"، وقوع الجملة الطلبية، وهذا تقييد قد يؤدي إلى غير المراد؛ إذ قد يفهم منه أن الجملة الإنشائية غير الطلبية تقع نعتًا، مع أنها كالطلبية لا تصلح نعتًا؛ إذ الجملة الإنشائية بنوعيها الطلبي وغير الطلبي لا تصلح هنا -كما أشرنا -أما الذي يصلح فهو ما عداهما. ولم يبق من الجمل بعدهما إلا الجمل الخبرية. ثم هو يقول: إن ورد في الكلام القديم جمل إنشائية وقعت نعتًا. وهذه لا يصح محاكاتها، ولا القياس عليها؛ لندورها، ومخالفتها الغرض من النعت. فأولها. والتأويلات مختلفة، أشهرها إضمار "قول" المحذوف هو النعت، تكون الجملة الإنشائية مَمَقُولا له. ففي مثل: أكلت فاكهة؛ هل ذقت السكر؟ "وليس هذا من الكلام القديم المسموع" يقدرون أن الأصل: أكلت فاكهة مَقُولًا فيها: هل ذقت السكر؟ فكلمة: "مَقُولًا" المحذوفة هي النعت. والجملة الإنشائية بعدها في محل نصب مفعول به للقول. ومثل: لمست ماء هل لمست الثلج؟ أي: لمست ماء مقولًا فيه: هل لمست الثلج؟ أما الأمثلة المسموعة فمنها البيت الذي يرددونه؛ وهو: حتى إذا جَنَّ الظلام واختلطْ جاؤوا بِمَذْقِ. هَلْ رأَيتَ الذِّنبَ قطْ؟ "قاله رجل استضافه قوم، وطال انتظاره الطعام حتى دخل الليل؛ فقدموا له المذق "وهو اللبن المختلط بالمياه التي تغير لونه". وهو يصف هذا التغيير في اللون بأنه صار في لون الذئب". ثم قال ابن مالك بعد ذلك بيتًا سبق شرحه في مكانه المناسب "ص٤٦١" هو: ونَعتُوا بِمَصْدَر كَثِيرَا فالْتَزَمُوا الإِفْرَادَ وَالتَّذْكِيرَا
[ ٣ / ٤٧٥ ]
وقد يغني عنه وجوده في جملة معطوفة١ بالفاء، أو: بالواو، أو: ثم على الجملة النعتية الخالية منه؛ نحو: مررت برجل تقصف الرعود، فيرتجف؛ أو: فيرتجب. أو: ثم يرتجف. التقدير: "هو" لا في كل ذلك.
ج- النعت بشبه الجملة٢:
وشبه الجملة "الظهر، والجار مع مجروره"، يصلح أن يكون نعتًا بشرطين:
أولهما: أن يكون تامًا، أي: مفيدًا. وإفادته٣ تكون بالإضافة، أو بتقييده بعدد، أو غيره من القيود التي تجعله يحقق غرضًا معنويًا جديدًا؛ فلا يصح أقبل رجل عنك ولا أقبل رجل عوْضُ
ثانيها: أن يكون المنعوت نكرة محضة٤، مثل: أقبل رجل في سيارة، أقبل رجلٌ فوق الجبل. وقول الشاعر:
وإذا امرؤ أهدَى٥ إليك صَنِيعَةً من جاهه٦ فكأنها من ماله
فإن كانت النكرة غير محضة: "بسبب اختصامها بإضافة، أو غيرها مما يخصصها"؛ فشبه الجملة يصلح نعتًا وحالًا٧. نحو: هذا رجل وقور في سيَّارة أو: هذا رجل وقور أمامك ، فهو كالجملة في هذا الحكم٨.
_________________
(١) ١ راجع الصبان ج١ باب المبتدأ عند الكلام على الخبر الجملة، ورابطه". ٢ سبقت: "أ" في ص٤٥٨ حيث الكلام على النعت المفرد. وكذلك سبقت: "ب" في ص٤٧٢ حيث الكلام على النعت بالجملة. ٣ تكرر معنى الإفادة في عدة مواضع من الكتاب "في ج١ باب الموصول ص٢٧٢ م٢٧، باب المبتدأ والخبر ص٣٤٦ م٣٥ ج٢، باب الحال ص٣٩٤". ٤ انظر "أ" من الزيادة والتفصيل، حيث البيان الخاص بعدم اشتراط المحضة. ٥ الجملة الفعلية نعت، ومنعوتها نكرة. ٦ الجار ومجروره نعت، والمنعوت: صنيعة. ٧ كما سبق في ص٤٧٣. ٨ تكرر بيان هذا، أما تفصيله ففي مكانه المناسب ج١ ص١٤٥ و١٧.
[ ٣ / ٤٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
١- يجوز -عند عدم المانع -اعتبار شبه الجملة بنوعية "الظرف، والجار مع مجروره " صفة بعد المعرفة المحضة؛ على تقدير متعلَّقه معرفة. وقد نص "الصبان" على هذا في ج١ أول باب: "النكرة والمعرفة" حيث قال: "أسلفنا عن الدماميني جواز كون الظرف -ويراد به هنا شبه الجملة بنوعيه. بعد المعرفة المحضة صفة، بتقدير متعلَّقه معرفة" اهـ.
أي: أن المتعلَّق المعرفة سيكون هو الصفة لمطابقته الموصوف في التعريف. هذا ولا مانع أن يكون شبه الجملة نفسه -بنوعيه -هو الصفة إذا استغنينا عن ذكر المتعلَّق اختصارًا وتيسيرًا أو تسهيلًا، "طبقًا لما سبق١" بالإيضاح والشرط المسجلين هناك.
وإذا كان شبه الجملة -بنوعيه- بعد المعرفة المحضة صالحًا لأن يُعرَب صفة على الوجه
السالف، وهو صالح أيضًا لأن يكون حالًا بعدها؛ كصلاحه للحالية والوصفية بعد النكرة غير المحضة، -أمكن وضع قاعدة عامة أساسية هي: "شبه الجملة –بنوعيه- يصلح دائمًا أن يكون حالًا أو صفة بعد المعرفة المحضة وغير المحضة٢، وكذلك بعد النكرة، بشرط أن تكون غير محضة٣"؛ أو يقال:
"إذا وقع شبه الجملة بعد معرفة أو نكرة، فإنه يصلح أن يكون حالًا أو صفة إلا في صورة واحدة، هي: أن تكون النكرة محضة فتعين أن يكون صفة، ليس غير".
وجدير بالملاحظة أن جواز الأمرين فيما سبق مشروط بعدم وجود قرينة توجب أحدهما دون الآخر أو توجب غيرهما، حرصًا على سلامة المعنى، فإن وجدت القرينة وجب الخضوع لما تقتضيه، كالشأن معها في سائر المسائل الأخرى.
_________________
(١) ١ في ج١ "ص١٩٤ م١٧، وفي رقم ١ من هامش ص٣٤٧ م ٢٧، وهامش ص٤٣١ م٣٥" وفي ج٢ رقم ٥ من هامش ص٣٥٦". ٢ كالمعرف بأل الجنسية. ٣ فإن كانت محضة تعين أن يكون نعتًا -كما سيجيء هنا-.
[ ٣ / ٤٧٧ ]
ز
_________________
(١) ب- من أدوات الاستثناء ما يكون فعلًا قط؛ وهو: "ليس، ولا يكون" ومنها ما يصلح١ أن يكون فعلًا تارة، وحرف جر تارة أخرى: وهو "خلال، وعدا، وحاشا". والنوع الأول -وهو الذي يكون فعلًا فقط- يصح وقوع جملته الفعلية نعتًا؛ بالتفصيل الذي سبق بيانه "في ج م٨٣ ص٣٣٣ باب: الاستثناء"، أما النوع الثاني الذي يصلح للفعلية والحرفية في يكون نعتًا. ج- يحذف الرابط في الجمله النعتية بشرط أمن اللَّبس -كما سبق٢- والمحذوف قد يكون مرفوعًا مثل: بسم الله الرحمنُ الرحيمُ، أي: هو الرحمن هو الرحيم ٣ أو منصوبًا كالأمثلة السالفة١. وقد يكون مجرورًا "بفي" إذا كان المنعوت بالجملة اسم زمان: كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾، أي لا تجزي فيه فلا يصح الحذف في مثل: زرت حديقة رغبتُ فيها: إذ المنعوت ليس اسم زمان: فلا يتضح المحذوف؛ أهو: رغبت في هوائها -أم في رياحينها- أم في فواكهها، أم في جداولها؟ ولا يتضح أهو: رغبت فيها أم رغبت عنها؟ وقد يكون مجرورًا "بِمِنْ" بشرط أن يكون في أسلوب تتعين فيه؛ سواء أكان الضمير عائدًا على ظرف زمان أم على غيره؛ نحو: مرّ صيف قضيت شهرًا على السواحل، وشهرًا في الريف. أي: قضيت شهرًا منه على السواحل، وشهرًا منه في الريف ومثل: أشتريت فاكهة، نوع بعشرين، ونوع بتلاثين، أي: نوع بعشرين منها، ونوع بتلاثين منها فإن لم يكن الحرف "مِنْ" متعينًا في الأسلوب لم يجز حذفه؛ لئلا يحدث لبس؛ نحو: نفعني شهر صمت منه، فلو حذف الجار والمجرور لورد على الذهن احتمالات متعددة؛ منها صمته، وهو معنى غير المقصود. د- يرى بعض النحاة أن: "أل" قد تغني عن الضمير الرابط إذا دخلت "١، ١" بشرط ألا تسبقه "ما" المصدرية. وفي ص٤٧٤ بعض أمثلة للمحذوف المنصوب ٢ في ص٤٧٤. ٣ على اعتبار النعت مقطوعًا. وسيجيء بيان القطع في ص٤٨٦.
[ ٣ / ٤٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
على الجملة الاسمية الواقعة نعتًا: نحو: رأيت كتابًا؛ الورقُ ناعمٌ مصقول، والطباعة جيدة نظيفة١، والغلاف متين جذاب، فكأنك قلت: رأيت كتابًا ورقه ناعم مصقول، وطباعته وغلافه وهذا رأي حسن، مستمد من "أمثلة كثيرة مسموعة تبيح القياس عليها بشرط أمن اللبس.
"هـ" لا تُربَط الجملة الواقعة نعتًا إلا بالضمير أو بما يقوم مقامه في الربط، ويغني عنه، وهو "آل"، كما مرّ في: "د" ولا تصلح الواو التي تبق -أحيانًا- الجملة الواقعة نعتًا أن تكون للربط، فإنها ولو زائدة تلتصق بهذه الجملة؛ لتُقَّوى دلالتها على النعت، وتزيد التصاقها بالمنعوت دون أن تصلح وحدها للربط، ويسمونها لذلك: "واو اللصوق"، ومن أمثلتها، في القران الكريم قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾، والأصل: "إلا لها كتاب معلوم" زيدت الواو للغرض السالف، ولا تفيد شيئًا أكتر منه٢. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ . فقد زيدت الواو قبل الجملة الاسمية الواقعة نعتًا. ومن الأمثلة قول عُروة بن الوَرْد:
فيا للناس كيف غلبت نفسي على شيء ويكرهه ضميري
فالواو زائدة قبل الجملة المضارعية النَّعتية. وهي في كل صورها التي تتعين فيها للإلصاق لا تصلح وحدها أن تكون رابطًا -كما أسلفنا-.
وقد اختلف النحاة: أزيادتها قياسية٣ أم سمعية؟ والأرجح عندهم -برغم مجيئها في القرآن- أنها سماعية، وهذا عجيب منهم؛ لأن معناه بأن بعض التراكيب القرآنية لا يصح محاكاته، ولا صوغ أساليبنا على نهجه، مع اعترافهم جميعًا أن القرآن أسمى لغة بيانية، وأعلى كلام بليغ. نعم قد يكون الأنسب اليوم الوقوف بزيادة هذه الواو عند حدّ السماع؛ تجنبًا لإساءة فهمها، والخلط بينها وبين الأنواع الأخرى، ولا ضرر ولا تضييق في الأخذ بهذا الرأي٣. ولكن الأنسب لا يحرّم غيره مما هو صحيح مباح.
_________________
(١) ١ هذه الجمله الاسمية -والتي تليها– معطوفة على الأولى، فهي في حكم النعت كالمعطوف عليه. إلا أن قامت قرينة مقضي بأنها لبست معطوفة، وأنها شيء آخر: كأن تكون حالية، أو مستأنفة. ٢ راجع التصريح وحاشية ياسين ج١ باب الحال عند الكلام على صاحب الحال النكرة. ٣ ومن القائلين بقياسيتها: "الزمخشري".
[ ٣ / ٤٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقد يكون الأنسب في عصر ليس بالأنسب في آخر؛ وكلاهما صحيح مباح.
والجملة لا تقع نعتًا إلا للنكرة. فما حكم الجملة نفسها من حيث التعريف والتنكير؟.
أجابوا: "يجري على الألسنة كثيرًا أنها نكرة. ولكنها تؤول بالنكرة، قال الرضيّ؛ لأن التعريف والتنكير من خواص الأسماء. والجملة من حيث هي جملة ليست اسمًا، وإن كانت تؤول به، فنحو: جاء رجل قام أبوه، أو أبوه قائم في تأويل: جاء رجل قائم أبوه: ونحو: جاء رجل أبوه محمد، في تأويل: كائن ذات أبيه ذات محمد١.
ويقول شارح المفصل٢ ما ملخصه: "إن وقوع الجملة نعتًا للنكرة دليل على أن الجملة نفسها نكرة، إذ لا يصح أن توصف النكرة بالمعرفة٣ "اهـ.
سواء أكانت نكرة أم مؤولة بالنكرة وفي حكمها، فالخلاف شكلي لا آثر له. والمهم المتفق عليه أنها لا تكون نعتًا إلا للنكرة.
ز- يقول الكوفيون: إذا وقع بعد الجملة الواقعة نعتًا لنكرة، جملة أخرى مضارعية، مترتبة على الجملة النعتية كترتب جواب الشرط على الجملة الشرطية إذا وقع هذا صح في المضارع الجزم جوابًا للنعت مع جملته: حملًا له على المضارع المجزوم في الجملة الواقعة جوابًا للشرط. ففي مثل: كل رجل يعملُ الخير يرتفع شأنه يجيزون جزم المضارع: "يرتفع"٤.
لكن رأيهم في هذا الجزم ضعيف؛ إذ لا تؤيده الشواهد القوية الكثيرة، التي تسوّغ القياس عليه. فالأحسن إهماله والاقتصار فيه على المسموع٥.
_________________
(١) ١ راجع الصبان. ٢ ج٣ ص١٤١. ٣ سبقت إشارة لبعض ما ذكر "في رقم ٢ من هامش ص٢٨ رقم ١ من هامش٤٧٢" وأيضًا "في ج٢ ص٢٩٤؟ باب النكرة والمعرفة" وكذا "في ج١ ص١٤٢ م١٧". ٤ وفاعله ضمير مستتر تقديره: هو والجملة من الفعل والفاعل في محل رفع خبر المبتدأ: "كل". ٥ سبقت الإشارة لهذا في باب: "الموصول" "ج١ م٢٧ ص٣٨٣ عند الكلام على صلة الموصول والرابط" وله هناك قصة طريقة تؤيده. وسيجيء البيان في ج٤ ص٤٣٧ م١٥٧ عند الكلام على جواب الشرط".
[ ٣ / ٤٨٠ ]
المسألة ١١٥:
تعدد النعت، وقطعه
"أ" تَعَدُّدُ النعت في الحالات التي يكون فيها عامله واحدًا:
١- إذا تعدد النعت، والمنعوت فغير متعدد -لأنه واحد- وجب تفريق النُعوت١، مسبوقة بواو العطف٢ أو غير مسبوقة، إلا الأول، فلا يُسبَق بها. نحو: لا شيء يقبُح في العين كرؤية عالم مختال، مغرُورٍ، أو: عالمٍ زَرِيِّ وضيعٍ، ويصح: كرؤية عالم مختال ومغُرور، أو: عالم زريّ ووضيع٣
وتمتنع واو العطف إذا كان المعنى المراد لا يتحقق بنعت واحد، ولا يستفاد إلا من انضمام نعت إلى آخر فينشأ من مجموعهما المعني المقصود: نحو: الفصول أربعة: أطيبها الربيع البارد الحارّ، أي: المعتدل في درجة حرارته وبرودته، ولا يجوز البارد والحارّ؛ لأن المعنى المراد -وهو: الاعتدال- لا يؤخذ لا من اشتراك الاثنين في تأديته، وانضمام كل منهما إلى الآخر: فكلاهما جزء يتمم نظيره،
_________________
(١) ١ أي: ذكرها واحدًا واحدًا؛ على غبر صورة المثنى والجمع؛ إذ يمتنع أن يكون النعت مثنى، أو جمعًا والمنعوت واحدًا. وسيتكرر هنا لفظ "المفرِّق". و"التفربق" مرادًا به هذا التعدد على صورة فردية، ليس فيها علامة التثنية أو الجمع الاصطلاحين. فإن كانت الكلمة دالة على التثنية أو على الجمع بدون تفريق الأفراد أو بتفريق فهي المتعددة. فعندنا كلمتان اصطلاحيتان؛ هـ: "تفريق، وتعدد". فالتفريق خاص بذكر الأفراد واحدًا فواحدًا، والتعدد يكون مثله أو بذكرها على هيئة التثنية أو الجمع. "وانظر ما يختص بالنعت المتعدد لواحد لأهميته، ص٤٨٨". ٢ ويجوز اختيار حرف عطف غير "الواو"، يناسب السياق، إلا: "حتى"، و"أم".كما سيجيء في ص٤٩٧ وفيها بيان مفيد يختص بعطف النعوت. وإذا وقع النعت بعد الواو أو غيرها من حروف العطف المناسبة، فإنه يترك اسم النعت وأحكامه ويصير معطوفًا يجري عليه اسم المفعول وكل أحكامه -كما سيجيء في ص٤٩٨-. ٣ ومن التعدد بغير عطف، النعت بكلمتي: "فطنّ" وفَعَّال في فول المتنبي: لا يدرك المجدّ إلا سيدٌ فَطِنٌ لما يَشُق على السادات، فعَال
[ ٣ / ٤٨١ ]
ويلازمه في تكوين المعنى الكامل المقصود منهما معًا. والكلمتان هنا بمنزلة كلمة واحدة ذات قطرين: لا يصح أن يَفْصِل بين شطريها حرف عطف أو غيره. ومثل: شرب المريض الدواء الحلو المرّ، أي: المتوسط في حلاوته ومرارته. ومثل: اشتريت صوفًا ناعمًا خشنًا، ومثل: هذا زجاج صُلب هّشّ
٢- وإذا تعدد النعت والمنعوت متعددٌ بغير تفريق، وبغير أن يكون اسم إشارة فإن كانت النعُوت متحدة في لفظها ومعناها معًا وجب عدم تفريقها، وأن تكون مثناة أو جمعًا على حسب منعوتها. نحو: ما أعجب الهرمينِ القديمينِ!. ولا يصح: ما أعجب الهرمين القديم والقديم. ونحو: ما أجمل الزهرات اليانعات، ولا يصح: اليانعة، واليانعة، واليانعة.
فإن كانت النعوت مختلفة في لفظها ومعناها معًا أو في أحدهما وجب التفريق بالواو العاطفة؛ فمثال الاختلاف في اللفظ والمعنى قول الشاعر:
بكيْتُ، وما بُكَا رجلٍ حزينٍ على رُبْعينِ؛ مسلوبٍ١، وبالٍ
وقول أحد المؤرخين ولما انتهت الموقعة بهزيمة الأعداء بحثنا عن قادة جيشهم، فعرفنا القادة: القتيلّ، والجريح، والأسيرَ، والمذهولَ من هول ما رأى وسمع
ومثال الاختلاف في اللفظ دون المعنى: أبصرت سيارتين: ذاهبة ومنطلقةً قاومت طوائف؛ باغيةً، ومعتديةً، وظالمةً.
ومثال المختلفة في المعنى دون اللفظ. تنصحت رجلين هاويًا وهاويًا٢؛
_________________
(١) ١ مسلوب: مأخوذ من صاحبه. والكلمة نعت. وتصلح أن تكون عطف بيان، لكن الأفضل في المشتق أن يكون نعتًا، وفي الجامد أن يكون عطف بيان. كما في صفحة٤٦٥، وفي رقم ١ من هامش ص٤٨٣، وكما سيأتي في بابه ص٥٥١ و٥٥٢. ٢ وفي هذا النعت المتعدد المختلف وفي منعوته المتعدد بقول ابن مالك: ولَعْتُ غَيْر إذل وَاحِدٍ إذا اخْتَلَفُ فعاطِفًا فَرِّقُهُ لاَ إِذا ائتَلَفُ أي: أن النعت المتعدد المختلف في لفظه ومعناه معًا. أو: في أحدهما، يجب أن تفرقه بالعطف إذا كان المنعوت متعددًا. أما إذا ائتلف النعت اتفق معناه ولفظه" فلا تفرقه. "فرقة عاطفًا: أي: حالة كونك عاطفًا، مستعملًا في التفريق حرف العطف، وهو هنا: الواو، ليس غير -كما شرحنا، وكما يأتي في ص٤٩٧".
[ ٣ / ٤٨٢ ]
فإحدى الكلمتين فعلها: "هَوِىَ" بمعنى: "أَحَبَّ" والأخرى فعلها: "هَوَى" بمعنى سقط على الأرض. ولا بد من قرينة تدل على هذا الاختلاف المعنوي. ومثل: عرفت رجالًا؛ كاسية، وكاسية، وكاسية، بمعنى: كاسية غيرها: وبمعنى: مكسوة، وبمعنى: غنية.
واذا كان المنعوت المتعدد اسم إشارة لم يجز في نعته المتعدد التفريق لأن نعت أسماء الإشارة لا يكون مختلفًا عنها في المطابقة اللفظية؛ فلا يصح مررت بهذين الطويل والقصير على اعتبارهما نعتين١.
٣- إذا تعدد النعت والمنعوت متعدد متفرق فإن كانت النعوت متحدة في ألفاظها ومعانيها وجب عدم تفريقها؛ مثل: سافر محمود، وعلي، وحامد المهندسون. وان كانت مختلفة وجب أحد أمرين.
إمَّا تقديم المنعوتات المتفرقة كلها متوالية، يليها النعوت كلها متوالية متفرقة أيضًا ومرتبة؛ بحيث يكون النعت الأول للمنعوت الأخير؛ والنعت الثاني للمنعوت الذي قبل الأخير، وهكذا، حتى ينتهي الترتيب بأن يكون النعت الأخير للمنعوت الأول "فملخص هذه الطريقة: أن يكون كل نعت مقصورًا على أقرب منعوت إليه".
وإما: وضع كل نعت عقب منعوته مباشرة.
فعلى الطريقة الأولى نقول: ما أعظمَ الثمار التي نجنيها من الكتب، والصحف، والمجلات، والإذاعة، والمؤلفين البارعين، المختارةِ، الرفيعة، الصادقة، النافعة، فكلمة "البارعين" نعت للمؤلفين، وكلمة "المختارة": نعت للإذاعة و"الرفيعة": نعت للمجلات، و"الصادقة": نعت للصحف، و"النافعة": نعت للكتب.
_________________
(١) ١ أما على اعتبارهما بدلًا، أو عطف بيان فقد يصح. لما أشرنا إليه -في رقم ١ من هامش ص٤٨٢– من أن الأفضل في النعت الاشتقاق، بخلاف البدل والبيان. مع ملاحظة أن المعني يختلف في كل اعتبار، إذ فائدة: النعت غير فائدة البدل، أو العطف
[ ٣ / ٤٨٣ ]
وعلى الطريقة الثانية نقول: ما أعظم الثمار التي نجنيها من الكتب النافعة. والصحف الصادقة، والمجلات الرفيعة، والإذاعة المختارة، والمؤلفين البارعين. وللمتكلم أن يختار من الطريقتين ما يراه أنسب للمقام بشرط أمن اللبس، بحيث يتعين كل نعت لمنعوته، دون اشتباه.
[ ٣ / ٤٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
مما يتصل بهذه الحالة: نعت معمولين عاملهما واحد والحكم -كما سطروه- هو: أنه إذا اتحد عمله ونسبته المعنوية إليهما في المعنى جاز الإتباع والقطع بشرطه١؛ كقام محمود وعليّ العاقلان، أو العاقلَين. وإن اختلف العمل والنسبة؛ -كأكرم محمود عليًَا العاقلين- وجب القطع. وكذا إن اختلفت النسبة المعنوية دون العمل؛ كأعطيت الولدَ أباه العاقلان٢.
وإن اختلف العمل دون النسبة؛ -نحو: مخاصمةُ الأخ أخاه النبيلان مؤلمة- وجب القطع على الرأى الأغلب.
فملخص الرأي أنه يجب القطع في جميع الصور إلا واحدة يجوز فيها القطع وعدمه؛ هي: التي يتحد فيها عمل العامل، ونسبته المعنوية إليها.
ومن أمثلة القطع الجائز ما ورد في كلام فصحاء العرب٣، ومنه قول حاتم الطائي:
إنْ كنت كارهة معيشتنا هاتا٤ فحُلّي في بني بدرِ
الضاربون لَدَى أعنتهم والطاعنون وخيلهم تجري
وقول الخِرْنِق القيسية:
لا يَبْعَدَنْ٥ قومي الذين همُو سمّ العُداة، وآفة الجُزُرِ
النازلين بكل معترك والطيبين معاقد الأزُر
_________________
(١) ١ شرط القطع "وتفصيل الكلام على: "القطع" معروض في الصفحة التالية، وما بعدها". ٢ إن المعمولين مفعولان، ولكن أحدهما بمنزلة الفاعل في المعنى لأنه الأخذ، والأخر بمنزلة المفعول؛ لأنه المأخوذ. ٣ راجع الكامل للمبرد "ج٢ ص٨". ٤ هذه. ٥ لا يبعدن: لا يهلكن. وهذا دعاء لهم بالسلامة وطول العمر.
[ ٣ / ٤٨٥ ]
ب- تعدد النعت، والمنعوت، والعامل، وما يترتب على هذا من الاتباع١ والقطع:
_________________
(١) ١ المراد بالإتباع هنا: أن يكون النعت مماثلًا للمنعوت في رفعه، ونصبه، وجره. أما القطع فتمهد لتوضيحه بالأمثلة الآتية -وأما أحكامه الخاصة بالنعت فستجيء في ص٤٨٨: أ- في مثل: جاء محمد العالمُ، -بالرفع -يصح إعراب كلمة: "العالم" نعتًا مرفوعًا: كالمنعوت، وعلامة رفعه الضمة. ويصح لسبب بلاغي "سنعرفه في آخر هذا الهامش، وفي ص٤٩٢". أن يقال: جاء محمد العالم. بالنصب. ولا يجوز الجر -وفي هذه الحالة تعرب كلمة: "العالم": مفعولًا به لفعل محذوف تقديره: أمدح، أو: أخص، أو ما شاكل ذلك مما يناسب الغرض. وبهذا الإعراب الجديد ننتقل الكلمة من حالة النعت التي كانت عليها إلى حالة أخرى مخالفة لها، ولا تسمى فيها نعتًا، فقد انقطعت صلتها بالنعت؛ ولهذا يسونها "نعتًا مقطوعًا" أو "منقطعًا". يريدون أنها كانت في أصلها الأول نعتًا، ثم انقطعت منه، وانصرفت عنه الى شيء آخر؛ فتسميتها الآن: "نعتًا" فقط تسمية غير حقيقية. وكذلك المنعوت. وإنما يصح تسميتها: "نعتًا منقطعًا". باعتبار الماضي؛ إذ كانت نعتًا في أول أمرها، ثم انقطعت عنه الآن. وضبطها الجديد وتغيير إعرابها السابق هما دليلان على القطع الذي قطع منه تحقيق الغرض البلاغي المشار إليه. فلا بد في القطع من ضبط جديد، وإعراب جديد كذلك، بحيث يختلفان عن الضبط والإعراب السابقين قبل إحداثه. ب وفي مثل: رأيت محمدًا العالمَ -بالنصب -نعرب كلمة: "العالم" نعتًا منصوبًا؛ تبعًا لنصب المنعوت، ويجوز: رأيت محمدًا العالمُ -بالرفع، وفي هذه اصورة الجديدة التي يدعو لها داع بلاغي، العرب كلمة: "العالم" خبرًا، لمبتدأ محذوف، والتقدير –مثلًا-: هو العالم. ولا يصح إعراب "العالمُ" المرفوعة نعتًا مطلقًا. لكن يصح تسميتها: "نعتًا مقطوعًا"، أو: "منقطعًا"، لما بيناه، ولا يصح القطع إلى الجر. ج وفي مثل: انتفعت من محمد العالِم –بالجر– نعرب "العالم" نعتًا مجرورًا. ولكن يجوز –لسبب بلاغي- إبعاده عن النعت؛ بأن نرفعه، أو ننصبه؛فنقول: انتفعت من محمد العالم، أو: العالمَ، على اعتباره في حالة رفعه خبرًا لمبتدأ محذوف. وفي حالة نصبه مفعولًا به لفعل محذوف؛ فيكون الضبط والإعراب الجديدان دليلين على القطع -كما تقدم- ولا يجوز القطع إلى الجر مطلقًا. فموجز القول:
(٢) أن النعت يتبع منعوته في نوع إعرابه.
(٣) ولا يجوز -لسبب بلاغي- أن يتخلى النعت عن مهمته ليعرب شيئًا آخر تشتد الحاجة إليه، ويخالف نوع إعراب المنعوت.
(٤) في هذه الحالة التي يتخلى فيها ينصب باعتباره مفعولًا به لفعل محذوف، بشرط أن يكون المنعوت السابق مرفوعًا أو مجرورًا. وقد يرفع باعتباره خبرًا لمبتدأ محذوف، بمشرط أن يكون السابق منصوبًا أو مجرورًا، أي: أن المنعوت السابق إن كان مرفرعًا فالواجب نصب النعت المقطوع، وأن كان منصوبًا فالواجب رفع النعت المقطوع، وان كان مجرورًا جاز في النعت المقطوع الرفع أو النصب. فلا بد عند القطع من اختلاف نوع حركة النعت المنقطع عن نوع حركة المنعوت السابق؛ =
[ ٣ / ٤٨٦ ]
١- إذا تعدد النعت بغير تفريق، وتعدد المنعوت، والعامل، وكانت المنعوتات المتعددة، متفرقة، متحدة في تعريفها وتنكيرها١ والعوامل المتعددة متحدة في معناها، وعملها، جاز في النعوت الإتباع والقطع: نحو حضر الصديق، وحضر الضيف الطبيبان. أو: الطبيبين. ونحو: نظرتُ القمرَ وأبصرت المِرّيخ المستديران. أو المستديران. ولا فرق في هذه العوامل بين المتحدة في ألفاظها والمختلفة -كما في المثالين- لأن المهم أن يتفقا معنى وعملًا.
ويجب القطع إن اختلفت العوامل معنى، أو عملًا، أو هما معًا. فمثال الاختلاف المعنوي فقط: أقبل الضيفُ، وانصرف الزائرُ السائحينِ، ونحو: جَمَدت عينُ الحزين وجمدت
عين القاسي المشاهدتين المأساة. "إذا كانت "جمدت" الأولى بمعنى: جفت دموعها بسبب البكاء الكثير. والثانية بمعنى: لم تبك؛ من القسوة".
ومثال اختلافهما في العمل فقط: مررت بالضيف ولاقيت الزائر الغريبان.
_________________
(١) = منعًا للبس بين الغرض القديم والجديد، واسترشادًا بالضبط والإعراب الجديدين على القطع. أما السبب البلاغي للقلع فيكاد ينحصر في توجيه الذهن إلى النعت المنقطع. وتركيزه فيه؛ وإبراز معناه لأهمية خاصة تستدعي هذا التوجيه. ولا سيما إذا تعددت النعوت وطالت الجملة. "راجح مجمع البيان لعلوم القرآن، ج١ ص٦". بل إن القطع بحكمه وحكمته يظل باقيًا إذا تعددت النعوت وفصل بينهما بحرف عطف فصارت بعد هذا الفصل بالعاطف معطوفات لا نعوتًا. كما سيجيء في رقم ١٠ من ص٦٦١ واذا كان النعت المنقطع في أصله مسوقًا لغرض المدح، أو الذم، أو الترحم، فإن عامله المحذوف بعد القطع لا يمح ذكره؛ لأنه من العوامل الواجبة الحذف، سواء أكان مبتدأ، أم فعلًا -كما سيجيء في ص٤٩٠- أما إن كان النعت المنقطع مسبوقًا لغرض آخر غير ما سبق فإن عامله يجوز حذفه وذكره. ومن الأغراض الأخرى: أن يكون القصد من القطع تقوية التخصيص إذا كان وقوعه بعد نكرة؛ نحو: مررت بعصفور في عشه مغردٌ، أو مغردًا. أو تقوية الإيضاح إذا كان وقوعه بعد معرفة؛ نحو: طربت للبحتري الشاعرُ أو الشاعرَ وقد تقدم في ص٤٣٧ بيان الغرض الأساسي الأصيل من النعت. وكذلك سبق بيان لكل هذه بمناسبة أخرى في باب المبتدأ والخبر ج١ ص٣٧٥ وسيجيء له مناسبة أخرى في هذا الباب". ١ لامتناع أن تكون النكرة نعتًا للنكرة ويشترط كذلك ألا يكون أو المنعوتات اسم إشارة، نحو: جاء هذا وجاء على فلا يصح العاقلان: لأن، نعت اسم الإشارة لا يفصل منه. كما سبق في هاش ص٤٣٥ وفي "ج" من ص٤٦٥.
[ ٣ / ٤٨٧ ]
ومثال اختلافهما في المعنى والعمل: قابلت الرسول وسلمت على الزميل الظريفان١.
أحكام خاصة بالقطع في هذا الباب:
لا يصح القطع مطلقًا، إلا بعد تحقق شرط أساسي: هو: أن يكون المنعوت متعينًا بدون النعت؛ سواء أكان النعت واحدًا أم أكثر. وعلى هذا الأساس تقوم الأحكام الآتية:
١- لا يجوز القطع٢ إذا كان النعت وحيدا٣. والمنعوت نكرة محضة: لشدة حاجتها إليه، لتتخصص به. نحو: كرمت جنودًا أبطالًا.
٢- إذا تعدد النعت لواحد، وكان المنعوت نكرة محضة وجب إتباع النعت الأول لها: لتستفيد به تخميصًا هي في شدة الحاجة إليه، ولا يجوز قطعه. أما ما عداه فيجوز فيه الإتباع والقطع؛ نحو: أقبل رجلٌ شجاعٌ، أمين تَقيّ؛ فيجب رفع كلمة: "شجاع" إتباعًا للمنعوت: "رجل" لأنه نكرة محضة. ويجوز في كلمتي: "أمين" و"تَقَيّ" الرفع إتباعًا للمنعوت، أو: النصب على القطع باعتبار كل منصوب منهما مفعولًا به لفعل محذوف.
والاتباع هنا واجب في النعت الأول وحده؛ ليقع به التخصيص -كما قلنا- ويجوز في الباقي الأمران، سواء أكان المنعوت قد تعين مسماه أم لم يتعين؛ لأن المقصود من نعت النكرة هو تخصيصها -لا تعيينها- وقد تحقق التخصيص بإتباع النعت الأول لها.
_________________
(١) ١ وفي نعت معمولين لعاملين متحدين في المعنى والعمل يقول ابن مالك مشيرًا بالإتباع، تاركًا الحكم الثاني وهو القطع: وَلَعْت مَعْمُولَيْ وَحِيدَي معُنَى وَعَمَلٍ – أَتْبِعِ بِغَيْرِ اسُتِثْنا يريد: أتبع بغير استثناء نعت معمول عاملين وحيدين في معنى وفي عمل معًا، أي: متحدين فيهما. ٢ إلا في ضرورة الشعر. ٣ أي: منفردًا غير متعدد.
[ ٣ / ٤٨٨ ]
٣- إذا تعدّدت النعوت لواحد معرَف فإن تعين مسماه بدونها كلها جاز إتباعها جميعًا، وقطعها جميعًا، واتباع بعضها وقطع بعض آخر١، بشرط تقديم النعت التابع على النعت المقطوع؛ نحو: عرفت الإمام أبا حنيفة، المجتهدَ؛ الذكيَّ، العبقريَّ فيصح في النعوت الثلاثة النصب على الاتباع، والرفع على القطع، ويجوز النصب على الاتباع في بعض منها، والرفع على القطع في غيره، وفي هذه الحالة الأخيرة يجب تقديم النعت التابع على المقطوع.
وإن لم يتعين مسماه إلا بالنعوت كلها مجتمعة وجب اتباعها، وامتنع القطع؛ نحو: غاب المصري حافظ، الضابط، الشاعرُ، النَّاثِرُ، بالرفع؛ تبعًا للمنعوت: "حافظ" إذا كان هناك ثلاثة٢ غيره كل منهم اسمه: "حافظ"، وأحدهم ضابط فقط، والآخر شاعر فقط، والثالث شاعر فقط، فلا يتعين الأول تعيينًا يميزه من هؤلاء الثلاثة إلا بالنعوت المتعددة مجتمعة، وإتباعها له.
وأن تعيَّن ببعضها دون بعض وجب إتْباع الذي يتعين به، وجاز في غيره الإتباع والقطع، مع وجوب تقديم التابع على المقطوع٣
_________________
(١) ١ يجوز في بعضها المقطوع أن يكون منه ما ينقطع إلى الرفع، ومنه ما ينقطع إلى النصب، طبقًا للبيان الآتي في رقم.٥ ص٤٩٠.ـ ٢ أو أكثر. ٣ وفي النعوت المتعددة التي تتلو منعوتًا يفتقر إلى ذكرهن في تعيين مسماه فيجب إتباعها له، يقول ابن مالك: وَإِنْ نُعوتٌ كَتُرَتُ وقَدْ تَلَتْ مفْتَقِرًا لِذِكْرِهِنَّ أُتْبِعتْ أي: إن كثرت وتعددت النعوت التي تجيء بعد سنوات -غير معين، لأنه غير معرفة- محتاج إليهن في تعيين مسماه، أتبعت له، أي: وجب إتباعها في نوع حركته الإعرابية. ثم قال: واقْطَعُ أَو اتْبعْ إِنْ يَكُنْ مَعَيَّنًا بدونها – أَوْ بعْضِهَا، لقْطَعْ مُعْلِنًا أي: إن كان المنعوت معينًا بدونها كلها فاقطع أو اتبع النعوت كلها. وكذلك إن كان معينًا ببعضها فقط أو اقطع هذا الجزء فقط، وأتبع ما عداه. ثم انتقل بعد ذلك إلى بيان حركة النعت المقطوع وعامله فقال: وارْفَعْ أَوِ انْصِبْ إِنْ قَطعْت، مضْمِرًا مُبتَدأ أَوْ ناصِبًا لَنْ يظْهرا يعني أن المقطوع برفع أو ينصب؛ فالرفع، على إضمار مبتدأ، خبره المقطوع. والأكثر أن يكون هذا المبتدأ المحذوف ضميرًا، والنصب عل تقدير عامل محذوف ينصبه "كالفعل مثلًا" والنعت المقطوع يُعرب مفعولًا به لهذا العامل. والعامل في الحالتين "مبتدأ كان أو فِعلًا" لن يظهر، لأنه محذوف وجوبًا، واقتصر على هذا من غير أن يذكر التفصيل الذي سردناه.
[ ٣ / ٤٨٩ ]
٤- إذا لم يتعدد النعت وكان المنعوت معَرفًا بأننه جاز في النعت الإتباع والقطع. نحو: أنت الشريك الوديع، برفع كلمة: "الوديع"، إتباعًا أو نصبها على القطع.-والمنعوت هنا متعين؛ بسبب الخطاب-.
ولا يجوز القطع إن كان النعت للتوكيد٢، أو: كان من الألفاظ التي أكثرت العرب من استعمالها نعتًا بعد كلمات معينة٢، أو كان نعتًا لاسم إشارة؛ نحو: أهلكَ الله بعض الأمم بالرجفة الواحدة -جاء القوم الجَمَّاءَ الغفيرَ٣- امتدحت هذا الوفيَّ.
ومن الأمثلة لهذه الثلاثة أيضًا: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ ٤ -يسرني رؤية الشَعْرَى العَبُورِ٥- ما أكبر تقديرنا لهذا النابغِ.
٥- قلنا٦ إن النعت المقطوع لا بد أن يخالف في حركته المنعوت السابق؛ فإن كان المنعوت مرفوعًا وأردنا قطع النعت لداع بلاغي قطعناه إلى النصب
_________________
(١) ١ وقد شرحنا في رقم ٦ من ص٤٣٩ -؛لأنت القطع ينافي التوكيد. ٢ المراد: أن هناك كلمات يشيع استمعالها نعتًا لمنعوتات خاصة معينة في الغالب؛ ككلمتي "العَبُور" و"الغَفير" في الأساليب الفصيحة الشائعة؛ حيث يقول العرب: "جاء" القوم الجَمَّاءَ الغَفِيرَ، وسرتني الشَعْرَى العَبُورْ" فقد وقعت الكلمتان -وما أكتر وقوعهما نعتين لمنعوتين معينين، قل أن يستعملا نعتًا لغيرهما. فليس المراد أن تلك المنعوتات لا تستعمل إلا منعوتة، ولا أن نعتها لا يكون إلا من بين تلك الكلمات، وإنما المراد أن تلك الألفاظ إذا وقع بعدها وصف أو ما يشبهه فهو نعت لها، لا أنها يلزم لها النعت دائمًا. ٣ الجماء، مؤنث الأجيم، بمعنى الكثير. الغفير: الذي يستر الأرض ويغطي وجهما بكثرته. وهذا تعبير قديم سبق أن شرحناه. وتناولنا نواحي التأنيث والتذكير والإعراب وغيره في ج٢ ص٢٧٨ م٨٤ "باب الحال". ٤ النعت هنا للتوكيد؛ لأنه يدل على التثنية، وهي مفهومة من المنعوت، فهو يؤكدها. ٥ لأن العرب تكاد تقتصر في استعمال "العبور" نعتًا الحالة التي يكون المنعوت فيها هو كلمة: الشعرى. ٦ ص٤٨٦ و٤٨٨ وفيهما الشروط والتفاصيل لذلك.
[ ٣ / ٤٩٠ ]
مفعولًا به لفعل محذوف، تقديه: أمدح أو أذم، أو على حسب السياق، وان كان المنعوت منصوبًا وأردنا قطع النعت قطعناه إلى الرفع على اعتباره خبرًا لمبتدأ محذوف، تقديره -مثلًا-: هو. ولا يجوز القطع إلى الجر مطلقًا فيهما. وإذا. كان المنعوت مجرورًا واقتضى المقام القطع قطعناه إلى الرفع أو النصب على الإعرابيين السابقين. ولا بد في جميع حالات القطع آن يكون المنعوت متَعيِّنًا.-كما قلنا-.
وإذا تعددت النعوت، وكان المنعوت المتعيِّن مرفوعًا، أو منصوبًا، أو مجرورًا جاز فينما عند قطعها أن يكون بعضها منقطعًا إلى الرفع، وبعض آخر إلى النصب، إذ ليس من اللازم أن تنقطع النعوت كلها إلى الرفع فقط، أو إلى النصب فقط: وإنما اللازم ألا تنقطع إلى الجر، وألا يتفق نوع حركتها مع نوع حركة المنعوت١ السابق، نحو: ما أسفت لشيء، قدر أسفي للزميل المتعلمِ، المتكاسلِ، الخاملِ، المستهين فيجوز في هذه النعوت قطعها إما إلى الرفع فقط، وإما إلى النصب فقط وإما توزيعها بين هذا وذاك.
وإذا كان النعت المقطوع مرفوعًا لأنه خبر مبتدأ، أو منصوبًا لأنه مفعول به لفعل محذوف فإن هذا المحذوف واجب الحذف لا يصح ذكره بشرط أن يكون النعت في أصله لإفادة المدح، أو: الذم، أو: الترحم، فان كان في أصلا لغرض آخر جاز حذف العامل وذكره٢. وقد سردنا أول الباب٣ الأغراض المختلفة التي يؤديها النعت.
٦- مما تجب ملاحظته أن جملة النعت المقطوع "وهي: الجملة المكونة من المبتدأ المحذوف وخبره الذي كان في أصله نعتًا، أو من الفعل المحذوف وفاعله" جملة مستقلة مستأنفة. وقد تسبقها "الواو" أحيانًا، وهذه "الواو" زائدة للاعتراض قبل النعت المقطوع، سواء أكان مقطوعًا إلى الرفع، أم إلى النصب.
_________________
(١) ١ لأن تغير الضبط وما يؤدي إليه من تغيير الإعراب هو الدال على القطع -كما عرفنا- فيمتنع اللبس بين الغرض السابق، والغرض البلاغي الجديد والبيان في هامش ص٤٨٦ وما بعدها. ٢ كما أشرنا لكل ما ذكر في رقم ٣ من هامش ص٤٨٦ وعرضنا هناك الأمثلة الموضحة. ٣ ص٤٣٨.
[ ٣ / ٤٩١ ]
ويرى بعض النحاة أن هذه الجملة المشتملة على النعت المقطوع ليست مستقلة ولا مستأنفة، وإنما هي "حال" إذا وقعت بعد معرفة محضة، و"نَعْت" إذا وقعت بعد نكرة محضة، وتصلح للأمرين إذا وقعت بعد نكرة مختصة، فشأنها كغيرها من الجمل التي تعرب "حالًا" بعد المعارف المحضة، و"نعتًا" بعد النكرات المحضة، وتصلح للأمرين بعد النكرة المختصة. والرأي الأول١ أقْوَم وأحْسنُ.
٧- سبب القطع بلاغي محض -كما قلنا٢- هو التشويق، وتوجيه الأذهان بدفع قويّ إلى النعت المقطوع؛ لأهمية فيه تستدعي مزيدًا من الانتباه إليه، وتقلق الفكر به، وانه حقيقي بالتنويه وإبراز مكانته. وجعلوا الأمارة على هذا كله إضمار العامل، وتكوين جملة جديدة، الغرض منها: إنشاء المدح أو الذم أو الترحم، أو فهي جملة إنشائية من نوع الجمل الإنشائية غير الطلبية٣.
وإذا كان سبب القطع بلاغيًا -ولا بدّ من قيام هذا السبب- فمن البلاغة أيضًا ألا نلجأ إلى استخدام القطع مع من يجهله! فيحكم بالخطأ على الضبط الحادث بسببه.
حذف النعت أو المنعوت، أو هما معًا:
أ- قد يحذف النعت أحيانًا حذفًا قياسيًا إذ كان معلومًا بقرينة تدل عليه بعد حذفه؛ كقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾، والأصل: "كل سفينة صالحة"؛ بقرينة قوله: "أن أعيبها؛ فهي تدل على أنها قبل هذا خالية من العيب، أي: صالحة للانتفاع بها، وبقرينة أخرى؛ هي: أن الملك الغاصب لا يغتصب ما لا نفع فيه.
_________________
(١) ١ لأن هذه الجملة الجديدة إنشائية للمدح أو الذم أو غيرهما. -كما سيجيء بعد هذا مباشرة- والجملة الإنشائية لا تكون نعتًا –إلا مع التأويل الذي سبق في هامش ص٤٧٤– ولا تكون حالًا. ٢ تقدم البيان في رقم ٣ من هاش ص٤٨٧. ٣ وقد سبقت الإشارة لهذا في ج١ ص٤٦٤ م٣٩.
[ ٣ / ٤٩٢ ]
ومثل قول الشاعر أخذَ نصيبه من غنائم الحرب فلم يرض به:
وقد كنتُ في الحروبِ ذا تُدْرَإِ١ فلمْ أعْطَ شيئًا ولم أُمْنَعِ
والتقدير: فلم أعطَ شيئًا نافعًا؛ بدليل قوله: ولم أمْنع، وبدليل الأمر التاريخيّ المعروف، وهو أنه أخذ –فِعْلًا- نصيبًا، وبكنه لم يقنع به.
ومثل قول الشاعر يصف فتاة بالجمال:
وربُّ أَسيلةِ٢ الخدَّيْنِ بِكْرٍ مهَفْهفة٣، لها فرعٌ، وجيدُ
المراد: لها فرع فاحم٤، وجيد طويل، والقرينة: أن مدح الفتاة بالجمال لا يكون بأمر عامّ يشاركها في مثله آلاف من نظيراتها، فليس من المدح وصفها بمجرد فرع لها، وجيد، فهذان أمران ملازمان كل فتاة، وإنما يكون المدح بأوصاف وبمزايا خاصة تتحقق في كل منهما؛ كشدة سواد الشعر، أو نعومته، أو طوله، أو وكطول الجيد باعتدال، أو استدارته، وعدم غلظه كذلك٥
ب- حذف المنعوت٦:
يجب حذف المنعوت في كل موضع اشتهر فيه النعت اشتهارًا يغنى عن المنعوت غَناءً تامًّا؛ بحيث لا يتجه الذهن إليه؛ نحو: جاء الفارس. والأصل: جاء الرجل الفارس؛ أي: راكب الفرس. ومثل: جاء الصاحب، أي: الرجل الصاحب؟ فلا يدور فيهما وفي أشباههما أن يقال: جاء الرجل الفارس، ولا جاء الرجل الصاحب، والنعت في الحالة السابقة لا يسمَّى نعتًا، وإنما يحل محل المحذوف في إعرابه فاعلًا، أو غيرهما مما كان علية المحذوف قبل حذفه.
_________________
(١) ١ قوة، وعدة حربية. ٢ مصقولة ناعمة ٣ رشيقة، ضامرة البطن، دقيقة الخصر. ٤ أي: شديد السواد، كلون الفحم. ٥ ومن أمثلة حذف النعت قوله ﵇: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد". أي: لا صلاة كلمة وقول بعض العرب عن عمر: "كان والله رجلًا " يريد: رجلًا عظيمًا وعن علي: "سمعته يخطب فكان الخطيب" يريد: الخطيب البارع أو ما شاكل هذا. ٦ أشرنا في ص٤٧٣ إلى حذف المنعوت، وقلنا إن بسط الكلام عليه هنا.
[ ٣ / ٤٩٣ ]
ويجوز حذفة أيضًا –كما أوضحنا١– إن كان مصدرًا مبَيِّنًا نابت عنه صفته؛ نحو: جلست أحسنَ الجلوس، وأصغيت أيّ٢ إصغاء؛ بمعنى: جلست جلوسًا أحسن الجلوس، وأصغيت إصغاء أيّ إصغاء، والأكثر أن تضاف هذه الصفة لمصدر كالمصدر المنعوت بالمحذوف.
ويجوز بكثرة حذف المنعوت -"سواء أكان النعت مفردًا،أم جملة،أم شبه جملة"– بشرط أن يصلح النعت لأن يحل محل المنعوت المحذوف؛ فيعرب إعرابه. فلا يصح حذف المنعوت إن كان فاعلًا، أو مفعولًا، أو مجرورًا، أو مبتدأ وكان النعت جملة أو شبهها؛ لأن الجملة وشبهها لا تقع شيئًا مما سبق، فلو حذف المنعوت وهو أحد الأشياء السالفة لم يوجد في الكلام ما يصلح أن يحل محله في إعرابه، ولهذا لا يصح حذفه إذا كان الأمر على ما وصفناه٣.
أمَّا إن كان المنعوت واحدًا مما سبق والنعت مفردًا، فيجوز حذف المنعوت، لوجود ما يصلح أن يحل محله في إعرابه، وهو: المفرد. ويشترط لحذفه أيضا أن يكون معلومًا. ومن وسائل العلم به اختصاص معنى النعت به وقصره عليه، مثل: أعجِبتُ براكب صاهلًا، أي: براكب فرسًا صاهلًا؛ لأن الصهيل مختص –في اللغة- بالخيل. وبسبب هذا الاختصاص الصريح يكون الخذف واجبًا عند بعض النحاة لا جائزًا، ورأيهم سديد.
ومن وسائل العلم به أيضًا أن يتقدم على النعت ما يدل على المنعوت المحذوف
_________________
(١) ١ في ص "١١٠ و١١١ حيث البيان والتفصيل المفيد" و٤٦٨. ٢ هذا التعبير صحيح حيث وقعت فيه أيّ" نعتًا مضافًا لمصدر. فيجوز حذف المنعوت. وقد سبق الكلام عليه وعلى ما يصح للنيابة عند حذف المصدر المؤكد والمبين "وهو مسجل في موضعه من الجزء الثاني ص١٧٣ م٧٥ عند الكلام على حذف المصدر المصريح. وفي ج١ ص٢٦٢ م٢٦ باب الموصول، عند الكلام على: "أي" أما إن كان المضاف إليه غير مصدر فقد سبق حكمه في ص١١١ وما بعدها. ٣ يعبرون عن هذا: بأن النعت يكون صالحًا لمباشرة العمل، فيكون مفردًا إن كان المنعوت فاعلًا، أو مفعولًا به، مثلًا، وجملة مشتملة على الرابط إن كان المنعوت خبرًا.
[ ٣ / ٤٩٤ ]
الذي يحقق المعنى المراد؛ نحو: ألاَ ماءَ، ألا باردًا١؟
أو: وجود عامل نحوي يحتاج إلى المنعوت ليكون معموله الذي يَتمّ به المعنى الأنسب، حيث لا يستطيع العمل المباشر في النعت، ولا يجد النعت عاملًا آخر؛ كقوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، والتقدير: فليضْحكوا ضحكًا قليلًا، وليبكوا بكاءً كثيرًا فالفعلان في جملتي: "يضحكوا - يبكوا" محتاجان لمعمولين يتممان هذا المعنى الأنسب، ولا يستطيع منهما أن يؤثر في النعت الذي بعده مباشرة إلا من طريق منعوت محذوف يستقيم به المعنى. ولا يجد كل من النعتين "قليلًا - وكثيرًا" عاملًا له إلا الفعل اللازم قبله، ولكن اتصاله به مباشرة غير سائغ لغويًا؛ فلم يكن بد من تقدير المنعوت المحذوف على الوجه السالف
وأيضًا: يحذف جوازًا إن كان النعت جملة أو شبهها وكان المنعوت مرفوعًا وبعضًا من اسم متقدم عليه، وهذا الاسم المتقدم مجرور "بمن" أو "في" نحو: الأحرار الوطنيون لا ينكر فضلهم أحدٌ؛ فمنهم أنفق ماله في سبيل وطنه، ومنهم أفَنى عمره مناضلًا في الحِفَاظ على حريته، ومنهم قضى نَحْبه دفاعًا عنه. والأصل؛ فمنهم فريق أنفَق ومنهم فريق أفْنَى عمره ومنهم فريق قضى نحبه ومثل قولهم: لما مات عُمَرُ بنُ عبدِ العزيز لم يكن في الناس إلا بَكى أو صرخَ، أو صُرعَ، أو إنسانٌ انعقد لسانه، أو إنسان زاغ بصره
فالمنعوت في الأمثلة السابقة كلها مخذوف، وهو مرفوع، وبعض من كل مجرور بالحرف "مِنْ" أ: "في"؛ ذلك لأن الضمير: "هم" المجرور بِمِنْ
_________________
(١) ١ من هذا النوع قوله تعالى في نبيه داود: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ أي: دروعًا واسعات طويلات تصل إلى الأرض. فالسابغات في أصلها ليست نعتًا مختصًا بشيء معين دون غيره، وإنما تصلح لوصف كل واسع طويل. غير أن تقدم كلمة: "الحديد" قبلها جعل المراد منها في هذا السياق مختصًا بموصوف معين هو: الدروع.
[ ٣ / ٤٩٥ ]
في الأمثلة الأولى "كُلّ" والمنعوت "فريق" بعض منه، والناس المجرور "بفي" في الأمثلة الأخيرة "كل" والمنعوت المحذوف "إنسان" بعض منه١
ج- حذف النعت والمنعوت معًا:
قد يحذفان معًا –وهذا قليل٢– إذا قامت القرينة الدالة عليهما؛ كقوله تعالى: في الأشْقَى الذي يدخل النار: ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى﴾، أي: لا يحيا حياة نافعة٣. وكقولك للمتعلم الذي لا يَنتفع بعلمه: هذا غير متعلم، أي: غير متعلم تعلمًا مثمرًا.
الترتيب بين النعوت المتعددة:
إن كانت النعوت المتعددة مفردة جاز تقديم بعضها على بعض من غير ترتيب محتوم، فالأمر فيها للمتكلم؛ يقدم ما يشاء ويؤخر، على حسب ما يرى من أهميته. وكذلك إن كان جُمَلًا، أو أشباه جُمَل؛ نحو: "راقني الورد النَّضرُ، العطِرُ، الهبيُّ" –أقبل رجل "وجهُهُ متهللٌ" "ثغرهُ باسمٌ"– أبصرت رجلًا في سيارةٍ، على أريكة.
أما إذا اختلفت أنواعها تقديم المفرد على شبه الجملة، وشبه الجملة على الجملة؛ نحو: هذا عصفور حزين، على شجرة، يشكو ما أصابه وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾
_________________
(١) ١ سبقت الإشارة لهذا في ٤٧٣ وفي حذف النعت والمنعوت يقول ابن مالك مصرحًا بقلة حذف النعت: وما:مِن المنعُوتِ والنَّعْتِ – عُقِلْ يَجُوزُ حذْْفُهُ، وفي النَّعت يقِلْ يريد: ما عقل "أي: عَلم بدليل"، من النعت أو المنعوت يجوز حذفه. وليست درجة حذفهما متساوية في الكثرة، فإن حذف المنعوت أكثر من حذف النعت. ٢ وهذه القلة نسبية، لا تمنع من القياس عليها. ٣ لأنه لا واسطة بين الحياة والموت. ويصح أن يكون المراد: لا يموت فيها موتًا دائمًا، ولا يحيا حياة نافعة.
[ ٣ / ٤٩٦ ]
وقد تتقدّم الجملة أيضًا على غيرها كقوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ ١ وهذا النوع من التقدم فصيح يجوز القياس عليه؛ لوروده في أبلغ الكلام –وهو القرآن– ولكن الأول أكثر.
عطف النعوت المختلفة المعاني بعضها على بعض:
يجوز عطف النعوت بعضها على بعض مع ملاحظة ما يأتي:
١- أن تكون النعوت المتعددة مختلفة المعاني وليست جُملًا٢؛ فلا يصح العطف في مثل: هذا رجل غنيّ ثريّ؛ لأن الثريّ بمعنى الغنيّ، ولو عطف عليه لَعُطِفَ الشيء على آخَر بمعناه، والعطف يقتضي المغايرة المعنوية، غالبًا٣. ولا فرق في منع العطف في النعوت المتفقة المعاني بين أن تكون كلها تابعة في إعرابها للمنعوت، وأن تكون مقطوعة، وأن يكون بعضها تابعًا وبعضها مقطوعًا.
أما إذا كانت النعوت المتعددة جُملًا٢ فالأفضل عطفها؛ ولاي يشترط اتفاقها في المعنى أو اختلافها؛ نحو: احترمُ رجلًا يترفع عن الصغائر، ويتوقى مواطن السوء، ويُجَنِّب نفسه الهوان.
٢- ألاّ يكون حرف العطف هو: "أم"، أو: "حتى"، إذ لا تُعْطف النعوت بواحد منها٤.
٣- وإذا كانت النعوت مختلفة المعاني والمنعوت مُثنى أو جمعًا، وجب –في الأكثر– العطف بحرف الواو دون غيره –كما سبق٢- نحو: تحدث الفائزان؛
_________________
(١) ١ وقول الشاعر في ظالم: بغَى وللبغى سهامٌ تُنْتظرْ أَنْفَذُ في الأكباد من وخْز الإبَرْ "٢، ٢" أما شبه الجملة ففي حكم المفرد إذا كان متعلقة مفردًا. ٣ إلا إذا كان العطف للتفسير الذي يراد به إيضاح الغامض، أو المجهول، كما قد يحصل –أحيانًا– ولا غامض ولا مجهول هنا. ويحسن العطف عند تباعد المعاني المختلفة كقوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ، وَالْآخِرُ، وَالظَّاهِرُ، وَالْبَاطِنُ﴾ بخلافها إذا تقاربت؛ كقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ، الْخَالِقُ، الْبَارِئُ، الْمُصَوِّرُ﴾ . ٤ سبقت الإشارة لهذا في رقم ٢ من هامش ص٤٨١. ٥ في ص٤٨٢.
[ ٣ / ٤٩٧ ]
العالم والمخترع احترمت المتعلمات، النائرة، والشاعرة، والخطيبة، والماهرة في عملها، والمتفننة في نظامها. فإن كان المنعوت واحدًا لم تجب "الواو" وصح أن يجيء الحرف المناسب أو لا يجيء.
وحرف العطف الذي يستخدم هنا يؤدّي –مع العطف– معنى من المعاني التي اختص بتأديتها على الوجه المشروح في باب: "العطف" من أن الواو تفيد كذا، والفاء كذا، وثم و
وعندما يتم عطف النعوت تصير "معطوفات"، يَجري عليها اسم "المعطوف" وأحكامه الآتية في بابه، وتتخلى عن اسم: "النعت" وأحكامه الخاصة به١.
تقدم النعت على المنعوت:
لا يجوز تقدم النعت على المنعوت مع بقاء إعاربه نعتًا كما كان قبل التقدم٤. فإذا تقدم زال عن كل منهما اسمه؛ فإن كانا معرفتين، وكان النعت صالحًا لمباشرة العامل وجب عنْد تقدمه إعرابه على حسب حاجة الجملة، ويصير –في الغالب: "مُبدَلًا منه"، ويعرب المنعوت بدلًا. ففي مثل: "استعنت بمحمد الماهر في تذليل العقبات؛ فأعانني، وشاركه في هذا عليّ الصديق" نجد كلمتي: "الماهر" و"الصديق" نعتين، وهما متأخرتان، فإذا تقدمنا وقلنا: بالماهر محمد، والصديق عليّ صارتا بدّلين، وصار المنعوتان السابقان مُبدَلًا منهما.
فإذا كانا نكرتين فالغالب –إن لم يوجد مانع آخر– نصب النعت على الحال عند تقدمه، ويزول عنه اسم النعت؛ كما يزول عن المنعوت اسمه، ويصير
_________________
(١) ١ سبقت الإشارة لهذا في رقم ٢ من هامش ص٤٨١. ٢ بل لا يجوز –في الصحيح– تقدم النعت معمول المنعوت إذا كان المنعوت وصفًا عاملًا؛ نحو: ظهر بيننا مبتكرٌ نظريةً علميةً عبقريٍّ. "راجع حاشية ياسين في باب الحال عند الكلام على صاحبها".
[ ٣ / ٤٩٨ ]
اسمه الجديد: "صاحب الحال"؛ ففي مثل: "أينع زهرٌ رائعٌ. وفاح عطرٌ جميل " نقول: أينع رائعًا زهر، وفاح جميلًا عِطرٌ١
_________________
(١) ١ سبقت الإشارة "في ج٢ م٨٥ –هامش ص٣٧٤- باب: "الحال" إلى أن نعت النكرة إذا تقدم عليها يعرب حالًا –في الغالب- أي: ما لم يمنع مانع؛ ذلك أن المنعوت النكرة قد يكون –أحيانًا– كالمنعوت المعرفة في إعراب نعته المتقدم بحسب العوامل مع إعراب المنعوت بدلًا أو عطف بيان؛ نحو: مررت بصارخٍ طفلٍ، واستمعت إلى خطيبٍ غلام والأصل قبل تقديم النعت: مررت بطفل صارخ، واستمعت إلى غلام خطيب فنعت النكرة المتقدم عليها إنما يعرب حالًا في الغالب وليس بالواجب المطرد في جميع الاستعمالات –على الأصح– وبهذا تخرج بعض الصور الممنوعة؛ كالتي ذكرناها. وكالتي في قولنا: جاء رجلٌ أحمرُ، ونحوه مما ليس مستقلًا؛ لأنه من الصفات الثابتة –راجع الصبان آخر باب النعت-.
[ ٣ / ٤٩٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
متفرقات:
أ- قد يقتضي المعنى أن يقع قبل النعت المفرد: "لا" النافية، أو: "إمَّا". وعندئذ يجب تكرار هذين الحرفين، مع اقترانهما بالواو العاطفة التي تعطف ما بعدهما على النعت الذي قبلهما؛ نحو: زاملت أخًا لا غادرًا، ولا خائنًا - تخيَّرْ مضيفًا؛ إما ساحليًّا، وإما جبليًّا١
ب- يجوز نعت النعت عند سيبويه، ويمنعه آخرون. الحق أن النعت قد يحتاج إلى نعت أحيانًا، مثل: هذا ورقٌ أبيضُ ناصعٌ. "أي: شديد البياض"، فالورق يشتمل مدلوله على جسم ولون مطلق، والنصاعة إنما هي تحديد للونه ونحو: هذا وجه مُشرقٌ أيّ إشراق!! ناضرة وجنتاهُ كاملة النَّضرة.
بل إن من النعت ما لا يسمى نعتًا إلا إذا كان موصوفًا؛ وهذا هو: النعت "المُوَطِّىْ" –وقد سبق الكلام عليه٢– ومن أمثلته الواردة: ألا ماءً ماءً باردًا.
ج- إذا وقع النعت بعد المركب الإضافي "نحو: أقبل رسول الصديق العالم هذا نجم الدين المضيء "، فأين المنعوت؟ أو المضاف إليه، أم المضاف؟
سبقت الإجابة مفصلة في مكانها الأنسب. "وهو "ج" ص١٦٧ من باب: "الإضافة".
د- سبق الكلام٣ على احكام جليلة خاصة بالتوابع، ومنها: حكم الفصل بين التوابع ومتبوعاتها، كالفصل بين النعت والمنعوت.
_________________
(١) ١ سبق تفصيل الكلام على مواضع تكرار: "لا" في بابها الخاص، آخر الجزء الأول. ٢ ص٤٥٦ رقم ٣. ٣ في هامش ص٤٣٥.
[ ٣ / ٥٠٠ ]
المسألة ١١٦:
ب- التوكيد ١:
التوكيد قسمان: معنوي ولفظي٢:
القسم الأول؛ المعني٣:
إذا سمعنا من يقول: "وصل أحد العلماء إلى القمر"، خطر بالبال عدة احتمالات؛ منها: أنه وصل إلى قرب القمر، دون الوصول إلى جِرْمه وذاته الحقيقية، أو: أنه وصل إلى مَداره، أو إلى أسراره العلمية والفلكية ونتوهم أن المتكلم أراد أن يقول: -مثلًا– وصل أحد العلماء إلى قرب القمر، أو إلى مدار القمر. أو إلى مدار القمر. أو إلى أسرار القمر فحذف المضاف سهْوًا، أو خطًا، أو لأن حذفه هنا يؤدي إلى المبالغة أو المجاز٤، وكلاهما أبلغ وأقوى في تأدية المعنى من الحقيقة. هذا بعض ما يخطر بالبال عند سماع تلك العبارة
فلو أنه قال: وصل أحد العلماء إلى القمر نفسه، لزالت –في الأغلب٥– تلك الاحتمالات وغيرها، ولم يبق مجال لتوهم المبالغة، أو المجاز بالحذف، أو السهّو
_________________
(١) ١ ويسمى أيضًا: التأكيد. والأول أشهر في استعمال النحاة. "كما سيجيء في ص٥٠٤". وسنعرض هنا للتوكيد "الإصطلاحي" الذي يقتصر عليه النحاة، دون الأنواع الأخرى التي قد تفيد التوكيد؛ "مثل إنّ، والحرف الزائد، وكالقسم وغيره". ولكنها لا تسمى توكيدًا نحويًا اصطلاحيًا. ٢ مدلول التوكيد اللفظي، وكذا مدلول التوكيد المعنوي بالنفس والعين، هو ذات المؤكِّد. أي: أن التابع هو عين المتبوع وذاته، وليس أمرًا عرضيًا مما يطرأ على المتبوع. أما التوكيد المعنوي بلفظ: "كل وجميع" فإن المراد منهما هو إفادة الشمول و "راجع الإشارة الخاصة بها في هامش ص٤٣٨، بعنوان: "ملاحظة هامة". ٣ سيجيء القسم الثاني اللفظي في ص٥٢٥. ٤ مجاز بالحذف، أو مجاز مرسل. ٥ قلنا: في "الأغلب" لأن الأمر قد يحتاج في إزالة كل الاحتمال إلى تعدد التوكيد المعنوي.
[ ٣ / ٥٠١ ]
أو غيره؛ ولتَركَّزَ الفهم في معنى حقيقي واحد: هو الوصول إلى جِرْم القمر ذاته، بسبب كلمة: "نفس" التي منعت أن يكون هناك لفظ محذوف كالمضاف –مثلًا– تنشأ عن ملاحظته وتخيله احتمالات مختلفة.
كذلك إذا سمعنا من يقول: حفِظتُ ديوان "المتَنبيّ" فقد يخطر على البال سريعًا أنه حَفِظ أكثرَةُ، أو أحسنه، أو حِكَمه وأنه لم يقصد الشمول الحقيقي حين قال: "حفِظت ديوان المتَنبيّ"؛ وإنما قصد: حفظت أكثر ديوان المتنَبيّ، أو أحسن ديوان المتنبيّ، أو أحكم ديوان المتنبيّ فحذف المضاف سهوًا، أو: خطأ، أولما في حذفه هنا من مبالغة، أو مجاز، وكل منهما في تأدية المعنى أبلَغُ وأقدرُ. فلو أنه قال: "حفظت ديوان المتنبيّ كلَّه" ما ترك –في الأغلب– حول الشمول الكامل مجالًا لشيء من تلك الاحتمالات، ولا لِتَخَيّلِ شيء محذوف؛ حفظ الديوان كاملًا غير منقوص. وقد نشأ هذا التركيز والاقتصار على الفهم على المعنى الواحد من كل: "كلّ".
فكلمة: "نفس" في المثال وما شابهه، وكلمة: "كلّ" في الثاني وما شابهه، -تسمى: "توكيدًا معنويًّا"؛ فهو:
"تابع١ يزيل عن متبوعه ما لا يراد من احتمالات معنوية تتجه إلى ذاته٢
_________________
(١) ١ سبق –في ص٤٣٤– بيان معنى التابع. وأحكامه العامة، وترتيبه مع نظرائه، وكل ما يتصل به. ومن أهم أحكامه: أنه مثل متبوعه في حركات لإعراب، وجواز الفصل بينه وبين المتبوع على لو المشروح هناك، بشرط ألا يكون المتبوع موصولًا؛ فإنه لا يصح الفصل بتابع بين الموصول وصلته مطلقًا "طبقًا لبيان التفصيل في ج١ م٢٧ ص٣٤٢: الموصول" وأن النعت يجوز قطعه "كما تقدم في بابه ص٤٨٦" كذا عطف البيان؛ كما سيجيء عند الكلام عليه في بابه ص٥٤٢ وكذلك عطف الشق في الرأي الصحيح –وسيجيء في ص٥٥٥– أما التوكيد بنوعيه فلا يجوز القطع فيه مطلقًا؛ حتى كلمة: "كل" حيث تصير نعتًا في بعض حالاتها التي تجيء في ص٥١٤ وقد أشار الصبان في "باب البدل" إلى رأي يجيز في التوكيد القطع وهو رأي جدير بالإهمال. وأما البدل فيصبح فيه القطع على الوجه الذي يأتي في بابه "ص٦٧٧ "هـ". ٢ المراد بالذات هنا: حقيقة الشيء الأصلية، وجملته كاملة؛ فتشمل الذات الحسية؛ كالجسم، وباقي المحسوسات، كما تشمل الحقائق المعنوية المحضة؛ كذات العلم، وذات الفهم، وذات الأدب –انظر ما يتصل بهذا في رقم ٤ من هذا الهامش–.
[ ٣ / ٥٠٢ ]
مباشرة، أو إلى إفادته العموم والشمول المناسبين لمدلولة"١
وإن شئت فقل: تابع يدلّ على أن معنى متبوعه حقيقي، لا دخْل للمبالغة فيه، ولا للمجاز، ولا للسَّهو، أو النسيان، ونحوهما
فالغرض من التوكيدّ المعنويّ هو إبعاد ذلك الاحتمال وإزالته؛ إما عن ذات المتبوع، وإما عن إفادته التعميم الشامل المناسب١ لمدلوله، فإن لم يوجد الاحتمال لم يكن من البلاغة التوكيد.
ألفاظ التوكيد المعنوي:
ألفاظ الأصلية سبعة، وقد تلحق بها –أحيانًا– ألفاظ فرعية أخرى سنعرفها١. والسبعة الأصلية ثلاث أنواع:
الأول:
نوع يراد منه إزالة الاحتمال عن الذات في صميمها٣، وإبعاد الشك المعنوي عنها. وأشهر ألفاظه الأصلية: نفْس٤، وعْين٤. ومن الأمثلة قول أحد الرَّحالين: " رأيت الساحرَ الهنديّ نفسَه –وهو المعروف بألاعيبه وحِيَله– يقبض على الجمرة عينِها بأصابعه العاريَة، ويظل كذلك دقائق كثيرة "، فكلمة: "نفس" أزالت –في الأغلب– الشك والمجاز عن ذات الساحر، فلم
_________________
(١) "١، ١" المراد من العموم المناسب للمدلول هنا: يشمل إزالة الاحتمال عن التثنية المقصودة حقيقة، لا مجازًا، كما يشمل إزالة الاحتمال عن الجمع المقصود حقيقة، لا مجازًا. "انظر "ب" من ص٥٠٧". ٢ في ص٥١٧. ٣ أي: في حقيقتها المادية "وهي المحسوسة –غالبًا-" لا في أمر عرضي مما يطرأ عليها. "٤، ٤" ليس المقصود هنا من "نفس" الشيء أو: "عين" الشيء مقصورًا على حقيقته المادية المحسوسة "أي: التي تدركها بإحدى الحواس" مثل: العلم –الفهم- الصدق. ويزيد بعض النحاة توضيح هذا –كما جاء في الخضري عند الكلام على التوكيد بالنفس أو العين- بقوله: "مراد بها جملة الشيء وحقيقته، وإن لم يكن له نفس ولا عين حقيقة. فإن أريد بالنفس: "الدم"، وبالعين: "الجارحة، كسفكت زيدًا نفسه، وفقأت زيدًا عينه، لم يكون توكيدًا؛ فهما في المثال بدل بعض " ا. هـ. انظر ما يتصل بهذا في رقم ٢ من هامش الصفحة السابقة.
[ ٣ / ٥٠٣ ]
تترك مجالًا لتوهم أن المقصود شيء سواها. وكذلك كلمة: "عين" فإنها أفادت النص على الذات، وأبعدت عنها -في الأغلب– كل احتمال يقوم على تلك المبالغة، أو المجاز، أو إرادة معنى لا يتصل بصميمها مباشرة. وهذا معنى لا يتصل بصميمها مباشرة. وهذا معنى قولهم: إن التوكيد بالنفس أو بالعين يَقْصِر المعنى الحقيقي على الذات وحدها، ويُرَكزه فيها، ويزيل –في الأغلب– كل احتمال عنها آخَر.
وإذا وقعت كلمة: "عين، أو نفس" تابعة على هذا الوجه، سميت اصطلاح النحاة "توكيدًا". أو: "مؤكَّدة" –بكسر الكاف– والأول هو الأشهر، سمي متبوعها: مؤكَّدًا –بفتح الكاف– وهذا هو الشأن في جميع ألفاظ التوكيد.
حكمهما:
إذا كانتا للتوكيد وجب أن يسبقهما المؤكَّد، وأن تكونا مثله في الضبط الإعرابي، وأن تضاف كل واحدة منهما إلى ضمير مذكور –حتمًا– يطابق هذا المؤكًّد في التذكير والإفراد وفروعهما؛ ليربط بين التابع والمتبوع. تقول: صافحت الواليّ نفسه –صافحت الواليينِ أنفسَهما– صافحت الولاة أنفسهم –صافحت الوالية َ عينَها– صافحت الواليتين أعينَهما –صافحت الواليات أعينَهن. وهذا الضمير لا يجوز حذفه ولا تقديره١
فإن لم يتقدم المتبوع، أو لم يوجد الضمير المضاف إليه، المطابق لم يصح إعرابهما توكيدًا، بل يجب إعرابهما شيئًا آخر على حسب الجملة، "مبتدأ، أو خبر، أو بدلًا، أو عطف بيان، أو مفعولًا به، أو غيره٢" ومن أمثله المفعول به:
من عاتبَ الجهال أَتعبَ نفسه ومن لام من لا يعرفُ اللومَ أفْسَدا
_________________
(١) ١ في توكيد الاسم بالنفس أو بالعين مع اشتمالها على ضمير مطابق للمؤكَّد يقول ابن مالك: مع ضَمِيرٍ طَابقَ المؤكَّدا بالنَّفْسِ، أَوْ بِالْعَيْن الاِسْمُ أُكِّدا وهذا الضمير لابد من ذكره هنا وفي كل نوع من أنواع التوكيد المعنوي الآتية. ولا يصح حذفه مطلقًا في حالة هذا التوكيد. ٢ انظر ما يتصل بحكم "النفس والعين" عند فقد المؤكَّد في ص٥١٥.
[ ٣ / ٥٠٤ ]
ومما يلاحظ أن المطابقة، حين يكونُ المؤكَّد بهما جمعًا تقتضي أن يُجمعا جمع تكسير للقلة على وزن: "أفْعُل"، فقط، ومنع أكثر النجاة الجموع الأخرى التي للقلة والكثرة، فلا يصح: جاء الولاة نفوسهم، ولا عيونهم وبناء على هذا الرأي لابد أن تكون صيغتهما على وزن "أَفْعُل" مع إضافتهما لضمير الجمع١.
أما إذا كان المؤكَّد مثنى فالأفصح جمعهما على وزن القلة السابق وهو: "أفْعُل" فيقال أنفسُهما، أعيُنهما. لكن يصح إفرادهما وتثنيهما؛ فيقال: نفسُهما، عينُهما، أو: نفساهما، عيناهما٢. ومهما كان وزن الصيغة في التثنية فلابد من إضافتهما إلى ضمير المثنى؛ ليطابق المؤكَّد٣
_________________
(١) ١ وفريق من النجاة يجيز في كلمة: "عين" المستعملة في التوكيد جمعها للقلة على "أعيان" لكن الكثير الفصيح هو وزن: "أُفعُل" ويحسن الاقتصار عليه؛ متابعة المطرد في كلام العرب. ٢ يفهم مما سبق صحة الإفراد، والتثنية، والجمع، في كلمتي: "النفس والعين" إذا وقعت إحداهما توكيدًا للشيء ولابد من إضافتهما لضمير وبهذه المناسبة نذكر ضابطًا لغويًا مفيدًا " سبق تسجيله في جـ١ م٩ بهامش ص١١٠ " مضمونه: أن كل شيء في المعنى، مضاف إلى مُتَضَمِّنه "بكسر الميم الثانية المشددة، وصيغة اسم الفاعل، أي: إلى ما اشتمل على المضاف " يجوز فيه الإفراد، والتثنية، والجمع؛ نحو: قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: من الآية٤] . ونقول: تصدقت برأس الكثبين –أو: رأس الكبثين– أو رءوسهما. وإنما فضل الجمع على التثنية لأن المتضايفين كالشيء الواحد؛ فكرهوا الجمع بين تثنيتهما، ولأن المثنى جمع في المعنى. وفضل الجمع على الإفراد لأن المثنى جمع في المعنى، والإفراد ليس كذلك، فهو أقل منه دلالة على المثنى. هذا ما نقله بعض النحاة -كالصبان، ج٣ والخضري ج٣، في أول باب التوكيد منهما وينطبق ما تقدم على: "النفس والعين" المستعملتين في التوكيد؛ خضوعًا للسماع الوارد فيهما، لا تطبيقًا للضابط السالف؛ فقد قال الصبان في الموضع المشار إليه: إن إضافتهما ليست لمضمنَّها، بل إلى ما هو بمعناهما؛ لأن المراد منهما "الذات". وفي ص١٤٥ م١١ من الجزء الأول أيضًا ضابط آخر لشارح المفصل فيه بعض المخالفة لما هنا. ٣ وفي هذا يقول ابن مالك: واجْمعْهُما "بِأَفْعُل" إِنْ تَبِعا ما لَيْس واحِدًا تَكُنْ مُتَّبِعًا أي: إن كانا تابعين "مؤكَّدين" لغير والواحد؛ وهو المثنى والجمع فجيء بهما مجموعين على صيغة: "أفعل" لتكون متبعًا للنهج الصحيح.
[ ٣ / ٥٠٥ ]
هذا، ويصح التوكيد بالنفس والعين معًا، ولكن بغير حرف عطف١، ويجري عليهما مجتمعَينِ من حكم الإضافة للضمير المطابق، وتقدم المتبوع، ومسايرته في الضبط الإعرابي، وباقي أحكام التابع ما يجري على إحدهما منفردة؛ نحو: قابلت الواليَ نفسَه، قبض الساحر على الجمرة نفسِها عينِها. ويجب –في الرأي الأقوى– عند اجتماعهما تقديم النفس على العين٢
_________________
(١) ١ لا يصح وجود حرف عطف قبل التوكيد المعنوي. لأن وجوده يستلزم معنى غير المقصود من التوكيد، ويزيل عما بعده اسم التوكيد. "كما سيجيء في رقم ٣ من ص٥٢٠". ٢ وقيل إن تقديم النفس على العين ليس بلازم ولكنه حسن.
[ ٣ / ٥٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- تنفرد كلمتا: "نفس" و"عين" دون بقية ألفاظ التوكيد المعنوي١، بجواز جرهما بالباء الزائدة؛ تقول "ذهب الوالي نفسُه، أو بنفسه، لمحاربة الخوارج" -"أبصرت الواليَ نفسَه، أو بنفسه، وهو في الميدان" فكلمة؛ "نفس" توكيد وجرور بالباء الزائدة في محل رفع، أو نصب، أو جر، على حسب حالة المتبوع. ويصح في الأمثلة السالفة وضع كلمة: "عين" مكان: "نفس" فلا يتغير الحكم، وتعرف مع حرف الجر مثلها؛ توكيدًا مجرورًا في المحل تابع المؤكًّد "أي: للمتبوع"٢.
ب– إذا كان المتبوع " المؤكَّد " كنية لوحظ في معنى التوكيد وإعرابه ما سبقت الإشارة إليه "في: "أ" من ص٤٤٤" سواء أكان بلفظ: "نفس، أو عين أو غيرهما، مما يصلح من ألفاظ التوكيد المعنوي".
_________________
(١) ١ سبقت الإشارة لهذا في ج٢ م٩٠ ص٤٥٦، باب: "حروف الجر" وسيجيء "في ص٥٢١" عند الكلام على ألفاظ الشمول دخول هذه الباء على "أجمع" ولكنها هناك الباء الزائدة وجوبًا، اللازمة؛ كالداخلة على "أَفْعِل" في التعجب من جهة وجوب زيادتها، وعدم مفارقتها. أما "الباء" الزائدة هنا فدخولها جائز، وبقاؤها غير لازم. وفي ص٥١٢ بعض أحكام عامة تنطبق على النفس والعين. ٢ سبقت الإشارة لهذا عند الكلام على زيادة "الباء" الجارة "جـ٢ ص٤٥٨ م٩٠ باب حروف الجر". كما سبق بيان بعض المراجع لهذا، ومنها: "المعنى" "- جـ١ عند الكلام على "أبناء" المفردة" و"الصبان" عند الكلام عليها في باب "حروف الجر".
[ ٣ / ٥٠٧ ]
الثاني:
نوع يراد به إزالة الاحتمال والمجاز عن التثنية، وإثبات أنها هي –وحدها– المقصودة حقيقة. وله لفظان: "كِلاَ" للمثنى المؤنث، نحو: أفاد الخبيران كلاهما، ونفعتْ الخبيرتان كلتاهما. فلو لم تُذْكَر "كلا" و"كلتا" لكان من المحتمل اعتبار التثنية غير حقيقية، وأن المقصود بالخبيرين أحدهما، وبالخبيرتين إحداهما فمجيء "كِلاَ" بعد المثنى المذكر، و"كلتا" بعد المثنى المؤنث يكاد يقطع في أصالة التثنية بفهم لا شك فيه ولا احتمال، ويدل –في الأغلب– على أن المراد هو الدلالة على التثنية الحقيقية التي تنصَبّ على اثنين معًا، أو اثنين معًا١.
حكمهما:
لابد عند استعمالها في التوكيد أن يسبقهما "المؤكَّد"، وأن يكون ضبطهما كضبطه، وان تُضاف كل واحدة منهما على ضمير مذكور يطابقه في التثنية ليربط بينهما –كما في الأمثلة السالفة- وهذا الضمير لا يصح حذفه ولا تقديره. فإذا تحققت الشروط، وصارتا للتوكيد وجب إعرابها إعراب المثنى٢، فيرفعان بالألف، ويُنصبان ويجران بالياء المفتوح ما قبلها المكسور ما بعدها؛ نحو: أفادني الوالدان كلاهما، أحببت الوالدَينِ كليهما، دعوت الله للوالدَينِ كليهما. نفعتني الجَدَّتان كلتاهما، أطعت الجَدَّتينِ كلتيهما، استمعت إلى نصح الجَدتينِ كلتيهما.
ولما كان الغرض من التوكيد بكلا وكلتا هو ما سلف، كان من المستقبح بلاغة٣ أن يقال: تخاصم الرجلان كلاهما، والمرأتان كلتاهما، حيث لا مجال
_________________
(١) ١ ولا فرق بين أن تكون التثنية على سبيل التفريق –وهذه لا تسمى تثنية اصطلاحًا– أو غير سبيله؛ نحو: فاز الأول والثاني كلاهما، وفازت الأولى والثانية كلتاهما وفاز السابقان كلاهما وفازت السابقتان كلتاهما. ٢ هما من الألفاظ الملازمة للإضافة، الملحقة في إعرابها بالمثنى. وقد سبق تفصيل شامل في إعرابهما. ومن المفيد الرجوع عليه"في ص٩٨ وما بعدها، وفي الجزء الأول ص٩٧ م٩ عند الكلام على المثنى وملحقاته". من ذلك التفصيل تتبين أمور هامة؛ في مقدمتها: انه لا يصح إعرابهما توكيدًا إلا بعد تحقق الشروط الخاصة بها. لكن لا يلزم من تحقق الشروط إعرابهما توكيدًا؛ فقد يعربان توكيدًا أو لا يعربان على حسب ما تقضي به الدواعي الخزي. ٣ يقال بعض النحاة فلا يجيزه مطلقًا.
[ ٣ / ٥٠٨ ]
لاحتمال التخاصم من أحدهما دون الآخر؛ لأن التخاصم لا يتحقق معناه إلا بوقوعه من اثنين حتمًا؛ فلا فائدة من صيغة التوكيد هنا، ومثله: تَقَاتل اللصان، وتحارَب العدوانِ، وأشباه هذا من كل يخْلو من الاحتمال، ويدل على "المفاعلة" الحقيقية، أي: المشاركة الحتميَّة بين شيئين
الثالث:
نوع يراد منه إفادة التعميم الحقيقي المناسب لمداولة المقصود، وإزالة الاحتمال عن الشمول الكامل. وأشهر ألفاظه ثلاثة: "كُلِّ، جميع، عامَّة ". وأقواها في التوكيد، وأكثرها أصالة، هو: كُلَّ، ثم جميع، ثم عامة نحو: قرأت ديوان المتنبي كلَّه، واستوعَب قصائدَه كلَّها. فلو لم نأت بكلمة: "كُلِّ" لكان من المحتمل أن المراد من المقروء ومن المستوعَب، هو: الأكثر، أو الأقل، أو النصف، أو غير ذلك؛ إذ ليس في الكلام ما يدل على الإحاطة الكاملة، والشمول الوافي. فمجيء لفظ: "كلّ"١ منع –في الأغلب– الاحتمالات، وأفاد الإحاطة والشمول بغير مبالغة ولا مجاز٢
ومثل هذا: غردت العصافير جميعُها لاستقبال الصبح. فلو لم تُذكَر كلمة: "جميع" لكان من المحتمل أن المراد هو تغريد أكثرها، أو بعض منها إذ ليس قي الكلام ما يقطع بالدلالة على الإحاطة والشمول، فلما جاءت كلمة: "جميع" أزالت –في الأغلب– الاحتمال، وأفادت العموم القاطع.
ومثلها كلمة: "عامة" "والتاء في أخرها زائدة لازمة لا تفارقها في إفراد، ولا في تذكير. ولا في فروعهما. وهي للمبالغة، وليست للتأنيث"، تقول: حضر الجيش عامَّتُه، حضر الجيشان عامَّتُهما، حضر الجيوش عامَّتُهم، حضرت الفرقة عامَّتُها، حضرت الفرْقتان عامَّتُهما، حضرت الفرَق عامَّتهُن
حكمها: لابد في استعمال كل لفظ من هذه الثلاثة في التوكيد أن يسبقه المؤكَّد، وأن
_________________
(١) ١ "كل" المستعملة في التوكيد قد تفيد الدلالة على "الكل المجموعي" أو: "الكل الجميعي" طبقًا للبيان الآتي في رقم ٦ من هامش ص٥١٢ وهي في الحالتين تختلف في معناها وحكمها في كلمة: "كل" المستعملة نعتًا. والتي سبق الكلام عليها في رقم ٤ ص٤٦٦. ٢ انظر "الملاحظة" التي في ص٥١٥ بشأن المراد من "الشمول" وأحواله في الألفاظ الدالة عليه؛ مثل: كل، جميع، عامة
[ ٣ / ٥٠٩ ]
يكون المؤكِّد مماثلًا له في ضبطه، ومضافًا إلى ضمير مذكور حتمًا، يطابقه في الإفراد والتذكير وفروعهما؛ ليربط بينهما، وان يكون المؤكد، إما جَمْعًا له أفراد١، وإما مفردًا يتجزأ بنفسه، أو يعامله٢. فمثال الجمع المؤكَّد: حضر الزملاء كلهم، أو: جميعُهم، أو عامتُهم، كرّمت الزميلات كلَّهن، أو جميعهنّ، أو عامتهنّ، ومنه قول الشاعر:
الجود يُفقر، والإقدامًُ قَتَّالُ لولا المشقَّةُ سادَ الناسُ كُلُّهُمُ
ومثال المفرد الذي يتجزأ بنفسه: قرأت الكتاب كلَّه، أو: جميعَه، أو: عامَّتَه. ومثال المفرد الذي يتجزأ بعامله اشتريت الحصان كله، أو: جميعه، أو: عامته.
لما سبق كان من المستقبح أن يقال: جاء الأخ كله –مثلًا– لعدم لفائدة من التوكيد؛ إذ يستحيل نسبة المجيء إلى جزء منه دون آخر٣ ومال أكثر النجاة إلى منع هذا وأمثاله، ولم يكتفوا باستقباحه.
_________________
(١) ١ ما الحكم في فاعل "نعم وبئس" ونظائرهما إذا كان مقترنًا بالأداة التي تفيده "العموم"، وهي: "أل الجنسية، أو العهدية"؟ أيجوز توكيده بأحد تلك الألفاظ الدالة على الشمول الكامل والعموم الحقيقي؟ الإجابة عن هذا السؤال الهام في "أ" ص٣٦٩ ثم ص٣٧٤ وهامشيهما. ٢ المراد بما يتجرأ بنفسه: ما يتكون من جملة أجزاى يمكن أن يستقل كل جزء منها وحده بتحقيق الفائدة منه من غير توقف على انضمامه إلى المجموع؛ كالفضة –مثلًا– فإنها تتكون من أجزاء كل جزء منها ينفع -بنفسه– في شيء مطلوب، وكذلك أمال، فإنه يتكون من دراهم ودنانير، كل درهم أو دينار يؤدى منفعته من غير حاجة إلى انضمامه لنظير له. أما الذي يتجرأ بعامله فهو الذي له أجزاء لا ينفع الواحد في أداء الأساسية إلا بتصاله بجزء آخر؛ لأن أجزاءه متماسكة متصلة، لا يصلح واحد منها لتحقيق الفائدة الأصلية إلا حين يكون متصلًا بباقي نظرائه. لكنه يتجرأ باعتبار آخر خارج عن ذاته الأصلية، وذلك الاعتبار حين يقع عليه أثر عامل نحوي ومعناه، ويكون هذا المعنى مما يتجزأ –مثلًا– الحصان؛ فإنه لا يمكن أن يتجزأ أجزاء يؤدى كل منها عمله الأصلي بعد التجزيء، فإذا قلت: اشتريت الحصان، أو بعت الحصان فإن الحصان معمول للفعل: اشترى، أو: باع، وكل من الشراء والبيع يتجزأ؛ إذ يمكن شراء نصف الحصان، أو ربعه، أو ثلثه و وكذلك بيعه، فالعامل –كما نرى– يتجزأ؛ لهذا يصح أن يقال: اشتريت الحصان كله، واستأجرت الخادم كله. والساقية كلها، والسيارة كلها ٣ وفي ألفاظ الشمول الخمسة الأصلية يقول ابن مالك: "كِلْتَا"، "جمِيعًا" بالضَّمير مُوصَلا و"كُلاَّ" اذْكُرْ في الشُّمُولِ و"كِلاَ" مِنْ: دعمَّ في التوكيد. مثلُ: النَّافِلَهْ واسْتَعْملُوا أَيضًا: "فاعِلَهْ" يريد: اذكر عند إرادة الشمول لفظة التوكيد الدالة على الشمول، وهي "كل" و"كلا" و"كلتا" وهذان لإفادة الشمول في المثنى" و"جميعًا" ولابد من وصل لفظ التوكيد بالضمير المطابق. ثم قال بعد ذلك إن العرب استعملت في الدلالة على الشمول لفظًا آخر يفيد ما يفيده لفظ "كل"؛ وهذا اللفظ الآخر على وزن: "فاعلة" من الفعل: عَمْ، وهو: عامة" لأنها من غير ملاحظة الإدغام على وزن: فاعلة"، وأراد بقوله: "مثل الفاعلة"؛ أنها على مثال: "نافلة" في الوزن، وفي ثبات التاء في جميع الأحوال، تذكيرًا، وتأنيثًا، وإفرادًا، وغير التاء لازمة لا تتغير مجاله.
[ ٣ / ٥١٠ ]
وكل واحد من الألفاظ الثلاثة لا يفيد اتحاد الوقت عند وقوع المعنى على أفراده١؛ ففي مثل: حضرت الوفود كلها يصح أن يكون حضورها في وقت واحد، أو في أوقات متباينة، ومثل: غاب الجنود كلهم ، يصح أن يكون الغياب في وقت واحد، أو في أوقات متعددة. وهكذا، فهي في معناها تفيد العموم المطلق من غير زيادة محتومة عليه، أما ما زاد عليه فلا يفهم إلا بقرينة أخرى.
ويلحق بهذا النوع: ألفاظ العدد التي تفيد العموم٢ تأويلًا، لا صراحة؛ وهي الأعداد المفردة "وتتركز في ٣و ١٠ وما بينهما" فهذه الأعداد قد تضاف أحيانًا إلى ضمير المعدود، نحو: مررت بالإخوان ثلاثَتَهم، أو خمستَهم أو سبعتَهم أو، بالنصب في كل ذلك على الحال٣؛ بتأويل: مثلَّثًا إياهم، أو: مخَمَّسًا، أو مسبعًا
ويصح إتْباع اسم العدد لما قبله فلا يعرب حالًا، وإنما يعرب توكيدًا معنويًّا؛ بمعنى: جميعهم، ويضبط لفظ العدد بما يضبط به التوكيد المعنوي، والصحيح أن هذا ليس مقصورًا على العدد المفرد "كما يقول كثير من النحاة"،بل يسري على العدد المركب أيضًا؛ نحو: جاء القوم خمسةَ عشْرَهم٣ بالبناء على فتح الجزأين في محل نصب. على الحال، أو في محل آخر يطابق فيه المتبوع٤.
_________________
(١) ١ وله في هذا نظائر ستجيء في ص٥١٧. ٢ ما سنذكره سبق تدوينه في باب الحال ج٢ ص٢٩٧ م٨٤ –عند الكلام على الحال المعرفة– ويجيء كذلك في ج٤ ص٢٩٧. "٣، ٣" وهي من المواضع التي تقع فيها الحال معرفة. ٤ انظر ما يتصل بهذا ويوضحه ويبين مواقعه في رقم ٦ من هامش ص٥١٢ بعنوان "ملاحظة".
[ ٣ / ٥١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- في مثل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، تعرب كلمة: "جميعًا" حالًا، ولا يصح إعرابها توكيدًا لعدم وجود الضمير الرابط.
وفي قارة من قرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلٌّ فِيهَا﴾، ولا يصح إعراب: "كُلاّ" توكيدًا، لعدم وجود الضمير، وإنما تعرب بَدَلًا من الضمير "نا" اسم: "إنّ" بدل كل من كل. وهذا هو الإعراب الأحسن؛ إذ لا ضعف فيه، ولا مانع يمنع من إبدال الاسم الظاهر من الضمير الحاضر١ بدل كل من كل "كما سيجيء في باب البدل٢ منه: قمتُم ثلاثَتُكُمْ". وبدل الكل من الكل لا يحتاج لرابط من ضمير أو غيره.
ب- إذا اجتمع أكثر من مؤكد معنويّ –بشرط وجود داع بلاغيّ٣، يقتضي هذا الاجتماع– تقدمت٤ النفس على العين، ويستحسن تأخير كلمة: "كل" عنهما، ويليها كلمة: "جميع" ثم كلمة: "عامة" وإذا تعددت ألفاظ التوكيد فهي للمتبوع وحده٥، ولا يصح –في الرأي الأنسب– اعتبار واحد منها توكيدًا للتوكيد. وهذا حكم عامّ في جميع ألفاظ التوكيد الأصلية والملحقة بها.
ج- قد تقع ألفاظ التوكيد المعنوي السبعة "وهي: نفس، عين، كِلاَ، كلتا، كلّ٥، جميع، عامة" معمولة لبعض العوامل، ولا تعرب توكيدًا لعدم وجود المؤكَّد؛ فتعرب على حسب حاجة ذلك العامل، فاعلًا، أو مفعولًا، أو مبتدأ، أو خبرًا و وبالرغم من امتناع إعرابها توكيدًا
_________________
(١) ١ أي: ضمير المتكلم أو المخاطب. ٢ ص٦٨٢. ٣ هذا الداعي هو إزالة الاحتمالات إزالة لا تتم إلا بهذه الكثرة. فإن كانت تتم بغيرها فلا داعي لتعدد التوكيد. ٤ وجوبًا أو استحسانًا: تبعًا للخلاف الذي سبق في رقم ٢ من هامش ص٥٠٦. ٥ كما سيجيء في رقم ٤ من ص٥٠٣ وما قبلها مباشرة. ومنها نعلم أيضًا عدم صحة مجيء حرف عطف قبل التوكيد ما دام توكيدًا، وإلا صار معطوفًا. ٦ "ملاحظة": قد تكون كلمة "كل" التوكيد من غير أن تفيد الشمول والعموم الحقيقي كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا﴾، فإن الله لم يطلعه على جميع آياته. وهذا لأن كلمة "كل" –كما يذكرون– قد يراد منها الكل المجموعي كالآية، وقد يراد منها الكل الجميعي الذي يشمل الأفراد، فردًا فردًا. "كما سيجيء في رقم ٢ من هامش ٥١٧".
[ ٣ / ٥١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تظل في حالتها الجديدة تؤدي معنى التوكيد كما كانت تؤديه من قبل، مع أنها في حالتها الجديدة لا تسمى في اصطلاح النحاة توكيدًا، ولا تعرب توكيدًا. وهذا كثير في: "جميع"، و"عامة"؛ نحو: الزائرون انصرف جميعهم، أو: عامتهم الزائرون رأيت جميعَهم، أو: عامَّتَهم الزائرون مررت بجميعهم، أو بعامَّتهم..
أما: "كُلّ" فيكثر وقوعها –عند فقْد المؤكَّدبعد عامل الابتداء، فتكون مبتدأ، ويقل وقوعها بعد غيره؛ فمثال الأول: الحاضرون كلُّهم نابه. ومثال الثاني قول الشاعر:
يَميدُ١ إذا والت عليه دِلاؤُهم فيصدُرُ عنه كلُّها، وهْوَ ناهلُ
وهذا من القليل الذي لا يجسن محاكاته، لوقوعها فاعلًا مع إضافتها للضمير٢. ومن
الأمثلة للثاني: الحاضرون تكلمَ كلُّهم الحاضرون سمعتُ ملَّهم، وأعجبتُ بكلهم
وكلمة: "كُلّ" في لفظها مفردة مذكرة دائمًا٣، وإذا وقعت مبتدأ، وأضيفت إلى نكرة وجب في الأغلب عند المطابقة مراعاة معنى النكرة في خبر: المبتدأ: "كَلّ"؛ كقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، وقوله تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ وقول جرير:
وكل قوم لهم رأْيٌ ومختبرٌ وليس في تغْلبِ رأيٌ ولا خبرٌ
_________________
(١) ١ يميد، أي يضطرب: والضمير عائد على ماء البئر. ٢ وهنا سبب آخر؛ هو أنه قد يحدث لبسًا في بعض الصور التي يحذف فيها المؤكَّد الضمير "وسياتي في ص٥٢٢" مثل: الأسرة أكرمت كلها: أي: أكرمتها. ٣ ولهذا إشارة في رقم ٢ من هامش ص٧١ حيث تفصيل الكلام على إضافة "كل وما يترتب على هذا من تعريفها أو عدم تعريفها، وحالة النعت بعد المضاف إليه، أيكون للمضاف أم للمضاف إليه؟
[ ٣ / ٥١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإن أضيفت لمعرفة لم يلزم اعتبار المعنى، وإنما يصح اعتباره أو اعتبار لفظ "كلّ" المفرد المذكر؛ كقوله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ . وقوله ﵇: "كلكُم راع، وكلكُم مسؤول عن رعيته" ونحو: كلكُم هداةٌ للخير، وكلكم داعون إليه. وقول الشاعر:
كلّ العداوات قد تُرجَى إزالتُها إلا عداوة مَن عاداك من حَسَدِ
وقول الآخر:
كل المصائب قد تمر على الفتى وتهون غير شماتة الحساد
وقد تقع لدلًا كالتي في الآية السابقة، في ص٥١٢ على قراءة من قرأها ﴿إِنَّا كُلٌّ فِيهَا﴾ . وقد سبق أن قلنا١ ما نصّه:
"إنها تقع نعتًا بشرط إضافتها إلى اسم الظاهر، مماثل للمنعوت في لفظه، وفي معناه معًا –وهو الأغلب– أو مماثل لشيء له صلة معنوية قوية به، فمثال الأول قول الشاعر:
كم قد ذكَرتكِ لو أَجزَى بذكرِ كُمُو يا أَشبهَ الناسِ كلِّ الناس بالقمرِ
فكلمة: "كل" نعت للناس. ومثال الثاني قول الآخر:
وإن كان ذنْبي كلَّ ذنب فإِنه محا الذنبَ كلَّ المحوِ من جاءَ تائبا
فكلمة: "كلّ" –في الشطر الثاني– نعت للذنب، وهي مضافة إلى ما له صلة معنوية بالمعنوت.
"وإذا وقعت كلمة: "كل" نعتًا صارت من الجامد المؤول بالمشتق، وصار معناها: "الكامل" في كذا٢.. وهو معنى يختلف عن معناها في التوكيد" ا. هـ.
ولا يجوز فيها القطع في حالتي استعمالها نعتًا أو توكيدًا كما سبقت الإشارة
_________________
(١) ١ في ص٤٦٧. ٢ راجع ماله صلة بهذا في ص٤٦٤ و٤٦٧.
[ ٣ / ٥١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لهذا١ ولا داعي للأخذ بالرأي الذي يبيح استعمالها توكيدًا في الصورة السالفة التي تضاف فيها لاسم ظاهر مماثل لما قبلها على الوجه الذي شرحناه٢؛ لأن في الأخذ به خروجًا على الكثير الفصيح من كلام العرب الذي يضيفها عند التوكيد على ضمير مطابق للمؤكَّد "المتبوع" أما المضافة للظاهر فلها معنى آخر، وتأويل مغاير، كما رأينا.
"ملاحظة": يقول الصبان في هذا الموضع من باب: "التوكيد" ما نصّه: "اعلم أنّ "كُلاَّ" وشبهها في إفادة شمول كل فرد، إن كانت داخلة في حَيِّز النفي بأن أُخِّرت عن أداته لفظًا؛ "نحو: "ما كلّ ما يتمنى المرء يدركه "، وما جاء كل القوم، وما جاء القوم كلّهم، ولم آخُذْ كلّ الدراهم، ولم آخذ الدراهم كلَّها " أو رتبة؛ "نحو: كلَّ الدراهم لم آخذ، والدراهم كلها لم آخُذ " توجَّهَ النفي إلى الشمول خاصة، وأفاد سلب العموم. وإلا بأن قُدّمت على أداته لفظًا ورتبه توجَّه النفي إلى كل فرد، وأفاد عموم السَّلب؛ كقوله ﵊: ".. مل ذلك لم يكن ". وكالنفي النهي. قال التفتازاني: "والحقّ أن الشق الأول أكثريّ لا كليّ؛ بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ . وقوله: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ وقوله: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ . ا. هـ. كلام الصبان.
وأما "كلا" و"كلتا" فيكثر –عند فقد المؤكَّد– وقوعهما بعد عامل الابتداء، ويقل بعد غيره "فهما من هذه الناحية مثل: "كُل"؛ فمثال الأول: حاضران كلاهما٣ نابه الحضرتَان كلتاهما نابهة ومثال الثاني ما قاله بعض الأعراب وقد خُير بين شيئين: "كليْهما وتَمْرًا". يريد: أعطني كليهما وتمرًا٤. وفي هذه الصور وأشباهها يفيدان معنى التوكيد، لكن لا يصح إعرابهما توكيدًا.
وأما "نفس" و"عين" فالصحيح عند فقد المؤكَّد وقوعهما معمولين
_________________
(١) ١ في رقم ١ من هامش ص٤٦٣ وقد تقدم في باب النعت "ص٤٨٦ و٤٨٧" شرح القطع بيان أحكامه. ٢ في هامش ص٥٠٢. ٣ كلا: مبتدأ، مضاف ٤ كما جاء في معجم: "لسان العرب".
[ ٣ / ٥١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
–أحيانًا– لبعض العوامل١، وإفادتهما التوكيد المعنوي مع امتناع إعرابهما توكيدًا٢، ومن الأمثلة قوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ ٣، ونحو: جاءني عين الكتاب والعرب تقول: نزلت بنفس الجبل، ونفسُ الجبل مقابلي٤.
د- في جميع أنواع التوكيد المعنوي لا يصح اتحاد توكيد المتعاطفين إلا إذا اتحد عاملاهما معنى، فلا يقال غاب المسافر، وحضر الغائب كلاهما فإن اتحد معنى العاملين صح اتحاد توكيد المتعاطفين، ولو كان لفظ العاملين مختلفًا؛ نحو: ذهب المسافر، وانطلق الصانع كلاهما.
هـ- يجوز الفصل بين المؤكِّد والمؤكَّد بغير أجنبي محض من العامل؛ طبقًا للبيان الشامل الذي سلف٥ ومنه قوله تعالى: ﴿وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾، وقد أختلفت النحاة في الفصل بالحرف: "إمَّا"، والأحسن الأخ بالرأي الذي يبيحه فيقول: سأسعَد بالقوم إمَّا كلَّهم، وإما بعضهم
وسبقت الإشارة٦ إلى أنه لا يجوز –في أصح الآراء– قطع التوكيد مطلقًا٧ حتى كلمة: "كل" إذا صارت نعتًا وجب إتْباعها، وعدم قطعها.
_________________
(١) ١ كما جاء في معجم: "لسان العرب". ٢ انظر ما سبق –في ص ٥٠٤ متصلًا بهذا الحكم الخاص بفقد المؤكَّد. ٣ وكذلك باقي السبعة، كما أسلفنا في ص٥١٢. ٤ انظر الزيادة في "أ" في ص٥٠٧ لنوع من المناسبة.. ٥ في ص٤٣٥. ٦ في رقم ١ من هامش ص٥٠٢. ٧ المعنوي وغير المعنوي.
[ ٣ / ٥١٦ ]
ألفاظ التوكيد الملحقة١ بالثلاثة:
هناك ألفاظ ملحقة بالثلاثة السالفة الدالة على الإحاطة والشمول، وهذه الملحقة هي: أجمع، جمعاء، أجمعون، جُمع.
وإنما سميت ملحقة لأن الكثير الفصيح في استعمالها أن تقع مسبوقة بلفظة: "كلّ" التي للتوكيد أيضًا، ومطابقة لها، ومقوّية لمعناها٢؛ وذلك بأن تقع: "أجمع" بعد: "كُلَ"، و"جمعاء" بعد: "كلها"، و"أجمعون" بعد: "كلهم"، و"جُمع" بعد: "كلهن"، مثل: حصدت الحقل كلَّه أجمعْ، سافرت الأسرةُ كلها جمعاءُ، أقبل الضيوف كلهم أجمعون، أقبلت الفتياتُ كلُّهن جُمَعُ٣
ومن الجائز –مع قلته٤ وفصاحته– أن تستقل كل واحدة من هذه الألفاظ الملحقة، فنقع توكيدًا غير مسبوقة بكلمة: "كل" التي أوضحناها. نحو: استوعبت النصحَ أجمعَ، استظهرت القصيدةَ جمعاءَ، صافحت الزائرين أجمعين٥، أكرمت الزائرات جُمَعَ.
ولا تدل كلمة: "أجمعين" وأخواتها على اتحاد الوقت عند وقوع
_________________
(١) ١ وهي التي أشير لها في ص٥٠٣ والثلاثة السالفة موضحة في ص٥٠٩. ٢ وقد تزيل عنها احتمال عدم الشمول الكامل، لأن لفظة: "كل" قد يراد منها: "الكل المجموعي" وليس "الكل الجميعي" على الوجه السابق لهما، في رقم ٦ من هامش ص٥١٢. ٣ وفيما سبق يقول ابن مالك: وبَعْدَ كُلِّ أَكَّدُوا بِأَجْمَعا جَمُعَاءَ. أَجْمَعِينَ، ثُمَّ جُمَعَا أي: بعد لفظة: "كل" التي للتوكيد استعمل العرب الألفاظ التي تجيء بعدها لتقوية التوكيد بها، وسرد تلك الألفاظ. علمًا بأن كل واحد منها يستعمل مع مؤكَّد "متبوع" يخالف ما يستعمل مع الآخر ٤ قلة نسبية، وليست قلة ذاتية تمنع القياس، فهي قلة بالنسبة للصورة الأخرى التي لا لاستقلال فيها. "راجع رقم ٢ من هامس ص٧٩ حيث إيضاح القلة بنوعيها". ٥ من الجائز إعراب: "أجمعين" جالًا، ولكن المعنى يختلف عن إعرابها توكيدًا، فعلى إعرابها حالًا يكون المعنى "مجتمعين" أي: في حالة اجتماعهم، وعدم تفرقهم. وعلى إعرابها توكيدا يكون المعنى على الشمول والإحاطة، وأن الإكرام شملهم فردًا فردًا. فبين المعنيين فرق واضح، ومن الواجب عند الإعراب ملاحظة المعنى المراد دائمًا، لأن الإعراب لا بد أن يجازي المعنى المقصود.
[ ٣ / ٥١٧ ]
المعنى على الأفراد؛ فهي مثل: "كل" وأخواتها. في إفادة العموم المطلق دون زيادة عليه١. فإذا قلنا: قابلت الزائرين أجمعين فقد تكون المقابلة في وقت واحد أو في أوقات مختلفة.
والفصيح الذي يحسن الاقتصار عليه عدم تثنية: "أجمع" و"جمعاء"، فلا يقال: "أفادني الكتابان أجمعان، ولا أنشدت القصيدين جمعاوين؛ لأن أكثر العرب استغنوا "بكلا" و"كلتا" عن تثنية أجمع وجمعاء٢
وهناك ألفاظ أخرى للتوكيد، تجيء –مجتمعة أو غير مجتمعة– مرتبة وجوبًا بعد "أجمع" وفروعها، وهي بمعناها، وتُعد من الملحقات أيضًا مثلها، وتفيد فائدتها في تقوية معنى: "كلّ" وإن وُجد في الكلام لفظ: "كل"٣ وإزالة الاحتمال عن شمولها؛ فيجيء بعد "أجمع" لفظ بمعناه وفائدته؛ هو: "أكْتع"، وإن شئنا الزيادة جئنا بعد "أكْتع"، بلفظ: "أبْصع"، ثم إن شئنا الزيادة جئنا لفظ: "أبْتع" أخيرًا. ونأتي بعد: "جمعاء"، بلفظ: "كتْعاء، ثم بصْعاء، ثم بتْعاء، ونأتي بعد: أجمعين، بلفظ: "أكتعين، ثم أبصعين، ثم أبتعين" –مجموعة جمع مذكر سالمًا– وبعد: "جُمعَ" بلفظ: "كُتَع، بُتَع، بُصَع.." مجموعة على وزن: "فُعَل"٤ فالمثال الذي يجمع لفظ التوكيد الأصلي هو: "كُلّ" ويليه ملحقاته المختلفة –كاملة أو غير كاملة– مرتبة على الترتيب السالف وجوبًا، وهو: سافر الوفد كله، أجمعُ أكتعُ، أبصعُ أبتع، سافرت
_________________
(١) ١ على الوجه المشروح في ص٥١٠. ٢ وفي هذا يقول ابن مالك مبينًا أن ألفاظ التوكيد الفرعية قد تستقل بنفسها، فلا تجيء بعد لفظة: "كل": وَدُونَ كُلٍّ قدْ يَجيءُ أَجْمَعُ جَمْعَاءُ، أَجْمَعُونَ، ثمَّ جُمَعُ ثم يذكر –بعد بيت آخر– الحكم بمنع تثنية "أجمع"، وجمعاء، استغناء عن تثنيتهما بكلا وكلتا: وأغْنَ بكِلْتَا فِي مُثَنَّى، وكِلاَ عَنْ وزْن "فَعْلاَءَ" وَوَزنِ "أَفَلا" "اغن بمعنى: استغن". وسيجيء هذا البيت لمناسبة أخرى في ص٥٢٢. ٣ لصحة التوكيد بهذه الألفاظ، وإن لم توجد كلمة: "كل"، طبقًا لما تقدم. ٤ وهذا هو الحكم الغالب –كما سيجيء في باب الممنوع من الصرف ج٤ ص١٩٤ م١٤٧-.
[ ٣ / ٥١٨ ]
الكتيبة كلها جمْعاء، كتْعاء، بضْعاء، بتْعاء، حضر المدعوون كلهم، أجمعون، أكتعون، أبضعون، وحضرت المدعوات كلهن جُمَعُ، كُتَعُ، بُضَعُ، بُتَعُ. ويقاس على هذا غيرها من الصور التي تستعمل في الإفراد والتذكير وفروعهما.
ويجب ملاحظة ما يأتي:
١- أن جميع ألفاظ التوكيد الملحقة بالثلاثة الأصلية لا تضاف مطلقًا "لضمير ولا لغير ضمير١" بخلاف ألفاظ التوكيد المعنوي الأصلية مثل: "كُلّ" وسواها؛ فلا بد من إضافتها لضمير مطابق للمؤكَّد، كما عرفنا.
٢- أنّ جميع ألفاظ التوكيد المعنوي الأصلية والملحقة معارف، فأما الأصلية فإنها معارف بسبب إضافتها إلى الضمير الرابط؛ فهي تكتسب منه التعريف. وأما الملحقة فإنها معارف بالعلمية؛ لأن كل لفظ منها هو "عَلم جنس، يدل على الإحاطة والشمول؛ ولهذا لا يجوز نصبه على الحال –في الرأي الصحيح٢– ويجب منع الصرف في: "أجمع" و"جمعاء" و"جُمع"، وكل ما كان من تلك الملحقات على وزن: فُعَل٣.
٣- أن ألفاظ التوكيد الملحقة إذا اجتمعت وجب ترتيبها على الوجه السابق، وقبلها –في الغالب– لفظة:"كلّ"، ويجب إعراب لفظة: "كلّ" توكيدًا للمؤكد الذي قبلها وكذلك بَقية ما بعدها من الملحقات التي تجيء لتقويتها، وإزالة الاحتمال عن شمولها؛ فتُعرب كل واحدة منها توكيد معنويًّا للمؤكَّد "المتبوع" وليس التالي توكيدًا للتوكيد الذي سبقه –في الرأي الأنسب٤–
_________________
(١) ١ إلا كلمة: "أجمع المسبوقة بالباء الجارة الزائدة لزومًا "في مثل: حضر الضيوف بأجمعهم" كما سيجيء في ص٥٢١. ٢ إلا على رأي يجيز تأويله بالمشتق، وليس بين الأعلام الجنسية ما يصح جمعه جمع مذكر طالما إلا ما كان منها دالًا على الشمول التوكيدي، نحو: "أجمع" وملحقاته، فيقال؛ "أجمعون وأجمعين" لأنه في أصل مشتق "صفة" فهو في أصله أفعل تفضيل أصالة "كما جاء في الصبان، ج١ باب المعرب والمبني عند الكلام على جمع المذكر". ٣ كما سيجيء في باب الممنوع من الصرف ج٤ ص١٩٤ م١٤٧. ٤ راجع الأشموني، وانظر ما يتصل بهذا في "ب" من ص٥١٢. وهناك رأي يجعل لفظ التوكيد بعد كلمة: "كل" تأكيدًا لها، وتقوية لإفادتها الإحاطة والشمول. وقد أشار إليه بعض الباحثين "منهم صاحب مجمع البيان في علوم القرآن ج١ ص٣٩٩" لكن الرأي الأول أحسن وأنسب.
[ ٣ / ٥١٩ ]
ولا يصح عطف هذه الملحقات بعضها على بعض. أو على شيء قبلها ما دامت مستعملة في التوكيد؛ لأن جميع ألفاظ التوكيد المعنوي –الأصيلة والملحقة– لا يَصح أن يسبقها عاطف؛ -كما سلف١-.
وكذلك لا يصح –في الرأي الأصح– الفصل بين كلمة: "كل" وما يليها من هذه الألفاظ الملحقة المستعملة في التوكيد –كما تقدم٢-.
٤- عرفنا٣ أن جميع ألفاظ التوكيد الأصلية والملحقة إذا تعددت كانت توكيدًا للمتبوع وحده ولا يصح أن يكون أحدها توكيدًا للتوكيد.
_________________
(١) ١ في ص٥٠٦. ٢ في هامش ص٤٣٦. ٣ في "ب" من ص٥١٢ وفي رقم ٣ من الصفحة السابقة.
[ ٣ / ٥٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- من الأساليب الصحيحة –كما سبقت الإشارة١– جاء القوم بأجمَعُهم "بفتح الميم، أو ضمها". فكلمة: "أجمع" هذه من الألفاظ التوكيد القليلة، ولا بد أن تضاف إلى ضمير المؤكَّد، وأن تسبقها الباء الزائدة الجارة. وهي زائدة لازمة لا تفارقها. وتعرب كلمة: "أجمع" توكيدًا مجرور اللفظ بالباء الزائدة اللازمة، في محل رفع، أو نصب، أو جر، على حسب حالة المؤكَّد "المتبوع". وهذا الإعراب أوضح وأيْسر من إعرابها بدلًا من المتبوع، مجرورة اللفظ بالباء في محل رفع، أو: نصب، أو: جر؛ لأن صاحب هذا الإعراب لا يجعل "أجمع" هنا من ألفاظ التوكيد، برغم أنها –عنده– تؤدي معناه وتضاف إلى ضمير مطابق للمؤكَّد.
ب- تتلخص أهم الأحكام السابقة الخاصة بألفاظ التوكيد المعنوي فيما يأتي:
١- وجوب تقدم المؤكَّد "المتبوع". ومماثَلة التوكيد له في الضبط.
٢- وجوب إضافة لفظ التوكيد إلى ضمير مطابق للمؤكَّد إذا كان لفظ التوكيد أساسيًا، لا ملحقًا. وهذا الضمير لا يصح خذفه ولا تقديره.
٣- وجوب تطبيق أحكام التابع التي سبق بيانها، "في ص٤٣٥". على ألفاظ التوكيد.
٤- امتناع وجود عاطف يدخل على لفظ التوكيد إذا أريد بقاؤه للتوكيد.
٥- عدم قطعه.
٦- إذا تعددت ألفاظ التوكيد كانت لتوكيد المتبوع وحده وروعي في تقديم بعضها عن بعض ترتيب خاصّ.
٧- جميع ألفاظ التوكيد الأصلية والملحقة معارف.
_________________
(١) ١ في هامش، ص٥٠٧ ورقم ١ من هامش ص٥١٩ وفي الجزء الثاني –باب "حروف الجر" م٩٠ ص٤٥٦-.
[ ٣ / ٥٢١ ]
توكيد النكرة:
ألفاظ التوكيد المعنوي معارف١ بذاتها، أو بإضافتها إلى الضمير المطابق للمؤكَّد. "المتبوع". والنكرة تدل على الإبهام والشيوع؛ فهما متعارضان تعريفًا وتنكيرًا.
لكن يجوز –في الرأي الأصح– توكيد النكرة إذا أفادها التوكيد شيئًا من التحديد والتخصيص؛ يقربها من التعريف نوعًا. وإلا لا يجوز لأنه لا فائدة منه.
وتحقق استفادتها من التوكيد إذا اجتمع فيها أمران:
أولهما: دلالتها على زمن محدود بابتداء وانتهاء معينين معروفين، كيوم وأسبوع، وشهر ،أو على شيء معلوم المقدار؛ كدرهم، ودينار
وثانيهما: أن يكون لفظ التوكيد من ألفاظ الإحاطة والشمول التي عرفناها؛ تقول عملت يومًا كلَّه، وسافرت أسبوعًا جميعَه، وتنقلت شهرًا عامَّتَهُ وتبرعت بدينار كلّه وكقول الشاعر٢:
لكنهُ شاقهُ أنْ قيل ذا رجَبُ يا ليت عِدَّةَ حَوْل كُلِّهِ رجَبُ
وعلى أساس ما تقدم لا يصخ: عملت زمنًا كله، ولا أنتقت مالاّ كله؛ لأن النكرة غير محدودة الوقت، ولا معلومة المقدار. كما لا يصح؛ عملت يومًا نفسِه، أو عينه؛ لأن لفظ التوكيد ليس من ألفاظ الإحاطة والشمول٣..
حذف المؤكَّد "المتبوع" توكيدًا معنويًا:
منعت جمهرة النحاة حذف المؤكَّد "المتبوع" بحجة أن الحذف مناف
_________________
(١) ١ سبق البيان في رقم ٢ من ص٥١٩. ٢ في بعض الروايات. ٣ وفي جواز توكيد النكرة التي يفيدها التوكيد يقول ابن مالك مبينًا أنه جائز إن أفاد، وأن البصريين لا يبيحون مطلقا. وَإِنْ يُفِدْ تَوْكِيدْ مَنْكور قُبِلْ وَعَنْ نُحَاةِ البَصْرَةِ المَنْعُ شَمِلْ ثم سرد بعد هذا بيتًا سبق تسجيله وشرحه في مكانه الأنسب "ص٥١٨" هو: واغْنَ بِكِلْتَا في مُثَنَّى، وكِلا عَنْ وزْنِ: "فَعْلاَءِ" ووَزْنِ: "أَفْعَلاَ"
[ ٣ / ٥٢٢ ]
للغرض من توكيده توكيدًا معنويًا. وأجاز آخرون الحذف، بشرط أن يكون المؤكَّد "المتبوع" ضميرًا رابطًا في جملة الصلة، أو: الصفة، أو: الخبر؛ نحو: جاء الذي أكرمتُ نفسَه، أي: أكرمتُه نفسَه، جاء قوم أكرمتُ كلَّهم، أجمعين، أي: أكرمتهم كلهم أجمعين، الأسْرَةُ أكرمت١ كلَّها أجمعين، أي: أكرمتها كلها أجمعين، وحذفه –عند هؤلاء– في الصلة أكثر من الصفة، وفي الصفة أكثر من الخبر.
والأحسن الاقتصار على الرأي الذي يمنع الحذف جهد الاستطاعة؛ لأن حجتهم أقرب إلى العقل والسّماع، ورأيهم أبعد من اللبس والشك، ولم يستند الموافقون على الحذف إلى الأدلة والأمثلة المأثورة التي تكفي لتأييدهم رأيهم.
توكيد الضمير المرفوع المتصل والمنفصل توكيدًا معنويًا
أ- إذا أريد توكيد الضمير المتصل، المرفوع، "المستتر أو البارز" توكيدًا معنويًا يزيل الاحتمال عن الذات، جيء بلفظ التوكيد الذي يحقق هذا الغرض؛ وهو: "نفس" أو "عين"، بشرط أن يَفْصِل بينه وبين المؤكَّد إما ضمير منفصل مرفوع يُعربُ توكيدًا٢ لفظيًا مناسبًا للضمير السَّالف، "أي: للمؤكَّد"، وإما فاصل آخر ليس ضميرًا، نحو: أسرعْ أنت نفسُك للصارخ. ونحو: رغبتَ أنت نفسُك في الخبر رغبتما أنتما أنفسُكما لي الخير، رغبتم أنتم أنفسُكم في الخير، رغبتن أنتن أنفسُكن في الخير. ويجوز: "رغبتَ، حقًّا، نفُسك في الخبر"، "رغبتَ يوم الجمعة نفسُك أن تسافر"،"رغبتما، حقًا، أنفسكما في الخير" وهكذا. فالفصل واجب، ولكن الفصل بالضمير المنفصل أحسن وأفصح٣
_________________
(١) ١ راجع ما سبق خاصًّا بهذا المثال في رقم ٢ من هامش ص٥١٣ ومن المراجعة يتبين أن هذا الأسلوب صحيح، وجود كلمة "أجمعين" بعده الدالة على الكل "الجميعي" لا المجموعي، وقد أوضحنا نوعي "الكل" في رقم ٦ من هامش ص٥١٢. ٢ انظر إعرابه في ص٥٣٠. ٣ وقد يكون من فائدة الفصل على الوجه السالف منع احتمالات معنوية غير مقصودة في بعض الصور، ففي مثل: خرجت البقرة، عينها، أو نفسها قد يخطر بالبال أن المراد هو خروج عينها التي تبصر بها، وخروج نفسها التي بها حياتها، وهي: الروح، فإذا جاء الفصل منع هذا الاحتمال، أو أضعف شأنه –وهذا صحيح- ويقولون: حملت الصور الأخرى التي لا احتمال فيها على هذه!! والحق أن السبب هو استعمال العرب ليس غير.
[ ٣ / ٥٢٣ ]
وعلى أساس ما سبق لا يصح: "تكلم المحمدون أنفسهم" على اعتبار الضمير: "هم" توكيدًا؛ لأن المؤكَّد "المحمدون" ليس ضميرًا متصلًا مرفوعًا، وإنما هو اسم ظاهر لا يؤكده الضمير توكيدًا معنويًّا١ والاسم الظاهر أقوى في الدلالة من الضمير؛ إذ لا يحتاج إلى مرجع يفسره، بخلاف الضمير.
أما في نحو: "المحمدون أكرمتهم هي أنفسَهم" فالفصل جائز لا واجب؛ لأن المؤكَّد ضمير متصل، ولكنه ليس مرفوعًا؛ فيؤكَّد الضمير بالضمير، ويجوز: المحمدون أكرمتهم أنفسَهم بغير توكيد بالضمير. وأما في نحو: المحمدون قاموا كلَّهم، فالفصل جائز أيضًا لا واجب؛ لأن لفظ التوكيد وهو: "كل" ليس: "النفس" أو "العين"٢
ب- وإذا أريد توكيد الضمير المرفوع المنفصل، أو بالنفس" أو: "بالعّيْن"، فحكمه حكم توكيد الاسم الظاهر بهما؛ كلاهما لا يحتاج إلى
_________________
(١) ١ في ص٥٢٨ صورة تدل على صحة التوكيد اللفظي –لا المعنوي- بالضمير. ٢ فيما سبق يقول ابن مالك. وإِنْ تُؤكِّدِ الضَّمِيرَ المتَّصِلْ بِالنَّفْسِ والعَين فبَعْدَ الممنْفَصِلْ عَنَيْتُ ذا الرَّفْعِ، وَأَكَّدُوا بمَا سِوَاهُمَا، والقَيْدُ لَنْ يُلْتَزَما يقول: إذا أردت أن تؤكد الضمير المتصل بواحد من لفظي التوكيد: "النفس" أو العين" صح التوكيد بأخدهما بعد أن يسبقه التوكيد اللفظي بضمير منفصل يفصل بين التابع والمتبوع. ولما كان البيت السابق لا يبين نوع الضمير المتصل الذي يراد توكيده، أهو مرفوع، أم غير مرفوع تدارك الأمر في البيت الذي يليه فقال: "عنيت ذا الرفع"، أي: قصدت بالضمير المتصل صاحب الرفع، أي الضمير المتصل المرفوع. وأضح بعد ذلك جواز التوكيد المعنوي بلفظ آخر مناسب، غير لفظي "نفس" و"عين"، وبفاصل غير ذلك الضمير المنفصل و أو بلا فاصل، فالتقييد بالنفس والعين لازم عند توكيد الضمير، وكذا التقييد بالفاصل غير لازم ما دام المتبوع ليس ضمير رفع متصل.
[ ٣ / ٥٢٤ ]
فاصل؛ تقول: أنت نفسك سَافرت، أنتما أنفسكما سافرتما، أنتم أنفسكم سافرتم وهكذا
القسم الثاني التوكيد اللفظي١:
هو تكرار اللفظ السابق بنَصّه٢، أو بلفظ آخر مرادف٣ له.
والمؤكَّد "المتبوع"، قد يكون اسمًا، نحو: الشمسُ الشمسُ أُمُّ الأرض. وقد يكون فعلًا؛ نحو: تتحرك تتحرك الأجرام السماوية، وقد يكون حرفًا؛ نحو: نَعَمْ نَعَمْ أيها الداعي إلى الهدى. وقد يكون جملة فعلية، أو: اسمية؛ نحو: "الخير محمودُ المَغَبَّة تواتيك عواقَبه".
"الخير محمو، المَغَبَّة تواتيك عواقبه". وقد يكون اسم فعل؛ نحو:
_________________
(١) ١ تقدم القسم الأول "المعنوي" في ص٥٠١ وفي رقم ٢ من هامش تلك الصفحة بيان المدلول الحقيقي للتوكيد اللفظي. ٢ ولا يضر أن يدخل على نصه بعض تغيير يسير، كقوله تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ . فكلمة: "أمهلْ" توكيد لفظي للفعل السابق. والضمير: "هم" عائد على الكافرين لا محل له من الإعراب "انظر أمن الأحكام التي في ص٥٢٧" ومن هذه الآية يفهم أيضًا أنه يجوز في التوكيد اللفظي الفصل بين المؤكِّد والمؤكَّد. وشيء آخر قاله النحاة في ج٤: "باب تابع المنادى" عند بيت ابن مالك في نحو: سعْدُ سعد الأَوْسِ ينتَصِبْ ثانٍ وضُمَّ وافتح أَوَّلًا تُصبْ إن ضُمّيت. كلمة: "سعد" الأولى كانت الثانية منصوبة، على اعتبارها توكيدًا لفظيًا، أو مفعولًا به لفعل محذوف، أو بلًا، أو عطف بيان، أو منادى ثم قالوا: كيف تعرب توكيدًا لفظيًا مع اتصالها بما بم يتصل به المتبوع "وتقدم مثل هذا الاعتراض في رقم ١ من هامش ص٤٥٦" ومع اختلاف جهتي التعرف بينهما؟ إذ تعريف المتبوع هنا بالعلمية، أو بالنداء –على الخلاف في ذلك– وتعريف التابع بالإضافة، لأنه ايضاف حتى يجرد من العلمية ؟ أأجبوا: قد يكتفي في التوكيد اللفظي بظاهر التعريف، وإن اختلفت جهته، وتباين المعرف، أو اتصل به شيء "راجع حاشية الخضري عند البيت السالف. وستجيء الإشارة لهذا أيضًا في ج٤ رقم ٢ من هامش ص٤٠" والبحث صلة بما سيجيء في القسم الأول من أحكام البدل –ص٦٧٦ وبالقاعدة الهامة التي في ص٦٧٩ وتختص بعدم اتصال البدل بعامله. ٣ المرادف هو: لفظ يؤدي معنى لفظ آخر تمامًا، ويخالفه في حروفه، فمن الأسماء الفضة واللجين –الذهب والتبر- ومن الأفعال قعد وجلس..، ومن الحروف: نعم وجير ، ومن المرادف قولهم: أنت حقيق قَمِنٌ ومعنى كل من الكلمتي: جدير. ومن هذا النوع –عند الفراء- الحرفان: ما، وأنَّ المصدريتان: قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ﴾ .
[ ٣ / ٥٢٥ ]
هي الدتيا تقول بِمْلءْ فيها حَذَارِ حَذارِ منْ بطشي وغَدْري
ومثال التوكد اللفظي بالمرادف: الذهبُ التبرُ مختبئ في صحارينا هذا، وفي جميع صوَر التوكيد اللفظي وحالاته لا يصح تكرار اللفظ السابق "وهو: المؤكَّد"، أكثر من ثلاث مرات؛ كقول الشاعر:
أَلاَ حَبّذّا حَبّذا، حَبّذا صديق تحملْتُ منه الأَذى
وقول الآخر:
أَلا، يا اسْلَمِي، ثُمْ١ ثُمَّتَ١ اسْلَمِي ثلاثَ تَحيَّات، وإِنْ لَمْ تَكَلَّمي٢
الغرض منه:
الغرض من التوكيد اللفظي٣؛ أمور؛ أهمها: تمكين السامع من تدارك لفظ لم يسمعْه، أو سمعه ولكن لم يتنبه. وقد يكون الغرض التهديد؛ كقوله تعالى في خطاب المعاندين بالباطل: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ .
وقد يكون التهويل: كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ ٤ مَا يَوْمُ الدِّينِ ٥؟ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ؟﴾ .
وقد يكون التلذّذ بترديد لفظ مدلولُه محبوب مرغوب فيه، نحو: "الصحة، الصحة!! هي السعادة الحقَّة الحقَّة" الجنة الجنة!! ما أسعدَ من يفوز بها" "الأمّ، الأمّ!! أعذب لفظ ينطق به الفم٦"
_________________
(١) "١، ١" إذا كان التوكيد اللفظي جملة مكررة جاز أن تكون مسبوقة بحرف العطف "ثم" أو "الفاء" وعندئذ لا يكونان حرفي عطف، وإنما يخضعان للحكم الخاص بهذه الصورة، وهو مدون في "هـ" من ص٥٣٦ وبهامشها هذا البيت لمناسبة هناك. ٢ أي: وإن لم تتكلمي. ٣ الفرق بينه وبين النعت موضح في الملاحظة الهامة "رقم ٢ من هامش ص٤٣٨". ٤ ما أعلمك؟ وما أخبرك؟ أدري: فعل ماض، في هذا البيت وهي في الآيتين بعد توكيد لفظي لبعض الحروف والأسماء والأفعال والجمل، فراجع الحكم في ص٥٢٧ وص٥٣٧ وما بعدهما. ٥ يوم الجزاء والحساب، وهو يوم القيامة. ٦ وقد اقتصر ابن مالك فيما سبق على تعريف التوكيد بقوله: ومَا مِنَ التَّوكِيدِ لَفْظِيّ يَجِي مُكَرَّرًا: كَقَوْلِكَ: أدْرُجِي ادْرُجِي أي: والذي هو لفظي من التوكيد يجيء مكررًا فالتوكيد اللفظي عنده هو ما يجيء مكررًا سواء أكان تكراره باللفظ والمعنى معًا أم بالمعنى مع اختلاف اللفظ.
[ ٣ / ٥٢٦ ]
هذا، والأغراض السالفة هي أهم ما يميز التوكيد اللفظي بالمرادف من عطف البيان كما سيجيء في بابه١
أحكامه:
للتوكيد اللفظي أحكام تختلف باختلاف نوع الموكَّد "المتبوع" من ناحية أنه اسم، أو فعل، أو حرف، أو جملة، أو اسم فعل، وتتلخص هذه الأحكام فيما يأتي، "والأول منها عام ينطبق على جميع أنواع التوكيد اللفظي، ولا تختلف فيه نوع عن نوع".
أ- اللفظ الذي يقع توكيدًا لفظيًا، ممنوع من التأثر والتأثير، "أي: لا تؤثر فيه العوامل؛ فلا يكون مبتدأ، ولا خبرًا، ولا فاعلًا، ولا مفعولًا به، ولا غيره ؛ فليس له موضع، ولا محل من الإعراب، مطلقًا وكذلك ليس له تأثير في غيره مطلقًا؛ فلا يحتاج لفاعل، أو مفعول، أو مجرور، أو غيره٢ " وإنما يقال في إعرابه: "إنه توكيد لفظي لكذا"؛ فهو تابع له في ضبطه الإعرابيّ، من غير أن يكون كالمتبوع فاعلًا، أو مفعولًا، أو مبتدأ، أو غير ذلك ومن غير أن يكون له محلّ من الإعراب، أو معمول ولا فرق في هذا الحكم بين أن يكون لفظ التوكيد اسمًا، أو فعلًا، أو حرفًا، أو جملة، أو اسم فعل؛ ففي مثل: إن الشمس إن الشمس قاتلة للجراثيم، تُعرب: "إنّ" الثانية "توكيدًا لفظيًا"، وليس لها عمل ولا محلّ. كما تعرب "الشمس" الثانية "توكيدًا لفظيًا" وليس لها عمل ولا محلّ، وليست معمولة. و"قاتلة" خبر "إن" الأولى، التي لها العمل وحدها، وهي التي تحتاج إلى الاسم والخبر، دون الثانية.
_________________
(١) ١ إيضاح الفرق بينهما في ص٥٤٢. وسيجيء في رقم ١ و٢ من هامش ص٦٦٧ ما يفيد التشابه الظاهري –أحيانًا– بين ألفاظ بدل الكل، وعطف البيان، والتوكيد اللفظي، وطريقة التفريق بين كل منهما. ٢ سبق هذا الحكم لمناسبة أخرى في باب: "التنازع" "ج٢ ص١٧٩ "د" م٧٣" ويعارضه رأي آخر مدون هناك، ثم بيان الفيصل في الأمر –وله إشارة أيضًا في ج٢ م٦٦ ص٧٠-.
[ ٣ / ٥٢٧ ]
ويصح أن يقال –كما سيجيء١: إن الشمس إنها قاتلة للجراثيم. فكلمة "إن" الثانية توكيد لفظي لا عمل لها، ولا محلّ، و"ها" ضمير عائد على الشمس، مبني على السّكون، لا محل له من الإعراب؛ فليس اسمًا ل "إنّ"، ولا غيرعا، ولا عاملًا، ولا معمولًا لشيء مطلقًا؛ وإنما هو مجرد رمز يحاكى٢ اسم "إنّ" الأولى، ويعرب توكيدًا لفظيًا له٣ وهكذا كل رمز آخر يشبهه. ومن الواجب مراعاة ما سبقت٤ الإشارة إليه، وهو: أن المؤكَّد "المتبوع" لا يصح تكراره أكثر من ثلاث مرات.
١- فإن كان اسمًا ظاهرًا "ومثله: اسم الفعل". فتوكيده اللفظيّ يكون بمجرد التكرار، نحو: النجومُ النجومُ معلقة في الفضاء، والشمسُ واحدة منها، والأرض الأرضُ كالحصاة الصغيرة بين آلاف من الكواكب الأخرى. فكلمة: "النجوم" الثانية، وكذلك كلمة: "الأرض" الثانية توكيد لفظيّ، وكلتاهما تضبط كالأولى؛ لأنها تابعة لها في الضبط فقط، من غير أن يقال عن الثانية إنها مبتدأ، أو خبر؛ أو فاعل، أو غيره مما له موقع إعرابي
ويستثنى من هذا الحكم الأسماء الموصولة، فإنها لا تؤكَّد توكيدًا لفظيًا إلا بإعادة لفظها وصلته معه، فلا يجوز تكرار الاسم الموصول وحده دون تكرار صلته. نحو: الذي سمَك السماء، الذي سمك السماء قادر على دَكّ عروش الظالمين
هذا، والأغلب أن الاسم الظاهر لا يكون توكيده اللفظي ضميرًا –لما سبق بيانه٥-.
_________________
(١) ١ في رقم ٣ من ص٥٣٢. ٢ يقولون في إعراب هذا إنه جاء بقصد محاكاة الاسم السابق، فما المراد بالمحاكاة من الناحية الإعرابية؟ أهي الباب –وغيره– ص٥٢٤" من أن الضمير لا يؤكد الاسم الظاهر، إذ الاسم الظاهر أوضح منه، لعدم حاجته إلى مرجع يفسره؟ أهذه الحالة مستثناة، والقاعدة السالفة اغلبية؟ نعم هذا الذي يفهم من كلام في حاشية ياسين على شرح التصريح في أول بحث: "التوكيد اللفظي". ٣ ومثله الضمير: "هم" في قوله تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ انظر رقم ٢ من هامش ص٥٢٥. ٤ في ص٥٢٦. ٥ في ص٥٢٤ وانظر رقم ٢ من هذا الهامش.
[ ٣ / ٥٢٨ ]
٢- وإن كان المؤكَّد "وهو المتبوع" ضميرًا متصلًا -مرفوعًا، أو غير مرفوع– فمن الممكن توكيده توكيدًا لفظيًّا بضمير يماثله في معناه لا في لفظه؛ فيكون توكيده بالضمير المنفصل المرفوع المناسب له في الإفراد والتذكير وفروعهما؛ نحو: أرأيت أنت١ الخير وافى خاملًا –يُفْرِحك أنت وصول الحق إلى صاحبه، هل أنت في عمل الخير فتؤجرَ؟. ونحو: أرأيتما أنتما أرأيتم أنتم أرأيتن أنتن..٢ ففي الأمثلة السالفة وقع الضمير المنفصل المرفوع "أنت وفروعه"، توكيدًا لفظيًّا لضمير قبله متصل، مرفوع، أو: منصوب، أو مجرور؛ وفي كل من الثلاث يعرب الضمير "أنت" وفروعه توكيدًا لفظيًا مبنيًا على الفتح أو غيره، ولا يقال فيه أنه مبني في محلّ رفع، أو: نصب، أو: جر، إذ ليس للتوكيد اللفظيّ محل إعرابيّ؛ لأن المحل الإعرابي لا يكون إلا للمبتدأ، أو الخبر، أو الفاعل، أو غيرها مما له موضع إعرابي لا يقوم على التوكيد اللفظيّ.
ومن الضمير المرفوع المتصل ما هو بارز كالأمثلة السابقة، وما هو مستتر كالفاعل لك من الأفعال الآتية في قوله ﵇: "كُلْ واشربْ، والْبَسْ في غير مَخِيلة٣ ولا كِبْر" فكل فعل من هذه الأفعال له فاعل ضمير مستتر مرفوع، تقديره: أنت. فإذا أريد توكيد هذا الفاعل المستتر توكيدًا لفظيًّا فتوكيده بالضمير المرفوع البارز "أنت"، وهو غير الفاعل المستتر. فنقول: كُلْ أنت، واشربْ أنت والبسْ أنت، "فأنت" الضمير الظاهر هو توكيد لفظي للمستتر، ومثله قول الشاعر:
إذا ما بدتْ من صاحب لك زَلَّهٌ فكنْ أَنتَ محتالًا لزَلَّته عُذْرًا
فالضمير: "أنت" البارز توكيد لاسم: "كان" المستتر، وتقديره: أنت، أيضًا، والضمير: "أنت" المؤكَّد، هو في أصلة أحد ضمائر الرفع البارزة فحقه أن يؤكَّد الضمير المرفوع فقط، لكنه –على الرغم من هذا– يكون أحيانًا
_________________
(١) ١ وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ حيث وقع الضمير المنفصل المرفوع: "هو" توكيدًا لفظيًا للضمير المتصل المنصوب، وهو الهاء في آخر الفعل "تجدوه". ٢ ومثل "هم" المؤكدة لواو الجماعة في قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ . ٣ اختيال، كبر.
[ ٣ / ٥٢٩ ]
كثيرة توكيدًا لفظيًا لضمير غير مرفوع كما علمنا، فيخالف بهذا ما يناسب أصله الأول، ولكن هذه المخالفة مقبولة، وقياسية قوية.
٣- وإن كان المؤكد "وهو: المتبوع" ضميرًا متَّصلًا مرفوعًا، أو غير مرفوع وأريد توكيده بضمير يماثله في اللفظ والمعنى معًا، وفي الاتصال، وفي النوع الإعرابيّ١ فلا بد أن يعاد مع التوكيد اللفظُ الذي يتصل –مباشرة– بالمؤكَّد "المتبوع"، أي: أنه لا بد من تماثل الضميرين "التابع والمتبوع" في اللفظ، وفي المعنى، وفي الاتصال، وفي أن يسبق كل ضمير منهما –مباشرة– لفظ يماثل الذي يسبق الآخر في نصَه ومعناه، ونحو: "انساب حولي صوت غنائي ساحر؛ فجعلت أسمعه أسمعه، وأصغي إليه إليه؛ فامتلأت النفس سرورًا". ولا يصح إعادة المؤكَّد "المتبوع" وحده لأن هذا يخرجه عن الاتصال.
ففي الأمثلة المذكورة أريد توكيد الضمير المتصل المرفوع، وهو: "التاء" التي في آخر الفعل الأول: "جَعَلْ" فأكدنا هذا الضمير بمثله في كل ما أوضحناه، وهو "التاء" الثانية التي هي كالأولى في لفظها، وفي أنها ضمير، متصل، للرفع، مسبوق بفعل كالفعل الذي سبق المؤكَّد "المتبوع". وكذلك أريد توكيد الضمير المتصل المنصوب؛ وهو: "الهاء" في آخر الفعل الأول: "أسمع" فأكدناه "بالهاء" الثانية التي تماثله في لفظه، ومعناه، واتصاله، ووقوعه بعد فعل كالفعل الذي سبق المؤكَّد "المتبوع". وكذلك أريدَ توكيد الضمير المجرور، وهو: "الهاء" التي بعد "إلى" الأولى، فأكّدناه بالهاء الثانية التي تماثله في لفظه ومعناه، واتصاله، ووقوعه بعد حرف جو يماثل الحرف كالذي قبلي المؤكَّد "المتبوع" تمام المماثلة "هذا، وكل لفظ تكرر –بعد الأول– لا يكون له محل إعرابي كما سبق"٢
_________________
(١) ١ المراد: أن يكونا معًا من نوع واحد، كأن يكون من ضمائر الرفع التي للمتكلم، أو التي للمخاطب، أو الغائب، مع ملاحظة أن الضمير الذي للتوكيد اللفظي لا يعرب شيئًا، ولا محل له، -كما شرحناه-. ٢ في "أ" ص٥٢٧ وما بعدها، وفي توكيد الضمير المتصل توكيدًا لفظيًا. ووجوب أن يعاد معه عند توكيده الاسم الظاهر المتصل به يقول ابن مالك: ولاَ تُعِدْ لَفْظَ ضَمِيرٍ مُتَّصِلْ إِلاَّ مَعَ اللَّفْظِ الَّذِي بهِ وُصِلْ ثم يقول في آخر الباب: وَمُضْمَرُ الرَّفْعِ الَّذِي قَدِ انْفَصَلْ أَكِّدْ بِهِ كُلَّ ضَمِير اتَّصَلْ ولم يذكر ابن مالك بقية التفاصيل:
[ ٣ / ٥٣٠ ]
٤- وإن كان المؤكَّد "المتبوع" ضميرًا منفصلًا مرفوعًا أو منصوبًا١ فتوكيده اللفظي يكون بتكرار بغير مشروط. "أي: أن توكيده بضمير يماثله لفظًا ومعنى" فمثال المرفوع: أنت أنت مفطور على حب الخير. ومثال المنصوب قول الشاعر:
وإِيَّاكَ إِيَّاكَ المِرَاءَ٢، فإِنه إِلى الشَّر دعَّاء، وللشَّرِّ جالبُ
ويتضح من هذا أن المنفصل المنصوب لا يصح توكيده بالمنفصل المرفوع، فلا يقال إياك أنت أكرمت، ولا ما أكرمت إلا إياك أنت، على اعتبار كلمة: "أنت" للتوكيد في الصورتين.
ج- إن كان المؤكد فعلًا -ماضيًا أو مضارعًا٣- فإن توكيده اللفظي يكون بتكراره وحده دون تكرار فاعله٤ ولا يكون للفاعل المؤكِّد "التابع" فاعل؛ إنما الفاعل للأول "المتبوع" كقول أعرابي، وقد سئل: أتقول الحق؟ فأجاب: "وهل يقول غيري الحق؟ وأنا من معشر وُلد وُلد الحق معهم، ولم يفارقهم". فلفظة "يقول" الثانية، ومثلها: "وُلد" الثانية لا محل لها من الإعراب.
د- وإن كان المؤكد حرفًا:
١- فإن كان حرف جواب٥ يفيد الإثبات أو النفي فتوكيده اللفظي يكون بتكراره فقط؛ كقول أعرابي لأخيه الحزين: "فيم الأسف ما فات
_________________
(١) ١ ولا وجود لضمير منفصل مختص بالجر. ٢ المجادلة الباطلة. ٣ أما فعل الأمر فلا يمكن توكيده وحده بغير فاعله –في الأصلح- ٤ إذ لو تكرر الفاعل مع فعله لخرج الأمر من توكيد الفعل وحده توكيدًا لفظيًا إلى توكيده مع فاعله، فتدخل المسألة في توكيد الجملة الفعلية كلها بجملة فعلية كاملة. ومن آثار هذا الفرق أن المضارع المنصوب أو المجزوم إذا أريد توكيدًا لفظيًا وجب أن يكون المضارع الذي يؤكده منصوبًا أو مجزومًا مثله، ففي مثل: لم يتهاون الحازم، ولن يهملَ نقول: لم يتهاون يتهاون الحازم، ولن يهمل يهمل، بجزم المضارع: "يتهاون" الثاني، تبعًا للأول، وينصب المضارع الثاني: "يهمل" تبعًا للأول أيضًا. أما عند اعتبار الثاني مع فاعله هما جملة مؤكَّدة فلا يصح متابعته للأول في الجزم والنصب، ومما يوضح هذا ما سيجيء "في ص٦٤٥" من بيان الفرق بين عطف الفعل على الفعل وعطف الجملة الفعلية على الفعلية. ٥ سيجيء في الزيادة والتفصيل "ص٥٣٥" بيان يفيد أن هذا الحكم ليس مقصورًا على حروف الجواب وحدها، وإنما يشمل بعض حروف أخرى. وحروف الجواب نوعان: ما يجاب به للموافقة على الشيء المسؤول عنه وأنه ثابت واقع ومحقق، مثل نعم، أجل، جَيْرِ، إي ، وما يجاب به لبيان عدم الموافقة عليه، وأنه غير واقع، مثل: لا، بلى.
[ ٣ / ٥٣١ ]
وليس على الأرض باق؟ نَعَم نعم. ليس في طول الحزن إلا إطالة الشقاء، واستدامة العذاب" وقول الآخر، وقد سئل: لِمَ تُحاذر فلانًا وهو يصادقك؟ فأجاب: "لا. لا؛ فليس المنافق بالصديق. ورب صداقة ظاهرة، باطنُها عداوة كامنة، وهي أشد ضررًا، وأعمق خطرًا من العداوة السافرة".
٢- وإن كان المؤكَّد حرفًا غير جوابيّ وقد اتصل به ضمير فتوكيد هذا الحرف لا يكون بتكراره وحده، وإنما يكون بتكراره ومعه الضمير المتصل به. ويجب الفصل بين المؤكد بفاصل نماَّ؛ لك١ لك منزلة الشقيق البارّ؛ وبك بعْد الله أستعين وكقول الشاعر:
أَيَا مَنْ لَسْتُ أَقْلاهُ٢ ولا في البُعْد أنساهُ
لك اللَّهُ عَلَى ذاكا لك اللَّهُ لكَ اللَّهُ
٣- وإن كان المؤكَّد حرفًا غير جوابيّ –أيضًا– وقد اتصل باسم ظاهر فتوكيده اللفظي يكون بتكراره ومعه الاسم الظاهر، أو ضمير هذا الاسم الظاهر، -وإعادة الضمير أفصح، وفي الحالتين يجب الفصل بين الحرفين؛ المؤكَّد والمؤكِّد. ويصح في الفصل الاكتفاء بذلك الاسم الظاهر، نحو: "إن العاقل الكريم، إن العاقل الكريم، أحرص على إماتة الحقد من تنمية أسبابه" أو: "إن العاقل، إن العاقل أحرى على إماته الحقد "، أو: "إن العاقل إنه أحرص على إماته الحقد " ومثل: "آفة النصح أن يكون جهارًا، فليت الناصح الحكيم ليت الناصح الحكيم لا يعلنه"، أو: "ليت الناصح لا يعلنه"، أو: "ليت الناصح ليته لا يعلنه" ومن أمثلة الفصل بالاسم الظاهر وحده قول الشاعر:
فتلك ولاةُ السوءِ قَدْ طالَ ملكُهُم فحتَّام٣ حتام العناء المطول الْمُطَولَّ؟
_________________
(١) ١ قد فصلت الكاف الأولى بين اللامين. والأحسن أن يكون الفاصل لفاظًا غير داخل فيما تكرر. ٢ أكرهه وأبغضه "قَلَى، يَقلي كرمى يرمي وقَلِي يَقْلَى كتَعِبَ يَتعَبُ، لغة، بمعنى: كره يكره". ٣ أي: إلى متى ؟ والفاصل هو: "ما" الاستفهامية المجرورة، التي حذفت "ألفها" وصلًا.
[ ٣ / ٥٣٢ ]
ولو كان الحرف المؤكَّد داخلًا على مضاف فالحكم السابق أيضًا فيتكرر المؤكَّد "المتبوع" ومعه الاسم المضاف والمضاف إليه أو ضمير المضاف إليه: والأحسن إعادة الضمير مع الفصل بينهما في الحالتين. نحو: الكريم يود الكريم، واللئيم يودّ الناس على رجاء الفائدة. على رجاء الفائدة، أو: على رجاء الفائدة على رجائها١.
٤- وإن كان المؤكَّد حرفًا غير جوابي –أيضًا– وقد دخل على حرف آخر فالتوكيد اللفظي يكون بتكرار الأول مع ما دخل٢ عليه. ومن أمثلة هذا دخول "يا" على "ليت" وفي قول الشاعر٣:
ويا ليتني ثم٤ يا ليتني شهدتُّ وإن كنت لم أَشهدِ
هذا، وتوكيد الحروف توكيدًا لفظيًا على غير الوجه السالف ضعيف، بل شاذ، لا يصح القياس عليه، كقول القائل
إنّ إنّ الكريم يحلُمُ ما لم يَريَنْ من أَجَاره قَد أُضيمَا
فقد تكرر الحرف: "إنّ" بغير فصل ولا إعادة شيء. ومثل قول الآخر:
حتى تراها٥ وكأَنَّ وكأَنْ٦ أَعناقَها مشدداتٌ بقَرنْ٧
_________________
(١) ١ في توكيد الحروف يقول ابن مالك: كَذَا الحُرُوفُ غيْرَ ما تَحَصَّلا بِهِ جَوَابٌ، كَنَعَمْ، وَكَبَلى يشير بقوله: "كذا" إلى ما سبق في بيت قبل هذا من أن توكيد الضمير المتصل لا يكون إلا بإعادته وإعادة الاسم الذي اتصل به. وكذا الحروف لا يعاد لفظها –إن كانت لغير الجواب– إلا بإعادة الاسم الظاهر المتصل ما بها –أو الضمير-، أما حروف الجواب فتعاد وحدها. ثم ختم الباب ببيت سبق تسجيله وشرحه في مكانه الأنسب "ص٥٣٠" وهو قوله: ومُضْمَرُ الرَّفْعِ الَّذِي قَدِ انْفَصَلْ أَكَّدْ بهِ كُلَّ ضَمِيرٍ اتَصَلْ ٢ إلا في مسألة يجيء بيانها في باب "البدل" –ص٦٧٩ –حيث يصح إعادة حرف الجر، وعدم إعادته؛ طبقًا للتفصيل المدون هنا. ٣ هو مالك بن أعين الحجازي، المتوفى سنة ٢٤٨هـ -كما في معجم الشعراء للمرزباني حرف العين، ص٢٦٨ -. ٤ انظر ما يختص بالعطف في "هـ" ص٥٣٦. ٥ الضمير: المطايا. ٦ أصلها: "أن" المشددة النون، ثم خففت نونها. ٧ بحبل.
[ ٣ / ٥٣٣ ]
فقد تكرر الحرف "كأَنَّ" من غير إعادة شيء معه، ولكن وجد فاصل بين الحرفين. وهو: "واو" العطف، فكان الضعف هنا أخف منه في البيت السابق١. ومثل قول الآخر يشكو حاله وحال أتباعه:
فلا واللهِ لا يُلْفَى٢ لما بي ولا لِلِما بهم أبدًا دواءُ
فقد تكرر الحرف اللام "لِلِمَا" بغير فصل ولا إعادة شيء. والتوكيد هنا واضح الثقل؛ لأن الحرف فَرْدِيّ؛ فتكراره مباشرة يزيد ثقله ويوضحه٣.
وأخف منه في الثقل لاختلاف الحرفين مع منعهم إياه إلا في المسموع، قول الشاعر:
فأَصبحْنَ لا يسأَلْنَهُ عن بِمَا بِهِ أصَعَّدَ في عُلْو الهوى أم تَصَوَّبا
فقد أتى "بالباء" بعد، "عَن" وهما يستعملان في معنى واحد، إذ يقال سألت به، وسألت عنه٤.
والحق أن الأمثلة ثقيلة، فوق أن الدافع إلى أكثرها قد يكون الضرورة الشعرية. فاستبعادها أفضل.
_________________
(١) ١ سيجيء في الزيادة –ص٥٣٥– أن حرف العطف يعتبر من الفواصل المبيحة للتكرار مباشرة. لكن حرف العطف الفردي –كالواو والفاء– يعتبر مسوغًا مشوبًا بالضعف. وإذا وقع حرف العطف فاصلًا في التوكيد صار مهملًا لا يعطف، ولا أثر لوجوده غير الفصل –طبقًا للبيان الآتي في "هـ" من ص٥٣٦. ٢ لا يلقَى: لا يوجَد. ٣ وفي كتاب معاني القرآن للفراء أمثلة متعددة لتكرار الحرف الفردي وغير الفردي ج١ ص٦٧. ٤ ومن المسموع اجتماع: "كي" و"أنْ" المصدرية وقبلهما "اللام" في مثل: عاونت الضعيف لكي أن تشيع المودة بين الناس، فقد أجازوا أن تكون اللام جارة و"كي" جارة، توكيدًا لها. كما أجازوا أن تكون "كي" مصدرية، و"أن" مصدرية توكيدًا لها. وما سبق بالرغم من إباحته غير مستحسن. وسيجيء التفصيل في ج٤ باب إعراب الفعل.
[ ٣ / ٥٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
عرفنا أن توكيد الحروف الجوابية توكيدًا لفظيًا لا يتطلب أكثر من تكرار الحرف، وأشرنا١ إلى أن الحكم ينطبق على بعض حروف أخرى؛ فقد قالوا٢: لا يشترط شيء عند توكيد الحرف توكيدًا لفظيًا إن كان الحرف للجواب كقول الشاعر:
لا –لا –أبوحُ بحُبّ بَثْنَةَ إنها أّخذت عليَّ مواثقًا وعهودًا
وكذلك إنْ كان مفصولًا من المؤكَّد بسكته٣؛ كقول الشاعر:
لاَ يُنْسِكَ الأسى تأَسِّيًا؛ فَمَا ما مِنْ حِمَامٍ أَحدٌ مُعْتَصِما٤
أو: كان مفصولًا بجملة اعتراضية؛ نحو: إنّ –وأنت تعرف ما أقول– إن شر الإخوان من يحذف أخاه عند الشدائد. أو: كان مفصولًا بعاطف٥ كقول الشاعر:
ليتّ شعري!!! هل، ثُم هَلْ آتِيَنْهُمْ أَم يَحولَنَّ دُون ذَاكَ حِمَامُ؟
_________________
(١) ١ في رقم ٥ من هامش ص٥٣١. ٢ راجع حاشية ياسين على شرح التصريح في هذا الموضع. ٣ ترك الكلام. ٤ تحققت السكتة في هذا البيت بالسكوت المؤقت الذي حصل بعد قراءة الشطر الأول، وقبل البدء في قراءة الشطر الثاني. ٥ انظر رقم ١ من هامش ص٥٣٤.
[ ٣ / ٥٣٥ ]
هـ- وإن كان المؤكَّدُ جملة اسمية أو فعلية جاز تكرارها بعطف صُورِيّ أو بغير عطف. والأكثر أن يكون بالعطف الصَّورِيّ، وأن يكون العاطف المهمل هو الحرف "ثمَّ"١ –غالبًا- ومن الأمثلة قوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ ٢ وقولهم للتَّقيّ: "الثواب عظيم، الثواب عظيم". وللشقيّ: "الحساب عسير، الحساب عسير".
ومما تجب ملاحظته أن العاطف هنا مهم لا يعطف مطلقًا، فهو صوريّ، أيْ: في صورة العاطف وشكله الظاهر، دون حقيقته٣
ويجب ترك العطف بين الجملتين إذا أوقع في لبس، نحو: عاقب الحاكم اللصوص، عاقب الحاكم اللصوص، فلو قلنا؛ عاقب الحاكم اللصوص ثم عاقب الحاكمُ اللصوص لوقع في الوهم أن العقاب تكرر، وأنه مرتان؛ إحداهما بعد الأخرى. مع أن المراد: مرة واحدة.
ونعيد هنا ما قلناه في مناسبة سابقة٤، وهو أن توكيد المصدر لعامله نوع من التوكيد اللفظيّ، فيؤكد نفس عامله إن كان مصدرًا مثله، ويؤكد مصدر عامله الذي ليس بمصدر، ليتحد المؤكَّد والمؤكِّد معًا في نوع الصيغة؛ تطبيقًا لشرط التوكيد اللفظي –ومنه التوكيد بالمصدر الذي نحن فيه– فمعنى
_________________
(١) ١ الأكثر أن العاطف هو "ثم" وليس بالواجب المتعين في رأي "الرضي" الذي يبيح مجيء "الفاء" مكان "ثم"؛ مستدلًا بقوله تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ﴾ إذ التقدير عنده: "أولى لك فأولى لك"؛ فكلمة: "أولى" الثانية مبتدأ حذف خبره، والجملة الاسمية من هذا المبتدأ وخبره المحذوف توكيد لفظي للجملة الاسمية التي قبل الفاء المهملة. أما غير الرضي فيوجب الاقتصار على الحرف: "ثم" ويقول في إن الآية السابقة كاملة هي: "أوْلَى لك فأولىَ، ثم أولى لك فأولى" ما بعد الفاء جملة اسمية معطوفة عطفًا حقيقيًا على الجملة الاسمية قبلها، والجملة بعد الحرف "ثم" المهمل توكيد لفظي للجملة قبلها. رأى الرضي أحسن. ٢ ومثل قول الشاعر –وقد سبق في ص٥٢٦-. ألا يا أسلمي، ثم أسلمي، ثمت أسلمي ٣ كما سيجيء في بابه، عند الكلام على: "الفاء"، وكذا في ص٥٧٨ و عند الكلام على: "ثم". ٤ في باب "المفعول المطلق ج٢ ص١٦٩ م٧٤" عند الكلام على تقسيم المصدر بسحب فائدته المعنوية.
[ ٣ / ٥٣٦ ]
قولك: عبرت النهر عبرا هو: عبرت النهر، أوجدت عبرا عبرا. وهذا رأي كثرة النحاة١.
حذف المؤكد "المتبوع" في التوكيد اللفظي٣.
لا يكاد يوجد خلاف في منع حذف المؤكَّد توكيدًا لفظيًّا؛ لأن حذفه منافٍ –حقًا- لتكراره.
_________________
(١) ١ لكن سيترتب على الأخذ بقولهم هذا صحة حذف المؤكَّد في التوكيد اللفظي، وهذا الحذف ينافي الغرض من التوكيد اللفظي. وفوق هذا فعامله محذوف أيضًا؛ ففي الكلام حذف كثير. فهل يجاب بأنه مع حذفه ملاحظ يدل عليه العامل المذكور الذي يشاركه في الاشتقاق، وهو: "عبرت" فهو محذوف كالمذكور –كما قالوا-؟ ٢ هناك مسائل يحذف فيها عامل المصدر الذي يجيء المصدر لتوكيده. وقد انعقد للحذف مستفيض، عنوانه: حذف عامل المصدر في المكان المناسب له، وهو باب: "المفعول المطلق" ج٢ ص١٧٨ م١٧٦.
[ ٣ / ٥٣٧ ]
المسألة ١١٧:
ج- العطف بنوعيه
العطف نوعان: عطف بيان، وعطف نسق١، وفيما يلي بيانهما:
١- عطف البيان:
نسوق بعض الأمثلة لإيضاح هـ:
١- قال أحد المؤرخين "طَرَقَ الحسينُ بنُ عليّ –﵄– باب سيد كريم في قومه؛ هو: "امرؤ القيس الكلبيّ" وخطب بنته: "الرَّبَاب" فرحب به أبوها، وملأت الفرحة جوانب نقسه؛ لعلمه أن هذه المصاهرة ستربطه ببيت الرسول: "محمد" ﵇، وتسجل له شرفًا خالدًا على الأيام.. وتمَّ الزواج، وأنجبت الرَّبَاب فكان من ذريتها: الأديبةُ المتفقهة "سُكَينةُ" إحدى شهيرات النساء في الصدر الأول والتي قيل فيها٢:
كانت "سكَيْنةُ" تملأُ الدُّنيا وتهزأ بالرواةِ
رَوَتِ الحديث وفسّرتْ آيَ الكتابِ البينات "
فلو أن المؤرخ قال: طرق "الحسين" باب سيد كريم لتَساءلنا: من هو "الحسين"؟ ولشعرنا أن هنا الاسم –برغم أنه معرفة بالعَلِمية– يحتاج إلى مزيد من الإيضاح والتبيين يزيل عن حقيقة صاحبه، وعن ذاته٣ شائبة الإبهام،
_________________
(١) ١ سيجيء في ص٥٥٥. ٢ القائل هو الشاعر: أحمد شوقي. ٣ المقصود بصاحبه، أو بذاته المستقلة، أو بحقيقته، شيء واحد؛ هو: ذاته الأصلية بكيانها الحسي، أو المعنوي، لا الأوصاف العارضة التي تطرأ على تلك الذات، ولا يمكن أن تعقل بنفسها منفصلة عن تلك الذات. "راجع إيضاح هذا في ص٥٤٢ و٥٤٣ وهامشهما، وكذلك رقم ٢ من هامش ص٤٣٨".
[ ٣ / ٥٣٨ ]
إذ لا ندري أهو الحسين بن علي، أم غيره؛ لاشتراك هذا الاسم بين أفراد متعددة، كل منها يسمىك "الحسين". لكن حين قيل: "الحسين بن عليّ" زالت تلك الشائبة بسبب كلمة: "ابن" الجامدة١ التي وضحت المقصود، وعينت المراد، والتي معناها هنا معنى: "الحسين" لأن "الحسين" المقصود هو "ابن علي"، و"أين عليّ" المقصود هو: "الحسين" فالمراد من الكلمتين ذات واحدة، ولكن الثانية أوضحت الأولى –كما قلنا– مع أنها تخالفها لفظًا، لا معنى وذاتًا.
وكذلك خطب: "بنته" فإن كلمة: "بنت" هنا معرفة؛ بإضافتها إلى الضمير، لكنها –بالرغم من تعريفها– مُغَشَّاة بشيء من الشيوع والإبهام يجعلنا لا ندري حين نسمعها: أيُّ بنات الرجل هي؟ أتكون ذات "الرَّبَاب" أم ذات غيرها؟ فلما قال: "الرباب" تحدد الغرض، وتعينت ذات واحدة دون غيرها؛ بسبب كلمة: "الرباب" الجامدة التي أزالت الابهام، وأوضحت المراد، وبين معناها الذي هو معنى: "البنت" لأن حقيقة البنت المقصودة هنا في الكلام هي حقيقة "الرباب" وذات "الرباب" المقصودة هي ذات البنت التي يدور بشأنها الكلام. فهما مختلفتان لفظًا، مع اتفاقهما معنّى وذاتًا.
ومثل هذا يقال في كلمة "الرسول" السالفة. فما حقيقة الرسول المراد؟ وما ذاته؟ إنّ كلمة: "الرسول" برغم تعريفها هنا "بأَلْ" تحتاج إلى تعيين أكمل وإيضاح وأشمل؛ لانطباقها على عدد من الأفراد. فلما جاء اسم: "محمد"٢ تم به التعيين الذاتي، وزال ما قد يحوم حول مدلول "الرسول" من شيوع وإبهام؛ بفضل كلمة: "محمد" التي عينت ذاته؛ لأنها بمعناها تمامًا، والمراد منها ذات واحدة.
ومثل هذا كلمة: "الأديبة". فهذه الكلمة –برغم تعريفها هنا "بأل"– لا تدل دلالة دقيقة على ذات واحدة معيَّنة دون غيرها، وإنما تصدق على أدبيات متعددات، فلما جاء بعدها كلمة بمعناها، هي: "سُكَيْنة" الجامدة تركز المراد: في ذات أديبة واحدة معينة، لا ينصرف الذهن إلى سواها، وهي الذات
_________________
(١) ١ غير المشتقة. ٢ رددنا في مناسبات مختلفة أن المشتق إذا صار علمًا دخل في عداد الأسماء الجامدة، وخضع لأحكامها وحدها.
[ ٣ / ٥٣٩ ]
المقصودة التي تدل عليها كل واحدة من الكلمتين.
فنلحظ مما سبق أن كل كلمة من الكلمات التي عرضناها "وهي: "ابن"، الرباب، محمد، سُكَيْنة.." جامدة، قد أزالت عن المعرفة التي قبلها ما يشوبها من غموض، وشيوع، وأوْضحت المقصود منها إيضاحًا لا يكاد يترك أثرًا لإبهام أو اشتراك، وهي في الوقت نفسه بمعنى تلك المعرفة دون لفظها فمدلولها ذات واحدة، بالرغم من اختلاف لفظها.
٢- كتب أحد الأدباء إلى خطيب:
"عرفتك قبل اليوم عذبَ الكلام. حُلوَ الحديث، وسمعتك الليلة خطيبًا بارعًا عبقريًا
ولقد أصغيتُ إلى قلتَ؛ فإذا كلمةٌ، "خطبةٌ" اسْتهوت الأفئدةَ، وأداءٌ، "تمثيل" خلَب الألبابَ، وجرْسٌ، "نغَمٌ" جسَّم المعانيَ، وكشف للعيون دلالات الألفاظ؛ حتى كدنا نراها بيننا تروح وتغدو ".
فلو أن الكتب كتب: "أصغيت إلى ما قلت فإذا "كلمة" " لذهبت لنا الظنون، مذاهب عدة في الذات المرادة من هذه الكلمة المصوغة بصيغة النكرة. أهي ذات كلمة واحدة؟ أهي شعر أم نثر؟ أخطبة أم مقالة ولكن الكاتب ازال كثير من الظنون حين قال بعد ذلك: "خطبة" ومعناها هنا. والمراد من ذاتها هو معنى: "كلمة" وذاتها فتحدّد المراد من: "كلمة" بعض التحديد، وحُصِرَتْ النكرة في دائرة أضيق من الدائرة الأولى الواسعة الإبهام والشيوع. وصارت النكرة مختَصة بعد أن كانت مطلقة كاملة الإبهام والشيوع. وكذلك كلمة: "أداء"؛ فإنها نكرة مطلقة، قد يراد منها ذات الأداء البلاغيّ في تكوين الأسلوب، أو: ذات الأداء في الثبات، وعدم الاضطراب، أو: ذات الأداء البلاغيّ في تكوين الأسلوب، أو: ذات الأداء في الثبات، وعدم الاضطراب، أو: ذات الأداء البلاغيّ في تكوين الأسلوب، أو: ذات الأداء في الثبات، وعدم الاضطراب، أو: ذات الأداء في استيفاء المعاني أو ؛ فجاءت بعدها كلمة: "تمثيل" التي هي بمعناها هنا، فحددت بعض التحديد المراد من حقيقة الأداء وذاته، وقللت الاحتمالات في فهم المراد من تلك النكرة، أو: بعبارة أخرى: خصّصتْها، وقيدت شمولها بعض التقييد. ومثلها كلمة: "نَغَم" بعد النكرة: "جَرْس".
فكل كلمة من الثلاث: "خطْبة، تمثيل، نَغَمْ، وأمثالها، هي كلمة
[ ٣ / ٥٤٠ ]
جامدة، وقد خَصُّصَت النكرة التي قبلها بعض التخصيص، وحددت شيوعها وإبهامها بعض التحديد. وهي في الوقت نفسه بمعناها، دون لفظها؛ فالمراد منها ذات واحدة.
وكل واحدة من هذه الثلاث، ومن الأربعة التي سبقتها في المثال الأول –ونظائرها- تسمى: عطف بيان، ويقولون في تعريفه:
إنه تابع١ جَامد –غالبًا– يخالف متبوعه٢ في لفظه٣، ويوافقه في معناه المراد منه
الذات٤، مع توضيح الذات إن كان المتبوع معرفة، وتخصيصها٥ إن كان نكرة٦
_________________
(١) ١ ولا بد في هذا التابع "عطف البيان" أن يكون اسما ظاهرًا؛ كما يأتي في رقم ٢ وطبقًا للبيان الآتي في ص٥٥٠. وقد سبق شرح معنى "التابع" وبيان أحكامه العامة وترتيبه مع نظرائه أو باب النعت، "ص٤٣٤". ومن أحكامه المدونة هناك جواز الفصل بين التابع والمتبوع بشيء مما أوردناه مفصلًا، بشرط ألا يكون المتبوع أحد الموصولات؛ إذ لا يجوز الفصل بين الموصول وصلته بتابع مطلقًا –كما أشرنا هناك، وكما هو مبين تفصيلًا في موضعه الخاص ج١ م٢٧. ص٣٤١-. ٢ والصحيح أن متبوعة لا يكون ضميرًا؛ فإن جاء ضميرًا وجب إعراب التابع بدلًا. وليس عطف بيان –كما سبق في رقم ١، وكما سيجيء في رقم ٥ من هامش ص٥٤٣، وفي ص٥٥٠-. ٣ لابد من المخالفة اللفظية؛ فلو اتحد لفظًا ومعنى لم يصلح أن يكون عطف بيان؛ لأن الشيء لا يوضح نفسه، ولا بينهما. راجع حاشية الصبان ج٣ عند آخر بيت في باب: "تابع المنادى". وستجيء إشارة لهذا في ج٤ ص٤١ م١٣٠". ٤ لأن معناه ومدلوله هو الذات نفسها لا أمر عرضي طارئ عليها –كما أوضحنا في ص٥٢١ و٤٢٣- ٥ سبق في أول باب النعت –ص٤٣٨– وفي غيره معنى إيضاح المعرفة، وتخصيص النكرة، بما ملخصه أن المعرفة تدل على معين. ولكنها –بالرغم من ذلك– قد يصيبها شيء من الشيوع بسبب تعدد مدلولها. فأحمد، ومحمد، وعلي، والنابغة معارف، لكن مدلول كل منها متعدد يحتاج أحيانًا إلى ما يزيل عنه الإبهام والشيوع، ويوضح المراد دون غيره. وهذا هو: "الإيضاح الموضح". أما النكرة فمدلولها شائع كامل الشيوع. نحو رجل، طائر، حيوان فما يجيء لتحديد شيوعها وتقليله يسمى: "المخصص" إلا أن الإيضاح والتخصيص يكونان في النعت بأمور معنوية عرضية طارئة على الذات، دون الذات نفسها، بخلافهما في عطف البيان؛ فينصبان على الذات نفسها –كما شرحنا، وكما سيجيء هنا، ثم في رقم ٢ من هامش ص٥٥٤-. ٣ وقد يكون للمدح مثل: "البيت" في قوله تعاى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ .
[ ٣ / ٥٤١ ]
أوجه التشابه والتخالف بين عطف البيان ١ والتوابع الأخرى:
من التعريف السابق يتبين أن عطف البيان يشبه بعض أنواع النعت الحقيقي في إيضاح المتبوع أو تخصيصه، على الوجه المشروح في باب النعت "وقد يشبهه في القطْع" –كما أسلفنا– والفارق بينهما أن النعت الحقيقي لا بد من اشتماله على ضمير مستتر يعود على المنعوت، وأن الغالب على النعت الحقيقي: "الاشتقاق" وأنه لا يوضح ولا يخصص الذات الأصلية لمنعوته بلفظ يدل عليها مباشرة، وتكون هي المرادة منه، وإنما يوضح منعوته بصفة عرضية وأمر طارئ على الذات، كالفهم، والحسن، والطول، والقصر.
أما عطف البيان فإنه يوضح أو يخصص الذات نفسها، لا بأمر عرضي طارئ عليها٢: وإنما بلفظ يدل عليها مباشرة وهو عين معناها، فهو بمنزلة التفسير للأول باسم آخر مرادف له يكون أشهر منه في العرف والاستعمال من غير أن يتضمن حالة من الحالات العرضية التي تطرأ على الذات وتوصف بها. ولهذا يغلب أن يكون عطف البيان جامدًا أي: غير مشتق فيكون العلم المجرد، والكنية. فلا ضمير فيه؛ لأن الغالب عليه الجمود –كما سبق– ومن الجائز ألا يتحقق فيهما هذا الفارق الأغلبي إذ يصح –بقلة– وقوع النعت جامدًا مؤولًا بالمشتق. ووقوع عطف البيان مشتقًا، ولكن الأولى مراعاة الأغلب الأفصح.
كما يتبين أن عطف البيان قد يشابه التوكيد اللفظيّ بالمرادف في بعض الصور مثل: "تبْرٌ ذَهَبٌ" في أن كلًا منهما كمتبوعه في معناه، دون لفظه. إلاّ أن الغرض من عطف البيان هو: الإيضاح أو التخصيص٣. أما الغرض من التوكيد اللفظي -بتكرار اللفظ أو مرادفه- فأمر آخر، وأوضحناه في بابه٤، وعلى
_________________
(١) ١ إذا كان المتبوع كنية لوحظ في عطف البيان ما سبقت الإشارة إليه "أ" من ص٤٢٩. ٢ سبقت الإشارة الموضحة لهذا في النعت في رقم ٢ من هامش ص٤٣٨. ٣ بمعناهما السالف في رقم ٥ من هامش الصفحة الماضية، والذي سيجيء أيضًا في رقم ٢ من هامش ص٥٤٤. "وراجع ص٧١ ج٣ من شرح المفصل". ٤ ص٥٢٥. وبينهما فروق أخرى ستجيء في ص٥٥٠ منها أن عطف البيان لا يكون فعلًا ولا جملة.. وغير هذين مما سنذكره
[ ٣ / ٥٤٢ ]
ملاحظة هذا الغرض الذي تدل عليه القرائن يتعين أحدهما في موضع لا يصلح له الآخر.
أما المشابهة بين عطف البيان وبدل الكل من الكل١ "من ناحية معناهما، وإعرابهما، وقطعهما٢ وجمودهما، دون لفظهما". فغالبة٣، ولا يصح في أكثر حالاتهما أن يحب محل الآخر من غير أن يتأثر الكلام بهذا التغيير –كما سيجيء في باب البدل- نحو: ما أعجبَ ملكة النحل؛ "اليعسوبَ". تدير مملكتها بحزم ومهارة، وتراقب رعيتها بيقظة واهتمام، ولا تستقر في قصرها "خَلِيَّتِها"، إلا فترات قصيرة للراحة والهدوء.
فكلمة: "اليَعسوب"، عطف بيان، أو بدل كل من كل، من النحلة، وكلمة: "خلي" عطف بيان، أو بدل كل من كل، من: قصْر٤
حكم عطف البيان:
عطف البيان تابع يطابق متبوعهُ٥: في أربعة أمور محتومة٦، ولا بدّ أن يكون اسمًا ظاهرًا٧ في جميع أحواله:
أولها: في ضبطه الإعرابيّ "من ناحية الرفع، والنصب، والجر". ويجوز فيه القطع٨؛ كالنعت.
وثانيهما: في تعريفه وتنكيره٩.
_________________
(١) ١ وهو الذي يكون فيه التابع مطابقًا في المعنى لمتبوعه تمام المطابقة مع اختلافهما لفظًا –في الغالب– كما سيجيء في بابه. وتفصيل الكلام عليه في ص٥٤٦. ٢ مع مراعاة ما يختص بقطع البدل، وسيجيء في "هـ" من ص٦٧٧. ٣ راجع التحقيق في ص٥٤٩، ٥٥٠. ٤ نعيد هنا ما سبقت الإشارة إليه "في رقم ١ من هامش ص٥٢٧" وهو أن التشابه الظاهري قد يقع –أحيانًا– بين ألفاظ بدل الكل، وعطف البيان، والتوكيد اللفظي طبقًا للبيان في رقمي ١، ٢ من هامش ص٦٤٣ وفيهما طريقة التفريق. ٥ ويلاحظ ما سبق في رقم ٢ من هامش ص٥٤١ وما سيجيء في ص٥٥٠ وهو أن متبوعه لا يكون ضميرًا –في الرأي الأصح– فإن جاء ضميرًا وجب إعراب التابع بدلًا –وسيجيء هنا أيضًا-. ٦ وتجري عليه فوق ذلك جميع الأحكام العامة المشتركة التي تجري على التوابع الأربعة التي سبقت ارشادة لها في هامش ص٤٣٤ م١١٤. ٧ راجع الملحوظة الخاصة ببيان هذا في ص٥٥٠. ٨ سبقت الإشارة لهذا في هامش ص٥٠٢ أما بيان القطع وأحكامه ففي ص٤٨٦ و٤٨٨. ٩ الصحيح أن هذا هو الأغلب؛ إذ عطف البيان قد يكون كالمتبوع، ومن أمثلته قوله =
[ ٣ / ٥٤٣ ]
وثالثها: في تذكيره وتأنيثه.
ورابعهما: أنه لا بد أن يطابقه في أربعة أمور من عشرة١ كما في الأمثلة التي سلفت٢ وقد يقع عطف البيان بعد أيْ "بفتح الهمزة
_________________
(١) = تعالى: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾؛ وقوله تعالى: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ ويصح تخالفهما تعريفًا وتنكيرًا بشرط أن يكون التابع هو المعرفة، ليتحقق الغرض من "عطف البيان" وقد نص على صحة التخالف بعض النحاة –ومنهم الرضي، كما جاء في "الصبان" آخر هذا الباب– ولكنهم لم يقيدوا المخالفة بتعريف التابع أو تخصيصه، وهذا الإطلاق غير مفهوم، إلا عند من يقول: "إن النكرة تخصص متبوعها" والتخصيص نوع من البيان والإيضاح طبقًا للبيان الذي يجيء في رقم ٢ من هامش الصفحة التالية. غير أن تمثيل الرضى؛ هناك "فيما نقله عند الصبان لجواز وقوع عطف البيان نكرة" قد يدل على أنه يقصد النكرة المختصة. وهذا هو الأحسن. ويؤيده ما ورد في حاشية "ياسين" في باب "البدل" عند الكلام على منع بدل الاسم الظاهر من الضمير بدل كل من كل؛ بحجة نقصان الاسم الظاهر في تعريفه عن الأول "المتبوع" حيث قال ما نصه: "أما نقصان تعريف الثاني عن تعريف الأول فلا يضر؛ كما في إبدال النكرة الموصوفة من المعرفة؛ نحو: مررت بمحمد رجل عاقل، إذ رب نكرة تفيد ما لا تفيده المعرفة، وإن اشتملت المعرفة على فائدة التعريف التي خلت عنها النكرة" ا. هـ. ويلاحظ أن التمثيل جاء بنكرة مختصة، وأن الكلام خلا من النص على اشتراط اختصاصها، كما يلاحظ أن الرأي السالف أحد آراء متعددة أشرنا إليها في هامش ص٤٥٦ حيث يصح في المثال الذي عرضه "ياسين" أن يكون عطف بيان، وأن يكون غير ذلك؛ طبقًا لما هو مدون هناك. ١ العشرة هي: علامات الإعراب الثلاث، التعريف والتنكير، التذكير والتأنيث، الإفراد والتثنية والجمع. ٢ فيما سبق من تقسيم العطف إلى نوعين يقول ابن مالك في أول باب خاص عقده بعنوان: العطف. العَطْفُ، إمَّا ذو بيان، أَو نَسَقْ والغَرَضُ الآنَ بَيَانُ مَا سَبقْ انظر الكلام على معنى "أو" المراد منهما "إما" في ص٦١٥. والذي سبق في التقسيم هو "ذو البيان" أي: صاحب البيان ويقول في تعريفه: فذُو البَيَان تابعٌ شِبْهُ الصَفةْ حقِيقَةُ القَصْدِ به مُنْكَشِفَهْ يريد: أن عطف البيان تابع، يشبه الصفة "النعت" فليس هو الصفة؛ لأن بينهما فوارق متعددة، منها: أن عطف البيان يبين حقيقة متبوعه، ويكشف ذاته المقصودة. أما النعت فيبين معنى عارضًا في متبوعه، أو في سببيه، ففي مثل "كلمت الرجل العالم" تبين كلمة: "العالم"، "وهي: النعت" معنى من المعاني العارضة التي تتصف لها ذات العالم، فقد تتصف بالعلم، أو: بالأدب، أو بالاختراع أو أما عطف البيان فلا يبين صفة من الصفات التي تطرأ على الذات، وإنما يبين الذات نفسها. سواء أكانت ذاتًا حسية. أم معنوية؛ أي: يبين ما يسمى: =
[ ٣ / ٥٤٤ ]
وسكون الياء"، التي هي حرف تفسير١، فلا يتغير من حكمه شيء؛ نحو: هذا الخاتم لجين، أي: فضة. وفي هذه الصورة يتعين عطف البيان أو بدل الكل؛ إذ لا يقع سواهما بعد: "أي" التفسيرية.
_________________
(١) = حقيقة الشيء، ومادته الأصلية –كما شرحناها من قبل– في ص٥٤٢ فنقول كلمت الرجل، إبراهيم فكلمة: "إبراهيم" بينت ذات الرجل، وحقيقته الأصلية، لا وصفًا طارئًا من أوصافه، ولذا تسمى "عطف بيان"، لأنها بينت الحقيقة المقصودة، أو ذات الحقيقة، ثم قال في حكمه: فَأَوْلِيَنْهُ مِنْ وِفَاق الأَوَّلِ مَا مِنْ وِفَاقِ الأَوِلِ النَّعْتُ وَلِي أي: أعطه من موافق الأولى "المتبوع" مثل ما تولاه النعت من موافقة منعوته، وهو الأمور السابقة. "فمعنى: أولينه: أعطه، ومعنى: ولى: تولى وأخذ"، ثم نص على أن عطف البيان ومتبوعه يتماثلان تعريفًا وتنكيرًا، وأنهما يكونان من هذا النوع، أو ذاك، ولا يقتصران على أحدهما. فَقَدْ يكُونَانِ مُنكَّرِيْنِ كَمَا يَكُونَانِ مُعَرَّفَيْنِ وهو بهذا النص الصريح يرد على من يقول: إن عطف البيان لا يكون إلا معرفة؛ بحجة أن الغرض منه البيان والإيضاح، وهو من شأن المعرفة لا النكرة؛ إذ النكرة المجهولة، والمجهول لا يبين المجهول وأن ما تنوهمه من النكرات عطف بيان فليس به؛ ولكنه بدل كل من كل و والرأي الراجح المقبول أنه يكون نكرة أيضًا، لأن النكرة تخصص متبوعها، والتخصص نوع من البيان والإيضاح. كما سبق في رقم ٤ من الهامش السابق؛ فعندهم أن الأخص قد يبينه ويوضحه ما ليس بأخص. هكذا يقولون. وهو مقبول أحيانًا لاطباقه على بعض الصور الواردة والأساليب الصحيحة؛ مثل: "يا إحسانُ رجلٌ" إذا كان "إحسان" أو ما ماثله علم من الأعلام المشتركة بين الذكور والإناث، فلم لم يذكر بعده كلمة: "رجل" التي توضح ذاته لوقع لبس في حقيقته؛ أو هو رجل أم امرأة أو ١ انظر رقم ١ من هامش ص٥٥٦ ورقم ٤ من هامش ٥٤٧ ويصح إعراب ما يقع بعد "أي" التفسيرية "بدل كل" إلا في المسائل التي يفترقان فيها "وسيجيء في باب البدل". وقد يتعين أن يكون ما بعد "أي" بدلًا وليس عطف بيان، ذلك أن عطف البيان لا يكون متبوعه ضميرًا وقع المتبوع ضميرًا وجب إعراب التابع بدلًا، لا عطف بيان. "راجع حاشية ياسين في باب النسب عند الكلام على النسب إلى ما حذفت فاؤه، أو عينه". "ويقول صاحب المغني" عند الكلام عليها ما نصه الذي نقلناه –في رقم ١ من هامش ص٥٥٦- وهو: "وتقع تفسيرًا للجمل أيضًا؛ كقول الشاعر: وترمينى بالطرف، أي: أنت مذنب ا. هـ. والجملة التفسيرية بعدها لا محل لها من الإعراب.
[ ٣ / ٥٤٥ ]
الارتباط بين عطف البيان وبدل الكل من الكل ١:
أشرنا٢ إلى أن المشابهة غالبة بين عطف البيان وبدل الكل من الكل، في ناحية معناهما، وإعرابهما، وقطعهما٣، وجمودهما، دون حروفهما، والأحسن القول بأن المشابه بينهما كاملة فيما سبق، لا غالبة، إذ التفرقة بينهما قائمة على غير أساس سليمن فمن الخير توحيدهمان لما في هذا من التيسير، ومجاراة الأصول اللغوية العامة. أما الرأي الذي يفرق بينهما في بعض حالات فرأى قام على التخيل، والحذف، والتقدير، من غير داع، ومن غير فائدة ترتجى. ومن السداد إهماله وإغفاله٤.
على أنا نشير هنا إلى بعض الصور التي يتحتم فيها العطف البياني بناء على ذلك الرأي؛ ويمتنع بدل الكل، مُرَددين بعد ذلك عدم الالتفات إلى الرأي السالف. منها٥:
١- أن يكون التابع مفردًا، معرفة: منصوبًا، والمتبوع منادى، مبنيًا على الضم مثل: يا صَديقُ عليًّا٦. فيجب عندهم إعراب: "عليًا" عطف بيان، ولا يصح إعرابه بدل كل؛ لأن البدل لا بد أن يلاحَظ معه في التقدير تكرار العامل الذي عمل في المتبوع، بحيث يصح أن يوجد هذا العامل قبل التابع وقبل المتبوع معًا، من غير أن يترتب على التكرار فساد لم يصح إعراب الكلمة "بدل
_________________
(١) ١ قد يكون من المستحسن تأخير مبحث الارتباط بين عطف البيان وبدل الكل إلى ماب عد الانتهاء من البدل، ولكنا في تقديم سايرنا ابن مالك حيث تعرض لهذا الارتباط وللموازنة في باب عطف البيان. ٢ في ص٥٤٣. وأنظر في ص٥٤٩ و٥٥٠. ٣ انظر ما يختص بقطع البدل في "هـ" ص٦٦٧. ٤ انظر رقم ١ من هامش ص٥٣٣ حيث الرأي السديد لبعض الثقات. ٥ انظر الزيادة والتفصيل –ص٥٤٩– حيث بيان الضابط العام الذي يشمل كل الصور الممنوعة عندهم. ٦ وهذا الإعراب بالنصب جائز في النداء بشروط تذكر في بابه، ج٤ –على اعتبار "عليًا"– المنصوبة عند استيفاء الشروط تصلح "بدلًا" من كلمة "صديق" المبينة لفظًا، المنصوبة محلًا؛ لأنها منادى مبني على الضم في محل نصب.
[ ٣ / ٥٤٦ ]
كل"ووجب الاقتصار على إعرابها "عطف بيان" فقط. وهذا معنى قولهم: "إن البدل على نية تكرار العامل". فتقدير الكلام في المثال السالف: يا صديق عليًا؛ بتكرار العامل، وهو "يا" ووجوده قبل المتبوع حقيقة، وقبل التابع تخيلًا. وهذا التكرار يؤدي إلى خطأ النصب في كلمة "عليًّا" المذكورة؛ لأنها في التخيل: منادى مفرد علم؛ فيجب بناؤها على الضم؛ طبقًا لأحكام المنادى، ولا يجوز نصبها. إلا على اعتبارها عطف بيان١؛ لأن عطف البيان لا يلاحظ فيه تكرار العامل، ولا أنه مقدّر قبل التابع، وإنما يكتفي بوجوده قبل المتبوع فقط. فإعراب الكلمة المذكورة: "عليًّا" بدلًا، يؤدي عندهم إلى فساد نحويّ يجب توقيه، بالعدول عن البدل إلى عطف البيان، أو غيره إن أمكن.
٢- أن يكون التابع خاليًا من "أل" والمتبوع مقترنًا بها مع إعرابه مضافًا إليه، والمضاف اسم مشتقٌ، إضافتُه غير محضة٢؛ نحو: نحن المكرمُو النابغةِ هند؛ فيجب –عندهم– إعراب "هند" عطف بيان، لا بدلًا؛ لأن البدل على نية تكرار العامل، وملاحظة وجوده قبل التابع كوجوده قبل المتبوع، كما أسلفنا وعلى هذا يكون الأصل المتخيَّل للمثال هو: نحن المكرمو النابغة، المكرمو هند، فلو أعربنا كلمة: "هند" التي في المثال الأصلي بدلًا لأدى الإعراب إلى فساد؛ هو: أن يكون المضاف مشتقًا مقترنًا "بأل"، والمضاف إليه غير مقرون بها؛ لأن الإضافة غير محضة؛ يمتنع فيها مثل هذا، إلا بوجود بعض المسوغات٣ التي تصححها. والجملة هنا خالية من كل مسوغ –في رأيهم-.
ولا سبيل عندهم للفرار من الفساد إلا بإعراب "هند" عطف بيان، لا بدلًا؛ إذ عطف البيان لا يشترط فيه صحه تكرار العامل٤
_________________
(١) ١ وهو منصوب مراعاة لمحل المنادى المتبوع، لأن كلمة: "على" مبنية على الضم في محل نصب –كما قلنا. ٢ سبق شرحها وتفصيل الكلام عليها في هذا الجزء "ص١ و٣ وما بعدهما". ٣ سبق بيان هذه المسوغات في ص١٢. ٤ وفي صلاحية عطف البيان لأن يكون "بدل كل من كل" إلا في الصورتين السالفتين –وأشباههما– يقول ابن مالك: =
[ ٣ / ٥٤٧ ]
هذا رأي المانعين. وفيه ما فيه من إرهاق وتعسير بغير طائل؛ لأن المعنى واضح على البدلية؛ كوضوحه على عطف البيان، وليس أحدهما أبلغ من الآخر، ولا أكثر تداولًا واستعمالًا، ولا مخالفًا لأصل لغوي واقعيّ. ففيم الحذف، والتقدير، والنية، والملاحظة..؟ وبخاصة مع ما سجله النحاة في هذا الباب –وغيره– من أنه قد يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل؛ أي: قد يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع١. وذكروا لتأييد هذا أمثلة كثيرة فصيحة. فليس من ضرر مطلقًا ألا يصلح العامل في بعض المواضع لوقوعه قبل التابع، كهذا الموضع: إنما الضرر في عدم صحة وقوعه قبل المتبوع وحده. فلم العناء؟ وفيم التعسير؟
_________________
(١) = وَصَالِحًا لِبَدَلِيَّة يُرَى في غَيْر نَحْو: يلا غُلاَمُ يعْمُرا ونَحْو: بشْر تابع البَكْريِّ وليْس أَن يُبْدَلَ بالمرضِيّ يريد: أن عطف البيان يصلح للبدلية في غير الصورة التي تشبه في تركيبها: يلا غلامُ يعمر –علم شخص– والألف الأخيرة زائدة للشعر -" حيث وقعت "يعمر" منصوبة مراعاة لمحل المنادى المبني على الضم في محل نصب. فلو أعربت: "يعمر" بدلًا لكان التقدير: يا غلام يا يعمر؛ على نية تكرار العامل؛ فتنصب الكلمة مع أن نصبها مع ندائها غير جائز؛ فيتعين إعرابها عطف بيان، فرارًا من هذا الخطأ. ويشير إلى المسألة الثانية بكلمة "بشر" التابعة لكلمة: "البكري" في قول الشاعر "المراد الفقمي": أَنا ابنُ التارك البَكْريِّ بشْرِ عليه الطيرُ ترقُبه وُقُوعا فالتابع: هو: "بشر" والمتبوع هو: "البكري" المضاف إليه، المقترن "بأل" والمضاف الذي إضافته غير محضة "بدلًا" لكان التقدير على نية تكرار العامل هو: "أنا ابن التارك البكري، التارك بشر"، فيضاف الوصف المقرون بأل إلى غير لمقرون بها وغير الصالح هنا، وأن يكون مضافًا إليه. وهذا غير جائز في الإضافة غير المحضة. وللفرار من هذا تعرب عندهم: "بيانًا". ١ راجع حاشية الأمير ج١ في الكلام على الحرف: "ب" ووجوب تنكير مجروره. وكذلك "الهمع" ج١ ص٢١٥ عند الكلام على: "لدن"، والصبان: ج٤ –باب عوامل الجزم– عند الكلام على نوع فعل الشرط والجواب، بل إن الصبان "ج٢ باب الإضافة، عند الكلام على "أيْ" ينتقل النص التالي: "إنا نقول: يغتفر كثيرًا في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل" فيصرح بأن هذا الاغتفار كثير.
[ ٣ / ٥٤٨ ]
نعم قد يكون التفرقة بينهما سائغة في بعض صور، ولكن من ناحية أهرى دقيقة غير تلك التي تصدى لها المانعون؛ هي أن لعطف البيان غرضًا معنويًا هامًا؛ هو: إيضاح الذات نفسها، أو تخصيصها على الوجه الذي شرحناه١ أما بدل الكل فله غرض آخر يختلف عن هذا تمامًا؛ هو الدلالة على ذات المتبوع بلفظ آخر يساويه في المعنى؛ بحيث يقع اللفظان على ذات واحدة، وفرد معين واحد في حقيقته –كما سيجيء في بابه– ولا يضر أن يختلفا في المفهوم بعض الاختلاف اليسير ما دامت حقيقة الذات المقصودة واحدة؛ كالاختلاف الذي في نحو عرفت سعيدًا أخاك٢، ولا شأن لبدل الكل بالإيضاح والتخصيص، فحيث اقتضى المقام إيضاح حقيقة الذات أو تخصيصها –والإيضاح والتخصيص هنا ذاتيان، "أي: يقعان وينصبان على الذات"– فاللفظ عطف بيان ليس غير، بشرط أن تجتمع فيه بقية الشروط الواجبة في عطف البيان، ومنها: مطابقته للمتبوع في الأمور الأربعة السالفة؛ ولهذا كانت كلمة: "سيد" الثانية عطف بيان في قول الشاعر:
إذا سيد منَّا مَضى لسبِيلِه أقام عمودَ الدين آخَرُ سيدُ
وحيث اقتضى المقام الدلالة على ذات المتبوع نفسها بلفظ آخر يساويه تمامًا في المدلول فاللفظ "بدل كل من كل"، وبخاصة إذا فقد اللفظ شرطًا من شروط عطف البيان.
هذه هي ناحية التفرقة الحقة التي يجب الاقتصار عليها؛ نزولًا على أحكام اللغة، وتقديرًا لخصائصها، وكشفًا لأسرارها، بل إن هذه التفرقة نفسها قد يمكن رفضها٣.
_________________
(١) ١ في ص٥٤٢ وفي رقم ٢ من هامش ص٥٤٤. وانظر البيان كاملًا في ص٦٧٩. ٢ فلذات "الأخ" هي ذات "سعيد"، ولكن هذا المعنى الزائد غير مقصود مطلقًا في عطف البيان، إذ لو قصد لصارت الكلمة نعتًا مؤولًا بالمشتق. والفرق كبير في المعنى والحكم بين النعت وعطف البيان. ٣ وهي تفرقة دقيقة لا تكاد تدرك، وغير مقصودة كما أوضحنا في هامش الصفحة السالفة ومن الممكن الاكتفاء بجعل عطف البيان وبدل الكل قسمًا واحدًا. ويكتفي أن علمًا محققًا كالرضي يقول ما نصه: "أنا إلى الآن لم يظهر لي فرق جلي بين الكل من الكل وعطف البيان، بل ما أرى عطف البيان إلا البدل؛ كما هو ظاهر كلام سيبويه و..". "راجع الصبان آخر باب عطف البيان".
[ ٣ / ٥٤٩ ]
ملحوظة: مما يمتاز به عطف البيان من بدل الكل أن عطف البيان لا يكون ضميرًا١، ولا تابعًا لضمير، ولا مخالفًا لمتبوعه في تعريف وتنكير٢ –على الرأي الصحيح– ولا يقع جملة، ولا تابعًا لجملة٣، ولا فعلًا، ولا تابعًا لفعل، ولا يكون ملحوظًا في النية إحلاله محل الأول –كما شرحنا، ولا يُعّد متبوعه في حكم الطَّرح. ولا يُعَدّ في جملة أخرى مستقلة عن جملة متبوعه٤. بخلاف بدل الكل في جميع هذا.
_________________
(١) ١ سبقت الإشارة لهذا في رقم ٥ من هامش ص٥٤١ وفي رقم ٥ من هامش ص٥٤٢. ٢ ولما كان الأغلب في عطف البيان –كما في ص٥٤٣– موافقته لمتبوعه في التعريف والتنكير امتنع إعراب مخصوص "حبذا" عطف بيان؛ لورود أمثلة كثيرة منه نكرة وقد ذكرنا بعضها في رقم ٢ من هامش ص٣٨١. ٣ أي: لا يصح أن يكون متبوعه جملة مع أن البدل يصح أن يكون بدل جملة من جملة كما سيجيء في ص٦٦٧. ٤ انظر أمثلة الحالة الأولى الآتية في الزيادة.
[ ٣ / ٥٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) زيادة وتفصيل: الذين يمنعون البدل في المسألتين السالفتين، وفي بعض مسائل أخرى، ويجتمعون أن تكون عطف بيان يضعون لهذه المسائل كلها ضابطًا عامًا ينطبق عليها جميعًا. وسنعرضه فيما يلي؛ ليتبين ما فيه من إرهاق وإعانات لا داعي لهما. يقولون: يصح في عطف البيان –إذا قصد به ما يقصد ببدل الكل– أن يعرب "بدل كل"، إلا في حالتين: أولاهما: ألاّ يمكن الاستغناء عن عطف البيان لمانع يَحُول دون صحة بدل الكل. وثاينهما: ألاّ يمكن إحلال عطف البيان –لو صار بدلًا– محل متبوعه لمانع يحول دون البدلية، ودون وضع البدل مكان المبدل منه
(٢) ومن أمثلة الحالة الأولى أن يكون الاسم "التابع"؛ واقعًا بعد جملة تعرب خبرًا، أو: صلة، أو: نعتًا، وليس فيها رابط يربطها بالمبتدأ، إنما الرابط ضمير –أو نحوه– في ذلك الاسم التابع؛ فمثاله بعد الجملة الواقعة خبرًا: هند حضر صالح ولدها. فلو أعَربْنُا كلمة: "ولد". بدلًا –والبدل عندهم على نية تكرار العامل– لكان التقدير: هند حضر صالح، حضر ولدها؛ فتخلو جملة الخبر من الرابط؛ لأن الضمير المتصل بالاسم صار في جملة أخرى مستقلة عن الجملة الخبرية؛ إذ الكلام جملتان: الأولى هي الخبر، ولا رابط فيه، والثانية مستقلة عن الأولى، استئنافية، والضمير الذي بها لا يربط الأولى بمبتدئها. ومثلًا الجملة الواقعة صلة: أجَاد الذي تكلم عَليُّ خاله. فلو أعربنا كلة: خال "بدلًا" لكان التقدير: أجاد الذي تكلم علي تكلم خاله؛ فتكون الجملة الثانية مستقلة عن الجملة الأولى، وتصير الصلة خالية من الرابط: فلا تصلح أن تكون صلة. ومثال الجملة الواقعة نعتًا: أجاد رجل تكلم عَلىُّ خاله؛ فإعراب كلمة "خال" بدلًا يقتضي تكرار العامل، وأن الأصل: أجاد رجل تكلم علي
[ ٣ / ٥٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تكلم خاله؛ فتكون الجملة الأولى الواقعة نعتًا "وهي تكلم عليّ" خالية من الرابط الذي يربطها بالمنعوت؛ وهنا غير جائز. أما الضمير المتأخر فإنه في جملة مستقلة بنفسها لا يصلح رابطًا في الأولى لاستقلال كلمة جملة بكيانها.
وفي الحق أن المعنى وسلامة الأسلوب لن يتغيرا بإعراب الاسم بدل كل أو عطف في صورة من الصور السابقة الممنوعة عندهم.
٢- ومن أمثلة الحالة الثانية التي لا يصح فيها إحلال البدل محل المبدل منه ما تقدم من أن يكون التابع مفردًا معرفة منصوبًا والمتبوع منادى، مبني على الضم. أو: أن يكون التابع خاليًا من "أل" والمتبوع مقترنًا بها بالصورة التي شرحناها -وهذان هما الأمران المعروضان أولًا في ص٥٤٦ وما بعدها-.
ومن أمثلة الأمر الثاني أيضًا: أن يكون المتبوع منادى والتابع اسم إشارة، أو مقرونًا "بأل": نحو: يا إبراهيم هذا، أو يا إبراهيم الحسين، إذ يترتب على إحلال البدل محل المبدل منه في المثال الأول صحة: "يا إبراهيم يا هذا"، مع أن الفصيح أن يكون لاسم الإشارة تابع مقرون "بأل". ويترتب على إحلاله في المثال الثاني صحة: "يا إبراهيم يا الحسين "، مع أن دخول "أل" على المنادى ممنوع.
وكل هذا، وكل ما يأتي مما هو ممنوع عندهم، إنما يقوم على أساس توهمهم أن البدل لا بد أن يكون على نية تكرار العامل. أي على أساس أن يصح وقوع البدل مكان المبدل منه.
ومنها: أن يكون التابع مثنى أو جمعًا، مع التفريق فيهما بالعاطف، والمتبوع غير مفرق؛ كقول الشاعر:
أَيا أَخويْنا عَبْدَ شمس ونَوْفلًا أُعيذُكما بالله أَن تُحدِثَا حرْبًا
فيتعين كونهما عطف بيان؛ لأن التقدير على البدلية: يا عبد شمس ونوفلًا، بنصب كلمة "نوفلًا" مع أن المعطوف المفرد في النداء لا يجوز نصبه، وإنما يجري عليه حكم المنادى المستقل١.
_________________
(١) ١ لقد صرحوا أن كل عطف بيان يصلح "بدل كل من كل"، واستثنوا من هذا الحكم مسائل، منها المسألة التي جاء هنا البيت شاهدًا لها. لكني ألاحظ أن كلمة: "عبد" من: "عبد شمس" =
[ ٣ / ٥٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومنها: أن يكون المنادى "أي" الموصوفة بما فيه "أل" بعدها، وتابعه خال من "أل"، نحو: يأيها القائد سعيد. فلو أعربت كلمة: "سعيد" بدلًا لكان التقدير: يأيها القائد سعيد، وهذا خطأ؛ لأن تابع "أي" في النداء لا بد أن يكون مقرونًا "بأل" أو اسم إشارة له تابع مقرون بها
ومنها: أن يكون اسم الإشارة المنادى -أو غير المنادى- متبوعًا بما فيه "أل" والتابع خال منها، ولا يوجد ما يعني عنها؛ نحو: يا ذا الرجل غلام حامد، أو جاء هنا الرجل حامد. فلو أعرب: "غلام" أو "حامد" بدلًا لكان التقدير: يا ذا الغلام حامد وجاء هذا الرجل جاء هذا حامد، وتابع اسم الإشارة لا يكون مجردًا من "أل".
ومنها: أن يكون المتبوع مضافًا إليه والمضاف هو: "كِلاَ" أو "كِلتا" والتابع مثنى مفرَق؛ نحو: أسرع كلا المتنافسين محمود وحامد أسرعت كلتا المتنافستين فاطمة وزينب فلو أعرب التابع: "وهو: محمود وفاطمة" بالا لكان تقدير الكلام: "أسرع كلا المتنافسين، أسرع كلا محمود وحامد" "أسرعت كلتا المتنافستين، أسرعت كلتا فاطمة وزينب"، فيترتب على نية تكرار العامل إضافة كلا وكلتا للمثنى المفرق؛ وهما لا يضافان إليه إلا شذوذًا.
ومنها: أن يكون التابع مثنى مفرقًا، أو جمعًا مفرقًا كذلك، والمتبوع مثنى أو جمعًا غير مفرق في الصورتين. وهو مضاف إليه والمضاف هو: "أيّ". نحو: "بأي الزميلين جعفر وحسن
_________________
(١) = هي بدل بعض من: "أخوين" فلا يقع فيها اللبس بين عطفه البيان وبدل الكل؛ لأنها لا تصلح بدل كل. فما المراد من بدل الكل؛ أيكون اللفظ وحده هو البدل الكلي أم هو مع ما عطف عليه، ويؤيد هنا خلوه من الضمير؛ كالشأن في بدل الكل؟ لو صح هذا الاعتبار فلم يعربونه بدل بعض، ويدخلونه في حكمه؟ لم أهتد إلى من تعرض لهذا. ويبدو أنهم يعتبرونه "كُلّ" إذا نظروا له من جهة المعطوفات عليه التي تشمل كل أنواع المبدل منه كاملة. و"بعض" إذا نظروا إليه من غير اعتبار المعطوفات التي تحصر تلك الأنواع. ومثل هذا يقال في بعض الحالات الآتية المسثناة "انظر ص٦٦٧ و٦٧٧"
[ ٣ / ٥٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مررت"، فلو أعرب "جعفر" وما عطف عليه بدلًا من الزميلين لكان التقدير: بأي الزميلين، بأي جعفر وحسن مررت؛ وهنا ممنوع؛ لما فيه من إضافة: "أيّ" للمفرد المعرفة، وهي لا تضاف إليه إلا بالمشرط التي عرفناها عند الكلام عليها في باب "الإضافة"١، وهي غيره محقّقة هنا. ولا يتغير الحكم بإحلال الجمع لمحل المثنى في مواقعه السّالفة
ومنها: أن يضاف "اسمُ التفضيل" إلى عامّ، وبعده تابعه ذو قسمين؛ أحدهما لا يكون المفضل بعضًا منه؛ نحو: الرسل أفضل الناس الرجال والنساء، فلو أعرب التابع بدل لكان التقدير: الرسل أفضل النساء؛ لأن اسم التفضيل إذا بقي على دلالته من التفضيل والزيادة على المضاف إليه وجب أن يكون بعضًا من هذا المضاف إليه –كما سبق في بابه– ولهذا أخطأ من قال: أنا أشعر الإنس والجن، إذا أراد التفضيل على الوجه السالف.
إلى هنا انتهت صُوَر من أشهر الأمثلة للنوع الثاني، وهي –كنظيرتها من صور النوع الأول خيالية، مصنوعة، أساسها توهم أن البدل لا بد أن يكون على نية تكرار العامل، وهذه دعوى لا تستند إلى أساس قوي. والعرب –أصحاب اللغة– لا تدري من أمرها شيئًا؛ ولن يترتب على إهمالها، وعدم التمسك بها فساد في المعنى ولا في التركيب٢؛ فالجهد فيها ضائع لا محالة.
_________________
(١) ١ ص١٠٥. ١ بل إن كثيرًا من النحاة يقول: "قد يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع" كما سلف هنا –ص٥٤٨– وفي نواحٍ متعددة من أجزاء الكتاب. وراجع ما سبق في ص٥٤٦، ثم الرأي الحاسم الذي في رقم ٣ من هامش ص٥٤٩.
[ ٣ / ٥٥٤ ]
المسألة ١١٨:
٢- عطف النسق ١:
هو: تابع٢ يتوسط بينه وبين متبوعه حرف من حروف
_________________
(١) ١ النسق -بفتح السين وسكونها- مصدر نسقت الكلام أنسقُهُ "بفتح السين في الماضي، وضمها في المضارع" بمعنى: واليت أجزاءه، وربطت بعضها ببعض، ربطا يجعل المتأخر متصلا بالمتقدم. وكان الأفضل الاقتصار على كلمة: "النسق" بمعنى: "المنسوق" من إطلاق المصدر على المفعول. أي: الكلام المنسوق بعضه على بعض. والنسق: اصطلاح كوفي، وقد اشتهر حتى لا يكاد غيره يذكر. وسيبويه وكثير من البصريين يعبرون عنه في كلامهم: "بالشركة"، وعلينا اليوم أن نساير المشهور؛ توحيدًا للاصطلاح، وانتفاعا بمزايا هذا التوحيد. ٢ سبق -في أول باب: النعت، م١١٤ ص٤٣٤ معنى التابع، وترتيبه مع تابع آخر، وسرد أحكامه العامة الجلية ومنها جواز الفصل أو امتناعه بينه وبين المتبوع، وأن البناء لا ينتقل من المتبوع إلى التابع مطلقًا. "ملاحظة": التابع هنا وهو المعطوف، مفردًا أو غيره مفرد قد يتعدد، ويتمدد معه حرف عطف لا يفيد الترتيب، نحو: قرات الكتاب، والرسالة، والمجلة، والخطاب فيكون "في غير الحالة التي يفيد فيها حرف العطف الترتيب، وستأتي" المعطوف عليه واحدًا فقط، وهو الأول دائما؛ مهما تعددت المعطوفات وقبل كل منها حرف عطف غير مُرَتَّب، كالمثال السالف؛ فإن المعطوفات المتعددة هي: الرسالة، المجلة، الخطاب وقبل كل واحد حرف عطف لا يفيد الترتيب، والمعطوف عليه واحد، هو: الكتاب. ومثل قول المتنبي يفتخر: الخيل والليْلُ والبَيداءُ تعْرِفني والسَّيف والرُّمْحُ والقِرطَاسُ وَالْقلَمْ فالمعطوف عليه هو الأول "أي: الخيل" وما جاء بعده هو المعطوفات، الليل، البيداء، السيف، الرمح، القرطاص، القلم" وقبل كل معطوف هنا حرف العطف: الواو ومن الجائز أن يكون حرف العطف غير الواو أيضًا بالشروط الخاصة بكل حرف. ولا يجوز أن يتعدد حرف العطف لمعطوف واحد، لأن حرف العطف لا يدخل مباشرة على حرف عطف أخر. ومن أمثلة المعطوفات المتعددة -وكل منها جملة- والمعطوف عليه هو الأول قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ . =
[ ٣ / ٥٥٥ ]
عشرة١، كل منها يسمى: "حرف العطف"، ويؤدي معنى خاصًّا.
_________________
(١) = وهناك حالة لا يكون فيها عطف المعطوفات المتعددة على الأول، وهي الحالة التي يقع فيها أحد هذه المعطوفات بعد حرف عطف يفيد الترتيب"مثل: الفاء وثم" فيكون المعطوف عليه هو الذي قبل العاطف مباشرة؛ مثل؛ "أقبل صالح، وحامد، وخليل، فمحمد، ثم ابراهيم" فحامد وخليل معطوفان على الأول: "صالح"، أما محمد فمعطوف على: "خليل"، وأما إبراهيم فمعطوف على: "محمد". ومن الأمثلة قول علي ﵁: "من نظر في عيوب الناس فأنكرها، ثم رضيها لنفسه فذاك الأحمق بعينه". فالجملة من الفعل: "أنكر" وفاعله، معطوفة على الجملة الفعلية قبلها. أما الجملة الفعلية الثانية -المكونة من الفعل: "رضي"، وفاعله- فمعطوفة على الجملة الفعلية المكونة من الفعل: "أنكر" وفاعله. ومثل هذا يقال في الجمل الفعلية المعطوفة بالفاء في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ . وفي الشطر الأول من قول الشاعر: نرى الشيءِ مما نَتَّقِي فنَهابُه وما لا نرى –مما يَقِي اللَّهُ- أكبرُ وجدير بالملاحظة: أنه إذا جاء بعد العاطفه المرتب ومعطوفه عاطف آخر لا يفيد الترتيب -كالواو- فإن معطوفه يكون معطوفًا على المعطوف بحرف العطف المرتب الذي قبله مباشرة. "وبعبارة أخرى: يجب أن يكون المعطوف بالعاطف المفيد للترتيب هو المعطوف عليه للمعطوف بعاطف يليه مباشرة. ولا يصح العطف مطلقًا على معطوف عليه قبل العاطف المفيد للترتيب"؛ ففي مثل: أقبل سالم، وصالح، ومحمود، وحامد ثم حسين، وآمين ، يتعين أن يكون "آمين" معطوفًا على "حسين" ولا يصح عطف على غيره. أما "حسين" فمعطوف على "حامد" حتمًا. وأما كل ما قبله فمعطوف بالواو على "سالم". وما سبق هو المراد من قول الصبان في آخر باب: العطف: "إن المعطوفات إذا تكررت تكون على الأول على الأصح، وذلك مقيد بما إذا لم يكن العاطفه مرتَّبًا؛ فإن كان مرتبًا فالعطف على ما يليه؛ كما نقل عن الكمال ابن الهمام: أنه إذا عطف بمرتب أشياء ثم عطف بغير مرتب شيء فهو على ما يليه، كما يؤخذ من كلام المغني في أول الجملة الرابعة من الجمل في التصريح، وغيره. ومن الأمثلة لهذا قول الشاعر القديم "عُروة بن أُذَينة": بيضاء باكرَها النعيم فصاغها بلباقة؛ فأدَقَّها، وأَجَّلها منعتْ تحيتها،؛ فقلت لصاحبي ما كان أَكثرها لنا، وأَقلَّها ١ وبعضها قد يكون حرف عطف في الصورة لا في الحقيقة وهو الحرف: "الفاء" والحرف: "ثم" طبقًا للبيان الآتي في صفحتي "٥٧٦ و٥٧٨". وليس من حروف عطفه النسق -عند أكثر النحاة- الحرف: أيْ" -بفتح الهمزة، وسكون الياء- الذي هو حرف تفسير، يعرب ما بعده بدل كل، أو عطف بيان -كما سبق الإيضاح في بابه- وليس هناك حرف يدخل على عطفه البيان أو البدل، ويتركه على اسمه وحكمه الإعرابي إلا أيْ"؛ فكلاهما يظل على اسمه وحكمه الإعرابي، كما كان قبل دخول "أي" عليه =
[ ٣ / ٥٥٦ ]
وفيما يلي هذه الحروف، ومعانيها، وأحكامها١:
١- الواو:
معناها: إفادة "مطلق الاشتراك والجمع" في المعنى بين المتعاطفين٢ إن كان مفردين٣.
_________________
(١) = والكوفيون يعدون هذا الحرف من حروف عطف النسق، ومعناه: "التفسير"؛ كمعنى واو العطف أحيانًا؛ فيزاد عددها واحدًا. ورأيهم حسن وواضح، لا ضرر في الأخذ به، بل إنه يبعدنا أحيانًا عن مشكلات نحوية لا سبيل للتغلب عليها إلا بالتأويل والتكلف؛ منها: أن عطف البيان -كما سبق في رقم ١ من هامش ص٥٤١ وفي ص٥٥٠- لا يكون متبوعه ضميرًا؛ فإذا جاءت أمثلة فيها المتبوع ضميرًا وجب اعتبار التابع بعد "أي" بدلًا وليس عطف بيان. "راجع حاشية ياسين على التصريح في باب: "النسب" عند الكلام على النسب إلى ما حذفت فاءه أو عينه". وجاء في "المغني" عند الكلام عليما ما نصه: "وتقع تفسيرًا للجمل أيضًا؛ كقول الشاعر "وترمينني بالطرف، أي: أنت مذنب " ا. هـ والجملة التفسيرية بعدها لا محل لها من الإعراب. ١ في ص٦٥٦ بعض أحكام أخرى عامة ومهمة -غير التي سنبدأ بها هنا- ومنها الحكم الثالث، حكم الضمير العائد على المتعاطفين معًا، من ناحية مطابقته لهما، أو لأحدهما. وكذلك حكم القطع في "عطف النسق". ٢ هما المعطوف، وهو الذي بعد حرف العطف مباشرة، والمعطوف عليه، وهو المتبوع، ولا بد أن يسبق حرف العطف؛ وقد يكون المعطوف عليه محذوفًا. ولا ميما إذا كان العاطفه هو: الواو طبقًا لما يأتي في ص٦٣٩. ٣ المفرد في باب العطف هو: ما ليس جملة ولا شبه جملة؛ فهو كالمفرد في باب الخبر والنعت، والحال ، ويدخل في عطف المفرد هنا عطف الفعل وحده بغير مرفوعه على فعل آخر وحده بخلاف عطف الفعل مع مرفوعه على فعل آخر مع مرفوعه فهو عطف جمل. وسيجيء البيان الخاص بهذا في ص٦٤٢ م١٢١. والعطف بالواو إذا كان المعطوف غير مفرد، قد يفيد مطلق التشريك، نحو: نبت الورد ونبت القصب ، أو لا يفيد؛ نحو: حضرت الطيارة، ولم تحضر السيارة. أما نحو: ما قام علي ولكن محمود فليس من عطف المفردات؛ وإنما هو من عطف الجمل، وقد حذف الفعل، -كما سيجيء في ص ٦١٦-. وقد تكون الواو للعطف والمعية معًا فتفيد الأمرين مجتمعين؛ وهي "الواو" التي ينصب المضارع بعدها بأن المصدرية المضمرة وجوبًا؛ فإنها تجمع الأمرين: العطف والدلالة على المصاحبة والاجتماع، أي: الدلالة على أن المعنى بعدها مصاحب في تحققه وحصوله للمعنى قبلها؛ فزمن تحققهما واحد، وسيجيء بيان هذا في مكانه الأنسب ج٤ باب النوصب -".
[ ٣ / ٥٥٧ ]
والمراد من "الاشتراك المُطلق والجمع المطلق" أنها لا تدل على أكثر من التشريك في المعنى العام: فلا تفيد الدلالة على ترتيب زمني بين المتعاطفين١ وقت وقوع المعنى، ولا على صاحبة، ولا على تعقيب١، أو مهلة، ولا على خسَّة٠أو شرف٢
وهي إنما تتجرد للاشتراك المطلق حيث لا توجد قرينة تدل على غيره، وحيث لا تقع بعدها "إما" الثانية. فإن وجدت قرينة وجب الأخذ بما تقتضيه، وان وقعت بعدها "إمّا" الثانية كانت الواو لمعنى آخر غير التشريك والجمع -وسيجيء التفصيل٣-.
ففي مثل: وصل القطار والسيارة تفيد الواو مجرد اشتراك المعطوف "وهو: السيارة"
المعطوف عليه؛ "وهو: القطار" في المعنى المراد، وهو: "الوصول" من غير إن تزيد على هنا شيئًا آخر: فلا تدل على: "تريب" زمني بينهما يفيد أن أحدهما سابق في وقته، وأن الآخر لاحق به، ولا على: "مصاحبة" تفيد اشتراكهما في الزمن الذي وقع فيه اشتراكهما في المعنى٤، ولا على "تعقيب" يدل على أن المعنى تحقق في المعطوف بعد تحققه في المعطوف عليه مباشرة، من غير انقضاء وقت طويل بينهما، ولا على: "مهلة" تدل على أن تحققه كان بعد سَعَة من الوقت، وفسْحة فيه٢
_________________
(١) "١، ١" الترتيب الزمني: تقدُّم أحدهما على الآخر وقت وقوع المعنى والمصاحبة: تقتضي اشتراكهما في المعنى في وقت واحد. "أي: انطباق المعنى عليهما معًا في زمن واحد". والتعقيب: وقوع المعنى على المعطوف بعد وقوعه على المعطوف عليه مباشرة، "أي بغير مهلة، ولا انقضاء وقت طويل عرفًا" ٢ فالمتأخر -وهو المعطوف- قد يكون أشرف أحيانًا من المتقدم "وهو المعطوف عليه" كقوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ . ٣ في ص٦١٢. ٤ أي: أنها لا تفيد اشتراكهما في الزمن والمعنى معًا، وإنما تقتصر على الاشتراك في المعنى وحده. ٥ ومن الأمثلة أيضًا قول الشاعر: زادَ الوشاة، ولا والله ما تركوا قولًا، وفعلًا، وبأْساءً، وتهجينًا فلم نزِد نحن في سرّ وفي علن علة مقالتنا: "الله يكفينا" ومن أوضح الأمثلة لدلالة على مجرد الاشتراك المطلق في معنى الواو قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ .
[ ٣ / ٥٥٨ ]
ففي المثال السابق قد يكون وصول القطار أوَّلًا وبعده السيارة، وقد يكون العكس، وقد يكون الزمن بين وصول السابق واللاحق طويلا أو قصيرًا، وقد يكون وصولهما اصطحابًا معًا "أي: في وقت واحد"، فلا سبق لاحدهما ولا زمن بين وصولهما. فكل هذه الاحتمالات صحيحة، لا يزيلها إلا وجود قرينة تدل على واحد منها دون غيره. كان يقال: وصل القطار والسيارة قبله، أو بعده، أو معه
فمن أمثلة الترتيب والمهلة قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ﴾، فقد أفادت الواو الاشتراك، والترتيب الزمني، والمهلة؛ فعطفت المتأخر كثيرا في زمنه "وهو: إبراهيم" على المتقدم في زمنه، "وهو: نوح، وكانت إفادتها الترتيب والإمهال مستفادة من قرينة خارجية يجب احترامها، هي التاريخ الثابت الذي يقطع بأن زمن إبراهيم متأخر كثيرًا عن زمن نوح، ولولا هذه القرينة ما أفادت الواو الترتيب الزمني، وفسحة الوقت. وهذه الفسحة -أو المهلة- يُقدّرها العرف بين الناس، فهو -وحده- الذي يحكم على مدة زمنية بالطول، وعلى أخرى بالقِصَر، تبعًا لما يجري في العرف الشائع.
ومن الأمثلة أيضًا قوله تعالى مخاطبًا النبي محمدًا ﵇: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، فالواو قد أفادت الاشتراك والجمع في المعنى المراد: وهو: الإيحاء. وأفادت -أيضا- الترتيب الزمني والمهلة بعطف المتقدم في زمنه على المتأخر كثيرا في زمنه بقرينة خارجة عنهما، هي: "من قبلك" فهنا النص مريح في أن "المعطوف" سابق في زمنه على "المعطوف عليه" ولولا هذه القرية لاقتصرت الواو على افادة الجمع المطلق في المعنى والاشتراك المجرد فيه، دون إفادة تريب زمنيّ، وأما المهلة فقد دلّ عليها التاريخ.
وكقوله تعالى في نوح ﵇ حين ركب السفينة هو وأصحابه المؤمنون، فرارًا من الغرق بالطوفان: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ فالواو تفيد الجمع
[ ٣ / ٥٥٩ ]
والاشتراك في المعنى؛ وتفيد معه الاتحاد في الزمن بين المعطوف؛ "أصحاب " والمعطوف عليه: "الهاء" فقد نجا نوح وأصحابه في وقت واحد -معًا- بدليل النصوص القرآنية الأخرى١ وروايات التاريخ القاطع؛ فلا ترتيب ولا مهلة. ومن أمثلة الترتيب والعقيب؛ جرى الماء وأرْوَى الزروع.
وأنا فُقِدت القرينة الدالة على الترتيب الزمني أو على المصاحبة فالأكثر اعتبارها للمصاحبة، ويلي هذا اعتبارها؛ فيكون المعطوف متأخرًا في زمنه عن المعطوف عليه. ومن النادر العكس، ويراعى في هاتين الحالتين عدم التعقيب إلا بقرينة.
وإن وقعت "واو" العطف قبل: "إمّا"االثانية لم تفد معنى الجمع والتشريك، وإنما تفيد معنى آخر يقتضيه المقام الذي لا يسايره معنى الجمع؛ كالتخيير٢؛ مثل: استَرِضْ إما مشيًا وإما ركوبًا، وقد تكون للتخيير مباشرة بغير "إما"؛ نحو: سافر الآن بالقطار والطائرة. وقد يكون معناها التقسيم؛ نحو: الكلمة اسم، وفعل، وحرف.
أحكامها:
١- من أحكام "واو" العطف، التي تشارك فيها بعض أخواتها٣، أنها تعطف المفردات –كبعض الأمثلة السابقة– والجمل٤،
_________________
(١) ١ القصة كاملة في سورة هود، وفيها النص على نجاة نوح ومعه ركاب السفينة، حيث قال تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ . أي: استقرت السفينة بمن فيها بعد كل ما سبق على جبل معروف: يسمى: "الجودي". ٢ معناه في ص٦٠٤ -وسيجيء الكلام على "إما" ومعانيها في ص٦١٢-. ٣ أنها قد تتجرد للاستئناف المحض، ولا تصلح لغيره وكذلك "الفاء" و"ثم". ٤ بنوعيها. فمثال الجملة الاسمية قولهم: "لا فقر أشدُّ من الجهل، ولا ماَلَ انفعُ من العقل، ولا حَسَبَ كحُسن الخُلق " وقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾، قول الشاعر المسهد: فلا الصبح يأْتينا، ولا الليل ينضي ولا الريح مأذون لها بسكون ومثال الفعلية قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ﴾ . وقول الشاعر: إذا صار الهلال إلى كمالٍ وتمّ بهاؤه فَارقُبْ مَحَاقَهُ
[ ٣ / ٥٦٠ ]
أشباهها١. وأنها يجوز مع معطوفها بشرط أمن اللبس٢، مثل قول الشاعر:
إني مُقَسَّمُ ما ملكتُ، فجاعلٌ قسْمًا آخرِة ودنيَا تَنفعُ
أي: واقسْمَ دنيا. يريد: وقسمًا لدنيا ومن هذا قولهم: راكبٌ الناقة طَلِيحان٣. والأصل: راكب الناقة والناقة طليحان. "أي:
_________________
(١) ١ فمثال عطفه الجار مع مجرورة على مثلهما قول الشاعر: لأَنتَ أَحلَى من لذيذ الكَرَى ومن أمانٍ ناله خائفُ ومثل الآية التي في ص٥٥٩؛ وهي ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ . ومثال عطف الظرف على ظرف آخر قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ . ٢ كما سيجيء في ص٦٣٦. وكذلك يصح حذفها وحدها دون معطوفها طبقا لما في ص٦٤١. كما يصح حذف المعطوف عليه قبلها بالطريقة الموضحة في ص٦٣٩ -والتي اشرنا إليها في رقم ٢ من هامش الصفحة الآتية-. ٣ ومثل هذا كل مبتدأ مضاف أخبر عنه بخبر مطابق في التثنية، أو الجمع، للمضاف مع المضاف إليه من غير عطف. "وقد سبق إيضاح هذا لمناسبة أخرى في الجزء الأول ص٤٩٧ م٣٧ باب المبتدأ والخبر". وحذف حرف العطف مع معطوفه ليس مقصورا على الواو مع معطوفها، وإنما يشاركها فيه "إم" "كما سيجيء في "ب" ص٥٩٦، وفي ص٦٣٦" وكذا "الفاء" مع معطوفها كقوله تعالى في أحكام الصوم: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ . الأصل: فمن كان منكم مريضا أو على سفر فأفطَرَ فعدة من أيام أُخر -كما سيجيء في رقم ٥ من هامش ص٥٧٥-. والى هنا يشير ابن مالك في آخر الباب بقوله: والْفَاءُ قَدْ تُحْذَفُ مَعْ مَا عَطَفتْ والْوَاو إذْ لاَ لَبْسَ، وهْيَ انْفَردَتْ: بعَطْفِ عامِلٍ مُزَالٍ قَدْ بَقِي مَعْمُولُهُ؛ دَفْعًَا لِوَهْم اتُّقِي مزال: قد حذف من موضعه وأزيل منه "راجع ص٦٣٦". يقول: إن الفاء قد تحذف مع معطوفها، وكذلك الواو مع معطوفها، بشرط ألا يترتب على الحذف في الحالتين لبس. وتنفرد الواو بأنها تعطف عاملًا محذوفًا قد بقي معموله على الوجه الذي سنشرحه في ص٥٦٣ التالية. ويريد بقوله: "دفعًا لوهم " بيان العلة في الحذف والتقدير: وأنها دفع لوهم يقودنا للوقوع في خطأ.
[ ٣ / ٥٦١ ]
متعبان"١
ب- وتنفرد الواو بأحكام نحوية تكاد تستأُثر بها٢:
منها: أنها الحرف المختص بعطف اسم على أخر حين لا يكتفي العامل في أداء معناه بالمعطوف عليه؛ نحو: تقاتل النمِرُ والفيلُ؛ فان العامل: "تقاتلَ" لا يتحقق معناه المراد بالمعطوف وحده: فلو قلنا: "تقاتل النمر"، ما تمّ المعنى: لأن المقاتلة لا تكون من طرف واحد؛ وإنما تقتضي معه وجود طرف آخر -حتما- كي يتحقق معناها. وكذلك: تنازع الظالمُ والمظلوم، فان المنازعة لا تقع إلا من طرفين وكذلك تصالح الغالب والمغلوب.
_________________
(١) ١ ومن تلك الأحكام: أن الضمير -ونحوه مما يحتاج للمطابقة- بعدها تجب مطابقته. في الأصح للمعطوف والمعطوف عليه معًا؛ ولا يراعى فيه حالة المعطوف وحده؛ يقال: جاء السائل والغريب فعاونتهما. وفازت فاطمة وسعاد وعائشة فهنأتهن وهكذا "انظر رقم ٤ من هامش ص٦٠٥ حيث الإيضاح. وبيان المرجع، ثم رقم ٣ من ص٦٥٧. وليس مما نحن فيه مثل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾، وقول حسان بن ثابت: إنَّ شَرْخ الشباب والشعَر الأَسْود ما لم يعاصَ كان جنونًا لأن الكلام قائم هنا على حذف الخبر، أن المراد: والله أحق أن يرضوه، ورسوله كذلك إن شرخ الشباب ما لم يعاص كان جنونا والشعر الأسود كذلك. فهو نظير قول الشاعر: نحن بما عندنا وأَنت بما عندك راضٍ. ولرأْيُ مختلفُ أي: نحن راضون بما عندنا. وأنت راض بما عندك "راجع كتاب مجمع البيان لعلوم القران ج١ ص١٧٥ و١٩٧". ٢ ومنها: أنها يجوز حذفها وحدها، كما يجوز حذف المعطوف عليه وحده دون حذفها فتصلح في هذه الصورة لان تكون عاطفة أو غير عاطفة "بمعنى: رُبَّ" كما سبقت الإشارة في رقم ٢ من هامش الصفحة السابقة وسيأتي الإيضاح في مكانه المناسب ص٦٣٩ و٦٤١. وله بيان في ج٢ باب حروف الجر عند الكلام على: "رب".
[ ٣ / ٥٦٢ ]
ومثل: "سكنت بين النهر والحدائق١ ومثل: تضيع الكرامة بين الطمع والبخل"؛ لأن معنى "بيّن" لا يتحقق بفرد واحد تضاف إليه٢، وهكذا غيرها من الكلمات التي تؤدي معنى نسبيًا٣؛ مثل: تشارك، تعاون، اختصم، اصطفّ٤
ومنها: اختصاصها بعطف عامل قد حُذف وبقي معموله. نحو: "قضينا في الحديقة يوما سعيدًا أكلنا فيه وأشهَى الطعامِ، وأطيب الفاكهةِ، وأعذبَ الماء" فكلمة: "أطيب" معطوفة على: "أشهى"، أي: أكلنا أشهَى
_________________
(١) ١ يصح أن يقال: سكنت بين النهر وبين الحدائق، بتكرار "بين" إذا كان المتعاطفان اسمين ظاهرين كما في المثال، والغرض من التكرار هو تأكيد المعنى وتقويته. وهنا التكرار جائز مع العطف، بشرط أن تكون الأولى مضافة لاسم ظاهر مفرد "أي: لا يدل على تعدد" فان أضيفت لضمير دال على الإفراد وجب التكرار مع عطفه المكررة بالواو؛ طبقًا لما فصلناه في ب٢ ص٢٦٨ م٧٩ حيث جاء فيه ما نصه: "يجوز أن يقال المال بين محمود وبين علي: بزيادة "بي الثانية للتأكيد، كما قاله ابن بريّ وغيره، وبذلك يرد على منع الحريري تكرارها راجع حاشية "ياسين" على التصريح، ج٢ أول باب العطف وكذلك حاشية الصبان ج٢ في ذلك الباب عند الكلام على واو العطف ". ومن المسموع في هذا قول علي بن أبي طالب -كما جاء في كتاب "سجع الحمام، في حكم الإمام " ونصه: "للمؤمن ثلاث ساعات وساعة يخلي فيها بين نفسه وبين لذاتها" ا. هـ. ويؤيد ما سبق أيضا، ما ورد من نصوص فصيحة، نثرية وشعرية، وأدلة أخرى سجلناها هناك. ٢ لهذا قالوا في بيت امرئ القيس: قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ومنْزِلِ بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ أن التقدير: بين أماكن الدخول وحومل "الدخول وحومل: موضعان" وقيل أن الرواية هي: بين الدخول وحومل. فلا تقدير. ٣ هو المعنى الذي لا يتحقق إلا بنسبته إلى اثنين "أو أكثر" يشتركان فيه؛ ويقع عليهما. ٤ ومثل "استوى" في قول الشاعر يصف حاله مع احد أقاربه: صَبرت على ما كان بيني وبينه وما تستوي حربُ الأَقارب والسِّلْمُ ومثلها: "تَسَاوَى" بشرط أن يكون -كسابقتها- إفادة التساوي بين شيء وآخر. هذا، وقد تقع الواو بعد كلمة: «سواء» التي تفيد التسوية ولكن بشرط أن تقع بين اسمين، وإلا توجد همزة التسوية، نحو: سواء علي الأخ والصديق الوفي. وهنا رأي سيبويه، أما الكلام على التسوية والمراد مننها ففي ص ٥٨٥.
[ ٣ / ٥٦٣ ]
الطعام، وأكلنا أطيبَ الفاكهة. أما كلمة: "أعذب" فلا يصح -في الرأي الأغلب- عطفها على أشهَى، إذ لا يصح أن يقال: أكلنا أعذب الماء؛ لأن أعذب الماء لا يؤكل، وإنما يُشرب، ولهذا كانت كلمة: "أعذب" معمولة لعامل محذوف، تقديره: شَرِب، أي: وشربنا أعذب الماء، والجملة بعد الواو معطوفة على الجملة التي قبلها وهي: أكلْنا؛ فالعطف عطف جملة على جملة.
ومثل: "اشتد البرد القاسي في ليلة شاتية، فأغلقتُ الأبوابَ والنوافذَ، وأوقدتُ نارًا للدفء، والملابسَ الصوفية"؛ فلا يصح عطف كلمة: "الملابس" على "الأبواب" ولا على "نار" لفساد المعنى على هذا العطف؛ إذ لا يقال: أغلقتُ الملابس الصوفية، ولا أوقدتُ الملابس، وإنما هي معمول لعامل محذوف تقديره: ولبِستُ الملابس الملابس الصوفيةَ، أو أكثرتُ الملابسَ الصوفية، أو نحو هذا مما يناسب الملابس، والجملة بعد الواو معطوفة على جملة: أغلقتُ. فالعطف عطف جملة على جملة، لا عطف مفرد على مفرد –كما سبقت الإشارة١-.
ولا فرق في المعمول الباقي بين المرفوع؛ نحو قوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾، والمنصوب؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا ٢ الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾، والمجرور نحو قولهم:"ما كل سوداءَ فَحْمةً، ولا بيضاء شحمةً، والأصل في المثال المرفوع": ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾؛ إذ لا يصح عطف "زوج" على الضمير المستتر الفاعل؛ وإلا كان فاعلًا مثله حُكمًا؛ فيترتب على هذا أن يقال: اسكن زوجُك، بوقوع الاسم الظاهر فاعلًا الأمر؛ وهذا لا يصح٣. كما أن الأصل في المنصوب: "تَبوّؤا الدار، وألِفُوا الإيمان"؛ لأن الإيمان لا يُسْكن والأصل في المجرور: "ما كلُّ سوداء فحمةً ولا كلُّ
_________________
(١) ١ في الجزء الثاني، باب المفعول معه ص٢٣٢ م٨٠. ٢ سكنوا. ٣ يبيحه فريق من النحاة بحجة: "أنه قد يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع". وفيه تيسير. ولا يجوز إعرابه بدلًا من الفاعل المستتر؛ لأن الضمير لا يبدل من الضمير كما في "ب" ص٦٨٣.
[ ٣ / ٥٦٤ ]
بيضاءَ شحمةً" لئلا يترتب على العطف المباشر من غير تقدير المحذوف، عطف شيئين على معمولي عاملين مختلفين بحرف عطف واحد، وهذا ممنوع. والعاملان هما "ما١، وكلّ" والمعمولان هما: "بيضاء، وشحمةً"٢.
هذا ما يقوله كثير من النحاة. ولكن الصحيح أن الواو العاطفة لا تختص بهذا الحكم وحدها، وإنما تشاركها فيه "فاء" العطف –كما سيجيء عند الكلام عليها٣ مثل: أحْسِن بدينار فصاعدًا أي فاذهب صاعدًا بالعدد٤
ومنها جواز حذفها عند أمن اللبس٥؛ نحو: زرت أقاربي في الصعيد، وقابلت منهم: العم، والعمة، الخال، الخالة، أبناءَهم أي: العم والعمة، والخال والخالة وأبناءهم. ومثل: قرأت اليومَ: الصحف اليومية، المجلات، الرسائل، المحاضرات أي: الصحفَ اليومية، والمجلات. والرسائل، والمحاضرات
ومثل هذا يقال في سرد الأعداد، نحو: من الأعداد عشر، عشرون، ثلاثون، أربعون
ومنها: عطف الشيء على مرادفه لتقوية معناه وتأكيده٦ كقولهم: الصمت والسكوت عن غير السداد سداد. وقولهم يعود البغي والطغيان وبالًا على صاحبه، فالمعطوف وهو: "السكوت" بمعنى المعطوف عليه: "الصمت" وكذلك الطغيان والبغي ومن هذا قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾، فكلمة؛ "بثّ" معطوف عليه؛ وكلمة: "حُزن" معطوف مرادف له في المعنى.
_________________
(١) ١ على اعتبار "ما" حجازية تعمل عمل: "ليس". ٢ سبق هذا المثال في آخر باب الإضافة ص١٦١ لمناسبة هناك: ويعاد موضحًا في آخر هذا الباب ص٦٣٨. ٣ في ص٥٧٥. ٤ سبق إيضاح هذا في مكانه الأنسب ج٢ ص٣٠٤ م٨٦ باب الحال وحذف عامله. ٥ الصحيح أن "الفاء" تشاركها في هذا الحكم. وكذا: "أو"، "كما سيجيء في ص٥٧٥ و٦١١ و٦٤١. غير أن حذف الواو هو الأكثر. ٦ قد تشاركها: "أو" في هذا أحيانًا؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ﴾ فالخطيئة هي الإثم –ولهذا إشارة تجيء في "د" من ص٦١١-.
[ ٣ / ٥٦٥ ]
ومثل النَّأي والبُعد١ في قول الحطيئة:
أَلا حبذا هندٌ وأَرض بها هندُ وهندٌ أَتى من دونها النَّأْي والبعدُ٢
_________________
(١) ١ ومثل الجملتين الفعليتين: "أقْوى ×"، وأقْفر ×" في قول عنترة: حُييتّ من طَلَلٍ تقادمَ عهدُه أَقْوَى وأَقفرَ بعد أُم الهَيْثَمِ.. ٢ فيما سبق من تعريف العطف النسق يقول ابن مالك: تَالٍ بحرْفٍ مُتْبِع عطْفُ النَّسقْ كَاخُصُصْ بِوُدِّ وثَنَاءٍ منْ صَدَقْ يقول: إنه هو التالي الحرف مُتْبعٍ ما بعده لما قبله، أي: مشترك للثاني مع الأول في الحكم الأعرابي. وساق مثلًا للتشريك في الحكم هو: أخصص من صدق بود وثناء، فحرف العطف هو: الواو، وبالتالي المشارك في الحكم هو: "الثناء". ومعنى:"تال بحرف مُتْبع": أنه تال "تابع" بسبب حرف يُتبع ما بعده لما قبله: فليس منه "أيْ" المفسرة، لأنها لا تتبع ما بعدها لما قبلها إلا على الرأي الذي يعتبرها حرف عطف كالواو، وهو الرأي الكوفي الحسن الذي أشرنا إليه "مفصلًا في رقم ١ من هامش ص٥٥٦". ثم ساق بيتين ضمنهما أكثر حروف العطف التي سنشرحها في المكان الأنسب؛ هما: فالْعطْفُ مطْلُقًا بِواوٍ –ثمَّ –فا – حتَّى –أَم -أَو؛ كَفيكَ صِدقْ ووفَا وَأْتبعَتْ لَفْظًا فَحسْبُ: بلْ –ولا.. لكِنْ؛ ثم عاد الكلام على أحكام الواو فقال: فاعْطِفْه بِواو سابقًا، أو لاَحِقًا في الحُكْم، أَوْ مُصاحِبًا مُوافِقًَا واخْصُصْ بِها عطف الَّذِي لا يُغْنِي متْبُوعُه، كاصْطَفَّ هذَا وابْنِي واقتصر على ما سبق، ولم يذكر بقية أحكام الواو.
[ ٣ / ٥٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- ومما انفردت به الواو غير ما سبق:
١- عطف العام على الخاص١؛ نحو: زرت القاهرة. والحواضر الكبرى. وقوله تعالى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ .
٢- وقوعها بعد كلام منفي. عاطفة مفردًا. وبعدها "لا" النافية؛ نحو: شجاع النفس لا يحب الجبن، ولا الكذب، ولا الرياء "أي: لا يجب كل واحدة من الصفات المذكورة". فتكرار "لا" يفيد أن النفي واقع على كل واحدة وحدها من غير توقف على غيرْها. ولو لم تتكرر٢ "لا" لتوهمنا أنه مقصور على حالة اجتماعها مع غيرها٢. فإن لم يوجد نفي قبلها. أو قصدت المعية لم يصح مجيء "لا"٣.
٣- وقوعها بعد نهي عاطفة لمفرد، وبعدها: "لا" النافية؛ التي تؤكد الغرض السالف؛ نحو: لا تصدق الحلاّف، ولا النمَّمام، ولا الحاسد.
٤- جواز الفصل بينهما وبين معطوفها بظرف. أو جار مع مجروره٥، نحو: أينعتْ حديقتان؛ حديقةٌ أمام البيت، وخلفَه حديقةٌ٥، ومثل قوله
_________________
(١) ١ وأما عكسه وهو: "عطف الخاص على العام" فتشاركها فيه "حتى" –كما سيجيء في "ب" ص٥٨٤– نحو قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ . ونحو: لا يأمن الناس الأيام حتى الملوك. "والصلاة الوسطى: هي صلاة وسط النهار. والمراد بها: الظهر والعصر". وكل ما سبق مشروط بألا يتطلب المعنى حرفًا آخر يفيد الترتيب أو غيره انظر ما يتصل بهذا في آخر رقم ٨ من ص٦٦٠. ٢ راجع "التصريح عند الكلام على: "العاطفة"، ثم "المغني" عند الكلام على "الواو". ٣ لهذا بيان هام "في ج١ م٥ هامش ص٦٢ أو الكلام على موضوع: "الحرف". ويتضمن –فيما يتضمن– النص على زيادة "لا" النافية، والغرض من زيادتها، ومعناها، وإعرابها ". ٤ صرح بهذا "الصبان" ولم يذكر خلافًا. لكن سيجيء في رقم ٥ ما يعارضه. ٥ والأخذ بهذا الرأي في "الواو" أنسب من الأخذ برأي آخر يمنع الفصل مطلقًا في غير الضرورة الشعرية بين المعطوف وحرف العطف: "الواو" أو: "الفاء"؛ أما غير هذين الحرفين من أدوات العطف فالرأيان متفقان على جواز الفصل بالظرف أو بالجار مع مجرورة. "راجع الهمع ج٢ آخر باب العطف، ص١٤١".
[ ٣ / ٥٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ .
٥- عطف العِقد١ على النَّيِّف، نحو: واحد وعشرون سبعة وثلاثون خمسة وأربعون و
٦- اقترانها بالحرف: "لكنْ"؛ كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ ٢ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ .
٧- وقوعها قبل الحرف "إما" المسبوق بمثله في كلام قبله؛ نحو: المنّ بالمعروف إما جهالةٌ، وإما سوءُ أدب.
٨- العطف بها في أسلوب الإغراء والتحذير؛ نحو: الرفقَ والملاينةَ جهدَ طاقتك، وإياك والعنفَ ما وجدت سبيلًا للفرار منه.
٩- عطف النعوت المتعددة المتفرَّقة التي منعوتها متعدد غير مفرَّق: نحو: تنقلت في بلاد زراعية وصناعية وتجارية والواقع بعد هذه "الواو" يسمى معطوفًا، ولا يصح تسميته –الآن- نعتًا.
١٠- عطف المفردات التي حقها التثنية أو الجمع، نحو قول الحجاج وقد مات
_________________
(١) ١ العقد هو: العدد الذي يجيء ترتيبه عاشرًا بين الأرقام المتسلسلة المرتبة قبله. وتحصر العقود في لفظ: عشرة، عشرين، ثلاثين، أربعين، خمسين، ستين، سبعين، ثمانين، تسعين، والصحيح تسمية: "مائة" و"ألف" ومركباتهما "عقدًا" أيضًا أما "النيف" فكل عدد يكون ترتيبة المتسلسل بين عقدين؛ ومنه: أحد عشر، اثنان وعشرون، ثلاثة وثلاثون، خمسة وأربعون. وثلاثون، خمسة وأربعون و ٢ الواو هي العاطفة، أما: "لكنْ" فحرف استدراك محض، -ومعناه وأحاكمه في صفحة ١٦١-وكلمة: "رسول" بالنصب، خبر "كان" المحذوفة، والجملة من "كان" ومعموليها معطوفة بالواو على الجملة الفعلية قبلها. وهذا على الرأي الأشهر القائل إن كلمة: "لكنْ" الاستدراكية المسبوقة بالواو لا يقع بعدها إلا الجملة دائمًا، ولا تكون عاطفة؛ وإنما العاطف الواو. أما على رأي من يجيز وقوع المفرد بعدها فالواو حرف عطف وكلمة: "رسول" معطوفة على كلمة: "أبا" "انظر ص٦١٦".
[ ٣ / ٥٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
محمد ابنه، ومحمد أخوه: "محمد ومحمد في يوم واحد". وقول الشاعر الفرزدق:
إن الرزية لا رزيةَ بعدها فِقْدانُ مثل محمد ومحمدِ
وقول الآخر:
أَقمنا بها يومًا، ويومًا، وثالثًا ويومًا له يوم التَّرحُّلِ خامسُ
يريد: أيامًا ثمانية
١١- عطف السببي على الأجنبي في: "الاشتغال"؛ نحو: محمدًا أكرمت عمرًا وأخاه١. ومثل: محمد مررت بأخيك وأخيه١.
١٢- عطف كلمة: "أيّ" على مثلها٢، كقول الشاعر:
فلئِنْ لقيتُك خالَيْن لَتَعْلَمَنْ أَيِّي وأَيُّكَ فارِسُ الأَحْزابِ
١٣- عطف الظرف: "بين" على نظيره، مثل: المال بيني وبين أهلي٣.
١٤- عطف السابق في زمنه على اللاحق، نحو: قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ .
١٥- المتعاطفان بالواو لا يختلفان بالسلب والإيجاب إذا كانا مفردين فلا يصح: لا الشمس طالعة والقمر.
١٦- وجول الفصل بها مع إهمالها بين كلمتين مُعَينتين ينشأ منهما مسموع من التركيب المزجّى "من أمثلته: كَيْت وكيْت. ذَيْت وذيت " بالتفصيل والبيان الآتيين في الموضع الأنسب –ج٤ باب: "كم" م١٦٨ ص٥٤٠.
١٧- جواز عطفها عاملًا قد حذف وبقي معموله على الوجه المشروح في ص٦١٥.
ب- يرى الكوفيون من خصائص الواو وقوعها زائدة؛ كالتي في قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا
_________________
(١) "١، ١" الضمير راجع إلى "محمد" في المثالين. ٢ بالتفصيل الذي سبق في "ج" من ص١٠٧. ٣ راجع ما يختص بتكرار الظرف: "بين" في رقم ١ من هامش ص٥٦٣.
[ ٣ / ٥٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ فالواو التي قبل: "فُتحت" زائدة عندهم١. ومثل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أي: تَلَّهُ للجبين٢.
والبصريون يؤولون الآيتين وشبههما بتأويلات منها: أن الواو عاطفة أصلية وجواب "إذا" و"لما" محذوف لكن التأويل عسير في قول الشاعر:
ولقد رمقْتك في المجالِسِ كلها فإذا وأَنت تعينُ من يبغيني
والمراد: فإذا أنت. وقول الآخر:
فما بالُ من أَسعى لِأَجْبُرَ عظمهُ حِفَاظًا، وينْوي من سفاهته كسْرى
أي: ينوي من سفاهته.
وإنما كان التأويل هنا عسيرًا لأن ما بعد إذا "الفجائية" لايقترن بالواو. ولأن جملة "ينوي" على تأويلها بأنها حالية هي جملة مضارعية مثبتة، وصاحب الحال هو "مَنْ" والجملة المضارعية المثبتة لا تقع حالًا مقترنة بالواو إلا على تقديرها خبرًا لمبتدأ محذوف والجملة في المبتدأ المحذوف وخبره هي الحال فهي محتاجة للتأويل والحذف. ولا داعي لهذا أو لغيره من التأويلات. فمذهب الكوفيين أوضح وأقل تعسفًا، والأخذ به هنا أيسر٣، لكن الأفضل التخفّف من الزائدة قدر الاستطاعة، والبعد عن استعمالها؛ فرارًا من اللبس، ومن التأويل بغير داع.
ح- هل "الواو" الواقعة بعد "بل" نوع من الزائدة؟ مثل: الصالح أمين،
_________________
(١) ١ مستدلين بالآية الأخرى الخالية من الواو –وكلتاهما في سورة: "الزمر"، ونصها: ﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ﴾ . ٢ بمعنى صرعه وألقاه على الأرض حتى لمسها جبينه. والقصة عن إبراهيم حين أراد أن يحقق رؤيا منامية؛ مضمونها أنه يذبح ابنه. ففهم منها أن هذا إيحاء من الله يجب تنفيذه؛ فهمَّ به، ورضي الولد بقضاء الله. ولكن الله أوحى إلى نبيه تركه، والتضحية بدله بشيء آخر. ٣ علمًا بأن اللفظ الزائد "حرفًا أو غير حرف" إنما يزاد لغرض مقصود –طبقًا لما شرحناه في ج١ م٥– الزيادة والتفصيل –عند الكلام على الحرف.
[ ٣ / ٥٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بل ومحسن الجواب في "ج" من ص٦٢٨.
د- تختص همزة الاستفهام دون باقي أخواتها بالدخول على أحد ثلاثة من حروف العطف ولا تدخل على غير هذه الثلاثة، هي: "الواو، الفاء، ثم" فمثالها قبل الواو قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ َوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾، وقبل "الفاء"١ في قوله تعالى عن المشركين: ﴿َفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾، وقبل "ثُمّ"٢ قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾ ولا بد أن يكون المعطوف بعد الثلاثة جملة. وقد اشتهر النحاة في هذا رأيان٣.
أولهما: وهو رأي جمهورهم أن الهمزة تركت مكانها بعد حرف العطف، وتقدمت عليه؛ تنبيهًا على أصالتها في التصدير –كما يقولون– فالجملة بعد العاطف معطوفة على الجملة التي قبله وقبل الهمزة. ما لم يمنع من هذا العطف مانع" كأن تكون إحدى الجملتين إنشائية والأخرى خبرية؛ عند من يمنع العطف بين الجملتين المختلفتين خبرًا وإنشاء، مثل هذه الصورة. فتكون الجملة عنده بعد حرف العطف معطوفة على أخرى محذوفة مماثلة لها في الخبرية أو الإنشائية ".
ثانيهما: وهو رأي الزمخشري أن الجملة بعد العاطف معطوفة على جملة محذوفة موقعها بين الهمزة والعاطف. والأصل مثلًا، أنَسُوا ولم يتفكَّروا؟ -أأغمضوا عيونهم ولم ينظروا؟ - أقعدوا ولم يسيروا ؟ -أكفرتم ثم إذا وقع
_________________
(١) ١ انظر رقم ٣ من هامش ص٥٧٥. ٢ انظر "ب" من ص٥٧٩. ٣ كما ستجيء الإشارة في ص٦٣٩.
[ ٣ / ٥٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
آمنتم به؟ والرأي الأول أشهر. وبالرغم من ذلك فإن كلا الرأيين معيب؛ لقيامه على الحذف والتقدير، أو التقديم والتأخير، ولعدم انطباق كل منهما على بعض الصور الأخرى التي يدور حولها وحول ما سبق جدل طويل واعتراضات مختلفة١.
فما السبب في هذا التكلف؛ والالتجاء إلى الحذف، والتقدير، والتقديم، والتأخير وعندنا ما هو أوضح وأيسر، وأبعد من التأويل؛، وذلك باعتبار الهمزة للاستفهام، وبعدها "الواو" و"الفاء"، و"ثم" حروف استئناف داخلة على جملة مستأنفة. وقد نص النحاة على أن كل واحد من هذه الثلاثة يصلح أن يكون حرف استئناف.
ولا مانع أيضًا أن تدخل الهمزة –هنا– على حرف العطف مباشرة؛ مسايرة للنصوص الكثيرة الواردة في القرآن وغيره، ولن يترتب على أحد هذين الرأيين إخلال بمعنى، أو تعارض مع ضابط لغوي.
"ملاحظة" في غير الهمزة من أدوات الاستفهام يجب تقيم حرف العطف وتأخير أداة الاستفهام عنه؛ لأن هذا هو قياس جميع الأجزاء في الجملة المعطوفة، نحو: قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾
_________________
(١) ١ نراها في بعض المراجع، كالمغني وحواشيه، باب الهمزة.
[ ٣ / ٥٧٢ ]
٢- الفاء:
معناها الغالب هو الترتيب بنوعيه "المعنويّ والذّكْرِيّ" مع التعقيب فيهما وإفادة التشريك. والمراد بالترتيب المعنوي: أن يكون زمن تحقق المعنى في المعطوف متأخرًا على زمن تحققه في المعطوف عليه؛ نحو: "نفعَنا بذرُ القمح للزراعة، فإنباتُه، فنضجُه، فحصادُه"، و فزمن البذر سابق على زمن الإنبات، والنضج، وما بعده.
والمراد: بالترتيب الذّكْرِي: أن يكون وقوع المعطوف بها بعد المعطوف عليه بحسب التحدث عنهما في كلام سابق، وترتيبهما فيه، لا بحسب زمان وقوع المعنى على أحدهما، كأن يقال لمؤرخ: حدثنا عن بعض الأنبياء؛ كآدم، ومحمد وعيسى، ونوح، وموسى –﵈– فيقول: اكتفى اليوم بالحديث عن محمد، فعيسى. فوقوع عيسى" بعد الفاء لم يقصد به هنا الترتيب الزمني التاريخي؛ لأن زمن عيسى أسبق في التاريخ الحقيقي من زمن محمد، وإنما قصد مراعاة الترتيب الذّكْري "أي: اللفظيّ" الذي ورد أولًا في كلام السائل، وتضمن ذكر "محمد" قبل "عيسى"١.
والمراد بالتعقيب: عدم المهلة يتحقق بقِصَر المدة الزمنية التي تنقضي بين وقوع المعنى على المعطوف عليه ووقوعه على المعطوف؛ نحو: وصلت الطيارة فخرج المسافرون. وأول من خرج النساءُ فالرجال فخروج المسافرين
_________________
(١) ١ ويدخل في الترتيب الذكري "عطف المفصّل على المجمّل"؛ كقوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ . وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ . وقوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ . ومن الترتيب الذكري: "الترتيب الإخباري"؛ وهو الذي يقصد به مجرد الإخبار وسرد المعطوفات بغير ملاحظة ترتيب كلامي سابق، ولا ترتيب زمني حقيقي، وإنما يقصد به –بشرط وجود قرينة– ذكر المعلومات واحدة بعد واحدة، فالفاء –في هذا– كالواو التي لمطلق الجمع؛ نحو: تغير الجو، واشتدت الرعود، فالبروق، فتراكُم المياه في المنحنيات، فالأمطار ونحو: هذا عالم فأبوه، فجده
[ ٣ / ٥٧٣ ]
–في المثال– يجيء سريعًا بعد وصول الطيارة، وخروجُ الرجال يكون بعد خروجُ الرجال يكون بعد خروج النساء مباشرة من غير انقضاء وقت طويل في الصورتين
وقِصَر الوقت متروك تقديره للعُرف الشائع؛ إذ لا يمكن تحديد الوقت القصير أو الطويل تحديدًا عامًّا يشمل كل الحالات. فقد يكون الوقت قصيرًا في حالة معينة، ولكنه يُعَدّ طويلًا في أخرى.
وبمناسبة إفادتها الترتيب نشير إلى قاعدة سبقت١؛ هي: أن "المعطوفات" المتعددة تقتضي أن يكون لها جميعًا "معطوف عليه" واحد، وهو: الأول الذي يسبقها كلها، وقبل كل معطوف حرف عطف خاص به. ولكن إذا كان حرف العطف يفيد الترتيب؛ "مثل: "الفاء" و"ثم" وجب أن يكون المعطوف عليه هو السابق عليهما مباشرة، ولو لم يكن هو الأول: نحو: تكلم في النادي الرئيس والوكيل والمُحاضر، فالناثر ثم الشاعر. فالوكيل والمحاضر معطوفان على الرئيس، أمّا كلمة: "الناثر" فمعطوفة على: "المحاضر" وأمَّا كلمة: "الشاعر" فمعطوفة على "الناثر"٢
وتفيد كثيرًا مع الترتيب والتعقيب، "التسيب"؛ أي الدلالة على السببيَّة٣؛ "بأن يكون المعطوف متسببًا عن المعطوف عليه" ويغيب هذا في شيئين؛ عطف الجمل، نحو: رمى الصياد الطائر فقتله٤، وفي المعطوف المشتق، نحو: أنتم –أيها الجنود– واثقون بأنفسكم، فهاجمون على عدوكم، ففاتكون به. فمنتصرون عليه
ومن أحكام الفاء٥:
_________________
(١) ١ في أول الباب في رقم ٢ من هامش ص٥٥٥ حيث البيان المفيد. ٢ فإن جاء بعد ذلك عاطف لا يفيد الترتيب كان ما بعده معطوفًا على الذي قبل العاطف مباشرة، طبقًا للبيان الهام والذي في هامش ص٥٥٥. ٣ ولكنها لا تسمى اصطلاحًا في هذه الحالة "فاء السببية" إلا إذا دخلت على مضارع منصوب "بأن المصدرية" المضمرة التي تنصبه بشروط معينة مدونة في موضعها الأنسب "وهو: باب: "إعراب الفعل"، أول الجزء الرابع، ص٦٥، م١٤٩". ٤ ومثل قول الشاعر: رُبَّمَا استحال السّعد نحسًا فذاق المعتدي مما أذاقه ٥ إنها قد تتجرد أحيانًا للاستئناف المحض ولا تصلح لغيره -وكذلك: "الواو"، وثم-.
[ ٣ / ٥٧٤ ]
أنها لا تنفصل من معطوفها بفاصل١ اختيارًا، فلا بد من اتصالهما في غير الضرورة الشعرية. وأنها تعطف المفردات٢ والجمل كما في الأمثلة السالفة٣، وأنه يجوز حذفها بقرينة كما أن "الواو" و"أو"٤ كذلك نحو: قطعت سنوات التعلم؛ الأولى، الثانية، الثالثة، الرابعة ونحو: أنفقت المال درهمًا، درهمين، ثلاثة وأنها قد تحذف مع معطوفها؛ كالآية التي سلفت٥.
وتختص الفاء٦: بأنها تعطف جملة لا تصلح صلة، ولا خبرًا، ولا نعتًا؛ ولا حالًا على جملة تصلح لذلك، والعكس، بأن تعطف جملة تصلح لتلك الأشياء على جملة لا تصلح. "وسبب عدم الصلاحية في الصور السالفة كلها: خلو الجملة من الرابط، ووجوده في الجملة الصالحة"٧ فمثال عطفها جملة لا تصلح صلة على جملة أخرى تصلح: "الذي عاونته ففرح الوالد مريض" ومثال العكس: "التي وقف القطار فساعدتها على النزول عجوز ضعيفة".
_________________
(١) ١ كما سيجيء في رقم ٤ من ص٦٥٨. وقد سبق –في رقم ٥ من هامش ص٥٦٧– رأي يجيز الفصل بالظرف أو الجار مع مجروره بين ألفاء ومعطوفها. ولكن الرأي الذي يمنع الفصل في غير الضرورة الشعرية هو الصحيح إذا كانت أداة العطف هي "الفاء"، والاقتصار عليه واجب. ٢ المراد من المفرد في باب العطف مدون في رقم ٣ من هامش ص٥٥٧ وله تكملة مفيدة في ص٦٤٢. ٣ في ص٥٧٣ وهامشها ، ويجوز عند عطفها الجمل أن تسبقها همزة الاستفهام –إن اقتضى المعنى ذلك– على الوجه المشروح في "د" من ص٥٧٠ فهي "الواو"، و"ثم، في هذا، ولا يقع من حروف العطف بعد همزة الاستفهام مباشرة غير أحد هذه الثلاثة. ٤ انظر "ج" من ص٦١١ ثم ص٦٤١. ٥ في رقم ٣ من هامش ص٥٦١ وهي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ أي: فأفطَر، فعدة من أيام أُخر، وفي ص٦٣٦ أمثلة أخرى. وكذلك يصح حذف المعطوف عليه قَبلها، طبقًا للبيان الذي في ص٦٣٩. ٦ ومما تختص به الفاء: أنها حرف العطف الوحيد الذي يصلح للدخول على الفعل المطاوع لأصله؛ نحو: فتحت الباب –فانفتح– علمت الراغب فتعلم، ولا يصح مجيء غيره من حروف العطف –طبقًا للبيان الهام الخاص بأحكام المطاوعة ج٢ م٦٦ ص٩٨٠ ٧ وقد سبق هذا في مكانه من الأبواب الخاصة بتلك الجمل.
[ ٣ / ٥٧٥ ]
ومثال عطفها جملة لا تصلح خبرًا على أخرى تصلح: "الحديقة يرعاها البستاني فيكثُرُ الثَّمرُ". ومثال "العكس: الحديقة أهمل البستانيّ فقلَّ ثمرها".
ومثال عطفها جملة لا تصلح نعتًا على أخرى تصلح: "هذا حاكم سَهِر على خدمة رعيته؛ فسعدت الرعية". ومثال العكس: "هذا حاكم شكا الناس فأزال أسباب الشكوى".
ومثال عطفها جملة لا تصلح حالًا على أخرى تصلح: "أقبل المنتصر يتهلل وجهه فتشرح القلوب" ومثال العكس "أقبل المنتصر تنشرح القلوب فيتهلل وجهه".
هذا، والفاء كالواو في أنها تعطف عاملًا قد حذف، وبقي معموله؛ نحو اشتريت الكتاب بدينار فصاعدًا١؛ والأصل –مثلًا: فذهبَ الثمنُ صاعدًا.
"ملاحظة": من الفاء العاطفة للمفرد: "فاء السببية، التي ينصب بعدها المضارع بأنْ المستترة وجوبًا، فالمصدر المؤول بعدها مفرد معطوف بها على مفرد قبلها –كما سيجيء في مكانه٢
وهناك نوع من الفاء يسمى: "فاء الفصيحة"، سيجيء الكلام عليه٥. ونوع آخر تكون الفاء فيه –في بعض الآراء– حرف عطف صورةً لا حقيقية؛ فشكلها وظاهرها أنها عطف، مع أنها في الحقيقة والواقع مهملة وليست عاطفة، وقد سبق الكلام على هذا النوع٤.
بقي حكم الضمير العائد على المتعاطفين بعد الفاء العاطفة من ناحية المطابقة وعدمها وسيجيء البيان٥
٣- ثم:
ومعناها الترتيب مع عدم التعقيب، "أي: الترتيب مع التراخي"؛ وهو: انقضاء مدة زمنية طويلة بين وقوع المعنى على المعطوف عليه ووقوعه على
_________________
(١) ١ انظر ص٥٦٣ ورقم ١ من هامش ص٣٦٣. ٢ وهو عمل "فاء السببية" باب: نواصب المضارع –ج٤ م١٤٩ ص٣٣٣. ٣ في ص٦٣٧ وهامشها. ٤ في ص٥٣٦. ٥ في رقم ٣ من ص٦٥٧.
[ ٣ / ٥٧٦ ]
المعطوف. وتقدير المدة الزمنية الطويلة متروك للعُرف الشائع –كما رددنا١؛ فهو وحده الذي يحكم عليها بالطول أو القِصر، ولا يمكن وضع ضابط آخر يحددها؛ لأن ما يعتبر طويلًا في حادثة معينة قد يكون قصيرًا في غيرها؛ فمَردّ الأمر للعُرف. ومن الأمثلة: زرعت القطن، ثم جنيته دخل الطالب الجامعة ثم تخرّج ناجحًا–كان الشاب طفلًا ثم صبيًا، ثم غلامًا؛ ثم شابًا فتيًّا.
ومن أحكامها:
أنها تعطفت المفردات والجمل، كما في الأمثلة السالفة٢ وقد تدخل عليها تاء التأنيث٣ لتفيذها التأنيث اللفظيّ؛ فتختص بعطف الجمل، نحو: مَنْ ظَفِر بحاجته ثُمَّتَ قَصَّر في رعايتها كان حزنه طويلًا، وغُصَّتُهُ شديدة.
ومنها: -وهذا قليل جائز– أنها قد تكون بمعنى واو العطف، فتفيد مطلق الجمع والاشتراك من غير دلالة على ترتيب، بشرط وجود قرينة؛ نحو: لما انقضى الليل، واستنار الكون، ثم طلعت الشمس، واقترب ظهور الفجر سارع الناس إلى أعمالهم٤..
_________________
(١) ١ في ص٥٧٤. ٢ اقتصر ابن مالك في الكلام على "الفاء"، وثم على ما يأتي: و"الفَاءُ" للترْتِيبِ بِاتِّصَالِ وَ"ثُمَّ" لِلتَّرتيبِ بانْفِصَالِ "اتصال": أي: بغير مهلة زمنية. "بانفصال": بمهلة زمنية، "والمهلة هي ما يعبرون عنها بالتراخي. وعدم المهلة هو التعقيب" –وقد أوضحناهما في ص٥٧٣ و٥٧٤– ثم قال في الفاء: واخْصُصْ بفَاءٍ عَطفَ ما لَيْسَ صِلَهْ عَلَى الَّذِي اسْتَقَرّ أَنَّهُ الصِّلَهْ يريد: تختص الفاء بأنها تعطف جملة لا تصلح أن تكون صلة؛ لخلوها من الرابط على جملة أخرى تصلح صلة لاشتمالها على الرابط، ولهذا الحكم أشباه وتفصيلات شرحناها "في ص٥٧٥" وسيذكر في آخر الباب ص٦٣٦ اختصاص آخَر لها أشرنا إليه من قبل "في رقم ٣ من هامش ص٥٦١" هو أنها –كالواو– يجوز حذفها مع معطوفها. ٣ وهذه التاء الداخلة على الحروف يجوز تسكينها أو تحريكها بالفتحة. أما كتابتهما فمفتوحة "غير مربوطة". ٤ ومن هذا قول ابن مالك في أول باب من ألفيته: كلامُنا لفظٌ مفيدٌ؛ كاستقمْ واسمٌ، وفعلٌ، ثم حرفٌ، الكَلِمْ قال الأشموني ما نصه: "ثم" في قوله: "ثم حرف، بمعنى الواو؛ إذ لا معنى للتراخي بين الأقسام. ويكفي في الإشعار بانحطاط درجة الحرف عن قسميه ترتيب الناظم لها في الذكر على حسب ترتيبها فيا لشرف، ووقوعه طرفًا. ا. هـ.
[ ٣ / ٥٧٧ ]
ويدخل في هذا القليل الجائز أنْ يكون للترتيب الذّكري الإخباريّ، "وهو: الذي سبق إيضاحه١ في "الفاء" نحو: بلغني ما صنعت اليوم، ثم ما صنعتَ أمسِ أعْجبُ. أي: ثم أخبرك أن الذي صنعته أمس أعجب.
ومنه قول الشاعر:
إن مَنْ سادَ ثم سادَ أَبوه ثم قد سادَ قبل ذلك جدُّه
ومنها: أنها تكون بمعنى "الفاء" أحيانًا فتفيد الترتيب مع التعقيب بقرينة؛ نحو شرب العاطش ثم ارتوى.
ومنها: أن إفادتها الترتيب توجب –عند تعدد المعطوف عليه قبلها بتفريق– أن يكون معطوفًا تابعًا لما قبلها مباشرة من المعطوفات؛ طبقًا للبيان الذي تقدم٢؛ ففي مثل: قرات الآية، والقصيدة، والخطبة. والرسالة ثم النشيد يتعين أن يكون النشيد معطوفًا بها على الرسالة، كما يتعين أن يكون كل واحد من المعطوفات الأخرى التي قبلها معطوفًا على الآية.
ومنها: أنها قد تكون أحيانًا حرف عطف في الصورة الظاهرة دون الحقيقة الواقعة؛ فشكلها الظاهر هو شكل العاطفة، ولكنها لا تعطف مطلقًا وقد سبق٣ الكلام على هذا النوع.
_________________
(١) ١ في هامش ص٥٧٣. ٢ في ص٥٧٤ وللبيان المفيد الذي في رقم ٢ من هامش ص٥٥٥. ٣ في: هـ ص٥٣٦.
[ ٣ / ٥٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- أشار النحاة إلى وهم يقع فيه من يعرب: "ثم" حرف عطف في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ لأن "ثم" لا تصلح عاطفة هنا؛ إذ إعادةُ الخلق لم تقع، وإذا لم تقع فيكف يُقِرون برؤيتها؟ لهذا كانت "ثمّ" لاستئناف في الآية. ويؤيد كونها للاستئناف في الآية قوله تعالى بعد ذلك: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾؛ فمن المستحيل أن يسيروا فينظروا بدء الخلق ثم إنشاء النشاة الآخرة. والاستئناف أحد المعاني التي تؤديها ثلاثة من الأحرف؛ هي: "الواو، والفاء، وثمّ". وحين يكون الحرف للاستئناف لا يكون للعطف. قال الفيروزبادي صاحب "القاموس المحيط" في كتابه الآخر المسمى: "بصائر ذوي التمييز" عند الكلام على معاني "ثمّ"١ –ما نصه: "تكون للابتداء كقوله تعالى في سورة فاطر: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ ا. هـ.
وسيجيء في الجزء الرابع –عند الكلام على "واو المعية". باب إعراب الفعل٢– ما يؤيد وقوع "ثم" للاستئناف، ويزيد الحكم بيانًا ووضوحًا.
ب- "ثم" تصلح للوقوع بعد همزة الاستفهام مباشرة إذا كان المعطوف بها جملة، واقتضى الاستفهام على الوجه المشروع في "د" من ص٥٧٠ فهي كالواو والفاء٣ في هذا. ولا يقع بعد الاستفهام مباشرة من حروف العطف غير هذه الثلاثة.
ج- ما حكْم الضمير بعد "ثم" إذا كان عائدًا على "المتعاطفين" أيطابقهما أم لا يطابق؟ الجواب في رقم ٣ من ص٦٥٧.
_________________
(١) ١ ج٢ ص٣٤٤. ٢ م١٤٩. ٣ انظر رقم ٣ من هامش ص٥٧٥.
[ ٣ / ٥٧٩ ]
٤- حتى:
معناها الدلالة على المعطوف بلغ الغاية في الزيادة أوالنقص بالنسبة للمعطوف عليه١؛ سواء أكانت الغاية حسية أم معنوية، محمودة أم مذمومة، نحو: لم يبخل الغنيُّ الورعُ بالمال حتى الآلاف، ولم يُقَصَّرْ في العبادة حتى التهَجُّدِ٢. ومثل: حبسَ البخيل أمواله حتى الدِّرهمَ، وارتضى لنفسه المعايب حتى الاستجداءَ.
ولا تكون عاطفة إلا باجتماع شروط أربعة ٣:
أ- أن يكون المعطوف بها اسمًا "فلا يصح أن يكون فعلًا، ولا حرفًا٤، ولا جملة٥"، نحو: استخدمت وسائل الانتقال حتى الطيارةً، فلا يجوز
_________________
(١) ١ بمعنى أن المعطوف عليه لو استمر متجهًا في صعوده أو في انخفاضه لكان غاية ما يصل وينتهي إليه من شرف أو خسة، أو قوة أو ضعف، أو نحو هذا من كل ما يفيد زيادة ونقصًا هي الدرجة التي وصل إليها المعطوف. "وكل هذا بحسب التخيل العقلي المحض، لا الواقع؛ لأن الواقع الخارجي قد يعارضه انظر رقم ٢ من هامش ص٥٨٢. ٢ الصلاة بالليل. ٣ زاد بعضهم شرطًا آخر؛ هو: أن يكون المعطوف بها مشتركًا مع المعطوف عليه في معنى عاملها؛ فلا يصح: صمت الأيام حتى يوم عيد الفطر: لأن يوم عيد الفطر لا يباح صومه شرعًا. ٤ لأن الحرف –في الغالب– لا يدخل على نظيره في اللفظ والعمل إلا في التوكيد اللفظي، أو في الضرورة الشعرية. ٥ إذا دخلت "حتى" على جملة فعلية فعلها ماض أو على جملة اسمية، فهي حرف ابتداء، وهي: كما قال الخضري ج٢ باب العطف عند الكلام على: "حتى" الداخلة على جملة مضمونها غاية "أي: نهاية" لشيء قبلها؛ مثل قول الشاعر: ملأنا البر حتى ضاق عنا وبحرُ الأَرض نماؤه سفينا في بعض الروايات وسئل: "المعروف يأسر القلوب، حتى قلوبُ الأعداء مأسورةٌ به". فإن دخلت على مضارع مرفوع بابتدائية، أو منصوب فجارة. ولا بد في الابتدائية ألا تنقطع الصلة المعنوية بين ما قبلها وما بعدها، برغم أن ما بعدها لا بد أن يكون جملة مستقلة في إعرابها. أما قول الفرزدق يذم "كُلَيْبَا" قبيلة الشاعر جرير: فواعجبًا!! حتى كليب تَِسُبُّني كأن أَباها نهشَل أو مُجَاشِع ونهْشَل ومجاشع من آباء الفرزدق فيقول المغني، ج١ عند الكلام على "حتى" ما نصه: "لا بد من تقدير محذوف قبل "حتى" في هذا البيت يكون ما بعد حتى غاية له، أي: فواعجبًا "يسبني الناس حتى كليب تسبني " ا. هـ. "كما سيجيء في باب إعراب المضارع بأن مضمرة وجوبًا. أما "الجارة ففي ج٢ م٩٠ ص٥٤٥".
[ ٣ / ٥٨٠ ]
العطف في نحو: صفحت عن المسيء حتى خَجِل، وتركته لنفسه حتى نَدِم، ولا في قول المعَري:
وهوّنتُ الخطوب عليّ، حتى طأنّي صرت أَمْنَحُها الودادا
ب- أن يكون الاسم المعطوف بها اسمًا ظاهرًا لا ضميرًا، وصريحًا لا مؤولًا؛ فلا يجوز اعتبارها حرف عطف في مثل: انصرف المدعوون حتى أنا. وقد ارتضى بعض المحققين الاستغناء عن هذا الشرط، وأجاز المثال السالف، وأشباهه. وفي الأخذ برأيه توسعة وتيسير. كما لا يجوز اعتبارها عاطفة في مثل: "أحب المقالات الأدبية حتى أقرأ الصحف"؛ لما يترتب على هذا من وقوع معطوفها مصدرًا مؤولًا. وهذا لا يصح.
ج- أن يكون المعطوف بعضًا حقيقيًا١ من المعطوف عليه، أو شبيهًا بالبعض٢، أو بعضًا بالتأويل٣. فمثال البعض الحقيقي: بالرياضة تقوى
_________________
(١) ١ البعض الحقيقي –هنا– إما أن يكون جزءًا من الكل بحيث لا يوجد الكل الكامل بغيره؛ نحو: أفاد الدواء الجسم حتى الإصبع، وإما أن يكون فردًا في مجموع؛ نحو: سهر الجيش حتى القائد، وأما أن يكون نوعًا من جنس يشمل أنواعًا كثيرة؛ نحو: النبات نافع حتى المتسلق. ٢ هو العَرَض الملازم للكل من غير أن يدخل في تكوين ذاته الأصلية؛ كالجمال والعلم، واللون، والخلق، والصوت، نحو: راقني الخطيب حتى ابتسامته ٣ أي: بتقدير أنه كالبعض، واقتراض ذلك. والمراد به: ما يصاحب "الكل" ويرافقه في أحيان كثيرة دون أن يكون جزءًا حقيقيًا منه، ولا ملازمًا له ملازمة دائمة نحو: حضر القطار فنزل المسافرون، حتى الحقائب. وهذا يقتضي أن يكون البعض التأويل ملاحظًا في نفس المتكلم عند النطق بالكل، وداخلًا في نيته وتقديره أنه بمنزلة البعض؛ لأهميته وشدة اتصالهز ومن أمثلته التي عرضها النحاة قول شاعر يصف هاربًا من مسلكه الذي أمر بقتله: ألقى الصحيفة كي يخفف رحله والزاد حتى نعله ألقاها برواية من نصب كلمة: "نعل" على اعتبار أن ما قبلها وهو "ألق الصحيفة.. والزاد" في تأويل: ألقى عنه الحمل الثقيل. ونعله بعض ما يثقله؛ فيكون معطوفًا على "الصحيفة"، وهناك روايات في ضبط تلك الكلمة لا تعنينا هنا.
[ ٣ / ٥٨١ ]
الأعضاء حتى الرجل، ومثال الشبيه بالبعض: أعجبني العصفور حتى لونه١ ومثال البعض بالتأويل: تمتعت الأسرة بالعيد حتى طيورها.
د- أن تكون الغاية الحسية أو المعنوية محققة لفائدة جديدة، فلا يصح: قرأت الكتب حتى كتابًا، ولا سافرت أيامًا حتى يومًا
أحكامها:
منها: أنها لمطلق الجمع كواو العطف عند عدم القرينة؛ فلا تفيد الترتيب الزمني بين العاطف والمعطوف في الحكم نحو: أديت الفرائض الخمس حتى المغرب، ووفيت أركان كل صلاة حتى الركوع٢، وكقول الشاعر:
رجالي -حتى الأقدمون- تمالئوا على كل أمر يورث المجد والحمدا
ومنها: إعادة حرف الجر وجوبًا بعد "حتى" إذا عطف بها آخر شيء، والمعطوف عليه مجرور بمثل ذلك الحرف، ويلتبس المعنى بعدم إعادته؛ نحو: سافرت في الأسبوع الماضي حتى في آخره، إذا كان المراد السفر في أوقات متقطعة من الأسبوع، وبعضها في آخره. فلو لم تذكر كلمة: "في" مرة ثانية بعد: "حتى" لكان من المحتمل فهم المراد بأنه السفر المتصل من أول الأسبوع إلى آخر لحظة فيه. وهذا غير المقصود، فمن الواجب أن يعاد بعدها حرف الجرّ إذا كان "المعطوف عليه" مجرورًا بمثيله؛ لكيلا تلتبس بالجارة. فإن تعيَّن٣ العطف بحيث يمتنع اللبس المعنوي كانت الإعادة جائزة لا واجبة، نحو: فرحت بالقادمين حتى أولادهم، وقول الشاعر:
_________________
(١) ١ولا يصح: حتى: نظيره، أو فرخه، كما لا يصح أعجبني ألأخت حتى جارها. ٢ قالوا: لا يعتبر إلا الترتيب الذهني من الأضعف إلى الأقوى، أو بالعكس ولا يعتبر الترتيب الخارجي؛ لجواز أن تكون ملابسة الفعل لما بعدها سابقة على ملابسته للأجزاء الأخرى، أو في أثنائها، أو معها في زمان واحد؛ نحو مات كل أب للناس حتى آدم -ومات الناس حتى الأنبياء- وجاءني القوم حتى على، إذا جاءوا كلهم مجتمعين وعلى أقواهم أو أضعفهم. ويؤيد ما سبق قوله ﵇: "كل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس". لأن تعلق القضاء والقدر بهذين لا يتأخر عن غيرهما، فالمراد من كل ما سبق أنها تفيد ترتيب أجزاء ما قبلها في الذهن حتمًا، أي: تدريجها من الأضعف إلى الأقوى وعكسه، ولو كان هذا مخالفًا لما في خارج الذهن والواقع "راجع الخضري والصبان، ورقم ١ من هامش ص ٥٨٠". ٣ ضابط تعين العطف وعدم تعينه هو: أنه متى ص إحلال الحرف "إلى" محلها كانت محتملة للأمرين، وإلا تعينت للعطف.
[ ٣ / ٥٨٢ ]
جودُ يُمْنَاك فاضَ في الخلْقِ حتَّى بائسٍ دانَ بالإِساءةِ دينا
ومنها: أن استعمالها عاطفة أقل من استعمالها جارة، فيراعيَ هذا في كل موضع يصلح فيه الأمران؛ نحو: قرأت الكتابَ حتى الخاتمة، فيجوز نصب "الخاتمة" باعتبارها معطوفة "بحتى" على: "الكتاب". ويجوز جرها باعتبار "حتى" حرف جر، والأحسن الجرّ؛ لأن العطف بالحرف: "حتَّى" أقل في كلام العرب١ من استعمالها جارة٢.
_________________
(١) ١ وفيما سبق خاصًا بالحرف: "حتى" يقول ابن مالك: بعضًا بحَتَّى اعْطِفْ عَلَى كلِّ، وَلاَ يَكُونُ إِلاَّ غَايَةَ الَّذِي تَلاَ أي: اطعف حتى بعصًا على كل "فالمعطوف جزء من المعطوف عليه" ولا يكون المعطوف غاية للذي تلاه. "والذي تلاه المعطوف أي: جاء بعده المعطوف هو: المعطوف عليه". يريد؛ أن المعطوف لا بد أن يكون غاية للمعطوف عليه في الزيادة أو النقص بحيث نتخيل المعطوف عليه يستمر في زيادته أو نقصه حتى يصل في درجته للمعطوف. "كما أوضحنا في رقم ١ من هامش ص٥٨٠". ٢ وبسبب هذه القلة لا يوافق الكوفيون على استعمالها حرف عطف مطلقًا ويستثنى من الحالة السابقة التي يكون فيها الجر أحسن، صورة: "الاشتغال" في مثل: صافحت القوم حتى طفلًا صافحته، من كل اسم وقع بالحرف "حتى؛ والمعطوف عليه هو: القوم. والفعل: "صافح" الثاني، توكيد للأول. فإن اشتغل برفع الضمير نحو: حضر القوم حتى طفل حضر، امتنع النصب، وصح الرفع في هذا المثال. وإنما كان النصب أحسن في الحالة الأولى لتكون بين الضمير ومرجعه مشابهة في الإعراب.
[ ٣ / ٥٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- ومن أحكامها أنها لا تعطف نعتًا كما تقدم١. وأنها لا تقع في صدر جملة تعرب خبرًا٢.
ب- أشرنا٣ إلى أن "حتى" العاطفة –كالواو– لمطلق الجمع عند عدم القرينة، لا الترتيب الزمني في الحكم، نحو: مات كل الأنبياء حتى نوح. واستدلوا على هذا بأمثلة مختلفة؛ منها قوله ﵇: "كل شيء بقضاء وقدر حتى العجز، والكيْس" إذ لا يتأخر تعلق القضاء والقدر بهما عن غيرهما. لكنها –في مثل هذه الحالة– تفيد ترتيب أجزاء ما قبلها ذهنًا؛ أي: تفيد تدريجها من الأضعف إلى الأقوى وعكسه طبقًا للبيان والتفصيل السالفيْن٤.
وتكون كالواو أيضًا في عطفها الخاص على العام. وفي وجوب مطابقة الضمير العائد على المتعاطفين بعدها لهما٥
_________________
(١) ١ في رقم ٢ من هامش ص٤٨١. ٢ طبقًا لما سبق إيضاحه وتكراره بالجزء الأول م٣٥ هامش ص٤٢٨. ٣ في ص٥٨٢ وهامشها. ٤ كما في رقم ١ من هامش ص٥٨٥. ٥ طبقًا للبيان الذي في رقم ٣ ص٦٥٧.
[ ٣ / ٥٨٤ ]
٥- أمْ: نوعان١؛ متصلة، ومنقطعة، "أو: منفصلة".
النوع الأول: "المتصلة"، وهي المسبوقة بكلام مشتمل على همزة التسوية٢، أو على همزة استفهام يراد منها ومن "أمْ" التعيين "ويكون معناهما في هذه الحالة هو: "أيّ" الاستفهامية"٣. فالمتصلة قسمان٤، ولكل منهما علامة تميزه من الآخر:
أ- علامة: "أمْ" المتصلة بهمزة التسوية أن تكون متوسطة بين جملتين خبريتين، قبلهما معًا همزة تسوية٥، وكلتا الجملتين صالحة لأن يحل محلها هي والأداة التي تسبقها٦ مصدر مؤول من هذه الجملة؛ فهما جملتان في تأويل مفردين ويبين هذه المفردين "واو" عاطفة تُغْنى عن "أم"؛ كقولهم: على
_________________
(١) ١ وكلاهما لا يعطف نعتًا على نعت. "طبقًا لما تقدم في رقم ٢ من هامش ص٤٨١". ٢ سميت همزة التسوية لوقوعها بعد لفظ: "سواء"، أو "لا أبالي" ، أو ما يشبههما في دلالته على أن الجملتين المذكورتين بعده متساويتان في حكم المتكلم أي: في تقديره لأثرهما لا فرق عنده بين أن يتحقق معنى هذه أو معنى تلك؛ إذ لا تفصيل لأحدهما على الآخر؛ فالأمران سيان عنده؛ نحو: لن أتخلف عن عملي: سواء عليّ أكان الجو معتدلًا أم منحرفًا، ونحو: لن يتخلى الشريف عن حريته؛ سواء عليه أيلقى الإعتات والشقاء أم يلقي الإكبار والتقدير: مثل قول الشاعر: أَكُرُّ على الكَتِيبة لا أُبَالِي أَحَتْفِي كان فيها أَم سواها "وانظر رقم ٣ من هامش ص٥٨٨ ورقم ٣ من هامش ص٥٩٣" فكلمة: "أم" توسطت بين جملتين معناهما مختلف، وقبلهما "همزة التسوية" التي تدل على أن المعنيين المختلفين منزلتهما واحدة عند المتكلم، وفي تقديره؛ فيتساوى عنده اعتدال الجو وانحرافه، ويتساوى عنده الإعنات والشقاء، والإكبار والتقدير، وكذلك الموت في كتيبة يهجم عليها، أو في غيرها. ومما تجب ملاحظته أنها لا تحتاج إلى جواب محتم، ومن الجائز –لا الواجب– أن يكون لها جواب أحيانًا –كما سيجيء في ص٥٩٤– وأن التسوية مستفادة من كلمة "سواه" أو مما يدل دلالتها؛ مثل: "لا أبالي". وليست مستفادة من الهمزة، وإنما فائدة الهمزة هي تقوية التسوية، وتأكيدها. ويصح الاستغناء عن هذه الهمزة بقرينة تدل عليها –كما سيجيء في ص٥٩٦. ٣ طبقًا للإيضاح الآتي في "ب" من ص٥٨٩. ٤ يجوز حذف "أم المتصلة" مع معطوفها؛ طبقًا للبيان الآتي في ص٦٣٦، كما يجوز حذف المعطوف عليه قبلها، بالإيضاح الذي في ص٦٣٩. ٥ إذا كانت إحدى الجملتين منفية وجب تأخيرها عن "أم" كما سيجيء في رقم ١ من هامش ص٥٩١ وفي ص٥٩٤. ٦ الأداة هنا هي: "الهمزة" في الجملة الأولى، "وأم" في الجملة الثانية.
[ ٣ / ٥٨٥ ]
العقلاء أن يعملوا برأي الخبير الأمين، فإن العمل برأيه غُنْم؛ سواءٌ أيوافق الرأيُ هواهم أم يخالفه". والتقدير: موافقةُ الرأي هواهم ومخالفتُه سواء. ومثل: "سؤال الناس مَذَلة وهوان؛ سواء أكان المسؤول قريبًا أم كان غريبًا". أي: سواءٌ كونُ المسؤول قريبًا وكونه غريبًا. فقد حل محل الجملة الفعلية الأولى في المثالين ومعها همزة التسوية، مصدر مؤول من الهمزة والجملة معًا؛ هو مصدر الفعل١ المذكور فيها مع إضافته إلى مرفوعه "فاعلًا كان، أو اسمًا لناسخ " وحل محل الجملة الفعلية الثانية في المثالين ومعها "أمْ" مصدر مؤول هو مصدر الفعل المذكور فيها مع إضافته إلى مرفوعه كذلك، وجاءت "الواو" بدلًا من "أمْ" في المثالين؛ لتعاطف المصدر الثاني المؤول على نظيره المصدر الأول. ويعرب المصدر الأول على حسب حاجة الجملة فيعرب في المثالين السالفين خبرًا، مبتدؤه كلمة: "سواء" أو العكس. وقد يعرب في غيرهما مفعولًا به، أو أو.. على حسب الموقع ويعرب المصدر المؤول الثاني معطوفًا على الأول بالواو.
والجملتان إما فعليتان كما رأينا –وهو الأكثر، ومنه قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾، والتقدير: إنذارك٢ وعدنُه سواءٌ. وقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا﴾، والتقدير: جزعنا وصبرنا سواء٣ وإما اسميتان كقول الشاعر:
_________________
(١) ١ فإن لم يكن في الكلام فعل أغنى عنه مشتق آخر من المشتقات؛ كاسم الفاعل، واسم المفعول ؛ فيصاغ المصدر المؤول عندئذ من المشتق مع مرفوعه. ويوضح هذا النوع من الإضافة والسبك ما سبق في ص٢٨ و٨٤ وكذلك ما سبق في ج١ ص٣٩٥ م٢٩ آخر باب الموصول حيث الكلام في كل ذلك على المصدر المؤول من غير سابك. "انظر رقم ٢ و٣ التاليين". ٢ من الممكن بعد همزة التسوية سبك المصدر المؤول بدون حرف سالك؛ طبقًا للبيان الذي تقدم في موضعه المناسب. "وهو حروف السبك ج١ م٢٩ ص٤٧٣ وج٢ م٩١ ص٢٥٦". ٣ في تأويل هذا المصدر وباقي الأمثلة المشابهة، وإعراب الآية معه، جدل طويل احتوته المطولات. وقد لخصه "الخضري" في حاشيته تلخيصًا نافعًا، وإنا نسوقه هنا لفائدته النحوية واللغوية. قال: "أعرب الجمهور لفظ "سواء" –في الآية– خبرًا مقدمًا، عن الجملة التي بعده لتأويلها بمصدر. أي: جزعُنا وصبرُنا سواء علينا، أو عكسه وهو إعراب "سواء" مبتدأ والمصدر المؤول خبره؛ =
[ ٣ / ٥٨٦ ]
وَلَسْتُ أُبالي بعد فقْديَ مالكًا أَمَوْتِيَ ناءٍ أَم هُوَ الآَنَ واقعُ
_________________
(١) = لأن الجار والمجرور والمتعلق بلفظ "سواء" يُسَوغ الابتداء به وجعلوه "أي: لفظ سواء" من مواضع سبك الجملة بلا سابك؛ كهذا يوم ينفع الصادقين صدقهم، مما أضيف فيه الظرف إلى الجملة –وقد سبقت الإشارة إليه في باب الإضافة ص٣٨ و٨٣– تسمع بِالمُعَيْدِيِّ خير من أن تراه، مما أخبر فيه عن الفعل بدون تقدير: "أنْ". ولا يرد أن: للعطف والتشريك كما انسلخت الهمزة –في الآية ونظائرها– عن الاستفهام، واستعيرت للإخبار باستواء الأمرين في الحكم، بجامع استواء المستفهم عنهما في عدم التعيين، فالكلام معها خبر لا يطلب جوابًا؛ ولذا لم يلزم تصدير ما بعدها. فجاز كونه مبتدأ مؤخرًا. وعلى هذا يمتنع بعدها العطف "بأو" لعدم انسحلاخها عن: الأحد، "أي: عن أحد الشيئين" ك "أم". التي انسلخت عنه ولذا لحن في المغني قول الفقهاء: "سواء كان كذا وكذا". وصوابه: "أم". لكن نقل الدماميني عن السِّيرافي، أن "أو" لا تمتنع في ذلك إلا مع ذكر الهمزة لا مع حذفها. قال وهذا نص صريح يصح كلام الفقهاء اجع أيضًا رأي سيبويه في "ب" من ص٦١١، في نهاية الكلام على: "أو" العاطفة أما التنافي المذكور فيتلخص منه بما اختاره الرضى من أن "سواء" خبر مبتدأ محذوف: أي: الأمران سواء، والهمزة. بمعنى: "إنْ" الشرطية. لدخولها على أمر غير متيقن، وجذف جوابها لوجود ما يدل عليه، وجي لها لبيان الأمرين؛ أي: إن قامت أو قعدت فالأمران سواء؛ "فأقام" للأحد، مثل: "أو" في أن الأصل فيها أن تكون لأحد الشيئين، أو الأشياء، كما سيذكر في "أ" ص٦١١ وفيها بعض حالات مستثناة هناك والجملة غير مسبوكة ونقل عن السيرافي مثله" ا. هـ. وواصل الخضري كلامه قائلًا؛ "وإذا تأملت ذلك علمت أنه على إعراب الجمهور لا تصح "أو" مطلقًا، لما فإنها من التسوية إلا أن يدعي انسلاخها عن "الأحد" مثل "أم". أما على إعراب "الرضيّ" فتصح مطلقًا؛ فلا وجه لقصر جوازها على عدم الهمزة؛ إذ المقدر كالثابت. على أن التسوية كما قاله المصنف مستفادة من "سواء" لا من الهمزة. وإنا سميت همزة التسوية لوقوعها بعد ما يدل عليها، وحينئذ فالإشكال في اجتماع: "أو" مع "سواء" لا الهمزة" ا. هـ. بتصرف يسير في بعض كلمات أزيل غموضها. ومثل هذا في حاشية الصبان مع اختلاف يسير في القاعدة. والأفضل الأخذ بما جاء في الخضري لأنه يساير أكثر الكلام المأثور. ويدل دلالة واضحة على إباحة استعمال: "أو في كل" الحالات. وقد صحح اجتماع "أو" وهمزة التسوية بعض المحققين، مخالفًا في هذا رأي سيبويه المشار إليه الآتي في "ب" من ص٦١١ ومنهم صاحب حاشية الأمير على "المغنى" ج١ عند الكلام على "أم" المتصلة، والعطف بالحرف: "أو" عد الهمزة. هذا إلى قراءة بعضهم قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ . بدلًا من "أم لم تنذرهم" ولا يقال إن هذه القراءة –عند بعضهم- شاذة؛ لأن ما يجوز في القرآن الكريم يجوز في غير من باب أول، كما نص عليه الثقات، أما إعراب "الرضي" فمع وضوحه ويسره حين تكون الجملتان فعلتين يحتاج إلى تأويل وتقديره محذوفات حين تكون الجملتان اسميتين أو مختلفتين.=
[ ٣ / ٥٨٧ ]
والتقدير: لست أبالي نَأىَ١ موتى وقوعه الآن. وإما مختلفتان بأن تكون الأولى "وهي المعطوف عليها" فعلية: والثانية "وهي المعطوفة" اسمية كقوله تعالى عن الأصنام: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾، والتقدير: سواء عليكم دعاؤُكُم إياهم وصمْتُكُم. أو العكس، نحو: لا يبالي الحرّ في إنجاز العمل أرئيسهُ حاضر أم يغيب. والتقدير: لا يبالي الحرُّ حضورَ رئيسه وغيابه٢. والمصدر المؤول هنا مفعول به والجملة بمعنى: سواءٌ على الحرّ أرئيسه حاضر أم غائب.
وليس من اللازم أن تكون همزة التسوية مسبوقة بكلمة "سواء" فقد يغنى عنها ما يدل دلالتها في التسوية؛ نحو: "ما أبالي" أو ما يشبهها من هذه الناحية٣ إنما اللازم أن تكون مسبوقة بكلمة: "سواء" أو بما يؤدي
_________________
(١) = وهناك إعرابات أخرى؛ منها: اعتبار كلمة: "سواء" متضمنة معنى المشتق، فهي بمعنى: متساو –مثلًا– وأنها على حسب هذا التضمن مبتدأ والمصدر المؤول بعدها فاعله، أو أنها خير مقدم كما جاء في كتاب: العكبري، المسمى "إملاء ما مَنَّ به الرحمن". لكن في كلام الخضري السابق الكفاية. وجاء مجمع اللغة العربية بالقاهرة فأصدر قرارًا حاسمًا في الاستعمالات السالفة، وسجل قراره في ص٢٢٧ من كتابه الذي أخرجه سنة ١٩٦٩ باسم: "كتاب في أصول اللغة" ونص قراره تحت عنوان "استعمال: "سواء" مع "أم" ومع "أو" بالهمزة وبغيرها، يجوز استعمال "أم" مع الهمزة وبغيرها وفاقًا لما قرره جمهرة النحاة، واستعمال "أو" مع الهمزة وبغيرها كذلك على نحو التعبيرات الآتية: سواء عليّ أحضرت أم غبت –سواء على عليّ حضرت أم غبت سواء على أحضرت أو غبت– سواء على حضرت أو غبت. والأكثر في الفصيح استعمال "الهمزة" و"أم" في أسلوب "سواء" ا. هـ. ١ أي: بُعْد مجيئه، وتأخر زمنه. ٢ العطف في الآية يؤيد الرأي الأرجح الذي يبيح عطف الجملة الاسمية على الفعلية والعكس. بالطريقة الموضحة هناك "انظر ص٦٥٥". ٣ يرى بعض النحاة أن الهمزة بعد: "ليت شعري –لا أعلم– ما أدري " لطلب التعيين فقط، لأن تلك الألفاظ ليست في حكم: "لا أباي" التي تكون بعدها الهمزة للتسوية؛ فكأن القائل يريد: لا أدري جواب هذا الاستفهام ويخالفهم آخرون؛ فيرون الألفاظ السالفة كلها خاضعة لحكم واحد هو اعتبار الهمزة بعدها للتسوية. والحق أن المراد من هذه الألفاظ يتوقف على القرينة –وأهمها السياق– فهي التي تحدد الغرض؛ فيتعين نوع الهمزة، أهِي للتسوية أم للتعيين. فإن لم توجد القرينة فالرأي الأول هو الأصح. هذا، وسيبويه يجيز العطف "بأم" و"بأو" بعد "ليت شعري، وما أدري" إذا سبقتهما الهمزة. ولرأيه تكمله تجيء في "ج" من ص٦٠٥ وفي "ب" من ص٦١١.
[ ٣ / ٥٨٨ ]
معناها؛ كما في بعض الأمثلة السابقة.
هذا، ولا شأن لهمزة التسوية بالاستفهام فقد تركته نهائيًا وتمضحت للتسوية.
حكم هذا القسم:
مما سبق يتبين أن "أم" المتصلة المسبوقة بهمزة التسوية لا تَعطف إلا جملة على جملة وكلتا الجملتين خبرية بمنزلة الفرد؛ لأنها صالحة مع الأداة لأن يحل محلها مصدر مؤول. ولا شأن لها بعطف المفردات إلا نادرًا؛ لا يقاس عليه، ومن صور هذا النادر القليل الذي لا يقاس عليه أن تتوسط بين مفرد وجملة١؛ كقول القائل:
سواءٌ عليك النَّفْر٢ أم بتَّ ليلةً بأَهلِ القِباب من عُمَيْر٣ بن عامر
وعلامة: "أم" المسبوقة بهمزة التَّعيين أن تكون متوسطة بين شيئين، ينسب لواحد غير معين منهما أمر يعلمه المتكلم. ولكنه لا يعلم –على وجه التعيين– صاحبه منهما، وقبلهما معًا همزة استفهام، يراد منها ومن "أم" تعيين أحد هذين الشيئين٤، وتحديد المختص منهما بالأمر الذي يعرفه المتكلم، ويَسأل
_________________
(١) ١ راجع حكم عطف الجملة على المفرد في مكانه "ص٦٥٩" ويضعف أن يكون العطف في البيت عطف ماض على مصدر "انظر ص٦٥٠ وما بعدها". وأحسن من هذين أن تكون الجملة بعد "أم" في تأويل مصدر معطوف على المصدر السابق عطف مفردات، وأن تكون "أم" العاطفة بمعنى الواو؛ طبقا لما سبق في ص٥٨٥ وما بعدها. ٢ الرحيل. ٣ في رواية أخرى: "نمير" –بالنون– طبقًا للوارد في كتاب: "معاني القرآن" للفراء، ج١ ص٤٠١. ٤ يكون المراد من التعيين إما طلب تعيين أحد شيئين مجسمين، وتخصيص الأمر المعلوم للمتكلم بأحد هذين الشيئين المجسمين؛ كما في مثال: أعمك مسافر أم أخوك؟ فالحكم المعلوم هو: السفر، والمجهول المراد تعيينه هو الشخص "أي: الذات" الذي ينسب له الحكم السالف. وإما طلب تعيين احد أمرين معنويين وتخصيصه بذات معلومة، نحو: أسَفَرُ أخيك أنفع أم إقامته، فالحكم -أي: السفر- المجهول. والشخص "أي الذات" هو المعروف. هذا، ويصح الاستغناء عن هذه الهمزة على الوجه المبين في ص٥٩٦.
[ ٣ / ٥٨٩ ]
عن صاحبه الحقيقيّ؛ ليعرفه على وجه اليقين، لا التردد والشك؛ نحو: أعَمّك مسَافر أم أخوك؟ فقد وقعت "أمْ" بين شيئين، هما: "عم" و"أخ" وقبلهما همزة استفهام١ يريد المتكلم بها و"بأمْ" أن يعين له المخاطب أحد الشخصين تعيينًا قاطعًا يدل على المسافر منهما دون الآخر. فالمتكلم يعلم يقينًا أن أحدهما مسَافر؛ لكم مَِن منهما؟ هذا هو ما يجهله المتكلم، ويريد أن يعرفه بغير تشكك فيه؛ إذ لا يدري؛ أهو: العم أم الأخ؟، ومن أجله يطْلب من المخاطب أن يُعَيِّن له المسافر تعيينًا مضبوطًا، ويحدده تحديدًا يؤدي إلى كشف حقيقته وذات، فيمكن بعد هذا إسناد السَّفر إليه وحده، ونسبيته إليه، دون غيره. فالسفر المجرد ليس موضع السؤال؛ لأنه غير مجهول للمتكلم، إنما المجهول الذي يسأل عنه ويريد أن يعرفه هو تعيين أحدهما، وتخصيص فرد منهما بالأمر دون الآخر.
ومن الأمثلة أيضًا: أعادلٌ واليكم أم جائز؟ فقد وقعت "أم" بين شيئين؛ هما: عادل وجائر، وقبلهما معًا همزة الاستفهام التي يريد المتكلم بها وبأمْ استبانة أحد الشيئين، وتحديدهُ، وتعيينه، ليقتصر المعنى عليه، وينسب إليه وحده. ذلك أن المتكلم يقطع بأن هناك واليًا، ولا يشك في وجوده، ولكن الذي يجهله ويريد أن يعرفه من المخاطب هو: تعيين هذا الوالي، وتحديد أمره؛ بحيث يكون واحدًا محددًا من هذين الاثنين لا يتجه الفهم إلى غيره مطلقًا. وتسمى هذه الهمزة: "بالمغْنية عن كلمة: "أيّ" لأنها مع "أم" يغنيان عن كلمة: "أي" في طلب التعيين، وليست الهمزة وحدها -فمعنى؛ أعمك مسافر أمْ أخوك؟ هو: أيّهما المسافر؟ ومعنى أعادل وإليكم أم جائز: أيّ الأمرين واقع ومحقق؟
حكم هذا القسم:
يشترط في: "أمْ" هذه –كما سبق– أن تتوسط بين الشيئين اللذّين يراد
_________________
(١) ١ قال الصبان في باب العطف عند آخر الكلام على همزة التسوية وما يتصل بها ما نصه: "قد تكون "هل" بمعنى "الهمزة" فيعطف "بأمْ" بعدها؛ كحديث: "هل تزوجن بكرًا أم ثيبًا"؟ " ا. هـ كلام الصبان. هذا وفي شعر الحسن بن مثير "وهو أموي من شعراء الحماسة، يحتج بكلامه" قوله: هل الله عافٍ عن ذنوب كثيرة أم الله –إن لم يعفُ– يعيدها؟
[ ٣ / ٥٩٠ ]
تعيين أحدهما؛ فيقع قبلها واحد منهما، ويقع بعدها الآخر١؛ كما في الأمثلة٢.
ولما كان التعيين والتحديد هما الغرض من الاتيان "بأمْ" هذه ومعها همزة الاستفهام التي قبلها وجب أن يجيء الجواب مشتملًا على ما يحقق الغرض؛ فيتضمن النص الصريح بذكر أحد الشيئين وحده. فيقال في المثال الأول: "العم " مع الاقتصار على هذا. أو: "الأخ " مع الاقتصار عليه. ويقال في المثال الثاني: "عادل" كذلك، أو "جائز".
ولا يصح أن يقال في الإجابة عن السؤالين وأشباههما: نعَم، أوْ: لا؛ لأن الإجابة بأحد هذين الحرفين –أو بأخواتهما من أحرف الجواب– لا تفيد تعيينًا، ولا تحديدًا، وإنما تفيد الموافقة على الشيء المسؤول عنه أو المخالفة. وهذه الموافقة أو المخالفة لا تحقق الغرض المقصود من استعمال "أمْ" المتصلة المسبوقة بهمزة الاستفهام على الوجه الذي شرحناه٣.
ولهذا القسم من قسمى "أم" المتصلة صور مختلفة؛ منها:
١- أن تقع بين مفردين متعاطفين بها، وبينهما فاصل لا يسأل عنه المتكلم -وهذه الصورة هي الغالبة- كأن يقول قائل لآخر: شاهدت اليوم سباق السباحين؛ أمحمد هو الذي فاز أم محمود؟ فالمراد من السؤال تعيين واحد من الاثنين، وقد توسط بينهما أمر ليس موضوع الاستفهام، لأنه أمر معروف
_________________
(١) ١ وإذا كان أحد الشيئين منفيًّا تعين تأخيره عن "أم" دون الآخر –كما سبق في رقم ٥ من هامش ٥٨٥ وسيجيء هذا في أول ص٥٩٤-. ٢ وفي "أم" المتصلة بنوعيها يقول ابن مالك: وَ"أَمْ" بِهَا اعْطِفْ إِثْرَ هَمْزٍ التَّسويَهْ أَوْ هَمْزَةٍ عَنْ لَفْظِ "أَيٍّ" مُغْنِيَهْ "إثر: بعد" والهمزة المغنية عن لفظ: "أيّ" هي الهمزة التي يقصد بها وبأم التعيين على الوجه الذي شرحناه. وهذه الهمزة لا تغني وحدها عن "أي"، وإنما تغني بشرط انضمام "أم" إليها؛ فهما معًا يغنيان عن "أي" التي تسد مسدهما. ٣ قد يجاب بالحرف: "لا" أو غيره مما يفيد جوابًا منفيًا إذا كان المقصود من "لا" نفي وقوع أحد الشيئين، أو الأشياء. وإظهار خطأ السائل في اعتقاده ثبوت أحد الشيئين، أو الأشياء. وقياسًا على حالة النفي السابقة، يرى بعض النحاة أن يجاب بالحرف: "نعم" –أو غيره مما يفيد جوابًا مثبتًا– إذا كان المقصود إثبات وقوع كل من الشيئين أو الأشياء، وإظهار خطأ السائل في اعتقاده ثبوت شيء واحد فقط.
[ ٣ / ٥٩١ ]
للمتكلم، وهو الفوز، أما المجهول الذي يريد أن يعرفه فهو الفائز.
وقد تقع بين مفردين تعطفاهما، مع تأخر شيء عنها لا يسأل عنه المتكلم؛ تقول في المثال السالف: أمحمد أم محمود هو الذي فاز؟ وكأن يقول قائل: كتاب "العقد الفريد" كتاب أدبي نفيس، فتقول: نعم سمعت اسمه يتردد كثيرًا. ولكن أغال أم رخيص كتاب "العقد الفريد"؟ فأنت تسأل عن غلوه ورخصه، وتطلب بسؤال تعيين أحدهما، وليست تسأل عن الكتاب ذاته، فإنك تعرفه
ومن الأمثلة السسالفة يتبين أ، الذي يلي الهمزة مباشرة هو واحد مما يتجه إليه الاستفهام، يراد معرفته وتعيينه، أما الذي لا يتجه إليه الاستفهام فيتوسط أو يتأخر١. وهذا الحكم هو الأكبر والأول، ولكنه ليس بالواجب؛ فليس من المحتم أن يلي الهمزة أحد المرين اللذين يتجه إليهما الاستفهام لطلب التعيين. بل يصح -عن أمن اللبس- أن يقال: أكتاب "العقد الفريد" غالٍ أم رخيص؟ وهذا -بالرغم من صحته- قليل، ودرجته البلاغية ضئيلة ومراعاة الأكثر هي الأحسن.
٢- ومنها: أن تقع بين جملتين ليستا في تأويل مصدر٢، وتعطف ثانيتهما على الأولى، وهما، إما فعليتان، نحو: أزراعة مارست، أم زاولت التجارة؟ وإما اسميتان، نحو: أضيفك مقيم غدًا أم ضيفك مسافر؟ وإما مختلفان، نحو: أأنت كتبت رسالة لأخيك الغائب أم أبوك كاتبها؟
٣- ومنها: أن تقع بين مفرد وجملة؛ كقوله تعالى: ﴿إِنْ ٣ أَدْرِي
_________________
(١) ١ لزيادة الإيضاح قالوا: إن الشرط الذي يغلب تحققه في الهمزة المعادلة "أم" –كما سبق– نهو أن يليها أحد الأمرين المطلوب تعيين واحد منهما، وأن يلي الآخر "أم" ليفهم السامع من أول الأمر نوع الشيء الذي يطلب المتكلم تعيين. تقول إذا استفهمت بالهمزة عن تعيين المبتدأ دون الخبر: أعليٍّ قائم أم سعيد، وإن شئت قلت: أعليّ أم سعيد قائم. فقد توسط الخبر دون المبتدأ: أقائم سعيد أم قاعد، وإن شئت قلت: أقائم أم قاعد سعيد؟ وعلى الآخر بأنه الخبر الخاضع للقرينة؛ كالتعريف أو التنكير هنا فما كان منهما معرفة فالأحسن اعتباره هو المبتدأ ولو كان متأخرًا واعتبار النكرة هي الخبر، فإن كانا معرفتين فأقواهما في درجة التعريف هو المبتدأ وما سبق هو الأغلب الأفصح. أما غيره –هو جائز عند أمن اللبس. مع ضعف درجته البلاغية– فإن يقع بعد الهمزة مباشرة ما ليس من الأمرين المراد تعيين أحدهما. ٢ لعدم وجود ما يقضي سبك الجملة، وتأويلها بالمصدر. ٣ إن حرف نفي، بمعنى: "ما".
[ ٣ / ٥٩٢ ]
أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ ١ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾ .
فملخص ما يقال في "أم المتصلة" أنها تنحصر في قسمين؛ قسم مسبوق بهمزة التسوية، ولا تعطف فيه إلا الجمل التي هي في حكم المفرد، "لأن كل جملة منها مؤولة بالمصدر المنسبك"، وقسم مسبوق بهمزة استفهام يُطالب بها وبأمْ التعيين، وتعطف فيه المفردات حينًا والجمل حينًا آخر، أو المفرد والفعل٢.
وإنما سميت "أم" في القسمين: "متصلة" لوقوعها بين شيئين مرتبطين ارتباطًا كلاميًا وثيقًا، لا يستغني أحدهما عن الآخر، ولا يستقيم المعنى إلا بهما معًا. لأن التسوية في النوع الأول وطلب التعيين في النوع الثاني لا يتحققان إلا بين متعدد، وهذا التعدد لا يتحقق إلا بما قبلها وما بعدها مجتمعين.
وتسمى كذلك في هذين القسمين: "أمْ المعادِلة" للهمزة؛ لأنها في القسم الأول تدخل على الجملة الثانية المعادلة للجملة الأولى في إفادة التسوية، وهذه الجملة الثانية هي التي تفيد المعادلة في التَّسوية٣، وليست "أم". فغير أن "أم" تعتبر معادلة للهمزة ولا "أم" في إفادة التسوية المباشرة.
ولأنها في النوع الثاني تعادل الهمزة في إفادة الاستفهام.
_________________
(١) ١ الفعل: "يجعل" معطوف على الاسم المشتق الذي يشبهه، وهو: "قريب، وكلمة: "أم" متوسطة بينهما، فليس في الكلام عطف جملة على مفرد –وسيجيء الكلام على مثل هذا العطف في ص٦٤٩– ولا يصح أن تكون الجملة "من المضارع "يجعل" وفاعله" هي المعطوفة على زعم أنه يمكن تأويلها بمفرد يعطف على مفرد –كالذي يسجيء في رقم ٦ من ص٦٥٩– لا يصح هذا، لأن "أم" إلى التعيين لا يصح تأويل إحدى جملتيها بمفرد؛ إذ لا يوجد سابك، أو نحوه، كما تقدم في رقم ٢ من هامش الصفحة السابقة، وكما سيجيء في ص٥٩٥. ٢ نقول: "الفعل" مراعاة لما سبق في رقم ١ من هذا الهامش. ٣ أي: أن الكلام مشتمل على جملتين متعادلتين "متساويتين" من ناحية المراد من كل واحدة. فكأنهما كفتان متساويتان في ميزان واحد، لا ترجح إحدهما الأخرى. أو أنهما نصفان لشيء واحد؛ فلا بد أن يكونا متساووين انظر رقم ٢ من هامش ص٥٨٥.
[ ٣ / ٥٩٣ ]
ويجب في النوعين أن يتأخر عنها المنفيّ؛ -كما أشرنا١- مثل: سواء عليَّ أغضب الظالم لأم لم يغضب. ولا يصح: سواء عليَّ أم يغضب الظالم أم غضِب١. وفي مثل: أمطرٌ نزل أم لم ينزل؟ لا يصح: ألم ينزل مطر أم نزل؟
الفرق بين قسمي "أمْ" التي بعد همزة التسوية عن "أمْ" التي يراد بها وبهمزة الاستفهام التعيين في أربعة أمور:
أولها: أن الواقعة بعد همزة التسوية لا تستحق جوابًا حتميًا٢؛ لأن المعنى معها على الإخبار؛ وليس على الاستفهام؛ فقد تركت الاستفهام إلى الإخبار بالتسوية؛ بخلاف الأخرى. فإنها باقية على الاستفهام. فتحتاج للجواب.
ثانيها: أن الكلام مع الواقعة بعد همزة التسوية قابل للتصديق والتكذيب٣ إذ هو خبر –كما أسلفنا– بخلاف الأخرى؛ فإن الكلام معها إنشائي؛ لا دخل للتصديق والتكذيب فيه؛ لبقاء الاستفهام على حقيقته في الغالب.
ثالثها: أن الواقعة بعد همزة التسوية لا بد أن تقع بين جملتين –ومن النادر الذي لا يقاس عليه ألا تكون كذلك، كما سبق٤– أما الأخرى فقد تكون بين
_________________
(١) "١، ١" في رقم ٥ من هامش ص٥٨٥ وفي رقم ١ من هامش ص٥٩١. ٢ المراد: أنها لا تستحق الجواب استحقاقًا لازمًا، ولا مانع أن يكون لها جواب، لأن الخبر وهو يحتمل الصدق والكذب لذاته، بخلاف الإنشاء يجوز أن يجاب، "بنعم" تصديقًا له، أو: "بلا" تكذيبًا له، لكن هذا جائز لا واجب كما سبقت الإشارة في رقم ٢ من هامش ص٥٨٥. ٣ ذلك أن جملة مثل، سواء عَلَيَّ أرضي أم سخط، أو: لست أبالي أرضي الحقود أم سخط –وأشباهها– تقبل التصديق والتكذيب؛ لأنها خبر بخلاف جملة مثل: أسعدٌ مقبل أم علي؟ أو: ما أدري أشار خطيبنا أم ناثر؟. ومما يلاحظ: أن مجموع: "ما أدري أشاعر خطيبنا أم ناثر"؟ هو كلام خبري محتمل التصديق والتكذيب، ولكنه من غير الجملة التي في صدره وهي: "ما أدري" –يكون إنشائيًا. لأنه اتستفهام. ٤ في ص٥٨٩.
[ ٣ / ٥٩٤ ]
الجمل أو المفردات، أو بين مفرد وجملة.
رباعهما: أن الجملتين اللتين تتوسطهما "أم" الواقعة بعد همزة التسوية لا بد أن تكونا في تأويل مفردين؛ لأن كلاّ منهما في تأويل مصدر منسبك. بخلاف اللتين تتوسطهما "أم" الأخرى، فلا يصح تأويل واحدة منها بمفرد؛ لعدم وجود سبكْ ولا غيره مما يجعلها في حكم المفرد١
_________________
(١) ١ انظر رقم ٦ من ص٦٥٩.
[ ٣ / ٥٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- يصح في الأسلوب المشتمل على "أم" المتصلة الاستغناء عن الهمزة بنوعيها إن عُلم أمرها، ولم يوقع حذفها في لبس. فمثال حذف همزة التسوية: "سواء على الشريف راقَبه الناس أم لم ياقبوه؛ فلن يرتكب إثمًا، ولن يقع في محظور". والأصل: أراقبه الناس ، ومثال حذف الأخرى قول الشاعر:
لعَمْرُك ما أَدري –وإِنْ كنت داريًا- بسبع رَمَيْنَ الجمرَ أَمْ بثَمانِ؟
يريد: أبسبع أم بثمان؟ وتظل حالات: "أم" وأحكامها بعد حذف الهمزة كما كانت قبل حذفها١.
ب- من النادر الذي لا يقاس عليه أن تحذف "أم" المتصلة مع معطوفها كقول الشاعر:
دعاني إليها القلب، إني لأَمره سميع؛ فما أَدري أَرُشْدٌ طِلابُها ؟
يريد: أم غيَ. وقول الآخر:
أراك فلا أَدري أَهَمٌّ هممته؟ وذو الهمّ قِدْمًا خاشع متضائل
يريد: أهمًٌ أم غيره٢ ؟
قيل: إن الهمزة للتصديق فلا تحتاج لمعادل –وستجيء إشارة للحذف في ص٦٣٧-.
ويجوز حذف المعطوف عليه قبلها –كما سيجيء في موضعه المناسب ص٦٣٩-.
ح- سبقت الإشارة "في ص٥٨٨ ورقم ٣ من هامشها" على أن الهمزة الواقعة بعد: "لا أبالي" هي للتسوية بخلاف الواقعة بعد: "لا أدري، أو لا أعلم، أو ليت شعري" فإنها للتعيْين على الأرجح، وأن سيبويه يجيز العطف بأوْ وأمْ بعد هذه الألفاظ إذا سبقتها الهمزة٣.
_________________
(١) ١ وفي حذفها يقول ابن مالك: ورُبَّمَا أسقطت الهمزة إن إن كان خفا المعنى بحذفها أمن "أسقطت: حذفت" يريد: قد تحذف الهمزة ألا يؤدي حذفها لخفاء المعنى، والوقوع في اللبس. ٢ لأن حالته في التغير تنبئ أن الهم أو غيره هو سبب تغيره "كما جاء في كتاب: مجمع البيان لعلوم القرآن، للطبرسي –ج٢ ص٤٤٤-". ٣ ولرأيه تكملة تجيء، في "ب" ص٥٩٢.
[ ٣ / ٥٩٦ ]
النوع الثاني – "أم" المنقطعة، "أو: المنفصلة".
تعريفها: "هي التي تقع –في الغالب– بين جملتين مستقلتين في معناهما، كل منهما معنى خاص يخالف معنى الآخر، ولا يتوقف أداء أحدهما وتمامه على الآخر؛ فليس بين المعنيين ما يجعل أحدهما جزءًا من الثاني. وهذا هو السبب في تسمية: "أم" بالمنقطعة، أو: بالمنفصلة، وفي أن يكون معناها –غير النادر– الإضراب دائمًا١ فتكون في هذا بمعنى: "بَلْ"٢. وقد تفيد معه معنى آخر أحيانًا٣.
علامتها:
ألا تقع –مطلقًا٤– بعد همزة التسوية، ولا بعد همزة الاستفهام التي يطلب بها، و"بأمْ" التعيين –وقد شرحناهما٥– وإنما تقع بعد نوع مما يأتي:
١- الخبر المحض؛ مقوله تعالى في الكفار: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ أي: بل يقولون أفتراه، فقد وقعت "أمْ" بين جملتين هما: ﴿هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، و﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ وكل منهما مستقلة بمعناها عن الأخرى، ومن الممكن عند الاكتفاء بها أن تؤدي معنى كاملًا. و"أمْ" هنا بمعنى: "بل" الدالة على الإضراب المحض الذي لا يشاركه معنى آخر.
_________________
(١) ١ قد يكون المقصود به هنا: إبطال الحكم السابق، ونفي مضمونه، والقطع بأنه غير واقع، والحكم على مدعيه بالكذب، والانصراف عن ذلك الحكم إلى حكم آخر يجيء بعدها. وهذا هو الإضراب الإبطالي"، نحو: سمعت ترجيع بلبل صداح، أم أصغيت لإيقاع موسيقي بارع تبينتُ الناس حوله مجتمعين. وقد يكون المراد به: الانتقال من غرض باق على حالة إلى آخر يخالفه. ويسمى "الإضراب الانتقالي"؛ نحو: فاز من حاسب نفسه، وتدارك عيبه، أم حسب المرء أن المجد سهل إدراكه، قريب المنال والأول هو الأكثر –وسيجيء تفصيل الكلام على الإضراب بنوعيه في ص٦٢٣-. ٢ "أم" مثل "بل" في الإضراب المجرد. لكنهما يختلفان بعد ذلك في أمور؛ منها: أن الذي بعد "بل" يقين غالبًا، أما الذي بعد "أم" فظن وشك –على الوجه المشروح في رقم ٣ من هامش ص٦٢٩- "وسيجيء الكلام على "بل" "في ص٦٢٣" –وفي رقم ٢ من هامش ص٦٢٤. ٣ كما سيجيء في: "ب" ص٦٠٠. ٤ أي: لا لفظًا ولا تقديرًا. ٥ في ص٥٨٥ وما بعدها.
[ ٣ / ٥٩٧ ]
٢- وقد تقع بعد أداة استفهام غير الهمزة، كقوله تعالى: ﴿هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ ١ والشأن في هذه الآية كسالفتها. في الدلالة على الإضراب المحض.
٣- وقد تقع بعد همزة ليست للتسوية ولا لطلب التعيين، وإنما هي لنوع من الاستفهام غير الحقيقي، معناه: الإنكار والنفي؛ كقوله تعالى في الأصنام: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ فالاستفهام هنا غير حقيقي٢ والمراد منه ما سبق.
٤- وقد تقع بعد همزة استفهام غير حقيقي أيضًا، ولكن يراد منه التقدير، أي: الحكم على الشيء بأنه ثابت مقرر، وأمر واقع؛ كقوله تعالى في المنافقين: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ ٣.
فكلمة "أم" في جميع الأنواع السالفة منقطعة بمعنى: "بل".
ومن الأمثلة للإضراب المحض٤: "هذا صوت مغنية بارعة، أم هذا صوت مغَنّ مقتدر، فقد تبينت لحيته وشاربه". هنا وقعت "أمْ" بين جملتين تفيد الأولى منهما أن الصوت لمعنيَة، وتدل الثانية على أن المتكلم أضْرَبَ، -أي: عَدَل– عما قرره أوّلًا، وتركه إلى معنى آخر، هو أن الغناء لرجل، لا لمغنية. والذي يدل على إضرابه وعدوله عن المعنى الأول إلى الثاني، هو ذكر
_________________
(١) ١ قلنا: إن المنقطعة لا يفارقها الإضراب إلا في النادر، ولكنها قد تفيد معه استفهامًا حقيقيًا أو غير حقيقي؛ "طبقًا لما سيجيء في: "ب" من ص٦٠٠" و"أم" هنا في الآية لا تفيد استفهامًا حقيقيًا أو غير حقيقي. لأن أداة الاستفهام لا تدخل على أداة استفهام –كما سيجيء في ص٦٠١-. ٢ الاستفهام الحقيقي: هو الذي يقصد به السؤال عن شيء مجهول للمتكلم حقيقة، ويريد أن يعرفه. ٣ وكقوله تعالى في المعارضين: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ . ٤ وفي ص٦٠٠ أمثلة غير الآتية.
[ ٣ / ٥٩٨ ]
اللحية والشارب، فهما قرينة على الإضراب. وأداة الإضراب هي: "أم".
ومن الأمثلة: "استيقظت في الصباح الباكر فرأيت ورق الشجر مَبْتَلًا فقد سقط المطر ليلًا، أم تكاثَرَ الندى عليه؛ فإني أجد الطرق والمسالك جافة؛ لا أثر فيها للمطر". فهنا وقعت "أم" بين جملتين؛ الأولى منهما تفيد أن بلل الورق من سقوط المطر، وتدل الثانية منهما على أن سبب البلل شيء آخر؛ هو: النَّدى، فعدَل المتكلم على المعنى الأول، وانصرف عنه إلى الثاني؛ بدليل يؤيده؛ هو: جفاف الطرق والمسالك. والأداة المستعملة في الإضراب هي: "أم"١
حكمها:
الرأي الراجح أن "أمْ" المنقطعة ليست عاطفة، وإنما هي حرف ابتداء يفيد الاضراب، فلا تدخل إلا على الجمل، أما الرأي المرجوح فإنها حرف عطف لا يعطف إلا الجمل، والأخذ بالرأي الأول أَنْسب وأَيْسَر.
_________________
(١) ١ وفي "أم" المنقطعة يقول ابن مالك: وَبِانْقِطَاع، وبِمَعْنى: "بَلْ" وَفَتْ إِنْ تَكُ مِمَّا قُيِّدَتْ بِهِ خَلَتْ يريد: أن "أم" تكون منقطعة إذا خلت مما قيدت به في النوع السابق، إذ قيدت فيه بأن يسبقها همزة التسوية: أو همزة مغنية عن لفظ "أيّ" فإذا خلت من هذا التقيد وقَتْ بالانقطاع. بمعنى وفَّت به، وكانت فيه، مقيدة له. وإذا أفادت الانقطاع كانت بمعنى "بل"؛ أي: لزم، وترتب على ذلك أن تكون بمعنى: "بل" "وهذا معنى قولهم: العطف في قول ابن مالك: "وبمعنى بل" هو عطف شيء لازم على ملزومه".
[ ٣ / ٥٩٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- من نوع المنقطعة "أم" الواقعة بعد همزة الاستفهام الحقيقي، بشرط أن يكون ما بعدها نقيض ما قبلها: نحو: أفاكهة عندك أم لا؟ لأن المتكلم لو اقتصرت على الجملة الأولى لكان المعنى المستقل كافيًا مستغنيًا عن معنى الجملة الثانية –كالشأن في: "أم" المنقطعة، ولكان الجواب: نعَم، أو: لا، ونحوهما، على حسب المراد من غير حاجة إلى المعنى الثاني. وإنما ذُكر ما بعدها لبيان أن المتكلم عرض له ظنُّ الانتفاء فاستفهم عنه، ضاربًا عن الثبوت، ولولا ذلك لضاع قوله: "أم لا" بغير فائدة١ فإن لم يكن الثاني نقيض الأول؛ نحو: أفاكهة أكلت أم خبزًا، كانت "أم" محتملة للاتصال والانقطاع، فإن كان السؤال عن تعيين المأكول مع تيقن وقوع الأمل على أحدهما فمتصلة –طبقًا لما شرحناه٢ عند الكلام عليهما-. وإن كان السائل قد عرض له الظن بأن المأكول هو الخبز بعد ظنه أن المأكول هو الفاكهة، فاستفهم عن الثاني مُضربًا عن الأول فهي منقطعة. فالاحتمال إنما يقع عند عدم القرينة الدالة على أحدهما، وهي القرينة التي تعين الاتصال وحده، أو الإضراب وحده، فإذا وجدت وجب الأخذ لها، وامتنع الاحتمال٣.
ب- قلنا٤ إن: "أم" المنقطعة لا يفارقها معنى الإضراب، إلا نادرًا لكنها قد تفيد معه استفهامًا حقيقيًا، وفي هذه الصورة تفيد الإضراب والاستفهام الحقيقي معًا من غير وجود همزة استفهام معها. كأن ترى كوكبًا يضطرب ويهتز فتقول: هذا كوكب المِرِّيخ. ثم تعدل عن هذا الرأي لسبب يداخلك، فتقول: "هذا كوكب المرِّيخ. أم هو كوكب سُهيْل؛ فإن هذه أمارات سهيل التي تعرفها أنت؟ فقد قررت أولًا أن هذا هو المِرِّيخ، ثم عدلت عنه إلى كوكب آخر أردت أن تستوثق من اسمه؛ فكأنك قلت: بل أهو كوكب سهيل؟ ومثل هذا قول العربي حين رأى أشباحًا بعيدة حسبها إبلًا، ثم عدل عن رأيه إلى رأي آخر؛
_________________
(١) ١ نص على هذا سيبويه. ٢ في ص٥٨٥. ٣ راجع الخضري. ومثل هذه الأساليب لا يخلو من ليس أحيانًا، فالأحسن العدول عنه قدر الاستطاعة. ٤ في ص٥٩٧.
[ ٣ / ٦٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هو: أنها شاءٌ١، وأراد أن يستوثق من رأيه الجديد، فقال: "إنها لإبل أم شاء"؟ يريد: أنها لإبل، بل أهي شاء؟ والهمزة داخلة على مبتدأ محذوف؛ لأن "أم" المنقطعة لا تدخل –في الغالب– إلا على جملة –كما أسلفنا٢-.
وقد تفيد مع الإضراب استفهامًا إنكاريًا٣ بغير أن تسبقها أداة استفهام؛ كقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾، أي: بل أنه البنات ولكم البنون؟ لأنها لو كانت للإضراب المحض الذي لا يتضمن الاستفهام الإنكاري لكان المعنى محالًا، إذ يترتب عليه الإخبار بنسبة البنات إلى المولى جل شأنه.
وقد تتجرد للإضراب المحض الذي لا يتضمن استفهامًا مطلقًا؛ لا حقيقيًا ولا إنكاريًا؛ كالأمثلة الأولى٤ التي منها قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾، أي: بل هل تستوي الظلمات؛ ولا يصح أن يكون التقدير: بل أهل تستوي الظلمات؛ لأن أداة الاستفهام لا تدخل على أداة استفهام –كما أسلفنا٥-.
ومثل الآية في الإضراب المحض قول الشاعر:
فليتَ سُليمَى في المَمَات ضجيعتي هنالك أم جنة٦ أم جهنمِ
_________________
(١) ١ جمع شاه، وهي الواحدة من الغنم، تقال المذكر والمؤنث. ويرى بعض النحاة: أن كلمة: "شاء" جمع لا واحد له من لفظه. ولا داعي للعدول عن الرأي الأول. ٢ في ص٥٩٧. ٣ الاستفهام الإنكاري ويسمى: "الإبطالي" هو: ما كان مضمونه غير واقع، ولا يمكن أن يحصل، ومدعيه كاذب، وهو بمعنى النفي، فأداته بمنزلة أداة للنفي، والكلام الذي دخلت عليه نفي، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ –وقد سبقت الإشارة إليه في ج٢ ص٢٣٤ م٨١. ٤ وبعضها في صفحتي ٥٩٨و ٥٩٩. ٥ في رقم ١ من هامش ص٥٩٨ ومثل هذا يقال في بيت قُتَيْلة بنت النضر ترثي أباها المقتول: فَلْيَسْمَعنّ النضرُ إنْ ناديته أَمْ كيف يسمع مَيّت لا يَنطقُ ٦ لما كانت "أم" المنقطعة غير عاطفة في الرأي الأرجح، وأنها حرف ابتداء للإضراب لا يدخل إلا على جملة، وجب إعراب "في جنة" متعلقة بمحذوف، والتقدير: ليتها ضجيعتي في جنة، ووجب لهذا أيضًا تقدير الحرف: "في" قبل "جهنم". هذا، وفي بعض الروايات: "وفي المنام" بدلًا "من الممات" التي هي أكثر مسايرة لمعنى لبيت وما في آخرة من جنة وجهنم.
[ ٣ / ٦٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أي: بل جهنم، ولا يصح التقدير: بل أفي جهم، إذ لا معنى للاستفهام هنا؛ لأن الغرض من الكلام التمني.
وقد تتجرد –نادرًا– للاستفهام الخالي من الإضراب كقول الشاعر:
كَذبتْك عينُك، أَمْ رأيت بواسِط١ غَلَس الظَّلام من الرَّبَاب خيالا؟
إذ المراد: هل رأيت؟ وهذا أقل استعمالاتها. ومن المستحسن عدم القياس عليه؛ لغموض المراد معه.
ج- يجوز أن تجاب "أمْ" المنقطعة. وجوابها يكون بحرف من أحرف الجواب، كثل: نعَم، أوْ: لا: أخواتهما في نحو قوله تعالى في الأصنام: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ﴾ . وفي مثل: قوله تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ يكون الجواب عند المخالفة: "لا" أو ما يدل دلالتها.
وإذا تكررت "أم" المنقطعة متضمنة في كل مرة إستفهامًا، بحيث تتوالى بها الاستفهامات كان الجواب للأخير؛ مراعاة للإنصراف إليه؛ لأن المتكلم أضرب عما سبقه، وانصرف إليه تاركًا ما قبله.
د- تقسيم "أم" إلى المتصلة والمنقطعة هو المشهور٢. وزاد بعضهم نوعًا ثالثًا؛ هو الزائدة؛ كقول الشاعر:
يا ليت شعري ولا مَنْجَى من الهرِم أم هل على العيش بعد الشَّيْب من نَدمِ
وهذا نوع لا يقال عليه.
هـ- حكم الضمير الواقع بعد "أم" العائد على المتعاطفين –من ناحية المطابق وعدمها– موضح في رقم ٣ من ص٦٥٦.
_________________
(١) ١ بلد في العراق. ٢ وكلاهما لا يصح أن يعطف نعتًا على نعت –كما أسلفنا في رقم ٢ من ص٤٩٧ وأ ص٥٨٤.
[ ٣ / ٦٠٢ ]
٦- أو:
حرف يكون في أغلب استعمالاته عاطفًا؛ فيعطف المفردات والجمل. فمن عطفيه المفردات قول أحد الأدباء: طلع علينا فلان طلوع الصبح المنير، أو الشمسِ المشرقة، وأقبلَ كالدنيا المواتية، أو السعادةِ المرتجاة.
فقد عطف الجرفُ "أو" كلمةَ: الشمس، على كلمة: الصبح، كما عطف كلمة: السعادة، على كلمة: الدنيا، وكل هذه المعطوفات وما عُطِفَتْ عليه مفردات١، وأداة العطف هي: "أو".
ومثال عطفه الجملَ قول الشاعر:
أعوذُ باللهِ من أَمرِ يُزَيِّنُ لي شَتْمَ العشيرةِ، أو يُدني مِنَ الْعَار
فالجملة المضارعية المكونة من الفعل: "يُدْنِي" وفاعله، معطوفة على نظيرتها السابقة: "المكونة من المضارع: يُزَيَّنُ وفاعل والعاطف هو: "أو"٢
معناه:
لهذا الحرْف معان واردة قياسية، يحددها السياق وحده، فيعين المعنى المناسب لكل موضع، ومن ثَمَّ اختلفت المعاني القياسية للحرف: "أو" باختلاف التراكيب والقرائن، وبما يكون قبله من جملة طلبية أمْرِيَّة٣، أو غير أمْرية، أو جملة خبريَّة على الوَجه الَّذِي يجيء٤:
أ- فمن معانيه: "الإباحة"، و"التخيير". بشرط أن يكون الأسلوب قبلهما مشتملًا على صيغة دالة على الأمر٣. فمثال الإباحة: تمتعُ بمشاهدة
_________________
(١) ١ ومن عطف المفردات عطف الفعل وحده –دون فاعله– على الفعل وحده كذلك؛ نحو: إن تنصرْ ضعيفًا فعمل مشكور، أو تتركه فإساءة منكرة فالمضارع "تتركْ" معطوف وحده على المضارع "تنصره" ولهذا جزم مثله. ولو كان العطف جمل ما صح جزم المعطوف –وسيجيء في ص٦٤٥-. ومن عطف المفردات دخول "و" على المضارع المنصوب بأن مضمرة، أو ظاهرة فيكون المصدر المؤول من "أن" وما دخلت عليه معطوفًا على شيء قبلها." وسيجيء تفصيل الكلام على "أو" التي ينصب بعدها المضارع بأن في باب: "النواصب" ج٤ م١٤٩ ص٣٠٧". ٢ ومن الأمثلة أيضًا قول الشاعر: لعل انحدر الدمع يُعقب راحةَ من الوَجد، أَو يَشفى نجيّ البلابل "النجيّ: الحديث الخفيّ سرًا البلابل: الهموم". "٣، ٣" سبب الاقتصار على "الأمر" أن الإباحة والتخيير لا يتأتيان في الاستفهام ولا في باقي الأنواع الطبية –على الرأي الراجح– وفي كثير من المراجع: "الطلب". بدلًا من "الأمر"، لكن في حاشية ياسين ما يمنع هذا. ولا فرق بين معنى الأمر الذي تدل عليه صيغة فعل الأمر والذي تدل عليه أداة أخرى؛ مثل: لام الأمر الداخلة على الموضوع. ولا فرق كذلك بين الأمر الملفوظ والملحوظ –كما سيجيء في رقم ١ من هامش ص٦٠٥-. ٤ ومنه ما في الزيادة ص٦١١.
[ ٣ / ٦٠٣ ]
آثار الفراعيين في "الصعيد الأعلى"١، أو: "الجيزة"٢، وانعَمْ بشتاء "أسوان"٣، أو: "حُلوان"٢.
ومعنى الإباحة: ترك المخاطب حرًّا في اختيار أحد المتعاطفين٤ فقط، أو اختيارهما معًا، والجمع بينهما إذا أراد
ففي المثال السالف يصح أن يختار زيارة آثار "الصعيد الأعلى" فقط، أو آثار "الجيزة" فقط، أو يجمع بين زيارتهما من غير أن يقتصر على واحدة. وكذلك أن يَنُعَمَ بشتاء "أسوان" الحرية في أن يختار أحد المتعاطفين، ويقتصر عليه، وفي أن يجمع بينهما.
ومثال التخيير: من أتم دراسته الثانوية العلمية فليدخل كلية الطب أو الهندسة، لإتمام تعلمه بالجامعة.
ومعنى التخيير: ترك المخاطب حرجًا يختار أحد المتعاطفين٤ فقط، ويقتصر عليه، دون أن يجمع بينهما؛ لوجود سبب يمنع الجمع٥، ففي المثال السالف يدخل الطالب ليتعلم في إحدى الكليتين المذكورتين دون الأخرى. وليس له أن يدخلهما معًا للتعلم؛ لوجود ما يمنع الجمع؛ وهو أمثلة التخيير أن يقول الوالد لابنه: هاتان أختان نبيلتان؛ فتزوج هذه أو تلك. فمعنى "أو" هنا: الترخيص له بزواج إحداهما فقط، ولا يجوز التزوج بالاثنتين، لوجود سبب يمنع الجمع بينهما؛ هو أن الدين يُحَرَّم بين الأختين في الحياة الزوجية القائمة٦.
وقد سبق أن الواو العاطفة تكون أحيانًا مثل "أو" في إفادة التخيير؛ كالذي في قول الشاعر:
_________________
(١) ١ الأقاليم الجنوبية من البلاد المصرية. "٢، ٢" بلد من ضواحي القاهرة إلى الجنوب منها. ٣ بلد مصر على الحدود المصرية الجنوبية. "٤، ٤" هما: المعطوف والمعطوف عليه. ٥ لا فرق في هذا بين المانع امتلى، أو العرفي المأخوذ به، أو الشرعي ٦ بل إنه يحرم –عند أبي حنيفة– مجرد العقد على الأخت الثانية إذا سبقتها الأول إلى عقد الزواج مع هذا الرجل ولم يطلقها.
[ ٣ / ٦٠٤ ]
وقالوا: نَأْتْ؛ فاختر لها الصبر والبكا فقلت: البكا أَشفَى –إِذًِا لغليلي
والدليل على اختيار المجرد، وعدم الجمع هو إجابة السامع، وأن البكاء والصبر لا يجتمعان في وقت واحد، ولا يتلاقيان معًا.
ومما تقدم يتبين أن الإباحة والتخيير لا يكونان إلا بعد صيغة دالة على الأمر١ دون غيره، كما يتبين وجه الشبه والتخالف بين الإباحة والتخيير؛ فهما يتشابهان في أن كلا منهما يجيز للمخاطب أن يختار احد المعاطفين. ويختلفان في أن التخيير يمنع الجمع بين المتعاطفيْنِ، أما الإباحة فلا تمنع.
ب- ومن معانيه: الشك من المتكلم في الحُكم، بشرط أن يكون قبل "أو" جملة خبرية٢؛ نحو: قضيت في السباحة ثلاثين دقيقة، أو أربعين.
ج- ومن معانيه: الإبهام٣ من المتكلم على المخاطب، بشرط أن يكون قبله جملة خبرية أيضا: كمن يسأل: متى تسافر لأشاركك؟ فإذا كنت لا ترغب في مصاحبته أجبتَ: قد أسافر يوم الخميس أو الجمعة، أو السبت ، وإذا سألك: أين كنت يوم الأحد –مثلا-؟ أجبتَ: كنت في البيت، أو المتجَر. أو الضَّيْعة، تقول هذا عند الرغبة في إخفاء المكان عنه فالشك والإبهام إنما يقعان لغرض مقصود، حيث تكون "أو" بعد جملة خبرية٤.
د- وهناك معان أخرى غير التي سبقت في: "أ، ب، ج" ولا يشترط
_________________
(١) ١ قلنا في رقم ٣ من هامش ص٦٠٣: إنه لا فرق بين الأمر بصيغته الخاصة الصريحة، وهي صيغة "فعل الأمر" وأداة أخرى تؤدي معناه؛ كلام الأمر الداخلة على المضارع. ولا فرق كذلك في الأمر بين أن يكون ملفوظًا، ومقدارًا ملحوظًا. ومثال المقدر قوله تعالى للحجاج ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ أي: فَلْتُقَدَّمْ فديه من صيام، أو صدقة، أو نسك ٢ الخبر: هو الذي يحتمل الصدق والكذب لذاته –كما سبق في رقم ٢ من هامش ص٥٩٤-. ٣ المراد به: أن يخفي المتكلم الحقيقة المعروفة له، ويكتمها عن المخاطب بطريقة خاصة. قد يكون القصد منها عدم إثارته، أو إقلاقه، أو الكذب عليه فالحكم عند الإبهام معلوم للمتكلم دون المخاطب؛ بخلاف الشك؛ فإن المتكلم ولمخاطب مستويان في شأن الأمر المشكوك فيه. "والشك: هو ما ينشأ في النفس من تعارض دليلين في أمر واحد، بغير ترجيح لأحدهما. وقد سبق إيضاحه في ج٢ ص٥ م٦٠". ٤ "ملاحظة": الغالب الفصيح -قيل: الواجب– في الضمير ونحوه مما يحتاج للمطابقة =
[ ٣ / ٦٠٥ ]
لتحقق هذه المعاني الأخرى أن تكون: "أو" مسبوقة بنوع معيَّن من الجمل، فقد يتحقق المعنى والجملة السابقة طلبية مطلقًا، أو خبرية.
ومن هذه المعاني: التفصيل١ بعد الإجمال "أي: التقسيم، وبيان الأنواع"؛ نحو: الكلمة: اسم، أو فعل، أو حرف. والاسم: مشتق، أو جامد. والفعل: ماض، أو مضارع، أو أمر ؛ ومن هذا النوع قول القائل: اجتمع في النادي ثلاث طوائف ممن يمارسون أعمالًا حرة مختلفة يحبونها. فسألتهم
_________________
(١) = بعد "أو" التي للشك أو الإبهاء، أن يكون مفردًا؛ مثل أبصرت ثعلبًا أو ذئبًا يجري، ونحو: محمد أو علي أو محمود لم أقابله. فإن كانت"أو" للتنويع "أي: لبيان الأنواع والأقسام كالتي ستجيء في: "د" فالغالب –وقيل: الواجب– في الضمير بعدها المطابقة؛ كالضمير بعد واو العطف؛ -وقد سبق في رقم ١ من هامش ص٥٦٢ كقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا﴾ . "راجع: شرح التصريح، وحاشية ياسين في الجزء الأول، "باب: ظن" عند الكلام على: "زعم" حيث نص على وجوب المطابقة وأن هذا الوجوب والحق وكذا في حاشية ياسين في "باب النسب" إلى ما حذفت فاؤه أو عينه، والمغني ج٢ في مبحث الجملة الثانية وهي المعترضة إحدى الجمل التي لا محل لها من الإعراب في الموضع الرابع من مواضعها. لكن جاء في الجزء الأول من كتاب: "معاني القرآن" للفراء طبعة دار الكتب سنة ١٩٥٥م في أول سورة النساء، عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ ﴾ ما نصه: "لم يقل: "ولهما" وهذا جائز إذا جاء الحرفان في معنَى "أي: حُكم" واحد "بأوْ" أسندت التفسير إلى أيهما شئت. وإن شئت ذكرتهما فيه جميعًا، تقول في الكلام: من كان له أخ أو أخت فليصله، تذهب إلى: "الأخ"، و"فليصلها" تذهب إلى: "الأخت" وإن قلت: فليصلهما" فذلك جائز. وفي قرائتنا: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ وفي إحدى القراءتين "فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَ" ذهب إلى الجمع؛ لأنهما اثنان غير مؤقتين. وفي قراءة عبد الله "وَالَّذَانِ يفعلون مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا" فذهب إلى الجمع لأنهما اثنان غير موقتين، وكذلك في قراءته "وَالسَّارِقُون وَالسَّارِقَات فَاقْطَعُوا أَيمانهما"ا. هـ. ولعل الأخذ بهذا الرأي أنسب لقوته وتيسيره. هذا، وللمسألة السالفة اتصال بما سيجيء في رقم ٣ ص٦٥٨. ١ وهي في هذا المعنى مثل "إما" التي يأتي الكلام عليها في ص٦١٢ وقد طال الجدل بين بعض النحاة في معنى: "التقسيم والتفصيل"؛ أهما مترادفان، معناهما واحد، أم لكل منهما معنى خاص؟ وكذلك بين: "التقسيم والتفريق" ولا داعي اليوم للرجوع إلى هذا الجدل، ولا إلى ما يذكرونه من أن التفصيل تبين للأمور المجملة بلفظ واحد؛ كواو الجماعة في المثال الثاني، وفي قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ أي: قالت اليهود: كونوا هودًا، وقالت النصارى كونوا نصارى، ولا ماي ذكرونه من أن التقسيم تبيين لما دخل تحت حقيقة واحدة؛ ففي الآية جمعت اليهود والنصارى في لفظ واحد؛ وهو الضمير "واو الجماعة" الذي هو فاعل الفعل: "قال" وهو الفعل الذي جمع في لفظه ما نطق به اليهود والنصارى إلى غير هذا مما أثاروه من جدل عنيف يغنينا عنه الرأي الذي لا يفرق بينهملا، ويرى أن المسألة هنا اصطلاحية محضة؛ فلا ضرر في توحيد معناهما وجعلهما مترادفين.
[ ٣ / ٦٠٦ ]
ما أفضل الأعمال الحرة للشباب؟ قالوا: أفضلها الزراعة، أو التجارة،أو الصيدلة، فالجملة الفعلية: "قالوا" جملة خبرية، مكونة من الفعل:. "قال" الدال على القول، من غير تفصيل للكلام الذي قيل، ومن الضمير: "واو الجماعة" العائد على الطوائف المعدودة بالثلاث١، وهو ضمير مجْمل يدل على مرجعه دلالة خالية من التفضيل. وبسبب الإجمال في دلالة الفعل وفي الضمير جاء بعدهما التفصيل الذي يعدد طوائفهم، وأنهم زراعيون. وتجاريون، وصيادلة، كما يُبين كلام كل طائفة؛ أي: قال الزراعيون: أفضلها الزراعة، وقال التجاريون: أفضلها التجارة، وقال الصيادلة: أفضلها الصيدلة.
ومن هذه المعاني أيضًا: الإضراب٢، ومن أمثلته: أن يتهيأ المرء للخروج، وتبدو عليه أماراته، ثم يعدل عنه، قائلًا: "أنا أخرج، أو أقيم". فينطلق بالجملة الأولى، ولا يلبث أن يغير رأيه، وينصرف عما قرره، فيسارع إلى إردافها بقوله: أو: "أقيم" ويجلس جلسة المقيم، فيكون جلوسه قرينة على أن معنى "أو" هو: الإضراب. فكأنه قال: "أخرج، لا، بل أقيم". ومثله قول القائل: "أقيم في البيت، أو أخرج، فإن ورائي عملًا لا مَناص من إنجازه الآن في الخارج". فقد أخبر بالإقامة في البيت، ثم بدا له أن ينصرف عن هذا الرأي ويخرج، فكأنه قال: "لا. بل أخرج الآن" ومثل قول الشاعر يتغزل:
بَدَتْ مثلَ قَرْن الشمسِ في وَرْنَق الضحا وصورِتها. أَو أَنتِ في العين أملح
يريد: بل أنت أملح.
ويحسن في الأسلوب المشتمل على: "أو" التي تفيد الإضراب أن يحتوي أمرين معًا؛ أولهما: أن يسبقها نفي أو نهي٣. وثانيهما: تكرار العامل، نحو: "
_________________
(١) ١ يعود على الطوائف باعتبار المعنى، إذ المراد من الطوائف هنا: أفرادها من الرجال. ٢ سبق شرحه في رقم ١ من هامش ص٥٩٧. ٣ ويترتب على هذا ما يأتي في: "أ" من الزيادة والتفصيل ص٦١١. ويرى بعض النحاة أن وجود النفي أو النفي قبلها شرط أساسي في إفادتها الإضراب. ويرى آخرون أنه ليس بشرط. ومن هؤلاء: الفراء: مؤيدًا رأيه بقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ . أي: بل يزيدون، لأن "أو" هنا للإضراب، فلا تصلح لمعنى آخر كالشك. لأن الشك ونحوه محال على الله، والحق: أن تقدم النفي والنهي مستحسن فقط.
[ ٣ / ٦٠٧ ]
ما زارني عمي، أو: ما زارني أخي". "ولا يخرجْ حامد، أو: لا يخرجْ إبراهيم". والمراد: بل ما زارني أخي بل لا يخرج إبراهيم. ونحو: "لا ترجئ عملك الناجز، أو: لا تهملْ عملك". ونحو: "ليس المنافق صاحبًا، أو: ليس مأمونًا على شيء" والمراد لا تهمل بل ليس مأمونًا
وإذا كانت "أو" للإضراب فالأحسن إتباع الرأي الذي يعتبرها حرفًا لمجرد الإضراب لا للعطف، فما بعدها جملة مستقلة عما قبلها. شأنها في هذا شأن "أم" المتجردة للإضراب وحده؛ فليست عاطفة –في الرأي الراجح، كما أسلفنا٢-.
ويرى فريق آخر نهما مع الإضراب يعربان حرفي عطف، فما بعدهما معطوف علة ما قبلهما والخلاف شكلي، ولكنّ الأول وضح وأنسب.
وقد يكون معنى الحرف: "أو" الدلالة على الاشتراك ومطلق الجمع٣ بين المتعاطفيْنِ؛ فكأنه الواو العاطفة في هذا، ويصح ن يحل محله الواو٤، كقول الشاعر:
وقالوا لنا: ثنتانِ لا بدَّ منهما صدورُ رِمَاحٍ أُشْرِعت٥، أو سلاسلُ٦
ونحو: جلس الضيف بين صاحب الدار أو ابنه. أي: جلس بين صاحب الدار وابنه: لأن كلمة: "بيْن" إذا أضيفت لاسم ظاهر اقتضت –في الغالب–
_________________
(١) ٢ في ص٥٩٩. ٣ سبق شرحه في ص٥٥٨. وانظر رقم ٣ من هامش الصفحة الآتية. وإذا رحمْتَ فأَنت أمُّ أَو أَبٌ هذان في الدنيا هما الرَحماءُ راجع: "الملاحظة" التي في رقم ٤ من هامش ص٦٠٥؛ لصلتها القوية بما نحن فيه.. ٥ وجِّهت وصوِّبت نحو العدو، يقصد الطعن في صدور الأعداء. ٦ يريد السلاسل التي تقيد الأسرى. وهذا كناية عن هزيمة الأعداء، ووقوعهم في الأسر، وتقييدهم بهذه السلاسل. ويرى المروزوقي "شارح ديوان الحماسة ج١ ص٤٦ من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، بالقاهرة" أن: "أو" هنا للتخيير، وأن المراد من قول اشاعر في صدر البيت: "لا بد منهما" أنه لا بد منهما على طريق التعاقب، لا على طريق الجمع بينهما. وهذا المعنى مقبول، ولكن الأول أقوى منه، وأنسب، إذ لا معنى للتخيير بين القتال والأسر، لأن الأسر نتيجة من نتائج القتال، وسبب عنه. هذا إلى أن صدر البيت يؤيد هذا في صراحة حيث يقول "لا بد منهما".
[ ٣ / ٦٠٨ ]
أن يكون ما بعدها الأفراد، وهذا التعدد لا يتحقق "بأو" إلا إذا كانت بمعنى الواو الدالة على الجمع والمشاركة
ومثل قول الشاعر:
وقد زَعَمت ليلى بأَنَي فاجرٌ لنفسي تُقاها، أو عليها فجورُها
وقول الآخر يمدح أحد الخلفاء:
نال الخلافة أَو كانت له قَدرًَا كما أَتى ربَّه موسى على قَدَرِ
فلا بد من محاسبة النفس على التقى والفجور معا، دون الاقتصار على أحدهما ولا تتحقق الخلافة إلا مع قضاء الله وقدره١.
وملخص ما سبق٢ من معاني "أو"، أن هذه المعاني المتعددة القياسية خاضعة في إرداكها للسياق والقرائن خضوعًا تامًا؛ كي يتميز ويتحدد كل نوع منها، وأن التخيير والإباحة٣ لا يكونان إلا بعد جملة خبريَّة. أما المعاني الأخرى التي تخالف ما سبق "كالتفصيل، والإضراب، ومعنى الواو.." فتكون بعد الجملة الخَبرية، والطلبية، و والأفضل في الإضراب أن يسبقه نفي أو نهي. وأن يتكرر العامل معه٤.
_________________
(١) ١ ورد "قليلًا في المسموع وقوع" أو بعد "هل" –ولقلته لا يقاس عليه– ومنه ماجاء في صحيح مسلم "ج١٢ ص١٠٦ كتاب: الجهاد" وهو حديث يتضمن ما دار من كلام بين هرقل وأبي سفيان، جاء فيه ما نصه عن المسلمين: "هل يزيدون أم ينقصون ". ٢ انظر ما يزيد عليه في ص٦١١ وفيها إشارة إلى أن الصلة والارتباط بين حرفي العطف. "أو، وأم" معروض في ص٥٨٨. ٣ إذا كانت "أو" للإباحة جاز للمخاطب أن يختار أحد المتعاطفين ويقتصر عليه. وجاء له أن يجمع بينهما، ويختارهما معًا –كما شرحنا في ص٦٠٤– وإذا جاز الجمع في حالة "أو" التي للإباحة فما الفرق بينه وبين الجمع في حالة "أو" التي بمعنى "واو" العطف؟ الفرق أن "واو" التي بمعنى واو العطف لا بد فيها من الجمع كالواو، ولا يصح الاقتصار على واحد، بخلاف الجمع في حالة الإباحة فإنه جائز. ٤ وفي معاني: "أو" يقول ابن مالك: خَيِّرْ، أَبِحْ، قَسِّمْ بِأَوْ، وَأَبْهِمِ واشْكُك، وَإِضْرابٌ بِهَا أَيْضًا نُمِى =
[ ٣ / ٦٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = "نمي، أي: نسب إليها، بمعنى أنها تؤديعه" وقد تضمن البيت ستة معان؛ هي: "التخيير، الإباحة، التقسيم، الإبهام، الشك، الإضراب". وسيجيء في البيت التالي معنى سابع؛ هو: أنها تكون بمعنى الواو. وَرُبَّمَا عَاقَبَتِ الوَاوَ إذا لَمْ يُلْفِ ذُو النُّطْقِ لِلَبْس مَنْفَذًَا "يلف: يجد. ذو النطق المتكلم" يقول: "أو" تعاقب الواو "أي: يصح أن تحل محلها وتؤدي معناها وهو مطلق الجمع والاشتراك" بشرط ألا يجد المتكلم منفذًا للالتباس، أي: بشرط ألا يكون استعمالها موقعًا في اللبس؛ بسبب خفاء معناها المراد، وعدم إدراك السامع أنها بمعنى الواو.
[ ٣ / ٦١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- الأصل في "أو" أن تكون لأحد الشيئين أو الأشياء١ لكنها إذا وقعت بعد نفي أو نهي كانت للنفي العام الذي يشمل كل فرد مما حَيِّز النفي قبلها وبعدها، وللنهي العام الذي ينصَبّ على كل فرد كذلك: فمثالها بعد النفي: "لا أحب منافقًا أو كاذبًا". ومثالها بعد النهي قوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ ٢.
ب- يقول سيبويه: إذا ذكرت همزة التسوية بعد كلمة: "سواء" فلا بد من مجيء "أم" العاطفة، لا فرق في هذا الحُكم بين أن يكون بعد الهمزة اسمان أو فعلان؛ نحو: "سواء عَلَيّ أمقيم ضيفي أم هو مرتحل سواء علىّ أَبَقِيَ الضيف أم ارتحل"، فإن كان بعد: "سواء" فعلان بغير همزة التسوية عُطف الثاني منهما على الأول بالحرف: "أو". نحو: "سواء علينا رَضِيَ العدو أو سَخِط". ورأيه هذا مخالف لما نقلناه –في رقم ٣ من هامش ص٥٨٨ وما يتصل بها– عن بعض المحققين الذين يجيزون مجيء "أم" والصواب معهم. وفي تلك الصفحة أيضًا بيان الصفة والارتباط بين الحرفين: "أو" و"أمْ".
وإن كان بعدهما اسمان بغير همزة التسوية عطف الثاني على الأول بالواو، ولو كان الاسمان مصدرين؛ نحو سواء على حمزةُ وعامرٌ، سواءٌ علينا اعتدالُ الجو وانحرافُه٣
ج- يصح حذف "أو" عند أمْن اللَّبس٤؛ نحو: وسائل السفر متنوعة؛ يتخير منها كل امرىء ما يناسبه: فسافر ما يناسبه: فسافرْ بالطيارة، القطار، الباخرة، السيارة
د- وقد تعطف الشيء على مرادفه٥ كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ﴾ فالإثم هو: الخطيئة
_________________
(١) ١ سبقت الإشارة لهذا الرأي مع تفصيلات أخرى في رقم ٣ من هامش ص٥٨٦ لمناسبة هناك. ٢ ومن أمثلة وقوعها في حيز للنهي قول الشاعر –في البيت الأول-: لا تُظهرنّ لعاذل أو عاذر حاليْك في السّرّاءِ والضّرّاءِ فلرحمة المتوجعين حَزازة في القلب مثل شماة الأَعداءِ ٣ راجع الجزء الثاني من الهمع باب العطف؛ عند الكلام على "أو". وقد سبقت الإشارة لرأيه في ج من ص٥٩٦. ٤ كما سبقت الإشارة في ص٥٧٥ وكما سيجيء في ص٦٤١. ٥ وقد سبقت الإشارة لهذا في رقم ٦ من هامش ص٥٦٥.
[ ٣ / ٦١١ ]
٧- إمَّا:
يرى بعض النحاة أن كلمة: "إمَّا" الثانية في مثل "امنح السائل إمَّا دِرْهمًا وإمَّا دِرْهمين" حرف عطف بمعنى: "أو" وأنها تشارك "أو" في خمسة من معانيها١. هي:
التخيير والإباحة"، بشرط أن تكون "إمَّا" الثانية مسبوقة بكلام يشتمل على أمر.
"ولاشكُّ والإبهامُ"، بشرط أن تكون مسبوقة بجملة خبرية.
"والتفصيل"٢ بعد الخبرِ أو الطلبِ".
ولا تكون "إمَّا الثانية" عند هؤلاء للإضراب، ولا بمعنى "واو" العطف؛ فبهذين المعنيين تختصص: "أو" دونها.
والمعاني الخمسة السابقة هي لكلمة: "إمَّا" الثانية، وتشاركها الأولى فيها وتسايرها؛ لأنهما حرفان٣ متلازمان –في الأغلب– معنى واستعمالا٤، غير أن الأولى لا تكون للعطف مطلقًا –كما سنعرف-.
فمن أمثلة الشك: احتجت الشمس وراء الغمام إمَّا ساعتين، وإمَّا ثلاثًا. ومن الإبهام قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ ٥. والتخيير كقوله تعالى: ﴿إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾؛ والإباحة، نحو: إمَّا أن تزرع فاكهةً وإمَّا قَصَبًا. والتفصيل، كقوله تعالى في الإنسان: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ .
وإذا كانت "إمَّا" الثانية عندهم حرف عطف "فالواو التي قبلها زائدة لازمة لها. والأولى لا عمل لها في عطف أو غيره.
ويرى آخرون: أن "إما" الثانية والولى متشابهتان في الحرفية، وفي تأدية
_________________
(١) ١ سبق شرح المراد من كل معنى من الخمسة عند الكلام على: "أو" ص٦٠٣ –وما بعدها-. ٢ انظر معنى "التفصيل" في رقم ١ من هامش ص٦٠٦. ٣ راجع حاشية الأمير على المغني ج١ عند الكلام على الحرف: "إما". ٤ راجع البيان والتفصيل في "أ" من ص٦١٤. ٥ يتعين الإبهام في الآية؛ مراعاة لما سبق في تحديد معناه –رقم ٣ من هامش ص٦٠٥-.
[ ٣ / ٦١٢ ]
معنى من تلك المعاني الخمسة، وأن كلًا منهما ليس حرف عطف؛ لأن الأولى لا يسبقها معطوف مطلقًا، ولأن الثانية تقع دائمًا بعد الواو العاطفة بغير فاصل بينهما. ومن المقرر أن حرف العطف لا يدخل على حرف العطف مباشرة١، إذ لا يصح أن يتوالى حرفان للعطف من غير فاصل. والفريقان متفقان على أن الأولى ليست عاطفة٢ وأنها حرف –لا خلاف في حرفيته– يفصِل بين عامل قبله ومعمول يليه٣. ولكن الخلاف في الثانية.
والرأي الأرجح الذي يجدرُ الأخذ به هو: أن الثانية كالأولى في المعنى والحرفية، وفي أنها ليست حرف عطف لأن العاطف هو الواو٤.
_________________
(١) ١ كما ستجيء الإشارة في ص٦٢٠. ٢ للسبب السالف؛ وهو أنها لا يسبقها عاطف مطلقًا. ٣ لهذا يعرب ما بعد "إما"، الأولى على حسب حاجة العوامل التي قبلها؛ فقد يكون فاعلًا في مثل: غاب إما حامد وإما محمود. وقد يكون مفعولًا به في مثل: يركب المسافر إما قطارًا وإما سيارة، وقد يكون حالًا في مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ . وقد يكون بدلا كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾ وهكذا. ٤ انظر ما يتصل بهذه "الواو" التي قبل "إما" الثانية في ص٥٦٠.
[ ٣ / ٦١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- ليس من اللازم أن تتكرر "إمَّا"، ولكن الأغلب تكرارها، فقد تحذف الثانية؛ لوجود ما يغني عنها. ويغلب أن يكون أحد شيئين: "وإلاّ" "أوْ". فمثال الأول: إما أن يتكلم المرء ليُحْمَد وإلا فليسكت. ومنه قول الشاعر:
فإِمَّا أَن تكون أَخِي بصدق فأَعْرفَ منكَ غَثِّي من سَمِيني
وإلاّ فاطَّرِحْنِي واتَّخِذْنِي عَدْوًّا أَتَّقيكَ وتَتَّقِينِي
ومثال الثاني قول الشاعر:
وقد شَفَّنِي ألا يزال يروعني خيالك إما طارقا أو١ معاديا
وقد يستغني عن الأول اكتفاء بالثانية كقول الشاعر:
تُلِمُّ بدَارٍ قَدْ تَقَادَمَ عهدُها وإِمَّا بأَموات أَلَمَّ خَيَالُهَا
أي: إمَّا بدار والفراء يقيس هذا الاستغناء، فيجيز: فيضان النهر معتدل وإمَّا خطير.
و"إمَّا" السالفة تختلف عن "إمَّا" المركبة من: "إن" الشرطية التي تجزم فعلين، ومن: "ما" الزائدة، في مثل: إمَّا يَعْدِلْ الوالي تجتمعْ حوله القلوب. أي: إنْ يعدل كما تختلف اختلافًا واسعًا عن "إمَّا" الشرطية التي سيجيء الكلام عليها٢ في باب خاص بها.
ب- من اللهجات النَّادرة أن يقَال "أَيْمَا" بدلًا من "أَمَّا"، كذلك حذف وَاو العطف قبل "إِمَّا"، وكذلك
_________________
(١) ١ ومن هذا جاء بيت ابن مالك في أول باب العطف في الألفية رقم ٢ من هامش ص٥٤٤ ونصه: " العطف إما ذو بيان أو نسق.." وكذلك وردت في كلام من يحتج بكلامهم؛ ومنهم خالدين صفوان "أموي، توفي حول سنة ١٣٣ هـ" فقد جاء على لسانه في قصة أحد الملوك ما نصه: "إما أن تقيم في ملكك فتعمل بطاعة ربك أو تضع تاجك وتلبس أمساحك وتعبد ربك في هذا الجبل " والقصة كاملة في كتاب "الجمان في تشبيهات القرآن" لابن ناقيا البغدادي ص٣٠٦. ٢ في ج٤ ص٤٧٠ م١٦١.
[ ٣ / ٦١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حذف وَاو العطف قبل "إِمَّا" الثانية١، وقد اجتمع النَّادران في قول الشاعر:
يا ليتما أمَّنا شالتْ٢ نعامتها أَيْما إِلى جَنَّة، أَيْمَا إلى نار
ومن المستحسن اليوم عدم محاكاة هذه اللغات القليلة.
ج- الفرق بين "إِمَّا" و"أو" في المعاني الخمسة السالفة أن "إِمَّا" مكررة؛ فيدل الكلام معها من أول النطق بها على الغرض الذي جاءت من أجله؛ أهو شك، أم تخيير، أم غيرهما.
بخلاف "أو" فإن الكلام معها يدل أوّلًا على الجزْم واليقين، ثم تجيء "أو" فتدل على المعنى الذي جاءت من أجله.
د- حكم الضمير بعدها إذا كان عائدًا على المتعاطفين من ناحية المطابقة وعدمها مدون في رقم ٣ من ص٦٥٧.
_________________
(١) ١ وفيما سبق يقول ابن مالك: ومثل "أو" في القصد "إما" الثانية في نحو: إما ذي، وإما النائيه ٢ شالت: بمعنى ارتفعت النعامة: باطن القدم. وارتفاع النعامة كناية عندهم عن الموت؛ لأن من يموت ترتفع –في الغالب- قدماه، وينخفض رأسه، فتظهر نعامته.
[ ٣ / ٦١٥ ]
٨- لكنْ:
حرف عطف معناه الاستدراك١؛ نحو: ما صاحبت الخائنَ لكنْ الأمينَ؛ "فالأمين" معطوف على "الخائن".
ولا يكون عاطفًا إلا باجتماع شروط ثلاثة:
أولها: أن يكون المعطوف به مفردًا٢، لا جملة، مثل: ما قطفت الزهرَ لكنْ الثمرَ. فإن لم يكن مفردًا وجب اعتبار "لكن" حرف ابتداء واستدراك معًا، وليس عاطفًا، ووجب أن تكون الجملة بعده مستقلة في إعرابها عن الجملة التي قبله، نحو: ما قطفت الزهر لكنْ قطفت الجملة بعده مستقلة في إعرابها عن الجملة التي قبله، ونحو: ما قطفت الزهر لكنْ قطفت الثمر.. فكلمة: "لكن" حرف ابتداء واستدراك معًا، ولا يفيد عطفًا، والجملة بعدها مستقلة في إعرابها؛ لأن "لكنْ" الابتدائية لا تدخل إلا على جملة جديدة مستقلة من الناحية الإعرابية٣.
ثانيها: ألا يكون مسبوقًا بالواو مباشرة؛ نحو: ما صافحت المسيء لكن المحسنَ. فإن سبقته الواو مباشرة لم يكن حرف عطف واقتصر على أن يكون حرف استدراك وابتداء الكلام، ووجب أن تقع بعده جملة "فعلية أو اسمية" تُعْطَف بالواو على الجملة التي قبلها؛ فمثال الفعلية: ما صافحت المسيء ولكنْ صافحت المحسن، وقول الشاعر:
إذا ما قضيت الدَّيْن بالدَّيْن لم يكن قضاءٌ؛ ولكنْ كان غُرْمًا على غُرم
_________________
(١) ١ الاستدراك: "تعقيب الكلام بإزالة بعض الخواطر والأوهام التي ترد على الذهن بسببه". وهو يقتضي أن يكون ما بعد أداة الاستدراك مخالفًا لما قبلها في الحكم المعنوي؛ نحو: ما قطفت الزهر. فمعنى هذه الجملة نفي القطف عن الزهر. فقد يتسرب إلى الذهن من هذا المعنى أن الثمر لم يقطف أيضًا، فلإزالة هذا الوهم واستبعاده نأتي بأداة تبعده، مثل: "لكن"؛ فنقول: ما قطفت الزهر، لكن الثمر. فكلمة: "لكن" أداة من أدوات الاستدراك. أزالت ذلك الوهم. وأثبتت أن الثمر قُطف "وقد سبق إيضاحه وتفصيل الكلام عليه في ج١ ص٤٧٢ م٥١. وفي رقم ٢ من هامش ص٤٢٨ م٣٥-" كما سبق هناك أن الحرف الدال على "الاستدراك" "وهو: "لكن" بنوعيها، مشددة النون وساكنتها" لا تقع في صدر جملة تعرب خبرًا ١ طبقًا للرأي الأقوى والأشهر. ٣ ومن أمثلة الجملة الفعلية بعدها قول الشاعر: وما نيل المطالب بالتمني ولكن تُؤخَذ الدنيا غِلابا وقول الآخر يصف حياته: حياة مشقات. ولكنْ –لبُعْدها عن الذلّ –تصفو للأبيّ وتَعْذُب
[ ٣ / ٦١٦ ]
ومثال الاسمية:
وليس أَخي من ودّني رأيَ عينه ولكنْ أخي من ودني وهو غائب
"فالواو" حرف عطف. "لكن"، حرف استدراك وابتداء كلام. والجملة بعدها معطوفة بالواو على الجملة التي قبلها١.
ثالثها: أن تكون مسبوقة٢ بنفي، أو نهي، كما في الأمثلة السابقة. ونحو: لا تأكل الفاكهَةَ الفِجَّةَ لكن الناضجةَ. فإن لم تُسبق بذلك كانت حرف ابتداء واستراك لا عاطفة، ووجب أن يقع بعدها جملة مستقلة في إعرابها، نحو: تكثر الفواكة شتاء، لكنْ يكثر العنب صيفًا.
ويؤخذ مما سبق أن الحرف "لكنْ" حرف استدراك دائمًا؛ سواء أكان عاطفًا أم غير عاطف. وأنه لا يعطف إلا بشروط ثلاثة مجتمعة، فإن فُقِدَ منها شرط أو أكثر لم يكن عاطفًا، ووجب دخوله على الجُمل، واعتباره حرف استدراك وابتداء معًا.
والاستدراك يقتضي أ، يكون ما بعد أداته مخالفًا لما قبلها في حكمه المعنوي؛ كما في الأمثلة السالفة، كما في نحو: "لا أصاحب المنافق لكن الشهم = لا تجالس الأشرار لكن الأخيار". فمعنى الجملة التي قبل "لكن" منفي، أو منهيّ عنه، وهذا المعنى في الجملة التي بعدها مثبت وغير منهيّ عنه؛ فهما مختلفان فيه نفيًا وإيجابًا، ونهيًا وغير نهي.
ولما كان الكلام قبل "لكن" العاطفة منفيًا دائمًا، أو منهيًا عنه، وجب أن يكون ما بعدها مثبتًا دائمًا، وغير منهيّ عنه٣، فالمعنى بعدها مناقض للمغنى قبلها١
_________________
(١) ١ لهذا إشارة في رقم ٢ من هامش ص٥٦٨. ٢ وهذا الشرط هو الأرجح والأقوى. ٣ أما غير العاطفة، أو "لكنْ" المشددة فقد يكون الأول فيهما هو المثبت، والمتأخر هو المنفي، أو العكس –كما سبق في ج١ من ص٥٧١– فالذي تجب مراعاته مع أداة الاستدراك "لكنْ = ولكنْ" هو مخالفة ما قبلها لما بعدها في الحكم نفيًا وإيجابًا، وغيرهما. وفيما سبق يقول ابن مالك بيتًا يشتمل بإيجاز على حكم: "لكنْ" و"لا" العاطفتين "وسيجيء الكلام على "لا". وأوْلِ "لكِنْ" نَفيًا، أو نهيًا. و"لاَ" نِدَاءً، أو أَمْرًا، أوِ اثبَاتًا تَلاَ "وأول لكن نفيًا": اجعلها والية نفيًا وواقعة بعده، وذلك بأن يتقدم النفي وتليه لكنْ، أي تجيء بعده. هذا كل ما تعرض له البيت. وهو تعرض مبتور، أما باقية فليس خاصًا بلكن. حكم الضمير بعدها إذا كان عائدًا على المتعاطفين من ناحية المطابقة وعدمها، موضح في رقم ٣ ص٦٥٧.
[ ٣ / ٦١٧ ]
٩- لا:
حرف عطف يفيد نفي الحكم عن المعطوف بعد ثبوته للمعطوف عليه؛ نحو: يفوز الشجاعُ لا الجبانٌ. فكلمة: "لا" حرف عطف ونفي. و"الجبان" معطوف على الشجاع، والحكم الثابت للمعطوف عليه هو: فوز الشجاع، وقد نُفِي الفوز عن المعطوف "الجبان" بسبب أداة النفي: "لا". ومثل هذا يقال في "لا" التي في الشطر الثاني من قول الشاعر:
القلب يدركُ ما لا عينَ تدركه والحْسنُ ما استحسنتْه النفسُ لا البصرُ
فهي حرف عطف ونفي، و"البصر" معطوف على النفس، والحكم الثابت للمعطوف عليه هو نسبه الاستحسان إلى النفس "أي: إسناده إليها" مع نفي هذا الاستحسان عن البصر.
ولا يكون هذا الحرف عاطفًا إلا باجتماع خمسة شروط:
أولها: أن يكون المعطوف مفردًا –لا جملة١– كالأمثلة السالفة، وكقول الشاعر:
قلْ لِبانٍ بقولِ رُكنَ مملكةٍ على الكتائبِ يُبنَى المُلكُ، ولا الكُتُبِ
"فالكتب" معطوفة على: "الكتائب" وهذا المعطوف ليس جملة. فإن لم
_________________
(١) ١ الجملة الممنوعة هنا هي التي ليس لها محل من الإعراب. قال الصبان "يشترط في "لا" العاطفة إفراد معطوفها، ولو تأويلًا؛ فيجوز: قلت عليّ قائم، لا عليّ "قاعد"؛ أخذًا من قول الهمع: ولا يعطف بها جملة لا محل لها على الأصح " ا. هـ. يريد أن المعنى: على قائم لا قاعد، فالجملة المعطوفة بمنزلة خبر مفرد. ومما يلحق بالمفرد: شبه الجملة إذا اعتبرنا متعلقه مفردًا، نحو: حساب العمر بالأعمال لا بالأعوام، وعند الله حسن الجزاء، لا عند الناس. وقولهم: "سُمُوُّ المرء بالعمل لا بمجرد الأمل".
[ ٣ / ٦١٨ ]
يكن المعطوف مفردًا لم يصح اعتبار "لا" عاطفة؛ وعندئذ يجب اعتبارها حرف نفي فقط، والجملة بعدها مستقلة في إعرابها، ليست معطوفة؛ نحو: تصبان الممالك بالجيوش والأعمال، لا تصان بالخطب والآمال.
ثانيها: أن يكون الكلام قبله موجبًا لا منفيًّا ويدخل في الموجبَ –هنا– الأمرُ والنداء؛ كقول بعضهم: "الملَقُ وَضاعة لا وداعة، وخِسِّةٌ لا كِيَاسة. فكُن أبيًّا لا ذليلًا، مَصُونًا لا مُتَبَذلًا. يا بن الغُرِّ البِهَاليلِ١ لا السَّفْلةِ٢ الأوغادِ٣: إن الكرامة في الإباء، والعزة في التَّصَونِ، ولا سعادةً بغير عِزة وكرامة ".
ثالثها: ألا يكون أحد المتعطفين داخلًا في مدلول الآخر، ومعدودًا من أفراده التي يصدق عليها لفظه "اسمه"؛ فلا يصح: مدحت رجلًا لا قائدًا؛ لأن الرجل "وهو المعطوف عليه" ينطبق على أفرد كثيرة تشمل المعطوف "وهو القائد" وتشمل غيره. ولا يصح أكلت تفاحًا لا فاكهة؛ لأن الفاكهة "وهي المعطوف" تشمل المعطوف عليه "وهو: التفاح" ويصدق اسمها عليه وهكذا. لكن يصح: مدحت رجلًا لا فتاة وأكلت الفاكهة لا خُبزًا؛ إذ لا يصدق أحد المتعاطفين على الآخر٤
_________________
(١) ١ جمع: بهلول، وهو: السيد الجامع لكل خير. ٢ أراذل الناس وأسافلهم. ٣ جمع: وغد، وهو الرجل الدنيء الحقير. ٤ وقد أشار ابن مالك إلى حكم "لا" في جزء من بيت سبق في هامش ص٦١٧ يتضمن حكمها وحكم "لكن" هو: وأَوْلِ "لَكنْ" نَفْيًا، أوْ نَهْيًا وَ"لاَ" نِدَاءً أَوْ أَمْرًا أَو اثْبَاتًا تَلاَ وقد سبق شرح الجزء الخاص بالحرف: "لكن" أما الخاص بالحرف "لا" فتقديره كلامه. "لا" تلا نداء، أو أمرًا، أو إثباتًا: فكلمة: "لا" مبتدأ –ولا يصح أن يكون معطوفًا على: لكن، منعًا لفساد المعنى– خبره الجملة الفعلية المكونة من الفعل "تلا" وفاعله. يريد: أن حرف "لا" العاطف يتلو النداء، أو الأمر، أو الإثبات. ويجيء بعد واحد من هذه الأشياء، ولا يكون عاطفًا إلا إذا وقع بعد أحدها. وفي البيت قصور ونقص.
[ ٣ / ٦١٩ ]
رابعها: ألا تقترن كلمة "لا" بعاطف لأن حرف العطف لا يدخل على حرف العطف١ مباشرة فإن اقترنت به كان العطف به وحده وتمحضت هي للنفي الخالص٢، نحو: أسابيع الشهر ثلاثة، لا بل أربعة، فالعاطف هوَ "بَلْ"٣، وقد عطف أربعة على ثلاثة. أما "لا" فليست هنا عاطفة، وإنما هي مجرد حرف نفي لإبطال المعنى السابق وردّه. ومثل هذا: "سبقتْ السيارة لا بل القطار" فليست "لا" هنا بعاطفة وإنما هي حرف نفي يسلب الحكم السابق ويزيله ويرده، و"بل" هي العاطفة٤
خامسها: ألا يكون ما يدخل عليه مفردًا صالحًا لأن يكون صفة لموصوف
_________________
(١) ١ طبقًا لما تردد من قبل، ومنه البيان الذي في ص٦١٣. ٢ ونفيها الخالص قد يكون تأسيسًا؛ كالذي في نحو: جاءني على، لا بل محمود. وقد يكون تأكيدًا كالذي في نحو: ما جاء عليّ ولا محمود. فالعاطف هو "بل" و"الواو" في الصورتين، والمعطوف فيهما هو محمود. والمعطوف عليه هو عليّ. أما كلمة "لا" فيهما فلمجرد النفي المحض، تأسيسًا في المثال الأول، وتأكيدًا في الثاني. "ملاحظة": النفي التأسيسي هو الذي تجلبه الأداة الخاصة بالنفي، ولا يكون في الكلام ما يدل على هذا النفي ويشعر به سواها؛ كالمثال الأول: جاء عليٌّ لا محمود". فلولا الحرف النافي: "لا" ما وجد في الجملة ما يدل على معنى النفي. أما النفي التأكيدي فلا تجلبه معها أداة النفي؛ وإنما يكون موجودًا قبل مجيئها؛ فتجيء هي لتوكيده وتقويته؛ كالمثال الثاني: "ما جاء علي ولا محمود" فنفي المجيء عن محمود مفهوم بغير مجيء حرف النفي "لا" وبدون ذكره فلما جاء الحرف أكده وقواه. ٣ في مثل: سافر الأخ بل الوالد نحوه من كل كلام موجب، والمعطوف مفرد تفيد كلمة: "بل" الإضراب عن الحكم السابق، كأنه لم يكن، والسكوت من غير حكم على صاحبه مع إثبات هذا الحكم السابق لما بعدها؛ فالذي سافر في المثال السالف هو الوالد، أما الأخ فسكوت عنه لا يتحدث عنه بشيء من سفر أو غيره كما سيجيء تفصيل هذا عند الكلام على "بل" "ص٦٢٣ و " وقياسًا على هذا يكون المراد في المثال: أسابيع الشهر أربعة ؛ إلا أن وجود: "لا" يجعل الحكم منفيًا صراحة لا مسكوتًا عنه. وفي هذا يقول الصبان ما نصه: "اعلم أن "لا" بعد الإيجاب هي في الإيجاب، وصيرورته بحرف الإضراب –لولاها– كالمسكوت عنه يحتمل النفي وغيره"ا. هـ. ٤ ومن صور اقترانها بالعاطف: ما جاءني محمد ولا علي. وهي في هذه الصورة زائدة، توافق نوعا من الزيادة الموضحة في البيان الهام الذي سبق في ج١ م٥ ص٦٢ أول الكلام على الحرف، وسبقت الإشارة إليه في رقم ٣ من هامش ص٥٦٧؛ متضمنة أنه يحوي الكلام على زيادة "لا" النافية، والغرض من زيادته، ومعناها، وإعرابها
[ ٣ / ٦٢٠ ]
مذكور، أو لأن يكون خبرًا١، أو حالًا. فإن صلح لشيء من هذا كانت للنفي المحض، وليست عاطفة، ووجب تكرارها؛ فمثال المفرد الصفة: هذا بيتٌ لا قديمٌ ولا جديدٌ. فكلمة "لا" النافية "وقديم" نعت لبيت. ومثال الخبر: الغلامُ لا صبيٌّ ولا شابٌ، والشابُّ لا غلامٌ ولا كهل١. ومثال الحال. عرفت العاطف لا نافعًا ولا منتفعًا
_________________
(١) "١، ١" لا فرق في الحكم بين خبر المبتدأ –كالأمثلة المعروضة هنا– وخبره غيره من النواسخ كالذي في قول الشاعر: فإن أنتمو لم تحتفظوا لمودتي ذِمَامًا فكونوا لا عليها ولا لها
[ ٣ / ٦٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- اختلف النحاة في وقوع "لا" العاطفة بعد الدعاء والتحضيض، نحو: "أطال الله عمرَك لا عُمْر الأعداء، وحرسَتْك عنايته لا عناية الناس"
ونحو: "ألاَ تُكرَم النَّابِةَ لا الخامل، وهَلا تُقَدّر الذكّي لا الغَبيّ" والأحسن الأخذ بالرأي الذي يبيح هذا؛ تيسيرًا وموافقة للمأثور.
ويزيد بعضهم فيبدي اطمئنانه لصحة وقوع "لا" العاطفة بعد الاستفهام أيضًا، نحو: أفرغْتَ من كتابة الرسالة لا الخطبة؟ ولا بأس بهذا الاطمئنان.
ب- إذا كانت "لا" عاطفة فقد يجوز حذف المعطوف عليه، نحو: عودت نفسي أن أتكلم لا شرًّا، وأن أنفع لا قليلًا١ والأصْل: أن أتكلم خيرًا لا شرًا وأن أنفع كثيرًا لا قليلًا.
ج- لا يجوز تكرار "لا" العاطفة؛ فلا يقال: حضر هاشم، لا محمود، لا أمين، لا حامد، بل يجب الاتيان بالواو العاطفة قبل المكرر، ليكون العطف بهذه الواو وحدها، وتقتصر "لا" على توكيد النفي، دون أن تكون عاطفة.
د- حكم الضمير بعدها إذا كان عائدًا على المتعاطفين، من ناحية المطابقة وعدمها مدون في رقم ٣ من ص٦٥٧.
_________________
(١) ١ لهذا إشارة في ص٦٣٩.
[ ٣ / ٦٢٢ ]
١٠- بل:
حرف يختلف معناه وحكمه باختلاف ما يجيء بعده من جملة أو مفرد.
أ- فإن دخل على جُملة فهو حرف ابتداء فقط، ومعناه إما: "الإضراب الإبطالي"، وإما:
"الإضراب الانتقالي". فالابطالي١: هو الذي يقتضي نفي الحكم السابق، في الكلام قبل "بل"، والقطع بأنه غير واقع، ومدعيه كاذب، والانصراف عنه واجب إلى حكم آخر يجيء بعدها. نحو: الأجرام السماوية ثابتة، بل الأجرام السماوية متحركة. فالحرف "بل" "بمعنى "لا" النافية" أفاد الإضراب الإبطالي الذي يقتضي نفي الثبات ونفي عدم الحركة عن الأجرام السماوية: لأن هذا الثبات أمر غير حاصل، ومن يدعيه كاذب، فكأن المتكلم قال: "الأجرام السماوية ثابتة. لا، فالأجرام السماوية متحركة وليست ثابتة"؛ فأبطل الحكم الأول ونفاه، وعرض بعده حكمًا جديدًا. ومن الأمثلة قوله تعالى في المشركين: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾، أي: بل هم٢ عبادٌ مكرمون. فقد أبطل الحكم السابق، ونفاه، وأثبت حكما آخر بعده: فكأن الأصل: "وقالوا اتخذ الرحمن ولدًا. لا؛ فان الذين اتخذهم هم عباد مكرمون". ومثل قوله أيضا ترديدا لما يقوله الكفار عن الرسول ﵇: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ٣ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ . والانتقاليّ هو: الذي يقتضي الانتقال من غرض قبل الحرف: "بلْ" إلى غرض جديد بعده، مع إبقاء الحكم السابق على حاله، وعدم إلغاء ماي قتضيه. كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ٤ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى بَلْ تُؤْثِرُونَ ٥ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ .
فالغرض الذي يدور حوله الكلام قبل: "بل" هو: الطاعة، "بالطهارة من الذنوب، وبعبادة الله، وبالصلاة "، والغرض الجديد بعدها هو حب
_________________
(١) اسبقت الإشارة إلى معناه في رقم ١ من هامش ص٥٩٧. ٢ الدليل على أن العرف: "بل" داخل على جملة اسمية، المبتدأ فيها محذوف هو: رفع كلمة: "عباد" إذ لا وجه لإعرابها وهي مرفوعة غير ما سلف، وهو الذي يقتضيه المعني أيضًا. ومثل هذا يقال في كلمة: "أحياءٌ" المرفوعة في قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾، أي بل هم أحياء. ٣ جنون. ٤ تَطَهَّر. ٥ تفضلون وتختارون.
[ ٣ / ٦٢٣ ]
الدنيا، وتفضيل الآخرة عليها وكلا الغرضين مقصود باقٍ على حالة، كقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ﴾ ١.
وكقولهم: "ليس من المروءة أن يتخلى الشريف عن أصدقائه ساعة الشدّة: بل يقيهم بماله، ويدفع عنهم بنفسه".
وحكم الحرف: "بل" الداخل على الجملة أنه حرف ابتداء محض يفيد الإضراب٢ -كما أسلفنا- ولا يصح اعتباره حرف عطف ولا شيئا آخر غير الابتداء، فالجملة بعده مستقلة في إعرابها عما قبلها، ولا يصح إعرابها خبرًا ولا غير خبر عن شيء سابق عليه٣
_________________
(١) ١ غفلة، أو انهماك في الباطل، ووُصِفت القلوب بهذا مسايرة لاعتقاد العرب أن القلب هو مقر العقل والغرائز، ومصدر الخير والشر. ٢ سبقت إشارة -في رقم ٢ من هامش ص٥٩٧ إفي فروق بين "أم" المنقطعة حين تكون للإضراب، و"بل" منها: أن الذي بعد "بل" يقين غالبا، أما الذي بعد "أم" فطن ، جاء الكتاب: "المحتسب" لابن جني ج٢ ص ٢٩١ في الآية الكريمة من سورة الطور: ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ وقراءة من قرأها: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ ما نصه: "قال أبو الفتوح: هذا هو الموضع الذي يقول أصحابنا فيه: إن "أم" المنقطعة بمعنى: إلا أن ما بعد "بل" متقين، وما بعد "أم" مشكوك فيه، مسؤول عنه، كقول علقمة بن عبدة: هل ما علمت وما تستودعت مكتوم؟ أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم؟ سطر ممحى مشكوم: مجازى ألا ترى إلى ظهور حرف الاستفهام وهو: "هل" في قوله: أم هل كبير بكى حتى كأنه قال: بل هو كبير ترك الكلام الأول وأخذ في استئناف مستأنف. وقد توالت "أم" هذه في ها الموضع من هذه السورة؛ قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ أي: بل أيقولون ذلك. وقوله تعالى: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ؟﴾ أي: بل أهم قوم طاعون؟ أخرجه مخرج الاستفهام، وان كانوا عنده تعالى قومًا طاغين؛ تلعبًا بهم وتهكمًا عليهم. وهذا كقول الرجل لصاحبه الذي لا يشك في جهله: أجاهل أنت؟ توبيخًا له، وتقبيحًا عليه. ومعناه: إني قد نبهتك على حالك فانتبه لها، واحتط لنفسك منها، قال صخر: أرائح أنت يوم البين أم غادي ولم تسلم على ريحانة الوادي ليس يستفهم نفسه عما هو أعلم به؛ ولكنه يقبح هذا الرأي لها، وينعاه عليها" ا. هـ. ٣ يقول السيوطي في الهمع - ج١ ص٩٦- ما نصه خاصًا بالخبر: "لا يسوغ الإخبار بجملة ندائية؛ نحو: زيد يا أخاه، ولا مصدرة بلكن، أو: بل، أو: حتى -بالإجماع في كل ذلك".
[ ٣ / ٦٢٤ ]
ب- وان دخل على مفرد فحكمه أنه: حرف عطف: يختص بعطف المفردات وحدها. أما معناه هنا فيختلف باختلاف ما قبله من كلام مثبت، أو مشتمل على صيغة أمر، أو كلام منفي، أو مشتمل على صيغة نهي.
١- فإن تقدم على: "بل" كلام موجب أو صيغة أمر نحو١: "أعددت الرسالة بل القصيدة لبست المعطف بل الثياب" "عاون المحتاج بل الضعيف" ساعف الصديق بل الصارخ" كان معنى "بل" أمرين معا، أساسيين:
أولهما: الإضراب عن الحكم السابق؛ بنفي المراد منه نفيًا تامًّا، وإبطال أثره كان لم يكن، وسلْبه عن صاحبه، وترك صاحبه مسكوتًا عنه مهملا؛ أي غير محكوم عليه بشيء مطلقًا بمقتضى هذا الكلام الذي أزال عنه الحكم السالف، وتركه بغير حكم جديد يقع عليه. وان شئت فقل: إنّ الكلام السابق على "بل" صار كأنه لم يذكر٢.
ثانيهما: نقل الحكم الذي قبل "بل" نقلا تاملًا إلى ما بعدها منغير تغيير بشيء في هذا الحكم الذي أزيل عما قبلها، واسْتقر لما بعدها، ففي الأمثلة السابقة يقع الإضراب على إعداد الرسائل، فينفي الإعداد لها، ولكنه يثبت للقصيدة بعدها. ويقع الإضراب على لبس المعطف، فلا يحصل؛ وإنما ينتقل اللبس إلى الثياب. وكذلك ينصت الإضراب على معاونة المحتاج؛ فلا يحصل؛ وإنما تنتقل المعاونة إلى الضعيف وتثبت له. وأيضا تلغى المساعفة للصديق ولكنها تثبت للصارخ. وهكذا.
٢- وان تقدم على "بل" كلام منفي، أو مشتمل على صيغة نهي، نحو: "
_________________
(١) ١ يراد بها ما يدل على الأمر صراحة، كفعل الأمر، ولام الأمر الداخلة على المضارع. لكن أيلحق بالأمر هنا التمني، والترجي، والعرض، والتحضيض، أم لا يلحق؟ رأيان بينهما خلاف واسع. والأحسن التيسير بقبول الرأي الذي يلحقها -كما سيجيء في هامش ص ٦٢٧-. ٢ ففي الأمثلة السابقة ماذا جرى للرسالة، والعطف، والمحتاج، والصديق، بعد أن سلبنا الحكم الواقع على كل منها؟ ليس في الكلام ما يدل على حكم جديد بعد الحكم المسلوب الذي نفيناه. فكل واحد منها بمنزلة كلمة مفردة نطقنا بها وحدها من غير أن نسند إليها شيئًا.
[ ٣ / ٦٢٥ ]
ما زرعت القمح بل القطن ما أسأت مظلوما بل ظالما" "لا يتصدر مجلسنا جاهل بل عالم لا تصاحب الأحمق بل العاقل" لم يكن معنى "بل " الإضراب، وإنما المعنى أمران معًا.
أولهما: إقرار الحكم السابق، وتركه على حاله من غير تغيير فيه.
ثانيهما: إثبات ضدّه لما بعد "بل".
ففي المثال الأول: حكم منفيّ، قبل كلمة "بل" هو نفي زراعتي القمح، وأقررنا هذا الحكم المنفيّ، وتركناه على حاله، وفي الوقت نفسه أثبتنا بعدها حكما آخر، هو، زرع القطن ، وأيضا نفينا قبلها حكما؛ هو وقوع الإساءة على المظلوم، وأثبتنا بعدها وقوعها على الظالم. وكذلك نهينا قبلها عن تصدر الجاهل لمجلسنا، وأمرنا بعدها بهذا التصدر للعالم. ونهينا عن مصاحبة الأحمق، وامرنا بها للعاقل، وهكذا
فالحكم الأول في كل الأمثلة السالفة –ونظائرها- باق على حاله، لم يقع عليه إضراب، أو تغيير، والحكم بعد "بل" مضاد لما قبلها، فالحكمان متضادان؛ ما ينفى أو ينقى عنه قبل "بل" يثبت أو يؤمر به بعدها"١"
_________________
(١) ١ في حكم "بل" يقول ابن مالك: و"بل" ك "لكن بعد مصحوبيها كلم أكن في مربع، بل تيها "المراد بالمصحوبين: النفي والنهي، هو المربع: المكان الذي ينزل فيه القوم زمن الربيع. والتيها: هي التيهاء؛ "أي: الصحراء" يقول: ‘ن "بل" بعد النفي مثل "لكن" في أنها تقرر ما قبلها، وتتركه على حاله، وتثبت ضده لما بعده، فلا تفيد معهما إضرابا. لكنها بعد الكلام الموجب وبعد صيغة الأمر تفيد الإضراب عن الأول، وتنقل حكمه إلى الثاني، حتى يصير الأول مسكوتا عنه مهملا. وفي حالتي الإيجاب والأمر يقول ابن مالك متمما كلامه السالف عن "بل": وانقل بها للثان حكم الأول في الخبر المثبت والأمر الجلي أي: الصريح في دلالته على الأمر؛ كفعل الأمر، والمضارع المسبوق بلام الأمر. وهذا عند ابن مالك ومن وافقه. وهناك من يلحق التمني، والترجي، والعرض، والتحضيض بالصريح كما قلنا في رقم ٢ من هامش ص٦٢٥ وقد سبق الكلام على "لكن" في ص٦١٦.
[ ٣ / ٦٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
ا- لا يجوز العطف بالحرف "بل، بعد كلام فيه استفهام؛ فلا يصح أحفظت قصيدة بل خطبة؟
ب- تقع "لا" النافية قبل "بل "١ بنوعيها؛ العاطفة "وهي المستوفية للشروط٢؛ وفي مقدمتها الدخول على المفرد" وغير العاطفة "وهي غير المستوفية للشروط؛ كالداخلة على الجملة " فإذا دخلت على العاطفة المسبوقة بكلام مثبت، أو بصيغة أمر كان معنى "لا" النافية: تقوية الإضراب المستفاد من "بل "، وتوكيده، وإن دخلت على العاطفة المسبوقة بنفي أو نهي كان معنى "لا" تقوية النفي والنهي المستفادين من "بل ". فمثالها بعد كلام مثبت قول الشاعر:
وجهُك البدر لا، بل الشمس لو لم يقض للشمس كسفة وأفول
ومثال وقوعها بعد النفي: ما عاقني البرد، لا بل المطر.
ومثالها بعد النهي: لا تغفل الرياضة، لا بل طول القعود.
وإن دخلت على غير العاطفة كان معناها تقوية الإضراب المستفاد من: "بل"وتوكيده؛
كقول الشاعر:
وما هجرتك، لا، بل زادني شغفا هجر، وبعد تراخ لا إلى أجل
ج- ورد قليلا في المسموع الفصيح٣ زيادة "الواو" بعد "بل" كالتي في قول علي ﵁: "إنما يحزن الحسدة ابدا؛ لأنهم لا يحزنون لما ينزل بهم من السر فقط، بل ولما ينال الناس من الخير"ا. هـ٤.
والأحسن عدم القياس على هذا؛ لندرته البالغة.
د- حكم الضمير بعدها إذا كان عائدا على المتعاطفين من ناحية المطابقة وعدمها مدون في رقم ٣ ص٦٥٧.
_________________
(١) ١ كما اشرنا في ص٦٢٩. ٢ بيان هذه الشروط في ص٦٢٥. ٣ أما في غيره من كلام المولدين الذين يستأنس بكلامهم ولا يستشهد به، فكثيرة الورود في كثرة لا تغير الحكم السالف. ٤ ورد هذا النص في ص ١٢٨ من كتاب: "سجع الحمام، في حكم الإمام" إخراج وتحقيق علي الجندي وزميليه..
[ ٣ / ٦٢٧ ]
ملخص حروف العطف، وبيان ما يقتضي التشريك، وما لا تقتصيه:
من كل ما تقدم من الكلام على أدوات العطف يتبين:
١- أنها حروف.
٢- وأنها في اغلب الحالات -تشرك المعطوف مع المعطوف عليه في الضبط الإعرابي١ "رفعا، ونصبا، وجرا، وجزما" وهذا هو الشريك اللفظي.
أما من جهة التشريك المعوي فبعضها يشركه أيضا في معنى المعطوف عليه: وينحصر هذا في أربعة حروف: "الواو، الفاء، ثم، حتى"؛ فهذه الأربعة ترك المعطوف مع المعطوف عليه في المعنى، كما تركه في اللفظ إشراكا إعرابيا -في الغالب- كما أسلفا.
وبعضها يشركه في اللفظ دون المعنى، فيثبت للمعطوف ما انتفى عن المعطوف عليه، وهو: "بل، لكن" أو العكس، فيثبت للمعطوف عليه ما انتفى عن المعطوف، وهو: "لا".
وبعض ثالث هو "أو٢، أم" يشركان في اللفظ كما يشركان في المعنى ولكن بشرك ألا يقتضيا إضرابًا٣.
_________________
(١) ١ وهناك حالات لا تشريك فيها في الضبط الإعرابي، كعطف الماضي على المضارع وعكسه. وعطف أحدهما على المشتق والعكس -كما سيجيء في ص٦٤٢ و٦٤٩ و ٢ وتبشهها "إما" من وجوه أوضحناها عند الكلام عليها. في ص٦١٢ لكن الصحيح اعتبارها غير عاطفة. ٣ قالوا في بيان هذا التشريك المعنوي "إن القاتل: أمحمد في الدار أم محمود يعرف أن الذي في الدار هو أحد المذكورين، ولكنه لا يعلم -على وجه التعيين- من هو. فالذي بعد "أم" مساو للذي قبلها في صلاحه لثبوت الاستقرار في الدار وانتفائه. وحصول المساواة إنما هو بواسطة "أم" فقد أشركتهما في المعنى كما أشركتهما في اللفظ. وكذلك: "أو" تشرك ما بعدها لما قبلها فيما جاءت لأجله من شك، أو تخيير، أو غيرهما. فان اقتضيا إضرابا كانا مفيدين للشريك في اللفظ لا في المعنى ". "راجع: "شرح التصريح"، أول باب: "العطف".
[ ٣ / ٦٢٨ ]
٣- وان المتعاطفين إذا تكررا كان "المعطوف عليه" واحدا هو الأول. إلا إذا كان حرف العطف يفيد الترتيب "مثل: الفاء، وبم"، فان "المعطوف عليه" واحد، هو ما قبل حرف العطف مباشرة١.
_________________
(١) ١ ويترتب على هذا أنه لو جاء بعد العاطف المفيد للترتيب وبعد معطوفه عاطف آخر لا يفيد الترتيب –كالواو- لوجب أن يكون المعطوف عليه لهذا العاطف الذي لا يفيد الترتيب هو المعطوف الذي قبله مباشرة والذي أداة عطفه مفيدة للترتيب. "طبقا للبيان الذي في رقم ٢ من هامش ص٥٥٥ ورقم ٣ من هامش ص٦٤٩.
[ ٣ / ٦٢٩ ]
المسالة ١١٩:
الفصل بين المتعاطفين:
يجوز عطف الاسم الظاهر على مثله أو على الضمير، ويجوز عطف الضمير على مثله أو على اسم ظاهر. لكن بعض هذه الصور يكون فيه الفصل بين المتعاطفين واجبا، وبعض آخر يكون الفصل فيه مستحسنا راجحا، وفي غير ما سبق يكون جائزا١.
فأما الفصل الواجب ففي حالتين، سبقت أحداهما٢. وملخصه: أنه إذا عطف على المبتدأ الذي خبره نوع من الأنواع المقرونة بالفاء -وقد ذكرت هناك- أو على ما يتصل به من صلة، أو صفة، أو نحوهما وجب تأخير المعطوف عن الخبر، إذ لا يجوز الفصل بين هذا الخبر ومبتدئه بالمعطوف؛ ففي مثل: الذي عندك فمؤدب لا يصح أن يقال: الذي عندك والخادم فمؤدب، أو فمؤدبان، وهكذا
والحالة الثانية التي يجب فيها الفصل -تبعا لأرجح الآراء- هي التي يكون فيها المعطوف عليه مصدرا له معمولات؛ فلا يجوز العطف عليه إلا بعد استيفائه كل معمولاته؛ نحو: ما أحسن تقدير الأمة العاملين المخلصين لها، وإكبارهم.
_________________
(١) ١ ملاحظة: من الحالات الجائزة بعض صور بليغة تقدمت في ص٤٣٥ ويشترط في الفصل الجائز إلا يكون بفاصل طويل، ولم يحدد النحاة هذا الطول الذي يسترشد فيه بما جاء في كتاب: "المحتسب"، لابن جني -ج٢ ص٢٩٧- حيث الكلام على معطوف مفصول من المعطوف عليه بثلاث جمل، ونص كلامه في هذا العطف: "قال أبو حيان: هذا بعيد؛ لطول الفصل بجمل ثلاث: وبعيد أن يوجد مثل هذا التركيب في كلام العرب، نحو: أكلت خبزا، وضربت فلانا، وان يجيء فلان أكرمه، ورحل إلى بني فلان و"لحما"؛ فيكون "ولحما" معطوفا على "خبزا"، بل لا يوجد مثله في كلام العرب" ا. هـ. ٢ تفصيلها الذي لا غنى عن الرجوع إليه، وبيان فروعها المختلفة في ج١ م٤١ ص٣٩١ "باب المبتدأ والخبر".
[ ٣ / ٦٣٠ ]
واما الحالتان اللتان يستحسن فيهما الفصل ويرجح١.
فالأولى: أن يكون المعطوف عليه ضميرا مرفوعا متصلا، سواء أكان متستترًا أم بارزا؛ فيستحسن عند العطف عليه فصله بالتوكيد٢ اللفظي أو المعنوي أو بغيرهما أحيانا. فالفصل بالتوكيد اللفظي يتحقق بضمير مرفوع منفصل مناسب٣ نحو: "لقد كنت أنت ورفاقك طلائع الإصلاح، وكنتم أنت والسباقون إليه موضع الإعجاب والتقدير". فكلمة: "رفاق" معطوفة على: "التاء" وهي الضمير المتصل المرفوع البارز بعد توكيد لفظه بالضمير المرفوع المنفصل: "أنت". وكذلك كلمة: "السباقون" معطوفة على الضمير البارز "التاء والميم"، في "كنتم" بعد توكيده توكيدا لفظيا بالضمير المرفوع المنفصل: "أنتم".
ومثال العطف على الضمير المتصل المرفوع المستتر مع الفصل: انتفع أنت وإخوانك٤ بتجارب السابقين.
والفصل بالتوكيد المعنوي يتحقق بوجود لفظ من ألفاظه بين المتعاطفين؛ ومن الأمثلة قول الشاعر:
ذعرتم أجمعون ومن يليكم برؤيتنا، وكنا الظافرينا
ويغنى عن التوكيد بنوعيه -كما أسلفنا- وجود فاصل آخر أي فاصل بين المتعاطفين؛ كالضمير "ها" في قوله تعالى في المؤمنين الصالحين: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ﴾ ومثل "لا" النافية
_________________
(١) ١ عند البصريين. أما الكوفيون. فلا يتمسكون بالفصل ولا يرون في خلو الكلام منه عينا ولا ضعفا. ٢ راجع حاشية التصريح ج٣ باب: العطف، عند الكلام على عود الخافض ٣ لا فرق في هذا بين أن يكون المعطوف اسما ظاهرا أو ضميرا. ٤ كلمة: "إخوان"، معطوفة على الفاعل المستتر وتقديره: "أنت". أما كلمة "أنت" ضمير المخاطب المذكور فتوكيد لفظي الفاعل المستتر؛ ولا يصح إعرابها فاعلا: لأن فعل الأمر الواحد لا يرفع ضميرا بارزا. ولا يصح إعرابها بدلا من الفاعل المستتر: لأن الضمير لا يبدل من الضمير -كما في ب من ص٦٨٣-. وهناك إعراب آخر يفضله النحاة على هذا، وقد سبق في ص٥٦٤ حيث البيان والإيضاح، ويجيء أيضا في ص٦٣٨.
[ ٣ / ٦٣١ ]
في قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾، وقد اجتمع الفصل بالتوكيد اللفظي وبحرف النفي "لا" في قوله تعالى: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ﴾ .
ومن غير المستحسن في النثر -مع جوازه- العطف على الضمير المستتر المرفوع بغير فاصل على الوجه السالف، نحو "قاوم ونظراؤك أعوان السوء"، فقد عطفت كلمة: "نظراء "على الفاعل الضمير المستتر: "أنت" بغير فاصل؛ ومنه العبارة المأثورة١: "مررت برجل سواء والعدم" أي: متساو هو والعدم، فكلمة، "سواء" اسم بمعنى المشتق، وهي متحتملة للضمير المرفوع. والعدم "بالرفع" معطوفة على الضمير المستتر بغير فاصل بينهما٢. أما الشعر فقد يجوز فيه عدم الفصل، اضطرارا؛ مراعاة لقيوده الكثيرة التي قد تقهر الشاعر على ترك الفصل ومن الأمثلة قول جرير يهجو الأخطل:
ورجا الأخطيل من سفاهة رأيه ما لم يكن وأب له لينالا
فقد عطف كلمة "أب" على اسم "يكن" المرفوع المستتر بغير فاصل بينهما٣.ومثله قول الآخر:
مضى وبنوه، وانفردت بمدحهم وألف إذا ما جمعت واحد فرد
فقد عطف كلمة: "بنوه" على الضمير المرفوع المستتر في: "مضى" بغير فاصل.
_________________
(١) ١ وقد رواها سيبويه. ٢ وهي مما استشهد به سيبويه على صحة ترك الفصل في النثر. ٣ وفيما سبق من العطف على الضمير المرفوع المتصل مع الفصل بين المتعاطفين يقول ابن مالك: وإن على ضمير رفع متصل عطفت فافصل بالضمير المنفصل أو فاصل ما. وبلا فصل يرد في النظم فاشيا. وضعفه اعتقد وملخص البيتين: افصل بالضمير المنفصل بين المتعاطفين إذا كان المعطوف عليه ضميرا مرفوعا متصلا. ولا يتعين أن يكون الفصل بالضمير وإنما يكفي الضمير أو غيره. ثم بين أن عدم الفصل فاش "أي: كثيرا في الشعر، وأنه مع كثرته ضعيف لا يقاس عليه. لكن كيف يكون كثيرا وفاشيا والقياس عليه ضعيف؟ أن الكثرة تعارض الضعف؛ ولذا كان القياس هنا سائغا في الشعر بغير ضعف، خلافا لابن مالك.
[ ٣ / ٦٣٢ ]
والثانية: أن يكون المعطوف عليه ضميرا مجرورا بحرف أو بإضافة؛ فيستحسن عند أمن اللبس إعادة عامل الجر مع المعطوف، ليفصل بين المتعاطفين، فمثال المعطوف المجرور بحرف جر١ معاد: ما عليك وعلى أضرابك من سبيل أن أديتم الواجب. فكلمه: "أضراب" معطوفة على الضمير الكاف المجرور بالحرف: "على". وقد أعيد هذا الحرف مع المعطوف. والأصل ما عليك وأضرابك، ومثل هذا قوله تعالى عن نفسه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ١ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ . فكلمة: "الأرض" معطوفة على الضمير: "ها" المجرور باللام، وقد أعيدت اللام مع المعطوف: والأصل: فقال لها والأرض. ومثله إعادة اللام في قول الشاعر:
فما لي وللأيام –لا دلا دلاها– تشرق بي طورا، وطورا٢ تغرب
ومثال إعادة عامل الجر وهو اسم مضاف٣ قوله تعالى: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ . فكلمة: "آباء" معطوفة في الأصل على الضمير المضاف إليه، وهو: "الكاف الأولى"، فأعيد المضاف وهو: "إله" وذكر قبل المعطوف. واصل الكلام: نعبد إلهك وآبائك
هذا هو الكثير. وترك الفصل جائز أيضا، ولكنه لا يبلغ في قوته وحسنه البلاغي درجة الكثير. ومن هذا قراءة قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ . والتقدير: الذي تساءلون به وبالأرحام. أي: تستعطفون به وباسمه، وبالأرحام؛ بعطف كلمة: "الأرحام" على الضمير المجرور بالباء. وكقول الشاعر:
_________________
(١) "١، ١" الرأي المختار انه إذا أعيد عامل الجر فالمعطوف هو الجار والمجرور معا، وليس المجرور على المجرور، لئلا يلزم إلغاء عامل، أي: تركه زائدا مهملا، لا أثر له إلا مجرد الفصل. ومن الأمثلة -أيضا- لإعادة الجار في المعطوف، اللام في قوله تعالى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ . ٢ سبق هذا البيت للمناسبة السالفة في ج٢ م٨٠ ص٢٤٦. ٣ إنما يعاد الحامل الاسمي "وهو المضاف" بشرط ألا توقع إعادته في لبس، فإن أوقعت في لبس لم يجز إعادته، نحو: جاءتني سيارتك وسيارة محمود، وأنت تريد سيارة واحدة مشتركة بينهما. وهذا المنع إذا لم توجد قرينة تزيل اللبس.
[ ٣ / ٦٣٣ ]
اليوم قد بت١ تهجونا وتشتمنا فاذهب، فما بك والأيام من عجب
أي: وبالأيام. وقول بعض العرب: ما في الدار غيره وفرسه، يجر كلمة: "فرس" المعطوفة على الهاء من غير إعادة الجار وهو الاسم المضاف٢.
_________________
(١) ١ في رواية أخرى: اليوم قربت ٢ يقول ابن مالك في تكرار الخافض مع المعطوف إذا كان المعطوف عليه ضميرا مجرورا: وعود خافض لدى عطف على ضمير خفض لازما قد جعلا وليس عندي لازما: إذ قلا أتي في النثر والنظم الصحيح مثبتا يقول: جمل عود الخافض على المعطوف الذي وصفناه أمرا لازما عند النحاة، ولكنه ليس بلازم في رأي وحكمي؛ لأن عدم إعادته أمر ثابت تحقق في النظم والنثر الواردين عن العرب. أي: أمر تؤيده الأمثلة الصحيحة نظما ونثرا، وتثبت أن إعادته ليست باللازمة.
[ ٣ / ٦٣٤ ]
المسالة ١٢٠:
صور من الحذف في أسلوب العطف:
حذف بعض حروف العطف مع معطوفها:
من حروف العطف ثلاثة يختص كل منها بجواز حذفه مع معطوفه بشرط أمن اللبس –كما سبق عند الكلام عليها١- وهذه الثلاثة هي: الواو، والفاء، وأم المتصلة. فمثال حذف الواو مع معطوفها لدليل: أنقذت الغريق ولم يكن بين الموت إلا لحظات. أي: لم يكن بين الموت وبينه
وقول الشاعر:
إني مقسم ما ملكت؛ فجاعل قسما لآخرة، ودنيا تنفع
يريد: وقسم دنيا، أي: وقسما لدنيا ومثل قول الآخر:
فما كان بين الخير لو جاء سالما أبو حجر٢ إلا ليال قلائل
أي: بين الخير وبيني. ومما يصلح لهذا أيضا قول بعض العرب: "راكب الناقة طليحان٣"، والتقدير: راكب الناقة والناقة طليحان.
ومثال حذف الفاء مع معطوفها لدليل قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ ٤ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ ٥ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾، الأصل: فضرب فانبجست٦. وقوله تعالى:
_________________
(١) ١ ص٥٥٧ و٥٧٤ و٥٨٦ مع ملاحظة أن المحذوف قد يترك معمولا مذكورا في الكلام أحيانا "كبعض الأمثلة التي في ص٥٦٣ "أ" و٥٧٦ وغيرهما من الأمثلة المعروضة عند الكلام على أحكام تلك الأحرف" أو لا يترك معمولا له؛ كالأمثلة المعروفة هنا. ٢ كنية رجل اسمه: النعمان بن الحارث. ٣ أصابهما التعب والإعياء. "وقد سبقت الإشارة هذا في ص٥٦٢". ٤ طلبوا منه الماء للسقي. ٥ تفجرت. ٦ هذه الجملة الفعلية المكونة من الفعل: "انبجس" وفاعله، معطوفة على الجملة الفعلية المكونة من الفعل: ضرب المحذوف. وإنما لم يكن العطف على الأول "أوحينا" لما سبق تقريره رقم ٢ من هامش ص٥٥٥ =، وفي رقم ٣ من هامش ص٦٤٩" من أن المعطوفات المتعددة يكون معطوفها واحدا هو الأول. إلا إذا كان حرف العطف يقتضي الترتيب، فيكون المعطوف عليه هو ما قبله مباشرة.
[ ٣ / ٦٣٥ ]
﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾، أي: فضرب فانفجرت، وتسمى هذه الفاء المذكورة في الكلام، والتي تعطف ما بعدها على الفاء المحذوفة مع معطوفها "فاء الفصيحة"١.
ومثال حذف "أم" المتصلة ومعها معطوفها بدليل -وحذفهما، قليل- قول الشاعر:
وقال، صحابي: قد غبنت، وخلتني
غبنت. فما أدري أشكلكم شكلي؟
والأصل: أشكلكم٢ شكلي أم غيره؟ وكقول الآخر:
دعاني إليها القلب، إني لأمره سميع؛ فما أدري: أرشد طلابها؟
والتقدير: أرشد طلابها أم غي٣؟
حذف المعطوف:
تنفرد الواو بجواز عطفها عاملا قد حذف وبقي معموله المرفوع أو المنصوب أو المجرور، فمثال المعمول المرفوع قوله تعالى لآدم: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ فكلمة: "زوج" فاعل بفعل محذوف، والجملة من الفعل المحذوف وفاعله المذكور معطوفة على الجملة الأمرية المكونة من فعل الأمر: "اسكن"
_________________
(١) ١ وهذا النوع هو الذي سبقت "في ص٥٧٦" الإشارة والإحالة على ما جاء خاصا به هنا. وسميت "فاء الفصيحة" لأنها أفصحت، "أي: بينت" وكشفت عن المحذوف، ودلت عليه وعلى ما نشأ عنه. ولأنها -أحيانا- تفصح عن جواب شرط مقدر؛ ففي الآية الأولى دلت الفاء على المحذوف وعلى أن الضرب كان سببا في الانبجاس. أو يقال: إن كان موسى قد أطاع الأمر وضرب الحجر فماذا تم بعد ذلك؟ فالجواب: انبجست منه اثنتا عشرة عينا. ٢ طريقكم. ٣ وقيل إن الهمزة للتصديق، فلا تحتاج إلى معادل.
[ ٣ / ٦٣٦ ]
وفاعله. والتقدير: اسكن أنت، وليسكن زوجك١. والسبب في هذا أننا لو أعربنا كلمة: "زوج" معطوفة بالواو على الفاعل المستتر لفعل الأمر لكان العامل في المعطوف "زوج" هو العامل في المعطوف عليه، أي: في الفاعل الستر. فيكون الفعل: "اسكن" عاملا في فاعله، وفي كلمة: "زوج"، فهو الذي رفع كلمة "زوج" وهي بمنزلة الفاعل بسبب عطفها على الفاعل ويترتب على هذا أن يكون فاعل الأمر اسما ظاهرا مع أن نعل الأمر لا يرفع الظاهر.
هذا تعليلهم. وهو تعليل مرفوض، يعارضه ما يرددونه كثيرا من أنه: "قد يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع"، أو: "قد يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل". فإذا امتنع أن يقع الاسم الظاهر فاعلا لفعل الأمر مباشرة فلن يمتنع أن يكون المعطوف على هذا الفاعل اسما ظاهرا؛ لأنه تابع أو ثان ينطبق عليه ما سبق من التوسع والتيسير؛ فلا داعي للتكلف والتقدير
ومثال المعمول المنصوب قوله تعالى في أنصار الدين ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾، ومعنى تبوءوا الدار أعدّوها للسكنى. وهذا المعنى مناسب للدار؛ لكنه غير مناسب للإيمان، إذ لا يقال على سبيل الحقيقة: هيئوا الإيمان للسكنى؛ ومن ثم أعربت كلمة: "الإيمان" مفعول لفعل محذوف تقديره: "ألفوا" وهذه الجملة الفعلية المحذوفة معطوفة بالواو على الجملة الفعلية التي قبلها. ومنه قول الشاعر:
إذا ما الغانيات برزن يوما وزججن الحواجب والعيونا
أي: وكحلن العيون؛ لأن التزجيج "وهو ترقيق الحاجب بأخذ بعض الشعر منه كي يصير منحنيا كالقوس" لا يصلح للعيون.
ومثال المعمول المجرور قولهم: ما كل سوداء فحمة، ولا بيضاء شحمة. فكلمة: "بيضاء مجرورة بمضاف محذوف معطوف على "كل" والأصل "ولا كل بيضاء شحمة". والداعي للتقدير هنا هو الفرار من العطف على معمولي عاملين مختلفين.
_________________
(١) ١ قد سبق "في رقم ٣ من هامش ص٥٦٤" إعرابه آخر لبعض النحاة، بمقتضاه تكون "زوجك" معطوفة على الضمير المستتر الفاعل. وانه لا يصح إعرابه بدلا من الفاعل المستتر، وتجيء له مناسبة في ص٦٥٧.
[ ٣ / ٦٣٧ ]
وإيضاح١ هذا أن كلمة: "سوداء" مضاف إليه فهي معمول، عامله هو المضاف؛ "لفظة: "كل" المذكورة" وأن "فحمة" خبر "ما" الحجازية فهي معمول، عامله: "ما"، فالعاملان مختلفان، وكذلك المعمولان. فلو عطفنا "بيضاء" على "سوداء"، و"شحمة" على "فحمة" لزم العطف بعاطف واحد "هو: الواو" على معمولين مختلفين لعاملين مختلفين -كما يقولون- وهذا لا يبيحه كثرة النحاة إذ يجب أن يكون العامل في المتعاطفين واحدًا، لا أكثر. وهذا الرأي أحق بالإتباع٢
ملاحظة: من موضوعات الحذف الهامّة: "حذف الموصول" وقد سبق تفصيل الكلام عليه٣.
حذف المعطوف عليه، "أي: المتبوع":
يصح عند أمن اللبس. حذف المعطوف عليه وحده إذا كانت أداة العطف هي: "الواو، أو: الفاء، أو: أم المتصلة، أو: "لا" العاطفة٤"
فمثال حذفه مع بقاء الواو٥ أن يقول قاتل: مرحبا بك. فتجيب: وبك وأهلا وسهلا؛ أي: ومرحبا بك وأهلا وسهلا. فالجار والمجرور: "بك" متعلقان بكلمة: مرحبا، المحذوفة. و"أهلا": الواو حرف عطف ٠"أهلا"، معطوفة على: "مرحبا" المحذوفة، فالمعطوف عليه محذوف. و"سهلا" "الواو" حرف عطف. "سهلا" معطوفة على "مرحبا" المحذوفة فالمعطوف عليه هو المحذوف٦.
_________________
(١) ١ سبق -في ص١٥٩. بيان شاف لهذا في باب الإضافة، عند الكلام على حذف المضاف، وله مناسبة أخرى في ص٥٦٤. ٢ وفي مواضع الحذف السالفة يقول ابن مالك مقتصرا على بعضها: "والفاء" قد تحذف مع ما عطفت "والواو"، إذ لا لبس وهي انفردت: بعطف عامل مزال قد بقي معموله؛ دفعا لوهم أتقي "عامل مزال، أي: أزيل عن مكانه، والمراد حذف" وقد بين في البيت الثاني أن الداعي لتقدير المحذوف دفع وهم لا يستقيم الأمر إلا بدفعه وإزالته. ٣ في الجزء الأول م؟ بعنوان: حذف الموصول الاسمي. ٤ انظر: "ب" من ص٦٢٢. ٥ انظر "الملحوظ" التي في الصفحة الآتية متعلقة بصورة من صور حذف المعطوف "بالواو" مع بقاء الواو. ٦ ومن الأمثلة أيضا لحذف المعطوفه عليه مع بقاء حرف العطف "الواو" قوله تعالى: ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الْأِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ، وَلَمْ يَكُ شَيْئًا ﴾ أي أنسى ولا يذكر ؟ فالمعطوف عليه المحذوف هو الفعل: نسي.
[ ٣ / ٦٣٨ ]
ومثال الحذف مع بقاء الفاء قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ . والتقدير: أمكثوا فلم يسيروا١ ومثال الحذف مع بقاء "أم" المتصلة قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ والتقدير: أعلمتم أن دخول الجنة يسير أم حسبتم أن تدخلوا الجنة.
ومثال الحذف قبل "لا" العاطفة: "عاهدت نفسي أن أعمل الخير لا قليلا، وان أقول الحق لا بعض الأوقات" والأصل: أن أعمل الخير كثيرا لا قليلا، وأن أقول الحق كل الأوقات لا بعض الأوقات.
"ملحوظة" من أمثلة حذف المعطوف عليه هو بقاء حرف العطف: "الواو"، ما سجله ابن جني في كتابه المسمى: "تفسير أرجوزة أبي نواس في تقريظ الفضل بن الربيع٢". قال عند شرحه بيت أبي نواس:
"وبلدة فيها زور صعراء تحظى في صعر"
ما نصه الحرفي: "قوله: وبلدة" قيل في هذه الواو قولان، أحدهما: أنها للعطف، والآخرك أنها عوض من "رب"؛ فكأنهم إنما هربوا من أن يجعلوها عاطفة لأنها في أول القصيدة، وأول الكلام لا يعطف. ولا يمتنع العطف على ما تقدم من الحديث والقصص؛ فكأنه كان في حديث، ثم قال: وبلدة. فكأنه وكل الكلام إلى الدلالة في الحال. ونظير هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ فالضمير "الهاء" يراد به القرآن، وإن لم يجر للقرآن ذكر.
_________________
(١) ١ قد سبق إيضاح الكلام على الحذف في هذه الآية وأشباهها "من هامش ص٥٧١" وأن فيها رأيين، أحدهما: يرى الفاء قد عطفت جمله فعلية مذكورة على أخرى محذوفة بعد الهمزة في مكانها الأصلي. والثاني: يرى أن الهمزة تقدمت من تأخير، للتنبيه على أصالتها في التصدير، ومحلها الأصلي بعد الفاء. والتقدير: فألم يسيروا والجملة بعد العاطف معطوفة على أخرى مماثلة لها خبرا وإنشاء، محذوفه، ومكانها قبل الهمزة والعاطف. وفي الحذف المذكور يقول ابن مالك بيتا نصفه الأول هو الذي يتصل بالحذف، ونصفه اثاني يتعلق بقاعدة اخرى سيذكر معها في ص٦٤٤. وحذف متبوع بدا هنا استبح وعطفك الفعل على الفعل يصح ٢ ص٩ من الطبعة التي أخرجها وحققها الأستاذ بهجة الأثري.
[ ٣ / ٦٣٩ ]
وكذلك قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَاب﴾ يعني الشمس؛ فأضمرها وإن لم يحر لها ذكر. وهذا في كلام العرب واسع فاش" ا. هـ كلام ابن جني١
حذف حرف العطف وحده:
أشرنا من قبل٢ إلى أنه يجوز حذف العاطف وحده ولا يكون هذا إلا في الواو، والفاء، وأو. فمثال الواو قوله ﵇: "تصدق رجل، من ديناره، من درهمه، من صاع بره، من صاع تمره"، وما نقل من قول بعض العرب: أكلت خبزًا، لحمًا، تمرًا، وقول الشاعر:
كيف أصبحت؟ كيف أمسيت؟ مما يغرس الود في فؤاد الكريم
ومثال الفاء: قرأت الكتاب بابًا بابًا، وادخلوا الغرقة واحدًا واحدًا.
والتقدير بابًا فبابًا، وواحدًا فواحدًا.
ومثال: "أو" قولهم: أعط الرجل درهمًا، درهمين، ثلاثة..
تقديم المعطوف على المعطوف عليه:
ورد في المسموع تقديم "المعطوف" بالواو -دون غيرها- على المعطوف عليه، وهو تقديم شاذ -لا يجوز القياس عليه٣- ومنه قول الشاعر:
وأنت غريم لا أظن قضاءه "ولا العنزي القارظ -الدهر-" جائيًا
أي: جاثيا هو، ولا العنزي. وقول الآخر٤:
أيا نخلة من ذات عرق عليك ورحمة الله السلام
_________________
(١) ١ ويوضحه بل يؤيده ويقويه ما جاء في "المغني" ج٢ عند كلامه في الباب الأول على: "حرف الوأو المفردة"، ومنها: الوأو الجارة. بقي أن نسأل: هل هناك ما يمنع من صحة اعتبار "الوأو" للاستئناف في بيت أبي نواس؟ لا أرى مانعا. ٢ في ص٥٧٥. ٣ لهذا إشارة في رقم ٢ من هامش ص٥٥٧ وفي رقم ٥ من ص٦٥٨. ٤ هو الأحوص.
[ ٣ / ٦٤٠ ]
المسألة١٢١:
عطف الفعل على الفعل أو على ما يشبهه، والعكس، وعطف الجملة على الجملة ١:
أ- عطف الفعل وحده على كذلك:
عرفنا فيما سبق أن عطف الاسم وحده على الاسم يعد من عطف المفردات٢ بعضها على بعض، كقول الشاعر:
وكل زاد عرضة للنفاد غير التقى، والبر، والرشاد
وكما يجوز عطف الاسم وحده على نظيره في الاسمية عطف مفردات يجوز عطف الفعل -وحده من غير مرفوعه٣- على الفعل وحده عطف مفردات أيضا؛ نحو: "إذا تعرض وتصدى المرء لكشف معايب الناس مزقوه بسهام أقوالهم وأعمالهم. وهي سهام لن يستطيع أو يقدر احد على احتمالها٤". فالفعل: "تصدى" معطوف وحده على الفعل: "تعرض" وكذا الفعل: "يقدر" معطوف وحده على الفعل "يستطيع٥" وكل هذا من عطف المفردات؛ إذ لم يشترك الفاعل -هنا- مع فعله في العطف. فلو اشترك معه لكان العطف عطف جملة فعلية على جملة فعلية٦
ويشترط لعطف الفعل على الفعل أمران:
_________________
(١) ١ أما عطف الاسم المفرد على الجملة والعكس، فيجيء في رقم ٦ من ص٦٥٩. ٢ سبقت "الإشارة في رقم ٣ من هامش ص٥٥٧" إلى أن المفرد هنا: ما ليس جملة، ولا شبه جملة. ٣ لأن الفعل مع مرفوعه جملة، سواء أكان مرفوعه فاعلا أم نائب فاعل ٤ راجع ما يتصل بهذا في الزيادة ص٦٤٥. وبيان نوع العطف فيه. ٥ بدليل نصب المضارع المعطوف "وهو: يقدر" إذ لو كان العطف جملة على أخرى لوجب رفع هذا المضارع -وسيجيء الإيضاح في ص٦٤٥-. ٦ والفرق كبير -لفظيا ومعنويا- بين عطف الفعل وحده على الفعل وحده وعطف الجملة الفعلية على الفعلية -كما سيجيء هنا..
[ ٣ / ٦٤١ ]
أولهما: اتحادهما في الزمن١؛ بأن يكون زمنهما معا ماضيا، أو حالا، أو مستقبلا؛
سواء أكانا متحدين في النوع "أي: ماضيين، أو: مضارعين٢" أم مختلفين: فلا يمنع من عطف أحدهما على الآخر تخالفهما في النوع٣. وإذا اتحدا زمانا. فمثالا تحادها زمانا ونوعا، قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ﴾ ٤. وقول الشاعر في مدح عالم:
سعى وجرى٥ للعلم شوطا يروقه فأدرك حظا لم ينله أوائله
ومثال اتحادهما زمانا مع اختلافهما نوعا: عطف الماضي على المضارع في قوله تعالى بشأن فرعون: ﴿يَقْدُمُ ٦ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾، فالفعل: "أورد" ماض، معطوف بالفاء على الفعل المضارع: "يقدم" وهما مختلفان نوعا، لكنهما متحدان زمانا؛ لأن مدلولهما لا يتحقق إلا في المستقبل "يوم القيامة"٧
ومثال عطف المضارع على الماضي قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ
_________________
(١) ١ كما سبق في الجزء الأول عند الكلام على زمن المضارع أما اختلافهما في الزمن نقد يجعل العطف عطف جملة على جملة، بشرط الاتحاد خبرا وإنشاء، كما سيجيء في عطف الجملة الفعلية ص٦٣٠. ٢ أما فعل الأمر بدون فاعله فلا مكون معطوفا، ولا معطوفا عليه؛ لأنه لا يفارق فاعله، ولا ينفصل أحدهما عن الآخر، لا لفظا ولا تقديرا؛ كأفعال الأمر التي فاعلها ضمير ظاهر أو مستتر في الآية الكريمة الآتية، وهي: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ -كما سيجيء الإشارة في رقم ١ من هامش ص٦٤٩- ويفهم من كلام "الصبان" جواز عطف فعل الأمر وحده، وهذا بعيده. والرأي الأول هو السديد. ٣ راجع ما يتصل بهذه المسألة الهامة في ج١ ص٣٩ م٤. ٤ انظر الزيادة ص٦٤٥ كي يتضح منها أن العطف عنا عطف فعل وحده على فعل وحده، لا جملة فعلية على جملة فعلة. ٥ يصلح العطف هنا أن يكون عطف فعل ماض وحده على نظره، وأن يكون عطف جملة ماضويه على نظيرتها "انظر البيان في ص٦٤٥". ٦ تقدم. ٧ ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾
[ ٣ / ٦٤٢ ]
شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ فالفعل: "يجعل" مضارع مجزوم؛ لأنه معطوف على الفعل الماضي: "جعل" المبني في محل جزم١؛ لأنه جواب الشرط. وصح العطف لاتحاد زمانيهما الذي يتحقق فيه المعنى٢، وهو الزمن المستقبل
ثانيهما: اتحادهما إن كان مضارعين في العلامة الدالة على الإعراب -"من حركة أو سكون، أو غيرهما"- ويتبع هذا اتحاد معنيهما في النفي والإثبات؛ فإذا كان "المعطوف عليه" مضارعا مرفوعا، أو منصوبا، أو مجزوما، وجب أن يكون المضارع "المعطوف". كذلك وأن يكون معنى المعطوف كالمعطوف عليه في النفي والإثبات؛ فكما يتبعه في علامات الإعراب يتبعه فيهما معنى. فمثال المرفوعين: يفيض فيغدق نهرنا الخير على الوادي.
ومثال المنصوبين: لن يفيض النهر فيغرق الساحل. ومثال المجزومين: لم يفض نهرنا فيغرق ساحله٣
_________________
(١) ١ طبقا للقاعدة لخاصة بهذا "في باب الحوازم -ج٤ م١٥٧ ص٣٤٧" وتقضي بأن الماضي الواقع في جواب الشرط مكون مبنيا في محل جزم، وأنه وحده الجواب، لا الجملة الفعلية المركبة منه ومن فاعله معا. ٢ كان الزمن مستقبلا مع أن المعطوف عليه فعل ماض -وهو فعل الشرط. لأن أداة الشرط الجازمة تقتضي حتما أن يكون زمن فعل الشرط والجواب مسقبلا. ٣ وقد اكتفي ابن مالك في الكلام على عطف الفعل على الفعل بالشطر الثاني من البيت الذي سبق عرفه في ص٦٤٠ لمناسبة أخرى تضمنها صدره: يقول: وحذف متبوع بدا هنا استبح وعطفك الفعل على الفعل يصح "بدا = ظهر والمراد انه مذكور في الكلام" "استبح = اجعله مباحا" "يصح: أصلها: يصح، -بالتشديد مع التسكين- وخففت الحاء الساكنة لوزن الشعر".
[ ٣ / ٦٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
نصب المضارعين معا، أو جزمهما معا بغير تكرار الناصب والجازم قبل الفعل المضارع المعطوف، دليل قاطع على أن العطف عطف فعل وحده بغير مرفوعه على فعل وحده كذلك، وليس عطف جملة على جملة؛ لأن عطف الجملة الفعلية على الفعلية بغير تكرار أداة النصب أو الجزم يستلزم -حتما- أن يكون المضارع المعطوف غير منصوب ولا مجزوم؛ إذ نصبه أو جزمه يوجب أن يكون عطف فعل وحده على فعل كذلك.
أما رفع المضارعين معا في مثل: يشتد البرد البرد فتهاجر طيور كثيرة إلى بلاد دافئة فلا دليل معه على أن العطف عطف مضارع مفرد على نظيره المفرد، أو عطف جملة مضارعية على جملة مضارعية "أي: مضارع مع فاعله، على مضارع مع فاعله"، فمثل هذا الكلام صالح للأمرين عند عدم القرينة التي تعينه لأحدهما٢ وكذلك العطف في قول الشاعر:
قد ينعم الله بالبلوى –وإن عظمت– ويبتلى الله بعض القوم بالنعم
فيصح أن يكون المعطوف هنا جملة مضارعية هي: "يبتلى الله"، والمعطوف عليه جملة مضارعية كذلك، هي: ينعم"؛ ويصح أن يكون المتعاطفان مفردين هما المضارعان، ومثل هذا يقال في الماضي في أن يكون المتعاطفان مفردين هما المضارعين، ومثل هذا يقال في الماضي في نحو: "إذا تعرض وتصدى المرء لكشف معايب الناس مزقوه بسهام أقوالهم وأفعالهم "١. حيث يجوز الأمران، لعدم وجود قرينة تعين نوع العطف: أهو عطف فعل ماض وحده على ماض وحده أم عطف جملة
_________________
(١) ٢ ومنه قول الشاعر: وإني لمشتاق إلى ظل صاحب يرق ويصفو إن كدرت عليه ١ وكذلك قول الشاعر: قد هون الصبر عندي كل نازلة ولين العزم حد المركب الخشن
[ ٣ / ٦٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ماضوية على جملة مثلها؟ بخلاف العطف في قوله تعالى عن الكافرين: ﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ حيث يتعين أن يكون عطف جملة ماضوية على جملة ماضوية، لوجود فاعل غير مستقل هو الضمير المتصل لكل فعل ماض منهما١
ومما سبق يتبين الفرق اللفظي بين عطف الفعل على الفعل وعطف الجملة الفعلية على الفعلية٢، وهو فرق دقيق خفي على بعض العلماء المشتغلين بالنحو قديما، فقد نقل عن أحدهم قوله: إني لا أتصور لعطف الفعل على الفعل مثالا؛ لأن نحو: قام علي وقعد حامد٣ يكون فيه المعطوف جملة لا فعلا، وكذا: قام وقعد علي؛ لأن في احد الفعلين ضميرا؛ فيكون فاعلا له، ويكون الاسم الظاهر فاعلا؛ ففي الكلام جملتان معطوفتان. فقيل له: ماذا ترى في مثل: يعجبني أن تقوم وتخرج؛ بنصب المضارعين، وفي مثل: لم تقم وتخرج؛ بجزمهما. وفي مثل: يعجبني أن يقوم محمود ويخرج حليم، وفي مثل: لم يقم محمود ويخرج حليم ؟ فالفعل في الأمثلة
_________________
(١) ١ ولهذا السبب نفسه يتعين أن يكون العطف عطف جملة مضارعية على جملة مضارعية في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ لوجود فاعل غير مستقل هو ضمير متصل لكل من المضارعين: ينفقون ويتبعون. وفي الآية أنواع أخرى من العطف. ٢ ستجيء لهذا إشارة في "البدل" أيضا، ص٦٦١. ٣ وقد اجتمع عطف الفعل وحده على الفعل وحده، وعطف الجملة المضارعية على المضارعية في قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ ﴾ فقد جزمت الأفعال: "يز، ينصر، يشف، يذهب" لأنها معطوفة على المضارع "يعذب" المجذوم في جواب الأمر. أما المضارع "يذهب" فمرفوع؛ لأنه مع فاعله ولا يصح أن يكون عطف مضارع وحدة على مضارع وحده؛ وإلا وجب أيكون المعطوف مجزوم الللفظ كالمعطوف عليه. هذا، ويصح أن تكون الواو للاستئناف، لا للعطف.
[ ٣ / ٦٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
السالفة منصوب أو مجزوم؛ فما الذي نصبه أو جزمه؟ فلولا أن العطف للفعل وحده لم يمكن نصبه أو جزمه
ومما هو جدير بالملاحظة أن الفرق اللفظي في عطف الفعل على الفعل، يترتب عليه فرق معنوي كبير من ناحية النفي والإثبات. فالفعل إذا كان هو "المعطوف" وحده فانه يتبع الفعل "المعطوف عليه" فيهما؛ كما يتبعه في الإعراب؛ طبقا لما سبق١ وهذه التبعية في النفي قد تفد المعنى المراد -أحيانا- لو جعلنا الكلام عطف جمل؛ فعطفنا كل فعل مع فاعله على الآخر مع فاعله، أي: أن المعنى قد يختلف كثيرا باختلاف نوعي العطف، أهو عطف فعل وحد، على آخر، أم جملة فعلية على مثيلتها الجملة الفعلية؟ يتضح هذا من المثال التالي: لم يحضر قطار ويسافر يوسف. بعطف "يسافر" على "يحضر" عطف فعل مفرد على نظيره المفرد، فيكون "يسافر" مجزوما. والمعنى نفي حضور القطار، ونفي سفر يوسف أيضا، فالحضور لم يتحقق، وكذلك السفر، فالأمران لم يتحققا قطعا.
أما إن كان الفعل: "يسافر" مرفوعا فيتعين أن يكون العطف عطف جملة فعلية على جملة فعلية؛ تحقيقا لنوع من الربط والاتصال بينهما. ويتعين أن يكون المعنى عدم حضور القطار. أما يوسف فسفره يحتمل أمرين باعتبارين مختلفين، فعند اعتبار الجملة الثانية مثبتة لم يتسرب إليها النفي من الأولى يكون يوسف قد سافر. وعند اعتبارها منفية لتسرب النفي إليها من الأولى يكون مقيما لم يسافر. والقرينة هي التي تعين سريان النفي من الأولى إلى الثانية، أو عدم سريانه٢.
ومن أمثلة فساد المعنى الذي يترتب على عطف الفعل وحده على الفعل وحده
_________________
(١) ١ في ص٦٤٢. ٢ ويصح أن تكون الواو للاستئناف؛ فالجملة بعدها مستقلة، لا علاقة لها بما قبلها في الإعراب ولا في النفي والإثبات. ويصح أن تكون الواو للحال والمضارع بعدها مرفوع عند من يجيز الربط بها وحدها -كما تقدم في باب الحال، ج٢- فالجملة في محل نصب، ولا يسري إليها النفي من الأولى. ولا يصح الالتجاء إلى أحد هذه الأوجه -أو غيرها- إلا إذا وافق المعنى، وساير السياق.
[ ٣ / ٦٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) -لا عطف جملة فعلية على جملة فعلية- قولك: "الطالب النابغة لا يتأخر مكانه عن المقام الأول، أو يكون في المقام الثاني " إذا كان المراد أنه في المقام الأول أو الثاني. فلو عطفنا المضارع "يكون" على المضارع "يتأخر" لصار منفيا حتما مثل المعطوف عليه قطعا، لصار المعنى: لا يتأخر عن المقام الأول، أو لا يكون في المقام الثاني، وهذا غير المراد، أما عطف الجملة الثانية كاملة على الأولى كاملة لا فيستلزم نفي الثانية فيجوز أن تبقى مثبتة المعنى أن اقتضى الأمر الثبوت برغم أن الأولى منفية -كما في هذا المثال. ومما سبق يتبين ان عطف الفعل على الفعل يوجب سريان النفي من المتبوع إلى التابع، فهما يشتركان في النفي كما يتركان في الإثبات؛ وفي علامات الإعراب. بخلاف عطف الجملة على الجملة؛ فإن النفي فيه لا يري من المتبوع إلى التابع إلا بقرينة.
[ ٣ / ٦٤٧ ]
ب- عطف الفعل وحده١ على ما شبهه، والعكس:
يجوز عطف الفعل الماضي بغير مرفوعه، وكذا المضارع بغير مرفوعه١ على اسم يشبههما في المعنى، كما يجوز العكس. والاسم الذي يشبههما هو اسم الفعل -في بعض حالاته٢- والمشتقات العامة، "ومنها: اسم الفاعل، واسم المفعول " وكذلك يجوز عطفهما على المصدر الصريح أيضا، فمثال عطف الماضي على اسم الفعل الماضي: هيهات وابتعدت الغاية أمام العاجز. والعكس نحو: افترق وشتان ما بين الكمال والنقص.
ومثال عطف الماضي على اسم الفاعل: هذا مصاحبنا بالأمس وأعاننا على تحقيق بغيتنا٣. والعكس نحو: هذا أعاننا بالأمس ومصاحبنا في احتمال المشتقات. ومثال عطف المضارع على اسم الفاعل أنت مشاركنا في الخير، وتستجيب لندائنا، والعكس: أنت تستجيب لندائنا ومشاركنا في الخير؛
_________________
(١) ١، ١ ولا يجوز عطف فعل الأمر وحده عطف مفردات -كما أوضحناه في رقم ٢ من هامش ص٦٤٣-؛ إذ لا يترك أحدهما الآخر، ولا ينفصل منه مطلقا. ٢ لأنه لا يشبههما في بعض آخر من حالاته؛ كجموده الدائم الذي يعم جميع أنواعه، وكقبوله بعض علامات الأسماء "مثل: التنوين" وكمخالفته أحيانا- الفعل الذي بمعناه في التعدي واللزوم إلى غير هذا مما هو مدون في الباب الخاص به بالجزء الرابع "باب أسماء الأفعال ١٤١ ص١٠٨". ٣ ومنه قوله تعالى في الخيل وعدوها: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ . فالفعل: "أثار" معطوف على: "المغيرات"، وليس معطوفا على كلمه: "العاديات" إلى في أول الكلام لما تقرر من أن المعطوفات المتعددة تكون على "المعطوف عليه" الأول، ما لم تكن المعطوفات المتعددة واقعة بعد حرف عطف يقتضي الترتيب؛ فعندئذ مكون العطف على "المعطوف" الذي قبل هذا الحرف مباشرة "كما سبق البيان في رقم ٢ من هامش ص٥٥٥ والكلام الذي قبل الآية، هو: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾ . وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ . ٤ ومنه قوله تعالى:
[ ٣ / ٦٤٨ ]
ومنه قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ ١.
ومثال عطف الماضي على المصدر الصريح: إني سعيد بإنقاذ الغريق، وقدمت له الإسعاف المناسب.
_________________
(١) = ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾ فالفعل المضارع "يقبض" معطوف على اسم الفاعل: "صافات". "ومعنى صافات: ناشرات أجنحتهن في الجو ومعنى يقبضن: يجمعن الأجنحة إلى الأجسام، ولا ينشرنها". فكأنه قال: وقابضات ، وقول المعرى: كتابك جاء بالنعمى بشيرا ويعرض فيه عن خبري سؤال.. فالفعل: "معرض، معطوفه على "بشيرا" "بمعنى؛ مبشر" فكأنه قال: جاء بشيرا وعارضا، ومثله: عطف المضارع على الصفة المشبهة في قوله تعالى لمريم: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ . حيث عطف المضارع: "يكلم" على: "وجيها"، فكأنه قال: وجهيا، ومكلما ١ ومنه قول الشاعر: بات يعيشها بغضب باتر يقصد في أسوقها وجائر أي: باب يعشي إبله -لا زوجته، كما قال الصبان والخضري- يضر بها بالغضب "وهو: السيف البتار" يوجهه إلى سيقانها، لنحرها للآكلين، بدلا من أن يعشيها بالعلف. "والأسوق، جمع: ساق ويقصد أي: يعدل بينها بالضرب، وهو من القصد، بمعنى: الاعتدال وجائر، أي: ظالم". وقد عطف كلمة: "جائر"، على المضارع: "يقصد" وهو عطف الاسم المشتق على الفعل. ويقول "الصبان والعيني": أن الذي سهل العطف كون "جائر" بمعنى. ينور. ويقول الخضري: كلمة: "جائر" معطوفة على: "يقصد" الواقعة هنا في مجل جر، صفة ثانية لغضب، في تأويل "قاصد"؛ لأن الأصل في الصف الإفراد، وليست حالا بدليل جر المعطوف عليه هذا كلامه. وفيه بعض تساهل؛ لان النعت هنا هو جملة فعلية مركبة من المضارع: "يقصد" وفاعله معا. فكيف تكون كلمة: "جائر" معطوفة على الجملة الفعلية مع أن المطلوب هو عطف الاسم المشتق وحده على الفعل وحده؟ فلعل غرضه أن المعطوف عليه هو الفعل "يقصد" وحده.
[ ٣ / ٦٤٩ ]
ومثال عطف المضارع على المصدر الصريح. الكدح وأدرك غابتي خير من الراحة مع الإخفاق١
_________________
(١) ١ عطف المضارع على المصدر الصريح يقتضي نصب هذا المضارع بأن مضمرة أو مظهرة على التفصيل الذي سيجيء، في مكانه من آخر باب إعرابه الفعل ج٤. وفيما سبق يقول ابن مالك في عطف الفعل على الفعل، وعلى اسم يشبهه، أو العكس: وأعطف على اسم شبه فعل فعلا وعكسا استعمل تجده سهلا
[ ٣ / ٦٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
ما إعراب الفعل إذا عطف على اسم يشبهه؟ كالفعل: "أثار" المعطوف على "المغيرات" في: الآية السابقة، وهي قوله تعالى: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾، وكالفعل: اقرض في قوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ فإنه معطوف على المصدقين.
وكذلك ما إعراب الاسم الذي يشبه الفعل إذا كان معطونا على الفعل كالأمثلة التي عرفاها هناك١؟
لم أجد رأيا صريحا شافيا في هذا، ورأيت اعتراضات كثيرة، ودفاعا لم تنته إلى حكم حاسم. ومن هذه الاعتراضات: كيف يعطف الفعل "أثار على: "المغيرات" والمعطوف عليه مجرور مع أن المعطوف فعل، والفعل لا يدخله الجر؟ وقد سبق٢ أن أول الآيات هو: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾ .
قال الفخر الرازي في تفسيره: أن الفعل هنا معطوف على فعل محذوف حل محله في معناه الاسم المشتق من مصدره، والأصل: فأغرن صبحا فأثرن نقعا
وهذه الإجابة تخرج المسالة من وضعها الأصلي وتنقلها إلى وضع آخر لا علاقة لنا به، إذ تجعلها عطف فعل على فعل أو مشتق على مشتق. وهذا غير موضوع البحث ولو أخذنا به لكان حسنا، وناجحا في التغلب على اعتراض، وخاليا من العيب. ورأيت مثله في تفسير الزمخشري، وفي بعض الحواشي الأخرى.
أما إذا لم نأخذ به. وتمسكنا بذلك النوع من العطف الذي لم أجد لحكمه نصا واضحا مريحا يتناول المتعاطفين تفصيلا فإن الغموض يظل باقيا والاعتراضات قائمة، مالم نجعل المعطوف غير تابع للمعطوف عليه في الإعراب، وتكون فائدة العطف هي الربط المجرد بين معنى الجملتين؛ كالذي سبق في عطف الماضي على المضارع وعكسه بالإيضاح الذي سلف٣.
_________________
(١) ١ في ص٦٤٩ و٦٥٠ وهامشمهما. ٢ في رقم ٣ هامش ص٦٤٩ وهناك بيان السبب في العطف على: "المغيرات". ٣ في ص٦٤٢ و٦٤٣.
[ ٣ / ٦٥١ ]
ج- عطف الجملة على الجملة.
يجوز عطف الجملة الاسمية على نظيرتها الاسمية؛ نحو: الرياضة نافعة، والمداومة المحمودة عليها لازمة. وقولهم: "الرأي الصادق أمانة، وكتمانه عد الحاجة إليه خيانة": وقول الشاعر:
الصدق يألفة الكريم المرتجى والكذب يألفه الدني الأخيب١
كما يجوز عطف الفعلية على الفعلية٢ -بشرط اتفاقهما خبرا أو إنشاء- ولو اختلف زمان الفعلين فيهما٣؛ فمثال اتحاد الزمن فيهما: وصلت الطائرة وفرح المسافرون بالوصول سالمين٤ يفرح المنتصر ويفرح أهله وأعوانه٥
_________________
(١) ١ فالجملة الاسمية المكونة من المبتدأ: "الكذب" ومن خبره الجملة المضارعية بعده، معطوفة على الجملة الاسمية التي في صدر البيت وقد تكون الجملة الاسمية مصدرة بحرف ناسخ في المتعاطفين، أو في أحدهما؛ كقوله تعالى في المرسلين: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ وقول قيس بن زهير: وإن سبيل الحرب وعر مضلة وإذ سبيل السلم آمنة سهل فالشطر الثاني من البيت معطوف على الشطر الأول، والآية الثانية معطوفة على الأولى. ٢ سبق في ص٦٤٣ بيان الفرق الهام اللفظي والمعنوي بين عطف الفعل وحده على الفعل وحده وعطف الجملة الفعلية على الجملة الفعلية. وكما في آخر رقم ٣ من هامش الصفحة التالية وقد اجتمع عطف الجملة الفعلية الماضوية على نظيرتها الفعلية الماضوية وكذلك الجملة الاسمية على نظيرتها الاسمية في قول الشاعر يصف روضته: رقت حواشيها، "ورق" نسيمها وبدت محاسنها، وطاب زمانها وكأن أيام الصبا أيامها وكأن أزمان الهوى أزمانها كما اجتمع عطف الماضويه على الماضويه، والمضارعيه على المضارعيه فى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ . ٣ ولا يمنع من عطفهما كذلك أن مكون إحداهما موجبه "مثبته" "والأخرى منفية؛ كالتي في رقم ٣ من هامش الصفحة الآتية. ٤ وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ . ٥ وقوله تعالى: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
[ ٣ / ٦٥٢ ]
كل واشرب، والبس، في غير مخيلة١ ولا كبر٢
ومثال اختلاف الزمن: وصل اليوم الغائب ويسافر غدًا يحاسب المرء على عمله يوم الحساب، ورأى المسيء عاقبة ما كان منه.
أما الجملة الفعلية الاميرية٣ -أو غيرها من الجمل الإنشائية الأخرى- فلا تعطف إلا على جملة فعلية متحدة معها في الزمن، نحو قوله تعالى للصائمين: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ .
وبهذه المناسبة نذكر أن النحاة اختلفوا في جواز عطف الجملتين المختلفتين إنشاء وخبرا، وعطف الجملة الاسمية على الفعلية والعكس.
فأما عطف المختلفتين إنشاء وخبرا فالأحسن إتباع الرأي الذي يمنعه٤: فوضوح هذا الرأي. وبعده من التكلف، وخلوه من الحذف والتقدير:
_________________
(١) ١ اختيال، وكبر. ٢ وقول الشاعر: إذا ما فعلت الخير فاجعله خالصا لربك. وازجر عن مديحك ألسنا وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ . ومثل قول الشاعر: -وهذا من عطف الجملة- الأمرية على المضارعية التي توافقها زمنا: لا تنظرن لملبس. وانظر إلى ما تحته من فطنة وبيان ٣ لا بد في فاعل فعل الأمر أن يكون ضميرًا متصلًا -مستترا" أو بارزا- فلا يمكن -في الرأي الأصح- أن يستقل بنفسه عن فعله. لهذا لا يصح عطف فعل الأمر وحده بغير فاعله "على فعل الأمر وحده بغير فاعله؛ بل يتعين أن يكون العطف بينهما عطف جملة فعلية أمرية على جملة فعلية أمرية؛ ومنه قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ وقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤] .. وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ طبقًا للبيان السابق في رقم ٢ من هامش ص٦٤٣ ورقم ١ من هامش ص٦٤٩. ٤ وهو رأي البلاغيين وكثير من النحاة.
[ ٣ / ٦٥٣ ]
فلا يصح عطف الثانية على الأولى في مثل: داوم على الطاعات، ودوام أهلك. ولا في مثل: هذا البحر وأنزل للعوم فيه.
وأما عطف الاسمية على الفعلية والعكس فجائز١ -في أرجح الآراء- إن لم يختلفا خبرا وإنشاء؛ فيصح عطف الثانية على الأولى في مثل: أحب الزراعة، والصناعة تفيدني٢. ومثل: الصناعة مفيدة لنا أحب الزراعة. ومن الأمثال المأثورة: "للباطل جولة، ثم يضمحل"؛ فالجملة المضارعية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها و و
أما عطف الجملة على المفرد، والعكس فسيجيء٣
_________________
(١) ١ انظر رقم ٢ من هامش ص٥٨٦. ٢ ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ حيث عطف الجملة الاسمية "لا هم يستعتبون" على الجملة الفعلية "لا يؤذن لهم" ولا يصح عطفها على الجملة الفعلية الأولى "وهي: نبعث من كل أمة " مراعاة للقاعدة التي سبقت" في ص٥٥٥ و٦٢٨ وفي رقم ٣ من هامش ص٦٤٩" والتي تقضي عند تعدد المعطوفات عليها أن يكون المعطوف عليه هو الذي قبل العاطف مباشرة إذا كان العاطف مما يفيد الترتيب مثل: "ثم". وفي الآية شاهد آخر هو عطف الجملة الفعلية المنفية "لا يؤذن لهم " على الجملة الفعلية الموجبة "نبعث×" كما سبقت الإشارة. ومما يصلح شاهدا لعطف الجملة الاسمية المنفية على الفعلية المنفية قوله تعالى في سورة السجدة: ﴿ قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ﴾ فالجملة الاسمية المنفية: "لا هم ينظرون" معطوفة على الفعلية المنفية: "لا ينفع" ٣ في ص٦٥٩.
[ ٣ / ٦٥٤ ]
المسالة ١٢٢:
بعض أحكام –في العطف– عامة نتفرقة ١:
"منها: -شرط صحة العطف- تقدير العامل على العاطف -الضمير العائد على المتعاطفين- الفصل بين الفاء والواو ومعطوفهما -تقدم المعطوف- عطف الجملة على المفرد والعكس، وقد سبق٢ بيان المراد من المفرد -العطف على التوهم- المغيرة بين المتعاطفين -معنى المعطوف وحكمه إذا كان المعطوف عليه كنية- جواز القطع في عطف النسق عطف الزمان على المكان، وعكسه".
١ يشترط لصحة العطف أن يكون المعطوف صالحا بنفسه، أو بما هو بمعناه لمباشرة العامل المذكور أي: للوقوع بعده مباشرة" من غير أن يمنع من ذلك مانع نحوي٣ فمثال الأول: دخل سعيد وسليم؛ إذ يصح دخل سليم. والثاني قام سعيد وأنا، فالضمير "أنا" لا يصلح فاعلا للفعل: "قام٤ ولكن "تاء" المتكلم التي هي ضمير بمعناه تصلح؛ فتقول: قمت.
فإن لم يصلح المعطوف ولا شيء بمعناه لمباشرة العامل المذكور أضمر له عامل مقدر يناسبه، وصار مع عامله المقدر جملة معطوفة على الجملة السابقة، "أي: صار الكلام عطف جمل" وذلك كالمعطوف على الضمير المرفوع الذي يعرب فاعلا لمضارع مبدوء بالهمزة أو بالنون أو بتاء المخاطب، أو بتاء التأنيث، وكالمعطوف على الفاعل المستتر لفعل الأمر، ومن الأمثلة لكل ما سبق: أتعاون أنا والجار، نتعاون نحن والجيران، تتعاون أنت والجار، تتعاون فاطمة والجار، أمكن أنت وزوجك الجنة. فكل معطوف من هذه المعطوفات لا يصلح لمباشرة العامل "إذ لا يقال: أتعاون الجار، نتعاون الجيران، تتعاون
_________________
(١) ١ راجع الأشموني وحاشيته ج٣ آخر باب العطف، والصبان ج٢ آخر باب الظرف. ٢ في رقم ٤ من هامش ص٥٥٦ وفي رقم ٢ من هامش ص٦٤٢. ٣ بهذا التقييد تختلف هذه الحالة عن الآتية بعدها في رقم ٢. ٤ إذ لا يقال: قام أنا.
[ ٣ / ٦٥٥ ]
الجار، تتعاون الجار، اسكن زوجك " فلما كان المعطوف غير صالح لمباشرة العامل المذكور في الكلام وجب أن يقدر له عامل آخر يناسب؛ كان يقال: أتعاون أنا ويتعاون الجار اسكن أنت وليكن زوجك الجنة
هذا كلام كثير من النحاة، وفيه تعقيد وتكلف لا داعي له، ولا يتفق مع قولهم: "قد يغتغفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل" "ورددوا هذه القاعدة هنا وفي أبوابه أخرى"١ فمن الخير الأخذ بها والعطف المباشر على الفاعل المستتر، وعدم الالتفات هنا إلى التقدير، والحذف والتضييق بغير فائدة أو دفع ضرر إلا مجاراة الخيال٢.
٢- لا يشترط من الوجهة المعنية٣ صحة تقدير العامل بعد العاطف، فمن الصحيح أن تقول: تخاصم المأمون والأمين، مع أنه لا يصح من لوجهة٣ المعنوية أن يقال تخاصم المأمون وتخاصم الأمين، إذ الفعل: "تخاصم" لا يقع إلا من متعدد؛ فلا يكتفي بأن يقع بعده واحد. ولا تعدد هنا بعد كل فعل من الفعلين.
٣- كل ضمير يعود على المعطوف والمعطوف عليه معا يجب مطابقته: لهما؛ بشرط أن تكون أداة العطف هي: "الواو"، أو "حتى"؛ نحو العم والأخ حضرا الجسم حتى الأظافر اعتنيت بنظافتهما٤
فان كان حرف العطف هو: "الفاء"، أو "ثم" وكان الضمير في الخبر عائدا على المعطوف والمعطوف عليه جاز حذف الخبر من أحدهما؛ نحو: محمود فحامد قام، ويجوز تقديم الخبر على الحذف من الثاني؛ نحو: محموا قام فحامد، ويجوز مطابقة الضمير بغير حذف، نحو: محمود فحامد قاما و"ثم" كالفاء فيما سبق.
_________________
(١) ١ وكذلك لا يتفق مع قولهم الآتي -في رقم ٢- إنه لا يشترط صحة تقدير العامل بعد العاطف. ٢ سبقت إشارة لهذا في ص٦٣٨. "٣، ٣" بهذا التقييد تختلف هذه الحالة عن سابقتها التي في رقم ١ -كما اشرنا هناك-. ٤ لما تقدم إشارة في "ب" ص٥٨٤.
[ ٣ / ٦٥٦ ]
فان لم يكن الضمير في الخبر وجبت المطابقة، نحو: جاءني الوالد والعم فقمت لهما" وأقبل علي وسليم وهما صديقان
وأما: "لا"، و"بل"، و"أو"١، و"أم"، و"لكن"، و"إما" "عند من يعتبرها عاطفة"، فمطابقة الضمير معها وعدم المطابقة راجعة إلى قصد المتكلم "فان قصد احد المتعاطفين -وذلك واجب في الإخبار- وجب إفراد الضمير؛ نحو: الأخ لا الصديق جاءني، الأخ بل الصديق خرج، أمسعود أم منصور زارك؟ إسماعيل أو فاطمة حياني، إذ المعنى: حياني أحدهما. ويراعى تغليب المذكر. أما في غير الأخبار فتقول: زارني إما العم وإما الخال فأكرمته، أصديقا قابلت أم عدوا فتركته، ما جاءني أحمد لكن سليم فاستقبلته خير استقبال.
وإن قصدتهما معا وجبت المطابقة؛ نحو: حسن لا حسين جاءني مع أني دعوتهما، وعاصم أو سليم دعاني حين ذهبت إليهما "وقد سبقت الإشارة لهذا".
٤- لا يجوز الفصل بين الفاء ومعطوفها إلا في الضرورة الشعرية٢، فلا يقال: فلان ورثة أبوه مالا ففي القوم جاها. وإنما يقال: فلان ورثة أبوه مالا فجاها في القوم. ويصح الفصل بين غيرها ومعطوفه بالظرف أو الجار والمجرور "ويدخل القسم في هذا"، نحو: تعبت ثم عندك جلست، نزل المطر ثم والله طلعت الشمس، ما أهنت أحدا لكن في البيت المسيء
أما الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه فقد سبق٣ بيانه.
٥- لا يتقدم المعطوف على المعطوف عليه إلا شذوذا فيقتصر فيه على المسموع، وقيل يجوز في الضرورة الشعرية. والأولى إهمال هذا الرأي؛ ومنه قول القائل:
أبا نخلة من ذات عرق عليك -ورحمة الله– السلام
_________________
(١) ١ للحكم الخاص بها المعروض هنا ما يتممه في رقم ١ من هامش ص٥٠٦ و ٢ كما سبق في ص٥١٤. ٣ في هامش ص٤٣٥:
[ ٣ / ٦٥٧ ]
يريد: عليك السلام ورحمة الله وقد سبقت الإشارة: لهذا١.
٦- وقد تعطف الجملة على المفرد –أحيانا- أو العكس، إذا كانت الجملة في الحالتين بمنزلة لمفرد؛ لأنها مؤولة به، كان تكون: نعتا، أو حالا، أو: خبرا، أو: مفعولا لظن وما في حكمها
فمن عطف المفرد على الجملة ما ورد من مثل: ألفيت الشجاع يهزم خصمه وفاتكا به. فكلمة: "فاتكا" منصوبة؛ لأنها معطوفة على الجملة الفعلية المركبة من المضارع "يهزم" وفاعله" وهذه الجملة بمنزلة المفرد المنصوب؛ لأنها المفعول الثاني للفعل: "ألفي". ومن هذا كلمة: "مصدقا" الثانية في قوله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْأِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ فالجملة الاسمية: "فيه هدى" في محل نصب، حال من الإنجيل، وكلمة: "مصدقا" التي بعدها معطوفة عليها، منصوبة؛ مراعاة لمحل المعطوف عليه٢ومثل هذا قول الشاعر:
وجدنا الصالحين لهم جزاء وجنات وعينا سلسبيلا
فالجملة الاسمية "لهم جزاء" في محل نصب؛ لأنها المفعول الثاني للفعل: "وجد" وقد روعي هذا المحل فجاء المعطوفان "جنات وعينا" منصوبين تبعا لذلك المحل٢.
ومن عطف الجملة على المفرد قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا ٣ أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾، أي: قائلين٤.
ومن عطف المفرد على شبه الجملة قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾، فقاعدا عطف على "لجبنه": لتأويل شبه الجملة بمفرد، وهو: مجنوب.
_________________
(١) ١ في رقم ٣ من هامش ص٥٥٦ و٦٤١. أما عطف الفعل على الفعل أو على ما يشبهه، والعكس "وعطف الجملة على الجملة فقد تقدم في ص٦٤٢. "٢، ٢" راجح مجمع البيان، لعلوم القرآن "ج٢ ص٣٤٠ و٤٠٢" وقد عرض "الهمع" لبعض هذه الأحكام في آخر باب: عطف النسق "ج٢ ص١٤٠". ٢ ليلا. ٣ مستريحون وقت القيلولة: وهي وسط النهار عند اشتداد الحر.
[ ٣ / ٦٥٨ ]
ومن عطف شبه الجملة على المفرد قولهم: لا يصح مخالفة القاعدة المطردة إلا شذوذا أو في ضرورة١.
٧- هناك نوع من العطف، يرتضيه بعض النحاة، ويسميه: "العطف على التوهم". ومن أوضح أمثلته عندهم العطف "بفاء السببية" على معطوف مأخوذ من مضمون الجملة التي قبلها. ذلك أن "فاء السببية" تقتضي عطف المصدر المؤول بعدها على مصدر صريح قبلها "وهذا المصدر الصريح قد يكون مذكورا صراحة قبلها؛ نحو: ما الشجاعة تهورا فتهمل الحذر، وقد يكون غير مذكور فيتصيد؛ نحو: ما أنت مسيء إليك. أي: ما تكون منك إساءة يترتب عليها أن نسيء لك.
فإن لم يوجد قبل فاء السببية مصدر صريح ولا ما يصلح أن يتصيد منه المصدر "كالجملة الاسمية التي يكون فيها الخبر جامدًا؛ نحو: ما أنت عمر فنهابك" فبعض النحاة يمنع نصب المضارع، وبعض آخر يجيز تصيد مصدر من مضمون الجملة السابقة التي فيها الخبر جامدا، ويكون الكلام عطف جملة على جملة، ومن لازم معناها؛ كان يقال في المثال السالف: ما يثبت كونك عمر، فهيبتنا إياك٢
يقول النحاة: إن "المغايرة" هي الأصل الغالب في عطفه النسق بين المتعاطفين. يريدون: أن يكون المعطوف مغايرا المعطوف عليه في لفظه وفي معناه معا فلا يعطف الشيء على نفسه. هذا هو الأصل الغالب، لكن العرب قد
_________________
(١) ١ جاء في التوضيح "لابن هشام، آخر باب: "الإدغام" نهاية الجزء الثاني" ما نصه: "قد يفك الإدغام في ذلك شذوذا أو في ضرورة " ا. هـ وهنا جاء في الحاشية على التصريح ما نصه: "يمكن أن يكون قوله: "في ضرورة" معطوفا على: "شذوذا" على تقدير الحالية أيضا، والتقدير: وقد يفك الإدغام في غير ذلك، حالة كون ذلك شاذا، أو كائنا في ضرورة. وقال الدنوشري: "قوله: "في ضرورة" معطوف على قوله: "شذوذا". وينظر أهذا العطف صحيح أولا؟ ا. هـ والظاهر الصحة وهو عطف على المعنى؛ لأن قوله: "شذوذًا" في معنى: "في شذوذ" ا. هـ المنقول عن الحاشية. ٢ لهذا إشارة في ج١ ص٥٥٢ م٤٩ أما الإيضاح الكامل في مكانه الأنسب وهو الكلام على: "فاء السببية" من باب: "إعراب الفعل" ونواصب المضارع -ج٤ ص٣٣٧ م١٤٩-.
[ ٣ / ٦٥٩ ]
تعطف -لغرض بلاغتي- الشيء على نفسه إذا اختلف اللفظان: كقولهم "وألفي قولها كذبًا ومينا" فقد عطفوا المين على الكذب "ومعناهما واحد، واللفظان مختلفان" لغرض بلاغي هو تقوية معنى المعطوف عليه وتأكيده. وهذا النوع من العطف -على قلته قياسي١
وقد يعطفون الخاص على العام وعكسه لغرض بلاغي كذلك؛ فمن الأول قوله تعالى في صورة البقرة: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فقد عطف "الصلاة الوسطى" ومن معانيها: صلاة العصر -على "الصلوات"، والمعطوف خاص؛ لأنه نوع بعض المعطوف عليه العام الذي يشمله مع غيره من الأنواع الأخرى.
ومن الثاني قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ فقد عطف الجملة الفعلية: "ظلموا" على الجملة الفعلية: "فعلوا" والمعطوف هنا عام، والمعطوف عليه خاص؛ لأنه داخل في مضمون المعطوف الذي يشمله وغيره٢
٩- إذا كان المعطوف عليه كنية لوحظ فيه وفي المعطوف ما سبقت الإشارة إليه في "أ" منص٤٤٤.
١٠- الصحيح جواز "القطع"٣ في المعطوف عطف نسق؛ كما أشرنا من قبل٤ وهو كثير في المعطوفات المتعددة التي كانت في أصلها نعوتا، ثم فصل بينها بحرف العطف؛ فصارت معطوفات بعد أن كانت نعوتا. وحجة القائلين بصحته وقوعه في أفصح الكلام. ومن الأمثلة كلمة: "الصابرين" من قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ
_________________
(١) ١ راجع حاشية ياسين على التصريح -ج٢ باب الإضافة عند الكلام على "الإضافة غير المحضة" وإضافة الاسم إلى ما يتحد معه في المعنى -وسبقت لهذا إشارة في ص٤٩. ٢ انظر ما يتصل بهذا في رقم ١ من ص٥٦٧. ٣ في هامش ص٤٨٦ تفصيل الكلام على القطع، ومعناه، وحكمه، وكل ما يتصل به. ٤ في هامش ص٤٣٥.
[ ٣ / ٦٦٠ ]
وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ﴾ فقد نصبت كلمة: "الصابرين" بسبب "القطع" ولو كانت معطوفة لرفعت كسائر المعطوفات المرفوعة التي قبلها، ومثل كلمة: "المقيمين" من قوله: في سورة النساء.
﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، ومثل كلمة: "القائلون" فيما أنشده الكسائي لبعض فصحاء العرب:
وكل قوم أطاعوا أمر مرشدهم إلا نميرا أطاعت أمر غاويها
الظاعنين، ولما يظعنوا أحدا والقائلون لمن دار نخليها؟
ومثل: ما أنشده الفراء لبعضهم كذلك:
إلى الملك القرم١ وابن الهمام وليث الكتيبة في المردحم
وذا الرأي حين تغم الأمور بذات الصليل٢، وذات اللجم٣
فقد نضبت كلمتي: "ليث" و"ذا" على الاعتبار السابق٤
١١- هل يصح عطف الزمان على المكان وعكسه؟ الأحسن الأخذ بالرأي الذي يجيزه عند أمن اللبس؛ نحو قابلتك أمام بيتك هذا ويوم الخميس أو: قابلتك يوم الخميس وأمام بيتك٥.
_________________
(١) ١ السيد العظيم. ٢ ذات الصليل: السيوف. ٣ ذات اللجم: الخيول. ٤ راجع تفسير القرطبي في آيتي "البقرة والنساء"، وكتاب: "مجمع البيان لعلوم القرآن" الطبرسي ج١ ص٦ حيث الأمثلة السابقة وغيرها، وإيضاح لحكم القطع في عطف النسق. ٥ عرض لهذه المسألة "الصبان" في الجزء الثاني من حاشيته، آخر باب: "الظرف" قائلا ما نصه الحرفي: =
[ ٣ / ٦٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = "هل يجوز عطف الزمان على المكان وعكسه؟ قال في المعني: أجاز الفارسي في قوله تعالى: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أن يكون "يوم القيامة" معطوفا على محل هذه. ا. هـ. قال الدماميني: إن أريد بالدنيا الأزمنة السابقة ليوم القيامة فلا أشكال في عطفه عليها؛ لأن كلا منهما زمان. وإن أريد بها هذه الدار من حيث هي مكان، ففيه عطف زمان على مكان، وفي الكشاف ما يقتضي منعه؛ فإنه لما تكلم في تفسير قوله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ قال: فإن قلت: كيف عطف الزمان على المكان، وهو يوم حنين على المواطن؟ قلت معناه: وموطن يوم حنين، أو: في أيام كثيرة، ويجوز أن يراد بالمواطن: "الوقت"؛ كمقتل الحسين، ا. هـ. ووجهه بعض الأفاضل بأن الفعل مقتض لظرف اقتضاءه لظرف المكان؛ فلا يجوز جعل حدهما تابعًا للآخر: فلا يعطف عليه كما لا يعطف المفعول فيه على المفعول به، ولا المفعول على الفاعل، ولا المصدر على شيء من ذلك، وبأن ظرف الزمان ينتصب على الظرفية مطلقًا، بخلاف ظرف المكان؛ فإنه يشترط فيه الإبهام. فلما اختلفا من هذه الجهة لم يجز عطفه أحدهما على الآخر. لعدم سماع عطف أحدهما على الآخر. "لكن جوزه بعضهم؛ لاشتراكهما في الظرفية؛ تقول ضربت زيدا يوم الجمعة وفي المسجد، أو: في المسجد ويوم الجمعة؛ وعليه جرى ابن المنير في الانتصاف مناقشا به صاحب الكشاف". انتهى كل ما قاله الصبان فيما سبق حرفيا، وأردفه بأنه نقله باختصار. وهذا الرأي الأخير هو الأنسب. إلا أن المثال الذي ساقه خال من بيان الطريقة في إعرابه. ثم هو لا يخلو من لبس، إذ لا دلالة معه على أن الضرب الذي وقع يوم الجمعة، أهو الذي وقع في المسجد أم هو ضرب آخر. فلا بد من قرينة. وقد سبق للمسألة السالفة إشارة موجزة في باب: "الظرف"، ج٢ م٧٨ في آخر الكلام على أحكام الظرف بنوعيه.
[ ٣ / ٦٦٢ ]
المسألة ١٢٣:
د- البدل ١:
تعريف: يتضح تعريفه مما يأتي:
لو سمعا من يقول: "عدل الخليفة" لفهما المراد، وكادت الفائدة المعنوية تتم، لولا ما يشوبها من بعض النقص الواضح؛ إذ تتطلع النفس إلى معرفة هذا الخليفة، واسمه، وتتعدد الخواطر بشأنه؛ أأبو بكر هو، أم عمر، أم عثمان، أم علي و؟
فلو أن المتكلم قال: عدل الخليفة "عمر" –مثلا- ما شعرنا بذلك النقص المعنوي: لأن "عمر" هو المقصود الأساسي بالحكم الذي في هذه الجملة، "أي: هو الذي ينسب العدل إليه"، فليس لفظ "الخليفة" هو المقصود الأصيل بهذا الحكم، وبهذه النسبة.
وكذلك لو قلنا: اتسع مجال الحضارة في زمن: "ابن الرشيد"، لكانت الجملة مفيدة. لكن السامع -بالرغم من هذه الإفادة- يشعر بنقص معنوي كبير تدور بسببه أسئلة متعددة: من ابن الرشيد هذا؟ ما اسمه؟ ما زمنه؟ أهو الأمين، أم المأمون، أم غيرهما ؟
فإذا قلنا: اتسع مجال الحضارة في زمن ابن الرشيد المأمون اكتملت الإفادة من هذه الناحية المعينة، وزال النقص بسبب ذكر::"المأمون"، الذي هو المقصود الأصيل من الحكم السابق، ومن نسبة اتساع المجال إليه.
فكلمة: "عمر" تسمى: "بدلا"، وكذلك كلمة: "المأمون"، واشباههما من كل كلمة تكون هي المقصودة في الجملة بالحكم بعد كلمة سبقتها؛ لتمهد الذهن للمتأخرة عنها، وتوجه الخاطر إليها، وليس بين الكلمتين
_________________
(١) ١ هذا هو الاسم المشهور. ويرد -أحيانًا- في بعض المراجع القديمة، وعلى لسان بعض النحاة الأوائل باسم: "الترجمة، أو: التبيين، أو: التكرير" ولا قيمة لهذا الاختلاف. القائم على مجرد الاصطلاح المختلف –أحيانًا- باختلاف العصور.
[ ٣ / ٦٦٣ ]
رابط لفظي يتوسط بالربط بينهما. ولهذا يقولون في تعريف البدل:
"إنه التابع١ المقصود وحده بالحكم المنصوب إلى تابعه، من غير أن تتوسط –في الأغلب٢- واسطة لفظية بين التابع والمتبوع".
ومن هذا التعريف يتضح الفرق بين البدل والتوابع الأخرى: فالنعت والتوكيد وعطف٣ البيان، ليست مقصودة بالحكم، وإنما هي مكملة له بوجه من الوجوه التي سبقت في أبوابها. وعطف النسق لا بد فيه من الواسطة، وهي أداة العطف. هذا إلى أن ما بعد هذه الأداة قد يكون مخالفا في الحكم لما قبلها فلا يكون مقصودا به، وقد يشاركه في الحكم ولكنه لا ينفرد به فلا يكون هو المقصود وحده٤
والأغلب في "البدل" أن يكون جامدا، ومن القليل الجائز أن يكون مشتقا٥. فإذا أمكن إعراب المشتق شيئا آخر يصلح له، كان أولى٦.
_________________
(١) ١ سبق في أول باب النعت ص٤٣٤ بيان معنى التابع والمتبوع "والأحكام المهمة الخاصة بالتابع، ومنها؛ الفصل بينه وبين المتبوع إلا أن كان المتبوع أحد الموصولات؛ إذ لا يفصل بين الموصول وصلته بتابع مطلقًا -طبقًا للبيان الذي سبق في ج١ م٢٧ ص٣٤٨ باب الموصول-. ومنها: عدم انتقال البناء من المتبوع إلى التابع مطلقا. ٢ يلاحظ أن عدم الواسطة اللفظية في البدل هو الأغلب، لأن البدل من المجرور يجوز أن يكون بواسطة إعادة العامل وهو حرف الجر الداخل على البدل منه، كالكلام الجارة في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾ وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ . فقد أعيدت اللام مع كلمتي: "من وأولنا" وهذه الإعادة في البدل أمر جائز، لا واجب، وهي مختصة بحروف الجر وحدها. وسيجيء لها بيان مناسب في ص٦٥٥. ٣ الموازنة بين البدل وعطف البيان مدونة في ص٥٤٦. ٤ ويتضح من التعريف السابق أيضا: أن الحرف وحده لا يقع بدلا؛ لأنه لا يصلح للحكم. فالبدل والمبدل منه إما اسمان معا، وإما فعلان معا، وإما اسم وفعل، وإما جملتان معا، وإما أحدهما جملة والآخر غير جملة كل ذلك لى حب البيان الذي سيجيء. ويقول ابن مالك في تعريف البدل: التابع المقصود بالحكم بلا واسطة هو المسمى. "بدلا" ٥ راجح الصبان ج٢ أول باب: الإضافة، عند الكلام على: "الإضافة غير المحضة". ٦ تصل بهذا ويوضحه ما سبق في: "ج" من ص٤٦٤ وما سيجيء في ج٤ م١٣٠ أحكام تابع المنادى، ووصف اسم الإشارة:
[ ٣ / ٦٦٤ ]
الغرض من البدل:
الغرض الأصيل هو -في الغالب- الحكم السابق وتقويته بتعيين المراد، وإيضاحه، ورفع الاحتمال عنه. لأن هذا الحكم ينسب أولا للمتبوع فيكون ذكر المتبوع تمهيدا للتابع الذي سيجيء، وتوجيها للنفس لاستقباله بشوق ولهفة. فإذا استقبلته وعرفته استقبلت معه الحكم وعرفته أيضا؛ فكان الحكم قد ذكر مرتين؛ وفي هذا تقوية للحكم وتوكيد١. ولأجل تحقيق هذا الغرض لا يصح أن يتحد لفظ البدل والمبدل منه إلا إذا أفاد الثاني زيادة بيان وإيضاح؛ فلا يصح في مثل: يا سعد سعد أنت زعيم موفق إعراب: كلمة "سعد" الثانية بدلًا٢.
أقسام البدل الأربعة المشهورة -وكل منها هو المقصود وحده بالحكم-:
أولها: بدل كل من كل٣، ويسمى "بدل المطابقة"، أو: "بدل المطابق من مطابقه".وضابطه: أن يكون الثاني مطابقًا. أي: مساويا
_________________
(١) ١ لهذا يقولون أن البدل في حكم تكرير العامل. أما قولهم: إن المبدل منه في حكم المطروح أي: المهمل الذي يمكن الاستغناء عنه" فالمراد منه أن هذا شأنه –الغالب- من جهة المعنى لا من جهة اللفظ. بدليل صحة: ضربت الرجل يده، إذ لو لم يعتد بالرجل أصلا ما كان للضمير مرجع "راجع شرح التصريح". وقال الزمخشري في المفصل: "مرادهم بكون البدل في نية طرح الأول -أي: في نية طرح المبدل منه- هو أنه مستقل بنفسه، لا متمم لمتبوعه؛ "فليس كالتأكيد، والصفة، والبيان". إلا إهدار الأول. ألا ترى أنك لو أهدرت الأول في نحو: محمد رأيت غلامه رجلًا صالحًا لم يستقم كلامًا" ا. هـ. كلام صاحب المفصل نقلًا عن حاشية الصبان آخر عطف البيان ثم قال الصبان بعد المثال السالف: بخلافه في البيان. ا. هـ. ويؤيد هذا ما سيجيء في رقم "و" من ص٦٧٨. ٢ "راجع حاشية الصبان في آخر باب تابع المنادى. وسيجيء إشارة لهذا في "ج" من ص٦٧٧ وفي ج٤ ص٤١ م١٣٠" وكذلك لا يصح أن يكون البدل أو المبدل منه حرفا -كما تقدم- ٣ من بدل الكل نوع اسمه: "بدل التفصيل" سيجيء في ص٦٨٤ وله بعض "أحكام في "هـ" ص٦٧٧. وإذا كان، "المبدل منه" كنية لوحظ فيه وفي "البدل" ما سبق في "أ" من ص٤٤٤.
[ ٣ / ٦٦٥ ]
للأول في المعنى تمام المطابقة مع اختلاف لفظيهما في الأغلب١ فهما واقعان على ذات واحدة: وأمر واحد نحو: "أشرقت الغزالة، الشمس؛ فأنارت الدنيا"٠، فالشمس بدل كل من كل، والمبدل منه: هو الغزالة، ومعنى الثاني –هنا- معنى الأول تماما. ومثله" الدنيار من تبر؛ ذهب، والدرهم من لجين فضة"، فكلمة: "ذهب" بدل مطابق من: "لجين". النوع من البدل لا يحتاج لرابط يربطه بالمتبوع٢..
ومن الأمثلة أيضا: قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، فكلمة: "صراط" الثانية يدل كل من كل من الأولى لأن صراط الذين انعم الله عليهم هو عينه الصراط المستقيم؛ فالكلمتان بمعنى واحد تماما. وقول الشاعر:
_________________
(١) ١ الأغلب اختلافهما في اللفظ. وقد يتفقان بشرط أن يفيد الثاني زيادة بيان وإيضاح -كما تقدم في الصفحة السالفة، وكما يجيء في: "ج" ص ٦٧٧- ومن أمثلة اتفاقهما قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ﴾ . وقوله تعالى في سورة الشورى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ وبسبب توافق اللفظين يتشابه بدل الكل والتوكيد اللفظي في الصورة اللفظية الظاهر، وقد يصعب التفريق بينهما أحيانا في الصورة اللفظية الظاهرة. غير أن الصعوبة تزول ويتيسر تمييز أحدهما من الآخر بأمرين مجتمعين معا: أولهما: الغرض المعنوي الذي ينفرد بتأيته كل منهما، وهذا الفرض ترشد إليه وتعينه القرائن وتحدده. وثايهما: الأحكام الأخرى التي يختص بها كل مهما دون صاحبه وقد يكون "البدل" عاما في ظاهره لكنه خاص في المراد منه؛ كما في الاستثناء التام غير الموجب حيث يجوز في المستثنى النصب والبدل، نحو: ما تخلف السباقون إلا واحدا، أو واحد. فإذا تقدم المستثنى "البدل" فإن الحكم يتغير؛ فيزول عنه اسمه، ويعرب على حسب حاجة الجملة؛ ويفقد المستثنى منه الذي تأخر اسمه، ويعرب "بدلا" من الاسم السابق، ويصير الكلام: ما تخلف إلا واحد السباقون. فالسباقون: "بدل" من واحد، وهو بدل "كل من كل"؛ لأن المتأخر عام أريد به خاص -كما أسلفنا- وبيان هذه المسألة وتفصيل الكلام عليها مدون في مكانها المناسب؛ وهو بابه الاستثناء ج٢ رقم ٤ من هامش ص٣٩٨ م٨١، عند الكلام على المستثنى بإلا. ١ الأمثلة الثلاثة السالفة صالحة لبدل الكل، ولعطف البيان، والتوكيد اللفظي بالمرادف. وإنما تكون التفرقة بينها بالغرض المراد تحقيقه من كل، طبقا لما سلف من الأغراض المدونة في أبوابها وبملاحظة الفوارق والأحكام التي تميز كل نوع، وتختص به -كما سبقت الإشارة هنا في رقم ١-.
[ ٣ / ٦٦٦ ]
إن النجوم نجوم الأفق أصغرها في العين أذهبها في الجو إصعادا
فكلمة: "نجوم" الثانية بدل كل من كل،. من الأولى؛ لأن المراد من نجوم الأفق هو عين المراد من كلمة: "نجوم" الأولى. ومثل هذا قول الآخر:
إن الأسود أسود الغاب همتها يوم الكريهة في المسلوب لا السلب١
وقد تقدم الارتباط بين بدل الكل وعطف البيان٢
ثانيها: بدل بعض من كل، "أو: بدل جزء من كل". وضابطه: أن يكون البدل جزءا حقيقيا٣ من المبدل منه"سواء أكان هذا الجزء اكبر من باقي الأجزاء، أم أصغر منها، أم مساويا" وأن يصح الاستغناء عنه بالمبدل منه؛ فلا يفسد المعنى بحذفه ٤ نحو: أكلت
البطيخة ثلثها، والبرتقالة ثلثيها. ونحو: اعتنيت بوجه الطفل، عينيه. ونظفت فمه، أسنانه.
والأعم الأكثر إن يشتمل هذا البدل على رابط يربطه بالمتبوع، وأهم الروابط هو "الضمير"٥ فإن كان الرابط الضمير وجب أن يطابق المتبوع في الإفراد والتذكير وفروعهما٦ ومن الجائز -مع قلته- الاستغناء عن هذا الضمير في إحدى حالات ثلاث.
_________________
(١) ١ الغنيمة التي يأخذها الغالب من المغلوب. ٢ في ص٥٤٦. ٣ جزء الشيء هو الذي يدخل في تكوين هذا الشيء دخولا أساسيا، لا عرضيا، بحيث لا يوجد الكل كاملا بغير جزئه، كالرأس، أو العنق، أو: القلب، بالنسبة للإنسان، وكالعين، أو: الفم أو: الجبهة.. بالنسبة للوجه، وكالشفتين، أو: الأسنان بالنسبة للفم و أما الأمور العرضية والأوصاف الطارئة فكالعلم، أو الفهم، أو: البياض، أو: الحمرة. وبسبب الجزئية الأصيلة اختلف بدل "البعض" عن "بدل الاشتمال -كما سيجيء في ص٦٧٠. ٤ يشترط لصحة بدل البعض -كما يقول الصبان- صحة الاستغناء عنه بالمبدل منه فيصح جدع السارق أنفه، ولا يصح: قطع السارق أنفه؛ لأنه لا يقال: قطع السارق. على معنى قطع أنفسه، وإرادة هذا المعنى. فلا بد في البدل الجزئي من دلالة ما قبله دلالة إجمالية. يوضح هذا صاحب "الهمع" بأنه لو حذف البال لامكن الاهتداء إليه مما قبله من غير أن يختل الكلام بحذفه -وقد أشرنا لهذا ف: "و" من ص٦٧٨-. ٥ لأنه أقوى في الإيضاح، وكشف المراد، وإبعاد اللبس، وهذه أسمى خصائص اللغة. ٦ ولا فرق بين أن يتصل الضمير بالبدل مباشرة -كالأمثلة المتقدمة. وأن يتصل بلفظ آخر له صلة بالبدل؛ نحو: احتفيت بالفائزين؛ ثلاثة منهم.
[ ٣ / ٦٦٧ ]
أ- وجود "أل" التي تغنى عنه في إفادة الربط، وتقوم مقامه عند أمن اللبس، نحو: إذا رأيت الوالد فقبله، اليد، أي: فقبله يده، أو اليد منه١
ب- أن يكون البدل بعضا والمبدل منه هو المستثنى منه في كلام تام غير موجب، "حيث يصح في المستثنى: إما النصب على الاستثناء" وإما الإتباع على البدلية من المستثنى منه –كما تقدم في باب المستثنى٢"؛ نحو: ما تعب السباحون إلا واحدا أو واحد؛ فوجود "لا" يغني عن الرابط؛ لدلالتها على أن المستثنى بعض من المستثنى منه٣.
ج- أن يجيء بعد البدل سرد بقية أجزاء المبدل منه، بحيث يكون سردها وافيا يشملها جميعا، ويستوفي كل أجزاء المتبوع؛ مثل: الكلمة أقسام ثلاثة؛ اسم، وفعل، وحرف، فلفظة: "اسم" بدل بعض من ثلاثة، أو من أقام. وهذا البال خال من الرابط؛ لأن البدل وما بعده قد جمع كل أجزاء المبدل منه، وذكرت في الكلام مستوفاة٤. ومن الأمثلة قول الشاعر:
أداوي جحود القلب بالبر والتقى ولا يستوي القلبان: قاس وراحم
فكلمة: "قاس" بدل خال من الرابط؛ لأنه مع ما بعده يشتمل على كل ما للمبدل منه. وليس للمبدل منه هنا سوى هذين النوعين.
ثالثها: بدل الاشتمال، ولتوضيحه نسوق المثال التالي:
إذا قلت: أعجبتني الوردة، جاز للسامع أن ينسب الإعجاب إلى لونها أو رائحتها، أو تنسيق أوراقها أو لأن الإعجاب يحتمل هذه المعاني العرضية مفردة، ومجتمعة، ويشتمل عليها ضمنا. فإذا قلت: أعجبتني الوردة رائحتها ، تعين معنى واحد من تلك المعاني العرضية التي يتضمنها العامل: "
_________________
(١) ١ انظر ما يتصل بهذا في رقم ٢ من هامش ص٦٧٦. ٢ في ج٢ م٨١ ص٢٩٧. ٣ راجع حاشية الصبان، أول باب الاستثناء. ٤ وقيل: إن الضمير مقدر، والتقدير: اسم منها، وفعل منها، وحرف منها. ولا أثر للخلاف بين الرأيين. لأن نتيجتهما واحدة: هي خلو التابع من رابط ظاهر في الكلام. "ملاحظة" إذا كان المبدل منه متعددا والبدل غير واف بالعدد تعين قطع البدل بالتفصيل الذي سنذكره في "هـ" من ص٦٧٧. "راجع الصبان في أول باب عطف البيان".
[ ٣ / ٦٦٨ ]
أعجب"، واتجه القصد إلى هذا المعنى دون باقي المعاني التي يشتمل عليها العامل إجمالا، والتي تنطبق على الوردة وتتصل بها، من غير أن يدخل واحد منها في ذات الوردة، وفي تكوينها المادي "الجسمي"، أي: من غير أن يكون واحد منها جزءا حقيقيا أساسيا لا توجد الوردة إلا به، فليست رائحة الوردة جزءا أصيلا في تكوينها المادي يتوقف عليه وجود الوردة، وليس لونها، أو تنسيق ورقها جزءا أساسيا كذلك، وإنما هي أمور عرضية طارئة على ذاتها المادية، قد تلازم الذات أولا تلازمها. وبقاء الذات أو فناؤها ليس متوقفا عليها؛ فمن الممكن أن توجد الوردة وأن تبقى من غير أن يكون لها رائحتها، أو لونها، أو تنسيق ورقها، أو غير هذا من المعاني والأوصاف الطارئة التي تندمج تحت لفظ العامل: "أعجب".
فالرافعة في الأسلوب السابق هي التي تسمى: "بدل اشتمال" و"المبدل منه" هو: "الوردة"، والعامل هو: "أعجب". ويقولون في بدل الاشتمال:
"إنه تابع يعين أمرا عرضيا. ووصفا طارئا من الأمور والأوصاف المتعددة التي تتصل بالمتبوع، ويشتمل عليها معنى عامله إجمالا بغير تفصيل١".
ومن هذا التعريف يتبين أن بدل الاشتمال مقصود لتعيين أمر في متبوعه، وأن هذا الأمر غرضي طارئ، وليس جزءا أصيلا من المتبوع٢. وأن أساس الاشتمال وموضعه الحق هو "العامل" بمعناه، لا التابع ولا المتبوع.
ومن الأمثلة لهذا البدل: بهرني عمر عدله، راقني معاوية حلمه، سرتني عائشة علمها ودينها. فالكلمات: عدل: حلم علم بدل اشتمال كل واحدة منها تعين أمرا خاصا في المتبوع. وهو أمر عرضي لا يدخل في تكوين الذات تكوينا ماديا أصيلا. وهذا الأمر العرفي الطارئ يندرج
_________________
(١) ١ وهذا الاشتمال قد يكون في أمر مكتسب؛ كالعلم، أو غير مكتسب مع ملازمته لصاحبه زمنا، كالحسن، أو عدم ملازمته: كالكلام. وأيضا قد يكون الاشتمال الظرف على المظروف؛ كالثوب، وتارة لا يكون، كالفرس ٢ وبسبب هذا يختلف بدل الاشتمال عن بدل البعض اختلافا واسعا.
[ ٣ / ٦٦٩ ]
مع أمور عرضية أخرى تحت العامل، ويشتمل عليها معنى هذا العامل إجمالا.
ولا بد في بدل الاشتمال من ضمير يطابق المتبوع في الإفراد والتذكير وفروعهما، وهذا الضمير قد يكون مذكورا كما ني الأمثلة السالفة، وقد يكون مقدرا؛ كقوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ١ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾، والتقدير: "النار فيه". فحذف الجار والمجرور، والمجرور هو الضمير الرابط، ويصح أن يكون القدير: ناره ذات الوقود. ثم حذف الضمير، ونابت عنه "أل" في الربط٢".
وبدل الاشتمال -كبدل البعض- لا بد لصحته من صحة الاستغناء عنه بالمبدل منه وعدم فساد المعنى بحذفه٣.
رابعها: البدل المباين للمبدل منه -ويسمى: "بدل المباينة"- وهو ثلاثة أنواع لا بد في كل منها أن يكون هو المقصود بالحكم٤، وأن يقوم دليل "أي: قرية" يوضح المراد منه، ويمنع اللبس٥. وهذا القسم بأنواعه الثلاثة لا يحتاج إلى ضمير -أو غيره- يربطه بالمتبوع.
أ- بدل الغلط: وهو الذي يذكر فيه المبدل منه غلظا لسانيا، ويجيء البال بعده لتصحيح الغلط. وذلك بأن يجري اللسان بالمتبوع من غير قصد،
_________________
(١) ١ أصل الأخدود: الشق أو الحفرة في الأرض. ويراد به هنا: شق أحدثه قبل الإسلام بعض الملوك الطغاة في الفرس واليمن والشام ليحرقوا فيه من يخالفهم، ويخرج من دينهم إلى النصرانية، أو غيرها من الأديان السماوية. ٢ ما الداعي لأن يقال: حذف الضمير، ونابت عنه "أل" في الربط؟ أليس الأفضل أن نتبع الرأي الذي يجعل الرابط هو الضمير؛ وأنه قد يصح الاستغناء "بأل" أو غيرها، كما سبق البيان في ص٦٦٩؟ على أن هذا الاختلاف شكل يسير. ٣ لهذا بيان في حاشية: "ياسين" على التصريح، مضمونه: أنه يشترط في بدل الاشتمال تحقق أمرين، أحدهما: إمكان فهم معناه عند حذفه؛ ومن ثم كان "أعجبني علي آخوه" بدل إضراب، لا بدل اشتمال، إذ لا يصح الاستغناء عنه بالأول. وثانيهما: حسن الكلام واستقامته على تقدير حذفه، وافتراض أن البدل غير مذكور، ولهذا امتنع: "أسرجت عليا فرسه" لأنه -بالرغم من فهم معناه في الحذف- لا يستعمل مثله، ولا يحسن. فلو ورد مثل هذا الكلام لكان بدل غلط؛ فبدل الاشتمال كبدل الجزء في هذا، -كما أشرنا في٦٧٨-. ٤ وهذا هو الشأن في كل نوع من أنواع البدل. ٥ انظر ما يختص بمنع اللبس في الصفحة الآتية.
[ ٣ / ٦٧٠ ]
ثم ينكشف هذا الغلط والخطأ للمتكلم سريعا؛ فيذكر البدل، ليتدارك به الخطأ اللساني ويصححه. فالغلط إنما هو في ذكر المبدل منه، لا في البدل، نحو: "أعظم الخلفاء العباسيين: "المأمون" بن "المنصور"، "الرشيد". فالحقيقة: أن "المأمون" هو ابن "الرشيد"، ولكن المتكلم جرى لسانه بالخطأ، فذكر انه ابن المنصور؛ فأسرع وأصلح الخطأ بذكر الصواب، قائلا: "الرشيد". فالرشيد؛ بدل من المتبوع، الذي ذكر خطأ لسانيا. وليس "الرشيد" هو: الغلط؛ وإنما هو تصحيح للغلط الكلامي السالف الذي ذكر بغير قصد ولا تنبه. فكلمة: "الرشيد" بدل من "المنصور" بدل غلط، أي: بدلا مقصودا من شيء غير مقصود ذكر غلطا -كما أوضحنا- ولا يحتاج هذا البدل إلى ضمير يربطه بالمتبوع١ ولا ورود لهذا النوع في القران الكريم منسوبا إلى الله٢
ب- بدل النسيان: هو الذي يذكر فيه المبدل منه قصدا. ويتبين للمتكلم فساد قصده: فيعدل عنه، ويذكر البدل الذي هو الصواب؛ نحو: "صليت أمس العصر، الظهر، في الحقل، فقد قصد المتكلم النص على صلاة العصر، ثم تبين له أنه نسي حقيقة الوقت الذي صلاه، وأنه ليس العصر؛ فبادر إلى ذكر الحقيقة التي تذكرها؛ وهي: "الظهر" فكلمة: "الظهر" بدل مقصود من كلمة: "العصر" بدل نسيان. والفرق بين هذا البدل وسابقه أن الغلط يكون من اللسان. إما النسيان فمن العقل.
وهذا النوع كسابقه لا يحتاج إلى ضمير يعود على المتبوع، ولا إلى رابط آخر٢ ولا ورود لهذا النوع في القرآن الكريم منسوبا إلى الله ١
ج- بدل الإضراب٣: وهو الذي يذكر فيه المبدل منه قصدا. ولكن
_________________
(١) "١، ١" انظر الملاحظة التي في ص٦٧٦. "٢، ٢" إذ يستحيل وقوع "الغلط والنسيان" من المولى -جل شأنه- ويستحيل نسبة أحدهما إليه؛ لبطلان هذه النسبة بداهة. ٣ يسمى أيضًا: بدل "البداء" -بفتح الباء والدال- أي: الظهور. لأن المتكلم بعد أن ذكره أولًا بدا له "أي: ظهر له" أن يذكر الثاني. والإضراب المقصود هنا هو: الإضراب الانتقالي -وقد سبق شرحه في ص٦٢٣-.
[ ٣ / ٦٧١ ]
يضرب عنه المتكمل "أي: ينصرف عنه ويتركه مسكوتا عنه" من غير أن يتعرض له بنفي أو إثبات -كأنه لم يذكره- ويتجه إلى البدل. نحو: سافر في قطار، سيارة. فقد نص المتكلم على القطار أولا، ثم اضرب عنه تاركا أمره، ونص على السيارة بعد ذلك، فهي بدل مقصود من القطار. ولا يحتاج هذا البدل إلى ضمير يعود إلى المتبوع، ولا إلى غيره من الروابط١
_________________
(١) ١ وفي الأقسام الأربعة السابقة يقول ابن مالك: مطابقا، أون: بعضا، أو ما يشتمل عليه يلفى، أو: كمعطوف ببل "تقدير البيت: يلغى البدل مطابقا، أو بعضا، أو ما يشتمل عليه، أو كمعطوف ببل" وقد تضمن هذا البيت بدل المطابقة بالنص الصريح وهو: "مطابقا". وبدل البعض بالنص الصريح، وهو: "بعا" كما تضمن بدل الاشتمال بقوله: "أو ما يشتمل عليه" "وكلمة: مطابقا مفعول ثان ليلغى". يريد: أو: شيئا يشتمل على البدل اشتمالا معنويا "وهو يؤيد: العامل والمتبوع على الوجه الذي شرحناه". ويريد بالمعطوف بالحرف الذي يشبه "بل": بدل المباينة؛ لأنه بأنواعه الثلاثة لا يخلو من الإضراب الانتقالي لا الإبطالي. "وقد سبق شرح الاثنين عند الكلام على "بل" العاطفة -ص٦٢٣- وأوضحنا أن الانتقالي هو الذي يفيد الانتقال من غرض إلى غرض آخر" ويبين ابن مالك المراد من شبيه "بل" فيقول: وذا للاضراب اعز قصدا صحب ودون قصد غلط به سلب "ذا، أي: هذا الذي يشبه: "بل" اعز: انسب". يريد: انسب الذي يشبه "بل" إلى الإضراب إن صحبه القصد، وكان المتكلم مريدًا له، "والإضراب هنا هو: الإضراب الانتقا". وإن لم يقصده المتكلم فهو "بدل غلط". وقد بين بعد هذا أن البدل نفسه ليس بموضع الغلط، وإنما جاء ليسلب الغلط ويزيله. "والتقدير: وغلط دون قص سلب بالبدل". واقتصر ابن مالك على نوعين من البدل المباين: هما: "الغلط"» والإضراب"، وترك "النسيان" ولكن البيت التالي المشتمل على مثال لكل نوع -قد يتسع النسيان، قال: كزره خالدا، وقبله اليدا واعرفا حقه، وخذ نبلا مدى "خالد: اسم رجل النبل" جمع: نبلة، وهي: السهم الذي يصاد به الطيور وغيرها من الناس وطائر الحيوان. المدى، جمع مدية، وهي: السكين". "فخالد" بدل كل من الهاء التي في الفعل قبله مباشرة. و"اليد": بدل جزء من الهاء التي قبله في الفعل "أي: يده، أو اليد منه" و"حق" بدل اشتمال من الهاء التي قبله مباشرة، ومدى: بدل غلط، أو نسيان، أو إضراب، من "نبلا". فالبدل هنا يحتمل الثلاثة.
[ ٣ / ٦٧٢ ]
والأحسن عدم الالتجاء إلى هذا النوع من البدل قدر الاستطاعة: لأن احتمال اللبس فيه كبير١
"ملاحظة": سبق أن أنواع البدل المباين الثلاثة تحتاج إلى قرينة توضح وتمنع اللبس. وأحسن منها أن يتقدم على كل نوع -مباشرة- حرف العطف "بل" المفيد للإضراب. لأن وجود هذا الحرف يؤدي إلى إعراب ما بعده معطوفا لا بد لا. وبهذا يمتنع احتمال أنه نعت، ذلك الاحتمال الذي قد يتسرب إلى الوهم قبل مجيء الحرف: "بل" وبمجيئه تنتقل المسالة من البدل إلى العطف.
_________________
(١) ١ سبق تفصيل الكلام عليه في ص٦٢٣ من "باب العطف".
[ ٣ / ٦٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- المشهور من أنواع البدل هو الأربعة التي شرحناها. وزاد بعض النحاة نوعا خامسا سماه: "بدل الكل من البعض"، واستدل له بأمثلة متعددة تؤيده، منها قوله تعالى في التائبين الصالحين: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾، فجنات بدل كل من الجنة، والأولى جمع، والثانية مفرد، ولهذا كان البدل كلا والمبدل منه بعضا. ومنه قول الشاعر:
رحم الله أعظما دفنوها بسجستان طلحة الطلحات
فكلمة: طلحة "بدل كل" من "أعظم" التي هي جزء من "طلحة"، وكذلك قول الشاعر:
كأني غداة١ البين٢ يوم تحملوا٣ لدى سمرات٤ الحي ناقف حنظل٥
فكلمة "يوم" بدل كل من "غداة": مع أنه يشملها، وهي جزء منه٦
ب- حكم البدل:
البدل أحد التوابع؛ فلا بد إذ يوافق متبوعه في حركات الإعراب، وفي بعض الأشياء المشتركة التي سبق النص عليها٧. أما موافقته إياه في غير ذلك فيجري فيها التفصيل الآتي:
١- فمن جهة التنكير والتعريف لا يلزم أن يوافق متبوعه فيهما؛ فقد يكونان
_________________
(١) ١ أول النهار. ٢ الفراق. ٣ سافروا وارتحلوا. ٤ جمع "سمرة" -بفتح فضم، ففتح- وهي شجرة الطلح "نوع من شجر الموز". ٥ أي: جامع حنظل. وجامعه تدمع عيناه. ٦ قال صاحب الهمع -ج٢ ص١٢٧- ما نصه: "والمختار -خلافا للجمهور- إثبات بدل الكل من البعض؛ نوروده في الفصيح" ا. هـ. وسرد لتأييد رأيه الأمثلة السالفة. ٧ في ص٤٣٤.
[ ٣ / ٦٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
–معا- معرفتين؛ كقراءة قوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ بجر كلمة "الله"؛ على اعتبارها بدلا من كلمة: "العزيز". وقد يكونان نكرتين؛ كقوله تعالى ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا ١ حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾ . وقد تبدل المعرفة من النكرة كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ﴾ .
وقد تبدل النكرة من المعرفة، كقوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ ٢ ﴾ والمفهوم من كلامهم أن تكون هذه النكرة مختصة -لا محضة- لأن النكرة المختصة الخالية من فائدة التعرف -نحو: مررت بمحمد رجل عاقل- قد تفيد ما لا تقيده المعرفة المشتملة على فائدة التعرف٣. ومما يؤيد هذا أن الغرض من البدل -كما عرفا فيما سبق- لا يتحقق بالنكرة المحضة.
٢- ومن جهة الإفراد والتذكير وفروعهما، فإن بدل الكل من الكل يطابق متبوعه فيها جميعا ما لم يمنع مانع من التثنية أو الجمع، كأن يكون أحدهما مصدرا لا يثنى ولا يجمع؛ كالمصدر الميمي٤؛ مثل: قوله تعالى في الآية السالفة: "مفازا، حدائق "وكقصد التفصيل، في قول الشاعر:
وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ورجل رمى فيها الزمان فشلت٥
وأما غيره من أنواع البدل فلا يلزم موافقته فيها٦.
والغالب أن البدل يرتبه به ما بعده ويعتمد عليه؛ فيطابقه في حالتي التذكير
_________________
(١) ١ فوزا، أو: مكان فوز. ٢ انظر رقم ١ من هامش ص٤٥٦. ٣ راجع حاشية ياسين في آخر باب البدل. ٤ سبقت الإشارة لهذا في ٢٣١. ٥ بطلت حركتها، ووقفت. ٦ انظر ص٥٤٦ وما بعدها، وص٦٦٨، عند الكلام على: "ثانيها".
[ ٣ / ٦٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والتأنيث وغيرهما: نحو: إن الغزال عينه جميلة، وإن الفتاة حفنها فاتر، بتأنيث خبر "إن" في المثال الأول، وتذكيره في الثاني، ولولا أن الملاحظ هو البدل لوجب التذكير في الأول والتأنيث في الثاني. ولا بد في مراعاة ذلك الغالب من عدم وجود قرينة تمنع منه، وتدل على غيره١. ومن غير الغالب قول الشاعر:
إن السيوف غدوها ورواحها تركت هوارن مثل قرن الأعضب٢
فقد جاء الفعل: "ترك" مؤنثا مراعاة للمبدل منه، "وهو اسم "إن" لا للبدل.
ج- قلنا٣ إنه قد يتحد٤ لفظ البدل والمبدل منه إذا كان في لفظ البدل زيادة بيان وأيضاح؛ كقراءة من قرأ قوله تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً ٥ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾ بنصب كلمة: "كل" الثانية؛ فقد اتصل بها معنى زائد، ليس في المبدل منه؛ هو بيان سبب الجثو، وهو استدعاء كل أمة لتقرأ كتابها. ومن الأمثلة: شاهدنا الجنود، فرحة، الجنود التي انتصرت على أعدائها، ورأينا الأمة تخرج لاستقبالهم، الأمة التي أنجبتهم
د- قد يحذف المبدل منه ويتغنى عنه بالبدل بشرط أن يكون المبدل منه في جملة وقعت صلة موصول: نحو: أحسن إلى الذي عرفت المحتاج، أي: الذي عرفته المحتاج. فكلمة: "المحتاج" يصح أن تكون بدلا من الضمير المحذوف٦
هـ- يصح الإتباع والقطع في البدل إذا كان المبدل منه مذكورا مجملا، مضمونه أفراد وأقسام متعددة، تذكر بعده مفصلة -بأن يشتمل الكلام بعده على جميع أقسامه كاملة نحو: مررت برجال، طويل، وقصير،
_________________
(١) ١ والأحسن التعبير عن هذا المعنى بأسلوب آخر لا يوهم ولا يوقع في لبس. ٢ الحيوان المكسور قرنه. ٣ في ص٦٦٧ وهامشها. ٤ راجع في الحكم الثالث: "ج" وما بعده "الأشموني". آخر باب: "البدل". ٥ قاعدة معتمدة في القعود على ركبتيها. ٦ يصح في كلمة: "المحتاج" النصب على البدلية من الضمير المحذوف، والجر على البدلية من اسم الموصول، والرفع على الخبرية لمبتدأ محذوف، تقديره: هو.
[ ٣ / ٦٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وربعة١ بالرفع، أو النصب: أو الجر في هذا المثال.
فإن كان الكلام غير مستوف أقسام المبدل منه تعين في البدل القطع٢ نحو: مررت برجال طويلا وقصيرا، أو: طويل وقصير، بالرفع أو النصب في الكلمتين. إلا عند نية معطوف محذوف، فلا يتعين القطع وإنما يصح الأمران -كما يصح في الأول- وهما: البدل والقطع. ومن الأمثلة لهذا قوله ﵇: "اجتنبوا الموبقات، الشرك والسحر" بنصبهما. والتقدير: وأخواتهما بدليل ذكر هذا المعطوف في حديث آخر.
فإن كان البدل خاليا من التفصيل جاز فيه الأمران أيضا: الإتباع والقطع. نحو: فرحت بعليّ أخوك أو أخاك على القطع فيهما. أو: أخيك على البدل وسيجيء -في ص٦٨٤ وما بعدها- إيضاح آخر لبدل التفصيل، وأنه نوع من بدل الكل.
أما تفصيل كلام على القطع وطريقته فقد سبق في باب النعت. ومن المستحسن التخفف من استعماله قدر الاستطاعة.
ويشترط٣ في بدل البعض وبدل الاشتمال أن يصح في كل منهما الاستغناء بالمبدل منه، وعدم فساد المعنى أو اختلال التركيب لو حذف البدل، أو اتصل به عامله اتصالا لفظيا ظاهرا ومباشرا، فلا يجوز: "قطعت اللص أنفه، ولا لقيت كل أصحابك أكثرهم، ولا أسرجت القوم دابتنهم"، لعدم صحة الاستغناء بالمبدل منه عن البدل. وكذلك لا يصح مررت بمحمد أبيه، إذ لا يصح أن يقال في هذا المثال -وأشباهه- عند إظهار عامل
_________________
(١) ١ متوسط بين الطويل والقصير. ٢ لكيلا يكون بدل بعض من كل مع خلوه من الرابط، ومما يفنى عن الرابط -كما سبق في ص٦٤٤ وفي رقم ٤ من هامشها. ٣ الشرط الآتي هو ما سبقت الإشارة إليه في رقم ٤ من هاش ص٦٦٨ عند الكلام على "بدل البعض" نقلا عن الصبان، وكذا في ص٦٦٩ عند الكلام على "بدل الاشتمال" نقلا عن ياسين وقلنا في الموضعين السالفين أن مجال الكلام عليه سيكون هنا. ويتصل بهذا ما في رقم ١ من هامش ص٦٦٦.
[ ٣ / ٦٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
البدل -وهو مررت، أو الباء- وتسليطه على البدل مباشرة: مررت أبيه، بعدية الفعل اللازم، كما لا يقال مررت بأبيه، من غير مرجع للضمير.
ز- الأغلب أن البدل على نية تكرار العامل١، وليس على تكراره حقيقة. بيان هذا: أن
العامل في "البدل منه" هو العامل في "البدل" لكن هذا العامل المشترك بينهما واجب الإظهار والتلفظ به قبل المتبوع وحده. ولا يصح إعادته وتكراره ظاهرا صريحا قبل التابع. وإنما يكفي تخيل وجوده قبل البدل مباشرة. وملاحظة أنه موجود قبله في النية والتقدير؛ لا في الحقيقة والواقع. مع استقامة الأسلوب، وسلامة المعنى بغير حاجة إلى إعادته وتكراره صريحا ظاهرا في الكلام.
والسبب في منع التكرار الحقيقي -لا الخيالي- أنه يؤدي إلى تأثير العامل المتكرر في "البدل" تأثيرا جديدا يزحزه عن "البدلية" ويدخله في عداد معموات أخرى لا تصلح "بدل"؛ ففي مثل: نظف الرجل فمه أسنانه، يكون المبدل منه هو "الفم"، والبدل هو: "أسنان" وعاملهما هو: "نظف" المذكور صريحا قبل المتبوع. وتخيلا وتقديرًا -دون تكراره- قبل التابع، وعلى أساس هذا التخيل المجرد، والتقدير المحض يصح أن نفترض أن أصل الكلام هو: نظف الرجل فمه، نظف الرجل أسنانه. وهذا الافتراض لم يفسد المعنى ولا التركيب، إنما أدى إلى توضيح المراد: فلو اعتبرنا العامل الثاني، الملاحظ تخيلًا وتقديرًا -وهو هنا: "نظف"- عاملًا معادًا حقيقة، وتكرارا للأول لأدى هذا إلى أيجاد تركيب جديد، خال من البدل، ولوجب إعراب كلمة: "أسنان" شيئا آخر غير البدل؛ فتكون هنا على الاعتبار الجديد "مفعولا به"، ولا تصلح بدلا، ويترتب على هذا التغيير الإعرابي تغيير معنوي معروف ينشأ من الفرق المعنوي بين البدل، والمفعول به، إذ لكل منهما مهمة تختلف عن مهمة الآخر.
ويستثنى من الحكم السالف صورة يصح فيها الأمران؛ أما تكرار العامل تكرارا لفظيا، وإعادة التلفظ به مرة ثانية، وأما الاكتفاء بتخيل وجوده قبل البدل
_________________
(١) ١ سبق إيضاح المراد من أن البدل في حكم تكرار العامل، وأن المبدل منه في حكم المطروح "في رقم ١ من هامش ص٦٦٤. وله إشارة موجزة في ص٥٤٧".
[ ٣ / ٦٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والاقتصار على ملاحظته في النية والتقدير١. وهذه الصورة الجائزة -لا الواجبة، كما أسلفنا٢- هي التي يكون فيها العامل حرفا من حروف الجر؛ كاللام الجارة في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾، وفي قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ ومثل: "من" في قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾؛ فقد تكررت اللام وأعيدت صريحة في الآية الأولى " لكم، لمن "، وكذلك في الآية الثانية ".. لنا، لأولنا" كما تكررت "من" في الآية الثالثة "من المشركين من الذين " وهكذا
لكن ما إعراب حرف الجر المكرر؟ وما إعراب الاسم المجرور بعده؟ قيل: إن حرف
الجر المكرر أصلي، باق على عمله، وأنه هو الذي جر الاسم "بدلا" بعده. دون الحرف الأول المتقدم، ودون الحرف آخر مقدار، أو ملحوظ متخيل. بحجة أنه لا داعي للتقدير في هذه الصورة مع وجود عامل مذكور، منطوق به صراحة؛ فإن التخيل أو التقدير إنما يكون في غير هذه الصورة التي ظهر فيها بالعامل المتكرر، ووقع تحت الحس فلا يمكن إغفاله، ولا إنكار وجوده. ولا المطالبة بأن يكون العامل في المبدل منه هو العامل في البدل، إذ لا داعي للتمسك بهذا الحكم حين يكون العامل المتكرر جر، بعده البال مباشرة.
بقي الاعتراض بشيء آخر، هو أن حرف الجر الأصلي لا يجر البدل؛ لأن عمله مقصور على شيء واحد؛ هو جر الاسم جرا مجردا، لا يصح معه اعتبار ذلك الاسم المجرور بدلا أو غير بدل.
قد يندفع هذا الاعتراض بواحد من ثلاثة:
أولها: وهو أقوّاها وأحسنها صحة اعتبار المجرور في هذه الصورة وحدها "بدلًا"؛ بالرغم مما هو مقرر أن التوكيد اللفظي لا يؤثر في غيره، ولا
_________________
(١) ١ راجع حاشية ياسين على التصريح، بال البلد. عند الكلام على بدل الاشتمال. ٢ في رقم ٢ من هامش ص٦٦٤.
[ ٣ / ٦٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يتأثر به: فلا يصلح عاملا ولا معمولا١.
ثانيها: اعتبار العامل المتكرر توكيدًا لفظيًا محضًا "أي: لا يؤثر ولا يتأثر؛ طبقًا لما سبق تقريره". وأن الاسم المجرور بعده مجرور بالعامل الأول الذي له التأثير في المبدل منه؛ فهو أي: العامل الأول -وحده- مؤثر في التابع والمتبوع معًا، عملًا بالرأي الذي يقول: إن البدل ليس على نية تكرار العامل، وإنما العامل في المبدل منه وفي البدل واحد، لا تكرار له، ولا تخيل لإعادته.
ثالثها: اعتبار البال على نية تكرار العامل، وأن حرف الجر المتكرر هو توكيد لفظي محض، وليس تكرارًا للعامل المتقدم. وبالرغم من وجوده مكررا واعتباره توكيدًا لفظيًا خالصًا بكون الجر بعده بعامل آخر غير ظاهر ولكنه ملحوظ في النية والتقدير.
ولا شك أن الآراء الثلاثة يشوبها الضعف؛ لمخالفة كل منهما للضوابط العامة، ولاعتمادها على النية، والتقدير، والتأويل، ولكن الأول أخفها ضعفًا: ولذا كان أنسبها قبولا.
_________________
(١) ١ بيان هذا في "أ" ص٥٢٧ حيث الكلام على أحكام التوكيد اللفظي.
[ ٣ / ٦٨٠ ]
المسألة ١٢٤:
إبدال الظاهر من الظاهر أو من المضمر، والعكس في كل حالة :
أ- يجوز إبدال الظاهر من الظاهر؛ كالأمثلة السابقة بأحكامها المختلفة. ويصح إبدال الظاهر من ضمير الغائب بدل كل، أو بعض، أو: اشتمال، أم مباينة١. نحو: وقفت أمام الدار أترقب القادمين. فلما أقبلوا الضيوف صافحتهم في بشر وابتهاج. فكلمة "الضيوف" بدل كل من كل: "هو الفاعل٢، واو الجماعة". ونحو: وقفت أترقب الأضياف الخمسة فأقبلوا أربعة منهم فكلمة "أربعة" بدل بعض، أي: من الفاعل٢ "واو الجماعة". أو: فأقبلوا حقائبهم "فحقائب" بدل اشتمال من الواو أو: فأقبلوا حقائبهم. على اعتبار أن "حقائب" بدل غلط، أو نسيان، أو إضراب فالبدل بأنواعه المختلفة يقع صحيحًا من ضمير الغائب، ولا مانع يمنع منه.
فإن لم يكن الضمير الغائب بأن كان لحاضر "أي: لمتكلم، أو لمخاطب" جاز مجيء البدل منه بشرط أن يكون الاسم الظاهر إما بدل كل من كل يفيد الإحاطة والشمول والبيان كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ ٣، فكلمة "أول" بدل "كل" من الضمير "نا" المجرور باللام، ولذلك أعيد جوازا مع البدل عامل الجر، وهو هنا: "اللام"، مجاراة للمبدل منه. ومثله: تسابقتم ثلاثتكم. فكلمة: "ثلاثة" بدل كل من كل، من التاء٤
_________________
(١) ١ في ص٦٧١ تفصيل الكلام على "البدل المباين". "٢، ٢" وهذا على اعتبار واو الجماعة ضميرا فاعلا، طبقا للرأي الأغلب، وليست مجرد حرف يعتبر علامة للجمع. ٣ لأن معنى: "لأولنا وآخرنا " هو: لجميعنا، على عادة العرب من ذكرهم طرفي الشيء، يريدون بهما: جميعه كاملا. ومن هذا قولهم: "سبحان الله بكرة وأصيلا" أي: كل وقت: وقد سبقت الآية لمناسبة أخرى في هامش ص٦٦٤ وفي ص٦٨٠. ٤ سبقت الإشارة لهذا في ص٥١١ و٦٨٠.
[ ٣ / ٦٨١ ]
وأما بدل بعض من كل؛ كقول المريض بأذنه مثلا: عالجني الطبيب أذني. فكلمة "أذن" بدل بعض من كل، "وهو: ياء المتكلم" ونحو أعجبتني أسنانك. فكلمة: "أسنان" بدل بعض من ضمير المخاطب "التاء".
وأما بدل اشتمال كقول الشاعر:
بلغنا السماء مجدنا وثناؤنا وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
فكلمة: "مجدنا" بدل اشتمال من ضمير المتكلمين: "نا"؛ ونحو: أرضيتني كلامك، "فكلام" بدل اشتمال من ضمير المخاطب "التاء".
ب- ولا يجوز إبدال ضمير من ضمير، ولا ضمير من ظاهر١، فالضمير: أنت في مثل "قمت" أنت، ورأيتك أنت، ومررت بك أنت يعرب توكيدًا لفظيًا، وكذلك يعرب الضمير "أياك" في مثل: رأيتك أياك. ولا يصح في مثل: رأيت محمدًا إياه، إعراب الضمير "إياه" بدلًا من الاسم الظاهر؛ لأن هذا التركيب فاسد في رأي النحاة: إذ لم يسمع له عن العرب نظير٢
_________________
(١) ١ في بعض فروع هذا خلاف طويل ولا حاجة لنا به؛ لأنه خلاف جدلي، لا يقوم على الاستشهاد بالكلام العربي الفصيح. ٢ هذا ما يقولون. وقد اقتصر ابن مالك في الحالات السابقة "أ، ب" على حالة إبدال الاسم الظاهر من ضمير الحاضر. قال: ومن ضمير الحاضر الظاهر لا تبدله إلا ما إحاطة جلا أو اقتضى بعضا أو اشتمالا كإنك ابتهاجك استمالا "إحاطة جلا: أي: جلا وأظهر إحاطة". يقول: لا تبدل الظاهر من ضمير الحاضر إلا إذا أظهر البدل إحاطة "أي: دل عليها بأن كان بدل كل من كل" أو: اقتضى بعضًا. "أي: دل على البعضية" أو: دل على اشتمال، وساق مثالا لبدل الاشتمال هو: إنك ابتهاجك اشتمال القلوب إليك، وجذبها نحوك.
[ ٣ / ٦٨٢ ]
المسألة ١٢٥:
البدل من المضمن الاستفهام، أو الشرط، وبيان: بدل التفصيل:
قد يكون "المبدل منه" اسم استفهام، "ويسمى: "المضمن معنى همزة الاستفهام١" وقد يكون اسم شرط "ويسمى: المضمن معنى حرف الشرط. "إن" فإذا اقتضى الأمر بدلًا يفصل ذلك المضمون المعنوي المجمل ظهر في الحالة الولى مع البدل حرف الاستفهام: "الهمزة"، وفي الحالية الثانية حرف الشرط: "إن" ليوافق البدل المبدل منه في تأدية المعنى. وهذا بشرط ألا يظهر حرف الاستفهام ولا حرف الشرط مع المبدل منه.
والاستفهام الذي يتضمنه المتبوع قد يكون عن الكمية٢، أو عن الذات، أو عن معنى من المعاني. فمثال الاستفهام عن الكمية: كم كتبك؟ أمائة أم مائتان؟ "فمائة" بدل من "كم" بدل تفصيل للمعنى العددي.
ومثال الاستفهام عن الذات: من شاركت؟ أكاملًا أم منصورًا؟ "فكاملًا" بدل تفصيل من كلمة: "من".
_________________
(١) ١ معنى تضمنه همزة الاستفهام: انه اسم استفهام يؤدي معنى همزة الاستفهام، وأنه -وهو لفظ واحد– يشمل كثيرًا من الأنواع والأفراد غير المذكورة في الكلام صراحة؛ فهو يحتويها إجمالا من غير أن تذكر بعده مفصلة صريحة. فإذا أريد بعد الإجمال الذي ينطوي عليه المبدل منه، النص الصريح على بعض أنواع أو أفراد مما يدخل في الإجمال، جيء بهذا المطلوب مذكورا صريحا في "البدل" بعد الهمزة مباشرة من غير فاصل بينهما" وهذا المذكور بعد الهمزة ليس إلا نوعا أو فردا يدخل ضمنا لا صراحة في اسم الاستفهام "المبدل منه". ومثل هذا يقال في الغرض من "إن" الشرطية التفصيلية. وليس لهذه علاقة بهمزة الاستفهام فلا تسبقها هذه الهمزة. وسيجيء في آخر ص٦٨٥ أن البدل المضمن "بدل التفصيل" نوع من بدل الكل. ٢ أي: عن عدد. وكذا ما يتصل بالعدد من المقادير.
[ ٣ / ٦٨٣ ]
ومثال الاستفهام عن المعنى: ما تقرأ؟ أجيدًا أم رديئًا؟ فجيدًا يدل تفصيل من: "ما".
وإنما تضمن البدل همزة الاستفهام ليوافق متبوعه الذي هو اسم يتضمن معنى همزة الاستفهام من غير تصريح بأداة الاستفهام الحرفية -كما أسلفنا-؛ فلا تجيء الهمزة في مثل: هل أحد جاءك؛ محمد أو علي، بسبب التصريح بحرف الاستفهام.
والشرط الذي يتضمنه المتبوع قد يكون للعاقل أو غيره، وللزمان أو المكان. فمثال الشرط للعاقل: من يجاملني -إن صديق وإن عدو- أجامله. فكلمة: "صديق" بدل تفصيل من كلمة "من" الشرطية. وإن الشرطية الظاهرة في الكلام ليس لها من الشرط إلا اسمه؛ فلا تجزم، ولا تعمل شيئا، وإنما تفيد مجرد التفصيل؛ ولذا تسمى: "إنْ التفصيلية".
ومثال الشرط لغير العاقل: ما تقرأ، إن جيدا وإن رديئًا، تتأثر به نفسك. فكلمة: "جيدًا" بدل من كلمة: "ما" و"إنْ" المذكورة في الجملة لا أثر لها إلا في إفادة التفصيل، كما سبق.
ومثال الشرط الدال على الزمان: متى تزرني، إن غدًا وإن بعد غد أسعد بلقائك. فكلمة "غدًا" بدل من "متى"، وكلمة: "إنْ" للتفصيل.
ومثال الشرط الدال على المكان: حيثما تجلس، إنْ فوق الكرسي وإن فوق الأريكة، تجدْ راحة فكلمة: "فوق" بدل من: حيثما. وكلمة: "إن" للتفصيل.
وإنما قرن البدل في كل ما سبق بالحرف: "إنْ" ليكون موافقا لاسم الشرط المتبوع الذي يتضمن معنى هذا الحرف من غير أن يذكر صريحا١ فلا يصح مجيء "إنْ" في مثل: إن تساعد أحدا محمدًا أو عليًا أساعده. هذا وبدل التفصيل٢ نوع من بدل الكل من الكل لا يحتاج إلى رابط.
_________________
(١) ١ ستجيء إشارة إلى "إن" التفصيلية "في باب الجوازم ج٤ ص٣٢٨ م٥٥" تبين حكمها، وطريقة إعرابها. وقد اقتصر ابن مالك على الكلام على البدل مما ضمن همزة الاستفهام، قال: وبدل المضمن الهمز يلي همزا كمن ذا. أسعيد أم علي أي: أن البدل من المضمن همزة الاستفهام لا بد أن تسبقه الهمزة، كالمثال الذي ساقه. ٢ في "هـ" من ص٦٧٨ بعض الأحكام الخاصة ببدل التفصيل.
[ ٣ / ٦٨٤ ]
المسألة ١٣٦:
بدل الفعل من الفعل، والجملة من الجملة:
أ- بدل الفعل من الفعل:
١- يبدل الفعل من الفعل بدل كل من كل بشرط اتحادهما في الزمان ولو لم يتحدا في النوع١، وأن يستفيد المتبوع من ذلك زيادة بيان؛ كقوله تعالى٢: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾ . فالفعل: "يضاعف" بدل كل من الفعل: "يلق" لأن مضاعفة العذاب هي البيان الذي يزيد معنى الفعل: "يلق" وضوحا، ويشكف المراد منه.
وجزم الفعل: "يضاعف" دليل على أنه البدل وحده دون فاعله، وأن البدل بدل مفردات، لا جمل٣.
٢- ويبدل الفعل من الفعل للدلالة على الجزئية: إن تصل تسجد لله يرحمك. فالفعل: "تسجد" بدل من تصل، والسجود جزء من الصلاة لا تتحقق إلا به.
٣- ويبدل الفعل من الفعل بدل اشتمال؛ مثل: إني لن أسيئ إلى الحيوان
_________________
(١) ١ فيصح: إن جئتني تزرني أكرمك. ويجري عليهما في البدل ما يجري عليهما في العطف مما سردناه في ص٦٤٢ وما يليها. ٢ في العاصي الذي أتى نوعا من المحرمات والكبائر المذكورة قبل هذه الآية مباشرة. ٣ لأن المضارع في الجملة الفعلية إذا كانت هي التابعة بجزأيها معا، لا يصح نصبه ولا جزمه تبعا لمضارع منصوب، أو مجزوم في الجملة المتبوعة؛ فإذا كانت الجملة المضارعية كلها هي التابعة "أي: هي البدل، أو المعطوفة بالحرف، أو " وجب استقلال مضارعها بنفسه في إعرابه، فلا يتبع إعراب المضارع في الجملة المتبوعة. ولا يصح نصبه أو جزمه تبعا للمضارع الذي في الجملة المتبوعة إلا حين يكون البدل بدل فعل مضارع وحده من مضارع وحده أيضا. وكذلك حين يكون العطف عطف مضارع وحده على مضارع وحده حيث يكون المعطوف تابعا للمعطوف عليه في رفعه، ونصبه جزمه -كما سبق الإيضاح في ص٦٤٢ وما يليها، ولا سيما ص٦٤٣-.
[ ٣ / ٦٨٥ ]
الأليف، أزعجه. فالفعل "أزعج" بدل اشتمال من "أسيء". ومثله:
إن عليّ الله أن تبايعا١ تؤخذ كرها أو تجيء طائعا
فالفعل: "تؤخذ" بدل اشتمال من: "تبايع"؛ لأن الأخذ كرها هو صفة من صفات كثيرة تشملها المبايعة.
٤- ويبدل الفعل من الفعل لإضراب، أو الغلط، أو النسيان، في مثل: إن تطعم المحتاج، تكسه ثوبا، يحرسك.
والذي يدل في كل ما سبق -وأشباهه- على أن البدل بدل مفردات لا بدل جمل، هو مشاركة الفعل التابع لمتبوعه في نصبه أو جزمه٢.
ب- أما الجملة فبدل من الجملة بدل كل من كل -على الصحيح- بشرط أن تكون الثانية أو فى من الأولى في بأن المراد، وتأديته نحو: اقطع قمح الحقل، احصده.
وتبدل بدل "جزء من كل" لإفادة البعضية؛ كقوله تعالى: ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ، فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾، فجملة: "أمدكم" الثانية اخص من الأولى؛ لأن: ما تعلمون: يشمل الأنعام، والبنين، والجنات، والعيون، وغيرها.
وتبدل بدل اشتمال؛ كقول الشاعر:
أقول له ارحل. لا تقيمن عندنا وإلا فكن في الثر والجهر مسلما
فجملة: "لا تقيمن" بدل اشتمال من جملة "ارحل"؛ لما بينهما من المناسبة: إذ يلزم من الرحيل عدم الإقامة.
وتبدل بدل غلط؛ مثل: اجلس، قف و
_________________
(١) ١ أصل الفعل: تبايع، والألف زائدة للشعر. ٢ من الممكن الاستعانة على إيضاح هذا بما سبق في العطف ص٦٤٣. وفي بدل الفعل من الفعل يقول ابن مالك من غير تفصيل: ويبدل الفعل من الفعل كمن يصل إلينا يستعن بنا يعن
[ ٣ / ٦٨٦ ]
ولا يشترط في بدل الجملة بأنواه المختلفة ولا في بدل الفعل من الفعل إذ يشتمل على ضمير؛ إذ من المعذر أن يعود ضمير على جملة، كما يتعذر في بدل الفعل وحده من الفعل.
هذا وقد أشرنا إلى أن الفعل التابع يتبع المبدل منه في إعرابه لفظًا وتقديرًا. أما الجملة فتتبع المتبوعة في محلها إن كان لها محل. فإن لم يكن للمتبوعة محل فتسمية الجملة الثانية بالتابعة هي تسمية مجازية، أساسها التوسع فقط
وتد تدل الجملة من المفرد، والعكس، بدل كل من كل -وهذان النوعان نادران– كقول الشاعر:
إلى الله أشكو بالمدينة حاجة وبالشام أخرى كيف يلتقيان
فجملة: "كيف يلتقيان" بدل من: "حاجة"؛ لأنّ كيفية الالتقاء هي الحاجة التي يشكو منها. إنما صح البدل هنا لأن الجملة بمنزلة المفرد١ إذ التقدير: إلى الله أشكو هاتين الحاجتين تعذر اجتماعهما؛ فلا بد من تأويل الجملة بالمفرد ليمكن إعرابها بدلًا. ومثال العكس: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا قَيِّمًا﴾؛ لأنها في معنى المفرد، أي: جعله مستقيمًا.
_________________
(١) ١ من الممكن فهم هذا على ضوء ما مر في ص ٦٣٥
[ ٣ / ٦٨٧ ]
الفهارس
الفهرس:
أ- بيان الأبواب العامة التي يشتمل عليها هذا الجزء:
رقم الصفحة عنوان الباب
وصف مجمل للكتاب
١ الإضافة
١٦٩ المضاف لياء المتكلم، وحكمه.
١٨١ أبنية المصدر، أقسام المصدر.
١٨٦ المصدر الصناعي.
٢٠٧ أعمال المصدر، واسم المصدر "تعريفهما، وأحكامها..و.."
٢١٠ اسم المصدر أيضًا
٢٢٠ إعماله.
٢٢٥ المصدر الدال على المرة، والدال على الهيئة.
٢٣١ المصدر الميمي.
٢٣٨ اسم الفاعل
٢٧١ اسم المفعول
٢٨١ الصفة المشبهة.
٣١٨ اسم الزمان والمكان
٣٣٣ اسم الآلة.
٣٣٩ التعجب.
٣٦٧ ألفاظ المدح والذم: "نعم وبئس.. و.."
٣٨٤ الأفعال التي تجرى مجراهما.
٣٩٤ أفعل التفضيل
٤٣٤ التوابع الأربعة:
أ- النعت.
٥٠١ ب- التوكيد.
٥٣٨ ج- العطف بنوعيه:
١- عطف البيان.
٥٥٥ ٢- "عطف النسق".
٦٦٤ د- البدل.
[ ٣ / ٦٨٩ ]
ب- تفصيل المسائل والموضوعات التي تشتمل عليها الأبواب العامة السابقة. مع ملاحظة أن العناوين المكتوبة في الفهرس بخط صغير هي بعض موضوعات: "الزيادة، والتفصيل، والهوامش":
باب الإضافة
رقم الصفحة الموضوع:
١ المسألة ٩٣:
الإضافة
تقسيمها إلى محضة وغير محضة.
الأسماء الأخرى لك لواحدة، وسبب التسمية.
إيضاح معنى الإضافة. النسبة الأساسية والنسبة التقليدية، أو: الفرعية
٣ الأغلب في المضاف أن يكون اسما معربا، وقد يكون اسمًا مبنيًا.
٣ أنواع المحضة
إشارة إلى "الشبيه بالمضاف".
إضافة المصدر قد تكون محضة أو غير محضة
٦ الأحكام الواجبة المترتبة على الإضافة:
الإضافة:
٧ الأول: جر المضاف إليه.
الإضافة الظاهرة، والإضافة المقدرة.
عوامل الجر في الاسم.
٨ الرأي في الجر بالتوهم، والمجاورة.
٨ الثاني: حذف نون المثنى وجمع المذكر السالم -وملحقاتهما- من المضاف.
٩ ما يحذف مع النون عند الإضافة لياء المتكلم.
١٠ حالة يجوز فيها حذف النون وعدم حذفها.
١٢ الثالث: حذف التنوين.
الرابع: حذف "أل" من المضاف، إلا في بعض صور معدودة..
١٣ متى توجد "أل" في الإضافة غير المحضة؟
١٤ رأي الكوفيين في إبقاء "أل"
الرأي في بعض أمثلة مسموعة وغير مسموعة فيها "أل"
١٦ الخامس: اشتمال الإضافة المحضة على حرف جر أصلي متخيل، وأنواعه، والغرض
منه، وجواز التصريح به
١٨ الإضافة التي على معنى: "من"
١٩ نوع إضافة الأعداد والمقادير.
أوجه إعرابية أخرى إذا كانت الإضافة على معنى: "من".
[ ٣ / ٦٩٠ ]
الموضوعات المكتوبة بحروف صغيرة هي بعض موضوعات: "الزيادة والتفصيل والهامش".
رقم الصفحة الموضوع
٢٠ الإضافة التي على معنى: "في"، و"اللام".
٢١ إضافات لا يصح التصريح فيها بحرف الجر: "اللام".
الإضافة قوية الملابسة، والإضافة لأدنى ملابسة.
٢٣ السادس: تعرف المضاف أو تخصصه من المضاف إليه، بشرط أن تكون الإضافة محضة.
منع إضافة المعرفة للمعرفة والنكرة.
جواز إضافة العلم في بعض الحالات
٢٤ ألفاظ مسموعة ملازمة للتنكير، وهي الألفاظ المتوغلة في الإبهام، -ومنها: "غير" - وهل
تتعرف بالإضافة؟
هل تدخلها "أل"؟
٢٨ المضاف إليه إذا كان جملة كان في حكم المفرد
٢٩ عودة إلى الإضافة غير المحضة.
إشارة إلى أنواع من المحضة؛ "كالمصدر، وبعض المشتقات المهملة.."
٣٠ أثر الإضافة غير المحضة.
٣٣ معنى الإضافة المجازية، "أي: التي على نية الانفصال".
٣٧ لمحة عابرة عن بعض المشتقات. "اسم الفاعل - اسم المفعول".
٣٩ الاستمرار الدوامي، والاستمرار التجددي.
٤٠ أنواع من الإضافة غير المحضة. "هي الملحقات بها".
٤٠ إضافة المنعوت إلى نعته، إضافة النعت إلى منعوته، إضافة المسمى إلى الاسم،
٤٢ الكلام، وعلى: الإضافة البيانية والتي للبيان، وعلى: "ذات مرة" و"ذات ليلة" وعلى
كلمة: "رجب" من ناحية الصرف وعدمه.
٤٤ إضافة الموضوف إلى اسم قائم مقام الصفة.
إشارة إلى السبب في إضافة العلم،
٤٥ إضافة المؤكد إلى المؤكد.
٤٦ إضافة الملغي إلى المعتبر، والعكس - الإضافة في قولهم: "لا أبا لفلان".
إضافة صدر المركب المزجي لعجزه.
٤٧ الجدل الدائر حول الأنواع السابقة، والفصل فيه.
٥١ الرأي في مثل: استرحنا من عناء التعب ، ونعمنا برغد الرخاء
٥٣ السابع:
عدم الفصل بين المتضايفين.
أ- مواضع الفصل في السعة.
المراد بالسعة والضرورة. التيسير في الشعر دون النثر.
٥٥ ب- مواضع الفصل في الضرورة مواضع أخرى للفصل في الضرورة.
٦٠ الثامن: استفادة المضاف من المضاف إليه التصدير.
التاسع: وجوب تقديم المضاف
[ ٣ / ٦٩١ ]
الموضوعات المكتوبة بحروف صغيرة وهي بعض موضوعات: "الزيادة والتفصيل والهامش".
رقم الصفحة الموضوع
٦١ العاشر: استفادة المضاف من المضاف إليه المصدرية
الحادي عشر: استفادة الظرفية
٦١ الأحكام الأربعة غير الحتمية، وهي:
٦٣ الثاني عشر: استفادته التأنيث.
المراد من جزء الشيء، ومثل جزئه.
٦٥ القلة الذاتية والنسبية "انظر ص٧٩"
٦٦ الثالث عشر: استفادة التذكير.
حكم "أحد، وإحدى" المضافتين من جواز التذكير والتأنيث.
الرابع عشر: استفادته البناء. "ويدخل في هذا: المضاف من أسماء الزمان المبهم".
٦٨ الخامس عشر: جواز حذف تاء التأنيث منه.
٧٠ ملخص الأحكام السالفة كلها
٧١ المسألة ٩٤:
تقسيم الاسم من ناحية وقوعه مضافا، وعدم وقوعه.
ما تجوز إضافته. ما تجب إضافته أربعة أقسام.
تفصيل الكلام عليها:
أولها: ما يضاف وجوبا للظاهر والضمير، مع جواز قطعه عن الإضافة لفظا فقط.
٧٢ نون التنوين في كلمتي: "كل وبعض" إذا لم يضافا حكمهما من ناحية التعريف
والتنكير، هل يصح اقترانها "بأل" المعرفة؟
حكم لفظه: "كل" ومطابقة ما بعدها لها.
٧٣ ثانيها: ما يضاف وجوبا ولا يجوز قطعه لفظا، وهو أربعة أنواع
٧٨ ثالثها: ما يضاف وجوبا إلى الجملة، وحكمه،
"حيث إذ" وتفصيل الكلام عليهما.
الجملة الواقعة "مضافا إليه" في حكم المفرد. وشروطها
أ- حيث
الاسم الواجب إضافته للجملة لا يكون إلا مبنيا.
٧٩ عودة إلى بيان القلة الذاتية والنسبية. "انظر ص٦٤".
٨٠ ب- "إذ": إعرابها ومعانيها..، المراد من اسم الزمان.
٨٤ الجملة الواقعة مضافا إليه في حكم المفرد. شروطها. تأويلها.
٨٥ فائدة الإضافة للجملة.
٨٧ حكم: "بين" المختومة "بالألف الزائدة، أو: "ما" الزائدة، وجوب صدارتها.
[ ٣ / ٦٩٢ ]
الموضوعات المكتوبة بحروف صغيرة هي بعض موضوعات: "الزيادة والتفصيل والهامش".
رقم الصفحة الموضوع
٨٨ ما يشبه: "إذا.
٨٩ إضافة بعض أسماء الزمان المبهمة للجملة، وتفصيل هذا.
٩٣ رابعها: ما يضاف وجوبا للفعلية وحدها –"إذا – لما" ، جميع أدوات الشرط الجازمة "أي:
الشرط غير الامتناعي" تجعل زمن الفعل الماضي الذي في شرطها وجوابها مستقبلا.
٩٤ ب- ألفاظ غير زمانية تشبه الزمانية في الحكم، "منها: آية. ذي تسلم ".
٩٧ جدول لكل أقسام المضاف والمضاف إليه.
٩٨ المسألة ٩٥:
أسماء أخرى واجبة الإضافة:
"كلا – كلتا – أي – لدن ومع – غير، ونظائرها". كلا وكلتا
٩٩ المثنى لفظا ومعنى، ومعنى فقط.
١٠١ تفصيلات في إعراب: "كلا وكلتا"
١٠٤ أي، وأقسامها، واستعمال كل.
المراد من الإضافة لفظا ومعنى، ومعنى فقط.
تفصيل الكلام على: "أي" الاستفهامية.
١٠٥ أنواع التعدد
١٠٥ لفظ "أي"، ومعناها، وما يراعي عند المطابقة.
١٠٩ تفصيل الكلام على "أي" الشرطية
١١٠ "أي" الموصولة.
١١١ "أي" التي تقع نعتا.
١١٣ الرأي في مثل: "اشتر أي كتاب" و
١١٧ "أي" التي تقع حالا.
١١٨ جدول يشتمل على ملخص لكل أنواع "أي" وأحكامها.
١١٩ لدن – عند.
معنى: الغاية الزمانية، والمكانية، ومبدأ الغاية، وبعض أحكام خاصة بالغاية.
الفرق بين كلمتي: "ابتداء" و"من" الجارة التي للابتداء.
١٢٠ مواضع الاختلاف بين كلمتي: "لدن" و"عند".
١٢٤ رفض الإعراب على "التوهم"، وعلى "المجاورة".
١٢٥ مع. معانيها.
١٢٩ الكلام على: "مع"، و"جميع".
١٣١ غير: معناها، وحالاتها الإعرابية الأربع "انظر ص٢٤ و " يقال: "ليس غير، ولا غير".
١٤١ نظائر: "غير" وتقسيمها من ناحية ما يفيد الظرفية والتصرف، وما لا يفيدهما.
[ ٣ / ٦٩٣ ]
الموضوعات المكتوبة بحروف صغيرة هي بعض موضوعات: "الزيادة والتفصيل والهامش".
رقم الصفحة: الموضوع:
١٤١ ظروف "الغاية": "قبل – بعد، دون – الجهات الست. وما بمعناها ".
معنى: "الغاية" هنا.
١٤٢ الظرف المتصرف وغير المتصرف، ومعنى: "من" الجارة الداخلة على الظرف المجرور بها.
معنى الأسماء التامة وغير التامة.
١٤٣ قبل.
١٤٥ بعد.
١٤٦ فوق.
١٤٧ دون.
١٤٧ عل.
١٤٨ حكم "لدى" المضافة
١٤٩ حسب.
١٥٠ الدليل على أن: "حسب" ليس اسم فعل.
١٥١ أول.
١٥٤ استعمالات لغوية مختلفة في: "أول" ومنها: أول أمسى
١٥٦ ملخص يبين تقسيم الأسماء من ناحية إضافتها، عدم إضافتها
١٥٧ المسألة ٩٦:
حذف المضاف. حذف المضاف إليه. نعت أحدهما.
أ- حذف المضاف ومواضعه القياسية
١٦٢ حكم الضمائر العائدة على المضاف المحذوف، وكذلك غير المحذوف.
١٦٣ حذف أكثر من مضاف، وبيان ما يترتب علي الحذف.
١٦٥ ب- حذف المضاف إليه.
عودة لبيان الأسماء التامة وغير التامة.
١٦٧ ج- حكم النعت بعد المركب الإضافي "ومنه: العلم الكنية".
١٦٩ المسألة ٩٧:
المضاف لياء المتكلم، وحكمه
تعريف صحيح الآخر، ومعتل الآخر، والمعتل الشبيه بالصحيح، وحكم كل عند إضافته للياء.
متى تضبط ياء المتكلم بالفتح أو بالسكون، وإعرابها؟
١٧٠ كيفية إضافة الاسم المختوم بياء مشددة.
١٧٢ متى يجوز حذف ياء المتكلم أو قلبهما ألفا.
متى تحذف ياء المتكلم في الإضافة.
١٧٣ عودة إلى الإضافة الظاهرة، والمقدرة. حكم الأسماء الخمسة عند إضافتها لياء المتكلم.
[ ٣ / ٦٩٤ ]
الموضوعات المكتوبة بحروف صغيرة هي بعض موضوعات: "الزيادة والتفصيل والهامش".
رقم الصفحة: الموضوع:
١٧٤ إضافة الاسم المعتل الآخر بالواو إلى ياء المتكلم.
١٧٥ طريقة إضافة: "اينم".
الوقوف على ياء المتكلم
١٧٧ مواضع تسكين آخر المضاف، وبناء الياء على الفتح.
متى تضبط المتكلم بالفتح؟
عودة إلى: "لدى".
نوع من نيابة حرف عن حركة
١٨١ المسألة ٩٨:
أبنية المصادر – أقسام المصدر الثلاثة "أصلي – ميمي – صناعي" وتعريف كل قسم،
وإيضاحه. إشارة إلى المواضع الذي يضم أحكام المصدر المؤول، سبب تقديم هذا الباب
على باب عمل المصدر.
معنى الجمود والاشتقاق ومكان المصدر منهما: تقسيم الجامد والمشتق
١٨٢ أصل المشتقات وأنواعها، وملحقاتها – إذا صار المشتق علما صار في حكم الجامد، وفقد
أحكام المشتق.
١٨٣ أسماء المعاني وأسماء الذوات، والاشتقاق منها، وقواعده.
الفرق بين "الاشتقاق والأخذ".
١٨٤ قواعد الاشتقاق من الجامد.
١٨٥ اشتقاق "فعل" من العضو للدلالة على إصابته.
١٨٦ المصدر الميمي.
المصدر الصناعي.
تاء التأنيث، وتسمى تاء النقل.
١٨٨ كيف وضعت الضوابط لأبنية المصدر.
كيف وضعت الضوابط لأبنية المصدر.
كلمة عن القياس والسماع عامة، ومن قياسيه المصدر، وجموع التكسير.
١٨٩ قيمة الفراء اللغوية، ورأية في القياس هنا؛ وكذا ابن جني.
١٨٩ عدم السماع لا يقتضي عدم الاطراد مع وجود القياس.
١٩١ هل يخض اللفظ للقياس مع ورود سماع خاص فيه؟
١٩٣ أوزان المصدر الأصلي.
أوزان مصدر الثلاثي المتعدي واللازم.
١٩٨ مصادر، على وزن: "مفعول"، مصادر الماضي غير الثلاثي، مصادر الرباعي.
١٩٩ قلب الهمزة ياء جوازا في مثل: تبريء قلبها واوا في مثل: مقروء. نوع: "التفعال". بفتح التاء
وكسرها.
٢٠١ نوع "فعلال" المضعف، وبيان ما يجوز فيه.
[ ٣ / ٦٩٥ ]
الموضوعات المكتوبة بحروف صغيرة هي بعض موضوعات: "الزيادة والتفصيل والهامش".
رقم الصفحة الموضوع
٢٠٢ مصادر الخماسي.
مصادر السداسي.
٢٠٣ ملحقات "التفعلل".
٢٠٤ تلخيص لكل أبنية المصادر القياسية.
٢٠٧ المسألة ٩٩:
إعمال آخر للمصدر – أمثلة.
٢٠٨ إيضاح لاسم المصدر.
٢٠٩ تعريف موجز لاسم المصدر.
الفرق بينه وبين المصدر – لفظ ومعنى.
٢١٠ المصدر أصل المشتقات.
٢١١ عمل المصدر.
ما يخالف فيه المصدر فعله.
٢١٢ نوع من الفرق بين "أن، وما" المصدريتين.
وبين: "أن" الناصبة للمضارع والمخففة.
٢١٣ أنواع من المصادر تعمل بغير تحقق الشروط.
٢١٥ شروط أخرى لإعماله.
٢١٨ أقسام المصدر العامل.
٢٢٠ إعمال اسم المصدر.
٢٢٣ أقسام اسم المصدر العامل مع إشارة عابرة المصدر الميمي.
٢٢٥ المسألة ١٠٠:
المصدر الدال على المرة والدال على الهيئة.
فائدة المصدر الدال على إحداهما
٢٢٦ لكل فعل ثلاثة أنواع من المصادر.
٢٢٨ يجب فتح ما قبل تاء التأنيث.
المسألة ١٠١:
٢٣١ المصدر الميمي.
معناه، مزيته، صوغه.
٢٣٨ المسألة ١٠٢:
اسم الفاعل، اسم المفعول، الصفة المشبهة. تعريف كل، وصوغه، وإعماله.
اسم الفاعل: تعريفه.
"أفعل التفضيل" يدل على الدوام.
٢٤٠ صوغ اسم الفاعل.
٢٤٢ دفع توهم أن بعض الأفعال الثلاثية المتصرفة لا يكون لها اسم فاعل. القرائن هي التي
تدل على أن صيغة: "فاعل" قد يراد بها الصفة المشبهة. من تلك القرائن إضافة اسم
الفاعل لفاعله
خروج اسم الفاعل عن بابه ودخوله في باب الصفة المشبهة، وما يصحب هذا من إضافة
اسم الفاعل لفاعله.
٢٤٥ صوغه من مصدر الماضي غير الثلاثي، زيادة تاء التأنيث آخر اسم لافاعل.
٢٤٦ كسر ما قبل الآخر قد يكون حقيقة أو حكما.
[ ٣ / ٦٩٦ ]
الموضوعات المكتوبة بحروف صغيرة هي بعض موضوعات: "الزيادة والتفصيل والهامش".
رقم الصفحة الموضوع
٢٤٦ إعماله:
٢٤٧ أ- إن كان مجردا من "أل". عودة إلى الاستمرار الدوامي والاستمرار التجددي.
٢٤٨ ملخص ما تقدم
٢٥١ يصح تعلق شبه الجملة بالمشتق الذي لا يعمل.
٢٥٢ الاعتماد هذا وفي باب المبتدأ والخبر، الفرق بينهما.
شروط أخرى في الوصف.
اسم الفاعل لا يعود فاعله الضمير المستتر إلا على غائب.
٢٥٤ ب- اسم الفاعل المقترن "بأل"-
بعض أحكام اسم العامل الفاعل ومنها: إضافته إلى مفعوله.
٢٥٥ عدم صحة إضافة المتعدي إلى فاعله.
٢٥٦ الفرق بين المصدر واسم الفاعل العاملين
٢٥٧ التزامه الإفراد والتنكير أحيانا.
٢٥٧ صيغة المبالغة:
٢٥٨ قد تكون صيغة: "فعال" للنسب.
٢٥٨ أشهر أوزانها-
٢٥٩ أوزان أخرى؛ منها: "فعيل".
٢٦٣ حكم تقدير معمولات اسم الفاعل وصيغ المبالغة.
٢٦٤ إعمال اسم الفاعل وهو محذوف.
ما الحكم إذا كانت صيغة اسم الفاعل دالة على الثبوت؟
معنى الربط السبي
٢٦٦ تحويل اسم الفاعل من المتعدي إلى الصفة المشبهة
٢٦٧ معنى الفعل اللازم هنا وما يشبه اللازم
٢٦٩ صيغة: "فعال" للنسب.
٢٧١ المسألة ١٠٣:
اسم المفعول –تعريفه- صوغه
٢٧٣ فتح ما قبل الآخر تقديرا.
زيادة تاء التأنيث في آخره.
صيغ سماعية تؤدي معناه، وتنوب عنه.
٢٧٤ صيغة: "مفعول" قد يراد بها المصدر.
٢٧٥ إعماله: إضافته إلى مرفوعه، إضافته إلى مفعوله.
٢٧٧ متى يصير صفة مشبهة؟
٢٨٠ طريقة إضافته لمرفوعه.
٢٨١ المسألة ١٠٤:
الصفة المشبهة – تعريفها ودلالتها،
٢٨٤ أنواعها، وطريقة صوغ كل نوع.
٢٨٥ تفصيل الكلام على النوع الأول.
٢٨٦ تشديد الياء وعدم تشديدها في مثل كلمة: "شجي "
٢٨٩ الصيغ السماعية، وحكمها.
٢٨٩ باب عقده ابن مالك بعنوان: أبنية أسماء الفاعلين والمفعولين، والصفات المشبهة بها.
٢٩١ الرد على من يمنع قياس الصفة المشبهة.
٢٩٢ قد تدل الصفة المشبهة نصا على الحدوث.
[ ٣ / ٦٩٧ ]
الموضوعات المكتوبة بحروف صغيرة هي بعض موضعات: "الزيادة والتفصيل والهامش".
رقم الصفحة الصفحة
٢٩٣ عودة إلى تحول اسم الفاعل الصفة المشبهة.
٢٩٤ إعمالها.
٢٩٥ الصور الصحيحة، والصور الممنوعة.
٢٩٨ طريقة أخرى لبيان الصور بنوعيها
٣٠٠ المسألة ١٠٥:
أوجه التشابه والتخالف المتعدي لواحد.
أ- أوجه المشابهة: "أي: الأحكام المشتركة بينهما".
مطابقة الصفة المشبهة وعدم مطابقتها..
٣٠٦ ب- أوجه لمخالفة: "أي الأحكام الخاصة بالصفة المشبهة".
٣٠٩ متى تجب السببية؟
٣١٢ أمور وأحكام أخرى تنفرد بها الصفة المشبهة.
المسألة ١٠٦:
٣١٨ اسم الزمان واسم المكان – الغرض منهما – صيغتهما..
٣٢٣ ألفاظ مسموعة يجوز فيها الأمران.
٣٢٤ هل يجوز تطبيق القياس على اللفظ المسموع؟
٣٢٥ ألفاظ مسموعة مؤنثة، وغير مؤنثة، حكمها.
٣٢٦ صوغ "مفعلة" من الثلاثي الجامد الحسي "أي: من أسماء الأعيان، الثلاثية"
المراد من الكثرة الأغلبية.
٣٢٩ مخالفة صيغة الزمان والمكان –أحيانا- لبعض ضوابط الإعلال والإبدال.
٣٣١ ملخص لبعض المشتقات السالفة.
المسألة ١٠٧
٣٣٣ اسم الآلة:
تعريفه. صوغه.
٣٣٤ حكمه
٣٣٦ ألفاظ شادة –بعض مسائل أخرى تتعلق بصوغه وقياسيته.
٣٣٩ المسألة ١٠٨:
التعجب: معناه والغرض منه.
أسلوبه: "نوعاه".
٣٤١ صيغتاه القياسيتان، وإعرابهما.
من المحتم أن يكون أصل مفعوله فاعلا في المعنى.
٣٤٢ معنى النكرة التامة وغير التامة.
متى تدل الجملة التعجبية على زمن؟
٣٤٧ الكلام على همزة الصيغتين. الكلام على عينهما.
معنى المتعجب منه صيغ أخرى للتعجب.
[ ٣ / ٦٩٨ ]
الموضوعات المكتوبة بحروف صغيرة هي بعض موضوعات: "الزيادة والتفصيل والهامش".
رقم الصفحة الموضوع
٣٤٩ شروط الفعل الذي يبنى منه الصيغتان.
إشارة إلى دلالة الجملة التعجبية على زمن.
٣٥٠ هل يبنيان من المبني للمجهول؟
هل هناك أفعال ملازمة للبناء للمجهول؟
المسألة ١٠٩:
٣٥٣ كيفية التعجب مما لم يستوف الشروط.
٣٥٧ الأحكام الخاصة بالتعجب.
الفعل الجامد لا يتقدم عليه معموله – في الأغلب، "انظر ص٤٠٠".
٣٦١ عودة الكلام على الزمن في الجملة التعجبية.
زيادة: "كان" والغرض منها.
٣٦٣ تعدية صيغة التعجب بحرف جر معين.
٣٦٤ صيغة التعجب من المتعدي لواحد، أو لأكثر من واحد.
٣٦٧ المسألة ١١٠:
٣٦٧ ألفاظ المدح والذم: "نعم وبئس "
الصريح وغير الصريح من أساليب المدح والذم.
٣٦٨ أحكام: "نعم وبئس" معنى المدح العام، والذم العام.
جمودهما، تجردهما من الزمن.
٣٦٩ نوع فاعلهما.
٣٧٠ متى يحتاج فاعلهما إلى التمييز، وحكم هذا التمييز
٣٧٢ "ما" التي هي معرفة تامة أو ناقصة، والنكرة النقصة. أنوع "من".
٣٧٤ الكلام على "أل" وإعراب: "ما".
٣٧٥ ما المراد مما فيه قولان أو أكثر؟
٣٧٧ المخصوص.
٣٧٨ حذف المخصوص.
إعراب المخصوص.
٣٨٠ حبذا، ومخصوصها.
٣٨٤ المسألة ١١١:
الأفعال التي تجري مجرى: "نعم" و"بئس"..
٣٨٥ شروط تحويل الفعل. أحكامه.
٣٨٨ ما ينفرد به فاعل هذا الفعل.
٣٩٤ المسألة ١١٢:
أفعل التفضيل.
تعريفه، دلالته على الدوام.
٣٩٥ طريقة صياغته:
٣٩٦ استعمال كلمتي: "خير، وشر" في التفصيل.
٣٩٧ بعض صيغ شاذة، صوغه من اسم العين.
٣٩٨ سداد المذهب الكوفي في صياغة الألوان.
٤٠٠ الجامد لا يتقدم عليه شيء من معمولاته. –في الأغلب- "انظر ص٤٠٠"
[ ٣ / ٦٩٩ ]
الموضوعات المكتوبة بحروف صغيرة هي بعض موضوعات: "الزيادة والتفصيل والهامش".
رقم الصفحة: الموضوع:
٤٠١ أقسامه وأحكامها.
القسم الأول: المجرد من أل والإضافة.
٤٠٢ الأحكام الخاصة بمن ومجرورها "كحذفها، وتقديمهما، ووصلها ".
٤٠٦ معنى المشاركة.
٤٠٧ بعض أساليب شائعة يخفي فيها معنى التفصيل،
تصحيح عين "أفعل".
الكلام على: "أخر".
٤١٢ القسم الثاني: المقترن بأل.
٤١٣ السماع والقياس في "أفعل" التفضيل المقترن بأل.
جمعه على: أفاعل.
صوغ. مؤنث على: فعلى.
٤١٦ القسم الثالث: المضاف.
٤٢١ العطف على "أفعل التفضيل" المضاف النكرة.
٤٢٥ ملخص الأقسام الثلاثة السالفة
٤٢٧ المسألة ١١٣:
عمل أفعل التفضيل.
تعاق شبه الجملة به.
أولا: عمله الرفع.
٤٣٢ ثانيا: عمله النصب.
ثالثا: عمله الجر.
تعدية أفضل التفضيل بحرف الجر.
٤٣٤ المسألة ١١٤
التوابع الأربعة الأصيلة - النعت.
٤٣٥ كلمة عن التوابع، "بيان التابع والمتبوع من ناحيتهما اللفظية.
بعض أحكام التوابع، الاتفاق في نوع الإعراب، صحة القطع.. الفصل بين التابع والمتبوع،
وبعض أحكام أخرى جليلة؛ كترتيب التوابع واتصالها، و ".
٤٣٧ التابع والمتبوع من ناحيتهما المعنوية.
٤٣٧ تعريف النعت.
٤٣٨ الغرض منه.
٤٤٠ النعت قد يتمم الفائدة الأساسية في الجملة.
٤٤١ تقسيم النعت باعتبار معناه إلى:
حقيقي وسببي.
الحقيقي. علامته.
٤٤٣ حكمه.
٤٤٤ حكم خاص -لفظي ومعنوي- بالمنعوت المضاف، كالكنية.
أنواع من المطابقة.
٤٤٥ ما يستثنى من المطابقة الحتمية.
٤٤٦ نعوت مسموعة وغير مسموعة لا مطابقة فيها
٤٤٧ مسائل يشترك فيها الحال والخبر والنعت في عدم المطابقة.
صحة نعت جمع المؤنث السالم العاقل بالمفردة.
٤٥٠ عودة إلى الجر بالمجاورة والتوهم.. "د".
٤٥١ المثنى المفرق والجمع المفرق.
٤٥٢ النعت السببي، وحكمه.
٤٥٤ ملخص ما سبق.
٤٥٦ تقسيم النعت باعتبار معناه إلى مؤسس، ومؤكد، وموطيء.
[ ٣ / ٧٠٠ ]
الموضوعات المكتوبة بحروف صغيرة هي بعض موضوعات: "الزيادة والتفصيل والهامش".
رقم الصفحة الموضوع
٤٥٨ تقسيم النعت باعتبار لفظه..
ا- النعت المفرد والأشياء التي تصلح له، وملحقاتها، النعت ببعض الألفاظ الجامدة، ومنها:
"العدد" و
٤٦٠ تفصيل الكلام على النعت بالمصدر.
٤٦٤ أنواع أخرى من النعت المسموع.
الأفضل في الاشتقاق، وفي عطف البيان والبدل الجمود.
٤٦٥ ما يصلح نعتا ومنعوتا وما لا يصلح.
نعت اسم الإشارة وشروطه. ما يصلح نعتا في بعض الأساليب ومنعوتا في أخرى.
٤٦٦ ما يصلح أن يكون منعوتا لا نعتا.
ما لا يصلح أن يكون نعتا ولا منعوتا.
ألفاظ مضافة للدلالة على الغاية "منها: كل – جد – حق – أي –"
٤٦٩ ما يصلح أن يكون العتالا منعوتا، والعكس.
٤٦٩ الاتباع "بفتح الهمزة، أو ".
٤٧٢ ب- النعت بالجملة وشروطها، وحكمها.
متى يصح تسمية الجملة جملة؟
٤٧٦ شبه الجملة، وشروطه، وحكمه.
٤٧٨ تفصيل الكلام على حذف الرابط. ما يغني عنه.
٤٧٩ واو اللصوق. حكمها،
٤٨٠ حكم الجملة نفسها من حيث التعريف والتنكير. "و".
جزم المضارع في جواب النعت
٤٨١ المسألة ١١٥:
تعدد النعت وقطعه
أ- تعدده والعامل واحد.
٤٨٢ الأفضل في النعت أن يكون مشتقا وفي عطف البيان أن يكون جامدا "انظر ص٤٦٥ ورقم١
من هامش ص٤٨٣ و ".
٤٨٦ ب- تعدد النعت والمنعوت، والعامل، وما يترتب على هذا من الإتباع والقطع.
معنى الإتباع والقطع و
طريقة الإعراب معهما
٤٨٧ سبب القطع.
حالات يجب فيها حذف عامل المقطوع.
جواز القطع بين المعطوفات التي كانت في أصلها نعوتا. "انظر ص٦٦١".
متى يذكر عامل المقطوع؟
نعت الإشارة لا يفصل منه.
٤٨٨ أحكام خاصة بالقطع. شروطه.
٤٩١ متى يجب حذف عامل المقطوع ومتى يجوز؟
٤٩٢ حذف النعت، أو المنعوت، أو هما معا.
أ- حذف النعت؛
٤٩٣ ب- حذف المنعوت
٤٩٤ عودة إلى: "أي" التي تقع نعتا.
معنى الصلاح لمباشرة العمل.
٤٩٦ ج- حذف النعت والمنعوت معا.
[ ٣ / ٧٠١ ]
الموضوعات المكتوبة بحروف صغيرة هي بعض موضوعات: "الزيادة والتفصيل والهامش"
رقم الصفحة الموضوع
٤٩٦ الترتيب بين النعوت المتعددة.
٤٩٧ عطف النعوت المختلفة بعضها على بعض.
٤٩٨ تقدم النعت على المنعوت.
٥٠٠ متفرقات:
وقوع: "لا النافية" أو: "إما" قبل النعت.
نعت النعت – حكم النعت بعد المركب الإضافي.
حكم الفصل بين التاريخ والمتبوع.
٥٠١ المسألة ١١٦:
التوكيد، نوعاه، تعريف المعنوي. بيان الغرض منه.
٥٠٣ ألفاظه السبعة، وتقسيمها.
١ ما يزيل الشك عن الذات: "نفس، وعين".
٥٠٦ لا يصح وجود عاطف قبل التوكيد المعنوي.
٥٠٧ مما تنفرد به: "نفس وعين". جواز دخول باء الجر الزائدة.
حكم المتبوع إذا كان كنية
٥٠٨ ٢- ما يزيل الاحتمال عن التثنية؛ "كلا وكلتا".
٥٠٩ ٣- ما يفيد التعميم: "كل – جميع – عامة..".
٥١١ ألفاظ العدد التي تفيد العموم تأويلا.
ألفاظ تعرب حالا، أو بدلا، ولا تعرب توكيدا
٥١٢ قد تعرب ألفاظ التوكيد المعنوي إعرابا آخر مع إفادتها التوكيد.
ترتيب ألفاظ التوكيد. وقوعها نعتا وبدلا.
ربما لا تفيد كلمة: "كل" الشمول.
٥١٣ مطابقة الضمير. وكذلك الخيبر.. و..
٥١٥ ألفاظ الشمول ومتى تشمل كل فرد.
أوجه إعرابية أخرى لكلا وكلتا.
٥١٦ في جميع أنواع التوكيد المعنوي لا يصح اتحاد توكيد المتعاطفين إلا بعد اتحاد العاملين.
يجوز الفصل بين المؤكد والمؤكد.
لا يجوز في التوكيد المعنوي القطع.
٥١٧ ألفاظ التوكيد الملحقة بالثلاثة.
الكل المجموعي والكل الجميعي.
٥١٩ ملاحظات.
٥٢١ الكلام على نحو: جاء القوم بأجمعهم ملخص أحكام التوكيد المعنوي.
٥٢٢ توكيد النكرة.
حذف المؤكد "المتبوع"
توكيدا معنويا
٥٢٣ توكيد الضمير المرفوع –بنوعيه- توكيدا معنويا.
٥٢٥ ب- التوكيد اللفظي.
تعريفه، قد يخالف المؤكد أحيانا، وقد يفصل منه.
٥٢٦ الغرض منه.
٥٢٧ أحكامه:
أ- عدم التأثر والتأثير.
[ ٣ / ٧٠٢ ]
الموضوعات المكتوبة بحروف صغيرة هي بعض موضوعت: الزيادة والتفصيل والهامش"
رقم الصفحة الموضوع
٥٢٨ ب- حكم المؤكد إذا كان اسما.
٥٣١ ج- حكم المؤكد إذا كان فعلا.
فعل الأمر لا يؤكد وحده بغير فاعله
حكم المؤكد إذا كان حرفا.
إشارة إلى أحرف الجواب، ودلالتها.
٥٣٦ هـ- المؤكد جملة اسمية أو فعلية.
حرف العطف الصوري: "ثم – الفاء".
٥٣٧ حذف المؤكد في التوكيد اللفظي.
٥٣٨ المسألة ١١٧:
ج- العطف بنوعيه
١- عطف البيان
٥٣٩ المشتق إذا صار علما دخل في عداد الجوامد.
٥٤١ تعريفه.
٥٤٢ أوجه التشابه والتخالف بينه وبين التوابع الأخرى.
٥٤٢ الغالب عليه أن يكون جامدا، وعلى النعت أن يكون مشتقا.
٥٤٣ حكمه
٥٤٤ الفرق بينه وبين النعت.
"أي" التفسيرية ووقوع عطف البيان بعدها.
٥٤٦ الارتباط بينه وبين بدل الكل.
صور يتعين فيها عطف البيان، ولا تصلح بدلا.
٥٤٧ حقيقة الرأي القائل: إن البدل على نية تكرار العامل.
٥٤٨ قد يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع.
صورة أخرى ومناقشتها.
٥٥١ ضابط عام لمنع البدل في بعض المسائل.
٥٥٥ المسألة ١١٨:
٢- عطف النسق: "الشركة"
تعريفه.
تعد المعطوفات، ومتى تكون على المعطوف عليه الأولى، ومتى تكون على غيره؟
عدم تعدد العاطف لمعطوف واحد.
٥٥٦ بعض حروف العطف قد تكون للعطف الصوري "غير الحقيقي".
عودة الكلام على: "أي" التفسيرية.
٥٥٧ المراد في باب العطف من المفرد، والجملة، وشبهها.
[ ٣ / ٧٠٣ ]
الموضوعات المكتوبة بحروف صغيرة هي بعض موضوعات: "الزيادة والتفصيل والهامش"
رقم الصفحة الموضوع
٥٧٧ ١- الواو؛ معناها
٥٥٨ معنى الترتيب، المصاحبة، التعقيب.
معنى المفرد وغيره هنا.
أحكامها: مطابقة الضمير بعد الواو.
٥٦٢ حذفها.
ما تنفرد به الواو.
٥٦٣ تكرار الظرف: "بين".
المراد من المعاني النسبية.
٥٦٧ حكم الضمير ونحوه بعد الواو.
٥٦٨ معنى العقد والنيف. وحكمها.
٥٧٠ هل تقع "الواو" بعد "بل"؟ "وانظر "جـ" ص٦٠٧"؟.
وقوع همزة الاستفهام قبل ثلاثة من حروف العطف. حكمها.
٥٧٣ ٢- الفاء: معناها.
المراد من الترتيب المعنوي، والذكرى، والإخباري، والتعقيب.
٥٧٤ أحكام "الفاء" العاطفة،
٥٧٦ فاء "الفصيحة".
ومنها: أن تكون للعطف الصوري، ولا الحقيقي،
٥٧٦ ٣- ثم،
معنهاها؛
٥٧٧ أحكامها.
اتصال تاء التأنيث بها.
٥٧٩ قد تكون حرفا عاطفا صوريا، لا حقيقيا.
قد تكون للاستئناف.
٥٧٩ وقوعها بعد همزة الاستفهام مباشرة.
٥٨٠ ٤- حتى: معناها.
"حتى" حرف ابتداء.
معنى الغاية هنا، والكل، والجزء، الجزء، والبعض. وشبهها
٥٨٢ أحكامها.
"حتى" العاطفة "كالواو" لمطلق الجمع.
متى تتعين للعطف؟
٥٨٥ ٥- "أم" بنوعيها:
أ- المتصلة:
١- المسبوقة بهمزة التسوية.
معنى التسوية. سواء.
٥٨٦ سبك المصدر المؤول بدون حرف سابك.
انسلاخ "أم" على التسوية.
الصلة بين "أو" و"أم".
٥٨٧ رأي سيبويه.
التعيين بالهمزة وأم
٥٨٧ الاستعمال الصحيح فيما سبق.
٥٩٠ وقوع "أم" بعد "هل" الاستفهامية.
٥٩١ وجوب تأخيرأحد الأمرين إذا كان منفيا.
متى تتعين الإجابة بالحرف: "نعم" وأخواته؟.
٥٩٢ صور من "أم" عند طلب التعيين.
[ ٣ / ٧٠٤ ]
الموضوعات المكتوبة بحروف صغيرة هي بعض موضوعات: "الزيادة والتفصيل والهامش"
رقم الصفحة الموضوع
٥٩٣ سبب التسمية بالمتصلة.
٥٩٤ الفرق بين قسمي أم المتصلة.
٥٩٦ الاستغناء عن الهمزة بنوعيها.
حذف "أم".
٥٩٧ ب- "أم" المنقطعة "المنفصلة"
معناها، علامتها.
معنى: "الإضراب" بنوعيه"
نوع من الفرق بين: "أم" و"بل".
صور أخرى من: "أم" المنقطعة.
٦٠٠ إعراب المنقطعة.
٦٠١ صورة تصلح للاتصال والانقطاع – تجردها للإضراب.
إفادتها الإضراب ومعه معنى آخر.
٦٠٢ تجردها للاستفهام المحض.
جواب "أم" المكررة. "أم" الزائدة.
حكم الضمير العائد على المتعاطفين بعد: "أم".
٦٠٣ ٦- "أو": "عملها، ومعناها".
٦٠٥ الفرق بين الإبهام والشك،
حكم الضمير – ونحوه- بعد "أو"،
٦٠٦ معنى التقسيم، والتفصيل، والتفريق.
إحلال "الواو" محل: "أو".
٦٠٩ وقوع: أو بعد "هل" سماعا.
الفرق بين "أو" التي للإباحة، وواو العطف التي للجمع.
٦١١ صور تتعين فيها "أو" للشمول الكامل.
حذف "أو".
عطفها الشيء على مرادفه.
٦١٢ ٧- إما: معانيها،
٦١٣ العاطف لا يدخل على العاطف
٦١٤ تكرار "إما" حذفها.
الفرق بينها وبين "إما" الشرطية المركبة ، إشارة إلى أنواع أخرى.
حذف الواو قبلها- "أييما".
٦١٥ الفرق بين: "إما" و"أو".
حكم الضمير بعدها
٦١٦ ٨- لكن: معنها شروط عملها.
معنى: الاستدراك
٦١٨ ٩- لا:
معناها، شروط عملها.
٦٢٠ النفي التأسيسي، والتأكيدي.
٦٢٢ وقوع "لا" بعد الدعاء والتحضيض، والاستفهام.
حذف المعطوف عليه – تكرار "لا"
٦٢٣ ١-٠ بل:
معناه وحكمه.
الاضراب الإبطالي والانتقالي.
٦٢٧ حكم "بل" بعد الاستفهام – وقوع "لا" النافية قبل "بل" وقوع الواو بعد "بل". وقوع هذه
الواو
حكم الضمير العائد على المتعاطفين بعد "بل".
٦٢٨ ملخص حروف العطف، وبيان ما يقتضي التشريك، وما لا يقتضيه.
المراد من التشريك المعنوي
[ ٣ / ٧٠٥ ]
الموضوعات المكتوبة بحروف صغيرة هي بعض موضوعات: "الزيادة والتفصيل والهامش".
رقم الصفحة الموضوع
٦٣٠ المسألة ١١٩:
الفصل بين المتعاطفين
حالتان يكون فيهما الفصل واجبا. حالتا يستحسن فيهما.
٦٣٣ إعراب الجار مع مجروره بعد العاطف.
٦٣٥ المسألة ١٢٠:
صورة من الحذف في أسلوب العطف.
حذف العاطف والمعطوف معا.
٦٣٦ معنى: "فاء الفصيحة".
حذف المعطوف.
٦٣٨ حذف المعطوف عليه.
٦٤٠ حذف حرف العطف وحده.
تقديم المعطوف على المعطوف عليه.
٦٤١ المسألة ١٢١:
عطف الفعل على الفعل، أو على ما يشبهه، والعكس.
عطف الجملة على الجملة.
أ- عطف الفعل وحده على الفعل كذلك.
٦٤٢ فعل الأمر لا ينفصل عن فاعله.
٦٤٣ أداة الشرط الجازمة تخلص فعلها وجوابها للمستقبل –كما سبق في ص٩٣-
٦٤٤ الفرق بين عطف الفعل على الفعل وعطف الجملة الفعلية على الجملة الفعلية.
٦٤٥ ب- عطف الفعل وحده على ما يشبهه، والعكس.
٦٥٢ ج- عطف الجملة على الجملة
٦٥٥ المسألة ١٢٢:
بعض أحكام –في العطف- عامة، متفرقة.
١- صلاحية المعطوف لمباشرة العامل.
٦٥٦ ٢- لا يشترط صحة تقدير العامل
٣- مطابقة الضمير العائد على المتعاطفين.
٦٥٧ ٤- الفصل بين العاطف ومعطوفه.
٥- تقدم المعطوف.
٦٥٨ ٦- عطف الجملة على المفرد والعكس. عطف المفرد على شبه الجملة، والعكس.
٦٥٩ ٧- العطف على التوهم.
٨- المغايرة بين المتعاطفين
[ ٣ / ٧٠٦ ]
الموضوعات المكتوبة بحروف صغيرة هي بعض موضوعات: "الزيادة والتفصيل بالهامش"
رقم الصفحة الموضوع
٦٦٠ ٩- حكم المعطوف إذا كان المعطوف عليه كنية.
١٠- حكم القطع في المعطوف.
٦٦١ ١١- هل يجوز عطف الزمان على المكان، وعكسه؟
٦٦٣ المسألة ١٢٣:
البدل
تعريفه.
الغالب في البدل أن يكون جامدا.
٦٦٥ الغرض منه.
المراد من أن المبدل منه في حكم المطروح.
أقسامه:
أولها: بدل كل من كل..
٦٦٦ "الإشارة إلى الارتباط بينه وبين عطف البيان"
٦٦٧ ثانيها: بدل بعض من كل.
٦٦٨ قد تنوب "أل" عن الرابط
٦٦٨ ثالثها: بدل الاشتمال.
٦٧٠ رابعها: البدل المباين.
٦٧٠ أ- بدل الغلط.
ب- بدل النسيان.
ح- بدل الإضراب.
٦٧٤ بدل الكل من البعض، وأحكام أخرى البدل من حيث المطابقة وعدمها ،
٦٧٦ اتحاد البدل والمبدل منه في اللفظ، وارتباط ما بعده
حذف المبدل منه. الإتباع والقطع في البدل.
٦٧٧ يشترط في بدل البعض وبدل الاشتمال صحة الاستغناء عن المبدل منه.
٦٧٨ البدل على نية تكرار العامل – في الأغلب-
٦٨١ المسألة ١٢٤:
إبدال الظاهر من الظاهر ومن الضمير، والعكس في كل حالة.
٦٨٣ المسألة ١٢٥:
البدل من المضمن الاستفهام أو الشرط
بدل التفصيل.
٦٨٤ "إن" الشرطية التي لمجرد التفصيل.
٦٨٥ المسألة ١٢٦:
بدل الفعل من الفعل والجملة من الجملة.
أ- بدل الفعل من الفعل.
٦٨٦ بدل الجملة
٦٨٧ إبدال الجملة من المفرد، والعكس.
٦٨٨ إبدال الفعل من اسم يشبهه، والعكس.
الفصل بين التوابع ومتبوعاتها. "ومنها البدل والمبد منه".
[ ٣ / ٧٠٧ ]