المسألة ١٢٧: النداء وما يتصل بأحكامه
مدخل
المسألة ١٢٧: النداء ١ وكل ما يتصل بأحكامه
هو: توجيه الدعوة إلى المخاطب، وتنبيه للإصغاء، وسماع ما يريده المتكلم٢.
وأشهر حروفه ثمانية: الهمزة المفتوحة، مقصورة أو ممدودة - يا - أيا - هيا - أي، مفتوحة الهمزة المقصورة أو الممدودة، مع سكون الياء في الحالتين - وا - ٣.
ولكل حرف منها موضع يستعمل فيها:
أ- فالهمزة المفتوحة المقصورة لاستدعاء المخاطب القريب٤ في المكان الحسي أو المعنوي؛ كالتي في قول الشاعر ينصح ابنه أسيدا:
أأسيد إنْ مالا ملكـ ـت فسر به سيرا جميلا
وكالتي في قول الآخر: أرب الكون: ما أعظم قدرتك، وأجل شأنك.
ب- ستة أخرى؛ "هي: آ - يا٤ - أيا - هيا - أي، بسكون الياء مع
_________________
(١) ١ في هذه الكلمة لغات؛ أشهرها: المد مع كسر النون. وهي مصدر قياسي للفعل: "نادى" ويجوز فيها القصر أيضا. وقد ورد السماع بضم النون مع المد أو القصر، والهمزة التي في آخر كلمة: "نداء" أصلها الواو؛ فهي منقلبة عن أصل. ٢ ويقولون في تعريفه أيضا: "طلب الإقبال بالحرف: "يا" أو أحد إخوته، والإقبال قد يكون حقيقيا، وقد يكون مجازيا يراد به الاستجابة، كما في نحو: "يا ألله". وقد يكون الغرض من النداء تقوية المعنى وتوكيده، كقولك لمن هو مصغ إليك، مقبل على حديثك: إن الأمر هو ما فعلته لك يا علي -مثلا- "كما سيجيء في ص١٢٢". والأصل في المنادى أن يكون اسما لعاقل، ولكن من الأسماء ما لا يكون إلا منادى، ومنها لا يصلح منادى -كما سيجيء في ص٦٨. ٣ فالهمزة مقصورة وممدودة؛ وكذا "أي" مقصورة الهمزة وممدودتها. وبقية الأحرف ممدودة؛ لأنها مختومة بالألف. والبعيد يحتاج إلى مد الصوت ليسمع، ولهذا يرى بعض النحاة أن "أي" المقصورة هي لنداء القريب. ٤، ٤ قد يقال: كيف تكون "ياء" في أصل وضعها اللغوي الحقيقي -لا المجازي- لنداء البعيد مع أنها قد استعملت لنداء "الله" في أفصح الكلام، والله أقرب شيء للمتكلم -وغيره- في كل حين؟ أجابوا: إن المتكلم الذي ينادي ربه يستصغر نفسه أمام المولى ويرى البعد الواسع بين المنزلتين؛ منزلة الخالق ومنزلة المخلوق، والتفاوت العظيم بين الدرجتين، فلهذا يستخدم الحرف "يا" وأجاب آخرون: إنها تستعمل في القريب والبعيد، ودعوى المجاز في أحدهما والتأويل خلاف الأصل.
[ ٤ / ١ ]
فتح الهمزة مقصورة وممدودة" لاستدعاء المخاطب البعيد١ حسا أو معنى، والذي في حكم البعيد؛ كالنائم، والغافل.
فمثال "يا"١ قول الشاعر في مدح الرسول:
كيف ترقى رقيك الأنبياء يا سماء ما طاولتها سماء
ومثال "أيا" قول بعضهم: "أيا متوانيا وأنت سليل العرب الأبطال، لا تنس مجدهم على الأيام". ومن الممكن وضع حرف آخر من الأحرف الباقية موضع "أيا" في هذا المثال.
أما تحديد القرب والبعد فمتروك للعرف الشائع: سواء أكانا حسيين أو معنويين.
ج- "وا" ويستعمل لنداء المندوب٢؛ كقول الشاعر في الرثاء:
وامحسنا ملك النفوس ببره وجرى إلى الخيرات سباق الخطا
وقول الآخر:
واحر قلباه ممن قلبه شبم٣
د- وقد تسعمل: "يا" للندبة٤ بشرط وضوح هذا المعنى في السياق. وعدم وقوع لبس فيه؛ كالآية الكريمة التي تحكي قول العاصي يوم القيامة: ﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ . وقول الشاعر في رثاء الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز:
حملت أمرا عظيما، فاصطبرت له وقمت فيه بأمر الله يا عمرا
فإنشاء الشعر بعد موت "عمر" العادل دليل على أن "يا" للندبة.
فإن التبس الأمر بين أن تكون "يا" للندبة أو لا تكون، وجب ترك "يا"، والاقتصار على: "وا"؛ كأن تقول: في ندبة "عمر": وا عمر، ولا يصح مجيء "يا" إذا كان أحد الحاضرين يسمى: عمر٥.
_________________
(١) ١، ١ انظر "ب" من ص٥. ٢ هو: المتفجع عليه، أو المتوجع منه. فالأول هو الذي يصاب الناس بفجيعة موته. "حقيقة أو حكما" والثاني: هو بلاء أو داء يكون سببا في تألم المتكلم وتوجعه، انظر ص٨٩ حيث الباب الخاص بالندبة. ٣ بارد. ٤ نداء المندوب -كما سيجيء في باب: "الندبة"، ص٨٩. ٥ فيما سبق من حصر أحرف النداء ومواضع استعمالها يقول ابن مالك في باب عنوان: النداء:=
[ ٤ / ٢ ]
حذف حرف النداء:
أ- يصح حذف حرف النداء "يا" -دون غيره- حذفا لفظيا فقط، مع ملاحظة تقديره. كقول الشاعر في رثاء زعيم وطني شاب١:
زين الشباب وزين طلاب العلا هل أنت بالمهج الحزينة داري؟
وقول الآخر:
إنما الأرض والسماء كتاب فاقرءوه معاشر الأذكياء
التقدير: يا زين الشباب -يا معاشر الأذكياء.
ب- وهناك مواضع لا يصح فيها حذف الحرف "يا"، أشهرها:
١- المنادي المندوب٢؛ كالأمثلة السالفة.
٢- نداء لفظ الجلالة غير المختوم بالميم المشددة، نحو: يا الله.
٣- المنادى البعيد؛ كقول الشاعر:
يا صادحا يشدو على فنن رحماك قد هيجت لي شجني
٤- المنادى النكرة غير المقصودة٣. نحو: يا محسنا لا تكدر إحسانك بالمن.
٥- المنادي المستغاث٤. كقول الشاعر:
يا لقومي لعزة وفخاء وسباق إلى المعاني وسبق
٦- المنادى المتعجب منه؛ نحو: يا لفضل الوالدين؛ للتعجب من كثرة فضلها.
_________________
(١) وللمنادى الناء، أو كالناء: "يا" و: أي - و: آ - كذا: أيا - ثم: هيا والهمز للداني، و: "وا" لمن ندب أو: "يا" وغير "وا" لدى اللبس اجتنب "التاء= النائي، أي: البعيد. الداني= القريب" سرد أحرف النداء، وبين أن "يا" والأربعة التي بعدها تستعمل للبعيد وما يشبه، وأن الهمزة لنداء القريب، وأن "وا" للمندوب، وكذا: "يا" بشرط أسن اللبس. أما عند اللبس فيجتنب استعمال "يا" في الندبة. وهذا هو المراد من قوله: وغير "وا" لدى اللبس اجتنب" أي: اجتنب عند اللبس استعمال حرف في الندبة غير "وا". ١ البيت من قصيدة لحافظ إبراهيم في رثاء مصطفى كامل. الزعيم المصري الوطني المتوفى سنة ١٩٠٨. ٢ كما سيجيء في ص٩١. ٣ سيجيء شرحها في ص٣١ ومنه يعلم أن المنادى بها لا بد أن يكون غير معين ولا مقصود. ٤ من ينادي ليخلص من شدة، أو يساعد في دفعها "وسيجيء للاستغاثة باب خاص، في ص٧٧".
[ ٤ / ٣ ]
٧- المنادى ضمير المخاطب، عند من يجيز نداءه؛ كقول الشاعر:
يا أنت يا خير الدعاة للهدى لبيك داعيا لنا وهاديا
أما ضمير غير المخاطب فلا ينادي مطلقا١.
ج- ويقل الحذف -مع جوازه- إن كان المنادى اسم إشارة غير متصل بكاف الخطاب٢، أو كان اسم جنس لمعين٣، فمثال الأول قول أعرابي لابنه: "هذا، استمع لقول الناصح ولو أغضبك قوله؛ فمن أحبك نهاك؛ ومن أبغضك أغواك". وقول آخر لأولاده: "هؤلاء، اعلموا أن أقوى الناس من قاوم هواه، وأشجعهم من حارب الباطل " أي: يا هذا - يا هؤلاء. . .
ومثال الثاني قول بعض الأدباء وقد برح به السهر: "ليل، أمالك آخر يدنو؟ وهل للحزن آخر؟ صبح، أما لك مقدم يرجى؟ وهل في الفجر مطمع؟ " يا ليل، يا صبح، لليل وصبح معينين.
ومن هذا قول العرب: أطرق كرا٤؛ إن النعام في القرى. أي: يا كروان.
_________________
(١) ١ من الأسماء ما لا يكون منادى، ومنها ما لا يكون إلا منادى. والبيان في ص٦٨. ٢ يصح نداء اسم الإشارة، بشرط ألا يتصل بآخره كاف الخطاب "طبقات لما نقله الصبان في هذا الموضع عن الشاطبي" إلا في الندبة فيصح. "على حسب البيان الآتي في رقم٢ من هامش ص٩١" وهذا الشرط لازم أيضا عند حذف: "يا". لأن مدلول كاف الخطاب يخالف مدلول المنادى اسم الإشارة؛ إذ المنادى اسم الإشارة هو المقصود بتوجيه النداء؛ لما هو مقرر أن المخاطب بالكاف غير المشار إليه في الراي الراجح -راجع الصبان جزء ٣ آخر باب النداء- وخير من هذا أن يقال في التعليل: هو استعمال العرب، فحسب. ٣ المراد باسم الجنس المعين النكرة المقصودة المبنية على الضم عند ندائها؛ فيخرج اسم الجنس غير المعين، والمراد منه هنا: النكرة غير المقصودة. وسيجيء تفصيل الكلام على هاتين النكرتين، وحكمها في ص٢٥ وص٣١. ٤ هذا مثل يضرب للمتكبر، وقد تواضع من هو خير منه. وقد حذفت النون والألف من كلمة: "كروان" لترخيم النداء، وقلبت الواو ألفا، كما سيجيء بيانه في باب الترخيم - ص١٠٥ و١١٤. وفي حذف حرف النداء لفظا لا تقديرا ومواضع الحذف، يقول ابن مالك -مع اقتصاره على بعض مواضع الحذف: وغير مندوب، ومضمر، وما جا مستغاثا قد يعرى فاعلما "جا= جاء. يعرى= يجرد من حرف انداء، فاعلما= فاعلم. والألف إما زائدة للشعر، وإما=
[ ٤ / ٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- يمتاز الحرف: "يا" بأنه أكثر أحرف النداء استعمالا: وأعمها؛ لدخوله على أقسام المنادى الخمسة١؛ وهذا يتعين تقديره -دون غيره- عند الحرف كما يتعين في نداء لفظ الجلالة "الله"٢ وفي المستغاث، وفي نداء "أيها، وأيتها": إذ لم يشتهر عن العرب أنهم استعملوا في نداء هذه الأشياء حرفا آخر.
ب- يجوز مناداة القريب بما للبعيد، والعكس، وذلك لعلة بلاغية، كتنزيل أحدهما منزلة الآخر، وكالتأكيد٣. . .
ج- الأصل في النداء أن يكون حقيقيا، أي: يكون فيه المنادى اسمها لعاقل؛ كي يكون في استدعائه وإسماعه فائدة.
وقد ينادى اسم غير عاقل، لداع بلاغي؛ فيكون النداء مجازيا؛ كقوله تعالى٤: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ ٥.
_________________
(١) = أصلها نون التوكيد الخفيفة قلبت ألفا عند الوقف". يقول: قد يتجرد المنادى من حرف النداء إذا كان المنادى غير مندوب، وغير مضمر، وغير مستغاث وهذا التجرد -أي: الحذف اللفظي- ليس قليلا في الكلام الفصيح. ثم بين أن هناك مواضع غيرها يكون الحذف فيها قليلا، وهو ما قلته جائز، ولا داعي لمنعه؛ وطالب بتأييد مجوزيه، ونصر من يلومهم على المنع، وعلى إباحة القياس عليه. قال: = وذاك في اسم الجنس والمشار له قل ومن يمنعه فانصر عاذله "المشار له: أي: اسم إشارة، وكان الأولى أن يقول: المشار به، عاذله= لائمه" يريد: أن حذف حرف النداء قليل في اسم الجنس، واسم الإشارة وقد ترك شرط خلوه من ضمير المخاب -لضيق الشعر- وطالب بتأييد من يلوم المانع؛ إذ لا حجة له في المنع؛ لورود أمثلة تكفي لإباحة القياس عليه. ١ ستأتي في ص٩. ٢ في نداء لفظ الجلالة "الله" جملة لغات، ستجيء في ص٣٦ ورقم ٢ من هامشها "وانظر ما يتصل بهذا في رقم ٤ من هامش ص١". ٣ انظر ما يوضحه في رقم ٢ من هامش ص١ وفي ص١٢٢ -الوجه الثالث. ٤ في قصة طوفان نوح -﵇- الواردة بسورة: هود. ٥ امتنعي وكفي عن إنزال المطر.
[ ٤ / ٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقول الشاعر:
يا ليل طل يا نوم زل يا صبح قف لا تطلع
وقد يقتضي السبب البلاغي حرف النداء على غير الاسم، كأن يدخل على حرف. أو جملة فعلية، أو اسمية. فمثال دخوله على الحرف قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ، بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ . وقول الشاعر:
فيا ربما١ بات الفتى وهو آمن وأصبح قعد سدت عليه المطالع
ومثال دخوله على الجملة الفعلية:
قل لمن حصل مالا واقتنى أقرض الله. فيا نعم المدين
وقول الشاعر:
يا حبذا النيل على ضوء القمر وحبذا المساء فيه والسحر
وقول الآخر يخاطب ليلى:
فيا حبذا٢ الأحياء ما دمت حية ويا حبذا الأموات ما ضمك القبر
ومثال دخوله على الجملة الاسمية قول شاعرهم٣:
يا لعنة الله والأقوام كلهم والصالحين على سمعان من جار
وفي هذه الحالات يكون حرف النداء إما داخلا على منادى محذوف. مناسب للمعنى؛ فيقال في الآية: يا رب. أو يا أصحاب. . . أو نحوهما. وهذا عند من يجيز حذف المنادي، وإما اعتباره حرف تنبيه عند من لا يجيز حذف المنادي. والرأيان مقبولان؛ ولكن الثاني أولى؛ لصلاحه لكل الحالات. ولو لم تستوف الشرط الآتي الذي يتمسك به كثير من النحاة، وهو: عدم حذف المنادى قبل
_________________
(١) ١ وكقولهم: يا رب متعة ساعة، أورثت حزن أيام. ٢ حبذا: جملة فعلية للمدح العام. وتفصيل الكلام عليها في الباب المناسب؛ وهو باب: ألفاظ المدح والذم - ج٣ م١١٠. ٣ كما جاء في "المغني" ج٢ عند كلامه على الحرف: "يا" وهو داخل هنا على جملة اسمية دعائية، وكما جاء في الهمع أيضا.
[ ٤ / ٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الفعل الذي دخل عليه حرف النداء إلا إذا كان الفعل للأمر، أو للدعاء، أو صيغة "حبذا". فمثاله قبل الأمر قراءة من قرأ قوله تعالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وقبل الدعاء قول الشاعر١:
ألا يا. . . اسلمي يا هند، هند بني بدحر إذا كان حي قاعدا آخر الدهر
فإن لم يتحقق الشرط عند المتمسكين به فلا منادى محذوف، ولا نداء، ويكون الحرف المذكور هو للتنبيه.
د- يعتبر النحاة حرف النداء مع المنادى جملة فعلية إنشائية للطلب؛ برغم أنها قبل النداء خبرية، فهي تتحول معه إلى إنشاء طلبي جملته فعلية. فالأصل في مثل: يا صالح، هو: أنادي أو أدعو صالحا. . . حذف الفعل مع فاعله الضمير المستتر، وناب عنهما حرف النداء٢، وبقي المفعول به، وصار منادى واجب الذكر -غالبا- وقيل: إن المحذوف هو الفعل وحده، وناب عنه حرف النداء، واستتر الفاعل في حرف النداء. وقيل غير هذا. . .
ولا قيمة للخلاف في أصل الجملة الندائية؛ فالذي يعنينا هو أنها صارت فعلية تفيد الإنشاء الطلبي، وأنها تركت حالتها الأولى الخبرية٣.
_________________
(١) ١ ومثله البيت السالف: "يا - لعنة الله. . . ". ٢ ولهذا يعتبر حرف النداء من حروف المعاني التي ينوب كل منها عن جملة محذوفة، يذكر بدلا منها. . .؛ فحرف النداء ينوب عن جملة: "أنادي × أو: أدعو ×" وحرف الاستفهام ينوب عن جملة: "أستفهم ×" وحرف العطف ينوب عن جملة: "أعطف ×. . . " وهكذا. ثم انظر رقم ٤ من هامش ص٩ وقد سبق إيضاح لحروف المعاني. في صدر الجزء الأول "م٥" وفي بابي: "الظرف وحروف الجر" من الجزء الثاني. هذا، ولا يصح في الجملة الندائية أن تقع خبرا، فقد قال السيوطي في الهمع ج١ ص٩٦ في أقسام الخبر ما نصه: "لا يسوغ الإخبار بجملة ندائية، نحو: زيد يا أخاه، ولا مصدر بلكن، أو: بل، أو: حتى. بالإجماع في كل ذلك". ا. هـ. ٣ ولهذا قيل إن السبب في حذف الفعل مع فاعله على الوجه السالف هو قصد الإنشاء؛ إذ ظهور الفعل قد يوهم الإخبار، وأيضا كثرة الاستعمال، والتعويض عن الفعل بحرف النداء، وظهور المعنى المراد بعد حذفهما، راجع الهمع ج١ ص١٧١ في المفعول به وناصبه.
[ ٤ / ٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هـ- ولما كان حرف النداء نائبا عن الأصلي المحذوف صح أن يكون لهذا الحرف بعض المعمولات الخاصة التي يؤثر فيها؛ نيابة عن ذلك العامل المحذوف. وأشهرها شبه الجملة١، كقول الشاعر:
يا دار بين النقا والحزن، ما صنعت يد النوى بالألى كانوا أهاليك؟
وقول الآخر:
يا للرجال لقوم عز جانبهم واستلهموا المجلد من أصل وأعراق
فليس في المثالين -وأشباههما- ما يصلح لتعلق شبه الجملة إلا: "يا" وجعلوا من المعمولات المصدر٢ في مثل قول القائل:
"يا هند. دعوة صب دائم دنف"٣
فالمصدر "دعوة" متعلق بالحرف: "يا"، النائب: عن "أدعو"، والتقدير: أدعو هندا دعوة صب.
_________________
(١) ١ لهذا إشارة في باب: الظرف، ج٢ م٧٨. ٢ سبقت الإشارة لهذا في ج٢ باب المفعول المطلق م٧٤. ٣ تكملة البيت: "مني بوصل، وإلا مات أو كرب" "الدنف: شديد المرض - كرب: اقترب من الموت".
[ ٤ / ٨ ]
المسألة ١٢٨: أقسام المنادى الخمسة ١ وحكم كل
القسم الأول: المفرد العلم، ويراد بالمفرد هنا: ما ليس مضافا، ولا شبيها، بالمضاف؛ فيشمل المفرد الحقيقي٢؛ بنوعيه المذكر والمؤنث، ويشمل مثناة، وجمعه، "نحو: فضل، علم رجل - الفضلان - الفضلون - الفضول - عائدة، علم امرأة - العائدتان - العائدات - العوائد. . ."، ويشمل كذلك الأعلام المركبة قبل النداء؛ سواء أكان تركيبها مزجيا؛ كسيبويه "علم إمام النحاة المشهور" - أم إسناديا، كنصر الله، أو: شاء الله. علمين، أم عدديا كخمسة عشر٣. . .
فكل هذه الأعلام -وأشباهها- تسمى مفردة في هذا الباب، وتعريفها بالعلمية قبل النداء يلازمها بعده -على الأصح- فلا يزيله النداء ليفيدها تعريفا جديدا أو تعيينا. وإنما يقوي التعريف السابق، ويزيد العلمية وضوحا وبيانا. ويلاحظ حذف "أل" وجوبا من صدر المنادى؛ -علما وغيره- إن لم يكن المنادى من المواضع المستثناة التي يصح تصديرها "بأل"٤.
حكمه:
أ- الأكثر بناؤه على الضمة -بغير تنوين- أو على ما ينوب عنها. ويكون في محل نصب دائما؛ لأن المنادى في أصله مفعول به٥؛ نحو: يا فضل، كل شيء
_________________
(١) ١ هي المفرد العلم - النكرة المقصودة - النكرة غير المقصودة - المضاف - الشبيه بالمضاف. ٢ وهو الذي يدل على واحد. ويلحق به في حكمه هنا مثناه وجمعه، لكن أيعتبر هذان بعد النداء أعلاما أم نكرات مقصودة؟ الجواب في رقم ٣ من ص١٦. ٣ عند غير الكوفيين الذين يجعلون صدر المركب العددي بمنزلة المضاف، منصوبا، "كما سيجيء في رقم، من ص١٦ وفي هامش ص١٧ ورقم ١ من هامش ص٣٢". ورأيهم ضعيف. وأثر الخلاف يظهر في توابع المنادى. ٤ ستجيء في ص٣٦. ٥ المنادى بمنزلة المفعول به لفعل محذوف مع فاعله -في أحد الآراء- نائب عنهما "يا" أو إحدى أخواتها. يقول النحاة في مثل: يا علي. . . إن أصله كما تقدم، في "د" من ص٧: أدعو، أو: أنادي عليا. . . حذف الفعل، مع فاعله ونابت عنهما "يا" وصار المفعول به منادى، مبنيا على الضم في محل نصب. ويستدلون على أنه في محل نصب بورود كثير من توابعه منصوبا في الكلام الصحيح المأثور. وليس في الجملة ما يصلح سببا لنصبه إلا مراعاة المحل.
[ ٤ / ٩ ]
يحتاج إلى العقل، والعقل يحتاج إلى التجربة - يا فضلان١. . . يا فضلان. . .١ يا فضول - يا أفاضل٢. . . - يا عائدة. . . - يا عائدتان. . . - يا عائدات. . . - يا عوائذ. . .
فالمفراد العلم في هذه الأمثلة -وما شابهها- مبني على الضمة في المفرد الحقيقي، وفي جمع التكسير، وجمع المؤنث السالم، ومبني على الألف في المثنى، وعلى الواو في جمع المذكر السالم. وهو في أكثر أحواله مبني٣ لفظا على الضمة وفروعها، منصوب محلا٤.
ولا فرق بين أن تكون الضمة ظاهرة؛ كالتي في بعض الأعلام السالفة، أو مقدرة كالتي في آخر الأعلام المختومة بحرف علة؛ كموسى في وقوله تعالى: ﴿يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ . . . وكالتي في آخر الأعلام المركبة التي ذكرناها، ومنها: سيبويه. . .، منذ٥ -كيف- قطام. . . وغيرها من كل لفظ سمي به، وصار علما، وكان مبنيا أصالة قبل أن يصير علما منادى فتبقى علامة البناء الأصلي السابق على حالها، وتقدر على الآخر علامة البناء الجديدة التي جلبها النداء، ويكون المنادى في كل ذلك، في محل نصب٥. . .
ويلحق بالمفرد العلم المبني أصالة قبل النداء في حكم البناء على الضمة المقدرة، كل ما ينادى من المعارف الأخرى المبنية أصالة قبل النداء؛ وليست
_________________
(١) ١، ١ راجع رقم ٣ ص١٦ في الزيادة والتفصيل ما يختص بنداء العلم المثنى والجمع؛ لأهميته. ٢ جمع: أفضل. ٣ إلا صورة يجوز في بنائها أمران، تجيء في ص١٨ وإلا ثلاث صور معربة "في ص١٣ و٢٠ و٣٤". ٤ راجع "د" من ص٧، ورقم ٤ من هامش الصفحة السابقة. ولا فرق في هذا الحكم بين العلم الموصوف وغير الموصوف، انظر "الملاحظة" التي في ص٢٢. ٥، ٥ ويقال في كلمة مثل: "منذ" -علم- عند نادئها، إنها منادى، مبني على ضم مقدر على آخره منع من ظهوره علامة البناء الأصلي، في محل نصب، وعلامة البناء الأصلي في هذه الكلمة هي: الضمة. وهذه تختلف عن ضمة البناء التي يجلبها النداء. "ثم انظر "ج" ص٢٣، وص١٢".
[ ٤ / ١٠ ]
أعلاما؛ كأسماء الإشارة "نحو: هذا - هؤلاء. . ." وأسماء الموصولات غير المبدوءة بأل١ "نحو: من - ما. . ." وضمير المخاطب "نحو: أنت - إياك. . ." أما غير المخاطب فلا ينادى، كما عرفنا٢.
_________________
(١) ١ أما اسم الموصول المبدوء "بأل فله حكم خاص يجيء في "الحالة الرابعة" من ص٣٨. ٢ في ص٧ هذا، وإلحاق الأشياء المذكورة بالمفرد العلم، هو رأي كثير من النحاة شاع أتباعه والاقتصار عليه؛ ويعارضه رأي آخر أنسب. "كما سيذكر في "الملاحظة التالية" ص١٢" وقد يكون من السائغ أن نذكر -بإيجاز- للمتخصصين ما في المطولات النحوية من خلاف جدلي شكلي حول حكم المعارف المبنية قبل النداء وليست أعلاما. يدور الخلاف حول نوع تعريفها بعد النداء؛ أهو الذي كان لها قبله، أم هو تعريف جديد بدل السابق، حل محله؟ فشارح المفصل "ج١ ص١٢٩" يعرض الرأيين، ويرجح -في وضوح وصراحة- الرأي القائل إن المعارف كلها -أعلاما وغير أعلام- تفقد تعريفها السابق، وتصير نكرات، ويجلب لها النداء بما فيه من القصد والإقبال على المخاطب تعريفا جديدا يزيل تنكيرها الجديد. ويؤيد هذا بكلام طويل. أما غيره -كأبي بكر بن السراج، ومن معه من القدامى، وكالصبان من المتأخرين- فيؤيد الرأي الآخر؛ بحجة أن أكثر المعارف لا يمكن أن يزول عنه تعريفه القديم مطلقا، ولا يمكن أن يتجرد منه، ويصير نكرة تقبل التعريف المجلوب بالقصد والمخاطبة مع النداء، "كلفظ الجلالة "الله" وكأسماء إشارة " وقد وردت إشارة موجزة لهذه المسألة على هامش كتاب سيبويه "ج١ ص٣٠٣" اكتفى فيها المقرر بأن أحال إيضاحها وتفصيلها وتفريعها إلى ما جاء في شرح السيرافي لها. كذلك أشار صاحب شرح التصري "في أول الفصل الثاني من أقسام المنادى" إلى المنادى المعرف؛ ما كان منه مذكرا أو مؤنثا، علما وغير علم، معرفا قبل النداء أو بعده، إلى غير هذا مما اشتملت عليه المطولات من تفريعات، وتشعيبات لا خير في سردها الآن، ومن الممكن أن نستخلص منها نتيجتين. الأولى: أن العلم إذا نودي؛ وجب بناؤه على الضمة؛ وأنه -بعد النداء- معرفة لا شك في تعرفه، علم لا خلاف في علميته. ولا يعنينا بعد هذا أن يكون تعرفه وعلميته هما السابقان على النداء، أو مجلوبان بعد النداء، مجلوبان بسببه؛ لأنه في الحالتين علم، بالرغم من وجود أعلام لا يفارقها التعريف مطلقا؛ كلفظ الجلالة "الله". وما سبق خاص بالعلم المفرد الذي ليس مثنى ولا مجموعا، فإن كان مثنى أو مجموعا فله حكم آخر يجيء في رقم ٣ من ص١٦. الثانية: أن المعارف الأخرى التي ليست أعلاما، والتي يغلب أن تكون قبل النداء مبنية أصالة "كالضمير، والإشارة " لا شك في تعرفها ولا يعنينا أيضا أن يكون هذا التعريف هو السابق على النداء، وأنه استمر بعده؛ "إذ لا يمكن تنكيرها -على الأصح" أو هو تعريف جديد حل محل الأول الذي زال بالنداء وصارت المعرفة نكرة بعد زواله، ثم زال تنكيرها بتعريف القصد والخطاب مع النداء لا يعنينا ذلك؛ لأن هذه المعارف التي ليست أعلاما والتي هي مبنية أصالة قبل=
[ ٤ / ١١ ]
ملاحظة:
ما تقدم من حكم الضمة المقدرة في آخر الأعلام المبنية أصالة قبل النداء، وفي آخر ما ألحق بها هو الرأي الشائع عند أكثر النحاة -كما أشرنا-١ وفيه مع صحته وشيوعه نوع من التضييق والتعقيد؛ لأن بعض المحققين يتوسع فيقول: "إذا نقلت الكلمة المبنية وجعلتها علما لغير ذلك اللفظ، فالواجب الإعراب"٢. يريد: فالواجب اعتبارها معربة بعد النقل، وقبل مناداتها، وتناسى البناء السابق، ويراعى عند ندائها هذا الاعتبار الجديد، الذي يجعلها في حكم الأسماء المعربة، الأصلية الأعراب مجيء النداء.
وبناء على هذا الرأي الشامل للضمير والإشارة، وغيرهما صرح بعض النحاة بأنك "تقول في: كيف، وهؤلاء، وكم، ومنذ أعلاما" - "يا كيف يا هؤلاء - يا كم- يا منذ بضمة ظاهرة؛ فهي متجددة للنداء. ا. هـ".
_________________
(١) = النداء - ستبنى بعده على الضمة المقدرة أو فروعها. وتعتبر ملحقة بقسم المفرد العلم السالف؛ ولا تلحق بقسم النكرة المقصودة -كما يرى بعض النحاة- لأنها معارف قبل النداء، وليست نكرة تامة التنكير تصير بالنداء والخطاب نكرة مقصودة. ولو فرضنا أن تعريفها السابق يزوال بالنداء، ويحل محله تعريف جديد -وهذا رأي ضعيف مردود- لوجب أن يكون التعريف المتجدد مماثلا لتعريفها السابق نوعا ودرجة، كما عاد للعلم نوع تعريفه الساق ودرجته وهو العلمية، "على رأي من يقول: إنه يفقد علميته بالنداء، ثم تعود له بعده" فليس بمقبول أن يقال إنها معارف في أصلها، زال تعريفها السابق، فصارت نكرة، ثم نوديت فاكتسبت التعريف الجديد المخالف للسابق، وصارت به نكرة مقصودة، "مع أن أكثر تلك المعارف لا يفقد تعريفه مطلقا في الرأي الأقوى -كما سبق". وإنما ألحقت بالعلم لقرب درجة تعريفها منه، ولم تدخل في عداده لأنها ليست علما وهذا الخلاف شكلي؛ بالرغم مما يرقبون عليه من وضع المعارف في درجات متفاوته القوة في التعريف تفاوتا يؤدي إلى تقديم بعضها في ترتيب الكلام على بعض، لكن لا أثر له في ضبط الكلمة، ولا معناها، ولا إعرابها؛ فهي على الرأيين معرفة بعد النداء، ومبنية على الضمة، سواء أكانت من قسم المفرد المقصودة "وقد سبق تفصيل الكلام على العلم في ج١ ص٢٠٠ م٢٢". ١ في رقم ٢ من هامش ص١١. ٢ هذا كلام "الرضي" في باب: "العلم" نقله "خالد" وعلق عليه في شرحه: على "التصريح" "ج٢ أول الفصل الثاني، في أقسام المنادى". وقال الرضي أيضا ما نصه: "كل مفرد مبني تسمى به شخصا فالواجب فيه الإعراب مع الصرف -أي مع التنوين-". ا. هـ. راجع حاشية "خالد" على التصريح، آخر باب: "ما لا ينصرف".
[ ٤ / ١٢ ]
وفي هذا الرأي توسعة، وتيسير محمودان؛ لأنه يجعل حكم المنادى١ المفرد العلم مطردا؛ يعم ويشمل صورا كثيرة بغير تفرقة ولا تشتيت. ومن ثم كان الأخذ به أفضل من الأخذ بالرأي الأول.
وإنما يبنى المفرد العلم -وملحقاته- إذا لم يكن معربا مجرورا باللام في "الاستغاثة والتعجب" مع ذكر "يا" فيهما؛ كما في نحو: "يا لعلي للضعيف"؛ للاستغاثة بعلي في نصر الضعيف. و: "يا لعلي المحسن"؛ للتعجب من كثرة إحسانه. فالمنادى فيهما. معرف وجوبا، كما كان قبل النداء، مجرور باللام في محل نصب. لأنه خرج بسبب الجار من قسم "المفرد العلم" ودخل في قسم المضاف٢ تأويلا.
وكذلك يجب إعرابه "ولا يصح بناؤه" إذا كان هذا العلم المفرد منقولا من أحد الأعداء المتعاطفة، بالتفصيل الموضح في مكانه٣.
وهناك صورة يجوز فيها الإعراب والبناء، وستجيء٤.
_________________
(١) ١ وهو البناء على الضمة أول ما ينوب عنها، من غير تفرقة بين ما أصله علم قبل النداء أو غير علم، مبني أو غير مبني. لأن إدراك هذه التفرقة، والوصول إلى معرفتها اليوم عسير كل العسر على جمهرة الناس، ففي الاستغناء عنها راحة بغير ضرر. وهناك نص آخر يؤيد ما سبق؛ ملخصه: وجوب الإعراب والتنوين معا قبل النداء في كل لفظ أصله مفرد حقيقي "أي: ليس مثنى ولا جمعا، ولا نوعا من أنواع المركبات الثلاثة التي منها المركب الإضافي، وشبه الملحق به" ومبني ثم ترك أصله، وصار علما منقولا من معناه وحكمه السابقين إلى معنى وحكم جديدين، مثل كلمة: "أسس، وغاقر" إذا صارتا علمين؛ فعند ندائهما يجري عليهما حكم الأسماء المعربة قبل النداء. "راجع التصريح أول الفصل الثاني في أقسام المنادى، ج٢ ص١٦٦ وحاشيته آخر باب "الممنوع من الصرف" ص٢٢٦" وسبق لهذا الحكم بيان مفيد في ج١، بابي المعرب والمبني - والعلم، م٦ و٢٣ ص٧٤ و٢٧٨". ٢ كما سيجيء هذا في ص٧٩ من باب الاستغاثة. ٣ ص٣٣ وص٣٤. ٤ في ص٢٠.
[ ٤ / ١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
١- ما كيفية بناء المفرد العلم الذي كان في أصله اسما منقوصا، منونا، ثم نقل إلى العلمية؛ مثل: هاد، راض، مرتض، مستكف، وغيرها؟
الأصل في المنقوص أن يكون مختوما بالياء١ الظاهرة إلا في بضع حالات قليلة؛ أهمها: أن يكون منونا مرفوعا أو مجرورا؛ فيجب حذفها نطفا وكتابة؛ لأن الضمة والكسرة ثقيلتان على الياء، فتحذفان؛ طلبا للخفة. فإذا حذفتا تلاقت الياء ساكنة مع التنوين فيجب حذفها؛ تخلصا من التقاء الساكنين؛ فتصير الكلمة إلى الصور السالفة. "فأصل: "هاد" -مثلا- في: "أنت هاد للخير" هو: هادين: بكتابة التنوين نونا ساكنة تبعا لأصله٢. ثم حذفت الضمة؛ منعا للثقل؛ فصارت الكلمة: "هادين" بياء ونون ساكنتين. ثم حذفت الياء٢؛ للتخلص من الساكنين؛ فصارت الكلمة: "هادن"؛ بإثبات التنوين على شكله الأول نونا ساكنة. ثم جرى الاصطلاح على كتابة التنوين كسرة مكررة لكسرة الحرف الأخير الذي قبل الياء المحذوفة، فصار للحرف الأخير كسرتان؛ إحداهما حركة أصلية هجائية، والأخرى بدل التنوين. وانتهت الكلمة إلى صورتها الأخيرة: "هاد" ومثلها استمعت لهاد. وأصلها: هاديين حذفت كسرة الياء، وجرى ما سبق ".
فإذا نوديت وجب حذف التنوين؛ لأن المنادى هنا علم مفرد؛ فيجب بناءه على الضم بغير تنوين. وهذا الضم مقدر على الياء. لكن أتبقى الياء محذوفة كما كانت، والضم مقدر عليها، برغم حذفها -لأنها ملحوظة كالمذكورة- أم تعود بعد النداء إلى مكانها؛ فتظهر نطقا وكتابة. ويكون الضم مقدرا عليها كذلك؟ رأيان؛ أحدهما: يوجب حذف التنوين واستمرار حذف الياء؛ لأن الكلمة المناداة كانت منونة ومحذوفة الياء قبل المناداة، فوجب حذف التنوين؛ لأنه معارض لبناء المنادى، كما يوجب ألا ترجع الياء؛ لعدم وجود ما يقتضي إثباتها وإرجاعها؛ فقد
_________________
(١) ١ يجوز حذفها بالتفصيل الخاص بحذف الياء -وقد سبق بيانه مفصلا في ج١ ص١٦. ٢ و٢ أوضحنا هذا وسببه في صدر الجزء الأول عند تفصيل الكلام على التنوين م٢.
[ ٤ / ١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
طرأ عليها النداء وهي محذوفة، فتبقى على حالها من الحذف.
والآخر: يوجب حذف التنوين للسبب السالف، ويوجب إرجاع الياء وإثباتها لأن سبب حذفها -وهو تلاقيها ساكنة مع التنوين- قد زال بزوال التنوين. وإذا زال السبب لا تبقى بعده آثاره التي توجد بوجوده. فالرأيان متفقان على حذف التنوين وسببه، مختلفان في إرجاع الياء وإثباتها، أو عدم إرجاعها.
ويتفقان على إرجاعها إذا لم يكن في العلم المنقوص إلا حرف أصلي واحد، مثل "مر". اسم فاعل من "أرى"، فتقول في نداء المسمى به: يا مري.
والحق أن هذه الأدلة جدلية محضة ليس فيها مقنع. والفيصل إنما هو السماع الوارد عن العرب، ولم ينقل إلينا منه ما يكفي للترجيح؛ فالرأيان متكافئان. وقد يكون الأنسب هو الرأي الداعي إلى إثبات الياء؛ لأنه أقرب إلى الوضوح، وأبعد من اللبس والاختلاط.
وكل ما قيل في كلمة: "هاد" -مما أسلفناه- يقال في سائر الأعلام المنقوصة المنونة عند ندائها -كما سيجيء البيان١.
٢- إذا كان المفرد العلم في أصله منقولا من اسم مقصور منون. "نحن: مرتضى - مصطفى- رضا وأشباهها" وجب عند ندائه حذف تنوينه؛ لأنه مبني على الضم. وهذا البناء يقتضي حذف التنوين حتما. لكن أتعود بعد ذلك ألف المقصور التي حذفت من آخره نطقا؛ بسبب تلاقيها ساكنة مع التنوين الساكن. أم لا تعود؟.
"ذلك أن الأصل في كلمة مثل: مرتضى؛ هو مرتضى؛ أي: مرتضين رفعا -والنون الساكنة هي التنوين- تحركت الياء، وانفتح ما قبلها؛ فقلبت ألفا، وصارت الكلمة: مرتضان، تلاقى ساكنان: الألف وهذه النون، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، وصارت الكلمة: مرتضن، لكنها تكتب "مرتضى" طبقا لقواعد رسم الحروف؛ وهي تقضي بأن يوضع على الحرف الذي قبل النون حركة
_________________
(١) ١ في باب: تثنية المقصور، والممدود، وجمعهما " هامش ص٦١٣".
[ ٤ / ١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثانية مماثلة لحركته الهجائية، تغني عن النون بعد حذفها، وتكون هذه الحركة الهجائية الثانية هي الرمز الدال على التنوين، بدلا من التنوين".
ويجيب النحاة: أن الظاهر في هذه المسألة هو تطبيق حكم المسألة السابقة فيجرى على ألف المقصور ما جرى على ياء المنقوص من وجود رأيين متفقين على حذف التنوين، مختلفين في رجوع الألف نطقا أو عدم روجعها، بالحجة التي تساق لكل. وقد يكون الأنسب إرجاع الألف
٣- في باب المثنى١ أن العلم المفرد إذا ثني أو جمع، زالت علميته، وصار نكرة ولا يحكم له بالتعريف إلا بوسائل جديدة تزاد؛ منها: إدخال "أل" المعرفة عليه، أو نداؤه أو فإذا نودي العلم بعد تثنية وجمعه حكم له بالتعريف الناشئ من النداء، لا من العلمية؛ لأن النداء هنا دخل على منادى خال من العلمية، فقد أزالها ما طرأ من التثنية أو الجمع، مثل: يا محمدان - يا محمدون وأشباههما؛ فيصير بعد ندائه في حكم النكرة المقصودة -عند كثير من النحاة- تجري عليه أحكامها التي منها: صحة نعتها -أحيانا- بالنكرة أو بالمعرفة؛ فيراعى إما أصله الأول الذي زالت علميته قبل النداء، وإما حالة تعريفه الطارئة بعد النداء٢ بخلاف العلم الذي ليس مثنى، ولا جمعا، فإن علميته تبقى بعد النداء ويتعرف بها، أو لا تبقى؛ فيتعرف بالنداء الطارئ لا بتلك العلمية السابقة، على حسب الخلاف الذي سبق٣.
٤- إذا نودي: "اثنا عشر" و"اثنتا عشرة" علمين، جاز أن يقال: يا اثنا عشر، ويا اثنتا عشرة، فاثنا واثنتا مبنيان على الألف؛ لأن المثنى وملحقاته في هذا الباب في حكم المفرد؛ فيبنى على ما يرفع به. وكلمة: "عشر وعشرة" بعدهما مبنية على الفتح، لا أهمية لها؛ لأنها بمنزلة نون المثنى. وهمزتهما للقطع٤ ما داما علمين.
_________________
(١) ١ ج١ ص٨٣ م٩. ٢ طبقا لما سيجيء في "د" من ص٣٠. ٣ في رقم ٢ من هامش ص١١. ٤ انظر رقم ٣ من هاشم ص٣٨ و٢ من هامش ص٢٤٧.
[ ٤ / ١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويجوز أن يقال: يا اثني عشرة، ويا اثنتي عشرة بالنصب بالياء على اعتبار المثنى مع كلمة: "عشر" أو "عشرة" بمنزلة المضاف مع المضاف إليه في الصورة، والمنادى المضاف واجب النصب١.
_________________
(١) ١ هذا رأي الكوفيين الذي أشرنا إليه "في رقم ٢ من هامش ص٩ و١ من هامش ص٣٢" وبمقتضاه تكون الأعداد المركبة كلها داخلة في قسم المنادى المضاف، فصدر كل واحد منها واجب النصب، عند الكوفيين في النداء، ويظل العجز مبنيا على الفتح، بمنزلة النون. أما عند غيرهم فالأعداد المركبة كلها مبنية على فتح الجزأين "ما عدا العلمين: اثني عشر واثنتي عشرة؛ والمنادى هو العدد المركب بجزأيه معا إلا هذين. فإذا كان المنادى العلم هو: اثنا عشر، واثنتا عشرة؛ فصدرهما وحده، في حكم العلم، المثنى، المنادى، المبني. ويترتب على الخلاف بين الكوفيين وغيرهما الخلاف في ضبط تابع المنادى.
[ ٤ / ١٧ ]
ب- من المفرد العلم صورة يجوز فيها أمران١: البناء على الضم في محل نصب، أو البناء على الفتح في محل نصب. وهذه الصورة الجائزة بحكميها لا بد أن يكون فيها المنادى علما مفردا "أي: غير مثنى، ولا مجموع"، وأن يكون آخره مما يقبل الحركة "فلا يكون معتل الآخر: كعيسى، ولا مبنيا على السكون لزوما، مثل: "من" إذا صارت علم شخص " وأن يوصف مباشرة -أي: بغير فاصل- بكلمة: "ابن" أو: "ابنة"٢، دون "بنت"، وكلتاهما مفردة، مضافة إلى علم آخر، مفرد أو غير مفرد٣ مثل: يا حسن بن علي، من أثنى عليك بما فعلت فقد كافأك. ويا فاطمة بنة محمد، أنت فخر النساء، ببناء كلمتي:
_________________
(١) ١ انظر الزيادة والتفصيل ص٢٠ ففيها أمر ثالث حكمه الإعراب، وتعليل الأوجه الثلاثة. ٢ فلو كان لفظ: "ابن وابنة" غير نعت كأن يكون بدلا، أو خبرا لمبتدأ أو لناسخ، أو منصوبا بعامل محذوف -مثل: أعني- لم يصح حذف التنوين وما يتبعه -كما سيجيء هنا. ٣ ولا يشترط في العلمين ولا في أحدهما التذكير -على الرأي الراجح- ولا مانع أن يكون العلم اسما، أو كنية، أو لقبا. أو جنسيا للأعلام المجهولة؛ نحو: يا فلان بن فلان، أو: يا حارث بن همام، "للشخص الذي تخيله: "الحريري" وجعله دعامة المحاورات في مقاماته، وأدار الحديث بلسانه في كثير منها". وكذلك: يا سيد بن سيد؛ لكثرة استعماله كالأعلام، وبضع كلمات ساغت كهذه. ومتى اجتمعت الشروط في نداء أو غيره وجب -في ذلك الرأي الراجح- حذف همزة الوصل وألفها كتابة ونطقا من: "ابن"، و"ابنة" إلا لضرورة الشعر، أو لوقوع إحداهما في أول السطر، فثبت الألف كتابة. وكذلك يجب -في غير الضرورة الشعرية- حذف التنوين كتابة ونطقا من المستوفى للشروط؛ ولو كان غير منادى. "وقد سبقت إشارة لهذا في ج١ م٤ ص٤٤. غير أن هنا مسألة وقع الخلاف فيها في حذف التنوين من آخر العلم الموصوف المنادى وغير المنادى، وفي حذف همزة الوصل مع ألفها من الصفة "ابن وابنة" هي: أن يكون العلم الأول "الموصوف" كنية أو مضافا آخر، أو يكون العلم الثاني "وهو المضاف إليه" كنية أو مضافا آخر كذلك؛ مثل: أو الخلفاء الراشدين أبو بكر بن قحافة. ومثل محمد بن أبي بكر من أشهر الزهاد.. فيرى كثير من النحاة وجوب إثبات التنوين وألف الوصل في الصورتين. ويرى آخرون جواز حذفهما، وإثباتهما. وقد يكون الحذف -على قلته- هو الأنسب اليوم، ليكون حكمه مطردا شاملا الصور المختلفة. ومسألة أخرى، هي التي تكون فيها الصفة كلمة: "بنت" ويكون موصوفها علما لمؤنث يصح صرفه، ومنع من الصرف. فهل يجوز بقاء التنوين في موصوفها المنادى وغير المنادى؟ روى سيبويه الحذف والإثبات عن العرب الذين يصرفون كلمة: "هند" وأشباههما؛ مما يجيء في ص٢٣٨ فيقولون: هذه هندٌ بنت عاصم؛ بتنوين "هند"، وتركه لكثرة الاستعمال. وقد يكون الأحسن هنا أيضا حذف التنوين، ليكون الحذف مطردا في كل المسائل، وقاعدته عامة.
[ ٤ / ١٨ ]
"حسن"، و"فاطمة"، على الضم أو على الفتح، في محل نصب في الحالتين. ولا بد أن تكون البنوة حقيقية.
فإذا فقد شرط وجب الاقتصار على البناء على الضم، كأن يكون المنادى غير علم، مثل: يا غلام ابن سعيد، أو يكون علما مفصولا١ من المنادى، مثل: يا سليمان النبي ابن داود، أو تكون كلمة: "ابن" و"ابنة" ليست نعتا وإنما هي بدل، أو مفعول، أو خبر: أو منادى جديد، أو غير ذلك مما ليس نعتا٢
_________________
(١) ١ مع الخلاف في العلم إذا كان كنية، على الوجه المبين في هامش الصفحة السالفة. ٢ مع ملاحظة ما نردده كثيرا، وهو أن اختلاف الإعراب لا بد أن يتبعه اختلاف المعنى، فالمراد من النعت مغاير كل المغايرة للمراد من البدل كذلك الشأن في غيرهما.
[ ٤ / ١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أولا: إذا اجتمعت الشروط السابقة جاز الوجهان المذكوران، ووجه ثالث، هو أن يكون المنعوت معربا منصوبا، بغير تنوين.
وللنجاة في تعليل الأوجه الثلاثة آراء قائمة على التكلف، والتأويل، والحذف أو الزيادة، بغير حاجة ماسة إلا رغبتهم في إلحاق كل وجه بحالة إعرابية ثابتة. وإدخاله تحت قاعدة أخرى مطردة، ولا يعرف العرب شيئا من هذه التعليلات. ولا شأن لهم بها، ولن يتأثر الأسلوب أو ضبط مفرداته بإغفالها، وإهمال الوجه الثالث القائم على الإعراب مع النصب المباشر بغير تنوين.
وفيما يلي بعض تلك الآراء بإيجاز يحتاج إليه الخاصة:
١- في مثل: يا حسن بن علي -بضم المنادى- يكون بناؤه على الضم في محل نصب؛ مراعاة للقاعدة العامة؛ لأنه مفرد علم. وتعرب كلمة: "ابن" صفة، منصوبة، تبعا لمحل الموصوف. لا لفظه المبني١. وهذا إعراب حسن لا مأخذ عليه.
٢- وفي مثل: يا حسن بن علي ٢ -بفتح المنادى- يكون مبنيا على الفتح في محل نصب؛ "فهو مبني لفظا. منصوب محلا". ويقولون: إن حقه البناء على الضم؛ لأنه مفرد علم، ولكن آخره تحرك بحركة تماثل الحركة التي على آخر الصفة، على توهم وتخيل أن الكلمتين بمنزلة كلمة واحدة؛ إذ الفاصل بين آخر المنادى، وآخر صفته حرف واحد ساكن، فالفصل به كلا فصل؛ لأنه جاجز غير حصين -كما يقولون.
وفي هذه الحالة يذكرون في إعراب المنادى: أنه مبني على ضم مقدر، منع من ظهوره فتحة الاتباع٣، في محل نصب، وكلمة: "ابن" صفة له، منصوبة باعتبار محله.
_________________
(١) ١ لأن البناء لا ينتقل من المتبوع إلى تابعه، ولا من كلمة إلى أخرى ليست مبنية. ٢ تجيء مناسبة أخرى لهذا النوع من المنادى، في "ج"، من ص٥٣. ٣ أي: الفتحة التي جاءت في آخر المنادى متابعة ومماثلة للفتحة التي في آخر صفته.
[ ٤ / ٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
_________________
(١) فلم هذا التوهم، واللف والالتواء في إعراب المنادى، وإتباع حركته -وهو السابق- لحركة صفته اللاحقة، ما في هذا من مخالفة المألوف الذي يجري على أن يكون المتأخر هو التابع في حركته للمتقدم؟ لم لا نقول: إن المنادى إذا اجتمعت فيه الشروط السالفة جاز أن يكون مبنيا على الفتح مباشرة، أو على الضم. مراعاة للواقع المأثور من فصيح الكلام العربي؟ ولا ضرر في هذا ولا إساءة. بل إنه السائغ المقبول، وهو في الصورتين في محل نصب.
(٢) ويجيزون في إعراب المنادى في الصورة السالفة أنه مبني مع صفته على فتح الجزأين، على توهم وتخيل تركيبه مع صفته تركيبا لفظيا، كالتركيب اللفظي الذي في الأعداد: أحد عشر، وثلاثة عشر، وما بعد أربعة عشر إلى آخر تسعة عشر، فإن هذه الأعداد مبنية على فتح الجزأين دائما في جميع الحالات الإعرابية، بسبب تركيب الكلمتين تركيبا يلازمهما، ويقتضي أن يلازمهما فتح آخرهما. فما الداعي لهذا التكلف أيضا، وحمل المنادى مع صفته في هذه الصورة على تلك الأعداد المركبة، مع وجود الفارق الواضح بينهما؟ ذلك أن العدد المركب لا يؤدي معناه الأساسي المطلوب إلا مع التركيب الحتمي، فكل جزء من الجزأين لا يستقل بنفسه، وإنما هو بمثابة حرف من كلمة هو معروف. ومن ثم كانت المشابهة بين الأسلوبين ضعيفة، وكان الاعتماد عليها هنا غير قوي، وإنما القوي أن نقول في هذه الحالة ما قلناه في الحالة الثانية وهو أن المنادى مبني على الفتح -مباشرة- في محل نصب، نزولا على حكم الواقع الذي لا ضرر في اتباعه، أما كلمة: "ابن" فإعرابها هنا كإعرابها هناك.
(٣) ويجيزون أيضا في المنادى السالف ألا يكون مبنيا على الفتح في محل نصب؛ وإنما يكون معربا منصوبا، مباشرة، بغير تنوين، غير أنهم لحظوا أن حالات المنادى المعرب المنصوب لا تنطبق عليه؛ فتلمسوا الوسيلة لإدخاله تحت واحدة
[ ٤ / ٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
منها فارتضوا أن تكون الصفة "ابن" في حكم الزائدة التي لا وجود لها، وأن المنادى مضاف، وأن المضاف إليه هو الكلمة التي بعد كلمة "ابن" وبذا يكون المنادى في تقديرهم داخلا في قسم المضاف الذي يجب إعرابه ونصبه!! ويترتب على هذا أن تكون كلمة: "ابن" مقحمة بين المضاف والمضاف إليه. وأنها لا توصف بإعراب ولا بناء، وإنما هي موقوفة -كما يقولون- ولا محل لها من الإعراب فليست صفة، ولا غيرها.
فما هذا؟ وما الدافع له؟ الخير في إهماله، وإنما ذكرناه لتعرض شيئا يستحق الإعراض عنه. ثم نواجه الواقع بحكم أصيل يناسبه، لا إقحام فيه، ولا وقف، ولا بناء، فتعتبر المنادى معربا بغير تنوين، وكلمة: "ابن" صفة له. منصوبة.
"ملاحظة":
كل ما تقدم خاصا بكلمة: "ابن" يسري على كلمة: "ابنة" الواقعة مثلها صفة لمنادى مؤنث. مستوف للشروط. ولا يسري على غيرهما، فإذا وصف المفرد العلم بغيرهما بقي مفردا علما١، له ولتوابعه أحكامهما الخاصة، ولا ينتقل بسبب الوصف إلى قسم الشبيه بالمضاف؛ إذ لو انتقل إليه لوجب نصبه في جميع الأحوال، كالشبيه بالمضاف، ويصير هذا النصب العام مخالفا للحكم الصحيح.
ثانيا٢: المنادى النكرة المقصودة الموصوف بكلمة: "ابن"، أو "ابنة" أو غيرهما، له حكم خاص يختلف عن الحكم السابق، فيتوقف على حال هذه النكرة، أكانت موصوفة قبل النداء بإحدى الكلمتين السالفتين، أو بغيرهما، أم جاء الوصف بعد النداء، وطرأ بعد تحققه؟ وسيجيء الحكم مفصلا عند الكلام على النكرة المقصودة٣.
_________________
(١) ١ سيجيء هذا في أول ص٣٠. ٢ سبق الكلام على: "أولا" في ص٢٠. ٣ ص٢٨.
[ ٤ / ٢٢ ]
ح- وإذا كان المفرد العلم مبنيا قبل النداء بقي على بنائه القديم في اللفظ، ولكن يطرأ عليه بناء جديد، مقدر يجلبه النداء معه -طبقا للرأي الشائع من رأيين كما أسلفنا-١ فكلمة مثل: "سييويه" -وهي علم على إمام النحاة المشهور- مبنية قبل النداء على الكسر لزوما. فإذا نودي، وقيل: يا سيبويه، أحسن الله جزاءك..، كانت كلمة "سيبويه" منادى مبني على ضم مقدر على آخره منع من ظهوره البناء الأصلي على الكسر، في محل نصب١
ولهذا البناء الجديد المقدر أثره في التوابع، كالنعت وغيره -وستجيء الأحكام المفصلة الخاصة بتوابع المنادى-٢ فإذا جاء للمنادى تابع صح في هذا التابع أن يكون في مظهره الشكلي مرفوعا٣؛ مراعاة صورية -غير حقيقية- للضم المقدر في المنادى، وجاز أن يكون منصوبا؛ مراعاة لمحل هذا المنادى؛ لأنه مبني في محل نصب -كما عرفنا- ولا يجوز مراعاة علامة البناء الأصلي التي ليست طارئة مع النداء. تقول يا سيبويه النحويُّ، ببناء كلمة "النحوي" على الضم -رفعا صوريا غير٣ حقيقي- أو بنصبها مباشرة: باعتبارها معربة. ومثل هذا يقال في كل علم مفرد لازم البناء في أصله في مناداته؛ سواء أكان بناؤه الأصلي اللازم على الكسر "ومنه: حَذَامِ، رَقَاشِ علمين على امرأتين عند من يبنيهما" أم على غير كسر؛ "مثل حيثُ - كيفَ - أربعةَ عشرَ، وأخواتها من الأعداد المركبة المبنية على فتح الجزأين، - نَعَمْ أعلام أشخاص" فيقال في كل علم من هذه الأعلام: إنه مبني على الضم المقدر منع من ظهوره علامة البناء الأصلي "على الكسر، أو على الضم، أو على الفتح، أو على فتح الجزأين، أو على السكون" في محل نصب في كل ذلك.
ومثل هذا يقال في العلم المعرب المنقول من جملة محكية، مثل: "صنعت خيرا" علم على شخص. فيقال: يا صنعت خيرا الشجاع فالمنادى -وهو:
_________________
(١) ١ و١ في رقم٤ من هامش ص١١، وانظر "الملاحظة" التي في ص١٢ حيث تعرض الرأي الآخر المفيد. ٢ ص٤٠. ٣ و٣ هل يقال لهذا اللفظ إنه مرفوع، مع أن رفعه صوري، وغير حقيقي؟ وما إعرابه؟ الإجابة والبيان في ص٥٢.
[ ٤ / ٢٣ ]
"صنعت خيرا" مبني على ضم مقدر على آخره منع من ظهوره حركة الحكاية، في محل نصب. ويجوز في النعت: "الشجاع" الرفع الصوري١ تبعا للفظ المنادى والنصب تبعا لمحله.
د- المنادى المفرد العلم مبني -في الأكثر كما عرفنا- فلا ينون إلا في الضرورة الشعرية، فيباح تنوينه مع رفعه٢، أو نصبه٣، فمثال الأول قوله الشاعر يهدد خصمه حميدا:
لا تهجني -يا حميدٌ- إن لي فتكة الليث، إذا الليث غضب
ومثال الثاني قول المادح:
حسبنا منك -يا عليًّا٤- أياد يتغنى بها الزمان نشيدا
وإذا كان المنادى المفرد العلم مبنيا على الضم، لكنه منون للضرورة لزم التصريح بهذا عند إعرابه٢، وجاز في تابعه الرفع مراعاة للفظه -إن لم يوجد مانع آخر- والنصب مراعاة لمحله. أما إذا كان منصوبا منونا فيقال في إعرابه إنه منصوب منون للضرورة، ولا يجوز في تابعه إلا النصب؛ لأن النصب هو الأصل المحلي في المبني، وقد ظهر النصب في اللفظ، فلا داعي لإهماله، ومراعاة غيره
_________________
(١) ١ يقال هنا ما سبق في رقم٣ من هامش الصفحة السالفة. ٢ و٢ ويقال عند إعرابه: إنه منادى مبني على الضم، ولحقه التنوين للضرورة، وقد اجتمع التنوين وعدمه في العلم: "مطر" في بيت يستشهد به قدماء النحاة؛ هو: سلام الله يا "مطرٌ" عليها وليس عليك يا "مطر" السلام ٣ والنصب في الضرورة -بالرغم من إباحته- أقل وأضعف من الرفع. ويقال في إعرابه: إنه منصوب مراعاة لبعض اللهجات، ومنون لضرورة الشعر. ٤ الضرورة في هذا البيت مباحة للشاعر، ولكن تركها أفضل؛ إذ لا يختل الوزن بتركها، وبعض النحاة يستشهد ببيت مثله؛ هو قول الشاعر: ضربت صدرها إليَّ وقالت يا "عديا" لقد وقتك الأواقي وموضع الشاهد: هو: يا عديا.
[ ٤ / ٢٤ ]
القسم الثاني: النكرة ١ المقصودة: ويراد بها:
"النكرة التي يزول إيهامها وشيوعها بسبب ندائها، مع قصد فرد من أفرادها، والاتجاه إليه وحده بالخطاب"؛ فتصير معرفة دالة على واحد معين٢ بعد أن كانت تدل على واحد غير معين، ولولا هذا النداء لبقيت على حالتها الأولى من غير تعريف. فكلمة مثل: "رجل" هي نكرة، مبهمة، لا تدل على فرد واحد بذاته، وإنما تصدق على محمود، وحامد، وصالح، و، وكل رجل آخر. فإذا قلنا: يا رجل سأساعدك على احتمال المشقة، تغير شأنها، ودلت على فرد معروف الذات والصفات -دون غيره- هو الذي اتجه إليه النداء، وخصه المتكلم بالاستدعاء، وطلب الاستماع؛ فصارت معرفة معينة بسبب الخطاب، لا شيوع فيها ولا إبهام.
والنكرة المقصودة هي -في الرأي الأنسب- القسم الوحيد الذي يستفيد التعريف من النداء، دون بقية أقسام المنادى.
حكمها:
الأكثر البناء٣ على الضمة، أو ما ينوب عنها في محل نصب، فهي شبيهة بالمفرد العلم في هذا. ومن أمثلتها قول شوقي يخاطب بلبله الحبيس:
يا طير -والأمثال تضـ ـرب للبيب الأمثال
دنياك من عاداتها ألا تكون لأعزل
_________________
(١) ١ وتسمى -كما في رقم ٣ من هامش ص٤- اسم الجنس المعين. وقد سبق الكلام على النكرة وتعريفها وما يتصل بها في ج١ ص١٣١ م٧. ٢ الفرق بين التعيين والتعريف في النكرة المقصودة والمفرد العلم أن التعيين والتعريف في الأولى عرضيان طارئان بسبب النداء؛ فهما أثران من آثاره؛ يجيئان معه، ويزولان معه. ولكنهما أصيلان في العلم ملازمان له، ولو لم يوجد النداء، فلا أثر في إيجادهما، أو زوالهما، أو بقائهما -على الرأي الأرجح الذي يبق في رقم ٢ من هامش ص١١. والمعارف متفاوتة في درجة التعريف، وقوته، طبقا لما سبق تفصيله في الموضع الأنسب "وهو ج١ م١٧ رقم ٣ من هامش ص١٩١" ومنه يعرف أن النكرة المقصودة في درجة اسم الإشارة؛ لأن التعريف بكل منهما يتم إما بالقصد الذي يعينه المشار إليه، وإما بالتخاطب كما في الموضوع السالف، وكما في "ب" من ج١ م٣٢ ص٣٣٩ وأن التعريف بالعلمية ذاتي؛ فهو أقوى. ٣ إلا في الضرورة الشعرية -كما سنعرف، وفي صورة أخرى معربة ستجيء في الزيادة والتفصيل: ص٢٨ - "١". وثالثة معربة تجيء في ص٣٤.
[ ٤ / ٢٥ ]
ولا يصح تنوينها إلا في الضرورة الشعرية، فتنون مرفوعة أو منصوبة، كقول الشاعر وهو ينظر للقمر:
يا قمرًا لا تفش أسرار الورى وارحم فؤاد الساهر الولهان
ويصح: يا قمرٌ. وفي الحالتين يكون إعرابها كالمفرد١ العلم المنون فيهما.
هذا حكم النكرة بشرط أن تكون مقصودة، ومفردة "أي: غير مضافة، ولا شبيهة بالمضاف" فإن كانت غير مقصودة فهي من القسم الثالث الآتي، وإن كانت غير مفردة فهي من أحد القسمين التاليين: الرابع، والخامس.
وإنما تبنى النكرة المقصودة المفردة على الوجه السالف بشرط ألا تكون موصوفة، وألا تكون من الأعداد المتعاطفة٢، ولا معربة مجرورة باللام في حالة الاستغاثة أو التعجب؛ مع وجود حرف النداء: "يا"٣؛ لأن للأولين حكما سيجيء٢، وأن الجار يجعلها من قسم المنادى المضاف -تأويلا، دون غيره، وهو معرب واجب النصب؛ نحو: يا لقوي لضعيف يستنصره، ويا للمطر الهتون!! في نداء منكرين معينين. فالمنادى مجرور باللام في محل نصب. وقد بقي معربا كشأنه السابق على النداء، وسيجيء البيان في باب الاستغاثة٤..
_________________
(١) ١ سبق في "د" ص٢٤. ويجب التصريح باسمها عند الإعراب. ٢ و٢ انظر "ا" ص٢٨ وص٣٤. ٣ دون غيره، ولا يصح حذفه في الحالتين -كما سبق وفي رقم ٥ و٦ من ص٣. ٤ ص٧٧ ويقول ابن مالك في أحكام المنادى المبني على الضم مطلقا، "أي: سواء أكان مفردا علما، أم فكرة مقصودة". وابن المعرف المنادى المفردا على الذي في رفعه قد عهدا فهو يطالب ببناء المنادى المفرد المعرف، وأن يكون بناؤه على العلامة المعهودة فيه في حالة رفعه قبل النداء؛ لأن الضم -لا الرفع- هو علامة البناء في الشائع، فالذي علامته الضمة يبنى عليها، والذي علامته الألف؛ كالمثنى، أو الواو كجمع المذكر، يبنى عليهما وهذا الحكم ينطبق على القسمين: المفرد العلم والنكرة المقصودة؛ فكلاهما مفرد ومعرف. غير أن تعريف المفرد العلم أصيل، سببه العلمية؛ فهو سابق على النداء، وباق معها ولو زال النداء؛ طبقا لأحد الرأيين المعروضين في ص١١. أما تعريف النكرة المقصودة؛ فطارئ؛ بسبب النداء ملازم له مدة وجوده، زائل بزواله -كما سبق في هامش الصفحة الماضية- وبناء المفرد العلم على الضم إنما يكون واجبا في غير الضرورة وبعض الصور=
[ ٤ / ٢٦ ]
_________________
(١) = التي أشرنا إليها في رقم ٣ من هامش ص١٠. كما أن النكرة الموصوفة لا تبنى -في غير الضرورة- على الضم وجوبا إلا عند عدم وصفها وعدم طولها. فإن وصفت أو طالت جرت عليها الأحكام الآتية في ص٢٨ و٣٤. ثم بين ابن مالك وإجراؤه مجرى المعرب الذي زال إعرابه بسبب النداء، وحل محله بناء جديد، أو مجرى اسم مبنى في أصله، زال في التقدير بناءه القديم وحل محله بناء طارئ جديد بسبب النداء -مع ملاحظة أن الجديد هو الذي يراعى وحده في توابعه- يقول: -ورأيه مدفوع برأي آخر سبق في ص١١. وانو انضمام ما بنوا قبل النداء وليجر مجرى ذي بناء وجددا وقبل أن يتمم الكلام على هذا القسم أقحم بيتا يتعلق بأقسام أخرى سيجيء شرحها وشرحه في ص٣٣ هو: والمفرد المنكور، والمضافا وشبهة انصب، عادما خلافا وعاد بعده إلى بيان حكم المنادى العلم المفرد الموصوف بكلمة "ابن" -أو ابنة- وأنه يجوز فيه البناء على الفتح أو الضم، ولم يذكر الشروط؛ وإنما اكتفى في البيت الأول بأن ساق مثالا الشروط -وقد شرحناها مفصلة في ص١٨، ٢٠- واكتفى في البيت الذي يليه بالنص على أن الصفة "وهي كلمة: ابن، وابنة" إن لم تقع مباشرة بين علمين لم يصح البناء على الفتح، ووجب الاقتصار على البناء على الضم يقول في اختصار معيب: ونحو زيد ضم، وافتحن من نحو: أزيد بن سعيد لا تهن "تهن: مضارع، مجزوم، معناه: تضعف. وماضيه: وهن، معنى: ضعف". والضم إن لم يل الابن علما أو يل الابن علم قد حتما "الألف التي في آخر كل شطرة زائدة لوزن الشعر". بريد: أن البناء على الضم محتوم إن لم يقع الابن بعد علم "بشرط ألا يكون المنادى نكرة تقتضي حكما خاصا" أو لم يقع علم بعد الابن. أي: إذا لم يتوسط "الابن" بين علمين مباشرة -كما قلنا؛ فمقال الأول يا غلام ابن سعد - سليمان النبي ابن داود. ومثال الثاني: يا سليمان ابن النبي. ثم عرض الحكم آخر من أحكام المنادى المستحق للبناء؛ فأوضح أنه يجوز فيه الرفع والنصب مع التنوين في الحالتين عند الاضطرار الشعري. واضمم أو انصب ما اضطرارا نونا مما له استحقاق ضم بينا أي: اضمم أو انصب ما نون اضطرارا من كل ما له استحقاق ضم بين فيما سبق. والذي يستحق الضم فيما سبق هو المفرد العلم والنكرة المقصودة والمنادى المبني على الضم إذا نون يبقى على بنائه، وتنوينه طارئ للضرورة. أما في حالة تنوينه منصوبا فنقول -في الأحسن- إنه معرب منصوب، تبعا لبعض الجهات، وأنه منون للضرورة، -كما سبق في هامش ص٢٤.
[ ٤ / ٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
١- تبنى النكرة المقصودة على الضم وجوبا إذا كانت غير موصوفة مطلقا١ "أي: لا قبل النداء، ولا بعده". فإن دلت قرينة واضحة -أي قرينة؛ لفظية، أو غير لفظية- على أنها كانت قبله موصوفة بنعت مفرد، أو غير مفرد؛ فالأغلب الحكم بوجوب نصبها مباشرة؛ إذ قد اتصل بها شيء تمم معناها، ولم تقتصر على لفظها وحده، فدخل عليها النداء وهي متصلة بما يتممها؛ وبسببه تخرج من قسم النكرة المقصودة إلى قسم الشبيه بالمضاف، وهو واجب النصب مثال هذا أن تخاطب: "شاهدتك من بعيد قادما علينا، ويبدو أنك رجل غريب. فيا رجلا غريبا ستكون بيننا عزيزا". فالنكرة الكلام السابق عليها. ومن الأمثلة للنعت بالجملة أن تسمع: "سيزورنا اليوم وفد نعزه " فتقول: يا وفدا فعزه نحن في شوق لرؤيتك. ويصح: يا وفدا من بلاد عزيزة أو يا وفدا أمامنا إذا كانت الصفة قبل النداء شبه جملة. ومن هذا أبيات الشاعر التي أنشأها حين قيل له: هذا شرع وراء دجلة تعبث به الرياح؛ فقال أبياته التي مطلعها:
يا شراعا وراء دجلة يجري في دموعي، تجنبتك العوادي
ومن الأمثلة المسموعة التي لها قرائن معنوية تدل على النكرة وصفت قبل النداء ما حكاه الفراء عن العرب في مشهور بالكرم: يا رجلا كريما أقبل. وقوله ﵇: يا عظيما٢.
_________________
(١) ١ في هذه الصورة يصح وصف المعرفة بالنكرة، "طبقات للبيان الآتي هنا وفي "د - ص٣٠" كذلك في رقم ٢ من هامش ص٤٤". ولا تبنى النكرة المقصودة التي من الأعداد المتعاطفة "انظر ص٣٣". ٢ في هذا المثال -وأشباهه- مما يقع فيه المنادى نكرة مشتقة متحملة الضمير وبعدها جملة -يرى ابن هشام إعراب هذه الجملة حالا من الضمير المستقر في المنادى المشتق، وليست نعتا؛ لأن النعت لا يكون معمولا للمنعوت المشتق- ويكون المشتق هو العامل الذي نصب جملة الحال؛ فهي من معمولاته التي تتم معناه. ويترتب على هذا عنده أن يكون المنادى من نوع الشبيه بالمضاف، وليس من قسم النكرة المقصودة التي تنصب. بشرط ألا يثبت أن الوصوف متأخر عن النداء -كما سبق. ويخالفه ابن مالك في تلك الصورة فيرى أن الجملة نعت -برغم تنكيرها حكما- لا حال، ولعل السبب عنده أن العامل في النعت هو "يا" أو ما نابت عنه، ولا شأن للمنادى بالعمل؛ فليست الجملة من معمولاته ولا مما يقتضي أن يكون من قسم الشبيه بالمضاف. ورأي ابن مالك أوضح وأيسر، ورأي ابن هشام أدق. فإن كان المنادى نكرة جامدة فهي خالية من الضمير، ولا مكان -في الغالب- لمجيء الجملة أو شبهها حالا منه، ويتعين إعرابها صفة.
[ ٤ / ٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يرجى لكل عظيم، ويا حليما لا يعجل. وقول الشاعر:
أدارا بحزوى هجت للعين عبرة فماء الهوى يرفض أو يترقرق
فالرجاء في الله وحلمه ثابتان قبل النداء، وكذلك قيام الدار ووجودها قبل أن يناديها الشاعر. فالنكرات المقصودة في الأمثلة السالفة وأشبابهها منصوبة. وقيل اكتسبت هي وصفتها التعريف بسبب النداء؛ لأن النداء حين جاء كانت الصفة والموصوف متلازمين مصطحبين، فأفادهما التعريف معا، وإن شئت فقل: إنه أكسب المنادى التعريف، وسرى هذا التعريف فورا من المنادى الموصوف إلى صفته، فالصفة هنا تتمة للمنادى؛ فهي بمنزلة المعمول من العامل. ومن أجلها انتقلت النكرة المقصودة١ إلى قسم الشبيه بالمضاف. وقيل إنها لا تنتقل للشبيه بالمضاف، ولكن يحسن فيها النصب.
أما إذا دلت القرينة الواضحة على أن وصف النكرة المقصودة كان بعد النداء فإن المنادى يجب -في الأغلب- بناؤه على الضم، ولا يصح نصبه، بالرغم من وجود صفة له. ذلك أن النداء حين دخل على النكرة المقصودة لم تكن موصوفة، فاستحقت البناء وجوبا. فإذا جاءت الصفة بعد ذلك فإنما تجيء بعد أن تم البناء على الضم وتحقق، فلا تكون مكملة للنكرة المقصودة التكميل الأصلي الذي يخرجها إلى قسم الشبيه بالمضاف، الواجب النصب. والمنادى في هذه الصورة إذ لا مانع في هذه الصورة من أن يوصف بالنكرة أو بما هو في حكمها -كالجملة- لأن تعريف الموصوف هنا طارئ غير أصيل٢. والتعريف الطارئ على المنعوت لا يوجب في النعت المطابقة فيه. وإنما يجيزه، فمخالفة المطابقة في التعريف مغتفرة في هذه الصورة؛ "كما سيجيء"٣.
_________________
(١) ١ وفي ص٣٤ صورة أخرى تنتقل فيها النكرة الموصوفة إلى قسم الشبيه بالمضاف. ٢ راجع الخضري، ثم التصريح وحاشيته في هذا الباب عند الكلام على النكرة المقصودة غيرها. وسبق إيضاح هذا لمناسبة أخرى في باب "الإضافة" عند الكلام على أثر الإضافة غير المحضة "ج٣ م٩٣ ص٢٩" ولها إشارة في باب النعت أيضا "ج٣ م١١٤ ص٤٣٥". ٣ في "د". وأما الصفة التي سبقت مجيء النداء فمطابقة في التعريف والتنكير للموصوف، حتما ولا تتغير المطابقة عد النداء.
[ ٤ / ٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإن لم توجد قرينة، تدل بوضوح على أن وصف النكرة المقصودة كان قبل النداء أو بعده جاز الأمران: النصب، والبناء على الضم.
ويرى بعض النحاة أن النصب جائز مطلقا في النكرة الموصوفة؛ سواء أكان وصفها قبل النداء أم بعده، ولا يرى حاجة للتقييد، بغير داع؛ إذ يصعب -في الأغلب- تحقيق القيد؛ بمعرفة أن الوصف كان قبل النداء أو بعده، ورأيه أيسر وأخف مؤنة، لخلوه من العناء، وإن كان أقل دقة في أداء المعنى من الأول؛ فالرأيان محمودان.
ولا يسري ما سبق على العلم الموصوف فإنه حين يوصف يظل على حاله في قسم المفرد العلم١، ولا يتركه إلى قسم الشبيه بالمضاف؛ لأن العلم ليس شديد الحاجة إلى الوصف شدة النكرة إليه.
ب- إذا كانت النكرة المقصودة اسما منقوصا، منونا، محذوف الباء للتنوين؛ "مثل" داع، مرتض، مستهد" -أو اسما مقصورا منونا محذوفا الألف "مثل: فتى، علا، غنى"- وبنيت على الضم. كأن الشأن في وجوب حذف تنوينها، وإعادة حرف العلة المحذوف أو عدم إعادته، هو ما تقدم٢ في المفرد العلم في تلك الصيغتين، فكل ما قيل فيه من الأسباب والنتائج يقال هنا.
ح- هل يعد من النكرة المقصودة نداء المعارف المبنية أصالة قبل النداء وليست أعلاما "كالإشارة، وضمير المخاطب " فتبنى على الضم المقدر؟ راجع الشرح والتفصيل الذي بسطناه٣.
د- تصير النكرة المقصودة التي لم توصف قبل النداء، معرفة بسبب النداء -كما شرحنا- فتعريفها به طارئ؛ فتوصف بالمعرفة، تبعا لهذا التعريف الطارئ، ويصح وصفها بالنكرة مراعاة لحالتها السابقة من التنكير؛ فتقول لرجل معين: يا رجلا المهذب، أو مهذبا. والأول أحسن٤.
أما النكرة التي توصف قبل أن تنادى فإن صفتها واجبة المطابقة لها تعريفا وتنكيرا؛ فيجيء النداء وهي مطابقة قبل مجيئه فلا يغير المطابقة.
_________________
(١) ١ راجع ما سبق في ص٢١ خاصا بهذا. ٢ في رقم ٢ ص١٥. ٣ في رقم ٣ من هامش ص٩١. ٤ سبق بيان المراجع في هامش رقم٢ من ص٢٨.
[ ٤ / ٣٠ ]
القسم الثالث: النكرة غير المقصودة١، وهي الباقية على إبهاهما وشيوعها كما كانت قبل النداء، ولا تدل معه على فرد معين مقصود بالمناداة؛ ولهذا لا تستفيد منها تعريف.
حكمها:
وجوب نصبها مباشرة، نحو: يا عاقلا تذكر الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا، وقول الشاعر:
أيا راكبا إما٢ عرضت٣ فبلعن نداماي٤ من نجران٥ أتلاقيا
القسم الرابع: المضاف. بشرط أن تكون إضافته لغير ضمير المخاطب٦، سواء أكانت محضة؛ كقول الشاعر:
فيا هجر ليلى قد بلغت بي المدى وزدت على ما ليس يبلغه هجر
ويا حبها زدني جوى كل ليلة ويا سلوة الأيام موعدك الحشر
ومثل قول القائل:
يا أخا البدر سناء٧ وسنا٨ حفظ الله زمانا أطلعك
أم غير محضة كقول الآخر:
يا ناشر العلم بهذي البلاد وفقت؛ نشر العلم مثل الجهاد
حكمها:
وجوب النصب بالفتحة، أو بما ينوب عها.
_________________
(١) ١ وتسمى اسم الجنس غير المعين -كما سبق في رقم ٣ من هامش ص٤. ٢ "إما" هذه مركبة من "إن" الشرطية المدغم، فيها: "ما" الزائدة. ٣ أتيت ٤ ندامى: جمع؛ من مفرداته: ندمان، وهو: المؤانس في مجلس الشراب. ٥ بلد في اليمن. ٦ مسايرة للأساليب العربية الصحيحة؛ فإنها لا تجمع في الجملة الواحدة الندائية التي ليست للندبة، خطابين لشخصين مختلفين. على حين يجب أن يكون المضاف غير المضاف إليه في المعنى، ومخالفا في المدلول؛ فبين مطلوب النداء ومطلوب أن الإضافة تعارض -وهذا في غير الندبة- فلا يصح أن يقال: يا خادمك؛ لأن النداء خطاب للمضاف؛ مع أن المضاف إليه هنا ضمير لمخاطب آخر غير المضاف -ولهذا إشارة في ص٥٠ أما في الندبة فيجيء الكلام عليها في رقم ٢ من هامش ص٩١. ٧ شرفا ورفعة. ٨ ضوءا.
[ ٤ / ٣١ ]
ويلحق بهذا القسم نداء: "اثني عشر، واثنتي عشرة" فينصب صدرها بالياء في أحد الرأيين اللذين سبق شرحهما١ -وهو الرأي المرجوع الذي يجعل الأعداد المركبة كلها من قسم المنادى المضاف.
وقد تفصل لام الجرد الزائدة بين المنادى والمضاف إليه، بشرط أن تكون زيادتها لضرورة شعرية، كما القائل٢، في غادة:
لو تموت لراعتني، وقلت: ألا يا بؤس للموت، ليست الموت أبقاها
وقول الآخر٣:
يا بؤس للجهل ضرارا لأقوام
القسم الخامس: الشبيه بالمضاف: ويراد به كل منادى جاء بعده معمول يتم معناه، سواء أكان هذا المعمول مرفوعا بالمنادى، أو منصوبا به، أم مجرورا بالحرف -لا بالإضافة-٤ والجار والمجرور متعلقان بالمنادى، أو معطوفا على المنادى قبل النداء، أم نعتا له قبل النداء أيضا ٥.
حكمه:
كسابقه -وجوب نصبه بالفتحة، أو بما ينوب عنها، فمثال المعمول المرفوع قولهم: يا واسعا سلطانه، فإنه الظلم بلا على صاحبه، ويا عظيما جاهه لا تغتر؛ فإن الغرور رائد الهلاك. ومثال المنصوب قولهم: يا غاصبا ما ليس لك كيف تسعد؟ ويا آكلا مال غيرك، كيف تنعم؟ وقول حافظ في عمر بن الخطاب:
يا رافعا راية الشورى، وحارسها جزاك ربك خيرا عن محبيها
_________________
(١) ١ في رقم ٢ من هامش ص٩ وهامش ص١٧ وهو الرأي الكوفي المرجوح، الذي يحتج بأن صورتها كالمتضايفين، وكذلك صور بقية الأعداد المركبة، ويوجب نصب صدورها. ٢ هو جنادة العذري، ممن أدركوا الدولة الأموية. ٣ هو جنادة الذبياني. وصدر البيت: قالت بنو عامر: خالوا بني أسد "يقال: خالي فلان قبيلته، أي: تركها". والمعنى: اتركوا بني أسد، ولا تجهلوا عليهم بالحرب -والبيت سبق في ج٢ باب "حروف الجر" عند الكلام على اللام. ٤ لأن المعمول إذا كان مجرورا بالإضافة كان المنادى هو المضاف؛ فيدخل في قسم المضاف، لا الشبيه به. ٥ طبقا للبيان الخاص بالنعت في ص٢٨.
[ ٤ / ٣٢ ]
ومثال المجرور بالحرف وهما متعلقان بالمنادى قول شوقي:
يا طالبا لمعالي الملك مجتهدا خذها من العلم، أو خذها من المال
وكذلك المستغاث المجرور باللام الأصلية "كما سبق١، وكما يجيء".
ومثال المنادى المعطوف عليه قبل النداء ما سمي بمجموع المتعاطفين٢ من أسماء الأعداد المتعاطفة قبل مناداتها، نحو: يا سبعة وعشرين - يا تسعة وأربعين و في نداء المسمى بهما معا. وتظل الواو عاطفة، ومنه قول الشاعر في نداء قصر يرثه، يسمى: خمسا وعشرين:
أخمسا وعشرين٣ صرت خرابا فكيف؟ وأنت الحصين المنيع
وقد سبقت أمثلة النعت قبل النداء٤.
"ملاحظة عامة" من كل ما سبق يتبين أن قسمين من أقسام المنادى الخمسة -هنا: المفرد العلم، والنكرة المقصودة- يبنيان في أكثر حالاتهما على الضمة أو فروعها، وأن الثلاثة الباقية -وهي النكرة غير المقصودة، والمضاف، وشبهه- منصوبة دائما.
_________________
(١) ١ في ص١٣ و٢٦ والبيان في ص٧٩. ٢ هما: المعطوف والمعطوف عليه. ٣ علم على قصر فخم أشم، أقامه أحد ملوك الطوائف الأندلسية، واشتهر بهذا الرقم. ٤ في ص٢٨ وفي الأقسام الثلاثة الأخيرة يقول ابن مالك في بيت سبقت الإشارة إليه في ص٢٧: والمفرد المنكور، والمضافا، وشبهه، انصب. عادما خلافا يقول: انصب المفرد المنكور "وهو النكرة الباقية على تنكيرها، وليست مضافة ولا شبيهة بالمضاف" وانصب كذلك المضاف، وشبه المضاف، بغير خلاف في نصب الثلاثة؛ إذ إنك لا تجد في نصبها خلافا ذا قيمة. ثم انتقل بعد ذلك مباشرة إلى أبيات ثلاثة شرحها وتفصيل الكلام عليها في مناسباتها الخاصة "ص٢٧ وما بعدها" وهي: ونحو: زيد ضم وافتحن من نحو: أزيد بن سعيد لا تهن والضم إن لم يل الابن علما أو يل الابن علم، قد حتما واضمم أو انصب ما اضطرارا نونا مما له استحقاق ضم بينا
[ ٤ / ٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
١- في نداء الأعداد المتعاطفة١ المسمى بها قبل النداء -كالتي في الصفحة السالفة- يلاحظ أن المعطوف والمعطوف عليه يجب نصبهما معا عند النداء، بشرط أن يكونا -معا- علما على فرد واحد، سمي بهما قبل النداء؛ فنصب المعطوف عليه واجب؛ لأنه شبيه بالمضاف في الطول، ونصب المعطوف واجب؛ لأنه تابع للمعطوف عليه٢ وفي هذه الصورة يمتنع إدخال حرف النداء على المعطوف؛ لأنه جزء من العلم يشبه الجزء الأخير من العلم: "عبد شمس" أو "عبد قيس"، أو غيرهما من الأعلام المضافة والمركبة؛ حيث لا يصح تكرار حرف النداء بين جزأي العلم عند مناداته.
وكذلك لو ناديت جماعة واحدة، معينة، مقصودة، عدتها هذه، وأردت المجموع فيجب نصب الجزأين؛ لأن المنادى نكرة مقصودة، لكنها طالت، بسبب العطف عليها، فصارت من قسم الشبيه بالمضاف، منصوبة، وما بعد الواو معطوف منصوب مثلها.
أما إذا كان المنادى أحد الأعداد المعطوفة، كخمسة وعشرين، ونظائرها، ولكن أردت بالأول وحده -وهو المعطوف عليه المنادى- جماعة معينة عددها خمسة، وأردت بالثاني -وهو المعطوف- جماعة معينة أخرى، عددها عشرون، وجب بناء الأول على الضم؛ لأنه نكرة مقصودة، ووجب نصب الثاني أو رفعه٣؛ مراعاة لمحل المتبوع، أو لفظه، من غير مراعاة لبنائه، والأرجح في مثل هذه الصورة إدخال "أل" على الثاني؛ لأنه اسم جنس أريد به معين؛ فتدخل عليه "أل" لتفيده التعريف؛ إذ لم يدخل "عليه -مباشرة- حرف نداء يفيده ذلك،
_________________
(١) ١ أي: المشتملة على معطوف عليه ومعطوف. ٢ والإعراب السابق هو المختار عندهم. على الرغم من أن التسمية وقعت بكلمتين معا فإعراب كل واحد منهما على حدة مشكل -كما جاء في حاشية ياسين على التصريح في هذا الموضع- ثم قالت ما نصه: "إلا أن يقال: إن في إعراب كل بالإعراب الذي استحقه المجموع دفعا للتحكم. كقولهم: "الرمان حلو حامض". ٣ هذا الرفع صوري ظاهري فقط؛ طبقا للبيان الآتي رقم٣ من ص٥٢.
[ ٤ / ٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أما الحرف الموجود فهو داخل على الأول، مقصور عليه، ولا مانع من الاستغناء عن "أل" هذه، ومجيء حرف نداء مكانها؛ ليفيد المعطوف تعريفا مباشرا، ويجب في هذه الصورة بناؤه على الواو؛ لأنه نكرة مقصودة، ولا تذكر معه "أل"؛ إذ لا تجتمع مع حرف النداء إلا على الوجه الذي سنشرحه في الصفحة التالية.
ب- وأيضا تعتبر النكرة المقصودة الموصوفة قبل النداء داخلة في قسم الشبيه بالمضاف. وقد سبق شرحها وتفصيل الكلام عليها١
_________________
(١) ١ في الزيادة والتفصيل ص٢٨ - "ا".
[ ٤ / ٣٥ ]
المسالة ١٢٩: الجمع بين حرف النداء، و"أل"
من أحكام النداء حكم عام تخضع له أقسامه الخمسة، هو: أنه لا يجوز نداء المبدوء "بأل" فلا يصح الجمع بينه وبين حرف١ النداء، إلا في إحدى الحالات الآتية:
الأولى: لفظ الجلالة: "الله"؛ نحو: "يا ألله٢، سبحانك!! أنت القادرة على كل شيء، المنعم بفيض الخيرات"، والأكثر في الأساليب العالية عند نداء لفظ الجلالة أن يقال: "اللهم"، وهو من الألفاظ الملازمة للنداء٣، نحو قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ . وكقول علي -﵁- وقد مدحه قوم في وجهه: "اللهم إنك أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم. اللهم اجعلني خيرا مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون".
ويقال في إعرابه: "الله" منادى مبني على الضم في محل نصب، والميم المشددة المفتوحة عوض عن حرف النداء: "يا"، ومن الشاذ الجمع بينهما، كما في قول القائل.
إني إذا ما حدث ألما أقول: يا اللهم يا اللهما
_________________
(١) ١ لا فرق في المنع بين "يا" أو أخواتها. وسبب امتناع الجمع -وهذا ما ذهب البصريين- مسايرة الكلام العربي الفصيح، فإنه يكاد يخلو من اجتماع أداتين ظاهرتين للتعريف، كيا، و"أل". أما دخول "يا" أو غيرها من أحرف النداء على العلم فلا مانع منه؛ لأن العلمية ليست بأداة ظاهرة. والكوفيون يجيزون الجمع بين "يا وأل" مطلقا -كما سيجيء في هامش ص٣٩. ٢ يجوز في همزة "أل" عند نداء لفظ الجلالة -الله، دون غيره- بالحرف "يا" أن تكون للقطع، فتظهر وجوبا في النطق وفي الكتابة، وتثبت معها ألف "يا" في النطق والكتابة. ويجوز اعتبارها همزة وصل؛ فتحذف مع ألفها نطقا وكتابة معا، وتحذف ألف "يا" نطقا فقط: لا كتابة، وقد تحذف الهمزة وألفها وتبقى ألف "يا" نطقا وكتابة. ٣ كما سيجيء في ص٦٨.
[ ٤ / ٣٦ ]
ومن الجائز أن تحذف "أل" من أوله، ويكثر هذا في الشعر، كقول القائل:
لا هم إن العبد يمـ ـنع رحله؛ فامنع رحالك
وقول الآخر١:
لا هم هب لي بيانا أستعين به على قضاء حقوق نام قاضيها
فتكون كلمة: "لاه" هي المنادي المبني على الضم٢
ولا مانع أن يجيء بعد: "اللهم" صفة له؛ كقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ويمنع هذا بعض النحاة؛ بحجة أن الأسماء الملازمة للنداء "ومنها: اللهم" ليست في حاجة إلى الفائدة التي يحققها النعت لغيرها، ويعرب الصفة إعرابيا آخر -كأن تكون نداء مستأنفا في الآية السالفة- والأنسب الأخذ بالإباحة٣
_________________
(١) ١ هو: حافظ إبراهيم، في مطلع قصيدته المشهورة بالعمرية، في سيرة عمر بن الخطاب، ﵁. ٢ أما "ولاه" التي تتردد في النصوص القديمة كالتي في قول الشاعر: لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب عني، ولا أنت دياني، فتخزوني فأصلها "لله" حذفت من أولها لام الجر. ٣ هذا، وتستعمل صيغة: "اللهم" في النداء الحقيقي على الوجه السالف. وقد تستعمل قبل حرف من أحرف الجواب؛ لتفيد الجواب تقوية وتمكينا في نفس السامع، وتأكدا لمضمونه؛ كأنه يسأل سائل: أصحيح أن زكاة المال تقي صاحبها عوادي الأيام؟ فتجيب: اللهم، نعم، ومثل: أيخشى الحازم ركوب الأهوال لإدراك نبيل الأغراض؟ فتجيب؛ اللهم، لا. فكأنك تقول: والله، نعم، أو والله، لا، وقد تستعمل لإفادة الندرة، والدلالة على قلة الشيء أو بعد وقوعه وتحققه، كأن يقال: سأسافر لزيارة أخي. اللهم إذا أبى أن يجيء، وسأحدثه في شئونا الهامة، اللهم إذا لم يغضب، فمن النادر أو المستبعد أن يأبى الأخ زيارة خيه، أو الحديث معه. وتعريف في الصورتين الأخيرتين -في الرأي الأنسب- كما تعرف في النداء الحقيقي. ولكن يزاد عند إعرابها: أن النداء غير حقيقي، وأنه خرج عن معناه الأصلي إلى معنى آخر؛ هو: تقوية الجواب وتمكينه وتأكيد مضمونة. أو إفادة الندرة والبعد
[ ٤ / ٣٧ ]
الثانية: المنادى المشبه به؛ بشرط أن يذكر معه وجه الشبه؛ كقولك لمغن: يا البلبل ترنيما وتغريدا أطربنا - يا الشافعي فقها وصلاحا سر على نهجه - يا المأمون ذكاء وبراعة أحسن محاكاته، أي: يا مثل البلبل يا مثل الشافعي ، يا مثل المأمون فالمنادى في الحقيقة محذوف، قد حل محله المضاف إليه، فصار منادى بعد حذفه، ولا يصح١ يا "القرية" على إرادة: "يا أهل القرية" لأن الشرط هنا مفقود
الثالثة: المنادى المستغاث٢ به، المجرور باللام المذكورة، نحو: يا للولد للولد. فإن لم يكن مجرورا باللام المذكورة لم يصح الجمع بين "يا" و"أل" فلا يقال: يا الوالدا للولد.
الرابعة: اسم الموصول المبدوء "بأل" بشرط أن كون مع صلته علما، نحو: يا ألذي٣ كتب؛ في نداء مسمى بالموصول مع صلته. والأنسب هنا أن يقال فيه: "إنه مبني على ضم مقدر على آخره منع من ظهوره الحكاية في محل نصب". لأنه في هذه الصورة داخل في عداد الأشياء الملحقة بالمفرد العلم.
فإن لم توجد الصلة مع الموصول المبدوء بأل، وكانت التسمية بالموصول وحده لم يصح نداؤه؛ فلا بد لصحة ندائه أن تكون الصلة جزءا من العلم.
الخامسة: نداء العلم المنقول من جملة اسمية مبدوءة "بأل"؛ نحو: الرجل زارع؛ تقول: يا ألرجل٣ زارع، سر على بركة الله.
السادسة: العلم المبدوءة "بأل" إذا كانت جزءا منه٣، يؤدي حذفها
_________________
(١) ١ على سبيل الحقيقة، لا المجاز. ٢ سيجيء باب "الاستغاثة" وأحكامها في ص٧٧. وأما الجمع فيها بين "يا، وأل" ففي رقم ٣ من ص٨٢. ٣ الهمزة هنا للقطع بعد أن صارت في أول علم؛ فيجب إثباتها نطقا وكتابة في كل الأحوال؛ لأن المبدوء بهمزة وصل إذا سمي به يجب قطع همزته؛ لا فرق بين الفعل وغيره، ولا بين الجملة وسواها إلا لفظ الجلالة: "الله" فله عند النداء الأحكام الخاصة التي سبقت "في رقم ٢ من هامش ص٢٦" وقد نص "الخضري والصبان" على ما تقدم -في آخر باب النداء، ج٣، وهو المفهوم أيضا من كلام "التصريح" ج٢ في ذلك الموضع، وكذلك "المعنى" ج٢ - الباب السابع. وهذا إشارة في رقم ٣ من هامش ص١٠٩ ويجيء له بيان أكمل في رقم ٢ من هامش ص٢٤٧.
[ ٤ / ٣٨ ]
إلى لبس لا يمكن معه تعيين العلم المنادى؛ نحو: يا الصاحب - يا القاضي - يا الهادي، فيمن اسمه: الصاحب بن عباد، والقاضي الفاضل - والهادي الخليفة العباسي، وأمثالها، ولا التفات إلى الخلاف بين النحاة في هذا١.
السابعة: الضرورات الشعرية كقول الشاعر:
فيا الغلامان اللذان فرا إيا كما أن تعقبانا شرا
_________________
(١) ١ وهذا رأي البصرييين. أما الكوفيون فيجيزون الجمع بين: "يا وأل" في غير الضرورة -كما تقدم في رقم ١ من هامش ص٣٦. وفيما سبق من حكم اجتماع "أل" وحرف النداء يقول ابن مالك مقتصرا على بعض المواضع: وباضطرار خص جمع "يا" و"أل" إلا مع الله، ومحكي الجمل والأكثر: "اللهم"، بالتعويض وشذ: يا "اللهم" في قريض "في قريض: في شعر". وقد نص الناظم على امتناع الجمع بين "يا" و"أل" وهذا النص للتمثيل المجرد وليس مقصودا به التقييد بالحرف "يا" لما شرحنا من أن الجمع الممنوع يشمل "يا" مع "أل" كما يشمل أخوات "يا" مع "أل" أيضا.
[ ٤ / ٣٩ ]
المسألة ١٣٠: أحكام تابع المنادى ١
من المنادى ما يجب نصب لفظه، ومنه ما: يجب بناؤه على الضم، ومنه ما يصلح للأمرين. وليس للمنادى حكم آخر في حالة الاختيار، إلا في الاستغاثة -وما في حكمها- عند جر المنادى باللام، كما سنعرف في بابها٢.
أ- فإن كان المنادى منصوب اللفظ وجوبا وتابعه نعت، أو عطف بيان، أو توكيد وجب نصب التابع مطلقا٣؛ مراعاة للفظ المتبوع؛ نحو، يا عربيا مخلصا لا تغفل مآثر قومك، وقول الشاعر:
أيا وطني العزيز رعاك ربي وجنبك المكاره والشرورا
وقول الآخر:
يا ساريا في دجى الأهواء معتسفا٤ مآل أمرك للخسران والندم
ومثل: أجيبوا داعي الله يا عربا أهل اللغة الواحدة، والروابط الوثيقة، أو: يا عربا كلكم أو كلهم٥ و
_________________
(١) ١ أكثر النحاة من الخلاف المرهق، والتفريع الشاق في هذا الباب. وقد صفينا كل أحكامه وفروعه جهد الاستطاعة، مع البسط الذي لا غنى عنه أحيانا، ثم ختمناه بملخص -في ص٥٧- لا يتجاوز أسطرا، فيه غنية للشادي، ومن لا يريد بسطا. والتوابع أربعة معروفة، "هي: النعت، والعطف بنوعيه، والتوكيد، والبدل" وسبق إيضاحها وتفصيل الكلام عليها في آخر الجزء الثالث. ٢ ص٧٧. ٣ أي: سواء أكان هذا التابع مقرونا بأل، أم غير مقرون -على الراجح فيهما- مضافا، أم غير مضاف. ٤ يصح إعراب "معتسفا" نعتا، ويصح حالا؛ لوقوعها بعد نكرة موصوفة؛ هي: ساريا. ٥ الضمير المصاحب لتابع المنادى يصح أن يكون للغائب أو للمخاطب. وهذه قاعدة عامة، تسري على توابع المنادى المنصوب، إلا إذا كان التابع اسم إشارة، فلا يصح أن يتصل بآخره علامة خطاب. وكذلك إن كان اسم موصول بالتفصيل الهام الآتي في رقم ٢ من هامش ص٤٩. وتطبيقا لهذه القاعدة العامة نقول: يا عربا كلكم أو كلهم، أجيبوا داعي الله -يا هارون نفسك أو نفسه خذ بيد أخيك- يا هذا الذي قمت أو قام؛ أسرع للصارخ.
[ ٤ / ٤٠ ]
وإن كان التابع بدلا أو عطف نسق مجردا من "أل"١ فالأحسن أن يكون منصوب اللفظ كالمتبوع؛ مثل: بوركت يا أبا عبيدة عامرا؛ فلقد كنت من أمهر قواد الفتح الأول، أو: بوركتما يا أبا عبيدة وخالدا ولا داعي للتمسك بالرأي الذي يجعلهما في حكم المنادى المستقل -وهو القسم الرابع الآتي٢.
فالنصب هو الحكم العام لجميع توابع المنادى المنصوب اللفظ وجوبا، مع اشتراط التجرد من "أل" في: "عطف النسق٣، غير أن نصب التوابع يكون واجبا في بعضها، وجائزا مستحسنا في بعض آخر؛ طبقا للبيان السالف٤..
_________________
(١) ١ وكذا المبدوء "بأل"؛ طبقات لما يأتي في نهاية البيان الذي في رقم ٤ من هاشم هذه الصفحة. ٢ في ص٥٣. ٣ إلا على الرأي الآتي في نهاية البيان الذي في رقم ٤ من هامش هذه الصفحة. ٤ يكاد النحاة يتفقون على الحالات الثلاث السالفة التي يجب فيها نصب توابع المنادى. أما التي يجوز فيها النصب -وهي حالة البدل. وعطف النسق المجرد من "أل"- فرأيهم مضطرب، وخلافهم بعيد المدى. فجمهرتهم -وهذا غريب- توجب اعتبار كل منهما بمنزلة منادى مستقل، يخضع لحكم المنادى المستقل -١- فنقول في البدل: بوركت يا أبا عبيدة عامر ببناء كلمة: "عامر" على الضم؛ لأنها مفرد علم. ويقولون: بورتك يا أمير الجيش يا أبا عليدة؛ بنصب كلمة: "أبا" لأنها في حكم المنادى المضاف. وقد بنوا حكمهم هذا على أساس "أن البدل على نية تكرار العامل" ولما كان العامل هنا -في رأيهم- هو حرف: "يا" أو أحد أخوته كان مقدرا وملحوظا قبل البدل أيضا، فكأنها تقول: "يا عامر، ويا أبا عبيدة". فالبدل بمنزلة منادى جديد يخضع لحكم النداء؛ كما قلنا. وهذا الكلام مردود من ناحتين "وحبذا تركه، وترك الرد عليه، والاكتفاء بالحكم السالف الذي ارتضيناه". أولاهما: أن القاعدة التي يتمسكون بها ليست قاعدة مطردة، ولا محل اتفاق، فالذي لا يؤمن بها -لأسباب عنده قوية- لا يجد مسوغا لإعراب التابع هنا منادى مبنيا على الضم؛ إذ لا وجه لهذا الإعراب عنده. ثانيتهما: أن اعتبار التابع منادى بحرف ملحوظ مقدر، أو بالحرف المذكور في صدر الجملة "عند من يرى هذا" سيخرج التابع من نطاق التبعية ويدخله في نطاق آخر ليس موضوع البحث؛ هو نطاق: "المنادى". لهذا تساءل بعض المحققين: كيف نقول في أمثال تلك الكلمة إنها مبنية على الضم لتبعيتها المنادى، مع أن التبعية إما أن تكون لمراعاة اللفظ أو المحل، والمنادى هنا منصوب مباشرة، ليس له محل. فكيف نعتبرها تبعا له؟ "راجع حاشية ياسين على شرح التوضيح في هذا الموضوع" =
[ ٤ / ٤١ ]
وهناك حالة يجب فيها جر التابع -في رأي النحاة- هي التي يقع فيها المتبوع "المنادى" مجرورا باللام -وهذا لا يكون إلا في الاستغاثة، وما في حكمها- نحو: يا للوالد والوالدة فالأولاد١.
_________________
(١) = وشيء آخر أهم من الجدل السالف؛ هو ما نص عليه سيبويه -في الجزء الأول من كتابه ص٣٠٤- قال للخليل: "أرأيت قول العرب: "يا أخانا زيدا أقبل". قال: عطفوه "أي: هو عطف بيان" على هذا المنصوب، فصار نصبا مثله. وهو الأصل؛ لأنه منصوب في موضوع نصب. وقال قوم: يا أخانا زيد -بالبناء على الضم- وقد زعم يونس أن أبا عمرو كان يقوله، وهو قول أهل المدينة. قال هذا بمنزلة قولنا: يا زيد؛ كما كان قوله: يا زيد أخانا. بمنزلة: "يا أخانا" فيحمل وصف المضاف إذا كان منادى. ويا أخانا زيدا أكثر في كلام العرب لأنهم يردونه إلى الأصل ". ا. هـ. ومن هذا النص الحرفي يتبين أن النصب هو الأصل، وأنه الأكثر في المسموع، وهذا هو الأهم. فلم نعدل عنه إلى غيره مما ليس له قوته، ولا كثرته، ولا وضوحه، وإن قال به قوم، أو اعتبروه عطف بيان، بلا رغم وضوح البدلية في المثال؟ ب- أما عطف النسق المجرد من "أل" فيقولون: إن حرف العطف معه بمنزلة عامل النداء فكأن حرف العطف داخل على منادى مستقل تجري عليه أحكام المستقل، فيبنى على الضم في مثل: بوركت يا أبا عبيدة وخالد؛ لأنه مفرد علم، وينصب في مثل: بوركتم يا جنود الفتح وأبا عبيدة، بنصب كلمة "أبا" معربة. فما معنى أن حرف العطف بمنزلة العامل؛ إن قلنا في كلمة: "خالد" إنها منادى، فليست إذا بمعطوفة؛ لأن العطف يقتضي نصبها. وإن قلنا نها معطوفة على ما قبلها فما قبلها منصوب. فمن أين جاء البناء على الضم؟ قد يقال: إنه على تقدير حرف النداء المحذوف: "يا" وحرف النداء مع المنادى جملة معطوفة على الجملة الندائية الأولى، فلم يعتبر التابع هنا منادى، مع أنه لو وصف بكلمة: "ابن" أو "ابنة" لم يعتبر ؟. وفي هذا كله من الحذف والتقدير والضعف من بعض النواحي ما يقتضي تفصيل الرأي الذي يبيح النصب، وهو رأي يؤيده السماع أيضا هذا إباحة النصب واستحسانه تشمل المبدوء بأل، والمجرد منها. غير أن الأفضل في المبدوء بأل أن يكون نصبه راجعا لاعتباره معطوفا على المنادى، أو لاعتباره مفعولا به لفعل محذوف، أو منصوبا بعامل آخر يقتضي النصب. ولا يصح اعتباره منادى بحرف نداء محذوف؛ لما يترتب على هذا من الجمع بين "أل" وحرف النداء في غير المواضع التي يباح فيها الجمع. "انظر ما يتصل بالحكم السابق، في رقم ٤ من ص٥٣". ١ لا يجوز عند أصحاب هذا الرأي، إلا الجر في التابع؛ لأن المتبوع -المنادى- مجرور اللفظ بحرف جر أصلي. وإذا كان المنادى المستغاث مختوما بزيادة ألف الاستغاثة، نحو: يا عليا، ومحمودا" لم يجز في توابعه الرفع عند فريق، فلا يصح: "ومحمود" لأن المتبوع مبني على الفتح، ويجوز عند فريق آخر الرفع والنصب؛ لاعتبار المنادى مبنيا على ضم مقدر، منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة المناسبة -في محل نصب؛ فيجوز في توابعه الرفع الشكلي والنصب. وهذا الرأي أوضح وأنسب. وسيجيء في ص٤٥ وفي باب الاستغاثة ص٨١.
[ ٤ / ٤٢ ]
ويخيز فيه فريق من النحاة أمرين: الجر مراعاة للفظ المنادى، والنصب مراعاة لمحله، وهذا الرأي أحسن -كما يجيء١ في بابها٢.
ب- وإن كان المنادى مبنيا وجوبا على الضم -لفظا أو تقديرا- فتوابعه إما واجبة النصب فقط، وإما واجبة الرفع الشكلي فقط، وإما جائزة الرفع الشكلي والنصب، وإما بمنزلة المنادى المستقل، وفيما يلي بيان هذه الحالات الأربع:
١- يجب -على الأشهر- نصب التابع؛ مراعاة لمحل هذا المنادى، "ولا يصح مراعاة لفظه" في صورة واحدة، هي: أن يكون التابع نعتا٣، أو عطف بيان، أو توكيدا، بشرط أن يضاف التابع في الثلاثة إضافة محضة -وهذه تقتضي أن يكون المضاف مجردا من "أل"؛ كقولهم: يا زياد أمير العراق بالأمس، نشرت لواء الأمن، وطويت بساط الدعة- يا أهرام أهرام الجيزة، أنتن من عجائب الآثار، شمر الإخوان من يساير الزمان؛ يقبل معه ويدبر معه؛ فاحذروا هذا يا أصدقاء كلكم٤.
فإن لم يتحقق الشرط خرجت التوابع المذكورة من هذا القسم ودخلت في الحالة الثالثة الآتية٥ "حيث يصح فيها الرفع الصوري؛ مراعاة شكلية للفظ المنادى، والنصب مراعاة لمحله"؛ كأن يقع التابع مفردا مقرونا بأل٦؛ مثل:
_________________
(١) ١ ص٧٧. ٢ وإذا علمنا بهذا الرأي صار النصب حكما عاما يشمل جمع أنواع التابع للمنادى المنصوب بالتفصيل السالف. ٣ بشرط ألا يكون منعوته "المنادى" اسم إشارة، ولا كلمة: "أي" أو: آية وإلا وجب رفع النعت صورة. لدخوله في حكم الحالة الآتية الخاصة به، وهي الثانية. ٤ انظر رقم ٥ من هامش ص٤٠. ٥ انظر ص٥٢. ويتضح الرفع الصوري بما في رقم ١ من هامش ص٤٧. ٦ انظر رقم ١ من هامش ص٥٢.
[ ٤ / ٤٣ ]
يا زياد الأمير، أو خاليا من "أل" ومن الإضافة المحضة١؛ مثل: يا رجل محمد -بالتنوين- أو محمدا، أو يكون مضافا إضافة غير محضة١؛ نحو: يا مسافر راكب٢ السيارة، أو الراكب السيارة، حاذر عواقب الإسراع. أو يكون عطف نسق، أو بدلا، ولهذين حكمها الخاص إلى غير هذا مما سيجيء بيانه مفصلا٣
_________________
(١) ١ و١ سبق الكلام عليها مفصلا أول الجزء الثالث. ٢ لا يقال في هذا المثال وأشباهه إن النعت نكرة، بسبب إضافته غير المحضة، مع أن المنعوت نكرة مقصودة؛ وهي معرفة بالقصد والإقبال مع النداء -لا يقال هذا؛ لما سبق في رقم ١ من هامش ص١٢٨؛ وفي ص٢٩ وفي "د" ص٣٠" من أنه يتسامح في التعريف الطارئ كتعريفها. ولهذا لا يصح أن ينعت بالمضاف المذكور إلا النكرة المقصودة. "راجع الصبان والخضري في هذا الموضع؛ ولها بيان سابق في ج٣ "باب الإضافة" عند الكلام على أثر الإضافة م٩٣ رقم ٢ من هامش ص٣١ وكذلك في "باب النعت" هناك عند الكلام على المطابقة م١١٤ ص٤٣٥". ٣ في ص٥٢ وإلى وجوب النصب السالف أشار ابن مالك في باب مستقل عنوانه: "فصل" قائلا: تابع ذي الضم المضاف دون "أل" ألزمه نصبا؛ كأزيد ذا الحيل "المراد: "بذي الضم"، هو المنادى المبني على الضمة، وما ينوب عنها، من كل ما يكون في آخر المنادى العلم، والنكرة المقصودة، ويشمل المبني قبل النداء". يقول: إن تابعه المضاف المجرد من "أل" يلتزم النصب، ومثل بمثال هو: "أزيد" ذا الحيل، أي: يا زيد؛ صاحب الحيل. فالمنادى: زيد، مبني على الضم، وتابعه هو "ذا" نعت منصوب بالألف وهو مضاف، و"الحيل" مضاف إليه. وقد يفهم من ظاهر البيت أن جميع توابع المنادى المبني على الضم لازمه النصب، بشرط الإضافة والخلو من "أل" وكذلك توابع المنادى الذي ليس مبنيا على الضم، وهو المنادى المنصوب اللفظ -لكن يمنع م هذا الفهم ويزيله قوله بعد ذلك مباشرة: وما سواه ارفع أو انصب، واجعلا كمسنقل نسقا وبدلا فقد صرح في هذا البيت بأن حكم عطف النسق والبدل كحكم المنادى المستقل "يعربان في حالات ويبنيان في حالات" وما عداهما مما لا يدخل في نطاق البيت الأول واختصاصه يجوز رفعه ونصبه. ولما كان بيته الثاني يدل على أن عطف النسق مطلقا "مجردا من أل أو مقرونا بها" يجري عليه حكم المنادى المستقل وهذا غير صحيح إلا في المجرد -أسرع وتدارك الأمر في البيت الثالث حيث يقول: وإن يكن مصحوب "أل" ما نسقا ففيه وجهان: ورفع ينتقى =
[ ٤ / ٤٤ ]
"وتجب الإشارة إلى أن حركة التابع المرفوع على الوجه السالف ليست حركة إعراب ولا بناء؛ ولذلك ينون إذا خلا من أل والإضافة١ و فهي طارئة لتحقيق غرض معين، هو: المشاركة الصورية في المظهر اللفظي بين التابع والمتبوع؛ فلا تدل على شيء غير مجرد المماثلة الشكلية، ومن التساهل في التعبير أن يقال في ذلك التابع إنه مرفوع. أما الإعراب الدقيق فهو: أنه منصوب بفتحة مقدرة منع من ظهورها ضمة الاتباع الشكلية للفظ المنادى -كما سيجيء في القسم الثالث".
ومن النحاة من يوجب النصب في صورة ثانية٢؛ هي التي يكون فيها المنادى المبني على الضم مختوما بألف الاستغاثة؛ نحو: يا جنديا وضابطا، أدركا المستغيث. فلا يجوز عنده في التابع -مهما كان نوعه، ومنه كلمة: "ضابطا" في المثال- إلا النصب مراعاة لمحل المنادى المبني على الفتح الطارئ بسبب الألف. لكن التحقيق والترجيح يقطعان بجواز النصب، وبجواز الرفع المباح في توابع المنادى المبني على الضم٣.
٢- ويجب رفع التابع مراعاة شكلية للفظ ذلك المنادى في صورتين:
إحداهما: أن يكون التابع نعتا، ومنعوته -المنادى- هو كلمة: "أي" في التذكير، "وأية" في التأنيث؛ كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ
_________________
(١) = "ينتقى= يختار" كذلك يفهم من البيت الثاني أن الرفع والنصب جائزان في تابع المنادى إذا كان المنادى "أي" أو "أية". وهذا غير صحيح كما شرحناه في القسم الثاني الواجب رفعه. ولمنع هذا الفهم صرح بأن النعت بعدهما يجب رفعه واقترانه "بأل" وأنهما لا يوصفان إلا بمرفوع مقترن بها. وكذلك اسم الإشارة المنادى لا يكون نعته إلا مرفوعا مقترنا بها "وله تفصيلات أوضحناها في الشرح الآتي" يقول: و"أيها" مصحوب "أل" بعد صفة يلزم بالرفع لدى ذي المعرفة و"أي هذا" "أيها الذي" ورد ووصف: "أي" بسوى هذا يرد وذو إشارة كأي في الصفة إن كان تركها يفيت المعرفة ١ كما سيجيء في ص٥٢ لأن المبني لا ينون في الغالب. ٢ تقدمت الأولى في ص٤٣. ٣ راجع ما سبق في رقم ١ من هامش ص٤٢ وما يأتي في ص٨١.
[ ٤ / ٤٥ ]
فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ . "فأي وأية" مبنيتان على الضم في محل نصب؛ لأن كلا منهما منادى، نكرة مقصودة. و"ها" حرف تنبيه زائد زيادة لازمه لا تفارقهما١ وكلمتا: "الناس والنفس". "وأشباههما"، نعتان متحركان بحركة مماثلة وجوبا لحركة المنادى، مراعاة لمظهره الشكلي٢ فقط، مع أنه مبني، وهما صفتان معربتان، منصوبتان محلا، لا لفظا٣ "أي: أنهما منصوبتان تبعا لمحل المنادى" بفتحة مقدرة على الآخر، منع من ظهورها ضمة المماثلة للفظ المنادى في صورته الشكلية٤؛ فالضمة التي على آخرهما هي الحركة الطارئة للمشاركة، ولا توصف بإعراب، ولا بناء -كما تقدم٥.
وكما يجب الإتباع بالرفع الشكلي الصوري في صفة "أي وأية" يجب -في
_________________
(١) ١ ويجوز حذف ألفها وتحريكها إذا لم يقع بعدها اسم إشارة. ٢ لهذا المظهر الشكلي بيان مفيد في ج١ م٧ ص٩٨ موضوع: أنواع الإعراب. ٣ والمازني يجيز في لفظهما النصب أيضا -كما سيجيء في رقم ١ من الهامش التالي، وكذا في أشباههما مما يكون نعت: "أي أو أية" وله ما يؤيده من السماع، ومن بعض القراءات القرآنية -وإن كانت تلك القراءة شاذة- كما صرح بهذا الصبان. وشذوذها لا يمنع محاكاتها بعد أن قرئ بها القرآن. ٤ وقد تكون ضمة المماثلة مقدرة؛ كقول المتنبي: ترفق أيها المولى عليهم فإن الرفق بالجاني عتاب يريد: يا أيها المولى. ويكون لهذه الضمة المقدرة من الآثار في التوابع وغيرها ما يكون للظاهرة. كما أشرنا. ٥ انظر ص٤٩ وإلى هذه الصورة يشير ابن مالك بقوله السالف: و"أيها" مصحوب "أل" بعد صفة يلزم بالرفع لدى ذي المعرفة "بعد، الأصل: بعد كلمة: "أيها" يريد: ما كان نعتا مبدوءا بأل بعد كلمة: أيها -يلزم بالرفع، وقتصر عليه. ثم بين بعد ذلك ما يصلح نعتا لأي وأية عند النداء، مقتصرا على اسم الإشارة والموصول: و"أي هذا" "أيها الذي" ورد ووصف أي بسوى هذا يرد يريد: ورد عن العرب: "أي هذا، وأيها الذي"؛ فالنعت الوارد مقصور على اسم إشارة واسم الموصول المبدوء بأل. ونعت "أي" بغيرهما يرد، أي: يرفض ويستبعد.
[ ٤ / ٤٦ ]
الشائع- كذلك في صفة صفتهما، وفي كل تابع آخر للصفة ففي مثل: "بارك الله فيك يأيها الطبيب الرحيم"، يتعين الرفع وحده في كلمة: "الرحيم" التي هي صفة للصفة، لعدم ورود السماع بغيره، بالرغم من أن المنعوت.. الطبيب في محل نصب، فعدم ورود السماع بالنصب يقتضي امتناع نصب التابع، وعدم إباحته مطلقا، لا لفظا ولا محلا١..
_________________
(١) ١ يحتاج هذا الحكم إلى نوع من التفصيل والإيضاح الذي يزيل أثر الخلاف النحوي، واضطراب الآراء فيه، ويبين ما سبقت الإشارة إليه "في رقم ٣ من هامش ص٤٦". نقل الأشموني -وغيره- أن كلمة: "أي" إذا نوديت كانت نكرة مقصودة مبنية على الضم وتلزمها "ها" التنبيه، وتؤنث أي "لفظا" لتأنيث صفتها؛ نحو: يا أيها الإنسان - يا أيها النفس ويلزم تابعها الرفع. وليس المراد بالرفع رفع الإعراب، وإنما المراد به ضمة الإتباع التي يقصد بها مجرد المشاكلة والمماثلة لحركة المتبوع. وهذه الضمة لا توصف بإعراب، ولا بناء -كما قرره الصبان، وبسطناه من قبل- وأجاز المازني "كما في رقم ٣ من هامش الصفحة السابقة" في هذا التابع نصبه، قياسا على غيره من تابع أنواع المنادى المبني على الضم ثم قال الأشموني: إنما لزم رفع التابع لأنه المقصود بالنداء، وقد جاءت "أي" وصلة ووسيلة لنداء ما فيه "أل". وهنا قال الصبان ما نصه الحرفي: "قوله: "إن المقصود بالنداء هو التابع" -ومع ذلك ينيغي ألا يكون محله نصبا؛ لأنه بحسب الصناعة ليس مفعولا به، بل تابع له. ويؤيد هذا قول ابن المصنف، وسيذكره الشارح "الأشموني" أيضا: إنه لو وصفت صفة "أي" تعين الرفع". ا. هـ. ومن الكلام السابق تبين صراحة أن التابع لا يكون هنا منصوبا مطلقا، لا لفظا، ولا محلا. لكن الصبان قال بعد ذلك كلاما قويا موافقا للضوابط والأصول العامة يعترض على ما سبق، ونصه: "أنا أقول: يرد عليه أن تابع ذي محل، له محل متبوعه. وحينئذ ينبغي أن يكون محل تابع "أي" نصبا، وأن يصح نصب نعته. ويؤيده ما قدمناه -قريبا قبل ذلك بصفحتين- عن الدماميني في: "يا زيد الظريف صاحب عمرو" أنه إ، قدر: "صاحب عمرو" نعتا للظريف، لفظ به كما يلفظ النعت؛ إن رفعا فرفع، وإن نصبا فنصب، على ما بيناه سابقا. اللهم إلا أن يكون منع نصب نعت تابع "أي" لعدم سماعه أصلا. "نعم يصح ما بحثه من أنه ليس لتابع "أي" محل نصب، ولا يجوز نصب نعته على اعتبار أن رفع التابع هو رفع إعراب، وأن عامله فعل مقدر مبني للمجهول، والتقدير: "يدعى العاقل" كما مر لكن ما بعد "أي" على هذا التقدير ليس تابعا لأي في الحقيقة، فلا يظهر حمل كلامه على هذا مع قوله: "إنه تابع له. فتأمل". ا. هـ. فالصبان يرى أن تابع "أي" لا بد أن يكون منصوبا محلا مثل المتبوع "أي" لأن كلمة "أي" مبنية على الضم في محل نصب" والشأن في التابع -دائما- أن يكون له محل كمحل المتبوع. وهذا كلام صحيح قوي لا يعترض الأخذ به إلا عام ورود السماع به، وللسماع الأهمية الأولى في انتزاع حكم لا يعتوره عيب أو ضعف من أجل ذلك كان الاقتصار على رأي الأشموني -ومن وافقه- أنسب؛ مبالغة في الاحتياط؛ لأنه رأي متفق عليه؛ إذ لا يعترض عليه الصبان -أو غيره- وإنما يرى الصبان أن يزيد عليه إباحة النصب المحلي، وهذه الإباحة قد أضعفها عدم ورود السماع بها.
[ ٤ / ٤٧ ]
ثانيتهما: أن يكون التابع نعتا، والمنعوت -المنادى- اسم إشارة للمذكر، أو للمؤنث؛ جيء به للتوصل إلى نداء المبدوء "بأل"١؛ لأن المبدوء بها لا يجوز مناداته بغير واسطة -إلا في بعض مواضع سبقت-٢ نحو: يا هذا السائح، لا تتعجل في حكمك، ويا هذه السائحة لا تتعجلي فالمنادى مبني على ضم مقدر في محل نصب؛ فيجب رفع النعت في المثالين وأشبهاههما، رفعا صوريا؛ لا يوصف بإعراب، ولا بناء -كما سبق- وإنما هو رفع جيء به مراعاة شكلية للضم المقدر في اسم الإشارة المنعوت -المنادى- ولا يصح النصب؛ لأن النعت هنا بمنزلة المنادى المفرد المقصود، لا يصح نصب لفظه نصبا مباشرا.
ووجود النعت على هذه الصورة ضروري، ليدل على المشار إليه، ويكشفه. ويجب مطابقة اسم الإشارة للمشار إليه في الإفراد والتذكير وفروعهما.
أما إن كان المراد نداء اسم الإشارة فيجوز في التابع الأمران٣ -كما سيأتي في القسم الرابع.
_________________
(١) ١ وفي هذا يقول ابن مالك بيتا ألمحنا له في ص٤٥: وذو إشارة كأي في الصفة إن كان تركها يفيت المعرفة "ذو إشارة: المنادى الذي هو إشارة" يريد: أن المنادى إذا كان اسم إشارة فإنه يحتاج -كأي- إلى نعت معرفة مرفوعة مقرونة "بأل" من اسم جنس، أو اسم موصول. ولا يصح هنا أن يكون نعته اسم إشارة مثله -كما سيجيء في رقم ٢ من ص٥٠ وبين أن حاجة اسم الإشارة للنعت واجبة إن أدى ترك النعت إلى عدم معرفة المشار إليه. أما إذا لم يؤد لذلك فالنعت ليس واجبا. ٢ في ص٣٦. ٣ لأن التابع سيعرب في هذه الحالة صفة، أو عطف بيان، وكلاهما مفرد، فيدخل في القسم الرابع الذي يجوز فيه الأمران.
[ ٤ / ٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
١- يجب إفراد "أي، وأية" عند وقوعهما منادى؛ فلا يصح أن تلحقهما علامة تثنية، أو جمع؛ سواء أكانت صفتهما مفردة أم غير مفردة؛ نحو: يا أيها الناصح اعمل بنصحك أولا -يا أيها المتنافسان ترفعا عن الحقد- يا أيها الطلاب أنتم ذخيرة البلاد. يا أيتها الناصحة اعلمي - يا أيتها المتنافستان - يا أيتها الطالبات اعملن
أما من جهة التأنيث والتذكير فالأفضل الذي يحسن الاقتصار عليه عند النداء -وإن كان ليس بواجب- هو أن تماثل كل منهما صفتها، فمثال التذكير ما سبق، ومثال التأنيث أيضا: يا أيتها الفتاة أنت عنوان الأسرة - يا أيتها الفتاتان أنتما عنوان الأسرة - يا أيتها الفتيات أنتن عنوان الأسرة. ويجوز في "أي" المجردة من التاء، عدم المماثلة "ولكنه ليس الأحسن" فتظل بصورة واحدة للمذكر والمؤنث، ولا يصح هذا في "أية" المختومة بالتاء، فلا بد من تأنيث صفتها المؤنثة.
ولا بد من وصف "أي وأية" عند ندائهما؛ إما باسم تابع في ضبطه لحركتهما اللفظية الظاهرة وحدها١ معرف بأل الجنسية في أصلها، وتصير بعد النداء للعهد الحضوري، وإما باسم موصول مبدوء بأل٢، وإما باسم إشارة مجرد من
_________________
(١) ١ يجيز فيه بعض النحاة النصب -طبقا لما سبق في رقم ٣ من هامش ص٤٦ مراعاة للمحل كنظاره- أما الذين يمنعون النصب فحجتهم أن نصبه لم يرد في المسموع. ٢ اشترط "الهمع" ج١ ص١٧٥ أن يكون الموصول مصدرا بأل، وصلته خالية من الخطاب؛ فلا يقال: يا أيها الذي قمت. في حين نقل الصبان "ج٣ أول فصل: تابع المنادى" صحة ذلك قائلا ما نصه: "ويجوز: يا أيها الذي قام، ويا أيها الذي قمت". ا. هـ. والظاهر أن الذي منعه "الهمع" ليس بالممنوع، ولكنه غير الأفصح في الكلام المأثور؛ بدليل ما قرره أكثر النحاة ونصه: "كما نقله الصبان ج٣ أول تابعا لمنادى؛ تعليقا على المثال النحوي الذي عرضه الأشموني؛ وهو: يا تميم كلهم، أو كلكم": "الضمير في تابع المنادى يجوز أن يكون بلفظ الغيبة؛ نظرا إلى كون لفظ المنادى اسما ظاهرا، والاسم الظاهر من قبيل الغيبة، وبلفظ الخطاب؛ نظرا إلى كون المنادى مخاطبا؛ فعلمت أنه يجوز أيضا يا زيد نفسه، أو نفسك. قاله الدماميني ". ا. هـ. ثم قال الصبان بعد ذلك: "ويجوز يا أيها الذي قام وا أيها الذي قمت". ا. هـ. وقد أشرنا لما سبق في ج١ م١٩ ص١٨٤ وفي ص٣٤٣ أيضا.
[ ٤ / ٤٩ ]
كاف الخطاب١، ويتحتم -في الرأي الأشهر والأولى- أن يكون اسم الموصول واسم الإشارة تابعين في ضبطهما لحركة المنادى الشكلية الظاهرة وحدها؛ فيكون كل منهما مبنيا في محل رفع فقط٢؛ تبعا لصورة المنعوت -المنادى- نحو: يا أيها العلم الحفاق، تحية، ويا أيتها الراية العزيزة سلمت على الأيام، أو: يا أيها الذي يخفق فوق الرءوس، ويا أيتها التي ترفرفين سلمت ومن الأمثلة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ وقوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا، وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾، وقول الشاعر:
أيها ذا الشاكي وما بك داء كن جميلا تر الوجود جميلا
فإن كانت "أل" ليست جنسية بأن كانت زائدة في أصلها ولكنها صارت بعد النداء للعهد كالمحمدين، أو: زائدة لازمة لأنها قارنت الوضع؛ مثل: السموءل والتسع، أو غير لازمة، مثل اليزيد، أو للمح الأصل كالحارث، أو للغلبة كالنجم -لم يصح النعت بما دخلت عليه؛ فلا يقال: يا أيها السيف، ولا يا أيها الحرب، لرجلين اسمهما: سيف وحرب، ولا يا أيها المحمدان أو المحمدون. وكذلك لا يقال: يا أيها ذاك العالم؛ لاشتمال الإشارة على كاف الخطاب١. وإذا وصفت "أي وأية" باسم الإشارة السالف فالأغلب وصفه أيضا باسم مقرون بأل، كالبيت المتقدم٣
٢- إذا اقتضى الأمر وصف اسم الإشارة المنادى أو غير المنادى فالأغلب أن يكون الوصف معرفة مبدوءة بأل الجنسية بحسب أصلها "وتصير بعد النداء
_________________
(١) ١ و١ منعا لاشتمال الجملة الواحدة -في غير الندبة- على خطابين لشخصين مختلفين، بالإيضاح الذي سبق "في رقم ٦ من هامش ص٣١" سواء أوجدت إضافة؛ كالمثال الذي هناك، أم لم توجد؛ كالمثال الذي هنا. ٢ وبعضهم يجيز النصب، على المحل -طبقا لما سلف في رقم ١ من هامش ص٩٤. ٣ وفي الجزء الثالث م١١٤ ص٣٣٧ إشارة لهذا.
[ ٤ / ٥٠ ]
للعهد الحضوري"، أو: باسم موصول مبدوء "بأل"١، نحو: يا هذا المتعلم، حصن نفسك بالخلق الكريم، والطبع النبيل؛ فإن في هذا التخصين كمال الغاية، وتمام المقصد - يا هؤلاء الذين آمنوا كونوا أنصار الله ، ولا يصح أن يكون النعت اسم إشارة٢.
ومن الجائز إعراب هذا الاسم المبدوء "بأل" عطف بيان؛ سواء أكان مشتقا كالمثال السالف، أم غير مشتق؛ نحو: يا هذا الرجل لكن الأحسن إعراب المشتق نعتا، وإعراب الجامد عطف بيان.
ويقول النحاة: ليس من اللازم أن يوصف اسم الإشارة إلا إذا كان وصله لنداء ما بعده، ولم يكن هو المقصود بالنداء؛ لدليل يدل على ذلك. أما إن قصد نداء اسم الإشارة، وقدر الوقف عليه "بأن عرفه المخاطب بدون نعت، كوضع اليد عليه " فلا يلزم نعته. ولا رفع نعت نعته٣.
٣- يتردد في هذا الباب لفظ: "المنادى المبهم" يريدون به: "المنادى الذي لا يكفي في إزالة إبهامه النداء، ومجرد القصد والإقبال، وإنما يحتاج معه إلى شيء آخر يكمل تعريفه"، ويقصدون: "أي". و"أية" "واسم الإشارة" لشدة احتياج كل منها إلى الصفة بعده.
أما في غير النداء فيريدون بالاسم المبهم: الإشارة، واسم الموصول٤ وبعض الظروف وأسماء الزمان التي سبق الكلام عليها في بابها من الجزء الثاني.
_________________
(١) ١ انظر رقم ١ من هامش ص٤٧ السابقة لأهميته. ٢ سبق النص على هذا في رقم ١ من هامش ص٤٨ وهناك شروط أخرى يجب تحقيقها إذا كان المنعوت اسم إشارة. وقد سبق بيانها في باب النعت "ج٣ م١١٤ ص٣٧٧". ٣ لأن حكم نعت النعت في هذه الحالة هو حكم النعت. ٤ طبقا لما سبق في أول الموصول ج١ م٢٦.
[ ٤ / ٥١ ]
٣- ويجوز رفع التابع ونصبه في المفرد من نعت، أو عطف بيان، أو توكيد، وكذلك في النعت المضاف المقرون بأل١، وفي عطف النسق المقرون "بأل"؛ نحو: يا معاوية الحليم؛ بلغت بالحلم المدى. أو الواسع الحلم، بنصب كلمتي: الحليم، و"الواسع" مراعاة لمحل المنادى، وبضمهما مراعاة صورية شكلية للحركة اللفظية الظاهرة في المنادى من غير أن يتأثر النعت ببناء المنادى؛ فالمنادى مبني على الضم، أما النعت فمعرب شكلا، ولكن الحركة التي على آخره حركة عرضية، لا تدل على إعراب أو بناء؛ ولهذا يجب تنوين التابع إذا خلا مما يعارض التنوين كأل والإضافة، "كما سبق"٢ فقد أريد منها أن تشابه حركة المنعوت في الصورة اللفظية المحضة. ويقال في إعراب النعت ما أشرنا به، وهو: أنه منصوب بفتحة مقدرة منع من ظهورها الضمة التي جاءت للإتباع والمشاركة بين حركة النعت ومتبوعه المنادى٣، ومن التسامح في التعبير أن يقال في هذا التابع مرفوع.
ومثل: يا أحمد المتنبي قتلك غرورك. برفع "المتنبي" أو نصبه على التوجيه السالف. ومثل: أنتم ذخيرة الوطن يا طلاب أجمعون، أو أجمعين، برفع كلمة: أجمعون، أو نصبها، ومثل: يا محزون والمكروب، إن حمل الهموم جنون وفي هذه الصورة الأخيرة، لا يصح اعتبار التابع كالمنادى المستقل عند من يرى ذلك، ولا ملاحظة حرف نداء قبله؛ إذ لا يجتمع هنا حرف النداء و"أل"٤
_________________
(١) ١ اقترانه "بأل" يقتضي أن تكون الإضافة غير محضة؛ لأنها هي التي تجتمع و"أل". وتكاد تنحصر هذه الإضافة في تابع واحد هو النعت؛ لأن الغالب عليه الاشتقاق حيث تشيع تلك الإضافة. أما عطف البيان فالأغلب أن يكون جامدا؛ فلا تجتمع فيه الإضافة و"أل". وأما التوكيد المعنوي فألفاظه معارف -كما سبق في بابه- فلا تقترن "بأل" التي للتعريف. ومن المهم ملاحظة الفوارق بين هذا التابع الذي يجوز فيه الأمران، والتابع الذي يجب نصبه، وقد سبق في "١" ص٧٣. ٢ في ص٤٥. ٣ يتضح الرفع الصوري بما في رقم ١ من هامش ص٤٧ ولا ينطبق الحكم السابق على النعت المنادى النكرة المقصودة إلا بشرط أن يكون طارئا بعد ندائها. أما النعت السابق على ندائها فيجعلها شبيها بالمضاف واجب النصب "كما سبق في ص٢٨" فيتعين نصب النعت. ٤ انظر ما سبق متصلا بعطف النسق ص٣٤.
[ ٤ / ٥٢ ]
٤- ويعتبر التابع كالمنادى المستقل عند فريق من النحاة دون فريق١ إذا كان بدلا، أو كان عطف نسق خاليا من "أل"٢؛ فيبنى كل منهما على الضم إن كان مفردا معرفة -بالعلمية أو بالقصد- وينصب إن كان مضافا أو شبيها بالمضاف؛ فمثال البناء على الضم: يا جيش قادة٣ وجندا أنت حمى البلاد، ببناء كلمة: "قادة" على الضم، كبنائها لو كانت منادى. وكذلك لو قلنا: يا قادة وجنود أنتم حمى البلاد؛ فتبنى كلمة: "جنود" على الضم ما دام الخطاب لمعين في الصورتين.
ومثال النصب: يا جيشُ جيشَ الوطن تيقظ، أو: يا شباب وغير الشباب، لا تقصروا في إنهاض البلاد. بنصب كلمتي "جيش" و"غير"، لإضافتهما، فهما في حكم المسبوقتين بأداة النداء
والأحسن عند مجاراة هذا الفريق الأخذ بالرأي القائل: إن عامل البناء على الضم وعامل النصب هو حرف النداء المذكور في أول الجملة٤
وأفضل من كل ما سبق الاقتصار على النصب؛ مجاراة للفريق الآخر الذي لا يوافق على اعتبار البدل وعطف النسق المجرد من "أل" في حكم المنادى المستقل للأسباب التي أسلفناها٥.
ج- وإن كان المنادى٦ مما يصح نصبه وبناؤه على الضم فأمره محصور
_________________
(١) ١ سبق عرض الرأيين في رقم ٤ من هامش ص٤١. ٢ لأن المبدوء بأل لا ينادى إلا في مواضع سبقت في ص٣٦. ٣ على اعتبار كلمة: "قادة" بدل جزء من كل، برغم خلوها من الضمير؛ لأن المبدل منه قد استوفى كل أقسامه، أو لأن الضمير الرابط محذوف؛ أي: قادة منه وجند. "وقد سبق تفصيل هذا في ج٣ ص٤٨٧ م٢٣ باب: البدل". ٤ لن يترتب على الأخذ بهذا الرأي فساد، وهو خال من كل اعتراض ينشأ عن الرأي القائل إن العامل هو الحرف: "يا" المحذوف الملحوظ، أو عامل آخر محذوف؛ كفعل أو شبهه. وقد تقدم "في رقم ٤ من هامش ص٤١" تفصيل الرأيين، وسبب الترجيح. ٥ في رقم ٤ من هامش ص٤١. ٦ هذا هو القسم الأخير من الأقسام الثلاثة التي سبقت الإشارة إليها في أول ص٤٠.
[ ٤ / ٥٣ ]
-غالبا- في نوعين، لكل منهما حكمه وحكم تابعه.
أولهما: المنادى الموصوف بكلمة "ابن" أو "ابنة"، وقد سبق تفصيل الكلام عليه١
ثانيهما: المنادى المفرد الذي تكرر لفظه بشرط إضافة اللفظ الثاني المكرر: سواء أكان المنادى المفرد علما، أم اسم جنس، أم اسما مشتقا٢ فمثال المكرر العلم: يا صلاح صلاح الدين الأيوبي: ما أطيب سيرتك!! وقول الشاعر:
أيا سعد سعد الأوس كن أنت ناصرا ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف
أجيبا إلى داعي الهدى، وتمنيا على الله في الفردوس منية عارف
ومثال اسم الجنس المكرر: يا غلام القوم كن أمينا على أسرارهم، ومثال المشتق المكرر: يا راصد راصد النجوم. ماذا رأيت من عجائب الكون؟
وحكم المنادى في مثل هذا الأسلوب جواز النصب، والبناء على الضم. وحكم التابع وجوب النصب في الحالتين؛ طبقا للبيان التالي:
١- ففي حالة نصب الأول -أي: المنادى- يكون السبب راجعا إما: لاعتبار هذا المنادى مضافا للمضاف إليه المذكور في الكلام، والاسم الثاني المكرر مقحما٣ بين المتضايفين "ويعرب توكيدا لفظيا للأول، أو مهملا زائدا" وإما: لاعتبار المنادى، مضافا إلى محذوف يماثل المذكور؛ وأصل الكلام: يا صلاح الدين صلاح الدين بإضافتين في الأسلوب الواحد، ويكون الاسم الثاني منصوبا على هذا لرأي -توكيدا لفظيا٤ أو: بدلا، أو: عطف
_________________
(١) ١ في ص١٨ و٢٠ و٢١ بيان إعرابهما عند وقوعهما نعتا للمنادى. ٢ سبب النصب على هذه الأنواع الثلاثة: أن بعض النحاة لا يوافق إلا على العلم. ٣ أي: متوسطا بين شيئين متلازمين؛ وتوسطه بينهما -كما سيذكر- إما لأنه توكيد لفظي للأول، أو: لأنه زائد في رأي قوي يبيح زيادة الأسماء زيادة مطلقة لا توصف فيها بإعراب ولا بناء تبعا للبيان الذي في رقم ٣ من هامش الصفحة التالية والأول أحسن؛ إذ لا خلاف في صحته. ٤ لا يقال: كيف يعرب توكيدا لفظيا مع اتصاله بما لم يتصل به الأول، ومعا اختلاف نوع التعريف بينهما؛ إذ تعريف الأول بالعلمية أو بالنداء -على خلاف في ذلك؛ سبق تفصيله في رقم ٢ من هامش ص١١- وتعريف الثاني بالإضافة؛ لأنه لا يضاف إلا بعد تجرده من العلمية؟ لا يقال ذلك؛ لأنه يكفي في التوكيد اللفظي ظاهر التعريف وإن اختلف جهته، أو اتصل به شيء "كما سبق في باب التوكيد ج٣ ص٣٨٨ م١٦".
[ ٤ / ٥٤ ]
بيان، أو: مفعولا به لفعل محذوف، أو: منادى بحرف "يا" المحذوف١. ومع جواز هذه الخمسة يحسن اختيار الأنسب منها للسياق، والأوضح في أداء الغرض.
وجدير بالتنوين أننا إذا اعتبرنا الثاني مقحما بين المتضايقين، وأعربناه توكيدا لفظيا، "مسايرة للأحسن" وجب اعتبار فتحته إعراب٢ كالمتبوع. أما إذا اعتبرناه زائدا٣ فهو مهمل لا يعرب توكيدا. ولا بدل، ولا غيرهما، وفتحته هي فتحة مماثلة ومشابهة للأول؛ فلا توصف بأنها فتحة بناء أو إعراب، وإنما هي حركة صورية للمشاكلة المجردة
٢- وفي حالة بناء الأول على الضم -لأنه مفرد معرفة- يكون مبنيا على الضم في محل نصب، فينصب الثاني إما على اعتباره توكيدا لفظيا، أو بدلا، أو عطف بيان، مراعى في الثلاثة محل المنادى. وإما على اعتباره منادي مضافا مستقلا، أو على اعتباره مفعولا به لفعل محذوف٤
_________________
(١) ١ ويجوز اعتبار الاسمين المذكورين بعد حرف النداء جزأين مركبين معا كتركيب الأعداد: ثلاثة عشر - أربعة عشر، وأخواتها؛ فيكون المنادى مجموعهما مضافا إلى ما بعد الثاني، وهذا المضاف منصوب بفتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها حركة البناء الأصلي "وهي حركة فتح الجزأين" فالفتحة التي على آخر الثاني هي فتحة البناء الأصلي، وليست فتحة الإعراب الآتية للنداء. أما الفتحة التي على آخر الاسم الأول فلا شأن لها بإعراب أو بناء؛ لأنها حركة هجائية لضبط بنية الحرف الهجائي التي هي فوقه. ٢ على هذا الإعراب يصح الفصل بين المتضايفين بالتوكيد اللفظي؛ لاتحاده بالأول لفظا ومعنى، وتكون فتحة التوكيد فتحة إعراب. وكان حقه أن ينون ولكن يغتفر عدم تنوينه بقصد المشاكلة بين الاسمين. ٣ وإذا كان زائدا -عند من يجيز زيادة الأسماء- فالفصل به جائز بين المتضايفين، ولا يعتبر فصلا، لاتحاده بالأول لفظا ومعنى -كما سبق- وكان حقه التنوين، فترك للمشاكلة بين الاسمين، وعلى هذا فتحته فتحة إتباع للأول؛ لا توصف بإعراب ولا بناء. ٤ وإلى هذا القسم "ج" يشير ابن مالك في بيت ختم به هذا الفصل: في نحو: سعد سعد الأوس ينتصب ثان، وضم، وافتح أولا تصب أي: في مثل: يا سعد سعد أوس -وامنادى وتابعه علمان في المثال- يجب نصب الثاني منهما. أما أولهما فقد طالب بضمه، أو فتحه، وحكم بالإصابة في الأخذ برأيه، والقاعدة -كما تضمنها البيت غاية في الإيجاز، وتفصيلها وإيضاحها على الوجه الأنسب معروض في الشرح.
[ ٤ / ٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
إذا كان الاسم الثاني غير مضاف؛ نحو: يا صلاح، صلاح، أو: يا سعد سعد ، جاز بناؤه على الضم؛ إما باعتباره "وهذا هو الأحسن" منادى حذف قبله حرف النداء "يا"، وإما باعتباره توكيدا لفظيا يساير -هنا- لفظ المنادى في البناء، ويجوز نصبه باعتباره توكيدا لفظيا تابعا لمحل المنادى.
ولا يصح إعرابه بدلا؛ لأن البدل والمبدل منه لا يتحدان في اللفظ إلا بشرط أن يفيد البدل زيادة في البيان والإيضاح، وكذلك لا يصح أن يكون عطف بيان؛ لأن الشيء لا يبين نفسه١
_________________
(١) ١ وإنما صح البدل والبيان في الحالة السابقة التي يكون فيها الثاني مضافا لتحقق شرطهما فيه -كما سبق في ج٣ ص٤٠١ عند تعريف عطف البيان.
[ ٤ / ٥٦ ]
ملخص موجز يتضمن ما سبق من أحكام توابع المنادي:
جميع توابع المنادى يصح نصبها١، إلا فيما يأتي:
١- أن يكون المتبوع -المنادى- هو لفظ "أي" أو "أية" أو اسم إشارة. فيجب في حركة نعتها مشابهتها لحركة المتبوع مشابهة صورية فقط "أو نقول بالعبارة التي فيها التسمح: يجب رفع النعت في المظهر الشكلي، بقصد مماثلة حركته لحركة المنادى -بالتفصيل الذي سبق٢، نحو: يا أيتها الفتاة، من كثر كلامه كثر خطؤه. ومثل: يا هذا الغلام لا تنس شكر من أحسن إليك.
٢- أن يكون المتبوع -المنادى- مبنيا على الضم والتابع بدلا، أو عطف نسق مجردا من "أل"؛ فحكمهما حكم المنادى المستقل؛ عند فريق من النحاة. أما غيرهم فيجيز النصب -وهو الأنسب؛ ليكون حكم النصب عاما شاملا- نحو: جزيت خيرا يا عائشة زوج الرسول، فلقد كنت مرجعا وثيقا في شئون الدين -يا خديجة وعائشة كنتما خير عون للنبي ﷺ.
٣- أن يكون المنادى مجرورا باللام في الاستغاثة وما يلحق بهما؛ فيجب جر التابع، وهذا هو المشهور -أو نصبه٣، نحو: يا للغني الممتلئ للجائع، ويا للقادر القوي للعاجز.
_________________
(١) ١ قد يكون هذا النصب واجبا في مواضع، وجائزا في أخرى. فهو في الحالتين صحيح. ٢ في رقم ٢ ص٤٥. ٣ كما سيجيء في ص٨٠.
[ ٤ / ٥٧ ]
المسألة ١٣١: المنادى المضاف إلى ياء المتكلم ١
هذا المنادى قسمان: قسم صحيح الآخر. وما يشبهه٢، وقسم معتل الآخر، وما يلحق به٣.
أ- فحكم صحيح الآخر وما يشبهه إذا كانت إضافتهما لياء المتكلم محضة٤
_________________
(١) ١ لهذا الموضوع صلة قوية بموضوع: "المضاف إلى ياء المتكلم" الذي ليس منادى، وقد سبق الكلام عليه في الجزء الثالث، م٩٧ ص١٣٧، ولا يكاد أحدهما يستغني عن الآخر. وستجئ إشارة في آخر الباب ص٦٧ إلى إضافة الأسماء الخمسة. ٢ صحيح الآخر هو: ما ليس مختوما بأحد أحرف العلة الثلاثة "الألف، الواو، الياء". ومعتل الآخر؛ هو: ما في آخره حرف منها، فإن كان هذا الحرف ساكنا وقبله حركة تناسبه فهو حرف علة، ولين، وإن لم تكن قبله حركة تناسبه مع سكونه فهو حرف علة، ولين، وإن كان متحركا فهو حرف علة فقط. والمراد هنا: حرف المد -ولهذا إشارة في هامش ص١٠٥ رقم ٢. أما الذي يشبه صحيح الآخر، أو المعتل الآخر الذي يشبه الصحيح فهو ما في آخره حرف متحرك من حرفي العلة "الواو، الياء" مع سكون ما قبله، مثل صفو، شجو، نهي، غي وقد يكون الحرفان مشددين، أو مخففين؛ نحو: مرمي، مغزو، ظبي، دلو ، أما الألف فساكن مفتوح ما قبله دائما. ومن الشبيه أيضا: المختوم بياء مشددة للنسب ونحوه؛ "مما لم يكن نتيجة إدغام ياءين إحداهما ياء المتكلم" نحو: عبقري، بهي، شافعي، كرسي.. فخرج نحو: خليلي وصاحبي ووبني، وكاتبي.. فلهذا النوع -ويسمى: "الملحق بالمعتل الآخر" -كما سيجيء في الرقم التالي، وفي رقم ١ من ص٧٢٢ -حكم خاص موضح في باب المضاف إلى ياء المتكلم من الجزء الثالث، وله موجز هنا آخر الباب ص٦٥. ٣ الملحق به هو: المثنى، وجمع المذكر، إذا أضيفا، وحذفت نونهما للإضافة، وختم آخرهما بالعلامة الخاصة بإعراب كل؛ وهي: الألف والياء للمثنى، والواو والياء لجمع المذكر السالم. فهذه العلامات ليست من بنية الكلمة، ولا تعد من حروفها، وإنما هي طارئة على آخرها لغرض الإعراب؛ بخلاف حرف العلة فإنه معدود من حروف الكلمة الثلاثية وجزء من بنيتها، وليس طارئا للغرض الإعرابي؛ لهذا لا يدخل في عداد المعتل كل من المثنى وجمع المذكر السالم إذا أضيفا وحذفت نونهما للإضافة وإنما يسميان ملحقان بالمعتل، لاشتراكهما معه من المظهر الشكلي، وفي بعض الأحكام التي سنعرفها في "ب" ص٦٥. ٤ أما حكم غير المحضة فيجيء في ص٦٣.
[ ٤ / ٥٨ ]
ومباشرة١ ما يأتي:
١- وجوب النصب بفتحة مقدرة إن كان المنادى مفردا٢، أو جمع تكسير، أو جمع مؤنث سالما، ومن الأمثلة قول الشاعر يعاتب:
يا أخي، أين عهد ذاك الإخاء؟ أين ما كان بيننا من صفاء؟
وقول الآخر:
سألتني عن النهار جفوني رحم الله -يا جفوني- النهارا
ونحو: يا زميلاتي لكن تقديري وإكباري، ونحو: يا سعيي قد بلغت بي المدى. ويا صفوي إن أطلت الغياب فلن تهدأ نفسي
فكلمة: "أخ، جفون، زميلات"، "سعى، صفو" وأشباهها، منادى مضاف منصوب بفتحة مقدرة منع من ظهورها الكسرة التي جاءت لمناسبة الياء. "لأن هذه الياء يناسبها كسر ما قبلها" والياء مضاف إليه، مبنية على السكون في محل جر٣
٢- يصح في هذه الياء ست لغات، بعضها أقوى وأكثر استعمالا من بعض. هي٤:
حذف الياء مع بقاء الكسرة قبلها دليلا عليها؛ كالآية الكريمة: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ ٥ ونحو: استقبل العالم المخترع أعوانه وهو يقول: أهلا يا جنود، أهلا يا رجال، أنتم الفخر، ومجد البلاد.
_________________
(١) ١ أي: بغير فاصل بين المتضايفين، وإلا تغير الحكم على الوجه الآتي في ص٦٤ حيث يتعرض للفصل، وللإضافة غير المحضة.. ٢ أما المثنى وجمع المذكر السالم فملحقان بالمعتل -كما قلنا في رقم ٣ من هامش الصفحة السالفة- ولهما حكمهما الخاص وسيأتي في ص٦٦. ٣ للإعراب المقدر "أو: التقديري" وكذا الإعراب المحلي أهمية وآثار لا يمكن إغفالها، وقد أوضحناها في بابهما الخاص، وهو باب: "المعرب والمبني" ج١ م٦ ص٨٤، وم١٦ ص١٩٨. ٤ آثرنا الترتيب الآتي على غيره؛ مجاراة لكثير من النحاة اختاروه؛ بحجة أنه المطابق للوارد من كلام العرب، كثرة وقلة. وواجب المتكلم أن يتخير من هذه اللغات المتعددة ما هو أنسب للمقام، وأبعد من اللبس عند عدم القرينة؛ كالصورة الثانية والثالثة؛ حيث ثبتت في كل منهما الياء. ٥ وقوله: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ .
[ ٤ / ٥٩ ]
والإعراب كالسالف، إلا أن الياء محذوفة هنا
بقاؤها مع بنائها على السكون في محل جر، للإضافة؛ نحو: يا جنودي يا رجالي
بقاؤها على الفتح بعد فتح ما قبلها، ثم قلبها ألفا١؛ نحو: يا فرحا بإنجاز ما فرض الله، ويا حسرتا على التقصير "والأصل٢: يا فرحي، يا حسرتي ؛ فصار: يا فرحي ، يا حسرتي ، ثم صار: يا فرحا يا حسرتا " والمنادى هنا منصوب -والأيسر أن يكون منصوبا بالفتحة الظاهرة- وهو مضاف، وياء المتكلم المنقلبة ألفا مضاف إليه، مبنية على السكون في محل جر٣ ويجوز في هذه الصورة أن تلحقه هاء السكت عند الوقف؛ فتقول: يا فرحاه يا حسرتاه
قلب الياء ألفا على الوجه السالف، وحذف الألف، وترك الفتحة قبلها دليلا عليها؛ نحو: يا فرحَ ، يا حسرةَ وفي هذه الحالة يكون المنادى منصوبا مضافا، وياء المتكلم المنقلبة ألفا، المحذوفة، هي المضاف إليه٤
_________________
(١) ١ لتحركها وفتح ما قبلها؛ تطبيقا لقواعد الإعلال والإبدال. ٢ هذا الأصل -كغيره، أمثاله الكثيرة- خيالي محض. ومجرد فرض لا يعرف عنه العرب الأوائل شيئا. وإنما يراد منه ما يراد من أكثر الفروض المتخيلة؛ تيسير الوصول إلى النتائج والحقائق من طريق واضح مألوف. ومعلوم أن هذه الأصول الخيالية والفروض -كما رددنا في مناسبات متعددة- ليست مقصورة على الصناعة النحوية، فالنحاة في هذا كغيرهم من المشتغلين بسائر العلوم اللغوية وغير اللغوية. وقد أحسنوا وأفادوا، إلا حين يسرفون أو يتعسفون. ٣ وإنما كان الأيسر والأوضح إعرابه منصوبا بالفتحة الظاهرة للفرار مما يتكلفه بعض المعربين حين يقولون: إنه منصوب بفتحة مقدرة منع من ظهورها الكسرة المنقلبة فتحة لمناسبة الياء المنقلبة ألفا. وحجتهم: أنهم يريدون تسجيل الأطوار كلها، ولو أدى الأمر إلى الإطالة. ٤ يقول ابن مالك في حكم الصحيح وشبهه، واللغات المتعددة التي في ياء المتكلم إذا كانت هي المضاف إليه: واجعل منادى صح إن يضف ليا كعبد، عبدي - عبد، عبدا، عبديا "صح= أي: صح آخره عبديا= أصلها: عبدي، وزيدت في آخرها ألف لأجل الشعر" يريد: إذا أضيف المنادى صحيح الآخر فاجعله كعبد، عبدي أي: على مثال واحد مما يأتي -ولم يذكرها مرتبة على حسب كثرة استعمالها. =
[ ٤ / ٦٠ ]
بقيت اللغة السادسة؛ "وهي أضعف نظائرها، ولا تكاد تخلو من لبس في تبين نوعها، ومن اضطراب في إعرابها١؛ ولهذا يجب اليوم إهمالها، تبعا لرأي من أهملها من النحاة القدامى، فلم يذكرها بين اللغات الجائزة.
وتتلخص في حذف "الياء" -مع ملاحظتها في النية- وبناء المنادى على الضم "كالاسم المفرد المعرفة". ويقع هذا في الكلمات التي تشيع إضافتها، ليكون العلم بشيوع إضافتها قرينة ودليلا على حذف المضاف إليه، وأنه محذوف في اللفظ لكنه ملاحظ٢ في النية كالكلمات: رب، وقوم، وأم، وأب وأشباهها مما يغلب استعماله مضافا؛ نحو: يا رب، وفقني إلى ما يرضيك - يا قوم، لا تتوانوا في العمل لما يرفع شأنكم - يا أم، أنت أكثر الناس عطفا علي، ويا أب، أنت أشدهم عناية بي
ومما سبق يتبين أن ثلاثا من اللغات الست تقتضي حذف الياء، وثلاثا أخرى تقتضي إثباتها.
_________________
(١) = يا عبد: مثال لما حذفت فيه ياء المتكلم مع بقاء الكسرة قبلها دليلا عليها - يا عبدي؛ لثبوت ياء المتكلم الساكنة المكسور قبلها - يا عبد: للمنادي الذي قلبت معه ياء المتكلم ألفا مفتوحا ما قبلها، وحذفت الألف - يا عبدا كالسابق، ولكن من غير ياء المتكلم المنقلبة ألفا - يا عبدي: للمنادى الذي أضيف لياء المتكلم المبنية على الفتح؛ فهذه خمس لغات اكتفي بها. ولم يتعرض للسادسة التي يحذف فيها المضاف إليه، ويبنى الاسم بعده على الضم، وقد شرحناها. وساق بعد هذا بيتا سيجيء شرحه في مكانه المناسب من هامش ص٦٥ هو: وفتح أو كسر، وحذف اليا استمر في: "يابن أم"، "يابن عم" لا مفر ١ سبب الاضطراب في إعرابها اختلافهم الشديد في الحكم على نوع المنادى: أيراعى أصله من ناحية أنه مضاف؛ فيكون منادى منصوبا بفتحة مقدرة، منع من ظهورها الضمة التي جاءت لمشابهته بالنكرة المقصودة في التعريف بالنداء وقصد الإقبال، "ولا بالعلمية، ولا بالإضافة، ولا بأل" - أم يراعى حالته الحاضرة من ناحية بنائه على الضم. وهذا الخلاف ليس شكليا، وإنما له أثره في التوابع؛ أتكون واجبة النصب حتما، نتيجة للرأي الأول، أم يكون شأنها شأن توابعها لمنادى المبني على الضم، ولها أحكام مختلفة، سبق شرحها في ص٤٠ وما بعدها؟ ٢ لأنها -وهي المشهورة بالإضافة- تدل إذا لم تكن مضافة إلى اسم ظاهر، أو إلى ضمير لغير المتكلم على أنها مضافة للمتكلم، والمتكلم أولى بذلك؛ لأن ضميره الياء يحذف أكثر من غيره.
[ ٤ / ٦١ ]
٣- إن كان المنادى الصحيح الآخر هو كلمة "أب"، أو "أم" جاز فيه اللغات الست السابقة، ولغات أربع أخرى؛ وهي:
حذف ياء المتكلم، والإتيان بتاء١ التأنيث الحرفية عوضا عنها، مع بناء هذه التاء الحرفية على الكسر، أو على الفتح -وكلاهما كثير قوي- أو على الضم، وهو قليل، ولكنه جائز؛ نحو: يا أبت أنت كافلنا، ويا أمت، أنت راعيتنا
والمنادى في هذه الصور الثلاث منصوب بفتحة ظاهرة٢ دائما. وهو مضاف. وياء المتكلم المحذوفة مضاف إليه. وجاءت تاء التأنيث عوضا عنها، مع بقائها حرفا للتأنيث كما كانت، وليست المضاف إليه
والصورة الرابعة -وهي أقلها من السماع الوارد، ولا يصح القياس عليها: الجمع بين تاء التأنيث السالفة التي هي العوض. وألف بعدها أصلها ياء المتكلم؛ نحو: يا أبتا يا أمنا.
وكقول الشاعر:
يا أمتا أبصرني راكب في بلد مسحنفر٣ لاحب٤
وقول الآخر:
يا أبتا علك أو عساكا
وفي هذه الصورة جمع بين العوض -وهو التاء- والمعوض عنه، وهو: الياء المنقلبة ألفا. ولذا قال بعض النحاة: إن هذه الألف ليست في أصلها ياء المتكلم؛ وإنما هي حرف هجائي، وزائد لمد الصوت. وهذا الرأي أوضح وأيسر في إعراب تلك الصيغ المسموعة.
_________________
(١) ١ سبقت الإشارة لهذا "في باب الإضافة لياء المتكلم ج٣ م٩٧ ص١٤٦" والأكثر في هذه التاء أن تظل تاء عند النطق بها وقفا ووصلا، وأن تكتب تاء متسعة "أي" غير مربوطة" ويجوز كتابتها مربوطة، كما يجوز الوقف عليها بالهاء. لكن الأفضل الاقتصار على الرأي الأول الذي يقضي باعتبارها تاء متسعة في جميع أحوالها. ٢ لأن تاء التأنيث توجب فتح ما قبلها دائما. ولا داعي للإطالة بأنه منصوب بفتحة مقدرة منع من ظهورها الفتحة التي جاءت لمناسبة التاء. ٣ واسع. ٤ معهود ممهد.
[ ٤ / ٦٢ ]
هناك صورة أضعف من هذه، وأندر استعمالا في السماع الوارد، حتى خصها كثير من النحاة بالضرورة الشعرية، نذكرها لندركها إذا صادفتنا في بعض الكلام القديم، هي الجمع بين هذه التاء وياء المتكلم بعدها، أو الجمع بين ياء المنقلبة ألفا والتاء بعدها.
كقول الشاعر:
أيا أبتي١، لا زلت فينا، فإنما لنا أمل في العيش ما دمت عائشا
وقول الآخر:
كأنك فينا يا أبات٢ غريب٣
هذا، ولا تكون تاء التأنيث عوضا عن ياء المتكلم إلا في أسلوب النداء على الوجه السالف، دون غيره من الأساليب. ووجودها في آخر كلمتي: "أب، وأم" يحتم استعمال كل واحدة منهما منادى، ويمنع استعمالها في غيره٤
ونشير إلى أمرين هامين:
أولهما: أن الأحكام السابقة كلها مقصرة على المنادى صحيح الآخر، وشبهه إذا كانت إضافتهما محضة -كما أسلفنا-٥ فإن كانت غير محضة فالمنادى واجب النصب بفتحة مقدرة قبل ياء المتكلم منع من ظهورها الكسرة التي لمناسبة الياء. وهذه الياء ثابتة دائما ومبنية على السكون أو الفتح؛ كقولهم: "يا رائدي للهدى وقيت الردى، ويا مرشدي للخير صانك الله من الزلل". فالمنادى:
_________________
(١) ١ والأيسر في الإعراب أن تكون كلمة: "أب" منادى منصوب مضاف والتاء عوض عن الياء المحذوفة. أما المذكورة فحرف هجائي ناشئ من بناء التاء على الكسرة مع إشباع هذه الكسرة. أو: أن التاء للتأنيث اللفظي، والياء بعدها مضاف إليه، وقد فصلت التاء بين المتضايفين. ٢ ويقال في الإعراب: "أب" منادى، منصوب، مضاف إلى ياء المتكلم المنقلبة ألفا، والتاء حرف للتأنيث اللفظي، يضبط بالفتحة، أو الكسرة، أو الضمة -كما سلف. ٣ وإلى بعض ما سبق -في نداء "أب" أو "أم"- يقول ابن مالك باختصار: وفي الندا: "أبت"، "أمت"، عرض واكسر، أو افتح، ومن اليا التا عوض يريد: عرض في النداء أسلوب خاص، هو: يا أبت، يا أمت بكسرة التاء، أو فتحها، وقد ترك الضم -ثم صرح أن التاء عوض من ياء المتكلم المضاف إليه، واقتصر على هذا تاركا التفصيلات التي عرضناها. ٤ انظر رقم "١" من ص٦٨. ٥ في ص٥٨.
[ ٤ / ٦٣ ]
"رائد، ومرشد" منصوب وجوبا بفتحة مقدرة، والياء معهما مبنية على السكون أو على الفتح، ولا يصح حذفها. ولا بد معها أن يكون المنادى المضاف مفردا١.
ثانيهما: أن تلك الأحكام مقصورة على النوع السالف من المنادى المضاف إضافة محضة، بشرط أن يكون مضافا للياء مباشرة؛ كما تقدم٢. فإن كان هو أو غيره من سائر أنواع المنادى مضافا إلى مضاف إلى ياء المتكلم وجب إثبات الياء وبناؤها على السكون، أو على الفتح٣ كقولهم: يا طالب إنصافي، لا أعلم لك منصفا إلا عملك، إذا أحسنته جملك، وإذا أتقنته كملك، وقول الشاعر:
يا لهف نفسي إن كانت أموركمو شتى، وأحكم أمر الناس فاجتمعا
فيجوز: "إنصافي، أو: انصافي - نفسي، أو نفسي؛ بإسكان الياء أو فتحها".
ويستثنى من هذا الحكم أن يكون المنادى المضاف إلى مضاف لياء المتكلم هو لفظ: "ابن أم، أو: ابن عم، أو: ابنة أم، أو ابنة عم، أو بنت أم، أو بنت عم" فالأفصح٤ في هذه الصور حذف ياء المتكلم مع ترك الكسرة قبلها دليلا عليها؛ "نحو: يابن أم كن على الخير معوانا لي، ويابن عم لا تقعد عن مناصرتي بالحق - يابنة أم يا بنت أم
_________________
(١) ١ يفهم من كل ما سبق أن المنادى المضاف الذي إضافته غير محضة، لا بد أن يكون -في الغالب- وصفا عاملا، ولا بد أن يكون مفردا أيضا؛ لأن المثنى وجمع المذكر السالم ملحقان بالمعتل في حكمه، وسيجيء في ص٦٦ -فإذا أضيفا عند النداء لياء المتكلم وجب بناؤها على الفتح وحده- في الرأي الأصح. ٢ في ص٥٨ ٣ ما لم تحتم الضرورة الشعرية الاقتصار على أحدهما. ٤ قلنا: الأفصح؛ لأن هناك لغتين أخريين؛ أولاهما: إثبات الياء الساكنة، كقول الشاعر القديم في الرثاء: يابن أمي، ويا شقيق نفسي أنت خلفتني لدهر شديد وثانيتهما: قلبها ألفا؛ كقول الآخر: يابنة عما لا تلومي واهجعي
[ ٤ / ٦٤ ]
يا بنت عم " فالمنادى معرب منصوب، والمضاف إليه الأول مجرور بالكسرة الظاهرة قبل الياء المحذوفة.
ويجوز في الألفاظ السالفة حذف الياء بعد قلبها ألفا، وقلب الكسرة قبلها فتحة؛ فنقول: "يابن أم يابن عم يابنة أم يابنة عم يا بنت أم يا بنت عم" قلبت ياء المتكلم ألفا بعد قلب الكسرة التي قبلها فتحة، ثم حذفت ياء المتكلم المنقلبة ألفا، وبقيت الفتحة قبلها دليلا عليها. فيقال عند الإعراب: إن المضاف إليه الأول مجرور بالكسرة المقدرة التي منع من ظهورها الفتحة التي جاءت للتوصل بها إلى قلب ياء المتكلم ألفا، وحذفت هذه الألف للتخفيف.
ويصح أن يقال في هذه الصورة: إن المنادى قد ركب مع ما أضيف إليه تركيبا مزجيا وصارا معا بمنزلة: "خمسة عشر" أو غيرها من الأعداد والألفاظ المركبة المبنية على فتح الجزأين. وعندئذ يقال في الإعراب: "يابن أم يابن عم - يابنة أم يابنة عم يا بنت أم يا بنت عم " "ياء" حرف نداء. وما بعدها منادى مضاف. منصوب بفتحة مقدرة منع من ظهورها حركة البناء الأصلية التي هي فتح الجزأين، وياء المتكلم المحذوفة هي المضاف إليه. وتكون الفتحة التي على حرفي النون والتاء "في: ابن، وابنة، وبنت " حركة هجائية، لا توصف بإعراب ولا بناء١
ب- إن كان المنادى المضاف إلى ياء المتكلم معتل الآخر، أو ملحقا٢ به
_________________
(١) ١ ويجوز -في الألفاظ السالفة- شيء آخر؛ هو إهمال الياء المحذوفة، واعتبارها كأن لم توجد، مع اعتبار المنادى وما أضيف إليه بمنزلة الاسم المركب تركيبا مزجيا، وإعرابه مبنيا على الضم المقدر؛ كأنهما كلمة واحدة مفردة معرفة. ولا يخلو هذا الوجه -على صحته- من ليس يدعو للفرار منه. وقد أشار ابن مالك إلى بعض الآراء السالفة في بيت سبقت الإشارة إليه في هامش ص٦١، وهو: وفتح أو كسر، وحذف اليا استمر في: "يابن أم" "يابن عم". لا مفر يابن أم، يابن عم، أصلهما: يابن أمي - يابن عمي. ويريد بهما: المنادى المضاف إلى مضاف لياء المتكلم، وأن حذف هذه الياء مستمر معهما -على الأرجح - وأن الحرف الذي قبل الياء المحذوفة يصح تحريكه بالفتحة أو بالكسرة، ولم يذكر السبب، واستغنى بما سبق عن غيره مما سردناه. ٢ بيان هذا الملحق في رقم ٣ من هامش ص٥٨.
[ ٤ / ٦٥ ]
فحكمه هو ما كان يجري عليه قبل النداء، وقد سبق تفصيله١، ويتلخص في قاعدة واحدة٢؛ هي: سكون آخر المضاف دائما، وبناء المضاف إليه على الفتح في الأفصح -وهذه القاعدة تنطبق على ما يأتي:
١- المقصور المضاف إلى ياء المتكلم؛ نحو: يا فتاي أنت عوني في السراء والضراء.
٢- المنقوص المضاف إلى ياء المتكلم، وتدغم الياءان، وأولاهما ساكنة، والأخرى مبنية على الفتح؛ نحو: يا داعي للخير، لبيك من داع مطاع.
٣- المثنى وشبهه؛ وتدغم ياؤه ساكنة في ياء المتكلم المبنية على الفتح٣، كقول الشاعر في حديقة:
خذا الزاد يا عيني من حسن زهرها فما لكما دون الأزاهر من متع
٤- جمع المذكر وشبهه؛ وتدغم ياؤه ساكنة في ياء المتكلم المبنية على الفتح؛ كقول الشاعر:
يا سابقي إلى الغفران. مكرمة إن الكرام إلى الغفران تستبق
٥- المختوم بياء مشددة. وليس تشديدها للإدغام؛ ففي كلمة مثل: عبقري، يقال: أفرحتني يا عبقري. بحذف الياء الثانية من المشددة، وإدغام الأولى التي بقيت في ياء المتكلم المفتوحة.
ويصح حذف ياء المتكلم مع بقاء الياء المشددة قبلها مكسورة٤؛ نحو: يا عبقري. لك إكباري وتقديري
ويصح قلب ياء المتكلم ألفا وحذفها. مع فتح الياء المشددة قبلها؛ نحو: يا عبقري
أما المعتل الآخر بالواو فشأنه من فصلناه هناك.
_________________
(١) ١ ج٣ م٩٧ ص١٣٧. ٢ هذا التلخيص لا يكاد يغني عن الرجوع إلى ما سبق من تفصيل وإيضاح، وعرض صور هامة كثيرة. ٣ طبقا لما سلف في رقم ١ من هاتين ص٦٤. ٤ لتكون الكسرة دليلا على الياء المحذوفة.
[ ٤ / ٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- يجري على الأسماء الخمسة: "أب، أخ، حم، هن، فم" عند ندائها مع إضافتها لياء المتكلم ما يجري عليها بغير مناداتها. ذلك أن الرأي الفصيح الذي يحسن الاقتصار عليه هو إضافتها بحالتها الحاضرة، دون إرجاع لامها المحذوفة "أي: دون إرجاع حرفها الأخير؛ وهو: "الواو" المحذوفة" إذ الشائع أن أصل أبو، أخو، حمو، هنو، فوه. والميم زائدتان في: "فم" وفي "فوه"
فإذا أضيفت تلك الأسماء -وهي مناداة، أو غير مناداة- أعربت على حسب حاجة الجملة؛ وكسر حرفها الأخير الحالي لمناسبة الياء١؛ فتقول: يا أبي يا أخي، يا حمي، يا هني، يا في، ويصح في هذه: يا فمي.
وهناك رأي مستنبط من بضعة أمثلة مروية عن بعض القبائل، مؤداه: إرجاع الحرف المحذوف من آخر تلك الأسماء مع تسكينه قبل ياء المتكلم. وهذه الياء يجب بناؤها على الفتح، فتجتمع الواو والياء، وتسبق إحداهما بالسكون؛ فتقلب الواو ياء، وتدغم الياء في الياء٢. ويكسر ما قبلها لمناسبتها؛ فتقول يا أبي، يا أخي وفي هذه الصورة تكون الكلمة معربة بحركة مقدرة منع من ظهورها السكون الواقع على الياء الأولى لأجل الإدغام٣.
أما "ذو" التي تعرب إعراب الأسماء الخمسة فلا تضاف لضمير المتكلم.
ب- يجوز في كلمة: "ابنم" المبدوءة بهمزة الوصل، والمختومة بالميم الزائدة، ومعناها: ابن - إثبات الميم عند الإضافة وحذفها؛ نحو: يا بنمي، أو: يا بني؛ بإسكان الياء في الحالتين، وكسر ما قبلها.
_________________
(١) ١ فهي بهذا تشبه صحيح الآخر من ناحية أن آخرها الحالي صحيح، وأنه يجب كسره لمناسبة ياء المتكلم "وقد سبقت إشارة لهذا في مناسبة أخرى: ج٣ باب المضاف إلى ياء المتكلم ص١٣٨ م٩٧". ٢ إن كان أصل: "فم" هو "فيه" بالياء المحذوفة رجعت الياء ساكنة، وأدغمت في ياء المتكلم المبنية على الفتح. ٣ وتكون الأسماء الخمسة كالمعتل؛ في إسكان آخرها وبناء الياء على الفتح.
[ ٤ / ٦٧ ]
المسألة ١٣٢: الأسماء التي لا تكون إلا منادى
من الألفاظ ما لا يستعمل إلا منادى؛ فلا يكون مبتدأ، ولا خبرا، ولا اسما لناسخ أو خبرا له، ولا شيئا آخر غير المنادى١. وأشهر هذه الأسماء ما يأتي:
١- "أبت، وأمت" بشرط وجود تاء التأنيث في آخرهما على الوجه الذي فصلناه٢ -ووجودها يحتم أن يكون كل منهما منادى، ولا يصح استعمالهما في شيء آخر معها- نحو: يا أبت، إني لك مطيع، ويا أمت إني بك بار. أي: يا أبي أي أمي.
٢- "اللهم"، المختومة بالميم المشددة٣، نحو: اللهم لا سعادة إلا فيما يرضيك، ولا شقاء إلا فيما يغضبك.
٣- "فل" "بضم الفاء واللام معا"؛ وهي عند النداء كناية عن مفرد معين من جنس الإنسان. و"فلة"، و"بضم الأول وفتح الثاني" وهي عند النداء كناية عن مفردة معينة من جنس الإنسان كذلك؛ نحو: يا فل، عمل المرء عنوان نفسه، ودليل عقله - يا فلة، القصد يمن، وخير الكلام أصدقه. فالمنادى "فل، وفلة" مبني على الضم دائما في محل نصب.
ولا يعنينا أن يكون سبب التعيين هنا في الكناية ما يقوله بعض النحاة من أنها علم على إنسان، كسائر الأعلام الشخصية "مثل: محمد وفاطمة " أو: ما يقوله بعض آخر: إن سببه طارئ بالمناداة والقصد، وأنها نكرة مقصودة،
_________________
(١) ١ ومن الأسماء ما لا يصلح أن يكون منادى؛ كاللام المضاف لضمير المخاطب؛ نحو: يا صديقك، وكضمائر غير المخاطب. "أما ضمير المخاطب ففريق يجيز نداءه؛ طبقا لما سلف في ص٤" وكاسم الإشارة المتصل بكاف الخطاب -للسبب الذي في رقم ٢ من هامش ص٤- فلا يقال: يا ذاك. وكالاسم المبدوء "بأل" في غير المواضع المستثناة التي سبق ذكرها في ص٣٥؛ فلا يقال: يا المكافح ستدرك مأربك ٢ في ص٦٢ وما بعدها. ٣ في ص٣٦ وهامشها الكلام على معانيها المختلفة، وطريقة إعرابها.
[ ٤ / ٦٨ ]
مثل: يا رجل؛ لمعين، أو: يا فتاة؛ لمعينه، وقد عرفت النكرة بالنداء والإقبال -لا يعنينا شيء من هذا كله؛ لأن نتيجة الرأيين واحدة؛ هي بناء الكلمة بصورتها الحالية على الضم دائما، في محل نصب، وعدم استعمالها في غير النداء إلا لضرورة شعرية، وكذلك عدم استعمالها منادى منصوبا مباشرة؛ لأنها لا تكون مضافة، ولا شبه مضافة، ولا نكرة غير مقصودة؛ إذ السماع الوارد في لفظها يقتضي قصرها على المنادى المبني على الضم١
_________________
(١) ١ كما يقتضي ألا ينقاس عليها غيرها.
[ ٤ / ٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
يدور الجدل حول أصل هاتين الكلمتين، ولولا ما له من أثر يساعد عند الرجوع على مادتهما اللغوية في المعاجم، وعند التصغير، والمشتقان لأهملناه. وملخصه:
أن فريقا من النحاة يرى أصل: "فل" و"فلة" هو "فلان" و"فلانة" وأنهما في النداء -كأصلهما- كنايتان عن علم شخص لرجل معين، كعلي وامرأة معينة؛ كزينب ، حذفت من آخرهما الألف والنون، للترخيم١ -برغم أن قواعده لا تسمح بهذا الحذف الكثير دفعة واحدة- وأن الألف والتاء زائدتان. وأما النون فأصلية؛ لأن مادة فعلهما الماضي هي: "فلن" وعند التصغير -إذا سمي بهما- يقال فيهما "فلين" و"فلينة"، وأنهما يختلفان في الاستعمال عن أصلهما الخالي من الحذف، فلا يستعملان إلا في النداء، أما أصلهما فيكون منادى وغير منادى.
ويوافق آخرون على هذا الرأي، إلا أنهم يعتبرون حذف تلك الحروف للتخفيف، لا للترخيم، وإلا وجب أن يقال في المذكر "فلا" وفي المؤنث "فلان" طبقا لقواعد٢.
ويخالفهما كثير من البصريين؛ فيرى أنهما كلمتان مستقلتان، وليستا اختصار "فلان" و"فلانة" -كما يرى أنهما مختومتان بياء أصلية، حذفت تخفيفا؛ كحذفها من كلمة "يد"، فأصلهما: "فلي" و"فلية"٣ وتصغيرهما
_________________
(١) ١ سيأتي بابه في ص١٠١. ٢ وهذه القواعد تقضي بألا يحذف في الترخيم مع الآخر ما قبله من حرف مد زائد إلا إذا كان المرخم خماسيا فصاعدا. وكلمة: "فلان" أربعة أحرف فقط، فترخيمها هو: "يا فلا". كما تقضي تلك القواعد ألا يقال في التأنيث: "يا فلة"، وإنما يقال: يا فلان. - راجع الصبان في هذا الموضع، وكذلك ص١٠٢ الآتية، وما بعدها. ٣ وإذا حذفت الياء وجب تحريك اللام التي قبلها بالفتحة؛ لأن الفتحة هي التي تناسب تاء التأنيث.
[ ٤ / ٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
"فلي وفلية" ومادة ماضيهما "فلي" وأن منهما عند النداء فكرة مقصودة بالمناداة والإقبال؛ فتدل الأولى على رجل مقصود، وتعدل الثانية على امرأة مقصودة، ولا يرجعان في أصلهما إلى كلمتي: "فلان وفلانة" اللتين هما كنايتان عن علمين شخصيين أحدهما لرجل، والآخرة لامرأة -كما سبق- وهذا الرأي أوضح، وأبعد من التعقيد.
فالآراء متفقة على بناء "فل" و"فلة" على الضم١، مختلفة في أصلهما، في نوع المنادى؛ أهو مفرد علم، أم نكرة مقصودة؟ متفقة كذلك على أنهما لا يستعملان بصورتهما هذه إلا منادى. وأن كلمتي: "فلان" و"فلانة" تستعملان في النداء وغيره٢، مع اعتبارهما، كنايتين عن علمي شخصيين لرجل معين، وامرأة معينة، ونونهما أصلية، ومادة فعلهما "فلن"٢؛ تقول في استعمالهما في النداء: يا فلان، تضيع الغاية بين العجز والملل، ويا فلانة، من أعجب بنفسه ضاعت هيبته كما تقول في غيره: أسرع فلان إلى سماع محاضرة فلان وبادرت فلانة للإصغاء إلى فلانة أو فلان.
_________________
(١) ١ ويجري على توابعهما حكم توابع المنادى المبني على الضم. ٢ و٢ راجع الخضري.
[ ٤ / ٧١ ]
٤- لؤمان، وملأم "وكلاهما وصف بمعنى: كثير اللؤم والدناءة"، ونومان "وصف بمعنى: كثير النوم"؛ نحو: يا لؤمان أو: يا ملأم، من أساء إلى غيره حاقت به إساءته - يا نومان، الاعتدال في كل الأمور حميد. ويجوز في الثلاثة زيادة تاء التأنيث عند نداء المؤنث. ولا يقاس على هذه الثلاث المسموعة غيرها مما يشاركها في الوزن إذا كان غير مسموع. فكل واحد من هذه منادى مبني على الضم في محل نصب.
٥- ملأمان، ومخبثان "وصفان بمعنى: لئيم، وخبيث" وغيرهما؛ من كل وصف على وزن: "مفعلان"، وأصل مادته -في الغالب- يدل على أمر مذموم. وقد يدل على أمر محمود، مثل: مكرمان، ومطيبان؛ "وهما وصفان بمعنى: عزيز مكرم، وطيب" ومن الأمثلة: يا ملأمان، من قبحت سيرته تقاسمته البلايا -يا مطيبان، من طابت سريرته سالمته الليالي.
ويجوز زيادة تاء التأنيث في: "مفعلان" عند نداء المؤنث.
والأنسب الأخذ بالرأي الذي يبيح القياس في هذه الصيغة؛ لكثرة الوارد بها، أما إعرابها فكالنوع السابق١
٦- ما كان وصفا على وزن: "فُعَل" بمعنى: فاعل؛ لذم المذكر وسبه، نحو: غُدَر، بمعنى: غادر، وسُفَه؛ بمعنى: سافه، وشتم، بمعنى: شاتم ، وغيرها مما هو على وزنها مع دلالة مادته في أصلها على السب والذم. ومن الأمثلة: يا غدر، لا صداقة معك، ولا أمانة لك
- يا سفه، مقتل الرجل بين فكيه
_________________
(١) ١ اكتفى ابن مالك في الكلام على: "فل" و"فلة" ولؤمان وملائم، ونومان، بقوله في باب عنوانه: "أسماء لازمت النداء". و"فل" بعض ما يخص بالنداء "لؤمان، نومان" كذا. واطردا ١ وختم البيت بقوله: "واطردا". وهذا الختام لا علاقة له بما سبقه، وإنما يتصل معناه بما يليه من حكم جديد يختص بوزن: "فعال" وهذا الاتصال معيب في الشعر عامة.
[ ٤ / ٧٢ ]
والأنسب الأخذ بالرأي الذي يبيح القياس في هذه الصيغة بشرط دلالة أصلها على السب، كما يبيح استعمالها في غير النداء. أما إعرابها عند النداء فكالنوع السابق.
٧- ما كان وصفا على وزن: "فعال" "فمعنى فاعل، أو: فعيلة" لسب الأنثى وذمها، وهو مبني على الكسر أصالة. وينقاس -في الرأي الأنسب- في كل ما له: فعل، ثلاثي، تام، مجرد، متصرف تصرفا كاملا، ومعناه السب والشتم؛ نحو: غدار وسراق، بمعنى: غادرة، وسارقة، ونحو: خباث، ولكاع؛ بمعنى: خبيثة، ولكيعة؛ أي: لئيمة وخسيسة. تقول: يا غدار؛ لا راحة لحسود، ولا عهد لغدار - يا خباث، لا هدوء مع خبث، ولا اطمئنان مع سوء نية١
ومن الشروط السالفة يتضح أن وزن: "فعال" لا يصاغ من مصدر فعل غير مستوف لتلك الشروط؛ كالفعل: "دحرج" لأنه غير ثلاثي، والفعل؛ "كان" لأنه غير تام، والفعل "ليس"؛ لأنه جامد، والفعل يذر، أو: يدع لأن كلا منهما ناقص التصرف٢
أما إعرابها: فمنادى مبني على ضم مقدر منع من ظهوره كسرة البناء الأصلي -في محل نصب.
وبمناسبة الكلام على صيغة: "فعال" المبنية على الكسر أصالة، وأنها قياسية في الموضوع السالف بشروطها يستطرد النحاة فيقولون: إنها قياسية أيضا في موضع آخر، إذا تحققت تلك الشروط من غير اشتراط الدلالة على السب والشتم، وذلك الموضع هو: أنها تقع اسم فعل أمر مبني على الكسر دائما؛ مثل: تراك؛ بمعنى اترك ما آمرك بتركه - نزال، بمعنى: انزل إلى الحرب أو غيرها - شراب؛ بمعنى: اشرب، ومن هذا قولهم: شراب من ورد التجارب؛ فإنه خير الموارد. وقول الشاعر:
_________________
(١) ١ ومثل قول الشاعر: عليك بأمر نفسك يا لكاع فما من كان مرعيا كراع ٢ في المشهور.
[ ٤ / ٧٣ ]
تراك -يا صاحبي - ما ليس بحمده سراة١ قومك من أهل المروءات
وقول الآخر:
نزال إلى حيث المكارم تبتغي ألفا يناغيها، أمينا يصونها
وسيجيء٢ تفصيل الكلام على هذه الصيغة في باب اسم الفعل ٣.
وملخص ما سبق في هذا الباب:
أن في اللغة ألفاظا لا تستعمل إلا منادى؛ وهي أنواع ثلاثة:
_________________
(١) ١ أشراف وعظماء، المفرد: سري. ٢ في ص١٤٠ م١٤١ وكذلك يجيء في رقم ١ من هامش ص٢٦٠ بيان أنواعها المختلفة ومعانيها وحكم كل نوع من ناحية الإعراب والبناء. ٣ ويقول ابن مالك -بإيجاز- في نداء ما هو على وزن: "فعال" الخاص بالأنثى، و"فعال" الخاص باسم فعل الأمر، و"فعل" الخاص بنداء المذكر: واطردا١ في سب الأنثى وزن: يا خباث والأمر هكذا من الثلاثي٢ أي: اطرد في سب الأنثى: "يا خباث" وما كان على وزنها. والأصل: "فعال"، وما كان على وزنها. وهذا الوزن مطرد في الأمر أيضا، ومقصده اسم فعل الأمر، ثم قال: وشاع في سب الذكور: "فعل" ولا تقس. وجر في الشعر "فل"٣ فهو يقرر أن نداء ما كان على وزن: "فعل" خاصا بسبب المذكر، أم شائع، ومع شيوعه نهى عن القياس عليه. ومنع القياس عليه مناقض للحكم بأنه شائع؛ إذ الشيوع في الكلام الفصيح يبيح القياس، كما بيناه من قبل. لهذا يكون الأخذ بالرأي المجيز أنسب ما دام المعنى المراد واضحا. وختم البيت بإباحة جر "فل" في الشعر للضرورة؛ لأن كلمة: "فل"، و"فلة" ملازمتان للنداء، كما عرفنا؛ فلا يصح جرهما إلا في تلك الضرورة؛ كالبيت الذي يرددونه: تضل منه إبلي بالهوجل في لجة أمسك فلانا عن فل "الهوجل هنا: الصحراء التي لا أعلام فيها. اللجة -بفتح اللام: الأصوات المختلفة". والبيت متصل بما قبله في وصف الإبل المتزاحمة في الصحراء مثيرة للغبار، يدفع بعضها بعضا. وقد شبهها بقوم في لجة -وهي اختلاط الأصوات في الحرب- يدفع بعضهم بعضا؛ فيقال: أمسك فلانا عن فل، أي: احجز بينهما. يقول بعض النحاة إن "فل" الواردة في البيت ليست المختصة بالنداء، وإنما هي اختصار لكلمة "فلان" التي تكون منادى وغير منادى؛ فلا شاهد في البيت. ويرى غيرهم العكس ولا قيمة لهذا الجدل، لوضوح الرأي القائل بأنها ليست منادى.
[ ٤ / ٧٤ ]
أ- نوع مقصور على السماع الوارد، لا يتجاوز الحكم لفظه ونصه الوارد إلى لفظ آخر، وأشهر ألفاظه: أبت، أمت، "الملازمين لتاء التأنيث"، اللهم، فل، فلة، لؤمان، ملأعم، نومان.
وكل هذا النوع منادى، مبني على الضم إلا "أبت وأمت"، فلهما حكمهما التفصيلي في الباب السابق١.
ب- نوع قياسي، وهو ما كان على وزن: "فعال" لسب الأنثى وذمها. وله شروط مثل: يا خباث - يا غدار
وهذا النوع منادى مبني على ضم مقدر من ظهوره كسرة البناء الأصلي في محل نصب. وهو غير النوع الذي على هذا الوزن، ويعرب اسم فعل أمر.
ج- نوع من قياسيته خلاف، والأحسن الأخذ برأي القائلين بقياسيته؛ لكثرة الوارد منه. ومن ألفاظه ما كان على وزن: "مفعلان"٢ للذم "غالبا"، أو للمدح، ومنه: ملأمان، مخبثان، مكرمان، مطيبان.
ومن ألفاظه أيضا ما كان على وزن: "فعل" لذم المذكر وسبه، نحو: غدر، وسفه
وكل هذا النوع منادى مبني على الضم في محل نصب.
فالأنواع الثلاثة عند النداء تبنى على الضم الظاهر في محل نصب، إلا وزن: "فعال" فيبنى على ضم مقدر، وإلا أبت وأمت، ففي إعرابها التفصيل الذي سبق خاصا بهما.
_________________
(١) ١ ص٦٢. ٢ وتزاد التاء في المؤنث.
[ ٤ / ٧٥ ]
نداء المجهول - اسمه:
إذا أردنا نداء المجهول الاسم وجدنا في اللغة أساليب تختلف باختلاف ذاته ومكانته؛ فقد تقول له: يا رجل، يا شاب، يا فتى، يا غلام، يا هذا، أيها السيد، أيها الأخ، يا زميل كما نقول للأنثى: يا فتاة، يا شابة، يا سيدة أيتها الأخت، يا زميلة ، إلى غير هذا من الكلمات الصالحة للنداء، والتي يترك اختيارها لذوق المتكلم، وبراعته في حسن الاختيار الملائم للمقام، كما اختار العرب قديما، وكما يختار المتعلمون اليوم
ومما اختاره العرب أحيانا كلمة: "هن" لنداء المذكر المجهول، و"هنة" "بسكون١ النون أو فتحها" للمؤنثة المجهول؛ تقول: يا هن، لا تستشعر الوحشة في بلدنا؛ فالغريب بيننا قريب - يا هنة ماذا تبتغين؟ ويقولون في التثنية: يا هنان ، ويا هنتان وفي جمعي السلامة: يا هنون٢ يا هنات.
وربما ختموا هذه الكلمات عند ندائها بالأحرف الزائدة التي قد تختم بها في الندية٣؛ فيقولون في الإفراد: يا هاه، ويا هنتاه، وفي التثنية: يا هنانيه ويا هنتانيه، وفي الجمع: يا هنوناه، ويا هناتوه؛ بسكون الهاء الأخيرة في كل ذلك عند الوقف، وحذفها، وصلا. وقد تثبت وصلا في الشعر أو غيره؛ فتتحرك بالضم أو بالكسر.
ولما كانت "هن" و"هنة" متعددة المعاني اللغوية، ومن معانيها ما هو محمود وما هو مذموم، كان الأنسب اليوم أن نختار سواها عند نداء المجهول الاسم، وأن نهجرها بصورها وفروعها المختلفة.
_________________
(١) ١ قال الصبان: إنه بسكون النون. وجاء في كثير من كتب اللغة بفتحها. ولعل الفتح أنسب لتاء التأنيث، وليساير المذكر في التحرك. ٢ يجمعونه جمع مذكر، مع أن شروط جمع المذكر لا تنطبق عليه. ٣ سيجيء بابها في ص٨٩.
[ ٤ / ٧٦ ]
المادة ١٣٣: الاستغاثة
المسألة ١٣٣: الاستغاثة
إذا وقع إنسان في شدة لا يستطيع -وحده- التغلب عليها، أو توقع أن يصيبه مكروه لا يقدر على دفعه ، فقد ينادي غيره لينقذه مما وقع فيه فعلا، أو ليدفع عنه المكروه الذي يتوقعه، ويخاف مجيئه
ومن الأمثلة: مناداة الغريق حين يُشرف على الموت؛ فيصرخ: "يا للناس للغريق". ومناداة الحارس زملاءه حين يرى جمعا من الأعداء مقبلا فيرفع صوته: "يا للحراس للأعداء". فهذه المناداة لطلب العون والمساعدة هي التي تسمى: "الاستغاثة"؛ ويقال في تعريفها إنها:
"نداء موجه إلى من يخلص من شدة واقعة بالفعل، أو يعين على دفعها قبل وقوعها".
أسلوبها وأركانه:
أسلوب الاستغاثة -على الوجه السالف- أحد أساليب النداء. ولا يتحقق الغرض منه إلا بتحقيق أركانه الثلاثة الأساسية؛ وهي: حرف النداء "يا"، وبعده -في الأغلب: "المستغاث به"؛ وهو المنادى الذي يطلب منه العون والمساعدة ويسمى أيضا: "المستغاث"١، وهذا الاسم الأكثر شيوعا هنا، ثم: "المستغاث له" وهو الذي يطلب بسببه العون؛ إما لنصره وتأييده، وإما للغلب عليه، كالمثالين السالفين؛ فهو الدافع للاستغاثة؛ لمعاونته، أو لمقاومته.
من هذه الأركان الثلاثة مجتمعة. يتألف الأسلوب الخاص بالاستغاثة الاصطلاحية٢، مع مراعاة الأحكام الخاصة بكل ركن منها. وتتركز هذه الأحكام فيما يأتي:
_________________
(١) ١ يقال: استغاث الصبي بوالده، أو استغاث الصبي والده؛ فالفعل يتعدى بنفسه تارة -وهذا هو الأكثر- وبالياء تارة أخرى، وهذا صحيح أيضا. فالوالد مستغاث، أو: مستغاث به. ٢ هناك أساليب غير اصطلاحية؛ كأن يقول الخائف مثلا: إني أستغيث بك يا والدي -أدركني يا صديقي وخلصني- أيها النبيل ادفع عني السوء الذي ينتظرني
[ ٤ / ٧٧ ]
أ- ما يختص بحرف النداء:
يتعين هنا أن يكون حرف النداء هو: "يا" دون غيره من إخوته، وأن يكون مذكورا١ دائما؛ نحو: يا للأحرار للمستضعفين فإن تخلف أحد هذين الشرطين لم يكن الأسلوب أسلوب استغاثة.
ب- ما يختص بالمستغاث "وهو: المنادى":
١- الغالب على المستغاث أن تسبقه لام الجر الأصلية. ومتى وجدت كانت مبنية على الفتح وجوبا؛ نحو: يا للطبيب للمريض، وقول الشاعر٢:
يا للرجال لحرة موءودة٣ قتلت بغير جريرة وجناح٣
ووجود هذه اللام ليس واجبا، إنما الواجب فتحها يحين تذكر ٤ ويستثنى من بنائها على الفتح حالتان، يجب فيهما بناؤها على الكسر.
الأولى: أن يكون المستغاث "ياء المتكلم"، نحو: يا لي للملهوف.
والثانية: أن يكون المستغاث غير أصيل؛ وذلك بأن يكون غير مسبوق "بيا"، ولكنه "معطوف" على مستغاث آخر مسبوق بها؛ فيكتسب من السابق معنى الاستغاثة، والمراد منها. نحو: يا للوالد وللأخ للقريب المحتاج. فكلمة "الأخ" ليست مستغاثا أصيلا، لعدم وجود حرف النداء "يا" معها، ولكنها استفادت معنى
_________________
(١) ١ سبقت الإشارة لهذا في رقم٥ من ص٣ وفي "أ" من ص٥ ويجيء في ص٨٢. ٢ البيت لشوقي من قصيدة يرثي فيها منصب "الخلافة" الإسلامية التي آلت إلى سلاطين الترك، ثم ألغوها سنة ١٩٢٩ وكان لإلغائها ألم عميق إذ ذاك. ومن الأمثلة قول الآخر يعاتب: أتتركني، وأنت أخي وصنوي؟ فيا للناس للأمر العجيب ٣ الموءودة: هي البنت التي كانت تدفن حية عقب ولادتها، كعادة بعض الأمم القديمة، ومنهم بعض القبائل العربية الجاهلية. والجريرة الإثم والذنب، وكذلك: الجناح. ٤ فيما سبق يقول ابن مالك في باب عنوانه: الاستغاثة. إذا استغيث اسم منادى خفضا باللام مفتوحا، كيا للمرتضى "ستغيث اسم: أي: استغيث به. وخفض، أي: جر". يريد: إذا نودي اسم مستغاث به وجب خفض المنادي؛ "أي: جره" بلام مبنية على الفتح، نحو: يا للمرتضى.
[ ٤ / ٧٨ ]
الاستغاثة من "المعطوف عليه" المستغاث الأصيل الذي قبله "يا" وهو الوالد. ففي هذه الصورة -والتي قبلها- يجب كسر اللام الداخلة على المستغاث.
ويترتب على عدم ذكر "يا" مع المعطوف شيء آخر، هو صفحة ذكر لام الجر معه، وحذفها؛ نحو: يا للطبيب وللممرض للجريح، أو: والممرض للجريح.
فإن ذكرت "يا" مع المعطوف كان مستغاث أصيلا كالمعطوف عليه، ووجب فتح اللام معهما في المواضع التي جب فيها بنائها على الفتح؛ كقول الشاعر:
يا لقومي، ويا لأمثال قومي لأناس عتوهم في ازدياد١
٢- جميع أنواع المنادى المستغاث، المجرور بهذه اللام الأصلية، المسبوق بالحرف: "يا"، معرب -إذا تحققت شروط ثلاثة-٢ منصوب؛ فهو مجرور لفظا، منصوب محلا٣. حتى المفرد العلم، والنكرة المقصودة، فإنهما يعتبران -حكما؛ بسبب هذه اللام- من قسم المنادى المضاف، الواجب النصب٤، ويلحقان به، فكل؛ منهما مجرور اللفظ، منصوب المحل، "كغيره من بقية أنواع المنادى المستغاث، المسبوق بالحرف: "يا"، والمجرور باللام الأصلية". لهذا يقال في إعراب المستغاث في الأمثلة السابقة٥ "وهي: للطبيب يا للرجال وأشباهها" اللام حرف جر أصلي، والطبيب أو الرجال منادى منصوب بفتحة مقدرة، منع من ظهورها الكسرة التي جلبها حرف الجر. والجر والمجرور متعلقان "بيا": لأنها نائبة عن الفعل "أدعو"
_________________
(١) ١ يقول ابن مالك في هذا: وافتح مع المعطوف إن كررت "يا" وفي سوى ذلك بالكسر ائتيا إذا تكررت "يا" بأن ذكرت مع المعطوف وجب فتح لام. وفي غير هذه الصورة يجب كسر اللام معه. وهذا يشمل ألا تذكر "يا" مع المعطوف، كما يشمل اللام الداخلة على المستغاث له إن كان اسما ظاهرا، أو ضميرا هو ياء المتكلم. ولم يعترض لوجوب فتح اللام مع الضمائر الأخرى. كما سنعرف. ٢ وهي الشروط الثلاثة المذكورة بعد. ٣ كيف يكون له محل من الإعراب مع أصالة اللام الجارة؟ انظر الإجابة في رقم ٣ من هامش الصفحة الآتية. ٤ كما سبق في ص١٣ و٢٦. ٥ في ص٧٨.
[ ٤ / ٧٩ ]
أو ما بمعناه"١.
وإذا جاء لهذا المنادى تابع فإنه يجوز فيه الجر، مراعاة للفظ المنادى، والنصب مراعاة لمحله، -وهذا هو الرأي الأنسب الذي يحسن الأخذ به-٢ تقول: يا للطبيب الرحيم يا للرجال الشجعان، بجر كلمتي: الرحيم والشجعان، أو نصبهما.
أما الشروط الثلاثة التي لا بد من اجتماعها ليكون المستغاث معربا منصوبا، فهي: "أن يكون معربا في أصله قبل النداء، وأن تكون لام الجر مذكورة، وقبلها: "يا" مذكورة أيضا.
أما إن كان المستغاث مبنيا في أصله؛ نحو: يا لهذا للصالح فالواجب إبقاؤه على حالة بنائه الأصلي، ويكون في محل نصب. فكلمة: "هذا" في المثال السالف منادى، مبني على ضم مقدر، منع من ظهوره سكون البناء الأصلي، في محل نصب٣.
_________________
(١) ١ كما عرفنا في د وهـ من ص٧. ٢ كما سبق في ص٥٧ ليكون هذا الحكم عاما يخضع له التابع في الاستغاثة، كما يخضع في غيرها من بقية أساليب النداء. ٣ الرأي الأقوى -بين آراء متعددة- أن المستغاث المجرور باللام الأصلية، المعرب قبل النداء، معرف مجرور باللام في محل نصب. وأن حرف الجر أصلي وهو مع مجروره متعلقان بحرف النداء "يا" لنيابته عن الفعل: أدعو، أو ما يشبهه -كما عرفنا أول الباب، في د وهـ من ص٧، ٨. لكن كيف يكون معربا مع أن له محلا؛ والإعراب المحلي لا يكون للمعرب الأصلي -في الصحيح؟ وإذا صلح أن له محلا فما محله؟ أهو الجر باللام الجارة -وهي أصلية- أم النصب بالنداء؛ إذ لا يمكن أن يكون له محلان؟ ولا يفيد في إزالة الاعتراض اعتبار اللام حرف جر زائد لا يحتاج مع مجروره إلى تعليق؛ لأن هذا الاعتبار لا قيمة له في بعض الحالات؛ كأن يكون المستغاث المجرور باللام مبنيا في أصله قبل النداء؛ "مثل: يا لهذا للصائح -أو: يا لك للداعي " إذ المنادى هنا مبني أصالة قبل النداء؛ فيتعين أن يقال في إعرابه إنه مبني على ضم مقدر. منع من ظهوره علامة البناء الأصلي، وأنه في محل كذا؟ فما محله هنا؟ أو الجر، أم النصب؟ ولا يمكن أن يكون له محلان. وإذا تخيرنا أحدهما هنا وهناك فما وجه الترجيح؟ و وبالرغم من هذا التعارض لا مفر من الأخذ بأحد الرأيين: أ- إما الرأي السمح الذي يعرب المستغاث والمجرور باللام الأصلية الذي ليس مبنيا قبل النداء=
[ ٤ / ٨٠ ]
وأما إن كانت اللام محذوفة فيجوز أن تجيء الألف في آخر المستغاث؛ عوضا عنها، ولا يصح الجمع بين اللام والألف. ومع وجود هذه الألف يبقى المنادى دالا على الاستغاثة كما كان١ ولكنه لا يعتبر في هذه الصورة ملحقا بالمنادى المضاف "بالرغم من وجود الألف التي هي عوض عن اللام"، وإنما هو مبني على الضم المقدر٢، في محل نصب؛ لأن اعتباره ملحقا بالمضاف واجب النصب متوقف على وجود اللام نفسها، لا على وجود عوض عنها بعد حذفها٣.
ومن الأمثلة: يا عالما للجاهل. وقول الشاعر:
يا يزيدا لآمل نيل عز وعني بعد فاقة وهوان
فعند إعراب المنادى في المثالين المذكورين: "عالما يزيدا " يقال: منادى، مبني على ضم مقدر على آخره "منع من ظهوره الفتحة التي
_________________
(١) = منادى مجرور باللام في محل نصب، برغم أنه معرب، والمعرب -في غير هذا- لا يكون له محل، وأن المبني أصالة مجرور بكسرة مقدرة منع من ظهورها سكون البناء الأصلي، أو علامة البناء الأصلي -إن كانت علامته غير السكون- في محل نصب أيضا. ولا يخلو هذا الرأي بشطريه من ضعف؛ بسبب مخالفته بعض قواعدهم العامة، ولكنه أهون مخالفة من غيره. ب- وإما الرأي الذي يعتبر اللام حرف جر زائد، وما بعدها مجرور في اللفظ، وله محل إعرابي آخر، وهما لا يتعلقان. فالمستغاث المعرب أصالة مجرورة بها لفظا في محل نصب، وهي مبنية على الفتح إلا في الصورتين السالفتين "وهما: "المستغاث المعطوف" الذي لم تسبقه "يا" وكذا "المستغاث ياء المتكلم" فتبنى على الكسر" والمستغاث المبني أصالة -أي قبل النداء- كاسم إشارة؛ مثل: يا لهذا -يكون مجرورا بكسرة مقدرة منع من ظهورها علامة البناء الأصلي- في محل نصب. فزيادة "اللام" -لا أصالتها- هي التي توجب للمنادى إعرابا لفظيا، وآخر محليا معا. أما أصالتها فتقتضي اللفظي وحده، فإذا اقتضت معه محلا كان هذا الاقتضاء عيبا. ١ بشرط وجود قرينة تدل على الاستغاثة، وعلى أن هذه الألف للعوض وحده، وليست منقلبة عن ياء المتكلم التي سبق اللام عليها في ص٥٨، ولا عن غيرها. ٢ بسبب الفتحة الطارئة لمناسبة الألف. ٣ يقول ابن مالك: ولام ما استغيث عاقبت ألف ومثله اسم ذو تعجب ألف "أي: عاقبها ألف، بمعنى: جاءت عقبها، وحلت في مكانها بعد حذفها" وبين لهذا التعاقب موضوعين؛ هما: ما استغيث به "أي: المستغاث" والاسم المتعجب منه في أسلوب التعجب الآتي، ص٨٦.
[ ٤ / ٨١ ]
جاءت لمناسبة الألف"، في محل نصب١ ويجري على توابعه -في الرأي الأصح- ما يجري على توابع المنادى المبني على الضم٢ من أحكام إعرابية مختلفة؛ ومنها: جواز الرفع والنصب في بعض الحالات؛ فالرفع مراعاة شكلية للفظ المنادى، والنصب مراعاة لمحله. ولا يصح مراعاة الفتحة الطارئة لمناسبة الألف٣.
وإذا وقف على المستغاث المختوم بالألف فالأحسن مجيء هاء السكت الساكنة نحو: يا عالماه وتحذف عند الوصل.
فإن حذفت لام الجر بغير تعويض كان حكم المستغاث حكم غيره من أنواع المنادى التي ليست للاستغاثة، كقول الشاعر:
ألا يا قوم للعجب العجيب وللغفلات تعرض للأريب
فيصح في كلمة: "قوم" أن تكون منادى منصوبا؛ لإضافته إلى ياء المتكلم المحذوفة، وبقيت الكسرة المناسبة لها دليلا عليها. "ولا بد من قرينة قال على أن النداء للاستغاثة". ويصح أن تكون مبنية على الضم "باعتبارها فكرة مقصودة" في محل نصب.
وإما إذا حذفت "يا" أو كان حرف النداء حرفا آخر غيرها، إن الجملة لا تكون من باب: الاستغاثة -كما تقدم٤.
٣- كل ما يصلح أن يكون منادى يصلح أن يكون مستغاثا؛ غير أنه يجوز -هنا- الجمع بين "يا" و"أل" التي في صدر المستغاث، بشرط أن
_________________
(١) ١ إن كان المستغاث مثنى أو جمع مذكر سالما وحذفت قبلهما لام الجر فإنهما يبنيان على ما يرفعان به من ألف أو واو. ويصح مجيء الألف بعد نونهما للتعويض، فيقال: يا محمودانا، ويا محمودونا. وإذا كان المستغاث المجرور باللام مضافا؛ مثل: يا لأعوان محمود لمحمود جاز حذف اللام من المضاف وزيادة الألف في آخر المضاف إليه؛ عوضا عنها؛ فيقال: يا أعوان محموداه، فالمضاف منادى منصوب مباشرة، والمضاف إليه مجرور بكسرة مقدرة منع من ظهورها الفتحة التي جاءت لمناسبة الألف، "وهي فتحة طارئة لا تلاحظ في التوابع ولا غيرها" والهاء للكست -طبقا لما سيجيء مباشرة. ٢ سبق بيان أحكامها في ص٤٠. ٣ راجع رقم ١ من هامش ص٤٢، ثم ص٤٥. ٤ في "أ" من ص٧٨.
[ ٤ / ٨٢ ]
يكون مجرورا باللام المذكورة، لتفصل بينهما؛ كما في الأمثلة المتقدمة. فإن لم يتحقق الشرط لم يصح الجمع١.
٤- قد يحذف المستغاث، ويقع المستغاث له بعد "يا" في موضعين".
أحدهما: أسلوب مسموع يلتزم فيه الحذف - على الرأي الصحيح - وهي "يالي"، بشرط أن يكون مقتصرا على هذا الجملة المشتملة على "يا" وعلى "المستغاث له" وحده، الخالية ما يصلح أن يكون "مستغاثا به"؛ نحو: "عرفت الأحمق فاكتويت بحمقه؛ فيا لي، ويا للأخوان لي.
ثانيهما: أسلوب قياسي -وهو قليل مع قياسيته وجوازه- ويشمل كل أسلوب يكن اللبس مأمونا فيه عند الحذف؛ كقول الشاعر:
يا لأناس أبوا إلا مثابرة على التوغل في بغي وعدوان
والأصل: -مثلا- يا الأنصاري لأناس أبوا "فالأناس" هم المستغاث لهم. ولا لبس في هذا؛ لأن ضبط اللام بالكسر -نطقا وكتابة- يمنعه، وإذا لم تضبط فالمعنى يمنعه أيضا؛ إذ لا يعقل أن يكون الأناس مستغاثا بهم. مع اتهامهم بالتوغل الدائب في البغي والعدوان؛ فمن شأنهم هذا التوغل لا يستغيث بهم أحد.
ج- ما يختص بالمستغاث له:
١- يجب تأخيره عن المستغاث.
٢- يوجب جره بلام أصلية مكسورة دائما -كالأمثلة السابقة- إلا في حالة واحدة؛ هي: أن يكون المستغاث له ضميرا لغير ياء المتكلم فتفتح لام الجر٢؛ نحو: يا للناصح لنا، ويا للمخلص لكم بخلاف:
_________________
(١) ١ سبقت الإشارة لهذا، في ص٣٨ الحالة الثالثة. ٢ لوجوب فتحها دائما إذا دخلت على ضمير غير ياء المتكلم؛ سواء أكان ما بعدها مستغاثا أم غير مستغاث.
[ ٤ / ٨٣ ]
يا للرائد لي؛ لأن الضمير ياء المتكلم.
وفي جميع الصور تتعلق اللام ومجرورها النداء "يا".
٣- يجوز حذفه إن كان معلوما واللبس مأمونا؛ كقول الشاعر:
فهل من خالد إما١ هلكنا وهل بالموت يا للناس عار
ولأصل: يا للناس للشامتين، أو نحو ذلك. وقول الآخر:
يا لقومي من للعلا والمساعي يا لقومي من للندى والسماح؟
٤- يجوز -عند قيام قرينة- الاستغناء عن هذه اللام، والإتيان بكلمة: "من" التعليلية٢ عوضا عنها؛ بشرط أن يكون المستغاث له مستنصرا عليه، "أي: أن يكون القصد من الاستغاثة التغلب عليه، وإضعاف أمره " نحو: يا للأحرار من الخادعين المنافقين، وقول الشاعر:
يا للرجال ذوي الألباب من نفر لا يبرح السفه المردي٣ لهم دينا
فإن لم يكن مستنصرا عليه بأن كان مستنصرا له لم يصح مجيء "من" وتعينت اللام".
بقيت بعض أحكام عامة أهمها:
١- جواز وقوع المستغاث به والمستغاث له ضميرين؛ نحو: يا لك لي؛ يقولها من يستغيث المخاطب لنفسه.
٢- جواز أن يكون المستغاث هو المستغاث له في المعنى؛ كقولك في النصح الرقيق لمن يهمل، واسمه علي -مثلا- يا لعلي، تريد: أدعوك لتنصف نفسك من نفسك.
_________________
(١) ١ هي: "إن" الشرطية المدغمة في: "ما" الزائدة. ٢ أي: السببية. "وهي الدالة على التعليل، وبيان السبب" وإنما يصح وقوع "من" التعليلية بعد "يا لي" بشرط أن يكون ما بعدها غير مستغاث به؛ كقول الشاعر: فيا شوق ما أبقى! ويا لي من النوى! ويا دمع ما أجرى! ويا قلب ما أقسى! ٣ المهلك.
[ ٤ / ٨٤ ]
٣- إذا وقع بعد "يا" اسم مجرور باللام، لا ينادى إلا مجازا؛ -لأنه لا يعقل- وليس بعده ما يصلح أن يكون مستغاثا، جاز فتح اللام وكسرها؛ نحو: يا للعجب - يا للمروءة - يا للكارثة فالفتح على اعتبار الاسم مستغاثا به، مجازا "لتشبيهه بمن يستغاث به حقيقة، أي: يا عجب، أو: يا مروءة أو: يا كارثة احضر، أو: احضري، فهذا وقتك". والكسر على اعتبار الاسم مستغاثا له. والمستغاث محذوف. فكأنك دعوت غيره تنبهه على هذا الشيء، والأصل -مثلا: يا لقومي للعجب، أو: للمروءة أو للكارثة١
أما في مثل: "يا لك"٢ -بكاف الخطاب: للعاقل وغيره- فاللام واجبة الفتح٣ ولكن الكاف تصلح أن تكون مستغاثا به أو: مستغاثا له، على الاعتبارين السالفين.
_________________
(١) ١ وعلى هذين الاعتبارين يجوز فتح اللام وكسرها في المنادى المقصود منه التعجب، وهو الموضوع الآتي بعد هذا مباشرة -كما هو مبين في الحكم الثاني، من ص٨٧ - والمعنى لا يختلف على اعتبار الأسلوب للاستغاثة؛ تقديرا، أو اعتباره لنداء المقصود به التعجب؛ إذ المآل المعنوي فيهما واحد، برغم اختلاف التقدير. ٢ يساعد على إعراب هذا الأسلوب ما سبق في رقم ٣ من هامش ص٨٠. ٣ لما أوضحناه في رقم ٢ من هامش ص٨٣.
[ ٤ / ٨٥ ]
المسألة ١٣٤: النداء المقصود به التعجب
أسلوبه:
راقب أحد الشعراء البدر في ليلة صافية، فبهره جماله، وتمام استدارته. ولطف حركته فأعلن إعجابه وإكباره بقصيدة مطلعها:
يا للبدور، ويا للحسن؛ قد سلبا مني الفؤاد؛ فأمسى أمره عجبا
وراقب آخر الشمس ساعة غروبها، وما ينتابها من صفرة، وتغير، واختفاء؛ فامتلأت نفسه بفيض من الخواطر، سجله في قصيدة منها:
يا للغروب، وما به من عبرة للمستهام، وعبرة للرائي
أو ليس نزعا للنهار، وصرعة للشمس بين جنازة الأضواء؟
وتكشف يوم من أيام الربيع الباسمة عن صباح عاصف، متجهم، قارس، فقال أحد الشعراء أرجوزة مطلعها:
يا لصباح أغبر الأديم قد طعن الربيع في الصميم
فهذه الأساليب: "يا للبدور، يا للحسن، يا للغروب، يا لصباح وأشباهها" قد توهم في مظهرها اللفظي وهيئتها الشكلية أنها أساليب استغاثة؛ -كالتي مرت في الباب السالف-١ لاشتمالها على حرف النداء: "يا"، وعلى منادى مجرور باللام المفتوحة. ولكنها حقيقة٢، لا مجازا، ومما يصلح أن يكون مستغاثا حقيقيا، "لا مجازيا"، ولأن المتكلم بها على هذه الصورة لا يطلب التخلص من شدة واقعة، ولا دفع مكروه متوقع. وإنما هي أساليب نداء؛ أريد بها التعجب من ذات شيء، أو كثرته، أو شدته، أم أمر
_________________
(١) ١ ص٧٧. ٢ الأصل في النداء الحقيقي أن يكون موجها لعاقل، وإلا فهو نداء مجازي لداع بلاغي. طبقا للبيان الذي في ج ص٥.
[ ٤ / ٨٦ ]
غريب فيه، أو غرض آخر مما سنبينه؛ فهي نداء خرج عن معناه الأصلي إلى هذا الغرض الجديد، وجاءت صورته الشكلية على صورة الاستغاثة، دون أن يكون منها في المعنى والمراد.
وقد ينادى العجب نفسه -مجازا- للمبالغة في التعجب؛ فيقال: يا عجب، يا للعجب، يا عجبا للعاق.
أحكامه:
١- يجوز أن يشتمل المنادى المقصود به التعجب، على لام الجر، كما يجوز أن يخلو منها؛ وقد مرت الأمثلة للحالتين. والشائع عند حذف هذه اللام أن تجيء الألف في آخره عوضا١ عنها؛ فيقال عند القرينة٢؛ يا بدورا يا حسنا يا عجبا ، ولا يجوز اجتماعهما. ويجوز عند الوقف على المختوم بالألف مجيء هاء السكت الساكنة: نحو: يا بدوراه - يا حسناه.
٢- يجوز في المنادى المقصود منه التعجب فتح اللام الداخلة عليه وكسرها، على الاعتبارين اللذين سبق إيضاحهما في الحكم الثالث من الأحكام العامة التي وردت في آخر باب "الاستغاثة"٣.
٣- جميع الأحكام النحوية الأخرى التي تثبت للمنادى المستغاث -ومنها: الإعراب والبناء، ووجود الحرف: "يا" دون غيره- تثبت للمنادى المتعجب منه، برغم اختلافهما غرضا ودلالة.
_________________
(١) ١ وإلى هذا أشار ابن مالك في النصف الثاني من البيت الذي سبق في ص٨١، ونصه: ولام ما استغيث عاقبت ألف ومثله اسم ذو تعجب ألف ٢ لا بد أن تكون القرينة دالة على التعجب، وعلى أن الألف التي في آخر المنادى هي العوض وحده، وليست منقلبة عن ياء المتكلم -كالتي سبق الكلام عليها في ص٥٨- أو عن غيرها. ٣ رقم ٣ من ص٨٥ وقد أوضحنا في رقم ١ من هامش تلك الصفحة أن المعنى لا يتغير باعتباره للاستغاثة، أو للنداء المقصود به التعجب؛ لأن المآل المعنوي واحد فيهما، برغم اختلاف التقدير.
[ ٤ / ٨٧ ]
الغرض منه:
الباعث التعجب بأسلوب النداء أحد أمرين:
١- أن يرى المرء شيئا عظيما يتميز بذاته، أو بكثرته، أو شدته، أو غرابة فيه ؛ فينادي جنسه؛ إعلانا بإعجابه، وإذاعة به، كالأمثلة السالفة.
٢- أن ينادي من له صلة وثيقة بذلك الشيء، وتخصص فيه، وتمكن منه، حمدا له وتقديرا، أو: طلبا لكشف السر فيه، ومواطن العجب؛ كأن يسمع عن طيارات غزو الفضاء، واختراق الغلاف الجوي، أو الدوران حول الأرض كلها في بضع ساعات، أو إرسال رواد وأجهزة علمية إلى سطح القمر -فيقول:
يا للعلماء، أو: يا للعباقرة. وكقول شوقي: "في قيصر الرومان الذي فتنته كليوباترة، وقضت على ملكه، وعليه ":
ضيعت قيصر البرية أنثى يا لربي مما تجر النساء
هذا، والتعجب بكل أنواعه وصيغه -كما سبق في بابه-١ ليس مقصورا على الأمر الحميد أو المحبوب، وإنما يكون فيهما، وفي الذميم أو البغيض.
_________________
(١) ١ ج٣ م١٠٨.
[ ٤ / ٨٨ ]
المسألة ١٣٥: الندبة
يتضح معناها مما يأتي:
١- قيل لأعرابي: "مات عثمان بن عفان اليوم " فصرخ: "واعثمان، واعثمان. أثابك الله وأرضاك؛ فلقد كنت عامر القلب بالإيمان، شديد الحرص على دينك، بارا بالفقراء، مقنعا بالحياء ".
٢- وقيل لعمر -﵁: أصابنا جدب شديد فصاح: واعمراه، واعمراه.
٣- وقيل لفتى يتأوه: ما بك؟ فأمسك رأسه، وقال: وارأسي. وقيل الآخر: مالك تضع يدك على كبدك؟ فردد قول الشاعر:
فواكبدا من حب من لا يحبني ومن عبرات ما لهن فناء
٤- وسئل غني افتقر: أين أعوانك وخدامك والمحيطون بك؟ فقال في أسف وحرارة: وافقراه.
ففي الأمثلة السابقة أساليب نوع من النداء يسمى: "الندبة"؛ ومنه: واعثمان، واعمراه، وارأسي، واكبدا، وافقراه ويقولون في تعريفها: "إنها نداء موجه للمتفجع عليه، أو للمتوجع منه"١. يريدون بالمتفجع عليه: من أصابته المنية، فحملت الناس على إظهار الحزن، وقلة الصبر؛ سواء أكانت الفجيعة حقيقة كالتي في المثال الأول: "واعثمان"، أم حكمية كالتي في المثال الثاني: "واعمراه" فإن عمر حين قال ذلك كان حيا، ولكنه بمنزلة من أصابه الموت؛ لشدة الألم، والهول الذي حل به٢.
_________________
(١) ١ سبقت إشارة لهذا في رقم ٢ من هامش ص٢. ٢ ومما يصلح للفجيعة الحكمية النداء المجازي في مثل قول المعري: فواعجبا، كم يدعي الفضل ناقص وواأسفا، كم يظهر النقص فاضل فهو يندب العجب والأسف، وكأن كلا منهما قد مات في وقت اشتداد الحاجة إليه. ويشترط في هذه الصورة أن تكون الندبة للعجب نفسه، وكذا للأسف من غير إضافتها لياء المتكلم المنقلبة ألفا، وإلا كانت هذه الألف ليست للندبة -كما سيجيء في رقم ١ من ص٦٤ من رقم ١ من ص٩٩.
[ ٤ / ٨٩ ]
ويريدون بالمتوجع منه: الموضع الذي يستقر فيه الألم، وينزل به، "كالمثال الثالث: وارأي، واكبدا"، أو: السبب الذي أدى للأم وأحدثه؛ "كالمثال الرابع: وافقراه"؛ فالمتوجع منه هو مكان الألم، أو سببه.
والمنادى في هذه الأساليب -وأشباهها- يسمى: المندوب١، فهو: المتفجع عليه، أو المتوجع منه.
والغرض من الندبة: الإعلام بعظمة المندوب، وإظهار أهميته، أو شدته، أو العجز عن احتمال ما به
ومن المندوب وحرف النداء يتألف أسلوب "النداء الاصطلاحية"٢ فهما ركناه. ولكل منهما أحكامه التي تتلخص فيما يأتي:
أ- حرف النداء:
١- لا يستخدم في الندبة إلا أحد حرفين من أحرف النداء:
أحدهما: أصيل، وهو: "وا"؛ لأنه مختص بالندبة، لا يدخل على غير المنادى المندوب؛ كالذي في الأمثلة السالفة.
والآخر غير أصيل؛ وهو: "يا" لأنه غير مختص بالندبة، وإنما يدخل على المنادى المندوب وعلى سواه. واستعمال "يا" قليل هنا، وهو -على قلته- جائز، بشرط أمن اللبس بوجود القرينة الدالة على أن الأسلوب للندبة، لا لنوع آخر من أساليب النداء. ومن الأمثلة ما جاء في خطبة أحد الأدباء يرثي زعيما٣ وطنيا فوق قبره:
_________________
(١) ١ هل المندوب منادى؟ الجواب في رقم ٢ من هامش الصفحة الآتية. ٢ تعريف الندبة وأسلوبها الاصطلاحي، هو ما ورد هنا، وهناك أساليب غير اصطلاحية لا شأن لها بالضوابط والأحكام الآتية؛ كأن يقال: ما أشد الفجيعة في فلان، أو فقدنا فلانا، أو كانت المصيبة فيه فوق الاحتمال.. أو.. ٣ هو محمد فريد رئيس الحزب الوطني المصري المتوفى سنة ١٩١٩ في منفاه ببرلين، ثم أحضره الوطنيون، ودفن بالقاهرة خلال تلك السنة.
[ ٤ / ٩٠ ]
"لقد أفنيت عمرك في الجهاد، واستنزفت مالك -وما كان أكثره- في طلب الحرية للبلاد، واسترجاع الحق المغصوب، والاستقلال المسلوب، حتى ذاب جسمك، وانطفأ مصباح حياتك؛ فآه!! آه!! يا محمداه ".
فلا مجال للالتباس هنا؛ لأن المقام مقام رثاء، والمنادى الذي دخلت عليه "يا" ميت
٢- ولا بد في أسلوب الندبة من أن يذكر أحد هذين الحرفين؛ فلا يصح حذفه١، ولا الاستغناء عنه بعوض أو بغير عوض
ب- المنادى، وهو المندوب٢ هنا:
١- كل اسم يصلح أن يكون مندوبا، إلا نوعين من الأسماء:
أحدهما؛ النكرات العامة؛ "وهي الباقية على أصلها من الإبهام والشيوع، -وتشمل النكرة المقصودة- مثل: رجل، فتاة، عالم، طبيبة " وهذه النكرات العامة لا تصلح أن تكون مندوبا إذا كان متفجعا عليه، أما إن كان متوجعا منه فتصلح؛ نحو: وامصيبتاه ، في مصيبة غير معينة٣
والآخر: بعض المعارف٤. وينحصر في الضمير، وفي اسم الإشارة الخالي
_________________
(١) ١ سبقت الإشارة لهذا في "ب" من ص٢. ٢ يقول بعض النحاة؛ إن المندوب ليس منادى حقيقة؛ وإنما هو على صورة المنادى، وحجته: أنك لا تريد منه أن يجيبك، ويقبل عليك، وأنهم منعوا في النداء. "يا غلامك"، ونحوه مما يكون فيه المنادى مضافا إلى المخاطب؛ لأن خطاب المضاف المنادي يناقض في مدلوله المراد من المضاف إليه، فلا يجمع بين خاطبين في جملة واحد "كما سبق في رقم ٢ من هامش ص٤" مع أن هذا واقع في أسلوب الندبة؛ مثل: واغلامك. وقال آخرون: إنه منادى. وتصدى آخرون للتوفيق بين الرأيين بما صرح به الرضي من أنه منادى مجازا لا حقيقية، فإذا قلت في الندبة: "وامحمداه" فكأنك تقول له: أقبل؛ فإني مشتاق إليك -مثلا- وإذا قلت: "واحزناه" فكأنك تقول: احضر حتى يعرفك الناس فيعذروني فيك. ورأى الرضي هو الجدير بالأخذ به، والاقتصار عليه. ٣ كما سيجيء في ص٩٣. ٤ وحجتهم أنه لا يخلو من إبهام، كما سبق في أبوابه، والمندوب لا بد أن يكون معينا لا إبهام فيه، ليتحقق الغرض من الندبة.
[ ٤ / ٩١ ]
من علامة خطاب في آخره. وفي الموصولات المبدوءة "بأل"، وفي "أي" الموصولة وفي "أي" التي تكون منادى. فلا يصلح شيء من هذه المعارف لأن يكون مندوبا؛ فلا يقال مثلا: وا أنت، ولا: وا أياك، ولا: وا هذا، وا الذي ابتكر دواء شافيا - وا أيهم مخترع - وا أيها الرجلاه.
أما الموصولات المجردة من "أل" فيرى فريق من النحاة صلاحها للندبة، بشرط أن تكون صلتها شائعة الارتباط بالموصول، معروفة بذلك بين المخاطبين؛ نحو: وا من١ بني هرم مصر -وا من٢ أنشأ مدينة القاهرة، لأن هذا الموصول بمنزلة قولك: وا "خوفو" -وا "معز"؛ بل أقوى، لما فيه من الإشادة بذكر شيء هام ينسب له.
ويرى آخرون المنع: بحجة أن شيوع الصلة. وإدراك المراد منها. عسير في أغلب الأحيان. وربما شاعت عند قوم وخفيت على غيرهم. والأخذ بالرأي الأول أنسب عند الحاجة.
ويرى آخرون المنع: بحجة أن شيوع الصلة. وإدراك المراد منها، عسير في أغلب الأحيان. وبما شاعت عند قوم وخفيت على غيرهم. والأخذ بالرأي الأول أنسب عند الحاجة.
واسم الموصول: "من" في المثالين السالفين مبني على ضم مقدر منع من ظهوره اشتغال المحل بسكون البناء الأصلي في محل نصب. وهذا على اعتبار اسم الموصول -في الرأي الأصح- من قسم المنادى المفرد. فإن جعل من قسم الشبيه بالمضاف -كما يرى بعض النحاة- فهو منصوب بفتحة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بسكون البناء الأصلي. وأثر كل رأي يظهر في توابعه، فهي إما توابع منادى مبني على الضم، لها أحكامها التي سبقت٣ وإما توابع منادى منصوب؛ فتنصب على الوجه المشروع هناك. ومثل هذا يقال في بقية الموصولات المبنية قبل النداء.
فليس بين المعارف كلها ما يصلح للندبة إلا العلم، وإلا المضاف لمعرفة يكتسب منها التعريف. وإلا الموصول -عند بعض النحاة- بشرط تجرد من
_________________
(١) ١ باني الهرم الأكبر بجيزة القاهرة هو فرعون مصري قديم، اسمه: "خوفو" كان البناء قبل الميلاد بنحو ثلاثة آلاف سنة تقريبا -ولا يزال قائما شامخا. ٢ هو: المعز لدين الله الفاطمي، وأنشأها حول سنة ٣٦٠ هـ. ٣ في ص٤٠.
[ ٤ / ٩٢ ]
"أل"، وبشرط اشتهار الصلة بين المتخاطبين، وإلا بعض المقرون "بأل" مما يصلح للنداء١.
٢- حكم المندوب من ناحيتي الإعراب والبناء حكم غيره من أنواع المنادى فيجب بناؤه على الضم إن كان علما مفردا، أو نكرة مقصودة، مع مراعاة التفصيل الخاص بكل ٢ نحو: واعمر - واعثمان، وارأس - واكبد ، وأشباههما مما عرضناه في الأمثلة الأولى وما لم نعرضه.
ويجب نصبه إن كان مضافا أو شبيها بالمضاف٢؛ فمثال المضاف قول الشاعر في قصيدة يرثى بها عالما دينيا كبيرا٣:
واخادم الدين والفصحى وأهلهما وحارس "الفقه" من زيغ وبهتان
ومثال الشبيه به ما قيل في رثائه: واناشرا راية العرفان عالية.
ويلحق بالشبيه النكرة المقصودة الموصوفة؛ كقولهم في رثاء الإمام علي:
واإماما خاض أرجاء الوغى يصرع الشرك بسيف لا يفل
أما النكرة غير المقصودة فلا تصلح مندوبة؛ إذا كانت للمتفجع عليه لا للمتوجع منه -كما سبق-٤ فلا يقال: "وارجلاه" لغير معين.
وإذا اضطر شاعر لتنوين المندوب المفرد جاز رفعه ونصبه كما جاز له هذا في المنادى المفرد الذي سبق الكلام عليه٥
_________________
(١) ١ وقد سبق بيانه في ص٢٦. ٢ و٢ سبق إيضاح شامل للمفرد العلم، والنكرة المقصودة، والنكرة غير المقصودة، والمضاف، وشبهه. في أول باب "المنادى" ص٩، ٢٥، ٣١، ٣١. ٣ هو الأستاذ الشيخ محمد عبده المتوفى سنة ١٩٠٥. ٤ في ص٩١. ٥ في "د" من ص٢٤ -ويقول ابن مالك في باب مستقل: عنوانه: "الندبة" مبينا ما سبق من أن حكم المندوب هو حكم المنادى المحض، وبيان ما لا يندب، وأن الموصول يندب بما اشتهر به: ما للمنادى اجعل لمندوب وما نكر لم يندب، ولا ما أبهما ويندب الموصول بالذي اشتهر كبئر زمزم؛ يلي: وامن حفر "يلي وامن حفر، أي يقع بعد قولك: وامن حفر. أي: وامن حفر بئر زمزم". يريد: أن الموصول يصح أن يكون مندوبا بسبب اشتهاره بصلته. وضرب لهذا مثلا هو: وامن حفر بئر زمزم. والذي حفرها هو عبد المطلب، وشاع بين الناس هذا، فكأنك قلت: واعبد المطلب.
[ ٤ / ٩٣ ]
٣- الغالب في المندوب أن يختم -جوازا- بألف زائدة تتصل بآخره، إما حقيقية؛ نحو: واعمراه، وقول المتحسر:
فواأسفا١ من مكرمات أرومها فينهضني عزمي، ويقعدني فقري
وإما حكما؛ كالتي تزاد في آخر المضاف إليه لغير ياء المتكلم٢ إن كان المندوب مضافا؛ نحو: واعبد الملكاه٣.
والغرض من زيادة الألف مد الصوت ليكون أقوى بنبراته على إعلان ما في النفس. وزيادتها ليست واجبة، وإنما هي غالبة -كما قلنا- لكنها إن زيدت وجب لها أمران.
فأما أحدهما: فحذف التنوين إن وجد قبل مجيئها في آخر المندوب المبني، أو في آخر المضاف إليه نحو؛ فمثال حذفه من المبني ندبة العلم المحكي حكاية إسناده٤؛ نحو: وازاد محمودا؛ فيمن اسمه: "زاد محمود" ومثال المضاف إليه:
_________________
(١) ١ مع مراعاة الشرط الذي سبق في رقم ٢ من هامش ص٨٩ والذي يقتضي أن تكون الندبة هنا للأسف نفسه من غير إضافة لياء المتكلم المنقلبة ألفا و.. -أما المندوب المضاف لياء المتكلم فتفصيل الكلام عليه في ص٩٩. ٢ لأن المندوب المضاف للياء له حكم مستقل "سيجيء في ص٩٩". ومن اتصالها حكما زيادتها في آخر بعض التوابع، وزيادتها في صلة الموصول المجرد من "أل" عند من يبيح ندبته، فيقول: وامن بني هرم مصرا - وامن أنشأ مدينة القاهرتا. ويصح: مصراه، والقاهرتاه؛ بزيادة هاء السكت الساكنة؛ كما سيجيء هنا. وإنما كانت الزيادة التي في آخر المضاف إليه وفي آخر الصلة -وأشباههما؛ كالتابع- حكمية؛ لأنها لم تصل بآخر المندوب مباشرة. وإنما اتصلت بآخر شيء وثيق الارتباط به؛ إذ المضاف والمضاف إليه متلازمان لا يستغني أحدهما عن الآخر؛ فالزيادة المتصلة بآخر المضاف إليه تعتبر حكما وتأويلا بمنزلة المتصلة بآخر المضاف، وكذلك الشأن في الزيادة المتصلة بآخر الصلة، والتابع، هذا تعليل النجاة. والعلة الحقة هي استعمال العرب. ٣ الهاء للسكت. والكلام عليها في ص٩٦. ٤ اشتمل المثال على ندبة العلم المحكي إسنادا لأنه الذي يوجد فيه التنوين مع النداء؛ تحقيقا للحكاية. ولا يحذف هذا التنوين إلا مع زيادة ألف الندبة -كما سيجيء هنا، وفي "ب" من ص٩٧ أما المنادى العلم المفرد فمبني على الضم؛ فلا تنوين فيه اختيارا -كما عرفنا في "د" من ص٢٤- وإنما يوجد التنوين أحيانا فيما يتممه، كصلة الموصول عند من يعتبره مفردا، وأما المندوب المضاف فلا يدخله تنوين مطلقا، وقد يدخل في المضاف إليه، وفي الجزء الثاني المتمم لشبه المضاف. أما الجزء الأول من شبه المضاف فلا يحذف تزينه. لأن ألف الندبة لا تتصل به، وأما النكرة المقصودة فقد تنون إذا وصفت؛ طبقا لما سلف في ٢٨.
[ ٤ / ٩٤ ]
واحارس بيتاه. في ندبة: "حارس بيت".
وأما الآخر: فأن يتحرك ما قبلها بالفتحة -بشرط أمن اللبس- إن كان غير مفتوح؛ لأن الفتحة هي التي تناسبها؛ كالأمثلة السالفة. فإن أوقعت الفتحة في لبس وجب تركها، وإبقاء الحركة الموجودة على حالها مع زيادة حرف بعدها يناسبها: فتبقى الكسرة وتجيء بعده ياء، وتبقى الضمة وتجيء بعدها واو؛ ففي مثل: واكتابك -بكسر الكاف- تقول: واكتابكي، ولا يصح مجيء الألف؛ فلا يقال: واكتابكا؛ إذ لا يتبين مع الألف حال المضاف إليه؛ أهو خطاب لمذكر أم لمؤنث؟ وكذلك لا يتبين في "واكتابه" لو جئنا بالألف؛ فيجب الاستغناء عنها بالواو بعد الهاء.
وفي مثل: واكتابهم، واكتابهموه، ولا يصح واكتابهماه، بزيادة الألف؛ إذ لا يتضح معه نوع الضمير؛ أهو لمثنى أم لجمع؟
ويجب أن يحذف للألف الزائدة ما قد يكون في آخر المندوب من ألف أخرى نحو: مصطفى، فيقال: وامصطفاه١
هذا والأحرف الثلاثة السابقة "الألف، الواو، الياء"، زائدة، لا تعرب شيئا، ولا يقال فيها إلا أنها زائدة للندبة، ولا تأثير لها فيما اتصلت بآخره إلا باحتياجها إلى حركة قبلها تناسبها؛ فالفتحة قبل الألف، والضمة قبل الواو، والكسرة قبل الياء٢
_________________
(١) ١ وعند إعرابه يقال: "مصطفى" منادى مبني على ضم مقدر للتعذر -كما كان قبل الندبة- على الألف المحذوفة لالتقاء الألفين الساكنين، والألف الموجودة زائدة للندبة، والهاء للسكت. وهذا هو الرأي الأقوى بالنسبة للرأي الآخر الذي يقول إن المندوب المختوم بالألف مبني على الفتح. وإذا حذفت الألف من آخر المندوب بسبب مجيء ألف الندبة وجب -في الأرجح- مجيء هاء السكت معها لتدل على أن الألف المذكورة هي الزائدة للندبة، وليست من حروف المندوب -كما أشرنا. ٢ يقول ابن مالك في زيادة ألف الندبة وحذف ما قد يكون في آخر المندوب من ألف أو تنوين لأجلها:=
[ ٤ / ٩٥ ]
ويصح في حالة الوقف زيادة هاء السكت١ الساكنة بعد الثلاثة، أو عدم زيادتها، فيقال: وعمراه، واكبداه، واإماماه، واخادم وطناه، واكتابكيه، واكتابهوه كما يقال: وا عمرا، واكبدا، واإماما ، ولا تزاد الهاء جوازا، إلا بعد حرف من أحرف المد الثلاثة. والأفصح حذف الهاء في وصل الكلام إلا في الضرورة الشعرية فتبقى وتتحرك بالكسر أو بالضم. ومن القليل الذي يحسن إهماله أن تبقى في الاختيار، وأن تتحرك فيه بالكسر أو بالضم٢!!.
_________________
(١) = ومنتهى المندوب صله بالألف متلوها إن كان مثلها حذف "متلوها أي: الذي تليه وتقع بعده" يقصد: أن آخر المندوب يجيء بعده ألف الندبة، فإن وقعت ألف الندبة بعد مثيل لها، "أي: بعد ألف" وجب حذف المثيل؛ لالتقاء الساكنين، دون ألف الندبة لأنها جاءت لغرض. ثم قال: كذاك تنوين الذي به كمل من صلة أو غيرها. نلت الأمل يريد: كذلك يحذف التنوين من الشيء الذي أكمل المندوب، وجاء بعد المندوب ليتمه؛ كالصلة بعد اسم الموصول، والمضاف إليه بعد المضاف، وبعض التوابع بعد متبوعاتها وبقية البيت دعاء للمخاطب، سبق للتكملة الشعرية ثم قال بعد ذلك فيما يختص بشكل المندوب وضبطه بالفتحة عند مجيء الألف، وهل يحدث لبس بسببها؟ وكيف نتوفاه؟ والشكل حتما، أوله مجانسا إن يكن الفتح بوهم لابسا "لابسا بوهم= خالطا المقصود بغيره، بسبب وهم. والوهم: ذهاب الطن لغير المراد". يقول: إن كان الفتح قبل ألف الندبة يحدث لبسا، بسبب وهم فالواجب العدول عن الفتحة وعن الألف، والمجيء بحرف مجانس للشكل الموجود، بدل الألف، فالكسرة يجانسها الياء، فتجيء بعدها الياء، والضمة يجانسها الواو فتجيء بعدها الواو. وهذا معنى: أول الشكل مجانسا له، أي: اذكر يعد الشكل الحرف الذي يجانسه. ١ وتسمى: ها الاستراحة. ٢ وفي هاء السكت "هاء الاستراحة" يقول ابن مالك: وواقفا زد "هاء" سكت إن ترد وإن ترد فالمد "والها" لا تزد أي: إن شئت عند الوقف أن تزيد على المندوب بعد ألفه هاء السكت فزدها، وإن شئت ألا تزيدها فأنت حر -إلا في الصورة التي عرضناها عند الشرح في رقم ١ من هامش الصفحة السابقة- وإن شئت الاستغناء عنهما فلا تزد حرف المد، ولا الهاء "وحرف المد هو الألف، والواو، والياء" ولا تزال الهاء إلا بعد واحد منها.
[ ٤ / ٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- إذا كان المندوب مثنى أو جمع مذكر سالما فإن نونهما لا تحذف عند مجيء ألف الندبة، فيقال: واإبراهيمانا - واإبراهيمونا، فيبنيان على الألف والواو؛ كالمنادى المجرد.
ب- إذا ندب المفرد ولم تلحقه ألف الندبة، كان المنادى المحض مبنيا على الضم في محل نصب -كما سبق- واجعفر. أما في مثل: سيبويه، و"قام محمود" -علمين- فيقال: واسيبويه - واقام محمود "في ندبة من اسمه هذا"، فالمنادى مبني على ضم مقدر منع من ظهوره علامة البناء الأصلي في سيبويه، وحركة الحكاية في الثاني المنون. وهو في الحالتين في محل نصب. فإذا جاءت ألف الندبة؛ فقلنا: واجعفرا، فهو منادى مبني على ضم مقدر على آخره، منع من ظهوره الفتحة التي جاءت لمناسبة الألف في محل نصب. وإذا قلنا: واسيبويها، فهو منادى مبني على ضم مقدر، منع من ظهوره علامة البناء الأصلي التي حذفت لأجل فتحة المناسبة، في محل نصب، أو: أنه مبني على ضم مقدر منع من ظهوره فتحة المناسبة -مباشرة- في محل نصب، وهذا أوضح؛ لأن اعتبار الألف الظاهرة أولى من اعتبار المحذوف. وإذا قلنا: واقام محمودا١. بزيادة ألف الندبة. فالمنادى مبني على ضم مقدر منع من ظهوره حركة الحكاية التي حذفت لأجل فتحة المناسبة -في محل نصب. أو مبني على ضم مقدر منع من ظهوره فتحة المناسبة -مباشرة- في محل نصب. والأفضل أن يكون الضم مقدرا لفتحة المناسبة، مراعاة للناحية اللفظية المذكورة.
أما المضاف وشبهه٢، نحو: وا كتاب جعفراه - واقارئا كتاباه - فالجزء الأول منصوب دائما كالنداء المحض، والجزء الثاني يقدر إعرابه، وسبب التقدير مجيء الفتحة، لمناسبة الألف.
ج- إذا كان للمندوب تابع فإن كان بدلا، أو عطف بيان، أو توكيدا
_________________
(١) ١ بغير تنوين: طبقات لما سبق في ص٩٤. ٢ سبق تعريفه وحكمه في ص٣٢.
[ ٤ / ٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) معنويا - فالأحسن ألا تدخل ألف الندية على التابع، ويكتفي بدخولها على المتبوع. وإن كان عطف نسق دخلت على المعطوف. نحو: واعمر واعثماناه. ويجيز بعضهم دخولها على المعطوف والمعطوف عليه. وهذا حسن. وإن كان توكيدا لفظيا دخلت عليهما. نحو: واعمراه واعمراه أما إن كان نعتا لفظه كلمة: "ابن" المضافة لعلم فإن الألف تدخل على المضاف إليه؛ نحو: واحسين بن علياه. فإن كان النعت لفظا آخر فالأحسن إدخالها على المنعوت وحده.
[ ٤ / ٩٨ ]
المسألة ١٣٦: المندوب المضاف لياء المتكلم
عرفنا١ أن المنادى صحيح الآخر المضاف إضافة محضة، قد تكون إضافته إلى ياء المتكلم، كقول الشاعر وقد عاد إلى وطنه من منفاه٢:
فيا وطني لقيتك بعد يأس كأني قد لقيت بك الشبابا
وعرفنا ما يجوز فيه -اختيارا- من لغات أشهرها ست، منها ثلاث تثبت فيها الياء، وثلاث تحذف فيها. فالثلاث الأولى هي: إثباتها ساكنة؛ نحو: يا وطني -إثباتها متحركة بالفتحة، نحو: يا وطني قلبها ألفا بعد فتحة؛ نحو: يا وطنا.
والتي تحذف فيها هي: حذفها مع بقاء الكسرة قبلها دليلا عليها؛ نحو: يا وطن قبلها ألفا مفتوحا ما قبلها، وحذف الألف مع بقاء الفتحة قبلها؛ نحو: يا وطن حذفها وبناء المنادى قبلها على الضم، نحو: يا وطن.
١- فإذا ندب المضاف إضافة محضة لياء المتكلم الساكنة الثابتة جاز حذفها ومجيء ألف الندبة مفتوحا ما قبلها. وجاز تحريك الياء بالفتحة مع زيادة ألف الندبة بعدها، ففي نحو: يا مالي، يقال: وامالا، أو: واماليا٣.
_________________
(١) ١ في ص٥٨. ٢ لما اشتعلت الحرب العالمية الأولى في أغسطس سنة ١٩١٤، وكان الإنجليز يحتلون البلاد المصرية إذ ذاك نفوا الشاعر إلى أسبانيا، وظل بها حتى انتهت الحرب في آخر سنة ١٩١٨ فعاد إلى وطنه أول سنة ١٩١٩. ٣ ويقال في إعراب: "واماليا" "مال"، منادى مضاف، منصوب بفتحة مقدرة على اللام؛ منع من ظهورها الكسرة لمناسبة الياء، والياء مضاف إليه، مبني على سكون مقدر منع من ظهوره الفتحة التي جاء لمناسبة الألف، في محل جر. ويقال في إعراب: "وامالا"، "مال" منادي مضاف، منصوب بفتحة مقدرة منع من ظهورها الكسرة التي جاءت لمناسبة الياء المحذوفة أو: منع من ظهورها الفتحة الحالية التي جاءت لمناسبة ألف الندبة. ومراعاة الفتحة الحالية أوضح. وفي المندوب المضاف إلى ياء المتكلم الساكنة وجواز تحريكها بالفتح، أو حذفها مع زيادة ألف الندبة في الحالتين وفتح ما قبلها يقول ابن مالك: وقائل واعبديا، واعبدا من في النداء، اليا، ذا سكون أبدي "تقدير البيت: ومن أبدى في النداء حرف الياء ذا سكون - قائل واعبديا، واعبدا". يريد أن من لغته في المنادى المضاف لياء المتكلم هو إسكانها، مع بقائها، فإنه يقول عند الندبة: واعبديا أو واعبدا، بتحريك الياء بالفتح، ثم زيادة ألف الندبة، أو بحذف الياء مع زيادة ألف الندبة وفتح ما قبلها.
[ ٤ / ٩٩ ]
ويصح عند الوقف زيادة هاء السكت الساكنة على الوجه الذي أوضحناه١.
٢- وإذا ندب المضاف لياء المتكلم الثابتة المفتوحة لم يجز إلا زيادة ألف الندبة بعدها، ففي مثل: يا مالي، يقال: واماليا. ويصح زيادة هاء السكت الساكنة وقفا
٣- وإذا المضاف لياء المتكلم المنقلبة ألفا، حذفت، وحل محلها ألف أخرى للندبة؛ فيقال في: يا مالا - وامالا. ويصح وقفا زيادة هاء السكت الساكنة
٤ و٥ و٦- أما إذا ندب المضاف لياء المتكلم المحذوفة فيزاد ألف الندبة مع فتح ما قبلها إن لم يكن مفتوحا، ففي مثل: يا مالِ، يا مالَ، يا مالُ يقال فيها جميعا: وامالا. ويصح وقفا زيادة هاء السكت الساكنة.
وقد يؤدي بعض الصور السالفة إلى اللبس، فيجب العدول عنه إلى ما لا لبس فيه، أو إقامة قرينة تزيله.
وإذا أضيف المنادى المندوب إلى اسم ظاهر مضاف لياء المتكلم؛ نحو: وامال أهلي وجب إثبات الياء؛ لأن المندوب لم يضف إليها مباشرة؛ فلا تسري عليه أحكام المنادى المضاف لياء المتكلم. ومع إثباتها يجوز زيادة ألف الندبة بعدها وعدم زيادتها؛ تقول وامال أهلي - وامال أهليا٢.
_________________
(١) ١ في ص٩٦. ٢ نص على هذا سيبويه "في الجزء الثاني من كتابه، باب الندبة ص٣٢٢". ويجيز غيره حذف الياء في هذا النوع عند مجيء ألف الندبة، وليس بشيء
[ ٤ / ١٠٠ ]
المسألة ١٣٧: الترخيم
الترخيم الاصطلاحي: "حذف آخر اللفظ بطريقة معينة؛ لداع بلاغي"١. وهو ثلاثة أقسام:
ترخيم اللفظ للنداء، وترخيمه للضرورة الشعرية، وترخيمه للتصغير. والباب الحالي معقود للكلام على القسمين الأولين، أما الثالث فموضع الكلام عليه: "باب التصغير"٢.
القسم الأول: ترخيم المنادى.
نصح أعرابي لابنه: "عامر"؛ فكان مما قال: "يا عامِ، صداقة اللئيم ندامة"٣، ومداراته سلامة" فحذف الراء من آخر المفرد العلم المنادى.
وسمع آخر أعرابية تتغنى بمزاياها؛ فقال لها: "يا أعرابي، دعي ما أنت فيه؛ فمن حدث الناس عن نفسه بما يرضى. تحدثوا عنه بما يكره". فحذف التاء٤ من آخر المنادى النكرة المقصودة
فالحذف على الوجه السالف نوع مما يسمى: "ترخيم نداء"، وهو: "حذف آخر المنادى المفرد العلم، أو النكرة المقصودة. وقد يقتصر الحذف على هذا أو لا يقتصر" طبقا لما سيجيء٥.
_________________
(١) ١ هو: التخفيف -غالبا- أو التلميح، أو الاستهزاء. وقد يكون السبب هو الضعف الناشئ من خوف، أو هول، ونحوهما مما يحدث العجز عن إتمام النطق بالكلمة؛ فقد جاء في "المحتسب" ج٢ ص٢٥٧ ما نصه على لسان أهل النار في الآية الكريمة: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ وقراءة من قرأها: "ما مال": "قال أبو الفتح: هذا المذهب المألوف في "الترخيم"، إلا أن فيه في هذا الموضع سرا جديدا؛ وذلك لأنهم لعظم ما هم عليه ضعفت قواهم؛ وذلت أنفسهم، وصغر كلامهم، فكان هذا من مواضع الاختصار؛ ضرورة عليه، ووقوفا دون تجاوزه إلى ما يستعمله المالك لقوله، القادر على التصرف في منطقه ". ا. هـ. ٢ ص٦٨٣. ٣ أي: مؤديه للندم؛ بسبب نتائجها الضارة. ٤ نداء الترخيم كثير عندهم في المنادى المختوم بتاء التأنيث، وفي بعض كلمات أخرى؛ منها: مالك، عامر، حارث، صاحب. ٥ في ص١٠٥.
[ ٤ / ١٠١ ]
شروطه:
لا يصح إجراء هذا النوع من الترخيم الذي يقتضي حذف الآخر وحده أو مع شيء غيره، إلا بعد أن تجتمع في المنادى شروط عامة لا بد من تحققها فيه -سواء أكان مجردا من تاء التأنيث أم مختوما بها- وشروط خاصة بالمجرد منها. فالعامة هي:
١- أن يكون المنادى معرفة، إما بالعلمية، وإما بالقصد والإقبال١؛ "لأن المنادى الذي يراد ترخيمه قسمان، مجرد من تاء التأنيث، ومقترن بها، فإن كان مجردا من تاء التأنيث وجب ان يكون علما؛ فيتعرف بالعلمية، وإن اقترن بالتاء وجب أن يكون علما، أو نكرة مقصودة؛ فيتعرف بالعلمية، أو بالنداء مع الإقبال، ولا يصح ترخيم النكرة المحضة، وهي النكرة غير المقصودة".
٢- ألا يكون مستغاثا مجرورا؛ فلا يصح الترخيم في مثل: يا لصالح لمحمود - يا لفاطمة لأخيها. فإن حذفت اللام الداخلة عليه جاز ترخيمه؛ نحو: يا صالا٢ لمحمود، يا فاطما٢ لأخيها.
٣- ألا يكون مندوبا؛ فلا يصح الترخيم في مثل: وامعتصم، أين أنت؟ واعبلة ما صنعت بك الأيام؟
٤- ألا يكون مضافا، ولا شبيها به٣؛ كالمضاف في قولهم: يا أهل العلم، عالم ذو همة يحيى أمة - يا فتاتي أنت عنوان بلادي، وشبهه في مثل: "يا بخيلا بماله. أنت تشقى، وغيرك يسعد".
_________________
(١) ١ فسبب تعريفه أنه مفرد علم، أو نكرة مقصودة. أما بقية أقسام المنادى فلا ترخم - كما سيجيء التصريح هنا وفي الشرط الرابع. ٢ و٢ الألف التي في آخر المستغاث هي التي تجيء -جوازا - عند حذف لام الجر، وتفصيل الكلام عليها في ص٧٨. ٣ هذا الشرط مفهوم من مضمون الشرط الأول، ولكن ذكرناه صريحا هنا ليكون أوضح وأجلى.
[ ٤ / ١٠٢ ]
٥- ألا يكون مركبا تركيب إسناد -على الأرجح-١ فلا يصح الترخيم في علم كالذي في قولهم: يا "فتح الله"، الجاه يفنى، والمجد يبقى -يا "زينب فاضلة"؛ لا تقابلي الإحسان بالجحود.
٦- ألا يكون من الألفاظ المقصورة على النداء٢، فلا يصح الترخيم في مثل: يا فل، ويا فلة
٧- ألا يكون من الألفاظ المبنية أصالة قبل النداء؛ مثل: حَذَامِ - رَقَاش علمين لمؤنثتين.
تلك هي الشروط العامة التي يجب تحققها في المنادى المراد ترخيمه بقسميه؛ "المختوم بتاء التأنيث، والمجرد منها".
أما الشروط الخاصة التي لا بد من تحققها مع العامة في القسم المجرد من تاء التأنيث، دون المختوم بها فأهمها:
١- أن يكون تعريفه بالعلمية دون غيرها، نحو: "سالم" علم رجل؛ تقول: يا سال، أذل الحرص أعناق الرجال. فلا يصح في المجرد من تاء التأنيث أن يكون نكرة مقصودة "لأن تعريفها بالقصد والإقبال، لا بالعلمية؛ نحو: يا صاحب، لمعين" أما المختوم بها فيصح أن يكون علما وأن يكون نكرة مقصودة؛ كأن تقول في نداء فتاة اسمها عائشة: يا عائش: آفة النصح أن يكون جهارا. وفي نداء مسافرة معينة: يا مسافر، تيقظي في رحلتك، فإن السلامة في اليقظة.
٢- أن يكون العلم المجرد أربعة أحرف أو أكثر؛ فلا يصح ترخيم العلم الثلاثي الخالي من تاء التأنيث مطلقا٣؛ مثل "سعد" و"رجب" في قولهم: يا سعد، من أحسن إلى لئيم أساء إلى نفسه - يا رجب، النفس الصغيرة مولعة بالصغائر.
_________________
(١) ١ كما سيأتي في ص١٠٩، وفيها حكم ترخيم المركب المزجي. ٢ وقد سبقت في ص٦٨ ٣ أي: سواء أكان ساكن الوسط أم متحركه، ولا داعي للتفرقة بين الاثنين كما يرى بعض النحاة.
[ ٤ / ١٠٣ ]
أما المختوم بتاء التأنيث فيصح ترخيمه، سواء أكان علما أم نكرة مقصودة، ثلاثيا أم أكثر. وتقول في نداء فتاة اسمها "هبة" نداء ترخيم: يا هب، إن الأماني والأحلام كالأزهار؛ ما تراكم منها قتل. وفي أخرى اسمها: "ماجدة" يا ماجد، إن الله لا ينظر إلى الصور، وإنما ينظر إلى الأعمال١
_________________
(١) ١ فيما سبق يقول ابن مالك: ترخيما احذف آخر المنادى كيا "سعا" فهي من دعا "سعادا" أي: احذف آخر المنادى حذف ترخيم، كمن يقول: يا سعا، وهو ينادي فتاة اسمها: سعاد. ثم قال: وجوزنه مطلقا في كل ما أنت بالها. والذي قد رخما: بحذفها وفره بعد. واحظلا ترخيم ما من هذه "الها" قد خلا إلا "الرباعي" فما فوق. "العلم" دون إضافة، وإسناد متم يقول: جوز الترخيم في المنادى المؤنث بالهاء، "أي: بتاء التأنيث التي تصير "هاء" في الوقف" إجازة مطلقة؛ يتساوى فيها كل منادى مختوم بالتاء؛ علما أو نكرة مقصودة، ثلاثيا أو زائدا على الثلاثة. متحرك الوسط، أو ساكنه. ثم قال: إن المنادى المرخم بحذفها يوفر بعد ذلك، فلا يجوز حذف شيء من حروفه بعد حذف التاء. وعرض بعد هذا الترخيم الخالي منها؛ فقال: احظل "أي: امنع" ترخيم المنادى الخالي منها إلا إذا كان علما رباعيا فما فوقه، غير مضاف، وغير مركب تركيب إسناد متم، "أي: تركيب إسناد تام، كامل". ويلاحظ في هذه العبارات القصور والخلط؛ لأن بعض الأشياء المحظورة السابقة -كالمنادى المضاف، والمركب تركيب إسناد- ليس محظورا في المنادى المختوم بالتاء وحده، وإنما حظره عام يشمل المجرد منها أيضا، كما شرحنا.
[ ٤ / ١٠٤ ]
ما يحذف جوازا من آخر المنادى عند ترخيمه:
يجوز أن يحذف من آخر المنادى بسبب ترخيمه حرف واحد -وهو الأغلب- أو حرفان، أو كلمة، أو كلمة وحرف. وفيما يلي البيان:
أولا: يحذف منه الحرف الأخير وحده بغير شروط إلا التي سلفت.
ثانيا: يحذف منه الحرفان الأخيران١ معا بعد تحقق الشروط التي سلفت، مزيدا عليها أن يكون المنادى علما مجردا من تاء التأنيث، وأن يكون الحرف الذي قبل الأخير حرف مد٢، وأن يكون زائدا لا أصليا، وأن يكون رابعا فصاعدا.
وبعبارة أخرى:
يجوز أن يحذف من المنادى العلم المرخم المجرد من تاء التأنيث الحرفان الأخيران، بشرط أن يكون السابق منهما حرف مد. زائدا، رابعا فأكثر مثل: عمران، خلدون، إسماعيل تقول: يا عمر، من ساء قوله ساءت معامله الناس له - يا خلد، النصح أغلى ما يباع ويوهب - يا إسماع، من خاف الله حرسته عنايته.
أما الحرف الأخير فقد يكون أصليا؛ كهمزة "أسماء" في المنادى المرخم من قول الشاعر:
يا أسم، صبرا على ما كان من حدث إن الحوادث ملقي٣ ومنتظر
_________________
(١) ١ يدخل في هذا من الأعلام ما كان على صورة: المثنى، وجمع المذكر السالم، وجمع المؤنث السالم "ويراعى في الثلاثة التفصيل الهام الآتي في: "ا" ص١٠٨. ٢ لا يسمى حرف مد إلا إذا كان حرف علة ساكنا، والحركة التي قبله تناسبه، "وهي الفتحة قبل الألف، والضمة قبل الواو، والكسرة قبل الياء، نحو: قام، يقوم، مقيم". وهو في هذه الحالة حرف علة، ومد، ولين. فإن كان ساكنا وقبله حركة لا تناسبه سمي: حرف علة ولين، نحو: فرعون وخير. فإن كان متحركا فهو حرف علة فقط؛ نحو: حور وهيف "راجع ما سبق في رقم ٢ من هامش ص٥٨". ٣ يريد: اصبري على ما يحدث؛ لأن الحوادث محتومة؛ بعضها ملقي "أي: واقع حاصل"، وبعضها منتظر وقوعه.
[ ٤ / ١٠٥ ]
فكلمة: "أسم"، أصلها: أسماء، وهمزتها الأخيرة بمنزلة الأصلية؛ لأنها منقلبة عن واو أصلية١. وقد يكون زائدا كالنون في "مروان" من قول الشاعر:
يا مرو إن مطيتي محبوسة ترجو الحباء٢، وربها لم ييئس
ولا يصح في هذا القسم المستوفي للشروط الاقتصار على حذف الحرف الأخير وحده. وإنما يجب أن يحذف معه الحرف الذي قبله أيضا. إلا إن كان المنادى المرخم مختوما بتاء التأنيث؛ فتحذف وحده دون الحرف الذي قبلها. ففي مثل: "عقبناة"٣ وسلحفاة، علمين، يقال: يا عفنبا، يا سلحفا بالألف فيهما.
فالترخيم يحذف آخر المنادى أمر اختياري، لا واجب، لكن إذا اخترنا الحذف في هذا القسم المستوفي للشروط وجب أن يحذف مع الآخر الحرف الذي قبله؛ لأنهما متلازمان وجودا وحذفا في غير المختوم بتاء التأنيث حيث يقتصر الحذف عليها وحدها٤.
وبمراعاة الشروط السالفة يتبين أنه لا يصح في الأمثلة الآتية وأشبابهها، حذف الحرفين الأخيرين معا في نداء الترخيم:
يا مرتجاة، علما، لا يقال: يا مرتج، لوجود تاء التأنيث٤.
يا جعفر. يا ثمود، يا سعيد، يا عماد أعلاما، لا يقال: يا جع، يا ثم، يا سع، يا عم لأن الحرف الذي قبل الأخير ليس حرف مد أو حرف مد. لكنه ليس رابعا فأكثر.
يا رحيم، يا هبيح٥ -علمين- لا يقال: يا رحي، يا هبي
_________________
(١) ١ "أسماء" جمع، مفردة: "اسم" -مع زيادة همزة الوصل- وأصله: "سمو"؛ فواوه أصلية، تنقلب همزة عند جمعه على "أفعال". ٢ العطاء. ٣ هي في الأصل صفة للعقاب "إحدى الطيور الجارحة" يقال: هذه عقاب عقنباة، أي: ذات مخالب قوية. ٤ و٤ بخلاف التاء في مثل: "هندات" -طبقا للبيان الهام في ص١٠٨ ب. ٥ أصل معناه: الغلام السمين، الممتلئ.
[ ٤ / ١٠٦ ]
لأن حرف العلة "الياء" قبل الآخر ليس ساكنا؛ فلا يصح حذف الياء؛ لأنها ليست للمد.
يا قنور١ -علما- لا يقال: يا قنو؛ لأن حرف العلة "الواو" قبل الآخر ليس ساكنا؛ فلا يصح حذفه. لأنه ليس حرف مد.
يا فرعون -علما- لا يقال: يا فرع؛ لأن الحركة التي قبل حرف العلة "الواو" لا تناسبه؛ فلا بد من بقاء الواو. لأنها ليست للمد هنا.
يا غرنيق٢ -علما- لا يقال: يا غرن؛ لأن الحركة التي قبل حرف العلة "الياء" لا تناسبه؛ فلا بد من بقاء الياء. لما سبق.
يا مختار -علما- لا يقال: يا مخت؛ لأن حرف العلة ليس زائدا، فأصله الياء؛ فلا بد من بقاء الألف.
يا منقاد -علما- لا يقال: يا منق؛ لأن حرف العلة ليس زائدا، فأصله الواو؛ فلا بد من بقاء الألف.
٣.
_________________
(١) ١ أصل معناه: الصعب اليابس من كل شيء. ٢ أصله: اسم لطائر طويل العنق من طيور الماء. ٣ وفي حذف الحرف الأخير ومعه الحرف الذي قبله "وهو الذي تلاه الأخير" يقول ابن مالك: ومع الآخر احذف الذي تلا إن زيد. لينا ساكنا، مكملا أربعة فصاعدا. والخلف في واو وياء بهما فتح قفى تلا: أي: تلاه الآخر. ولينا ساكنا= يقصد به حرف المد، وقد شرحناه. الخلف= الخلاف بين النحاة. قفى - تبع، أي: جاء بعده حرف، والجملة الفعلية: "قفى" خبر للمبتدأ: "فتح" والجملة من المبتدأ والخبر صفة لواو والجار مع مجروره "بهما".. متعلقان بالفعل: "قفى". يريد: يحذف مع الحرف الأخير ما قبله من حرف مد رباعي. فإن كان قبل الواو فتحه -نحو: فرعون وغرنيق- فقد وقع خلاف في جواز حذفهما.
[ ٤ / ١٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- يصح ترخيم ما سمي به من المثنى وجميع التصحيح بحذف زيادتيهما من آخر العلم، بشرط أن يكون ترخيمها على لغة من ينتظر١، لكيلا يقع فيهما اللبس بالمفرد؛ فتقول في نحو: محمدان ومحمدين "علمين": يا محمدَ - يا محمدِ؛ بالفتح في الأول والكسر في الثاني. وكذا في المنسوب. ويمتنع الضم في كل ما سبق؛ لكيلا يلتبس بالمفرد: وأما محمدون -ونظائره من كل علم أصله جمع مذكر سالم مرفوع بالواو- فيمتنع ترخيمه مطلقا؛ للسبب السالف٢.
ب- عرفنا ما يحذف منه حرفان عند الترخيم. وهو يشمل المثنى وجميع التصحيح إذا كانت أعلاما؛ فترخم كلها بحذف الآخر ومعه ما قبله، بالشروط التي سلفت. لكن يمتنع بقاء الألف في مثل: "هندات" لأن التاء فيه ليست للتأنيث٢.
ج- الحركة المجانسة لحرف العلة فيصير حرف مد بسببها، قد تكون ظاهرة؛ كالأعلام التي في الأمثلة السالفة؛ وقد تكون مقدرة في بعض الأعلام الأخرى؛ كما في جمع المقصور جمع مذكر سالما؛ نحو: يا مصطفون، ويا مصطفين، علمين فنقول عند الترخيم: يا مصطفي، بحذف الواو والنون من الأول، والياء والنون من الثاني. لأن أصلهما؛ مصطفيون ومصطفيين، بضم الياء في الأول، وكسرها في الثاني. تحركة هذه الياء فيهما، وانفتح ما قبلها؛ فقبلت ألفا. وحذفت الألف لالتقاء الساكنين. فالحركة مجانسة؛ لأنها الضمة قبل الواو في اللفظ الأول، والكسرة قبل الياء في الثاني. فلا يضر أن تكون المجانسة تقديرا؛ لأن المجانسة التقديرية كالمجانسة اللفظية الظاهرة، ولهذا يجب حذف الواو والياء عند حذف الحرف الأخير من الكلمتين السالفتين وأشباههما؛ بشرط أن تكون كل كلمة علما.
_________________
(١) ١ الكلام عليها في ص١١١. ٢ و٢ راجع الصبان والخضري في هذا الموضع.
[ ٤ / ١٠٨ ]
ثالثا: يحذف من آخر المنادى المستوفى شروط الترخيم، كلمة كانت في أصلها مستقلة، ثم ركبت مع أخرى تركيب مزج١، وصارتا بمنزلة الكلمة والواحدة؛ نحو: "حمدويه، خالويه"، "رامهرمز"، "تسعة عشر " إذا جعلت هذه المركبات أعلاما؛ فنقول في ندائها ترخيما، يا حمد، يا خال، يا رام، يا تسعة، ولا بد عند ترخيمها من وجود قرينة قوية تدل على أصلها؛ إذ ترخيمها لا يخلو من لبس، ولا سيما المركبات العددية المبنية على فتح الجزأين؛ نحو: تسعة عشر.
وقد منع كثير من النحاة ترخيم المركب المزجي "وكذا الإسنادي كما تقدم"٢ بحجة أنه لم يسمع، وأنه موضع إلباس. والأخذ برأيه أحسن.
رابعا: يحذف من آخر المنادى المستوفى شروط الترخيم، كلمة، ومعها حرف قبلها. ويقع هذا في لفظين من المركبات العددية؛ "هما: اثنا عشر، واثنتا عشرة"، إذا جعلا علمين٣؛ فيقال: يا اثن يا اثنت بحذف كلمة: "عشر" أو "عشرة" والألف التي قبلهما -كما يقال هذا في ترخيمهما من غير تركيب- لأن كلمة: عشر، وعشرة، بمنزلة النون في الاسم
_________________
(١) ١ تفصيل الكلام على المركب المزجي في ج١ ص٣٠٠ م٢٣. وفي حذف عجزه؛ "أي آخره"، يقول ابن مالك: والعجز احذف من مركب، وقل ترخيم جملة، وذا عمرو نقل يريد: حذف العجز من المركب المزجي، جائز، أما من مركب الجملة "وهو المركب الإسنادي" فقليل، وقد نقله عن العرب عمرو، "المشهور باسم: سيبويه". ٢ في رقم ٥ من ص١٠٣. ٣ هذا شرط حتمي؛ لكيلا يلتبسا بنداء المثنى الذي ليس علما، وإنما هو عدد محض، وهو: اثنان واثنتان، ومثلهما في نداء المرخم بقية الأعداد المركبة، ثلاثة عشر، وأربعة عشر، وخمسة عشر إلخ. فلا يحذف عجزها للتخريم إلا إذا كانت علما، منعا -في ظنهم- للالتباس بثلاثة، وأربعة، وبقية الأعداد المفردة. هذا. وإذا صار الاسم المبدوء بهمزة وصل -اثني واثنتي- علما فإن همزته تصير همزة قطع: يجب كتابتها والنطق بها -كما سلف في رقم٣ من هامش ص٣٨ وسيجيء لها بيان أكمل في رقم٢ من هامش ص٢٤٧.
[ ٤ / ١٠٩ ]
المفرد؛ "أي: الخالي من التركيب وهو: اثنان واثنتان"١. فصارت هي والألف بمنزلة الحرفين الزائدين في آخر الأصل المثنى؛ إذا كان علما.
"ملاحظة": اشتد الخلاف بين النحاة الأقدمين في ترخيم الأعداد المركبة "أعلاما وغير أعلام" من ناحية جوازه وطريقته، أو عدم جوازه. والحق أن ترخيمها لا يخلو من لبس وخفاء يحملان اليوم على اجتنابه.
_________________
(١) ١ "أو المراد بالاسم المفرد: ما كان آخره نون قبلها حرف مد في نحو: مسكين، علما؛ حيث تحذف النون في الترخيم ومعها حرف المد -وتثبت الهمزتان نطقا وكتابة إذا كانا علمين.
[ ٤ / ١١٠ ]
كيفية ضبط المنادى بعد ترخيمه:
المنادى المرخم لا يكون إلا مفردا علما أو نكرة مقصودة -بتفصيلهما الذي عرضناه-١ فحكمه الأساسي هو البناء على الضم وفروعه. ولضبطه طريقتان بعد ترخيمه.
الأول: أن يلاحظ المحذوف، ويعتبر كأنه باق. ويظل ما قبله على حركته أو سكونه قبل الحذف٢، ويستمر رمز البناء على الضم -وفروعه- مقصورا على الحرف الأخير المحذوف، كما كان قبل حذفه، من غير نظر لما طرأ عليه؛ ففي مثل: يا عامر يا سيدة يكون المنادى قبل الترخيم "عامر - سيدة" مبنيا على الضم في محل نصب، ويصير بعد الترخيم: يا عامِ، يا سيدَ، منادى مبنيا على الضم الذي على الحرف المحذوف، في محل نصب أيضا. بالرغم من كسر الميم، وفتح الدال؛ لأن كلا منهما لا يعد -بحسب هذه الطريقة- حرفا أخيرا في كلمته، يختص بعلامة البناء.
وكذلك في مثل: يا سالم - يا مسافرة، يا إفرند٣؛ فالمنادى من غير ترخيم مبني على الضم في محل نصب. فإذا رخم قيل بهذه الطريقة: يا سالِ - يا مسافرَ، يا إفرنْ ، والمنادى مبني على الضم في محل نصب، كما كان من غير
_________________
(١) ١ في ص١٠١، وما بعدها. ٢ يستثنى من هذا مسألتان يقع فيهما تغيير؛ الأولى: ما كان مدغما في المحذوف مع وقوعه بعد حرف مد هو -في الغالب- ألف، فإنه كان له حركة في الأصل حركته بها؛ نحو: "مضار، ومحاج، علمين؛ فيقال فيهما يا مضار ويا محاج، بالكسر على اعتبارهما اسمي فاعل أصله: مضار - محاجيج، أو بالفتح على اعتبارهما اسمي مفعول. أما إن كان أصلي السكون فالأحسن تحريكه بالفتحة لقربها من السكون في الخفة؛ نحو: إسحار "بتشديد الراء، اسم لبقلة"، فيقال عند التسمية به وترخيمه: "يا إسحار" فتحذف الراء الثانية للترخيم، وتفتح الأولى، والألف في الثاني؛ لزوال سبب الحذف. "حاشية الصبان -وغيرها- في هذا الوضع". ويلاحظ أن استثناء المسألتين السالفتين مقصور على الأخذ بالطريقة الأولى المعروضة دون الثانية. ٣ الإفرند في الأصل: السيف.
[ ٤ / ١١١ ]
حذف وهكذا يظل آخر اللفظ الحالي على ما كان عليه من حركة أو سكون قبل حذف الحرف الأخير.
وتسمى هذه الطريقة: "لغة من ينوي المحذوف". وتشتهر باسم: "لغة من ينتظر". ويجب الاقتصار عليها في ترخيم المنادى المختوم بتاء التأنيث عند خوف اللبس -كما سيجيء- مثل: يا علي، مرخم "علية"، علم أنثى؛ لوجوب فتح الحرف الذي قبل تاء التأنيث؛ فتكون هذه الفتحة -في الاسم المفرد الذي يجب بناء آخره على الضم- دليلا على أن هناك حرفا محذوفا ملحوظا هو التاء؛ إذ لو لم نلاحظة لقلنا: "يا علي" فيلتبس نداء المؤنث بالمذكر١.
الثانية: مراعاة الأمر الواقع؛ وذلك باعتبار أن ما حذف من اللفظ قد انفصل عنه نهائيا، وانقطعت الصلة بينهما، وكأنها لم تكن، وصار آخره الحالي -بعد حذف ما حذف- هو الذي يقع عليه العلامة. ففي المثالين السالفين يقال في نداء الترخيم: "يا سال، يا مساف". فالمنادى مبني على الضم في محل نصب. وتسمى هذه الطريقة: "لغة من لا ينوي المحذوف"٢ أو: "من لا ينتظر".
_________________
(١) ١ والأفصح عند ترخيم المؤنث بالتاء وحذفها على لغة "من ينتظر" أن يزاد على آخره عند الوقف هاء السكت. بل جعلها سيبويه لازمة عند طوائف العرب التي ترخم هذا النوع. "راجع كتاب سيبويه ج٢ ص٣٣٠". بقي شيء هام؛ هو أن أكثر النحاة يوجب طريقة "من ينتظر" في المرخم المؤنث عن خوف اللبس. فلم يقصرونها على المؤنث وحده؛ إن الفرار من اللبس مطلب أساسي، يجب أن يعم كل الحالات؛ ترخيما وغير ترخيم -كما سيجيء في هامش ص١١٣. ٢ وفي الطريقتين المذكورتين لضبط المنادى المرخم يقول ابن مالك في الأولى التي ينوي فيها المحذوف: وإن نويت بعد حذف ما حدف فالباقي استعمل بما فيه ألف يريد: إن نويت ما حذف بعد حذفه، فاستعمل الباقي بعد الحذف بما ألف فيه، وعرف عنه قبل الحذف. أي: اترك الباقي على حاله المألوف فيه قبل الحذف. ويقول في الثانية التي لا ينوي فيها المحذوف: واجعله إن لم تنو محذوفا كما لو كان بالآخر وضعا تمما أي: اجعل الباقي من المنادى المرخم بعد حذف وعد ملاحظته في النية اجعله كما لو كان قد تمم بالآخر في الوضع، فكلمة: "وضعا" منصوبة على نزع الخافض. والمقصود من هذا كله: إن لم تنو المحذوف فاجعل الآخر الحالي بعد الحذف كأنه آخر وضعي، أصل، من وضع العرب =
[ ٤ / ١١٢ ]
وتصلح الطريقتان في مثل: "عنتر" في قول الشاعر عنترة.
ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها قيل الفوارس: ويك عنتر أقدم
وقوله:
يا عبل لا أخشى الحمام؛ وإنما أخشى على عينيك وقت بكاك
فأصل الكلمتين قبل النداء: عنترة وعبلة، ثم ناداهما نداء ترخيم؛ فحذف آخرهما. فالواجب -على لغة من ينتظر- أن نترك آخرهما الحالي على ما كان عليه قبل الحذف فيظل مفتوحا كما كان؛ فنقول: عنتر - عبل ويقع البناء على الضم على الحرف المحذوف. أما على لغة من لا ينتظر فيجب بناء الباقي على الضم مباشرة، وهكذا في كل النظائر الأخرى المختومة بتاء التأنيث.
ويلاحظ أن المرخم المختوم بتاء التأنيث لا تصلح له إلا طريقة: "من ينتظر" عند خوف اللبس، كما أسلفنا. فإذا أمن اللبس -بسبب اشتهار الكلمة في الاستعمال أو لسبب آخر- جاز اختيار هذه الطريقة أو تلك؛ كما في البيتين السابقين، وكما في نحو: يا فاطم -بضم الميم أو فتحها- وهي ترخيم: فاطمة، ومثلهما: همزة، "لمن يغتاب الناس" ومسلمة، علم رجل
_________________
(١) = وكأنه لم يحذف شيء يليه. وعلى الأول ينتظر يقال في: "ثمود" علما "ياثمو" بحذف الدال وترك ما عدها على حاله. أما الثاني: الذي ينتظر فتقلب الواو ياء ويقال: يا ثمي؛ للسبب المبين في الشرح وفي هذا يقول ابن مالك: فقل على الأول في ثمود: يا ثمو، ويا ثمي، على الثاني بيا ويجب الاقتصار على الرأي الأول في المرخم المختوم بالتاء إذا أوقع الأخذ بالرأي الثاني في لبس كما في ترخيم "مسلمة" "بضم الميم" علم امرأة؛ فيقال: يا مسلمَ؛ ليكون فتح الميم الأخيرة في هذا المنادى الواجب بناؤه على الضم -دليلا على الحذف. أما لو قلنا: "يا مسلمُ" بغير انتظار المحذوف فإن اللبس يقع بين نداء مسلم ومسلمة. والحق أنه يجب الفرار من اللبس، سواء أكان موضعه المنادى بتاء التأنيث، أم المجرد منها؛ أم غيرهما. ولا معنى لقصره على المختوم بالتاء -كما أشرنا في آخر هامش الصفحة السابقة- فإن لم يكن هناك احتمال لبس جاز اختيار إحدى الطريقتين كما في مسلمة "بفتح الميم، علم قائد مشهور" وفي هذا يقول ابن مالك: والتزم الأول في كمسلمه وجوز الوجهين في كمسلمه
[ ٤ / ١١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- الأخذ بطريقة "من لا ينتظر" على الوجه المشروح يقتضي -كما عرفنا- إهمال الحرف المحذوف، واعتباره كأنه لم يوجد؛ فيجري على الآخر الحالي كل الأحوال النحوية والصرفية المختصة بآخر الكلمة. ففي مثل: "ثمود - علاوة - كروان وأشباهها من الأعلام التي تنادي ترخيما فيختم آخرها بعد الحذف بحرف علة؛ فيقال: يا ثمو - يا علاو - يا كرو " في مثل هذه الكلمات يبقى الآخر الحالي على ما هو عليه عند من ينتظر؛ فيبنى على الضم على الدال، والتاء، والنون المحذوفات -في محل نصب ولا يقع تغيير على الأحرف الباقية بعد الحذف.
أما على لغة من لا ينتظر فيقع على الآخر الحالي تغييرات لا مناص منها؛ أهمها: أنه سيتغير ضبطه؛ فيصير مبنيا على الضم المقدر أو الظاهر؛ فيقال: يا ثمو - يا علاو - يا كرو. وأن توابعه ستخضع لحكم توابع المنادى المبني على ضم آخره المذكور في الكلام، وأنه سيتغير تغيرا صرفيا على حسب ما تقضي به الضوابط الصرفية من الإعلال، والصحة، والإبدال وغير هذا، كرجوع حرف محذوف؛ فيقال يا ثمي، بقلب ضمة الميم كسرة، لتنقلب الواو ياء، كي لا يكون آخر الاسم واوا لازمه ساكنة قبلها ضمة؛ لأن هذا نادر في العربية١، وكي لا وتنقلب الواو في آخر الكلمتين الأخيرتين همزة وألفا، لوقوعها متطرفة بعد ألف زائدة في: "يا علاوة". ولتحركها وانفتاح ما قبلها: في "يا كرو"، فيقال: يا علاء - يا كرا٢.. ولا يقع شيء من هذا عند اتباع الطريقة الأخرى.
_________________
(١) ١ كان هذا رأيا مقبولا في العصور الخالية، قبل انتشار الأسماء والأعلام بواو لازمة ساكنة، قبلها ضمة، أما الآن فقد عاشت كغيرها من الألفاظ المعتلة الآخر، المقصورة والمنقوصة: فوجب اتخاذ حكم لها؛ كنظائر. ولعله هنا يكون بإبقائها وعدم ترخيم المنادى الذي يحويها. أما في غير الترخيم فقد وضحناه في الجزء الأول، في المسألة الخامسة عشرة. كما وضحناه في هذا الجزء "في باب التثنية، والجمع، والنسب ". ٢ أي: يا كروان، ومنه المثل العربي الذي يقال لمن يتكبر وحوله من هو أشرف منه يتواضع: "أطرق كرا، إن النعام في القرى" -وقد أشرنا له في ص٤.
[ ٤ / ١١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ب- مع أن الطريقتين صحيحتان، والأمر في تقديم إحداهما على الأخرى متروك للمتكلم، ومراعاته المقام قد تكون "الأول وهي: "لغة من ينتظر" أنسب؛ لبعدها عن اللبس، غالبا؛ إذ حركة آخرها الحالي في أكثر الصور، لا تكون ضمة برغم استحقاق المنادى في موضعه هذا للبناء على الضم وجوبا فعدم وجود الضمة يوحي أن في اللفظ الحالي حذفا، ويرشد إلى أن الحرف الأخير الحالي ليس هو الأخير في الأصل، وإلا فأين علامة البناء؟
نعم يقع اللبس في هذه الطريقة حين يكون الحرف؛ الذي قبل المحذوف مباشرة مضموما هجائيا، نحو: قنفذ -علما- فعند ندائه نداء ترخيم على لغة من ينتظر يقول: يا "قنف" فالفاء مضمومة ضما يختلط الأمر فيه؛ أهو ضمة بناء، أم ضمة حرف هجائي ليس آخر الأحرف؟ وللمتكلم أن يتخير ما يزيل به هذا اللبس، أو يعدل عن هذه الطريقة إلى الأخرى، أو يعدل عنهما معا إذا أوقعت كل واحدة منهما في اللبس كالذي يحدث في مثل: يا فتاة.
ج- يرد في الفصيح كثيرا نداء لفظ "صاح" كقول الشاعر:
هلم "يا صاح" إلى روضة يجلو بها العاني صدا١ همه
فأصل الكلمة: "صاحب" نوديت نداء ترخيم بحذف الباء. وهذا الرأي يساير قواعد الترخيم عامة؛ فهو أنسب من الرأي الذي يقول إن أصلها "صاحبي" ورخمت شذوذا بحذف ياء المتكلم والباء. إذ لا داعي للأخذ بالشاذ حين يكون المطرد ممكنا.
أما حذف الباء في غير حالة النداء فشاذ، إلا للضرورة الشعرية٢
_________________
(١) ١ يريد: صدأ. ٢ انظر المسألة التالية: ورقمها: "١٣٨".
[ ٤ / ١١٥ ]
المسألة ١٣٨: القسم الثاني ترخيم الضرورة الشعرية ١
هذا النوع مقصور على غير المنادي؛ ولا يصح إجراؤه إلا بعد أن تتحقق شروط ثلاثة مجتمعة:
أولها: أن يكون في شعر.
ثانيها: أن يكون المرخم غير منادى، ولكنه صالح للنداء؛ فلا يصح ترخيم لفظ: "الغلام"؛ لأنه لا يصلح للنداء؛ بسبب وجود "أل"٢..
ثالثها: أن يكون المرخم إما زائدا على ثلاثة، وإما مختوما بتاء التأنيث.
فمثال الأول:
لنعم الفتى -تعشو إلى ضوء ناره- طريف بن مال ليلة الجوع والخصر٣
أراد: ابن مالك؛ فرخمه ترخيم الضرورة.
ومثال الثاني:
وهذا ردائي عنده يستعيره ليسلبني حقي، أمال بن حنظل
أراد: يا مالك بن حنظلة٤؛ فحذف التاء من "حنظلة" للضرورة في غير المنادي.
وإذا وقع ترخيم الضرورة في لفظ جاز ضبط آخره بإحدى الطريقتين السالفتين: طريقة من لا ينتظر -كالبيتين السالفين٥ أو من ينتظر- كقول الشاعر:
_________________
(١) ١ انظر معنى الضرورة وتفصيلها الدقيق في رقم ٢ من هامش ص٢٧١. ٢ وقد سبق البيان في ص٣٦. ٣ الخصر: شدة البرد. ٤ والبيت -على هذا التقدير- يصلح شاهدا للحالتين معا. ٥ بدليل وجود التنوين في الأول، وكسر اللام في الثاني. فلو جرى على الانتظار لوجب أن يراعى الأصل بحذف التنوين في الأول وبفتح اللام في الثاني.
[ ٤ / ١١٦ ]
ألا أضحت حبالكمو رماما١ وأضحت منك شائعة٢ أماما٣
وبمقتضى الأولى يضبط آخر اللفظ المرخم على حسب ما تقتضيه الجملة من ضبطه، ويجري عليه ما تقتضيه الضوابط العامة، من إعلال، وصحة، وإبدال و وقد ينون أو لا ينون إن اقتضى الأمر شيئا مما سبق مع عدم اختلال الوزن؛ ككلمة "مال" المنونة في البيت الأول والمجرورة بالإضافة، وكلمة: "حنظل" المجرورة بالإضافة في البيت الثاني مع عدم التنوين.
وبمقتضى الثانية يبقى المرخم على حاله بعد حذف آخره، ككلمة: "أمام" في البيت الأخير.
هذا، ولا يشترط في المرخم للضرورة أن يكون معرفة "علما أو غير علم"؛ ولا شروطا أخرى غير التي سبقت. ومن ترخيم النكرة قول الشاعر -في بعض الروايات:
ليس حي على المنون بخال
أي: بخالد٤
_________________
(١) ١ جمع رمة "بضم الراء غالبا. ويصح الكسر" قطعة حبل بالية. ٢ بعيدة. ٣ علم امرأة. والأصل قبل الترخيم: أمامة. ٤ وقد اكتفى ابن مالك في الكلام على الترخيم الضرورة ببيت واحد هو: ولاضطرار رخموا دون ندا ما للنداء يصلح؛ نحو: أحمدا فلم يتعرض لشيء إلا اشتراط أن يكون المرخم للضرورة صالحا للنداء؛ نحو: أحمد. وقد أشرنا في رقم ١ من هامش الصفحة السالفة إلى أن المراد الدقيق من: "الضرورة" موضع تفصيلا في رقم ٢ من هامش ص٢٧١.
[ ٤ / ١١٧ ]
المسألة ١٣٩: الاختصاص
نسوق الأمثلة الآتية لإيضاحه:
١- قال أحد الشعراء:
قل للحوادث أقدمي، أو أحجمي إنا بنو الإقدام والإحجام
نحن النيام إذا الليالي سالمت فإذا وثبن فنحن غير نيام
من يسمع: "نا" أو: "نحن" يتردد في خاطره السؤال عن المقصود من هذا الضمير. الدال على المتكلم، وعن مدلوله، وحقيقة المتكلم به، وجنسه؛ أيكون مداوله والمقصود منه: العرب، أم: أهل العلم، أم: الأبطال، أم: أبناء الشرق أم أم؟ أم غير هؤلاء ممن لا يحصون جنسا، ولا نوعا، ولا عددا.
أيكون المراد -مثلا-: "إنا -العرب، بنو الإقدام " و"نحن -الأبطال- النيام" و فالضمائر المذكورة يشوبها عيب واضح؛ هو: عموم يخالطه إبهام تحتاج معهما إلى تخصيص وتوضع، فإذا جاء بعد كل ضمير منها اسم ظاهر، معرفة، يتفق مع الضمير في المدلول، ويختلف عنه بزيادة التحديد والوضوح -زال العيب. وتحقق الغرض. كالذي تحقق بزيادة كلمة: "العرب" وكلمة: "الأبطال". فيما سبق؛ إذ المراد منها هو المراد من الضمير قبلها؛ ولكن بغير عموم ولا غموض كالذي في تلك الضمائر، برغم أنها متجهة للمتكلم١.
٢- يقول الشاعر:
وأنا ابن الرياض، والظل، والما ء ودادي ما زال خير وداد
فمن هذا المتكلم؟ وما مدلول هذا الضمير الدال على التكلم؟ أهو شاعر، أم ناثر، أم عالم، أم زاهد؟ ، ما جنسه؟ إن الضمير: "أنا"
_________________
(١) ١ سبق في ج١ ص٢٥٥ م١٩ "باب: الضمائر" معنى: إبهام الضمير، وطريقة إيضاحه.
[ ٤ / ١١٨ ]
لا يسلم من غموض يحتاج معه إلى اسم ظاهر من نوع خاص؛ يزيل هذا العيب؛ كأن يقال: "أنا -الشاعر- ابن الرياض"، أو: "أنا -الشرقي- ابن الرياض" فمجيء هذا الاسم الظاهر، المعرفة، المعين، الواضح، الذي معناه معنى الضمير قبله -قد أزال عنه عيب العموم والإبهام.
٣- وكذلك الضمير "أنت" في قول الشاعر:
أنت في القول كله أجمل الناس مذهبا
فما الذي يظنه سامع الضمير: "أنت" الدال على الخطاب؟ أيكون المراد: "أنت -الشاعر- أجمل الناس مذهبا"، أم: "أنت - الأديب " أم محمدا - أم عليا؟ لا بد من اسم ظاهر كالأسماء التي وصفناها لإزالة العموم والإبهام عن الضمير.
٤- نشهد في عصرنا كثيرا من المتعاقدين يبدءون عقود البيع، والشراء، والمداينة، وغيرها بجملة شاعت بينهم حتى ابتذلت؛ هي: "نحن - الموقعين - على هذا، نقر ونعترف بكذا وكذا " وكلمة: "الموقعين" هي الاسم الظاهر المعرفة الذي جاء لإزالة ما في الضمير قبله من عموم وإيهام، مع اتفاق الاسم الظاهر والضمير في المدلول، وتميز الظاهر بما فيه من تجديد وإيضاح.
بالتأمل في الأمثلة السالفة -وأشباهها- نلحظ في كل أسلوب منها بعد إزالة ما في الضمير من عيب العموم والإبهام، أربعة أمور مجتمعة، تتصل بموضوعنا اتصالا أصيلا قويا.
أولها: ضمير لغير الغائب؛ يشوبه عموم وإبهام.
ثانيها: اسم ظاهر معرفة، مدلوله الضمير، ولكنه يحدد المراد من ذلك الضمير، ويخصصه، ويوضحه؛ فيزيل ما فيه من عموم وإبهام.
رابعها: امتداد ذلك الحكم إلى الاسم الظاهر المعرفة "لأنه شريك الضمير في الدالة؛ فيقع عليه ما يقع على الضمير من حكم معنوي" واختصاصه به، واقتصاره عليه؛ فيكون هذا اختصاصا واقتصارا على بعض معين مما يشمله الضمير
[ ٤ / ١١٩ ]
"ذلك" أن الضمير بعمومه يشمل أفرادا كثيرة، منها أفراد الاسم الظاهر المعرفة الذي يعتبر أقل أفرادا منه"، وإن شئت فقل: إن هذا الاسم الظاهر أخص من الضمير الذي بمعناه. ففي مثل: "نحن -العرب- بنو الإقدام والإحجام"، نجد الضمير العام المبهم هو: "نحن" والاسم الظاهر المعرفة هو: "العرب"، والحكم المعنوي الذي وقع على المبتدأ هو: "البنوة" للإقدام والإحجام. وقد خصص هذا الحكم ببعض أفراد الضمير؛ وهم: "العرب"، أي: صار خاصا بهم، مقصورا عليهم. وهكذا يقال في سائر الأمثلة، ونظائرها
فالاسم الظاهر المعرفة هو الذي يسميه النحاة في اصطلاحهم: "المختص"، أو: "المخصوص"؛ لاختصاص المعنى به، ولأنه يعرب "مفعولا به" لفعل واجب الحذف مع فاعله، تقديره الشائع عندهم، هو: "أخص"١ ويعبرون عن هذه المسألة تعبيرا اصطلاحيا بالغرض منها: وهو: "الاختصاص". ويشترطون في أسلوب الاختصاص أن تتحقق فيه الأمور الأربعة السالفة.
ويقولون في تعريفه: "إنه إصدار حكم على ضمير لغير الغائب، بعده اسم ظاهر، معرفة، معناه معنى ذلك الضمير، مع تخصيص هذا الحكم بالمعرفة، وقصره عليها".
الغرض منه:
الغرض الأصلي من الاختصاص الاصطلاحي هو: التخصيص والقصر. على الوجه المشروح فيما سلف. وقد يكون الغرض الفخر؛ نحو: "إني -العربي- لا أستكين لطاغية". "إني -الرحالة- أتعلم من الرحلة ما لا أتعلمه من الكتاب" وقول الشاعر:
لنا -معشر الأنصار- مجد مؤثل بإرضائنا خير البرية أحمدا
أو: التواضع؛ كقول أحد الخلفاء: "أنا -الضعيف العاجز- أحطم البغي، وأهدم قلاع الظالمين. وأنا -البائس الفقير- لا أستريح وبجانبي متأوه، أو محتاج"
_________________
(١) ١ لا مانع أن يكون تقديره: أعني، أو: أقصد، أو: أريد أو ما شاكل هذا إلا أن الفعل: "أخص" هو المشهور، ومن مادته جاء الاصطلاح الشائع نحويا: "الاختصاص" ولا بد من حذف هذا الفعل مع فاعله -كما أشرنا- ولهذا يعتبرون "المخصوص" هنا نوعا من "المفعول به" الذي ينصب بعامل واجب الحذف.
[ ٤ / ١٢٠ ]
أو: تفصيل ما يتضمنه الضمير من جنس، أو نوع، أو عدد ، نحو: "نحن -الناس- نخطئ ونصيب؛ والعاقل من ينتزع من خطئه تجربة تعصمه من الزلل مرة أخرى"، "نحن -المثقفين- قدوة لسوانا، فإن ساءت القدوة فالبلاء فادح". "أنتم -الأربعة الأئمة- نجوم الهداية، ومصابيح العرفان".
حكمه: الاسم١ الواقع عليه الاختصاص، "وهو: المختص، أو المخصوص": يجب نصبه دائما، على التفصيل الآتي:
١- إن كان الاسم هو لفظ "أي" في التذكير أو "أية" في التأنيث وجب بناؤهما على الضم في محل نصب٢؛ على المفعولية، ووجب أن يتصل بآخرهما كلمة: "ها" التي للتنبيه، وأن يلتزما هذه الصيغة التي لا تتغير إفرادا، ولا تثنية، ولا جمعا، ولا بد أن يكون لكل منهما نعت لازم الرفع بغير بناء ولا إعراب، "لأن حركة الرفع هذه هي مجرد ظاهرية صورية٣ لمجاراة "أي، وأية" ومماثلتهما فيها، تجيء تبعا للفظهما المبني"، وأن يكون هذا النعت مبدوءا بأل التي للعهد الحضوري؛ نحو: "أنا، الجندي، فهداء وطني". "نحن، أيها الجنديان، نقضي الليل ساهرين". "نحن، أيها الجنود، حماة الأوطان". "أنا، أيتها الصانعة، حريصة على الإتقان". "نحن، أيتها الصانعتان، حريصتان على الإتقان" "نحن، أيتها الصانعات، حريصات على الإتقان ".
فالضمير في كل ما سبق، مبتدأ. وكلمة "أي، أو: أية" مفعول به لفعل واجب الحذف مع فاعله، تقديره -مثلا: "أخص" وهي مبنية على الضم في محل نصب. و"ها" حرف تنبيه مبني على السكون، والاسم المعرفة المقرون بأل، نعت مرفوع حتما، رفع إتباع للناحية الشكلية اللفظية وحدها. وليس له محل٣ إعرابي
_________________
(١) ١ هذا الاسم أربعة أنواع، يجيء بيانها في الزيادة ص١٢٥. ٢ يقول النحاة إنهما بنيا هنا حملا لهما على النداء؛ لأن أسباب البناء لا تنطبق عليهما. والحق أن علة بنائهما على الضم هنا وفي باب النداء هي الاستعمال العربي وحده. "وفي صدر الجزء الأول بيان الأسباب التي ذكروه اللبناء، ثم تفنيدها". ٣ و٣ التحقيق أن ضمته إتباع صوري لفظي "كما سبق في باب النداء ص٤٥ و٤٩"؛ إذ لا مقتضى للرفع الإعرابي، ولا للبناء، فهي محض حركة صورية -فيما يقال- ولكن انظر تفصيل الكلام في هذا الحكم الهام في رقم ١ من هامش ص٤٧.
[ ٤ / ١٢١ ]
مطلقا، مع أنه تابع للفظ كلمتي: "أي وأية" المبنيتين على الضم لفظا، وإن كانتا منصوبتين محلا -كما سبق.
ويصح تأخيرهما في نهاية الجملة؛ مثل: "نحن أنصار الحق أيها الطلاب" "نحن أنصار الفضيلة أيتها الفتيات "١.
٢- إن كان الاسم المختص لفظا آخر غير: "أي وأية" وجب نصبه، سواء أكان مضافا أم غير مضاف، نحو: "أنا - الطبيب - لا أتوانى في إجابة الداعي ": "أنا - طالب العلم - لا تفتر رغبتي فيه"٢.
أوجه التشابه والتخالف بين الاختصاص والنداء:
بين الاختصاص والنداء تشابه في أمور، وتخالف في أخرى. فيتشابهان في ثلاثة أمور٢:
أولها: إفادة كل منهما الاختصاص وهو في هذا الباب خاص بالمتكلم أو المخاطب. وفي باب النداء خاص بالمخاطب.
ثانيها: أن كلا منهما للحاضر "أي المتكلم أو المخاطب"٣ ولا يكون ضمير غائب.
ثالثها: أن الاختصاص يؤدي -بسبب ما فيه من تحديد وإيضاح- إلى تقوية المعنى وتوكيده، وقد يتحقق هذا في النداء كذلك أحيانا؛ كقولك لمن هو مصغ إليك، مقبل على حديثك: إن الأمر -يا فلان-٤ هو ما فصلته لك٥
_________________
(١) ١ إعراب هذه الجملة الفعلية المحذوفة موضح في "ب" ص١٢٥. ٢ و٢ يردد النحاة هذه الأوجه لإثبات المشابهة. والحق أن هذه المشابهة واهية، ولا يكاد أمرها يقوى إلا في "أي وأية" بسبب بنائهما على الضمر في محل نصب، ووجود حرف التنبيه والنعت بعدهما، وكل هذا مع الأمور الثلاثة السالفة. ٣ يلاحظ أن النداء كما سبق في بابه، ص١ وفي هامش ص٦٨ -لا يكون المتكلم. ٤ ويذكر اسمه الحقيقي في النداء. ٥ سبقت الإشارة لهذا في رقم ٢ من هامش ص١.
[ ٤ / ١٢٢ ]
ويختلفان في أمور: بعضها لفظي، والآخر معنوي، فاللفظية أشهرها:
١- أن الاسم المختص لا يذكر معه حرف نداء مطلقا، لا لفظا، ولا تقديرا، "لا "يا"، ولا غيرها".
٢- أنه لا يكون في صدر الجملة وإنما يكون بين طياتها -كالأمثلة السالفة- أو في آخرها: نحو: اللهم ساعدنا على النصر -أيها الجنود، أو أيتها الكتيبة.
٣- أنه لا بد أن يسبقه ضمير بمعناه في التكلم١ أو الخطاب -والغالب أن يكون ضمير تكلم. ولا يصح أن يكون ولا يصح أن يكون السابق ضمير غيبة، ولا اسما ظاهرا. ومن أمثلة ضمير الخطاب قولهم في الدعاء: "سبحانك الله العظيم"، و"وبك -الله- نرجو الفضل"، بنصب كلمة: "الله" فيهما.
٤- أن الاسم المختص منصوب دائما في لفظه. علما كان أو غير علم إلا "أي وأية" فإنهما مبنيتان على الضم لفظا، منصوبتان محلا أما المنادى فإن العلم والنكرة المقصودة مبنيان فيه -في الأغلب- على الضم في محل نصب، وكذا: أي، وأية، يبنيان في النداء على الضم في محل نصب.
٥- أنه يقل أن يكون علما -ومع قلته جائز- نحو: أنا -خالدا- حطمت أصنام الجاهلية.
٦- أنه يكثر تصديره "بأل" بخلاف المنادى فلا يجوز اقترانه بأل إلا في بعض حالات سبق سردها٢.
٧- أنه لا يكون نكرة. ولا اسم إشارة. ولا ضميرا. ولا اسم موصول.
٨- أن "أيا وأية" هنا لا توصفان باسم إشارة. بخلافهما في النداء، وأن صفتهما واجبة الرفع الصوري اتفاقا. بخلافهما في النداء٣.
٩- أن "أيا" مختصة هنا بالمذكر مفردا، ومثنى، وجمعا، ولا تستعمل للمؤنث
_________________
(١) ١ سواء أكان ضمير المتكلم خاصا به وحده، أم شاركه فيه غيره؛ فالخاص مثل: "أنا" والآخر مثل: "نحن". ٢ في ص٣٦. ٣ في رقم ٢ من ص٤٥ ورقم ٣ من هامش ص٤٦ ما يوضح هذا الخلاف.
[ ٤ / ١٢٣ ]
بخلافها في النداء، كما أن "أية" مختصة هنا وفي النداء، بالمؤنث مفردا ومثنى، وجمعا، ولا تكون للمذكر.
١٠- أنه لا يرخم اختيار، ولا يستغاث به، ولا يندب
١١- أن العامل هنا محذوف وجوبا مع فاعله بغير تعويض، أما في النداء فحرف النداء عوض عنهما. وأن الفعل المحذوف هنا تقديره -غالبا- "أخص" أو: ما بمعناه. أما في النداء فالفعل تقديره: أدعو: أو: أنادي، أو: ما بمعناها والمعنوية أشهرها:
١- أن الكلام مع الاختصاص خبر، ومع النداء إنشاء.
٢- أن الغرض الأصلي من الاختصاص هو قصر المعنى على الاسم المعرفة، وتخصيصه من بين أمثاله بما نسب إليه. وقد يكون الغرض هو: الفخر، أو التواضع أو: "زيادة البيان: -كما شرحنا- وأما الغرض من النداء الأصيل١ فطلب الإقبال، بالتفصيل الذي سردناه٢ في بابه٣
_________________
(١) ١ دون النداء الذي خرج عن الغرض الأصلي إلى غيره. ٢ ص١ وما بعدها وح من ص٥. ٣ وقد اقتصر ابن مالك في بيان ما سبق كله، على بيتين دونهما في باب مستقل عنوانه: الاختصاص، قال: الاختصاص: كنداء دون "يا" كأيها الفتى؛ بإثر: ارجونيا أي كقولك ارجوني أيها الفتى، بوقوع: "أيها الفتى" إثر: "ارجوني"، أي: على إثرها، وبعدها. ثم قال: وقد يرى ذا دون "أي" تلو "أل" كمثل: نحن العرب أسخى من بذل أي: قد يرى الاختصاص مستعملا من غير كلمة "أي" وأية" فيه. يريد: من غير أن يكون الاسم المختص هو لفظ: "أي، أو، أية" وإنما يكون اسما مشتملا على "أل" كالمثال الذي ساقه، وهو: "نحن -العرب- أسخى من بذل"، أكرم من أعطى ماله. فكل ما يفهم من البيتين هو أن الاختصاص كالنداء، لكن من غير حرف نداء مطلقا، وأن لفظه قد تكون: "أي وأية"، وأن الاختصاص قد يستغني عنهما باسم ظاهر "وأل" وهذا الكلام مبتور.
[ ٤ / ١٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- يفهم مما سبق أن الاسم المختص "المخصوص" أربعة أنواع.
الأول منها مبني على الضم وجوبا، في محل نصب وهو: "أي" للمذكر و"أية" للمؤنث؛ مع التزام كل صيغة بصورتها في جميع استعمالاتها، ووقوع "ها" التي للتنبيه بعدهما، ومجيء نعت لهما مقرون بأل التي للعهد الحضوري.
أما الثلاثة الباقية فواجبه النصب، وهي: المقرون بأل، نحو: "نحن -الشرفاء- فترفع عن الدنايا". والمضاف، نحو: "أنا -صانع المعروف- لا أرجو عليه جزاء". والعلم -وهو أقل الأربعة استعمالا- نحو: "أنا -عليا- لا أهاب في سبيل الحق شيئا".
ب- الاسم المختص منصوب بفعل محذوف وجوبا مع فاعله، والجملة -في الغالب- تكون في محل نصب، حالا من الضمير الصالح قبلها لأن يكون صاحب حال١؛ كالتي في مثل: ارجوني٢ أيها الفتى. وفي مثل: ربنا اغفر لنا أيتها الجماعة٣.
وقد تكون أحيانا معترضة: مثل: نحن -الحكام- خدام الوطن. أي: أخص الحكام. فهذه معترضة بين المبتدأ وخبره. ومثلهاك إنا -معاشر الأنبياء- لا نورث٤.
_________________
(١) ١ فليس منه الضمير الذي يعرب مبتدأ في رأي كثير من النحاة -وإن كان في رأيهم تعسف كما سيجيء هنا في رقم٤. ٢ التقدير: ارجوني حال كوني مخصوصا من بين الفتيان -اغفر لنا حال كوننا مخصوصين بين الجماعات. وقد نص النحاة على إعراب واو الجماعة فاعلا لفعل الأمر، وعلى إعراب جملتي الاختصاص في المثالين حالين من الياء، ونا. ٣ فلا يكون لها محل من الأعراب؛ كالشأن في كل الجمل المعترضة. ٤ كانت الجملة هنا معترضة لتوسطها بين شيئين متلازمين؛ قبل أن يستوفى أولهما ما يلزم له. وقد نص النحاة على أنها معترضة، ولم يعربوها هنا حالا من الضمير الذي قبلها -كما أعربوها في المثالين السابقين- فرارا من مجيء الحال مما أصله المبتدأ؛ إذ الشائع بين كثرتهم ألا يكون صاحب الحال مبتدأ، ولا أصله مبتدأ، وقد عرضنا -في الجزء الثاني، باب: الحال م٨٤ ص٣٣٩ وم٨٥ ص٣٧٧- لهذا الشائع، وانتهينا إلى تخطئته بالحجة القوية. وإذًا لا مانع أن تكون جملة الاختصاص الفعلية في المثالين الأخيرين وأشباههما جملة حالية أو معترضة، بل إنها في الحالية أنسب للغرض، وأوضح.
[ ٤ / ١٢٥ ]
المسألة ١٤٠: التحذير والإغراء
أ- التحذير: "تنبيه المخاطب على أمر مكروه؛ ليجتنبه"١. والأصل في أسلوب التحذير أن يشتمل على ثلاثة أمور مجتمعة:
أولها: "المحذر"، وهو المتكلم الذي يوجه التنبيه لغيره.
ثانيها: "المحذر"، وهو الذي يتجه إليه التنبيه.
ثالثها: "المحذور"، أو "المحذر منه"، وهو: الأمر المكروه الذي يصدر بسببه التنبيه.
ولكن هذا الأصل قد يعدل عنه أحيانا كثيرة، فيقتصر الأسلوب على بعض تلك الأمور الثلاثة -كما سنعرف.
ولأسلوب التحذير -بمعناه اللغوي العام-٢ صور مختلفة؛ منها: صورة الأمر؛ كالذي في قول الشاعر:
احذر مصاحبة اللئيم، فإنها تعدي كما يعدي السليم الأجرب
ومنها: صورة النهي؛ كقول الأعرابي في لغته، وقد فتنته:
لا تلمني في هواها ليس يرضيني سواها
ومنها: الصورة المبدوءة بالضمير "إياك"٣ وفروعه الخاصة بالخطاب٤
_________________
(١) ١ هذا تعريف لغوي يردده -بنصه- كثير من النحاة. ولكن يفضل بعضهم أن يقال: "إنه اسم منصوب، معمول للفعل: "أُحذر" المحذوف، ونحوه". لأن هذا يناسب مهمة النحو التي هي البحث في أحوال الكلم إعرابا وبناء. وأيضا ليدخل في التعريف نحو قول الشاعر: بيني وبينك حرمة الله في تضييعها بنصب كلمة: "الله" بعامل محذوف تقديره: احذر، أو: اخش، أو: اتق، أو نحو ذلك فبناء على التعريف اللغوي يكون: "الله" هو الأمر المكروه؛ وهذا لا يليق. ٢ الذي يشمل "الاصطلاحي" الآتي، وغير الاصطلاحي. ٣ بكسر الهمزة، مجاراة لأفصح اللغات، وأشهرها، ويجوز فتحها في لغة، كما يجر قلبها "هاء مكسورة" في لغة أخرى ٤ هي: إياك، وإياكما، وإياكم، وإياكن.
[ ٤ / ١٢٦ ]
كالذي في قول أعرابية لابنها: "إياك والنميمة١. فإنها تزرع الضغينة٢، وتفرق بين المحبين. وإياك والتعرض للعيوب؛ فتتخذ غرضا٣؛ وخليق٤ ألا يثبت الغرض على كثرة السهام " وقولهم: "إياكم وثورة الغضب فإنها تجلب المرض وسوء العاقبة". إلى غير هذا من العبارات والصور المتعددة التي تحقق "التحذير" بمعناه اللغوي العام.
غير أن الكثير من الصور السالفة لا يخضع لأحكام هذا الباب. ولا تنطبق عليه ضوابطه النحوية وقواعده؛ لأن هذه الضوابط والقواعد والأحكام، لا تنطبق إلا على خمسة أنواع "اصطلاحية"؛ يسمونها: "صور التحذير الاصطلاحي"، هي -وحدها- المقصودة من هذا الباب بكل ما يحويه. ولا سيما اشتمال كل منها على اسم منصوب يعرب مفعولا به لفعل محذوف مع مرفوعه، وفيما يلي بيان هذه الأنواع الخمسة الاصطلاحية:
النوع الأول: صورة تقتصر على ذكر "المحذر منه" "وهو: الأمر المكروه" اسما ظاهرا٥، دون تكرار، ولا عطف مثيل له عليه -والمراد بالمثيل هنا؛ محذر منه. آخر؛ كتحذير الطفل من النار؛ بأن يقال له: النار، وكتحذيره من سيارة؛ بأن يقال له: السيارة.
وحكم هذا النوع: جواز نصبه بفعل محذوف جوازا هو ومرفوعه. فكلمة: "النار" أو "السيارة" يجوز نصبها على اعتبارها مفعولا به لفعل لمحذوف جوازا تقديره مثلا: احذر النار - احذر السيارة. والفاعل ضمير محذوف معه أيضا؛ تقديره: أنت. ويجوز تقدير فعل آخر يناسب المعنى والسياق من غير تقيد بشيء في اختياره إلا موافقة المعنى. وصحة التركيب، مثل: اجتنب النار - اجتنب السيارة أو: حاذر، أو: جانب
وفي كل هذه الأمثلة يصح حذف الفعل وفاعله معا. أو ذكرهما معا٦،
_________________
(١) ١ السعي بين الناس بالإفساد. ٢ الحقد والعداوة. ٣ هدفًا تصوب إليه السهام. ٤ جدير، أمر محقق ٥ أي: ليس ضميرا. ٦ مع ملاحظة أن الضمير المستتر نوع من الضمير المذكور -لا من المحذوف- طبقات لما سبق إيضاحه في باب الضمير ج١.
[ ٤ / ١٢٧ ]
فيقال: النار، أو اجتنب النار.. كما يصح ضبط "المحذر منه" ضبط آخر غير النصب، كالرفع؛ فيقال: النار، على اعتباره -مثلا- مبتدأ خبره محذوف. لكنه في حالة التصريح بفعله لا يدخل في عداد الأساليب الاصطلاحية الخمسة، وكذلك في حالة ضبطه بغير النصب، إذ الشرط الأساسي في التحذير الاصطلاحي. أن يكون الاسم منصوبا على أنه: "مفعول به"، وناصبه عامل محذوف هو مرفوعه١. معا.
النوع الثاني: صورة تشتمل على ذكر "المحذر منه" اسما ظاهرا٢؛ إما مكررا، وإما معطوفا عليه مثله مثله بالواو -دون غيرها؛ نحو: البرد البرد - البرد والمطر.
وحكم هذا النوع: وجوب نصب الاسم في الصورتين بعامل محذوف مع مرفوعه وجوبا٢. ويراعى في تقديره موافقته للمعنى وصحة التركيب؛ نحو: "احذر البرد البرد - احذر البرد والمطر". أو: تجنب أو اتق فحكم هذا النوع: وجوب النصب، ووجوب حذف العامل ومرفوعه معا. ويتعين في صورة "التكرار" أن يكون الاسم الثاني توكيدا لفظيا، وفي حالة "العطف" أن يكون حرف العطف هو: "الواو" -دون غيرها- وما بعدها معطوف على الاسم قبلها عطف مفردات، لا عطف جمل.
النوع الثالث: صورة تشتمل على ذكر اسم ظاهر٣ مختوم بكاف خطاب للمحذر؛ بحيث يكون هذا الاسم هو الموضع أو الشيء الذي يخاف عليه، سواء أكان مكررا أم غير مكرر، معطوفا عليه بالواو مثيل له -أي: "محذر آخر" أم غير معطوف. ولا بد في صورة العطف أن يكون المعطوف "محذرا" أيضا "المعطوف عليه"؛ كأن يقال لمن يحاول لمس طلاء سائل: يدك -أو: يدك يدك- أو: كأن يقال لمن يحاول لمس طلاء سائل: يدك -أو: يدك يدك- أو: يدك وملابسك. والتقدير: أبعد يدك - أبعد يدك وملابسك ، أو: صن يدك ، صن يدك وملابسك ويصح اختيار عامل محوف آخر يناسب السياق والتركيب
_________________
(١) ١ والداعي البلاغي للحذف هو ضيق الوقت؛ لأن أكثر حالات التحذير تتطلب الإسراع، لينتبه المخاطب قبل فوات الفرصة، كي لا يصيبه المكروه بفواتها. ٢ أي: ليس ضميرا -كما سبق. ٣ لهذا إيضاح آخر، يجيء في: "د" في "د" من الزيادة والتفصيل من ١٣٤ و١٣٥.
[ ٤ / ١٢٨ ]
وحكم هذا النوع: وجوب نصب الاسم السابق الذي تكرر، وكذلك المعطوف عليه. والناصب لهما عامل محذوف مع مرفوعه وجوبا١ وما بعد الواو معطوف على ما قبلها عطف مفردات، أما الذي جاء تكرار فتؤكيد لفظي.
فإن كان الاسم منفردا "أي: ليس مكررا ولا معطوفا عليه" فحكمه حكم النوع الأول الذي يجوز نصبه بعامل محذوف مع مرفوعه جوازا -لا وجوبا- فيصح إظهار عامله وحذفه، كما يصح ضبطه بغير النصب؛ فإذا ظهر عامله أو كان الضبط بغير النصب فلن يكون من أساليب "التحذير الاصطلاحي"؛ -كما أوضحنا في ذلك النوع.
النوع الرابع: صورة تشتمل على اسم ظاهر مختوم بكاف خطاب للمحذر، ويكون هذا الاسم كما في النوع السالف هو الموضع أو الشيء الذي خاف عليه، ولكن قد عطف عليه الواو -دون غيرها- "المحذر منه"؛ نحو: يدك والسكين -رأسك وحرارة الشمس- مواعيدك والخلف. فالمعطوف هنا "محذر منه"، بخلافه في النوع السالف الذي يكون فيه المعطوف "محذرا" ٢.
وحكم هذا النوع: وجوب نصب الاسم الظاهر والمعطوف، وأن يكون عامل النصب محذوفا مع مرفوعه وجوبا٣. والأيسر والأسهل اختير عاملين مناسبين٤ أحدهما: للمعطوف عليه. والآخر: للمعطوف. ولا يراعى في اختيارهما إلا مناسبتهما للسياق والتركيب؛ كأن يقال: صن يدك وأبعد السكين -احفظ رأسك؛ واحذر حرارة الشمس- تذكر مواعيدك، وتجنب الخلف وأمثال هذا مما هو مناسب. وعلى هذا التقدير يكون أسلوب التحذير جملتين تشتمل السابقة منهما على الموضع أو الشيء الذي يخاف عليه، ويتجه إليه التحذير،
_________________
(١) ١ لهذا الحكم إيضاح آخر يجيء في "د" و"هـ" من الزيادة والفصيل، ص١٣٤ و١٣٥. ٢ الفرق بين هذا النوع وسابقه. أن هذا النوع لا بد فيه من معطوف يكون محذرا منه. أما السابق فقد يوجد معطوف أو لا يوجد، وإن وجد وجب أن يكون اسما ظاهرا موضوعا للخوف عليه، وليس محذرا منه. ٣ لهذا الحكم إيضاح يجيء في: "د" و"هـ" من الزيادة ص١٣٤ و١٣٥. ٤ وقد يمكن اختيار عامل واحد يستقيم معه المعنى، ويساير الضوابط العامة. وفي هذه الحالة يكون العطف عطف مفردات.
[ ٤ / ١٢٩ ]
وتشتمل المتأخرة على "محذر منه" وبين الجملتين واو العطف؛ تعطف الجملة الثانية على الأولى؛ فيكون العطف عطف جمل، لا مفردات١
النوع الخامس: صورة تشتمل على ذكر المحذر ضميرا منصوبا للمخاطب، هو: "إياك"٢ وفروعه. وبعده "المحذر منه"، اسما مسبوقا بالواو -دون غيرها- أو غير مسبوق بها، أو مجرورا بالحرف: "من". فلا بد في هذا النوع من ذكر "المحذر" ضميرا معينا، ثم "المحذر منه". فمثال المسبوق بالواو قول الأعرابية لابنها: "إياك والجود بدينك، والبخل بمالك ". وقولهم: إياكم والدين؛ فإنه هم بالليل، ومذلة بالنهار. ومثال غير المسبوق بها قولهم: "إياكم تحكيم الأهواء السيئة؛ فإن عاجلها ذميم، وآجلها وخيم. ومن أمات هواه أحيا كرامته". وقول الشاعر:
إياك إياك المراء٣؛ فإنه إلى الشر دعاء، وللشر جالب
ومثال المجرور بمن قولهم: "إياك من مؤاخاة الأحمق؛ فإنه يريد أن ينفعك فيضرك". وقولهم: "إياك من عزة الغضب الطائش؛ فإنها تفضي إلى ذلة الاعتذار المهين".
وحكم هذا النوع: وجوب ذكر المحذر منه بد الضمير "إياك" وفروعه، ووجوب نصب هذا الضمير٤؛ باعتباره مفعولا به لفعل واجب المحذف مع مرفوعه، وتقديره: "أحذر"، والأصل: "أحذرك". ثم أريد تقدير: "الكاف" لداع بلاغي؛ هو: "إفادة الحصر"؛ فمنع من تقديمها أنها ضمير متصل لا يستقل بنفسه، ولا يوجد إلا في ختام كلمة أخرى. فلم يكن بد -عند إرادة تقديمه- من الاستغناء عنه، والإتيان بضمير آخر منصوب، له معناه، ويمتاز بأنه يستقل
_________________
(١) ١ هناك تقديرات وإعرابات أخرى لا تسلم من تعقيد أو صعوبة. ولا حاجة لنا بها بعد أن تلاقت الآراء المختلفة عند وجوب نصب المتعاطفين، ووجوب حذف عامل النصب مع مرفوعه. أما الخلاف العنيف في غير هاتين الناحيتين فيريحنا منه الالتجاء إلى الطريقة التي تخيرناها. ٢ الأحسن اعتبار "إيا" ومعها علامة الخطاب التي بعدها، هما الضمير المنصوب، ولا داعي لاعتبار الضمير هو: "إيا"، واعتبار ما بعده حرف خطاب. "وقد سبق إيضاح هذا وتفصيل الكلام عليه في موضعه من باب: "والضمير" ج١ ص١٦٣ م١٩". ٣ الطعن في كلام غيرك بقصد تكذيبه، وتحقيره. ٤ للحكم إيضاح يجيء في "د وهـ" من الزيادة والتفصيل ص١٣٤ و١٣٥.
[ ٤ / ١٣٠ ]
بنفسه، وهو الضمير: "إياك" فصار الكلام: "إياك أحذر" ثم حذف الفعل والفاعل معا؛ مجاراة للمأثور من الكلام الفصيح الذي يطرد فيه هذا الحذف الواجب.
أما الاسم الظاهر المذكور بعد "إياك" وفروعها فإن سبقته واو العطف وجب نصبه بفعل محذوف مع مرفوعه وجوبا. والأحسن الأيسر -اختيار فعل خاص به يناسبه ويساير المقام، ويكون غير الفعل الناصب للضمير "إياك" فيجتمع في الأسلوب فعلان محذوفان مع مرفوعيهما. ففي المثالين السابقين١: "إياك والنمية"، "إياك والتعرض للعيوب " يكون التقدير؛ إياك أحذر، وأبغض النميمة، إياك أحذر، وأقبح التعرض للعيوب. بمعنى: أحذرك وأبغض وأقبح
ويصح أن يكون التقدير: إياك احفظ٢، واحذر النميمة، إياك احفظ٢، واترك التعرض للعيوب وهكذا من غير تقيد بشيء إلا نصب الاسم بعد الواو، واختيار فعل -أي فعل- يناسب المقام، ويساير الأسلوب الصحيح. وعلى هذا تكون الواو حرف عطف، والجملة بعدها معطوفة على الجملة التي قبلها، وبالرغم من حذف الفعل ومرفوعه في كل جملة؛ يراعى المحذوف هنا في العطف كأنه مذكور؛ ففي الأسلوب جملتان، الثانية منهما معطوفة بالواو على الأولى.
فإن لم تكن الواو مذكورة فالأسهل إعراب المنصوب بعدها مفعولا به للفعل: "أحذر" المحذوف؛ لأنه قد ينصب مفعولين بنفسه مباشرة. فأول المفعولين هو: "إياك" وفروعه، وثاني المفعولين هو الاسم الظاهر الواقع بعد الضمير "إياك"، وفروعه، أما إذا قلنا: "إياك من النميمة ". "إياك من التعرض للعيوب ". فإن الجار مع مجروره متعلقان بالفعل المحذوف وجوبا؛ وهو: "أحذر"؛ المحذوف؛ لأنه قد ينصب مفعولين بنفسه مباشرة. فأول المفعولين هو: "إياك وفروعه، وثاني المفعولين هو الاسم الظاهر الواقع بعد الضمير "إياك"، وفروعه، أما إذا قلنا: "إياك من النميمة ". "إياك من التعرض للعيوب ". فإن الجار مع مجروره متعلقان بالفعل المحذوف وجوبا. وهو: "أحذر"؛ لأنه قد يتعدى -أيضا-
_________________
(١) ١ في ص١٢٧. ٢ و٢ والأصل: احفظ نفسك واحذر النميمة، أو: باعد نفسك و حذف الفعل وفاعله فصار الكلام: نفسك واحذر النميمة، ثم حذف المضاف "نفس" وأقيم لمضاف إليه "وهو: الكاف" مقامه، فصار منصوبا مثله؛ وأتينا بدله بضمير منفصل؛ هو: "إياك"، للسبب الذي بيناه في الصفحة السالفة. ونعود فنكرر هنا ما رددناه -وما سيجيء "في" "ا" - ص١٣٣؛ وهو: أن تقدير الفعل المحذوف في جميع مسائل هذا الباب وغيره متروك للمتكلم يختاره بغير قيد، إلا قيد المناسبة للسياق، ومسايرته للتركيب الصحيح. ومن المسايرة للتركيب الصحيح ألا تعطف الجملة الثانية على الأول إذا كانت إحداهما خبرا والأخرى إنشاء، طبقا للرأي الأقوى.
[ ٤ / ١٣١ ]
لمفعولين؛ ينصب أحدهما بنفسه مباشرة، ويتعدى للآخر بحرف الجر: "من".
وفي جميع الصور السالفة يجوز تكرار الضمير "إياك" وعدم تكراره؛ فلا يتغير شيء من الأحكام المتقدمة. وعند التكرار يعرب "إياك" الثاني توكيدا لفظيا للأول.
ولا يصح أن يكون الضمير "إيا" المحذر مختوما بغير علامة الخطاب١ فلا يقال: إياي ومعاونة الظالم، ولا إياه ومعاونة الظالم؛ لأن المتكلم لا يحذر نفسه، ولا يحذر الغائب. وقد وردت أمثلة نادرة من هذا النوع الممنوع، لا يصح القياس عليها.
لكن يصح أن يكون "المحذر منه" ضميرا غائبا معطوفا على "المحذر"؛ نحو: لا تصاحب الأحمق، وإياك وإياه. فالضمير "إياه" في حكم كلمة "النميمة" في مثال: "إياك والنميمة " ومن هذا قول الشاعر القديم:
فلا تصحب أخا الجهل وإياك وإياه
وعلى هذا لا يكون التحذير بضميري الغائب والمتكلم شاذا إلا إذا كان محذرا لا محذرا منه٢
يمكن تلخيص الأحكام السابقة كلها فيما يأتي:
١- إن كان أسلوب التحذير مصدرا بالضمير "إياك وفروعه -وجب في كل الأحوال نصب هذا الضمير بعامل محذوف مع مرفوعه وجوبا. سواء في هذا أن يكون الضمير مكررا أم غير مكرر، عطف عليه، أم لم يعطف عليه، جر بعده المحذر منه" أم نصب
٢- إن كان أسلوب التحذير غير مصدر بالضمير "إياك" وفروعه وجب نصب الاسم الظاهر بعامل محذوف مع مرفوعه وجوبا؛ بشرط العطف أو التكرار٣. فإن لم يوجد عطف ولا تكرار جاز النصب بعامل محذوف مع مرفوعه جوازا؛ فيصح إظهارها، كما يصح ضبط الاسم بغير النصب. وفي حالة إظهارهما، أو ضبط الاسم بغير النصب -حيث لا عطف ولا تكرار فيهما- لا يتعين الأسلوب للتحذير
_________________
(١) ١ غيرها هو علامة التكلم، أو الغياب. ٢ راجع الخضري. ٣ انظر " د وهـ" -ص١٣٤ و١٣٥- في الزيادة والتفصيل التاليين، حيث ترى إيضاحا وتكميلا.
[ ٤ / ١٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- تضمنت المراجع المطولة جدلا يصدع الرأس في تقدير عامل النصب المحذوف في التحذير -ولا سيما ناصب الضمير "إياك وفروعه"- أهو الفعل: أحذر، أم باعد، أم اجتنب، أم احذر؟ أينصب مباشرة أم لا ينصب إلا على تأويل آخر و
والأمر لا يحتاج لكل هذا. وخير ما يقال في شأن المحذوف هو ما سجله بعض المحققين، ونصه١: "الحق أني قال: لا يقتصر على تقدير: "باعد"، ولا على تقدير: "احذر" ؛ بل الواجب تقدير ما يؤدي الغرض؛ إذ المقدر ليس أمرا متعبدا به لا يعدل عنه"١.
وهذا رأي نفيس، صادق، يجب اتخاذه دستورا عند تقدير المحذوف في التحذير، وفي الإغراء، وفي غيرهما من كل ما يحتاج إلى تقدير.
ب- يقول بعض النحاة إن الضمير: "إياك" وفروعه منصوب بفعل محذوف مع فاعله، وأن فاعله الضمير عاد فاستتر في الضمير "إياك" وصار "إياك" مغنيا عن التلفظ بالفعل المحذوف، ففي مثل قولهم: "إياك والحسد، فإنه يؤثر فيك أسوأ الأثر، ولا يؤثر في عدوك " نجد في لفظ إياك ضميرين:
أحدهما: هذا البارز المنفصل المنصوب، وهو: "إياك".
والآخر: ضمير رفع، مستكن فيه، منتقل إليه من الفعل الناصب له، ويترتب على هذا أنك إذا أكدت: "إياك: توكيدا معنويا بالنفس، أو بالعين، قلت: إياك نفسك، أو إياك أنت نفسك، بفصل أو بغير فصل؛ طبقا لقواعد التوكيد المعنوي بالنفس والعين. أما إذا أكدت ضمير الرفع المستكن فيه فإنك تقول مراعاة لتلك القواعد: إياك أنت نفسك، بالفصل بالضمير المنصوب "إياك": فتقول إياك والصديق، والسفهاء. أو إياك أنت والصديق، والسفهاء؛
_________________
(١) ١ و١ راجع حاشية الصبان ج٣ أول باب: "التحذير".
[ ٤ / ١٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بفصل أو بغير فصل، ومن الأول الذي لا فصل فيه قولهم١: "إياكم والكبر، والسخف، والعظمة٢، فإنها عداوة مجتلبة٣ من غير إحنة"٤. وتقول عند العطف على الضمير المرفوع وحده: إياك أنت والصديق، بالفصل.
وكل ما تقدم مبني على أن الضمير الفاعل ينتقل من الفعل المحذوف. ويستتر في "إياك" وإخوانه. وهو رأي لا يأخذ به فريق آخر يقرر أن الفعل وفاعله حذفا معا، ولم يرجع الفاعل المحذوف ليستكن في "إياك" وفروعه. فليس معنا إلا ضمير واحد هو الضمير المنصوب البارز "إياك وفروعه".
والأخذ بهذا الرأي أولى؛ لبعده من التكلف والعقيد؛ ولأن الفريق الأول لم يؤيد رأيه -فيما رجعت إليه- بأمثلة من الكلام الفصيح يكون لها وحدها القول الفصل.
ج- يقول الرضي: "إن "المحذر منه" المكرر يكون اسما ظاهرا؛ نحو: الأسد الأسد، وسيفك سيفك. ويكون مضمرا؛ كإياك إياك، وإياه إياه: وإياي إياي".
والأحسن العدول عن المضمر لندرة الأمثلة الواردة نه قدرة لا تبيح القياس عليه، ولا سيما ضمير غير المخاطب.
د- قد يرفع، المكرر والمعطوف في أسلوب التحذير -وفي أسلوب الإغراء، وسيأتي قريبا-٥ وفي هه الحالة لا يكون الأسلوب تحذيرا اصطلاحيا. قال الفراء في قوله تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ ، نصبت كلمة: "ناقة" على التحذير٦. ولو رفعت على إضمار مبتدأ مثل كلمة: "هذه" لجاز. وكان التقدير: هذه ناقة الله؛
_________________
(١) ١ ما يأتي بعض وصية طويلة لعبد الحميد الكاتب ينصح فيها الكتاب "وهم: الأدباء" ويوضح آداب الكتابة بعد أن صار زعيم الكتاب في عصره، والكاتب الخاص لمروان بن محمد، آخر خلفاء الأمويين. وقد قتل عبد الحميد سنة ١٣٢ هـ وهي السنة التي قامت فيها الدولة العباسية بعد أن أبادت الدولة الأموية. ٢ المراد بها: الكبر. ٣ مجلوبة، يجرها صاحبها على نفسه بعمله، وليس البد منها أمرا خارجا عن اختياره. ٤ الإحنة: العداوة، يريد: أن المرء يجلب لنفسه العداوة بسبب تلك الصفات. لا بسبب عداوة وإساءة سبقت إليه؛ فهو يدفع ضررها عنه. ٥ في ص١٣٦. ٦ ويجوز أن تكون منصوبة على الإغراء -كما سيجئ في رقم٣ من هامش ص١٣٦.
[ ٤ / ١٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لأن العرب قد ترفع ما فيه معنى التحذير.
هـ- يصح في كثير من أمثلة التحذير المشتملة على الواو أن تكون هذه الواو للمعية إذا استقام المعنى عليها؛ نحو: يدك والسيف -أصابعك والحبر فلا مانع هنا أن تكون الواو للمعية، والمراد: راقب يدك مع السيف -باعد أصابعك مع الحبر أو نحو هذا التقدير؛ فالاعتبار الأول دائما هو للمعنى وصحة التركيب. فإن اقتضى العطف وحده، أو المعية وحدها، أو جوازها ، نزلنا على حكمه؛ كما سبق١.
وألحق بالتحذير والإغراء ألفاظ سنعرضها في آخر الإغراء في: "ب" قسم الزيادة٢.
ز- الأغلب في أساليب التحذير أن تكون من نوع الإنشاء الطلبي؛ تبعا لعاملها الدال على هذا النوع. فإن لم يكن دالا على الإنشاء الطلبي فهي خبرية.
_________________
(١) ١ في "أ" ص١٣٣ ٢ في ص١٣٨.
[ ٤ / ١٣٥ ]
ب- الإغراء:
هو: تنبيه الخاطب على أمر محبوب ليفعله١: نحو: "العمل العمل، فإنه مفتاح الغنى، والطريق إلى المجد". فالمتكلم به، هو: "المغري" المخاطب هو: "المغرى" والأمر المحبوب هو: "المغرى به". وعلى هذه الثلاثة مجتمعة يقوم أسلوب: "الإغراء".
وحكم الاسم المحبوب "وهو" المغرى به" وجوب نصبه باعتباره مفعولا به لعامل مناسب للسياق، محذوف مع مرفوعه وجوبا. بشرط أن يكون هذا الاسم مكررا -كالمثال السابق- أو: معطوفا عليه مثيله، "أي: أمر محبوب آخر" كقولهم: الفرار والهرب من اللئيم الأحمق؛ فإنه كالحية لا يكون منها غير اللدغ. أي: الزم الفرار والهرب٢
فإن لم يكن الاسم مكررا ولا معطوفا عليه مثله جاز نصبه مفعولا به لعامل مذكور أو محذوف، وجاز أيضا أن يضبط ضبطا آخر غير النصب -كالرفع- تقول: "الاعتدال، فإنه أمان من سوء العاقبة"، أي: الزم الاعتدال، فيصح حذف العامل ويصح ذكره، ويصح الرفع فيقال: "الاعتدال" على اعتباره -مثلا- مبتدأ خبره محذوف، والتقدير: الاعتدال مطلوب، فإنه٢
وفي حالة ظهور العامل. وكذا في حالة ضبط الاسم ضبطا غير النصب على المفعول به، لا يسمى الأسلوب٣ إغراء اصطلاحيا٤
_________________
(١) ١ يقال في هذا التعريف إنه: لغوي، كما قيل في التحذير "في رقم ١ من هامش ص١٢٦". ٢ و٢ ومثل هذا يقال في ضبط كلمتي: "عمل، وكد" في الحكمة المأثورة: "عملك لا أملك، وكداك لا جدك ". ٣ فإن لم نعتبره في حالتي التكرار والعطف مفعولا به جاز ضبطه بغير النصب، كالرفع -مثلا- على الابتداء. وقد سبقت الإشارة في د ص١٣٤ من الزيادة والتفصيل إلى أن المكرر والمعطوف، في الإغراء قد يرفع فلا يسمى إغراء اصطلاحيا. ومن أمثلة المرفوع. إن قوما منهم: عمير، وأشبا هـ عمير، ومنهم: السفاح لجديرون بالوفاء إذا قا ل أخو النجدة: السلاح السلاح وأما كلمة: "ناقة" في قوله تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ فتصلح إغراء وتحذيرا كما سبق في "د" ص١٣٤. ٤ فيما سبق يقول ابن مالك في باب عنوانه: "التحذير والإغراء":
[ ٤ / ١٣٦ ]
والأكثر في أساليب الإغراء أنها إنشائية طلبية؛ تبعا لنوع عاملها الدال على هذا النوع. فإن لم يكن دالا على الإنشاء الطلبي فهي خبرية.
_________________
(١) = إياك والشر ونحوه نصب محذر بما استتاره وجب يقول: المحذر -وهو المتكلم- نصب أسلوب: "إياك والشر" ونحو هذا الأسلوب نصبه بما وجب استتاره؛ "أي: بعامل محذوف وجوبا". هذا إن اشتمل الأسلوب على عاطف؛ كالمثال الذي عرضه. فإن لم يكن مشتملا على عاطف فقد قال فيه: ودون عطف ذا لإيا انسب، وما سواه ستر فعله لن يلزما إلا مع العطف أو التكرار كالضيغم الضيغم، يا ذا الساري "الضيغم= الأسد. الساري: المسافر ليلا". يريد: أنسب هذا الحكم لـ"إيا" أيضا عند عدم العطف عليها. بأن تقول: إياك الشر، أو: إياك من الشر. أما في جميع الحالات الأخرى -غير السالفتين. فحذف الفعل الناصب ليس واجبا إلا مع العطف أو التكرار. ثم بين بعد ذلك أن اشتمال أسلوب التحذير على محذر منه يكون هو الضمير: "إياي" المتكلم، و"إياك" للمخاطب، وفروعهما أمر شاذ وللغائب أكثر شذوذا ومن قاس عليه فقد أنتبذ، أي: ابتعد عن الصواب. يقول: وشذ إياي، وإياه أشذ وعن سبيل القصد من قاس انتبذ ثم انتقل إلى الإغراء واكتفى فيه ببيت واحد هو: وكمحار بلا إيا: اجعلا مغرى به في كل ما قد فصلا أي: أن حكم الاسم المغرى به كحكم المحذر الذي يغير "إياك" في كل الأحكام.
[ ٤ / ١٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- ليس من اللازم أن تكون الواو في الإغراء للعطف؛ فقد يقتضي المعنى أن تكون للمعية؛ نحو: المشي والاعتدال؛ فتقوى -الإجادة والمثابرة؛ كي تفوز بما تهوى. وقد يقتضي المعنى العطف وحده، أو يتسع للأمرين، فيراعى دائما ما يقتضيه المعنى.
ب- ألحق بالتحذير والإغراء في وجوب إضمار الناصب -لا في معناهما- بعض الأمثال المأثورة المسموعة بالنصب، وبعض العبارات الأخرى المسموعة بالنصب أيضا، والتي يسمونها: "شبه الأمثال"؛ لأنها لا تبلغ مبلغ المثل في الشهرة. وكثرة الاستعمال والتعميم، وقد تشتمل على قيد تخاطب، أو حالة معينة.
أ- فمن الأمثال:
١- كليهما١ وتمرا -وهو مثل يقال لمن خير بين شيئين، فطلبهما معا، وطلب الزيادة عليهما. التقدير: أعطني كليهما. وزدني تمرا.
٢- الكلاب على البقر؛ مثل يضرب حين يريد المرء ترك الخير والشر يصطرعان، وأن يغنتم السلامة لنفسه. والتقدير: اترك الكلاب على البقر، يتصرف كل منهما مع الآخر كما يشاء، وانج بنفسك.
٣- أحشفا٢ وسوء كيلة، يضرب لمن يجمع بين إساءتين لغيره، ويظلم الناس من ناحتين. والتقدير: أتبيع حشفا، وتزيد سوء كيلة.
ب- ومما يشبه المثل:
١- قوله تعالى: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ أي: انتهوا واصنعوا خيرا لكم.
٢- من أنت؟ عليا. التقدير: من أنت؟ تذكر عليا. يقال لمن يذكر عظيما جليل القدر بسوء.
_________________
(١) ١ وورد قليلا: كلاهما - بالألف. ٢ الحشف: أردأ النمر، وسوء الكيلة -بكسر الكاف: قبح الطريقة والهيئة التي تستخدم في الكيل
[ ٤ / ١٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) كل شيء ولا هذا. والتقدير: اصنع كل شيء، ولا تصنع هذا.
(٢) هذا ولا زعماتك. التقدير: أرتضي هذا، ولا أتوهم زعماتك.
(٣) إن تأت فأهل الليل وأهل النهار. والتقدير: إن تأت فسوف تجد أهل الليل وأهل النهار في خدمتك بدل أهلك.
(٤) مرحبا، وأهلا، وسهلا، والتقدير: وجدت مرحبا، وأتيت أهلا، ونزلت سهلا.
(٥) عذيرك. أي: أظهر عذرك، أو أظهر عاذرك "عذير: بمعنى: عذر، أو عاذر".
(٦) ديار الأحباب. أي: اذكر ديار الأحباب وهكذا: ويصح -كما عرفنا- تقدير أفعال مناسبة غير التي عرضناها، ويصح اعتبار الواو للمعية في بعض مما سلف. والمهم استقامة المعنى.
[ ٤ / ١٣٩ ]
المسألة ١٤١: أسماء الأفعال
تعريفها: "نقدم أمثلة":
في اللغة ألفاظ يدل على الواحد منها على "فعل" معين، أي: محدد بزمنه، ومعناه، وعمله -لكنه لا يقبل العلامة التي يقبلها هذا الفعل المعين، والتي تبين نوعه؛ كاللفظ: "هيهات"١ في قول الشاعر يخاطب عزيزا رحل عنه:
بعدت ديار، واحتوتك ديار هيهات١ للنجم الرفيع قرار
فإنه يدل على الفعل الماضي: "بعد" ويقوم مقامه في أداء معناه٢، وفي عمله، وزمنه، من غير أن يقبل العلامة الخاصة بالفعل الماضي، "مثل: إحدى التاءين؛ تاء التأنيث الساكنة، أو تاء الفاعل "؛ إذ لم يرد عن العرب وجود علامة من العلامات الخاصة بالفعل الماضي في "هيهات".
وكاللفط: "آه" في قول الشاعر:
آها لها من ليال!! هل تعود كما كانت؟ وأي ليال عاد ماضيها؟
فإنه يدل على الفعل المضارع: "أتوجع" ويقوم مقامه في معناه، وعمله، وزمنه. ولكنه لا يقبل علامة من العلامات الخاصة بالمضارع؛ لأن العرب لم تدخلها على "آه" قط.
وكاللفظ "حذار" في قول المادح:
سل عن شجاعته، وزره مسالما وحذار، ثم حذار منه، محاربا
فإنه يدل على فعل الأمر: "احذر" من غير أن يقبل علامة الأمر؛ لأن العرب لم تدخلها على "حذار" مطلقا
والمراد من أن كل لفظ من هذه الألفاظ يدل على فعل معين محدد؛ هو:
_________________
(١) ١ و١ وفيه لغات كثيرة، أعلاها المذكورة هنا، مسايرة للوارد في القرآن الكريم. ومن لغاتها: "أيهات" وهي لغة الحجازيين. ٢ انظر معنى "اسم الفعل" في الصفحة الآتية.
[ ٤ / ١٤٠ ]
أنك لو سألت المراجع اللغوية عن القصود من لفظ: "هيهات" لكان الجواب: "هيهات، معناه: بعد" -"آها، معناه: أتوجع"- "حذار، معناه: احذر"، وهكذا نظائرها.
فكل لفظ مما سبق -ونظائره- يسمى: "اسم فعل". وهو١: اسم يدل
_________________
(١) ١ التعريف الآتي صفوة تعريفات متعددة جاوزت ستة، ولم تخل من قصور أو غموض. وهو أقرب إلى التعريف الدقيق الذي اختاره جمهورهم الاسم الفعل. ونزيده بيانا ووضوحا بما يأتي: "مما ذكرناه عند تعريف الاسم ج١ م٢". ولو وضعنا فاكهة معينة أمام إنسان لا يعرفها؛ فسأل: ما هذه؟ فأجبنا: "رمان" -مثلا- لكانت كلمة: "رمان" هي الرمز، أو العلامة، أو اللفظ الدال على تلك الفاكهة، وإن شئت فقل: إنها "اسم" يفهم منه السامع تلك الفاكهة المعينة دون غيرها. فعندنا شيئان؛ فاكهة لها أوصاف حسية خاصة بها، ولفظ معين إذا نطقنا به انصرف الذهن مباشرة إلى تلك الفاكهة الخاصة. فلهذا اللفظ معنى، أو مدلول، أو مراد؛ وما معناه، أو مدلوله، أو المراد منه إلا هذه الفاكهة، وإن شئت فقل: إنه اسم، هي معناه ومسماه. وأن هذا المعنى والمسمى له اسم؛ هو: رمان. فالاسم ليس إلا رمزا، أو علامة، أو شارة يراد بها أن تدل على شيء آخر، وأن تعينه: وتميزه من غيره. وهذا الشيء الآخر هو المراد من تلك الشارة، والغرض من اتخاذها. فهو مدلولها ومرماها. أي: هو المسمى بها. ومتى ثبت أن الاسم هو الرمز والعلامة، وأن المسمى هو: المرموز له، المطلوب إدراكه بالعقل كان الاسم متضمنا في ذاته كل أوصاف المسمى، كالصورة التي يكتب إزاءها اسمها؛ فإذا قرئ الاسم أولا دل على الصورة ومضمونها كاملة. مثال آخر: هبك رأيت طائرا صغير الجسم، جميل الشكل، ساحر الغناء، يتميز بأوصاف خاصة، فسألت: ما هذا الطائر؟ فقيل: "بلبل". فإن كلمة: "بلبل" رمز، أو: شارة، أو: علامة على هذا الطائر المعين. فإذا سمعتها بعد ذلك أو قرأتها، فهمت ما ترمز إليه، وما تشير له، وإن شئت فقل: فهمت معناها وما تدل عليه، أي: فهمت مدلولها ومسماها؛ لأنها الاسم الدال عليه. فكلمة: "البلبل" مدلوها الطائر المعين، وهذا الطائر المعين له اسم، هو" البلبل"، فلكل اسم مسمى، ولكل مسمى اسم، ولا ينفصل أحدهما عن صاحبه، مهما كثرت ألفاظ كل، وتعددت الكلمات الدالة عليه. قياسا على ما سبق؛ ما الذي نفهمه حين نسمع كلمة: هيهات؟ نفهم أن مدلولها ومرماها هو الفعل "بعد" بكل خصائصه؛ من الدلالة على معنى البعد، والمضي، والعمل، مع عدم التأثر بالعوامل. فاللفظ: "هيهات" رمز، أو شارة، أو علامة -تدل على الفعل: "بعيد". أي: أن اللفظ: "هيهات" اسم، مسماه الفعل: "بعد". والفعل: "بعد" مسمى، له اسم؛ هو: "هيهات". وإذا سئلت: ما المراد من: "آه"؟ كان الجواب: "أتوجع". فكلمة: "آه" هي الرمز، أو: العلامة، أو الاسم. أما المرموز له، أو: المسمى -فهو الفعل المضارع: "أتوجع" بكل خصائص المضارع؛ من معنى، وزمن، وعمل، مع سلامة الرمز من التأثر بالعوامل التي يتأثر بها =
[ ٤ / ١٤١ ]
على فعل معين، ويتضمن معناه، وزمنه، وعمله، من غير أن يقبل علامته، أو يتأثر بالعوامل١.
ما يمتاز به اسم الفعل٢:
بالرغم من أن شأنه هو ما وصفنا فقد اكتسب بالاستعمال العربي القديم مزيتين ليستا للفعل الذي بمعناه.
الأولى: أن اسم الفعل أقوى من الفعل الذي بمعناه في أداء المعنى، وأقدر على إبرازه كاملا مع المبالغة فيه. فالفعل: "بعد" -مثلا- يفيد: مجرد "البعد"، ولكن اسم الفعل الذي بمعناه؛ وهو: "هيهات". يفيد البعد البعيد، أو: الشديد؛ لأن معناه الدقيق هو: بعد جدا؛ كما في قولهم: هيهات إدراك الغاية بغير العمل الناجع.
والفعل: "افتراق" يفيد: "الافتراق" المجرد؛ ولكن اسم الفعل:
_________________
(١) = المضارع؛ كالنواصب أو الجوازم..، وكذلك: "حذار" فإنه اسم، مسماه فعل الأمر: "احذر" بما هو مختص به. مما تقدم يتبين المراد -عند جمهرتهم- من أسماء الأفعال، وأن المقصود أنها "أسماء للأفعال"، كما أن لفظ: "الزمان" اسم للفاكهة المعينة، و"البلبل" اسم للطائر الخاص، و"الفرس" اسم للحيوان المعروف فكذلك هذه الأسماء؛ كل واحد منها اسم "لفعل بعينه ولما كان الاسم -كما شرحناه- يدل دلالة كاملة على مسماه، ويتضمن كل خصائص المسمى تبعا لذلك -لا بالأصالة- كان اسم الفعل متضمنا بالتبعية -لا بالأصالة- معنى فعله وزمنه، وكذا عمله، في الغالب، مع عدم التأثر بالعوامل. وكذلك يتبين أن المراد هنا من كلمة: "اسم" هو المراد منها في كل موضع آخر، ولكنه اسم في لفظه فقط؛ بدليل الإسناد إليه دائما وبدليل قبوله التنوين في حالات كثيرة، وكلاهما من علامات الاسم، وأنه ليس فعلا في لفظه! بدليل أنه لا يقبل علامة من علامات الأفعال. فحقيقة: أنه اسم في لفظه، فعل في معناه. وبالرغم من هذا البيان الذي عرضناه لإيضاح الرأي الغالب، لا يزال يشوبه -بحق- بعض الضعف كاعتبار هذه الألفاظ أسماء عاملة، مع أنها لا موضع لها من الإعراب؛ فلا تكون مبتدأ، ولا خبرا، ولا فاعلا، ولا مضافا، ولا مضافا إليه. ولا غير ذلك ويخف الاعتراض، ويكاد الضعف يختفي -لو أخذنا بالرأي القائل: إنها قسم رابع مستقل من أقسام الكلمة. وأصحاب هذا الرأي يسمونه: "خالفه" بمعنى: خليفة الفعل، ونائبه، في معناه، وعمله وزمنه، وكل ما يتضمنه على الوجه المشروح هنا. ١ قلنا هذا: لأن المضارع يتأثر بعوامل النصب والجزم. وبهذا القيد يخرج المصدر النائب عن فعله؛ فلا يعد اسم فعل؛ لأنه يتأثر بالعوامل، وتخرج كذلك المشتقات. ٢ متى يحسن الحكم على اللفظ بأنه اسم فعل؟ الإجابة في رقم ٣ من هامش ص١٤٧.
[ ٤ / ١٤٢ ]
"شتان" وهو بمعناه -يفيد: الافتراق الشديد١؛ لأن معناه الحقيقي هو: "افتراق جدا" كقولهم: شتان الإحسان والإساءة، وشتان ما بين العناية والإهمال. وكقول الشاعر:
الفكر قبل القول يؤمن زيفه شتان بين روية وبديه٢
الثانية: أنه يؤدي المعنى على الوجه السالف، مع إيجاز اللفظ واختصاره، لالتزامه -في الأغلب- صورة واحدة لا تتغير بتغير المفرد، أو المثنى، أو الجمع أو التذكير، أو التأنيث؛ إلا ما كان منه متصلا بعلامة تدل على نوع معين دون غيره٣؛ تقول: صه يا غلام، أو: يا غلامان، أو: يا غلمان، أو: يا فتاة، أو: يا فتاتان، أو: يا فتيات. ولو أتيت مكانه بالفعل الذي بمعناه لتغيرت حالة الفعل؛ فقلت: اسكت يا غلام، اسكتا يا غلامان، سكتوا يا غلمان، اسكتي يا فتاة، اسكتا يا فتاتان، اسكتن يا فتيات
وبسبب هاتين المزيتين كان استعمال اسم الفعل هو الأنسب حين يقتضي المقام إيجاز اللفظ واختصاره، مع وفاء المعنى، والمبالغة فيه.
أقسام أسماء الأفعال:
أ- تنقسم بحسب نوع الأفعال التي تدل عليها٤، إلى ثلاثة أقسام:
_________________
(١) ١ ولا بد أن يكون الافتراق معنويا -كما سيجيء البيان في ص١٤٦- ثم انظر رقم ٢ من هامش ص١٥٨، حيث بعض الحالات الخاصة باستعمال "شتان". ٢ المراد: تسرع بغير أعمال فكر. بقي السؤال عن فاعل "شتان" في هذا البيت وفي البيت الآخر الذي أوروده، وقال عنه الصبان إنه من كلام بعض المحدثين، ونصه: جازيتموني بالوصال قطيعة شتان بين صنيعكم وصنيعي جاء في الخضري: "قال في شرح الشذور: "لم تستعمله العرب. وقد يخرج على إضمار "ما" موصولة ببين". ا. هـ أي: فيكون "شتان" بمعنى: بعد، و"ما" بمعنى: المسافة". ا. هـ. كلام الخضري. ٣ كأسماء الأفعال المنقولة من شبه الجملة وبعض المصادر، مثل: عليك، أمامك، رويدك، وستأتي في: "ب" ص١٤٧ وما بعدها. ٤ مع ملاحظة المزيتين السالفتين لكل اسم من أسماء الأفعال، دون فعل.
[ ٤ / ١٤٣ ]
أولها: اسم فعل أمر، وهو أكثرها ورودا في الكلام المأثور، نحو: "آمين"، بمعنى: استجب، و"صه" -بالسكون- بمعنى؛ اسكت عن الموضوع المعين الذي تتكلم فيه، و"حي" "بفتح الياء المشددة، مثل: حي على الصلاة -حي على الفلاح" بمعنى: أقبل، أو: عجل وجميع هذه الألفاظ سماعية.
ومن هذا القسم نوع قياسي مطرد -على الأصح- هو: ما كان من اسم فعل الأمر على وزن "فعال"١ مبنيا على الكسر بشرط أن يكون له فعل ثلاثي، تام، متصرف، نحو: حذار، "في البيت السالف"٢ بمعنى: احذر، ونحو: نزال إلى ميدان الجهاد، وزحام في مجال الإصلاح؛ بمعنى انزل، وازحم.
ولا يصح صوغ "فعال" إذا كان فعله غير ثلاثي، كدحرج، "وشذ: دراك، من أدرك" أو: كان فعله ناقصا؛ مثل: كان، وظل، وبات: الناسخات، أو كان غير متصرف، نحو: عسى، وليس.
واسم فعل الأمر مبني دائما، ولا بد له من فاعل مستتر وجوبا٣. وقد يتعدى للمفعول به أو لا يتعدى على حسب فعله.
ومن أسماء فعل الأمر السماعية: "هيا، بمعنى: أسرع" -"ومه؛ بمعنى: انكفف٤ عما أنت فيه"- "وتيد، وتيدخ، وهما بمعنى: أمهل"
_________________
(١) ١ سبق "في ص٧٣" عند الأسماء الملازمة للنداء أن منها ما يكون على وزن: "فعال" بشروط خاصة، وسيجيء في رقم ١ من هامش ص٢٦٠ بيان مناسب عن صيغة: "فعال"، وأنواعها المختلفة، وحكم كل نوع من ناحية الإعراب والبناء. ٢ في ص١٤٠. وهو: سل عن شجاعته ومثل قول الشاعر: حذار، حذار من جشع؛ فإني رأيت الناس أجشعها اللئام ٣ استتار الفاعل وجوبا يشمل -في الرأي الأسهل- فاعل اسم فعل الأمر، وفاعل اسم فعل المضارع، المختوم كل منهما بضمير للمفرد المذكر وقوعه، والمفردة وفروعها، فيدخل اسم الفعل المنقول من ظرف المكان، ومن الجار مع مجروره -طبقا لما سيجيء في ٢ و٣ من هامش ص١٥٧. ٤ هذا هو الأولى، وليس بمعنى: "اكفف" -كما يقول بعض النحاة- لأن "اكفف" متعد، و"مه" لا يتعدى؛ فهو ثل: "انكفف" -راجع الهمع هنا.
[ ٤ / ١٤٤ ]
"وويهما، بمعنى: حرض، وأغر"١، "وحيهل٢ بمعنى أقبل، أو عجل "، "وهلم٣ بمعنى: أقبل، وتعال"٤، "وقط، بمعنى: انته "٥.
ثانيها: اسم فعل مضارع -وهو سماعي، وقليل- نحو: "أوه، بمعنى: أتألم"، وأف بمعنى: أتضجر، قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ أي: للوالدين، "ووي، بمعنى: أعجب، وهذا أحد معانيها؛ كقوله تعالى: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ ٦" وقد يكون اسم الفعل: "وي" مختوما
_________________
(١) ١ فعل أمر، ماضيه: أغرى. ٢ يجوز في اللام عدة لغات، منها السكون، ومنها الفتح بتنوين أو غير تنوين. والأشهر فتح هائه في كل أحوالها. "ويجوز إلحاق كاف الخطاب بآخره على الوجه المبين في رقم ٩ من ص١٦٠" باعتبارها حرفا متصرفا. ٣ الحجازيون وبعض العرب يلزمونه صورة لا تتغير في الإفراد والتذكير وفروعهما. وغيرهم يعدونه اسم فعل أمر أيضا، ولكن يغيرون الضمير الفاعل في آخره بحسب المعنى ومرجع الضمير. وتجري على الألسنة عبارة: "هلم جرا" ويقول بعض النحاة في توجيهها: إن "هلم" بمعنى: "أقبل وائت" وليس المراد الإقبال والمجيء الحسيين؛ وإنما المراد الاستمرار على الشيء وملازمته. وأيضا: ليس المراد الطلب حقيقة، وإنما المراد الخبر؛ كالذي في قوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ . وأما كلمة: "جرا" فهي مصدر جره، يجرره، جرا، إذا صحبه. وليس المراد الجر الحسي، بل التعميم الذي يشمله وغيره؛ فإذا قيل: "كان ذلك عام كذا وهلم جرا"، فكأنه قيل: واستمر ذلك في بقية الأعوام استمرارا. أو استمر مستمرا "على الحال المؤكدة" وبهذا يزول إشكال عطف الخبر على الطلب وغيره من الاعتراضات. "الصبان في هذا الوضع". ٤ الصحيح أن كلمتي: "تعال" - و"هات" هما فعلان للأمر؛ لقبول كل منهما العلامة الخاصة بفعل الأمر - وقد سبق البيان المناسب في ج١ م٤، عند الكلام على هذا الفعل. ٥ تفصيل الكلام على اسم الفعل: "قط" وما فيه من آراء واستعمالات مختلفة، مع اقترانه بالفاء أو عدم اقترانه كل ذلك معروض ببسط مناسب في الجزء الأول - م٣٠ موضوع: المعرف بأل عند بيت ابن مالك ونصه: "أل" حرف تعريف أو اللام فقط ". ٦ في كلمة: "وي" -في الآية الكريمة، وما يماثلها- آراء أخرى. منها: رأي "ابن عباس" وبه أخذ سيبويه فيما يقال، وملخصه، أن "وى" كلمة زائدة، يستعملها النادم؛ لإظهار ندمه، وأنها مفصولة من "كأنه". وينسب لسيبويه رأي آخر، سجله ابن جني في كتابه "المحتسب" ج٢ ص١٥٥ وهو يعرض لقوله: "ويكأنه" في الآية السالفة، ونصه: =
[ ٤ / ١٤٥ ]
بكاف الخطاب الحرفية١، ومنه قول عنترة:
ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها قيل الفوارس: ويك عنتر أقدم
واسم الفعل المضارع مبني حتما، ولا بد له من فاعل مستتر وجوبا، وهو مثل فعله في التعدي واللزوم.
ثالثها: اسم فعل ماض -وهو ساعي وقليل؛ كالسابق، ومنه: "هيهات"، وكذا: "شتان" وقد تقدما. والصحيح الفصيح في "شتان" أن يكون الافتراق خاصا بالأمور المعنوية٢؛ كالعلم، والفهم والصلاح؛ تقول: شتان٣ علي ومعاوية في الشجاعة، وشتان المأمون والأمين في الذكاء، وشتان الإيثاء، والأثرة٤؛ فلا يقال شتان المتخاصمان عن مجلس الحكم، ولا شتان المتعاقدان عن مكان التعاقد٥
_________________
(١) = "الوجه فيه عندنا قول الخليل سيبويه، وهو: أن "وي" على قياس مذهبهما اسم سمي به الفعل "أي: اسم فعل" في الخبر؛ فكأنه اسم: "أعجب" ثم ابتدأ فقال: "كأنه لا يفلح الكافرون" وكذلك قوله تعالى: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾؛ فـ"كأن" هنا إخبار عار من معنى التشبيه. ومعناه: أن الله يبسط الرزق لمن يشاء. و"وي" منفصلة من كأن، وعليه بيت الكتاب: وي كأن من يكن له نشب يحـ ـبب، ومن يفتقر يعيش عيش ضر ومما جاءت فيه "كأن" عارية من معنى التشبيه ما -أنشدناه أبو علي: كأني حين أمسي لا تكلمني تيم يشتهي ما ليس موجودا أي: أنا حين أمسى "متيم" من حالي كذا وكذا ". ا. هـ. ١ انظر رقم٩ من ص١٦٠ حيث الكلام على "طاف الخطاب" التي تتصل بأنواع أسماء الأفعال. ٢ لهذا إشارة في رقم١ من هامش ص١٤٣، ثم انظر رقم٢ من هامش ص١٥٨؛ حيث بعض استعمالاتها. ٣ ولا يكون فاعله إلا متعددا بواو العطف دون غيرها؛ وقد تفصل بينه وبين فاعله "ما" الزائدة "وستجيء إشارة لهذا في رقم٢ من هامش ص١٥٨ عند الكلام على الأحكام". ٤ الإيثار تقديم المرء غيره على نفسه في الانتفاع، والأثرة العكس. ٥ في ص١٦١ صورة أخرى من أسماء الأفعال المختلفة. وقد اقتصر ابن مالك في باب عنوانه: "أسماء الأفعال والأصوات" على الإشارة العابرة لما شرحناه، بقوله: ما ناب عن فعل؛ كشتان وصه هو اسم فعل، وكذا: أوه، ومه والمراد من عنوان الباب هو: أسماء الأفعال، وأسماء الأصوات، لا أن الأسماء لهما معا. وقد أوضحناه معنى أسماء الأفعال التي عرضها. ثم قال: وما بمعنى: "افعل"؛ كآمين، كعثر وغيره -كوى وهيهات- نزر "والمراد من: "افعل"، هو فعل الأمر. نزر= قل". أي: أن اسم الفعل الذي بمعنى فعل الأمر كثير. أما الذي بمعنى غيره -كالذي بمعنى الماضي أو المضارع- فقليل.
[ ٤ / ١٤٦ ]
واسم الفعل الماضي مبني في كل أحواله كغيره من سائر أسماء الأفعال، ولكنه يحتاج إلى فاعل إما ظاهر، وإما ضمير مستتر جوازا، يكون للغائب في الأعم الإغلب١ -كما سيجيء- وهو بهذين يخالف النوعين الآخرين فوق مخالفته لهما في المعنى والزمن. أما تعديته ولزومه فيجري فيهما كغيره على نظام فعله.
ب- وتنقسم بحسب أصالتها في الدلالة على الفعل٢ وعدم أصالتها، إلى قسمين:
أولهما: المرتجل؛ وهو: ما وضع من أول أمره اسم فعل ولم يستعمل في غيره من قبل. مثل: شتان - وي - مه
ثانيهما: المنقول؛ وهو الذي وضع في أول الأمر لمعنى ثم انتقل منه إلى اسم الفعل. والمنقول أقسام؛ فهو:
١- إما منقول من جار مع مجروره٣، مثل: "عليك"، بمعنى: تمسك أو: بمعنى: الزم، أو: بمعنى: "أعتصم" -فعل مضارع- فمن الأول قولهم: عليك بالعلم؛ فإنه جاه من لا جاه له، وعليك بالخلق
_________________
(١) ١ انظر: "ا" من ص١٥٦ ثم رقم١ من هامش ص١٥٧. ٢ مع تفردها -دونه- بالمزيتين السالفتين في ص١٤٢. ٣ من أمثلة اسم الفعل المنقول من جار مع مجرور أو من ظرف مكان: عليك "بمعانيه التي ذكرناها"، وأمامك، بمعنى: تقدم؛ وكذا مكانك، بمعنى: اثبت. قال بعض النحاة -وقوله سديد- لا أدري الحاجة إلى جعل مثل هذا الظرف -مكانك- اسم فعل؟ فهلا جعلوه ظرفا على بابه، باقيا على أصله من الظرفية من غير نقله إلى اسم الفعل؛ لأن اعتباره منقولا إلى اسم الفعل إنما يحسن حين لا يمكن الجمع بين الظرف وذلك الفعل الذي بمعناه؛ كما لا يصح أن يقال: اسكت صه -الزم عليك- خذ دونك.. أما إذا أمكن فلا يجوز إخراجه عن الظرف إلى اسم الفعل، فإنه يصح أن يقال: اثبت مكانك، وتقدم أمامك في حين لا يصح أن يقال: صه اسكت كما تقدم. هذا رأيه سجله "الصبان". ونرى أنه ينطبق على الجار مع مجروره أيضا. لانطباق العلة عليهما كذلك. وقد يقال: إن الجمع ممكن على سبيل "التوكيد" اللفظي بالمرادف. وهذا صحيح بشرط وجود قرينة على إرادة التوكيد اللفظي؛ لتحقيق غرض فيه.
[ ٤ / ١٤٧ ]
الكريم؛ فإنه الغني الحق. أي: تمسك بالعلم - تمسك بالخلق١ وقولهم: من نزل به مكروه فعليه بالصبر؛ فهو أبعد للألم، وأجلب للأجر، أي: فليتمسك بالصبر
ومن الثاني قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، أي: الزموا شأن أنفسكم.
ومن الثالث: علي بالكفاح لبلوغ الأماني. أي: أعتصم.
ومن المنقول من الجار والمجرور: "إليك"؛ بمعنى: ابتعد وتنح؛ مثل: "إليك عني -أيها المنافق؛ فذو الوجهين لا مكان له عندي، ولا منزلة له في نفسي" وهذا هو الغالب في معناها، وقد تكون بمعنى: "خذ"، نحو: إليك الوردة، أي: خذها٢
ومنه: "إلي"، بمعنى: أقبل، نحو: إلي -أيها الوفي- فإني أخوك الصادق العهد.
والأحسن في الأمثلة السالفة -وأشباهها- إعراب الجار ومجروره معا، اسم فعل مبني، لا محل له من الإعراب٣.
٢- وإما منقول من ظرف مكان٤؛ مثل: "أمامك"؛ بمعنى تقدم.
_________________
(١) ١ ومثل قول القطامي: عليك بالقصد فيما أنت فاعله إن التخلق يأتي دونه الخلق ٢ فهو بهذا المعنى متعد. وهو بالمعنى الأول لازم، وكلاهما قياسي هنا. ولا قوة للرأي الذي ينكر المعنى الثاني. فقد أثبته "الجوهري"، وورد مسموعا في كلام من يحتج بكلامهم، ومنهم القطامي الشاعر الأموي. ٣ وبهذا الإعراب الذي أشار به بعض النحاة والذي له إيضاح مفيد يأتي في "رقم ٢ و٣ من هامش ص١٥٧" نأمن كثيرا من الاعتراضات والمغامز التي في غيره. ولن يترتب على الأخذ به إساءة للمعنى، أو لصحة التركيب. وإذا جاء تابع بعد اسم الفعل المنقول من جار مع مجروره فمتبوعه هو فاعل اسم الفعل؛ نحو: عليك أنت نفسك بالأعمال العظيمة. فالضمير: "أنت" توكيد للفاعل: "أنت" المستتر وجوبا. وكلمة: "نفس" توكيد له أيضا. ٤ التقييد بالمكان منقول صراحة من شرح التوضيح، وهو المفهوم من كل الأمثلة -ثم انظر رقم ٣ من هامش الصحفة السابقة.
[ ٤ / ١٤٨ ]
و"وراءك"؛ بمعنى: تأخر، تقول: أمامك إن واتتك الفرصة، وساعفتك القوة. ووراءك إن كان في إدراك الفرصة غصة، وفي نيلها حسرة وندامة.
ومثل: "مكانك"، بمعنى: اثبت١، تقول لمن يحاول الهرب من أمر يمارسه: مكانك تحمد وتدرك غايتك.
ومثل: "عندك" بمعنى خذ. تقول: عندك كتابا، بمعنى: خذه٢.
والأيسر اعتبار الظرف كله "بما اتصل بآخره من علامة تكلم أو خطاب أو غيبة" هو اسم الفعل٣.
٣- وإما منقول من مصدر له فعل مستعمل من لفظه؛ مثل؛ "وريد" "بغير تنوين" بمعنى: تمهل، وبمعنى: أمهل؛ فالأول نحو: رويد -أيها العالم- لقوم يتعلمون؛ فإن التمهل داعية افهم، والفهم داعية الاستفادة. ومثل قول الشاعر:
رويدك٤، لا تعقب جميلك بالأذى فتضحى وشمل الفضل والحمد منصدع
والثاني: نحو: رويد مدينا؛ فإن الإمهال مروءة فكلمة: "رويد" في الأمثلة السالفة اسم فعل أمر، مبني، غير منون.
وأصل المصدر: "رويد" هو: "إرواد"، مصدر الفعل الرباعي: "أرود"، ثم صغر المصدر٥: "إرواد" تصغير ترخيم؛ بحذف حروفه الزائدة؛ فصار: "رويد"٦، ثم نقل بغير تنوين إلى اسم الفعل
_________________
(١) ١ فيكون لازما. وحكى الكوفيون تعديته، وأنه يقال: مكانك محمدا، أي: انتظره. ٢ انظر لسان العرب -ج٢ ص٣٠٣- حيث الكلام على: "عند". ٣ يوضح هذا ما يجيء في رقم ٢ و٣ من هامش ص١٥٧. ٤ الكلام على هذه الكاف في رقم ٩ من ص١٦٠. ٥ وهذا المصدر المصغر ينصب المفعول به جوازا ولو لم ينقل إلى اسم الفعل، بالرغم من أن شرط إعمال المصدر ألا يكون مصغرا "كما في بابه ج٣ ص١٦٧ م٩٩" لأن هذا الشرط حتمي في غير المصدر: "رويد" الذي ورد به السماع عاملا وغير عامل -أما تفصيل الكلام على تصغير الترخيم ففي ص٧١٠. ٦ لكلمة: "رويد" حالتان؛ أولاهما: أن تكون مصدرا معربا باقيا على مصدريته وإعرابه. والأخرى: أن تترك المصدرية والتنوين، وتنتقل إلى حالة جديدة هي: "اسم فعل الأمر" على الوجه الذي شرحناه =
[ ٤ / ١٤٩ ]
وقد يكون اسم الفعل منقولا من مصدر ليس له فعل من لفظه، لكن له فعل من معناه، مثل كلمة: "بله" -بغير تنوين- بمعنى: اترك؛ تقول: بله مسيئا قد اعتذر، واغفر له إساءته، أي: اترك والأصل: بله المسيء ، بمعنى: ترك المسيء، من إضافة المصدر لمفعوله. ومن الجائز أن يكون الأصل: بلها مسيئا باستعمال كلمة: "بلها"١ مصدرا ناصبا معموله؛ قياسا على: تركا مسيئا، بمعنى تركا المسيء، ومن هذا المصدر الناصب لمفعوله انتقل لفظ "بله" ولكن بغير تنوينه -إلى اسم فعل بمعناه٢
_________________
(١) = وفي الحالة الأولى التي تظل فيها مصدرا معربا قد تكون مصدرا معربا نائبا عن فعل الأمر المحذوف. إما منونا ناصبا مفعولا به، نحو: رويدا عليا، وإما مضافا إلى المفعول به، نحو: رويد علي، فلفظ: "رويد" فيهما مصدر منصوب بفعل الأمر المحذوف، بمعنى: "أرود"، وفاعله مستتر فيه وجوبا. وكلمة: "علي" مفعول به منصوب في الأول، ومضاف إليه مجرور في الثاني. وإما منونا غير ناصب مفعوله، نحو: رويدا يا سائق؛ فيكون نائبا عن فعل الأمر المحذوف أيضا. ويصح استعماله مصدرا غير نائب عن فعل الأمر فينصب منونا إما حالا؛ نحو قرأت الكتاب رويدا؛ بمعنى: مرودا، أي: متمهلا، وإما نعتا لمصدر مذكور -في الغالب- نحو: تحركت سيارة رويدا، أي: سيرا رويدا "وكان المصدر هنا نعتا لمحذوف لا حالا؛ فرارا من أن يكون صاحب الحال نكرة بغير مسوغ". وقد تقع "ما" الزائدة بعد "رويد" على الوجه الآتي في: "ا" ص١٥١ ١ ورد في حاشية الخضري تنوين "بلها" ولا أدري أهذا التنوين مسموع، أم هو افتراضي حملا على المصدر: تركا، كما أظن؟ ٢ إذا كان الاسم بعد كلمة: "بله" منصوبا منونا جاز أن تكون مصدرا عاملا معربا كمصدر فعلها المعنوي: "تَرَك" الذي مصدره: "تَرْك" وجاز أن تكون اسم فعل أمر مبنيا بمعنى: اتركْ، والقرائن -إن وجدت- هي التي تحدد أحد الأمرين؛ فإن كان بعدها مجرورا وجب أن تكون مصدرا مضافا -لأن الاسم لا يكون مضافا- والاسم المجرور هو المضاف إليه. فكلمة: "بله" مثل كلمة "رويد" كلتاهما تتعين مصدرا إذا كان الاسم بعدها مجرورا بالإضافة إليها، وتصلح مصدرا أو اسم فعل إذا نصبته. وتكون فتحتهما فتحة بناء إذا كانا اسمي فعل، وفتحة إعراب في غيرها. ولهذا استعمالات أخرى تجيء في "ب". وفي الكلام على اسم الفعل المنقول من جار مع مجروره، "مثل: عليك، إليك" أو من ظرف مكان، "مثل: دونك.. مكانك.." أو من مصدر له فعل من لفظه؛ "نحو: رويد " أو ليس له فعل إلا من معناه؛ "مثل: بله"، يقول ابن مالك: =
[ ٤ / ١٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- قد تفصل "ما" الزائدة فبين اسم الفعل: "رويد" ومفعوله١، قال أعرابي لشاعر يمدحه: والله لو أردت الدراهم لأعطيتك، رويد ما الشعر. فالمراد: أرود الشعر؛ كأنه قال: دع الشعر، لا حاجة بك إليه.
ب- قد تكون "بله" اسم استفهام مبنية على الفتح، بمعنى: "كيف"، وتعرب خبرا مقدما عن مبتدأ مؤخر. نحو: بله المريض؟ بمعنى: كيف المريض؟
ومما يحتمل الاستفهام، والمصدر المضاف؛ واسم فعل الأمر -كلمة "بله" في قول الشاعر٢:
تذر الجماجم ضاحيا٣ هاماتها بله الأكف؛ كأنها لم تخلق
فيجوز في: "بله" أن تكون اسم فعل أمر مبني على الفتح، و"الأكف" بعده منصوب، مفعول به. ويجوز أن تكون: "بله" مصدرا منصوبا على
_________________
(١) = والفعل من أسمائه: "عليكا" وهكذا "دونك" مع "إليكا" كذا: "رويد، بله"، ناصبين ويعملان الخفض مصدرين وقد تبين في البيت الثاني: أن "رويد" و"بله" قد يكونان اسمي فعل إذا نصبا ما بعدهما، وترك التفصيل الضروري لهذا النصب. وأنهما يعملان الخفض فيما بعدهما إذا بقيا على أصلهما مصدرين مضافين؛ فيجران بعدهما الاسم باعتباره "مضافا إليه". فهذا الجر دليل على بقائهما مصدرين حتما لأن اسم الفعل لا يضاف، ولا يعمل الجر مطلقا -كما سبق- أما نصبه فلا يكفي وحده للقطع بأنهما مصدران حتما، أو اسمان لفعلين حتما، إنما يصلحان للأمرين عند عدم القرينة التي تعين أحدهما دون غيره. وعدم التنوين في "رويد" هو القاطع في أنها "اسم فعل" عند نصب الاسم بها. ١ لهذا إشارة في آخر رقم ٦ من هامش ص١٤٩. ٢ هو كعب بن مالك، شاعر الرسول ﵇. والبيت من قصيدة له في وصف موقعة الأحزاب، وهولها. ٣ بارزا منفصلا من مكانه.
[ ٤ / ١٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المصدرية نائبا عن فعل الأمر، مضافا، و"الأكف" مضاف إليه مجرور. كما يجوز أن تكون "بله" اسم استفهام مبني على الفتح، خبرا مقدما وما بعده مبتدأ مؤخر.
وقد تقع "بله" اسما معربا بمعنى: "غير" كالذي في الحديث القدسي منسوبا للمولى جل شأنه: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعتن ولا خطر على قلب بشر؛ ذخرا من بله ما اطلعتم١ عليه". "أي: من غير ما اطلعتم عليه". فهي مجرورة بمن.
ج- تكون "بله" بمعنى: "أين"، طبقات لما صرح به الصبان عند ضبطه كلمة "بله"، في الحديث القدسي السالف؛ حيث قال ما نصه: "فتح "بله" وكسرها. فوجه الكسر ما ذكر٢، وأما وجه الفتح فقال الرضي: إذا كانت "بله" بمعنى: "كيف" جاز أن تدخله "من"؛ حكى أبو زيد: "إن فلانا لا يطيق حمل الفهر "الحجر الصغير يملأ الكف" فمن بله أن يأتي بالصخرة"؟ أي: كيف، ومن أين؟. وعليه تتخرج هذه الرواية؛ فتكون "بله" بمعنى: "كيف" التي للاستبعاد، و"ما" مصدرية في محل رفع بالابتداء، والخبر "من بله"، والضمير المجرور بعلى عائد على الذخر. ا. هـ. ثم قال الصبان: والمعنى على هذا: من كيف؟ أي: "من أين اطلاعكم على هذا الذخر -أي: المدخر. ولا يخفى ما في جعلها على هذه الرواية بمعنى "كيف" من الركاكة: ولو جعلت فيها من أول الأمر بمعنى: "أين". لكان أحسن". ا. هـ.
_________________
(١) ١ بتشديد الطاء وفتح اللام. وفي بعض الروايات: أطلعتم -بضم الهمزة، وكسر اللام. ٢ في الحديث القدسي السابق، وهو أنها اسم معرب بمعنى غير مجرور.
[ ٤ / ١٥٢ ]
أهم أحكامها:
١- أنها سماعية جامدة؛ فيجب الاقتصار على الوارد١ منها، دون تصرف فيها؛ بزيادة عددها، أو إدخال تغيير على لفظها، وضبط حروفها، فلفظها المسموع واجب البقاء على حاله؛ لا يجوز زيادة حروفه، أو نقصها، أو استبدال حرف بآخر، أو تغيير ضبطه أو ترتيبه
إلا إن هناك نوعا واحد قياسيا؛ هو: صوغ "فعال" بالشروط التي سبق الكلام عليها٢ في اسم فعل الأمر. وما عدا هذا النوع يجب الوقوف فيه عند حد السماع الوارد من العرب؛ فيلزم الصورة لا يختلف فيها باختلاف الإفراد، وفروعه، أو التذكير والتأنيث، أو الخطاب وغير الخطاب، إلا إذا أباح السماع الاختلاف٣. أما الذي يختلف بحسب الحالات فهو فاعلها؛ فيكون مطابقا للمراد منه. فاسم الفعل: "صه" مثلا يلزم واحدة، ولكن فاعله الضمير المستتر قد يكون: أنت، أنت، أنتما، أنتم، أنتن، على حسب الحالات.
٢- أنها -في الرأي الشائع- أسماء مبنية٤ ليس فيها معرب، حتى ما كان منها أسماء لأفعال مضارعة. ويجب التزام حركة البناء المسموعة -طبقا لما مر في الحكم الأول- فمنها المبنية على الفتح؛ كالشائع في: شتان، وهيهات، عند كثير من القبائل. وكالأحسن في المنقول من جار يكون مجروره "كاف الخطاب" للواحد؛ مثل: عليك، وإليك
ومنها: المبنية على الكسر، مثل: كتاب - حماد - قراء، بمعنى اكتب - احمد - اقرأ
ومنها المبنية على الضم كالغالب في: مثل: آه؛ بمعنى: أتوجع
_________________
(١) ١ إلا عند السكاكي. ٢ في ص١٤٤. ٣ كاسم الفعل المختوم بكاف الخطاب المتصرفة، على الوجه الآتي في رقم٩ من ص١٦٠. ٤ يقول النحاة في تعليل بنائها: إنه الشبه لبعض الحروف التي تعمل، "مثل: ليت وأخواتها" في أنها عاملة ولا تكون معمولة. وهذا تعليل يحتاج إلى تعليل أيضا وكلاهما يرفض ما دام غير مطابق للواقع الحق؛ الذي هو: مجرد استعمال العرب؛ إذ لا علة غير هذا. وقد أفضنا الكلام في علل البناء المنقولة، وبيان السبب في رفضها في مكانها من الجزء الأول ص٥٥ م٦.
[ ٤ / ١٥٣ ]
ومنها المبنية على السكون؛ مثل: مه، بمعنى: انكفف١.
وقد يجوز في بعضها ضبطان أو أكثر؛ تبعا للوارد، نحو: "وي"؛ بمعنى: أعجب، فيصح "وا"؛ كما يصح: "واها" بالتنوين. ومثل: "آه"؛ فإنها يصح فيها أيضا: آه، وآها، بالتنوين فيهما.
وغاية القول: أنه يجب -في النوع السماعي- الاقتصار على نص اللفظ المسموع وصيغته، وعلى علامة بنائه الواردة معه؛ سواء أكانت واحدة أم أكثر، معها تنوين أو لا. فعند إعراب واحد منها يقال: اسم فعل لماض، أو لمضارع، أو لأمر -على حسب نوعه، مبني على الكسر، أو الفتح، أو غيرهما- لا محل له من الإعراب.
٣- أن بعضها لا يدخله التنوين مطلقا، مثل: آمين، وشتان، وباب "فعال"٢ القياسي، وبعضها لا يتجرد من تنوين التنكير؛ مثل: "واها" بمعنى "أتعجب"؛ وبعضها يدخله تنوين التنكير حينا؛ لغرض معين، وقد يخلو من هذا التنوين لغرض آخر؛ مثل: "صه" فإنه اسم فعل أمر بمعنى: اسكت. فحين يكون المراد طلب السكوت عن كلام خاص معين، نقول: صه، بسكون الهاء، ومنع التنوين. وحين يكون المراد طلب الصمت عن كل كلام، تتحرك الهاء بالكسر -وجوبا- مع التنوين. فنقول: "صه". فعدم التنوين في "صه" بمثابة قولنا: اترك الكلام في هذا الموضوع المعين الخاص المعروف لنا، وتكلم في غيره. ومجيء التنوين معناه: اترك الكلام مطلقا؛ في الموضوع الخاص المعين، وفي غيره٣
_________________
(١) ١ انظر رقم ٤ من هامش ص١٤٤. ٢ سبق الكلام عليه في ص١٤٤. ٣ وجود التنوين في أسماء الأفعال دليل على أنها اسم من جهة لفظها، أما من جهة معناها فهي فعل -"كما شرحنا في هامش ص١٤١"- وكما صرح الناظم في شرح الكافية؛ حيث قال: "لما كانت هذه الكلمات من قبل المعنى أفعالا، ومن قبل اللفظ أسماء، جعل لها تعريف وتنكير؛ فعلامة تعريف المعرفة منها تجرده من التنوين، وعلامة تنكير النكرة منها استعماله منكرا". "راجع حاشية الصبان في هذا الموضع. وقد سبق تفصيل الكلام على تنوين التنكير، وأنه خاص -في الغالب- بالأسماء المبنية ج١ ص٢١ م٣". وإذا كان معناها معنى الفعل فكيف يلحقها التعريف والتنكير وهما لا يلحقان الفعل مباشرة؟ أجابوا: إن تعريفها وتنكيرها راجع إلى المصدر الذي هو أصل ذلك الفعل؛ فلفظ: "صهٍ" -بالتنوين- معناه: اسكت سكوتا مطلقا؛ أي: افعل مطلق السكوت عن كل كلام؛ إذ لا تعيين في اللفظ يدل على نوع خاص محدد من السكوت. أما لفظ: "صهْ" المجرد من التنوين فمعناه: اسكت السكوت المعهود المعين عن الحديث الخاص المعروف لنا مع جواز تكلمك في غيره إن شئت، هذا تعليلهم. والتعليل الصحيح هو استعمال العرب.
[ ٤ / ١٥٤ ]
ومثل: "إيه" اسم فعل أمر، بمعنى: زدني، فإن كان مبنيا على الكسر بغير تنوين فمعناه: زدني من حديث خاص معروف لنا، أما مع التنوين، فالمراد: زدني من حديث أي حديث، بغير تقيد بنوع معين.
من ثم كان اسم الفعل المنون نكرة، والخالي من التنوين معرفة، وما ينون حينا ولا ينون حينا آخر يجري عليه في كل حالة حكمها المناسب لها. واللغة وحدها -كما وردت عن العرب- هي الفيصل الذي له الحكم على اسم الفعل بالتنوين، أو بعدمه.
٤- أنها تعمل -غالبا- عمل الفعل الذي تدل عليه؛ فترفع مثله الفاعل حتما، وتسايره في التعدي. واللزوم، وباقي المكملات فإن كان فعلها متعديا فهي مثله، وإن كان لازما يتعدى بحرف جر، فهي مثله أيضا. وفي الحالتين لا بد أن ترفع فاعلا. وإن احتاجت لمكملات أخرى استوفت حاجتها. فمن المتعدية كأفعالها: ما سبق١ من: "رويد، وبله: ومن: "دراك" بمعنى: أدرك، ومن: "حذار" بمعنى: احذر كالتي في قول الشاعر:
حذار بني٢ البغي، لا تقربنه حذار؛ فإن البغي وخم مراتعه
ومن اللازمة: هيهات -أف- صه
فإن كان اسم الفعل مشتركا بين أفعال مختلفة، بعضها لازم وبعضها متعد، فإنه يساير في التعدي واللزوم الفعل الذي يؤدي معناه، نحو: حيهل المائدة، بمعنى: ايت المائدة، وحيهل على فعل الخير، بمعنى: أقبل على فعل الخيرن ومنه قولهم: إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر، أي: فأسرعوا بذكر عمر بن الخطاب، ومثل: فإنها تكون متعدية كقوله تعالى: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾
_________________
(١) ١ في ص١٤٨ وما بعدها، وص١٤٣. ٢ أي: يا بني.
[ ٤ / ١٥٥ ]
بمعنى: قربوا وأحضروا. وتكون لازمة نحو نحو قوله تعالى: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ بمعنى اقترب وتعال.
ومن غير الغالب أني خالف اسم الفعل فعله في التعدية واللزوم مثل: آمين؛ فإنه لم يسمع من العرب متعديا بنفسه. مع أن فعله الذي بمعناه، وهو: "استجب"، قد ورد متعديا ولازما؛ اللهم استجب دعائي، أو استجب لدعائب ومثل: "إيه" من حديثك، بمعنى زدني من حديثك؛ فاسم الفعل "إيه" لازم في هذا المثال، مع أن فعله متعد.
أما فاعل أسماء الأفعال:
أ- فقد يكون اسما ظاهرا أو ضميرا للغائب مستترا جوازا، ويكاد١ هذان يختصان باسم الفعل الماضي وحده، نحو: هيهات تحقيق الآمال بغير الأعمال، وقوله: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ ٢، ونحو: السفر هيهات، أي: هو ومثل: عمرو ومعاوية في الدهاء شتان، أي: هما
ب- وقد يكون ضميرا للمخاطب مستترا وجوبا، وهذا هو الأعم الأغلب٣
_________________
(١) ١ قلنا: "يكاد" لأن هناك حالة نادرة عرضها بعض النحاة في قوله تعالى سورة يوسف ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ فأعرب: هيت. اسم فعل ماض بمعنى "تهيأت" ويترتب على هذا أن يكون الفاعل ضميرا مستترا تقديره: "أنا" والجار والمجرور متعلقان باسم الفعل كما يتعلقان بفعله. "راجع المعنى في الكلام على لام التبيين". وقيل: إن "وهيت" اسم فعل أمر بمعنى: "أقبل" أو "تعال" والفاعل ضمير مستتر وجوبا تقديره: أنت، والمراد، إرادتي لك، أو: أقول لك، فالجار والمجرور ليسا متعلقين باسم الفعل، وعلى هذا الرأي لا يكون في الآية اسم فعل ماض، فاعله ضمير للمتكلم؛ لأن هذا غير معهود في فاعله؛ إنما المعهود فيه أن يكون اسما ظاهرا أو ضميرا للغائب مع استتاره جوازا. "راجع المعنى في الموضع السابق وحاشية ياسين على التصريح ج٢ عند الكلام على تقسيم اسم الفعل إلى مرتجل ومنقول". ٢ "لما" اللام حرف جر زائد. "وما" موصولة فاعل، مجرورة بكسرة مقدرة من من ظهورها سكون البناء الأصلي، في محل رفع؛ لأنها فعل: "هيهات". ٣ قلنا: "الأعم الأغلب". لأن هناك حالة نادرة في مثل قولنا: من طلب إدراك غاية فعلية بالسعي الدائب لها، وهو أسلوب مسموع قديما، ومنه قولهم: "فعليه بالصوم". أي فليتمسك بالصوم. فالضمير هنا للغائب. وهو أيضا مستتر جوازا. لكن قال بعض النحاة: إن "عليه" هنا ليست اسم فعل، بل الجار والمجرور على حالهما خير مقدم، والباء بعدهما زائدة، داخلة على المبتدأ المجرور لفظا بها، المرفوع محلا. ولو أخذنا بهذا الرأي لصارت القاعدة مطردة، وهي أن فاعل اسمي الفعل المضارع والأمر لا يكون إلا ضميرا مستترا وجوبا. فإن شئنا أخذنا بهذا وإن شئنا استثنينا من القاعدة المطردة الحالة النادرة.
[ ٤ / ١٥٦ ]
في اسم الفعل المضارع واسم فعل الأمر. ويشترط في هذا الضمير أن يكون مناسبا للمضارع أو للأمر الذي يقوم اسم الفعل مقامه، نحو: أف من عمل الحمقى؛ بمعنى: أتضجر؛ ففاعل اسم الفعل ضمير مستتر وجوبا تقديره: "أنا" وهذا الضمير وحده هو الذي يصلح فاعلا للمضارع: أتضجر. ونحو: صه، بمعنى اسكت. ففاعل اسم الفعل ضمير مستتر وجوبا تقديره: أنت، وهذا المضير وحده هو الذي يلائم فعل الأمر: "اسكت". ومثل قولهم: عليك بدينك؛ ففيه معادك، وعليك بمالك، ففيه معاشك، وعليك بالعلم؛ ففيه رفعه قدرك ، "فعليك" اسم فعل أمر؛ بمعنى: تمسك، وفاعله ضمير مستتر وجوبا تقديره: أنت. وهذا الضمير هو الفاعل المناسب لفعل الأمر: "تمسك".
ومن الأمثلة السالفة يتبين أن فاعل اسم الفعل محتم١، وأنه يماثل فاعل فعله -وأنه في الأعم الأغلب- يكون في اسم الفعل الماضي اسما ظاهرا، أو ضميرا للغائب مستترا جوازا، ويكون في اسم الفعل المضارع والأمر ضميرا مستترا وجوبا للمتكلم -أو لغيره قليلا- وللمفرد أو غيره٢ على حسب فعله، ولا يكاد يصح في هذا الباب كله أن يكون الفاعل ضميرا بارزا٣.
_________________
(١) ١ حاجة اسم الفعل إلى فاعل محترم دليل على اسميته؛ لأن الاسم الذي بعده "وهو الفاعل" يسمى: المسند إليه؛ فهو محتاج حتما إلى: "مسند" يكون فعلا أو اسما. ولا ثالث لهما. واسم الفعل لا يقبل علامة الفعل، فلا يصلح أن يكون فعلا مسندا. فلم يبق إلا أنه اسم مسند. ٢ الأمثلة للفاعل المستتر المفرد كثيرة. أما غيره فالمفردة مثل: أيها الفتاة، عليك بالحزم في كل أمورك. ولغيرها: عليكما بالحزم - عليكما بالحزم - عليكن بالحزم.. وتقدير الفاعل: أنت، أنتما، أنتم، أنتن. "ويتصل بهذا ما سبق في رقم ١ من ص١٤٧". ٣ قد يكون في آخر اسم الفعل ما يدل على الإفراد والتذكير أو فروعها. وعلى المخاطب أو غيره. ومن الأمثلة: رويدك، رويدك، وريكما، رويدكم، رويدكن. على اعتبار: "رويد" اسم فعل أمر، بمعنى الفعل: "أمهلْ" الذي ينصب مفعولا به، والضمير بعده مفعوله. والمعنى أمهل نفسك، نفساكما، أنفسكم، أنفسكن. "راجع ما يتصل بهذا في ص١٤٩". ومثل: عليك الجد في كل أمرك، عليكما، عليكم، عليكن. ومثل: "ها" وهاء "بالمد والقصر" بمعنى: خذ، تقول في اللفظة الأولى: هاك، هاكما، هاكم، هاكن. والفاعل في كل ما سبق ضمير مستتر حتما. =
[ ٤ / ١٥٧ ]
والضابط الذي يجب الاعتماد عليه في هذا الشأن هو أن يوضع في مكان اسم الفعل، الفعل الذي بمعناه؛ فما يصح أن يكون فاعلا لهذا الفعل يصح أن يكون فاعلا لاسم الفعل الذي يدل عليه، ويقوم مقامه، وما لا يصلح للفعل لا يصلح لاسمه أيضا.
واعتمادا على هذا الضابط يتعين أني كون فاعل اسم الفعل، دالا على المفرد المذكر، أو المؤنث، أو المثنى، أو الجمع بنوعيهما -على حسب ما يناسب السياق، ففي مثل: "صه" -كما سبق- قد يكون الفاعل: أنت، أنت، أنتما، أنتم، أنتن، على حسب المخاطب. وقد يكون الفاعل متعددا إذا كان الفعل يحتاج إلى فاعل متعدد، نحو شتان السابق واللاحق في البراعة، كما تقول: افترق السابق واللاحق في البراعة، لأن الافتراق في البراعة أحد الأمور المعنوية١ التي لا تتحقق إلا من اشتراك اثنين معا. أو أكثر في تحقيقها، فيجيء له اسمان مرفوعان به، أحدهما فاعل بغير واسطة، وبعده الآخر مسبوقا بواو العطف -دون غيرها- واسعة بين الفاعل المعطوف، والفاعل المعطوف عليه٢.
_________________
(١) = أما في الثانية: "هاء بالمد" فقد تلتزم صورة واحدة للجميع؛ فتقول: هاء يا على الكتاب، أو يا فاطمة، أو يا عليان، أو يا فاطمتان، أو يا عليون، أو يا فاطمات. ويصح أن يتصل بآخرها علامة الإفراد والتذكير وفروعهما، فتقول: هاء يا علي "بالبناء على الفتح" وهاء يا فاطمة "بالبناء على الكسر" وهاؤما في المثنى، وهاؤم في جمع المذكر، وهاؤن في خطاب جمع المؤنث، فالضمير "ما" و"الميم" و"النون" هو الفاعل، وهو ضمير بارز في هذه الصورة التي هي أفصح من سابقتها وعليها قوله تعالى ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ﴾ -راجع ج٤ ص٤٣ من شرح المفصل. ١ انظر ما يختص بهذا في ص١٤٢ و١٤٦. ٢ وقد تقع "ما" الزائدة بعد "شتان" مباشرة وقبل الفاعل؛ كقول الأعشى: "يصف شقاءه. وما يلقاه من العناء كل يوم. على حين يقضي "حيان" أخو جابر يومه في الرفاهة والمتعة بضروب النعم -"وحيان" هذا أحد سادات بني حنيفة، ومن أوسعهم ثروة، وأعظمهم حظوة عند ملوك الفرس. شتان ما يومي على كورها ويوم حيان أخي جابر فكلمة: "ما" زائدة، و"يوم" الأولى" فاعل، والثانية معطوفة عليها بالواو، فهي فاعل في المعنى كالأولى. وقد ورد في الفصيح وقوع: "ما بين" بعد شتان، ومنه قولهم: "لشتان ما بين اليزيدين في الندى". والأسهل في هذه الصورة أن تكون "شتان" بمعنى: "بعد" وما اسم موصول. أي: بعدت المسافة بين اليزيدين، والشرط -وهو أن التفرق لا يحصل إلا من اثنين فأكثر- متحقق؛ لأنه إذا تباعد ما بينهما فقد تباعد كل واحد منهما عن الآخر، ومثل هذا قول علي ﵁: "شتان ما بين عملين، عمل تذهب لذته، وتبقى تبعته، وعمل تذهب مؤنته، ويبقى أجره".
[ ٤ / ١٥٨ ]
٥- جميع أسماء الأفعال ليس لها محل إعرابي مطلقا -مع أنها أسماء مبنية، عاملة، كما تقدم- فلا تكون مبتدأ، ولا خبرا، ولا فاعلا، ولا مفعولا به، ولا مضافا ولا مضافا إليه ولا شيئا آخر يقتضي أن تكون مبنية في محل رفع، أو في محل نصب، أو في محل جر، فهي مبنية لا محل لها من الإعراب.
٦- أن مفعولاتها -في الأعم الأغلب- لا تتقدم عليها١؛ مثل: عليك بالحق، بمعنى: تمسك بالحق، وعليك نفسك، بمعنى: الزم شأنك ولا يصح -بناء على الأعم الأغلب- أن يقال: بالحق عليك، ونفسك عليك٢
٧- أنها لا تلحقها نون التوكيد مطلقا٣. ويتساوى في هذا المنع أن تكون أسماء الأفعال دالة على طلب، أو على خبر، فالأولى كأسماء فعل الأمر "صه، مه، آمين"، والثانية كأسماء الفعل الماضي أو المضارع "هيهات، شتان، أف، واها".
٨- أن اسم الفعل مع فاعله بمنزلة الجملة الفعلية؛ فلهما كل الأحكام التي تختص بالجمل الفعلية، كوقوعها خبرا، أو صفة، أو صلة، أو حالا
_________________
(١) ١ يرى الكسائي ومن شايعه جواز التقديم، مستدلا بقراءة من قرأ قوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بنصب "كتاب" على أنها مفعول به لاسم الفعل: "عليكم" بمعنى: الزموا ٢ وفيما يلي كلام ابن مالك في أنها تعمل عمل الفعل الذي تنوب عنه، وفي أن بعضها نكرة -وهو المنون تنوين التنكير- وبعضها معرفة، وهو غير المنون، وفي أن معمولاتها لا تتقدم عليها. وما لما تنوب عنه من عمل لها. وأخر ما لذي فيه العمل "تقدير البيت نحويا: وأخر ما العمل فيه لذي أي: لهذه الأسماء وما من عمل لما تنوب عنه، لها. أي: وشيء وهو عمل للذي تنوب عنه لها. فما يثبت من عمل للفعل النائبة عنه يثبت لها. فكلمة "ما" الأولى بمعنى شيء، مبتدأ، وخبره الجار مع المجرور: "لها". والبيت مع تعقيده اللفظي يتضمن أمرين: أولهما: إعمالها كفعلها، وثانيهما: تأخير معمولاتها عنها. ثم قال: واحكم بتنكير الذي ينون منها، وتعريف سواه بين "بين واضح. وسبب وضوحه تجرده من التنوين الذي يدل وجوده على التنكير، ويدل عدمه على التعريف". ٣ كما سيجيء في ص١٦٧.
[ ٤ / ١٥٩ ]
و وكاعتبارها جملة إنشائية إن دلت على طلب، "كاسم فعل الأمر، وما كان على وزن: "فعال" "وخبرية إن لم تدل على إنشاء "كاسم الفعل الماضي، أو المضارع " وغير هذا من كل ما تصلح له الجملة الفعلية الضوابط والشروط الخاصة بكل حالة١
٩- أن بعضا منها تلحقه الكاف سماعا، بشرط اعتبارها حرف خطاب محض. ومما ورد به السماع: "وي" بمعنى: أعجب. "حيهل" بمعنى: أقبل٢ و"النجاء" بمعنى: أسرع، و"رويد" التي بمعنى: تمهل٣، فقد العرب: ويك، وحيهلك، والنجاءك، ورويدك. والكاف في الأمثلة السالفة حرف خطاب متصرف٤، لا يصلح أن يكون ضميرا مفعولا به لاسم الفعل، لأن أسماء الأفعال السالفة لا تنصب مفعولا به؛ لقيامها معنى وعملا مقام أفعال لا تنصب مفعولا به. وكذلك لا يصح أن تكون هذه الكاف ضميرا في محل جر مضافا إليه؛ لأن أسماء الأفعال مبنية، ولا تعمل الجر مطلقا؛ فلا يكون واحد منها مضافا.
_________________
(١) ١ خالف في هذا شارح المفصل فقد قال "في ج٤ فقد قال "في ج٤ ص٢٥ باب أسماء الأفعال" ما نصه: "اعلم أن هذه الأسماء وإن كان فيها ضمير تستقل به فليس ذلك على حده في الفعل. ألا ترى الفعل يصير بما فيه من الضمير جملة، وليست هذه الأسماء كذلك بل هي مع ما فيها من الضمير أسماء مفردة على حده في اسم الفاعل واسم المفعول، والظرف. والذي دل على أن هذه الألفاظ أسماء مفردة إسناد الفعل إليها، قال زهير: ولنعم حشو الدرع أنت إذا دعيت "نزال" ولج في الذعر فلو كانت "نزال" بما فيها من الضمير جملة ما جاز إسناد "دعيت" إليها من حيث كانت الجمل لا يصح كون شيء منها فاعلا". قال الأعلم في البيت السابق ما نصه: "إنما أخبر عن "نزال" على طريق الحكاية. وإلا فالفعل وما كان اسما له. لا ينبغي أن يخبر عنه ". ا. هـ. ٢ كما سبق في ص١٤٥ وفي رقم٢ من هامشها. وفيه صور ضبطها. ٣ لأن الفعل: "تمهل" لازم لا ينصب مفعولا به، فكذلك اسم الفعل الذي بمعناه، فإن الكاف بعده حرف مجرد الخطاب في الصور المختلفة، ولا يصح اعتباره مفعولا. بخلاف "رويد" الذي بمعنى "أمهل" فإنه ينصب المفعول به كالفعل الذي بمعناه. وقد سبق بعض ما يتصل به في رقم ٣ من ص١٤٩: ورقم ٣ من هامش ص١٥٧. ٤ يتصرف على حسب المخاطب تذكيرا وتأنيثا، وإفرادا، وتثنية، وجمعا الذي تقدم في ج، م١٩ ص٢١٥ باب الضمير.
[ ٤ / ١٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) زيادة وتفصيل: نختم الباب بسرد بعض آخر من أسماء الأفعال المختلفة الأنواع، يكثر ترداده في الكلام العربي القديم، ونكتفي بضبط واحد مما له أكثر من ضبط.
[ ٤ / ١٦١ ]
المسألة ١٤٢: أسماء الأصوات يراد منها نوعان:
أولهما: ألفاظ توجه إلى الحيوان الأعجم، وما في حكمه -كالأطفال- إما لزجره وتخويفه، لينصرف عن شيء، وإما لحثه على أداء أمر معين بمجرد سماعه أحد هذه الألفاظ، دون حاجة إلى مزيد. فالمراد من توجيه اللفظ هو طلب الامتناع، أو طلب الأداء.
وكلا الأمرين -الانصراف عن الشيء، وأداء الأمر المعين- لا يتحقق إلا بعد تمرين، وانقضاء مدة تتكرر فيها المخاطبة باللفظ، ويتدرب فيها الحيوان وما في حكمه على إنفاذ المطلوب منه عند سماعه؛ فيدرك -بعد التكرار الذي يصاحبه التدريب- المراد من توجيه اللفظ إليه، ومن مخاطبته به، وأن هذه المراد هو الرجز، أو الحث، "بمعناها السالفين" ويكتفي في إدراك الغرض بسماع اللفظ دون زيادة عليه.
فمن أمثلة الزجر ما كان يوجهه العرب لبعض الحيوانات -وأشباهها- بسبب بغيض يراد العدول عنه، كزجرهم الإبل على البطء والتأخر، فيوجهون لها أحد الألفاظ الآتية: "هيد، هاد، ده، جه، عاه، عيه " وقولهم لزجر الناقة: "عاج، هيج، حل " وكقولهم لزجر الغنم: "إس، هس، هس، هج" وللكلب: "هجا، هج " وللضأن: "سع، وح، عز، عيز " وللخيل: "هلا، هال". وللطفل: "كخ. كخ " وللسبع: "جاه"، وللبعل: "عدس "
إلى غير هذا من ألفاظ الرجز عندهم، وهي كثيرة في عددها، وضبط حروف كل منها.
ومن أمثلة ما يوجه للحيوانات وأشباهها، لا بقصد زجرها؛ وإنما بقصد تكليفها أمرا كي تؤديه وتقوم بإنفاذه قول العرب للإبل؛ "جوت"، أو" "جئ"،
[ ٤ / ١٦٢ ]
إذا أرادوا منها الذهاب للماء لتشرب، و"نخ"، إذا طلبوا منها الإناخة. و"هدع"، إذا أرادوا منها الهدوء والسكون من النفار. و"سأ، وتشؤ"، إذا أرادوا من الحمار الذهاب للماء، ليشرب. "ودج. وقوس" لدعوة الدجاج إلى الطعام والشراب و"حاحا" للضأن، و"عاعا" للمعز؛ ليحضر الطعام
ثانيهما: ألفاظ صادرة من الحيوان الأعجم١، أو مما يشبهه كالجماد ونحوه، فيرددها الإنسان ويعيدها كما سمعها: تقليدا، ومحاكاة لأصحابها، من غير أن يقصد من وراء هذه دلالة أخرى. فقد كان العربي يسمع صوت الغراب، فيقلده قائلا: "غاق"، أو: صوت الضرب؛ فيقول محاكيا: "طاق"، أو صوت وقوع الحجارة، فيحاكيه: "طق"، أو صوت ضربة السيف فيردده: "قب"، أو صوت طي القماش، فيقول: "قاش ماش"٢ إلى غير هذا من الأصوات التي كان يسمعها فيحاكيها٣ دون أن يريد من المحاكاة معنى آخر.
أشهر أحكامها:
١- أنها أسماء٤ مبنية، لا محل لها من الإعراب، ما دامت أسماء تدل على
_________________
(١) ١ أما الحيوان الناطق فألفاظه ذات معان، وإلا كان كغيره. ٢ قاش ماش "بكسر الشين فيهما" مركب مزجي مبني على الكسر لا محل له من الإعراب، وهو من المركبات المزجية المتعددة التي تكون اسم صوت مع تركيبها المزجي. ٣ وفي النوعين يقول ابن مالك في الباب الذي عنوانه: "أسماء الأفعال والأصوات": وما به خوطب ما لا يعقل من مشبه اسم الفعل صوتا يجعل "التقدير: ما به خوطب ما لا يعقل يجعل صوتا" يريد: أن ما يشبه اسم الفعل -في أنه لا يحتاج في أداء المراد منه إلى لفظ آخر- يسمى: اسم صوت. وهذا تعريف قاصر مبتور، فوق أن تشبيه اسم الصوت باسم الفعل فيما سبق غير صحيح؛ لأن اسم الفعل لا بد له من فاعل ظاهر أو ضمير، فلا يفرد بنفسه، وقد يحتاج لمعمولات أخرى كما سبق في بابه "ص١٥٥". ثم اقتصر في بيان أنواعه وأحكامه على بيت واحد ختم به الموضوع هو: كذا الذي أجدى حكاية؛ كقب والزم بنا النوعين؛ فهو قد وجب المراد: حكاية صوت الجماد وغيره، وقب: صوت السيف. واسم الصوت بنوعيه مبني وجوبا كما يقول في بيته. وقوله يحتاج إلى تفصيل وإبانة عرضناهما. ٤ يعترض بعض لنحاة على اسميتها؛ بحجة أن الاسم لا بد أن يكون له معنى مفرد، مفهوم =
[ ٤ / ١٦٣ ]
مجرد الصوت، ولم تخرج من هذه الدلالة إلى تأدية معنى آخر. وما كان مسموعا عن العرب يجب إبقاؤه على صيغته، وحالته الواردة عنهم من غير إدخال تغيير عليه في عدد حروفه، أو في نوعها، أو ترتيبها، أو ضبطها، أو علامة بنائها.. كالأمثلة السالفة. أما المستحدث بعدهم فيلازم ما شاع فيه؛ لأن إنشاء الأصوات واستحداثها -جائز في كل عصر١، ويجري على الجديد المستحدث ما يجري من الأحكام على المسموع الوارد عن العرب؛ فيعتبر اسما واجب البناء بالعلامة التي يشيع بها النطق في عصره، وتسري عليه بقية الأحكام الأخرى الخاصة بأسماء الأصوات.
لكن هناك حالتان؛ إحداهما: يجب٢ فيها إعراب أسماء الأصوات بنوعيها المسموعة عن العرب، والموضوعة المستحدثة بعدهم. والأخرى: يجوز فيها الإعراب والبناء.
أ- فيجب٢ إعرابها إذا خرجت عن معانيها الأصلية التي هي الصوت المحض، وصارت اسما متمكنا يراد به: إما صاحب الصوت؛ الذي يصدر عنه الصوت والصياح مباشرة، وينسبان له أصالة دون غيره. وإما شيء آخر ليس هو الصاحب الأصيل للصوت، وإنما يوجه له الصوت والصياح توجيها يقصد منه الزجر، أو التهديد أو غيرهما
فمثال الأول: أزعجنا غاق الأسود، وفزعنا من غاق الأسود ، فكلمة: "غاق"، بالتنوين، لا يراد منها هنا أصلها، وهو: صوت الغراب، وإنما يراد
_________________
(١) = وهذه الألفاظ لا تدل على معنى مفهوم؛ لأنها توجه إلى من لا يفهم، ويخاطب بها غير العاقل. وقد دفع هذا الاعتراض بأن المقصود بدلالة الاسم على معنى مفرد مفهوم أنه إذا أطلق فهم منه العالم بالوضع اللغوي معناه. وهذا ينطبق على أسماء الأصوات. فليس الشرط في الاسم أن يخاطب به من يعقل ليفهم معناه. وقيل إنها ملحقة بالأسماء وليست أسماء ولا أهمية للخلاف؛ إذ الأهمية لأحكامها الآتية. ويقولون إن سبب بنائها هو: شبهها الحروف المهملة "مثل: لا، وما، النافيتين" في أنها غير عاملة، ولا معمولة. والسبب الحق هو: مجرد استعمال العرب الأوائل -كما كررنا. ١ ومنها أصوات الحيوانات والطيور التي لم يعرفها العرب، والأصوات التي وجدت بعدهم؛ كأصوات السيارات، والطيارات، والبواخر، والآلات المختلفة، ما جد منها وما سيجد. ٢ و٢ تبعا للأغلب -كما سيجيء في الهامش التالي.
[ ٤ / ١٦٤ ]
أنها اسم يدل على صاحب هذا الصوت نفسه؛ أي: على الذي ينسب له الصوت ويشتهر به، وهو: "الغراب" ذاته، لا صوته الصادر منه. فالغراب هو المسمى، و"غاق" في الجملتين اسم معرب متمكن، فاعل في الجملة الأولى، ومجرور "بمن" في الجملة الثانية.
ومثل: ما أقسى قبا. فكلمة: "قبا" -بالتنوين- اسم معرب متمكن منصوب في هذه الجملة؛ لأن المراد بها هنا: "السيف" نفسه، مع أنها في الأصل اسم صوت للسيف، مبنية على السكون، ولا تنون. لكنها اسما لصوته، مبنية غير منونه. فالمراد في الأمثلة السابقة ونظائرها هو: أزعجنا الغراب -فزعنا من الغراب- ما أقسى السيف.
ومثال الثاني: أردت هالا السريع؛ فصادفت عدسا الضخم. وأصل كلمة: "هال" اسم صوت صادر من الإنسان، يوجه إلى الفرس لزجره. وأصل كلمة: "عدس" اسم صوت صادر من الإنسان يوجه إلى البغل لزجره، فكلتا الكلمتين تركت هنا أصلها، والبناء، وصارت اسما معربا مرادا منه الحيوان الأعجم -وشبهه- مما لا يصدر عنه ذلك الصوت، إنما يوجه إليه من غيره١.
ب- ويجوز إعرابها وبناؤها إذا قصد لفظها نصا؛ مثل: فلان لا يرعوي إلا بالزجر؛ كالبغل لا يرعوي إلا إذا سمع: "عدس" أو: "عدسا" بالبناء على السكون، أو بالإعراب، والمراد: إلا إذا سمع هذه الكلمة نفسها.
٣- أنها -في أصلها- أسماء منفردة، مهملة. والمراد من انفرادها: أنها لا تحمل ضميرا، وهذا نوع من أنواع الاختلاف بينهما وبين أسماء الأفعال. والمراد من إهمالها أنها لا تتأثر بالعوامل المختلفة ولا تؤثر في غيرها، فلا تكون مبتدأ، ولا خبرا، ولا فعلا، ولا فاعلا، ولا مفعولا ولا شيئا آخر يكون عاملا أو معمولا -إلا في الحالتين السالفتين: "أ، ب، بصورهما الثلاث". ومن ثم
_________________
(١) ١ بعض النحاة يجيز بناءها في الصور السالفة مراعاة لأصلها. ولكن الإعراب أوضح وأقدر على أداء المعنى؛ فيحسن الاقتصار عليه.
[ ٤ / ١٦٥ ]
تختلف أيضا عن أسماء الأفعال؛ فهذه لا بد أن تعمل.
وخلاصة ما تقدم: أن أسماء الأصوات إذا بقيت على وضعها الأصلي اسم صوت محض، بالطريقة التي شرحناها. أما إذا قصد لفظها، أو استعملت استعمال الأسماء المتمكنة -بأن انتقلت من معناها الأصلي إلى الدلالة على صاحبها الأصيل الذي يصيح ويصوت بها، أو على من يتجه إليه النطق بها- فإنها في هذه الصور الثلاث تكون معربة إما وجوبا؛ كما في: "أ" بفرعيها، وإما جوازا كما في: "ب" فالشرط في إهمالها، وفي بنائها لزوما أن تبقى على حالتها الأولى اسم صوت مجرد، لا محل لها من الإعراب؛ فلا تكون في محل رفع، ولا نصب ولا جر، وإنما يقال فيها: اسم صوت مبني على الضم، أو الفتح، أو الكسر، أو السكون، على حسب حالة آخره.
[ ٤ / ١٦٦ ]
المسألة ١٤٣: نونا التوكيد
يراد بهما: نونان، إحداهما مشددة مبنية على الفتح، والثانية مخففة مبنية على السكون؛ كالنونين في قولهم: لا تقعدن عن إغاثة الملهوف، وبادرن بمعاونته.
وهما من أحرف المعاني١، وتتصل كل واحد منهما بآخر المضارع والأمر فتخلصهما للزمن المستقبل٢؛ ولا تتصل بهما إن كانا لغيره٣، وكذلك لا تتصل بالفعل الماضي، ولا بأسماء الأفعال مطلقا؛ "سواء أكانت طلبية أم خبرية"٤ ولا بغيرها من الأسماء والحروف؛ نحو: "لا تحملن حقدا على من ينافسك في الخير، وابذلن جهدك الحميد في سبقه، وإدراك الغاية قبله". فالنون في آخر الفعلين حرف للتوكيد، ويصح تشديدها مع الفتح، أو تخفيفها مع التسكين. وقد اجتمعا في قوله تعالى في قصة يوسف: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلِيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ .
أثرهما المعنوي:
لو سمعت من يقول: "لا تنفع النصيحة الأحمق. ولا يفيده التأديب" فقد تتردد في تصديق الكلام، وبداخلك الشك في صحته. ولك العذر في هذا، لأن المتكلم لم يحسن التقدير؛ إذ كان عليه أن يدرك بخبرته وذكائه أن مثل هذا الكلام قد يقابل بالتردد والشك؛ فيعمل على أن يدفعهما، ويمنع تسربهما إلى ذهن السامع، بإحدى الوسائل الكلامية التي عرض لها البلاغون -ومنها: نون التوكيد فلو أنه قال: لا تنفعن ولا يفيدنه لكان مجيء نون التوكيد، بمثابة القسم على صحة الكلام وصدقه، أو بمنزلة تكراره وإعادته بقصد
_________________
(١) ١ سبق تفصيل الكلام على أحرف المعاني، في ج١ م٥ ص٦٢، باب: "الحرف". ٢ أو تقويه -كما سيجيء. ٣ قد يكون -أحيانا- زمن المضائع والأمر، لغير المستقبل؛ "طبقا للبيان الخاص بهذا في ج١ م٥٤ و٦١ باب الفعل"؛ فلا تدخلهما في هذه الحالة نون التوكيد -ثم انظر "ا" ص١٧٧. ٤ كما تقدم في رقم٧ من ص١٥٩.
[ ٤ / ١٦٧ ]
تأكيد مضمونه، وصحة ما حواه، فلا يكون هناك مجال للشك والتردد عند من هو مستعد للاقتناع.
ومثل هذا أن يقال لك: "أكثر من الحساد بفضلك"، "ولا تكثر من الأعداء بجهلك". أو: "تجنب شر القتلة؛ شاهد الزور"، "وهل يبرئ القاتل، وهل يقتل البريء سواه؟ " فقد تزعم أن المتكلم يعرض عليك كل مسألة من هذه المسائل عرضا مجردا، "أي: خاليا من رغبته القوية وتشدده في مطالبتك بالتنفيذ أو بالترك، خاليا من الحرص على تأديتك ما تحدث بشأنه أو عدم تأديتك، وتصديقك به أو عدم التصديق".
وقد يكون لك الحق في هذا الزعم؛ فليس في الكلام ما يبعده، فلو رغب المتكلم أن يبعد الزعم، ويشعر السامعين بتمسكه بمضمون كلامه، وتشدده في التنفيذ والتأدية، وحرصه على تصديق ما قال لزاد في الكلام ما يدل على هذه الرغبة؛ كأن يزيد "نون التوكيد"، على آخر الفعل المضارع أو الأمر؛ فإن زيادتها تفيد معنى الجملة قوة. وتكسبه تأكيدا؛ إذ تبعد عنه الاحتمال السابق، وتجعله مقصورا على الحقيقة الواضحة من الألفاظ؛ دون ما وراءها من احتمالات. فلو قيل في الأمثلة السالفة: "أكثرن ، لا تكثرن ، تجبن ، يبرئن، يقتلن " لكان مجيء نون التوكيد برغم اختصارها البالغ بمنزلة القسم، وبمنزلة قول المتكلم: إني أؤكد كلامي، وأتشدد في أن تنفذ مضمونه في المستقبل، وأحرص على أن تصدقه. أو: بمنزلة تكرار ذلك الكلام، وإعادته لتحقيق الغرض السالف، ومن أجله سميت: بـ"نون التوكيد". والمشددة أقوى في تأدية التوكيد من المخففة.
وفوق هذا فكلتاهما تخلص المضارع للزمن المستقبل، سواء أكان اتصالها به مباشرا أم غير مباشر١. ومن ثم دخولها على المضارع إذا كان للحال، أو للمضي أحيانا -كما سبق- منعا للتعارض بينهما.
أما الأمر فزمنه مستقبل في الأغلب؛ فتقوي فيه الاستقبال. فإن كان لغيره خلصته للمستقبل المحض.
_________________
(١) ١ يكون غير مباشر؛ لوجود فاصل بينهما؛ كالضمير.
[ ٤ / ١٦٨ ]
فالأثر المعنوي لهذه النون هو: توكيد المعنى على الوجه السالف، وتخليص زمن المضارع للاستقبال، وتقوية الاستقبال في فعل الأمر أو إرجاعه إليه.
وقد تفيد النون -مع التوكيد- الدلالة على الإحاطة والشمول إذا كان الكلام لغير الواحد، ففي مثل: يا قومنا احذرن مكايد الأعداء يكون المراد: يا قومنا كلكم، أو جميعكم، فردا فردا
وخلاصة كل ما تقدم: أنهما حرفان من أحرف المعاني، يلحقان بآخر المضارع وآخر الأمر، لتلخيص هذين الفعلين للزمن المستقبل، ولا يلحقان بهما ولا بغيرها من الأفعال التي لا يراد منها المستقبل الخالص، ولا أسماء الأفعال مطلقا، ولا سائر الأسماء، والحروف. وأن فائدتهما المعنوية هي: تأكيد المعنى وتقويته بأقصر لفظ، وتخليص المضارع للزمن المستقبل، وتقوية الاستقبال في الأمر، أو إرجاعه إليه، وأنهما قد يفيدان -مع التوكيد- الشمول والعموم في بعض الصور.
آرثاهما اللفظية، والأحكام المترتبة على وجودها:
لنوني التوكيد آثار لفظية مشتركة بينهما، تحدث من اتصال إحداهما بآخر المضارع، المتجرد للمستقبل، أو بآخر الأمر كذلك. وتمتاز الخفيفة بأحكام خاصة تنفرد بها دون الثقيلة.
وأهم الآثار المشتركة بينهما هو:
١- بناء المضارع على الفتح، بشرط أن تتصل به نون التوكيد اتصالا مباشرا؛ بأن يكون خاليا من ضمير رفع بارز١ يفصل بينهما؛ ذلك أن المضارع معرب دائما، إلا إذا اتصلت به اتصالا مباشرا نون التوكيد؛ فيبنى على الفتح، أو نون
_________________
(١) ١ ضمائر الرفع البارزة التي تتصل بآخر المضارع والأمر وتحدث فيهما تغييرات مختلفة -هي: ألف الاثنين وواو الجماعة، وياء المخاطبة، ونون النسوة. وستجيء التغييرات في ص١٧٧ وما بعدها- وقد سبق "في ج١ ص٥٣ م٦" تفصيل الكلام على بناء المضارع، ومنه: أن يكون اتصال نون التوكيد به مباشرا عند بنائه على الفتح. أما نون النسوة فاتصالها به لا يكون إلا مباشرا دائما، ويبني معها على السكون -كما في رقم٣ من هامش ص١٨٥ و١ من هامش ص١٨٩.
[ ٤ / ١٦٩ ]
النسوة؛ فيبنى على الكسون. كقول شوقي في وصف الدنيا:
لا تحفلن ببؤسها ونعيمها نعمى الحياة وبؤسها تضليل
وكقوله في الأمهات المصريات المجاهدات:
ينفثن في الفتيان من روح الشجاعة والثبات
يهوين تقبيل المهنـ ـد، أو معانقة الفتاة١
ويدخل فيما سبق: المضارع المسبوق بلام الأمر أو بغيرها من الجوازم التي يصح الجمع بينهما وبين نون التوكيد؛ فإنه يبنى على الفتح في محل جزم٢؛ كقولك للمهمل: لتحترمن عملك. ولتكرمن نفسك بإنجازه على خير الوجوه. ومثل: إما٣ تنصرن ضعيفا فإن الله ناصرك ، فالأفعال: "تحترم، وتكرم، وتنصر " مبنية على الفتح؛ لاتصالها المباشر بنون التوكيد، في محل جزم بلام الأمر. فإن لم يكن الاتصال بين المضارع ونون التوكيد مباشرا نشأت أحكام سنعرضها بعد٤
٢- بناء فعل الأمر على الفتح، بشرط اتصاله بنون التوكيد اتصالا مباشرا، فلا يكون متصلا بضمير رفع بارز٥ يفصل بينهما؛ نحو: اشكرن من أحسن إليك، وكافئنه بالإحسان إحسانا، واعلمن أن كلمة حمد وثناء قد تكون خير جزاء٦.
_________________
(١) ١ الرمح. ٢ ومن الأمثلة: "تكونن" في قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ وكذلك المضارع "تحفل" في البيت السالف و"تضجر" في قول الآخر: لا تضجرن ولا يدخلك معجزة فالفوز يهلك بين العجز والضجر فالأفعال المضارعة السالفة مبنية على الفتح في محل جزم بلا الناهية. ٣ أصلها: "إن" الشرطية المدغمة في "ما" الزائدة. ٤ في ص١٨٥ و١٩٥. ٥ انظر رقم ١ من هامش الصفحة السابقة. ٦ ولا داعي لأن نقول: فعل أمر مبني على سكون مقدر منع من ظهوره الفتحة الآتية لمناسبة النون وإنما نقول -تيسيرا بغير تلك الإطالة: فعل أمر مبني على الفتح، لاتصاله بنون التوكيد.
[ ٤ / ١٧٠ ]
فإن كان فعل الأمر متصلا بضمير رفع بارز يفصل بينهما فإنه يجري عليه ما يجري على المضارع المسند لذلك الضمير من غير اختلاف في الأحكام ولا في التغيرات؛ فالمضارع والأمر سيان فيما يجري عليما عند الإسناد لضمائر الرفع البارزة، ح سواء أكان آخرهما صحيحا أم معتلا، مؤكدين أم غير مؤكدين، مع ملاحظة الاختلاف بينهما في ناحتين هامتين:
أولاهما: أن الأمر مبني دائما في كل الأساليب؛ سواء أكان مؤكدا أم غير مؤكد.
وثانيهما: أنه لا تلحقه نون الرفع مطلقا. وسيجيء تفصيل الكلام عليه مع المضارع آخر الباب١.
٣- أن توكيد فعل الأمر بها جائز في كل أحواله٢، بغير قيد ولا شرط، وكذلك المضارع المبدوء بلام الأمر.
أما المضارع المرجد من هذه اللام فلتوكيده أحوال أربعة٣، هي: وجوب التوكيد، وامتناعه، واستحسانه، وقلته. وإليك البيان:
الأولى والثانية: يجب توكيده، حين يكون مثبتا، مستقبلا، جواب قسم، مبدوءا باللام٤ التي تدخل على جواب القسم، ولا يفصل بينه وبين هذه اللام فاصل؛ نحو: والله لأعملن الخير جهدي -بالله لأجتنبن قول السوء قدر استطاعتي- تالله لنحاربن الشر ما وسعتنا المحاربة٥ فالأفعال المضارعة: "أعمل، أجتنب، نحارب " واجبة التوكيد بالنون، لاستيفهائها الشروط
_________________
(١) ١ في ص١٨٥ و١٩٩. ٢ فتدخل الحالات التي يخرج فيها عن معنى الأمر الخالص إلى غرض آخر مع بقاء صيغته على حالها؛ كخروجه إلى الدعاء في شعر لأحد الأنصار كان يردده النبي ﵇ يوم غزوة الخندق، ومنه: فثبت الأقدام إن لاقينا وأنزلن سكينة علينا ٣ انظر "ب" من الزيادة والتفصيل ص١٧٧. ٤ عنه من يرى -كالبصريين- أن هذه اللام لا تعينه للحال -وسيجيء هذا في ص١٧٢. ٥ أي: مدة اتساع المحاربة لنا، واقتدارنا عليها.
[ ٤ / ١٧١ ]
كلها، فهي مثبتة، مستقبلة الزمن١، وقبلها قسم وقعت في جوابه، مصدرة بلام الجواب، بغير فاصل بينهما.
فإذا فقد بعض الشروط نشأت صورة جديدة قد يمتنع فيها توكيده، وقد يصح إذا انطبقت عليها أوصاف المنع أو أوصاف الجواز التالية:
فمن الصور التي يمتنع فيها توكيد المضارع بالنون أن يفقد شرط الثبوت في الحالة السالفة فيكون منفيا، إما لفظا: نحو: إن دعيت للشهادة فوالله لا أكتم الحق، وإما تقديرا، نحو: قوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ أي: لا تفتأ، لأن حذف "لا" النافية كثير في جواب القسم عند أمن اللبس٢.
ومن الصور التي يمتنع فيها توكيدا أيضا أن يفقد شرط الاستقبال في تلك الحالة أيضا؛ فيكون زمنه للحال بقرينة تدل على هذا، كقول الشاعر:
لئن تك قد ضاقت عليكم بيوتكم ليعلم ربي أن بيتي واسع
_________________
(١) ١ لأن نون التوكيد تخلص زمن المضارع للمستقبل، ولا علامة أو قرينة هنا تمنع تجرده للاستقبال "كما أوضحنا في ص ١٦٨، وفي ج١ ص٥٩ م٤". ٢ تحذف العرب -أحيانا- "لا" النافية في جواب القسم، مع ملاحظتها وتقديرها في المعنى؛ لأن اللبس عندئذ بين المنفى والموجب مأمون؛ إذ لو كان الجواب غير منفي في المعنى والتقدير لوجب أن يكون المضارع مؤكدا باللام والنون معا، جريا على الأغلب في جواب القسم عند البصريين، وبأحدهما عند -أكثر الكوفيين- ومن أمثلة حذف "لا" النافية في الآية السالفة: "تالله تفتأ تذكر يوسف" أي: لا تفتأ ما جاء في أمالي أبي القاسم الزجاجي -ص٥٠- في بيت ليلى الأخيلية ترثي توبة: فأقسمت أبكي بعد توبة هالكا وأحفل من دارت عليه الدوائر أي: لا أبكي ولا أحفل؛ فقد جاء ما نصه: "تريد: لا أبكي والعرب تضمر "لا النافية" في جواب القسم مع ملاحظتها في المعنى؛ لأن الفرق بينه وبين الموجب قد وقع بلزوم الموجب اللام والنون: كقولك: والله لأخرجن. قال الله ﷿: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ أي: لا تفتأ تذكر يوسف". ا. هـ. وقال الشاعر: فقلت يمين الله أبرح قاعدا ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي أي: لا أبرح وقد ذكرنا ما تقدم بمناسبة أخرى في الجزء الأول عند الكلام على: "فتئ" م٤٢ ص٥١٠ وفي الجزء الثاني م٩٠ ص٣٨٣ بمناسبة الكلام على أحرف القسم وجوابها.
[ ٤ / ١٧٢ ]
وقول الآخر:
يمينا لأبغض كل امرئ يزخرف قولا، ولا يفعل
لأن المعنى هنا على الحالية، ولأن لام جواب القسم الداخلة على المضارع تخلص زمنه للحال -عند فريق من النحاة-١ ونون التوكيد تخلصه للمستقبل؛ فيتعارضان.
ومن الصور الممنوعة أيضا أن يكون في تلك الحالة السالفة مفصولا من لازم الجواب، إما بمعموله، وإما بغيره؛ كقد، أو سوف، أو السين ؛ نحو: والله لغرضكم تدركون بالسعي الدائب، والعمل الحميد. ومثل: والله لقد تنالون رضا الناس بحسن معاملتهم. ونحو قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ والأصل: والله لسوف
الثالثة: أن يكون توكيده هو الكثير المستحسن؛ لكنه -مع كثرته واستحسانه- لا يبلغ درجة الواجب. وأمارته: أن يكون المضارع فعل شرط للأداة: "إن" الشرطية المدغم فيها "ما" الزائدة للتوكيد "أي: إما"، أو: يكون مسبوقا بأداة طلب تفيد الأمر، أو النهي، أو الدعاء؛ أو العرض٢، أو التحضيض، أو التمني، أو الاستفهام
فمثال المضارع المسبوق "بإما": إما تحذرن من العدو تأمن أذاه، وإما تهملن الحذر تتعرض للخطر. والأصل: إن تحذر وإن تهمل زيدت "ما" على "إن" الجازمة، وأدغمت فيها، ولا يحسن في النثر ترك هذا
_________________
(١) ١ غير البصريين -كما أشرنا في رقم ٤ من هامش ص١٧١- ومعلوم أن الذي يعين المضارع للحال أمور؛ منها: كلمة: الآن، أو: الساعة ، ومنها: النفي بليس، ومنها: لام الابتداء ، إلى غير هذا مما سردناه في موضعه الأنسب "ج١ ص٣٦ م٤" فمن يريد الدلالة على الحال بغير لام القسم في مثل البيتين السالفين فله وسائل؛ منها: أن يقول في النثر: ليعلم الآن. ويمينا لأبغض الساعة. ٢ العرض: طلب فيه لين ورفق "ويظهران في اختيار الكلمات الرقيقة، وفي نبرات الصوت" والتخصيص: طلب فيه عنف وشدة "ويظهران في اختيار الكلمات الجزلة، والضخمة، وفي النبرات القوية العنيفة". والأداة الغالبة في العرض هي: "ألا" المخففة. وقد تستعمل قليلا للتحضيض. وأدواته الغالبة هي: لولا، لوما، هلا، ألا، وسيجيء الكلام على هذه الأدوات في بابها الخاص -ص٥١٢.
[ ٤ / ١٧٣ ]
التوكيد بعد: "إما"، لكنه يصح في الشعر للضرورة، كقول القائل:
يا صاح، إما تجدني غير ذي جدة١ فما التخلي عن الإخوان من شيمي
ومثال المسبوق بأداة تفيد الأمر: لتحذرن مديح نفسك، ولتدعن الثناء عليها، وإلا كنت هدفا للسخرية والمهانة.
ومثال المسبوق بالنهي قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾، وقول الشاعر:
لا تحسبن العلم ينفع وحده ما لم يتوج ربه بخلاف٢
وقول الآخر:
ولا تطمعن من حاسد في مودة وإن كنت تبديها له وتنيل
ومثال المسبوق بالدعاء قول القائل:
لا يبعدن٣ قومي الذين همو سم العداة وآفة الجزر
وبالعرض قولهم: ألا تنسين إساءة من أعتبك٤.
وبالتخصيص قول الشاعر:
هلا تمنن بوعد غير مخلفة كما عهدتك في أيام ذي سلم
وبالتمني قول الشاعر:
فليتك يوم الملتقى ترينني لكي تعلمي أني امرؤ بك هائم
وبالاستفهام قول الشاعر:
أتهجرن خليلا صان عهدكمو وأخلص الود في سر وإعلان؟
الرابعة: أن يكون توكيده قليلا٥، وهو -قلته- جائز فصيح، لكنه
_________________
(١) ١ مال وغنى. ٢ بنصيب من الخير والصلاح. وكذلك قول الشاعر: لا يخدعنك من عدو دمعه وارحم شبابك من عدو ترحم ٣ لا يبعدن؛ أي: لا يهلكن "الفعل: بعد يبعد، بمعنى: هلك يهلك". دعاء لقومه ألا يصيبهم الهلاك. ويصفهم بأنهم سم لأعدائهم، آفة لجزرهم "جمع: جزور. والجزور مؤنثة في لفظها. ومعناها الغالب: الناقة، وقد يراد منها الجمل" وإنما كانوا آفة لها لكثرة ذبحهم إياها لأنفسهم، وللضيوف وهذا كناية عن الكرم. ٤ أزال سبب عتابك. ٥ قلة نسبة "أي: بالنسبة لنوعي التوكيد السالفين -وانظر "ا"، ص١٧٧.
[ ٤ / ١٧٤ ]
لا يرقى في قوته مرقى النوعين السالفين. وعلامته: أن يكون بعد "لا" النافية كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ ١، أو بعد: "ما" الزائدة التي لم تدغم في "إن" الشرطية؛ كقولهم في المثل: بعين ما رأينك٢، وقول الشاعر في المال:
قليلا به٣، ما يحمدنك وارث إذا نال مما كنت تجمع مغنما
ويدخل في هذا "ما" الزائدة بعد "رب"؛ نحو: ربما يقبلن الخير وراء المكروه٤، أو بعد: "لم"٥ كقول الشاعر:
من جحد الفضل ولم يذكرن بالحمد مسديه فقد أجرما
أو بعد أداة شرط غير "إن" المدغمة في: "ما" الزائدة، كقول الشاعر:
من تثققن٦ منهم فليس بآيب أبدا، وقتل بني قتيبة شافي
٤- عدم تقديم معمول فعلها على هذا الفعل٧ إلا إن كان المعمول شبه
_________________
(١) ١ وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ . ٢ هذا مثل قديم تقوله لمن يخفي عنك أمرا أنت به بصير، تريد: إني أراك بعين بصيرة. "فا" زائدة. وجاء في الأساس ما معناه: أنك تقول هذا لمن أرسلته واستعجلته؛ فكأنك تقول له: لا تلو على شيء فإني أنظر إليك، أي: لا تقف، ولا تنتظر. وفي هذا المثل تأييد للحكم بصحة تقديم شبه الجملة على متعلقه الفعل المؤكد بالنون -كما سيجيء في الحكم الرابع. ٣ الضمير عائد على المال في بيت قبله هو: أهن للذي تهوى التلاد؛ فإنه إذا مت كان المال نهبا مقسما و"قليلا" نعت لمصدر محذوف، والتقدير: حمدا قليلا يحمدنك وارث.. وفي البيت شاهد آخر يحكم عليه بالضعف هو تقديم كلمة "قليلا" النعت مع منعوته المحذوف، مع أنهما معمولان للمضارع المؤكد بالنون وليسا شبه جملة -إذ شبه الجملة هو الذي قد يباح تقديمه- كما في رقم٢ من هذا الهامش، وكما سيجيء في الحكم الرابع. ٤ منع بعض النحاة التوكيد بالنون بعد: "ربما" بحجة أنها لا تدخل على الزمن المستقبل أو ما هو في حكمه. ويرى سيبويه صحة هذا التوكيد، بحجة وروده في المأثور. وقد يكون الأفضل الأخذ بالرأي الأول ليكون حكم "رب" مطردا. ٥ انظر "ا" من الزيادة والتفصيل، ص١٧٧، حيث الرأي المعارض، ولعله أنسب. ٦ تصادف وتقابل. ٧ لأن فعلها لا يعمل فيما قبله؛ وهو لذلك لا يفسر عاملا محذوفا قبله. أما تعلق شبه الجملة، إذا كان متقدما على هذا الفعل فالشائع أنه لا يجوز، وهناك رأي آخر يجيزه -طبقا للبيان الذي سبق "في رقم ٢ و٣ من الهامش السابق وكما في هامش ص١٠٠ طبعة٣ ج٢ م٦٧- باب النائب عن الفاعل" واعتمادا على بعض الشواهد التي تؤيده، ومنها ما تقدم.
[ ٤ / ١٧٥ ]
التقديم -في الرأي الأرجح؛ ففي مثل: اسمعن النصح لا يصح أن يقال: النصح اسمعن. بخلاف لا تثقن بمنافق، واحذرنه عند تقلب الأيام، فيصح أن يقال: بمنافق لا تثقن، وعند تقلب الأيام احذرنه١.
٥- وقوع تغيرات أخرى تلحق المضارع صحيح الآخر ومعلته، وكذا الأمر، عند إسنادهما لضمائر الرفع البارزة؛ فقد يحذف حرف العلة عند الإسناد أو يقلب. وقد يحذف الضمير إذا كان واو جماعة، أو ياء مخاطبة، وقد يتحرك بحركة مناسبة له من غير أن يحذف. وقد تحذف نون الرفع، أو تدعم بغير حذف إلى غير هذا من التغيرات المختلفة المترتبة على التوكيد، والتي سنذكرها آخرها الباب٢ تفصيلا -كما قلنا.
_________________
(١) ١ لهذا صلة بما سبق في رقم ٢ و٣ من هامش الصفحة السالفة. ٢ ص١٠٥ وفيما سبق يقول ابن مالك في باب عنوانه: "نونا التوكيد". "وسنضع جهة اليسار رقما لكل بيت كما ورد في ترتيب بابه بالألفية؛ لأننا لم نلتزم في عرض مسائل هذا الباب ترتيبها في أبيات الناظم". للفعل توكيد بنونين؛ هما كنوني: اذهبن، واقصدنهما-١ يريد بالمثال الأول: نون التوكيد المشددة، وبالثاني: المخففة. ثم قال: يؤكدان "افعل، ويفعل" آتيا ذا طلب، أو شرطا إما تاليا-٢ المراد من "افعل" هو: الأمر. ومن "يفعل" "آتيا، المضارع الآتي، أي: الذي زمنه مستقبل، حالة كونه ذا طلب، أو: كونه شرطا تاليا إما. "ففي الجملة تقديم وتأخير": أو: مثبتا في قسم مستقبلا وقل بعده، "ما" و"لم" وبعد: "لا"-٣ وغير "إما" من طوالب الجزا وآخر المؤكد افتح؛ كابرزا-٤ يريد: أن توكيد المضارع قليل بعد: "ما" و"لم" و"لا" وبعد غير "إن" الشرطية المدغمة في "ما"، من باقي طوالب الجزاء، أي: باقي الأدوات الشرطية التي تطلب جزاء. ويفهم من كلامه السالف أن توكيد المضارع كثير في غير هذه المواضع التي سردها. ومن الكثير ما ذكره أولا مجملا. ثم قال: إن آخر الفعل المؤكد يبنى على الفتح؛ "كابرزا" وأصله: "ابرزن" بنون التوكيد الخفيفة المنقلبة ألفا لأجل الوقف. وسرد بعد هذا أبياتا أربعة في أنواع من التغييرات التي تصيب الفعل عند إسناده لضمائر الرفع البارزة، وسنعود إليها عند الكلام على هذه التغييرات، ثم بين الأحكام التي تختص بها "الخفيفة"، وعرضها في خمسة أبيات ختم بها الباب وسنذكرها فيما يلي -ص ١٧٩ وما يليها.
[ ٤ / ١٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) زيادة وتفصيل: أ- يرى بعض النحاة -ورأيه سديد- أن توكيد المضارع المنفي بالحرف: "لم" قليل، قلة ذاتية تدخله في حكم النادر الذي لا يصح القياس عليه، وليست قلة نسبية؛ "أي: ليست قلة بالنسبة لغيره، حيث يشترك القليل والكثير معا في الكثرة التي تبيح القياس عليهما، ويمتاز الكثير بزيادة الدرجة فيها". وحجته: أن "لم" حرف يقلب زمن المضارع للمضي، ونون التوكيد حرف يخلص زمنه للمستقبل، فيتعارضان. وهذا رأي يحسن الاقتصار عليه. ب- جرى بعض النحاة على تقسيم حالات المضارع -من ناحية توكيده بالنون- خمسة أقسام، غير الحالة التي يمتنع فيها توكيده. الأولى: وجوب توكيده وهي الحالة التي أوضحناها. والثانية: أن يكون توكيده قريبا من الواجب، وذلك حين يكون مسبوقا "بإن" الشرطية المدغم فيها: "ما" الزائدة. والثالثة: أن يكون توكيده كثيرا؛ وذلك إذا وقع بعد أداة طلب: "أمر، نهي، دعاء، عرض، حض، تمن، استفهام". والرابعة: أن يكون توكيده قليلا، وذلك بعد: "لا" النافية، أو "ما" الزائدة غير المسبوقة بإن الشرطية. والخامسة: أن يكون توكيده أقل، وذلك بعد: "لم" الجازمة، أو أداة شرط أخرى. وذكروا لهذا التقسيم تعليلات مصنوعة لا يعرفها العرب، ولم تخطر ببالهم، والتعليل الحق في التقسيم يجب أن يقتصر على كثرة الاستعمال وقلته بين العرب.
[ ٤ / ١٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فما الحاجة إلى هذا التقسيم الخماسي والسداسي ، مع أن القسم الثاني والثالث لا يختلفان في الأثر؟ فحكمها واحد؛ هو: شدة الحاجة معهما إلى التوكيد، وإن كانت هذه الحاجة لا تبلغ مرتبة الوجوب؛ إذ لا أهمية لزيادة أحدهما على الآخر في درجة الكثرة والنوع؛ لأنهما -معا- مشتركان عند العرب في الكثرة التي تفيد شدة الحاجة للتوكيد، وتجعل استعماله قياسيا قويا، وما يزيد على هذا القدر المشترك يصير زيادة في الدرجة البلاغية؛ لا في صحة الاستعمال وقوته، وهذه الزيادة متروكة لتقدير المتكلمين في العصور المختلفة -بعد عصور الاحتجاج- ولرغبتهم في محاكاة هذا أو ذاك على حسب مقتضيات الأحوال. فهي متنقلة بينهما؛ فإن لم تتجه الرغبة إلى محاكاة الزائد -لغرض بلاغي، وشاع الاستعمال الأدبي على إهمالها، اكتسبها الآخر وصار هو الشائع، وانتقل إليه درجة الزيادة، ولا عيب في هذا؛ فكلاهما كثير، لكنه قد يحتفظ لنفسه دون الآخر بمرتبة الزيادة في الاستعمال زمنا مؤقتا، ينتقل بعده إلى نظيره. ومثل هذا يقال في القليل والأقل. فما الحاجة إلى تفريقهما، وعدم إدماجهما في قسم واحد ما دامت قلتهما ليست مانعة من القياس عليهما؛ لأنها قلة نسبية عددية "أي: على حسب نسبة أحدهما للآخر". ليست قلة ذاتية تمنع القياس.
[ ٤ / ١٧٨ ]
الأحكام التي تختص بها نون التوكيد الخفيفة دون الثقيلة:
تنفرد المخففة بأمور أربعة:
الأول: عدم وقوعها -في الرأي الأرجح- بعد ألف اثنين، أو غيرها من أنواع١ الألف؛ نحو: "أيها الشابان، عاملان زملاءكما بكريم المعاملة، واجتنبان كثرة العتاب؛ فإنه يفضي إلى القطعية". فتتعين المشددة هنا مع بنائها على الكسر، ولا يصح مجيء الخفيفة؛ لأن المنع هو الأعم الأغلب في الكلام المأثور.
ويجيز بعض النحاة مجيء الخفيفة ساكنة، أو متحركة بالكسر؛ متابعة لبعض العرب، والأنسب الاقتصار على الأغلب؛ منعا للتشعيب، وابتعادا عما فيه من إلباس وخفاء٢
الثاني: عدم وقوعها -في الرأي الأحسن- بعد نون النسوة مباشرة. فإذا كان الفعل المضارع أو الأمر مسندا لنون النسوة وأريد توكيده بالنون، وجب -في هذا الرأي الأعلى- أن تكون نون التوكيد مشددة، مبنية على الكسر، ووجب أن يفصل بينهما وبين نون النسوة ألف زائدة، لا مهمة لها إلا الفصل بينهما؛ نحو: "أيتها السيدات: لا تقصرنان في واجبكن القومي، وفي مقدمته حسن تربية الأولاد، والإشراف على شئون البيت، واعلمنان ما في تقصيركن من ضرر شامل، وإساءة عامة". فلا يصح مجيء الخفيفة هنا -في الرأي الأحسن الذي يحتم الاقتصار على المشددة المكسورة، بعد الألف الفاصلة؛ كهذا المثال، وبعد ألف الاثنين؛ كالمثال السابق في القسم الأول، وبعد غيرهما من كل أنواع الألف٣:
_________________
(١) ١ كالألف الفاصلة التي في النوع التالي. ٢ في هذا الأمر يقول ابن مالك: ولم تقع خفيفة بعد الألف لكن شديدة، وكسرها ألف-١٠ ٣ وفيه ابتعاد أيضا عن اللبس، وعن صور خيالية تنشأ عند الوقف. ومن هذه الصور الخيالية المتعددة قلب نون التوكيد الخفيفة ألفا عند الوقف بعد ألف الاثنين، أو الألف الفاصلة بين النونين -في رأي من يجيز وقومها بعدهما- في مثل يا لاعبان دحرجان كرتكما، يا لاعبات دحرجنان كرتكن؛ فتصير: دحرجا١ - ودحرجنا١. ثم تقلب الألف الثانية همزة؛ فيقال فيهما: دحرجاه، ودحرجناه؛ لوقوع الألف الثانية متطرفة بعد الألف؛ فتقلب الأخيرة همزة -تطبيقا للقواعد الصرفية في كل ذلك.
[ ٤ / ١٧٩ ]
وفي الاكتفاء بهذا الرأي، ابتعاد عن اللبس والخفاء١.
الثالث: وجوب حذفها -في الرأي الشائع- لفظا لا خطا إذا وليها، مباشرة، ساكن، ولم يوقف عليها. وسبب حذفها الفرار من أن يتلاقى ساكنان في غير الموضع الذي يصح فيه تلاقيهما٢؛ نحو: لا تتعودن الحلف، ولا تصدقن الحلاف، فتحذف النون الخفيفة عند النطق، وتبقى الفتحة التي قبلها دليلا عليها؛ فلا يلتبس الأمر على السامع؛ إذ لا مسوغ لوجود الفتحة في هذا الباب إلا وجود نون التوكيد، مذكورة أو محذوفة. ومنه قول الشاعر:
_________________
(١) ١ وفي الأمر الثاني الذي تنفرد به الخفيفة يقول ابن مالك: وألفا زد قبلها مؤكدا فعلا إلى نون الإناث أسندا-١١ أي: زد قبلها مباشرة ألفا حين يكون الفعل المؤكد مسندا إلى نون النسوة. ٢ يصح تلاقي الساكنين عند الوقف، وعند قصد النطق ببعض ألفاظ التهجي وذكر أسمائها؛ نحو: كاف - جيم - لام، وفي غير هذين لا يصح تلاقي الساكنين إلا إذا تحققت شروط ثلاثة، فمتى تحققت جاز الالتقاء، ووصف بأنه "على حده" أي: على النمط المشروع المحدد لصحة التلاقي. "أولها: أن يكون الساكن الأول حرف لين "أي: حرف علة ساكنا" "ثانيها": أن يكون بعده حرف صحيح ساكن، مدغم في مثله. ثالثها": أن يكون التلاقي في كلمة واحدة. ومن الأمثلة للألف: "شابة، عامة، ضالون، صادون" وللواو: تمود الثوب "الأصل: ماددت البائع الثوب -أي: مد كل منا الثوب؛ فتماد الثوب، وهذه التاء هي تاء المطاوعة. فإذا بني الفعل "تماد" للمجهول صار: تمود". وللياء: خويصة؛ تصغير: "خاصة"، و"أصيم" تصغير "أصم". وبناء على الشرط الثالث لا يكون التقاء للساكنين مع نون التوكيد الخفيفة جاريا على حده، وبالرغم من هذا يحذف أول الساكنين كما سنعرف. ويرى بعض النحاة -ورأيه أحسن: أن التلاقي المباح ليس مقصورا على كلمة واحدة، فقد يكون فيها وفيما يشبه الكلمة الواحدة أيضا، كالكلمات التي يتصل بآخرها فاعلها الذي هو واو الجماعة، أو ياء المخاطبة، أو ألف الاثنين، وبعد كل ضمير من هذه الضمائر نون التوكيد "انظر ما يتصل بهذا ويوضحه في ج١ ص٣٣ م٤ وص٩٧ م٧ ولا سيما رأي الصبان الذي قال إن الصحيح عدم اشتراط التلاقي في كلمة واحدة " وكما يتضح في هذا الباب. وللمجمع اللغوي القاهري قرار يتصل بهذا -سجله في ص٥٩ من كتابه المسمى: "مجموعة القرارات العلمية، من الدورة الأولى إلى الدورة الثامنة والعشرين" تحت عنوان: إباحة المد عند التقاء الساكنين، أو زيادة موضع لاغتفار التقاء الساكنين -ونص القرار: "لا حرج على من يدفع اللبس بمد عند التقاء الساكنين في مثل قولهم: اجتمع منوبو العراق بمندونبي الأردن ". ا. هـ.
[ ٤ / ١٨٠ ]
ولا تهين١ الفقير؛ علك أن تركع يوما، والدهر قد رفعه
فالمضارع مجزوم بلا الناهية، فلا مسوغ لوجود الفتحة على النون، وبقاء الياء قبلها إلا ملاحظة نون التوكيد الخفيفة المحذوفة.
ولا داعي في هذه الصورة لحذفها كتابة -في غير الضرورة- كما يرى بعض النحاة، وحجته الاكتفاء بوجود الفتحة الدالة عليها لأن هذا الحذف الخطي قد يوقع في لبس أو احتمال، يحسن الفرار منهما.
وأفضل من كل ما سبق تحريكها بالكسر إذا وليها ساكن. وهذا رأي فريق آخر من النجاة، وحجته: أن الأصل في التخلص من التقاء الساكنين هو الكسر٢، وأن الكسر هنا أخف وأبعد من اللبس؛ فوق أنه مسموع في بعض
_________________
(١) ١ البيت من بحر المنسرح -كما قال الصبان، والخضري، وليس من الخفيف- وهو للأضبط بن قريع الجاهلية، فهو ممن يحتج بكلامهم. وقد حذفت فيه نون التوكيد. ٢ قال شارح المفصل "ج٩ ص١٢٧" ما نصه: "اعلم أن الأصل في كل ساكنين التقيا أن يحرك الأول منهما بالكسر؛ نحو: بغت وقامت الجارية، ولا يعدل عن هذا الأصل إلا لعلة ". ولم يذكر هو ولا غيره من المتمسكين بحذفها تعليلا مقبولا لحذف نون التوكيد التي يليها ساكن، ولا لخروجها على الأصل العام. بل إن حذفها قد يؤدي إلى لبس محقق في حالات متعددة؛ منها: المضارع المؤكد بالنون، المعطوف على مضارع آخر كذلك، مسبوق بلا الناهية، مثل: لا تهملن وتلعب الساعة. فما نوع الفتحة التي على المضارع "تلعب"؟ أهي فتحة بناء بسبب نون التوكيد المحذوفة، والواو للعطف المجرد الذي لا أثر له في المعية، ولا في البناء أيضا -من باب أولى، لما هو معروف من أن العطف على المبني لا يجلب البناء للمعطوف مطلقا- أم هي فتحة إعراب، والواو للعطف والمعية معا؟ لا قرينة تمنع أحد الاحتمالين بالرغم من اختلاف المعنى اختلافا واسعا بينهما. حالة أخرى: هي الفعل المضارع المعتل الآخر بالألف إذا أريد توكيده بالنون الخفيفة مع جزمه بلا الناهية، في مثل: "لا تخشين الأذى في سبيل الحق " فلو حذفنا النون لالتقاء الساكنين وتركنا الفتحة قبلها دليلا عليها، لصار الكلام: لا تخشى الأذى في سبيل الحق. وترك هذه الياء -المتطرفة، المتحركة، التي قبلها فتحة، -من غير قبلها ألفا، مخالف للضوابط اللغوية الأساسية. كما أن قلبها ألفا، عملا بتلك الضوابط يؤدي إلى أن نقول: لا تخشى الأذى "بألف مكتوبة ياء" فنقع في محذور؛ هو تلاقي الساكنين الذي يقتضينا أن نتخلص منه بحذف ألف العلة من آخر الفعل، وهذا الحذف يؤدي إلى لبس لا دليل معه على أن الفعل مؤكد في أصله. وعدم التخلص يؤدي أيضا إلى لبس؛ هو: اعتبار "لا" نافية، وليست ناهية. لما سبق -وغيره- كان "ياسين" في حاشيته على التصريح محقا حين قال ما نصه على التقاء نون =
[ ٤ / ١٨١ ]
أمثلة قليلة؛ لكنها على قلتها مسايرة للأصل العام السالف.
وهذا الراي -على قلة أنصاره- أفضل كما قلنا، لبعده عن شائبة اللبس والغموض، وخلوه من التفريق بين حالتي النطق والكتابة. فإن وجد من يعارض في أنه الأفضل فلا أقل أن يكون في منزلة الرأي الشائع الذي يوجب الحذف.
أما عند الوقف عليها فلها حكم خاص يذكر في الأمر الرابع التالي:
الرابع: وجوب قلبها ألفا عند الوقف عليها، بشرط أن تكون النون الخفيفة بعد فتحة؛ ففي مثل: احذرن قول السوء، وتعودن حبس اللسان عن منكر القول نقول عند الوقف على الفعلين المؤكدين: احذرا - تعودا والقرائن كفيلة بأن تدل على نوع هذه الألف. وأن أصلها نون التوكيد الخفيفة
فإن لم تكن النون الخفيفة بعد فتحة، بأن كانت بعد ضمة، أو كثرة وجب أمران: حذف النون، نطقا لا كتابة، وإرجاع ما حذف من آخر الفعل بسبب وجودها عند وصل الكلام وعدم الوقف. ففي مثل: "أيها الفتيان، لا تهابن مقابلة الشدائد، ولا تخافن ملاقاة الصعاب في سبيل إدراك الغايات النبيلة. وفي مثل: يا فتاتي: لا تحجمن عن احتمال العناء في شريف المقاصد، وسني١ الأغراض" نقول عند الوقوف على الأفعال المؤكدة مع أمن اللبس: لا تهابوا - لا تخافوا - لا تحجمي ، بحذف نون التوكيد الخفيفة. وإرجاع واو الجماعة وياء المخاطبة اللتين حذفتا نطقا فقط عند وجود النون الخفيفة للتخلص من التقاء الساكنين. أما عند حذفها فلا التقاء لساكنين فلا يحذف الضمير، ويعود إن كان محذوفا نطقا بسبب وجودها.
_________________
(١) = التوكيد الخفيفة بساكن في الصورة السالفة: "هلا حركت وأبقيت كغيرها من الحروف إذا كانت ساكنة، ولقيت ساكنا؟. قلت: أشار السعد في شرح التصريف إلى أن السبب أن تحريكها خلاف وضعها من السكون. وأقول: فحينئذ ما الفرق بينها وبين غيرها مما وضع ساكنا؛ كمن، وعن؟ فتأمل". ا. هـ. فموضوع سؤاله صحيح دقيق لمسايرته للأصل العام في التقاء الساكنين، والإجابة عنه جدلية محضة. وكان حقها أن تؤيد بالسماع الذي له القول الفصل؛ ولهذا جاءت واهية متداعية، وقد دفعها بسؤال آخر هدمها وأبادها. ١ شريف.
[ ٤ / ١٨٢ ]
ومن الأمرين الثالث والرابع يتبين أنها تحذف وجوبا في حالتين:
الأولى: حذفها في النطق دون الكتابة إن وقع بعدها ساكن، ولم يوقف عليها، وهذا الرأي هو الشائع، كان غير الأنسب اليوم.
والأخرى: حذفها في النطق دون الكتابة إن وقف عليها بعد ضم أو كسر. مع إرجاع ما حذف لأجل وجودها عند عدم الوقف.
وكل ما سبق جار على أشهر الآراء المستنبطة من أكثر اللغات شيوعا، وقد أهملنا الآراء الضعيفة المتعددة التي لا خير في نقلها، وليس من ورائها اليوم إلا البلبلة والاضطراب١
_________________
(١) ١ وفي الأمرين الثالث والرابع يقول ابن مالك: واحذر خفيفة لساكن ردف وبعد غير فتحة إذا تقف-١٢ أي: احذف نون التوكيد الخفيفة إذا ردفها "وليها وجاء بعدها" ساكن. وكذلك إذا وقعت عند الوقوف عليها، بعد غير الفتحة. وغير الفتحة هو الكسرة والضمة. ثم قال: واردد إذا حذفتها في الوقف ما من أجلها في الوصل كان عدما-١٣ يريد: إذا وقفت عليها وجب أن ترجع إلى الفعل ما عدم منه "أي: حذف منه" في وصل الكلام بسببها، وعند وجودها. وختم الباب بقوله: وأبدلنها بعد فتح ألفا وقفًا؛ كما تقول في قفن: قفا-١٤ أي: أن نون التوكيد إذا وقف عليها بعد حرف مفتوح وجب قلبها ألفا. وساق لهذا مثلا؛ وهو: "قفن" حيث وقعت النون بعد الفاء المفتوحة. فعند الوقف يقال: قفا.
[ ٤ / ١٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) زيادة وتفصيل: ارتضى بعض النحاة تسمية الأمور الأربعة السالفة: "خصائص تمتاز بها نون التوكيد الخفيفة"، أو: "أمور تنفرد بها". ولا مانع من هذا على اعتبار تلك الخصائص أو الأمور أحكاما بعضها عدمي "أي: سلبي" كالأول والثاني، وبعضها حذف -طبقا للشائع- كالثالث، أو: قلب؛ كالرابع في بعض حالاته. ولا مانع في الوقت نفسه من اعتبار تلك الأمور الأربعة خصائص تمتاز بها التوكيد الشديدة دون الخفيفة، ولكن على أساس آخر: هو أنها أمور إيجابية؛ لا عدم فيها ولا تغيير. فالأول: وقوعها بعد ألف الاثنين، والثاني: وقوعها بعد الألف الفاصلة، والثالث: بقاؤها إذا وليها ساكن. والرابع: بقاؤها على حالها من غير حذف أو قلب عند الوقف
[ ٤ / ١٨٤ ]
المسألة ١٤٤: إسناد المضارع والأمر إلى ضمائر الرفع البارزة بغير توكيدها، ومع التوكيد
المسألة ١٤٤: إسناد المضارع والأمر إلى ضمائر للرفع البارزة بغير توكيدهما، ومع التوكيد
الكلام على المضارع ١:
عرفنا٢ أن المضارع معرف في كل أحواله، إلا إذا اتصل بآخره نون النسوة؛ فيبنى على السكون٣، كالأمثلة السالفة، أو اتصل بآخره نون التوكيد اتصالا مباشرا؛ فيبنى على الفتح، سواء أكان صحيح الآخر؛ نحو: أتأمران بالمعروف، وأنت لا تأتمرن به؟ أم معتل الآخر مطلقا؛ "أي: بالألف، أو الواو، أو الياء" كقول ناصح لأخيه: لا تنهين عن الأذى، وأنت تمارسه، ولا ترجون من لئيم خيرا وإن تودد إليك، ولا تفترين حديثا، ولو توهمت أن الناس به مصدقون. ومن هذا قول القائل:
فلا تبكين في إثر شيء ندامة إذا نزعته من يديك النوازع
فالأفعال المضارعة: "تأمر، تأتمر، تنهى، ترجو، تفتري، تبكي " مبنية على الفتح لاتصالها، مباشرة، بنون التوكيد.
ومما تجب ملاحظته أن حرف العلة: "الألف" لا بد أن ينقلب ياء مفتوحة للبناء قبل: "نون التوكيد" كما في الفعل: "تنهى" في المثال السالف وأشباهه، أما "واو" العلة و"ياؤها" فيبقيان على صورتهما مع تحريكهما بفتحة البناء؛ لأجل نون التوكيد.
ولا يصح حذف حرف علة من تلك الثلاثة لأجل الجازم إن كان المضارع مسبوقا بجازم -كما في الأمثلة المتقدمة؛ لأن مراعاة نون التوكيد أهم وأولى في تلك الصور؛ فالمضارع فيها مبني على الفتح لفظا، ولكنه في محل جزم.
فإن لم يكن اتصال هذه النون بآخر المضارع اتصالا مباشرا لم يصح بناؤه
_________________
(١) ١ الكلام على الأمر في ص١٩٩. ٢ في ص١٦٩. "والتفصيل في ج١، باب المعرب والمبني". ٣ وفي كل الصور والحالات لا يكون اتصالها به إلا مباشرا -كما في رقم ١ من هامش ص١٦٩ و١٨٠٩.
[ ٤ / ١٨٥ ]
على الفتح، وذلك حين يفصل بينهما ضمير رفع بارز؛ "ألف اثنين، أو واو جماعة، أو ياء مخاطبة، أو نون نسوة" فإن أريد توكيده مع وجود فاصل من هذه الضمائر البارزة جاز، ولكن من غير بناء على الفتح. ويترتب على هذا التوكيد عند وجود الضمير الفاصل وقوع تغييرات حتمية تختلف باختلاف آخر المضارع؛ أهو صحيح الآخر أم معتله؟ وفيما يلي بيان هذه التغييرات الحتمية١:
أ- إسناد المضارع الصحيح الآخر إلى ضمائر الرفع البارزة بغير توكيد، وبتوكيد:
١- إذا كان المضارع صحيح الآخر؛ مثلك "تفهم"، وأردنا إسناده لألف الاثنين من غير توكيد -قلنا: أنتما تفهمان. والإعراب: "تفهمان"، مضارع مرفوع بثبوت النون، والألف فاعل. فهو معرب حتما.
أما عند التوكيد، وقبل إحداث التغيير فنقول: "أأنتما تفهمانن؟ بنون التوكيد الثقيلة المفتوحة، ولا يصح -في الأرجح- مجيء الخفيفة بعد المضارع المشتمل على ألف الاثنين٢. والمضارع هنا معرب أيضا: لوجود الضمير: "ألف الاثنين" فاصلا بينه وبين نون التوكيد المشددة. غير أنه اجتمع في آخر اللفظ ثلاثة٣ أحرف
_________________
(١) ١ سنذكرها بتفصيل وإسهاب وجلاء؛ لدقتها وخفائها على كثير، مع شدة الحاجة إليها في غالب الأساليب الهامة. هذا إلى أن فهما واستيعاب صورها يساعد أيما مساعدة على فهم أحوال فعل الأمر عند إسناده لهذه الضمائر؛ مؤكدا وغير مؤكد. وبهذه المناسبة نذكر ما يردده بعض المتسرعين بشأن الحذف. والتقدير، والتعليل في هذا الباب، من أنه خيالي محض؛ لا يعرف عنه العرب الأوائل شيئا. وهذا صحيح. ولكن أكثره خيال بارع نافع هنا. وحذف وتقدير يوصلان -غالبا- في هذا لباب إلى ضبط ما لا يمكن ضبطه بغيرهما، وتيسير ما يصعب، بل ما قد يستحيل إدراكه بدونهما. فمن الجحود إنكار فضل مبتكر به في هذه المسائل -وأشباهها- بغير روية ولا إنصاف. ومن غير السائغ إصدار حكم عام واحد على أمرين مختلفين كل الاختلاف؛ فأحدهما نافع بغير ضرر، والآخر لا نفع فيه، بل قد يكمن فيه الضرر بغير روية وإنصاف. ٢ نون التوكيد الخفيفة لا تقع -في الأرجح- بعد ألف الاثنين مطلقا، وإنما تقع الشديدة -كما سبق في ص١٧٩. ٣ أولاها: نون الرفع، والثانيتان: نون التوكيد المشددة؛ "والحرف المشدد يعتبر حرفين". فوجب حذف أحد الثلاثة؛ فحذفت نون الرفع للاستغناء عنها، ولوجود القرينة التي تدل عليها. والنونات الثلاثة زوائد. فإن كانت إحداهما أصلية وجب بقاء الأصلية، كقوله تعالى: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلِيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ . وقد سبق في ج١ م٦ ص٨٨ عند الكلام على إعراب المضارع أن توالي الأمثال الممنوع يتحقق حين تكون الأحرف الثلاثة المتماثلة زوائد فليس منه: "القائلات جنن، أو: يجنن" لأن الزائد هو المثل الأخير من الزوائد. وليس منه الفعل ومشتقاته في مثل: أنا أحييك: أو أنا محييك.. "راجع الصبان هنا وفي الموضع السالف، وشرح الرضي على الكافية ج٢ ص١٨٦.
[ ٤ / ١٨٦ ]
زوائد، متماثلة، متوالية. وهذا لا يقع -غالبا- في لغتنا إلا سماعا. فوجب حذف "نون الرفع" لوجود قرينة تدل عليها؛ "هي: "أن: المضارع من الأفعال الخمسة، ولم يسبقه ناصب أو جازم؛ فوجب أن يكون مرفوعا بثبوت النون. فإن لم تكن مذكورة، فلا بد أن تكون محذوفة لعلة والمحذوف لعلة كالثابت". ولا يصح هنا حذف نون التوكيد الثقيلة، أو تخفيفها؛ لأن الحذف أو التخفيف ينافي الغرض البلاغي من الإتيان بها، ومن تشديدها١. فصار الكلام بعد الحذف: تفهمان، ثم كسرت نون التوكيد المشددة، مراعاة للمأثور عن العرب في هذا الموضع؛ حيث يلزمونها التشديد والبناء على الكسر.
وعند الإعراب يقال في "تفهما"، فعل مضارع مرفوع بالنون المحذوفة لتوالي النونات "وألف" ضمير فاعل، و"نون التوكيد" المشددة حرف مبني على الكسر، لا محل له من الإعراب. وإن شئت قلت: "تفهما": فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، وحذف لتوالي النونات، والألف ضمير: فاعل، والنون المذكورة حرف للتوكيد
فالصورة النهائية بعد إجراء التغيرات السالفة هي: "أتفهمان"، بتشديد نون التوكيد وجوبا بعد ألف الاثنين، وحذف نون الرفع. ولا مانع هنا من التقاء "ألف الاثنين" ساكنة مع النون الأولى الساكنة من نون التوكيد المشددة؛ لأن التقاء الساكنين هنا جائز كما أوضحنا من قبل٢.
٢- ونقول عند إسناده لواو الجماعة من غير توكيد: أأنتم تفهمون؟ "فالمضارع مرفوع بثبوت النون؛ واوا وضمير فاعل". ونقول عند توكيده بالنون المشددة وقبل التغيرات: أأنتم تفهمونن؟ بثلاث نونات، تحذف نون الرفع -لتوالي ثلاثة أحرف في الآخر، وهي زوائد، ومن نوع واحد- فيصير الكلام:
_________________
(١) ١ وطبقا لما جرى عليه أكثر العرب. والخفيفة لا تقع هنا -كما سبق. ٢ وفي رقم ٢ من هامش ص١٨٠.
[ ٤ / ١٨٧ ]
"تفهمون" فيلتقي ساكنان هما: واو الجماعة، والنون الأولى الساكنة من النون المشددة المفتوحة الآخر، فتحذف واو الجامعة -في الأغلب-١ لوجود الضمة قبلها تدل عليها عند حذفها، ولعدم الاستغناء عن تشديد نون التوكيد؛ لأنها جاءت مشددة، لغرض بلاغي يقتضيه المعنى؛ فيصير الكلام: أأنتم تفهمن؟ وعند الأعراب نقول بعد الحذف: "تفهم" الحالية أصلها "تفهمون" فهي مضارع مرفوع بالنون المحذوفة؛ لتوالي الأمثال ، وواو الجماعة المحذوفة لالتقاء الساكنين، ضمير، فاعل، ونون التوكيد المشددة حرف، مبني على الفتح، لا محل له من الإعراب. ولا تتغير الفتحة على آخره.
"ملاحظة": ليس من اللازم لحذف واو الجماعة في هذه الصورة وأمثالها مما يسند فيها المضارع الصحيح الآخر لواو الجماعة، أن تكون نون التوكيد مشددة، فمن الجائز أن تكون مخففة. ومع تخفيفها تحذف لأجلها نون الرفع وجوبا كما تحذف مع المشددة، ويترتب على هذا الحذف أن يتلاقى الساكنان السالفان؛ وهما: واو الجماعة ونون التوكيد المخففة؛ فتحذف واو الجماعة هنا، كما حذفت هناك.
أما سبب حلاف نون الرفع إذا كانت نون التوكيد مخففة فهو إتباع العرب في المأثور عنهم، ومحاكاتهم في حذفها؛ بالرغم من عدم اجتماع ثلاث نونات في هذه الصورة، يقول النحاة: إن نون الرفع تحذف من الفعل المسند لواو الجماعة، وياء المخاطبة، إذا أكد بالنون المشددة أو المخففة، فتحذف مع المشددة؛ منعا لتوالي ثلاثة أحرف زائدة، متماثلة في آخر اللفظ، وتحذف مع المخففة أيضا؛ طلبا للتخفيف، ومجاراة للحذف مع المشددة٢.
٣- ونقول عند إسناده لياء المخاطبة بغير توكيد: أأنت تفهمين يا زميلتي؟ فالمضارع "تفهمين" مرفوع بثبوت النون، وياء المخاطبة ضمير فاعل. ونقول عند التوكيد من غير تغيرات: أتفهمينن؟. ثم تحذف النون الأولى "علامة الرفع" لتوالي الأمثال، و؛ فيصير الكلام: أتفهمين؟ فيلتقي ساكنان، هما: ياء
_________________
(١) ١ انظر الرأي الآخر في رقم ٢ من هامش ص١٨٠. ٢ التعليل الصحيح هو محاكاة العرب.
[ ٤ / ١٨٨ ]
المخاطبة والنون الأولى من النون المشددة؛ فتحذف -في الأغلب- ياء المخاطبة للسبب السالف، وتبقى الكسرة قبلها لتدل عليها؛ فيصير الكلام: أتفهمن؟
ويقال في إعرابه: "تفهمين"، مضارع مرفوع بالنون المحذوفة لتوالي الأمثال، والفاعل هو: "ياء" المخاطبة المحذوفة لالتقاء الساكنين. ونون التوكيد حرف مبني، لا محل له من الإعراب، وتظل الفتحة باقية عليه مع تشديدة.
ولو أتينا بنون التوكيد الخفيفة مكان الثقيلة لوقعت التغيرات السالفة كلها تماما، طبقا لما تضمنته "الملاحظة" السالفة، من أن نون الرفع تحذف وجوبا هنا للخفة، وللحمل على الثقيلة؛ لا لتوالي الأمثال.
٤- ونقول عند إسناده لنون النسوة بغير توكيده: أأنتن -يا زميلاتي- تفهمن؟. فالفعل "تفهم" مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، وهي ضمير فاعل مبني على الفتح في محل رفع.
ونقول: مع التوكيد: أأنتن تفهمنان؟ بمجيء نون التوكيد المشددة المبنية على الكسر -والمخففة؛ لا تجيء هنا- ثم زيادة "ألف" فاصلة١ بين نون النسوة ونون التوكيد. والإعراب بعد التوكيد لا يتغير، ولكن نزيد على ما سلف أن النون الأخيرة المشددة حرف للتوكيد مبني على الكسر، لا محل له، والألف التي بين النونين حرف زائد لا محل له.
يستخلص مما سلف أن إسناد المضارع الصحيح الآخر إلى ضمائر الرفع البارزة، بغير توكيد، يستلزم ما يأتي:
١- إن كان الضمير ألف اثنين، أو واو جماعة، أو ياء مخاطبة، لزمته في حالة الرفع النون التي هي علامة الرفع، فيكون معربا مرفوعا بثبوت النون. والضمير
_________________
(١) ١ إذا أكد الفعل المضارع المسند إلى نون النسوة وجب الإتيان بألف زائدة تفصل بينهما -كما سبق في ص١٧٩- ويكون المضارع مبنيا على السكون لاتصاله المباشر بنون النسوة. ولا يكون اتصاله بها إلا مباشرا؛ لأن إسناده إليها يقتضي اتصاله بها مباشرة -كما سبق في رقم ١ من هامش ص١٦٩ و٣ من هامش ص١٨٥.
[ ٤ / ١٨٩ ]
فاعلا. وهذه النون خفيفة في كل حالاتها، ولكنها مبنية على الكسر لا محل لها بعد ألف الاثنين فقط، أما بعد واو الجماعة، وياء المخاطبة فمبنية على الفتح، لا محل لها.
٢- وإن كان الضمير نون النسوة وجب بناء المضارع على السكون، ونون النسوة هي الفاعل١، وهي مبنية على الفتح في محل رفع.
ويستخلص كذلك أن إسناده لتلك الضمائر مع توكيده يستلزم ما يأتي:
١- عدم بناء المضارع مطلقا مع وجود الضمائر الفاصلة بينه وبين نون التوكيد؛ فيجب إعرابه مع تلك الضمائر إلا مع نون النسوة فيبنى على السكون؛ لأنها تتصل به اتصالا مباشرة في كل حالاتها.
٢- وجوب حذف نون الرفع -إن كانت موجودة من قبل- إذا كان ضمير الرفع ألف اثنين، أو واو جماعة، أو ياء مخاطبة. ويتساوى في وجوب حذفها مع الواو والياء أن تكون نون التوكيد بعدهما مشددة ومخففة. أما بعد الألف فنون التوكيد باقية، ومشددة حتما، ومبنية على الكسر.
٣- وجوب حذف واو الجماعة وياء المخاطبة، مع بقاء الضمة قبل واو الجماعة لتدل عليها. والكسرة قبل ياء المخاطبة؛ لتدل عليها -والحذف في الحالتين هو الأرجح.
٤- زيادة ألف بين نون النسوة ونون التوكيد؛ لتفصل بينهما.
_________________
(١) ١ وفي توكيد المضارع صحيح الآخر يقول ابن مالك بعد أبياته التي عرض فيها لحالات توكيده: واشكله قبل مضمر لين بما جانس من تحرك قد علما-٥ والمضمر احذفنه لا الألف -٦ "المراد بالمضمر اللين هنا: الضمير الساكن الذي أسند إليه المضارع؛ ويقصد به: ألف الاثنين، وواو الجماعة، وياء المخاطبة - جانس: مائل وساير". وفي آخر البيت السابق على هذا قال الناظم: "وآخر المؤكد افتح؛ كابرزا" واستثنى من هذه القاعدة ما ذكره الآن؛ خاصا بالمضارع صحيح الآخر المتصل بالضمير اللين، فإنه يحرك بحركة تجانس هذا الضمير، وهي الضمة قبل الواو، والكسرة قبل الياء، والفتحة قبل الألف. والذي يدل على أنه قصد صحيح الآخر دون كلامه الآتي -مباشرة- على المعتل الآخر.
[ ٤ / ١٩٠ ]
٥- وجوب تشديد نون التوكيد وبنائها على الكسر١ بعد ألف الاثنين، وبعد الألف الزائدة للفصل بين نون النسوة ونون التوكيد.
أما بعد واو الجماعة وياء المخاطبة فقد تكون مشددة مفتوحة الآخر، أو خفيفة ساكنة.
ب- إسناد المضارع المعتل الآخر، لضمائر الرفع البارزة٢، من غير توكيد، وبتوكيد:
المضارع المعتل الآخر إما أن يكون معتل الآخر بالألف، أو بالواو، أو بالياء؛ نحو: أنت ترضى الإنصاف، وترجو أن يشيع، وتجري وراء تحقيقه.
أولا: ١- إن كان معتلا بالألف "مثل: ترضى" وجب قلبها ياء مفتوحة عند إسناده لألف الاثنين، تقول بغير التوكيد بالنون: أأنتما ترضيان؟ والإعراب: "ترضيان" فعل مضارع معرب، مرفوع بثبوت النون، وألف الاثنين ضمير فاعل.
وتقول عند التوكيد قبل التغيير: أترضيانن؟ والمضارع معرب لوجود الضمير فاصلا بينه وبين نون التوكيد المشددة، ويجب هنا ما وجب هناك من حذف نون الرفع لتوالي الأمثال بوصفه السابق٣، مع بقاء ألف الاثنين، -برغم التقائها ساكنة مع النون الأولى من النون المشددة. كما يجب بناء نون التوكيد على الكسر مع تشديدها في هذه الحالة أيضا٤؛ فيصير الكلام: "أترضيان؟ " فالفعل المضارع "ترضيا" معرب مرفوع بالنون المحذوفة، وألف الاثنين ضمير، فاعل. والنون المذكورة المشددة حرف للتوكيد، مبني على الكسر لا محل له من الإعراب.
_________________
(١) ١ يقولون في سبب كسرها مشابهتها نون المثنى في الصورة الموضعية، أي: المظهر الشكلي. لكن السبب الحق هو استعمال العرب. ٢ سبقت الإشارة المفيدة لهذا في موضع آخر مناسب لها؛ وهو حكم المضارع "ج١ م٦ ص ٨٨". ٣ في رقم ٢ من هامش ص١٨٠ و٣ من هامش ص١٨٦. ٤ طبقا للبيان الذي في رقم ٥ من هذه الصفحة.
[ ٤ / ١٩١ ]
٢- فإن كان معتلا بالألف وأريد إسناده لواو الجماعة من غير توكيد ولا تغيير، قيل فيه: "ترضيون" بقلب ألفه ياء مضمومة -لأن الضمة هي المناسبة للواو- وزيادة واو الجماعة ساكنة؛ فتتحرك الياء، ويفتح ما قبلها؛ فتنقلب ألفا. ويصير الكلام: "ترضاون" فيلتقي ساكنان؛ ألف العلة وواو الجماعة؛ فتحذف الألف؛ لأنها حرف هجائي، وقبله الفتحة تدل بعد الحذف، وتبقى واو الجماعة؛ لأنها فاعل؛ -فهي شطر جملة- وليس قبل علامة تدل عليها بعد حذفها، ويصير الكلام "ترضون". والإعراب: ترضون، مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو ضمير فاعل.
وعند التوكيد يقال بغير التغيير "أترضونن"، تحذف نون الرفع لتوالي الأمثال بوصفه السابق١؛ فيصير الكلام: "ترضون" فليتقي ساكنان؛ واو الجماعة والنون الأولى من النون المشددة، ولا يمكن الاستغناء عن أحدهما٢؛ فتتحرك واو الجماعة بحركة تناسبها؛ وهي الضمة، ويصير الكلام: ترضون.
والإعراب: مضارع مرفوع بالنون المحذفة لتوالي الأمثال ، وواو الجماعة ضمير فاعل. ونون التوكيد المشددة حرف مبني على الفتح هنا، وقد فصلت واو الجماعة بينه وبين المضارع، ولهذا بقي معربا، بسبب الفصل.
هذا إن كانت نون التوكيد مشددة: فإن كانت مخففة حذفت نون الرفع مع عدم تعدد الأمثال: للتخفيف، والحمل على المشددة، كما سبق البيان٣ فيتلاقى فتتحرك واو الجماعة، بالضم للتخلص منه.
٣- وإن كان معتلا بالألف أيضا، وأريد إسناده لياء المخاطبة من غير توكيد، قيل بغير التغيير: "أترضاين٤"؟ التقى ساكنان، ألف العلة وياء المخاطبة، حذفت الألف؛ لأنها حرف هجائي٥ وقبله الفتحة التي تدل عليه
_________________
(١) ١ في رقم ٢ من هامش ص١٨٠ و٣ من هامش ص١٨٦. ٢ لأن الفاعل شطر جملة، ولا علامة تدل عليه عند حذفه. والنون المشددة مقصودة التشديد لغرض بلاغي؛ ولأنه يمكن التخلص من الساكنين بغير الحذف الذي يؤدي إلى عيب. ٣ في ص ١٨٨ بعنوان: "ملاحظة". ٤ والأصل: "ترضيين" بقلب الألف ياء مكسورة، تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفا. ٥ فليس شطر جملة، بخلاف ضمير الرفع.
[ ٤ / ١٩٢ ]
بعد حذفه، وبقيت الياء؛ لأنها شطر جملة "فاعل" ولا دليل يدل عليها بعد حذفها؛ فصار الكلام: "ترضين" وهو فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والياء ضمير فاعل.
وعند للتوكيد قبل التغيير يقال: "ترضينن"؛ فتحذف نون الرفع لتوالي الأمثال، فيصير الكلام: "ترضين" فيلتقي ساكنان؛ ياء المخاطبة والنون الأولى من النون المشددة، ولا يمكن الاستغناء عن أحدهما١؛ فتحرك ياء المخاطبة بالكسرة لأنها هي المناسبة لها ويصير الكلام: "ترضين".
وإعرابه: مضارع مرفوع بالنون المحذوفة، والياء فاعل، ونون التوكيد حرف مبني لا محل له. وقد فصل بينه وبين المضارع ياء المخاطبة، وبسبب هذا الفصل بقي المضارع معربا.
هذا إن كانت نون التوكيد مشددة فإن كانت مخففة حذفت نون الرفع أيضا بالرغم من عدم تعدد الأمثال -لما سبق٢؛ فيتلاقى الساكنان؛ فتتحرك ياء المخاطبة بالكسرة للتخلص منه.
٤- وإن أريد إسناده لنون النسوة بغير توكيد وجب قلب الألف ياء، فنقول أأنتن ترضين؟ فالمضارع: "ترضي" مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، وهي فاعل، مبنية على الفتح في محل رفع.
أما عند التوكيد فنقول: ترضينان: بزيادة ألف فاصلة بين النووين. والإعراب كما سبق٣ في صحيح الآخر. ولا تجيء المخففة بعد هذه الألف الفاصلة.
ثانيا: إن كان معتل الآخر بالواو "مثل: "ترجو" وأريد إسناده:
١- لألف الاثنين وجب تحريك الواو بالفتحة لمناسبة الألف؛ فنقول بغير توكيد: أنتم ترجوان -مثلا- والمضارع مرفوع بثبوت النون، والألف ضمير فاعل. ونقول مع التوكيد: "أأنتما ترجوانن؟ "، وتحذف نون الرفع لتوالي الأمثال، وتكسر نون التوكيد المشددة: مراعاة للنسق العربي الذي يقتضي كسرها
_________________
(١) ١ لأن الفاعل شطر جملة، ولا علامة تدل عليه عند حذفه والنون المشددة مقصودة التشديد لغرض بلاغي، ولأنه يمكن التخلص من الساكنين بغير الحذف الذي يؤدي إلى عيب. ٢ في ص١١٨ بعنوان: "ملاحظة". ٣ في رقم ٤ من ص١٨٩.
[ ٤ / ١٩٣ ]
دائما بعد ألف الاثنين، وتشديدها، فنقول: ترجوان. ولا تجيء المخففة بعد الألف مطلقا -كما كررنا١.
٢- وإن أريد إسناده لواو الجماعة بغير توكيد قيل: "أنتم ترجوون"٢ -مثلا- فتلتقي واوان ساكنتان، فتحذف واو العلة. وتبقى واو الجماعة، للسبب الذي عرفناه؛ فيصير الكلام: "ترجون" مرفوع بثبوت النون. وواو الجماعة ضمير فاعل.
فإذا أريد التوكيد، قيل بغير التغيير: "أترجونن" وتحذف نون الرفع لتوالي الأمثال -بوصفه السابق؛ فيصير: "ترجون"؛ فيلتقي ساكنان، واو الجماعة، والنون الأولى من المشددة، فتحذف واوا الجماعة -برغم أنها شطر جملة- لوجود الضمة قبلها تدل عليها، ولعدم استغناء المعنى عن تشديد النون، فيصير الكلام: "ترجن" مضارع مرفوع بالنون المحذوفة، والفاعل: واو الجماعة المحذوفة، والنون المشددة المذكورة للتوكيد، وهي مفصوة من المضارع بالواو المحذوفة.
ويصح أن تجيء نون التوكيد الخفيفة بدلا من المشددة؛ فيتلاقى الساكنان٣؛ فتذف الواو للتخلص منه، وتبقى الضمة قبلها لتدل عليها.
٣- وإن أريد إسناده لياء المخاطبة بغير توكيد قيل: "أنت ترجوين" فيلتقي ساكنان؛ واو العلة وياء المخاطبة؛ فتحذف حرف العرلة، ويصير الكلام، "ترجين"، ثم تقلب الضمة التي قبل الياء كسرة؛ لأن الكسرة هي المناسبة للياء، فيصير: "ترجين".
_________________
(١) ١ البيان في رقم ٥ من ص١٩١. ٢ وأصلها: "ترجوون" استثقلت الضمة على الواو فحذفت الضمة ومثل هذا يقال في: "يدعون" الواردة في الآية الكريمة المشتملة على أنواع من المضارع المجزوم، المسند لواو الجماعة، صحيح الآخر ومعتله؛ وهي قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وستعاد الآية لمناسبة أخرى في رقم ٣ من هامش ص٤٠٨. ٣ يتلاقى الساكنان هنا؛ إما بسبب ما قلناه من حذف نون الرفع -وهذا الأحسن، بل قيل إنه واجب للخفة والحمل؛ فتكون نون التوكيد بعد ذلك واضحة التخفيف في اللفظ، وإما لإدغام نون الرفع في نون التوكيد، فتسكن الأولى. وفي هذه لبس لا يتبين معه أن نون التوكيد خفيفة.
[ ٤ / ١٩٤ ]
وعند التوكيد قبل التغيير نقول: "أأنت ترجينن؟ " تحذف نون الرفع لتوالي الأمثال، فيصير: "ترجين". فيلتقي ساكنان ياء المخاطبة والنون الأولى، فتحذف الياء للتخلص من التقاء الساكنين، "برغم أن الياء شطر جملة "فاعل" لوجود الكسرة الدالة عليها، وعدم الاستغناء عن تشديد النون" فيصير ترجن مع تشديد النون وفتحها. والإعراب: فعل مضارع مرفوع بالنون المحذوفة، وياء المخاطبة المحذوفة فاعل، والنون المذكورة حرف للتوكيد.
فإن كانت نون التوكيد مخففة -لا مشددة- حذفت لها نون الرفع أيضا١؛ فيتلاقى الساكنان؛ فتحذف الياء، وتبقى الكسرة قبلها.
٤- وإن أريد إسناده لنون النسوة بغير توكيد قيل: أأنتن ترجون الله؟ بزيادة نون النسوة. فالمضارع: "ترجو" مبني على السكون، بسببها. وهي الفاعل. وعند التوكيد تقول: أأنتن ترجونان بزيادة ألف فاصلة بين النونين. وعند الإعراب نقول: "ترجو" مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة. ونون النسوة فاعل، والألف بعدها زائدة، ونون التوكيد حرف مشدد، مبني على الكسر لا محل له من الإعراب. ولا يصح مجيء المخففة بعد هذه الألف.
ثالثا: إن كان المضارع معتل الآخر بالياء، وأريد إسناده:
١- إلى ألف الاثنين بغير توكيد، وجب تحريك الياء بالفتحة -لوجب فتح ما قبل الألف- فنقول: أنتما تجريان. فالمضارع مرفوع بثبوت النون؛ وألف التثنية ضمير فاعل. ونقول عند التوكيد قبل التغيير: "أتجريانن؟ " تحذف نون الرفع؛ لتوالي النونات -بوصفه السابق- وتتحرك نون التوكيد المشددة بالكسرة؛ -لما ذكرناه من وجوب تشديدها، وبنائها على الكسر بعد ألف الاثنين-٢ فيصير الكلام: "تجريان" ويقال في الإعراب، "تجريا" مضارع مرفوع بالنون المحذوفة؛ لتوالي الأمثال والألف ضمير فاعل، والنون المشددة حرف للتوكيد مبني على الكسر؛ لا محل له.
_________________
(١) ١ لما سبق في ص١٨٨ بعنوان "ملاحظة". ٢ وكل "ألف" أخرى؛ طبقا للبيان الذي في رقم ٥ من ص١٩١.
[ ٤ / ١٩٥ ]
٢- وإن أريد إسناده إلى واو الجماعة بغير التوكيد قلنا قبل التغيير: أنتم "تجريون" التقى ساكنان: ياء العلة، وواو الجماعة، حذف ياء العلة -لما عرفناه- فصار الكلام: تجرون، قلبت الكسرة قبل الواو ضمة؛ لتناسب الواو؛ فصار الكلام: "تجرون".
وعند التوكيد قبل التغيير نقول: "أتجرونن؟ " تحذف النون لتوالي النونات فيصير: "تجرون" فيلتقي ساكنان، واو الجماعة والنون الأولى من النون المشددة، فتحذف واو الجماعة؛ لوجود الضمة قبلها دليلا عليها؛ ولعدم الاستغناء -بلاغيا- عن تشديد النون؛ فيصير الكلام: "تجرن". مضارع معرب، مرفوع بالنون المحذوفة، وواو الجماعة المحذوفة فاعل، والنون المشددة المذكورة حرف للتوكيد واجب البناء على الفتح. وقد انفصل عن المضارع بواو الجماعة المحذوفة التي هي في حكم المذكورة كما سبق؛ وبسب هذا الفصل بقي المضارع معربا.
ويصح أن تجيء نون التوكيد الخفيفة بدلا من الثقيلة. فتحذف نون الرفع أيضا، فيلتقي الساكنان، فتحذف واو الجماعة.
٣- وإن أريد إسناده لياء المخاطبة بغير توكيد قيل: أأنت تجريين؟ فيلتقي ساكنان؛ ياء العلة، وياء المخاطبة؛ فيحذف حرة العلة؛ لأنه حرف هجائي وقبله الكسرة تدل عند عليه حذفه؛ فيصير الكلام: "تجرين"، مضارع مرفوع بثبوت النون وياء المخاطبة فاعل.
وعند التوكيد نقول: "أتجرينن" تحذف نون الرفع لتوالي الأمثال فيصير الكلام: "تجرين" فيلتقي ساكنان ياء المخاطبة والنون الأولى من المشددة؛ فتحذف ياء المخاطبة -برغم أنها شطر جملة- لوجود الكسرة قبلها تدل عليها، ولعدم الاستغناء -بلاغيا عن تشديد النون فيصير: "تجرن". مضارع مرفوع بالنون المحذوفة، وفاعله ياء المخاطبة المحذوفة أيضا. والنون المشدد حرف للتوكيد وقد فصلت من المضارع بياء المخاطبة المحذوفة والتي تعد كالمذكورة؛ فبقي معربا.
ولو كانت نون التوكيد مخففة لحذفت لها نون الرفع أيضا. فيتلاقى الساكنان، فتحذف ياء المخاطبة.
٤- وإن أريد إسناده لنون النسوة بغير توكيد، قبل: أأنتن تجرين؟
[ ٤ / ١٩٦ ]
فالمضارع: "تجري" مبني على السكون؛ لاتصاله بنون النسوة "الفاعل".
وعند التوكيد: "تجرينان" فالمضارع "تجري" مبني على السكون، ونون النسوة بعده ضمير فاعل، والألف زائدة للفصل، ونون التوكيد المشددة حرف، ويجب تشديده وتحريكه بالكسر١، ولا تجيء المخخفة هنا.
أ- يستخلص مما سلف أن المضارع المعتل الآخر تلحقه التغيرات الآتية عند إسناده لضمائر الرفع البارزة بغير توكيد، وأن كل ضمير منها يعرب فاعلا:
١- إن كن معتلا بالألف قلبت ياء مفتوحة، عند إسناده لألف الاثنين، وساكنة من نون النسوة. وحذفت هذه الألف للتي للعلة عند إسناده لواو الجماعة وياء المخاطبة، مع بقاء الفتحة التي قبلها في الحالتين، لتدل عليها بعد الحذف.
زيادة نون الرفع بعد ألف الاثنين، وواو الجماعة، وياء المخاطبة؛ لتكون علامة لرفع المضارع المعرب.
أما نون النسوة فالمضارع معها مبني على السكون دائما؛ فلا توجد معها نون للرفع.
٢- وإن كان معتلا بالواو أو بالياء بقيا عند الإسناد لألف الاثنين، وتحركا بالفتحة لمناسبة الألف، وتجيء بعد الألف نون الرفع التي هي علامة لرفع المضارع؛ وبقيا كذلك عند الإسناد لنون النسوة، ولكنهما لا يتحركان؛ لأن المضارع يبنى على السكون عدن إسناده لنون النسوة.
ويجب حذفهما مع واو الجماعة وياء المخاطبة مع ضم ما قبل واو الجماعة وكسر ما قبل ياء المخاطبة، وزيادة نون الرفع بعدهما في حالة رفع المضارع.
ب- ويستخلص كذلك أن إسناده إلى تلك الضمائر مع توكيده يستلزم ما يأتي:
١- حذف ألف العلة عند الإسناد لواو الجماعة وياء المخاطبة مع تحريك الواو بالضم، والياء بالكسر.
وقلب ألف العلة ياء عند الإسناد لأف الاثنين، أو نون النسوة، مع مجيء
_________________
(١) ١ طبقا للبيان الذي في ص١٩١ رقم ٥.
[ ٤ / ١٩٧ ]
نون التوكيد مشددة فيهما ومكسورة ومع إيجاد ألف فاصلة بين نون النسوة، ونون التوكيد المشددة.
٢- ترك حرفي العلة "الواو والياء"، مع فتحهما، عند الإسناد لألف الاثنين، ويجب أن تكون نون التوكيد مكسورة مشددة بعد هذا الضمير. والمضارع معرب في هذه الصورة.
ويتركان على حالهما من السكون عند الإسناد لنون النسوة "لأن المضارع معها مبني على السكون" وبعدها ألف فاصلة، فنون التوكيد الثقيلة المكسورة.
أما عند الإسناد إلى واو الجماعة أو ياء المخاطبة فيجب حذف حرفي العلة كما يجب حذف الضميرين "الواو والياء مع ترك الضمة قبل الواو والكسرة قبل الياء".
٣- حذف نون الرفع في جميع الحالات. وهي لا توجد مع وجود نون النسوة.
٤- ذكر نون التوكيد مشددة مفتوحة أو مخففة ساكنة في جميع الحالات، إلا مع ألف الاثنين ونون النسوة فيجب تشديدها وكسرها في الحالتين، كما يجب زيادة ألف فاصلة بين نون النسوة ونون التوكيد١
_________________
(١) ١ يقول ابن مالك في حكم المضارع المعتل الآخر المسند لضمائر الرفع: وإن يكن في آخر الفعل ألف-٦ فاجعله منه رافعا غير اليا والواو ياء؛ كاسعين سعيا-٧ "اجعله منه ياء. أي: اجعل الألف ياء حالة كون الألف من الفعل، ومن حروفه، وليست ضميرا فالضمير في: "اجعله" راجع للألف. وفي: "منه" راجع للفعل، والجار والمجرور خال من الهاء التي هي المفعول الأول للفعل: اجعل. أما مفعوله الثاني فهو كلمة: "ياء" المتأخرة". والمعنى: اجعل حرف العلة الألف ينقلب ياء؛ إذا رفع الفعل ضميرا غير واو الجماعة، أو ياء المخاطبة، بأن رفع الاسم الظاهر، أو الضمير المستتر، أو ألف الاثنين، أو نون النسوة: نحو: أيرضين الصديق أترضين يا أخي، أترضيان يا أخوي؟، أأنت ترضيان؟ واقتصر الناظم على مثال للأمر المسند للمخاطب الواحد؛ هو: اسعين سعيا. أما إن رفع المضارع واو الجماعة، أو ياء المخاطبة فقد طالب ابن مالك بحذف حرف العلة الألف مع تحريك الضمير بحركة تناسبه؛ وهي الضمة للواو، والكسرة للياء، وترك الفتحة قبل الألف المحذوفة. يقول:=
[ ٤ / ١٩٨ ]
٥- المضارع في جميع الحالات السالفة معرب؛ لوجود الضمير فاصلا بينه وبين نون التوكيد. إلا عند الإسناد لنون النسوة فيكون مبنيا على السكون، لأن نون النسوة تتصل به مباشرة في جميع حالات إسناده إليه.
الكلام على الأمر ١:
حكم الأم صحيح الآخر ومعتله، كمضارعه عند الإسناد لضمائر الرفع البارزة، بتوكيد، وبغير توكيد؛ بلا فرق بينهما إلا من ناحية أن الأمر مبني دائما ولا تتصل بآخره نون رفع مطلقا، -كما أشرنا سالفا٢.
ما حكم نون التوكيد بنوعيها عند الوقف عليها؟
الجواب في رقم ٤ من الملاحظات التي في آخر الجدول الآتي.
_________________
(١) = واحذفه من رافع هاتين، وفي واو وياء شكل مجانس قفي-٨ نحو اخشين يا هند بالكسر ويا قوم اخشون واضمم وقس مسويا-٩ "مجانس: مناسب للضمير، ولائق به، قفي. تبع. أي: توبع فيه كلام العرب، وحوكي الوارد عنهم". وإنما تحذف الألف، وتبقى الفتحة التي قبلها، وتضم الواو، وتكسر الياء إذا أكد الفعل بالنون. فإن لم يؤكد بها لم تضم الواو، ولم تكسر الياء، وإنما يجب تسكينهما، نحو: يا قوم هل ترضون بغير النجوم مقعدا؟ يا بنت بلادي: هل ترضين بغير الفخار مقصدا؟ وقد ترك التفصيل الخاص بالفعل المعتل الآخر، وإن كان المفهوم منه حذف حرف العلة لأجل واو الضمير، أو يائه، مع ضم ما بقي قبل واو الضمير، وكسر ما بقي قبل ياء الضمير. وعند توكيد المعتل بأحد هذين الحرفين يجري عليه ما يجري على الصحيح؛ فتحذف نون الرفع، وواو الضمير، وياؤه؛ طبقا لما قدمناه من الأحكام المفصلة الخاصة بالمعتل. ثم انتقل بعد ذلك إلى الأبيات الخمسة الخاصة بنون التوكيد الخفيفة وختم بها الباب، وقد شرحناها في مكانها المناسب من هامش ص١٧٩ و١٨٠ و١٨٢ و١٨٣، وقد وزعت فيها الأبيات الآتية: "ولم تقع خفيفة "، و"وألفا زد "، "واحذف خفيفة "، "واردد إذا حذفها "، "وأبدلنها"، وأرقامها ١٠، ١١، ١٢، ١٣، ١٤. ١ سبق الكلام على المضارع في ص١٨٥. ٢ في ص١٧١.
[ ٤ / ١٩٩ ]
المسألة ١٤٥: ما لا ينصرف
مدخل
المسألة ١٤٥: ما لا ينصرف
معنى الصرف ١:
الاسم المعرب قسمان:
١- قسم يدخله نوع أصيل٢ من التنوين، لا يدخل غير هذا القسم، ولا يفارقه في حالات إعرابه المختلفة. -"إلا عند وجود طارئ معارض؛ كإضافة الاسم، أو اقترانه "بأل"٣ أو قوعه منادى معرفا. أو اسما مفردا لـ "لا" النافية للجنس "- ويدل وجوده على أن الاسم المعرب الذي يحويه أشد تمكنا في الاسمية من سواه؛ ولهذا يسمى: "تنوين الأمكنية"٤، أي: التنوين
_________________
(١) ١ الحروف كلها مبنية، وكذلك الأفعال، إلا المضارع المجرد من نون التوكيد المباشرة، ومن نون الإناث، فإن اتصل بإحداهما اتصالا مباشرة، صار مبنيا. أما الأسماء فمنها: "المعرب"، ومنها: "المبني". ومن المعرف ما يسمى: المتمكن الأمكن، وهو: "المنصرف"، وما يسمى: "المتمكن غير الأمكن"، وهو: "غير المنصرف". ويقول النحاة: إن الاسم إذا أشبه الحرف يبنى، وإذا أشبه الفعل منع من الصرف. وقد سبق في الجزء الأول "م٦ ص٧٢ وما بعدها" تفصيل الكلام على هذا كله، وبيان أحكامه، وحقيقة الرأي في كل -وستجيء لمحة منه في هامش ص٣٠٤. ملاحظة: يجري في تعبيرات بعض القدماء استعمال كلمة: "الإجراء" بمعنى "الصرف"، و"عدم الإجراء" بمعنى: "منع الصرف"، وكذلك المجرى وغير المجرى. ومن أمثلة ذلك ما جاء في ج١ ص٨٥ من كتاب: "النوادر" لأبي مسحل الأعرابي ونصه: قال الأموي: سمعت بني أسد يذكرون "الموسى" -موسى الحجام- ويجرونه. فيقولون هذا موسى كما ترى. وهو "مذمل" من أوسيت. قال: ويجرون اسم الرجل إذا كان اسمه موسى؛ فيقولون هذا موسى قد جاء؛ فيلحقونه باوسيت؛ فيجرونه. ومن جعله أعجميا لم يجره. وجعله بمعنى: "فعل". وقال الكسائي: سمعتهم يؤنثون "موسى" الحجام، ولا يجرونها؛ فيقولون هذه موسى. كما ترى". ا. هـ. ٢ من التنوين ما هو أصيل، وينحصر في أربعة أنواع سبق بيانها، وإيضاح أحكامها "في ج١ ص٣٣ م٣" وهي: تنوين الأمكنية -تنوين التنكير، تنوين المقابلة، تنوين العوض. وما هو غير أصيل؛ كتنوين الضرورة الشعرية، وتنوين الترنيم، والتنوين الغالي، وقد أوضحناها في المرجع السابق. ٣ مهما كان نوعها. ٤ لا بد من فهم هذا النوع من التنوين فهما دقيقا: كي يتيسر إدراك "الممنوع من الصرف" على وجهه الحق. ولن يتأتى الفهم الدقيق إلا بالإلمام التام بالأنواع الأربعة الأصيلة، وتفهمها عند تفهم "تنوين الأمكنية" ليتميز بعضها من بعض، ولا يختلط أمرها.
[ ٤ / ٢٠٠ ]
الدال على أن هذا الاسم المعرب أمكن١ وأقوى درجة في الاسمية من غيره. ويسمى أيضا: "تنوين الصرف"٢ وبهذا الاسم يشتهر عند أكثر النحاة٣. ووجوده في الاسم المعرب يفيده خفة في النطق، فوق الدلالة على الأمكنية.
وإذا ذكرت كلمة "التنوين" خالية من التقييد الذي يبين نوعه كان المقصود: "تنوين الأمكنية"، أي: "الصرف". ومن أمثلة الأسماء المشتملة عليه، أو التي تستحقه لولا الطارئ المعارض ما جاء في قول شوقي:
إنما الشرق منزل لم يفرق أهله إن تفرقت أصقاعه
وطن واحد على٤ الشمس، والفصـ حي، وفي الدمع والجراح اجتماعه
وإنما كان وجود هذا التنوين دليلا على "الأمكنية" لأن انضمامه إلى "الإعراب" في اسم واحد جعل هذا الاسم مشتملا على علامتين بدلا من واحدة، يبعدانه كل البعد عن الحروف وعن الأفعال؛ هما: "التنوين"، و"الإعراب"؛
_________________
(١) ١ "أمكن"، أفعل تفضيل من الفعل الثلاثي: "سكن مكانة"، إذا بلغ الغاية في التمكن، ومن هنا جاء تنوين الأمكنية. ولا يصح أن يكون من الفعل: "تمكن" لأن هذا غير ثلاثي لا يجيء فيه "أفعل" مباشرة. ٢ من معاني "الصرف" في اللغة: "التصويت -اللبن الخالص- الانصراف عن شيء إلى آخر " ومن أحد هذه المعاني أخذ "الصرف النحوي". فالتنوين تصويت في آخر الاسم المنصرف -أو الاسم المنصرف خالص من مشابهة الحرف والفعل؛ أو منصرف عن طريقهما إلى غيره؛ إلى طريق الاسمية المحضة. ويعبر بعض القدماء -كما سبق في هامش الصفحة الماضية- عن "الصرف"، و"منع الصرف" بالإجراء، وعدم الإجراء. ٣ وفي هذا يقول ابن مالك في أول الباب الذي عقده بعنوان: "ما لا ينصرف": -وسنذكر على يسار كل بيت رقم ترتيبه في بابه: الصرف: تنوين أتى مبينا معنى به يكون الاسم أمكنا-١ وبعض النحاة يسمى التنوين كله: "صرفا". ٤ يصلح الحرف "على" هنا أن يكون معناه: التعليل، أي: بيان العلة والسبب. "اعتمادا على ما سبق بيانه من معاني الحرف الجار "على" ج٢ م٩٠ ص٧٤٠".
[ ٤ / ٢٠١ ]
إذ التنوين لا يدخل الحروف ولا الأفعال. وكذلك الإعراب، لا يدخل الحروف ولا أكثر الأفعال. فبهذا التنوين المقصور على الأسماء المعربة١ صار الاسم القوي المتمكن بالإعراب أقوى وأمكن باجتماع الإعراب والتنوين معا. كما صار أخف نطقا.
وليس من هذا القسم تنوين جمع المؤنث السالم الباقي في دلالته على جميعه، نحو: هؤلاء متعلمات فاضلات؛ لأن هذا تنوين للمقابلة، ولأنه قد يوجد في الاسم غير المنصرف؛ كالعلم المؤنث المنقول من جمع مؤنث سالم؛ مثل: سعادات - عطيات - زينات فإن هذا العلم المنقول من جمع المؤنث السالم -يجوز صرفه، مراعاة لأصله الذي نقل منه، فيكون تنوينه -كتنوين أصله- للمقابلة للأمكنية. ويجوز عدم صرفه، مراعاة للحالة التي هو عليها الآن؛ وهي أنه: علم على مؤنث؛ فيكون غير أمكن أيضا٢.
وليس من تنوين "الأمكنية" كذلك تنوين "العوض" ولا تنوين "التنكير"؛ لأنهما يدخلان الأسماء المنصرفة وغير المنصرفة٣
وسيتكرر في هذا الباب وغيره كلمة: "الصرف" مرادا منها تنوين "الأمكنية" جريا على الشائع٤.
٢- قسم لا يدخله هذا النوع الأصيل من التنوين، ويمتنع وجوده فيه؛ فيكون امتناعه دليلا على أن الاسم المعرب متمكن في الاسمية، ولكنه غير أمكن، إذ لا يبلغ في درجة التمكن، وقوته، مبلغ القسم السالف؛ كالأسماء: عمر، عثمان، مريم، عبلة وغيرها من الأسماء الممنوعة من الصرف؛ أي: الممنوعة من
_________________
(١) ١ وواضح أنه لا يدخل المبنيات مطلقا. ٢ ستجيء الإشارة لهذا في رقم ١ من هامش الصفحة التالية وكذلك في "ج" من ص٢٤٠. ٣ يدخل تنوين العوض الأسماء غير المنصرفة؛ نحو: دوع، ليال، سواع، غواد، هواد، "كما سيجيء في ص٢٠٩" وقد يدخل الأسماء المنصرفة أيضا، نحو: "كل"؛ و"بعض"؛ فيكون للعوض والصرف معا؛ لا لأحدهما. أما تنوين التنكير فالغالب دخوله على المبينات لإفادة تنكيرها. وقد يدخل على الاسم المعرب لهذا الغرض. كما سبق تفصيل هذا في باب: التنوين "ج١ م٣ ص٣٣"، وكما سيجيء بعضه هنا وفي "ب" من ص٢٥١. ٤ عند غير ابن مالك، ومن وافقه.
[ ٤ / ٢٠٢ ]
أن يدخل عليها تنوين: "الصرف" الدال على "الأمكنية"، والمؤدي إلى خفة النطق، "لأن هذا التنوين يرمز إلى الأمرين المذكورين ويدل عليهما، كما أسلفنا".
وإنما كان هذا القسم "متمكنا غير أمكن"، لاشتماله على علامة واحدة، هي الإعراب، وبسببها كان محصورا في الأسماء المعربة وحدها. أما تنوين "الأمكنية" فلا يدخل هذا القسم. وبسبب حرمانه هذا التنوين، وامتناع دخوله، اقترب من الفعل والحرف؛ إذ صار شبيها بهما في حرمانهما التنوين، وامتناع دخوله عليهما.
وإذا امتنع دخول تنوين "الأمكنية" على الاسم الذي لا ينصرف امتنع، -تبعا لذلك- جره بالكسرة؛ فيجر بالفتحة نيابة عنها١، بشرط ألا يكون مضافا، ولا مقترنا "بأل"٢ -مهما كان نوعها- فإن أضيفن أو اقترن "بأل"٣ وجب جره بالكسرة. -وهذا هو حكم الممنوع من "الصرف"، وسيجيء الكلام عليه٤.
لكن كيف يمكن التمييز بين القسمين، والحكم على الاسم المعرب بأنه من القسم الأول "الأمكن" أو من القسم الثاني "المتمكن"؟
لقد اقتصر النحاة على وضع علامات مضبوطة تميز الاسم المعرب المتكن، وهو "الممنوع من الصرف"، وتدل عليه بغير خفاء ولا غموض، واكتفوا بها؛ لعلمهم أنها متى وجدت في اسم معرب كانت دليلا على أنه "لا ينصرف"، ومتى خلا منها كان فقدها دليلا على أنه من القسم الأول: وهو: "المعرب الأمكن"، أي: "المعرب المنصرف". فعلامة الاسم المعرب الذي لا ينصرف "وجودية"، وعلامة المعرب المنصرف"، "عدمية؛ أي: سلبية". غير أن
_________________
(١) ١ إلا العلم الذي أصله جمع مؤنث سالم ثم صار علما منقولا؛ فإنه يجوز إعرابه مصروفا كأصله، رفعا ونصبا، وجرا، ويجوز إعرابه كالممنوع. -كما عرفنا في الصفحة السابقة، وكما سيجيء في: "ج" من ص٢٤٠ وفي١ من ص٢٦٤. ٢ و٣ أو ما يقوم مقامها "انظر "ب" ص٢٠٧". ٤ في الصفحات التالية، ثم في ص٢٦٤ بعض لأحكام العامة المهمة.
[ ٤ / ٢٠٣ ]
العلامة الدالة على منع الاسم من الصرف قد تكون واحدة، وقد تكون اثنتين معا، لهذا كانت الأسماء الممنوعة من الصرف نوعان:
نوع يمنع صرفه في كل استعمالاته حين توجد فيه هذه العلامة الواحدة، ونوع يمنع صرفه بشرط أن توجد فيه علامتان معا١ من بين علامات تسع. ومجموع النوعين أحد عشر شيئا:
_________________
(١) ١ يعبر النحاة عن هذا بقولهم: إن الاسم يمنع من الصرف لوجود علتين فيه، أو علة واحدة تقوم مقام العلتين والتعبير بعلتين ليس دقيقا؛ لأن كل علة واحدة لا بد لها من معلول واحد، فالعلتان لا بد لهما من معلولين حتما. فكيف يجتمع علتان على معلول واحد؟ فإن كانتا قد اشتركتا معا في إيجاد المعلول الواحد لم تكونا علتين، وإنما هما علة واحدة ذات جزأين اشتركتا معا في إيجاد هذا المعلول الواحد. اللهم إلا أن يكون مرادهم علتين، أي: عيبين. ويقولون في تعليل منع الاسم من الصرف كلاما لا تطمئن إليه النفس، ولا يرتاح إليهما لعقل. نلخصه للمتخصصين، لإبانة ضعفه وتهافته، مع دعوتنا إلى نبذه وإهماله إهمالا تاما. يقولون: إن التنوين الأصلي خاصة، خواص الأسماء، لا وجود له في الأفعال ولا الحروف. وإن الحرف كلها مبنية، وكذلك الأفعال، إلا المضارع في بعض حالاته. فالاسم إذا أشبه الحرف يبنى "كأن يشبهه في الوضع، أو في المعنى أو غيرهما من أنواع الشبه التي عرفناها في صدر الجزء الأول، باب: الإعراب والبناء". وإذا أشبه الاسم الفعل منع من الصرف؛ لأن الفعل أقل استعمالا من الاسم وأضعف شأنا منه؛ فلذلك حرم التنوين الذي هو علامة القوة، والوسيلة لخفة النطق. فإذا اقترب الاسم من الفعل وشابهه في الضعف فقد استحق مثله امتناع التنوين. أما سبب ضعف الفعل عندهم دون الاسم -فأمران: أحدهما: لفظي، وهو: أن الفعل متق من المصدر؛ فالفعل فرع، والاسم أصله، والفرع أضعف من الأصل. ثانيهما: معنوي؛ وهو: أن الفعل محتاج دائما إلى الاسم في الإسناد، وليس كذلك الاسم، فإنه قد يسند إلى اسم مثله؛ ولهذا كان الاسم أخف لكثرة استعماله، والفعل أثقل لقلة استعماله؛ والحاجة ضعف. فإذا وجد في الاسم ضعفان معا لفظي ومعنوي، أو ضعف واحد آخر يقوم مقامها فقد شابه الفعل، واستحق منع التنوين، كما في مثل: "فاطمة" فقد وجد في هذا الاسم الضعف اللفظي، وهو علامة التأنيث؛ إذ التأنيث فرع التذكير، ووجد فيه الضعف المعنوي؛ وهو: العلمية التي هي فرع التنكير: "أما النوع الواحد من الضعف الذي يقوم مقام الاثنين فمحصور في: "ألف التأنيث" بنوعيها؛ "المقصورة والممدودة": وفي "صيغة منتهى الجموع". فوجود ألف التأنيث في آخر الاسم هو علة لفظة، وملازمتها إياه في كل حالاته هي علة معنوية. وخروج صيغة منتهى الجموع عن أوزان الآحاد العربية علة لفظية؛ "إذ ليس في تلك الآحاد مفرد ثالثه ألف بعدها حرفان أو ثلاثة إلا وأوله مضموم، كعذافر -للجمل القوي- والأسد، أو تكون ألفه عوضا عن إحدى ياءي النسب كيمان وشآم، وأصلهما يمني، وشامي =
[ ٤ / ٢٠٤ ]
أ- فالذي يُمنع صرفه لوجود علامة واحدة هو ما يكون مشتملا على: "ألف التأنيث المقصورة، أو الممدودة"، وكذلك ما يكون على وزن: "صيغة منتهى الجموع".
١- فالمقصورة ألف تجيء في نهاية الاسم المعرب، لتدل على تأنيه، ومثلها الممدودة، إلا أن الممدودة لا بد أن يسبقها -مباشرة- ألف زائدة للمد؛ فتنقلب ألف التأنيث همزة١ ومن أمثلة المقصورة: "ذكرى" مصدر، نكرة للفعل: ذكر: بمعنى تذكر" و"رضوى" علم على جبل بالحجاز، بالمدينة"، و"جرحى؛ جمع: جريح" و"حبلى، وصف للمرأة الحامل ".
وعند إعراب هذه الكلمات نقول في حالة الرفع: إنها مرفوعة بضمة مقدرة على الألف، وفي حالة النصب منصوبة بفتحة مقدرة على الألف، ونقول في حالة الجر: إنها مجرورة بفتحة مقدرة على الألف، نياية عن الكسرة، والتنوين ممتنع في كل الحالات -كما عرفنا.
وإنما تجر هذه الأسماء وأشباهها، بالفتحة نيابة عن الكسرة بشرط خلو الاسم من "أل"٢ ومن الإضافة. وإلا وجب جره بالكسرة.
_________________
(١) = "بالياء المشددة" حذفت إحدى الياءين تخفيفا، وجاءت الألف عوضا عنها، وفتحت همزة شامي بعد سكونها ومدت؛ فصار يماني وشامي. ثم أعل إعلال المنقوص "كوال، وراع" فصار يمان وشآم -كما سيجيء في جمع التسكير- ومثلهما ثمان، فأصله: ثمني، نسبة إلى الثمن، فتح أوله تخفيفا ثم حذفت إحدى الياءين إلى آخر ما مر، وغير ذلك مما لا تجاريه ولا توافقه صيغة منتهى الجموع ، أما العلة المعنوية في صيغة منتهى الجموع فدلالتها على الجمع إلا غير هذا مما يقولون. وقولهم بادي التكلف والصنعة، لا يقوى على الفحص، وقد آن الوقت لإهماله نهائيا؛ لأنه لا يثبت أمام الاعتراضات التي تتجه إليه من بعض النحاة القدامى والمحدثين. وقد عرضنا ملخص رأيهم في الجزء الأول "ص٣٤ م٣ عند الكلام على التنوين" ثم أوضحنا بعده أن التعليل الحق في "الصرف" وفي منعه هو: كلام العرب الأوائل، واستعمالهم الصحيح الوارد إلينا. والذي نحاكيه. ١ لألف التأنيث بنوعيها أوزان مشهورة، تضمنها الباب الخاص بالتأنيث. "وسيأتي في ص٥٨٥" وألف التأنيث الممدودة ليست في الحقيقة هي الممدودة، كما يتبين من الشرح السالف، إنما الممدود ما قبلها فوصفت بالمد لملاصقتها له؛ كما سيجيء في الزيادة ص٢٠٧. ٢ أو ما ينوب عنها -كما يجيء في الصفحة الآتية- مهما كان نوع "أل" "كما سبق في ص٢٠٠ و٢٠٣".
[ ٤ / ٢٠٥ ]
ومن أمثلة الممدودة: "صحراء، وهي اسم نكرة"، و"زكريا، على إنسان"، و"أصدقاء، جمع صديق"، و"حمراء، وصف للشيء الأحمر المؤنث" ، وعند إعراب هذه الكلمات نقول: إنها مرفوعة بالضمة الظاهرة، ومنصوبة بالفتحة الظاهرة، ومجرورة بالفتحة الظاهرة نيابة عن الكسرة، بشرط خلو الاسم من "أل" ومن الإضافة؛ وإلا وجب جره بالكسرة -كما تقدم.
ومن هذه الأمثلة -وأشباهها- يتبين أن ألف التأنيث بنوعيها قد تكون في اسم نكرة؛ كذكرى وصحراء. وقد تكون في معرفة؛ كرضوى وزكرياء، وتكون في الاسم مفرد كالأمثلة السالفة، وفي جمع؛ كجرحى وأصدقاء، وقد تكون في اسم خالص الاسمية؛ كرضوى وزكرياء؛ علمين، أو في وصف١؛ كحبلى وحمراء وهي بنوعيها تمنع الاسم في كل الحالات استعماله٢ من تنوين الأمكنية، وتوجب جره بالفتحة، بدلا من الكسرة بشرط أن يكون مجردا من "أل" ومن الإضافة٣
_________________
(١) ١ المراد به هنا: الاسم الذي يغلب في استعماله ألا يكون علما، ولا مصدرا. ٢ لأنها لا تفارقه مطلقا، "انظر رقم ٢ من ص٢٦٤". ٣ وفي هذه الألف بدلالاتها المختلفة يقول ابن مالك: فألف التأنيث مطلقا منع صرف الذي حواه، كيفما وقع-٢ "مطلقا: أي: بنوعيها، في جميع حالاتهما؛ من ناحية أن كل واحدة تكون خاتمة في معرفة، أو نكرة، في مفرد أو جمع، في اسم أو صفة -ومعنى صرف: تنوين ". يريد أن ألف التأنيث تمنع صرف الاسم الذي يشتمل عليها كيفما وقع هذا الاسم، أي: على أي حال كان عليه من التعريف، أو التنكير، أو الاسمية، أو الوصفية، أو الإفراد، أو الجمع
[ ٤ / ٢٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- يقول النحاة: إن ألف التأنيث الممدودة، كحمراء، وخضراء -وغيرهما- كانت في أصلها مقصورة "أي: حمرى، خضرى " فلما أريد المد زيدت قبلها ألف أخرى. والجمع في النطق بين ألفين ساكنتين محال، وحذف إحداهما ينافي الغرض من ذكرها؛ إذ لو حذفت الأولى لضاع الغرض من المد، ولو حذفت الثانية لضاع الغرض من التأنيث، وقلب الأولى حرفا قريبا منها -وهو الهمزة- يفيد الغرض من المد؛ فلم يبق إلا قلب الثانية همزة تدل على التأنيث؛ كما كانت هذه الألف تدل عليه قبل انقلابها.
ب- يمنع الاسم من الصرف بشرط ألا يكون مضافا، ولا مقرونا "بأل" مهما كان نوعها -كما عرفنا-١ ومثل "أل" ما يحل محلها عند بعض القبائل العربية، ومنه: "أم" التي هي بمنزلة "أل".
_________________
(١) ١ في ص٢٠٣ الأمور الطارئة التي تعارض وجود التنوين، ومنها: "أل".
[ ٤ / ٢٠٧ ]
٢- وصيغة منتهى الجموع١ هي: كل جمع تكسير بعد ألف تكسيره حرفان٢، أو ثلاثة أحرف، بشرط أن يكون أوسط هذه الثلاثة حرفا ساكنا٣، نحو: "معابد، أقارب، طبائع، جواهر، تجارب، دواب "، وكذلك "مناديل، عصافير، أحاديث، كراسي، تهاويل، ".
ومن هذه الأمثلة -وأشباهها- يتضح أن صيغة منتهى الجموع قد تكون على وزن: "مفاعل"، و"مفاعيل"؛ كمعابد ومناديل. وقد تكون على أوزان أخرى ينطبق عليها وصف تلك الصيغة؛ كباقي الأمثلة السالفة.
"ملاحظة":
يجري على ألسنة فريق من النحاة أن صيغة منتهى الجموع هي؛ جمع التكسير المماثل لصيغة: "مفاعل"، و"مفاعيل". لكنهم يريدون بالمماثلة: أن الكلمة خماسية أو سداسية، والحرف الأول مفتوح في الحالتين -سواء أكان ميما أم غير ميم- وأن الثالث ألف زادة، يليها كسر الحرف الأول من حرفين بعدها، أو من ثلاثة أحرف أوسطها ساكن فليس المراد بالمماثلة أن تكون جارية على أسس الميزان الصرفي الأصيل الذي يراعى في صوغه عدد الحروف الأصلية والزائدة، وترتيبها، وحركاتها، وسكناتها، مع النطق بالحروف الزائدة كما وردت بنصها في الموزون، وإنما المراد عندهم هو: المماثلة في عد الحروف
_________________
(١) ١ سبب هذه التسمية موضح في: "هـ" من ص٢١٣. ٢ وقد يكون أحد الحرفين مدغما في الآخر؛ نحو: خواص، عوام، دواب ٣ وقد يكون الثاني الساكن ياء مدغمة في مثلها، بشرط وجود هذه الياء المشددة في المفرد أيضا. نحو: كراسي، قساوى "لنوع من الطيور. المفرد: قمري" وبخاتي، "لنوع من الإبل. المفرد: بختي". فليس من هذا ما يكون آخره ياء مشددة زائدة، للنسب أو لغيره: نحو: رباحي "نسبة إلى بلد" حواري "ومن معانيه: الناصر". لأن هذه الياء المشددة ليست في المفرد. وقد خلت المراجع المتداولة كالصبان، والهمع، والتوضيح، والتصريح من اشتراط أن يكون الساكن حرف علة، وهو هنا الياء؛ ليصير بها الجمع على وزن "مفاعيل" واكتفت جميعا باشتراط سكونه. إلا أن "الخضري" في آخر باب: "جمع التكسير" نص على هذا صراحة، بقوله: "لا يقع بعد ألف التكسير ثلاثة أحرف إلا وأوسطها ساكن معتل؛ كمصابيح". ا. هـ. ويترتب على هذا أن تكون كلمة "أرادب" المجموعة الممنوعة من الصرف -وأمثالها- غير مشددة الياء، مع أن مفردها. "إردب" بتشديد الباء، ومع أنها مضبوطة بالشكل في: "لسان العرب" بالتشديد ضبطا كتابيا فقط، بوضع شدة فوق الباء، خلافا لبعض المعاجم الأخرى. ويظهر أن ما قاله "الخضري" هو الأعم اأغلب، وأن غيره هو النادر الذي يقتصر فيه على السماع.
[ ٤ / ٢٠٨ ]
الأصلية والزائدة، وترتيبها، وحركاتها، وسكانتها، دون اعتبار لمقابلة الحرف الأصلي بمثله، ودون تمسك بالنطق بالحروف الزائدة نصا؛ فيقولون في "جواهر" إنها على وزن "مفاعل" -مثلا- وفي: "ألاعيب" إنها على وزن: "مفاعيل" -مثلا- مع أن الوزن الصرفي الأصيل يوجب أن تكون الأولى على وزان: "فواعل"، والثانية على وزان: "أفاعيل"، فالأمر عند هذا الفريق مجرد اصطلاح يراعى في العمل به ما وضع له. والأحسن: الاقتصار على التعريف الأول؛ لعدم معارضته الميزان الصرفي الأصيل١.
حكم صيغة منتهى الجموع:
وهو حكم غيرها من الأسماء الممنوعة من الصرف؛ فيجب تجريدها من تنوين "الأمكنية"٢، كما يجب جرها بالفتحة نيابة عن الكسرة، بشرط ألا تكون مقترنة "بأل" وألا تكون مضافة. فترفع بالضمة، وتنصب بالفتحة، وتجر بالفتحة أيضا، نيابة عن الكسرة، إلا إذا كانت مضافة أو مقترنة بأل؛ فتجر بالكسرة مباشرة٣.
ومن أحكامها: أنها إذا تجردت من "أل" و"الإضافة"، وكانت اسما منقوصا٤ "مثل: دواع، جمع: داعية، وثوان، جمع: ثانية. وأصلهما:
_________________
(١) ١ اعترض بعض النحاة على التعريفين السابقين لصيغة منتهى الجموع، وعلى أنها الصيغة المماثلة لصيغة: "مفاعل" ومفاعيل، ووضع تعريفا آخر يحوي شروطا سبعة. واعتراضه ضعيف، وتعريفه طويل معقد، ولا حاجة تدعو إلى تسجيله كما سجله بعض النحاة وشرح غامضه؛ ومنهم الخضري في حاشيته. والصبان. ٢ وكذلك لا يدخلها تنوين التنكير -كما سيجيء في "ج" من ص٢١٢- وقد يدخلها تنوين العوض كما أوضحنا "في رقم ٣ من هامش ص٢٠٢" ولكنه نوع يخالف النوعين السابقين. ٣ راجع "ج" من ص٢١٢ ورقم ٢ من ص٢٦٤. وقد اجتمع الصرف -بسبب وجود "أل" وعدمه في قولهم" للمواهب ضرائب، يدعها الموهوب من دمه، وعقله، ونبيل شعوره. ٤ هو اسم المعرب الذي آخره ياء لازمة، غير مشددة، قبلها كسرة، مثل: هاد، راض مستقص، متعال وهذه الكلمات -وأشباهها- مختومة في أصلها بالياء الساكنة اللازمة التي حذفت بسبب مجيء التنوين -وقد سبق إيضاحه وتفصيل الكلام على أحكامه مختلفة في ج١ ص١٢٤ م١٥.
[ ٤ / ٢٠٩ ]
دواعي، وثواني". كان الأغلب١ -هنا- أن تحذف ياؤها، ويجيء التنوين عوضا عنها٢. وتبقى الكسرة قبلها في حالتي الرفع والجر. أما في حالة النصب فتبقى الياء، وتظهر الفتحة عليها بغير تنوين؛ نحو: "للرحلات دواع تحتمها. وما عرفت لإغفالها من دواع. فعلى أهل النشاط، والرغبة في المعرفة والتجربة أن يجيبوا دواعي الارتجال؛ والتنقل بين مشارق الأرض ومغاربها " فتكون مرفوعة بضمة مقدرة على الياء المحذوفة، ومنصوبة بالفتحة الظاهرة، ومجرورة بفتحة على الياء المحذوفة، ومنصوبة بالفتحة الظاهرة، ومجرورة بفتحة مقدرة على الياء المحذوفة، نيابة عن الكسرة والتنوين المذكور في حالتي الرفع والجر عوض عن حرف الياء٣.
فإن كنت سما منقوصا مقترنا بأل، أو مضافا واجب أن تبقى ياؤها في كل الحالات، غير أنها تكون ساكنة في حالتي الرفع والجر وتقدير عليها الضمة والكسرة، وتكون متحركة بالفتحة الظاهرة في حالة النصب، نحو: من الثواني تكون الساعات والأيام؛ فليس العمر إلا الثواني التي نستهين بها. وليست الثواني إلا قطعا من الحياة نفقها، ونحن عنها غافلون.
ومثل: دواعي الخير والشر كثيرة، تكاد تخلط إلا على العاقل الأريب؛ فإنه يميز دواعي الخير، ويستجيب لها سريعا، ويدرك عاقبة الشر، ويفر من دوايعه٤
_________________
(١) ١ ويحسن الاقتصار عليه -انظر "ا" من الزيادة، ص٢١٢. ٢ لأن تنوين العوض غير ممنوع هنا، بخلاف تنوين الأمكنية -كما سبق في باب التنوين، ج١ م٣ ص٣٢. ٣ انظر رقم ٣ من ص٢٦٦. ٤ مما تقدم يتبين أن المنقوص الذي هو صيغة منتهى جموع، والمنقوص المفرد، يتشابهان عند تجردهما من "أل" والإضافة في وجوب حذف الياء رفعا وجرا، وبقائها مع ظهور الفتحة عليها في حالة النصب، ورفعهما بضمة مقدرة على الياء المحذوفة، كما يتشابهان في وجود التنوين رفعا وجرا. ويختلفان بعد ذلك في أن المنقوص المفرد المجرد من "أل والإضافة" يلحقه التنوين في حالة النصب أيضا. وتنوينه عند حذف يائه رفعا وجرا فقط -كما سبق- وتنوينه "عوض" عن الياء المحذوفة، وليس تنوين "أمكنية" ولا يجوز تنوينه في حالة النصب. ويختلفان كذلك في الجر؛ فالمفرد يجر بالكسرة المقدرة على الياء المحذوفة أما الآخر فيجر بفتحة =
[ ٤ / ٢١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = على الياء المحذوفة؛ لأنه ممنوع من الصرف. ويختلفان كذلك في أن حذف الياء في صيغة منتهى الجموع هو للخفة، أو للتخلص من التقاء الساكنين -على خلاف في ذلك- أما في المفرد فللتخلص من التقاء الساكنين، بيان هذا ما يقولون في كلمة منقوصة للمفرد، مثل: "داع"، وأن أصلها: "داعي" "داعين" استثقلت الضمة على الياء فحذفت الضمة؛ فصارت الكلمة: "داعين"، التقى ساكنان لا يصح هنا التقاؤهما: الياء والتنوين المرموز له بالنون الساكنة؛ حذفت الياء للتخلص من التقاء الساكنين، فصارت: داع "داعن". أما في كلمة هي منتهى الجموع؛ مثل: "دواع" فأصلها: دواعي "دواعين" فعل اعتبار أن حذف الياء سابق على منع الصرف، استثقلت الضمة على الياء فحذفت؛ فصارت: دواعين؛ التقى ساكنان الياء والتنوين المرموز له بالنون الساكنة؛ فحذفت الياء للتخلص من التقاء الساكنين؛ فصارت الكلمة: دواع "دواعن". ثم حذف التنوين؛ لأن الكلمة ممنوعة من الصرف، وحل محله تنوين آخر؛ ليكون عوضا عن الياء المحذوفة، وليمنع رجوعها عند النطق، فصارت: "دواع". أما على اعتبار أن الحذف متأخر عن منع الصرف فالأصل: "دواعي" "دواعين" حذف التنوين لمنع الصرف؛ فصارت الكلمة: "دواعي" استثقلت الضمة على الياء فحذفت، ثم حذفت الياء طلبا للخفة، وجاء تنوين آخر للعوض عنها، ولمنع رجوعها. "هكذا يقولون، وقد أوضحنا ما فيه بإسهاب في ج١ ص٢٤ م٣ كما أوضحنا هناك ما يحسن الأخذ به"، وكل ما سبق هو في المنقوص الخالي من "أل والإضافة". فإن كان المنقوص بنوعيه -المفرد والجمع المتناهي- مضافا أو مقرونا بأل، فالحكم واحد؛ هو منع تنوينه، وعدم حذف يائه. ويرفع بضمة مقدرة على الياء، وينصب بفتحة ظاهرة عليها، ويجر بكسرة مقدرة عليها. "ملاحظة": يقول الصبان في آخر هذا الباب ما نصه: "لو سميت بالفعل: "يغزو" و"يدعو" ورجعت بالواو للياء؛ أجريته مجرى "جوار" وتقول في النصب: رأيت يرمي ويغزي. قال بعضهم: وجه الرجوع بالواو للياء ما ثبت أن الأسماء المتمكنة ليس فيها ما آخره واو قبلها ضمة؛ فتقلب الواو ياء، ويكسر ما قبلها. وإذا سميت بكلمة: "يرم" من "لم يرم" رددت إليه ما حذف منه، ومنعته من الصرف: "تقول: هذا يرم، ومررت بيرم، والتنوين للعوض، ورأيت يرمى. وإذا سميت بكلمة: "يغز" من قولنا: "لم يغز" قلت: هذا يغز، ومررت بيغز، ورأيت يغزي. إلا أن هذا يراد إليه الواو، وتقلب ياء؛ لما تقدم، ثم يستعمل استعمال "جوار"". ا. هـ. وقد نقلنا كلام الصبان هذا في الجزء الأول م١٦ ص١٤٦ وقلنا: إن فيه فوق التخيل البعيد ما يستدعي التوقف بل الإهمال؛ إذ يؤدي الأخذ به اليوم إلى تغيير صورة العلم تغييرا يوقع في اللبس والإبهام، واضطراب المعاملات -ولهذه المسالة صلة بما سيجيء في ص٢٤٧ وهو: "العلمية ووزن الفعل".
[ ٤ / ٢١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- قلنا١ إن حكم المنقوص من صيغ منتهى الجموع إذا كان مجردا من "أل" والإضافة هو في الأغلب الذي يحسن الاقتصار عليه -حذف يائه رفعا وجرا، مع بقاء الكسرة قبلها، ومجيء التنوين عوضا عنها
وإنما كان هو الأغلب لأن بعض العرب٢ يقلب الكسرة قبل الياء فتحة؛ قتنقلب الياء ألفا بشرط أن يكون وزن المنقوص كوزن إحدى الصيغ الأصيلة لمنتهى الجموع، والكثير أن يكون مفرده اسما محضا على وزن: "فعلاء" الدالة على مؤنث ليس له -في الغالب- مذكر: كصحراء وصحار؛ وعذراء وعذار؛ فيقول فيهما: صحارى، وعذارى ، رفعا، ونصبا، وجرا، بغير تنوين؛ نحو: "في بلادنا صحارى واسعة، إن صحارى واسعة تحيط ببلادنا، تحوي كنوزا نفيسة من المعادن المختلفة، وقد اتجهت العزائم إلى تعمير صحارى لا حدود لها على جانبي وادنيا الخصيب" ، فكلمة "صحارى" اسم مقصور، ممنوع من الصرف.
وفي بعض اللهجات العربية تثبت ياء المنقوص في كل أحواله، وتكون ساكنة رفعا وجرا، وتظهر عليها الفتحة نصبا.
ب- صيغة منتهى الجموع لا تكون في اللغة العربية إلا جمع تكسير بالوصف السالف٣، أو منقولة عنه. ولا تكون لمفرد بالأصالة.
أما كلمة "سراويل" مرادا بها: الإزار المفرد، فهي أعجمية الأصل٤ وهي اسم مؤنث في جميع استعمالاتها؛ تقول: هذه سراويل قصيرة لبسها السباح.
ج- وصيغة منتهى الجموع -في كل الاستعمالات- تمنع الاسم من
_________________
(١) ١ في ص٢٠٩. ٢ كما سيجيء في ص٢٦٨ -وانظر ما يتصل بهذا في رقم ٢٠ من ص٦٥٧ باب: جمع التكسير. ٣ في ص٢٠٨. ٤ كما سنعرف في ص٢١٤، حيث البيان المفيد عن الملحقات بصيغة منتهى الجموع.
[ ٤ / ٢١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تنوين "الأمكنية" وتنوين "التنكير"١ سواء أكان الاسم علما أم غير علم، فلو سمي إنسان باسم على وزن صيغة من صيغها فإنه يمنع من الصرف، لشبه منتهى الجموع؛ لأن مدلولها في هذه الصورة مفرد لا جمع تكسير. وذلك المنع بشرط ألا يكون مضافا، ولا مقرونا بأل -كما تقدم.
د- عرفنا٢ أن مثل: كراسي، قماري، بخاتي ممنوعة من الصرف بالتفصيل السالف. فإذا نسب إليها حذفت هذه الياء المشددة "التي هي في الجمع وفي مفرده" وحل محلها ياء أخرى مشددة، من نوع آخر؛ هي ياء النسب، ولا يمنع الاسم من الصرف مع ياء النسب٣
هـ- تسمى صيغة منتهى الجموع: بالجمع المتناهي أيضا، لانتهاء الجمع إليها؛ فلا يجوز أن يجمع بعدها مرة أخرى. بخلاف كثير غيرها من جموع التكسير فإنه يجمع، نحو: أنعام، وأكلب، يجمعان على: أناعم، وأكالب٤.
_________________
(١) ١ سبقت الإشارة لهذا في رقم ٢ من هامش ص٢٠٩. ٢ في ص٢٠٨ ورقم ٣ من هامشها. ٣ راجع ما يختص بهذا في باب النسب -في ١ من ص٧١٥. ٤ كما في: المصباح المنير، أيضا.
[ ٤ / ٢١٣ ]
حكم ملحقاتها:
ليس الحكم السابق خاصا بصيغة منتهى الجموع الأصلية -وهي نوع من جمع التكسير، كما عرفنا- ولا مقصورا عليها وحدها، وإنما يشملها ما ألحق بها١. والملحق بها هو: "كل اسم جاء وزنه مماثلا لوزن صيغة من الصيغ الخاصة بها مع دلالته على مفرد. سواء أكان هذا الاسم عربيا أصيلا، أم غير أصيل، علما أم غير علم، مرتجلا٢ أم منقولا". فمثال العلم العربي المرتجل الأصيل: "هوازن"؛ اسم قبيلة عربية، ومثال العلم المعرب: "شراحيل" وقد استعمله العرب علما، سمي به عدة رجال
ومن الأعجمي المعرب الذي ليس علما "سراويل" -بصورة الجمع- اسم، نكرة، مؤنث، للإزار المفرد٣
ومثال الأعلام المرتجلة في العصور الحديثة: "كشاجم٤ علم رجل، و"بهادر" علم مهندس هندي، و"صنافير"، علم قرية مصرية، وكذا
_________________
(١) ١ اكتفى ابن مالك في الكلام على صيغة الجموع بقوله: وكن لجمع مشبه. "مفاعلا" أو: "المفاعيل" بمنع كافلا-١٠ التقدير: كن كافلا -أي: قائما منفذا- لجمع مشبه "مفاعل أو مفاعيل"، بمنع الصرف. وليس من اللازم أن يكون جمعا حقيقة؛ فقد يكون اسما على وزن الجمع. وإنما ذكر الجمع للتمثيل. وليته قال: "ولكن للفظ" والذي يشبه "مفاعل ومفاعيل" هو ما كان مثلهما في عدد الحروف وحركاتها وسكناتها، سواء أكان مبدوءا بالميم أم بغيرها، فليس المراد، "الميزان الصرفي الحقيقي" كما شرحنا -في ص٢٠٨. ثم تكلم على حكم صيغة منتهى الجموع إذا كانت اسما منقوصا، كالجواري؛ فقال: وذا اعتلال منه كالجواري رفعا وجرا أجره كسارى-١١ أي: أجر عليه ما تجريه على سار، "وأصله: ساري، اسم فاعل منقوص، فعله: سرى؛ إذا سافر ليلا"، من حذف يائه رفعا وجرا عند تنوينه، وبقائها في حالة النصب، وترك التفصيل الضروري لهذا، وقد عرضناه. ٢ العلم المرتجل: ما وضع أول أمره علما، ولم يستعمل من قبل العلمية في معنى آخر، "وقد سبق تفصيل الكلام عليه في باب العلم ج١ ص٣١٢ م٢٢". ٣ لهذا إشارة في "ب" من ص٢١٢. ٤ بفتح الكاف. ويجوز فيها الضم؛ فيخرجها عن أوزان صيغة منتهى الجموع، وبالضم يشتهر شاعر عباسي.
[ ٤ / ٢١٤ ]
"أعانيب". فكل اسم من هذه الأسماء -ونظائرها- يعتبر ملحقا بصيغة منتهى الجموع يجري عليه حكمها، بشرط أن يكون دالا على مفرد، وجاريا على وزن من أوزانها١ -كما سبق- لا فرق في هذا بين العلم، "وهو الأكثر"، وغير العلم. ويقال في إعرابه: إنه ممنوع من الصرف؛ لأنه مفرد على وزن صيغة منتهى الجموع، أو: لأنه مفرد ملحق بها٢ أما هي فممنوعة أصالة، كما أسلفنا؛ لدلالتها على الجمع حقيقة.
وإنما كانت تلك الألفاظ -ومنها سراويل- ملحقات لأنها تدل على مفرد، مع أن صيغتها صيغة منتهى الجموع، وهذه لا يتكون في العربية إلا لجمع أو منقول من جمع. فما جاء على وزنها لمفرد فإنه من الصرف للمشابهة "أي: المماثلة" بين الوزنين. بالرغم من دلالته على مفرد.
_________________
(١) ١ في هذا يقول ابن مالك: و"لسراويل" بهذا الجمع شبه اقتضى عموم المنع-١٢ وإنه به سمي أو بما لحق به، فالانصراف منعه يحق-١٣ يريد: أن لكلمة "سراويل" وهي اسم على صورة الجمع شبها بصيغة منتهى الجموع؛ لأن "سراويل" -مع دلالتها على اسم مفرد مؤنث- جارية على وزان أحد الجموع، فاقتضى هذا الشبع منعها من الصرف منعا عام "أي: يشمل كل حالاتها التي تكون فيها دالة بصيغتها على المفرد وحده، كما يرى بغض اللغويين، أو عليه حينا وعلى الجمع الذي مفرده "سرواله" حينا آخر؛ كما يرى غيرهم". ثم قال بعد ذلك: إن به سمي -أي: بصيغة الجمع المتناهي- وصار علما على شيء فإنه يحق منه هذا المسمى من الانصراف، أي: من الصرف يريد أن كل ما سمي بالجمع المتناهي أو بما ألحق بالجمع المتناهي يمنع من الصرف؛ سواء أكان علما مرتجلا أم منقولا، عربيا أو أعجميا ٢ إذا كانت صيغة منتهى الجموع الأصيلة، "نحو: مكارم"، أو ما ألحق بها، "نحو: شراحبيل" -علما على مفرد، فما سبب منعها من الصرف؟ أهو مجيء العلم على زن مماثل الأوزان صيغة منتهى الجموع. أم هو العلمية وشبه العجمة؛ لأن هذا الاسم علم، وليس بين أوزان المفرد العربي الأصيل ما يكون على هذا الوزن ؟ رأيان.. ويقول سيبويه: إذا طرأ على العلم الموازن صيغة منتهى الجموع ما يقتضي تنكيره، وزوال علميته فإنه يظل ممنوعا من الصرف، لبقاء صورة الجمعية، وشكلها. ويقول غيره: لا يمنع من الصرف؛ لأنه كان ممنوعا منه للعلمية القائمة مقام الجمعية، أو للعلمية وشبه العجمة وقد زالت علميته. والصواب والأيسر رأي سيبويه ومن معه. وبهذا تكون صيغة منتهى الجموع وما ألحق بها ممنوعة من الصرف دائما باطراد، في جميع حالاتها. حتى الحالة التي تكون فيها علما لمفرد ثم زالت علميته
[ ٤ / ٢١٥ ]
ب- الذي يمنع صرفه لوجود علتين معا:
لا بد أن تكون إحدى العلتين المجتمعتين معنوية، والأخرى لفظية. وتنحصر العلة المعنوية في "الوصفية" وفي "العلمية"١ وينضم لكل واحدة منهما علة أخرى لفظية لا بد أن تكون من بين العلل السبع الآنية -دون غيرها-٢ وهي: "زيادة الألف والنون، وزن الفعل، العدل، التكريب، التأنيث، العجمة، ألف الإلحاق". فينضم للوصفية إما زيادة الألف والنون، وإما وزن الفعل، وإما العدل. وينضم إلى العلمية إما واحدة من هذه الثلاث، وإما التركيب، أو التأنيث، أو العجمة، أو ألف الإلحاق. فالعلل "كما يسميها النحاة" تسع معينة، ليس فيها علة معنوية إلا الوصفية والعلمية. أما السبعة الباقية فلفظية٣، لا تصلح واحدة منها لمنع الصرف، إلا إذا انضمت إليها إحدى العلتين المعنويتين.
فالاسم يمنع من الصرف: للوصفية مع زيادة الألف والنون، أو الوصفية مع وزن الفعل -أو الوصفية مع العدل.
وكذلك يمنع من الصرف للعلمية مع الزيادة. أو العلمية مع وزن الفعل. أو العلمية مع العدل، أو العلمية مع التركيب، أو العلمية مع التأنيث، أو العلمية مع العجمة، أو العلمية مع ألف الإلحاق. وفيما يلي البيان:
_________________
(١) ١ سواء أكان العلم للشخص أم للجنس -كما سبق في الجزء الأول، باب: العلم. ٢ اشترطنا أن تكون العلامتان محصورتين فيما سيذكر هنا؛ لأنه قد يوجد في الاسم المعرب علامتان: إحداهما لفظية والأخرى معنوية ويجب صرفه مع وجودهما. وسبب صرفه أن إحداهما ليست معتبرة في منع الصرف، ولا معدودة من أسبابه، كما في كلمة: "أجيمال" تصغير: "أجمال" جمع تكسير لجمل. فإن "أجيمالا" مصروفة بالرغم من اشتمالها على علمتين، إحداهما: معنوية، هي: التصغير الذي يعد فرعا للتكبير، والأخرى لفظية، وهي الجمع الذي يعتبر فرعا للإفراد. مثل هذا يقال في "حائض وطامث" فإنها مصروفتان حتما مع اشتمالها على علتين غير معتبرتين؛ هما: لزوم التأنيث والوصف. هذا، والسبب الحق في الصرف استعمال العرب ليس غير؛ فإنهم قصروا الممنوع من الصرف على ما سردناه. أما ما يذكره النحاة غير هذا من التعليلات فمرفوض. ٣ حتى التأنيث المعنوي في مثل: سعاد - زينب - مي فإنه يعتبر في هذا الباب علة لفظية؛ لظهور أثره في اللفظ بتأنيث الفعل له، وعودة الضمير عليه مؤنثا -كما سيجيء في رقم ١ من هامش ص٢٣٦.
[ ٤ / ٢١٦ ]
المسأ لة ١٤٦:
الكلام على الاسم الممنوع من الصرف للوصفية ١ وما ينضم إليها وجوبا من إحدى العلل الثلاث:
١- يمنع الاسم من الصرف للوصفية مع زيادة الألف والنون إذا كان على وزن "فعلان" -بفتح الفاء وسكون العين- بشرطين: أن تكون وصفيته أصيلة "أي: غير طارئة"، وأن يكون تأنيثه بغير التاء؛ إما لأنه لا مؤنث له؛ لاختصاصه بالذكور، وإما لأن علامة تأنيثه الشائعة بين العرب ليست تاء التأنيث، كأن يكون، بألف التأنيث ، فمثال ما ليس له مؤنث: "لحيان"٢، لكبير اللحية. ومثال الآخر عطشان، غضبان، سكران، ريان ؛ فإن أشهر مؤنثاتها٣: عطشى، غضبى، سكرى، ربا ٣ ومن الأمثلة قولهم: "كان أبو بكر لحيان٢، تزيده لحيته وقارا، وهيبة.
_________________
(١) ١ ليس المراد بالصفة أو الوصف هنا النعت، وإنما المراد بعض الأسماء المشتقة التي ليست أعلاما، "وقد سبق تعريف الاسم المشتق، وبيان مدلوله في ج٣ ص١٤٤ م٩٨". ٢ و٢ على وزن "فعلان" "مفتوح الأول" كما في المراجع النحوية المتداولة، وزاد الصبان فقال إنه على وزن: "رخمان". ٣ و٣ يشترط أكثر النحاة ألا يكون المؤنث على: "فعلانة" ويمثلون للمستوفي الشرط: بعطشان وغضبان، وسكران مع أن كتب اللغة -كالقاموس- تأتي للثلاثة بمؤنث مختوم بالتاء، وبمؤنث آخر ليس مختوما بها. فلا مناص من حمل الشرط النحوي على الأكثر الأغلب في: "فعلان"؛ بأن يتجرد مؤنثه من التاء في المشهور إن تعددت مؤنثاته. وبهذا يصرح ابن جني في كتابه: "المحتسب" -ج٢ ص٧٢- حيث يقول ما نصه: "يقال رجل سكران، وامرأة سكرى؛ كغضبان وغضبى. وقد قال بعضهم: "سكرانة"، كما قال بعضهم: "غضبانة". والأول أقوى وأفصح..". ا. هـ. "ملاحظة هامة": أخذ المجمع اللغوي القاهري بالمذهب الكوفي، ولغة بني أسد في إلحاق تاء التأنيث جوازا بكلمة "سكرانة" ونظائرها. وقرار المجمع، وما يتصل به من مذكرات وتقريرات مدون في ص٨٣ و٩١ من المجلد الشامل للبحوث والمحاضرات التي ألقيت في مؤتمر الدورة الثانية والثلاثين المنعقد ببغداد سنة ١٩٦٥ وفيما يلي نص القرار كما قدمته اللجنة المختصة، وواف عليه أغلبية المؤتمرين، وأخذ به المجمع نهائيا: "إن تأنيث "فعلان" بالتاء لغة في بني أسد "كما في الصحاح" -أو لغة بني أسد "كما في المخصص" وقياس هذه اللغة صرفها في انكرة؛ "كما جاء في شرح المفصل". والناطق على قياس لغة من لغات العرب مصيب غير مخطئ وإن كان غير ما جاء به خيرا، "كما في قول ابن جني"، لذا يجوز أن يقال: "عطشانة وغضبانة، وأشباهها؛ ومن ثم يصرف "فعلان" وصفا، ويجمع "فعلان" ومؤنثة "فعلانة" جمع تصحيح". ا. هـ.
[ ٤ / ٢١٧ ]
كثير الصمت، وافر الحلم. وما رآه الناس غضبان إلا حين يحمد الغضب". وقوله ﵇: "ليس بمؤمن من بات شبعان ريان، وجاره جائع طاو".
فإن كان الغالب المسموع على مؤنثه وجود تاء التأنيث في آخره لم يمنع من الصرف؛ نحو: "سيفان، للرحل الطويل الممشوق القامة" "ومصان، للرجل اللئيم"؛ فإن مؤنثهما الشائع: سيفانة ومصانة. وكذلك إن كانت وصفيته غير أصيلة؛ فإنه لا يمنع من الصرف؛ ككلمة: "صفوان" في قولهم: "بئس رجل صفوان قلبه". وأصل الصفوان: الحجر.
وإذا زالت الوصفية وحدها وسمى بهذا الاسم؛ بأن صار علما مزيدا بالألف والنون؛ كتسمية رجل بغضبان، أو بعطشان فإنه يظل على حاله ممنوعا من الصرف؛ لأن الوصفية التي زالت حل محلها العلمية الجديدة؛ وبانضمام العلمية الجديدة إلى الزيادة يجتمع في الاسم العلتان المؤديتان إلى منعه من الصرف١.
٢- ويمنع الاسم من الصرف للوصفية مع وزن الفعل٢ بالشرطين السالفين
_________________
(١) ١ وفي الكلام على الوصفية مع زيادة الألف والنون يقول ابن مالك -بعد كلامه على ألف التأنيث أول الباب: وزائدا "فعلان" في وصف سلم من أن يرى بتاء تأنيث ختم-٣ "المراد بزائدي "فعلان": الألف والنون والزائدتان في آخره". يقول: إن الاسم يمنع من الصرف إذا اشتمل على الألف والنون الزائدتين بشرط أن يكون وصفا لا يختم آخره بتاء التأنيث عند تأنيثه؛ فلا بد أن يسلم آخره عند التأنيث من هذه التاء، إما لأنه وصف خاص بالرجال، فلا مؤنث له، وإما لأن الغالب على مؤنثه أن يكون بألف التأنيث -وقد سردنا الأمثلة لكل. ٢ سواء أكان الوزن خاصا بالفعل، نحو: أجمل - أشرف - أم على وزن مشترك بين الأسماء والأفعال ولكن الفعل به أولى لغلبته في الفعل، أو لدلالته على معنى في الفعل دون الاسم؛ نحو: أحيمر، وأفيضل، "تصغير: أحمر، وأفضل" فهما على وزن: "أبيطر" وهو وزن في الأفعال أكثر. والهمزة في أولهما لا تدل على شيء، مع أنها في الفعل: "أبيطر" تدل على المتكلم. لما سبق وجب مع "أحيمر وأفيضل" من الصرف -"انظر الكلام على لفظ "أعلى" المصغر في ص٢٦٦ أو كسره، للقوي السمع" فإنها أوصاف أصلية على وزن للفعل، ولكنه وزن مشترك بين الأسماء والأفعال لا يتغلب فيه جانب الفعل.
[ ٤ / ٢١٨ ]
"وهما: ألا يكون مؤنثه الشائع بالتاء، وألا تكون وصفيته طارئة غير أصيلة". ويتحقق الشرطان في الوصف الذي على وزن "أفعل"، ومؤنثه "فعلاء، أو فعلى"؛ نحو: أحمر وحمراء - أبيض وبيضاء - أجمل وجملاء١، ونحو: أفضل وفضلى، وأحسن وحسنى. وأدنى ودنيا فهذه الألفاظ - وأشباهها ممنوعة من الصرف. لتحقق الشرطين.
فإن كان الوصف مؤنثه بالتاء لم يمنع من الصرف، نحو: "أرمل" في قولنا: عطفت على رجل أرمل "بالكسرة مع التنوين"، أي: فقير؛ لأن مؤنثه أرملة.
وكذلك ينصرف الوصف إذا كان وصفيته طارئة "أي: ليست أصيلة"، نحو "أرنب" في قولنا: مررت برجل أرنب "بالكسرة مع التنوين، أي: جبان". فالوصف منصرف -بالرغم من أن مؤنثه لا يكون بالتاء في الأغلب- لأن وصفيته طارئة، سبقتها الاسمية الأصيلة، للحيوان المعروف.
ومما فقد الشرطين معا كلمة: "أربع" في مثل: قضيت في النزهة ساعات أربعا؛ لأن مؤنثها يكون بالتاء؛ فتقول: سافرت أياما أربعا؛ ولأن وصفيتها طارئة عارضة؛ إذ الأصل السابق فيها أن تستعمل اسما للعدد المخصوص في نحو: والخلفاء الراشدون أربعة". ولكن العرب استعملتها بعد ذلك وصفا٢؛ فوصفيتها ليست أصيلة سابقة. وبسبب فقد الشرطين وجب صرف الكلمة في جميع استعمالاتها.
ومن أمثلة الوصفية الطارئة التي لا يعتد بها في منع الاسم من الصرف كلمات أخرى؛ مثل: "أجدل"، للصقر "وأخيل"، لطائر فيه نقط تخالف
_________________
(١) ١ قال الكسائي مستدلا: فهي جملاء كبدر طالع بذت الخلق جميعا بالجمال ٢ لا يجوز في كلمة: "أربع" منع الصرف؛ سواء أكانت الوصفية ملحوظة أم غير ملحوظة: إذ إن مؤنثها بالتاء؛ فالشرط الثاني مفقود دائما؛ فلا يصح منعها من الصرف. وإذا كانت كلمة "أربع" مستعملة في الوصفية العارضة، فمعناها يشمل أمرين، ذوات، وعدد. أي: ذوات معناها العدد المخصوص، والكمية المخصوصة؛ "كما هو الشأن في المشتقات؛ كضارب، فإنه يفيد أمرين: الذات والمعنى الذي هو الضرب". أما إذا كانت مستعملة في مجرد العدد فمعناها الكمية العددية المخصوصة، دون دلالة على ذات -وقد شرحنا- في رقم ١ من هامش ص٢١٧ المراد هنا من الصفة، كما شرحنا دلالة المشتق على الذات والصفة في الجزء الثالث.
[ ٤ / ٢١٩ ]
في لونها سائر البدن" "وأفعى"، للحية. فكل هذه، وما شابهها، أسماء بحسب وضعها الأصلي لتلك الأشياء؛ ولهذا تصرف.
وقد يصح في هذه الكلمات -ولا يدخل فيها كلمة: أربع- منعها من الصرف على اعتبار أن معنى الصفة يلاحظ فيها، ويمكن تخيله مع الاسمية، وقد وردت ممنوعة من الصرف في بعض الكلام الفصيح، فالأجدل: يلحظ فيه القوة؛ لأنه مشتق من الجدل "بسكون الدال" بهذا المعنى. والأخيل: يلحظ فيه التلون؛ لأنه من الخيلان، بهذا المعنى. والأفعى: يلحظ فيها الإيذاء الذي اشتهرت به، واقترن باسمها١، وعلى أساس التخيل والملاحظة المعنوية مع السماع يجوز منع الصرف. ولكن الأنسب الاقتصار على صرف هذه الأسماء: لغلبة الاسمية عليها.
وهناك ألفاظ وضعت أول نشأتها أوصافا أصلية، ثم انتقلت بعد ذلك إلى الاسمية المجردة٢ وبقيت فيها، فاستحقت منع الصرف بحسب أصلها الأول الذي وضعت عليه؛ لا بحسب حالتها الجديدة التي انتقلت إليها؛ مثل: "أدهم" للقيد٣؛ فإنه في أصل وضعه وصف للشيء الذي فيه دهمه، "أي: سواد"، ثم انتقل منه؛ فصار اسما مجردا للقيد؛ ومثل: "أرقم"؛ فإنه في أصل وضعه وصف للشيء المرقوم، "أي: المنقط" ثم انتقل منه فصار اسما للثعبان الذي ينتشر على جلده النقط البيض والسود. ومثل: "أسود" فأصله وصف لكل شيء أسود، ثم انتقل منه؛ فصار اسما للثعبان المنقط بنقط بيض وسود، ومثل: "أبطح" وأصله وصف للشيء المرتمي على وجهه: ثم صار اسما للمكان الواسع الذي يجري فيه الماء بين الحصى الدقيق، ومثل: "أبرق"، وأصله وصف لكل شيء لامع براق، ثم صار اسما للأرض الخشنة التي تختلط فيها الحجارة والرمل والطين.
وقد يجوز صرف هذه الأسماء على اعتبار أن وصفيتها الأصيلة السابقة قد زالت بسبب الاسمية الطارئة. ولكن الاقتصار على الرأي الأول أنسب.
ويفهم مما سبق -في غير كلمة: أربع-٤ أن الوصفية الأصيلة الباقية
_________________
(١) ١ يرى بعض النحاة أن "أفعى" لا مادة لها في الاشتقاق. ويرى آخرون -بحق- أنها مشتقة من فعوة السم، أي: شدته. ٢ الخالية من الوصفية والعلمية. ٣ المصنوع من الحديد. ٤ لما سبق في رقم ٢ من هامش الصفحة الماضية.
[ ٤ / ٢٢٠ ]
لا يصح إغفالها في منع الصرف. أما الوصفية الأصيلة التي زالت وحل محلها الاسمية الطارئة المجردة؛ فيصح أن يلاحظ كل منهما عند منع الصرف أو لا يلاحظ؛ بمعنى أنه يجوز -عند وجود إحداهما مع العلة الثانية- صرف الاسم ومنعه من الصرف، بشرط تحقق الشرط الثاني. "وهو ألا يكون تأنيث الوصف بالتاء "، وأن الأفضل الاقتصار على حالة واحدة؛ فالصرف أفضل إن كانت الاسمية هي الأصيلة، والوصفية هي الطارئة. والمنع أولى؛ إن كانت الوصفية هي الأصيلة والاسمية هي الطارئة. وفي مراعاة هذه الأفضلية مسايرة للسبب العام في منع الصفة من الصرف، وتيسير في الاستعمال١
وإذا سمي بهذا الوصف زالت عنه الوصفية، وحل محلها العلمية؛ فيجتمع فيه العلمية ووزن الفعل؛ وهما علتان يؤدي اجتماعهما إلى منع صرفه؛ كتسمية رجل: أرقم -أو: أسود٢:
_________________
(١) ١ وفي الوصفية الأصيلة والطارئة وما يتبع هذا يقول ابن مالك: ووصف أصلي ووزن أفعلا ممنوع تأنيث بتا؛ كأشهلا-٤ يريد: أن الاسم يمنع من الصرف للوصف الأصلي مع وزن "أفعل" -وهو وزن الفعل- الممنوع تأنيثه بالتاء. ومثل للمستوفي الشروط بلفظ: "أشبل"؛ تقول طفل أشبل، وطفلة شبلاء. "والشبهل: تغير لون بياض العين فيختلط بالحمرة. أو الزرقة". ثم انتقل بعد ذلك للكلام على الوصفية الطارئة والاسمية الطارئة، وحكمهما، والتمثيل لها، فقال: وألغين عارض الوصفية كأربع، وعارض الاسمية-٥ فالأدهم: "القيد" لكونه وضع في الأصل وصفا -انصرافه منع-٦ وأجدل، وأخيل، وأفعى مصروفة، وقد ينلن المنعا-٧ يقول: ألغ الوصفية العارضة كالتي في أربع، ولا تعتد بها في منع الصرف. وكذلك ألغ الاسمية العارضة. وساق أمثلة للحالتين؛ منها: الأدهم "وهو: اسم للقيد من الحديد" فإنه ممنوع من الصرف مراعاة لوضعه الأول وصفا للشيء الأسود لا مراعاة لاسميته الحالية. ثم ضرب أمثة لألفاظ وضعت في أول أمرها أسماء خالية من الوصفية فصرفت، ويجوز تخيل معنى الوصفية فيها، وملاحظة هذه الوصفية برغم أن تلك الألفاظ لا تزال باقية على اسميتها، ومنها أجدل، أخيل، أفعى. ٢ راجع رقم ١ ص٢١٧ ورقم ٢ من ص٢٦٤.
[ ٤ / ٢٢١ ]
٣- ويمنع الاسم من الصرف للوصفية مع العدل١ في إحدى حالتين:
الأول: أن يكون اسم أحد الأعداد العشرة٢ الأول، وصيغته على وزن:
_________________
(١) ١ سبق معنى الوصفية في رقم١ من هامش ص٢١٧ أما العدل فيقولون في تعريفه: إنه تحويل الاسم من حالة لفظية إلى أخرى مع بقاء المعنى الأصلي، بشرط ألا يكون التحويل لقلب، أو لتخفيف، أو لإلحاق، أو لزيادة معنى، فليس من المعدول "أيس" مقلوب "يئس" ولا "فخذ" بسكون الخاء؛ تخفيف "فخد" بكسرها؛ ولا "كوثر" بزيادة الواو؛ لإلحاق الكلمة: بجعفر، ولا "رجيل" بالتصغير؛ لإفادة معنى التحقير وغيره. والعدل يكون في الصفات وله الحالتان التاليتان. ويكون في الأعلام وله صور متعددة أشهرها: "فعل" المعدول عن فاعل. وكذا "فعال" بالشروط والتفصيلات الآتية عند الكلام على منع الاسم من الصرف للعلمية والعدل. ص٢٥٦. والعدل قسمان: أ- تحقيقي: وهو الذي يدل عليه دليل غير منع الصرف؛ بحيث لو صرف هذا الاسم لم يكن صرفه عائقا عن فهم ما فيه من العدل، وملاحظة وجوده؛ كالعدل في: سحر -وسيجيء في ص٢٥٨، وآخر ص٢٢٤ ومثنى، فإن الدليل على العدل فيها ورود كل لفظ منها مسموعا عن العرب بصيغة تخالف الصيغة الممنوعة من الصرف بعض المخالفة، مع اتحاد المعنى في الصيغتين، فسحر بمعنى السحر المعروف، وأُخر بمعنى آخر، ومثنى بمعنى اثنين، وهكذا فالذي دل على أن كل واحد من هذه الألفاظ -وأشباهها- معدول، ليس الصرف أو عدمه، وإنما هو وروده عن العرب بصيغة أخرى تخالف صيغته الممنوعة بعض المخالفة مع اتحاد معناه في الحالتين برغم هذه المخالفة. ب- تقديري: وهو الذي يمنع فيه العلم من الصرف، سماعا من العرب، من غير أن يكون مع العلمية علة أخرى تنضم إليها في منع الصرف. فيقدر فيه العدل لئلا يكون المنع بالعلمية وحدها؛ مثل: عمر - زفر ؛ فلو سمع مصروفا لم يحكم بعدله، مثل: "أدد" "وهو جد إحدى القبائل العربية كما سيجيء في ص٢٥٧" وهذا النوع التقديري خاص بالأعلام، ومنها: عمر، زفر، جثم، جمح ولا دليل يدل عليه إلا منع العلم من الصرف، وعدم وجود علة أخرى تنضم إلى العلمية في منع صرفه جعلهم يعتبرون العلة الثانية مقدرة. "انظر البيان في رقم ٦ من هامش ص٢٥٦". وفائدة العدل: إما تخفيف اللفظ باختصاره -غالبا- كما في: مثنى وأُخر، وإما تخفيفه مع تفرعه وتمحضه للعلمية، فيبتعد عن الوصفية، كما في: عمر وزفر، المعدولين عن عامر وزافر، لاحتمالهما قبل العدل للوصفية. وعندي أن كل ما قيل في العدل وتعريفه وتقسيمه، وفائدته، مصنوع متكلف. ولا مرد لشيء فيه إلا السماع. وخير يقال عند الإعراب في سبب المنع إنه العلمية وصيغة فعال أو مفعل، أو فعل، أو غيرها من الصيغ المسموعة نصا عن العرب. ٢ هناك رأي يقصره على بعض العشرة، ولا يبلغ به العشرة. لكن الأرجح هو الرأي الأول. ويؤيده الأمثلة التي عرضها سيبويه في كتابه نقلا عن العرب، مستشهدا بها، وكذلك الأمثلة التي أوردها الهمع -ج١ ص٢٦.
[ ٤ / ٢٢٢ ]
"فعال" أو: "مفعل"، نحو: أحاد وموحد، ثناء ومثنى، ثلاث ومثلث، رباع ومربع، خماس ومخمس، سداس ومسدس، سباع ومسبع، ثمان ومثمن، تساع ومتسع، عشار ومعشر.
ويقول النحاة: إن كل لفظ من هذه الألفاظ معدول عن لفظ العدد الأصلي المكرر مرتين للتوكيد؛ فكلمة: "أحاد" في مثل: "صافحت الأضياف أحاد، معدولة عن الكلمة العددية الأصيلة المكررة: "واحدا واحدا" والأصل: صافحت الأضياف واحدا واحدا؛ فعدل العرب عن الكلمتين، واستغنوا عنهما بكلمة واحدة -للتخفيف- تؤدي معناهما؛ هي: أحاد، ومثلها موحد"١ وكلتا الكلمتين ممنوعة من الصرف مع أن أصلهما المعدول عنه منصرف، ولا ينظر لهذا الأصل هنا؛ ولهذا كنت كل واحد منهما محتومة المنع من الصرف٢.
وكلمة: "ثناء"، في مثل: سار الجند ثناء ، معدولة عن أصلها العددي المكرر للتوكيد، وهو: "اثنين اثنين" والأصل: سار الجند اثنين اثنين، فعدل العرب عن الكلمتين، وأتوا بدلهما بكلمة واحدة -للتخفيف- تؤدي معناهما، هي: ثناء، ومثلها: "مثنى" وهاتان ممنوعتان من الصرف مع أن أصلهما مصروف.
ومثل هذا يقال في بقية الأعداد العشرة الأولى المعدولة. والأغلب في هذه الأعداد العشرة المعدولة أن تكون حالا، كالأمثلة السالفة، أو تكون نعتا؛ نحو: شاهدت حول الماء طيورا مثنى؛ وطيورا ثلاث أو تكون خبرا؛ نحو: أصابع اليدين والرجلين خماس ومن القليل أن تكون مضافا، ومن
_________________
(١) ١ التعليل النحوي السابق ضعيف؛ فما الدليل على أن العرب الأوائل عدلوا عن استعمال اسم العدد الأصلي المكرر، إلى استعمال الاسم المعدول؟ لا دليل ولا ما يشبهه. والحق أن العرب استعملوا النوعين، وأحدهما مصروف، والآخر ممنوع من الصرف، ولا داعي لذلك التعليل. ٢ في هامش الجزء الثاني "م٨٤ ص٣٤٥" بيان مفيد، تصويب للأساليب المشتملة على التكرار في نحو: صافحت الأضياف واحدا واحدا، وأقبل الجنود اثنين اثنين، أو ثلاثة ثلاثة.. و.. فقد كان بعض القدماء -كالحريري- يرى أن استعمالها على هذا الوجه خطأ، وما هي بخطأ.
[ ٤ / ٢٢٣ ]
الممنوع أن تكون مقرونة بأل١
ويجوز أن يتكرر اللفظ المعدول فيكون التالي توكيدا٢ لفظيا للأول، فنقول: سار الجند مثنى مثنى -أو: ثلاث ثلاث وهكذا.
ومن العرب من يجيز صرف تلك الألفاظ، فيقول: ادخلوا ثلاث ثلاث، أو ثلاثا ثلاثا وهكذا، وعند صرفها يعدها أسماء مجردة من الوصفية، والرأي الأول أكثر وأشهر.
الثانية: كلمة: "أخر"؛ في مثل: "سجل التاريخ لعائشة أم المؤمنين، ولنساء أخر أثرهن في السياسة، والثقافة، ونشر العلم"، فهي جمع، مفردة: "أخرى" و"أخرى" مؤنث للفظ مذكر؛ هو: "آخر" "بفتح الخاء"، على وزن: "أفعل"، ومعناه: أكثر مغايرة ومخالفة فلفظ: "آخر" هنا: "أفعل للتفضيل"، مجرد من "أل" والإضافة للمعرفة٣؛ فحقه أن يكون مفردا مذكرا في جميع استعمالاته ولو كان المراد مه مثنى، أو جمعا، أو مؤنثا، وهذا ما تقتضيه الأحكام العامة لأفعل التفضيل المجرد منهما؛ "نحو: المتعلم والمتعلمة أقدر على نفع الوطن من غيرهما -الإخوان والأصدقاء أنفع في الشدة، وأبعد عن التقصير- ليس بين النساء أفضل، ولا أحسن من الساهرات على تربية أولادهن " وبناء على هذا الحكم العام يكون القياس في المثال السابق وأشباهه أنن قول: لعائشة أم المؤمنين ولنساء آخر -بمد الهمزة وفتح الخاء- أثرهن ، لكن العرب عدلو عنه. وقالوا: نساء "أخر" بصيغة الجمع، ومنعوه من الصرف؛ فكان العدل بانضمامه للوصفية سببا في منعه من الصرف. وإن شئت فقل: كان منعه
_________________
(١) ١ وهنا قال الصبان ما نصه: "ادعى الزمخشري أنها تعرف؛ فيقال: فلان تزوج المثنى والثلاث.. قال أبو حيان: ولم يذهب إليه أحد. وكما لا تسرف لا تؤنث؛ فلا يقال مثناه مثلا ". ا. هـ. ٢ فيكون الغرض من التكرير، لا إفادة التكرار تأسيسا، أي: ابتداء؛ لأن إفادة التكرار التأسيسي -وهو المجرد من التأكيد ابتداء- مفهومة قبل التكرار حتما "نص على هذا الأشموني والصبان". ٣ لأن المضاف للمعرفة قد يجوز فيه المطابقة وعدمها بالتفصيل الذي سبق بيانه في باب "أفعل التفصيل" -ج٣ م١٢ ص٤٠٤.
[ ٤ / ٢٢٤ ]
من الصرف. وإن شئت فقل: كان منعه من الصرف دليلا على وجود العدل فيه مع الوصفية١.
وإذا زالت الوصفية وحدها وحل محلها العلمية بقي الاسم على منع الصرف؛ لاشتماله في حالته الجديدة على علتين مانعتين معا لصرفه؛ وهما: العلمية والعدل، كتسمية إنسان: "مثنى" أو "ثلاث" أو نحوهما مما كان في أصله وصفا معدولا، ثم صار علما باقيا على حاله من العدول
ويتبين مما سبق في الصور الثلاث الخاصة بالوصفية ومعها العلامة الأخرى، أن الوصفية إذا اختفت وحدها بسبب أن الاسم صار "علما مزيدا"، أو: "علما على وزن الفعل". أو: علما معدولا" -بقي هذا الاسم ممنوعا من الصرف كما كان، ولكن للعلمية ومعها العلامة الأخرى٢
_________________
(١) ١ العدل هنا تحقيقي -سبقت الإشارة له في رقم ١ من هامش ص٢٢٢ وفي هذا التعليل ما في سابقه من ضعف. والعلة الصحيحة هي مجرد الاستعمال العربي الصحيح، وقد بسطنا تعليل النحاة كاملا، وعرضنا رأيهم في "أخر" ومتعهد من الصرف، وفي أنها للتفضيل أو ليست له ثم الرد عليه في الجزء الثالث "باب أفعل التفضيل ص٣١٠ م١١٢" فلا داعي للتكرار والإطالة؛ علما بأن المعروض في باب التفضيل هام، ومفيد. ٢ وفي الصورة الثالثة وهي صورة الوصفية مع العدل يقول ابن مالك: ومنع عدل مع وصف معتبر في لفظ مثنى، وثلاث، وأخر-٨ يقول: إن الاسم يمنع من الصرف إذا كان لفظه هو: "مثنى" أو: "ثلاث"، أو "أخر" ولم يذكر إيضاحا ولا تفصيلا إلا ما ذكره في البيت التالي من أن مثنى وثلاث يشبههما ما جاء على وزنهما من ألفاظ الأعداد الأربعة الأولى. قال: ووزن مثنى وثلاث كهما من واحد لأربع؛ فليعلما-٩ وأهمل ما زاد على الأربعة: ثم انتقل بعد هذا مباشرة إلى ذكر الأبيات الأربعة الخاصة بصيغة منتهى الجموع والتي أول كل منها. وكن لجمع مشبه مفاعلا -١٠ وذا اعتلال منه كالجواري -١١ ولسراويل بهذا الجمع -١٢
[ ٤ / ٢٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- لم يحكم النحاة على "أخرى" الممنوعة من الصرف بأنها معدولة؛ لاشتمالها على ألف التأنيث المقصورة، وهذه أقوى في منع الصرف من العدل. وأما آخران وآخرون فمعربان بالحروف فلا دخل لهما في منع الصرف.
ب- قد تكون: "أخرى" بمعنى "آخره" -بكسر الخاء- وهي التي تقابل كلمة: "أولى" كالتي في مثل: "قالت أخراهم لأولاهم وقالت أولاهم لأخراهم " وفي هذه الصورة تجمع كلمة: "أخرى" على "أخر" المصروفة؛ لأنها غير معدولة؛ لأن مذكرها هو: "آخر" -بكسر الخاء- الذي يقابل "أول" بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾ . أي: الآخرة. يؤيد هذا قول تعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾، والقصة واحدة، فليست "أخرى" التي هي بمعنى: "آخرة" من باب أفعل التفضيل.
والفرق أن أنثى المفتوح الخاء١ لا تدل على انتهاء، كما لا يدل عليه مذكرها، فلذلك يعطف عليه مثلها من جنس واحد، كقولك: أقبل رجل، وآخر، وآخر أقبلت سيدة. وأخرى، وأخرى، أما أنثى المكسور الخاء٢ فتدل على الانتهاء، ولا يعطف عليها مثلها من جنس واحد. كما أن مذكرها كذلك
_________________
(١) = وإن به سمي أو بما لحق -١٣ وقد شرحنا الأبيات الأربعة في مكانها الأنسب "ص٢١٤ و٢١٥" كي يكون الوضوح متصلا بعضه ببعض، وبعدها -في الألفية- الأبيات الخاصة بمنع الاسم من الصرف للعلمية وسبب آخر معها، وسيجيء شرحها في موضعها. ١ مفتوح الخاء هو: "آخر" ومعناه: أكثر مغايرة ومخالفة -والصيغة للتفضيل كما أسلفنا- وأنثاء هي: "أخرى" التي تجمع على: "أخر" الممنوعة من الصرف. ٢ مكسور الخاء هو: "آخِر" الذي معناه: "أخيرا" أي: مقابل للأول ويدل على النهاية. ومؤنثه "آخرة"، أو "أخرى" التي تجمع تجمع على "أخر" المصروفة.
[ ٤ / ٢٢٦ ]
المسألة ١٤٧:
الكلام على الاسم الممنوع من الصرف للعلمية ١ مع إحدى العلل السبع:
١- يمنع الاسم من الصرف إذا كان علما، مركبا تركيب مزج. والمراد بالتركيب المزجي٢: كل كلمتي امتزجتا "أي: اختلطتا" بأن اتصلت ثانيتهما بنهاية الأولى حتى صارتا كالكلمة الواحدة؛ من جهة أن الإعراب أو البناء يكون على آخر الثانية -في الرأي الأشهر- أما آخر الكلمة الأولى فقد يكون ساكنا؛
_________________
(١) ١ ملاحظة هامة: العلم هنا يشمل علم الشخص وعلم الجنس، "طبقات لما سبق في الجزء الأول، باب العلم". والممنوع من الصرف للعلمية ومعها علة أخرى لا يدخله تنوين "الأمكنية"، فلو زالت العلمية لوجب تنوينه تنوين تنكير -كما سنعرف في ص٢٣١ و٢٦٥- إن لم يوجد سبب آخر للمنع. ٢ سبق الكلام على المركب المزجي في باب العلم "ج١ ص٢٧٠ م٢٢" ومن أهم ما قلناه هناك: إن المركب المزجي لا يكون إلا من كلمتين، فقط، "وقد تفصل بينهما الواو؛ في بعض الصور السماعية؛ كما في: "كيت وكيت، ذبت وذبت" طبقا للبيان الآتي في ص٥٨٣" ولا يصح مزج أكثر منهما. ومعنى امتزجنا صارتا في العلم كلمة واحدة ذات شطرين، كل شطر منهما بمنزلة الحرف الهجائي الواحد من الكلمة الواحدة "العلم" "كما نص على هذا شارع "المفصل" ج٤ ص١١٦". والأصل قبل التركيب أن يكون لكل واحدة منهما معنى يخالف معنى الأخرى. أما بعد التركيب المزجي فالأمر يختلف: فإن كان هذا التركيب علما من النوع الذي تتركز فيه علامات الإعراب أو البناء على آخر الثانية فقط؛ كسيبويه، وبعلبك وغيرهما من الأمثلة المعروضة هناك -في ص٢٧٩، ونظائرها زال المعنى الأصلي لكل منهما نهائيا، ولا يصح ملاحظته؛ إذ ينشأ من المزج معنى جديد، مستحدث، لا صلة له بالمعنى السابق لهما أو لإحداهما. أما إن كان هذا المركب المزجي من النوع الآخر الذي يبنى على فتح الجزأين "وهو المذكور في ج١ ص٢٨١"، كالمركبات العددية مثل: ثلاثة عشر، وأربعة عشر أو المركبات الظرفية، نحو: صباح مساء أو الحالية؛ نحو فلان جاري بيت بيت، أي: ملاصقا، أو باقي المركبات الأخرى التي تبنى بالمعنى الذي كان لكل كلمة قبل مزجها بأختها؛ إذ يتكون المعنى الجديد من معناهما السابق، مع بعض زيادة تنضم إيه، دون إلغاء لمعناهما السابق، أو إهمال لملاحظته في تكوين المعنى المستحدث. فأساس المعنى الجديد هو معناهما القديم مع ضم زيادة إليه. وهذا النوع ملاحظ فيه قبل المزج أنه على تقدير "واو العطف" بين الكلمتين وأنهما في حكم المتعاطفين؛ فمعناهما بملاحظتهما قبل التركيب هو معناهما الجديد بعد المزج ملاحظتها "راجع شرح المفصل ج١ ص٦٥ وج٤ ص١٢٤".
[ ٤ / ٢٢٧ ]
نحو: برسعيد١، نيويرك٢، جردنستي٣، وقد يكون متحركا٤ بالفتحة "وهذا هو الأكثر"؛ نحو: طبرستان٥، "خالويه٦، سيبويه٧، في لغة من يعربهما ولا يبنيهما"٨، حضرموت٩ بعلبك١٠.
أحكامه:
أشهر أحكام العلم المركب تركيب مزج -غير العددي. وأشباهه١١- هو:
أ- أن يترك آخر جزئه الأول على حاله قبل التركيب، من السكون أول الحركة، ونوعها؛ فلا يتغير ضبط آخر ذلك الجزء الأول مطلقا بعد التركيب، ولو كان واوا ساكنة أو ياء ساكنة١٢، ولا يجري عليه إعراب ولا بناء، ولا ينظر إليه إلا على اعتباره بمنزلة جزء من كلمة، وليس كلمة مستقلة -ولهذا يتصل بالثاني كتابة إن أمكن وصل حروفهما الهجائية.
_________________
(١) ١ اسم أجنبي، معناه: ميناء سعيد، ويطلق على مدينة مصرية على الساحل الشمالي الشرقي. ويصح نطقها وكتابتها بواو بعد الباء، ولكن تتحرك الراء بعدها للتخلص من الساكنين. ٢ معناه؛ "يرك الجديدة"، وهو اسم مدينة في الولايات المتحدة الأمريكية. ٣ اسم أجنبي، معناه: "حديقة ستي" ويطلق على حي مشهور في القاهرة، على الساحل الشرقي للنيل. ٤ وقد تكون حركة الأول الكسرة -أحيانا- كما في بعض الأصوات المركبة تركيبا مزجيا؛ نحو: "قاش ماش" اسم لصوت طي القماش -طبقات للبيان السالف في رقم ٢ من هامش ص١٦٣. ٥ اسم مدينة فارسية، مركبة من طبر، وستان، ومعنى ستان: مكان. ٦ عالم لغوي، نحوي، في القرن الرابع الهجري. ٧ اسم إمام النحاة، عمرو بن عثمان المتوفى حول سنة ١٨٠هـ، ومعنى: "سيب" باللغة الفارسية: التفاح. ومعنى "ويه": رائحة. وتقدم المضاف على المضاف إليه كالمألوف في اللغة الفارسية. فمعناه: رائحة التفاح. ٨ لأن منع الصرف مقصور على الأسماء المعربة؛ ولا يكون في المبنية -كما تقدم. ٩ اسم بلد في اليمن. ١٠ اسم بلد في لبنان. وأصله مركب من كلمتين: "بعل" "اسم صنم" و"بك" اسم رجل اشتهر بعبادته. ١١ أما حكم العددي وأشباهه فيجيء في: "ب" من ص٢٣١. ١٢ ولو كانت هذه الياء آخر اسم منقوص فإنها ساكنة كذلك -كما سيجيء في رقم ٢ من هامش الصفحة التالية.
[ ٤ / ٢٢٨ ]
ب- يجري الإعراب على آخر الجزء الثاني وحده، فيعرب إعراب الممنوع من الصرف؛ فيرفع بالضمة، وينصب بالفتحة، ويجر بالفتحة نيابة على الكسرة، مع امتناع التنوين في الحالات الثلاث؛ كالشأن في كل اسم ممنوع من الصرف، مجرد من أل والإضافة. ومن الأمثلة: "غادرنا "نيويرك" في طائرة سياحية، قاصدين إلى "بعلبك"؛ فوصلناها بعد عشرة ساعة. ولما نزلنا في مطارها قال المذيع: من كانت "برسعيد" غايته فليستعد؛ فهذه الطائرة متجهة إليها".
ج- من العرب من يجعل الجزء الأول مضافا تجري عليه جميع حركات الإعراب على حسب حاجة الجملة -ولا يمنع من الصرف ما دام مضافا- ويكون الثاني هو المضاف إليه المجرور دائما١. فإن كان الأول "المضاف" مختوما بحرف عليه قدر على هذا الحرف جميع حركات الإعراب -حتى الفتحية- رفعا ونصبا وجرا ومن غير منع صرف. ولا فرق في هذا بين الألف، والواو، والياء، ثم يجيء بعده القسم الثاني "المضاف إليه" فيكون ممنوعا من الصرف إن استحق المنع؛ وإلا فينصرف٢. وعلى هذا لرأي يفصل الجزءأن في الكتابة: "هذه بعل بك -زرت بعل بك- تمتعت ببعل بك". ومثال ما يكون فيه الأول "المضاف" صحيح الآخر معربا ويكون المضاف إليه ممنوعا من الصرف: "من أشهر المدن الفارسية القديمة رام هرمز -عرفت أن رام هرمز
_________________
(١) ١ وهذه الإضافة لفظية؛ لأن كل جزء من الجزأين بمنزلة حرف الهجاء في الكلمة الواحدة كالميم، والعين ومن مثل: معدن فهو يتمم الآخر. وإنما فائدتها تخفيف التركيب، والتنبيه إلى شدة الامتزاج. "وقد سبقت لهذا إشارة في ج٣ م٩٣ ص٤٧". ٢ للمركب المزجي أحكام إعرابية أخرى نمهملها؛ لقلة الوارد بها؛ وعدم أهميتها، ومنها بناء الجزأين على الفتح رفعا، ونصبا، وجراء؛ كبناء خمسة عشر وأشباهها؛ فيكون في آخر كل جزء فتحة لا تتغير مطلقا في جميع حالات الإعراب؛ بشرط أن يكون آخر الجزء الأول صحيحا. فإن كان معتلا "ألفا، أو واوا، أو ياء" وجب إبقاء الأول على سكونه، ويقتصر البناء على الفتح على الثاني في جميع أحواله. وعلى هذا فالمركب المزجي إذا كان جزؤه الأول معتلا -يظل ساكنا في كل اللغات السالفة. وفي منع الاسم من الصرف للعلمية والتركيب المزجي يقول ابن مالك مقتصرا على بيت واحد: والعلم امنع صرفه مركبا تركيب مزج، نحو: معديكربا-١٤
[ ٤ / ٢٢٩ ]
مدينة أثرية- في رام هرمز صناعات يدوية دقيقة". فكلمة: "رام" في الأمثلة السالفة معربة على حسب الجملة؛ وهي مضاف، وكلمة: "هرمز" مضاف إليه، مجرورة بالفتحة بدل الكسرة في كل الاستعمالات؛ لأنها علم أعجمي١، يمنع من الصرف هذا
ومثال المضاف الذي آخره حرف علة تقدر عليه جميع الحركات، وبعده الجزء الثاني "المضاف إليه" غير ممنوع من الصرف: "صافي ورود" اسم قرية مصرية. تقول: "صافي ورود في الصحراء الغربية -أرغب أن أشاهد صافي ورود "بسكون الياء"-٢ لم أذهب إلى صافي ورود". فكلمة: "صافي" مرفوعة بضمة مقدرة على الياء، ومنصوبة بفتحة مقدرة عليها، ومجرورة بكسرة مقدرة أيضا. وهي مضافة، وكلمة: "ورود" مضاف إليه مجرورة منونة؛ لأنها غير ممنوعة من الصرف؛ لعدم وجود ما يقتضي المنع. ومثلها: "معدي كرب" اسم رجل "وهو مركب من جزأين "٣.
ومثال معتل الجزء الأول الذي يليه الجزء الثاني "المضاف إليه" ممنوعا من انصراف: "رضا عائشة"، اسم امرأة فارسية -حادي شمر. اسم مدينة وكذا: نيويرك.
_________________
(١) ١ هي وحدها بغير صدرها علم أعجمي في الأصل. ٢ وهذا النوع من المنقوص ينصب بفتحة مقدرة -كما سبق في رقم ٢ من الهامش السابق، وفي "جـ" من ص٢٢٩، وفي ج١ ص١٧٢ و١٧٧ م١٦. ٣ ويقال إن أصلها: "سعدي" على وزن: "مفعل"؛ اسم مكان أو زمان من "عدا" بمعنى: جاوز، وكان القياس فتح الدال. و: "كرب" بمعنى: "فساد". وقيل: أصله، معدى، بفتح الدال، ثم حذفت الألف "المكتوبة ياء"، وجاءت ياء النسب، وكسر ما قبلها وخففت هذه الياء؛ فصارت غير مشددة. فوزنه: "مفعى". وكل هذا لا أهمية له بعد التركيب.
[ ٤ / ٢٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- إذا كان الاسم ممنوعا من الصرف للعلمية مع التركيب المزجي -نحو: خالويه- وفقدهما، أو أحدهما، وجب تنوينه إن لم يوجد داع آخر للمنع، فمثال فقدهما معا: زارنا خال "وهو: أخو الأم" -استقبلت خالا- فرحت بخال.
ومثال فقد التركيب: هذا خال "علم رجل" -إن خالا مقبل- سعيت إلى خال - ومثال فقد العلمية: من أشهر خالويه في اللغة وفروعها بين أصحاب هذا الاسم؟ بتنوين كلمة: "خالويه" تنوين تنكير١ بسبب فقدها العلمية.
ب- إذا كان المركب إضافيا وجب أن يكون الإعراب على جزئه الأول المضاف، ولا يصح منه من الصرف ما دام مضافا. أما جزؤه الثاني فمضاف إليه، ينون أو لا ينون على حسب ما ينطبق عليه من أحكام الصرف وعدمه.
وإذا كان المركب إسناديا وجب أن يحكى على ما هو عليه من غير تغييره. والصحيح أنه معرب لا مبني.
أما المركب العددي مثل: "ثلاثة عشر" وأخواته المركبة -فمبني على فتح الجزأين عند البصريين. إلا "اثني عشر"، فمعربات إعراب المثنى -كما سبق في باب المثنى- والكوفيون يجوزن في العدد المركب إضافة صدره إلى عجزه. "وسيأتي البيان في باب المعدد٢.
فإن سمي بالعدد المركب جاز إبقاؤه على بناء طريفة، وجاز إعرابه ما لا ينصرف للعلمية والتركيب، وجاز إضافة صدره إلى عجزه.
_________________
(١) ١ انظر رقم ١ من هامش ص٢٢٧ وقد سبق الكلام على تنوين التنكير مفصلا "في ج١ ص٢٣ م٣" وأنه يلحق بعض الأسماء ليكون وجوده دليلا على أنها نكرة، وحذفه دليلا على أنها معرفة. والأغلب دخوله على الأسماء المبنية. ولكنه قد يلحق الأسماء المعرفة غير المنصرفة، لغرض أوضحناه هناك وهو الدلالة على تنكيرها؛ كقولك: مررت بأحمد -بالتنوين- إذا كنت تريد الإخبار عن واحد معين من أشخاص متعددين، اسم كل منهم: أحد. "انظر رقم ٢ من هامش ص٢٤٩ ورقم٣ من هامش ص٢٥١". ٢ ص٥٢٠.
[ ٤ / ٢٣١ ]
أما المركب من الأحوال نحو: "أنت جاري بيت بيبت"، ومن الظروف نحو: أعمل صباح مساء ؛ فيجوز فيه عند التسمية به، وصيروه علما أحد أمرين١:
إما إضافة الصدر إلى العجز مع إعراب الصدر على حسب الجملة؛ نحو: بيت بيت نظيف -صباح مساء محبوب
وإما بقاء التركيب مبنيا على فتح الجزأين دائما؛ ويكون في محل رفع أو نصب، أو جر، على حسب حاجة الجملة فيقال: بيت بيت نظيف، صباح مساء محبوب
_________________
(١) ١ راجع حاشية "خالد" على "التصريح" ج٢ باب: "ما لا ينصرف" عند الكلام على العلم المركب تركيب مزج.
[ ٤ / ٢٣٢ ]
٢- ويمنع الاسم من الصرف إذا كان علما مختوما بألف ونون زائدتين: سواء أكان العلم للإنسان أم لغيره؛ نحو: بدران، حيان، مروان، قحطان، غطفان أسماء أشخاص، ونحو: شعبان، رمضان، من أسماء الشهور العربية، ونحو: "عمان" اسم بلد في الأردن، و"رغدان" اسم قصر بها.
وحكم هذا النوع المنع من الصرف بشرطية "وهما: العلمية الزيادة" تقول: عمان حاضرة البلاد الأردنية، وفي أحد أطرافها قصر فخم، يسمى: "رغدان" بينه وبين عمان بضعة أميال
فإن كان الحرفان: "الألف والنون" أصليين، معا، أو النون١ وحدها، لم يمنع الاسم من الصرف؛ فمثال الأصليين: بان٢ - خان٣. ومثال أصالة النون: أمان، لسان، ضمان.
وإن كانا معا صالحين للأصالة، وللزيادة، أو كان أحدهما هو الصالح وحده جاز في الاسم الصرف وعدمه٤؛ نحو: حسان، علم على رجل٥، فيجوز أن يكون مشتقا من الحس، بمعنى: الشعور، فيمنع من الصرف للعلمية وزيادة الحرفين. ويجوز أن يكون مشتقا من الحسن فلا يمنع؛ لأن الزائد حرف واحد. وكذلك: "غسان"؛ قد يكون من الغس؛ بمعنى: دخول البلاد؛ فيمنع من الصرف؛ للعلمية وزيادة الحرفين. وقد يكون: من الغسن؛ بمعنى: المضغ؛ فلا يمنع؛ لأن الزائد حرف واحد. وودان، قد يكون من الود؛ بمعنى: الحب؛ فيمنع، أو: من الودن، بمعنى: نقع الشيء في الماء ونحوه؛ فلا يمنع٦
_________________
(١) ١ الأعم الأغلب أن تكون "النون" هي الأصلية؛ وقبلها "الألف" زائدة. أما العكس فلا يكاد يوجد. ٢ اسم جبل بالحجاز، واسم الشجر المعروف بشجر: "البان". ٣ دكان، أو فندق. ٤ باعتبارين مختلفين. ٥ واسم شاعر الرسول ﵇. ٦ وفي منع الاسم من الصرف للعلمية مع الزيادة يقتصر ابن مالك على قوله: كذاك حاوي زائدي فعلانا، كغطفان، وكأصبهانا أي: كذلك يمنع الاسم من الصرف إذا كان علما حاويا الحرفين الزائدين في "فعلان" وهما: =
[ ٤ / ٢٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- يقول الصرفيون: إن علامة زيادة الألف والنون هي سقوطهما في بعض التصريفات؛ -كما في "حمدان" و"فرحان"، عامين؛ حيث يمكن ردهما إلى: حمد، وفرح -بشرط أن يكون قبلهما أكثر من حرفين أصليين بغير تضعيف الثاني؛ نحو: عثمان -مروان- رشدان فإن كان قبلهما أكثر من حرفان أصليان ثانيهما مضعف جاز أمران: إما اعتبار الحرف الذي حصل به التضعيف أصيلا؛ فيؤدي هذا إلى الحكم بزيادة الألف والنون؛ لوقوعهما بعد ثلاثة أحرف أصلية؛ وإما عدم اعتباره أصيلا فيؤدي إلى الحكم بأصالة النون. ومن الأمثلة: حسان -عفان- حيان فتمنع من الصرف على اعتبارها من الحس؛ بمعنى: الإحساس -مثلا- ومن العفة -ومن الحياة. ويكون وزنها "فعلان". وتنصرف على اعتبارها من الحسن، والعفن، والحين "بمعنى الهلاك"، وتكون على وزن "فعال" لأن نونها أصلية ومن الأمثلة: شيطان: فهو إما من شطن بمعنى: ابتعد، وإما من شاط بمعنى: احترق
وإذا كان العلم ذو الزيادتين مسموعا عن العرب الفصحاء بصورة واحدة هي المنع أو عدما فالأولى اتباع المسموع، كما في "حسان" شاعر الرسول، فالمسموع عنهم منعه في الحالات المختلفة، ولهذا يحتم أكثر النحاة منعه ولكن هذا التحتيم تحكم وتشدد بغير حق.
_________________
(١) = الألف والنون. وليس من اللازم أن يكون على وزن "فعلان" وإنما اللازم احتواؤه على الحرفين الزائدين، نحو: عمران وسفيان و"غطفان" "علم على فرع من فروع قبيلة "قيس" العربية. والغطف: اتساع النعمة" و"أصبهان" "وفي هذه الكلمة لغات كثيرة: منها كسر الهمزة، ومنها: إبدال بائها فاء " ولا تكون الألف والنون زائدتين إلا على اعتبار أن أصل الكلمة: عربي: أما على الرأي القائل إنها العجمية -وهو الصواب- فلا تمنع للعلمية مع الزيادة، وإنما تمنع للعلمية مع شيء آخر "سيجيء في ص٢٤٢"؛ هو العجمة.
[ ٤ / ٢٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ب- لو أبدلت النون الزائدة لاما -كما يجري في بعض اللهجات القديمة- منع الاسم من الصرف أيضا إذا كان مستوفيا شروط المنع. كقولهم: أصيلال، في "أصيلان"، التي هي تصغير شاذ لكلمة: "أصيل"١ فإذا سمي إنسان: "أصيلال" منع الصرف؛ للعلمية وزيادة الألف واللام، إعطاء للحرف المبدل، حكم الحرف المبدل منه.
ولو أبدل الحرف الأخير نونا -في بعض اللهجات القليلة، لمن يمنع من الصرف، كقول بعض العرب: حنان، وهي: الحناء، فأبدلوا الهمزة الشائعة نونا؛ فلو سمى رجل حنانا" لم يمنع من الصرف.
ويفهم مما تقدم أن الحكم بمنع الصرف للزيادة يعتمد على الحرف الزائد في المبدل منه نصا، قبل أن يصير الزائد حرفا آخر بسبب البدل؛ أي: أن العبرة هي بالأصل الشائع، لا بالبدل.
ج- إذا كان الاسم ممنوعا من الصرف للعلمية مع الزيادة وفقد العلتين أو: إحداهما -وجب تنوينه، إن لم يوجد داع آخر للمنع؛ فمثال ما فقد العلمية وحدها كلمة: "بدران" في مثل: "ادع بدرنا" واحدا من بين أصحاب هذا الاسم"، والتنوين هنا للتنكير الذي أشرنا إليه٢، ومثال ما فقد الزيادة: "بدر" علم رجل، تقول: فرحت بلقاء بدر. ومثال ما فقدهما معا: "بدر" بمعنى: قمر، أحد البدور السماوية
_________________
(١) ١ الوقت بين العصر والمغرب. ٢ في رقم ١ من هامش ص٢٢٧ و٢٤٩ ورقم ٣ ص٢٥١.
[ ٤ / ٢٣٥ ]
٣- ويمنع الاسم من الصرف للعلمية مع التأنيث١. ومنعه إما واجب، وإما جائز.
أ- فالواجب يتحقق في صور٢؛ منها: أن يكون العلم مختوما بالتاء الزائدة؛ المتحركة، الدالة على التأنيث. لا فرق بين العلم المذكر؛ "نحو: عنترة، معاوية، طلحة، حمزة " والعلم لمؤنث؛ "نحو: فاطمة، عبلة، مية، بثينة " ولا بين الثلاثي؛ "كأمة، هبة، عظة أعلام نساء"، وغير الثلاثي؛ كبعض الأعلام السالفة، ولا بين ساكن الوسط، ومتحركة ، فجميع الأعلام المختومة بالتاء الزائدة، المتحركة، الدالة على التأنيث ممنوع من الصرف حتما٣
_________________
(١) ١ سبق "في رقم ٣ من هامش ص٢١٦" أن التأنيث ولو كان معنويا -يعتبر علة لفظية من علل منع الصرف. ومثال المعنوي الأعلام المؤنثة: زينب، سعاد، مي، سوسن فإن هذه الأعلام مؤنثة تأنيثا معنويا؛ لعدم وجود علامة تأنيث ظاهرة في لفظها، ولكنها تعتبر في هذا الباب ممنوعة من الصرف لعلتين؛ إحداهما العلمية، والأخرى التأنيث الذي يعتبر هنا علة لفظية، لظهور آثاره في اللفظ. بتأنيث الضمير العائد على المؤنث، وبتأنيث الفعل له هذا والمراد بالعلمية هنا ما يشمل العلمية الكاملة وجزء العلمية -طبقا للتوضيح الآتي في "و" من ص٢٤١. ٢ تخضع هذه الصور أيضا للحكم الآتي في: "أ" ص٢٣٩. ٣ وليس من هذه النوع التاء في مثل: "أخت وبنت" فإنها -في الراجح- ليست للتأنيث، وإنما هي أصل من أصول الكلمة، كتاء: "سحت" فلو سمي بما هي فيه مذكر لم يجز منعه من الصرف. وبهذه المناسبة نذكر أن قولنا: "التاء الزائدة في آخر الاسم للدلالة على التأنيث" أنسب وأدق من غيره فبعض النحاة يقتصر على تسميتها: "تاء التأنيث المتحركة المتأخرة" وبعضها يسميها: "هاء التأنيث". وعلى كل منهما اعتراض؛ قال الصبان، ج١ باب: المعرب والمبني عند الكلام على الملحق بجمع المذكر ما نصه: "قال في "التصريح": الفرق بين تاء التأنيث وهائه أن تاء التأنيث لا تبدل في الوقف هاء. وتكتب مجرورة "أي: متسعة مفتوحة" وهاء التأنيث يوقف عليها بالهاء وتكتب مربوطة". ا. هـ. وليس في هذا الكلام ما يدل على وجوب زيادة هذه التاء زيادة محضة لتخرج التاء في مثل: "أخت وبنت" لأنها ليست زائدة، وإنما هي مبدلة من أصل؛ هو الواو ولا يمنع الاسم من الصرف إلا مع التاء الزائدة المحض -انظر رقم ٣ من هامش ص٥٨٦ حيث الكلام له صلة بما هنا. وإلى المؤنث بالتاء أشار ابن مالك بالشطر الأول من بيت نصه: كذا مؤنث بهاء مطلقا -١٦ أي: يمنع الاسم من الصرف كالذي منع سابقا. ولكن السبب هنا هو العلمية والتأنيث اللفظي الذي تدل عليه تاء التأنيث. "وسماها": "الهاء" كغيره من بعض اللغويين والنحاة؛ نظرا لأنه يوقف عليها بالهاء -كما سبق- وكان الأول أن يقول ما قلناه: "بتاء" أما الشطر الثاني للبيت فيأتي في رقم ٢ من هذا الهامش.
[ ٤ / ٢٣٦ ]
ومنها: أن يكون غير مختوم بتاء التأنيث ولكنه علم لمؤنث، وأحرفه تزيد على ثلاثة؛ نحو؛ زينب، سعاد، مصباح، اعتماد، أعلام نساء.
ومنها: أن يكون غير مختوم بها، ولكنه علم لمؤنث، ثلاثي، محرك الوسط؛ نحو: قمر، تحف، أمل أعلام نساء.
ومنها: أن يكون غير مختوم بها. وغير محرك الوسط. ولكنه علم لمؤنث ثلاثين أعجمي؛ نحو: "دام، علم فتاة" - و"جور١. علم بلد" - و"موك١، علم قصر" - و"سبب، علم فاكهة".
ومنها أن يكون ثلاثيا مخالفا لكل ما سبق من الحالات، ولكنه علم منقول من أصله المذكور الذي اشتهر به إلى مؤنث: نحو: سعدن صخر، قيس أعلام النساء٢
_________________
(١) ١ و١ قد يقال: كيف تمنع كلمة: "جور" وكلمة: "موك" من الصرف وجوبا مع أنهما من أسماء الأماكن. وأسماء الأماكن يجوز منعها وعدم منعها -كما سيجيء في: "ا" من الزيادة ص٢٣٩- أجابوا: أن جواز الأمرين يكون حيث لا توجد العجمة -أو علة أخرى- في العلم المؤنث، فإن وجدت مع العلمية علة أخرى رجح جانب المنع وحده، تبعا للمسموع عن العرب في هذا. ٢ وفي هذا يقول ابن مالك في العلم المؤنث الخالي من تاء التأنيث "مع ملاحظة أن صدر البيت الأول قد سبق في رقم ٣ من الصفحة السابقة: وشرط منع العار كونه ارتقى-١٦ فوق الثلاث. أو: كجور، أو: سقر أو: زيد اسم امرأة، لا اسم ذكر-١٧ يريد: أن العلم المؤنث العاري من تاء التأنيث إنما يمنع من الصرف بشرط ارتقاء أحرفه على الثلاثة، "أي: زيادتها على الثلاثة" وإلا فبشرط أن يكون أعجميا؛ مثل: "جور"، أو أن يكون ثلاثيا محرك الوسط، نحو: "سقر"، أو أن يكون علما منقولا من مذكر لمؤنث، ومثل له: بـ"زيد" علم امرأة. ثم قال: وجهان في العادم تذكيرا سبق وعجمة؛ كهند، والمنع أحق-١٨ وجهان في العادم أي: يصح وجهان في العلم الذي عدم وفقد التذكير السابق وصفه، كما عدم وفقد العجمة -ولا بد أن يكون ساكن الوسط. مثل: هند.. ومنعه أولى.
[ ٤ / ٢٣٧ ]
ب- والجائز يتحقق حين يكون العلم الذي للمؤنث ثلاثيا، ساكن الوسط، غير أعجمي، وغير منقول من مذكر؛ نحو: هنا مي، دعد، جمل، من أعلام النساء، فيجوز فيها تبعا للفصيح المأثور الصرف وعدمه.
أو يكون العلم المؤنث ثنائي الحروف؛ مثل: "يد"، علم فتاة، فيجوز الأمران
وملخص ما سبق:
أن العلم المؤنث يجب منعه من الصرف في جميع حالاته إلا حالتين يصح فيهما المنع وعدمه:
الأولى: أن يكون العلم المؤنث حرفين.
الثانية: أن يكون ثلاثيا، ساكن الوسط. غير أعجمي، وغير منقول من المذكر للمؤنث.
[ ٤ / ٢٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- ما سبق هو الأصل العام الذي يراعى تطبيقه في الاستعمال، مع ملاحظة أن يجانبه أصلا آخر يصح تطبيقه أيضا -إن لم يوجد مانع١، وهو خاص بأسماء الأرضين، والقبائل، والأحياء٢، وأسماء الكلمات: ومنها حروف الهجاء، وحروف المعاني، "مثل: إن، لم " والأفعال فيصح في كل ما سبق الصرف على إرادة تأويلها بشيء مذكر المعنى؛ كتأويل الأرض بالمكان، والقبيلة بالجد الأول لهاء والحي بالخط، أو بالمكان وحرف المعننى والفعل، بإرادة "اللفظ" وهكذا
كما يصح منع الصرف على إرادة تأويلها بشيء مؤنث المعنى؛ كتأويل الأرض بالبقعة، وكذا القبيلة. "ولفظها مؤنث أيضا"، والحي بالبقعة أو بالجهة، وأسماء حروف الهجاء وحروف المعاني والأفعال. بالكلمة ؛ فأمثال تلك الأعلام الخاصة بشيء مما سبق يجوز فيها الصرف وعدمه بمراعاة أحد الاعتبارين السالفين. إلا إن وجد سبب آخر للمنع غير التأنيث المعنوي؛ فعند ذلك يراعى السبب الآخر -على الأرجح- كتغلب، علم قبيلة؛ فيمنع من الصرف للعلمية ووزن الفعل. وكذا: "تعز" علم بلد يميني ومثل "بغدان" علم على "بغداد"؛ فيمنع من الصرف للعلمية والزيادة وهكذا
ب- إذا سمي المذكر باسم مؤنث خال من التاء فإن كان ثلاثيا صرف مطلقا، وإلا وجب منعه من الصرف بشروط أربعة:
أولهما: أن يكون رباعيا فأكثر؛ حقيقة؛ كزينب. أو تقديرا، كجيل، مخفف: جيئل٣.
ثانيها: ألا يكون التذكير هو الأصل الأول فيه قبل استعماله علما مؤنثا؛
_________________
(١) ١ انظر في رقم ٣ هامش ص٢٣٦. ٢ جمع حي، وهو: الخط، أي: الناحية من البلد. ٣ اسم للضبع.
[ ٤ / ٢٣٩ ]
فلا يعرف استعماله إلا مذكرا قبل العلمية المؤنثة؛ مثل: "دلال" علم امرأة؛ فإنه علم منقول من التذكير وحده؛ إذ أصله مصدر، ولم يستعمل مؤنثا قبل التسمية المؤنثة. فإن سمي به بعد ذلك مذكر وجب صرفه.
ثالثها: ألا يكون من الأسماء التي تستعمل مذكرة ومؤنثة قبل استعماله علما للمذكر؛ نحو؛ ذراع؛ فإنها مذكرة ومؤنثة. فإن سمي بها مذكر وجب صرفها١
رابعها: ألا يكون تأنيثه مبنيا على تأويل خاص يجعله غير لازم؛ كتأنيث أكثر جموع التكسير؛ مثل كلمة "رجال". فإن تأنيثه "رجال" -وأشباهها- مبني على تأويله بالجماعة٢ وهذا التأويل غير لازم؛ إذ يصح تأويله بالجمع. والجمع مذكر. فإذا سمى مذكر بكلمة: "رجال" وجب صرفه.
ج- إذا سمي مذكر أو مؤنث بعلم منقول عن جمع المؤنث السالم "نحو: فاطمات، زينبات، عطيات، ثمرات، مهجات " جاز في هذا العلم المنقول عدة لغات؛ أشهرها: بقاؤه مصروفا؛ "مراعاة لحالة الجمع السابقة التي نقل منها، وكان فيها التنوين قبل أن يصير علما"، ويصح منعه من الصرف، بشرط أن يكون هذا الجمع المؤنث علما -بعد نقله- على مؤنث؛ فتراعى حالة تأنيثه القائمة، أو أن يكون مفرده دالا على مؤنث، فيراعى حالة التأنيث في مفرده. فلا بد من العلمية ومعها ما يدل على أن هذا الجمع للتأنيث٣
د- إذا امتنع صرف الاسم لللعمية مع التأنيث وزال أحدهما، أو زالا معا وجب تنوينه؛ إن لم يوجد داع آخر للمنع. فمثال زوال العلمية: لم أتحدث إلى زينب من الزينبات، ولا إلى فاطمة من الفاطمات اللآتي لا أعرفهن. وهذا التنوين الحادث بعد زوال العلمية تنوين تنكير -كما تقدم.
_________________
(١) ١ هذا الشرط إيضاح للثاني الذي يشمله ضمنا. ٢ كما سبق في باب الفاعل ج٢ ص٦٥ م٦٦. ٣ كما سيجيء في "١" ص٢٦٤، وسبقت الإشارة له في ص٢٠٢ وفي رقم ١ من هامش ص٢٠٣ -وفي ج١ ص١٠٩ م١٢.
[ ٤ / ٢٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومثال ما فقد التأنيث: محمد - علي
ومثال ما فقدهما: رجل، غلام.
هـ- التأنيث الذي يلاحظ عند منع الصرف قد يكون لفظيا فقط "بوجود علامة تأنيث ظاهرة في علم يراد به مذكر"؛ نحو: "معاوية، حمزة" وقد يكون معنويا فقط؛ بأن يدل لفظ على مؤنث مع خلوه من علامة تأنيث ظاهرة"، كزينب. وقد يكون لفظيا ومعنويا معا؛ كعائشة
وكما يمتنع صرف الاسم للعلمية مع التأنيث -بالشروط والتفصيلات السابقة- يمتنع كذلك الجزء من العلم مع التأنيث؛ كما في كلمتي: "قحافة، وهريرة"، وهما جزءان مؤنثان، من علمين قديمين، مضافين، أحدهما: "أبو قحافة" والآخر: "أبو هريرة"، فيجري على هذا المضاف إليه، -وهو الجزء المؤنث من العلم- ما يجري على العلم الكامل المؤنث، من أحكام الصرف وعدمه١.
_________________
(١) ١ وقد سبقت الإشارة لهذا في رقم ١ من هامش ص٢٣٦.
[ ٤ / ٢٤١ ]
٤- يمنع الاسم من الصرف للعلمية مع العجمة بشرطين:
أولهما: أن يكون علما في أصله الأعجمي١ ثم ينتقل بعد ذلك إلى اللغة العربية علما٢ فيها.
ثانيهما: أن يكون رباعيا فأكثر.
فمثال المستوفي للشرطين: يوسف، إبراهيم، إسماعيل
أ- فإن لم يتحقق الشرط الأول بأن كان الاسم غير علم في أصله الأعجمي "أي: الأجنبي مطلقا"١. فإن نقله العرب إلى لغتهم، واستعملوه أول استعماله عندهم علما، فإنه يمنع من الصرف. وإن لم يستعملوه أول استعماله عندهم علما وإنما نقلوه إلى لغتهم نكرة أول الأمر. ثم جعلوه علما بعد ذلك -لم يمنع من الصرف. فمثال ما ليس علما في اللغة الأعجمية. ولكن نقله العرب إلى لغتهم علما أول الأمر الكلمة الفارسية: "بندار" "وهي اسم جنس لتاجر المعادن، وللتاجر الذي يخزن البضائع إلى زمن الغلاء". وكذلك الكلمة الرومية: "قالون" -"وهي اسم جنس للشيء الجيد". والكلمتان في اللغة الأجنبية اسما جنس؛ وليستا علمين. وقد نقلهما العرب إلى لغتهم علمين في أول استعمالهما العربي؛ ولهذا امتنع صرفهما -في الرأي الشائع.
ومثال ما ليس علما في اللغة الأعجمية ونقلة العرب إلى لغتهم نكرة أول الأمر -لا علما- "ديباج" و"لجام" و"فيروز" فكل منها في اللغة الأجنبية اسم جنس يدل على المعنى المعروف. وقد نقله العرب إلى لغتهم اسم
_________________
(١) ١ و١ أي: غير العربي مطلقا؛ فالمراد باللفظ: "الأعجمي و: الأجنبي" عام يشمل كل لفظ من لغة أجنبية عن لغة العرب. ٢ وقد يدخل عليه بعض تغيير يسير في الحروف، وضبطها "إما لتخفيف النطق به؛ وإما لتقريبه من الصيغ العربية" أو لا يدخل. وقد يكون على الأوزان العربية "نحو: خرم" أو خارجا عنهما "نحو: خراسان" -راجع كتاب سيبويه ج٢ ص٣٤٢. وإذا أدخل العرب على اللفظ الأجنبي عند استعمالهم إياه علما أو غير علم، تغييرا ولو يسيرا، فإنه يسمى بعد هذا التغيير: "معربا" وإن تركوه على حاله سمي عندهم: "أعجميا" -كما سيجيء في رقم ٣ من هامش ص٥٩١.
[ ٤ / ٢٤٢ ]
جنس كذلك في أول الأمر، فلا يجوز منعه من الصرف، ويظل حكم الصرف باقيا بعد أن يصير علما.
بناء على الشرط السابق لا بد لمنع الاسم الأجنبي من الصرف للعلمية والعجمة أن يكون: إما علما في اللغة الأجنبية، ثم ينتقل منها علما في العربية. ليستعمل أول أمره علما فيها، دون أن يسبق له في لغة العرب استعمال آخر قبل هذه العلمية، وإما أن يكون غير علم في اللغة الأجنبية، ولكنه ينتقل إلى العربية، فيستعمل فيها أول استعمالاته علما.
ويرى فريق من النحاة أنه لا داعي لاشتراط علميته في لسان الأعاجم قبل نقله علما إلى لغتنا. وهذا الرأي أحق بالاتباع والتفضيل اليوم؛ لأنه علمي، فيه نفع وتيسير بغير إساءة للغتنا؛ فمن العسير الآن -بل من المستحيل واللغات الأجنبية تتجاوز المئات- أن نهتدي إلى أصل كل لفظ أجنبي نريد التسمية به. ونعرف: أهو علم في اللغة الأجنبية قبل انتقاله علما إلى لغتنا فنمنعه من الصرف، أم غير علم فلا تمنعه؟
هذا والأعلام الأجنبية التي انتقلت إلى العربية قد يكون الناقل لها هم العرب الفصحاء الأوائل؛ أخذوها عن الأجانب. ونقلوها إلى اللسان العربي بغير تغيير في الحروف وضبطها، أو بتغيير يسير١. وهذا حق لهم. ومن الواجب التقيد في كل علم أجنبي استعمله العرب بالطريقة التي استعملوها في نطقه، وضبط حروفه. وقد يكون الناقل لها من جاء بعد العرب الفصحاء من المحدثين. وهذا النقل جائز، وحق مستديم لهؤلاء. ولا يزالون حتى اليوم على نقلها واستعمالها أعلاما، وسيستمرون على هذا. ومن الأمثلة: "إبراهيم وإسماعيل"، وهما من الأعلام في لغة الأعاجم وقد نقلهما العرب علمين أيضا. من الأمثلة الأخرى التي نقولها واتخذوها أعلاما أول الأمر مع أنها لم تكن في اللغة الأجنبية أعلاما كلمة: "فرفج" ومعناها الفارسي" عريض الجناح. وكلمة: "طسوج". ومعناها: الناحية. وكلمة: "فنزج"، ومعناها: رقص. وكلمة: "ساذج"، ومعناها: غض طري
_________________
(١) ١ للسبب الذي تقدم في رقم ٢ من هامش الصفحة السابقة.
[ ٤ / ٢٤٣ ]
فهذه الكلمات ونظائرها ليست أعلاما في اللغة الفارسية ولكن العرب الأوائل نقلوها إلى لغتهم، واتخذوها أعلاما أول الأمر، ثم غير أعلام بعد ذلك. ومن الأعلام المنقولة حديثا إلى لغتنا: مرقص - جوزيف - فكتور فكل ما سبق ممنوع من الصرف وجوبا١ للعلمية والعجمية.
ب- وإن لم يتحقق الشرط الثاني بأن كان العلم الأعجمي ثلاثيا فإنه لا يمنع من الصرف "سواء أكان ساكن الوسط، أم متحرك الوسط ؛ مثل: "نوح٢ ومثل: شتر، "علم على حصن". وكذلك إن كان رباعيا لاشتماله على ياء التصغير؛ فإنه في حكم الثلاثي؛ لا يمنع من الصرف.
ويرى بعض النحاة أن الثلاثي ساكن الوسط يجوز صرفه ومنعه من الصرف، وأن المتحرك الوسط واجب المنع من الصرف. والأحسن الأخذ بالرأي الأول٣
_________________
(١) ١ في الرأي الأرجح. وإذا كان العلم الأعجمي قد دخل العربية قديما أو حديثا وهو ساكن الآخر لزوما "بسبب وجود حرف علة ساكن في آخره، أو ضبط الحرف الأخير بالسكون أصالة؛ مثل: "ابن جني، وابن سيده بسكون الياء في الأول من غير تشديد، وسكون الهاء في الثاني " فإنه يعرب -في أقوى الآراء- إعراب الممنوع من الصرف، ولكن بعلامات مقدرة على آخره في جميع حالاته. ٢ انظر ما يختص بهذه الكلمة -وأمثالها- في: "ا" من الصفحة الآتية. ٣ وفي منع الصرف للعلمية مع العجمة يقول ابن مالك. والعجمي الوضع والتعريف مع زيد على الثلاث صرفه امتنع-٩ "زيد= زيادة. العجمي الوضع والتعريف= أي العجمي في وضعه وتعريفه"؛ بأن يكون اسما أعجميا معرفة بالعلمية في لغة العجم، فإن لم يكن معرفة بأن كان في أصله وصفا لشيء لم يجز في رأي ابن مالك منعه من الصرف. وهو بهذا يسير على الرأي يشترط أن يكون الاسم أعجميا وعلما عند الأعاجم.
[ ٤ / ٢٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- أسماء الملائكة ممنوعة من الصرف للعلمية والعجمة، إلا: مالكا، ومنكرا ونكيرا، فهذه الثلاثة مصروفة وأما "رضوان" فممنوع من الصرف للعلمية والزيادة.
وأسماء الأنبياء ممنوعة من الصرف إلا محمدا، وصالحا، وشعيبا، وهودا، ولوطا، ونوحا١، وشيئا وشيئا. وسبب المنع: العلمية والعجمة، وأما "موسى" اسم النبي فممنوع من الصرف؛ لورده في السماع الأغلب كذلك.
وأما لفظ "موسى" الذي ليس اسما للنبي، وإنما هو اسم للأداة التي للحلق فيصح صرفه ومنعه من الصرف، فيصرف إن كان من أوسيت رأسه إذا حلقته، فالرأس موسى: كمعطي. ويكون ممنوعا إن كان فعله: ماس يميس؛ فهو "فعلى" منها، قلبت الياء واوا لوقوعها بعد ضمة "كما قلبت في: موقن، من أيقن" ومنع الصرف لألف التأنيث المقصورة.
وأما "إبليس" فممنوع من الصرف للعلمية والعجمة؛ على اعتباره أعجمي الأصلي، وأما على اعتباره عربي الأصلي مشتق من الإبلاس؛ وهو الإبعاد، فممنوع من الصرف أيضا، ولكن للعلمية وشبه العجمة؛ لأن العرب لم تسم به أصلا؛ فكأنه من غير لغتها، بالرغم من أن صيغته لها نظائر أصيلة في العربية؛ مثل: إكليل، إقليم
ب- وضع النحاة علامات غالبية٢؛ يعرف بها الاسم الأعجمي.
منها: أن يكون وزنه خارجا عن الأوزان العربية؛ مثل: إبراهيم، وإبريسم.
ومنها: أن يكون رباعيا أو خماسيا مع خلوه من حروف الذلاقة، وهي ستة، جمعها بعضهم في "مر بنفل".
_________________
(١) ١ انظر ما يختص بهذه الكلمة -وأمثالها- في: "ب" من الصفحة السابقة. ٢ سجلها كثير منهم -كالهمع، والأشموني - ومن المهم التنبه إلى أنها غالبية، وليست مطردة.
[ ٤ / ٢٤٥ ]
ومنها: أن يجتمع في الاسم من أنواع الحروف ما لا يجتمع في الكلمة العربية الصميمة؛ كاجتماع الجيم والقاف بفاصل، أو بغير فاصل بينهما؛ مثل: "جرموق"١، ومثل: "قج"٢. و"جيقة"٣ واجتماع الصاد والجيم في مثل: صولجان، والكاف والجيم في نحو: سكرجة، والراء بعد النون في أول الكلمة؛ نحو؛ نرجس، والزاي بعد الدال في آخر الكلمة؛ مثل: "مهتذر".
ومنها: أن ينص الأئمة الثقات على أن الكلمة أعجمية الأصل.
ج- إذا فقد الاسم الممنوع من الصرف علميته أو عجمته، أو هما معا وجب تنوينه -كما عرفنا- إن لم يكن هناك داع آخر للمنع. فمثال فاقد العلمية: تكلم إبراهيم واحد في الحفل، وناب عن غيره ممن يشاركونه في الاسم. ومثال فاقد العجمة: مصطفى، مأمون، أمين ومثال فاقدهما: إنسان، صبي
_________________
(١) ١ جورب من جلد لين، رقيق، يمتد إلى الساق. ٢ رجل. ٣ ناقة هرمة.
[ ٤ / ٢٤٦ ]
٥- يمنع الاسم من الصرف للعلمية ع وزن الفعل -سواء أكان الفعل ماضيا أم مضارعا، أم أمرا- إذا تحققت صورة من ثلاث:
الأولى: أن يكون العلم على وزن خاص: إما بالفعل الماضي وحده -دون مرفوعه١؛ كالماضي الذي على وزن: "فعل" بالتشديد نحو: صرح - علم - كلم ؛ وكالماضي المبني للمجهول في مثل: حوكم، عوفي، كرم ، وكالماضي المبدوء بهمزة وصل، أو بناء زائدة للمطاوعة أو غير المطاوعة، نحو: انتفع، استفهم، تسابق، تقابل، تعلم، تبين ، فإذا صارت هذه أو فعال وحدها، "دون مرفوعها١" أعلاما منقولة وجب منعها من الصرف للعلمية مع وزن الفعل. ووجب أن تصير همزة الوصل التي في أولها همزة قطع، تظهر في النطق وفي الكتابة، "كما هو الشأن في كل همزة وصل في أول اللفظ، ثم قد صار علما منقولا؛ سواء أكان منقولا من فعل أم غير فعل. فإنها تصير للقطع"٢.
فإذا نقلت الأفعال هي ومرفوعها فلا تمنع من الصرف؛ لأن العلم صار: "جملة محكية".
وإما على وزن خاص بالمضارع، أو بالأمر دون فعلهما إذا كان الوزن من غير الثلاثي٣؛ نحو: يدحرج، ينطلق، يستخرج. ونحو: دحرج، انطلق،
_________________
(١) ١ و١ مرفوعه هو: الفاعل ونائبه. ٢ تصير همزة الوصل التي في أول الفعل أو غيره همزة قطع إذا صار الفعل أو غيره علما منقولا؛ يتساوى في هذا الأسماء بأنواعها المختلفة -ما عدا لفظ الجلالة: "الله" فله الأحكام الخاصة التي سبق في رقم ٢ من هامش ص٣٦- وغير الأسماء "كما سبقت الإشارة لهذا في رقم ٣ من هامش ص٣٨ ورقم ٣ من هامش ص١٠٩" وقد نص على هذا الصبان في آخر باب النداء عند قول ابن مالك: "وباضطرار خص جمع "يا" و"أل".. وتضمن بعضه كذلك كلام "التصريح"، وسجله الخضري أيضا في لموضع نفسه وزاده إيضاحا وتعليلا سائغا يجب الاكتفاء به. وكذلك نص عليه المعنى "في ج٢ الباب السابع". لكن الصبان سها؛ فنقل عن بعضهم شرطا يخرج بعض الأسماء من هذا الحكم والصواب أن الحكم عام مطلق. وكان سهو الصبان في الجزء الثالث من حاشيته، في باب "الممنوع من الصرف" عند الكلام على بيت ابن مالك: "كذلك ذو وزن يخص الفعلا " وكذلك في جزئه الرابع. في باب: "همزة الوصل" عند الكلام على الماضي المبدوء بها". ٣ لأنهما من غير الثلاثي يكونان على وزن يكاد يختص بالفعل، ولا يوجد في غيره إلا نادرا.
[ ٤ / ٢٤٧ ]
استخرج. إلا الأمر من الفعل الدال على المفاعلة؛ فإنه ليس خاصا بالفعل، ولا غالبا فيه، نحو: قاوم، قاتل، عارض فنظائره من الأسماء كثيرة على هذا الوزن، نحو: راكب، فاضل، صاحب
ولا يخرج الصيغة عن اختصاصها بالفعل أني كون العرب قد استعملوها قليلا في غيره؛ كاستعمالهم صيغة الماضي الذي على وزن: "فعل" علما، نحو: "خضم" علم رجل تميمي، و"شمر" علم فرس. أو استعملوها نادرا بصيغة المبني للمجهول، نحو: "دثل" علم قبيلة، أو بصيغة المضارع؛ نحو: "ينجلب"، الخرزة، و"تبشر" لطائر و"تعز" لمدينة في اليمن. و"يشكر" لقبيلة هجاها الشاعر بقوله:
و"يشكر" لا تستطيع الوفاء وتعجر "يشكر" أن تغدوا
وكذلك لا يخرجها عن اختصاصها بالفعل أن يكون لها نظير في لغة الأعاجم "أي: الأجانب، غير العرب" مثل "رند": علم فتاة و"طسج" علم نبات، و"بقم" علم صبغ، و"يجقب" علم رجل رسام..
الثانية: أن يكون العلم على وزن مشترك بين الاسم والفعل، ولكنه أكثر في الفعل: كصيغة "افعل"، "نحو: إثمد١، اجلس" وكصيغة: "افعل" "نحو: "أبلم"٢، اكتب". وكصيغة: "افعل" "نحو: إصبع، اسمع" فإذا سمي بعلم منقول من هذه الصيغ وجب منعه من الصرف للعلمية ووزن الفعل؛ لأنه وزنه هو الأغلب استعمالا، والأكثر بين هذه الأوزان.
الثالثة: أن يكون العلم على وزن مشترك بين الاسم والفعل. شائع فيهما معا، ولكنه أنسب وأليق بالفعل؛ لاشتماله على زيادة تدل على معنى في الفعل، ولا تدل على معنى في الاسم، نحو: أفكل٣، وأكلب، وتنفل٤، فإنها على وزن: أفهم، وأكتب، وتنصر لكن الهمزة والتاء في الأسماء الثلاثة لا تدل على معنى، في حين أن الهمزة في "أفهم وأكتب" تدل
_________________
(١) ١ كحل. ٢ نوع من البقل. ٣ هي الرعشة والرعدة. ٤ ثعلب.
[ ٤ / ٢٤٨ ]
على المتكلم، والتاء في "تنصر" تدل المخاطب أو على المؤنثة الغائبة. فالفعل المبدوء بالزيادة التي لها معنى أقوى من الاسم المبدوؤ بها، من غير أن تدل على معنى فيه. فإذا جاء العلم على الوزن المشترك بينهما كان أقرب إلى الفعل، فيمنع من الصرف للعلمية ووزن الفعل١
ويفهم مما تقدم أن العلم إذا كان على وزن مشترك بين الأسماء والأفعال على السواء من غير ترجيح لناحية الفعل -لا يجوز منعه من الصرف، كشجر؛ فإنه يوازن: ضرب؛ وكجعفر؛ فإنه يوازن: دحرج.
ويرى بعض، بعض النحاة أن مثل هذا العلم يمنع من الصرف ما دام منقولا من فعل: نحو: صابر؛ منقولا من فعل أمر، و"ظفر" منقولا من الماضي، وقد يكون إهمال هذا الرأي أحسن٢
_________________
(١) ١ ملاحظة: قال ابن قتيبة في كتابه: "أدب الكاتب"، باب: "ما لا ينصرف" ما نصه: "كل اسم في أوله زيادة؛ نحو: يزيد، ويشكر، ويعصر، وتغلب، وإصبع، وأبلم، ويرمع، وإثمد، ، كل هذا لا ينصرف في المعرفة، وينصرف في النكرة. هذا إذا كان الاسم بالزيادة مضارعا للفعل. فإن لم يكن مضارعا للفعل صرفته؛ نحو: يربوع. وأسلوب، وإصليت، ويعسوب ". ا. هـ. ٢ وفي منع الاسم من الصرف للعلمية ووزن الفعل يقول ابن مالك مقتصرا على النوعين الأولين من وزن الفعل. كذاك ذو وزن يخص الفعلا أو غالب، كأحمد ويعلى-٢٠ أي: كذلك يمنع الاسم من الصرف إن كان علما على وزن يختص بالفعل، أو يغلب في الفعل فالمختص بالفعل؛ نحو: "يعلى"، علما. والغالب، نحو: "أحمد"؛ وهو علم منقول من المضارع وقد يكون منقولا من أفعل التفضيل الذي فعله: "حسد" فيكون منقولا من وصف لا من فعل مضارع. وقد يدخله تنون التنكير -أحيانا- إذا لم يدل على معين. "انظر. ج من ص٢٣٥، ورقم ٣ من هامش ص٢٥١".
[ ٤ / ٢٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- لا يمنع العلم من الصرف إذا كان على وزن الفعل إلا بشرط أن يكون هذا العلم ملازما -في الأغلب- صيغة ثابتة في كل أحواله لا تتغير، وأن تكون صيغة الفعل أصلية لم يدخلها تغيير؛ وألا يخالف العلم الطريقة السائدة في الفعل. فكلمة: "امرئ" -مثلا- يجوز في "رائها" أن تكون مضمومة، أو مفتوحة، أو مكسورة؛ تبعا للهمزة ومسايرة لها، فإذا كانت الهمزة مضمومة جاز أن تتبعها الراء، وإذا كانت مفتوحة أو مكسورة جاز أن تتبعها الراء في الحالتين ذلك؛ تقول: جاء امرؤ نابه -كرمت امرأ نابها- أثنيت على امرئ نابه، فإذا كانت الراء مضمومة فالكلمة مكسورة فهي على وزن الفعل: "اجلس" فهذه الموازنة في الصور الثلاث لا يعتد بها في منع الصرف. فإذا صارت كلمة: "امرئ" علما، لم تمنع من الصرف؛ لأنها لا تثبت على حال واحدة في استعمالاتها المختلفة، ولا تلازم وزنا واحدا تقتصر معه على وزن فعل واحد.
وكذلك الاسم: "قفل" فإنه على وزن الفعل الماضي المبني للمجهول: "رد". والاسم "ديك" على وزن الفعل الماضي المبني للمجهول: "قيل" و"بيع" وبالرغم من هذا فإن الاسمين: "قفل وديك" -وما يشبههما- لا يمنعان من الصرف إذا صارا علمين؛ لأن وزن الفعل هنا ليس أصليا خاليا من تغيير سابق؛ إذ الفعل: "رد" أصله ردد -بضم فكسر، وأدغمت الدلان؛ فصار؛ "رد" فهذه الصيغة جاءت متأخرة عن صيغة أصلية سابقة لا توزانها كلمة: قفل.
وصيغة الفعل "قيل" المبنية للمجهول: ليست أصيلة، في هذا الوزن؛ وإنما أصلها: "قول" نقلت حركة الواو للقاف بعد حذف الضمة١، ثم قلبت الواو
_________________
(١) ١ وذلك ليمكن قلب الواو ياء. والوصول إلى بناء الماضي المعتل العين -للمجهول، "طبقا لقاعدة البناء المجهولة -وقد سبقت في ج٢، ص٨٦ م٦٧ وهي تبيح أن تكون فاء هذا المعتل إما خالصة الكسر وإما خالصة الضم إلخ".
[ ٤ / ٢٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ياء، لوقوعها بعد الكسرة المنقولة للقاف، فصارت الكلمة: "قيل" بصيغة طارئة؛ بسبب نقل حركة الواو، وقب هذه الواو ياء.
وكذلك صيغة الفعل: "بيع" ليست أصيلة؛ لأن أصلها: "بيع، نقلت حركة الياء إلى ما قبلها١ بعد حذف الضمة؛ فصارت: "بيع"، بصيغة جديدة، نشأت من نقل الحركة وحذف الأخرى.
فصيغة الفعلين -وأشباههما- عند بنائهما للمجهول ليست هي الصيغة الأصلية، وإنما هي صيغة مستحدثة؛ لا يعتد بها في منع العلم من الصرف، فلو صارت كلمة: "قفل" أو: "ديك" علما لم يجز منعها من الصرف للعلمية مع وزن الفعل، لأن شرط وزن الفعل لم يتحقق
أما مخالفة العلم للطريقة السائدة في الفعل فتظهر في كلمة مثل: ألبب٢ فإنها على وزن المضارع: أنصر، أو: أكتب. فإذا صارت علما فإنها لا تمنع من الصرف للعلمية مع وزن الفعل، لأن المضارع المماثل لها يغلب على عينه ولامه الإدغام إذا كانا من نوع واحد، مثل: "أعد وأصد"؛ فأصلهما: أعدد، وأصدد، ثم وقع الإدغام. فإذا صار "ألبب". وما شابهه علما لم يصح منعه من الصرف للعلمية ووزن الفعل؛ بسبب مخالفته الفعل في الإدغام. وهذا رأي فريق من النحاة.
ويرى سيبويه منعه من الصرف؛ لأن الفك "عدم الإدغام" قد يدخل الفعل لزوما كما في التعجب مثل؛ أشدد بفلان، وجوازا في مثل: "اردد. ولم يردد، وفي بعض ألفاظ مسموعة والأفضل الاقتصار على رأي سيبويه لأنه أنسب وأيسر.
ب- إذا كان الاسم ممنوعا من الصرف للعلمية مع وزن الفعل وزالا معا أو أحدهما وجب تنوينه إن لم يوجد مانع آخر؛ فمثال ما فقد العلمية؛ لقد أثنيت على أحمد٣ واحد من حملة هذا الاسم فاز بالسبق "بتنوين كلمة:
_________________
(١) ١ عملا بالحكم الذي في الهامش السالف. ٢ جمع: لب، بمعنى: عقل. ٣ كان حقه إذا زالت علميته أن يعود إلى وصفيته الأولى؛ كما عرفنا في: "أحمر" وأمثاله إلا أن "أحمد" أوغل في العلمية وأقوى؛ حتى نسيت وصفيته أو كادت "انظر رقم ١ من هامش ص٢٣١ ومن ص٢٤٩".
[ ٤ / ٢٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أحمد". ومثال ما فقد وزن الفعل: علي..، ومثال ما فقدهما معا: شجاع، نبات. وقد تزول العلمية ويبقى الاسم ممنوعا من الصرف. وهذا حين يكون العلم في أصله وصفا قبل العلمية، كأحمر، وأشرف؛ علمين؛ فإنهما يمنعان من الصرف للعلمية ووزن الفعل، بعد أن اختفت الوصفية وحلت محلها العلمية. فإن زالت العلمية لم ينصرفا أيضا؛ لأن الوصفية ستعود؛ فيمنعان للوصفية مع وزن الفعل. ج- من المفيد الرجوع إلى "الملاحظة" المدونة بهامش ص٢١١ لاستنابة الصلة بينها وبين موضوع العلمية ووزن الفعل.
[ ٤ / ٢٥٢ ]
٦- ويمنع الاسم من الصرف للعلمية مع ألف الإلحاق المقصورة.
بيان هذا: أن العرب كانوا يلحقون بآخر بعض الأسماء ألفا زائدة، لازمة، مقصورة أو ممدودة، فيصير الاسم على وزن اسم آخر١، ويخضع لبعض الأحكام اللغوية التي يخضع لها ذلك الاسم الآخر -ومنها: الصرف، وعدمه- وتسمى هذا الألف: "ألف الإلحاق" ومن أمثلتها: "علقى"، علم لنبت، و"أرطى"٢، علم لشجر، وهما ملحقان بجعفر. وصح منعهما٢ من الصرف للعلمية وألف الإلحاق المقصورة؛ لأن ألف الإلحاق المقصورة في الكلمتين زائدة لازمة، وزيادتها اللازمة في آخرهما جعلتهما على وزن "فعلى" المختومة بألف التأنيث المقصورة اللازمة التي يمتنع صرف الاسم بسبب وجودها -فلما أشبهت ألف الإلحاق المقصورة في زدياتها ولزومها ألف التأنيث المقصورة، وجعلت وزن الاسم جاريا على الوزن الخاص بهذه- امتنع صرفه معها كما يمتع مع ألف التأنيث٣؛
_________________
(١) ١ قال السيوطي "في همع الهوامع ج١ ص٣٢، الباب الثاني، ما لا ينصرف ما نصه: "الإلحاق أن نبني -مثلا- من ذوات الثلاثة كلمة على بناء يكون رباعي الأصول؛ فتجعل كل حرف مقابل حرف. فتفي "أي: تنتهي" أصول الثلاثية؛ فتأتي بحرف زائد مقابل للحرف الرابع من الرباعي الأصول، فيسمى ذلك الحرف -الذي زاد- حرف الإلحاق". ا. هـ. وعلى هذا الكلام مآخذ متعددة. يغنينا عن عرضنا وتأييدها أن ألف الإلحاق تكاد تنحصر في كلمات مسموعة قليلة معدودة، وليس لها أحكام هامة، وأن الإلحاق "في الرأي الأصح، طبقا للتفصيل الشامل الذي جاء في الهمع، ج٢ ص٢١٧ باب التصريف"- خاص بالعرب أنفسهم، وقد انتهى بانتهاء عصور الاحتجاج بكلامهم، وقد حددها المجمع اللغوي القاهري بآخر القرن الثاني الهجري في المدن، وآخر الرابع في البوادي. ٢، ٢ في الرأي الشائع. وقيل إن ألف "أرطى" أصلية؛ فالكلمة منونة دائما. ٣ هذا تعليل كثير من النحاة، وهو تعليل مرفوض؛ لأن العلة الحقيقية هي استعمال العرب ليس غير.. وبمثل هذا يحكم على ما يقولونه في تعليل صرف الاسم المختوم بألف الإلحاق الممودة، وأنها لا تشبه ألف التأنيث الممدودة في منع الصرف. والعلة -عندهم- أن همزة ألف الوصل الممدودة كانت ألفا في الأصل، ثم انقلبت همزة حين وقعت بعد ألف زائدة للمد -كما سبق عند الكلام عليها في ص٢٠٥ و٢٠٧- أما ألف الإلحاق الممدودة، كعلباء، "اسم لقصبة العنق" وهي مزيدة للإلحاق بكلمة: "قرطاس"، وليست على أوزان الممدودة فمنقلبه عن "ياء" فليس بين الهمزتين تشابه أصلها.. هكذا يعللون والصواب ما عرضناه. وفي منع الصرف للعلمية وألف الإلحاق يقول ابن مالك: وما يصير علما من ذي ألف زيدت لإلحاق فليس ينصرف-٢١
[ ٤ / ٢٥٣ ]
إلا أن ألف التأنيث أصيلة في المنع؛ فيكفي وجودها وحدها للمنع، دون أن ينضم إليها بسبب آخر. أما ألف الإلحاق فلا بد أن ينضم لها العلمية تقول: هذا علقى يتكلم عرفت علقى يحسن الخطابة، استمعت إلى علقى، فهو ممنوع من الصرف للعلمية وألف الآلحاق المقصورة.
ومن أمثلة المقصورة: رجل عزهى "أي: لا يلهو": وزنها "فعلى" ولا تكون الكلمة المختومة بألف الإلحاق المقصورة على وزن "فعلى"، بضم الفاء. أما ألف الإلحاق الممدودة -مثل: علباء- فلا تمنع من الصرف١
_________________
(١) ١ السبب الذي تقدم في رقم ٣ من هامش الصفحة السابقة.
[ ٤ / ٢٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- إذا فقد هذا الاسم الممنوع من الصرف علميته أو ألف الإلحاق أو هما معا، دخله التنوين، إلا إذا منع مانع آخر؛ فمثال فاقد العلمية: رأيت أرطى كثيرا، ثمره كالعناب يغذي الإبل "بتنوين "أرطى" للتنكير".
أما استعماله بغير ألف الإلحاق فليس معروفا.
ب- لا تكون ألف الإلحاق المقصورة١ إلا في وزن خاص بألف التأنيث المقصورة وكهما حرف زائد، لازم، غي رمبدل من شيء آخر. ويجوز في الاسم المختوم بألف الإلحاق أن تلحقه تاء التأنيث مع التنوين، بشرط أن يكون غير علم؛ مثل: هذه أرطاة، أو علقاة ولكن هذه التاء لا تلحق الاسم المختوم بألف التأنيث٢؛ ولهذا لم تجعل الألف في "أرطى" وعلقى -وأشباههما- للتأنيث٣
أما كلمة: "تترى" وبعض أسماء أخرى فقد سمعت منونة وغير منونة على اعتبار الألف للتأنيث فتمنع من الصرف، أو للإلحاق فلا تمنع.
_________________
(١) ١ دون الممدودة. ٢ لكيلا يجتمع في الاسم علامتان للتأنيث. ٣ انظر رقم ٢ من هامش ص٢٥٣.
[ ٤ / ٢٥٥ ]
٧- ويمنع الاسم من الصرف للعلمية مع العدل١. ويتحقق هذا في عدة صور، أهمها خمس:
الأولى: ما كان من ألفاظ التوكيد المعنوي جمعا على وزن: "فعل"٢؛ وهو: "جمع، كتع٣، بصع٤، بتع٥"؛ مثل: احتفيت بالنابغات كلهن جمع، كتع، بصع، بتع، فكل جمع من هذه الأربعة التي على وزن: "فعل" توكيد لكلمة: "النابغات"، مجرور بالفتحة بدل الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية مع وزن: "فعل"، المجموع، سماعا٦.
_________________
(١) ١ في رقم ١ من هامش ص٢٢٢ تعريفه وتقسيمه. ٢ سبق الكلام عليها في باب التوكيد "ج٣ ص٤١٧ م١١٦". ومما ذكر هناك يتبين أنها أعلام جنسية، يصح جمعها جمع مذكر سالما. وليس بين الأعلام الجنسية ما يجمع هذا الجمع سواها "طبقا للبيان المدون هناك". ٣ من كتع الجلد، بمعنى: تجمعه. ٤ من يصع العرق، بمعنى: تجمعه. ٥ من البتع، وهو: طول العنق مع قوة تماسك أجزائه. ٦ أما العلمية فلما سبق "في الجزء الثالث ص٣٨٤ م١١٦" من أن هذه الألفاظ معارف بالعلمية؛ إذ كل واحد منها علم جنس يدل على الإحاطة والشمول وأما التعبير بوزن: "فعل" السماعي فتعبير أصح وأدق وأقرب للحقيقة من التعبير "بالعدل" الذي ارتضاه كثير من النحاة، وحاولوا جاهدين تأييده، والدفاع عنه أمام المعارضين. فلم ينجحوا في دفاعهم. يقولون: إن هذه الصيغ الأربع التي على وزن "فعل" جموع تكسير، مفرداتها: جسماء، كتعاء، بصعاء، بتعاء. فالمفرد على وزن: "فعلاء" والمفرد إذا كان اسما على وزن "فعلاء" يكون القياس في جمعه: "فعلاوات" لا "فعل". وأيضا فإن تلك المفردات هي المؤنث للألفاظ المذكرة: أجمع، أكتع، أبصع، أبتع. وهذه المفردات المذكرة تجمع جمع مذكر سالما. فحق مؤنثاتها أن تجمع جمع مؤنث سالما لا جمع تكسير؛ لتساير نظائرها المذكرة في الجمع المناسب لكل منهما. ثم يقولون: "وهذا قول البصريين الذين يمنعنون جمع "فعلاء" جمع مؤنث سالما" -إن العرب لم تفعل هذا ولكنها تركت الجمع المناسب لتلك الألفاظ إلى جمع آخر لا يناسبها، ومنعت الجمع غير المناسب من الصرف ؛ فكان هذا الترك وهذا المنع دليلين على عدولها. وكلام غير هذا كثير، والاعتراض عليه أكثر وأقوى. فلو صح أن العرب عدلت عن جمع إلى آخر، فما حكمة عدولها؟ وما حكمة منع الصرف للدلالة على جمع أهملته وعدلت عنه؟ وهل يعرف العرب الأوائل القياس وغير القياس كما اصطلح النحاة عليه؟ وأن الجمع القياسي لفعلاء هو: الجمع بالألف والتاء، وغيره مخالف للقياس؟ ولم لا يكون القياس هو ما فعلته العرب في هذه الألفاظ؟ وهل يفكر العربي ويطيل التفكير المنطقي على هذا الوجه قبل أن ينطق بالكلمة وجمعها؟ و و كل هذا غير معقول ولا واقعي. وقد أشرنا إليه كثيرا في ثنايا الأجزاء المختلفة، وأوضحنا وجوه الخطأ فيه، وأن بعض النحاة حين يريدون أن تكون القاعدة مطردة يتكلفون ويتجاوزون المقبول. ولما كان مرد الأمر كله لنطق العربي الفصيح كانت العلة الحقيقية هي السماع عنه، ومثل هذا يقال في كل ما كان العدل علة من علل منع صرفه.
[ ٤ / ٢٥٦ ]
وهو الوزن الذي يقول النحاة في سبب منعه من الصرف إنه: "العلمية مع العدل".
الثانية: ما كان على وزن "فعل" أيضا، ولكنه علم لمفرد، مذكر، ممنوع من الصرف، سماعا١ فإن لم يعرف السماع في: "فعل" فالأحسن صرفه. وأشه المسموع من الأعلام: "عمر، مضر، زفر، زحل، جمح، قزح، عصم، دلف، هذل، ثعل، زفر، زحل، جمح، قزح، عصم، دلف، هذل، ثعل، جشم، قشم". وأما أدد "جد قبيلة عربية" فلم يسمع فيه إلا الصرف٢. وأما: "طوى" -اسم واد بالشام- فيجوز منعه من الصرف للعلمية والتأنيث؛ بإرادة أنه علم على بقعة معينة، ويجوز صرفه على إرادة أنه على مكان. وقد ورد السماع بصرفه وعدم صرفه.
ويجب الصرف إن كان "فعل" جمعا، في غير ألفاظ التوكيد المعنوي السالفة؛ كغرف، وقرب. أو اسم جنس كصرد٣، ونغر٤، أو صفة كحطم٥ ولبد٦، أو مصدرا؛ كهدى: وتقى
فوزن "فعل" هذا قد يجب منعه من الصرف إذا كان مفردا، مذكرا، مسموعا بالمنع. وقد يجب صرفه إذا كان جمعا، أو اسم جنس، أو وصفا، أو مصدرا بشرط ألا يكون ذلك الجمع من ألفاظ التوكيد المعنوي -كما
_________________
(١) ١ إذ ليس مع العلمية سبب آخر لمنع الصرف؛ فلجأ النحاة إلى ما يسمونه: "العدل"، قالوا إن ذلك العلم ممنوع من الصرف لأنه معدول عن كلمة أخرى على وزن: "فاعل" "عامر، ماضر، زافر " وأن العرب أرادوا أن يدلوا على هذا العدول ويرشدوا إليه، فمنعوا العلم السالف من الصرف؛ ليكون هذا المنع دليلا ومرشدا للعدل. وكل هذا مرفوض؛ "لما ذكرناه في رقم ٦ من هامش الصفحة السابقة، ورددناه في أمكنة أخرى". وآن الوقت لإهماله ٢ كما سبق في "ب" رقم ١ من هامش ص٢٢٢. ٣ نوع من الغربان. ٤ نوع من البلابل. ٥ من معانيه: الراعي الذي يظلم الماشية فيهشم بعضها ببعض. ٦ من معانيه: المقيم بمنزله، لا يبرحه، ولا يسعى وراء معاشه.
[ ٤ / ٢٥٧ ]
سلف- وقد يجوز فيه الأمران والأحسن الصرف إذا كان السماع مجهولا. فله ثلاث حالات
الثالثة: لفظ "سحر" "وهو: الثلث الأخير من الليل" بشرط استعماله ظرف زمان، وأن يراد به سحر يوم معين، مع تجريده من "أل" والإضافة، نحو: غردت البلابل يوم الخميس سحر. فكلمة: "سحر" ظرف منصوب على الظرفية، ممنوع من التنوين للعلمية والعدل١، سماعا في هذه الكلمة المنصوبة. وهذا هو التعليل الصحيح أما أكثر النحاة فيقول: إنه ظرف ممنوع من الصرف للعلمية والعدل ويقتصرون على هذا٢:
فإن ل يكن لفظ "سحر" ظرف زمان -بأن كان اسما محضا، معناه الوقت المعين دون دلالة على ظرفية شيء وقع فيه- وجب تعريفه "بأل"، أو "بالإضافة" إذا أريد منه أن يدل على التعيين، ولا تصح العلمية، تقول: السحر أنسب الأوقات للتفكير الهادئ، وصفاء الذهن. وعجيب أن يغفل الناس عن سرحهم وأن يقضوا سحرهم نائمين
وإن كان ظرفا لكنه غير معين "بأن كان ظرفا مبهما، لا يدل على سحر يوم معين، خاص" وجب صرفه، نحو: يحرص الزراع على الحصاد في
_________________
(١) ١ سبق الكلام -في ص٢٢٢، وهامشها- على العدل وأقسامه وفائدته، وسحر، وأخر وفي الممنوع من الصرف للعلمية والعدل يقول ابن مالك: والعلم امنع صرفه إن عدلا كفعل التوكيد، أو: كثعلا امنع صرف العلم إن كان معدولا عن كلمة أخرى. ومثل للعلم المعدول بمثلين أولهما: "فعل" التي للتوكيد، "أي: بصيغ التوكيد التي هي جمع على وزن: "فعل" وثانيهما: "قمل" علم رجل. "والألف التي في آخر: "ثعل" زائدة للشعر". ٢ دون أن يزيدوا عليها كلمة: "السماع"، أو نحوها من كل ما يفيد أن سبب المنع هو السماع المحض الوارد بترك التنوين والعدول عنه، ونراهم يتعسفون ويتلمسون لإثبات العدل أسبابا واهية لكيلا يقال: إن سببه في هذه الكلمة هو السماع. فهو -عندهم- علم على الوقت المعين الخاص، وهو معدول عن "السحر" المقرونة بأل التي للتعريف؛ لأنه ما أريد به معين كان الأصل فيه أن يكون معرفا "بأل"؛ فعدل العرب عن النطق "بأل" وقصدوا تعريفه بغير ذكرها إلى غير هذا من آراء وأقوال أخرى في سبب منعه، واعتراضات كثيرة على كل منها. وما أعنانا عنها جميعا لو جعلنا السبب هو: السماع.
[ ٤ / ٢٥٨ ]
سحر -سأبدأ رحلتي القادمة بسحر. فالمراد في المثالثين: سحر غير معين من الأسحار المتعدد
وإن كان ظرفا معينا لكنه غير مجرد من "أل" و"الإضافة" وجب صرفه كذلك؛ نحو: سأسافر يوم الخميس من السحر إلى العصر، وأعود يوم السبت في سحره١.
"ملاحظة": بمناسبة الكلام على: "سحر"، ومنعه من الصرف وعدم منعه -يعرض النحاة للكلام على: "رجب وصفر". وهما من أسماء الشهور العربية. فإن أريد بهما معين فهما غير منصرفين، وإلا فهما منصرفان. ووجه ذلك -عندهم- أن المعين معدول عن "الرجب"، و"الصفر" كما قالوا في "سحر" إنه معدول عن "السحر" إذا أريد به سحر بعينه؛ ففيهما العلمية والعدل. ويمكن أن يكون المانع فيهما هو العلمية والتأنيث، باعتبار أن المراد: المدة٢.
الرابعة: ما كان علما لمؤنث، على وزن: "فعال" مثل: رقاش، حذام، قطام، أعلام نساء؛ فللعرب فيه طريقتان:
إحداهما: أن بعضهم -كقبيلة تميم- يمنعه من الصرف بشرط ألا يكون مختوما بالراء. ويقول النحاة: إن سبب المنع هو العلمية والعدل، لأن الأصل: راقشة، حاذمة، قاطمة فعدل عن هذا التعليل ما في غيره مما سبق. وقيل إن سبب المنع. هو: العلمية والتأنيث المعنوي؛ كالشأن في
_________________
(١) ١ وفي "سحر" يقول ابن مالك: والعدل والتعريف مانعا سحر إذا به التعيين قصدا يعتبر أي: أن العدل والتعريف بالعلمية يمنعان -معا- "سحر" من الصرف، بشرط أن يكون لفظ "سحر" مقصودا به تعيين سحر معين. وقد ترك بقية الشروط التي سردناها. ٢ راجع حاشية ياسين على التصريح، ج٢ باب التوكيد، عند الكلام على توكيد النكرة. وقد نقلنا كلامه في ج٣ باب الإضافة، م٩٣ ص٣٨ في بحث الإضافة البيانية، مثل: شهر رجب" هذا، وكلام الخضري وغيره -في آخر باب الممنوع من الصرف، عند الكلام على العلمية والعدل في سحر- ينتهي إلى ما قرره ياسين في حاشيته.
[ ٤ / ٢٥٩ ]
زينب، وسعاد وهذا التعليل أصح؛ نحو: رقاش شاعرة جاهلة -ضرب المثل بحذام في سداد الرأي.
فإن كانت صيغة: "فعال" مختومة بالراء مثل: "وبار" علم قبيلة عربية، و"ظفار" علم بلد يمني، و"سفار" علم بئر معينة فأكثر التميميين يبنيه على الكسر في كلا الحالات، نحو: "وبار" قبيلة عربية على حدود اليمن -أفنى الزمان "وبار" القديمة- لم يبق من "وبار" القديمة إلا الأطلال. فكلمة: "وبار" في الأمثلة السالفة مبنية على الكسر في محل رفع، أو نصب، أو جر، على حسب الجملة، ومثلها: "ظفار، وسفار"، ونظائرهما.
والأخرى: أن الحجازيين يبنون ذلك كله على الكسر، سواء أكان "فعال" علما مؤنثا مختوما بالراء أم غير مختوم١..
فتبين أن المنع من الصرف للعلمية والعدل في وزن "فعال" المؤنث مقصور
_________________
(١) ١ وزن "فعال" قد يكون مطولا، وقد يكون غير معدول. أ- فالمطول -كما يؤخذ من هذا الباب ومما سبقه في أبواب أخرى- خمسة أنواع، علم مؤنث، كحذام. واسم فعل أمر؛ كنزال. ومصدرا كحماد المعدول عن: المحمدة "بكسر الميم الثانية وفتحها" وحال مثل كلمة: "بداد" في قولهم: الخيل تعدو في الصعيد "بداد"، وصفه، إما مسموعة جارية مجرى الأعلام من ناحية إحلالها محل الاسم، واستعمالها غير تابعة لموصوف؛ نحو: "حلاق" للمنية، وهو معدول عن "حالقة" وإما صفة ملازمة للنداء في ذم الأنثى، نحو: يا لكاع - يا فساق - يا خباث. وهو معدول عن المشتق؛ تريد: يا لاكعة، يا فاسقة، يا خبيثة. "بالإيضاح الذي سبق عنها في رقم ٧ ص٧٣". فهذه خمسة أنواع كلها مبنية على الكسر، معدولة عن مؤنث. فإن صارت علما لمذكر جاز إعرابها مع منعها من الصرف -وهذا هو الأغلب- وجاز إعرابها مع تنوينها، ولا يصح البناء في الحالتين. وإن صارت علما لمؤنث جرى عليه ما سبق تفصيله عن التميميين والحجازيين. ب- وغير المعدول يكون اسما؛ كجناح، ومصدرا؛ كذهاب، ووصفا "أي: مشتقا" نحو: جواد، أي: كريم، وجنسا نحو: سحاب. فهذه أربعة أنواع لو صارت إحداها علما لمذكر وجب إعرابه وتنوينه، إلا إن كان "فعال" في أصله مؤنثا، كمساق؛ للأنثى من أولاد المعز، فإن جعل عناق المؤنث -وأشباهه- علما منع صرفه للعلمية والتأنيث. هذا، وفي اللغة ألفاظ تزيد على المائة -كما قالوا- بناها العرب على الكسر؛ لسبب من الأسباب السالفة في: "أ" وقد جمع أكثرها "رضي الدين الصغاني" "المتوفى سنة٦٥٠هـ" في كتاب عنوانه: "ما بنته العرب على: "فعال" ونشرت أكثرها مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق.
[ ٤ / ٢٦٠ ]
على بعض تميم بشرط ألا يكون العلم مختوما بالراء١
الخامسة: أمس. وأشهر لغات العرب فيه لغتان؛
إحداهما: منعه من الصرف، رفعا، ونصبا، وجرا. وهذه لغة بعض التميميين، بشرط: "أن يكون علما مرادا به اليوم الذي قبل يومك مباشرة٢ ، وأن يكون خاليا من "أل" والإضافة، وأن يكون غير مصغير، وغير مجموع جمع تكسير، وغير ظرف"؛ فيقولون انقضى أمس على خير حال -وقضيت أمس في إنجاز عملي- وقد استحرت مذ أمس. فكلمة أمس مرفوعة بالضمة بغير تنوين، ومنصوبة ومجروره بالفتحة من غير تنوين فهيما. ويقول النحاة في تعليل منعه من الصرف: إنه العلمية والعدل؛ لأنه علم على الوقت العين من غير أن يكون فيه علامة تدل على التعيين؛ فهو لهذا معدول عن الأمس المعرف بأل، فصار معرفة بغيرها٣.
أما أكثر التميميين فيمنعه من التنوين في حالة الرفع وحدها، ويبنيه على الكسر في حالتي النصب والجر؛ فلا يدخل في باب الممنوع من الصرف؛ فيقول في الأمثلة السالفة: انقضى أمس - قضيت أمس - وقد استرحت مذ أمس
والأخرى؛ بناؤه على الكسر في جميع استعمالاته إذا٤ استوفى الشروط السالفة. وهذه لغة الحجازيين لا يدخلونه في باب الممنوع من الصرف؛ فيقولون
_________________
(١) ١ وفيما سبق يقول ابن مالك في بيت واحد وكلمتين من أول البيت الذي يليه: وابن على الكسر: "فعال" علما مؤنثا. وهو نظير جشما-٢٤ عند تميم -٢٥ يقول: ابن على الكسر العلم المؤنث الذي على وزان: "فعال" في كل أحواله عند غير تميم، أما عند تميم فهو نظير: "جشم" في أنه علم ممنوع من الصرف للعلمية والعدل. وتتمة البيت الأخير تختص بحكم مستقل ستذكر معه في ص٢٦٥ وهامشها. ٢ وقال الخضري "ج١ باب: "المعرب والمبني" عند الكلام على علامات البناء" ما نصه: "يراد به معين؛ وهو الذي يليه يومك خاصة، أو اليوم المعهود وإن بعد ". ا. هـ. ٣ وهذا التعليل مرفوض كنظائره السالفة؛ لما أوضحناه من قبل -في رقم٦ من هامش ص٢٥٦. ٤ ويقول النحاة في سبب بنائه هو تضمنه معنى الحرف "في" "وقد تكلمنا على هذا التضمن تفصيلا في الجزء الأول ص٥٥ م٦ في موضوع الإعراب والبناء وسببها".
[ ٤ / ٢٦١ ]
مضى أمس بأحداثه؛ فتهيأ للغد -عرفت أمس بوقائعه، فماذا يكون اليوم- لم أهتم بأمس ، فكلمة: "أمس" مبنية على الكسر في محل رفع أو نصب أو جر على حسب حالة الجملة.
فإن أريد بكلمة: "أمس" يوما مبهما "أي: يوما ماضيا غير معين، بأن أريد به أمس من الأموس من غير تخصيص" كان معربا منصرفا عند التميميين والحجازيين. وكذلك إن كان مضافا، نحو: انقضى أمس من الأموس الطيبة -قضينا أمسا من الأموس في رحلة- لم نأسف على أمس من الأموس -أمسنا كان جميلا- إن أمسينا كان جميلا -سررت بأمسنا.
وكذلك إن كان معرفا "بأل"، نحو: الأمس كان جميلا إن الأمس كان جميلا سررت بانقضاء الأمس.
أو: كان مصغرا؛ نحو أمس كان جميلا إن أميسا كان جميلا سررت بأميس.
أو: كان مجموعا جمع تكسير؛ نحو: أموس كانت جميلة إن أموسا كانت جميلة، سررت بأموس.
أما إن كان لفظ: "أمس" ظرفا مجردا من "أل والإضافة" وليس اسما، فهو مبني على الكسر عند الفريقين أيضا، نحو: سرتني زيارتك أمس، وسأزورك قريبا خرجت أمس مبكرا لرحلة نهرية١
_________________
(١) ١ راجع حاشية ياسين على التصريح في الموضع.
[ ٤ / ٢٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- إذا زالت علمية "أمس" دخل التنوين، نحو: سأزورك في أمس من الأموس. وإذا زال العدل بأن اسعملت مقرونة "بأل" فهي معربة، يمتنع تنوينها بسبب "أل" -كما هو معروف- لا بسبب منع الصرف. وكذلك عند الإضافة.
وكل كلمة أخرى ممنوعة من الصرف للعلمية مع العدل يجب صرفها إذا لم توجد العلتان أو إحداهما، ما لم يمنع من الصرف مانع آخر.
ب- إذا سميت رجلا "بأمس" وجب صرفه على لغة الحجازيين كما تصرف "غاق" إذا سميت بها. "وقد سبق: أن كل مفرد مبني إذا صار علما -فإنه يجب فيه الإعراب مع الصرف؛ طبقا لأنسب الرأيين الذين عرضناهما من قبل"١.
وإن سميت "بأمس" على لغة تميم صرفته أيضا في الأحوال كلها؛.
_________________
(١) ١ في ص١٢ وحاشيتها؛ حيث البيان المناسب.
[ ٤ / ٢٦٣ ]
أحكام عامة في الممنوع من الصرف:
"وتشمل ما يأتي" منع اتصال تنوين الأمكنية به -أنواع الممنوع من الصرف- حكم المنقوص عند منعه من الصرف -وجوب تنوين الممنوع من الصرف، وجوازه- جواز منع الصرف للضرورة".
كثير من هذه الأحكام العامة منثور في مواضع متفرقة من الباب الخاص فالممنوع من الصرف، أو غيره من الأبواب الأخرى. ونعرضه هنا في جمع وتركيز.
١- الممنوع من الصرف لا يدخله تنوين "الأمكنية"١ مطلقا. وحكمة: أنه يرفع بالضمة، وينصب بالفتحة، ويجر بالفتحة أيضا نيابة عن الكسرة. ولكن يشترط لجره بالفتحة ألا يكون مضافا، ولا مقرونا "بأل" -أو بما ينوب عنها، مثل: "أم" في بعض اللهجات العربية.
فإن فقد الشرط وجب جره بالكسرة، مثل: لا تكن بأعجل الخصمين استجابة للشر، فما أضر أن توصف بالأعجل. و و
وإذا كان الممنوع من الصرف علما منقولا من جمع مؤنث سالم٢ "مثل: عطيات، عليات، زينات "، جاز إعرابه ما لا ينصرف، وجاز إعرابه كالمنصرف؛ فيرفع بالضمة، وينصب بالفتحة، ويجر بالكسرة؛ مع تنوينه في الحالات الثلاث.
٢- الممنوع من الصرف أحد عشرا نوعا. منها ما يكون ممنوعا لعلة٣ واحدة، ومنها ما يكون ممنوعا لاثنتين. فالممنوع لواحدة هو: "صيغة منتهى الجموع" -وملحقاتها. والمختوم "بألف التأنيث". وكلاهما لا ينصرف مطلقا مهما اختلفت استعمالاته؛ لأن علامته لا تفارقه مطلقا٤. لكن لا يجر بالفتحة إلا بشرط خلوه من "أل" و"الإضافة".
_________________
(١) ١ لهذا التنوين إيضاح مناسب في ص٢٠٠. ٢ تفصيل هذا في الجزء الأول ص١٠٩ م١٢ عند الكلام على جمع المؤنث السالم. وقد سبقت له الإشارة هنا في ص٣٠٢ وفي رقم ١ من هامش ص٢٠٤. ٣ سبق الإيضاح والتعليق في رقم ١ من هامش ص٢٠٤. ٤ سبقت الإشارة لهذا في ص٢٠٦.
[ ٤ / ٢٦٤ ]
والممنوع لعلامتين -أي: لعلتين-١ قد تكون إحداهما "الوصفية" مع شيء آخر، وقد تكون "العلمية" مع شيء آخر أيضا.
فالممنوع للوصفية مع شريكتها ثلاثية أنواع لا تنصرف مطلقا، مهما اختلفت استعمالاتها٢؛ لأن هذه الوصفية مع شريكتها ملازمة للاسم، لا تفارقه إلا إذا حلت محلها العلمية، وعندئذ يمتنع صرفه للعلمية وما يكون معها. فهذا النوع الممنوع للوصفية مع شريكتها؛ كسابقة لا ينصرف مطلقا. لكن لا يجر بالفتحة إلا بشرط خلوه من "أل"، و"الإضافة".
والممنوع من الصرف للعلمية مع شيء آخر سبعة أنواع، ويظل ممنوعا ما دام مشتملا على العلتين، فإن زالت إحداهما أو كلتاهما دخله التنوين وجوبا -إن لم يوجد داع آخر للمنع- وقد أوضحنا تفصيل هذا في مواضعه وستأتي له إشارة أخرى قريبة٣
ويستثنى من هذا الحكم ما كان صفة قبل العلمية؛ كأحمر، وأفضل علمين٤ ، فإنهما يمنعان من الصرف للعلمية الطارئة مع وزن الفعل، مع
_________________
(١) ١ سبق الإيضاح في رقم ١ من هامش ص٢٠٤. ٢ فإذا انضم إلى هذه الثلاثة التي لا تنصرف مطلقا النوعان السابقان: "وهما: أ- صيغة منتهى الجموع، وملحقاتها، ب- وألف التأنيث بنوعيها" نشأت خمسة أنواع ملازمة لمنع الصرف في كل استعمالاتها -طبقات لما نص عليه الخضري وغيره. ٣ وقد أشار ابن مالك إلى الحكم الممنوع من الصرف للعلمية مع شيء آخر، إذا فقد العلمية فقال: واصرفن ما نكرا من كل ما التعريف فيه أثرا-٢٥ أي: يجب صرف كل اسم نكر بعد أن كان معرفا، وكان للتعريف أثر في منع صرفه. وهو يريد بالتعريف هنا: تعريف "العلمية"، دون غيرها، كما يريد بالصرف أحيانا كثيرة التنوين مطلقا. وكان الأنسب هنا أن يقول: و"نونن"، بدلا من: "اصرفن"؛ لأن "الصرف" الذي يشيع استعماله في هذا الباب يراد به: "تنوين الأمكنية" في الأغلب. أما التنوين الذي يلحق العلم الممنوع من الصرف إذا فقد علميته فتنوين التنكير -كما سبقت الإشارة في رقم ١ من هامش ص٢٢٧. هذا، وصدر البيت هو: "عند تميم، واصرفن ما نكرا" وقد سبق -في هامش ص٢٦١- عند الكلام على حكم ينسب لتميم، ورد ذكره قبله. ٤ بخلاف "أحمد"، طبقا لما تقدم في رقم ٢ من هامش ص٢٤٩ و"ب" من ص٢٥١.
[ ٤ / ٢٦٥ ]
أنهما في الأصل وصفين، وقد اختلفت الوصفية الأصلية أمام العلمية الجديدة. فإذا زالت العلمية لم يجز تنوين الاسمين؛ لأن زوالها سيؤدي إلى رجوع الوصفية التي زالت بسببها؛ فيظل الاسمان ممنوعين من الصرف بعد زوالها، ويصير سبب المنع هو: الوصفية مع وزن الفعل.
٣- إذا كان الممنوع من الصرف اسما منقوصا١، "علما أو غير علم؛ كبعض أنواع الوصف، وصيغة منتهى الجموع" -فإن ياءه تحذف رفعا، وجرا، وينون٢. وتبقى في حالة النصب مفتوحة بغير تنوين. مثل: دواع، جمع: داعية -أوعيل٣، تصغير: أعلى- وراع، علم فتاة، -وكذلك: تفد "علم فتاة: منقول من المضارع تفدي" تقول: "ظهرت للخير دواع عرفت دواعي للخير -استجبت لدواع كريمة" كلمة: "دواع"، الأولى منونة، وهي فاعل مرفوع بضمة على الياء المحذوفة. والأصل "دواعي، دواعين" دخلها أنواع من التغيير سبق٤ شرحها؛ لأن هذه الكلمة ممنوعة من الصرف لصيغة منتهى الجموع
وكلمة: "دواعي"، مفعول منصوب بالفتة الظاهرة بغير تنوين.
وكلمة: "دواعي" الأخيرة -منونة مجرورة باللام، وعلامة جرها الفتحة على الياء المحذوفة، بدل الكسرة، لأن الكلمة ممنوعة من الصرف لصيغة منتهى الجموع، وأصلها: "دواعي، دواعين" دخلتها التغييرات التي سبق٤ إيضاحها.
وتقول: "أعيل خير من الأسفل -إن أعيلي خير من الأسفل- لا تقنع بأعيل، واطلب المزيد". فكلمة" أعيل" الأولى منونة، مبتدأ
_________________
(١) ١ سبقت الإشارة إليه في هذا الباب -ص٢٠٩ وهامشها- أما تفصيل الكلام عليه ففي الجزء الأول ص١٢٤ م١٥. ٢ وهذا التنوين للعوض "كما أشرنا في هذا الباب -ورقم ٢ من هامش ص٣٠٩- وفي ص٢٥ ج١ م٣ وأبدينا ملاحظات عليه حين يكون في الممنوع من الصرف". ٣ تقضي قواعد: "التصغير" الخاصة بغير الثلاثي -وستأتي في ص٦٩٤- بكسر هذه "اللام" بعد ياء التصغير؛ فتقلب الألف بعد اللام المكسورة ياء، وتصير الكلمة: "أعيلي" وهذه منقوصة، إذا نونت حذفت ياؤها رفعا وجرا ٤ و٤ في ص٢٠٩.
[ ٤ / ٢٦٦ ]
مرفوع بالضمة على الياء المحذوفة، والأصل: أعيلي "أعيلين" دخلتها التغيرات التي عرفناها، لأن هذه الكلمة ممنوعة من الصرف للوصفية ووزن الفعل؛ فهي على وزن المضارع: أسيطر، وأبيطر١
وكلمة: "أعيلي" اسم "إن" منصوب بالفتحة الظاهرة على الياء بغير تنوين.
وكلمة: "أعيل" الأخيرة، منونة مجرورة بالياء وعلامة جرها الفتحة بدل الكسرة على الياء المحذوفة؛ لأن الكلمة ممنوعة من الصرف للوصفية ووزن الفعل. وقد دخلها التغيير المعروف.
وتقول: "سمعت قصيدة لشاعرة اسمها: "راع" "وقد صافحت "راعي" بعد سماعها" "وسوف أستمع إلى دراع" "، فكلمة: "راع" الأولى منونة، خبر مرفوع بضمة على الياء المحذوفة، وأصلها: راعي "راعين" طرأ عليها التغير السالف.
وكلمة: "راع" الأخيرة منونة، مجرورة بإلى، وعلامة جرها الفتحة بدل الكسرة على الياء المحذوفة؛ لأن الكلمة ممنوعة من الصرف للعلمية والتأنيث. وقد طرأ عليها التغيير الذي قدمنا.
وتقول: "تفد" طبيبة مشهورة -إن "تفدى" طبيبعة مشهورة- يثنى المرضى على "تفد". فكلمة: "تفد الأولى منونة، مبتدأ مرفوع بضمة على الياء المحذوفة، وكلمة: "تفدى" "بغير تنوين" اسم إن منصوب بالفتحة الظاهرة. وكلمة: "زتفد" الأخيرة منونة، مجرورة بعلى، وعلامة جرها الفتحة على الياء المحذوفة بدل الكسرة؛ لأن الكلمة ممنوعة من الصرف للعلمية ووزن الفعل وهكذا.
ويرى جماعة من النحاة أن المنقوص الممنوع من الصرف على الوجه السالف،
_________________
(١) ١ وهذا على الرأي الأرجح الذي لا يجعل وزن: "أفيعل" وخاصا بالوصف؛ إذ يوجد في الفعل؛ نحو: أبيطر. -انظر رقم ٢ من هامش ص٢١٨ ثم ص٢٧٥.
[ ٤ / ٢٦٧ ]
تثبت ياؤه بغير تنوين في جميع حالاته "رفعا، ونصبا، وجرا"، فيرفع بضمة مقدرة على الياء بغير تنوين، وينصب بالفتحة الظاهرة بغير تنوين. ويجر بالفتحة الظاهرة بغير تنوين بدل الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف، فيقولون في الأمثلة السالفة ظهرت دواعي للخير - اتبعت دواعي للخير - اهتديت بدواعي للخير. ويقولون: أعيلي خير إن أعيلي خبر - لا تقنع بأعيلي
ويقولون: الشاعرة اسمها: راعي ، صافحت راعي ، إلى راعي ، وكذلك: "تفدي" طبيبة مشهورة ، إن تفدي طبيبة ، يثني المرضى على تفدي
ولكن هذا الرأي ضعيف عندهم؛ لندرة شواهده الفصيحة، وضعف الاستدلال بها، فيحسن إهماله١
وهناك رأي آخر في المنقوص الذي على وزن الصيغة الأصيلة لمنتهى الجموع؛ وملخصه٢: أن بعض العرب يقلب الكسرة قبل ياء المنقوص فتحة؛ قتنقلب الياء ألفا بشرط أن يكون وزان المنقوص كوزان إحدى الصيغ الأصيلة لمنتهى الجموع، وأن يكون مفرده اسما محضا على وزن: "فعلاء" الدالة على مؤنث، وليس له -في الغالب- مذكر؛ كصحراء وصحار، فيقول فيها. "صحارى" بغير تنوين في الحالات الثلاث٣
_________________
(١) ١ وإنما ذكرناه -كما نذكر الضعيف من أشباهه- ليهتدي به في فهم الوارد منه في الكلام القديم، مع العدول عن استعماله. ٢ الإشارة إليه سبقت في "ا" من ص٢١٢. ٣ وفي الممنوع من الصرف المنقوص يقول ابن مالك: وما يكون منه منقوصا ففي إعرابه نهج جوار يقتفي "ومنه، أي: من الممنوع من الصرف. يقتفي= يتبع". وتقدير البيت: ما يكون من الممنوع من الصرف منقوصا، فإنه يقتفي "أي: يتبع ويسير" في إعرابه نهج جوار، وطريق جوار "جمع تكسير الجارية"، في حذف يائه رفعا وجرا مع التنوين، وإثبات الياء وإظهار الفتحة عليها بغير تنوين في حالة النصب. وهذا حكم مجمل مختصر. وقد وفيناه في الشرح.
[ ٤ / ٢٦٨ ]
٤- الممنوع من الصرف قد يجب تنوينه، وقد يجوز:
فيجب تنوينه في حالتين:
أ- أن يكون أحد السببين المانعين له هو: "العلمية"، ثم زالت بسبب تنكيره، وبقي بعد زوالها العلة الاثنية وحدها "وهي: التأنيث، أو: الزيادةن أو: العدل، أو: وزن الفعل، أو: العجمة، أو: التركيب، أو: ألف الإلحاق المقصورة"؛ لأن هذه العلة الثانية الباقية لا تكفي وحدها لمنع الصرف بعد زوال العلمية، فيجب تنكير الاسم إن لم يوجد مانع آخر -ولهذا تدخل عليه "رب" وهي لا تدخل إلا على النكرات في الأعم الأغلب، فتقول: "رب فاطمة، أو عثمان، أو عمر، أو يزيد، أو إبراهيم، أو معديكرب، أو: ارطى، قابلت"؛ بالجر الكسرة مع التنوين في هذه الأنواع السبعة؛ لذهاب أحد موجبي المنع، وهو: العلمي.
ويستثنى من هذا الحكم ما أشرنا إليه من قبل١؛ وهو الاسم الذي كان في أصله وصفا ممنوعا من الصرف للوصفية وعلة أخرى، ثم زالت عنه الوصفية وحدها، وحلت محلها العلمية؛ فصار ممنوعا من الصرف للعلمية الطارئة ومعها العلة الأخرى، نحو: "أحمر؛ فإن زوال علميته لا يبيح تنوينه، ولكنه يقتضي رجوعه إلى الوصفية الأصلية التي سبق أن تركت مكانها للعلمية الطارئة. فإذا زال الطارئ عاد الاسم إلى أصله ممنوعا من الصرف كما كان. أما في غير هذه الحالة فينون في حالاته الإعرابية الثلاثة، ولا يجز بالفتحة.
ب- أن يكون الاسم مصغرا، وقد أدى تصغيره إلى إزالة أحد السببين المانعين من صرفه؛ كتصغير "عمر" على: "عمير"، وكتصغير: "أحمد" تصغير ترخيم على: "حميد" فإن هذا التصغير جعل الاسم على صورة لا يصح منعها من الصرف؛ فكلمة: "عمير" ليست كعمر الممنوعة من الصرف، سماعا "أو لما يسميه النحاة: العلمية والعدل" فلا سماع في عمير، ولا عدل فيها. وكلمة: "حميد" ليست على وزن الفعل؛ فهي فاقدة لسبب الثاني الذي لا بد
_________________
(١) ١ في رقم ٢ ص٢٦٤.
[ ٤ / ٢٦٩ ]
منه مع العلمية. بخلاف "أحمد" ففيه السببان"١.
وهذه الحالة الثانية: "ب" راجعة للأولى. وفي الحالتين يجر الاسم بالكسرة، وجوبا؛ إذ يجري عليه حكم المنصرف كاملا؛ إن لم يمنع مانع آخر.
ويجوز تنوينه ومنعه من التنوين في حالتين:
الأولى: مراعاة التناسب في آخر الكلمات المتجاورة، أو المختومة بسجعة، أو بفاصلة٢ في آخر الجمل؛ لتتشابه في التنوين، من غير أن يكون له داع إلا هذا؛ لأن للتناسب إيقاعا عذبا على الأذن، وأثرا في تقوية المعنى، وتمكينه في نفس السامع والقارئ. ومن الأمثلة كلمة: "سلاسلا" بالتنوين في قراءة من قرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلا وَأَغْلالًا وَسَعِيرًا﴾ فقد ونوت الكلمة لمراعاة لا التي تليها وتجاوزها. وكذلك كلمة: "قوريرا" في قراءة من قرأها بالتنوين في قوله تعالى يصف أهل الجنة: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا﴾، ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا، وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا﴾، ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ فقد نونت كلمة "قواريرا" الأولى لمراعاة التنوين في آخر الجملة التي قبلها، ومراعاة لآخر الجملة التي بعدها ونونت كلمة: "قواريرا" الثانية لمراعاة الأولى، ولمراعاة نهاية الآية السابقة، فإنها منونة أيضا.
ومن الأمثلة قراءة من قرأ: "يغوث"، و"يعوق" منونتين في قوله تعالى
_________________
(١) ١ قد يكون الاسم منونا وهو مكبر، فإذا صغر امتنع صرفه لوجود السببين معا. ويمثلون لهذا بكلمة: "تحل" علما، "ومن معانيه: القشر الذي يظهر حول منابت الشعر.." فهي غير ممنوعة من الصرف إلا إذا كانت علما مصغرا، نحو: "تحيلئ" فإنها تمنع للعلمية ووزن الفعل؛ إذ تكون على وزان: "تدحرج، وتبطر" -ولهذا الحكم تفصيلات في ص٢٧٥، ولا سيما الحالة الثالثة. ٢ "السجعة": "وجود حرف متشابه متماثل في نهاية جملتين أو أكثر كقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا، فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ "والفاصلة".. وقوع كلمة في آخر الجملة على وزان كلمة أخرى في جملة قبلها أو بعدها من غير أن تتشابه الكلمتان في الحرف الأخير منهما. وليس من اللازم أن يكون التشابه في الوزن كاملا صرفيا، وإنما يكفي أن يكون متقاربا. ومن الأمثلة الآية الآتية بعد في أهل الجنة: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾ .
[ ٤ / ٢٧٠ ]
عن المشركين، ومخاطبة بعضهم بعضا بالتمسك بأصنامهم: وقالوا: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ ١، فقد نونت الكلمتان مراعاة لما حولهما من كلمات أخرى منونة.
الثانية: الضرورة الشعرية٢، وما في حكمها٢؛ فيضطر الشاعر بسببها إلى تنوين الاسم؛ ككلمة "محاسن" في قول الشاعر:
_________________
(١) ١ كل هذه أسماء أصنام اتخذها المشركون من أهل الجاهلية آلهة لهم عبدوها. ٢ و٢ الشائع في أكثر الكتب النحوية أن "الضرورية" خاصة بالشعر وحده. لكن بعض المحققين لا يرون هذا التحديد الضيق، كما صرح: "ابن بري" في رسالته المطبوعة في نهاية: "مقامات الحريري"، يدافع بها عن صاحب المقامات، ويصحح كل ما أخذه عليها "ابن الخشاب البغدادي"، فقد صرح "ابن بري" بأن الضرورة ليست مقصورة على الشعر وحده، وإنما تشمل السجع والفواصل أيضا. وفيما يلي نص كلامه "ص١١ من تلك الرسالة": "اعلم أن للسجع ضرورة الشعر، وأن له وزنا يضاهي ضرورة الوزن الشعري في الزيادة والنقصان والإبدال، وغير ذلك. وحذفوا التنوين فيه كما حذفوه في الشعر -وساق أمثلة متعددة تؤيد كل ما سبق- حكى ذلك الخليل، وأبو حنيفة الدينوري وقد جاء مثل هذا في فواصل القرآن؛ لتتفق الفواصل. فمن الزيادة قوله تعالى في سورة الأحزاب: عن الكافرين: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا، وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ فقد زيدت ألف في آخر كلمة "السبيل"؛ مراعاة لكلمة "الرسول" وزيدت ألف في كلمة: "الرسولا" لأن الآيات التي قبلها مختومة بكلماته منونة، منصوبة آخرها ألف. وكذلك زيدت ألف في كلمة: "الظنون" من قوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ وزيادتها لمراعاة أواخر الآيات التي قبلها، المختومة بكلمات منصوبة آخرها ألف "أليما - بصيرا " فزيدت الألف في الفواصل كما تزاد في الشعر، آخر القافية بقصد الإطلاق. ومن النقص قوله تعالى في سورة الفجر: ﴿وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ، وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ فحذفت الياء من "يسر" اتباعا للوتر، وما تقدمه. وكذلك حذفت الياء -من: "أكرمني، وأهانني"- في قوله تعالى في هذه السورة: ﴿فَأَمَّا الْأِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ، وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ كما حذفت في الشعر في قول في قول القائل: فهل يمنعن ارتياد البلاد من حذر الموت، أن يأتين "أي: يأتيني". ا. هـ. كلام ابن بري، وهو كلام قوي نفيس، يؤيده ويوافقه الفصل الخاص الذي عقده له صاحب: "همع الهوامع" في الجزء الثاني تحت عنوان: "خاتمة" -ص١٥٨- بعد الباب الخاص بموضوع: "الضرائر". وكلامهما أعم وأشمل من كلام ابن جني حيث يقول: "الأمثال تجري مجرى المنظوم في تحمل الضرورة" -راجع ص١٩ من التعريف بكتابة: المحتسب، ج١ طبعة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة.
[ ٤ / ٢٧١ ]
إن الذي ملأ اللغات محاسنا جعل الجمال وسره في الضاد١
ويتبع هذا جره -حتما- بالكسرة بدل الفتحة في حالة الجر؛ ككلمة "عنيزة" في قول امرئ القيس:
ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة فقالت له الويلات إنك مرجلي٢
فقد دخل الجر والتنوين في كلمة: "عنيزة" لضرورة الشعر. ومثل كلمة: "فاطمة" في قول الشاعر يمدح "عليا زين العابدين" بأنه من نسلها وهي بنت الرسول ﷺ:
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله بجده أنبياء الله قد ختموا
وقد يضطر الشاعر إلى جر الاسم بالكسرة دون تنوينه، مثل كلمة: "عصائب" في قول المادح:
إذا ما غزا بالجيش حلق فوقه عصائب طير تهتدي بعصائب
فقد جر الكلمة بالكسرة وحدها مراعاة للكسرة في آخر أبيات القصيدة.
وإنما كان التنوين جائزا -لا واجبا- في الحالتين السالفتين؛ لأن المتكلم يستطيع في الحالة الأولى أن ينون أو لا ينون، فله الخيار، كما يستطيع في الحالة الثانية أن يترك الكلمة التي تدفعه إلى التنوين قهرا واضطرارا٣ ليختار كلمة أخرى تلائم القافية الوزن الشعري من غير حاجة لمنع الصرف.
وفي كلتا الحالتين السالفتين تعرب الكلمة على حسب موقعها من الجملة، ويزاد على إعرابها حين تكوين منونة: أن تنوينها للضرورة، وتجر بالكسرة -لا بالفتحة- على الأفصح.
_________________
(١) ١ الضاد: رمز يكنى به عن اللغة العربية وحدها؛ لعدم وجوده في اللغات الأخرى الشائعة. ٢ الخدر: الهودج. "مرجلي": ستجعلني راجلة، أي: ماشية؛ لأن الهودج لا يحتملهما معا. ٣ أي: أن تنوين الضرورة يعتبر ضروريا محتوما إذا حرص الشاعر على كلمة معينة لا يريد تركها إلى أخرى لا توجب عليه التنوين. وعند كثرة النحاة: أن الضرورة هي التي تباح في الشعر دون النثر ولو استطاع الشاعر أن يتخطاها؛ إذ تعد في النثر مخالفة غير جائزة. وهذا رأي يرفضه -بحق- "ابن بري" محتجا بما تقدم في رقم ٢ من هامش الصفحة السالة.
[ ٤ / ٢٧٢ ]
٥- يجوز في الضرورة الشعرية١ أن يمنع الاسم المنصرف من التنوين الذي استحقه قبل هذه الضرورة؛ سواء أكان الاسم علما أم غير علم. فمثال العلم كلمة: "شبيب" في قول الشاعر:
طلب الأزارق بالكتائب إذ هوت بشبيب غائله٢ النفوس، غدور
فقد منع التنوين من كلمة: "شبيب"، للضرورة الشعرية، إلا لا يوجد مع العلمية السبب الذي يجب أن ينضم إلهيا عند منع الصرف. ومثال غير العلم كلمة: "موالي" في قول الشاعر:
فلو كان عبد الله مولى هجوته ولكن عبد الله مولى مواليا
والأصل الغالب أن يقول: مولى موال، فترك هذا الأصل، وأثبت الياء، وجرا الاسم بالفتحة الظاهرة عليها
لكن إذا منع الاسم من التنوين بسبب الضرورة الشعرية فما حكمه في حالة الجر؟ أيجر بالكسرة كالأسماء المنصرفة المتمكنة ولكن بغير تنوين، أم يجر بالفتحة بغير تنوين كالممنوع من الصرف؟ الأمران جائزان. والأحسن جره بالكسرة كأصله والاقتصار في الضرورة على منع تنوينه٣.
ويعرب الاسم الممنوع من التنوين للضرورة على حسب موقعه من الجملة ويزداد في كل حالة إنه ممنوع من التنوين للضرورة وإذا كان مجرورا بالفتحة زيد
_________________
(١) ١ انظر البيان السابق الخاص بمعنى: "الضرورة"، والمراد الدقيق منها -في رقم ٢ من هامش ص٢٧١. ٢ مجرورة بالفتحة بدل الكسرة؛ لما تقرر: أن المنصرف الذي يمنع صرفه للضرورة يصح في حالة الجر -جره بالكسرة بدل الفتحة، ويصح جره بالفتحة بدل الكسرة -كما سيجيء هنا- "والأزارق" وأصلها: الأزارقة، جمع أزرقي -قوم من الخواريج ينسبون إلى نافع بن الأزرق زعيمهم. و"شبيب" هذا هو: شبيب بن زيد من رءوسهم. ادعى الخلافة وتسمى بأمير المؤمنين. وكلمة: "الأزارق" مفعول به للفعل: "طلب" والفاعل ضمير مستتر، تقديره: هو، يعود إلى سفيان نائب الحجاج، وزوج ابنته. "هوت" بمعنى: أطمعت، وغرت. يقال: هوى به الأمر: أي: أطعمه وغره. غائلة النفوس، هي: الموت، وتعرب فاعلا للفعل: هوى. ٣ ليكون في هذا تقدير للضرورة بقدرها الذي لا بد منه وحده، وترك ما لا شأن له بها.
[ ٤ / ٢٧٣ ]
أيضا: أنه مجرور بالفتحة؛ لأنه ممنوع من الصرف للضرورة١
_________________
(١) ١ وفي تنوين الممنوع، ومنع التنوين من الاسم الذي يستحقه.. يقول ابن مالك في ختام الباب: ولاضطرار أو تناسب صرف ذو المنع. والمصروف قد لا ينصرف-٢٥ يريد: أن الممنوع من الصرف قد يصرف بسبب الضرورة أو التناسب الكلامي، وأن المصروف قد يمتنع تنوينه. وقد أوضحنا الحكمين، وسردنا تفاصيلهما. وبمناسبة قول ابن مالك: "والمصروف قد لا ينصرف" نذكر أن فريقا من النحاة ومنهم ابن هشام في كتابه: "المعنى" في مبحث "قد" يمنع وقوع "لا" النافية بعدها، فاصلة بينهما وبين المضارع، ومشترطا أن يكون المضارع بعدها مثبتا. وبهذا الرأي يقول بعض اللغويين كصاحب القاموس، وتبعهم فيه أحد الباحثين المعاصرين. لكن صاحب "لسان العرب" نقل في مادة: "ذام" مثلا عربيا فصيحا نصه: "قد لا تعدم الحسناء ذاما" كما نقل أبو هلال العسكري في كتابه: "الأمثال"، المطبوع على هامش كتاب: "الأمثال" للميداني "في ص١١٧ ج٢" مثلا آخر قديما نصه: "قد لا يقاد بي الجمل" ورأيت في بعض الشعر الجاهلي وغيره من فصيح الكلام الذي يحتج به وقوع المضارع المنفي بالحرف "لا" مسبوقا بكلمة: "قد" مباشرة "أي: أن الحرف "لا" النافي توسط في ذلك الكلام العربي الصحيح بين "قد" والمضارع". وقلنا في الجزء الأول "م٤، ص٥٠" إن رفض تلك الأمثال غير مستساغ إلا إذا لجأنا للتأويل الواعي المتعسف الذي لا يتبت على التمحيص. ومن الأدلة أيضا ورودها في شعر الأعشى ميمون، وهو جاهلي، أدرك ظهور الإسلام في بيت له "من قصيدته التاسعة والعشرين بالصفحة ١٩٥ من ديوانه" ونصه: وقد قالت قتيلة إذ رأتني وقد لا تعدم الحسناء ذا ما وفي بيت آخر لقيس الجهني -وهو جاهلي، وقد نقله الآمدي في كتابه: المؤتلف ص١٢٣، ونصه: وكنت مسودا فينا حميدا وقد لا تعدم الحسناء ذا ما.. وكذلك في بيت للنمر بن تولب -وهو مخضرم- "ونصه كما رواه السيوطي في شواهد المغني، ص٦٦". وأحبب حبيبك حبا رويدا فقد لا يعولك أن تصرما وهذه الرواية توافق رواية "منتهى الطلب" في المخطوطة الأصلية المحفوظة بدار الكتب، ورقمها بين المخطوطات الأدبية: "١٢٦٣١" إلى غير هذا من الأمثلة التي تقطع بصحة الاستعمال السابق في غير ضعف، ولا شذوذ، ولا تأويل، ولا تردد في الحكم بصحة قول ابن مالك هنا -وهو الإمام الثقة: "والمصروف قد لا ينصرف " وصحة من استعمالها قبله بمئات السنين من مناطقة العرب الذين وضعوا "سورا" للقضية الجزئية نصه: "قد يكون وقد لا يكون" ومن استعمالها بعده من علماء النحو وغيره في كثير من أساليبهم، كالأشموني في الجزء الثاني، باب: "الاستثناء، عند الكلام على الأداتين: "ليس، وخلا" حيث يقول ما نصه: ".. لأنه قد لا يكون هناك فعل..". ا. هـ. وكذلك في باب =
[ ٤ / ٢٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
للتصغير والتكبير أثر في الصرف ومنعه. ولهذا أربع حالات١.
الأولى: أسماء تمنع من الصرف وهي مصغرة أو مكبرة، لوجود سبب المنع في حالتيها -بشرط ألا تكون مضافة ولا مقرونة بأل، كما عرفنا- ومن أمثلتها:
معديكرب، طلحة، زينب، حمراء، غضبان، إسحاق، أحمر، يزيد ونحوهما مما تحقق فيه شرط المنع، ولا يفقد سبب المنع في تصغير ولا تكبير.
الثانية: أسماء تمنع من الصرف وهي مكبرة، وتصرف وهي مصغرة، نحو:
عمر، ضمر، سرحان٢، أرطى٣، جنادل أعلاما. فإن تصغيرها على عمير، شمير٤، سريحين، أربط، وجنيدل٤، يزيل سببا لازما لمنعها من الصرف؛ هو العدل في عمير، ووزن الفعل في شمير٤، وعدم وجود الألف الزائدة في سريحين، وعدم وجود ألف الإلحاق في أربط، وعدم وجود صيغة منتهى الجموع في جنيدل.
الثالثة: أسماء تمنع من الصرف مصغرة، وتنصرف مكبرة، ومنها: تحلئ٥،
_________________
(١) = الصفة المشبهة "ج٣ ص٤" حيث يقول: "إنها قد تكون جارية على اسم الفاعل كطاهر القلب.. وقد لا تكون ". ا. هـ. وكذلك ضياء الدين بن الأثير -ومكانته اللغوية والأدبية والبلاغية لا تجحد- حيث يقول في كتابه: "الجامع الكبير، في صناعة المنظوم من الكلام، والمنثور -ج١ ص٤٨ طبعة المجمع العلمي العراقي- ما نصه: " والناظم قد لا يمكنه ذلك ". ا. هـ. وقد أصر مؤتمر المجمع اللغوي "المنعقد بالقاهرة في فبراير سنة ١٩٧١" قراره الحاسم بعد التثبت والتمحيص بجواز إدخال "قد" على المضارع المنفي بالحرف "لا". ١ هذه الحالات يجمعها ضابط واحد وضعوه، هو: أن كل مصغر لم يذهب تصغيره أحد سببيه فهو غير منصرف، وإلا فهو منصرف. ٢ من معانيه: الذئب، والأسد. ٣ أصله نوع من الشجر. ٤ و٤ تصغير ترخيم. ٥ الشعر المتروك على الجلد بعد الدباغة، ووسخ الجلد وسواده، والقشر الذي حول منابت الشعر. انظر الحكم الذي يتصل بهذه الكلمة في رقم ١ من هامش ص٢٧٠.
[ ٤ / ٢٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تتوسط١، تهبط٢. ترتب٣؛ فتصغيرها: تحيلي٤، تويسط، تهيبط، ترتيب. وكل هذه الأسماء المصغرة جارية على وزن المضارع: "تبيطر" فتمنع للعلمية وزن الفعل، ولم تكن قبل التصغير مستحقة للمنع فكفله لها. وهذا بشرط ألا تجيء ياء عوضا عن حرف حذف في بعضها؛ فإن جيء بالياء وجب التنوين، نحو: تويسيط وتهيبيط ؛ لفقد وزن الفعل
الرابعة: أسماء يجوز صرفها ومنعها من الصرف وهي مكبرة، فإذا صغرت نحتم المنع، نحو: دعد، جمل، وهما علمان لفتاتيت. فيجوز فيهما المنع وعدمه قبل التصغير٥. أما بعد "دعيد، جميل " فيجب منعهما.
_________________
(١) ١ مصدر توسط. ٢ اسم طائر. "بكسر أوله وثانيه وثالثه المشدد". ٣ الشيء المقيم الثابت. "وضبطه: على وزن قنفذ، أو جندب". ٤ انظر رقم ١ من هامش ص٢٧٠. ٥ أما جواز المنع فللعلمية والتأنيث، وأما جواز الصرف فلأنه علم ثلاثي، ساكن الوسط، غير منقول من مذكر لمؤنث، وغير أعجمي -طبقا لما سلف في ص٢٣٨ ب.
[ ٤ / ٢٧٦ ]
المسألة ١٤٨: إعراب الفعل المضارع
المدخل
المسألة ١٤٨: إعراب الفعل المضارع
١- نواصبه:
الأفعال ثلاثة: "ماض، وأمر"، وهما مبنيان دائما. و"مضارع"، وهو معرب، إلا إذا اتصلت به اتصالا مباشرا "نون التوكيد؛ فيبنى على الفتح، أو "نون النسوة" فيبنى على السكون. وفي غير هاتين الحالتين يكون معربا١.
وهذا الإعراب يقتضي أن تتغير علامة آخره رفعا، ونصبا، وجزما، على حسب أحواله؛ فتكون العلامة ضمة، أو ما ينوب عنها، في حالة رفعه، وتكون فتحة، أو ما ينوب عنها، في حالة نصبه بناصب قبله، وتكون سكونا أو ما ينوب عنه في حالة جزمه بجازم قبله. وعلى هذا لا يرفع المضارع إلا في حالة واحدة؛ هي التي يتجرد٢ فيها من الناصب والجازم؛ فلا يسبقه شيء منها؛ سواء
_________________
(١) ١ سبق "في ج١ ص٤٤، ٥٠ م٦" تفصيل الكلام على معنى الإعراب والبناء، وأثرهما في الأفعال.. كما سبق هنا "في ص١٦٧ م١٤٣" الكلام على نوني التوكيد، وأحكامهما، وآثارهما، واتصالهما المباشر بالمضارع، وغير المباشر، ونتيجة كل أما نون النسوة فاتصالها به مباشر في كل حالاتها. ٢ للنحاة جدل عنيف في سبب رفع المضارع؛ أو التجرد -والتجرد علامة عدمية- أم هو حلوله محل الاسم، أو الزيادة التي في أوله أم ؟ إلى غير ذلك من آراء متعددة، لا يسلم واحد منها من اعتراضات مختلفة، ولا يقوى اعتراض منها على الثبات أمام الردود التي توجه إليه وهذه المعركة الجدلية الشاقة لا طائل وراءها. ومن إضاعة الوقت والجهد الوقوف عندها. أما حقيقة الأمر فهي أن العربي رفع المضارع الذي لم يسبقه ناصب ولا جازم، ونصبه أو جزمة إذا تقدمت الأداة الخاصة بهذا أو بذاك، وأن المحدثين تابعوا؟ وحاكوهم فيه، من غير أن يفكر العرب ولا المحدثون في عامل الرفع: أهو عدمي أم غير عدمي؟ ويقتضينا الجد ومتابعة ركب الحياة الحضرية بعلومها وفنونها أن نوجه الجهد -ولو كان يسيرا إلى جلائل الأمور. إن نظرية "العامل" التي ابتكرها النحاة نظرية بارعة عظيمة، ودليل نبوغ وعبقرية؛ وطالما امتدحناها ولم ننكر من أمرها إلا التعسف -بغير داع- في تطبيقها. وهذا هو العرض المعيب في جوهرها النفيس "كما أشرنا في ص٤٥ م٦ ج١. وفصلنا الكلام فيها". ونحن نكشف عنها هذا العرض في مناسبات مختلفة؛ ليصفر جوهرها، ويخلص معدنها الثمين ولهذا ندع الجدل هنا في سبب رفع المضارع.
[ ٤ / ٢٧٧ ]
أكان رفعه ظاهرا أم مقدرا؛ كالفعلين: "يسيء ويتلى" في قول الشاعر:
وأقتل داء رؤية العين ظالما يسيء، ويتلى في المحافل حمده
فإن سبقه ناصب وجب نصبه، أو جازم وجب جزمه١. وهذا الباب معقود للكلام على الأدوات التي تنصبه، وكلها حروف، وهي:
"أن، لن، إذن، كي"، "لام الجحود، أود، حتى، فاء السببية، واو المعية". فهذه تسعة. وزاد بعض النحاة حرفين؛ هما: "لام التعليل"، و"ثم"؛ الملحقة٢ بواو المعية، وبهما يكمل عدد النواصب أحد عشر حرفا. وكل حرف منها يخلص زمن المضارع للمستقبل المحض٣.
والأربعة الأولى تنصب المضارع بنفسها مباشرة لا بحرف آخر ظاهر أو مقدر. أما بقية الأحرف فلا تنصبه بنفسها، وإنما الذي ينصبه هو: "أن" المضمرة وجوبا بين كل حرف من تلك الأحرف والمضارع.
والمذهب الكوفي يبيح توسط "كي" مضمرة أو مظهرة بين لام التعليل والمضارع، ويجعل هذا المضارع منصوبا ب"كي"، ولا "بأن" المضمرة، وسيجيء٤ بيان هذا كله في موضعه المناسب من الباب.
_________________
(١) ١ يقول ابن مالك في رفع المضارع في باب عنوانه: "إعراب الفعل". رفع مضارعا إذا يجرد من ناصب وجازم؛ كتسعد-١ ٢ في المذهب الكوفي. والكلام عليها في ص٣٨٥. ٣ في الجزء الأول "م٤ ص٥٤". تفصيل الكلام على أنواع الزمن في المضارع. ٤ في ص٣٠٠.
[ ٤ / ٢٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
إذا بنى المضارع المجرد من الناصب والجازم على الفتح "لاتصاله المباشر بنون التوكيد"، أو على السكون؛ "لاتصاله بنون النسوة" فهل يكون له محل من الإعراب؛ فيقال عنه: مبني في محل رفع؛ لأن الرفع هو الأصل الثابت له قبل أن تطرأ عليه فتحة البناء وسكونه؟
الأحسن الأخذ بالرأي القائل إنه مبني على الفتح أو على السكون في محل رفع؛ لأنه الأصل الذي تجب مراعاته عند مجيء مضارع آخر بعد الأول، تابع له "كأن يكون الثاني معطوفا على الأول، أو توكيدا لفظيا له، أو بدلا منه"؛ فيجب رفع الثاني المرجد عن الناصب والجازم؛ تبعا لمحل الأول من غير أن يتأثر ببناء الأول؛ إذ التابع لا يكتسب البناء من المتبوع.
أما إذا كان المضارع المبني غير مجرد -لوقوعه بعد ناصب أو جازم- فإنه يبني على الفتح، أو على السكون، على حسب نوع النون المتصلة بآخره، ويكون في محل نصب إن سقه ناصب، وفي محل جزم١ إن سبقه جازم. ويراعى هذا المحل في المضارع الذي يجيء بعده، تابعا له؛ "معطوفا، أو توكيدا لفظيا، أو بدلا " لأن مراعاة المحل واجبة في هذه الصورة. ويتعين يفها أن تكون العلامة الإعرابية في التابع مماثلة للعلامة الإعرابية المحلية في المتبوع. فمثال المضارع المبني على الفتح في محل نصب: " إذن لا أصاحبن الخائن، ولا أرافقه". فالفعل: "أصاحب" مبني على الفتح في محل نصب بالحرف: "إذن" والفعل "أرافق" معطوف عليه، معرب منصوب؛ تبعا لمحل المعطوف عليه
ومثال المضارع المبني على الفتح في محل جزم: "لا تخافن إلا ذنبك، ولا ترجون إلا ربك"، وقول الشاعر:
لا تحسبن المجد والـ ـعلياء في كذب المظاهر
فالأفعال: تخاف، ترجو، تحسب، مبنية على الفتح في محل جزم بـ"لا الناهية"
_________________
(١) ١ كما سيجيء في رقم ١ من هامش ص٤٧٢.
[ ٤ / ٢٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومثال المضارع المبني على السكون، لاتصاله بنون النسوة، أو في محل نصب وإما في محل جزم على حسب الأداة التي قبله -قول بعض المؤرخين في وصف الأعرابيات:
اشترك كثيرات منهن في الحروب، كما تشترك فرق المتطوعات اليوم. ومع اشتراكهن لم يهملن التصون والتحفظ. وأني لهن أن يتركنه، والدين والنشأة العربية الأصيلة خير عاصم للحرائر؟
فالمضارع "يهمل" -مبني على السكون في محل جزم بالحروف "لم". والمضارع "يترك" مبني على السكون في محل نصب بالحرف: "أن".
ويجب مراعاة هذا المحل في التوابع -كما سلف؛ فيجب نصب المضارع المعطوف -مثلا- إن كان المعطوف عليه مضارعا مبنيا في محل نصب، كما يجب جزم المضارع المعطوف -مثلا- إن كان المعطوف عليه مضارعا مبنيا في محل جزم ، وهكذا بقية التوابع. فلإعراب المضارع إعرابا محليا أثر في توابعه وفي المعنى.
ج- لا يعتبر المضارع ساكنا إذا كان سكون آخره عارضا بسبب الوقف عليه، أو بسبب التخفيف من توالي ثلاث حركات في آخره مباشرة، أو في آخره مع ما يتصل به ويعتبر جزءا منه، كالضمير. وهذا التخفيف لغة بعض القبائل، وأوضح صوره تسكين الحرف الثاني من الأحرف الثلاثة المتوالية المتحركة. فيقولون: -يستمع- بسكون الميم في المضارع: "يستمع" مكسور الميم، ويقولون: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾؛ بسكون الراء في آخر المضارع "يأمر"؛ لوقوع الضمير المتحرك بعده، وهذا هو ما يعنينا الآن. فعند الإعراب نقول: إن المضارع مرفوع أو منصوب على حسب حالته الأصلية، ونزيد: أنه سكن للوقف، أو للتخفيف١ ومثل هذا السكون لا يراعي في التوابع.
_________________
(١) ١ سبق بيان شامل عن "سكون التخفيف"؛ في ج١ م١٦ ص١٨٠ عند الكلام على: "مواضع الإعراب التقديري"، وأشهر المواضع التي تقدم فيها الحركات الأصلية.
[ ٤ / ٢٨٠ ]
الأحرف الأربعة الناصبة بنفسها:
الأول: "أن" المصدرية١ المحضة الناصبة للمضارع. وعلامتها اجتماع أمرين معا: "أن تقع في كلام يدل على الشك٢، أو على الرجاء والطمع"٣، "وأن يقع بعدها فعل" فهي لا تقع في كلام يدل على اليقين والتحقق، ولا في كلام يدل على الرجحان٢ ، ولا تدخل على غير فعل. فمثال وقوعها بعد الشك: "أي الأمرين أجدر بالعاقل؛ أن يداري السفيه أو أن يقاطعه؟ فلقد عجز الرأي الحكيم عن ترجيح أحدهما". ومثال الرجال والطمع قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾، وقول الشاعر:
المرء يأمل أن يعيـ ـش، وطول عيش قد يضره
فأما التي تقع في كلام يدل على اليقين فهي "الخففة من الثقيلة"٤ نحو: أعتقد أن سينتصر الحق، ولو تأخر انتصاره ، أي: أنه سينتصر
وأما التي تقع في كلام يدل على الرجحان "أي: الظن الغالب" فتصلح للنوعين؛ نحو: "من غره شبابه، أو ماله، أو جاهه، وظن أن يسالمه الدهر فقد عرض نفسه للمهالك".
_________________
(١) ١ "أن" حرف متعدد الأنواع، وستجيء إشارة لأنواعه ملخصة موجزة -في ص٢٩٠- ومنها: "أن المصدرية". ويصح أن يقال: "أن" المصدري، أي: الحرف المصدري. كما يقال "أن" المصدرية، أي: الكلمة المصدرية؛ فالتذكير على اعتبار الحرف، والتأنيث على اعتبار الكلمة. وهذا يصدق على جميع الحروف الناصبة، وغيرها. "انظر هامش ص٢٨٩ ورقم ١ من هامش ص٣٧١". ٢ و٢ اليقين: هو قطع المتكلم بثبوت أمر، وتحققه، سواء أكان هذا اليقين صحيحا في الواقع أم غير صحيح، وسواء أكان الثبوت والتحقق سلبا أم إيجابا. والشك هو: استواء التصديق والتكذيب في نفس المتكلم، بحيث لا يستطيع أن يصل إلى القطع والجزء بثبوت الشيء أو بنفيه؛ لعدم وجود مرجح لأحدهما. والظن أو الرجحان: هو تغلب أحد الأمرين على الآخر في قوة الدليل تغلبا لا يصل إلى حد اليقين وقد سبق الكلام على هذا، في ج٢ م٦ ص٥ أول باب: "ظن وأخواتها". ٣ أي: الأمل. ٤ سبق البيان الشافي عنها في المكان الأنسب "ج١ ص٥١٥ م٥٥ باب: إن وأخواتها" لأنها من أخوات "إن" تنصب الاسم وترفع الخبر؛ فلا تنصب المضارع. ويجيء لها بيان مناسب في ص٢٩٠.
[ ٤ / ٢٨١ ]
وإن لم يقع بعدها فعل فليست بالمصدرية التي تنصب المضارع. كقول الشاعر:
أأنت أخي ما لم تكن لي حاجة؟ فإن عرضت أيقنت أن لا أخاليا
أي: أنه لا أخاليا.
أهم أحكامها:
١- أنها تدخل على الماضي والمضارع باتفاق١. وإذا دخلت على الماضي لا تنصبه لفظا، ولا تقديرا، ولا محلا -لأن الماضي لا ينصب مطلقا- ولا تغير زمنه. وإنما تتركه على حاله؛ نحو: فرحت بأن عاد الحق إلى أهله.
وإذا دخلت على المضارع نصبته وجوبا؛ لفظا، أو تقديرا، أو محلا، وخلصت زمنه للاستقبال -كالشأن في كل نواصبه- كقولهم: "خير لك أن تقبل ما لا بد منه مختارا، بدل أن ترضى به قهرا واضطرارا؛ فلا تجمعن على نفسك ضعف المضطر؛ وذلة المغلوب على الأمر".
٢- أنها لا بد أن تسبك مع الجملة الفعلية -المضارعية وغير المضارعية- التي تدخل عليها سبكا خاص يؤدي إلى إيجاد مصدر مؤول، يغني عن "أن وما دخلت عليه"؛ ويعرب على حسب حاجة الجملة: "فقد يكون فاعلا، أو مفعولا، أو مبتدأ، أو خبرا، أو سادا مسد المفعولين، أو غير ذلك مما يقتضيه السياق٢
ومن الأمثلة قولهم: "من البر أن تصل صديق أبيك. ومن أحب أن يصل أباه في قبره فليصل إخوان أبيه من بعده" ، وقولهم: "أدرك السباق غايته، بعد أن أحسن الوسيلة إليها".
_________________
(١) ١ أما دخولها على الأمر والنهي فيجيء الكلام عليه في "الزيادة والتفصيل"، ص٢٩٧. ٢ سبق "في ج١ ص٣٦٤ و٥٧٤ م٢٩ عند الكلام على أنواع الموصولات الحرفية" كيفية سبك المصدر المؤول، وطرائقه المختلفة، وفوائده التي لا تتحقق في المصدر الصريح، أوضحنا كل هذا بما فيه غنى وكفاية؛ لأهميته. وأوضحنا هناك -وفي ج٢ باب المستثنى م٨١ ص٢٥٥ عند الكلام على حكم المستثنى "بإلا"- أهم المواضع التي يقع فيها المصدر مؤولا بدون حرف سابك، كالتي بعد همزة التسوية أو نوع خاص من القسم.
[ ٤ / ٢٨٢ ]
٣- أنها تتصل بالفعل الذي تدخل عليه اتصالا مباشرا١، فلا يجوز الفصل بينهما بغير "لا" النافية، أو الزائدة؛ فالأولى نحو:
وإن افتقادي واحدا بعد واحد دليل على ألا٢ يدوم خليل
ونحو: ما أعجب. ألا٢ يرتدع الظالم بمصير من سبقوه. والثانية نحو قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ . أي: لأن يعلم أهل الكتاب٣ لأن المعنى هنا على زيادتها وإلا فسد.
وكذلك لا يجوز الفصل بأجنبي بني أجزاء الجملة الفعلية التي دخلت عليها "أن" المذكورة٣. فإذا دخلت على جملة فعلية تشتمل -مثلا- على مضارع وفاعله، أو عليهما وما يكملهما من مفعولات وغيرها، وجب أن تتصل أجزاء هذه الجملة بعضها ببعض من غير أن يفصل بينها أجنبي وهو التي يجيء من جملة أخرى؛ ففي مثل: "سررت أن أراك نصير الفضيلة؛ لا تبغي بها بدلا ولو احتملت في سبيلها المتاعب، ولاقيت المشقات" لا يصح في كلمة أو أكثر من الكلمات التي جاءت بعد: "لو" أن تتنقل من مكانها لتفصل بين كلمتيني مما دخلت عليه "أن" السالفة٤.
_________________
(١) ١ فلا يصح الفصل بينهما بالسين "كما نص التصريح عند الكلام على "لام الجحود" ولا بسواها إلا كلمة: "لا" النافية، أو الزائدة. وأجاز بعضهم الفصل بينهما بالظرف، أو بالجار مع مجروره؛ لأن شبه الجملة موضع التوسع. ٢ و٢ هنا: "أن" مدغمة في "لا" طبقا لقواعد رسم الحروف. والأصل: أن لا -وسيجيء الكلام على كتابتها في ص٢٩٨ قسم "ب" من الزيادة. ٣ و٣ الجملة التي تدخل عليها "أن" تسمى: "صلة أن" "كما في الجزء الأول، باب "الموصول" عند الكلام على الموصولات الحرفية. م٢٩ ص٣٦٨". وستعاد هذه الآية لمناسبة أخرى في ص٢٨٥. ٤ لهذا يمتنع في مثل: "عسى أن يعرف الولد فضل والديه" إعراب: "الولد" اسما لعسى؛ لأن اسم "عسى" أجنبي عن الجملة التي دخلت عليها "أن" إذ ليس منها، ولا من مكملاتها. ونظيرا هذا كلمة: "رب" في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ فلا يصح إعرابها اسم "عسى" مع إعراب "مقاما" منصوبا على الظرفية أو غيرها بالفعل؛ "يبعث". أما مع إعراب: "مقاما" مصدرا لفعل محذوف "أي: تقوم مقاما" فيجوز الأمران "وقد أوضحنا هذا في الجزء الأول ص٢٩٤ م٢٩ في باب الموصولات الحرفية، وفي باب عسى وأخواتها ص٤٧٠ م٥٠ من ذلك الجزء".
[ ٤ / ٢٨٣ ]
٤- أن معمول فعلها لا يتقدم عليها -في الرأي السديد- سواء أكان المعمول مفعول أم غير مفعول، كقول شوقي: "عليك أن تلبس الناس على أخلاقها، وليس علك ترقيع أخلاقها"١. فلا يصح: عليك، الناس، أن تلبس على أخلاقها، كما لا يصح: عليك، على أخلاقها، أن تلبس الناس٢
٥- أن بعض القبائل العربية يهملها؛ فلا ينصب بها المضارع، برغم استيفائها شروط نصبه؛ كقراءة من قرأ قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ برفع المضارع: "يتم" على اعتبار "أن" مصدرية مهملة. والأنسب اليوم ترك هذه اللغة لأهلها، والاقتصار على الإعمال؛ حرصا على الإبانة، وبعدا على الإلباس.
٦- أنها تمتاز -ومثلها: كي عند الكوفيين- بنصبها المضارع ظاهرة، أو مضمرة٣، بخلاف بقية الأدوات الأخرى التي تنصبه بنفسها؛ فإنها لا تنصبه إلا ظاهرة.
وبهذه المناسبة يذكر النحاة مواضع لإظهارها وجوبا، ومواضع لإضمارها وجوبا، ومواضع لجواز الأمرين. وفيما يلي البيان٣.
أ- فيجب إظهارها في موضع واحد، وهو أن تقع بين "لام الجر" و"لا" سواء أكانت "لا" نافية أم زائدة، فمثال الأولى قول العربي: إني أنتصر للعرب، لئلا٤ يطمع فينا أعداؤنا، وقول الشاعر:
وإني لأترك قبح الكلام لئلا أجاب بما أكره
_________________
(١) ١ جمع: خلق، وهو: الثوب البالي القديم. ٢ ولا صلة لهذا الحكم بصحة تقديم الخبر الذي مبتدؤه "مصدر مؤول" كالذي في قول الشاعر: ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى عدوا له؛ ما من صداقته بد فقد تقدم الخبر "من نكد" على المصدر المؤول المبتدأ "أن يرى" وهذا جائز. ٣ و٣ في ص٤٠٢ السبب في إضمار "أن" وجوبا وجوازا. ٤ هذه الهمزة هي همزة: "أن" أما نونها فمدغمة في: "لا" فلا تظهر نطقا ولا كتابة؛ طبقا لقواعد الإملاء القراءة. وسيجيء البيان في "ب" من ص٢٩٨.
[ ٤ / ٢٨٤ ]
ومثال الثانية قول الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ ١، أي: ليعلم أهل الكتاب.. -كما سبق٢.
ب- ويجب إضمارها بعد واحد من ستة أحرف: "لام الجحود، أو حتى، فاء السببية، واو المعية"، وكذا بعد: "ثم" الملحقة بواو المعية، عند من يرى إلحاقها. ولإضماء أن بعد هذه الأحرف تفصيلات وشروط تجيء عند الكلام على كل منها.
ج- ويجوز إظهارها وإضمارها في موضعين:
أولهما: أن يسبقا لام الجر، ويقع بعدها المضارع مباشرة من غير أن تفصله: "لا" النافية، أو الزائدة؛ نحو: اقرأ التاريخ لتنفع بعبره ومواعظه، أو: لأن تنتع٣، وقول الشاعر:
إن أخاك الحق من يسعى معك ومن يضر نفسه لينفعك
ومن إذا صرف زمان صدعك بدد شمل نفسه ليجمعك
فيصح، في غير الشعر: لأن ينفعك، لأن يجمعك
ولام الجر هذه قد تكون أصلية لإفادة التعليل٤ وهي التي بمعنى: "لأجل: كذا" فما بعدها، في الأغلب، علة لما قبلها في الكلام المثبت"٥، كالأمثلة السابقة.
وقد تكون أصلية لبيان العاقبة "وتسمى: "لام الصيروة" أو: "لام المآل"، وهي التي يكون ما بعدها نتيجة مترتبة على ما قبلها، ونهاية
_________________
(١) ١ هذه الهمزة هي همزة: "أن" أما نونها فمدغمة في: "لا" فلا تظهر نطقا ولا كتابة؛ طبقا لقواعد الإملاء والقراء. وسيجيء البيان في "ب" من ص ٢٩٨. ٢ في ص٢٨٣. ٣ وكل هذا بشرط ألا يسبقها كون منفي، فإن سبقها وجب إضمار "أن" -كما سيجيء في مواضع الوجوب، ص٣١٧. ٤ تختلف لام التعليل في معناها وحكمها عن لام الجحود. وسيأتي الكلام على هذا في ص٣١٧ وص٣٢١. ٥ وقد تسمى: "لام" "كي"، لصحة إحلال: كي الدالة على التعليل محلها. انظر ص٣١٧ و٣٢١.
[ ٤ / ٢٨٥ ]
جزائية له". كقوله تعالى عن موسى ﵇: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾، فإن فرعون وآله لم يعتنوا بموسى وبتربيته في القصر الفرعوني ليكون لهم بعد ذلك سبب عداوة وحزن ، وإنما اعتنوا بتربيته لينفعهم، أو يكون لهم بمنزلة الولد. فلم تتحقق هذه الأمينة، وتحقق بدلهما أمر آخر؛ هو العداوة والحزن، فالعداوة والحزن هما اللذان انتهى إليهما أمر التربية، وهما العاقبة "النتيجة" والمآل الذي صار إليه أمر العناية.
وقد تكون زائدة لتقوية المعنى، وهي الواقعة بين فعل متعد، ومفعوله، كقول الشاعر في الحديث عن ليلاه:
أريد لأنسى ذكرها؛ فكأنما تمثل١ لي ليلى بكل سبيل
فالمضارع: "أريد" متعد، ومفعوله المناسب هو المصدر المنسبك من "أن" المقدرة جوازا بعد اللام، ومن الجملة المضارعة بعدها، وهذه اللام زائدة بينهما. والتقدير: أريد نسياني ذكرها٢، والأصل أريد لأن أنسى.
_________________
(١) ١ أي: تتمثل، وحذفت إحدى التاءين، تخفيفا. ٢ والغالب أن يكون المفعول مصدرا مؤولا، وقد يكون اسما صريحا. ومن الأمثلة أيضا قول الشاعر في الرثاء: أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه فطيب تراب القبر نم على القبر أي: أرادوا إخفاءهم قبره، فلام الجر زائدة بين الماضي ومفعول المصدر المؤول. ومثله: أراد الظاعنون ليحزنوني فهاجوا صدع قلبي؛ فاستطارا ومثله: ومن يك ذا عظم صليب رجا به ليكسر عود الدهر فالدهر كاسره أي: رجا كسر عود الدهر به ومثل: وملكت ما بين العراق ويثرب ملكا أجار لمسلم ومعاهد أي: أجار مسلما ومعاهدا.. فاللام في هذه الأمثلة وأشباهها، زائدة بين الفعل المتعدي ومفعوله الاسم الصريح كالمثال الأخير، أو المصدر المؤول كبقية الأمثلة. واعتبار هذه اللام زائدة داخلة على المفعول أفضل من اعتبار المفعول اسما محذوفا قبلها. على أن زيادتها في البيت الأخير الذي يستشهد به النحاة موضع شك؛ لما قدمناه عند الكلام عليه في باب: "حروف الجر" -ج٢ م٩٠ ص٣٦٧- حيث الموضع الأنسب لتفصيل الكلام على أحوال لام الجر وأحكامها ومعانيها.
[ ٤ / ٢٨٦ ]
ويجيز الكوفيون إضمار: "كي" في كل موضع يجوز فيه إضمار: "أن" وإظهارها؛ كالحالة السالفة بأمثلتها المختلفة؛ فالموضع الصالح لإظهار "أن" ولإضمارها صالح جوازا للأمرين عندهم في "كي". ويسمون لام الجر التي قبلها: بـ"لام" التعليل" أو: بـ"لام كي" وهذا الخلاف لا أهمية له، بالرغم من كثرة استعمال "أن" الناصبة في أفصح الأساليب ظاهرة ومضمرة..
ثانيهما: أن تع بعد حرف عطف من حروف أربعة ويليه المضارع مباشرة هي: "الواو، الفاء، ثم، أو بشرط ألا يدل هذا الحرف على معنى من المعاني التي توجب إضمار "أن"؛ "كالسببية معك "الفاء"، والمعينة مع: "الواو" و"ثم"، وكالتعليل، والغاية، والاستثناء مع: "أو"١ " وبشرط أن يكون المعطوف عليه اسما مذكورا٢، جامدا محضا "أي: اسما خالصا من معنى الفعل" سواء أكان هذا الاسم المذكور الجامد مصدرا صريحا٣ أم غير مصدر. أما المعطوف فهو المصدر المؤول من "أن" والجملة المضاريعة بعدها.
فمثال "الواو" إذا كان المعطول عليه مصدرا صريحا، تعت وأحصل رزقى خير من رائحة وأمد يدي للسؤال.
وقول القائل:
ولبس عباءة وتقر عيني أحب إلي من لبس الشفوف٤
ومثالها إذا كان جامدا غير مصدر: لولا النخل في الصحراء ويغذي البدوي لم يجد قوته، ولولا الآبار وتسقيه لم يجد شرابه
ومثال الفاء والمعطوف عليه مصدر صريح: إن اقتنائي الكتب فأستفيد منها، كاقتنائي الحديثة اليانعة فأنتفع بثمارها ورياحينها
_________________
(١) ١ انظر ص٣٢٧، ٣٧٢. ٢ وهذا هو الأغلب. ولا مانع من قصيدة أحيانا. طبقا لما سيجيء في ص٣٢٩. ٣ غير مؤول ولا متصيد. ٤ جمع: شف "مشددة الفاء، مع فتح الشين وكسرها" وهو الثوب الرقيق الذي يكشف ما تحته كالحرير الغالي ونحوه.
[ ٤ / ٢٨٧ ]
ومثال وهو وهو جامد غير مصدر: إن البحر فأفكر في عجائبه، كالقمر فأطلق خواطري وراء أسراره.
ومثال "ثم" والمعطوف عليه مصدر صريح: إن التسرع في الأمر ثم يصلح، كالإهمال فيه ثم يتدارك؛ كلاهما معيب؛ يضاعف الجهد والعناء، ويضعف الأثر.
ومثالها وهو اسم جامد غير مصدر: إن الرزوع ثم أعتمد على نفسي في رعايتها لهي من خير الوسائل للغنى، وإن المال ثم يساء التصرف فيه لهو أشد دواعي الشقاء.
ومثال "أو" والمعطوف عليه مصدر صريح: لا يرضى النابه بالتقصير أو يتداركه؛ وإنما رضا بالكمال، أو يقترب منه.
ومثالها وهو جامد غير مصدر قولك للمسافر: لن يحول البعد دون اتصالنا. فعدنا البريد والبرق أو يبادر أحدنا بزيادة أخيه وهكذا.
فكل مضارع بعد حرف من الحروف الأربعة السالفة منصوب بأن مضمرة جوازا، ويصح إظهارها، وكل مصدر مسئول من أن -المضمرة جوازا، أو الظاهرة- وما دخلت عليه معطوف على اسم خالص قبلهان قد يكون مصدرا صريحا، أو اسما جامدا غير مصدر. ولا بد -مراعاة للأغلب- أن يكون المعطوف عليه مذكروا في الكلام؛ فلا يصح أن يكون محذوفا ولا أن يكون -في الأغلب-١ متصيدا متوهما.
فإن كان المعطوف عليه اسما غير صريح -بأن كان فيه معنى الفعل، المشتقات العاملة- لم يصح النصب، نحو: الصارخة فيتالم العاقل هي النادبة. فالفعل: "يتألم" واجب الرفع؛ لأنه معطوف على كلمة: "الصارخة" وهي اسم غير صريح إذ هي من المشتقات العاملة؛ ففيها معنى الفعل، ورائحته، وواقعة وقعه، من جهة أنها صلة "أل" الموصولة. والأصل في الصلة أن تكون جملة، فكلمة صارخة بمنزلة: "تصرخ" فكأن التقدير: "التي تصرخ"، فلما جاءت "أل"
_________________
(١) ١ قد يكون متصيدا، أحيانا -كما سبق في رقم ٢ من هامش الصفحة السالفة، وكما سيجيء في ص٣٢٩.
[ ٤ / ٢٨٨ ]
الموصولة اقتضت العدول عن الفعل إلى اسم الفاعل: لأنها لا تدخل إلا على بعض المشتقات التي تصلح أن تكون صلة لها.
وإذا لم يصح العطف في المواضع السالفة لم يصح نصب المضارع تبعا لذلك، فيجب رفعه على اعتبار الواو، والفاء، وثم، حروف استئناف، والجملة بعدها مستقلة في إعرابها عما قبلها. وعلى اعتبار "أو" في هذا الموضع -خاصة- للاستئناف كذلك١.
_________________
(١) ١ وفي موضع الإظهار الواجب والجائز، والإضمار الواجب يقول ابن مالك في البيتين السابع والثامن: وبين "لا"، ولام جر التزم إظهار "أن" ناصبة. وإن عدم -٧ "لا" "فأن" اعمل مظهرا أو مضمرا -٨ أي: يلزم إظهار "أن" الناصبة للمضارع إذا وقعت متوسطة بين "لا" بنوعيها ولام الجر. فإن عدمت "لا" فأعمل "أن" مظهرة أو مضمرة؛ لأن الأمرين جائزان. ثم انتقل في الشطر الأخير إلى الكلام على مواضع إضمارها وجوبا وستأتي ص٣١٧. وفي الموضع الثاني من مواضع إظهار "أن" الناصبة وإضمارها -جوازا، يقول ابن مالك في بيت واحد قبل البيت ختم به الباب: وإن على اسم خالص فعل عطف تنصبه "أن" ثابتا أو منحذف-١٨ -وستجيء له إشارة أخرى في ص٣٩٧ حيث مكانه الذي ارتضاه ابن مالك. يقول: إذا عطف المضارع على اسم خالص من رائحة الفعل -ومعنى أنه خالص: جموده على الوجه الذي شرحناه- نصبته "أن" ثابتة في الكلام أو محذوفة؛ "بمعنى: مقدرة" ولم يذكر شيئا عن حروف العطف التي تستعمل هنا، ولا شيئا من الشروط والتفصيلات. ويلاحظ أنه قال: تنصبه "أن" فأرد من "أن" الكلمة، ثم عاد فقال: ثابتا أو من منحذف، يريد: منحذفًا؛ على إرادة الحرف. "أن". "انظر رقم "ا" من هامش ص٢٨١ حتى هامش ص٣٧١".
[ ٤ / ٢٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- من المفيد سرد بقية أنواع: "أن" بإيجاز مناسب؛ لشدة الحاجة إلى فهمها، ولأنها تزيد "المصدرية المحضة" الناصبة للمضارع وضوحا لا يكاد يتحقق إلا بعد عرض هذه الأنواع المختلفة، عرضا تتبين به وجوه المشابهة والمخالفة.
والأنواع خمسة:
١- المصدرية المحضة الناصبة للمضارع وجوبا، وقد سبق الكلام عليها١
٢- المخففة٢ من الثقيلة -وهي من أخوات "إن"- وتعرف بعلامة من أربع:
أ- أن تدخل مباشرة على فعل جامد٣، أو على حرف غير "لا"؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾، وقول الشاعر:
أجدك، ما تدرين أن رب ليلة كأن دجاها من قورنك ينشر
ب- أو: تقع في كلام يدل على اليقين، والتحقق، والاعتقاد الثابت. مثل: "أيقن". ومثل: "علم ورأي" إذا أفادا اليقين والتأكد، والاعتقاد الثابت. ويدخل في هذا كل الأفعال وغيرها مما يفيد اليقين؛ مثل: "اعترف"، بمعنى: علم وأقر، وكذا: "خاف وحذر" -عند سيبويه وأصحابه- وما بمعناها إذا كان الشيء المخوف أو المحذور متيقنا. ومن الأمثلة قول الشاعر:
وإذا رأيت من الهلال نموه أيقنت أن سيكون بدرا كاملا
ومثل: أعلم أن سيكون الجزاء على قدر العمل. وقول الشاعر ينصح:
_________________
(١) ١ في ص٢٨١. ٢ المخففة من الثقيلة ثنائية لفظا، ثلاثية بحسب أصلها قبل التخفيف -وقد سبق إيضاحها في الموضع الأنسب، ج١ م٥٥ ص٦١٠ -أما المصدرية فثنائية أصلا وحالا. ٣ مثل: ليس، عسى، و
[ ٤ / ٢٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإن عصيتم مقالي اليوم فاعترفوا أن سوف تلقون خزيا ظاهر العار
ومثل: يفر الشريف من الإساءة والتقصير؛ مخافة أن يحاسبه الضمير. وقد اجتمع اليقين ودخولها على حرف غير الحرف "لا" في قول الشاعر:
تيقنت أن رب امرئ خيل خائنا أمين، وخوان يخال أمينا
ج- أو: تكون داخلة على جملة امسية مسبوقة بجزء من جملة -لا بجملة كاملة- فيكون المصدر المؤول من "أن" المخففة وما دخلت عليه متمما للسابقة؛ كقوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١، فالمصدر المنسبك من "أن" وما دخلت عليه خبر المبتدأ: "آخر". وكقول الشاعر:
كفى حزنا أن لا٢ حياة هنيئة ولا عمل يرضى به الله، صالح
فالمصدر المسؤول فاعل للفعل: كفى.
د- أو: تكون داخلة على فعل مقصود به الدعاء؛ نحو: صانك الله ورعاك، وأن هيأ لك حياة سعيدة.
وأهم أحكامها:
أنها من أخوات "إن"؛ فتنصب المبتدأ وترفع الخبر، واسمها ضمير الشأن، وخبرها جملة قد تحتاج إلى فاصل في أغلب الأحوال.
ومن أحكامها: أنها تسبك مع معموليها فينشأ من السبك مصدر متصرف، "أي: يعرب على حسب حاجة الجملة؛ من مبتدأ، أو خبر، أو فاعل، أو مفعول به، أو ساد مسد المفعولين أو ".
إلى غير هذا من الأحكام والتفصيلات الهامة التي عرضناها بأمثلتها في مكانها الأنسب٣.
_________________
(١) ١ ستعاد الآية لمناسبة أخرى في ص٢٩٥. ٢ إذا وقعت "لا" بعد أن المخففة وجب فصلها كتابة -كما سيجيء في "ب" من ص٢٩٨. ٣ ج١ ص٦١٦ م٥٥، ص٣٦٨ م٢٩، ص٥٨٣ م٥٢.
[ ٤ / ٢٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٣- الصالحة لأن تكون مصدرية ناصبة للمضارع ولأن تكون مخففة لا تنصبه؛ وهي الواقعة في كلام يدل على الرجحان؛ كأن يسبقها أحد الأفعال الآتية: "ظن، خال، علم، التي بمعنى: ظن، حسب، حجا " فيرفع أو ينصب المضارع بعد كل فعل من هذه الأفعال -وما شابهها- على أحد الاعتبارين السالفين.
أما "أن" الواقعة في كلام يدل على الشك، أو على الطمع والرجاء والأمل فليست إلا "المصدرية المحضة" الناصبة للمضارع وجوبا -كما أسلفنا-١ فإن أجرى الظن مجرى اليقين تأويلا، جاز الأمران، وبالنصب والرفع قرئ قوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ ويتركون
٤- الزائدة: وهي التي يتساوى وجودها وعدمها، من ناحية العمل؛ إذ لا عمل لها على الأصح، وإنما أثرها معنوي محض؛ هو تقوية المعنى وتأكيده؛ "كالشأن في الحروف الزائدة المهملة، طبقا للبيان الخاص بهذا في صدر الجزء الأول، عند الكلام على الحرف" وتقع -في الغالب- "بعد لما" الحينية٢ كالتي في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ . والتي في نحو: أجيب الصارخ لما أن يكون٣ مظلوما. برفع: يكون.
_________________
(١) ١ في ص٢٨١. ٢ "لما" الحينية، هي التي بمعنى: حين، ووقت. وقد سبق تفصيل الكلام عليه في باب: "الظرف" ج٢ م٧٩ ص٢٧٥. ٣ وقوع المضارع بعد "لما" الحينية جائز، ولكنه قليل. ولهذا الحكم بيان ذكرناه في الجزء الثاني وهو بيان مفيد، لا غنى عن الرجوع إليه؛ لأهميته، ولما حواه من سرد أنواع جواب "لما" "م٧٩ ص٢٣٥" عند الكلام على الظرف: "لما" حيث قلنا هناك: قال الأشموني في الجزء الثالث: أول باب: "إعراب الفعل" عند الكلام على أنواع "أن.." ومنها "الزائدة" وما نصه: "الزائدة هي التالية "لما" نحو قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ ا. هـ. كلام الأشموني: وهنا قال الصبان: "قوله نحو: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ وتقول: أكرمك لما أن يقوم زيد، برفع المضارع. "فارضى". ا. هـ. كلام الصبان نقلا ن الفارضي. وهذا النص صريح في جواز دخول "لما" على المضارع قياسا إذا كان مسبوقا بأن الزائدة، والعجيب أن الصبان يأتي به هنا جليا واضحا ليكمل ما فات الأشموني ثم ينسى هذا في الجزء الرابع أول باب: "الجوازم" عند الكلام على "لما" الجازمة؛ فقد احترز الأشموني فوصفها بأنها أخت "لم" وقال هذا الاحتراز =
[ ٤ / ٢٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أو بين الكاف ومجرورها، كقول الشاعر يصف امرأة:
ويوما توافينا١ بوجه مقسم٢ كأن ظبية تعطو٣ إلى وارق٤ السلم٥
أو بين "لو" وفعل مذكور للقسم؛ كقول الشاعر:
فأقسم أن لو التفينا وأنتم لكان لكم يوم من الشر؛ مظلم
أو بين "لو" وفعل للقسم محذوف؛ كقول الشاعر:
أما والله أن لو كنت حرا وما بالحر أنت ولا العتيق٦
ومن الزائدة أيضا -في رأي بعض النحاة- الواقعة بعد جملة مشتملة على القول وحروفه نصا؛ مثل: قلت للمتردد: أن أقدم، عند من يصوب هذا
_________________
(١) = لإخراج "لما الحينية" و"لما الاستثنائية" لأن هاتين لا يليهما المضارع. فيقول الصبان تعليقا على هذا وتأييدا له، ما نصه: "أي: كلامه فيما يليه المضارع، فلا حاجة إلى الاحتراز منهما". ا. هـ. فهو يكتفي بهذا، ساكتا عما قاله الأشموني من أن المضارع لا يجيء بعد "لما الحينية" "ولما الاستثنائية". وهنا احتمال آخر ولكنه ضعيف؛ هو أن يكون المراد من منع دخول "لما الحينية" على المضارع هو دخولها المباشر بغير فاصل بينهما من "أن" أو غيرها. وكما نسي هذا في باب "الجوازم" نسبة أيضا في باب "جمع التكسير" -ج٤- عند الكلام على صيغة: "فعول" واطرادها؛ وبيت ابن مالك: "وبفيعول فعل، "نحو: كبد " حيث قال الأشموني عنها في ذلك الباب: "ظاهر كلام المصنف هنا موافقة التسهيل، فإنه لم يذكر في هذا النظم غالبا إلا المطرد، ولما يذكر غيره يشيره إلى عدم اطراده غالبا بقد، أو نحو: قل أو ندر..". ا. هـ. وهنا قال الصبان ما نصه: "قوله: ولما يذكر غيره إلخ". تركيب فاسد؛ لأن "لما الحينية" لا تدخل إلا على ماض. ا. هـ. كلام الصبان. وفي كلامه هذا مجال للاحتمال السالف الضعيف. فبأي الرأيين نأخذ؟ بالأول لأنه نص صريح فيه تيسير، ولكن حظه من القوة والسمو البلاغي أقل كثيرا من الآخر الذي منعه أكثر النحاة. ١ تأتينا. ٢ جميل حسن. ٣ تمد عنقها وتميله. ٤ وارق: أي: به أوراق. ٥ السلم: شجر. ٦ الشريف كريم الأصل.
[ ٤ / ٢٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
التركيب، -كما سيجئ هنا في الكلام على المفسرة١ وقد وردت زيادتها بعد "إذا" في قليل من المسموع الذي لا يقاس عليه.
٥- الجازمة. وهي لغة لإحدى القبائل العربية٢؛ نحو: أواصل العمل إلى أن يكتمل، أو: أن ينته وقته. والأفضل إهمال هذه اللغة اليوم؛ منعا للخلط والإلباس.
٦- الضمير:
تكون "أن" ضميرا للمتكلم عند بعض العرب -معنى: "أنا"؛ فيقول: أن جاهدت في الله حق الجهاد؛ بمعنى: أنا جاهدت.. أما مجيئها للمخاطب مذيلة ببعض حروف تدل عل فروعه المختلفة فهو الشائع بين القبائل٣؛ نحو: أنت، أنت، أنتما، أنتم، أنتن
٧- المفسرة:
وهي حرف مهمل٤ والغرض منه: إفادة التبين والتفسير، مثل: "أي المفسرة" فكلاهما حرف تفسير؛ ولهذا يصح إحلال "أي" محل "أن".
ولا تكون "أن" مفسره إلا بثلاثة شروط مجتمعة:
أولها: أن تسبقها جملة مستقلة كاملة، فيها معنى القول دون حروفه.
ثانيها: أن يتأخر عنها جملة أخرى مستقلة، تتضمن معنى الأول، وتوضح المراد منها.
ثالثها: ألا تقترن "أن" بحرف جر ظاهر أو مقدر.
"ومن الشرط الثاني يتبين أن الذي يقع به التفسير هو الجملة المتأخرة: أما الحروف
_________________
(١) ١ انظر رقم ٤ من هامش ص٢٩٥، الآتية، ثم ص٢٩٧ وفي هذه الصفحة نوع آخر من الزائدة. ٢ عرض بعض النحاة لها أمثلة من الشعر، وصفها غيره بأنها لا تصلح للاستشهاد لأسباب صحيحة قوية. ولكن صحتها فساد تلك الأمثلة لا يقدحان في الأمر الواقع، وهو وجود قبيلة عربية تجزم بالحرف: "أن". ٣ سبق تفصيل الكلام على هذا الضمير من نواحيه المختلفة في الباب الخاص بالضمير -ج١. ٤ لا عمل له، ولا يتأثر بعامل.
[ ٤ / ٢٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
"أن" فمجرد أداة، أو آله، أو رمز، ففي الكلام مجاز مرسل، علاقته الآلية".
فإذا استوفت الشروط الثلاثة كانت مفسرة لمفعول الفعل الذي قبلها؛ إن كان متعديا، سواء أكان المفعول ظاهرا أم مقدرا. فالظاهر كالذي في قوله تعالى، يخاطب موسى: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى، أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ فـ"ما يوحى" هو عين "اقذفيه في اليم" معنى ، والمقدر كالذي في قوله تعالى١ في قصة نوح: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ على تقدير: أوحينا إليه شيئا؛ هو: اصنع.
ويصح أن تكون "أن" هنا زائدة، والمعنى٢: أوحينا إليه لفظ: "اصنع".
وإن لم يكن الفعل متعديا فالجملة التفسيرية لا محل لها -كما سيجيء.
فإن لم يسبقها جملة كاملة كانت -في الغالب- مخففة من الثقيلة؛ كالتي في قوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لأن ما قبلها مبتدأ لا خبر له إلا "أن" وما دخلت عليه. وهذا ينافي التفسيرية؛ لأنها لمحض التفسير -لا للتكميل- فتقتضي أن يكون قبلها جملة تامة؛ كما سلف٣.
وإن كان قبلها جملة تامة ولكنها مشتملة على حروف القول وجب اعتبار "أن" زائدة لا مفسرة؛ نحو: قلت له: أن افعل٤ -كما سبق٥ عند الكلام على "أن" الزائدة.
_________________
(١) ١ في سورة: "المؤمنون" "وستعاد الآية لمناسبة أخرى في ص٢٩٧". ٢ انظر ص٢٩٧. ٣ في: ح من ص٢٩١. ٤ جاء في حاشية الصبان في هذا الموضع عند الكلام على "أن" الناصبة للمضارع ما نصه: "قلت له: أن افعل -ليست مفسرة؛ لوجود حروف القول- ولا يقال مثل هذا التركيب، لعدم وجوده في كلامهم؛ لأن الجملة تقع مفعولا لصريح القول "يريد: من غير أن" وعلى تسليم أنه يقال لا تجعل "أن" فيه تفسيرية، بل زائدة. وجوز الزمخشري في قوله تعالى: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ اعتبار "أن" مفسرة على تأويل: "قلت" بأمرت. واستحسنه في المغني. قال: وعلى هذا فمعنى شرطهم ألا يكون في الجملة التي قبلها حروف القول، أي: باقيا -على حقيقة، غير مؤول بغيره". ا. هـ. هذا، وفي الصفحة التالية ما يتمم الموضوع، ويزيده بيانا. ٥ في ص٢٩٣.
[ ٤ / ٢٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإن اقترنت بحرف جر ظاهر أو مقدر فهي "مصدرية"، لاختصاص حرف الجر بالدخول على الاسم، ولو كان الاسم مصدرا مؤول؛ كالمثال السابق، وهو: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ إن جعلنا التقدير: فأوحينا إليه بصنع الفك على معنى: وأشرنا إليه "أي: عليه" بصنع الفلك. ولم نجعله على تقدير حذف المفعول والاستغناء بتقديره عن تقدير حرف جر محذوف.
بقي شيء هام؛ هو: إعراب الجملة الواقعة بعد "أن" المفسرة. قال صاحب المغني: "الجملة المفسرة لا محل لها مطلقا". ولكن الصبان في حاشيته ناقض هذا عند الكلام على "أن" المفسرة. وقال: إن الجملة المفصسرة التي لا محل لها من الإعراب هي الجملة التي ليست في معنى المفرد، كالتي في مثل: "محمد أكرمته" إذ الأصل: أكرمت محمدا أكرمته -أما التي تفسر المفعول بعد "أن"- فالظاهر أنها في محل نصب، تبعا لما فسرته؛ لأنها في معنى هذا اللفظ، فيحل المفرد محلها. ثم أيد الصبان رأيه هذا بكلام نقله عن بعض المحققين.
وإذا كان لها محل من الإعراب كالمفرد الذي تفسيره فما موقعها؟ أتكون مفعولا مثله، أم بدلا، أم عطف بيان؟
تكون بدلا أو عطف بيان؛ لأن البدل والبيان هما اللذان يسايران التفسير ويناسبانه؛ "كما سبق في بابهما ج٣ ص٩٩ م١١٧ وص٤٨٦ م١٢٣..
وشيء آخر هام أيضا:
إذا جاء بعد "أن" الصالحة للتفسير مضارع مسبوق بكلة: "لا" نحو: أشرت إليه أن يفعل، جاز رفعه على اعتبار "لا" نافية. وجزمه على اعتبارها ناهية، و"أن" في الحالتين مفسره١، وجاز نصبه على اعتبار "لا" نافية، و"أن"
_________________
(١) ١ في هذا المثال -وأشباهه- تكون الجملة بعدها مفسرة للجملة قبلها، لعدم وجود مفعول ظاهر أو مقدر تفسره؛ لأن الفعل قبلها لازم، فالجملة التي بعدها لا محل لها من الإعراب، بناء على ما سبق من كلام المغني والصبان.
[ ٤ / ٢٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مصدرية١. فإن حذفت "لا" امتنع الجزم، وصح الرفع أو النصب.
لكن صرح الصبان بأنه يصح على الجزم بلا الناهية اعتبار "أن" مصدرية؛ اعتمادا على الرأي الأصح الذي يبيح دخولها على الأمر والنهي؛ وقد جاء في حاشية الخضري ما نصه٢:
"وصل "أن" بالماضي اتفاق، وبالأمر٣ عند سيبويه، بدليل الجار عليها في نحو: كتبت إليه بأن قم أو لا تقعد. إذ لا يدخل إلى على الاسم، فتؤول بمصدر طلبي، أي: كتبت إليه بالأمر بالقيام؛ كما قدر الزمخشري في قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ﴾، أي: بالأمر بالإنذار، فلا يفوت معنى الطلب. ورده الدماميني بأن كل موضع وقع فيه الأمر هو محتمل لكون "أن" فيه تفسيرية؛ بمعنى: "أي"؛ كهذه الآية، ونحو: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ ٤ ونحو ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ . ونحو: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا﴾، أي: انطلقت ألسنتهم٥ فكل ذلك -إن لم يقدر فيه الجار- هي فيه إما تفسيرية؛ "لسبقها بجملة فيها معنى القول دون حروفه؛ ووقوع جملة بعدها، وخولها من الجار لفظا"، ولا حاجة إلى تقديره كما يقول سيبويه -وإما زائدة؛ كالمثال: "أي
_________________
(١) ١ وتكون مصدرية مع انطباق شروط المفسرة عليها على اعتبار آخر: هو أن الفعل الذي قبلها لازم يتعدي بحرف الجر، وأن الحرف الجار محذوف، وبهذا التأويل تخرج من عداد المفسرة؛ لأن المفسرة -كما سبق- لا تقترن بحرف الجر مطلقا، "لا ظاهرا ولا مقدرا" وتدخل في عداد المصدرية، وليس في هذا التأويل تكلف؛ لأن حذف حرف الجر قياسي قبل "أنْ وأنّ" إذا كان الفعل قبلهما لازما. ٢ ج١ أول باب الموصول. ٣ والمراد به ما يشمل النهي أيضا -كما يتضح من التمثيل الآتي؛ لأن النهي أمر بالكف وطلب الامتناع. ٤ انظر ص٢٩٤. حيث الكلام على المفسرة و.. ٥ ليس المراد بالانطلاق المشي، وإنما المراد: انطلاق الألسنة، كما أن المراد بالمشي هنا هو الاستمرار على الشيء، وليس المشي المعروف.
[ ٤ / ٢٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) كتبت إليه بأن قم"، أي: بهذا اللفظ. زيدت "أن" كراهة دخول الجار على الفعل ظاهرا، وإن كان في الواقع اسما، لقصد لفظه". ا. هـ. وإذا دخلت "أن" على الماضي والأمر باعتبارها مصدرية فإنها لا تغير زمنهما، ولا يكون لهما محل تنصبه -كما جاء في المغني عن الكلام عليها- خلافا لرأي ضعيف آخر. ب- انتهينا من الكلام على "أن" من وجهتها النحوية واللغوية وبقيت ناحية تتتصل بإظهارها أو عدم إظهارها في النطق وفي الكتابة إذا وقعت بعدها "لا". أما مع غير "لا" فتظهر في الحالتين.
(٢) فيجب حذف النون فيهما إن كانت "أن" مصدرية ناصبة للمضارع المسبوق "بلا" النافية، أو: "لا" الزائدة، نحو: شاع ألا يخفق الإنسان في الوصول للكواكب، ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ والحذف هنا معناه عدم ظهورها في الكتابة وفي النطق؛ فهي مدغمة في "لا" وإدغامها يمنع ظهورها خطا ونطقا
(٣) ويجب إظهارها في الكتابة، وإبرازها خطا لا نطقا إن كانت غير ناصبة للمضارع، سواء أكان بعدها اسم، أم فعل؛ نحو: تيقنت أن لا أسافر -أشهد أن لا إله إلا الله، فتظهر فيهما خطا، وتدغم في "لا" عند النطق.
[ ٤ / ٢٩٨ ]
الثاني: لن:
وهو حرف١، يفيد النفي بغير دوام ولا تأييد إلا بقرينة خارجة عنه. فإذا دخل على المضارع نفي معناه في الزمن المستقبل المحض -غالبا-٢ نفيا مؤتا يقصر أو يطول من غير أن يدوم ويستمر، فمن يقول: لن أسافر، أو: لن أشرب، أو: لن أقرأ غدا، أو نحو هذا ، فإنما يريد نفي السفر -أو غيره- في قابل الأزمنة مدة معينة، يعود بعدها إلى السفر ونحوه، إن شاء، ولا يريد النفي الدائم المستمر٣ في المستقبل، إلا إن وجدت قرينة مع الحرف "لن" تدل على الدوام والاستمرار.
أشهر أحكامه:
١- أنه مختص بالمضارع، ينصبه بنفسه، ويخلص زمنه للمستقبل المحض غالبا٢؛ ولهذا كان نفيه لمعنى المضارع مقصورا على المستقبل غالبا -كما تقدم- نحو قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ .
٢- جواز تقديم معمول مضارعه عليه "أي: على "لن"؛ كقول الشاعر:
مه -عاذلي-٤ فهائما لن أبرحا بمثل أو أحسن من شمس الضحا
فكلمة: "هائما" خبر للمضارع المنصوب ب"لن"، وقد تقدمت على الناصب.
_________________
(١) ١ هو حرف غير مركب. أما ما يعرض له بعض النحاة من الكلام على أصل مادته وبنيته، "وأن أصله "لا أن" أو أو " فلا يصح الوقوف عنده، ولا الالتفات إليه؛ لعدم جدواه. ٢ و٢ لأنه قد ينفي زمنه المستقبل المتصل بالحال؛ كآية: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ . فقد نفى الحال الممتد إلى المستقبل. ٣ يدل على هذا قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ فلو كانت "لن" تفيد تأييد النفي في المستقبل المحض "الخالص" لوقع التعارض بينها وبين كلمة: "اليوم" في الآية؛ لأن اليوم محدد معين، وهي غير محددة ولا معينة. ولوقع التكرار المعيب في قوله تعالى: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ فما فائدة كلمة "أبدا" التي تدل على التأييد إن كانت "لن" تدل عليه؟ أما التأييد في قل الشاعر: إن العرانين تلقاها محسدة ولن ترى للئام الناس حسادا وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ فبسبب قرينة خارجية، هي العلم القاطع المستمد من المشاهدة الصادقة الدائمة. ٤ يا عاذلي.
[ ٤ / ٢٩٩ ]
٣- عدم الفصل بينه وبين مضارعه، إلا للضرورة الشعرية؛ كالتي في قول القائل:
لن -ما رأيت أبا يزيد مقاتلا- أدع القتال وأشهد١ الهيجاء
والأصل: لن أدع القتال ما رأيت أبا يزيد وأجاز بعضهم الفصل بالظرف أو بالجار والمجرور؛ لأن شبه الجملة يتوسع فيه
٤- أنه قد يتضمن مع النفي الدعاء أحيانا؛ كقول الشاعر:
لن تزالوا كذلكم؛ ثم لازلـ ـت لكم خالدا خلود الجبال
ومنه قوله تعالى على لسان موسى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ لأن أدب المتكلم مع ربه، وجهله بالغيب؛ يقتضيان أن يكون الكلام متضمنا الدعاء، لا النفي القاطع لأمر يكون في المستقبل، لا يدري المتكلم عنه شيئا؛ فكيف يقطع فيه برأي حاسم، وأنه سيظل خالدا لأعدائه خلود الجبال؟
٥- أنه -بمعناه السابق- حرف جزم عند بعض العرب القدامى٢؛ فيقول قائلهم: لن أنطق لغوا، ولن أشهد زورا ، بجزم الفعلين. وليست من المناصب اليوم محاكاة هذة اللغة؛ حرصا على الإبانة، وإبعاد للخلط واللبس.
الثالث: كي
وهو حرف متعدد الأنواع؛ يعنينا منها: النوع المصدري المحض، المختص بالدخول على المضارع، وبنصبه وجوبا بنفسه مباشرة، لا "بأن" المضمرة وجوبا كما يرى بعض النحاة.
_________________
(١) ١ المضارع: "أشهد"، إما مرفوع على الاستئناف. وإما منصوب بأن المضمرة جوازا لعطفه على اسم صريح؛ هو المصدر: "قتال" -طبقا للقاعدة الخاصة بهذا، وقد سبقت في ص٢٨٧- والتقدير: لن أدع القتال، وأن أشهد الهيجاء. أي: لن أدع القتال، وشهود الهيجاء ولا يجوز عطف "أشهد" على المضارع المنصوب قبلها؛ وهو: "أدع" لئلا يفسد المعنى؛ إذ يكون المعطوف منفيا كالمعطوف عليه، فيكون التقدير: لن أدع القتال، ولن أشهد الهيجاء. وهذا غير المراد. ٢ جاء هذا الحكم في كثير من المراجع النحوية بصيغة تدل على الشك في صحته؛ بدليل أن "المعنى والأسموز" اشتركا في النص الآتي: "وزعم بعضهم أنها قد تجزم". ا. هـ. وبدليل عبارة "الخضري" ونصها: "قبل: والجزم بها لغة" وساقت المراجع السالفة بين استشهادا للجزم.
[ ٤ / ٣٠٠ ]
وعلامة مصدريته الخالصة وقوعه بعد لام الجر مع عدم وقوع "أن" المصدرية بعده "في الرأي الأرجح" لا، ظاهرة ولا مضمرة؛ إلا في حالة الضرورة، أو التوكيد اللفظي؛ نحو: منحنا الله الحواص لكي نستخدمها في تحصيل العلم، وإنجاز مطالب العيش. وزودنا بالأمل الكبير؛ لكيلا يستبد بنا الياس فيحرقنا بناره.
ويشتهر هذا النوع باسم: "كي المصدرية". وهو مثل: "أن" المصدرية معنى، وعملا، وسبكا١؛ ولهذا لا يصح وقوع "أن المصدرية" بعده، إلا في حالة الضرورة أو التوكيد اللفظي -كما تقدم، وبالرغم من هذا فوجود "أن المصدرية"، بعده في هاتين الحالتين غير مستحسن.
وتشتهر لام الجر التي قبل "كي" باسم: "لا التعليل" لأن ما بعدها علة لما قبلها من كلام مثبت٢.
وأهم أحكام "كي" المصدرية:
١- وجوب نصبها المضارع بنفسها، وتخليص زمنه للمستقبل -غالبا فهي كسائر كالتي في المثال السالف-٣ أو "ما" الزائدة وحدها، أو هما معا بشرط تقديم "ما". ومثال الفصل "بما" الزائدة: امنح نفسك قسطها من الراحة
_________________
(١) ١ بين الحرفين بعض فروق؛ أهمها: تصرف "أن المصدرية" مع صلتها؛ بأن يقع المصدر المؤول منهما مبتدأ، وفاعلا، ومفعولا، ومجرورا بحروف الجر المختلفة، وغير هذا من المواقع الإعرابية المتعددة. أما "كي المصدرية" فغير متصرفة؛ فالمصدر المنسبك منها ومن الجملة المضارعية بعدها لا يكون إلا مجرورا باللام. ٢ وهذه "اللام" هي التي تدل وحدها على "التعليل" أما "كي" التي بعدها فمتجردة للمصدرية ولا دخل لها بالتعليل. فإن كان الكلام قبل اللام منفيا فقد تكون على لما قبلها أو لا تكون، على حسب البيان الآتي عند عودة الكلام عليها، والموازنة بينها وبين لام الجحود، في "ب" من ص٣٢١. ٣ إذا توسطت كي بين لام الجر ولا النافية وجب وصل الثلاثة في الكتابة. وإن لم توجد لام الجر فصلت "كي" عن "لا". تطبيقًا لقواعد الإملاء الحالية؛ كقول الشاعر: وإني لأنسى السر كي لا أذيعه فيا من رأى شيئا يصان بأن ينسى!! "انظر رقم ٣ من هامش ص٣٠٥".
[ ٤ / ٣٠١ ]
لكيما تنشط وتقوى. وقول الشاعر:
ولقد لحنت١ لكم لكيما تفهموا ووحيت٢ وحيا ليس بالمرتاب
ومثال الفصل بهما معا: لا تتعرض للشبهات لكيما لا يصيبك التجريح بحق وغير حق، وقول الشاعر:
أردت لكيما لا ترى لي عثرة ومن ذا الذي يُعطى الكمال فيكمل؟
والفصل "بلا" النافية وحده لا يمنع النصب -باتفاق- أما الفصل بـ"ما" الزائدة وحدها، أو بهما معا فالراجح أنه لا يمنع أيضا.
٣- وجوب سبكها مع الجملة المضارعية٣ التي بعدها مصدرا مؤولا يعرب مجرورا باللام؛ فهو مصدر غير متصرف، بخلاف المصدر المسبك من "أن المصدرية" -وما دخلت عليه فهو مصدر متصرف حتما٤..
ونشير هنا إلى أسلوب فصيح شائع يقع فيه المضارع المسبوق بلام التعليل منصوبا؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ فما الذي نصب المضارع: "يغفر"؟
قيل منصوب "بأن" مضمرة جوازا بعد اللام، وقيل منصوب بـ"كي" مضمرة جوازا بعدها عند الكوفيين. وقد يكون الرأي الأول هو الأنسب؛ لأن الأكثر هو إضمار "أن"، ويشيع عملها ظاهرة، ومضمرة، وجوبا٥، أو جوازا..
_________________
(١) ١ أوضحت وبينت. ٢ أخبرت. ٣ الطرق المستعملة في سبك "المصدر المؤول"، والأسباب الداعية لاستعماله دون المصدر الصريح -موضحة تفصيلا- في ج١ م٢٩ ص٢٩٩ عند الكلام على: "الموصولات الحرفية". ٤ انظر رقم ١ من هامش من الصفحة السابقة. ٥ انظر "ب وح" من ص٢٨٥ وص٤٠٢؛ -حيث بيان السبب. وفي: "لن، وكي وأن" يقول ابن مالك: وبلن انصبه، و"كي"، كذا "بأن" لا بعد علم. والتي من بعد ظن -٢ فانصب بها، والرفع صحح، واعتقد تخفيفها من "أن"؛ فهو مطرد-٣ يقول: انصب المضارع بالحرف "لن"، والحرف "كي" وكذا بالحرف "أن" بشرط ألا يكون الحرف: "أن" واقعا بعد ما يفيد العلم واليقين، ما إن كانت الأداة "أن" واقعة بعد ما يفيد الظن =
[ ٤ / ٣٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
١- قلنا١: إن "كي" حرف متعدد الأنواع ، أشهرها النوع المصدري السالف الذي أوضحنا١، ومما يزيده بيانا وجلاء ويتمم الفائدة عرض بقية الأنواع في إيجاز مناسب:
الأنواع كلها أربعة:
أ- "كي" المصدرية المحضة المختصة بالمضارع ونصبه وجوبا. وقد سبقت١.
ب- "كي التعليلية المحضة" وهي حرف جر يفيد التعليل "أي: يفيد أن
_________________
(١) = فانصب بها المضارع إن شئت، وصحح الرفع إن شئت، "أي: اعتبره صحيحا"، واعتقد أنها في صورة الرفع مخففة من "أن" الثقيلة التي هي من أخوات "إن". ثم بين بعد ذلك أن بعض القبائل يهمل "أن" الناصبة للمضارع وجوبا؛ حملا على أختها "ما المصدرية" فكلاهها عنده لا ينصب قال: وبعضهم أهمل: "أن"؛ حملا على "ما" أختها -حيث استحقت عملا-٤ "تقدير البيت: وبعضهم أهمل "أن" حيث استحقت عملا؛ حملا على أختها: "ما" المصدرية فإنها لا تعمل". يريد: أن بعض العرب أو النحاة -يهمل "أن" في كل موضع تستحق فيه أن تنصب المضارع. وسبب إهمالها حملها على "ما" المصدرية التي لا تعمل، بالرغم من مشابهتها "أن" في المعنى. والإهمال مقصور على "أن" المصدرية التي تستحق العمل في المضارع -كما سبق- أما غيرها من بقية أنواع "أن" كالمخففة من الثقيلة وغيرها فلا دخل لها بهذا، فلكل نوع حكمه الخاص به. وعلى هذا الأساس يجب -في بيت ابن مالك- تعليق الظرف: "حيث" بالفعل الماضي: "أهمل"؛ ليستقيم المعنى المراد. وقبل أن يتمم الكلام على: "أن" المصدرية الناصبة، انتقل إلى: "إذن" الناصبة، ثم عاد إلى تمام الكلام على "أن" فسرد حالات إظهارها وإضمارها، جوازا ووجوبا في الحالتين؛ فقال: وبين "لا" ولام جر التزم -٧ وقد شرحنا هذا البيت ونصف الذي يليه مما له علاقة بالبحث في المكان المناسب ص٢٨٩. ويعاد ذكره لمناسبة في ص٣١٢. ١ في ص ٣٠٠.
[ ٤ / ٣٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ما بعده علة لما قبله من كلام مثبت١، غالبا؛ فهي بمنزلة "لام التعليل" السابقة٢ معنى وعملا". ولها أربع صورة:
الأولى: أن تدخل على "ما" الاستفهامية، -للسؤال عن العلة- فتجرها؛ نحو: كيم تكثر الغابات في المناطق الاستوائية؟ بمعنى: لم تكثر الغابات..؟ ولا يصح أن تكون هنا مصدرية؛ لوجود فاصل قوي بينهما وبين المضارع، ولفساد التركيب والمعنى على المصدرية.
الثانية: أن تدخل على: "ما" المصدرية فتجر المصدر المؤول: كقول الشاعر:
إذا أنت لم تنفع فضر؛ فإنما يرجى الفتى كيما يضر وينفع
أي: يرجى الفتى "كي" الضر والنفع؛ بمعنى: للضر والنفع٣. فلا يصح -في الراجح- اعتبارها مصدرية؛ لوجود الفاصل، ولأن الحرف المصدري لا يدخل على حرف مصدري -في الفصيح لا لتوكيد لفظي في بعض الحالات، أو لضرورة شعرية، وكلاهما غير مستحسن هنا
الثالثة: الداخلة على: "لام الجر" كقول الشاعر يفتخر بكرمه:
فأوقدت ناري كي ليبصر ضوءها وأخرجت كلبي وهو في البيت داخله
ولا يصح اعتبارها مصدرية؛ لوجود الفاصل، أما هذا المضارع المنصوب بعدها فناصبه: "أن" المضمرة جوازا بعد لام التعليل.
الرابعة: الداخلة على "أن" المضمرة وجوبا -عند البصريين؛ نحو: أخلص في عملي كي أرفع شأن وطني وهذا على اعتبار الناصب للمضارع عندهم
_________________
(١) ١ انظر رقم ٢ من هامش ص٣٠١، و"ب" من ص٣٢١. ٢ في ص٣٠١. ٣ وقيل إن "ما" زائدة، كفتها عن العمل -تبعا لبعض الآراء- وليست مصدرية، والمصدر منسبك من "كي" الملغاة وصلتها. وعلى هذا تكون لام الجر مقدرة قبلها. وتدخل "كي" في عداد المصدرية الناصبة، ولكنها لم تنصب بسبب "ما".
[ ٤ / ٣٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هو: "أن" المصدرية المضمرة وجوبا، وليس "كي"؛ لأن الحرف المصدري، لا يدخل على نظيره ولو كان مقدرا -في فصيح الكلام إلا على الوجه السالف. وظهور "أن" هذه أحيانا بعد "كي" ضرورة على هذا الرأي البصري، كقول الشاعر:
فقالت أكل الناس أصبحت مانحا لسانك كيما أن تغر وتخدعا١
والكوفيون يجيزون وقوع "أن" الظاهرة -بعد "كي" في الاختيار ويجعلون الناصب عند اجتماعهما هو: "كي"؛ لسبقها. مثل: اسمع الموسيقى كي أن تهدأ أعصابك، واستمع بالغناء كي أن تنتعش ، ورأيهم هو السديد الذي يحسن الأخذ به، ويؤيد ظهور "أن" المصدرية أن إضمارها بعد "لام التعليل" جائز لا واجب عند الفريقين.
فالحرف "كي" في الصور الأربعة السالفة بمنزلة لام الجر معنى وعملا. فإن وقعت بعده لام الجر كانت مؤكدة له، وكان النصب عند البصريين بأن مضمرة وجوبا كما سبق، وإضمار "أن" هنا وجوبا عندهم هو موضع سادس يزاد على المواضع الخمسة الآتية "في ص٣١٧" التي يجب فيها الإضمار، والتي يزاد عليها: "ثم" عند الكوفيين.
ح- "كي" الصالحة للمصدرية و"للتعليلية" ولها صورتان:
الأولى: "كي" المجردة من "لام الجر" قبلها، ومن "أن" المصدرية بعدها٢ نحو: صن لسانك كي تسلم من ألسنة الناس، وادخر بعض مالك كي ينفعك عند تقلب الأيام".. وقول شاعر قصير:
إذا كنت في القوم الطوال علوتهم بعارفة، كي لا٣ يقال قصير
_________________
(١) ١ البيت لجميل بن معمر، وفيه رواية أخرى تخلو من الشاهد، هي: فقالت: أكل الناس أصبحت مانحا لسانك هذا كي تغر وتخدعا ٢ الفرق بين هذه الصورة والصورة الرابعة التي سلفت أن الرابعة لا بد فيها من دخول "كي" على "أن" المضمرة وجوبا والتي يجب ملاحظتها في الإعراب وفي المعنى. ٣ الشائع في قواعد رسم الحروف فصل "لا" النافية من "كي" وجوبا إذا لم تسبقها لام الجر، فإن سبقتهما وجب وصل الثلاثة في الكتابة "انظر رقم ٣ من هامش ص٣٠١".
[ ٤ / ٣٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإن قدرنا اللام قبلها "فكي" مصدريةن وإن قدرنا "أن" بعدها "فكي" تعليلية بمعنى لام الجر. والمضارع في الحالتين منصوب١.
الثانية "كي" المتوسطة بينهما؛ نحو: يغفر للصديق هفوته، لكي أن تدوم مودته، فيصح أن تكون اللام للتعليل وهي جارة، و"كي" تعليلة مؤكدة لها توكيدا لفظيا، و"أن" مصدرية ناصبة للمضارع. والمصدر المنسبك مجرور باللام.
كما يصح أن تكون "اللام" للتعليل وهي جارة أيضا، و"كي" مصدرية مؤكدة توكيدا لفظيا "بأن" المصدرية. والمضارع منصوب بـ"كي"، والمصدر المسؤول من "كي" وصلتها مجرور باللام. ويفضل النحاة الإعراب الأول لالتصاق "أن" بالمضارع مباشرة، ولأنها أقوى في نصبه، وأكثر استعمالا من "كي". ومن المغتفر هنا دخول حرف الجر أو الحرف المصدري على نظيره؛ لأنه للتوكيد اللفظي. وفي الصورتين السالفتين يجوز فصلها من المضارع "بلا" النافية فلا تمنع عملها النصب، أو: ب"ما" فتكفها عن العمل. وقيل: لا تكفها، أو بهما معا مع تقديم "ما"٢؛ نحو: اتق الأذى لا تؤذى، واحذر العدوى كيما تسلم. ومثال الفصل بالحرفين معا البيت الذي سبق٢ وهو:
أردت لكيما لا ترى لي عثرة ومن ذا الذي يُعطى الكمال فيكمل؟
د- كي الاستفهامية؛ فتكون اسما مختصرا من كلمة: "كيف" الاستفهامية، وتؤدي معناها، وتعرب اسم استفهام مثلها. نحو: كي أنت؟ بمعنى: كيف أنت؟ ومنه قول الشاعر:
كي تجنحون إلى سلم وما ثئرت قتلاكمو، ولظى الهيجاء تضطرم؟
أي: كيف تجنحون وتميلون ؟ ولا يمكن أن تكون هذه مصدرية، لعدم وجود العلامة الخاصة بها، ولفساد المعنى على تأويل المصدر المنسبك، ولأن هذه
_________________
(١) ١ وفي مثل هذا الأسلوب يجوز تأخير المعلول؛ فيصبح: كي تعلمني جئت، سواء أكانت "كي" مصدرية ناصبة أم جارة؛ لأنها في معنى المفعول لأجله، وتقدم المفعول لأجله سائغ. راجع الهمع، ج٢، ص٥. ٢ و٢ انظر رقم ٢ من ص٣٠١.
[ ٤ / ٣٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لها الصدارة الحتمية "مثل: كيف" مع أن المصدر المؤول قد يكون صدرا وقد يكون عجزا..
وإلى هنا انتهى الكلام على أنواع "كي" الأربعة".
٢- ما الذي نصب المضارع: "يحسبوا" في البيت القديم١ وهو:
وطرفك إما جئتنا فاحبسنه كما يحسبوا أن الهوى حيث تنظر
"أي: إن زرتنا فاحبس بصرك عنا -أي: أبعده عنا- ووجهه لغيرنا؛ ليحسب الناس أنك تنظر إلى من تهواها هناك، فلا تتجه الشبهة إلينا. ويحيق بنا المكروه.
أو: امنع نظرك عنا؛ لحسبان الناس -إن نظرت إلينا- أن هواك عندنا ".
فقيل أصل الكلام: "كيما" حذفت ياء "كي" تخفيفا، واتصلت بها "ما" الزائدة، ونصبت المضارع، لأنها مصدرية قبلها لام الجر مقدرة. وقيل: إن: "كما" تنصب أحيانا بنفسها وأن معناها: "كيما"٢ وقيل: "الكاف" للتعليل و"ما" مصدرية ناصبة، كما تنصب "أن".
وكل هذه آراء ضعيفة تكاد لا تختلف في الغرض منها. وأخفها الأول.
_________________
(١) ١ قال العيني: إن هذا البيت قاله لبيد العامري من قصيدة من الطويل". ا. هـ. ونسبه غيره لعمر بن أبي ربيعة، والروايات مختلفة في نص البيت وألفاظه. ٢ من الأمثال العربية القديمة التي تؤيد هذا المعنى: "اترك الشر كما يتركك". ويقول أبو هلال العسكري: إن "كما" لغة في "كيما". والخلاف شكل لا أهمية له. ومن ذلك قول العرب أيضا: "لا تَظلموا الناس كما لا تُظلموا" وهذا مذهب الكوفيين -راجع شرح الرضي على الكافية ج٢ ص٢٤٠.
[ ٤ / ٣٠٧ ]
الرابع: إذن".
الكلام على هذه الأداة يتركز في أربعة أمور: مادتها١ -معناها، أحكامها، كتابتها.
أ- فأما مادتها فكلمة واحدة "بسيطة"، ثلاثية الحروف الهجائية، وليست مركبة من كلمتين، هما: "إذ" و"أن"، ولا من غيرها مما يتوهمه القائلون بتركيبها، وبأنها تحولت من أصلها المركب إلى أصلها الحالي٢
ب- وأما معناها: فالدلالة على أمرين؛ هما: "الجواب" -وهذا يلازمها دائما في كل استعمالاتها- "والجزاء"، وهذا يلازمها في الأغلب. والمراد من دلالتها على الجواب: وقوعها في كلام يكون مترتبا على كلام قبله، ترتب الجواب على السؤال؛ سواء أكان الكلام السابق مشتملا على استفهام مذكور، أم غير مشتمل عليه، ولكنه بمنزلة الملحوظ. فليس من اللازم أن يكون السابق مشتملا على استفهام صريح يحتاج إلى جواب، وإنما اللازم أن يترتب ويتوقف عليه كلام يجيء بعده في الجملة المشتملة على "إذن". ومن الأمثلة قول الصديق لصديقه: "سأغضي عن هفوتك". فيقول الآخر: "إذن أعتذر عنها. مخلصا شاكرا". فهذه الجملة الثانية ليست ردا على سؤال سابق مذكور، وإنما هي بمثابة جواب عن سؤال خيالي، ناشئ من الجملة الأولى؛ تقديره: -مثلا- ما رأيك؟ أو ماذا تفعل؟ أو نحو لك أي: أن هذه الجملة المشتملة على: "إذن" جملة مترتبة على كلام سابق خال هنا من الاستفهام الصريح -دون الملحوظ- وخال من طلب الجواب، ولكنها بمنزلة الجواب عن سؤال ذهني تولد من الأولى. وكلمة: "إذن" في الجملة الثانية بمثابة الرمز الذي يحمل إلى الذين سريعا الدلالة على أن الثانية تشتمل على الإجابة.
ومثال اشتمال الكلام السابق على استفهام مذكور قول القائل: ماذا تفعل
_________________
(١) ١ أي: صيغتها -تكوينها اللفظي. ٢ وقد انطوت بطون المراجع على أنواع من دعاوى التركيب، يرفضها العقل؛ لحرمانها الدليل على صحتها، أو على العرب بشيء منها. ولا داعي للإثقال بعرضها هنا. والواجب تناسيها؛ كأن لم تكن. ومن شاء الاطلاع على شيء منها فأمامه المطولات. كحاشية الصبان، وشرح المفصل، وشروح سيبويه.
[ ٤ / ٣٠٨ ]
لو صادفت بائسا؟ فتجيب: إذن أبذل طاقتي في تخفيفي بؤسه. فهذه الجملة جواب عن الاستفهام المذكور في سابقتها. ووجود كلمة: "إذن" رمز يوحي أن الإجابة مذكورة في هذه الجملة.
ولا فرق في وقوعها دالة على الجواب بين أن تكون أول جملتها، ووسطها، وآخرها، غير أنها لا تنصب المضارع إلا كانت في صدر جملتها؛ -كما سيجيء- تقول: في المثال الأول: "إذن أعتذر لك مخلصا"، أو: "أعتذر -إذًا- لك مخلصا" أو: "أعتذر لك مخلصا -إذًا".
والمراد من أنها للجزاء -غالبا- دلالتها على أن الجملة التي تحتويها تكون في الغالب مسببة عما قبلها، وتعد أثرا من آثاره؛ توجد بوجوده، وترتبط به عادة، كالمثالين السالفين، وفيهما تبدر السببية واضحة بين الاعتذار والإغضاء عن الهفوة، وكذلك بين التخفيف عن البائس ومصادفته، فكأن المجيب يقول: إن كان الأمر كما ذكرت فإني أعتذر أو: إني أبذل طاقتي، أي: فالجزاء ١ فإن لم يوجد بين الجملتين جزاء لم يصح -في الغالب- مجيء "إذن"؛ كأن يقول الصديق: سأغضي عن الهفوة؛ فتجيب: إذا ينزل المطر، وكأن يقول قائل: سأقرأ الصحف: فيجاب: إذا تغرب الشمس؛ إلا ذ علاقة ولا ارتباط بين المعنى في الجملتين؛ فالكلام لغو.
وإنما كانت دلالتها على "الجزاء" غالبية؛ لأنها -أحيانا قليلة- لا تدل عليه إذا استغنى المقام عنه، فتتمحض للجواب وحده، كأن يقول الشرك لشريكه: أنا حبك. فيجيب: إذا أظنك صادقا؛ لأن الصدق لا يصلح هنا جزاء مناسبا للمحبة٢، وأيضا فهذا الظن حالي الزمن، والجزاء لا يكون إلا مستقبلا. وبسبب الحالية في هذا المثال لم تنصب المضارع.
ح- وأما عملها فنصب المضارع بنفسها مباشرة، وتخليص زمنه للاستقبال؛
_________________
(١) ١ راجع شرح المفصل في الكلام على "إذن" "ج٧ ص١٥ وح٩ ص١٤". ٢ فدلالتها الحتمية على الجواب لا تقتضي دلالة حتمية على الجزاء، فمن الممكن الاستغناء عن ذكره في بعض الحالات؛ إذ ليس من اللازم أن يكون الجواب عن شيء مسببا عن ذلك الشيء، ومعلولا له.
[ ٤ / ٣٠٩ ]
-كسائر الأدوات الناصية له- وإنما تنصبه وجوبا إذا اجتمعت شروط أربعة١:
أولها: دلالتها على جواب حقيقي بعدها، أو ما هو بمنزلة الجواب -كما شرحنا.
ثانيها: أن يكون زمن المضارع بعدها مستقبلا محضا؛ فلا يوجد في الجملة ما يدل على أن زمنه للحال؛ لئلا يقع التعارض بين الحال، وبين ما يدل عليه الناصب من تخليص زمن المضارع بعده للمستقبل. فإن وجد ما يدل على حالية المضارع لم تكن: "إذا" ناصية، ويجب رفع المضارع، واعتبارها ملغاة العمل، كالمثال الذي سلف، وهو: أن يقول الشريك لشريكه: أنا أحبك. فيجب: إذا أظنك صادقا؛ لأن هذا الظن ليس أمرا سيتحقق في المستقبل، وإنما هو قائم حاصل وقت الإجابة؛ فزمنه حالي.
ثالثها: اتصالها بالمضارع مباشرة بغير فاصل بينهمان ويجوز الفصل بالقسم إن وجد أو "لا". النافية، أو بهما معا. فإن كان الفاصل غير ما سبق لم تنصب، ووجب رفع المضارع؛ مثل: إذا -لا أخاف في الله لومة لائم. ومثال الفصل بهما: إذن والله لا أغضب الوالدين. وقد ورد في النصوص أمثلة قليلة وقع فيها الأعمال مع الفصل -بالنداء، أو الدعاء، أو الظرف. ولكنها لقلتها مقصورة على السماع؛ لا يباح القياس عليها.
رابعها: أن تقع في صدر٢ جملتها؛ فلا يرتبط ما بعدها بما قبلها في الإعراب -بالرغم من ارتباطهما في المعنى- فإن تأخرت عن صدر جملتها إلى آخرها أهتلت، وكذلك إن وقعت حشوا بين كلماتها. فمثال التي فقدت صداراتها ووقعت في آخر الجملة: أنصفك إذا. ومثال التي وقعت في ثنايا جملتها: إن تسرف في الملاينة إذا تتهم بالضعف
_________________
(١) ١ شرح المفصل "ج٩ ص١٤" فقد زاد الشرط الأول الآتي، الذي جعل الشروط أربعة لا ثلاثة. ورأيه سديد. ٢ هل وقوعها بعد الواو أو الفاء يزيل صدارتها؟ الجواب في ص٣١٣.
[ ٤ / ٣١٠ ]
ويكثر وقوعها حشوا في ثلاثة مواضع:
أ- بين المبتدأ وخبره المفرد أو غير المفرد؛ نحو: الصادق -إذا- محبوب؛ والخبر هنا مفرد. ونحو: أنا -إذا- أنصر المظلوم. والخبر هنا جملة مضارعية١. و و
ب- بين جملتي الشرط والجواب؛ سواء أكانت أداة الشرط جازمة، أم غير جازمة، نحو: إن يكثر كلامك -إذا- يسأم سامعوك. نحو: إذا أنصف الناس بعضهم بعضا -إذا- يسعدون.
ح- القسم وجوابه؛ سواء أكان القسم مذكورا؛ نحو: والله -إذا- أترك عملا لا أحسنه، وقولا لا خير فيه. أو مقدرا؛ نحو: لئن يصن المرء نفسه عن مواقف الهوان -إذا- لا يفقد إكبار الناس، واحترامهم إياه٢.
_________________
(١) ١ وفي رأي "الفراء" ومن معه من الكوفيين -"كما جاء في كتابه: "معاني القرآن" ج١ ص٢٧٤" أنها إذا سبقت بإن واسمها، وتلاها المضارع، يجوز إعمالها؛ فتنصبه، كما يجوز إهمالها فيرتفع؛ نحو إني إذن أحترمك أيها العادل، بنصب المضارع أو رفعه، ومن النصب قول الشاعر: لا تتركني فيهمو شطيرا إني إذن أهلك أو أطيرا بنصب المضارع: "أهلك" بدليل عطف المضارع الذي بعده بالنصب تبعا للمعطوف عليه. أما غير الكوفيين فيعتبرون النصب في البيت شاذا، أو ضرورة، أو مؤولا بحذف خبر "إن" فتقع الأداة بعده في صدر جملة جديدة، وتقديره: إني لا أستطيع ذلك. أو نحو هذا التقدير. ورأي الكوفيين هنا ضعيف. ٢ كان القسم هنا مقدرا، لوجود اللام الدالة عليه بعد حذفه. والأصل: والله إن يصن وقد وقع بعدها أداة الشرط: "إن". وإذا اجتمع الشرط والقسم -وكلاهما لا بد له من جملة جوابية- يكون الجواب في الغالب المتقدم منهما، ويحذف جواب المتأخر حذفا غالبا، وقيل: حذفا واجبا. للاستغناء عنه بجواب المتقدم، فإنه يدل على الجواب المحذوف "وسيجيء بيان هذا الحذف، وتفصيل الكلام عليه في ص٤٨٥". لهذا كانت الجملة من: "يفقد وفاعله" جوابا للقسم لا للشرط. وفي "إذن" وأحكامها السابقة يقول ابن مالك: ونصبوا "بإذن" المستقبلا إن صدرت، والفعل بعد، موصلا-٥ أو قبله اليمين. وانصب وارفعا إذا "إذن" من بعد عطف وقعا-٦ يريد: أن العرب نصبت المضارع "بإذن"، إن كان المضارع مستقبل الزمن، وكانت "إذن" مصدرة في أول جملتها، والفعل المضارع متصلا بها بغير فاصل بينهما، أو بفاصل هو القسم. واقتصر في الفاصل على القسم وحده، ولم يذكر: "لا" النافية، ولا هما معا. وكذلك لم يذكر الشرط الرابع. ثم قال: انصب المضارع أو ارفعه، إذا كانت "إذن" واقعة بعد حرف عطف، ولم يقيد هذا =
[ ٤ / ٣١١ ]
د- وأما طريقة كتابتها فالأكثرون من القدامة يكتبونها ثلاثية مختومة بالنون هكذا: "إذن" سواء أكانت عاملة أم مهملة. أما خاصة المحدثين فيكتبون العاملة ثلاثية مختومة بالنون، والمهملة مختومة بالألف، لا بالنون؛ للتفرقة بين النوعين١.
وهذا حسن جدير بالاقتصار عليه، والاتفاق على الأخذ به.
إلى هذان وبعد الزيادة التي في الصفحة التالية -ينتهي الكلام على القسم الأول؛ وهو الأدوات الأربعة التي تنصب المضارع بنفسها ظاهرة. وتمتاز "أن" بأنها تنصبه ظاهرة ومضمرة وكذا "كي" عدن الكوفيين.
وننتقل بعد تلك الزيادة إلى القسم الثاني وهو الأدوات التي ينصب بعدها المضارع "بأن" مضمرة وجوبا.
_________________
(١) = العاطف. ولكن النحاة قيدوه بالواو أو الفاء -كما سيجيء في الزيادة، ص٣١٣- وترك التفصيلات الهامة في كل ما سبق: ثم انتقل بعد ذلك إلى بيتين ذكرناهما في مكانهما الأنسب "ص٢٨٩" هما: وبين: "لا" و"لام جر" التزم إظهار "أن" ناصبة. وإن عدم-٧ "لا" "فأن" اعمل مظهرا أو مضمرا -٨ وقد سبق البيت الأول في ص٢٨٩ لمناسبته هناك. ١ وهو رأي منسوب للفراء، كما جاء في كتاب: "الاقتضاب" للبطليوسي، باب: "الهجاء" ص١٦٦ وفي بعض المراجع الأخرى نسبته لغير الفراء. ولا قيمة لهذا الخلاف هنا في النسبة.
[ ٤ / ٣١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- هل تفقد: "إذن" صدارتها بسبب تقدم الواو أو الفاء عليها؟
إذا تقدم أحد الحرفين المذكورين جاز إعمال "إذن"؛ فتنصب المضارع بعدهان وجاز إهمالها؛ فلا تنصبه، فمن اعتبر الحرفين للاستئناف كانت عنده: "إذن" في صدر جملة جديدة مستقلة بإعرابها؛ "لنها مستأنفة". فتنصب المضارع. ومن اعتبرهما لعطف المضارع وحده بدون فاعله على مضارع وحده كانت حشوا؛ فلا تنصب المضارع. وقد قرئ بهما قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ١، أو: "وإذن لا يلبثوا خلافك " واعتبارها للاستئناف، أو: لعطف مضارع وحده على مضارع وحده، حكم خاضع للسياق، ولما يقتضيه المعنى؛ فلا بد من ملاحظة هذا، ومن ملاحظة أمر هام آخر؛ هو، أن عطف الفعل المضارع وحده "أي: بدون فاعله" على الفعل المضارع وحده يختلف عن عطف الجملة المضارعية كاملة على نظيرتها المضارعية٢ وغير المضارعية من ناحية الإعمال والإهمال. فعطف المضارع وحده على المضارع يوجب الإهمال؛ لأن المعطوف هنا لا يستقل بنفسه؛ فلا بد أن يتبع المعطوف عليه في إعرابه، فهو تابع له؛ فلا تكون "إذن" واقعة في صدر جملة مستقلة في إعرابها؛ نحو: لم يحضر الغائب، وإذا يسترح أهله. أي: لم يحضر الغائب ولم يسترح أهله؛ فجزم المضارع "يسترح" دليل على أنه معطوف وحده على: "يحضر" عطف فعل على فعل، لا عطف جملة على جملة؛ إذ لو كان المعطوف جملة لم يصح جزم "يسترح"؛ لعدم وجود ما يقتضي جزمه.
أما عطف الجملة المضارعية على جملة قبلها "مضارعية أو غير مضارعية، الماضوية والاسمية" فيتوقف الحكم فيه على حالة السابقة؛ ألها محل من
_________________
(١) ١ يستفزون: يزعجون ويؤلمون. ٢ سبق "في ج٢ ص٦٢٠ م١٢١" -إيضاح الفروق الدقيقة بين عطف الفعل وحده على الفعل وحده، وعطف الجملة على الجملة ولا سيما عطف الفعلية على الفعلية.
[ ٤ / ٣١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الإعراب، أم ليس لها محل؟ فإن كان لها محل من الإعراب وجب إهمال: "إذن"؛ لوقوعها في صدر جملة تابعة في إعرابها لجملة أخرى سبقتها، وبهذه التبعية لا تكون في صدر جملة مستقلة بنفسها في الإعراب؛ نحو: "إن للطيور المهاجرة رائدا يتقدمها؛ وإذا يرشدها إلى غايتها، ويهديها السبيل". فجملة: "يتقدمها" مضارعية في محل نصب صفة لكلمة: "رائدا"، وجملة: "يرشدها" مضارعية معطوفة عليها؛ فهي في محل نصب كالمعطوف عليه؛ ويجب إهمال "إذن" فلا تنصب المضارع بعدها؛ لعدم وقوعها في صدر جملة مستقلة بنفسها في الإعراب.
وإن لم يكن للجملة الأولى محل من الإعراب -كالجملة الشرطية؛ مثلا- جاز الأعمال والإهمال؛ هو: "إن يشتهر نابغ وإذا تزداد أعباؤه، يفرح خاصته". فجملة: "يشتهر نابغ" جملة شرطية لا محل لها من الإعراب، وقد عطفت عليها بتمامها جملة: "تزداد أعباؤه"، وليس لها محل من الإعراب أيضا؛ لأنها كالمعطوف عليه؛ فيصح نصب المضارع: "تزداد" باعتبار "إذن" في صدر جملة لا محل لها من الإعراب؛ فهي بمنزلة الجملة بعد حرف العطف معطوفة على ما قبلها فهي مرتبطة به ارتباطا إعرابيا ومعنويا يجعلها في حكم غير المستقلة، ويجعل "إذن" في غير الصدارة الكاملة.
ولما تقدم يصح الاعتباران في مثل: عجائب الاختراع تزداد كل يوم، وإذا تسعد بها الناس أو تشقى. فإن عطفنا الجملة المضارعية: "تسعد، وفاعله" على المضارعية: "تزداد، وفاعله" وهي جملة في محل رفع خبر المبتدأ وجب إهمال "إذن" ورفع "تسعد". وإن عطفناها، على الجملة الاسمية المكونة من المبتدأ: "عجائب وخبره، وهي جملة لا محل لها من الإعراب جاز الإعمال والإهمال، فينصب المضارع أو يرفع١
_________________
(١) ١ مما جاء واضحا في حكم "إذن" الواقعة بعد "الفاء أو: الواو" قول المبرد في كتابه: "المقتضب" "ج٢ ص١١" بعد نصه الصريح على أنه يصح الإعمال والإلغاء: "وذلك قولك: إن تأتي آتك وإذن أكرمك..، إن شئت رفعت، وإن شئت نصبت، وإن شئت جزمت. أما الجزم فعلى العطف على: "آتك"، والنصب على إعمال "إذن". والرفع على قولك: "وأنا أكرمك"، ثم دخلت "إذن". والرفع على قولك: "وأنا أكرمك"، ثم دخلت "إذن" بين الابتداء والفعل فلم تعمل". ا. هـ.
[ ٤ / ٣١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ب- قد تكون: "إذا" متضمنة معنى الشرط في الماضي؛ فيجوز إجراؤها مجرى "لو"١ في قرن جوابها باللام٢، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا، إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾، أي: لو ركنت شيئا قليلا لأذقناك..
وقد تتضمن معنى الشرط في المستقبل؛ فيجوز قرن جوابها بالفاء؛ كقول الشاعر:
ما إن٣ أتيت بشيء أنت تكرهه إذا فلا رفعت سوطا إلي يدي
إذا فعاقبني ربي معاقبة قرت بها عين من يأتيك بالحسد
أي: إن أتيت -في المستقبل- بشيء أنت تكرهه فلا رفعت -فعاقبني ربي- وما بعد الفاء في المثالين، جملة دعائية، فزمنها مستقبل.
وقد تدخل على جواب: "لو" وجواب "إن" الشرطتين؛ لتوكيده وتقويته، نحو: لو زاملتني إذا ورضيتك.
وقول الشاعر:
فلو خلد الكرام -إذا- خلدنا ولو بقي الكرام -إذا- بقينا٤
- ونحو: إن تنصف أخاك -إذا- تسلم لك مودته
_________________
(١) ١ سيجيء في م١٦٠ باب: "لو" وأقسامها وأحكامها، وكل ما يتصل بها، وبأنواع جوابها. ويشار لهذا الحكم في "ج" من الأحكام المشتركة الآتية في بابها. ٢ فائدة هذه اللام موضحة تفصيل في الأحكام المشتركة الآتية في بابها. ٣ "إن" هنا زائدة. ٤ ومثل هذا قول شاعرهم: رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى فكيف بمن يُرمى، وليس برام؟ فلو أنها نبل -إذا- لاتقيتها ولكنني أُرمى بغير سهام
[ ٤ / ٣١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويقول الفراء في الآية الكريمة: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾، إن مجيء اللام بعد: "إذا" يقتضي وجود: "لو" قبها مقدرة كالآية المذكورة، أو ظاهرة كقوله تعالى في آية أخرى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْأِنْفَاقِ﴾ ١.
ح- هل يجوز إهمال "إذن" مع استيفائها كل شروط الإعمال؟ إن المستحسن غاية الاستحسان عند استيفائها الشروط هو: "الإعمال، ولا سيما اليوم؛ حيث الرغبة شديدة في اتباع الأشهر؛ توحيدا للبيان، ومنعا لفوضى التعبير؛ إلا إذا اقتضت فائدة محققة في اتباع غيره. وقد أجاب مجمع اللغة العربية بالقاهرة عن السؤال السالف بعد درساة شاملةن وتحقيق واف بما نصه٢: "ورد النصب بـ"إذن" في كلام العرب؛ ورودها في القرآن مفصولة بالحرف "لا" ليس يمنع عملها. وكون ورودها في القرآن "قراءة" لا يمنع الاحتجاج به؛ فالقراءات المشهورة كلها مناط احتجاج. ولكن من المعزو إلى بعض قبائل العرب إلغاء عمل "إذن" مع استيفاء شروط الإعمال. وقد نسب إلى البصريين قبول الإلغاء إلا أن ذلك موصوف بالقلة. واستنادا إلى هذا يجاز الإلغاء مع استيفاء الشروط، وإن كان الإعمال هو الأكثر في استعمال العرب". ا. هـ٢
إلى هنا انتهى الكلام على القسم الأول الناصب بنفسه، ويليه القسم الثاني الناصب بأن مضمرة
_________________
(١) ١ ستجيء إشارة للحكم السالف في "ج" في الأحكام المشتركة الآتية. ٢ و٢ طبقا للوارد في مجلته "الجزء الخامس والعشرين، الصادر في نوفمبر سنة ١٩٦٩ ص١٩٨".
[ ٤ / ٣١٦ ]
المسألة ١٤٩:
الأدوات الخمس ١ التي ينصب بعدها المضارع "بأن" مضمرة وجوبا ٢:
الأداة الأولى: لام الجحود "أي: النفي" وتمهد لها بالأمثلة التالية:
ما كان الحر ليقبل الضيم.
ما كان الطبيب ليتواني عن المريض.
ما كان العاقل ليسارع في الإتهام.
ما المعنى الدقيق الذي قصده.
لم يكن المتقن ليرضى بالنقص. الناطق بإحدى هذه الجمل؟
لم يكن الأدب ليقرأ تافه الكلام.
لم يكن ربيب السوء لينسى نشأته.
إن من نطق بالأولى نفى عن الحر نفيا قاطعا أنه قبل في حالة في حالاته
_________________
(١) ١ وهي: "لام الجحود" في هذه الصفحة" "أو"، في ص٣٢٦" "حتى"، في ص٣٢٣" "فاء السببية" في ص٣٥٢ "واو المعية"، في ص٣٧٥ ويزاد على هذه الخمسة: "ثم" عند نحاة الكوفة -كما سيجيء في ص٣٨٥، "وكي التعليلية" المحضة عند من يرى أنها لا تنصب بنفسها، وإنما تنصب بأن مضمرة وجوبا، ولا داعي للأخذ بهذا الرأي. "كما سبق عند الكلام عليها في ص٣٠٣". هذا ويثور الجدل -ولا سيما اليوم- حول الداعي إلى إضمار "أن" جوازا ووجوبا، وأثرها في نصب المضارع. وسيجيء في ص٤٠٢ م١٥٢ الاعتراض ودفعه، بعد أن تفرغ من مواضع الإضمار، ونفهم حقيقته، وما يتصل به من تأويل المصدر. ٢ "ملاحظة هامة": من الأحكام المشتركة بين هذه الأدوات أنه: أ- لا بد من سبك الجملة المضارعية بعدها بمصدر مؤول يعرب على حسب الحالة. ب- لا يصح الفصل بين هذه الأدوات والمضارع المنصوب بفاصل مطلقا؛ إلا: "لا" النافية إذا اقتضاها المعنى ولم يمنع من وجودها مانع. وأجاز بعض النحاة الفصل بين: "حتى والمضارع" بفواصل معينة يجيء بيانها "في رقم ٢ من هامش ص٣٣٨". ج- لا يصح تقديم معمول هذا المضارع على الأداة. د- لا يصح الفصل بأجنبي بين أجزاء الجملة الفعلية المضارعية.
[ ٤ / ٣١٧ ]
الضيم، أو سكت عليه، مهما كانت الدواعي. فكأنه قال: ما كان الحر مريدا١ قبول الضيمن راضيا به، أو مهيأ لقبوله في وقت ما. فالنفي منصب على ما قبل اللام وما بعدها معا "أي: واقع على الكلام كله" فهو نفي عام لهذا، ولأنه -أيضا- شامل جميع حالات الحر، دون التقييد بحالة معينة، أو الاقتصار عليها.
ومن نطق بالثانية نفي عن الطبيب نفيا باتا في جميع أحواله أنه تباطأ في إنقاذ مريضه، وأنه رضي ذلك، أو أراده في صورة من الصور؛ فكأنما قال: ما كان الطبيب مريدا٢ التواني مطلقا، ولا راضيا به، مهما كانت حالته وصورته. فالنفي عام ينصب على ما قبل اللام وما بعدها، ويشمل كلا حالات الطبيب؛ فهو عام بسبب هذين الأمرين.
والغرض الضمني الذي يرمي إليه الأسلوب من وراء ظاهره هو أن الحر لم يخلق ولم يوجد مطلقا لما نفي عنه، وكذلك الطبيب. ومثل هذا يقال في الصور الأخرى المعروضة. وما يشاكلها؛ فكل منها يرمي إلى نفي شيء نفيا قاطعا ينصب على ما قبل اللام وما بعدها معا، ويشمل جميع الحالات المعنوية التي يتضمنها الكلام -كما يرمي إلى أن الذي نفي عنه ذلك الشيء لم يرض به مطلقا، ولم يهيأ لقبوله، وإنما خلق وهيئ لدفعه ورفضه. فهذا أسلوب يبلغ الغاية في قوة الجحد، إذا اريد به الاتجاه المعنوي السالف.
وبملاحظة كل جملة -مما سلف- نجدها تشتمل على أربعة أمور مجتمعة:
١- الفعل الناسخ: "كان" أو "يكون" -دون غيرهما من سائر الأفعال الناسخة أو التامة. وكلاهما يسمى: "فعل كون"، لاشتقاقه من المصدر "كون" الذي يدل على الوجود العام "المطلق".
_________________
(١) ١ إنما قدروا هنا الخبر "مريدا" أو مهيأ، أو مستعدا ، فرارا من تقدير الكلمة الشائعة؛ وهي: "موجود"؛ لكيلا يتسرب منها الوهم إلى أن: "كان" هنا بمعنى: "وجد" وهي "كان" التامة التي لا تصلح قبل "لام الجحود" أما التي تصلح فلا بد أن تكون ناسخة، كما سيجيء. ولا مانع من تقدير الخبر المحذوف بكلمة: "موجود" مع إدراك أن فعل "الكون" قبلها لا بد أن يكون ناسخا، لا تاما. ٢ انظر رقم ١ من هذا الهامش.
[ ٤ / ٣١٨ ]
٢- وجود حرف نفي١ قبل فعل "الكون" الناسخ؛ وهذا النافي المسموع هو: "ما"٢ أو: "لم" وتختص "ما" بالدخول على: "كان"، الماضية الناسخة، وتختص "لم" بالدخول على المضارع المجزوم: "ين" الناسخ، ولا يصلح للدخول عليه غيرها٣. والنفي منصب في الحالتين على معنى كل الكلام الذي يليه، فهو شامل ما قبل اللام وما بعدها.
٣- أن فعل "الكون" إما ماض لفظا ومعنى: كالأمثلة الثلاثة الأولى، وإما ماض معنى فقط؛ كالثلاثة الأخيرة التي وقع فيها فعل "الكون" مضارعا مسبوقا بالحرف الجازم "لم"، وهذا الحرف إذا دخل على المضارع قلب زمنه ماضيا -في الغالب- مع ترك صورته اللفظية المجزومة على حالها، فيصير مضارعا في لفظه، ماضيا في زمنه ومعناه.
٤- أن فعل الكون الناسخ يليه -مباشرة- اسمه ظاهرا، لا ضميرا، ثم مضارع منصوب، مبدوء بلام مكسورة. أما خبره فعام محذوف، يجب أن يتعلق به الجار مع مجروره. والجار هو "اللام" التي اشتهرت باسم: "لام الجحود"٤ والتي تتصل بالمضارع -كما قلنا- والمضارع بعدها منصوب "بأن" مضمرة وجوبا، والمصدر المكون من "أن" وما دخلت عليه من المضارع وفاعله -في محل جر "بلام الجحود". والجار والمجرور متعلقان بالمحذوف العام المنصوب، لأنه خبر الناسخ. والتقدير ما كان الحر مهيأ أو مريدا لقبول الضيم أو ما شابه هذا.
_________________
(١) ١ بشرط بقاء النفي على معناه، وعدم نقضه بشيء مثل "إلا" التي للاستثناء، أو إحدى أخواتها "كما سيجيء في رقم ١ من هامش ص٣٢٠ وص٣٢٥". ٢ فلا تصلح: "لن"؛ لأنها لنفي زمن المضارع المستقبل. والمطلوب هنا أن يكون زمنه ماضيا، ولا تصلح: "لا"؛ لكثرة استعمالها في نفي المستقبل. ولا تصح: "لما" الجازمة؛ لأنها لنفي معنى المضارع بعد أن تقلب زمنه للماضي مع اتصاله بالزمن الحالي؛ فلا يكون زمنه للماضي الخالص المطلوب هنا. ٣ أو "إن" النافية عند فريق -كما في الصفحة الآتية. ٤ في نوع هذه اللام آراء تجيء في ص٣٢١، والجحود، هو: النفي -كما تقدم- لأنها تقوي معنى النفي في الجملة كلها؛ "قبلها وبعدها" إذ لا تقع إلا بعد كون منفي عام، والمعنى بعدها منفي أيضا؛ لتعلقها مع مجرورها بالخبر العام المحذوف المنفي؛ فيسري النفي منه إلى المصدر المؤول الذي يليها مباشرة، وهو مجرورها -كما سيجيء في "ج" من ص٣٢٤.
[ ٤ / ٣١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فعند إعراب المثال الأول نقول: "ما" نافية -"كان": فعل ماض ناقص- "الحر" اسمها مرفوع -"ليقبل": اللام لام الجحود، حرف أصلي- "يقبل": مضارع منصوب "بأن" مضمرة وجوبا، وفاعله مستتر جوازا تقديره: هو "الضيم" مفعول به. والمصدر المؤول من المضارع وفاعله مجرور باللام، والتقدير: له قبول والجار مع مجروره متعلقان بمحذوف منصوب خبر "كان" والتقدير: ما كان الحر مهيأ أو مريدا لقبول الضيم
ولا يختلف إعراب "إن" النافية عن إعراب: "ما"، في شيء مطلقا -عند من يبيح دخول "إن"- فكلاهما يصح أن يحل محل الآخر بغير تفاوت بينهما.
ومثل هذا يقال في بقية الأمثلة. مع ملاحظة أن: "لم" حرف نفي جازم، ولا بد بعده من المضارع: "يكن" المجزوم به.
من كل ما سبق يتبين معنى: "لام الجحود". وعملها. وأن المضارع ينصب بعدها "بأن" مضمرة وجوبا، بشرط اجتماع الشروط الأربعة السالفة "وهي: أن يسبقها فعل كون عام ناسخ دون غيره من الأفعال -منفي-١ ماض لفظا ومعنى أو معنى فقط -بعده اسمه ظاهرا، يليه المضارع المنصوب المبدوء باللام مباشرة"؛ فإنه فقد شرط من الأربعة لم تكن اللام لام الجحود، ولم يكن الأسلوب داخلا فما نحن فيه
وجدير بالتنويه أن فاعل المضارع الذي تدخل عليه لام الجحود لا يكون اسما ظاهرا -في الأعم الأغلب- بل يكون ضميرا مستترا جوازا. يعود على اسم الناسخ السابق، ومنع أكثر النحاة أن يكون اسما ظاهرا٢
_________________
(١) ١ مع بقاء معنى النفي وعدم إلغائه بشيء، مثل "إلا" التي للاستثناء، أو إحدى أخواتها -"طبقا لما سبق في رقم ١ من هامش ص٣١٩، وكما سيجيء في ص٣٢٥". ٢ اقتصر ابن مالك في الكلام على لام الجحود، وكل ما يتصل بها -بالشطر الثاني من البيت الثامن في باب: "إعراب الفعل" ونصه: وبعد نفي "كان" حتما أضمرا-٨ يريد: أضمر الحرف الناصب وهو: "أن" إذا وقع بعد الفعل المنفي: "كان". ولم يوضح شروط هذا الفعل، ولا مضارعه، ولا شيئا من الأحكام والتفصيلات الهامة التي لا تصلح القاعدة إلا بذكرها. وقد عرضناها وافية. أما الشطر الأول من البيت فيتعلق بحكم آخر أوضحناه وذكرنا البيت معه في مواضع إظهار "أن" وإضمارها.
[ ٤ / ٣٢٠ ]
زيادة وتفصيل:
أ- اختلف النحاة في الحكم على نوع "لام الجحود". فمن قائل: إنها حرف زائد، وزيادته غير محضة؛ إذ لا يمكن الاستغناء١ عنه؛ لأنها تفيد "الاختصاص"، وتقوية النفي الذي ينصب على ما قبلها، وما بعدها٢ أيضا. ومع زيادتها فهي الناصبة للمضارع بنفسها، والفعل وفاعله خبر الكون.
ومن قائل: هي زائدة زيادة غير محضة أيضا، ولكن المضارع منصوب بأن مضمرة وجوبا بعدها، والمصدر المؤول خبر. وقيل وقيل
وهذه الآراء ضعيفة؛ لأن أكثرها يعارض ويناقض القواعد النحوية العامة. وأقرب الآراء إلى القبول هو الراي البصري، الذي يجعل لام الجحود حرف جر أصلي يفيد تقوية معنى النفي قبلها وبعدها، والمضارع منصوب بعدها "بأن" المضمرة وجوبا. والمصدر المؤول مجرور باللام، والجار والمجور متعلقان بمحذوف عام. وهذا الإعراب هو الشائع بين أكثر النحاة، وهو أقل عيوبا من سواه، ويؤيده بعض الأمثلة الفصيحة التي وردت مشتملة على خبر "الكون" مذكورا كقول القائل:
سموت ولم تكن أهلا لتسمو ولكن المضيع قد يصيب
فذكر الخبر "أهلا" يمنع أن تكون اللام في هذه الأساليب زائدة محضة أو غير محضة، كما يمنع أن يكون المضارع وفاعله هما الخبر فيها، أو المصدر المؤول هو الخبر
ب- إذا لم يكن الفعل المنفي قبل اللام "فعل كون" لم يصح اعتبارها "لام جحود". ووجب اعتبارها نوعا آخر يناسب السياقن ويساير معنى الأسلوب،
_________________
(١) ١ سبق -في ج٢ م٩٠ ص٤٠٣ و٤١٨ و٤١٩- باب: حروف الجر، تفصيل الكلام على زيادة حرف الجر، وعلى زيادة "اللام" زيادة محضة وغير محضة ، وعلى معانيها، ومنها: "الاختصاص" و "ص٤٣٨". ٢ حاشية الخضري والصبان في هذا الموضع من باب: "إعراب الفعل".
[ ٤ / ٣٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كأن تكون زائدة، أو للتعليل١. أو للعاقبة أو والأغلب أن تصلح للتعليل في كثير من الأساليب المنفية، فتدل على أنا ما بعدها علة لما قبلها -وقد تسمى في هذه الحالة "لام كي" كما سبق٢، نحو: لم يكذب الشاهد ليساعد المتهم؛ فعدم مساعدة المتهم هو العلة في عدم كذب الشاهد، أي: لم يكذب الشاهد كذبا يكون سببه وعلة حدوثه "أي: الغرض منه" هو مساعدة المتهمن فمساعدة المتهم هنا لم تتحقق؛ فهي منفية. وأساس نفيها وعدم تحققها ما قرروه٣: من أن النفي الذي قبل لام التعليل ينصب على ما بعدها، دون أن يشمل معه ما قبلها إلا بقرينة، كما في المثال السالف "وتفسير هذا ما قرروه أيضا من أن الجار والمجرور بعد "لام التعليل" المسبوقة بفعل منفي إنما يتعلقان بذلك الفعل المنفي، ويصيران قيدا فيه؛ فلا يكون نفيه مطلقا خاليا من التقييد، ولكنه مقيد بهما، فالنفي ينصب عليه في حالة واحدة فقط، هي حالة تقيده بهما، دون بقية أحواله المطلقة التي لا تخضع للقيد. وفي هذه الحالة الواحدة يسري النفي إلى القيد فيشمله أيضا "أي: يسري على الجار مع مجروره"، ففي المثال السالف يكون الكذب المنفي نوعا معينا محدودا؛ هو الكذب المقيد بأنه المساعدة المتهمن أما الكذب لغير هذه المساعدة فمسكوت عنه؛ لا يمكن الحكم عليه بشيء؛ فقد يكون منفيا أو غير منفي بقرينة أخرى خارجة عن الجملة. والقيد نفسه "وهو: المساعدة" منفي حتما٤..
مثال آخر: ما صلى العابد لينافق. أي: ما صلى العابد صلاة يكون سببها. وعلة أدائها هو: النفاق. فالجار والمجرور المكونان من لام التعليل وما دخلت عليه قد انصب عليهما النفي حتما. وأما ما قبلهما -وهو الصلاة غير المقيدة- فمسكوت عنه.
_________________
(١) ١ انظر "ح" من ص٣٢٤، حيث الكلام على الفرق بينهما وبين "لام الجحود" وقد سبق كلام على "لام التعليل عند الكلام على: "كي" ص٣٠٠. ٢ في "ب" من ص٣٠٣. ٣ راجع الصبان في هذا الموضع. ٤ مما يزيد الأمر وضوحا أن نجعل هذا المثال مثبتا "خاليا من النفي" ونوازن بين معنييه في حالتي الإيجاب والنفي، فيزداد المراد من التعليل والتقييد جلاء، ولا سيما إذا تعددت وتنوعت الأمثلة، ثم انظر "ج" الآتية.
[ ٤ / ٣٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإن شئت فقل: هما متعلقان بالفعل المنفي: "صلى" فهما قيد له، وصار بهما مقيدا، فالصلاة المنفية هي الصلاة المقيدة، بأنها للنفاق، وليست مطلق صلاة. أما الصلاة المطلقة التي لست للنفاق فمسكوت عنها، لا يفهم أمرها ولا الحكم عليها من هذا التركيب؛ فقد تكون موجودة أو لا تكون وتوجيهها لأحد الأمرين يحتاج إلى قرينة أخرى خارجة تعينها لهذا أو لذاك، والقيد في الحالين منفي حتما ١.
وإذ كان الفعل المنفي قبل اللام فعل "كون" غير ناقص لم يصح اعتبارها لام جحود، ووجب توجيهها لشيء آخر، ويكثر أن يكون هو: "العليل" أيضا على الوجه السالف؛ نحو: ما كان الحاكم ليظلم؛ بمعنى: ما وجد الحاكم ليظلم. فالشأن في "كان" هنا كالشأن في كل فعل غير ناسخ يحل محلها من ناحية أن الجار والمجرور منفيان حتما، ويتعلقان به، فيصير مقيدا بهما؛ ويصير معناه بسبب النفي الواقع عليه غير مطلق، وإنما هو مقيد بحالة معينة دون غيرها أما غيرها فمسكوت عنه يحتاج لقرينة خارجة عن الجملة، تبين أمره نفيا وعدم نفي، والقيد "الجار والمجرور المتعلقان به" منفي حتما فكأن الناطق بهذا المثال يقول: ما كان الحاكم "أي: ما وجد وظهر الحاكم" الذي يكون سبب وجوده، وعلة ظهوره: الظلمز فسبب الوجود وعلته هو: الظلم، والظلم منفي، فالمسبب عنه منفي لا محالة أو الجار والمجرور متعلقان بالفعل، فهما قيد له و
وفي هذا المثال لا يصح اعتبار اللام "للجحود"؛ لأن هذا يؤدي إلى مخالفا الواقع الذي يدل على أن كثيرا من الحكام ظالمون.
ومن الأمثلة السالفة وأشباهها يتبين أن النفي قبل لام التعليل ينصب على الفعل الذي قبلها في حالة واحدة؛ هي التي يكون فيها مقيدا بهذه اللام الجارة ومجرورها، وليس مطلقا من التقييد، وأن هذا النفي ينصب على ما بعدها دائما "أي: على القيد".
فإذا كان الفعل غير مسبوق بنفي لم تكن اللام للجحود.
وإذا كان الفعل ناسخا غير "كون" لم تصلح اللام للجحود -كما تقدم-٢
_________________
(١) ١ انظر رقم ٤ من الهامش السابق. ٢ في ص٣٢٠:
[ ٤ / ٣٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في أصح الآراء؛ فلا يقال: ما أصبح محمد ليهمل عمله، ولم يصبح محمود ليهين غيره وما ظننت الأمة الناهضة لتسيء إلى علمائها، ولم أظن الشعوب القوية لتركن إلى الراحة قال أبو حيان: "كل هذه التراكيب فاسدة؛ إذ لم يسمع لها نظير في كلام العرب، فوجب منعها وردها" اهـ.
ح- يتردد هنا -وفي الأبواب الأخرى- لفظ: "لام التعليل"، و"لام الجحود" فما الفارق الدقيق بينهما؛ بحيث تتميز إحداهما من الأخرى بغير غموض ولا خفاء؟
الفارق بينهما ما أسلفناه من أن لكل واحدة منهما معنى يخالف معنى الأخرى؛ فلام الجحود تفيد النفي العام، ولام التعليل تفيد التعليل "أي: أن ما بعدها علة وسبب فيما قبلها" على الوجه الذي شرحناه في كل منهما".
وشيء آخر؛ هو أن النفي مع لام الجحود مسلطا على ما قبلها وما بعدها معا في كل حالاتهما؛ فهو منصب على الكلام كله؛ لأن ما قبلها كون عام منفي، وخبره المحذوف أمر عام منفي، فيتسر إليهما النفي منه حتما؛ لدخولها فيما يشتمل عليه ، ويؤثر فيه بالنفي؛ كالأمثلة التي في أول البحث؛ حيث يعم النفي ما قبل لام الجحود وما بعدها، ويكون شاملا غير مقيد يخرج بعض الحالات.
أما لام التعليل. فالنفي قبلها داخل على فعل خاص، ليس كونا عاما، وغنما هو فعل مقيد بالجار والمجرور "وهما: لام التعليل، وما دخلت عليه"؛ فالنفي منصب على هذا لفعل المقيد؛ أي: منصب عليه في حالة تقيده -وهي حالة واحدة، دون غيرها من الحالات الأخرى الكثيرة التي لا تدخل في التقييد؛ والتي هي مسكوت عنها، كما قدمنا- فلا يحكم على تلك الحالات الأخرى بالنفي أو بعدمه إلا بقرينة خارجة عن الجملة. والقيد "وهو لام التعليل ومجرورها" -منفيان حتما، لتعلقهما بالفعل الخاص المنفي. فالمعنى بعد لام التعليل منفي. أما قبلها فلا يتعين النفي إلا في الصورة الواحدة التي شرحناها وهي التي يكون فيها الفعل مقيدا بالجار مع مجروره؛ فمعنى الفعل فيها ليس عاما١ مطلقا.
_________________
(١) ١ يقول الصبان: إن النفي مع "لام" التعليل منصب على ما بعدها فقط، فهل هذا يوافق ما يقوله أكثر النحاة من أن ما بعد "لام التعليل" علة لما قبلها، وإذا انتفت العلة انتفى المعلول؟ يبدو أنه لا يوافقه، إلا إذا كان مراده أنه لا يشمل ما قبلها من الصور المتعددة التي لا تدخل في القيد.
[ ٤ / ٣٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وبناء على ما سبق اشترطوا لصحة "لام الجحود" ألا ينتقض النفي بعدها بشيء؛ مثل "إلا١ الاستثنائية" -أو إحدى أخواتها- فلا يقال: ما كان الحر إلا ليقبل الضيم؛ لأن "إلا" هذه تنقض النفي السابق عليها؛ وتجعل ما بعدها مثبتا. وهذا مخالف لما تتطلبه لام الجحود من نفي ما قبلها وما بعدها معا بالحرف النافي المذكور في صدر جملتها. ولم يشترطوا هذا في لام التعليل فأجازوا: ما حضر المتعلم إلا ليستفيد، فصدر الجملة ينفي الحضور عن المتعلم، وعجزها الواقع بعد "إلا" ينفي ذلك النفي وينقضه، ويثبت الحضور ، وأنه لاستفادة المتعلم؛ فكأن الجملة: حضر المتعلم ليستفيد.
د- هل يصح حذف "لام الجحود"؟ وهل يصح حذف فعل "الكون" قبلها؟ يجيز الحذف بعض النحاة، معتمدا على ظاهر أمثلة واردة عن العرب، وقد تصدى لبحثها بعض المحققين، وانتهى منها إلى أن المحذوف فيها لا يتعين أن يكون أحدهما، بل يستقيم المعنى على تقديره، أو تقدير غيره؛ فلا داعي لإباحة حذف واحد منهما.
_________________
(١) ١ سبقت الإشارة لهذا "في رقم ١ من هامش ص٣١٩ ورقم ١ من هامش ص٣٢٠".
[ ٤ / ٣٢٥ ]
الأداة الثانية: "أو" العاطفة١ التي بمعنى: "حتى"، أو "إلا" الاستثنائية:
ينصب المضارع بأن مضمرة وجوبا بعد "أو" العاطفة في موضعين:
أحدهما: أن تكون "أو" العاطفة صالحة للحذف، ووضع "حتى" في مكانها من غير أن يتغير المعنى؛ سواء أكانت: "حتى" دالة على الغاية، أم دالة على التعليل.
أ- فالدالة على الغاية: "ويسمونها: "الغائية" أو: التي بمعنى: "إلى"" هي التي ينقضي المعنى قبلها شيئا فشيئا، لا دفعة واحدة، ويتم انقضاؤه بمجرد وقوع ما بعدهان وتحقق معناه؛ فإذا وقع ما بعدها انقطع ما قبلها نهائيا. وذلك بأن يكون لما قبلها نوع امتداد زمني، واستمرار معنوي متلاحق، لا ينقطع ولا يتوقف نهائيا إلا بتحقق ما بعدها وحصوله، فإذا تحقق ما بعدها وحصل انقطع المعنى قبلها بمجرد هذا التحقق والحصول؛ نحو: أقرأ الكتاب، أو أتعب، "أي: حتى أتعب، أو: إلى أن أتعب"، فقراءة الكتاب تتطلب وقتا، يتابع بعضها بعضا فيه، ولا تتم دفعة واحدة بغير استمرار زمني محدد، فإذا حصل التعب -وهو المعنى الذي بعد "أو"- انتهت القراءة وانقضت بمجرد حصول هذا التعب. ونحو: أتناول الطعام أو أشبع. "بمعنى: حتى أشبع، أي: إلى أن أشبع" فتناول الطعام لا يتم دفعة واحدة؛ وإنما يستغرق وقتا يتوالى فيه بعضه وراء بعض، ويستمر هذا حتى يحصل الشبع يتحقق -وهو المعنى الذي بعد: "أو"- فإذا حصل وتحقق انقطع تناول الطعام. ومثل: "أنام الليل أو يطلع الفجر، وأصلي الصبح وأتعبد أو تشرق الشمس٢
_________________
(١) ١ يجري على هذه الأداء الأحكام العامة المشتركة التي سبقت في رقم ٢ من هامش ص٣١٧، والتي تجري على كل نظائرها التي تنصب المضارع بأن المضمرة وجوبا. أما: "أو" العاطفة.. التي لا تنصب المضارع بعدها "بأن" -فقد سبق الكلام عليها "في ج٣ م١١٨ ص٥٨٥ من باب: عطف النسق". ٢ ومما يصلح لذلك قول امرئ القيس يخاطب رفيقه في السفر: "وكان امرؤ القيس قد صمم على الأخذ بثأر أبيه ممن قتلوه؛ فقصد قيصر الروم ليستعين به على تحقيق غرضه. واستصحب معه في سفرته الطويلة الشاقة عمرو بن قميئة الذي جزع وتوجع مما حاق بهما من المشقات. وهو الذي يقصد امرؤ القيس بقوله: بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه وأيقن أنا لاحقان بقيصرا فقلت له: لا تبك عينك إنما نحاول ملكا، أو نمت فنعذرا والشطر الأخير هو محل الشاهد.
[ ٤ / ٣٢٦ ]
فالحرف "أو" فيما سبق حرف عطف بمعنى "حتى" الجارة١. ولكنه لا يعرب حرف جر٢
ب- والدالة على "التعليل" "ويسمونها: "أو التعليلية" أي: "التي بمعنى: "كي التعليلية"، أو "لام التعليل" يكون ما بعدها علة لما قبلها؛ نحو: لأرضين الله أو يغفر لي، بمعنى: حتى يغفر، أو: كي يغفر لي، فما بعد "أو" -وهو: المغفرة- علة فيما قبلها، وهو إرضائي الله. ولا تصح أن تكون "أو" هنا بمعنى: "حتى" الغائية"؛ لفساد المعنى؛ إذ يكون: سأرضي الله إلى أن يغفر لي، فإذا تحقق الغفران انقطع إرضائي له، وأغضبته
ومن الأمثلة: أحاذر العدوة أو أسلم، وأحرص على التوقي أو أنجو من المرض. فأو بمعنى: "حتى التعليلية" ولا تصلح الغائية، لفساد المعنى معها
و"أو" تعرب هنا حرف عطف. ولا يصح إعرابها حرف جر أو شيئا غير العطف، بالرغم من أنها بمعنى "حتى" التعليلية الجارة٢..
والآخر: أن تكون "أو" بمعنى: "إلا" الاستثنائية؛ وهذا حين لا يصلح في موضعها "حتى" بنوعيها السالفين؛ "وهما: الغائبة، والتعليلية". فلا بد من الالتجاء أول الأمر إلى: "حتى" ووضعها في مكان: "أو"، فإن لم يستقم المعنى معها قصدنا "إلا" الاستثنائية. نحو: تهوي الطائرة أو تسلم من الخلل، وتسقط أو تبرأ من الفساد أي: إلا أن تسلم -إلا أن تبرأ ونحو: يقتل النمر بالرصاص أو تخطئه الرصاصة ويحرص الصياد
_________________
(١) ١ "حتى" الجارة حرف بمعنى "إلى" الدالة على الانتهاء، وتعمل الجر مثلها. ٢ و٢ أما المعطوف عليه فشيء قبلها يغلب أن يكون مصدرا متخيلا متصيدا من الكلام السابق، طبقا لما سيجيء شرحه هنا "في ص٣٢٩" وانظر "ب" ٣٣١.
[ ٤ / ٣٢٧ ]
على جلده، أو يعجز عن سلخه. فلفظ "أو" في الأمثلة السالفة بمعنى: "إلا" ولا يصلح غيرها. ومع أنه بمعناها -يعرب حرف عطف، ولا يصح اعتباره حرف استثناء
فإن لم تصلح "أو" العاطفة لأن تكون بمعنى: "حتى" أو: "إلا" لفساد المعنى بوضع أحد هذين في موضعها، كانت لمجرد العطف١؛ فلا ينصب المضارع بعدها، إلا أن اقتضى المعنى بعدها نصب المضارع لسبب آخر غير السالف٢ ، فإن اقتضى المعنى نصب المضارع لسبب غير ما تقدم: وجب نصه "بأن" أيضا، ولكن يجوز إظهارها وإضمارها، كقول أحد الولاة لشاعر هجاء؛ "لولا شعرك الجيد أو يحرم أولادك عائلهم لقطعت لسانك. فلا عفو بعد اليوم، أو أقبل شفاعة". ويصح إظهار "أن" فنقول: أو أن يحرم أولادك وأن أن أقبل شفاعة. وفي كلتا الحالتين يعرب المصدر المسبك من "أن" "الظاهرة أو المضمرة جوازا" مع ما دخلت عليه معطوفا. أما المعطوف عليه فلا بد أن يكون اسما صريحا قبل "أو"٣، وهو هنا: "شعر، وعفو". والتقدير: لولا شعرك، أو حرمان أولادك فلا عفو أو قبول شفاعة ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ بمعنى: أو أن يرسل رسولا. فالمضارع "يرسل" منصوب" "بأن" مضمرة جوازا، وفاعله مستتر جوازا، تقديره: هو، والمصدر المؤول معطوف على الاسم الصريح: "وحيا" والتقدير: إلا وحيا أو إرسالته رسولا..
ملاحظة: لما كانت "أو" التي ينصب بعدها المضارع بأن المضمرة وجوبا أو جوازا، حرف عطف -وجب أن يكون المصدر المؤول بعدها معطوفا على
_________________
(١) ١ وقد سبق الكلام عليها في باب: "عطف النسق "ج٣ م١١٨ ص٥٨٥" كما سبقت الإشارة. ٢ سيجيء في "د" من الزيادة والتفصيل "ص٣٢٩"؛ بيان السبب الذي يقتضي نصب المضارع بعد "أو" العاطفة. ٣ عملا بقاعدة نصب المضارع بأن مضمرة جوازا بشروط، منها: أن يكون المصدر المؤول من "أن" وما دخلت عليه معطوفا على اسم صريح خالص مذكور و، وقد سبقت في ص٢٨٧.
[ ٤ / ٣٢٨ ]
شيء قبلها يناسبه١؛ "كمصدر صريح، أو مؤول، وكاسم جامد ليس بمصدر " فإن وجد في الكلام السابق معطوف عليه مذكور، عطفنا عليه المصدر المؤول الذي بعد "أو" كما في الأمثلة الأولى، وكما في الأمثلة الأخيرة "وهي: لولا شعرك الجيد أو يحرم -فلا عفو أو أقبل شفاعة - إلا وحيا أو يرسل رسولا.." وإن لم ذكر في الكلام السابق معطوف عليه تصيدنا من ذلك الكلام اسما جامدا، مصدرا كان أم غير مصدر، وجعلنا المعطوف عليه. والأنسب أن يكون مصدرا -لا اسما جامدا محضا؛ ليكون المعطوف والمعطوف علهي متناسبين، في المصدرية.
ويقول النحاة: إن تصيد هذا المصدر -المعطوف عليه- من الكلام الذي قبل "أو" لا يحتاج في تلمسه إلى ضابط معين، ولا إلى طريق خاصة. وكل ما يشترط فيه أن يكون ملائما المعنى، مسايرا السياق الصحيح٢ وفيما يلي بعض الأمثلة السالفة الخالية من ذكر المعطوف عليه صراحة، ثم اشتمالها عليه بعد تصيده:
_________________
(١) ١ يجب أن يكون المعطوف عليه مذكورا -في الأغلب- وجامدا حين يكون نصب المضارع بأن مضمرة جوازا؛ "طبقات لما تقدم إيضاحه في ص٢٨٧"، ولا يصح في حالة نصب المضارع أن يكون المعطوف عليه فعلا أو مشتقا يشبهه؛ إذ لو كان المصدر المؤول -وهو بعد التأويل اسم صريح- معطوفا على فعل أو ما يشبهه لاختلف الأمر بين التابع والمتبوع في أمور؛ أهمها الزمن، والذات، ذلك لأن المصدر المؤول بعد إتمام تأويله يدل على المعنى المجرد الخالي من الزمن ومن الذات، في حين يدل الفعل على الزمن، وتدل المشتقات العامة على الزمن، ومعه صاحب المعنى "أي: الذات". وقد أشرنا إلى صحة وقوع المعطوف عليه اسما جامدا محضا "أي: اسما جامدا غير مصدر" نحو: لولا شعرك الجيد أو يحرم أولادك عائلهم فالمصدر المؤول من "أن" المضمرة بعد "أو" ومن الجملة المضارعية بعدها معطوف على: "شعر" وهو اسم جامد محض. والتقدير: لولا شعرك، أو حرمان أولادك.. ومثله قول الشاعر: ولولا رجال من رزام أعزة وآل سبيع، أو أسوءك -علقما "رزام: اسم قبيلة. وعلقم: منادى مرخم، وأصله يا علقمة " فالمصدر المؤول من أن المضمرة بعد "أو" ومن الجملة المضارعية بعدها عطوف على: "رجال" ورجال اسم جامد محض. والتقدير: لولا رجال أو إساءتك ٢ اكتفى ابن مالك ببيت واحد في الكلام على "أو" السالفة؛ هو: كذاك بعد: "أو"، إذا يصلح في موضعها: "حتى"، أو: الا" -أن خفي =
[ ٤ / ٣٢٩ ]
_________________
(١) = وفي البيت تقديم وتأخير. والأصل: "أن" خفى كذلك بعد "أو" إذا يصلح في موضعها حتى، أو إلا". يريد: الحرف المصدري "أن" خفي -بمعنى: أضمر ولم يظهر- خفاء بعد "أو" مثل ذاك الذي وقع بعد لام الجحود؛ من ناحية أنه خفاء وإضمار واجب؛ فلا يصح ظهور "أن" فيه بعد "أو" كما لا يصح ظهورها بعد لام الجحود. بشرط أن تكون: "أو" بمعنى: "حتى" أو "إلا"؛ فيصح إحلال أحد هذين الحرفين في موضعها.
[ ٤ / ٣٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- يجري على المضارع المنصوب بأن المضمرة بعد: "أو" جميع الأحكام الخاصة بالمضارع المنصوب بأن المصدرية١ من السبك، والفصل، وعدمه
ب- صرحنا فيما سبق أن: "أو" التي بمعنى: "حتى" أو" إلا" هي حرف عطف، ولا يصح إعرابها حرف جر، أو حرف استثناء تبعا للحرف الذي يصلح في موضعها؛ فهي بمعناه فقط، وليست مماثلة له في إعرابه؛ فلكل منهما إعرابه الخاص به. وهو يخالف إعراب الآخر. ولهذا السبب وجب إعراب المصدر المؤول بعد "أو" معطوفا على شيء قبلها، ولا يصح إعرابه مجرورا، أو مستثنى، برغم أن "أو" بمعنى: "حتى" الجارة أو "إلا" الاستثنائية.
ح- قد تصلح "أو" السالفة لأن تكون بمعنى: "حتى" أو "إلا" عند عدم قرينة تعينها لأحدهما؛ ولكن يختلف المعنى في كل صورة؛ نحو: لألزمنك أو تسدد لي ديني. فيصح أن تكون "أو" هنا بمعنى "حتى"، أو "إلا" والمعنيان مختلفان.
د- من الملاحظ أن "أو" السالفة تقع بين معنيين مختلفين؛ أحدهما قبلها، والآخر بعدها، والأول محقق الوقوع أو مرجحة حتى يقع ما بعدها، وحصول الثاني ووقوعه مشكوك فيه غالبا؛ فقد يقع أو لا يقع. فإذا أريد الدلالة على أن ما قبلها وما بعدها متساويان في الشك وجب توجيهها للعطف المجرد، ووجب رفع المضارع بعدها؛ ليكون الرفع شارة وعلامة على هذه المساواة في الشك. بخلاف ما لو أريد الدلالة على أن الأول محقق الوقوع أو مرجحه، وأن الثاني وحده هو المشكوك في حصوله؛ فيجب نصب المضارع حتما بأن مضمرة وجوبا بعد "أو"؛ ففي مثل: أسافر يوم الجمعة أو أستريح -يصح رفع
_________________
(١) ١ سبقت هذه الأحكام في ص٢٨٢.
[ ٤ / ٣٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المضارع: "أستريح" على إرادة أن السفر والاستراحة متساويان من ناحية وقوعهما أو عدم وقوعهما؛ فكلاهما مشكوك في حصوله، غير مقطوع بواحد منهما. ويصح نصب المضارع "أستريح" على إرادة أن الأول -وهو: السفر- محقق الوقوع والحصول، أو كالمحقق، وأن الراحة مشكوك فيها؛ فقد تحصل أو لا تحصل، وأن المعنى أسافر حتى أستريح، أو لا أن أستريح. فالسفر ليس موضع شك؛ وإنما الشك في الاستراحة؛ إذ لا يدري المتكلم أتتحقق أو لا تتحقين؟
ومثل المساواة في الشك المساواة في غيرها من المعاني الأخرى التي تدل عليها "أو" المتجردة للعطف المحض١.
لهذا كان استعمال: "أو" في معناها الصحيح محتاجا إلى يقظة ودقة فهم
_________________
(١) ١ تقدمت هذه المعاني عند الكلام على "أو" العاطفة في باب العطف "ج٣ م١١٨".
[ ٤ / ٣٣٢ ]
الأداة الثالثة ١: "حتى" الجارة للمصدر المنسبك من "أن" والجملة المضارعية:
_________________
(١) ١ وتنطبق عليها الأحكام العامة المشتركة بين الأدوات الخمس -وهي الأحكام التي في رقم ٢ من هامش ص٣١٧. ولا تتضح "حتى" الجارة على الوجه المحمود إلا بعرضها مع بقية أنواع "حتى" عرضا مناسبا؛ يكفي لتمييز كل نوع من غيره. أنواع "حتى" ثلاثة؛ أولها: العاطفة؛ وهي حرف عطف يفيد بلوغ الغاية في خمسة، أو شرف، أو قوة، أو ضعف، أو نحو هذا من كل ما يفيد كمالا أو نقصا، حسيين أو معنويين، أو يدل على حسن أو قبح كذلك. ومن أحكام هذا النوع أنه لا يدخل على الحروف، ولا يعطف المصادر المؤولة، ولا الضمائر -في الرأي الراجح- ولا الأفعال، ولا الجمل الفعلية ولا الاسمية، وإنما يعطف الاسم الظاهر الصريح فقط. "وقد سبق تفصيل الكلام على هذا النوع، وعلى أحكامه في باب العطف ج٣ ص٥٦٢ م١١٨". ثانيها: "حتى الابتدائية" وتفيد الدلالة على: "الغاية" ولو بتأويل أو تقدير، ولكنها لا تدخل إلا على جملة جديدة؛ مستقلة عن الجملة التي قبلها في الإعراب، مع اتصالهما معنى بنوع من الاتصال؛ كالتي في قول الشاعر: كريم يميت السر؛ حتى كأنه إذا استخبروه عن حديثك جاهله - و"كأن" من الحروف الناسخة التي لها الصدارة في أول جملتها. وهذا هو المراد من قول "الخضري" عند كلامه عليها في باب العطف ج٢: "إنها هي الداخلة على جملة مضمونها غاية لشيء قبلها"؛ أي: نهاية وآخر له؛ فتدخل على الجملة الاسمية نحو: "الصناعة مفيدة، حتى فائدتها الخلقية كبيرة". وتدخل على الجملة الفعلية الماضوية؛ نحو قول المتنبي يصف جيش الأعداء: وضاقت الأرض؛ حتى كان هاربهم إذا رأى غير شيء ظنه رجلا ونحو: "ارتفع صوت الحرية في القرآن العشرين حتى ملأ الأسماع، ودوى في المشارق والمغارب حتى زلزل حصون الاستبداد". وتدخل على الجملة المضارعية بشرط أن يكون زمن المضارع حالا حقيقية، أو مؤولة بالحال، وفي الصورتين يجب رفع المضارع. فالحال الحقيقية: "هي التي يكون زمنها هو زمن التكلم". وفي أثنائه يتحقق معنى المضارع؛ بحيث يكون الوقت الذي يجري فيه الكلام هو الوقت الذي يقع فيه -أول مرة- معنى هذا المضارع. أي: أن الزمن الحالي يجمع بين كلام المتكلم، وحصول معنى المضارع أول مرة -بالنسبة لهذا الكلام الذي يحوي المضارع، نحو: "أُصغي الآن للخطيب حتى أسمع وأفهم كلامه". "طبقا للبيان الآتي في ج من ص٣٣٨". والمؤولة بالحال نوعان: =
[ ٤ / ٣٣٣ ]
والكلام عليها -هنا- يتجه إلى ناحية معناها، وعملها، وحكم المضارع بعدها.
_________________
(١) = أ- إما مؤولة عن ماض: وهي التي يكون زمنها قد فات قبل التكلم، ومعنى المضارع قد وقع وانتهى، وتم كل هذا قبل النطق بالجملة المشتملة على "حتى" مع مضارعها. ولكن المتكلم يتخيل أن ذلك الزمن بما يحويه من معنى المضارع لم ينته، وأنه موجود قائم حين النطق بالجملة. وهذه الطريقة تسمى: "حكاية الحال الماضية" "وسيجيء تفصيل الكلام عليها هنا، وفي ج من ص٣٣٨. حيث نعرف الداعي لها، وأثرها النحوي والمعنوي". أما علامة هذه الحالة الماضية المحكية فصحة الاستغناء عن مضارعها، وإحلال ماضيه محله فلا يتغير المعنى، ولا يفسد التركيب "كما سيجيء في ص٣٤٨" وكما يوضحه المثال التالي في: "ب". ب- وإما مؤولة عن مستقبل؛ وهي التي يقع الكلام ويتحقق دون أن يقع ويتحقق زمنها وزمن مضارعها في أثنائه، أو قبل النطق به. ولكن المتكلم يتخيل أن زمنها قائم وقت الكلام. وعلى هذا لا يصح اعتبار: "حتى" ابتدائية إذا كان معنى المضارع الذي بعدها قد تحقق في زمن انتهى حقيقة، أو أنه سيتحقق في زمن مستقبل حقيقة، بغير تخيل الحال وحكايتها في كل واحدة منهما. فمثال حكاية الحال الماضية التي يتخيل المتكلم وقوعها وقت كلامه -على الرغم من أن زمنها قد فات حقا، وانتهى قبل أن يتكلم- قول المؤرخ: "يقيم الفراعنة المصريون القدماء مسلات ضخمة، حتى يكتبون على جوانبها تاريخهم، ومآثرهم". أي: حتى كتبوا. ومثال الحال المؤولة عن المستقبل: "يأتي الشتاء في الشهر القادم؛ وها هو ذا المطر ينهمر. ويشتد البرد حتى ترتجف منه أعضائي". ومثال الحال الحقيقة: "أقف الآن على شاطئ البحر والشمس منحدرة إلى مغربها حتى أتابع منظر غروبها -هذه الوردة في يدي أرقبها وأشمها، حتى أتمتع بلونها وبطيب رائحتها"- فمتابعة الغروب تتحقق في الزمن الذي ينطبق فيه المتكلم بالجملة المشتملة على "حتى"؛ فزمنهما واحد هو: الحال. كذلك التمتع بطيب الوردة ولونها؛ يقع في الزمن الذي يقع فيه النطق بالجملة المشتملة على "حتى" وهو الزمن الحالي. وفي هذه الأمثلة وأشباهها تعرب "حتى" حرف ابتداء يدل على "الغاية" والجملة بعدها مستقلة في إعرابها لا في معناها -وقد شرحنا في الصفحة التالية المراد من الغاية. ثالثها: "حتى" الجارة، وهي نوعان:
(٢) نوع يجر الاسم الظاهر الصريح "والظاهر: ما ليس ضميرا، والصريح: ما ليس مصدرا مؤولا" ومعناها: الدلالة على الغاية، نحو: قرأت الكتاب حتى الخاتمة. ولا شأن لنا بهذا النوع هنا -"فقد سبق تفصيل الكلام عليه في الجزء الثاني، باب حروف الجر، م٩٠ ص٤٤٥".
(٣) ونوع يجر المصدر المؤول من "أن" المضمرة وجوبا وما دخلت عليه من جملة مضارعية. ومعنى "حتى" إما الدلالة على الغاية، وإما الدلالة على التعليل، وإما الدلالة على الاستثناء، والنوع الجار للمصدر المؤول -وإن سبق مجملا في الموضع السالف- هو موضوع التفصيل في كلامنا الآن. لكن الكوفيين يعتبرون "حتى" حرفا مصدريا ينصب المضارع بنفسه مباشرة، ويجيزون ظهور "أن" المصدرية بعده فتكون للتوكيد اللفظي. "انظر البيان في "ب" ص٣٥٠"، "ملاحظة": يصح حذف ما دخلت عليه "حتى" مهما كان نوعها بشرط ألا يكون اسما صريحا مجرورا بها. ومن الأمثلة قول الشاعر وقد ذهب لزيارة شخص: فلما لم أجدك -فدتك نفسي- رجعت بحسرة وصبرت حتى يريد: حتى يأذن الله -مثلا.
[ ٤ / ٣٣٤ ]
أ- فأما معناها فالدلالة على "الغاية"، أو: على "التعليل"، أو: على "الاستثناء".
فتدل على الغاية إذا كان المعنى بعدها نهاية حقيقة لمعنى قبلها ينقضي تدريجا لا دفعة واحدة، ولا سريعا، ويترتب على تحقق المعنى الذي بعدها أن ينقطع المعنى السابق فورا، وأن يتوقف بمجرد تحقق اللاحق وحصوله؛ نحو: "يمتد الليل حتى يطلع الفجر" -"يزداد الحر نهار الصيف حتى تغيب الشمس، ويزداد البرد ليل الشتاء حتى تشرق"- "يسرع القطار حتى يدخل المحطة، والطائرة حتى تدخل حظيرتها" فامتداد الليل يستمر تدريجا إلى أن يظهر الفجر، وعند ظهوره ينقطع الامتداد ويختفي. وازدياد الحر يدوم إلى أن تختفي الشمس، ومتى اختفت انقطع الازدياد وتوقف وهكذا بقية الأمثلة ونظائرها مما تقع فيه: "حتى" دالة على الغاية "أي: على نهاية المعنى الذي قبلها، وانقطاعه، بسبب ظهور معنى جديد بعدها، وابتداء حصوله وتحققه"، ولذا يسمونها: "حتى الغائية" أو: "حتى التي بمعنى: إلى": لدلالة كل واحدة منهما على انتهاء ما قبلها بمجرد حصول ما بعدها. ولا بد أن يكون المعنى السابق من الأمور التي تنقضي شيئا فشيئا -كما نرى- فلا ينقضي مرة واحدة، ولا ينقطع بغير تمهل.
والضابط الذي تتميز به "حتى الغائية" من غيرها هو صحة حذفها، وإحلال "إلى"١ محلها من غير أن يفسد المعنى، أو التركيب.
_________________
(١) ١ إنما تدل "إلى" على الغاية بالتفصيل الذي سبق عنها في حروف الجر -ج٢ م٩٠ ص٣٦٦- وعند التقدير نقول: "إلى أن " فيزاد بعدها الحرف "أن"؛ لمجرد الإيضاح والتفسير؛ لأنه الناصب للمضارع. ويوضح هذا ما يجيء -تحت عنوان: "ثالثها"، في هامش ص٣٣٧- خاصا بالكلام على "حتى" بمعنى "إلا" فكأن الذي يحل محل "حتى" هو: "إلى أن". لكن لا يصح إظهار "أن" بعد "حتى" مطلقا.
[ ٤ / ٣٣٥ ]
وتدل على "التعليل" إذا كان ما قبلها سببا وعلة فيما بعدها١؛ نحو: "نقرأ الصحف حتى نعرف الشئون الداخلية والخارجية، ونستمع إلى الإذاعة حتى نعلم ما يدور في البلاد المختلفة"؛ فقراءة الصحف هي السبب في معرفة الشؤون الداخلية والخارجية، والاستماع إلى الإذاعة هو السبب في العلم بما يدور في البلاد المختلفة. فما قبل: "حتى" هو العلة والسبب فيما بعدها٢؛ ولهذا، تسمى: "التعليلية".
ومن الأمثلة أيضا؛ "تحرص الأمم على نشر التعليم حتى تنهض وتقوى، وتتنافس في ميادين الصناعة حتى تفوز بأكبر قسط من مزاياها، وتتسابق إلى كشف الكواكب حتى تستأثر بما فيها"
وتدل على "الاستثناء" -كإلا- إذا لم تصلح للدلالة على الغاية أو على التعليل؛ فلا بد من القطع بعدم صلاحتها "للغاية، أو للتعليل" قبل جعلها للاستثناء الخالص. نحو: "لا يصلح الوالي للحكم حتى يلتزم العدل، ويحرص عليه" والتقدير: لا يصلح الوالي للحكم إلا أن يلزم العدل". "فحتى" هنا بمعنى: "إلا" -وعند التقدير نقول معناها: "إلا أن"، فتظهر "أن" بعد "إلا" في حالة التقدير فقط، لمجرد الإيضاح، ولا يصح إظهار بعد "حتى"- ولا تصلح أن تكون "غائية" ولا "تعليلية"؛ إذ لو كانت "غائية" لوجب أن ينقضي المعنى قبلها تدريجيا -كما سبق- والنفي من المعاني التي تنقضي دفعة واحدة؛ لأنه حكم بالسلب على أمر، والحكم بالسلب ينصب سريعا، دفعة واحدة؛ لا تدريجا -في الصحيح٣
_________________
(١) ١ أهذا يوافق قولهم: إن "حتى التعليلية" بمعنى "كي التعليلية" التي يكون ما بعدها علة فيما قبلها؟ أم أن المسألة اعتبارية؟ المراجع في هذا مضطربة. ٢ لأن السبب متقدم في زمنه على المسبب حتما. ٣ وهنا اعتبار آخر؛ هو أن الكلام قبل "حتى" منفي في هذه الصورة؛ والمنفي لا يزول معنى نفيه إذا كانت "حتى" للغاية وتحققت الغاية. فعند تحققها يبقى معنى النفي قبل "حتى" على حاله. ويترتب على بقائه فساد المعنى؛ إذ يكون التقدير: لا يصلح الوالي للحكم إلى أن يلتزم العدل، فإذا تحقق التزامه العدل لا يصلح للحكم. =
[ ٤ / ٣٣٦ ]
ولو كانت "تعليلية" لوجب أن يكون ما قبلها سببا وعلة فيما بعدها. وهذا لا ينطبق على ما نحن فيه؛ إذ ليس عدم صلاح الوالي للحكم هو السبب في أنه يلتزم العدل.
ومن أمثلة "حتى" التي بمعنى: "إلا" قول علي ﵁: "لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه"١.
وكذلك قول شوقي:
وما السلاح لقوم كل عدتهم حتى يكونوا من الأخلاق في أهب٢
٣
_________________
(١) = وبهذه المناسبة نشير على أهم الأحكام الخاصة "بحتى الاستثنائية"؛ وقد نبه العلماء إليها؛ لدقتها، وخفائها على كثير: "أولها" أن "حتى" الاستثنائية تسبق -كثيرا- بنفي؛ يجعل معنى الجملة التي قبلها منفيا. "ثانيها" أن معنى الجملة المشتملة على هذا النفي يظل على حاله عند التقدير مستمرا ومنفيا لا ينقطع استمراره ونفيه بوقوع ما بعدها، مهما كانت الأحوال. والسبب في هذا أن الاستثناء الذي تتضمن معناه، وتدل عليه "هو استثناء منقطع" -في الأعم الأغلب- "أي: لا يكون فيه المستثنى. من جنس المستثنى منه، فهي بمعنى: "لكن" ساكنة النون". كالذي هنا، وقد يكون متصلا أحيانا كالذي في يقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ فهي للاستثناء المتصل من عموم الأحوال. "ثالثها" أن "حتى" تتضمن معنى "إلا" الخالية من "أن" بعدها. أما "أن" التي تظهر في تأويل الجملة فهي "أن" المصدرية المضمرة وجوبا بعد "حتى". فإذا وضعنا "إلا" مكان "حتى" ظهرت "أن" المضمرة؛ إذ لو كانت "حتى" بمعنى: "إلا" و"أن" معا لتكررت "أن" عند التأويل، وصار الكلام: لا يصلح الوالي للحكم، "إلا أن أن" يلتزم العدل، بذكر "أن" مرتين؛ إحداهما التي كانت مضمرة وجوبا مع "حتى" والأخرى هي المزعومة خطأ بعد "إلا". ١ استقامة اللسان: ترك الغيبة والنميمة، وكل لفظ يؤذي. ٢ جمع: إهاب، بمعنى: جلد. ٣ ومن الأمثلة أيضا قول المتنبي: لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراقَ على جوانبه الدم وقول الآخر: ولا ألين لغير الحق أتبعه حتى يلينَ لضرس الماضغ الحجر =
[ ٤ / ٣٣٧ ]
ب- وأما عملها: فالجر باعتبارها حرف جر أصلين بشرط أن يكون المضارع بعدها منصوبا بأن المصدرية، المضمرة وجوبا.
وهذا النوع الجار من أنواع "حتى" "وهو الذي يعنينا هنا" لا يجر إلا المصدر المنسبك من "أن" المصدرية مع صلتها الجملة المضاريعة. ففي مثل: "الصبر يحمي النفس الحزينة، حتى تفيء إلى السكينة، يكون الإعراب: "حتى" حرف جر "تفيء" فعل مضارع، منصوب "بأن" المضمرة وجوبا بعد "حتى". والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره: "هي". والمصدر المسؤول من "أن" وما دخلت علهي من الجملة المضارعية مجرور "بحتى". والتقدير: حتى إفاءتها وهذا الجار ومجروره متعلقان بالمضارع: "يحمي"
وهي تعمل الجر دائما ولو كان معناها: "الاستثناء"؛ فشأنها في الاستثناء والجر معا كشأن "خلا، وعدا، وحاشا"، وهذه الثلاثة حروف جر، ومعناها: الاستثناء.
ح- وأما حكم المضارع بعدها: فتارة يجب رفعه؛ فتكون ابتدائية١، وتارة يجب نصبه بأن مضمرة وجوبا، فتكون جارة للمصدر المؤول بالطريقة التي أوضحناها، وتارة يجوز فيه الأمران؛ فتكون ابتدائية عند رفعه، وجارة عند نصبه بالحرف المصدري "أن". وفي كل أحوال المضارع لا يجوز أن يفصل بينه وبين "حتى" فاصل مذكور أو مقدر إلا "أن" المضمر وجوبا٢ في حالة نصبه.
١- فيجب رفعه في كل حالة تستوفي ثلاثة شروط مجتمعة٣:
_________________
(١) = وكذلك: لا تسدين إلى عارفة حتى أقوم بشكر ما سلفا "والعارفة: المعروف، وإسداؤها: تقديمها وبذلها". ١ سبق معنى "الابتدائية" في هامش ص٣١٤. ٢ ويجيز النحاة "كما أشرنا في رقم ٢ من هامش ص٣١٧" الفصل بينهما بالظرف، أو الجار مع مجروره، أو بالقسم، أو بالمفعول، أو بالشرط الذي فعله ماض. وهذا الرأي حسن؛ إذ فيه تيسير. ٣ فيما يلي الشرط الأول، أما الثاني والثالث ففي ص٣٤٣.
[ ٤ / ٣٣٨ ]
الشرط الأول: أن يكون زمن المضارع للحال حقيقة أو تأويلا، والحال الحقيقية -كما سلف-١ هي التي يقع فيها الكلام؛ فزمنها زمن النطق بالكلام المشتمل على "حتى". أي: أن الزمن الذي يحصل فيه الكلام هو نفسه الزمن الذي يجري فيه -أول مرة-٢ معنى المضارع التالي لها. فلا بد أن تجمع الحال الحقيقية بين الأمرين؛ وهما: الكلام المشتمل على "حتى"، وحصول معنى المضارع الذي يتلوها؛ بحيث يتكلم الناطق بها وبجملتها في وقت تحقق معنى المضارع وحصوله أول مرة؛ نحو: "ينساب هذا الماء بين الزروع حتى تشرب" فالشرب -وهو معنى المضارع التالي: "حتى"- يتحقق ويحصل فعلا أول مرة في الوقت الذي يتكلم فيه المتكلم بالجملة؛ فزمن النطق والشرب واحد؛ هو: الزمن الحالي، وهو الذي يجمع بينهما. ومثل: "يسمع الطبيب دقات القلب الآن حتى يعرف أمره. ويجس نبض المريض حتى يسترشد به في معرفة الداء". بشرط أن يقال هذا في وقت استماع الطبيب للدق، وجس النبض. ومثل: "أشاهد العواصف تشتد الساعة حتى تقتلع الأشجار، وتزداد شدة وعنفا حتى تهدم البيوت، وتغرق السفن، وتسقط الطائرات" بشرط أن يكون الزمن الذي يتحقق فيه معنى الأفعال المضارعة التالية "حتى" في كل ما سبق هو زمن النطق بالكلام، فكأن الناطق بالمضارع الحالي الزمن يقول: الأمر الآن كذا وكذا، أي: شأنه في الحال القائمة كذا وكذا
فالمضارع في الأمثلة السالفة -وأشباهها- مرفوع وجوبا٣. و"حتى" حرف ابتداء، يدل على أن الجملة بعده جديدة مستقلة عما قبلها في الإعراب دون المعنى؛ إذ لا بد من اتصالها فيه -كما عرفنا.
ولا مانع أن يستمر معنى المضارع الحالي الزمن؛ فيمتد وقته بعد انتهاء
_________________
(١) ١ في هامش ص٣٣٣. ٢ أوضحنا في هامش ص٣٣٣ المراد من أنه "أول مرة"، بأن يتحقق المعنى وقت الكلام فعلا، وأنه لم يكن قد تحقق قبله، أما إذا تحقق قبله وأريد إنزاله منزلة ما يتحقق وقت الكلام فإنه يكن حالا مؤولة -كما سيجيء في الصفحة التالية. ٣ سيجيء في ص٣٤٩ أنه لا يصح نصبه بأنه المضمر؛ لأنها تخلص زمن المضارع للاستقبال، والاستقبال يعارض الحال..
[ ٤ / ٣٣٩ ]
النطق بالجملة المشتملة على: "حتى" وإنما الممنوع أن ينقضي معناه قبل النطق بكلمة "حتى"؛ فيكون ماضي المعنى. أو أن يتأخر بدء تحققه إلى ما بعد النطق بها والفراغ منها؛ فيكون تحققه في زمن مستقبل حقيقي بالنسبة لها؛ إذ يتحقق بعد الانتهاء من التكلم بجملتها.
أما الحال المؤولة "أو: المحكية" فلها صورتان، لا بد في كل منهما من قرينة تدل على حكايتها.
الصورة الأولى: الزمن الماضي المؤول بالحال، وهو الذي يكون فيه معنى المضارع قد تحقق وانتهى فعلا قبل النطق بالجملة، وكان المناسب أن يذكر الفعل بصيغة الماضي، ولكنه يعاد ذكره بصيغة المضارع بقصد حكاية الحال١ لماضية التي ترشد إليها القرينة -بالطريقة التي شرحناها٢..
وفي هذه الصورة التي يكون فيها زمن المضارع حالا١ ماضية ولكنها مؤولة -يجب رفعه، وتكون "حتى" ابتدائية؛ كما وجب رفعه في الزمن الحالي حقيقة وكانت فيه "حتى" ابتدائية أيضا.
ومن أمثلة الحال الماضية المؤولة أن يقول أحدنا اليوم "هذا زهير الشاعر الجاهلية، يراجع قصيدته حتى تجود بعد حول في مراجعتها؛ فيذيعها، ولذا تسمى قصائده: "الحوليات" ". فمعنى المضارع -وهو الجودة بعد الحول- أمر فات حقا قبل النطق بكلمة: "حتى" وبجملتها. كفوات المراجعة. وزمن الأمرين في حقيقته ماض، ولكن التحدث عنهما بصورة المضارع -قصد به حكاية ما مضى، وإرجاع ما فات، على تخيل أنه يقع الآن -في وقت الكلام- أو على تخيل أن المتكلم قد ترك زمانه الذي يعيش فيه، ورجع إلى الزمن السالف الذي يتحقق فيه المعنى أمامه ساعة النطق، وكأنه من أهل ذلك العصر القديم. ووجود الرفع هنا يعتبر الدليل على الحكاية٣، وعلى ما يترتب عليها من أثر معنوي.
_________________
(١) ١ و١ أي: الحالة، أو: الحادثة. ٢ في هامش ص٣٣٣. وهناك -وكذا في ص٣٤٨- العلامة التي تدل على أن الماضي محكي الدلالة الزمنية. ٣ في هامش الصفحة التالية ما يزيد "حكاية الحال الماضية" وضوحا. أما أثرها المعنوية الذي ذكرناه فيزداد بيانا بما في رقم ١ من هامش ص٣٤٧.
[ ٤ / ٣٤٠ ]
ويسمى هذا الاتجاه: "حكاية الحال الماضية"، أي: إعادة حالة سبقت وحادثة وقعت، وترديد قصتها وقت الكلام، وكأنها تحصل أول مرة ساعة النطق بها، مع أنها -في حقيقة الأمر- قد حصلت من قبل، وانتهى أمرها قبل ترديدها. وهذه الصورة الغالبة في الحكاية.
والغرض من "حكاية الحال الماضية" هو الإشعار بأهمية القصة، وبصحة ما تضمنته من معنى قبل "حتى" وبعدها؛ لادعاء أنها تقع الآن -في وقت الكلام- وأن ما بعد "حتى" مسبب عما قبلها، وغاية له، فيثور الشوق إلى سماعها ويمتزج السامع بجوها.
ومن الأمثلة أيضا: "انظر إلى الفراعين يبنون قبورهم في حياتهم منحوته في الصخر الأصم حتى تستريح نفوسهم لصلابتها وقوتها، وربما أخفوها حتى يأمنون الأيدي الغابثة بها " فزمن بناء القبور قد انتهى وانقضى، وكذلك الاستراحة، والإخفاء، والأمن فكان المناسب ذكر هذه المعاني بصيغة الماضي لا المضارع، ولكن جيء بالمضارع على سبيل "حكاية الحال الماضية"؛ ليكون من وراء ذلك توجيه الأنظار إلى القصة الهامة العجيبة، وأنها صحيحة؛ كأنها تقع الآن أمامنا ساعة التكلم بما يلابسها من غرائب؛ وكأن التكلم يطلب إلى السامع التنبه إلى ما يحيط بها، وأن يستعيد صورتها كاملة ويعيش -ساعة سماعها- في جو يشابه الجو الحقيقي الذي ولدت فيه أول أمرها، دون الاكتفاء بالسماع المجرد. أو يريد منه أن ينتقل بخياله إلى العصر الحقيقي الذي وجدت فيه، ليشاهد وقت الكلام نشأتها، وتحققها هناك. فالتعبير عن القصة الماضية بصيغة المضارع و"الحال المحكية" يجعل القصة الماضية بمنزلة ما يحصل أمامنا الآن، أو يجعلنا بمنزلة من تقدم بهم الزمان فشاهدوها في وقتها الحقيقي السالف. والأمران على سبيل التخيل المحض، ولهذا يعتبر زمن المضارع حاليا تأويلا١، لا حقيقة، ويجب
_________________
(١) ١ راجع ج٢ من الصبان والخضري، باب: "إعمال اسم الفاعل"؛ حيث بيان الأمرين، وطريقتي الحال الماضية. ونزيدهما وضوحا؛ فنقول: إذا كان المعنى الذي بعد "حتى" قد وقع وانتهى زمنه قبل النطق بالجملة التي تشتمل عليها، وأريد التعبير عنه فالتعبير بالفعل الماضي هو المناسب له، والأليق. غير أن هناك بعض دواع بلاغية ومعنوية أوضحناها تدعو -أحيانا- إلى ترك التعبير بالماضي وإلى العدول=
[ ٤ / ٣٤١ ]
رفعه مراعاة لهذه الحالية التأويلية. ولا بد في حكاية الحالة هذه من قرينة تدل على الحكاية.
والصورة الثانية: -وهي صورة أقل استعمالا من الأولى- ويراد بها حكاية الحالة المستقبلة التي لم تقع بعد، والتعبير عنها بما يدل على أنها تقع الساعة، وتحصل الآن "أي: وقت الكلام" مع أنها لم تقع ولم تتحقق قبل الكلام، ولا في أثنائه.
والغرض منها: إفادة القطع بمجيئها، وأنها آتية لا محالة، فهي بمنزلة ما وقع وتحقق، أو يقع ويتحقق في أثناء الكلام. ولا بد في هذه الحكاية من قرينة تدل عليها. ومن أمثلتها قول أحدهم: "ويل للمشرك يوم القيامة، إني أراه الآن يتلفت حتى يجد الشفيع ولا شفيع يومئذ، وأمعه يصرخ حتى يسمع النصير، ولا نصير".
_________________
(١) = عنه للمضارع الذي يقوم -مع القرينة- مقامه تأويلا وتنزيلا. وهذا يسمى: "حكاية الحال الماضية". وتقوم على أحد اعتبارين. أولهما: تخيل المتكلم أن المعنى الماضي الذي حصل وتحقق قبل النطق بالكلام -لم يحصل ولم يتحقق فيما مضى، وإنما يحصل ويتحقق وقت الكلام، أي: في الزمن الحالي؛ فكأن هذا المعنى يحصل ويتحقق أمامه الآن؛ لهذا يعبر عنه بفعل مضارع يدل على الحال. وثانيهما: أن يتخيل -أيضا- أنه لا يعيش في الزمن الذي يتكلم فيه، إنما رجع به زمنه إلى الوراء؛ ونقله من عصره الحاضر القائم إلى عصر مضى، ووقع فيه ذلك المعنى، فكأن المعنى يقع أمامه ويتحقق في الزمن الذي ينطق ويتكلم فيه بذلك المعنى؛ وهو: "الحال" ويجيء بالمضارع ليعبر عن هذا المعنى، وزمنه، بدلا من الماضي. فحكاية الحال الماضية قائمة تخيلا؛ إما: على تقديم المتكلم ونقله من زمنه الذي يعيش فيه إلى زمن سبق، وتحقق فيه المعنى، وإما: على تأخير زمن المعنى إلى عصر المتكلم. وفي الحالتين يستعمل المضارع بدل الماضي؛ للدلالة على أن زمن المعنى وزمن التكلم واحد؛ هو: الزمن الحالي. وكل هذا على سبيل التخيل، والتأول، والحكاية؛ فتحدث الآثار المشار إليها هنا وفي ص٣٤٦. ويوضح الاعتبارين السالفين المثال الآتي يقوله أحدنا اليوم. دعا الرسول ﵇ قومه إلى طاعة ربه، وإلى ترك المرذول من عادات الجاهلية، فبذل الجهد في هذا السبيل، واحتمل الأذى من قومه، وصبر على ما لقيه من العنت والاضطهاد. فهذه قصة وقع معناها، وتحقق فعلا قبل النطق هنا؛ فالتعبير عنها بالفعل الماضي هو المناسب لها. لكن المتكلم قد يعدل عنه إلى التعبير بالمضارع؛ لسبب بلاغي ومعنوي -كما أشرنا- فيقول: "وهو يتخيل أن الزمن تقدم به إلى عصر النبي، فهو يشاهدها فيه، أو أنها تأخرت إلى عصره فهو يشاهدها كذلك، وفي الحالتين يكون زمن مشاهدتها والتكلم بها واحدا، هو: الزمن الحالي": إن رسولنا يدعو قومه ويبذل الجهد ويحتمل الأذى ويصبر
[ ٤ / ٣٤٢ ]
الشرط الثاني: من شروط رفع المضارع بعد "حتى"١ : أن يكون ما بعدها مسببا عما قبلها؛ كالأمثلة السالفة -ليقع الربط بين ما قبلها وما بعدها-٢ فإن لم يكن مسببا عما قبلها لم يصح رفع المضارع، ووجب اعتبارها جارة ينصب بعدها "بأن" مضمرة؛ وجوبا -نحو: "يقضي هؤلاء الزراع نهارهم في العمل حتى تغرب الشمس". فغروب الشمس ليس مسببا عن قضاء النها رفي العمل، فيجب نصب المضارع: "تغرب"، ولا يجوز رفعه ؛ ونحو: "يحرص هذا البخيل على ماله حتى يموت"، فالموت ليس مسبا عن البخل؛ ولهذا يجب نصب المضارع
الشرط الثالث: أن يكون ما بعد "حتى" فضله "أي: تم الكلام قبله من الناحية الإعرابية كالأمثلة المتقدمة" لا جزءا أساسيا في جملة لا تستغني عنه في إتمام ركنيها الأصليين؛ "فلا يكون خبرا لمبتدأ٣، أو خبرا لناسخ٤ ،" فإن لم يكن فضلة لم يصح الرفع، ووجب النصب بأن مضمرة وجوبا بعد "حتى"، نحو: "عملي حتى تغرب الشمس -كان عملي حتى تغرب الشمس- إن عملي حتى تغرب" فالمصدر المنسبك من "أن" المضمرة وما دخلت عليه مجرور بـ"حتى" والجار والمجرور خبر المبتدأ، أو خبر الناسخ
"ملاحظة": علامة كونه حالا أو مؤولا به صحة الاستغناء عن "حتى" مع وضع "الفاء" الداخلة على كلمة: "الآن" مكانها؛ فلا يتأثر المعنى، ولا الأسلوب٥ ويجب حينئذ أن يكون ما بعدها فضلة. ومسببا عما قبلها.
_________________
(١) ١ سبق الشرط الأول في ص٣٣٩. ٢ وهذا الربط معنوي بين الجملتين، يقوم على أساس السببية والمسببية؛ لعدم وجود رابط لفظي بينهما. أما في حالة نصب المضارع فإن الربط اللفظي موجود؛ وهو تعلق الجار والمجرور "أي: حتى وما دخلت عليه" بالعامل قبلها. ٣ لأن الجار مع مجروره "كحتى مع مجرورها" لا يكون جزءا أساسيا في جملة إلا حين يكون خبرا لمبتدأ، أو: لناسخ، أو: بمنزلة الخبر، أو: يكون نائب فاعل. ٤ الناسخ يشمل: "ظن وأخواتها" مما ينصب مفعولي أصلهما المبتدأ والخبر. وإنما وجب أن يكون ما بعدها فضلة؛ لأن "حتى" الابتدائية لا تدخل إلا على جملة مستقلة في إعرابها عما قبلها -كما أوضحنا- فإذا جاء ما بعدها غير فضلة كان جزءا أساسيا مما قبلها فلا تكون ابتدائية. ٥ بأن نحذف كلمة "حتى" ونضع مكانها كلمتان: هما "الفاء" "والآن" أي: فالآن.
[ ٤ / ٣٤٣ ]
٢- ويجب نصب المضارع في كل حالة من الحالات الثلاث السالفة التي لا تصلح للرفع؛ وهي:
أ- أن يكون زمنه -وقت التكلم- ليس حالا، حقيقة ولا تأويلا، بأن كون زمنه ماضيا١ خالصا، أو مستقبلا خالصا، فمثال الماضي المحض؛ "في سنة عشرين من الهجرة تم فتح مصر على يد العرب حتى ينقدوها من ظلم الرومان" فالفتح والإنقاذ وقعا في زمن خالص المضي، وبقيا هنا على حالهما من غير تأويل زمنهما بالحال. ومثل: "بنى العباسيون مقياسا للنيل بجزيرة الروضة٢ حتى يعرفوا زيادته ونقصه".
ومثال المستقبل الحقيقي: "في الشهر القادم يزور بلادنا وفود من العلماء الأجانب حتى يطلعوا على مظاهر الحضارة والتقدم عندنا، وسننتهز فرصة وجودهم للانتفاع بعلمهم وتجربتهم حتى تقوم مشروعاتنا العمرانية الجديدة على أسس علمية وفنية صحيحة"؛ فالمراد: لكي يطلعوا في المستقبل "الشهر القادم" على مظاهر الحاضرة، ولكي تقوم مشروعاتنا في المستقبل على أسس علمية بعد زيارتهم، وكذلك بعد انتهاز الفرصة للانتفاع بهم. والزمن المستقبل هنا هو الزمن الاتي حقا، ولا يكون مجيئهم إلا بعد انتهاء الكلام، وقول الشاعر:
يا ليت من يمنع المعروف يمنعه حتى يذوق رجال غب ما صنعوا
أي: لأجل أن يذوق أولئك الرجال في المستقبل غب ما صنعوه. والمستقبل
_________________
(١) ١ الفرق بين المضارع الذي يكون زمنه خالص المضي "أي: باقيا على مضي زمنه" والمضارع الذي كان أصله زمنه ماضيا ثم صار للحال حكاية وتأويلا -وهو أن الأول حكمه النصب، وأن الكلام قبل "حتى" يفيد الإخبار بوقوع معناه وتحققه، وأن معنى الكلام بعدها مترقب الحصول في المستقبل، ينتظر تحققه ووقوعه، من غير أن يفيد الجزم بتحققه ووقوعه. أما الثاني فحكمه الرفع، والمعنى بعد "حتى" مسبب عن المعنى قبلها، وغاية له، وكلاهما واقع متحقق، غير أن المعنى قبلها واقع متحقق على سبيل الحقيقة، والمعنى بعدها واقع على سبيل حكاية الحال، مع إفادة أنه مسبب عن الأول "ولهذا إيضاح في ص٣٤٨". وعلى المتكلم أن يلاحظ عند ضبط المضارع بالرفع أو النصب ما يترتب على نوع الضبط من الآثار المعنوية؛ فيختار النوع الذي يؤدى للمعنى المراد. ٢ في الجنوب الغربي من مدينة القاهرة الحالية.
[ ٤ / ٣٤٤ ]
هو الزمن الذي يأتي بعد أن يذوقوا المنع١
ب- أن يكون ما بعد "حتى" غير مسبب عما قبلها؛ فينصب المضارع وجوبا في هذه الصورة؛ نحو: "أصوم يومي هذا حتى يجيء المغرب"، فمجيء المغرب ليس مسببا عن الصيام. ونحو: "يتسابق السباحون حتى ينتهي الوقت"، فانتهاء الوقت ليس مسببا عن التسابق
ح- أن يكون ما بعد "حتى" غير فضلة. فينصب المضارع وجوبا إذا كان ما بعدها جزءا أساسيا في الإعراب من جملة قبلها ؛ نحو: سهري حتى أنجز عملي. أو: كان سهري حتى أنجز عملي أو: إن سهري حتى أنجز عملي
فكلمة: "حتى" في الحالات الثلاث حرف جر أصلي، والمضارع بعدها واجب النصب "بأن" مضمرة وجوبا. و"أن" وما دخلت عليه من المضارع وفاعله في تأويله مصدر مجرور "بحتى"، والجار والمجرور متعلقان بعامل مناصب في الكلام.
أما معناها في هذه الحالات فخاضع لما يناسب كل حالة؛ فقد يكون الدلالة على الغاية، أو الدلالة على التعليل. أو على الاستثناء، طبقا لما شرحناه٢، ولا مانع أن تجيء "حتى" صالحة للدلالة على أكثر من معنى واحد، عند فقد القرينة التي تعين معنى دون غيره.
٣- ويجوز رفع المضارع ونصبه إذا كان معناه مستقبلا بالنسبة للمعنى الذي قبل: "حتى" بأن يكون المعنى بعدها قد تحقق قبل الزمن الحالي كما تحقق المعنى قبلها؛ فكلاهما قد وقع وتحقق فعلا قبل النطق بالكلام الذي قبلها والذي بعدها غير أن تحقق معنى المضارع تأخر عن تحقق المعنى السابق عليها؛
_________________
(١) ١ ومما يصلح للمستقبل الحقيقي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ . ٢ في ص٣٣٥ وما بعدها.
[ ٤ / ٣٤٥ ]
فهو مستقبل بالنسبة للسابق، أي: أن المعنيين قد وقعا وحصلا قبل النطق بالكلام، ولكن أحدهما وهو الذي قبل "حتى" -أسبق في زمن تحققه وحصوله من المتأخر عنها؛ ولهذا يعتبر المتأخر في زمنه "وهو ما يلي "حتى" مستقبلا بالنسبة لما قبلها١؛ لتحقق معناه بعد ذلك المتقدم عليها. وكل هذا بغير: "حكاية الحال الماضية" ويغير تخيل أنها قائمة الآن٢ بطريق الحكاية.
ومن الأمثلة ما قاله أحد المؤرخين: "بنى المعز لدين الله الفاطمي مدينة القاهرة حتى تكون مقرا لحكمه، ومأوى يتسع لأعوانه وجنده. ولما تم بناؤها عرت عليه أسماء كثيرة حتى يختار منها اسما؛ فاختار لها: "القاهرة" " فالمعنى قبل "حتى" -وهو بناء القاهرة- قد تحقق وفات. وكذلك اتخاذها مقرا للحكم ومأوى. إلا أن البناء تحقق أولا، ثم تحقق بعد المقر. فالمقر معنى متأخر في زمن حصوله على زمن البناء، ولهذا يعتبر مستقبلا بالنسبة لزمن البناء
وكذلك تمام بنائها أمر فات وانتهى، ومثله اختيار اسم لها. فالمعنيان قد فاتا وانقضى زمنهما. غير أن اختيار الاسم متأخر عن تمام البناء، فهو مستقبل بالنسبة لتمام البناء، بالرغم من أن كلا منهما قد انتهى وانقضى. ولكن أحدهما "وهو ما يلي "حتى" متأخر في زمنه عما سبقها ؛ وبسبب هذا التأخر كان مستقبلا بالنسبة للسابق، من غير حكاية حال ماضية، ولا تخيل إرجاعها.
ومن الأمثلة أيضا قول مؤرخ آخر: "استطاع المسلمون الأوائل فتح فارس. والشام، ومصر، في شهور قلائل؛ لأن سلطان العقيدة غلب كل سلطان آخر، فوجب الرجل منهم نفسه للقتال حتى ينتهر أو يموت شهيدا، لا يعرف التردد، ولا الفرار، ولا الخيانة. وخاض المعركة حتى يبلغ أمنيته في النصر أو الاستشهاد ؛ فالمعنى قبل "حتى" -وهو: الهبة للقتال- قد مضى وانتهى. وكذلك المعنى بعدها؛ وهو: النصر، أو الموت. إلا أن الهبة أسبق في مضي زمنها؛ ولذا يعد الثاني -وهو المتأخر في زمن انقضائه- مستقبلا بالنسبة للأسبق.
_________________
(١) ١ يجب التنبه إلى أن استقباله إنما هو بالنسبة للمعنى الذي قبل "حتى" فلو كان زمنه مستقبلا أو حاليا بالنسبة لزمن التكلم لوجب تغيير الحكم بما يوافق هذا ويناسبه. ٢ لأن تخيل الحال الماضية وحكايتها، يجعل زمن المضارع للحال تأويلا كما سبق. فيرفع وجوبا ويترتب على الرفع الآثار المعنوية التي شرحناها، "في رقم ١ من هامش ص٣٤٤".
[ ٤ / ٣٤٦ ]
ومثل هذا يقال في خوض المعركة، وفي بلوغ الأمنية، فكلاهما ماضي المعنى قد فات وقته حقا، إلا أن خوض المعركة أسبق في المضي من بلوغ الأمنية، فكان بلوغ الأمنية -بسبب تأخر زمنه- مستقبلا بالنسبة لخوض المعركة.
وجواز الفرع والنصب في هذه الحالة وأشباهها قائم على أساس التأويل؛ فالرفع على تخيل زمن المضارع حالا مؤولة افتراضا، من غير حكاية؛ لأن المضارع الذي للحال المحكية يجب رفعه -كما تقدم-١ والنصب إما على اعتباره مستقبلا بالنسبة للمعنى الذي قبل "حتى"، لا بالنسبة لزمن التكلم. وإما على اعتبار العزم والنية على تحقيق معنى المضارع قبل وقوع معناه.
وفي صورة رفعه تكون "حتى" ابتدائية، وفي صورة نصبه تكون جارة والمضارع بعدها منصوب بأن المضمرة وجوبا -كما أسلفنا.
ومن الخير عدم استعمال هذه الصورة القليلة التي يصح فيها الأمران١، وإهمالها قدر الاستطاعة.
فملخص الحالات الثلاث الخاصة بالمضارع الواقع بعد "حتى"، هي:
أ- وجوب رفعه واعتبار "حتى" ابتدائية -إذا كان زمنه للحال حقيقة أو تأويلا٢، وكان مسببا عما قبله، وفضله. فوجوب الرفع لا يتحقق إلا باجتماع هذه الشروط الثلاثة.
ب- وجوب نصبه بأن مضمرة وجوبا بعد "حتى" مع اعتبار "حتى" حرف جر، إذا كان زمن المضارع ماضيا حقا، أو مستقبلا استقبالا حقيقيا
_________________
(١) ١ و١ التفرقة دقيقة بين هذه الصورة والحال المؤولة، ولهذا اعتبرهما -بحق- فريق من النحاة شيئا واحدا، وخالف بعض المحققين: بأن حكاية الحال المؤولة توجب الرفع، وتفيد معنى هاما لا يستفاد من غيرها، وقد شرحناه في الصفحات الماضية "كالذي في رقم ١ من هامش ص٣٤٤". أما تأويل المضارع الذي ليس للحال بالحال من غير قصد حكاية فيجيز الأمرين ويفيد المعنى نوع تقوية يجعله قريبا من المحكي في أنه بمنزلة الأمر المحقق الآن. وفي كل هذا تشعيب وتكلف يجعل الرأي الذي يرفض هذا النوع هو الرأي الأنسب، بالرغم من صحة الرأي الآخر. ٢ وكلاهما بمعنى: الآن "أي: الحال ووقت الكلام".
[ ٤ / ٣٤٧ ]
بغير تأويل فيهما، أو كان زمنه للحال، ولكنه فقط شرط "السببية"، أو شرط "الفضلة"١
ح- جواز رفعه ونصبه إن كان زمنه مستقبلا بالنسبة لزمن المعنى الذي قبل "حتى" لا بالنسبة لزمن الكلام. وكلا الزمنين -قبلها وبعدها- قد مضى وانتهى حقيقة. وتكون "حتى" ابتدائية عند رفعه، وجارة عند نصبه؛ مراعاة للاعتبار الخاص بكل نوع والأحسن عدم محاكاة هذا النوع قدر الاستطاعة.
بقيت أمور جديرة بالتنويه:
أولها: علامة المضارع بعد "حتى" إذا كان معناه ماضيا حقا، ولكن زمنه إما للحال تأويلا، وإما للمستقبل بالنسبة للمعنى الذي قبل "حتى" -هي صحة الاستغناء عنه؛ بوضع فعله الماضي موضعه فيظل المعنى مستقيما، والتركيب صحيحا -كما أسلفنا٢.
ثانيها: أوضحنا٣ أن الرفع -بالشروط التي تقتضيه بعد "حتى"- يفيد الإخبار بوقوع معنى الكلام وحصوله قبل "حتى" وبعدها، كما يفيد أن الثاني مسبب عن الأول. أما النصب في الحالات التي ينصب فيها المضارع بعدها فيفيد الإخبار بوقوع شيء واحد وحصوله هو معنى الكلام الذي قبل "حتى"
_________________
(١) ١ لم يذكر ابن مالك في الكلام على "حتى" التي ينصب بعدهما المضارع "بأن" مضمرة وجوبا -إلا البيتين التاليين: وبعد: "حتى" هكذا إضمار "أن" حتم؛ كجد حتى تسر ذا حزن-١٠ "تقدير البيت: وإضمار "أن" حتم بعد "حتى" هكذا، بمعنى: "كذا"، أي: كالإضمار السابق الواجب، في المشار إليه " وساق مثلا لما تضمنه هذا البيت -وهو مثال للتعليلية- ثم قال بعده: وتلو "حتى" حالا، أو مؤولا به ارفعن وانصب المستقبلا-١١ يريد: أن المضارع التالي: "حتى" إذا كان معناه حالا أو مؤولا بالحال -يرفع. وإن كان مستقبل المعنى ينصب. ولم ينص على بقية الحالات المختلفة. ٢ في هامش ص٣٣٣. ٣ في رقم ١ من هامش ص٣٤٤.
[ ٤ / ٣٤٨ ]
وأن معنى الكلام الذي بعدها مترقب الحصول في المستقبل، ينتظهر تحققه من غير أن يفيد هذا الكلام القطع بأنه سيقع ويتحقق؛ واو كان وقوعه معلوما، من قرينة أخرى
ثالثها: أن وجوب رفع المضارع الحالي الزمن حقيقة أو تأويلا هو -كما أشرنا-١ لمنع التعارض بين دلالته على الحالية وما تد عليه "أن" الناصبة له؛ إذ لو نصبته لجعلت زمنه للمستقبل المحض، كشأن كل النواصب، مع أن المراد أن يكون زمنه للحال الحقيقية أو المؤولة، ومن ثم يقع التعارض بين الحال والاستقبال؛ أي: بين الحالية المطلوبة هنا، والاستقبال الخالص الذي يحتمه وجود "أن الناصبة" للمضارع، وهذا التعارض لا يوجود مع الرفع.
_________________
(١) ١ في رقم ٣ من هامش ص٣٣٩.
[ ٤ / ٣٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- من الأحكام السابقة يسهل ضبط المضارع في الأمثلة الآتية التي عرضها بعض النحاة لبيان ضبطه. ومنها: ومنها: "سرت حتى تطلع الشمس"، فيجب النصب؛ لعدم تسبب الطلوع عن السير. وكذلك: "ما سرت حتى أدخل البلد"؛ لعدم وقوع شيء يصلح أن يكون سببا في الدخول؛ إذ أن الدخول لا يتسبب -عادة- عن عدم السير، ومثله: "قلما سرت حتى أدخلها"، إذا كان معنى "قلما" هو النفي
وكذلك في: "أسرت حتى تدخلها؟ " لأن السبب لم يتحقق؛ بسبب الاستفهام عنه؛ فلو رفع الفعل لزم تحقق وقوع المسبب١. مع الشك في وقوع السبب، وهذا لا يصح
ففي الأمثلة السالفة ونظائرها يجب النصب، ولا يصح الرفع. بخلاف: أيهم سار حتى يدخلها الآن؟ ومتى سرت حتى تدخلها الآن؟ فيجوز الرفع، لأن السير محقق. وإنما الشك في معرفة من فعل الفعل، أو في زمن الفعل.
ب- يرى الكوفيون أن "حتى" حرف ناصب بنفسه، ويجوز وقوع "أن" المصدرية بعده فتكون مؤكدة توكيدا لفظيا لحتى. أما البصريون فيوجبون أن يكون الناصب هو: "أن" المضمرة وجوبا بعد "حتى" الجارة، ولا يجيزون ظهور "أن" بعدها. ويجيزون ظهور "أن" بعد التابع٢، مستدلين بقول القائل يمدح بني شبيان:
ومن تكرمهم في المحل٣ أنهمو لا يعرف الجار فيهم أنه جار
حتى يكون عزيزا من نفوسهمو أو أن يبين جميعا وهو مختار
وموضع الشاهد ظهور "أن" قبل المضارع: "يبين" وبعد "حتى"
_________________
(١) ١ طبقا لما تقرر في ص٣٤٨ تحت عنوان: ثانيها. ٢ لهذا إشارة في هامش ص٣٣٤. ٣ الجدب والقحط
[ ٤ / ٣٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الملحوظة المعطوفة على أخرى قبلها. والتقدير عند البصريين: حتى يكون عزيزا من نفوسهم أو حتى أن يبين
ح- يتساءل بعض النحاة عن معنى "حتى" في قول العرب: "ما سلم فلان حتى ودع"، وفي قول الشاعر:
ركب الأهوال في زورته ثم ما سلم حتى ودعا
فقيل إنها ابتدائية تفيد الاستثناء هنا "فهي بمعنى: "إلا" التي تليها "أن" والاستثناء مفرغ في الظرف. والتقدير؛ ما سلم في وقت إلا وقت ودع الناس فيه.
وقيل إنها ابتدائية؛ بمعنى: لكن -ساكنة النون كالمألوف الكثير فيها- ومن شأن الابتدائية ألا تقطع الصلة المعنوية بين ما بعدها وما قبلها١، برغم أن ما بعدها لا بد أن يكون جملة مستقلة في إعرابها -فيكون المعنى ما سلم في وقت لكن ردع فيه. والمعنيان متقاربان.
د- إذا دخلت "حتى" الابتدائية على جملة لم يصح وقوع هذه الجملة خبرا عن مبتدأ أو عن ناسخ أو٢
_________________
(١) ١ أين هذه الصلة المعنوية بين ما قبلها وما بعدها في قول الفرزدق يذم "كليبا" قبيلة الشاعر جرير: فواعجبا. حتى كليب تسبني كأن أباها نهشل أو مجاشع -نهشل- ومجاشع من آباء الفرزدق. يقول المعنى ج١ عند الكلام على "حتى" ما نصه: "لا بد من تقدير محذوف قبل "حتى" في هذا البيت، يكون ما بعد "حتى" غاية له. أي: فواعجبا. يسبني الناس حتى كليب تسبني ". ا. هـ. وقد سبقت إشارة لهذا في ج٣ باب: "العطف" عند الكلام على "حتى" م١١٨ ص٥٦٢. ٢ راجع البيان الخاص بهذا عند الكلام على الشرط الثالث، ص٣٤٣.
[ ٤ / ٣٥١ ]
الأداة الرابعة: فاء السببية الجوابية١:
معناها: يتضح من الأمثلة التالية:
١- لا يغضب العاقل فيفقد صواب الرأي، ولا يتبلد فيفقد كريم الشعور.
٢- لست أنكر الفضل فأتهم بالجحود أو بالحقد، ولست أبالغ في الثناء، فأتهم بالغفلة أو الرياء.
٣- لا تصاحب غادرا فينالك غدره، ولا تأتمن خائنا فتصيبك خيانته.
٤- أتعرف لنفسك حقها فتصونها عن الهوان؟ وهل تدرك أن الكبر كالضعة؛ كلاهما بلا فتحذره؟.
فإن الناطق بمثل: "لا يغضب العاقل؛ فيفقد صواب الرأي" يريد أمرين معا، هما: نفي الغضب عن العاقل، وبيان ما يترتب على نفيه من عدم فقد الرأي الصائب؛ فكأنه يقول: العاقل لا يغضب؛ فيترتب على عدم غضبه أنه لا يفقد صواب الرأي، أي: لا يغضب، فلا يفقد سديد الرأي. فما بعد "الفاء" مسبب عما قبلها، وكلاهما منفي، هنا٢.
والناطق بمثل: "لا يتبلد فيفقد كريم الشعور. يريد أمرين معا؛ هما:
_________________
(١) ١ تجري عليها الأحكام العامة المشتركة التي سبقت في رقم ٢ من هامش ص٣١٧. ٢ لكي يكون المعنى -في هذا المثال وأشباهه- غاية في الوضوح نلاحظ عند استخلاصه الأمور الآتية التي تشترك في تكوينه، والتي سيجيء تفصيل الكلام عليها بعد قليل، وأهمها: أ- أن فاء السببية هي للعطف أيضا؛ فتفيد الترتيب والتعقيب مع السببية. ب- أن المعطوف بها هو المصدر المؤول من "أن" المضمرة وجوبا وما دخلت عليه. ج- أن المعطوف عليه لا بد أن يكون مصدرا مؤولا كذلك. ولا بد أن يكون موجودا، ولو من طريق التصيد. د- أنها إذا وقعت بعد نفي فقد يكون المنفي هو ما قبل الفاء وما بعدها معا؛ كما في المثال الأول ، وقد يكون أحدهما وحده؛ "طبقا للبيان الهام الأساسي الذي يأتي في ص٣٥٩" والاهتداء إلى المنفي أمر ضروري لسلامة المعنى. وتطبيقا لهذه الأمور نقول في المثال الأول لاستخلاص معناه: لا يكون من العاقل غضب ففقد صواب الرأي -أي: لا يكون من العاقل غضب يعقبه ويتسبب عنه فقد صواب الرأي. ولما كان السبب "العلة" وهو: غضب العاقل منفيا وجب أن يكون المسبب عنه منفيا كذلك، وهو فقده صواب الرأي: وبهذا يكون النفي منصبا على ما قبل الفاء وما بعدها معا، وينتهي الأمر إلى المعنى المراد هو: لا يغضب العاقل؛ فلا يفقد صواب الرأي. وهكذا الباقي.
[ ٤ / ٣٥٢ ]
عدم التبلد، وما يترتب عليه من عدم فقد الشعور الكريم؛ فكأنه يقول: لا يتبلد، وعدم تبلده يؤدي إلى عدم فقده الشعور الكريم، أي: لا يتبلد فلا يفقد كريم الشعور فما بعد الفاء مسبب عما قبلها. وكلاهما منفي هنا أيضا.
والناطق بمثل: لست أنكر الفضل فأتهم بالجحود يريد الأمرين، عدم إنكار الفضل، وما يؤدي إليه من عدم الاتهام بالجحود. ومثل هذا يقال في الشطر الثاني من المثال.
والناطق بمثل: لا تصاحب غادرا فينالك غدره يريد أمرين معا؛ النهي عن مصاحبة الغادر، وبيان ما يترتب على مصاحبته من الإصابة بغدره. ومثل هذا يقال في بقية المثال.
والناطق بمثل: أتعرف لنفسك حقها؛ فتصونها عن الهوان؛ يريد أمرين؛ سؤال المخاطب عن معرفته حق نفسه، وبيان ما تؤدي إليه هذه المعرفة. كما يسأله عن إدراكه حقيقة الكبر والضعة، وبيان ما يترتب على هذا الإدراك
فنلحظ في كل الأمثلة السالفة -وأشباهها- أن "الفاء" تتوسط أمرين السابق منهما، هو "العلة" أو "السبب" في المتأخر الذي يليها، ولهذا سميت: "فاء السببية"، أي: "الفاء" التي معناها الدلالة على أن ما بعدها مسبب عما قبلها، ولا بد -هنا- أن يليها مضارع منصوب.
كما نلحظ شيئا آخر؛ هو: دلالتها على "الجواب"١. والمراد من دلالتها على الجواب: أن ما بعدها مترتب على ما قبلها ترتب الجواب على السؤال؛ سواء أكان ما قبلها مشتملا على استفهام: كالمثال الرابع، أم غير مشتمل عليه، كبقية الأمثلة. ولهذا توصف بأنها: "الجوابية"١ أي: التي تدل على أن ما بعدها
_________________
(١) ١ و١ سبق الإيضاح الوافي لمعنى: "الجواب"، وتحديد الغرض منه عند الكلام على "إذن" الناصبة، ص٣٠٨؛ فأمر الجواب هنا وهناك واحد. أما المعنى والعمل فمختلفان من نواح متعددة. ويزيد النحاة هنا: أن "فاء السببية" لا بد أن يسقبها نفي محض أو طلب "أو ملحق بهما، كما هو مبين في عملها في الصفحة التالية" وكلاهما يشبه الشرط في أن مضمونه غير محقق الوقوع ولا مقطوع بحصوله، وما بعد الفاء مسبب عما قبلها؛ كتسبب جواب الشرط على فعل الشرط. هذا، والعدول عن العطف المحض بالفاء إلى العطف بها أيضا ولكن مع نصب المضارع بأن المضمرة وجوبا، هو الرمز القاطع الذي يدل على التسبب. "انظر رقم ١ من الهامش الآتي".
[ ٤ / ٣٥٣ ]
بمنزلة الجواب لما قبلها؛ فمعناها هو: "الدلالة على السببية والجوابية" معا.
ولما كان معناها الدلالة على "السببية والجوابية" معا سميت: "فاء السببية الجوابية". لكن شاع الاكتفاء بتسميتها: "فاء السببية"؛ اختصارا، مع إرادة أنها تدل على: "الجواب" أيضا، فهي عند الاختصار اللفظي أو عدمه يراد منها الدلالة على الأمرين مجتمعين. وبهذا جرى العرف بين النحاة وغيرهم فإذا ذكرت "فاء السببية" مطلقة من التقييد كان المراد منها: "فاء السببية الجوابية" التي ينصب بعدها المضارع "بأن" مضمرة وجوبا بالشرط الذي سنعرفه وقد صار هذا الاسم المختصر خاصا بها مقصورا عليها١
ومع دلالتها على "السببية الجوابية" تدل معهما كذلك على "الترتيب والتعقيب"؛ لأنها "فاء عطف" أيضا؛ فالترتيب يوجب أن يتأخر ما بعدها عما قبلها في زمن تحققه؛ إذ المسبب متأخر في الوجود عن السبب حتما. والتعقيب يوجب أن يكون زمن التأخر قصيرا، لا مهلة فيه؛ كما هو الشأن في الفاء العاطفة.
من كل ما تقدم يتبين أنها تفيد "السببية الجوابية"، مع الدلالة على "الترتيب والتعقيب".
عملها:
فاء السببية حرف عطف يفيد الترتيب والتعقيب، مع دلالته على "السببية. الجوابية" -طبقا لما شرحنا- ويختص بالدخول على المضارع المنصوب "بأن" المضمرة وجوبا. وهو يعطف المصدر المؤول من "أن" وما دخلت عليه من الجملة المضارعية، على مصدر قبله٢، وعملها مقصور على هذا العطف. ولا يجوز
_________________
(١) ١ قد تدل الفاء التي للعطف المحض "وهي: التي لا ينصب بعدها المضارع "بأن" المضمرة وجوبا" على السببية، وتفيد ترتب أمر على أمر، ولكنها -بالرغم من هذا- لا تسمى اصطلاحا "فاء السببية"؛ نحو: يتغذى النبات فينمو - يشرب المريض الدواء فيبرؤ - عطش الزرع فجف - اشتدت للريح فأسقطت الثمار الناضجة وعلى هذا، كل "فاء" ينصب بعدها المضارع بأن مضمرة وجوبا لا بد أن تكون "للسببية" ولا عكس -وقد أشرنا لما تقدم في "باب العطف" عند الكلام على فائه، ج٣ م١١٨ ص٤٦٤. ٢ فالعطف بها عطف مفرد على مفرد. والبيان في ص٣٧٨ وما بعدها.
[ ٤ / ٣٥٤ ]
الفصل بين فاء السببية والمضارع بغير "لا" النافية، إن اقتضى المعنى وجودها.
ولا تكون هذه "الفاء" للسببية الجوابية إلا بشرط أن يسبقها -في الأغلب-١ أحد شيئين؛ "إما النفي المحض، أو ما ألحق به"، "وإما الطلب المحض، أو ما ألحق به"١. فإن لم يسبقها شيء مما تقدم لم يصح -في الأغلب-٢ اعتبارها سببية جوابية. وفيما يلي التفصيل الخاص بهذا الشرط:
النفي المحض، وما ألحق به:
أ- المراد من النفي: سلب الحكم عن شيء بأداة معينة٣. وهذه الأداة النافية قد تكون حرفا؛ "مثل: لا، ما، لم، لن " وقد تكون فعلا، "مثل: ليس، زال" وقد تكون اسما؛ "مثل: غير " نحو: لا يهمل الصانع فيقبل على صناعته الناس - ليس الأحمق مأمونا فتصاحبه - الأديب الظريف غير حاضر فيؤنسنا.
ويلحق بالنفي: التشبيه المراد به النفي بقرينة دالة عليه، كقول الجندي لزميله المتكبر: "كأنك القائد فنطيعك" وكذا التقليل المراد به النفي -أحيانا- بقرينة؛ ومن ألفاظه: "قلما" و"قد"؛ نحو: "قلما يشبع الظلم والخلاف في أمه فتنهض. بهذا خبرنا التاريخ، وقطع به" - "أيها المتحدث
_________________
(١) ١ و١ قد يلحق به "تقديرا" بعض صور أخرى يجيء الكلام عنها في ص٣٧٢. ٢ هذا الشرط واجب في أغلب الحالات؛ لأن هناك ست حالات أخرى يجوز في كل منها اعتبار الفاء سببية مع فقد الشرط. وستجيء في ص٣٧٢. ولا بد -مع تحقق هذا الشرط- من تحقق الأحكام العامة أيضا؛ وهي التي سبقت في رقم ٢ من هامش ص٣١٧. ٣ المراد من النفي معروف شائع. ولكن الشراح -كعادتهم- يتناولونه بالتعريف والتحديد: فيقولون عنه: إنه سلب الحكم عن الشيء، أو: رفع النسبة الثابتة بين شيئين، أو إزالة الإسناد الموجب بينهما أو.. وكل هذه التعريفات -وغيرها- يرمي إلى غرض واحد؛ هو سلب الحكم الموجب ويوضحونها بما يأتي: من قال: "محمود عادل" فقد أثبت له العدل، أو: نسب له العدل، أو أسند إليه العدل، أو حكم عليه بالعدل وكلها عبارات متحدة المدلول. فإذا قال: ما محمود عادلا. فقد سلب عنه ما ثبت له، أو أزال ما نسب إليه، أي: أزال النسبة السابقة، أو ما أسند إليه، أو رفع الحكم السابق هذا، وفي الأمثلة التالية توضيح ما سبقت الإشارة الهامة إليه؛ "في. "د" من هامش ص٣٥٢" وهو أن النفي قد يكون منصبا على ما قبل الفاء وما بعدها معا، وقد يكون منصبا على أحدهما فقط.
[ ٤ / ٣٥٥ ]
عن الشجاعة في الحروب، وما حملت سيفا، ولا اقتحمت معركة؛ قد كنت في معركة فتصفها" فالمعنى في الأمثلة السالفة منفي؛ أي: ما أنت بالقائد فنطيعك -لا يشيع الظلم والخلاف في أمة فتنهض- ما كنت في معركة فتصفها١..
ب- والمراد بالمحض؛ الخالص من معنى الإثبات؛ فلا يوجد في الكلام ما ينقض معناه، مثل: "إلا الاستثنائية" التي تنقض النفي١، ومثل نفي آخر بعده يزيل أثره، ويجعل الكلام مثبتا؛ لأن نفي النفي إثبات، كما هو معروف. ومن أمثلة النفي المحض: لا يسقط المطر في الصحراء فينبت الكلأ ، وكذا الأمثلة التي تقدمت في أول البحث.
فإن نقض النفي بإلا الاستثنائية، وكانت قبل فاء السببية، لم يصح نصب المضارع ووجب رفعه، على اعتبار هذه الفاء للاستئناف، أو للعطف المجرد٢، وليست للسببية؛ نحو: لا يشاهد الخبير أعمالا إلا المشروعات العظيمة؛ فيعلن رأيه فيها -لم أشتر مطبوعات إلا الكتب النافعة؛ فأستوعبها- ما اكتسبت مالا إلا المال الحلال فأنفقه.
أما إن نقض النفي "بإلا" الاستثنائية، وكانت بعد الفاء والمضارع فيجوز في المضارع الرفع والنصب٣؛ نحو: لا يشاهد الخبير أعمالا فيعلن رأيه فيها إلا المشروعات العظيمة -لم أشتر مطبوعات فأستوعبها إلا الكتب النافعة- ما اكتسبت مالا فأنفقه إلا المال الحلال. وقول الشاعر:
وما قام منا قائم في ندينا فينطق إلا بالتي هي أعرف٤
فيجوز في كل هذه الأفعال المضارعة -ونظائرها- الرفع والنصب٥
_________________
(١) ١ و١ وهي تنقض النهي أيضا -كما سيجيء عند الكلام عليه في ص٣٦٧. ٢ وكلاهما يعينه المقام، وما يقتضيه المعنى. ٣ هذا عند سيبويه ومن وافقه. أما ابن مالك وموافقوه، فيوجبون الرفع. وفي رأي سيبويه تيسير يدعو لتفضيله. ٤ أحسن وأفضل. ٥ وينبني على نقض النفي "بإلا" قبل "الفاء"، أو بعدها ما يأتي: إذا قلت: ما زارني أحد إلا الوالد فأكرمه فإن كان الضمير "الهاء" عائدا على: "أحد" جاز رفع المضارع أو نصبه؛ لوقوع النقض بعد "الفاء" وما دخلت عليه، والأصل: ما زارني أحد فأكرمه إلا الوالد. وإن كان الضمير عائدا على "الوالد" وجب الرفع: لوقوع النقض قبل "الفاء" وما دخلت عليه.
[ ٤ / ٣٥٦ ]
مثال نقض النفي بنفي آخر يتلوه فيزيل أثره: ما تزال تحسن المعاملة فتكتسب حب الناس؛ فقد وقع بعد "ما" النافية نفي آخر هو "تزال" فانقلب المعنى مثبتا بسببه، وفي هذه الصورة يجب رفع المضارع، ولا يصح نصبه.
وهل من النفي المحض النفي الواقع بعد: "الاستفهام التقريري"١؛ كقول الوالد يعاتب ابنه العاق: ألم أتعهد شؤونك صغيرا؛ فتتذكر فضلى؟ ألم أجاهد في سبيل إسعادك فتحمد جهادي؟
الصحيح جواز الأمرين، النصب على اعتبار النفي محضا، والرفع على اعتباره منقوضا وغير قائم؛ بسبب همزة التقرير، وبهما جاء القرآن. قال تعالى عن الكافرين: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ بنصب المضارع: "تكون". وقال في آية أخرى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾، برفع المضارع: "تصبح"٢..
وإذا كانت فاء السببية حرف عطف دائما، -كما تقدم-٣ والمعطوف بها هو المصدر المؤول بعدها -فأين المعطوف عليه؟
يقول النحاة: لا بد أن يكون المعطوف عليه مصدرا أيضا، ليتشابه المعطوف
_________________
(١) ١ الاستفهام الحقيقي هو: طلب معرفة شيء مجهول -حقا- للمتكلم. فهو يريد أن يعرفه. أما الاستفهام التقريري فيراد به -غالبا- ثبوت مدلول الشيء المسئول عنه، المعلوم للمتكلم؛ وتقريره في نفس المخاطب، والسامع، أي: طلب الاعتراف بوقوعه والموافقة على حصول مدلوله. فإن كان الاستفهام عن شيء منفي صار المعنى -غالبا- مثبتا بسبب الاستفهام المراد منه التقرير؛ نحو: ألم تحضر فأحسن إليك. فالمعنى: أنك حضرت فعلا، فأحسنت إليك. ومنه ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ -انظر ما يتصل بهذا في رقم ٣ من هامش ص٤١٣- وبسبب أنه يتضمن ثبوت المعنى، غالبا، وتقرير حصوله بغير نفي، قال بعض النحاة: إن المضارع لا ينصب معه بعد الفاء، وأن ما ورد منه منصوبا، كالآية الأولى ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ﴾ فلمراعاة صورة النفي، ومظهره اللفظي، لا معناه، أو لمراعاة الاستفهام في الكلام، فما بعد الفاء -في هذه الصورة التي يراعى فيها الاستفهام- يكون جوابا للاستفهام؛ لا للنفي. ولا يعنينا هذا الخلاف وما تفرع عنه من فروع كثيرة. إنما الذي يعنينا هو جواز الرفع والنصب مع ملاحظة أن المعنى على أحدهما يخالف المعنى على الآخر حتما. ولهذا تكملة هامة في رقم ٣ من هامش ص٣٦٢ "وتجيء إشارة موجزة -في رقم ١ من ص٣٧٢- لبعض ما سبق". ٢ انظر رقم ١ من ص٣٧٢ وقيل: إن كان ما بعد الفاء مسببا عما قبلها نصب المضارع؛ كالآية الأولى. وإلا رفع كالثانية؛ لأن رؤية نزول المال ليست سبب الخضرة. ٣ في ص٣٥٤ و٣٥٧.
[ ٤ / ٣٥٧ ]
والمعطوف عليه في المعنى المجرد١. وفي هذه الحالة يتحتم أن يكون العطف عطف مفردات لا عطف جمل. فإن وجد مصدر في الكلام قبلها فهو المعطوف عليه، وإن لم يوجد وجب تصيده من ذلك الكلام السابق، وليس لهذا التصيد ضابط أو قاعدة، وإنما المراد الوصول بطريقة -أي طريقة- إلى مصدر لا يفسد به المعنى مع العطف. فمثال المصدر الصريح المذكور قبل الفاء، الصالح لأن يكون معطوفا عليه: "ما هذا إسرافا؛ فتخاف الفقر" - "ما الشجاعة تهورا فتهمل الحذر". والتقدير: ما هذا إسرافا فخوفك الفقر، وما الشجاعة تهورا فإهمالك الحذر، أي: ما هذا إسرافا يترتب عليه خوفك الفقر. وما هذه شجاعة يترتب عليها إهمالك الحذر
ومثال المصدر المتصيد: لا يتواني المجد فتفوته الفرصة، لا تزهد في المعروف فتخسر أنفس الذخائر ، التقدير: لا يكون من المجد توان ففوات الفرصة إياه، لا يكن منك زهد في المعروف فخسارتك أنفس الذخائر. أي: لا يكون من المجد توان يترتب عليه فوات الفرصة إياه، لا يكن منك زهد في المعروف يترتب عليه خسارتك أنفس الذخائر.
فإن لم يوجد قبلها مصدر صريح، ولا ما يصلح أن يتصيد منه المصدر، كالجملة الاسمية التي يكون فيها الخبر جامدا، نحو: ما أنت عمر فنهابك، فنصب المضارع ممنوع عند بعض النحاة؛ لفقد المعطوف عليه. وتكون الفاء للاستئناف، والجملة بعدها مستقلة في إعرابها عما قبلها، أو الفاء المجرد العطف الخالي من "السببية" والجملة بعدها معطوفة على الجملة قبلها، ويكون الكلام عطف جملة على جملة، ويجيز آخرون في تلك الجملة وأشباهها تصيد مصدر من مضمون الجملة الجامدة، ومن لازم معناها، كأن يقال في المثال السالف: ما يثبت كونك عمر هيبتنا إياك أي: ما يثبت كونك عمر ثبوتا يترتب عليه أن نهابك والأخذ بهذا الرأي أنسب، لتكون القاعدة مطردة.
والنحاة يسمون العطف على المصدر المتصيد: العطف على المعنى والتوهم٢.
_________________
(١) ١ مما يوضح هذا ما سبق في ص٣٢٨ و٣٢٩. ٢ سبق الكلام على عطف: "التوهم" لمناسبة أخرى في ج١ م٤٩ عند الكلام على زيادة بـ"باء الجر". ص٥٥٢ وكذلك في ج٣ م١٢٢ ص٤٨٤ باب "العطف" وأوضحنا في الموضعين رأينا فيه، وحكمنا عليه.
[ ٤ / ٣٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- يعرض النحاة هنا لمسألة هامة دقيقة، ويعطونها من العناية والتوفيه ما يناسبها؛ وهي مسألة النفي١ الذي قبل الفاء المسبوقة بجملة؛ أينصب على ما قبل الفاء وما بعدها معا، أم ينصب على أحدهما فقط؛ وما نوع الفاء وضبط المضارع في الصور المختلفة؟ ويجيبون: إن الأمر يتوقف على المعنى، وما يقتضيه السياق؛ فقد يستدعيان تسليط النفي على ما قبلها وما بعدها معا، وقد يستدعيان تسلطه على أحدهما دون الآخر ، ثم هما قد يقتضيان اعتبار الفاء للاستئناف الخالص، أو للعطف المحض وحده. أو للعطف مع إفادة "السببية الجوابية"٢ والقرينة وحدها هي التي توجه إلى المراد؛ فلا بد منها، وإلا وجب العدول عن هذا الأسلوب إلى غيره مما لا يثير مشكلات في الضبط أو المعنى. وفيما يلي البيان:
إذا قلت: "ما تحضر فتحدثنا" جاز رفع الفعل: "تحدث" على أحد اعتبارات ثلاثة؛ وجاز نصبه على أحد اعتبارين. ولكل واحد من الخمسة أثره الإعرابي والمعنوي الذي يخالف الآخر، واختيار واحد منها دون غيره متوقف على مناسبته المعنى والسياق، ولا يصح اختيار واحد ون التقيد بهذه المناسبة، وإلا كانت اللغة عبثا وفوضى. فأوجه الرفع الثلاثة هي:
١- الرفع؛ على اعتبار الجملة الأولى منفية المعنى، و"الفاء" للاستئناف الخالص، فما بعدها جملة مستقلة في إعرابها عن الأولى، فلا تتأثر بنفي الأولى. فكأنك تقول: أنت ما تحضر في المستقبل، ولهذا أنت تحدثنا الآن. إنما قلنا في "المستقبل" مع أن المضارع يصلح للحال والاستقبال إن لم يوجد مانع لوجود ما يمنع الاستقبال هنا؛ وهو التخاطب مع شخص معين؛ فلا يصح أن تنفي عنه الحضور في الزمن الحالي مع أنك تخاطبه فيه خلال حضوره. وقلنا: "الآن"؛ لأن الزيادة في المستقبل منفية؛ فلا يقع في المستقبل حديث؛ إذ هو منفي تبعا لها؛ فلم يبق إلا أن يكون وقت الحديث هو الآن، أي: وقت الكلام.
ومثله قولك للمسافر: لن أراك عدة أشهر؛ فأودعك داعيا لك، حزينا
_________________
(١) ١ ومثله النهي -وسيجئ أيضا. ٢ انظر "ج" من ص٣٦٣.
[ ٤ / ٣٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لغيابك. تريد: لن أراك في المستقبل١ فأنا أودعك الآن. فالنفي في المثالين السالفين مقصور على الجملة الأولى وحدها، والفاء فيهما للاستئناف المجرد.
٢- الرفع على اعتبار "الفاء" متجردة للعطف المحض، تعطف المضارع بعدها على المضارع المنفي قبلها، وفي هذه الصورة يتحتم أن يكون المعطوف كالمعطوف عليه في الإعراب "رفعا، ونصبا، وجزما" وأن يكون مثله في النفي الذي يقع عليه، ففي المثال السابق يكون التقدير: ما تحضر فما تحدثنا، أي: ما يحصل منك حضور في المستقبل، فما يحصل منك تحديث فيه، فالفعلان مرفوعان، ومنفيان، وزمنهما مستقبل محض؛ للسبب الذي في الوجه السالف. ولو قلنا: لن تحضر فتحدثنا لكان المضارعان منصوبين ومنفيين، ومستقبلين كذلك١. ولو قلنا: ألم تحضر فتحدثنا لكانا مجزومين ومنفيين أيضا٢؛ فالثاني تابع للأول في إعرابه، وفي نفيه؛ كما نرى٣. والعطف هنا عطف الفعل مضارع وحده -دون فاعله- فالعطف عطف مفردات. لا عطف جمل٤
٣- الرفع على اعتبار الجملة الأولى كلها منفية و"الفاء" متجردة للعطف المحض -كما سبق- ولكنها تعطف الجملة المضارعية كلها على الجملة المضارعية السابقة -ولا تعطف المضارع وحده على نظيره السابق- وفي هذه الصورة يستقل المضارع بعد الفاء بإعرابه وضبطه، ولا يتبع فيه الأول، وتكون الجملة الثانية معطوفة على الأولى، منفية مثلها أو غير منفية على حسب ما يقتضيه المعنى، وتدل عليه القرائن فيصح أن يكون المعنى في المثال السالف: ما تحضر في المستقبل فما تحدثنا في المستقبل؛ لأن الحضور لن يحصل. فلن يحصل الحديث. ويصح أن يكون المراد: ما تحضر في المستقبل؛ فأنت تحدثنا الآن؛ ليكون تحديثك الحالي تعويضا عن فقده في المستقبل. وفي هذه الصورة يتمحض العطف للربط المجرد بين الجملتين حتما. ولكنه لا يقتضي تسرب النفي من الأولى إلى الثانية اقتضاء واجبا، فقد يتسرب منها إلى الثانية، أو لا يتسرب، على حسب القرائن.
_________________
(١) ١ و١ لأن الحرف "لن" ينفي معنى المضارع في المستقبل ٢ كما سيجيء في "ج" و"د" من ص٣٦٣. ٣ سبق "في ج٣ ص٤٧٤ م١٢١" الكلام على عطف الفعل على الفعل، وعطف الجملة على الجملة، والفرق بينهما، وآثار كل. ٤ انظر ما يتصل بهذا في "ج" من ص٣٦٣.
[ ٤ / ٣٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أما الوجهان الخاصان بالنصب فهما:
١- النصب على اعتبار "الفاء" سببية جوابية؛ فالمضارع بعدها منصوب بأن المضمرة وجوبا، وما بعدها مسبب عما قبلها وجواب للنفي -كما شرحناه١ آنفا- وهي في الوقت نفسه عاطفة؛ فالمصدر المؤول بعدها منفي؛ لأنه معطوف على مصدر قبلها منفي أيضا فالعطف عطف مفردات. والنفي مسلط على ما قبلها وما بعدها، فمعنى المثال السابق لا يكون منك حضور في المستقبل؛ فلا يكون منك تحديث٢ فيه؛ أي: لا يكون منكم في المستقبل حضور يترتب عليه ويقع فيه تحديث فالثاني منفي بنفي الأول؛ لأن زوال السبب مؤذن بزوال المسبب أي: أن المعنيين منفيان.
وقد يخطر بالبال السؤال التالي: أليس المعنى في هذه الصورة كالمعنى في الصورتين الثانية والثالثة من المضارع المرفوع: حين يعطف وحده على الفعل السابق، أو تعطف جملته على الجملة السابقة؟
الجواب: لا: فإن المضارع حين يكون منصوبا بأن المضمرة وجوبا بعد الفاء، تكون هذه الفاء "للسببية الجوابية" فتدل -حتما- على أن المعنى بعدها مسبب عما قبلها، وجواب للنفي، مع دلالتها فوق ذلك -على العطف وإفادتها الترتيب والتعقيب. أما في جملة عطف الفعل المضارع على المضارع أو عطف جملته على الجملة التي قبل الفاء- فإن الفاء تكون للعطف المجرد الذي تدل معه على مجرد الترتيب والتعقيب، فلا سببية، ولا جوابية، هذا إلى أن عطف الجملة الفعلية بالفاء التي للعطف المجرد على جملة أخرى منفية لا يوجب أن تكون المعطوفة منفية كالمعطوف عليها، فقد تتبعها في النفي أو لا تتبعها على حسب القرائن -كما أسلفنا.
٢- النصب على اعتبار أن ما بعد الفاء "قيد" فيما قبلها، وأن النفي منصب على "القيد" حتما، أما "المقيد" وحده مجردا -أي: بغير نظر إلى قيده- ففي الرأي الراجح قد يقع عليه النفي أو لا يقع؛ تبعا للسياق والقرينة، فليس من
_________________
(١) ١ في ص٣٥٢ و٣٥٣. ٢ لا يصح أن يكون المضارع للحال هنا، لما تقدم أن النواصب كلها تخلص المضارع المستقبل المحض.
[ ٤ / ٣٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اللازم أن يشمله النفي الذي يقع على "القيد" لا محالة١، فإذا قلت: ما جاء محمد راكبا. "فالركوب" "قيد" في المجيء. وهذا القيد "الركوب" منفي قطعا. أما حكم المقيد وحده٢، وهو "المجيء" المطلق فقد يكون منفيا "أي: لم يقع"، وقد يكون غير منفي. فعدم الركوب مقطوع به؛ سواء أوقع المجيء أم لم يقع. والحكم بوقوع المجيء أو عدم وقوعه محتاج إلى قرينة أخرى تعينه
وعلى هذا الأساس يصح أن يتجه الفهم في المثال الأسبق، "وهو: ما تحضر فتحدثنا". إلى أن التحديث "قيد" للحضور. والقيد منفي -لا محالة- في حالتي الحضور وعدمه٣. أما الحضور نفسه بغير تحديث فقد يكون منفيا أو غير منفي. فهو مسكوت عنه، يحتاج إلى ما يعين أحد الأمرين؛ شأنه شأن التقييد بالحال؛ فكأنك تقول: ما تحضر متحدثا. فالتحديث هو القيد المنفي دائما. والحضور هو المقيد المسكوت عنه، إذا نظرنا إليه وحده بغير قيده، أو: كأنك تقول: ما يكون منك حضور يعقبه ويترتب عليه تحديث. فالتحديث هو المقطوع بنفيه. أما الحضور المطلق وعدمه فأمرهما للقرينة؛ تعين أحدهما دون الآخر. وعلى هذا فالفاء للسببية والمصدر المؤول بعدها معطوف على مصدر قبلها والنفي منصب على القيد وحده، كما شرحنا. ومن هذا قول الشاعر:
ومن لا يقدم رجله مطمئنة فيثبتها في مستوى الأرض يزلق
فكأنه قال: من لا يقدم رجله مثبتا يزلق.
ب- ويقول النحاة: إن المعنى قبل "فاء السببية" قد يكون مثبتا؛ بأن يتخطاه النفي إلى أن بعدها. بالرغم من وجود النفي قبلها -كما يفهم من بعض الحالات السابقة-٤ فإن تسلط النفي على ما قبلها فالفاء تفيد معنى التسبب الذي
_________________
(١) ١ قد يعبرون عما سبق بقول أدق؛ هو: أن المقيد لا ينصب عليه النفي إلا في حالة واحدة هي التي يتقيد فيها، ويتحقق فيها وجود القيد دون غيرها من بقية الحالات التي لا تدخل في دائرة القيد؛ فقد يشملها النفي أو لا يشملها؛ على حسب القرائن. ويزيد الأمر وضوحا إذا رجعنا إلى "ب" ص٣٢١. ٢ وهو غير المقيد بالركوب. ٣ وهو في حالة العدم أحق وأولى؛ إذ لا يمكن أن يحدثنا مع عدم مجيئه، وانتفاء حضوره. ٤ الحالة الثانية من حالات النصب.
[ ٤ / ٣٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ينصب بعده المضارع بأن مضمرة وجوبا. وإن لم يتسلط على ما قبلهان وبقي معناه مثبتا، ومدلوله حاصلا موجبا، فالفاء لا تفيد التسبب١ وإنما ينصب المضارع بعدها تشبيها لها بفاء السببية.
ح- عرفنا أن الرفع جائز في ثلاث حالات، وأن النصب جائز في حالتين، وهذا الجواز في الحالات الخمس مشروط بألا يكون المضارع قبل فاء السببية مجزوما؛ مثل: ألم تحضر فأكرمك؟ فإن وجد جازم واقتضى المعنى عطف المضارع الذي بعد الفاء على المضارع الذي قبلها وجب أن يكون المعطوف مجزوما ومنفيا كالمعطوف عليه؛ لأن هذا هو ما يقتضيه عطف المضارع على المضارع عطف مفردات٢، ولا يصح إلا الجزم مع نفي المعنى عن المعطوف، ما دام السياق يقتضي هذا العطف الذي يؤدي إلى النفي وإلى الجزم معا٣.
وربما لا يوجد قبل الفاء فعل، مثل: غير موجود أخوك فأكرمه.. وفي هذه الصورة يمتنع عطف الفعل على الفعل لعدم وجود فعل معطوف عليه
د- تطبيقا على ما سبق من تسلط النفي على ما قبل الفاء وما بعدها معا؛ أو على أحدهما وحده يتعين تسليطه عليهما معا في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ . ولا يصح تسليطه على القيد وحده دون المقيد "وهو الجملة الأولى" لاستحالة أن يقضي الله عليهم بالموت فلا يموتوا؛ فلا بد أن تكون الأولى منفية كذلك، والفاء للسببية. ويصح: "لا يقضى عليهم فيموتون" فتكون الفاء للعطف المجرد، والمضارع بعدها مرفوع "إذ ليست للسببية" فالفعل الثاني معطوف على الأول، تابع له في إعرابه وفي نفيه -كما قدمنا أول البحث- فالتقدير: لا يقضي عليهم؛ فلا يموتون والمعنى في الحالتين واحد. مع ملاحظة ما أشرنا إليه من الفرق بين فاء السببية والفاء المتجردة للعطف المحض. ولا مانع أن يكون العطف في هذا المثال عطف جمل.
ومثل الآية قولهم: "ما يليق بالله الظلم فيظلمنا" فيصح اعتبار "الفاء" للسببية
_________________
(١) ١ سماها بعض النحاة -كالخضري- فاء المعية. ٢ طبقا للحكم الخاص بعطف المضارع وحده على نظيره، "وقد سبق في ج٣، باب العطف، م١٢١ ص٤٧٤". ٣ كما سبق، في رقم ٢ من ص٣٦٠.
[ ٤ / ٣٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ينصب النفي علىما قبلها، وما بعدها معا؛ والمضارع منصوب. أو: للعطف الخالص١ بدون سببية؛ فيرفع المضارع، والنفي عام أيضا ينصب على ما قبلها وما بعدها معا.
بخلاف نحو: "ما يحكم الله بحكم فيجوز" حيث يتعين أن يكون النفي منصبا على الثاني وحده، باعتباره قيدا للأول، أي: ما يكون منه حكم يترتب عليه جور٢. ولا يصح نفي الأول لما يترتب عليه من أن يكون معناه: ما يحكم الله بحكم.. وهذا فاسد؛ لأن الله يحكم في كل وقت
ومن الأمثلة لنفي الفعلين معا: لا يحب الريفي الأسفار؛ فيشاهد عجائب البلاد الأجنبية، ما ينظم فلان الشعر البليغ، فينتفع به الأديب -لم ينتبه السائق فينجو من الخطر- لا يسرف العربي في الطعام؛ فيشكو البطنة٣، ولا يهمله؛ فيشكو المخمصة٤.
والضابط الذي يدل في الأمثلة السالفة -وأشباهها- على أن النفي منصب على الفعلين معا هو إعادة حرف النفي بعد فاء السببية، وتكراره بينها وبين المضارع فلا يفسد المعنى المراد.
ومن الأمثلة لنفي الثاني وحده: "أي: لنفي القيد".
ما يسرق اللص فيسلم، لا يطول السهر فيستريح الجسم، لا يسيء التاجر المعاملة فينجح هذا لا يهمل التعلم فينتفع، ولا يترك العلماء فيستفيد. والضابط الذي يدل في هذه الأمثلة -وأشباهها- على أن النفي منصب على الثاني وحده "أي: على القيد" هو نقل حرف النفي من مكانه في صدر الجملة الأولى، ووضعه بعد الفاء مباشرة وقبل المضارع الذي يليها، فلا يفسد المعنى الأصلي بهذا الفعل.
هـ- يجري مع أداة النهي ما جرى مع أداة النفي ما ناحية عطف الفعل على الفعل، وعطف الجملة على الجملةن وتسلط النهي على ما قبل الفاء وما بعدها معا أو على أحدهما فقط و مع ملاحظة أن "لا" الناهية تجزم المضارع حتما، أما حروف النفي فلا تجزمه٥
_________________
(١) ١ سواء أكان عطف جملة على جملة، أم عطف فعل على فعل. ٢ التقدير: يحكم الله بحكم فما يجوز -كما سيجيء. ٣ امتلاء البطن. ٤ الجوع. ٥ انظر "ب" من ص٣٥٦ وص٣٦٧.
[ ٤ / ٣٦٤ ]
ب- الطلب بنوعية؛ المحض وغير المحض١
الطلب المقصود هنا ثمانية أنواع؛ لكل منها معناه وحكمه، ويكفي وجود نوع واحد منها قبل "الفاء"؛ فتكون سببية، ينصب بعدها المضارع بأن مضمرة وجوبا إن لم يوجد مانع آخر. وهذه الثمانية هي:
١- الأمر.
٢- النهي.
٣- الدعاء.
٤- الاستفهام.
٥- العرض.
٦- التحضيض.
٧- التمني.
٨- الترجي
ولا خلاف في أن السبعة الأولى هي من أنواع الطلب المقصود؛ وإنما الخلاف في الثامن: "الترجي" والصحيح أنه منها. وهذه الأنواع الثمانية قسمان:
قسم يدل على الطلب المحض، بأن يدل بلفظه نصا وصراحة على الطلب مباشرة، من غير أن تجيء دلالته على الطلب تابعه لمعنى آخر يتضمنه، ومن غير أن يكون محمولا في أدائه على غيره. وينحصر هذا في الأنواع الثلاثة الأوائل: "الأمر، النهي، الدعاء"٢.
وقسم يدل على الطلب دلالة غير محضة، بأن يجيء معنى الطلب تابعا لمعنى آخر يتضمنه٣. ويدخل في هذا القسم بقية الأنواع الطلبية، فإنها محمولة على الثلاثة المحضة.
وفيما يلي معنى كل واحد من الثمانية٤، وحكمه:
_________________
(١) ١ انظر المراد عندهم من الطلب غير المحض، أي: "تقديرا" -في ص٣٧٢. ٢ ومثل هذا يجري على المضارع بعد واو المعية المسبوقة بطلب -كما سيجيء عند الكلام عليها في ص٣٧٥. ٣ كما سيجيء البيان في آخر ص٣٧٠. ٤ عرفنا في ص٣٥٤ و٣٥٧ أن فاء "السببية" التي ينصب بعدها المضارع هي في جميع أحوالها للعطف أيضا؛ فتعطف المصدر المؤول بعدها على مصدر قبلها، أي: أنها تعطف مفردا على مفرد، ولا شأن لها بعطف الجمل مطلقا. وعلى هذا لا تعطف جملة خبرية بعدها على جملة طلبية قبلها، ولا غير هذا من عطف الجمل أو سواها مما لا تعطفه.
[ ٤ / ٣٦٥ ]
١- الأمر، ومعناه: طلب فعل شيء. ولا يسمى أمرا إلا إن كان صادرا ممن هو أعلى درجة إلى من هو أقل منه. فإن كان من أدنى لأعلى سمي: "دعاء". وإن كان من مساو إلى نظيره سمي: "التماسا".
وله صيغتان: صيغة فعل الأمر الصريح، وهذه هي الأصيلة، وصيغة: "لام الطلب" الجازمة المختصة بالدخول على المضارع، وهذه ملحقة بتلك، وتسمى: "لام الأمر" إن كان الأمر بها ممن هو أعلى درجة إلى من هو أدنى، و"لام الدعاء" إن كان من أدنى لأعلى، و"لام الالتماس" إن كان من مساو لنظيره. فتسميتها "لام الطلب" أدق من تسميتها: "لام الأمر" لأن الطلب -والمقصود به هنا: طلب فعل شيء- يشمل الصور الثلاث.
فمثال الأمر الصريح: اغفر هفوة الصديق فيحمدك، وانصحه في السر فيتقبل نصحك، وجامل الناس فيما لا يضر فتستريح، ويدوم لكم ودهم. ومثل: "خذ، وهات" في قول الشاعر:
من لي يسوق في الحيا ة يقال فيها: خذ وهات
فأبيع عمرا في الهمو م بساعة في الطيبات
ومثال لام الطلب: لتكن طاعة الله أولى الأمور لديك فتسعد، وليكن حرصك على أداء الواجب عقيدة فتنهض وينهض وطنك، ولتبتعد عن مواطن الشبهات فيرتفع قدرك.
فإن كان الأمر بصيغة اسم الفعل، فالأحسن التيسير بقبول الرأي الذي يجعل الفاء بعده للسببية؛ نحو: صه فيهدأ النائم، وتراك الشر؛ فتأمن عواقبه، ونزعا إلى ميدان الإصلاح فتحب. "والمعنى: اسكت، واترك، وانزل " وكذلك إن كان الأمر بصيغة المصدر الواقع بدلا من التلفظ بفعله؛ نحو: سكوتا فنسمع الخطباء، أو بصيغة الخبر١ ولكن الأبلغ والأشهر في الحالتين -عند
_________________
(١) ١ ومن الجمل الخبرية الدالة على الأمر قوله تعالى: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ﴾ بجزم المضارعين "يغفر" و"يدخل" في جواب الجملة الخبرية =
[ ٤ / ٣٦٦ ]
كثرة النحاة- ألا تكون الفاء للسببية.
٢- النهي، ومعناه: طلب الكف عن شيء. وأداته واحدة؛ هي: "لا الطلبية" وتسمى: "لا الناهية" إن كان النهي صادرا من أعلى لأدنى؛ فإن كان من أدنى لأعلى سميت: "لا الدعائية". وإن كان من مساو إلى نظيره سميت: "لا، التي للالتماس" فتسميتها: "لا الطلبية" أولى؛ لأن طلب الكف بها يشمل حالاتها الثلاث.
وإنما ينصب المضارع بعد فاء السببية في جواب النهي بشرط ألا ينتقض النهي بإلا الاستثنائية على الوجه الذي سبق إيضاحه في النفي ونقضه١؛ ومن الأمثلة: لا تقل الخطأ فيشتهر جهلك، ولا تخف العلم فتتهم في مروءتك. ومثل قوله تعالى: ﴿لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ ٢ وقولهم: لا تكثر مقاطعة الإخوان فيهون عليهم سخطك. ولا تبالغ في وعد أو وعيد فتعجز، ويستخف الناس بك٣
فإن كان النهي بصيغة الاسم فالأنسب الأخذ بالرأي الذي يجعل الفاء بعده
_________________
(١) = المقصود بها الأمر، والتقدير: آمنوا بالله.. وجاهدوا يغفر لكم.. وليس الجزم راجعا لوقوعهما جوابا للاستفهام: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ﴾ لفساد المعنى على هذا؛ لأن السؤال عن مجرد الدلالة والإرشاد بدون عمل آخر لمن اتجه إليهم السؤال، لا يؤدي إلى أن يغفر الله ذنوبهم، وأن يدخلهم الجنة، فغفران ذنوب الناس لا يكون مسببا عن مجرد دلالتهم إلى ما ينجيهم وتوجيه الإرشاد إليهم. وإنما يتسبب عن الإيمان نفسه، وعن الجهاد. وكثير من الأساليب الناصعة يجري على نسق الآية -وسيعاد ذكرها لمناسبة أخرى في ص٣٩٦- ولا يزال الناس يقول أحدهم للآخر: تهتم بعملك وتجيده، وتحرص عليه، تفلح، ويكثر رزقك. وينصح الوالد ابنه الطالب فيقول: تذاكر وتلتفت إلى دروسك تنجح. التقدير: اهتم بعملك وأجده. واحرص عليه، تفلح، ذاكر والتفت تنجح ، وهكذا يجزم المضارع في جواب الفاء فالأيسر اعتبارها للسببية ونصب المضارع بعدها، وإن كان الأبلغ والأكثر رفعه، وعدم اعتبارها للسببية -كما قلنا- انظر الصفحة الآتية: ١ سبقت الإشارة -في رقم ١ من هامش ص٣٥٦ وفي "هـ" من ص٣٦٤- إلى أن النهي يجري عليه ما يجري على النفي عند نقضه "بإلا". وعلى هذا إن كان نقض النهي قبل الفاء فلا ينصب المضارع بعدها. أما إن كان النقض بعدها فالرفع والنصب جائزان. ٢ فيستأصلكم ويبيدكم. ٣ ومن الأمثلة قوله تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ .
[ ٤ / ٣٦٧ ]
للسببية؛ نحو سيرًا لا قعودا فتكسل، وعملا لا بطالة، فتفقد رزقك.
٣- الدعاء. ومعناه: طلب فعل شيء، أو الكف عنه، بشرط أن يكون في الحالتين من أدنى لأعلى. وإلا فهو أمر أو نهي إن كان من أعلى لأدنى، والتماس إن كان بين متساويين -كما سبق.
وصيغته: فعل الأمر الأصيل المراد منه الدعاء، وكذا المضارع المسبوق بلام الطلب "لام الأمر"، أو بلا الطلبية "الناهية" مع إرادة الدعاء بهما ومن الأمثلة قول الشاعر:
رب، وفقني فلا أعدل عن سنن الساعين في خير سنن
وقول الآخر:
فيا رب عجل ما أؤمل منهمو فيدفأ مقرور١ ويشبع مرمل٢
ومثل: رب: لتكن طاعتي لك على قدر فضلك؛ فأفوز فوزا عظيما، ولتكن أعمالي مقصورة على ما يرضيك، فأنال أسمى الغايات، ولا تتركني لنفسي فأضل ضلالا عظيما
فإن كان الدعاء بصيغة أخرى لم ينصب المضارع -إلا في الراي الذي قصد به التيسير؛ كصيغة الاسم في قولهم: سقيا لك فتسلم، ورعيا لمن معك فتتجنبهم المخاوف وكصيغة الخبر المراد منه الدعاء٣؛ نحو: يرزقني الله الغني فأنفق المال في سبل الخير. وبعض الكوفيين يجيز النصب في هذا الصور. ورأيه مقبول، وفيه التوسعة التي أشرنا إليها، وإن كان الأبلغ متابعة الأكثر.
٤- الاستفهام "سواء أكان حقيقيا؛ وهو طلب معرفة شيء مجهول حلقا للمتكلم، أم إنكاريا، أم توبيخيا"٤ ويشترط هنا ألا يكون عن معنى قد
_________________
(١) ١ من أصابه البرد الشديد. ٢ شديد الفقر. ٣ وقد يكون مرادا منه غير الدعاء كالآية التي في هامش ص٣٦٦. ٤ سبق إيضاح الاستفهام الإنكاري والتوبيخي "في ج٢ ص٢٣٥ م٨١". هذا، وشرط عدم المضي يتمسك به أكثر النحاة، ولا يتمسك به آخرون. وسجيء البيان في "ب" من الزيادة والتفصيل "ص٣٧٤" ومن التيسير المقبول عدم التمسك به. ويتمسك الأولون أيضا بشرط آخر هو: ألا يكون استفهام بجملة اسمية فيها الخبر جامد. وقد سبق أنه لا داعي للتمسك به -في ص٣٥٨. أما بيان الاستفهام الحقيقي والتقريري ففي رقم ١ من هامش ص٣٥٧.
[ ٤ / ٣٦٨ ]
وقع قبل الكلام. ومن أمثلته قوله -تعالى بلسان أصحاب النار: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾، وقول الشاعر:
هل تعرفون لباناتي؟ فأرجو أن تُقضى، فيرتد بعض الروح للجسد
٥- العرض١؛ وهو الطلب برفق ولين. ويظهران -غالبا- في صوت المتكلم، وفي اختيار كلماته رقيقة دالة على الرفق. ومن أدواته: "ألا"؛ كقول الشاعر:
يابن الكرام ألا تدنو فتبصر ما قد حدثوك؛ فما راء كمن سمعا
ومن أدواته -أحيانا- "لو"٢؛ نحو: لو أوفق للكمال المستطاع فأبلغ غاية المنى
٦- التخضيض، وهو الطلب بشدة وعنف. ويظهران -غالبا- في صوت المتكلم، وفي اختيار كلماته جزلة قوية. ومن أدواته: "هلا"؛ نحو. هلا حطمت قيود الاستبداد فتعز، وهلا قوضت حصون الاستعباد فتسود.
ومن أدواته أيضا: "لولا"؛ نحو: لولا تدفع الظلم فيخاف الظالم وقول الشاعر:
لولا تعوجين يا سلمى على دنف فتخمدي نار وجد كاد يفنيه٣
ومن أدواته -أحيانا- "لو"٢؛ نحو: لو تحترم القانون فتأمن العقوبة.
٧- التمني، وهو الرغبة في تحقق أمر محبوب؛ سواء أكان تحققه ممكنا،
_________________
(١) ١ سيجيء تفصيل الكلام على "العرض والتحضيض" في باب: "لولا ولوما " ص٥١٢، وما بعدها. ٢ و٢ لهذا النوع إشارة في ص٥١٢. ٣ ومن الأمثلة -وستجيء في رقم ٣ من هامش ص٥١٤- أيضا قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي: لولا تؤخرني: أما المضارع: "أصدق" فمنصوب بأن مضمرة وجوبا بعد "فاء السببية" وأما المضارع: "أكن" فمجزوم على اعتبار عدم وجود "فاء السببية" وأنه مجزوم في جواب الطلب، وأن الكلام يتضمن شرطا مقدرا؛ أي: إن تؤخرني أكن.. -وسيجئ الكلام على سقوط الفاء في ص٣٨٧.
[ ٤ / ٣٦٩ ]
أم غير ممكن. ولا يصح أن يكون في أمر محتوم الوقوع١. وأشهر أدواته: "ليت" وهي الأصل؛ كقوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ . ونحو: يا ليت من يمنع المعروف يحرم المعروف، فيذوق مرارة الحرمان. وقول الشاعر:
يا ليت أم خليد واعدت فوفت ودام لي ولها عمر فنصطحبا
ومن أدواته -أحيانا- "لو" كقراءة من قرأ قوله تعالى: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بنصب المضارع٢
وكذا "ألا"٣ نحو: ألا صديق مخلصا فينصحنا.
٨- الترجي، وهو: انتظار حصول شيء مرغوب فيه، ميسور التحقق، ولا يكون إلا في الأمر الممكن، ومثله التوقع٤. والكوفيون هم الذي يعتبرون الفاء بعده للسببية، والشواهد -ومنها القرآن- تؤيدهم٥. نحو: لعلك تحسن اختيار الكلام، فتفوز بإعجاب السامعين، ولعل إعجابهم يبرأ من التزيد والتحيف؛ فتدرك مبلغ توفيقك، وحقيقة أمرك
تلك هي أنواع الطلب بنوعيه؛ المحض وغير المحض. وقد عرفنا٦ أن المحض منها ثلاثة، وأنها سميت محضة لدلالة صيغتها اللفظية -نصا وأصالة- على الطلب الصريح مباشرة؛ لا عن طريق تبعي أو ضمني، غير مباشر: كدلالة التمني
_________________
(١) ١ فلا يصح أن يقال: ليت غدا يجيء وقد سبق الكلام على التمني -في رقم ٦ ص٥٠٣. ٢ سيجيء بيان خاص بالأداة: "لو" التي تفيد التمني -في رقم ٦ ص٥٠٣. ٣ سبق الكلام على "ألا" المفيدة للتمني وإعرابها وحاجتها أو عدم حاجتها للخبر في ج١ ص٥٤٠ م٥٨. ٤ سبق الكلام على الترجي والتوقع والإشفاق، ومعنى كل، في الجزء الأول ص٤٧٣ م٥١. ٥ ومنها قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكَّى، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ بنصب "تنفع" ومنه قوله تعالى: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ بنصب: "أطلع" ولا داعي للتأول في الآيتين -وأشباههما- بقصد إبعاد الفاء عن السببية. ٦ في ص٣٦٥.
[ ٤ / ٣٧٠ ]
على الطلب، فإن الطلب معه يجيء من طريق تبعي؛ أي: من طريق غير مباشر، إذ يلزم من تمنى الشيء طلب مجيئه ، وكذلك العرض والحض وغيرهما من بقية أنواع غير المحض؛ فإنها تدل على الطلب من ذلك الطريق الضمني، غير المباشر، بخلاف الثلاثة المحضة: "الأمر، والنهي، والدعاء" فإنها صيغها صريحة فيه؛ كما أسلفنا١
"ملاحظة": إذا لم توجد "فاء السببية" قبل المضارع الذي يستحق النصب بها، إما لأنها لم توجد أصلا، وإما لسقوها وزوالها بعد وجودها ، فإن حكم هذا المضارع يتغير؛ فيجزم على حسب البيان الخاص الذي سيجيء كاملا في بحث مستقل٢.
_________________
(١) ١ وفي الكلام على "فاء السببية" يكتفي ابن مالك ببيت واحد هو: وبعد "فا" جواب نفي أو طلب محضين "أن" وسترها حتم نصب وتقدير البيت: و"أن"، نصب بعد "فا" جواب نفي أو طلب محضين. وسترها حتم. "ويلاحظ أنه -كعادته- استعمل "أن" بمعنى "الحرف" أولا، ثم عاد فاستعملها بمعنى الكلمة، وأعاد الضمير عليها في الأولى مذكرا، وفي الثانية مؤنثا. والأمران صحيحان -انظر آخر هامش ص٢٨٩ ورقم ١ من هامش ص٢٨١. والمعنى: "أن" مستترة "حتما بعد فاء السببية التي في صدر كلام يقع جوابا لنفي محض، أو طلب محض. وفي هذا الكلام نقص واضح؛ إذ لم يتعرض لأنواع النفي، وأحكامها، وشبه النفي. واقتصر في الطلب على المحض من غير تفصيل ولا إبانة، ثم عرض أبياتا تتعلق بحرف آخر غير فاء السببية؛ هو: "واو المعية" ثم رجع للكلام على فاء السببية بعد الرجاء فقال البيت السابع عشر: والفعل بعد "الفاء" في الرجا نصب كنصب ما إلى التمني ينتسب-١٧ يريد: أن المضارع بعد فاء السببية الواقعة في جواب الرجاء ينصب بأن مضمرة وجوبا؛ كنصب المضارع بها إذا كان منتسبا للتمني؛ أي: جوابا للتمني؛ بأن كان بعد الفاء المسبوقة بالتمني، فكما ينصب بعد هذا ينصب بعد ذاك. "وستجيء إشارة لهذا البيت بمناسبة أخرى في هامش ص٣٩٧". ٢ في ص٣٨٧.
[ ٤ / ٣٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- تقدم١ أن "الفاء" لا تكون سببية ينصب بعدها المضارع "بأن" المضمرة وجوبا إلا بشرط أن يسبقها إما النفي المحض أو شبهه، وإما الطلب المحض أو غير المحض أي: التقديري لكن هذا الشرط هو الأغلب في أكثر الحالات، فهناك حالات ست يصح اعتبار الفاء في كل منها سببية مع فقد هذا الشرط، فعند اعتبارها سببية ينصب المضارع حتما، بأن مضمرة وجوبا، وعند عدم اعتبارها لا ينصب. والأربعة الأولى تكون في حالتي الاختيار والضرورة الشعرية، والأخيرتان خاصتان بالضرورة الشعرية.
١- الفاء الواقعة بعد نفي مسبوق باستفهام تقريري، نحو: ألم تشهد بدائع الأزاهير في مطلع الربيع فتنعم بها؟ فيجوز رفع المضارع: "تنعم" ونصبه على أحد الاعتبارين "وقد سبق٢ الكلام الجلي على هذا في موضعه المناسب".
٢- الفاء الواقعة بعد نفي قد نقض "بإلا الاستثنائية" وكان النقض بعد الفاء والمضارع؛ نحو: ما تزورونا فتحدثنا إلا تسرنا بطرائفك الأدبية٣.
٣- الفاء الداخلة على المضارع المتوسط بين فعل الشرط وجواب الشرط، أو بعدهما. نحو: من يهن فيقبل يسهل الهوان عليه؛ ومن يسهل الهوان عليه يفقد كرامته؛ فيحرم سعادة الحياة. فالفعلان: "يقبل، ويحرم"، يجوز نصبهما على اعتبار الفاء للسببية، ويجوز عدم النصب على اعتبارها ليست سببية٤
ويقول النحاة: إن السبب في جواز النصب هنا -حيث لا نفي ولا طلب- أن فاء السببية تعطف المصدر بعدها على مصدر قبلها٥، وفعل الشرط قبلها غير
_________________
(١) ١ في ص٣٥٥ وما بعدها. ٢ في رقم ١ من هامش ص٣٥٧ وفيها بيان المراد من الاستفهام التقريري. ٣ وقد سبق شرح هذا عند الكلام على النفي، في "ب" من ص٣٥٦. ٤ سيجيء في الجوازم "ص٤٧٨" الأوجه الأخرى الجائزة في المضارع المتوسط بين جملة الشرط وجملة الجواب. ومن هذه الأوجه الجائزة الرفع؛ فهناك الموضع المناسب. ٥ من المفيد الرجوع إلى ص٣٥٧ حيث البيان الهام الذي يوضح المعطوف والمعطوف عليه هنا؛ مصدرين معا أو أحدهما أو -ثم "ب" ص٣٧٤.
[ ٤ / ٣٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
محتوم الوقوع؛ فأشبه الاستفهام والأمر وغيرهما من أنواع الطلب التي ليست محققة الوقوع. وأن علة جواز نصبه بعد فعلى الشرط والجواب معا هو أن الجزاء غير محقق الوقوع، ولا محتم الحصول، فالواقع بعده كالواقع بعد الاستفهام ونحوه
هذا كلامهم، وكأنهم يرجعون هاتين الصورتين إلى "الطلب" تقديرا. ولا محل للتقدير؛ فالعلة الصحيحة هي محاكاة كلام العرب في استعمالهم، ليس غير
٤- الفاء الداخلة على المضارع المسبوق بأداة الحصر: "إنما"؛ نحو: إنما أنت العالم فتفيد؛ فيجوز نصب المضارع: "تفيد" على اعتبار الفاء سببية، وعدم نصبه على اعتبارها غير سببية١.
وإلى هنا انتهت الحالات الأربع التي تقع في النثر والشعر، أي: في حالتي الاختيار والضرورة. ويليها الحالتان المقصورتان على الضرورة الشعرية؛ وهما:
٥- الفاء الداخلية على المضارع المسبوق بأداة الحصر: "إلا"، نحو: ما تتكلم إلا فتحسن الكلام٢.
٦- الخبر المثبت الخالي من النفي ومن الطلب ومن الحصر "بإلا" كقول الشاعر:
سأترك منزلي لبني تميم وألحق بالحجاز فأستريحا
فالمضارع: "أستريح" منصوب على اعتبار الفاء -للضرورة- سببية، كما
_________________
(١) ١ يذكر النحاة لهذه الحالة مثالا هو قوله تعالى: "إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكونَ" في قراءة من نصب: "يكون" باعتناء الحصر منزلا منزلة الطلب تأويلا. ولم يجعل المضارع منصوبا بعد الفاء في جواب "كن" -كما يرى بعضهم- لعدم وجود قول: "كن" حقيقة؛ إذ لا ينطق بها الله حين يريد خلق شيء من العدم، وإنما هي كناية عما يسمى "تعلق القدرة تنجيزا بوجود شيء". هذا إلى أنه لا يجوز توافق الجواب والمجاب عنه في صيغة الفعل والفاعل؛ فلا بد من اختلافهما فيهما، أو في أحدهما؛ فلا يقال قم تقم. ويقول ابن هشام -فيما نقله عن الصبان: إن الجواب لا بد أن يخالف المجاب: إما في الفعل والفاعل؛ نحو: جئني أكرمك، أو في الفعل، نحو: أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم، أو في الفاعل، نحو قم أقم. ولا يجوز أن يتوافقا فيهما. ٢ لم أجد فيما رأيته من المراجع النحوية مثالا من الشعر؛ كي تتحقق فيه الضرورة. فأمثلتهم المعروضة نثرية. ولعلم يريدون ما يكون مثلهم في النظم.
[ ٤ / ٣٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يقول كثير من النحاة١.
ب- قلنا٢ إن أكثر النحاة يشترط في فاء السببية بعد الاستفهام ألا يكون الاستفهام عن أمر قد حصل في الزمن الماضي حقيقة؛ فيخرج نحو: لم أسأت إلى الصديق فيقاطعك؟ فلا ينصب المضارع: لأن الإساءة وقعت فعلا. وحجته أنه إذا سبك المصدر المؤول بعد الفاء كان هذا المصدر المؤول مستقبلا، يجب عطفه على مصدر قبل الفاء، ويجب أن يكون مستقبلا أيضا؛ ليتحد "المعطوف والمعطوف عليه" في الزمن -عملا بالرأي الراجح- فلو كان ما قبل الفاء ماضي الزمن لجاء المصدر "المعطوف عليه" ماضي الزمن أيضا؛ فيختلف في زمنه عن زمن المعطوف المستقبل.
أما الذين لم يشترطوا عدم المضي فحجتهم ما ورد من مثل: أين ذهب الرسول فتتبعه، بنصب: "نتبع" من أن المعنى في ذلك قد وقع في زمن مضى. ثم قال: إن لم يمكن الوصول إلى مصدر مستقبل من الكلام الذي قبل "الفاء" مباشرة فمن الممكن تصيده والوصول إليه من مضمون ذلك ولازمه؛ كأن نقول: ليكن منك إعلام بذهاب الرسول، فاتباع منا.
مع أن الرأي الأول دقيق محكم، وله الأفضلية، والاعتبار الأقوى -فالأنسب الأخذ بالرأي الثاني ليكون الحكم مطردا، فيقل التشعيب والتفريع، ولأن التقدير فيه روعي مثله في أحوال أخرى مع فاء السببية. كما يتبين مما سبق٣
_________________
(١) ١ لا داعي لهذا، فخير منه أن تكون للعطف المجرد والمضارع بعدها مرفوع، لعطفه على مثله المرفوع، وإنما حرك بالفتحة للضرورة؛ وهي مراعاة القافية. ومثله المضارع "يعصم" في قول شاعرهم: لنا هضبة لا ينزل الذل وسطها ويأوى إليها المستجير فيعصما والمراد بالهضبة هنا: صولة قومه، وعزتهم، ومنعتهم. ٢ في رقم ٤ من ص٣٦٨. ٣ في ص٣٥٧.
[ ٤ / ٣٧٤ ]
الأداة الخامسة: واو المعية١
فائدتها:
الدلالة على أن المعنى الذي قبلها والمعنى الذي بعدها مصطحبان معا عند حصول مدلولهما وتحققه؛ لا يسبق أحدهما الآخر ولا ينفرد، أي: أنهما متلازمان عند التحقق؛ ويحصلان معا في زمن واحد يجمعهما؛ ففي مثل: أتبتسم وتصافح الزائر؟ بنصب المضارع: "تصافح" يكون الاستفهام منصبا على تحقق الابتسهام والمصافحة معا في وقت واحد للزائر، ولا يتجه إلى تحقيق أحدهما دون الآخر، ولا يتجه كذلك إلى تحققهما في زمنين مختلفين. فكأن من ينطق بهذه العبارة، وينصب فيها المضارع بعد الواو -يقول: أنا أسأل عن تحقق الأمرين معا في وقت واحد. ولا أسأل عن غير هذار.
ومثل: لا يتكلم الخطيب ويقعد. بنصب المضارع: "يقعد" فإن النفي مسلط على اجتماع القعود والتكلم معا في وقت واحد؛ فكأن المتكلم يقول: إنها لا يحصلان معا في وقت واحد. أما نفي حصول أحدهما فقط أو نفي حصولهما في زمنين مختلفين فلا يفهم من هذه الجملة. ومثله: لا يترك العاقل عمله ويلعب. ولا يقعد عن السيئ وينتظر الرزق؛ بنصب: "يلعب"، و"ينتظر" فيكون المراد نفي الجمع في وقت واحد بين الترك واللعب. وكذا نفي اجتماع القعود عن السعي وانتظار الرزق في زمن واحد. ونحو: لا تأكل والكلام في وقت واحد.
ولما كانت هذه الواو دالة على اجتماع المعنيين واصطحابهما معا وقت تحققهما -سميت لذلك: "واو المعية" أي: "الواو" التي بمعنى: "مع"٢؛ فهي تدل على الجمع والمصاحبة بين أمرين في وقت واحد.
_________________
(١) ١ وتجري عليها الأحكام العامة المشتركة التي سبقت في رقم ٢ من هامش ص٣١٧. ٢ المعنى لا يتغير مع كل منهما، ولكن الإعراب يختلف. فواو المعية حرف عطف -على الأشهر، كما سيأتي- والمضارع بعدها منصوب بأن مضمرة وجوبا، والمصدر المؤول معطوف على مصدر سابق ، أما كلمة: "مع" فظرف منصوب، وهو مضاف -غالبا- فبعده اسم مضاف إليه، ولا يقع بعده المضارع مباشرة ، واو المعية التي هنا تختلف عن واو المعية التي يليها المفعول معه؛ فإن التي يليها المفعول معه حرف مجرد للدلالة على المعية وليس عاطفا أو غير عاطف. أما التي هنا فحرف عطف، مع =
[ ٤ / ٣٧٥ ]
عملها:
واو المعية -هنا- حرف عطف في المشهور، مع إفادته المصاحبة١ والاجتماع والمضارع بعده منصوب بأن المضمرة وجوبا، ومنه كما عرفنا: متجرد للاستقبال الخالص، والمصدر المؤول بعده معطوف بالواو على مصدر مذكور في الكلام السابق. فإن لم يوجد في الكلام السابق مصدر وجب تصيده بالطريقة التي سلفت في العطف بفاء السببية٢.
ويشترط لنصب المضارع بأن المضمرة وجوبا بعد "واو المعية" أن تكون واو المعية مسبوقة إما بنفي محض، أو بما يلحق به. وقد شرحناهما٣ وإما بنوع من أنواع الطلب الثمانية التي سبق بيانها وشرحها في "فاء السببية"٤. غير أن بعض النحاة يمنع وقوع "واو المعية" بعد أربعة أنواع من الطلب؛ هي: "الدعاء، والعرض، والتخصيص، والترجي". وحجته: أن السماع الكثير لم يرد بواحد منها، والسماع الكثير هو الأساس للقياس؛ فلا يصح الإقدام على نصب المضارع بعدها ما دام هذا الأساس مفقودا. ولا يصح عنده النصب حملا لواو المعية على "فاء السببية"؛ لأن الحمل -برغم التشابه بينهما في كثير من الأمور- لا داعي له. ورأيه وجيه.
_________________
(١) = دلالته -دائما- على المعية نصا، ولا يليه إلا المضارع بالشروط التي سنعرفها. وإما قلنا مع دلالته الدائمة على المعية نصا؛ لأن الواو العاطفة لا تدل على المعية نصا، وإنما تدل عليها بقرينة أخرى خارجة عنها، فمن يقول: دعوت الضيف والشريك لزيارتي -قد يقصد أنه دعاهما مع في وقت واحد، وقد يقصد أنه دعاهما في وقتين مختلفين؛ فليس في الكلام ما يعين أحدهما نصا؛ لأن الواو العاطفة تدل على مجرد التشريك في المعنى، ولا تدل على المصاحبة الزمنية والاجتماع في أثناء تحققه إلا بقرينة. وهذا هو المراد من قوله: إنها لمجرد الجمع، أي: للتشريك في المعنى من غير دلالة حتمية على ترتيب، أو تعقيب، أو مصاحبة بخلاف الدالة على العطف والمعية معا، فإنها تجمع بين الأمرين في وقت واحد، ووقوع المضارع بعدها منصوبا دليل على أن المتكلم يريد الأمرين معا. "وقد سبق بيان هذا في باب العطف، ج٣ ص٤١٢ م١١٨ وفي المفعول معه ج٢ ص٢٢٦ م٨٠". ١ والكوفيون يمنعون العطف بها -كما سيجيء في ص٣٧٩- وهامشها. ٢ ص٣٥٨. ٣ ص٣٥٥. ٤ في ص٣٦٥ ويلحق بالطلب أداة الشرط إذا وقع المضارع المسبوق بالواو متوسطا بين شرطها وجوابها، أو متأخرا عنهما، ففي حالة التوسط أو التأخر يجوز اعتبار الواو للمعية، ونصب المضارع بعدها بأن المضمرة وجوبا، كما يجوز عدم اعتبارها للمعية فلا ينصب المضارع. وكل هذا على حسب الاعتبارات المعنوية التي تقدمت في فاء السببية، في رقم ٣ من ص٣٧٢، والتي ستجيء في الجزم، ص٤٧٧.
[ ٤ / ٣٧٦ ]
ويخالف فريق آخر، بحجة التشابه القوي بين الحرفين في نواح متعددة فلا عيب في حمل واو المعية على فاء السببية. وفي هذا الرأي تيسير، ولكن فيه إهدار لأهم الأسس التي تراعى؛ وهو السماع الكثير الوارد، ولهذا يحسن عدم الأخذ به قدر الاستطاعة: احتراما للأساس الأهم السابق.
أ- فمن أمثلة واو المعية المعية بعد النفي قول أعرابي يجري إلى ساحة القتال: لا ألزم داري وأشهد الأبطال يمضون للجهاد سراعا، ولا أموت على فراشي كالبعير المهزول، وأبصر الرجالات في حومة الوغي شهداء.
ب- ومن أمثلتها بعد أنواع الطلب ما يأتي١:
١- بعد الأمر: أيها الصديق: اغفر هفوتي وأغفر هفوتك؛ لتدوم صداقتنا، وساعدني وأساعدك لتتغلب على المشقات، ولتحذر وأحذر دسائس الأعداء؛ لنعيش في سلام.
ولا خلاف في نصب المضارع "بأن" المضمرة وجوبا بعد واو المعية إذا كانت الواو مسبوقة بإحدى صيغتي الأمر المحض٢. أما الدلالة على الأمر بغيرها "كالدلالة عليه باسم الفعل، أو بصيغة اسم، أو بجملة خبرية" فالحكم هنا كالحكم في فاء السببية٣.
٢- بعد النهي:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك -إذا فعلت- عظيم
٣- بعد الاستفهام:
ألم أك جاركم ويكون بيني وبينكمو المودة والإخاء
ومثل:
أتبيت ريان الجفود من الكرى وأبيت منك بليلة الملسوع
_________________
(١) ١ مع ملاحظة أن المعطوف بواو المعية والمعطوف عليه مصدران -كما شرحنا- فليس في الكلام عطف جملة خبرية بعد الواو على جملة طلبية قبلها مما يمنعه النحاة، ولا عطف فعل على فعل. وكل هذا بشرط نصب المضارع بعد الواو. ٢ وهما: فعل الأمر الصريح، ولام الطلب الجازمة الداخلية على المضارع -وبيانهما في ص٣٦٦. ٣ ص٣٦٦.
[ ٤ / ٣٧٧ ]
٤- بعد التمني: قوله تعالى حكاية لقول الكفار يوم القيامة: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ .
وقول الشاعر:
ألا ليت الجواب يكون خيرا ويطفئ ما أحاط من الجوى بي
٥- بعد الدعاء "على الرأي القائل به " رباه، ما أسعدني بطاعتك؛ فوجهني إليها، ويعيني فضلك على ملازمتها. وما أشد حاجتي إلى برك؛ فأسبغ على ثوب العافية، وتحرسه برحمتك، وأغدق علي النعم، وتوفقني إلى صيانتها، رباه، لتدخلني في عداد المقربين، وترفع مقامي بينهم، ولا تدع للتواني سبيلا إلي وتتركني بعيدا عن المدى الذي يرضيك.
٦- بعد العروض "على الرأي القائل به ": ألا تزور المريض وتقدم له هدية. ألا تساله عن حاله وتدعو له بالشفاء.
٧- بعد التحضيض "على الرأي القائل به ": هلا تتعرض لأشعة الشمس وقت الضحا أو قبل الغروب وتحذر حرارتها، وطول التعرض لها. وهلا تعرف رأي الأطباء في فائدة التعرض وضرره، وتعمل برأيهم
٨- الترجي "على الرأي القائل به " لعل العالم يدرك أنه قدوة، ويترك ما لا يليق به، ولعله يعرف أن فساده أشد ضررا وأعظم خطرا من كل فساد آخر، ويجنب الناس أثره
يتبين مما سبق أن بين فاء السببية وواو المعية تشابها واختلافا؛ فيتشابهان في أمرين:
أولهما: نصب المضارع بعدها بأن مضمرة وجوبا؛ بشرط أن يسبقهما -غالبا- نفي أو طلب، وما يلحق بهما، بالتفصيل الذي عرفناه.
ثانيهما: اعتبار كل منهما حرف عطف أيضا فوق دلالته الخاصة "وهي: دلالة الفاء على "السببية الجوابية" فوق دلالتها على الترتيب والتعقيب. ودلالة الواو على "المعية". والمصدر المنسبك بعدهما من أن المضمرة وجواب وما دخلت
[ ٤ / ٣٧٨ ]
عليه من الجملة المضارعية -معطوف على مصدر مذكور أو متصيد قبلهما. وهذا على الرأي الشائع الذي يخالف فيه بعض المحققين١ ويقول: إن هذه الواو التي تفيد المعية ليست عاطفة، وهو بهذا يوافق الكوفيين "ويسمونها: واو الصرف" وحجته: أن العرب إذا أرادوا بالواو معنى المعية والمصاحبة أتوا بالمضارع بعدها منصوبا ليصرفوه عن المألوف؛ فيكون صرفه هذا قليلا على أنها للمعية والمصاحبة، ومرشدا من أول الأمر إلى أنها لإفادة اجتماع أمرين في زمن واحد، وليست للعطف٢.
ويختلفان في خمسة أمور:
أولها: أن نصب المضارع بعد فاء السببية متفق عليه بعد أنواع الطلب السبعة، لورود السماع بأمثلة كثيرة لكل نوع تبيح القياس عليها. وأما الثامن "وهو الترجي" فيقع فيه وحده الخلاف، والصحيح أنه كبقية الأنواع في وجوب نصب المضارع الواقع في جوابه بعد فاء السببية، وأن ناصبه هو "أن" المضمرة وجوبا.
في حين يخالف بعض المحققين يف أن يكون وقوع "الدعاء، والعرض، والتحضيض، والترجي"، قبل واو المعية موجبا للنصب، فهو يمنع اعتبارها للمعية كما يمنع نصب المضارع إذا سبقه واحدا من الأربعة المذكورة؛ بحجة عدم ورود السماع بأمثلة متعددة لكل منها تكفي للقياس عليها.
ثانيها: الأصح في فاء السببية أنها حرف عطف يفيد الترتيب والتعقيب مع
_________________
(١) ١ كالرضي. ٢ ومع أنها عنده للمعية الخالصة وليست للعطف -يعتبرها إما واوا للحال، وأكثر دخولها على الجملة الاسمية: فالمصدر المؤول بعدها في تقدير مبتدأ خبره محذوف وجوبا، فمعنى: قم وأقوم، قم وقيامي ثابت. أي: قم في حال ثبوت قيامي. وإما بمعنى: "مع"، أي: قم مع قيامي. وذلك كما قصدوا في المفعول معه مصاحبة الاسم للاسم، فنصبوا ما بعد الواو. ولو جعلت الواو عاطفة للمصدر على مصدر سابق لزال التنصيص على معنى الجمع وقد قامت على هذا الراي اعتراضات كثيرة، واجهتها ردود كثيرة أيضا. ولا حاجة بنا إلى شيء من هذه أو تلك؛ لاعتمادها -في الغالب- على الجدل المجرد. وغاية ما نقوله: إن اعتبار الواو لمجرد المعية هنا يريح من العطف وما يقتضيه -أحيانا- من تصيد المصدر المعطوف عليه حين لا يكون في الكلام السابق مصدر مذكور. ولولا اعتبارات أخرى قوية "كالتي سنذكرها في "ب" من ص٤٠٣" لكان هذا الرأي وحده هو المستحسن في جميع حالات فاء السببية أيضا فلا نعدها حرف عطف، طبقا للمذهب الكوفي الذي يقصرها على السببية، ويمنع أن تكون عاطفة.
[ ٤ / ٣٧٩ ]
دلالتها -في الغالب- على السببية الجوابية في الوقت نفسه. على حين يشتد الخلاف في جعل الواو -هننا- للأمرين مجتمعين؛ وهما: العطف والمعية؛ إذا الرأي القوي أنها تفيد المعية دائما بغير أن تكون عاطفة.
ثالثها: وهذا مهم أن فاء السببية لا بد أن تقع -غالبا- في جواب نفي أو طلب أو ملحقاتهما ؛ فما بعدها مسبب عما قبلها وجواب له. أما واو المعية فتقتضي مصاحبة ما قبلها وما بعدها مصاحبة حقيقية عند وقوعهما؛ أي: تستلزم تلاقيهما واجتماعهما في زمن واحد عند تحقق معناهما وحصوله، وهذه المصاحبة تمنع أن يكون ما بعد الواو مسببا عما قبلها، وجوابا له؛ لأن المسبب والجواب لا بد أن يتأخرا -حتما- في وجودهما عن السبب، وعما يحتاج إلى إجابة. وهذا التأخر يناقض المصاحبة ويعارضها. ولهذا يقول النحاة: إن صحة الفهم ودقة التعبير يقضيان بتخطئة من يقول عند الإعراب١: "واو المعية الواقعة في جواب النفي، أو الأمر، أو النهي، أو غيرهما من بقية الأنواع السالفة " وبتصويب من يقول: "واو المعية" الواقعة بعد النفي أو الطلب من غير ذكر لكلمة جواب؛ لأن وقوع الجملة المشتملة على هذه الواو جوابا عما قبلها يقتضي -كما تقدم- أن يكون تحقق معناها متأخرا عن تحقق معنى التي قبلها، وهذا يعارض ما تفيده واو المعية من تحقق معنى السابق عليها واللاحق في زمن واحد.
رابعها: أن واو المعية -هنا- لا بد أن يسبقها نفي محض، أو طلب، أو ملحقاتهما، ولا بد كذلك أن تدل على المصاحبة الزمنية الحقيقية عند تحقق معنى ما قبلها وما بعدها. وهذه المصحابة تقتضي أن ينصب النفي والنهي وغيرهما من بقية الأنواع، على ما قبل الواو وما بعدها معا، أي: أن النفي والنهي نظائرهما يشملان ما قبل الواو وما بعدها، لا محالة، ولا يقتصران على أحدهما دون الآخر "بشرط أن تكون الواو للمعية، والمضارع بعدها منصوبا" فمن يقول لا آكل وأتكلم، فالنفي مسلط على ما قبل الواو وما بعدها مجتمعين. أما شأنهما عند عدم مصاحبتهما فمسكوت عنه، والحكم عليه متروك، لا دخل للنفي -وغيره- به؛ فقد يقع الأكل
_________________
(١) ١ على سبيل الحقيقة، لا على ضرب من المجاز البعيد.
[ ٤ / ٣٨٠ ]
وحده أو لا يقع. وقد يحصل التكلم وحده أو لا يحصل، وقد يقع الأكل والتكلم ولكن في وقتين مختلفين، أو لا يقعان مطلقا فلا يمكن القطع بأحد هذه الأشياء إلا بقرينة خارجة عن الجملة.
ومن يقول: لا أكتب وألوث أصابعي "بنصب: "ألوث" فإنما ينفي اجتماع الأمرين معا في وقت واحد، وهما الكتابة، وتلويث الأصابع. فالنفي شامل ما قبل واو المعية وما بعدها مجتمعين، يسلط عليهما في زمن اصطحابهما وتلاقيهما، ولا ينصب على أحدهما دون الآخر. أما المعنى عند عدم اصطحابهما فمسكوت عنه، متروك حكمه، لا صلة للنفي به، فقد تكون الكتابة وحدها منفية أو غير منفية، وقد يكون تلوث الأصابع وحده حاصلا أو غير حاصل.. وقد يكون الاثنان غير حاصلين، وقد يحصلان في زمنين مختلفين فكل هذه أمور يعرض لها الاحتمال، ولا سبيل للقطع بأحدهما إلا بقرينة أخرى.
وكذلك من يقول: لا تمش وتكتب -أو لا تخطب وتجلس - أو: لا تظلم الضعيف وتخاف القوي بنصب المضارع بعد الواو المسبوقة بالنهي في هذه الأمثلة وأشباهها فإن النهي فيها مسلط على ما قبل الواو وما بعدها مجتمعين في وقت واحد، ولا ينصب على أحدهما دون الآخر، فكلاهما وحده مسكوت عنه، مهمل أمره؛ لا دليل للقطع بأنه منهي عنه وحده أو غير منهي عنه، ولا منهي عنه مع الآخر في زمنين مختلفعين.. فالقطع بأحد هذا الأمور متوقف على قرينة خارجة عن الجملة؛ توجه لأحدهما دون الآخر.
أما النهي والنهي قبل فاء السببية فقد بسلطان على ما قبلها وما بعدها معا، أو على ثانيها فقط -كما سلف١.
هذا، وما قيل عن النفي والنهي يقال في محلقات الني وفي سائر أنواع الطلب بنوعيه؛ حيث يسري -في وقت واحد- على ما قبل الواو وما بعدها معنى النفي أو الطلب، ويشملهما هذا المعنى مصطحبين مجتمعين في زمن واحد٢
_________________
(١) ١ في ص٣٥٩. ٢ في الكلام على "واو المعية" يكتفي ابن مالك ببيت واحد؛ هو:=
[ ٤ / ٣٨١ ]
خامسها: أن فاء السببية قد تسقط جوازا بعد الطلب -لا النفي- سواء أكانت موجودة من الأصل ثم سقطت، أم لم تكن موجودة؛ فيصح في المضارع بعد غيابها الجزم في جواب الطلب، ففي مثل: شارك في ميادين الإصلاح، فينهض بلدك يصح أن يقال: شارك في ميادين الإصلاح ينهض بلدك بجزم المضارع: "ينهض". ولا يصح هذا في واو المعية؛ -كما سيجيء قريبا١.
_________________
(١) = والواو كألفا، إن تفد مفهوم مع كلاتكن جلدا، وتظهر الجزع-٣ يريد أن "الواو" كفاء السببية في كثير من الأحكام -وفي مقدمتها وقوعها بعد النفي وما ألحق به، وبعد الطلب بنوعيه- مع نصب المضارع بأن المضمرة وجوبا، وعطف المصدر المؤول بعدها على مصدر قبلها وقد اشترطوا في هذه الواو أن تكون بمعنى "مع" أي: دالة على المعية، ومصاحبة معنى ما قبلها وما بعدها في زمن وقوع النهي -وغيره- وتحققه. وساق مثالا معناه: لا تكن جلدا في وقت إظهار الجزع. وفي المثال عيب معنوي؛ إذ كيف يكون جلدا مع إظهاره الجزع. ١ في ٣٨٧ ولهذا الحكم مسألة مستقلة تشمل تفصيله وشروطه تجيء في الصفحة المذكورة.
[ ٤ / ٣٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) زيادة وتفصيل: أ- لبعض النحاة كلام مفيد في "واو المعية"، يتضمن ما قلناه. وملخص كلامه: أن المضارع ينصب بعد "واو المعية" في سائر المواضع التي ينصب فيها بعد "فاء السببية"؛ وهي المواضع التي تكون مسبوقة فيها بالنفي وملحقاته، والطلب المحض وما حمل عليه. وإنما يصح النصب إذا أردت المصحابة الحقيقية والاجتماع بين المعنى الذي قبل الواو، والمعنى الذي بعدها وقت حصولهما وتحققهما، والدلالة على أنهما يحصلان متحققان معا في وقت واحد، ولم ترد مجرد الاشتراك المطلق بين المعنيين اشتراكا لا مصاحبة فيه ولا اجتماع عند وقوعهما. وإذا نصبت المضارع بعد الواو فهي للعطف أيضا؛ فتعطف المصدر المنسبك بعدها على مصدر قبلها، لأنها مع إفادتها المعية والمصحابة تفيد العطف أيضا، وليست مقصورة على مجرد التشريك بين المعنيين كالذي تقتضيه واو العطف المحضة. أي: أن واو المعية هنا تقتضي التشريك والمصحابة الحتمية معا، وهما من خصائصها دون الواو المجردة للعطف وحده. ثم يتكلم: نعم، إن الواو العاطفة قد تحتمل المصاحبة أحيانا كما في قولك: جاء محمد وعلي، ويتكلم محمود، ويصرح؛ وينظر ، ولكن هذا مجرد احتمالا لا يقين معه. وليست المصاحبة أمرا مقطوعا فيه، ولا منصوصا عليه؛ إذ معنى العطف بالواو الدلالة على مجرد الاشتراك، دون زيادة على ذلك؛ من ترتيب، أو تعقيب، أو إمهال. أو مصاحبة، أو غيرها، وهذه هي مهمتها الأصيلة، وما عداها يكون أمرا محتملا؛ يحتاج في القطع به إلى قرينة أخرى حالية، أو مقالية. فإن لم توجد القرينة بقي الاشتراك المجرد على حاله مقطوعا به، وما عداه فموضع الاحتمال، بخلاف الواو الدالة على المعية والمضارع بعدها منصوب؛ فإنها شاملة للأمرين مجتمعين؛ فهي للعطف، وللمعية معا، ولا مجال للاحتمال في أحدهما؛
[ ٤ / ٣٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إذ المعية مقطوع بها١ هنا كالعطف.
ومتى ثبت أن المضارع لا ينصب إلا بعد الواو التي للمعية -بالشروط التي عرفناها- ثبت كذلك أنه لا يصح نصبه بعد "واو" غيرها؛ كالواو التي للاستئناف والجملة المضارعية بعدها مستأنفة. وكالواو التي للحال، والجملة المضارعية بعدها خبر لمبتدأ محذوف، والجملة من هذا المبتدأ وخبره في محل نصب حال، وكغيرها من أنواع الواو التي ليست للمعية
وعلى أساس الاعتبارات السالفة يجوز في الأمثلة التالية -وأشباهها- ضبط المضارع بعد الواو ضبوطا مختلفة؛ كل ضبط منها يؤدي معنى غير الذي يؤديه الآخر؛ فالضبط خاضع للاعتبار المعنوي، وإن شئت فالضبط خاضع للمعنى، ومتى تم الضبط صار هو المرشد للمعنى:
لا تقرأ وتأكل، لا تمش وتكتب، لا تغضب وتترك الحاضرين، لا تنتقل في الحديقة وتأكل ثمارها.. فيجوز في المضارع بعد الواو ما يأتي:
١- نصبه على اعتبار الواو للمعية؛ فيتعين أن يكون النهي مسلطا على الأمرين مصطحبين معا، فالكلام نص في النهي عن الجمع بين هذين الأمرين؛ فهو بمعنى: لا تجمع في وقت واحد بين هذين الأمرين.
٢- جزمه على اعتبار الواو لمجرد العطف وحده من غير معية، فالمضارع بعدها بدون فاعله معطوف على المضارع السابق المجزوم، عطف فعل على نظيره الفعل. ويكون النهي منصبا على الأمرين أيضا، ولكن على سبيل التشريك الذي لا دلالة معه على مصاحبة، أو عدم مصاحبة. فالنهي مسلط على هذا وذاك سواء أكانا مصطحبين أم غير مصطحبين: فالاصطحاب وعدمه أمران محتملان، لا سبيل للقطع بأحدهما إلا بقرينة أخرى.
٣- رفعه على اعتبار الواو للاستئاف، فالمضارع بعدها مرفوع، والجملة المضارعية مستقلة في إعرابها عما قبلها. ولذا يتعين أن يكون النهي منصبا على ما قبله الواو دون ما بعدها، فما بعدها مباح لا يسري إليه النهي.
_________________
(١) ١ في الرأي الشائع.
[ ٤ / ٣٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٤- رفعه على اعتبار الواو للحال، والجملة المضارعية بعدها في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف -في الرأي الراجح-١ والجملة من المبتدأ وخبره في محل نصب حال والنهي في هذه الصورة منصب على ما قبل الواو بشرط تقييده بما بعدها، أي: أنه ينصب على ما قبل الواو في صورة واحدة، هي التي يكون فيها مقيدا بالحال، ويتحقق فيها حصول القيد؛ ففي مثل: لا تقرأ وتأكل ، يكون المراد: لا تقرأ وأنت تأكل.. أي: لا تقرأ في الحالة التي تأكل فيها. أما في غير هذه الحالة فالأمر مسكوت عنه، لا دليل على النهي عنه أو إباحته، فلا بد من قرينة أخرى تعين أحدهما، وتزيل الاحتمال.
ب- ألحق الكوفيون "ثم" العاطفة بواو المعية في المعنى بشرط استقامة المعنى على المعية، وأن يسبقها النفي أو الطلب كما يسبقان واو المعية، فكلا الحرفين عندهم يؤدي العطف والمعية معا بالشرطين السالفين؛ مستدلين بأمثلة مسموعة، منها قوله ﵇: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم٢ ثم يغتسل منه"؛ بنصب: "يغتسل" على اعتبار "ثم" للعطف وللمعية "معا"، والمضارع بعدها منصوب "بأن" المضمرة وجوبا.
وقد عورض رأيهم بأنه يلزم عليه أن يصير معنى الحديث -في حالة النصب- النهي عن الجمع بين البول في الماء والاغتسال منه، أي: النهي عن اجتماع الأمرين معا، ومصاحبتهما. ويترتب على هذا أن البول في الماء الدائم من غير اغتسال منه مباح؛ كما هو مفهوم الكلام السابق، مع أن هذا المفهوم مخالف للمراد من الحديث؛ إذ المراد منه -كما تدل قرائن متعددة- النهي المطلق عن البول في الماء الدائم، سواء أصحبة اغتسال أم لم يصحبه.
وشيء آخر؛ كيف تدل "ثم" على المعية والعطف معا ومعناها في العطف هو الترتيب والتمهل وهما ينافيان المعية؟ فهل المراد مطلق الاشتراك ولو بغير معية؟ قال بعض المحققين يناقش الكلام السابق كله بما معناه: "إن الإشكال نشأ من قول بعض النحاة: "الفعل: يغتسل" في الحديث السابق يجوز نصبه بإعطاء: "ثم" حكم واو الجمع "٣ فوقع في الوهم أن المراد إعطاؤها حكمها في
_________________
(١) ١ الذي يبيح ربط الجملة الحالية المثبتة بالواو وحدها. ٢ الراكد. ٣ مراده: حكمها في أن المضارع بعدها منصوب بأن المضمرة وجوبا.
[ ٤ / ٣٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المعية، مع أن أولئك النحاة لم يقصدوها. أما المفهوم والأخذ بما يقتضيه فإنما يكون حين لا يمنع منه مانع، ولا يصد عنه دليل؛ كالشأن في هذا الحديث الشريف فإن الأخذ بمفهومه غير جائز؛ لوجود ما يعارضه ويمنع الأخذ به؛ وهو ثبوت النهي عن البول في الماء الراكد مطلقا؛ سواء أكان معه استحمام فيه أم لم يكن.
وبناء على ما تقدم -من المذهب الكوفي وأنصاره- يكون نصب المضارع؛ "يغتسل" قائما على أساس إلحاق "ثم" بواو المعية في النصب مطلقا؛ أي: سواء اقتضى المعنى النهي عن المصاحبة والاجتماع أم لم يقتض.
ويصح جزمه على إرادة العطف المجرد الذي يفيد مطلق التشريك دون إفادة المصاحبة والمعية. ويصح رفعه عند ابن مالك وآخرين على اعتبار "ثم" حرف استئناف١ يرفع بعدها المضارع، كما يرفع بعد الواو والفاء الاستئنافيين١. ولا يجيز ابن مالك ومن معه العطف، لما يترتب عليه من عطف الخبر على الإنشاء، وهذا ممنوع على الأرجح" وإلى هنا انتهى المراد من كلامه ملخصا٢.
والأنسب ترك المذهب الكوفي هنا، وعدم القياس عليه؛ لقلة شواهده، ولما فيه من تكلف وتعقيد، والاقتصار في استعماله على المسموع الذي وردت فيه "ثم" بمعنى واو التشريك، المفيدة للمعية أو غير المفيدة لها.
_________________
(١) ١ و١ سبق -في ج٣ م١١٨ ص٤٦٦ عند الكلام على "ثم" ما يؤيد وقوعها للاستئناف، ويزيد هذا الحكم وضوحا. ٢ وقد عرض الصبان لهذه المسالة عند الكلام على "واو المعية"، وكذلك "المعنى" عند الكلام على "ثم" ج١.
[ ٤ / ٣٨٦ ]
المسألة ١٥٠:
حكم المضارع إذا لم توجد قبله "فاء السببية":
عرفنا١ أن "فاء السببية" تخالف "واو المعية" في أمور؛ منها: أن فاء السببية قد تسقط من الكلام جوازا؛ فلا يصح نصب المضارع بعدها، وإنما يصح جزمه إن استقام المعنى المراد على الجزم. ومعنى سقوطها: غيابها واختفاؤها عن موضعها، وخلو مكانها منها؛ سواء أوجدت أولا الحضارة باللباب الحميد فتسعد، وتجنب الزائف البراق فتسلم" يصلح أن يقال: "خذ من الحضارة باللباب الحميد تسعد، وتجنب الزائف البراق تسلم". بجزم المضارعين: "تسعد، وتسلم"، بعد سقوط فاء السببية، وقد كانا منصوبين عند وجودها. ويشترط لجزم المضارع بعد سقوطها -على الوجه السالف- ثلاثة شروط مجتمعة:
أولها: أن تكون مسبوقة بنوع من أنواع الطلب المحض أو ملحقاته -لا بنوع من النفي وملحقاته- وقد عرفنا أنواع الطلب الثمانية٢ "وهي: الأمر، النهي، الدعاء، التمني٣ الترجي، العرض، التحضيض الاستفهام".
ثانيها: أن تكون الجملة المضارعية بعدها جوابا٤ وجزاء للطلب الذي قبلها "أي: مسببة عنه: كتسبب جزاء الشرط على فعل الشرط".
ثالثها: أن يستقيم المعنى بحذف "لا" الناهية ووقع "إن" الشرطية وبعدها
_________________
(١) ١ في ص٣٨٢ "الأمر الخامس". ٢ سبق تفصيل الكلام عليها في ص٣٦٥. ٣ ينحصر التمني هنا في النوع الأصيل، وهو الذي أداته: "ليت"، دون الأنواع الأخرى المحمولة عليه بأدواتها العارضة في معناه، ومنها "لو" و"ألا" وقد سبق إيضاحهما في رقم ٧ من ص٣٦٩ لأن الجزم غير مسموع بعد التمني العارض، وأدواته الطارئة في معناه "انظر ما يتصل بهذا في ص٣٦٩ وفي رقم ٣ من هامشها". ٤ سبق شرح الجواب والجزاء في ص٣٠٨.
[ ٤ / ٣٨٧ ]
"لا" النافية محل "لا" الناهية١ التي حذفت، وحل محلها الحرفان قبل المضارع المنصاب. وهذا الحذف والإحلال لازمان حين تكون أداة الطلب "لا" الناهية". فإن كانت الأداة الطلبية نوعا آخر كفعل الأمر، أو الدعاء، أو غيرهما من الأدوات الاسمية والفعلية والحرفية وجب أن يستقيم المعنى بالاستغناء عن أداة الطلب وإحلال "إن" الشرطية هذه محلها، فتدخل وحدها على المضارع الذي دخلت عليه الأداة السابقة، إن وجد مضارع مذكور. وإن لم يوجد أتينا بعدها، أو بدلا منها٢ -على حسب نوع الأداة- بمضارع مناسب نتصيده في مكانه، ويوافق المراد.
وليس الغرض من مجيء "إن" "بالصورة السالفة قبل "لا" الناهية أو قبل غيرها من باقي أنواع الطلب" بقاءها واستمرارها، وإحداث أسلوب جديد يبقى ويستمر مع إهمال الأول، وإنما المراد استخدامها بصورة مؤقتة أو تخيلية؛ لترشدنا إلى صحة الجزم أو عدم صحته، تبعا لسلامة المعنى أو فساده؛ فليست إلا مجرد أداة للاختيار المؤدي لغرض خاص. من غير أن يكون لها أثر نحوي أو معنوي آخر. فإذا ما تحقق الغرض زالت. وبقي الأسلوب الأول "الذي كان قبل مجيئها" على حالته اللفظية والمعنوية، ولا اعتبار لغيره.
فمتى اجتمعت الشروط الثلاثة جاز الجزم، فمثال الجزم بعد الأمر قولهم: "أفضل على من شئت تكن أميره، واستغن عمن شئت تكن نظيره. واحتج إلى من شئت تكن أسيره". وقولهم: "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء". والتأويل: إن تفضل على من شئت تكن أميره، وإن تستغن تكن ، وإن تحتج تكن ، إن ترحموا من في الأرض يرحمكم٣
_________________
(١) ١ لأن أداة الشرط لا تدخل على "لا" الناهية. "انظر "أ" من ص٣٩٨". وله إشارة في رقم ١ من ص٤٠٩. ٢ قد يكون بدلا منها، ويغني عنها في بعض الحالات، كأن تكون الأداة نفسها فعل أمر ؛ في مثل: ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء. أي: إن ترحموا -كما سيجيء. ٣ ومن أمثلة دخول "إن" المتخيلة المؤقتة على مضارع مناسب نتصيده -وهذا النوع كثير- قوله تعالى يخاطب المؤمنين في شأن أهل النفاق والغدر ونقض العهود: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ والتأويل: إن تقاتلوهم يعذبهم الله وقوله تعالى: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي، يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ والتأويل: إن تحلل يفقهوا ومثل قول الشاعر: تعالوا نخبركم بما قدمت لنا أوائلنا في المجد عند الحقائق والتأويل: إن تجيئوا نخبركم
[ ٤ / ٣٨٨ ]
ومثال الجزم بعد النهي: لا تكن عبد هواك، تأمن سوء العواقب، ولا تهمل مشورة الناصح الخبير، تدرك حميد الغايات. والتأويل: إلا تكن عبد هواك تأمن سوء العواقب، وإلا تهمل مشورة الناصح تدرك
وبعد الدعاء: رباه. وفقني، أهتد لما يرضيك، ولا تدعني بغير تأييدك أجد خير ناصر ومعين. والتأويل: إن توفقني أهتد وإلا تدعني
وبعد الاستفهام: أتجاهل الناس بالحق تكسب رضاهم؟ وهلا تينهم في غير ضعف تأمن أذاهم؟ والتأويل: إن تجامل تكسب إن تلاين تأمن
وبعد التمني: ليت إخوان الصفاء كثير يقو بهم جانبي، وليت صفاءهم دائم أعش به سعيدا. والتأويل: إن تتحقق أمنيتي بكثرة إخوان الصفاء يقو بهم جانبي و
وبعد الترجي: لعلك تساعد المحتاج تؤجر، ولعلك تحاذر المن عليه يضاعف أجرك. والتأويل: إن تساعد المحتاج تؤجر و
وبعد الحض: هلا تستبق إلى الخير تذكر به، وهلا تدعو إليه تشتهر بالفضل. والتأويل: إن تستبق إلى الخير تذكر به و
وبعد العرض: ألا تعرف الفضل لأهله تكن منهم، ألا تنكر جحود المغرورين تخرج من زمرتهم، والتأويل: إن تعرف الفضل لأهله تكن منهم و و
فإن فقط شرط، أو أكثر، لم يصح الجزم، ووجب رفع المضارع وإعرابه على حسب ما يقتضيه السياق ويستلزمه المعنى.
أ- فعند فقد الشرط الأول -بسبب وجود نفي، لا طلب، أو ملحقاته-
[ ٤ / ٣٨٩ ]
لا يصح جزم المضارع وإنما يجب رفعه؛ ففي مثل: ما يحسن العيي الكلام يملك به أفئدة السامعين ، لا يصح جزم المضارع: "يملك" في جواب النفي عند غياب فاء السببية١ إلى عند الكوفيين الذين يجيزون جزمه على اعتباره جوابا للنفي. أما غيرهم فلا يبيحه، ويوجب رفع المضارع: "يملك" على اعتباره في هذا المثال بدل مضارع من المضارع الذي قبلهن أو على اعتباره شيئا آخر في أمثلة تخالف السالف، وتقتضي معانيها إعرابها على غير البدلية.. كرفعه على اعتبار الجملة المضارعية مستأنفة٢، أو صفة، أو حالا ، أو غير هذا مما تصلح له في موضعها ويقتضيه المعنى
ب- وعند فقد الشرط الثاني -"بسبب أن المضارع بعد الفاء المختفة ليس مرادا منه أن يكون جوابا للطلب ولا جزاء، وأن المعنى على غيرهما"- لا يصح جزمه، وإنما يجب رفعه؛ مراعاة لاعتبار معنوي٣ أو أكثر مما يقتضي رفعه. ومن
_________________
(١) ١ للنحاة في منع الجزم بعد النفي تعليل غريب يجب رفضه، فهو يقولون: إن النفي يقتضي عدم وقوع المنفي، ويستلزم عدم حصوله. والإثبات على نقيضه، يستلزم تحقق شيء ويقتضي وقوعه. فكل منها يقتضي تحقق أمر حتما. برغم أن التحقق مختلف؛ إذ النفي يقتضي تحقق عدم الوقوع، والإثبات يقتضي تحقق الوقوع، فهما مشتركان في أمر واحد، هو: "التحقق"، وإن كانت جهة التحقق مختلفة وبسبب هذا الاشتراك حمل المضارع الواقع في جواب النفي على المضارع الواقع في جواب الإثبات؛ والمضارع في جواب الإثبات لا يصح جزمه، فكذلك ما حمل عليه لا يصح جزمه، حملا للشيء على نقيضه. وهذا تعليل فاسد، ولو أخذنا به وتكلفنا في مسائل أخرى -وهذا ممكن- كما تكلفناه هنا لفسدت اللغة، وانهارت دعائمها وأصولها. ومثله التعليل الآخر الذي يرى أن عدم الجزم بعد النفي سببه أن النفي خبر محض فليس فيه شبه بالشرط أما التعليل الصحيح الذي يجب الاقتصار عليه فهو: "السماع" عن العرب. وأنها لم تجزم المضارع بعد النفي إذا سقطت منه فاء السببية، وكل تعليل غير هذا فيه مضيعة للوقت والجهد، وإفساد للمنطق الصحيح.. ٢ سواء أكا الاستئناف بيانيا أم غير بياني. و"البياني" هو الذي تنقطع بسببه الصلة الإعرابية بين الجملة المستأنفة والجملة التي قبلها، دون الصلة المعنوية بينهما؛ فكلتاهما مستقلة بنفسها في الأعراب وحده، أما في المعنى فلا بد بينهما من نوع ارتباط يجعل الثانية -في الغالب- بمنزلة جواب عن سؤال ناشئ عن معنى الأول. أما غير البياني فتنقطع فيه الصلة الإعرابية والمعنوية بين الجملتين، فتكون الجملة المستأنفة مستقلة بإعرابها وبمعناها الجديد. ٣ أشرنا كثيرا إلى أن كل معنى معين لا بد له من ضبط العبارة ضبطا معينا؛ وإذا تغير هذا الضبط تبعه تغير المعنى فلكل ضبط إعرابي غاية معنوية خاصة به.
[ ٤ / ٣٩٠ ]
تلك الاعتبارات المعنوية.
١- رفعه على اعتبار الجملة المضارعية استئنافية؛ نحو أتقيم عندنا اليوم؟ يسافر غدا زملاؤك. ونحو: قم للصلاة؛ يغفر الله لنا ولك.
٢- رفعه على اعتبار الجملة المضارعية صفة لنكرة لمحضة١؛ نحو: استمع إلى خطيب يملك ناصية القول.
٣- رفعه على اعتبار الجملة المضاريعة حالا من معرفة محضة، نحو: تمتع بعذاب من يحسدونك؛ ينظرون نعم الله عليك، محترقين بنار الحسد.
٤- رفعه على اعتبار الجملة المضارعية صالحة للحال والوصف؛ لوقوعها موقعا يؤهلها لكل منهما، وعدم وجود قرينة تعينها لأحدهما - كوقوعها بعد نكرة موصوفة أو غيرها مما ليس محضا من المعارف والنكرات -نحو: كرم عالما نابغا يعتزم الرحيل.
٥- رفعه على اعتبار الجملة المضارعية صالحة "للحال"، والوصف، والاستئناف" مع عدم وجود قرينة تعينها لواحد دون الآخر؛ كقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾، فيصح في الجملة المضارعية: "تطهرهم" الأمور الثلاثة٢ وهكذا٣
_________________
(١) ١ النكرة المحضة: هي الكاملة الإبهام والشيوع، الخالية من التحديد والتعين الذي ينشأ من إضافتها، أو من تقيدها بنعت أو غيره من القيود التي تفيدها نوعا من التخصص.. والمعرفة المحضة هي الخالصة من شائبة التنكير؛ فلا يتصل بها ما يقربها من النكرة، كأل الجنسية، وغيرها مما سبق إيضاحه وتفصيله في موضعه الأنسب "ج١ ص١٤٥ م١٧ باب النكرة والمعرفة. وفي ج٢ باب الحال ص٢٩٤م ٨٤ وفي ج٢ باب النعت ص٣٤٩ م١١٤". ٢ انظر ما يختص بهذه الآية في رقم ٣ التالي: ٣ تطبيقا على ما فات من الأخذ باعتبار أو أكثر تبعا للمعنى يتعين جزم المضارع جوابا وجزاء للطلب في مثل: افتح صنبور الماء ينهمر ماؤه، أوقد المصباح تنور الحجرة، أغلق النافذة تحجب قسوة الريح البادرة، ازرع الحقل ينبت ثمرا طيبا. ويتعين رفعه وإعراب جملته وصفا في مثل: أكرم مهاجرا يلتمس من يكرمه، أحسن إلى بائس يضج بالشكوى، تمنع بحديقة تمتلئ بالأزهار، صاحب رجلا يؤثر البعد عن الشر. ويتعين رفعه وإعراب جملته حالا في مثل: أكرم المهاجر يلتمس من يكرمه، أحسن إلى البائس يضج بالشكوى، تمتع بحديقتك تمتلئ بالأزاهر، عاون الحر ينزل به الضر. =
[ ٤ / ٣٩١ ]
ح- وعند فقد الشرط الثالث١ لا يصح الجزم؛ ففي مثل: لا تقترب من النار تحترق، لا يصح جزم المضارع: "تحترق"؛ لعدم استقامة المعنى عند إحلال "إن" الشرطية وبعدها "لا" النافية محل "لا" الناهية؛ إذ يفسد المعنى حين نقول: "إلا٢ تقترب من النار تحترق. بخلاف: لا تقترب من النار تسلم، فيصح جزم المضارع؛ لصحة قولنا: إلا٢ تقترب من النار تسلم
ومن الأمثلة: لا تهمل الرياضة تضعف؛ فلا يصح جزم المضارع -تضعف- للسبب السالف؛ بخلاف: لا تهمل الرياضة تأمن الضعف.
ومن أمثلة الطلب بغير "لا" الناهية: أحسن معاملتي أحسن معاملتك، فيصح جزم المضارع: "أحسن"؛ لصحة قولنا: إن تحسن معاملتي أحسن معاملتك؛ بوضع "إن" الشرطية وبعدها مضارع مناسب موضع فعل الأمر "أحسن". بخلاف: أحسن إلي لا أحسن إليك؛ فيجب رفعه؛ إذ لا يصح قولنا: إن تحسن إلي لا أحسن إليك؛ لفساد المعنى٣
ومن الأمثلة الطلب بغير "لا" الناهية أيضا: أين بيتك أزرك؟ يجزم المضارع؛
_________________
(١) = ويتعين رفعه واعتبار جملته مستأنفة في مثل: "ليتك تزورني. ينزل المطر" "أتساعد المحتاج؟ يحب الناس الغني" "لا تهمل شراء الكتب النافعة. نسافر غدا لزيارة بعض الأقارب" "اجتنب الصياح ورفع الصوت خلال الكلام. يقبل المثقف على كتب الأدب الرفع". ويصلح لأكثر من حالة في مثل قوله تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا، يَرِثُنِي﴾ وقوله تعالى لموسى: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا﴾ وقوله تعالى له: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى﴾ . وكذلك قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ فيصبح في المضارع: "تطهر" أن يكون مجزوما في جواب الأمر، أو مرفوعا إما على اعتبار جملته مستأنفة، أو صفة للنكرة المحضة التي قبلها أو حالا من فاعل فعل الأمر: "خذ" وكذلك لك أسلوب على شاكلته. ١ وأمارة فقده، "كما عرفنا -هي عدم استقامة المعنى عند إحلال "إن" الشرطية و"لا" النافية معا محل "لا الناهية" وحدها بعد حذفها حين تكون أداة الطلب "لا الناهية". أو "عند إدخال "إن" الشرطية وحدها على مضارع مناسب لأداة طلب خرى". ٢ و٢ أصلها: "إن لا" وتدغم هذه "النون" دائما في: "لا" فلا تظهر في الكتابة ولا في النطق، ويرمز لوجودها في الخط بكتابة "شدة" فوق: "لا" -ولهذا إشارة في: "ج" من ص٤٣٧. ٣ في هامش ص٣٩٤ أمثلة متعددة تحقق فيها الشرط الثالث، وأخرى لم يتحقق.
[ ٤ / ٣٩٢ ]
لصحة مجيء "إن" الشرطية وبعدها مضارع متصيد. والتقدير: إن تعرفني بيتك أزرك. بخلاف: أين بيتك أقف في السوق؛ إذ لا يصح: إن تعرفني بيتك أقف في السوق، لعدم استقامة المعنى؛ بسبب عدم ارتباط أجزائه، وفقد المناسبة بينهما وهكذا بقية أنواع الطلب الأخرى ومنها: الأمر والترجي بالتفصيل الآتي١ فيجري على بقية الأنواع -في الأغلب-٢ ما جرى على نظائرها.
وبعض الكوفيين -وفي مقدمتهم زعيمهم الكسائي- لا يشترط إحلال "إن" مع "لا" النافية محل "لا" الناهية، ولا إحلال "إن" قبل بقية أدوات الطلب، ولا ما يترتب على هذا الإحلال، من استقامة المعنى أو عدم استقامته. قائلا: إن إدراك المراد من الجملة الأصلية، والتفريق بين الغرض المقصود منها وغير المقصود مرجعه القرائن وحدها، فعليها دون غيرها المعول. ففي مثل قولك للمشترك: "أسلم تدخل النار" يجيز جزم المضارع "تدخل" على معنى: إن لم تسلم تدخل النار؛ فهو يقدر وجود النفي، بشرط وجود قرينة توجه الذهن إليه. في حين يستبعد النفي ويهمله إن كان الطلب نهيا، ويجعل الجملة المضارعية جوابا وجزاء للنهي مباشرة، معتمدا في فهم المراد وتعيينه على القرائن؛ مثل: لا تقترب من النار تحترق يجزم المضارع: "تحترق" واعتبار الجملة المضارعية هي الجواب والجزاء بغير تأويل ولا تقدير٣. وقد مال بعض النحاة القدامي إلى هذا
_________________
(١) ١ في ص٣٩٥. ٢ إلا التمني الذي أداته: "لو" فإنه كالنفي؛ لا يجزم المضارع في جوابه عند غيبة الفاء. ويعللون عدم الجزم بعد "لو": "بأن إشرابها التمني طارئ عليها؛ فلذا لم يسمع الجزم بعدها"، فإذا صح هذا التعليل الذي سجله الصبان نقلا عن ابن هشام والسيوطي، فإنه منطبق أيضا على "ألا" التي للتمني. فلماذا سكتوا عنها؟ انظر ما يتصل بهذا في ص٣٧٠ وفي رقم ٣ من هامش ص٣٨٧. ٣ ويؤيد رأيه أيضا بقراءة من قرأ قوله تعالى: "ولا تمنن تستكثرْ" بجزم المضارع "تستكثر" على معنى: تظهر كثرة نعمك على غيرك.. وقوله ﵇ في شجرة الثوم: "من أكل من هذه الشجرة فلا يقربن مسجدنا هذا، يؤذنا" بجزم المضارع "يؤذ" بحذف الياء من آخره. وقول أحد الصحابة يخاطب الرسول في أثناء موقعة: "يا رسول الله. لا تشرف، يصبك سهم". بجزم المضارع "يصب". فالأفعال المضارعة في النصوص السالفة مجزومة مع عدم استقامة المعنى بوضع "إن" الشرطية تليها "لا" النافية، بدلا من "لا" الناهية. أما اللذين يتمسكون "بإن، و " فيعربون تلك الأفعال المجزومة إعرابا آخر؛ فيقولون: "تستكثر"=
[ ٤ / ٣٩٣ ]
الرأي، وإلى الأخذ به في أنواع الطلب المختلفة "نهيا وغير نهي" ولعل الدافع لهذا الميل هو التيسير، وأن الناس يستعملونه فلا يخفى المراد منه مع قيام القرينة الحامسة، ولكن الرأي الأول هو الأحسن، والأجدر بالاقتصار عليه؛ لأنه أكثر ورودا في فصيح الكلا وأوضح معنى، وأبعد من اللبس والخفاء١
_________________
(١) = مجزومة في جواب الطلب مباشرة، ولكن على اعتبار أن المعنى هو: لا تمنن؛ فيترتب على عدم المن أنك تطلب من الله كثرة النعم وزيادة الثواب؛ فالاستكثار بهذا المعنى ليس معيبا ولا منهيا عنه. أو أن الفعل "تستكثر" مجزوم لأنه بدل من الفعل: تمنن. فالمعنى لا تمنن أي: لا تستكثر ما أنعمت به وكذلك يقولون في المضارع.. "يؤذ"، إنه بدل من المضارع: يقرب، أي: لا يؤذنا، أما المثال الأخير: "يصب" فيحكون عليه بالشذوذ؛ إذ لا يجدون له تأويل سائغا. وفيما يلي بعض أمثلة للنهي يستقيم فيها المعنى على تخيل "إن" وإحلالها مع "لا" النافية بالطريقة التي سلفت محل "لا" الناهية، وجزم المضارع في الجواب وأمثلة أخرى لا يستقيم فيها المعنى على تخيلهما. أ- فمن الأولى: لا تهمل يشتهر أمرك بالإجادة، إلا تهمل يشتهر أمرك لا تفش أسرار الناس تكتسب ودهم، إلا تفش تكتسب لا تسرق تحترم، إلا تسرق تحترم. لا ترفع صوتك تحسن، إلا ترفع صوتك تحسن. لا تصافح المريض تسلم، إلا تصافح المريض تسلم. ب- ومن الثانية: لا تهمل يخمل شأنك، إلا تهمل يخمل شأنك. لا تفش أسرار أناس تفقد ودهم، إلا تفش أسرار الناس تفقد ودهم. لا تسرق تعاقب، إلا تسرق تعاقب. لا ترفع صوتك يزعج السامعين، إلا ترفع صوتك يزعج السامعين. لا تصافح المريض تنتقل إليك عدواه، إلا تصافح المريض تنتقل إليك عدواه. ١ وفيما سبق من جزم المضارع عند سقوط الفاء بعد غير النفي -أي: بعد الطلب- يقول ابن مالك: وبعد غير النفي جزما اعتمد إن تسقط. "الفا" والجزاء قد قصد-١٤ وشرط. جزم بعد نهى أن تضع "إن" قبل: "لا" دون تخالف يقع-١٥ التقدير: "واعتمد جزما بعد غير النفي إن تسقط الفاء والجزاء قد قصد" دون تخالف يقع، أي: بشرط ألا يقع اختلاف في المعنى قبل مجيء "إن" سابقة "لا" وبعد مجيئها. وترك الشروط والتفصيلات الأخرى التي أوضحناها.
[ ٤ / ٣٩٤ ]
جواب الأمر والترجي:
كل ما تقدم يسري على المضارع الخالي من الفاء، الواقع في جواب نوع من الطلب؛ كالأمرن أو الترجي، أو غيرهما ونخص هذين بشيء من البيان.
أ- من أنواع الطلب المحض: الأمر -كما عرفنا-١ والمضارع في جوابه إذا كان مقرونا بفاء السببية، يجب نصبه بأن مضمرة وجوبا. وكثرة النحاة تشترط لنصبه هذا أن يكون بالصيغة الصريحة الدالة على فعل الأمر مباشرة؛ نحو: "ارحم من هو أضعف منك؛ فيرحمك من هو أقوى منك"، أو بالصيغة التي تشبهها؛ وهي لام الأمر الجازمة للمضارع؛ نحو: "لترحم من هو أضعف منكم فيرحمك من هو أقوى ".
فإن لم تكن الدلالة على الأمر بإحدى هاتين الصيغتين فالفاء بعدها ليست للسببية؛ كالدلالة باسم فعل الأمر في مثل: صه عن اللغو؛ فيرتفع قدرك، ومثلك مكانك فتحمدين أو تستريحين. أو بالمصدر الواقع بدلا من التلفظ بفعله في مثل: سعيا في الخير، فتجتمع القلوب حولك. أو بصيغة الدعاء بالاسم في مثل: سقيا لوطن الأحرار فيسعدون به. أو بصيغة الجملة الخبرية بقصد الدعاء -أو غيره-٢ نحو: يعينني الله فأحتمل أعباء الجهاد. فالفاء في كل هذه المواضع ليست للسببية يف رأي الكثرة. وقد سبق٣ أن الأفضل التيسير بقبول الرأي الذي يجعلها سببية.
واتفق رأي الكثرة والقلة على صحة جزم المضارع الواقع بعد هذه الفاء إذا سقطت، وخلا الكلام منها؛ فيصير المضارع بعد غيابها واقعا في جواب الأمر فيجزم؛ سواء أكانت الدلالة على الأمر بالصيغتين الأصليتين أم بغيرهما من باقي الصيغ التي عرضناها؛ بشرط استقامة المعنى عند إحلال "إن" الشرطية،
_________________
(١) ١ في ص٣٦٥ وما بعدها. ٢ أي بقصد غير الدعاء، كالأمر -كما سيجيء في الصفحة الآتية. ٣ في ص٣٦٦.
[ ٤ / ٣٩٥ ]
والمضارع المناسب محل الأمر١؛ فتقول: ارحم من هو أضعف منك يرحمك من هو أقوى٢، لترحم من أهو أضعف منكم يرحمك من هو أقوى. كما تقول: صه عن اللغو يرتفع قدرك، ومكانك تحمدي أو تستريحي، سعيا في الخير تجتمع حولك القلوب، سقيا لوطن الأحرار يسعدوا به، يعينني الله أحتمل أعباء الجهاد ، ومثل الجملة الخبرية المقصود منها الأمر، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ﴾ ٣، بجزم المضارعين "يغفر" و"يدخل" في جواب الأمر: إذ الأصل: آمنوا بالله ورسوله، وجاهدوا في سبيل الله يغفر لكم ويدخلكم ، ومثل الآية الكريمة٣ كثير من فصيح الأساليب التي يحاكيها الناس حتى يومنا هذا -وقد أشرنا لبعضها في مناسبة سابقة-٣ كقول الزارع ينصح زميله: "تزع حقلك وتعتني به تحصد كثيرا". "وتهمل أمر زرعه، وتنصرف عنه تحزم يوم الحصاد". التقدير: ازرع حقلك واعتن به تحصد كثيرا. وأهمل أمره، وانصرف عنه تحزم. ومن الأمثلة المأثورة: اتقي الله امرؤ فعل خيرا يشب عليه التقدير: ليتق الله امرؤ، وليفعل خيرا يشب عليه٤..
_________________
(١) ١ وبه يتم تحقق الشروط الثلاثة اللازمة، وهي: "الطلب -وقوع المضارع جوابا له- صحة إحلال "إن". و ٢ ومثل قول الشاعر: الرفق يمن، والأناة سعادة فتأن في رفق تلاق نجاحا ٣ و٣ سبقت الآية وأمثلة أخرى في ص٣٦٦، وهامشها وما بعدها. ٤ وفي جزم المضارع في جواب الأمر يقول ابن مالك: والأمر إن كان بغير: "افعل" فلا تنصب جوابه. وجزمه اقبلا-١٦ "اقبلا، أصلها: اقبلن، بنون التوكيد الخفيفة، قلبت ألفا للوقف". يريد: الأمر -وهو من أنواع الطلب- إن كانت صيغته ليست الصيغة الصريحة فيه -وهي "افعل"- لا يجوز اعتبار الفاء بعده سببية ما دامت الصيغة ليست صريحة أصيلة فيه، وبارغم من هذا يصح المضارع في جواب هذا الأمر عند سقوط تلك الفاء. وهذا الكلام مبتور غير واف.
[ ٤ / ٣٩٦ ]
ب- ومن أنواع الطلب -في الرأي الراجح- الترجي. وقد سبق تعريفه والكلام عليه١؛ فإذا وقع في جوابه المضارع مقرونا بفاء السببية وجب نصبه بأن مضمرة وجوبا؛ ومن الأمثلة: "لعلك مزود بالجد والصبر فتبلغ اسمى الغايات، ولعلك تحفظ حق النعمة فيديمها الله عليك". فإذا سقطت هذه الفاء وخلا مكانها، صار المضارع بعدها -في ذلك الرأي الراجح- جواب للترجي مجزوما إن تحققت شروط الجزم التي عرفناها؛ ففي الأمثلة السالفة نقول: لعلك مزود بالجد والصبر، تبلغ أسمى الغايات، ولعلك تحفظ حق النعمة يدمها الله عليك. ومثل قول الشاعر:
لعل التفاتا منك نحوي ميسر يمل بك من بعد القساوة لليسر
٢
_________________
(١) ١ في ص٣٧٨. ٢ وقد اكتفى الناظم في الكلام على فاء السببية بعد الترجي وعلى سقوطها وجزم المضارع بعد غيابها جوابا للترجي -ببيت واحد "سبق شرحه في هامش ص٣٧١ لمناسبة أقوى وأليق" هو: والفعل بعد "الفاء" في الرجا نصب كنصب ما إلى التمني ينتسب-١٧ يريد: أن الفعل المضارع الواقع بعد الفاء المسبوقة بالرجاء ينصب، كما ينصب المضارع الواقع بعد التمني على اعتبار الفاء سببية في كل منهما. ولم يذكر شروطا ولا فروعا لنصبهما، ولم يتعرض لحكم المضارع إذا سقطت الفاء بعد الترجي. وقد تداركنا هذا كله. ثم انتقل من هذا البيت إلى آخر يتضمن حكم المضارع المعطوف على اسم صريح؛ فقال: وإن على اسم خالص فعل عطف تنصبه "أن" ثابتا أو منحذف وقد سبق تفصيل الكلام على هذا المعنى وافيا شاملا في موضع أنسب "ص٢٨٨"
[ ٤ / ٣٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- إذا دخلت "إن" الشرطية -أو غيرها من أدوات الشرط- على "لا" الناهية فقدت دلالتها على النهي وصارت للنفي؛ لأن أداة الشرط لا تدخل على النهي١. وعلى هذا كيف نعرب: "لا" الناهية التي فقدت الدلالة على النهي بسبب وقوعها بعد "إن" الشرطية أو غيرها من أدوات الشرط؟ أنقول إنها حرف نهي باعتبار أصلها السابق، أم نقول إنها حرف نفي باعتبار الواقع الذي انتهت إليه؟ رأيان قد يكون خيرهما مراعاة الواقع.
ب- إذا جزم المضارع في جواب الطلب بعد أن اختفت فاء السببية -فما العامل الذي جزمه؟
للنحاة في هذا ميدان جدل فسيح، ولسنا في حاجة لغرض مساجلاتهم٢، وحسبنا الإشارة العابرة إليها، والاكتفاء بأن نقول في المضارع المجزوم: إنه مجزوم لوقوعه في جواب: "الطلب".
١- فمن قائل إن أداة الطلب تضمنت معنى أداة الشرط فجزمت، كما أن أسماء الشرط تضمنت معنى الشرط فجزمت. وقد دفع هذا باعتراضات كثيرة. يصدمها ردود كثيرة أيضا.
٢- ومن قائل إن أداة الطلب وجملته نابت في العمل عن أداة الشرط وجملته بعد حذفهما فجزمت؛ كما أن النصب بالمصدر في نحو: ضربا اللص؛ هو لنيابته عن اضرب، لا لتضمنه منعاه. ونصيب هذا من الجدل نصيب سابقه وكلاهما يرمي إلى أن العامل مذكور.
٣- ومن قائل إن عامل الجزم ليس مذكور في الكلام تضمنا أو إنابة كما
_________________
(١) ١ سبقت إشارة لهذا في رقم ١ من هامش ص٣٨٨. وتجيء له إشارة عابرة في رقم ١ من ص٤٠٩ ورقم ٥ من ص٤٢٦. ٢ من شاء الاطلاع عليها فليرجع إلى المطولات، ومنها: الأشموني وحاشية الصبان عليه.
[ ٤ / ٣٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) يقول أصحاب الرأيين السالفين، وإنما هو شرط مقدر دل عليه الطلب المكذور فمن يقول: أكرمني أحسن إليك -يريد: أكرمني؛ فإن تكرمني أحسن إليك. وهذا أشهر الآراء مع ما يتعاوره من معارضات مختلفة.
(٢) ومن قائل إن العامل ليس مذكورا -كما هو الرأي الثالث- ولكنه مقدر ينحصر في "لام الأمر" المقدرة -دون غيرها- فأصل: ألا تنزل عندنا تصب خيرا هو: ألا تنزل عندنا. لنصب خيرا وهذا أضعف الآراء عندهم، والاعتراضات عليه كثيرة وقوية.
[ ٤ / ٣٩٩ ]
المسألة ١٥١:
حذف ١ "أن" والنصب بها في غير المواضع السابقة:
عرفنا المواضع التي ينصب فيها المضارع بأن المضمرة وجوبا أو جوازا. وقد سمع من العرب نصبه "بأن" محذوفة١ في غير تلك المواضع أحيانا، فمن الوارد عنهم: خذ اللص قبل يأخذك -تسمع بالمعيدي خير من أن تراه. وقول الشاعر:
ألا أيهاذا الزاجري أحضر الوغى وأن أشهد اللذان -هل أنت مخلدي
والأصل: خذ اللص قبل أن يأخذك -أن تسمع بالمعيدي - أن أحضر الوغى
وقد دار الجدل حول هذه الأمثلة؛ أيصح القياس عليها بحذف "أن" العاملة أم لا يصح؟ وكيف نضبط المضارع في الأمثلة المسموعة بالنصب بعد حذف "أن"؟ أنتركه منصوبا -كما كان عند وجودها- مراعاة للسماع، وللأصل الأول قبل الحذف، أم يصح رفعه مراعاة للأمر الواقع؟
وصفوة ما يختار، وما يجب الاقتصار عليه -حرصا على سلامة اللغة، وبعدا عن اللبس والاضطراب في فهمها- هو: الحكم بالشذوذ على ما ثبت سماعه وصحت روايته من تلك الأمثلة المنصوبة٢. وعدم محاكاتها، أو القياس عليها.
أما ضبط الأفعال المضارعة المسموعة بالنصب فيصح رفعها، أو تركها منصوبة كما وردت.
ومن الكوفيين من يجيز حذف "أن" قياسا مع بقاء عملها النصب في المضارع بعدها، وعلى هذا جاء قول المتنبي -وهو كوفي- في وصف غادة:
بيضاء يمنعها تكلم دلها تيها، ويمنعها الحياء تميسا
_________________
(١) ١ الحذف هنا غير الإضمار؛ لأن المحذوف غير موجود في الكلام مطلقا، لا ظاهرا ولا خفيا. المضمر، فموجود ولكنه غير ظاهر. ٢ حام الشك حول صحة النقل في بعض الأمثلة القديمة، وأنه غير مسموع على الوجه الذي نقل به.
[ ٤ / ٤٠٠ ]
يريد: أن تتكلم -أن أتميس "أي: تتبختر". وإهمال هذا الرأي أولى -لما سبق.
هذا، وقد تحذف "أن" سماعا، ويرفع المضارع سماعا كذلك؛ فيراعى الضبط الوارد؛ كالفعل "يريكم" في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ عند من يرى الأصل: "أن يريكم " ثم حذفت "أن" ورفع المضارع بعد حذفها مع حاجة المعنى إليها١..
_________________
(١) ١ وفي هذا يقول ابن مالك خاتما الباب: وشذ حذف: "أن" ونصب في سوى ما مر. فاقبل منه ما عدل روى-١٩ ومعنى البيت: حذف أن -لا إضمارها في المواضع السابقة- مع إعمالها النصب في المضارع بعد حذفها أمر شاذ؛ يحفظ ولا يقاس عليه، وأن ما روي منه على لسان الراوي العدل -الأمين- يقبل منصوبا كما روي.
[ ٤ / ٤٠١ ]
المسألة ١٥٢:
السبب في إضمار "أن" وجوبا، وجوازا:
تقدمت١ المواضع التي تضمر فيها "أن" الناصبة بنفسها للمضارع بالرغم من إضمارها. ولا ترضى جمهرة النحاة أن يكون الناصب في تلك المواضع عاملا آخر. وتتلخص الحجة فيما يأتي:
نصب المضارع لا بد أن يكون أثرا لعامل ناصب، إن لم يظهر في الكلام فلا مناص من تقديره مختفيا٢ يعمل النصب وهو مضمر٢ ؛ إذ لا يستقيم المعنى بغير إضماره جوازا حينان ووجوبا حينا آخر.
أ- يتضح هذا من مواضع الإضمار الجائز التي منها "المضارع المسبوق بلام التعليل"٣ "في مثل: تداوي المريض ليبرأ -تعلم الناشئ ليسعد- أجاد الصانع ليشتهر" فسبب الإضمار هنا أن "التعليل" أمر معنوي محض؛ فهو -كسائر الأمور المعنوية المحضة- متجرد من الدلالة على الزمان، أو المكان، أو الذات، أو غيرهما ، مقتصر على الناحية العقلية الخالصة؛ "ومن الأمثلة أيضا: التداوي، البرء، التعلم، السعادة، الاشتهار، القيام، القعود، الحصد، الأكل، الشرب، السفر " على حين يتضمن المضارع الذي بعد "لام التعليل" الدلالة على الزمان٤ حتما؛ فهو مخالف لذلك القانون اللغوي الثابت الخاص بالتعليل؛ ومناقض له، مع أنهما لفظان متصلان متلاصقان في كلام واحد مرتبط المعنى. فلا بد من منع هذا التناقض بوسيلة سائغة تخضع هذا المضارع للقانون العام المطرد. وقد وجدها النحاة فيما يسمونه: "المصدر المؤول". وزاد اطمئنانهم إليه حين رأوا العرب يعطفون عليه المصدر الصريح -وهو يدل على المعنى المجرد- عطفا يدل على اشتراكهما في الدلالة المعنوية المحضة. ولم يبق بعد هذا إلا
_________________
(١) ١ في ص٢٨٤ و٣١٧ وما بعدها. ٢ و٢ وقد يكون محذوفا سماعا في بعض الحالات -كالتي في المسألة السالفة- مع ملاحظة أن الإضمار غير الحذف؛ كما تقدم في رقم ١ من هامش ص٤٠٠. ٣ قلنا عن "لام التعليل" -في ص٢٨٥- "إنها حرف جر أصلي يفيد "التعليل" وهي التي بمعنى: "لأجل كذا " فما بعدها في الإغلب علة قبلها في الكلام المثبت ٤ فوق دلالته المعنوية.
[ ٤ / ٤٠٢ ]
اهتداؤهم إلى الحرف المصدري السابك. فهل يكون لام التعليل في الأمثلة السالفة؟
قالوا: لا؛ لأنها حرف جر، والمضارع بعدها منصوب، ولا يقبل الجر. فما الذي نصبه وليس في الكلام عامل نصب؟ هل تكون لام جر ونصب معا. فتنصب المضارع بنفسها، وتجر الصدر المنسبك بنفسها كذلك؟
قالوا: لا؛ إذ ليس في الحروف كلها ما يعمل عملين مختلفين في كلمة واحدة، ووقت واحد.
هل تكون قد تجردت للسبك مع النصب، كما تجردت لهما "أن المصدرية"؟ لا يقال هذا؛ لأنها لو تجردت لهما معا لوجب حذفها بعد إتمام السبك، وقيام المصدر المؤول -عملا بما تقتضيه قواعد السبك- لكن حذفها يؤدي إلى خلو الكلام من العلامة الهامة الدالة على التعليل، والمرشدة إلى ضبط المصدر المنسبك، وإعرابه، وضبط ما قد يكون له من توابع -كالعطف والبدل
وأيضا يمنع من اعتبارها حرف نصب ما تردد في الكلام الفصيح من ورود التوابع للمصدر المؤول مجروره لا منصوبة. وهذا يقطع بأن المتبوع "وهو" المصدر المؤول" مجرور ليس غير. ولا عامل يصلح لعمل الجر في الجملة إلا هذه اللام.
ولو بقيت -بالرغم مما في بقائها من مخالفة ضوابط السبك، كما أسلفنا- لأدى بقاؤها إلى اللبس والاضطراب أيضا؛ إذ لا نستطيع الحكم عليها بأنها هي التي كانت قبل السبك أو أنها أخرى جاءت بعده. والفرق المعنوي والإعرابي كبير بين النوعين. فلم يبق إلا أن الناصب السابك حرف غير مضمر. هو: "أن" دون غيره. وأساس اختيار هذا الحرف: استقراء الكلام العبي في أفصح أساليبه؛ فقد دل على أن العرب يعمدون في اِلأسلوب الواحد إلى إظهار الحرف "أن" بعد "لام التعليل" أو إلى إضماره، مع نصب المضارع في الحالتين١، دون أن يختلف المعنى في التركيب مطلقا بسبب إظهار "أن" أو عدم الإظهار.
وما قبل في "لام التعليل" يقال في غيرها من الحروف الأخرى التي تضمر بعدها "أن المصدرية" إضمارا جائزا.
ب- وأما إضمارها وجوبا بعد أحرف أخرى معينة؛ "كالفاء، والواو،
_________________
(١) ١ أوضحنا الفوارق الكثيرة بين المصدر الصريح والمؤول -في الجزء الأول باب الموصول م٢٩ ص٣٧٧- وبسطنا هناك الأسباب الداعية لاستعمال المصدر المؤول دون التصريح.
[ ٤ / ٤٠٣ ]
وحتى و و " فلأن كلا منها يؤدي معنى خاصا محتوما؛ كالسببية، والمعية، والتعليل، والغائبة و، وكل هذه معان عقلية مجردة، لا حالالته فيها لزمان، أو مكان، أو ذات، أو غيرها -على الوجه الذي شرحناه- فلا توافق بينها وبين المضارع؛ لاقتضائه الزمان حتما. فلا مفر من البحث عن وسيلة تمنع التعارض هنا، وتجعل الجملة المضارعية بعد هذه الأحرف المعينة، في عداد ما يدل على الأمر المعنوي المحض، وهذه الوسيلة هي المصدر المسؤول. والحرف السابك هو "أن" دون غيره من الأحرف السالفة التي تسبق المضارع المنصوب؛ لأن اختيار واحد من تلك الأحرف السالفة التي تسبق المضارع المنصوب؛ لأن اختيار واحد من تلك الأحرف التي لها معان معينة خاصة يؤدي إلى فساد المعنى العاملي الوجه الذي تقدم في "لام التعليل"، وإلى خلو التركيب من الأثر النحوي الهام على الوجه الذي يقوم به كل حرف منها؛ كالعطف، والجر، و و، وليس من الممكن -طبقا للأساليب الصحيحة الواردة أن يقوم بهذا الأثر النحوي وينصب معه المضارع أيضا؛ فليس بين الحروف ما يقوم بأثرين إعرابيين معا في موضع واحد وزمن واحد -كما تقدم- وهذا الأثر ضروري في ربط شطري الكلام "قبل الحرف وبعده" ومنع تفكك أجزائه، وفي الوصول إلى ضبط الأفعال المضارعة ضبطا صحيحا. ولذا تمسك النحاة بأن تعمل هذه الأحرف العطف أو غيره مما يخص كلا منها. ومن أوضح الأمثلة: "فاء السببية" وهي عاطفة لا محالة -في الرأي الأرجح- وللعطف أثر في حالات كثيرة؛ حيث ينصب النفي على ما قبلها وما بعدها معا، أو على ما بعدها وحده. وحيث يختلف ضبط المضارع من رفع واجب في مواضع، إلى نصب واجب في أخرى، وإلى جواز الأمرين أو وجوب الجزم في غيرها.. ويترتب على كل ضبط معنى يخالف الآخر -كما سبق عند الكلام عليها١.
وما يقال في "فاء السببية" يقال في غيرها من باقي الأدوات التي تضمر بعدها "أن" وجوبا.
هذا ملخص ما تحتج به الجمهرة المستمسكة بإضمار "أن" وهو يشهد لها بالحذق، والبراعة، وسداد الرأي. فمن التسرع أو جنف الهوى اتهامها -في هذا الحكم- بالتشدد، أو الجمود، أو الاستمساك بما لا داعي له، أوما لا خير فيه.
_________________
(١) ١ في ص٣٥٩ والبيان هناك جليل الشأن.
[ ٤ / ٤٠٤ ]
المسألة ١٥٣: إعراب المضارع
مدخل
المسألة ١٥٣: إعراب المضارع
"ب" جوازمه١:
عوامل جزمه ثلاثة أنواع:
نوع يقتصر على جزم مضارع واحد في النثر وفي النظم، بلا خوف، وهو أربعة أحرف: "اللام الطلبية، لا الطلبية، لم، لما"٢.
ونوع لا بد أن يجزم مضارعين معا، أو ما يحل محل كل منهما، أو محل أحدهما؛ وهو عشر أدوات، "منها: إن، إذ ما، من، ما، متى و " بعضها أسماء، وبعضها أحرف. وسيجيء بيانها وتفصيل الكلام عليها٣. ولا يكاد يوجد خلاف في أن هذا النوع جازم.
_________________
(١) ١ سبقت "ا" -وهي نواصبه- في ص٢٧٧ م١٤٨..، لم سميت هذه العوامل: "جوازم"؟ بذل الشراح وأصحاب المطولات جهدا عنيفا في عقد الصلة بين الجزم بمعناه اللغوي؛ "وهو: القطع" ومعناه النحوي "الاصطلاحي"، قائلين إن الجوازم سميت بهذا: لأنها تقطع من المضارع "أي: تحذف" حركة آخره إن كان آخره صحيحا، وتقطع الحرف كله "أي: تحذفه" إن كان الآخر حرف علة. وطال الجدل واشتد حول هذا التعليل؛ كما طال واشتد حول بعض العوامل؛ "أبسيطة هي أم مركبة" قبل استخدامها في الجزم؟ وما الأطوار التي مرت بها حتى وصلت إلى صورتها الأخيرة الجازمة؟ وأتوا في هذا الغرائب التي تستحق اليوم الرفض السريع والإهمال؛ لما في أكثرها من بحوث وهمية لا تتصل بالواقع بصلة حقة. نقلوها عن شيخهم القديم "السيرافي" أحد شراح: كتاب سيبويه" وزادوها على الأيام حتى وصلت إلينا بصورتها الغربية. وحسبنا هذه الإشارة العابرة دون الاهتمام بتسجيلها، فإنما المهم أن نعلم آثار الجوازم، وأحكامها المختلفة، وفي مقدمتها أنها لا تدخل إلا على الفعل فإن ظهر بعدها فيها، وإلا وجب تقديره -كما سنعرف- وأنها تجزم المضارع لفظا أو محلا. ومن المجزوم محلا: المضارع المختوم الآخر بنون التوكيد. مباشرة. كما سيجيء في رقم ٢ من هامش ص٤١٠. وجدير بالملاحظة -كما سبق التفصيل في ج١ م١٥ ص١٨٦- أن الجازم يحذف حرف العلة من آخر المضارع المعتل المجزوم. لكن قد يحذف حرف العلة من آخر المضارع لمجرد التخفيف من غير جازم كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ أي: نبغي. ٢ وهناك جزم مضارع واحد في جواب الطلب وملحقاته. وقد سبق تفصيل الكلام عليه في ص٣٨٧. ٣ في ص٤٢١ الكلام على النوع، وفي ص٤٤٠ الكلام على النوع الثالث.
[ ٤ / ٤٠٥ ]
ونوع ثالث يختلف النحاة في اعتباره جازما، وقليل منهم يعده جازما، ويقصر جزمه على الشعر دون النثر. وأدواته ثلاثة: إذا -كيفما- لو..
والجوازم بأنواعها الثلاثة لا تدخل إلى على الفعل ظاهرا، أو مقدرا١. وفيما يلي البيان:
النوع الأول ٢: الأربعة التي يجزم كل منها مضارعا واحدا معانيها، وأحكامها
أولها: لام الطلب. وهي التي يطلب بها عمل شيء وفعله -تركه، ولا الكف عنه- فإن كان الطلب صادرا ممن هو أعلى درجة إلى من هو أقل منه سميت: "لام الأمر"، وإن كان من أدنى لأعلى سميت: "لام الدعاء". وإن كان من مساو سميت: "لام الالتماس". وبسبب دلالتها على المعاني الثلاثة كانت تسميتها "بلام الطلب" أنسب، كما عرفنا٣. ومن أمثلتها: "لتكن حقوق الوالدين عندك مرعية، ولتكن صلة القرابة لديك مصونة". ومن أمثلتها: "لتكن حقوق الوالدين عندك مرعية، ولتن صلة القرابة لديك مصونة". ومثل قول الحكماء: "ليكن حبك وبغضك أمما٤ ولتجعل للصلح والرجوع بقية في بقية في قللك، تصلح بما ما فات".
وأشهر أحكامها:
١- أنها تجزم المضارع٥ بشرط ألا يفصل بينهما فاصل.
٢- أن الجزم بها مختلف في درجة القوة والكثرة. فيكثر دخولها على المضارع المبدوء بعلامة الغياب؛ وهي الياء للمذكر، والتاء للمؤنث، ويقل -مع صحته-
_________________
(١) ١ ملاحظة: إذا كان المضارع مجزوم الآخر بالسكون الظاهر الذي قبله حرف علة فإنه يجب حذف حرف العلة قبل هذا السكون الظاهر؛ ففي مثل: ينال، يصول، يميل يقال: من لم يحمل المتاعب لم ينل الرغائب، لا تصل بغير سلاح الحق؛ فإنه أمضى سلاح، لا يمل كل الميل، حبا أو بغضا؛ فمن وراء الإفراط سوء العواقب. ٢ انظر رقم ٢ في هامس السابق. ٣ في ص٣٦٦ -عند الكلام على أنواع الطلب. هذا، ولا يمنع من تسميتها طلبية خروجها عنه من مضارعها إلى معنى آخر؛ كالتهديد في قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ وكالخبرية في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ . ٤ معتدلا وسطا. ٥ لفظا أو محلا؛ كالشأن في جميع الجوازم.
[ ٤ / ٤٠٦ ]
دخولها على المضارع المبدوء بحرف الخطاب١؛ أو المبدوء بحرف التكلم، وهو: الهمزة أو النون، لأن المتكلم لا يأمر نفسه إلا مجازا، وهذا -مع قلته- قياسي فصيح، كسابقه. ومن الأمثلة قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ . وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾، وقوله ﵇: "قوموا فلأصل لكم" ٢. ومثل: لأترك من أساء ولأصاحب من أحسن.
٣- أنها قد تحذف ويبقى عملها.
وحذفها إما كثير مطرد؛ وذلك إذا وقعت بعد فعل الأمر: "قل" وكان الكلام بعدها لا يصلح جوابا للأمر. بسبب فساد معنوي. أو غيره، كالآية الكريمة: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ٣ أي: ليقيموا..
وإما قليل، ولكنه جائز في الاختيار وفي الضرورة، وهو حذفها بعد مشتقات القول الأخرى التي ليست فعل الأمر: "قل"؛ نحو:
قلت لبواب لديه دارها تأذن؛ فإني حموها٤ وجارها
يريد: لتأذن٥ لي بالدخول ٦.
وإما قليل مقصور على حالة الضرورة الشعرية؛ وهذا حين لا يسبقها شيء من مادة القول؛ نحو:
_________________
(١) ١ لأن فعل الأمر هو المختص الأصيل في الخطاب. ٢ الفاء زائدة. أو عاطفة، عطفت جملة طلبية على طلبية. ٣ الأصل: ليقيموا. وحجة القائلين بحذفها هنا، وبأن المضارع ليس مجزوما في جواب الأمر: "قل" -هو: أن مجرد الأمر بالقول لا يترتب عليه إقامتهم الصلاة فعلا؛ إذ لا يلزم من القول المجرد، والنطق به بصيغة فعل الأمر، حصول الفعل المراد حقيقة، وتحقيق المأمور به..، والذي يمنع هذا الفساد المعنوي هنا هو: تقدير لام الأمر. ٤ أبو زوجها. ٥ وليس المضارع في البيت ساكنا لضرورة الشعر في رأي فريق؛ ففي استطاعة الشاعر أن يقول "إيذن" من غير أن ينكسر البيت، وفي استطاعته أيضا أن يقول ولا ينكسر البيت. "تأذن إني حموها وجارها" بضم النون وحذف الفاء بعدها وللضرورة تفسير آخر، سبق عند الكلام عليها في ص٢٧١ "في رقم ٢ من هامشها". ٦ ومثله قول شاعرهم: قالت: تدعنا بلا بعد ولا صلة ولا صدود، ولا في حال هجران أي: لتدعنا.
[ ٤ / ٤٠٧ ]
محمد، تفد نفسك كل نفس إذا ما خفت من أمر تبالا١
وقول الآخر٢:
فلا تستطل مني بقائي ومدتي ولكن يكن للخير منك نصيب
والأصل فيهما: لتفد، ليكن ، فحذفت اللام للضرورة الشعرية.
٤- أن تحريكها بالكسر هو الأكثر؛ إذا لم يسبقها "الواو، أو الفاء، أو ثم". وفتحها لغة إن فتح تاليها. فإن سبقها أحد الأحرف الثلاثة المذكورة جاز تسكينها وتحريكها على الوجه السالف، لكن التسكين أكثر. نحو قولهم: من ولي من أمور الناس شيئا فليراقب ربه فيما وليه، وليذكر أنه محاسب على ما يكون مه، ثم لينتظر عاقبة ما قدمت يداه..٣.
ثانيها: "لا" الطلبية
وهي التي يطلب بها الكف عن شيء وعن فعله٤. فإن كان الطلب موجها ممن هو أعلى درجة إلى من هو أدنى سميت "لا الناهية"٤ وإن كان من أدنى لأعلى سميت: "لا الدعائية" وإن كان من مساو إلى نظيره سميت: "لا التي للالتماس"٥ ومن أمثلة الناهية قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ . وقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ -أي: ولا تتفرقوا.
ومن أمثلة الدعائية قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ . وقول الشاعر:
_________________
(١) ١ هلاكا. والبيت لحسان. ٢ يخاطب ابنه العاق الذي يتمنى لوالده الموت. ٣ وبالتسكين جاء قوله تعالى: في الآية التالية -وقد سبقت لمناسبة أخرى في رقم ٢ من هامش ص١٩٤ ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ . ٤ و٤ انظر ما يتصل بهذا المعنى في "ج" ص٤١٢. ٥ وقد سبقت الإشارة لهذا في النواصب عند الكلام على الطلب ص٣٦٦. وبيان الأفضل في تسميتها.
[ ٤ / ٤٠٨ ]
لا يبعد الله جيرانا تركتهمو مثل المصابيح تجلو ليلة الظلم
١
ومن أمثلة الالتماس قول الزميل لزميله: لا تتهافت على اللئيم فتتهم في مروءتك. ولا على الجاهل فتتهم في فطنتك. ولا تأمن العدو فيسوقك للمهالك، ولا تثق بالحسود فيجرك للعطب.
وأشهر أحكامها:
١- أنها تجزم المضارع٢ بشرطين، أولهما: ألا يفصل بينهما فاصل، إلا عند الضرورة الشعرية؛ كالتي في مثل:
وقالوا: أخانا -لا تخشع لظالم عزيز، ولا -ذا حق قومك- تظلم٣
والأصل: ولا تظلم ذا حق قومك٤. وأجاز بعضهم الفصل بالظرف أو بالجار مع مجروره؛ لأن التوسع بشبه الجملة كثير في ألسنة العرب. ورأيه حسن؛ مثل قولك للطائش: "لا -اليوم- تعبث والقوم يجدون، ولا -عن النافع- تنصرف والعقلاء يقبلون". أي: لا تعبث اليوم ولا تنصرف عن النافع.
ثانيها: ألا تسبقها "إن الشرطية" أو غيرها من أدوات الشرط. فإن سبقت بإحداهما صارت نافية لا تجزم٥..
٢- صحة حذف مضارعها لدليل يدل عليه؛ نحو: انصح زميلك ما وجدته
_________________
(١) ١ وكذلك قول المتنبي يدعو لسيف الدولة: فلا تنلك الليالي؛ إن أيديها إذا ضربن كسرن النبع بالغرب "النبع شجر صلب ينبت في قمم الجبال، تصنع منها السهام. والقسي، والغرب: نبت ضعيف ينبت على شواطئ الأنهار. ٢ لفظا أو محلا؛ كالحال في سائر الجوازم. ٣ حرك المضارع بالكسر لأجل القافية في أبيات القصيدة. ٤ أي: يا أخانا لا تخشع؛ بمعنى: لا تخضع. ويقول العيني: "ذا حق" مفعولان، فصل بهما بين "لا، والمضارع". وقد تعقبه الصبان: فقال: "ذا مفعل، وحق منصوب على نزع الخافض، والتقدير: لا تظلم هذا في أخذ قومك منك". ا. هـ. وقد يكون الأنسب والأوضح ما قاله العيني؛ لأن الفعل: "ظلم" قد ينصب مفعولين -كما في القاموس. ٥ طبقا للبيان الذي سبق في "ا" من ص٣٩٨ وله إشارة في رقم ٥ من ص٤٢٦ ورقم ١ من هامش ص٣٨٨.
[ ٤ / ٤٠٩ ]
مستريحا للنصح، منشرحا له. وإلا فلا أي: فلا تنصحه.
ويجب حذف المضارع بعدها في حالة واحدة؛ هي: أن ينوب عن مصدر محذوف، مؤكد، دال على نهي، كقولك لمن يتكلم والخطيب يخطب: سكوتا لا كلاما، أي: اسكت سكوتا، لا تتلكم كلاما١.
٣- كثرة جزمها المضارع المبني للمعلوم إذا كان مبدوءا بالتاء أو الياء، نحو قوله تعالى: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ . وقول الشاعر:
لا تسأل الناس عن مالي وكثرته وسائل الناس عن حزمي وعن خلقي
وقولهم: لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق؛ فإن الرزق لا يسعى للقاعد عن طلبه٢.
فإن كان مبدوءا بعلامة التكلم "الهمزة، أو: النون" فمن النادر الذي لا يقاس عليه أن تجزمه -في الرأي المختار- لأن المتكلم لا ينهى نفس إلا مجازا. ومن القليل المسموع قول الشاعر:
لا أعرفن ربربا٣ حورا مدامعها مردفات٤ على أعقاب٥ أكوار٦
_________________
(١) ١ طبقا للبيان الذي سبق تفصيله في بابه المناسب "باب: "المفعول المطلق"، موضوع: "حذف عامل المصدر" ج٢ م٧٦". ٢ ومثله قول الشاعر: لا يعجبن مضيما حسن بزته وهل يروق دفينا جودة الكفن؟ المضيم: الذليل المهين -البزة: الهيئة والمضارع مبني على الفتح في محل جزم- فهو مجزوم محلا، كما سيجيء في رقم ٣ التالي وكما في قوله: "لا تكونن على الإساءة، أقوى منك على الإحسان". وقد اجتمعت التاء والياء في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ . اتلمزوا: لا تذموا ولا تعيبوا. لا تنابزوا: لا تتنادوا بالألقاب المكروهة. ٣ قطيعا من الظباء أو البقر الوحشية، والمراد: جماعة من النساء جميلات العيون كالربرب. والمضارع في هذا البيت -كما في سابقه- مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، في محل جزم؛ فهو مجزوم محلا -كما سبق هنا في رقم ٢ وفي رقم ١ من هامش ص٤٠٥. ٤ متتابعات؛ بعضها وراء بعض. ٥ جمع: عقب، وهو آخر كل شيء. ٦ جمع: كور، وهو: الرحل بأدواته.
[ ٤ / ٤١٠ ]
وقول الآخر:
إذا ما خرجنا من دمشق فلا نعد لها أبدا ما دام فيها الجراضم١
أي: لا يكن ربرب أعرفه -لا تكن منا عودة بعد خروجنا٢
فإن كان مبدوءا بعلامة التكلم مع بنائه للمجهول جزمته بكثرة؛ نحو: لا أخرج من وطني إلا تحت ظلال السيوف أو لا تخرج من وطنا وإنما كثر هذا لأن النهي متجه إلى غير المتكلم؛ فأصل الكلام. لا يخرجني أحد، أو لا يخرجنا أحد.. فالنهي منصرف للفاعل وهو غير المتكلم. ثم حذف الفاعل وناب عنه ضمير المتكلم؛ فصار الكلام: لا أخرج، ولا نخرج٣.
_________________
(١) ١ كثير الأكل، كبير البطن، ويريد الشاعر به: معاوية بن أبي سفيان. ٢ ومن المسموع الذي لا يقاس عليه قول الشاعر: ولا أكن كقتيل العين بينكمو ولا ذبيحة تشريق وتنحار "وقتيل العين" -بفتح العين وسكون الياء- عند العرب من ذهب دمه هدرا. "وذبيحة التشريق" هي التي تذبح في عيد الأضحى، ويشرق بعض لحمها "أي: يخفف" ليأكله أصحابه خلال أيام العيد. "والتنحار": النحر. ٣ هذا تعليل جدلي. والتعليل الحق مجرد استعمال العرب.
[ ٤ / ٤١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- لم يشترط الكوفيون للجزم بـ"لا" أن تكون طلبية؛ فهم يصححون الجزم بعد "لا" النافية أيضا؛ بشرط أن يصح وقوع "كي" التعليلية قبلها مع استقامة المعنى؛ كالذي حكى من قول بعض العرب: "ربطت الفرس لا ينفلت" بجزم المضارع وبرفعه، فالجزم على توهم وتقدير جملة شرطية؛ أي: لأني إن لم أربطه ينفلت. وهنا يمكن وضع: "كي" قبل: "لا" من غير أن يفسد المعنى، بأن يقال: ربطت الفرس كي لا ينفلت. ومن الخير اليوم عدم الأخذ بهذه اللغة، وعدم القياس على القليل الوارد بها؛ منعا لفوضى التعبير، وما يترتب عليه -بغير داع- من اضطراب الفهم واختلافه.
أما الرفع فعلى الاستئناف.
ب- من الأساليب الصحيحة التي لها نظائر واردة في بليغ الكلام: "أحب الأصدقاء ولا تر ما المخلصون أو: ولو تر ما المخلصون " بمعنى: "ولا سيما " في كل ما تقدم. وقد سبق تفصيل الكلام على هذا الأسلوب؛ معنى وإعرابا١
ح- يقرر اللغويون أن "لا، النافية"، قد تفيد النهي -دون أن تجزم- إفادة أقوى من إفادة "لا، الناهية" يدل على هذا ما سجله الشراح في قوله عليه السلام٢: "لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلام " -برفع المضارع: "يشير"، وإثبات الياء قبل الراء، فقد قال النووي في شرحه ما نصه: "قوله: لا يشير..، نهي بلفظ الخبرن وقد قدمنا مرات أن هذا أبلغ من لفظ النهي". ا. هـ٣.
ومن الأمثلة أيضا قوله عليه السلام٤ حين نزلت الآية التي تحرم الخمر تحريما قاطعا: "إن الله حرم الخمر فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشرب، ولا يبيع" برفع المضارعين. ودليل الرفع عدم حذف الياء قبل آخر الفعل: "يبيع"٥.
_________________
(١) ١ في ج١ باب الموصول، عند الكلام على: "لا سيما" م٢٨ ص٢٨٧ -وتجيء إشارة لهذا في هامش ص٤٤٣، والمسموع. ٢ نقلا عن: "صحيح مسلم" ج٨ كتاب: البر، والصلة، والآداب. ٣ لأن معنى النهي هو: طلب الكف عن شيء ، فهو شخص طلب مجرد؛ لا يفيد بذاته أن الكف سيتحقق أو لا يتحقق. بخلاف النفي؛ ففيه قطع بعدم حصول الشيء، وجزم بأن المعنى لا سبيل إلى تحققه؛ لثقة المتكلم أن السامعين والمخاطبين لن يخالفوا ما يقرره. ٤ رواه "مسلم" في باب تحريم الخمر، من كتاب: الأشربة. ٥ لأنه معطوف على المضارع: "يشرب"؛ فلو كان المعطوف عليه مجزوما لوجب جزم المعطوف، وحذف الياء التي قبل آخره.
[ ٤ / ٤١٢ ]
ثالثها ورابعها: "لم، ولما" الجازمتان١:
ويشتركان في أمور، منها: أن كلا منهما حرف نفي. مختص بجزم مضارع واحد، وبنفي معناه، وبقلب زمنه من الحال والاستقبال إلى الزمن الماضي٢، وقد تدخل همزة الاستفهام -ولا سيما التقريري-٣ على هذا الحرف، فلا تغير عمله. ومن الأمثلة قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ .
ومثل: حضر الرحالة ولما تحضر رفاقه، وأقبل الناس على تهنئته، ولما يسمعوا منه وصف رحلته، ومثل: أيها الفتى، ألما تترك عبث الغلمان وقد كبرت؟ ألما تقبل على عملك والوطن ينتظر منك الجد والإخلاص؟
لما سبق يقول النحاة في كل واحد منهما عند إعرابه إنه: "حرف نفي، وجزم، وقلب". ثم هم يقررون أن المضارع بعدهما مضارع في لفظه وفي إعرابه، لكنه ماض في زمن معناه، سواء أكان مضيه متصلا بالحال أم غير متصل.
_________________
(١) ١ لا تكون "لم" في جميع استعمالاتها إلا قافية جازمة. بخلاف "لما" -كما سنذكر- فلها استعمالات متعددة؛ منها: الجزم، ومنها: أن تكون ظرفا بمعنى: "وقت، أو حين" "وقد سبق الكلام عليها في باب الظرف "ج٢ م٧٩ ص٢٨٥" ومنها: أن تكون حرفا بمعنى "إلا" الاستثنائية. وقد أوضحناها في باب: الاستثناء "ج٢ م٨٣ د ص٣٣٦". ٢ فيكون الفعل مضارعا في صورته وفي إعرابه، ولكن زمنه ماض. إلا إن كانت "لم" مسبوقة بأداة شرط للمستقبل المحض كما في الصفحة الآتية. ٣ وهو: حمل المخاطب على الإقرار "أي: على الاعتراف" بالحكم الذي يعرفه فيما جرى بشأنه الاستفهام. وقد يكون إقراره إثباتا، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ أو نفيا. كقوله تعالى يخاطب عيسى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فليس المراد حمله في كل الأحوال على الإقرار والموافقة على ما جاء منفيا بعد الهمزة؛ وإنما المراد حمله على الإقرار بالإثبات ما بعدها حين يقتضي المعنى الإثبات، ونفيه حينا آخر تبعا للمعنى أيضا. وقد يكون المراد من الاستفهام هنا: إظهار الاستبطاء، والحث على الإسراع: كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أو التوبيخ؛ نحو قوله تعالى يخاطب الكفار يوم القيامة: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ﴾ وقد سبقت الإشارة المفيدة للاستفهام التقريري في نواصب المضارع، عند الكلام على: "فاء السببية" في رقم ١ من هامش ص٢٥٧. ٤ وقول الشاعر: إذا مر بي يوم ولم أتحذ يدا ولم أستفد علما فما ذاك من عري
[ ٤ / ٤١٣ ]
وتنفرد كل أداة منهما بأمور؛ فما تنفرد به "لم":
١- صحة دخول بعض أدوات الشرط عليها "مثل: إن، إذا، من، لو " كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ وقول الشاعر:
إذا لم يكن فيكن ولا جنى فأبعدكن الله من شجرات
وقول الآخر:
من لم يؤدبه الجميـ ـل ففي عقوبته صلاحه١
وقول المتنبي يرثي جدته:
ولو لم تكوني بنت أكرم والد لكان أباك الضخم كونك لي أما
وإذا دخلت أداة الشرط على "لم"٢ صار المضارع بعدها متجردا للزمن المستقبل المحض، وبطل تأثير "لم" في قلب زمنه للماضي. ومعنى هذا: أن "لم" تقلب زمن المضارع من الحال والاستقبال إلى الماضي بشرط ألا تسبقها إحدى الأدوات الشرطية التي تخلص زمنه للمستقبل المحض، فإن سبقته إحدى هذه الأدوات مثل: إن -من. و. ولم ينقلب زمنه للماضي، وصار التأثير في زمنه مقصورا على أداة الشرط وحدها؛ فتخلصه للمستقبل المحض. كالشأن في الأدوات الشرطية التي تجعله للمستقبل الخالص.
لكن ما الذي يجزمه إذا اجتمعت قبله أداة الشرط و"لم" معا، وكانت أداة الشرط جازمة كالتي في بعض الأمثلة السابقة، وفي قولهم: من لم يقدمه الحزم يؤخره العجز؟ ٣
_________________
(١) ١ ومثله قول الآخر: ومن لم يصن في حاجة ماء وجهه عن الناس لم يلبس ثياب جلال ٢ وقد تكون "لم" مقدرة هي ومضارعها بعد أداة الشرط، كقول الشاعر: إذا الشعر لم يسحرك عند سماعه فليس خليقا أن يقال له شعر ٣ وفي إعراب قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ يقول الخضري "ج١ آخر باب: المعرب والمبني" عند الكلام على بيت ابن مالك: =
[ ٤ / ٤١٤ ]
اختلف النحاة في تعيين الأداة العاملة؛ فقائل: إنها "لم"؛ لاتصالها به مباشرة، وأداة الشرط مهملة١ داخلة على جملة، وقائل: إنها أداة الشرط، لسبقها ولقوتها، فكما تؤثر في زمنه فتجعله للمستقبل الخالص تؤثر في لفظه فتجزمه كما جزمت جوابه؛ وخلصت زمنه للمستقبل. وفي هذه الحالة تقتصر "لم" على نفي معناه دون جزمه، ودون قلب زمنه للماضي. والأخذ بهذا الرأي أحسن؛ بالرغم من أن الخلاف لا قيمة له؛ لأن المضارع مجزوم على الحالين، والمعنى لا يتأثر.
٢- صحة الفصل بينها وبين مجزومها في الضرورة الشعرية فقط؛ كقول الشاعر:
فأضحت مغانيها قفارا رسومها كأن لم سوى أهل من الوحش تؤهل
أي: كأن لم تؤهل سوى أهل من الوحش.
٣- جواز أن يكون معنى المضارع المنفي بها قد انتهى وانقطع قبل الكلام بوقت قصير أو طويل٢، وأن يكون مستمرا متصلا بالحال؛ "أي: بوقت الكلام" ولكن يستحيل أن يكون للمستقبل، أو متصلا به ٣؛ فمثال انقطاعه قبل الكلام وعدم امتداده للحال: لم ينزل المطر٣ منذ شهرنا. ومثال استمراره واتصاله بالحال وعدم انقطاعه قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ،
_________________
(١) = "واجعل لنحو يفعلان النون " ما نصه: "فإن لم تفعلوا" قيل: تنازع الحرفان الفعل فأعمل الثاني، وحذف نظيرها من الأول. وقيل الأصل: إن ثبت أنكم لم تفعلوا ، فمضي "لم" في عدم الفعل، واستقبال "إن" في إثبات ذلك العدم، هو على حد قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ فإن المعلق عليه إثبات القد، لا هو نفسه؛ لسبقه على وقت المحاكمة. وقيل: "لم" عملت في الفعل، وهي معه في محل جزم بإن، وجواب الشرط على كل محذوف تقديره: فاتركوا العناد ". ا. هـ. وستجيء إشارة لهذا في "ج" من ص٤٣٧، والأنسب الأخذ بما عرضناه هنا؛ لبعده من التكلف والتعقيد. ١ أي: لا عمل لها. ٢ والغالب في هذا الزمن الماضي المنقطع أن يكون مقداره طويلا؛ سواء أكان انقطاعه قبل الكلام قصيرا أم طويلا. أي: أن الغالب على هذا الزمن الماضي أن يكون أوله قديما بعيدا عن نهايته؛ فالاتساع عظيم بين أوله ونهايته. أما نهايته المنقطعة فقد تكون قريبة أو بعيدة من بداية الزمن الحالي. "انظر رم ٢ من هامش ص٤١٨". ٣ و٣ لهذا لا يصح أن يقال على سبيل الحقيقة اللغوية: لم يسافر فلان غدا.
[ ٤ / ٤١٥ ]
وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ١، وقول الشاعر:
غاية البؤس والنعيم زوال لم يدم في النعيم والبؤس حي
وقول الآخر في مغنية:
غنت فلم تستبق جارحة إلا تمنت أنها أذن١
٤- صحة وقوع الاسم بعدها معمولا لفعل محذوف بعدها، يفسره شيء مذكور. كقول الشاعر:
ظننت -فقيرا- ذا غنى، ثم نلته فلم -ذا رجاء- ألقه غير واهب
والتقدير: فلم ألق ذا رجاء -ألقه- غير واهب إياه ما يريد، وما يحتاج إليه٢. والأحسن الرأي يقصر هذه الحالة على الضرورة الشعرية، ويمنع القياس عليها في النثر.
٥- امتناع حذف مضارعها -في غير الصورة السالفة- إلا في الضرورة٣ كقول القائل:
احفظ وديعتك التي استودعتها يوم الأعازب٤، إن وصلت وإن لم
أي: وإن لم تصل
_________________
(١) ١ و١ قد يكون اتصاله بالحال واجبا، لأمر عقلي يقتضي ذلك؛ كما في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ أو لأمر لفظي "لغوي" كوجود كلمة تفيد بانضمامها إلى "لم" معنى الدوام والاستمرار؛ كما في بعض الأفعال الناسخة المنفية من أخوات "كان"؛ وهي الأفعال الأربعة التي يشترط لإعمالها أن تكون مثالية؛ مثل؛ "لم يبرح، لم يزل، لم يفتأ، لم ينفك" وعلى كل حال: المعول عليه في الاستمرار وعدمه هو: القرائن. ٢ معنى البيت: كان الناس يظنونني -في حال فقري- غنيا مع أني لم أكن غنيا في الواقع. فلما منحني الله الغنى لم ألق ذا رجاء في مروتي وأمل في معاونتي، إلا حققت رجاءه وأمله؛ فمنحته من المال ما يرضيه. فكلمة: "فقيرا" حال. ٣ سبق المراد من الضرورة في رقم ٢ من هامش ص٢٧١. ٤ يوم الأعازب، أو يوم الأغارب: يوم معهود من أيام العرب. ويقول صاحب الدرر اللوامع على "همع الهوامع" "ج٢ ص٧٢" لم أقف عليه في كتب أيام العرب. والبيت منسوب للشاعر ابن هرمة..
[ ٤ / ٤١٦ ]
٦- أن بعض العرب قد ينصب بها، وبعضا آخر قد يهملها فلا تنصب ولا تجزم، وإنما تتجرد للنفي المحض؛ فمثال النصب بها قراءة من قرأ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ١. ومثال لإهمال قول الشاعر:
لولا فوارس من ذهل وأسرتهم يوم٢ الصليفاء لم يوفون بالجار
ومن المستحسن الآن الانصراف عن هذين الرأيين، وعدم محاكاة واحد منهما؛ منعا للفوضى البيانية، الضاره.
ومما تنفرد به "لما:
١- صحة حذف المضارع المجزوم بها، والوقوف عليها بعد حذفه، في النثر وفي الشعر؛ كقول أحد القواد الرحالين: "لما دخلت دمشق عزمت على زيارة قبر صلاح الدين الأيوبي، فما كدت أقترب منه حتى امتلأت نفسي هيبة، وسرت في جسدي رهبة لم أستطع منها خلاصا إلا على صوت رائدي يقول: "تقدم للدخول" فتقدمت ولما ، وبقيت في غمرة من جلال الموت، وعبرة التاريخ؛ أردد قول الشاعر:
فجئت قبورهم بدءا٣ ولما فناديت القبور فلم يجبنه٤
_________________
(١) ١ ومن الأمثلة ما ساقه ابن جني في كتابه: "المحتسب" -ج٢ ص٢٦٧- حيث استشهد للنصب -كغيره- بالقراءة السالفة، ثم قال بعدها ما نصه: "قرأت على أبي علي في نوادر أبي زيد: من أي يومي من الموت أفر أيوم لم يقدر أم يوم قدر ا. هـ. ٢ الظرف: "يوم" متعلق بمحذوف خبر، تقديره: لولا فوارس موجودة يوم الصليفاء. ولا يصبح تعليقه بالفعل الذي بعده؛ لأن ما في حيز جواب "لولا" -وغيرها مما يحتاج لجواب- لا يتقدم على الجواب. و"الصليفاء" في الأصل: مصغر "الصلفاء" بمعنى: الأرض الصلبة. وهي هنا موقعة من أشهر مواقع العرب. ٣ البدء: السيد. ٤ الهاء التي في آخر هذا المضارع هي: "هاء السكت" الساكنة. والبيت لشاعر يتحسر على من مات من قومه، وأن موت عظمائهم قد أخلى له الطريق، كي يكون سيدا بعد موتهم، مع أنه لم ين كذلك في حياتهم. وهو معنى قريب من قول الآخر: خلت الديار فسدت غير مسود ومن الشقاء تفردي بالسودد وفي ذلك البيت الأسبق مخالفة لما يلازمها من وجوب اتصال نفي منفيها بالزمن الحالي؛ طبقًا لما يجيء في رقم ٢؛ وقد تكلفوا التأويل لإبعاد هذه المخالفة.
[ ٤ / ٤١٧ ]
أي: تقدمت ولما أستفق "مثلا" فجئت قبورهم بداء ولما أكن سيدا قبل ذلك أما المضارع المجزوم "بلم" فلا يصح حذفه إلا في الضرورة -كما سبق.
٢- وجوب امتداد الزمن المنفي بها إلى الزمن الحالي امتدادا يشملهما معا، وذلك بأن كون المعنى منفيا في الزمن الماضي وفي الزمن الحالي أيضا من غير اقتصار على أحدهما، نحو: بهرني ورد الحديقة، وأغراني بقطفه، ولما أقطفه، أي: ولما أقطفه؛ لا في الزمن الماضي "قبل الكلام"، ولا في الحال "وقت الكلام" ومثل قول الشاعر يستغيث بمن يحميه من أعدائه:
فإن أك مأكولا فكن أنت آكلي وإلا فأدركني، ولما أمزق
يريد: أني لم أمزق في الماضي ولا في الزمن الحالي. أما "لم" فليست ملازمة لهذا إلا في بعض الحالات١ ومن ثم يصح: لم يحضر الغائب ثم حضر الآن، ولا يصح: لما يحضر الغائب ثم حضر الآن، لأن الأولى معناها لم يحضر في الزمن الماضي قبل التكلم، ثم حضر الآن في وقت التكلم، فلا تعارض بين الزمنين. أما الثانية فمعناها: لم يحضر في الماضي ولا في الحال ثم حضر الآن؛ أي: في الحال، وهذا تناقض واضح، إذ من المحال أن يثبت الحضور وينفي في زمن واحد؛ هو الحال٢
٣- أن المتكلم بالمعنى المنفي بها يتوقع زوال النفي -غالبا- عن ذلك المعنى وحصوله مثبتا: أي: ينتظر تحقق المعنى وقوعه -في الغالب- على الوجه الحالي من النفي، فالذي يقول، لما تشرق الشمس، يريد: أنها لم تشرق قبل الكلام ولا في أثنائه، لكن من المنتظر أن تشرق. ومن يقول: لما تمطر السماء، يقصد:
_________________
(١) ١ كما عرفنا في رقم ١ من هامش ص٤١٦. ٢ ومما يختلف في الحرفان أيضا أن الزمن الماضي المنفي بالحرف: "لم"، طويل -على الوجه المشروح في رقم ٢ من هامش ص٤١٥- أما الماضي المنفي الحرف "لما" فقصير غالبا، أي؛ ليس قديم المبدأ؛ فأوله في الغالب ليس بعيدا من آخره المتصل بالحال؛ فلا يصح أن يقال: لما يكن الرحالة مقيما هنا في العام الماضي، ويصح: لم يكن الرحالة ، على أن تقدير القصر، والطول، والقدم، والجدة متروك للعرف والمناسبة بين شيئين والموازنة بينهما. ومن العسير وضع تحديد دقيق لهذه الأزمنة.
[ ٤ / ٤١٨ ]
أنها لم تمطر قبل التكلم، ولا في خلاله، ومن المتوقع أن تمطر١. أما المتكلم بالمعنى المنفي بالحرف "لم" فلا يتوقع رفع النفي عنه، ولا ينتظر حصوله مثبتا٢
٤- أنها متنوعة المعاني والأغراض تنوعا يؤدي إلى اختلاف الأساليب على حسب تلك المعاني والأغراض. بخلاف: "لم"؛ فإنها في جميع أحوالها واستعمالاتها لا تكون إلا نافية جازمة -كما سبق٣.
إلى هنا انتهت أوجه التشابه والتخالف بين: "لم" "لما" وهي أوجه دقيقة تتطلب يقظة، وسلامة إدراك عند استعمال هذين الحرفين، وعند تفهم الأساليب التي تحويهما٤.
_________________
(١) ١ قلنا إن التوقع هو الغالب. ومن غير الغالب مثلا: ندم إبليس ولما ينفعه ندمه. واستشفع المحكوم عليه بالقتل قصاصا ولما ينفعه استشفاعة. ٢ والانتظار وعدمه هما بالنسبة للمعنى المستقبل بعدهما. أما المعنى الماضي فهما سيان في التوقع وعدمه؛ نحو: "ما لي قمت ولم تقم" أو: "لما تقم" والمراد: لم تقم أو لما تقم، مع أني كنت متوقعا منك فيما مضى القيام وهذا هو ما يشعر به التعجب من عدم قيام المخاطب. ومثال عدم التوقع أن تقول ابتداء: لم يقم الرجل. ٣ البيان في رقم ١ من هامش ص٤١٣. ٤ وقد عقد ابن مالك للجوازم بابا مستقلا عنوانه: "عوامل الجزم" بدأه بالكلام على الجوازم الأربعة المختصة بجزم مضارع واحد، واكتفى في الكلام عليها ببيت واحد هو: بلا. ولام -طالبا- ضع جزما في الفعل، هكذا بـ"لم" و"لما" يريد: اجزم الفعل المضارع بلا وباللام إذا كنت طالبا بهما. أي: إذا استخدمتهما أداتي طلب، واجزمه أيضا بلم ولما.
[ ٤ / ٤١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
"لما" الجازمة تختلف اختلافا واسعا عن: "لما" الظرفية التي هي ظرف -في المشهور-١ بمعنى: حين، أو: إذ، وتفيد وجود شيء لوجود آخر؛ فالثاني منهما مترتب على الأول، ومسبب عنه، ولهذا تدخل على جملتين ثاننيتهما هي المترتبة على الأولى. والغالب أن تكونا ماضيتين. نحو قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ وقد تكونان غير ماضيتين بالتفصيل المفيد الذي عرفناه في الظروف١..
وكذلك تختلف: "لما" الجازمة عن: "لما" التي بمعنى "إلا" كالتي في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ ٢، أي: إلا عليها حافظ "في أحد المعاني " وهذه لا تدخل -في الغالب- إلا على الجملة الاسمية؛ كالآية السالفة ، أو على الماضي لفظا لا معنى، نحو: أنشدك الله لما فعلت كذا؛ أي: إلا فعلت. والمعنى: ما أسألك إلا فعل كذا، أي: إلا أن تفعل كذا. فالماضي هنا صوري فقط؛ لأن لفظه ماضي ومعناه معنى المضارع المستقبل
_________________
(١) ١ و١ انظر رقم ٣ من هامش ص٢٩٢ ففيها بيان هام. وبعض النحاة يعدها حرفا. ولا غنى عن الرجوع إلى ما سبق من تفصيل الكلام عليها في باب: "الظرف"، وبيان أنواع جوابها "ج٢ ص٢٢٣ م٧٩" وفي باب: "الإضافة" "ج٣ ص٧٥ م٩٤". ٢ "إن" نافية، بمعنى: "ما" النافية.
[ ٤ / ٤٢٠ ]
المسألة ١٥٤:
النوع الثاني الذي جزم مضارعين معا، أو ما يحل محل كل منهما، أو محل أحدهما:
أدواته إحدى عشرة١، تسمى "الأدوات الشرطية الجازمة"، وهي: "إن٢، إذ ما"، "من، ما، مهما، متى، أيان، أين، أنى، حيثما، أي" وكلها أسماء؛ ما عدا "إن، وإذ ما" فهما حرفان٣.
وتتفق الأدوات الشرطية السالفة كلها، في أمور، وتختلف في أخرى.
أشهر الأمور التي تتفق فيها٤.
١- أن كل أداة منها لا تدخل على اسم؛ وإنما تحتاج: إما إلى فعلين مضارعين تجزم لفظهما٥ مباشرة إن كانا معربين، ومحلهما إن كان مبنيين.
_________________
(١) ١ أما "إذا" و"كيفما" و"لو" فالصحيح اعتبار الثلاثة أدوات غير جازمة "كما يجيء عند الكلام في النوع الثالث الخاص بها ص٤٤٠". وهنا أدوات "الشرط الامتناعي" "مثل: لولا، لوما، لو في بعض حالاتها " فهذه أدوات لا تجزم، وإنما تقتصر على ربط أمر بآخر، وتعليق الثاني على الأول تعليقا خاصا سيجيء بيانه في مكانه المناسب ص ٤٩١ و٥١٢ و ٢ "إن" الحرفية أنواع متعددة، يشار إلى أهمها في "ب" من ص٤٣٣ وأضعفها الشرطية غير الجازمة. ٣ وكل الأدوات التي تجزم فعلين لا تدخل إلا على الفعل ظاهرا أو مقدرا -كما سيجيء في رقم ٢ من ص٤٢٥- وفي بيانها وبيان الأسماء والحروف منها يقول ابن مالك: واجزم بإن، ومن، وما، ومهما أي، متى، أيان، أين، إذ ما وحيثما، أنى، وحرف "إذ ما" "كإن" وباقي الأدوات أسما أسما، أي: أسماء. ٤ أما التي تختلف فيها فتجيء في ص٤٢٧. ٥ فأداة الشرط -في الرأي الذي يجب الاقتصار عليه- هي الجازمة لفعل الشرط، ولفعل الجواب إن كان الجواب فعلا، ولجملة الجواب إن كان الجواب جملة، لا فعلا وحده.. لكن هل يجوز أن يكون الجواب مضارعا مرفوعا مباشرة؟ الجواب في ص٤٧٤. وما الذي يجزمه إن وقع بعد أداة الشرط: "لم" الجازمة؟ الجواب في ص٤١٤.
[ ٤ / ٤٢١ ]
وأولهما: يسمى: "فعل الشرط"١. وثانيهما يسمى: "جواب الشرط وجزاءه"١ وإما إلى فعلين ماضيين٢، يحلان محلا المضارعين، وتجزمهما الأداة محلا٣. وإما إلى فعلين مختلفين، تجزم لفظ المضارع٤ منهما، وتجزم محل الماضي. وإما إلى جملة اسمية، تحل محل المضارع الثاني، وتجزمها الأداة محلا٣. ولا يمكن أن يحل محل الأول شيء؛ لأن الأول لا بد أن يكون فعلا مضارعا، أو ماضيا.
ومهما كانت صيغة فعل الشرط أو جوابه فإن زمنهما لا بد أن يتخلص للمستقبل المحض بسبب وجود أداة الشرط الجازمة٥، بالرغم من أن صورتها أو صورة
_________________
(١) ١ و١ سمي فعل شرط، لأن المتكلم يعتبر تحقق مدلوله ووقوع معناه شرط لتحقق مدلول الجواب ووقوع معناه، ولا يمكن -عنده- أن يتحقق معنى الجواب ويحصل إلا بعد تحقق معنى الشرط وحصوله؛ إذ لا يتحقق المشروط إلا بعد تحقق شرطه؛ سواء أكان الشرط سببا في جود الجواب والجزاء، نحو: إن تطلع الشمس يختلف الليل، أم غير سبب؛ نحو: إن كان النهار موجودا كانت الشمس طالعة. فوجود النهار ليس سببا في طلوع الشمس، وإنما هو ملزوم، والجواب لازم له؛ ولهذا يقولون: إن الشرط ملزوم دائما والجزاء لازم؛ سواء أكان الشرط سببا أم غير سبب. وما تقدم يوضح لنا الفرق الكبير بين "ما ومن" الشرطيتين، الواقعتين مبتدأ، والموصولتين الواقعتين مبتدأ كذلك؛ فالموصولتان ليس فيهما تعليق شيء على آخر، وإنما يدلان على مجرد الإخبار المطلق، ولا يجزمان. بخلاف الشرطيتين؛ فلا بد فيهما من التعليق والجزم معا "انظر ص٤٢٨ وهامشها رقم ٢". ويقول ابن الحاجب أيضا: إن الجزاء قسمان؛ أحدهما: يكون مضمونه مسببا عن مضمون الشرط نحو: إن تجئني أكرمك. والثاني لا يكون مضمونه مسببا عن مضمون الشرط، وإنما يكون الإخبار به هو المسبب عن الشرط، نحو: إن تكرمني فقد أكرمتك أمس. والمعنى: إن اعتددت علي بإكرامك إياي فأنا اعتد أيضا عليك بإكرامي إياك. فالإكرام بالأمس ليس مسببا عن الإكرام في المستقبل، وإنما الحديث والإخبار عن إكرام الأمس هو المسبب عن إكرام المستقبل. "انظر رقم ١ من هامش الصفحة الآتية، ثم آخر صفحة٤٣٤ وما بعدها، ورقم ٣ من هامش ص٤٥٤ حيث تعليلات أخرى نافعة، ومهمة". هذا وقد سبق شرح معنى الجواب والجزء تفصيلا في النواصب عند الكلام على "إذن" ص٣٠٨، وعلى فاء السببية الجوابية ص٣٥٢. ٢ هل يتعين أن يكون فعل الشرط ماضيا إذا كان الجواب محذوفا؟ الأحسن أن يكون الرد: "لا"؛ طبقا للبيان الآتي في ص٤٥٣ وما بعدها. ٣، ٣ لأن لفظ الماضي لا يجزم، وإنما يكون في محل جزم، ومثله الجملة الاسمية والفعلية -انظر رقم ٦ من ص٤٥٦ ثم رقم ٢ من ص٤٦٨. ٤ قد يرفع المضارع الواقع جوابا بمراعاة التفصيل الذي في ص٤٧٥. ٥ لأن أداة الشرط الجازمة علامة قاطعة على استقبال الفعل بعدها، أي: تخليص زمنه للمستقبل=
[ ٤ / ٤٢٢ ]
أحدهما قد تكون -أحيانا- غير فعل مضارع؛ إذ من المقرر أن أداة الشرط الجازمة تجعل زمن شرطها وجوابها مستقبلا خالصا١ ومن المقرر كذلك أن تحقق الجواب وقوعه متوقف على تحقق الشرط ووقوعه، ومعلق عليه٢؛ فإذا حصل الشرط حصل ما تعلق عليه، وهو: الجواب. لا فرق في هذا بين أن تكون الأداة مقتصرة في معناها على التعليق -مثل: "إن"- أم متضمنه معه معنى آخر: كالزمانية، أو المكانية، أو غيرهما مما يتضمنه بعض الأدوات الأخرى "وسنعرفه٣ بعد، كما نعرف المراد من التعليق وما يقوم مقامه، وتفصيل الكلام فيه".
فمثال جزمها المضارعين لفظا قول الشاعر لأديب ليس من أقاربه:
إن يفترق نسب يؤلف بيننا يدب أقمناه مقام الوالد
وقول الآخر:
ردوا السيوف إلى الأغماد واتئدوا من يشعل الحرب يصبح من ضحاياها
ومثال جزمها الماضيين جزما محليا٤ قول الشاعر في حساده:
صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا٥
_________________
(١) = المحض، سواء أكان الفعل ماضيا، أم مضارعا، لهذا -كما سيجيء في رقم ٩ من ص٤٤٧- لا يصح في الجملة الشرطية أن تكون حالا بعد تلك الأداة؛ لأن الحال لا يصح أن تسبقه علامة استقبال. ومن ثم قالوا في مثل: "لأمدحن المخلص إن حضر وإن غاب" إن الجملة الشرطية وقعت هنا حالا مع أنها إنشائية مشتملة على علامة استقبال هي: "إن" -لأنها جملة شرطية لفظا لا معنى؛ إذ التقدير: لأمدحنه على كل حال "وقد سبق بيان هذا في باب الحال ج٢ م٨٤ ص٣١١". ١ قد تشتمل إحدى الجملتين على كلمة صريحة الدلالة على المضي الحقيقي؛ كالمثال الذي سبق في أول هامش الصفحة السابقة، وهو: إن تكرمني فقد أكرمتك أمس. وفي هذه الصورة يتعين أن يكون المراد الإخبار في المستقبل على الوجه الذي سلف. ومثله: إن أكرمتني أمس فأنا أكرمك غدا، أي: إن تتحدث عما وقع من إكرامك إياي بالأمس فأنا أكرمك غدا. وفي هاتين الصورتين دقة توجب اليقظة والتنبه؛ كي لا يقع الخطأ في استعمالها على الوجه الصحيح الذي يؤدي إلى اعتبار الشرط والجواب فيهما مستقبلا كغيرهما. ٢ سبق توضيح هذا مفصلا في رقم ١ من هامش ص٤٢٢. ٣ في ص٤٢٧. ٤ مع ملاحظة ما يأتي في رقم ٢ من ص٤٦٨ خاصا بالماضي الواقع جوابا. ٥ استمعوا له بإعجاب. ومن أمثلة الماضيين أيضا قولهم: "من نم لك نم عليك". إذ المراد: من ينم لك ينم عليك، والنميمة: الوشاية ونقل الكلام بين الناس للإيقاع والإفساد بينهم.
[ ٤ / ٤٢٣ ]
وقول شوقي:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن تولت مضوا في إثرها قدما
ومثال جزمها فعلين مختلفين قول الآخر في حساده١:
إن يعلموا الخير أخفوه، وإن علموا شرا أذاعوا، وإن لم يعلموا كذبوا
ومثال جزمها الجملة الاسمية التي تحل محل الثاني جزما محليا -قول الشاعر:
إن كنت عن خير الأنام سائلا فخيرهم أكثرهم فضائلا
ويسمى فعل الشرط مع مرفوعه٢: "الجملة الشرطية". ولا بد أن تتقدم على "الجملة الفعلية" أو "الاسمية" الواقعة جوابا للشرط، والتي تسمى: جملة جواب الشرط، أو: "الجملة الجوابية للشرط"٣.
_________________
(١) ١ سيذكر البيت التالي لمناسبة أخرى في ص٤٥٦. ٢ مرفوعه هو: الفاعل، أو نائبه ٣ وفي عمل تلك الأدوات الشرطية، وما تتفق فيه جميعا يقول ابن مالك: فعلين يقتضين شرط قدما يتلو الجزاء، وجوابا وسما قدما -أصله: قدم، والألف زائدة للشعر. ومثله: "سماه"؛ أصله: "وسم" والألف زائدة للشعر. "فعلين" مفعول به للفعل: "اجزم" في البيت الأسبق بهامش ص٤٢١. يريد: اجزم فعلين بكل أداة، مع ملاحظة أن جزمها الفعلين معا هو الأصل الغالب. وقد تجزم فعلا واحدا وبعده جملة محتومة. والذي لا بد أن يكون فعلا وأن يكون مجزوما لفظا أو محلا هو: "فعل الشرط". أما الجواب فقد يكون فعلا أو جملة. "يقتضين" هذه الجملة الفعلية صفة لفعلين، والرابط محذوف، والأصل" يقتضينهما. ثم بين أن فعل الشرط هو المتقدم منهما. و"يتلو الجزاء" يتلوه ويجيء بعده الجزاء. ييد: يقع بعده الفعل الذي يكون في صدر جملة الجزء إن كانت فعلية. "وجوابا وسما" أي: وسم جزاء، بمعنى: أنه سمي جزاء. ويسمى فعل الجزاء لوقوعه في صدر الجملة الجزائية -كما سبق- ثم بين نوع الفعلين فقال: وماضيين، أو مضارعين تلفيهما، أو متخالفين ولهذا البيت إشارة في هامش ص٤٧٣ ثم أردف هذا بيتا آخر سيجيء شرحه في المكان الأنسب "ص٤٧٦". قال: وبعد ماض رفعك الجزا حسن ورفعه بعد مضارع وهن أي: ضعف.
[ ٤ / ٤٢٤ ]
ومما سبق يتبين أن الشرط لا بد أن يكون فعلا١ فقط، ولا يصح أن يكون جملة. أما الجواب فقد يكون فعلا فقط، وقد يكون جملة، وفي الحالتين يجب تأخيره عن الشرط.
ولكل من الجملة الشرطية والجوابية أحكام سنعرفها٢.
٢- أدوات الشرط الجازمة لا تدخل على الأسماء٣، وإنما تحتاج إلى مضارعين، أو إلى ما يحل محلهما، أو محل أحدهما، كما عرفنا٤. فإذا وقع بعدها اسم والغالب أن تكون الأداة هي "إن، أو إذا" وجب تقدير فعل مناسب يفصل بينهما؛ بحيث تكون الأداة داخلة على الفعل المقدر. لا على الاسم الظاهر٥. ومن الأمثلة: إن امرؤ أثنى عليك بما فعلت فقد كافأك -إن جائع غاجز وجد فمن حوله آثمون إن لم يطمعوه- وقول الشاعر:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
وقول الآخر:
إذا أنت لم تعرف لنفسك حقها هوانا بها كانت على الناس أهونا
والتقدير: إن أثنى امرؤ أثنى عليك ، إن وجد جائع عاجز وجد ، إذا أكرمت أكرمت ، وإن أكرمت أكرمت ، وإذا لم تعرف لم تعرف ، والأصل في هذا التقدير وأشباهه أن الفعل قد حذف وحده بعد أداة الشرط، وبقي فاعله. فإن كان الفاعل اسما ظاهرا قدر قبله فعل مناسب له؛ وإن كان ضميرا مرفوعا متصلا كالتاء "ويدخل في حكم المتصل، الضمير المرفوع المستتر، كالضمير "هي" المستتر، إذا كان فاعلا لمضالاع للغائبة"، وجب الإتيان بضمير مرفوع بارز منفصل؛ ليحل محل المتصل الذي لا يمكن أن
_________________
(١) ١ سواء أكان ماضيا أم مضارعا؛ وليس هناك حالة تستلزم أن يكون فعل الشرط ماضيا فقط، وما يقال من وجوب مضيه حين يكون الجواب محذوفا مدفوع بما سيجيء في ص٤٥٣. ٢ في ص٤٤٤. ٣ لهذا إشارة في رقم ٣ من هامش ص٤٢١. ٤ في ص٤٢٢. ٥ انظر رقم ٧ من ص٤٤٦. وقد سبق في الجزء الثاني "ص١٠٦ م٦٩ باب: الاشتغال" بيان حكم هذا الاسم، وتفصيل إعرابه، وتأييد النحاة بأدلة قوية في تقدير الفعل، وأن هذا الاسم الذي يعد الأداة ليس مبتدأ.
[ ٤ / ٤٢٥ ]
ينفصل من فعله، وليقوم مقامه في إعرابه وفي معناه، وهو: "أنت"١
٣- لأداة الشرط الصدارة في جملتيها؛ فلا يصح أن يسبقها شيء من جملة الشرط، ولا من جملة الجواب، ولا من متعلقاتهما٢، إلا في صورة واحدة، ستجيء٣. وكذلك لا يجوز أن تكون أداة الشرط معمولة لعامل قبلها، إلا إذا كانت الأداة الشرطية اسما، والعامل السابق عليها حرف جر، أو مضافا؛ نحو: إلى "من تذهب اذهب"، "وعند من تجلس أجلس". ويصح أن يسبقها حرف عطف، أو استدراك، أو نحوهما مما يقتضيه المعنى؛ بشرط ألا يخرجها عن الصدارة في جملتيها. ومن الأمثلة قول الشاعر:
ولا أتمنى الشر، والشر تاركي ولكن متى أحمل على الشر أركب٤
ولا يصح -في الرأي الأغلب- أن تقع أداة الشرط الجازمة أو غير الجازمة بعد: "هل" الاستفهامية، لكن يصح وقوعها بعد همزة الاستفهام٥ دون باقي أدواته.
٤- لا يصح حذف أداة الشرط في الرأي الأرجح الذي يجب الاقتصار عليه.
٥- لا تدخل "إن الشرطية" -ولا غيرها من الأدوات الشرطية- على "لا، الناهية" فإذا دخلت عليها أداة منها تغير معنى "لا الناهية" وحكمها؛ فتصير حرف نفي، بعد أن كانت حرف نهي، وتصير مهملة٦ بعد أن كنت جازمة.
_________________
(١) ١ انظر هامش رقم ٥ من الصفحة السابقة. ٢ لكن لا مانع أن يسبقها عامل يحتاج إلى إحدى الجملتين لتكون معمولا له، كالمبتدأ الذي يحتاج إلى الخبر في مثل: "المرء إن يجبن يعش مرذولا". فهي في هذه الصورة في صدر جملتيها أيضا؛ إذ لم يتقدم عليها شيء منهما، ولا من توابعهما؛ لأن المبتدأ -ونحوه- ليس معمولا لشيء منهما فهو في صدر جملة اسمية غير جملتيها. ٣ في رقم ٣ من ص٤٥٠ وهي التي يكون فيها جواب الشرط مضارعا مرفوعا -كما يحصل أحيانا- فيصح في معموله أن يتقدم على الأداة؛ نحو: طعامنا إن تزرنا تأكل، بنصب كلمة: "طعام" باعتبارها مفعولا للمضارع: تأكل. طبقا للبيان الآتي. ٤ الأصل: أركب، بالجزم. وحرك بالكسر لأجل الشعر. ٥ ستجيء إشارة لهذا، في رقم ١٠ من ص٤٤٧ وأنه منقول عن الصبان ج٤ أول باب الجوازم، عند قول ابن مالك: "فعلين يقتضين بشرط قدما " ثم انظر رقم ٥ من هامش ص٤٥٠٠، لأهميته واتصاله بما هنا. ٦ أي: لا تعمل شيئا في الفعل بعدها.
[ ٤ / ٤٢٦ ]
المسألة ١٥٥:
الأمور التي تختلف فيها الأدوات الشرطية الجازمة:
الأمور التي تختلف فيها متعددة النواحي١؛ منها: الاختلاف في ناحية الاسمية والحرفية، "وليس فيها أفعال"، وفي ناحية اتصالها ب"ما" الزائدة وعدم اتصالها، وفي ناحية معناها، وفي ناحية إعرابها.
أ- ففي ناحية الاسمية والحرفية: منها الأسماء باتفاق؛ وهي: "من، متى، أي، أين، أيان، أنى، حيثما".
ومنها اسم على الأرجح، وهو: مهما" بدليل عودة الضمير عليه مذكرا، والضمير لا يعود إلا على اسم؛ مثل قوله تعالى قوم موسى: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ .
ومنها الحرف باتفاق. وهو: "إن"، ومنها الحرف على الأرجح؛ وهو: "إذ ما"٢.
ب- وفي ناحية اتصالها بما الزائدة منها: ما لا يجزم إلا بعد اتصالها بما الزائدة، وهو: "حيث، وإذ"، فلا بد أن يقال فيهما عند الجزم بهما: "حيثما"، "إذ ما".
ومنها ما يمتنع اتصاله بها عند استخدامه أداة شرط جازمة، وهو؛ من، ما، مهما، أنى.
ومنها ما يجوز فيه الأمران، وهو: إن، أي، متى، أين، ويزاد عليها، أيان، في الرأي الأصح.
ج- وفي ناحية اختلاف المعنى، مع اتفاقها جميعا في تعليق وقوع الجواب
_________________
(١) ١ من هذه النواحي ثلاثة هنا "أ، ب، ج" والرابعة: "د" في ص٤٣٨؛ أما الأمور التي تتفق فيها فقد سبقت في ص٤٣١. ٢ غير الأرجح يعتبرها ظرف زمان بمعنى: "متى"، إذا قلناك "إذ ما تستمع للموسيقى تهدأ نفسك" كان المعنى على الرأي الأرجح: إن تستمع.. وعلى الرأي الآخر: متى تستمع..
[ ٤ / ٤٢٧ ]
على وقوع الشرط عند عدم المانع١:
١- منها: ما وضع في أصله للدلالة على شيء يعقل -غالبا- فإذا تضمن معه معنى الشرط -صار أداة شرطية، للعاقل، جازمة. والغالب أيضا أنه لا يدل بذاته على زمن، وهو: "من"٢، كقوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، ﴿وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ . وقول الشاعر يمدح قوما:
من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم مثل النجوم التي يسري بها الساري
٢- ومنها ما وضع في أصله للدلالة على شيء لا يعقل -غالبا- فإذا تضمن معه معنى الشرط صار أداة شرطية لغير العاقل، جازمة. والغالب أنه لا يدل بذاته على زمن. وهو "ما"٢، و"مهما". كقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ
_________________
(١) ١ من الموانع ما سيجيء بيانه في ص٤٣٤ رقم ٤، عند الكلام على أنواع "إن" في "ب". ٢ و٢ وللنحاة رأي دونوه في باب "الموصول": ملخصه: أ- أن "من" للعاقل؛ كالتي في قولهم: "من يقصر في التوقعى والحذر، يعرض نفسه للخطر". وتستعمل في غيره مجازا -سواء أكان المجاز علاقته التشبيه فيكون استعارة، أم كانت علاقته شيئا آخر غير التشبيه فيكون مجازا مرسلا ، كقول الشاعر: أسرب القطا هل من يعير جناحه؟ لعلي إلى من قد هويت أطير وقول الآخر: ألا عم صباحا أيها الطلل البالي وهل يعمن من كان في العصر الخالي ومن المجاز تغليبه على غير العاقل عند اختلاطه معه؛ نحو: "ولله يسجد من في السموات ومن في الأرض"، أو اقترانه به في عموم فصل بمن؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ لاقترانه بالعاقل المندرج تحت قوله: "كل دابة". ب- سبق في باب: "الموصول" "ج١ م٢٦ ص٣٤٩ عند الكلام على: "من، الموصولة" أن كلمة: "من" مطلقا -موصولة وغير موصولة- هي من الكلمات التي لفظها مفرد مذكر، ولكن معناها قد يخالف لفظها، ولهذا يصح أن يعود الضمير عليها مفردا مذكرا؛ مراعاة للفظها -وهو الأكثر- ويصح مراعاة المعنى المراد، وهو كثير. فمن الأول قوله تعالى في المشركين: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ ومن الثاني قوله تعالى فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ وقد اجتمع الأمران في قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ -راجع الموضع السالف حيث البيان الشامل والأمثلة المتعددة. وأما: "ما" فإنها لغير العاقل؛ كقوله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ﴾ وتستعمل قليلا في العاقل إذا =
[ ٤ / ٤٢٨ ]
يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾، وقول الشاعر:
_________________
(١) = اختلط بغيره؛ كقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ وتستعمل في صفات العاقل؛ نحو: تزوجوا ما طاب من النساء، وامتاز بالفضل. وتستعمل في المبهم؛ كأن ترى شبحا من بعد، فتقول: تعال وشاهد ما أرى. "راجع الأشموني والصبان في بابي الموصول، والجوازم. وقد وفينا الكلام على "من وما" الموصولتين في ج١ ص٢٤٧ م٢٦". ويرتضي بعض النحاة أن يقال: "من" للعالم، بدلا من العاقل؛ لأن الله يوصف بأنه عالم ولا يقال له عاقل. ولم يتمسك بهذا فريق آخر ، وإذا لم تتضمن "من" و"ما" معنى الشرط فليستا بشرطيتين، فقد تكونان موصولتين، أو استفهاميتين أو أو "انظر آخر الهامش رقم ١ من ص٤٢٢". ويرى أكثر النحاة أن الشرطيتين مبهمتان من ناحية الزمن، بمعنى: أنهما لا يدلان على زمن معين معروف البداية والمقدار، يربط الجواب بالشرط؛ فكل واحدة منهما لا تدل بذاتها على وقت محدد لهذا الربط؛ ففي مثل: من يحسن إلى أشكر له أو: ما تزرع تحصد لا تدل "من" على مبدأ زمن الشكر، ولا على تحديد مدته، أو توقيتها، ومثلها: "ما" فإنها لا تدل على مبدأ زمن الحصد، ولا على تحديد مدته، أو توقيتها. وقال فريق آخر: إن كل واحدة منهما قد تفيد -أحيانا- مع اشرط الزمن المؤقت المعين من غير أن تعتبر ولا أن تعرب بسببه ظرف زمان -وكل هذا بشرط وجود قرينة تدل على الزمن؛ من يلمس نارا تحرقه، أي: مدة لمسه النار تحرقه، وقول الشاعر يمدح: نزور فتى يعطي على الحمد ماله ومن يعط أثمان المحامد يحمد أي: يحمد مدة إعطائه أثمان المحامد. وقول الشاعر: فما تحي لا تسأم حياة، وإن تمت فلا خير في الدنيا ولا العيش أجمعا أي: مدة حياتك لا تسأم حياة وقول الشاعر: نبئت أن أبا شتيم يدعى مهما يعش يسمع بما لم يسمع وأمثلة أخرى متعددة يؤيدون بها رأيهم، وتشهد بصحته وقوته. أما للكثرة فتؤول تلك الشواهد تأويلا لا داعي له، ولا فائدة منه إلا الرغبة في اطراد قاعدتهم، بل إنهم يتركون بعض الشواهد بغير تأويل؛ إذ لا يجدون لها تأويلا مقبولا، ويحكون عليها بالشذوذ. وخير من هذا التكلف الأخذ برأي الأقلية هنا، مع مراعاة ضوابطه وتفصيلاته السالفة. ملاحظة: في المرجع السابق "ج١ م٢٦ هامش ص٤٢٨ وهو المرجع المذكور في: "ب" السالفة" أن "ما" مثل "من" -كما في الصبان- لفظها مفرد مذكر، ومعناها قد يكون غير ذلك فيجوز في الضمير العائد عليها مراعاة لفظها أو معناها.
[ ٤ / ٤٢٩ ]
ومهما تكن عند امرئ من خليقة١ وإن خالها٢ تخفى على الناس تعلم٣
ومنها ما وضع في أصله للزمان المجرد٤؛ فإذا تضمن معه معنى الشرط جزم؛ وهو: "متى و"أيان"٥؛ فكلاهما ظرف زمان جازم. ومن الأمثلة قول الشاعر في الورد:
متى تزره تلق من عرفه٦ ما شئت من طيب ومن عطر
وقال الآخر يصف عظيما:
متى ما٧ يقل لا يخلف القول فعله سريع الخيرات غير قطوب٨
وقول الآخر يفتخر:
أيان نؤمنك تأمن غيرنا، وإذا لم تدرك الأمن منا لم تزل خائفا
ولا أهمية للرأي الذي يجيز إهمال: "متى" الشرطية فيجعلها شرطية غير جازمة؛ لأنه رأي تعززه الشواهد المتعددة، والحجة القوية.
٤- ومنها ما وضع في أصله للمكان -غالبا- فإذا تضمن معه معنى الشرط صار أداة شرطية للمكان، جازمة، وهو: "أين، حيثما، أنى"٩ كقوله تعالى:
_________________
(١) ١ عادة وخلق. ٢ ظنها. ٣ يستدل بعض النحاة بهذا البيت على أن: "مهما" حرف؛ إذ لا محل لها من الإعراب، ولم يعد عليها ضمير. وردوا كلامه بأنها: إما خبر للفعل الناقص "تكن"، و"خليقة" اسمه، و"من" زائدة، وإما مبتدأ. واسم "تكن" ضمير يعود على "مهما"، و"عند امرئ" خبر "تكن". وكل ما سبق هو على اعتبار "تكن" ناقصة، أما على اعتبارها -تامة- فـ"مهما" مبتدأ، والضمير المستتر في الفعل "تكن" هو فاعله، و"عند امرئ" ظرف لغو، متعلق بالفعل "تكن" التام. و"من" بيان لمهما على وجهي اعتباره مبتدأ. ٤ الذي لا دلالة معه على استقبال أو غيره. فإذا صار للشرط جعل زمن فعله وجوابه مستقبلا. ٥ ويصح زيادة: "ما" في آخرها -كما سبق في ص٤٢٧. ٦ رائحته. ٧ "ما" زائدة -طبقا لما سبق في: ب من ص٤٢٧. ٨ القطوب: العابس. ٩ لا يصح زيادة "ما" بعد "أنى" الشرطية، ولا يصح -في الأرجح- حذفها من آخر "حيث" الشرطية، ويجوز الأمران مع: "أين" -وقد تقدم كل هذا في ب من ص٤٢٧.
[ ٤ / ٤٣٠ ]
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ ١، وقولهم: أين٢ ينزل العدل يتبعه الأمن والرخاء. وقولهم: حيثما تجد صديقا وفيا تجد كنزا نفيسا. وقول الشاعر:
خليلي، أنى تقصداني تقصدا أخا غير ما يرضيكما لا يحاول
٥- ومنها المضاف الذي يصلح للأمور الأربعة السالفة؛ فيكون للعاقل أو لغيره، وللزمان، أو للمكان؛ تبعا للمضاف إليه في ذلك كله، فأداة الشرط مضافة، وتدل على أحد المعاني السالفة على حسب دلالة المضاف إليه، وهي: "أي". فمثالها للعاقل: أي إنسان تستقم خطته تأتلف حوله القلوب. ومثالها لغير العاقل: أي عمل صالح تمارسه أمارس نظيره. وللزمان: أي يوم تسافر أسافر معك. وللمكان: أي بقعة جميلة تقصد أقصد. وفي كل تلك الحالات يصح زيادة "ما" في آخرها.
٦- ومنها: ما يختص إما بالأمر المتيقن منه أو المظنون٣. ولكن الأول هو الأغلب، وهو "إذا" الشرطية.
وإما بالمشكوك فيه٤ أو بالمستحيل، وهو باقي الأدوات الشرطية. ومن المستحيل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾، وأما نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ، أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾،
_________________
(١) ١ كَلٌّ: حمل ثقيل. ٢ "أين" هنا شرطية، ولو لم يتصل بآخرها "ما" الزائدة؛ لأن هذا الاتصال وعدمه سيان معها -كما سبق هنا في رقم ٩ من الهامش السالف، وكما في ص٤٢٧، ومن أمثلة عدم الاتصال قول الشاعر: أين تصرف بنا العداة تجدنا نصرف العيس نحوها للتلاقي ٣ أي: المرجح حصوله وتحققه. ٤ الذي يتساوى فيه توقع الحصول وعدم التوقع.
[ ٤ / ٤٣١ ]
فلتنزيله منزلة الشكوك فيه؛ لإبهام زمن الموت١
والقرائن وحدها هي التي تعين اليقين، أو الظن، أو الشك، أو الاستحالة مع الدلالة على الشرطية في كل حالة.
٧- ومنها ما وضع -في الأكثر- لتعليق الجواب على الشرط تعليقا مجردا يراد منه الدلالة على وقوع الجواب وتحققه، بوقوع الشرط وتحققه، من غير دلالة على زمان، أو مكان، أو عاقل، أو غير عاقل؛ وهو: "إن"٢ و"إذ ما"٢ مع دلالتهما على الشرك أو الاستحالة كدلالة الأدوات الشرطية الأخرى عليهما، غير "إذا" -كما سبقت الإشارة في الأمر السادس- فمثال "إن" قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ وقولهم: المرء إن يجبن يعيش مرذولا، ومثال "إذ ما" قول الشاعر:
وإنك إذ مات تأت ما أنت آمر به تلف من إياه تأمر آتيا
_________________
(١) ١ راجع "الخضري" "ج٢ باب: الإضافة، عند الكلام على: "إذا" -وقد سبقت الإشارة لهذا في ج٢ ص٢٦٠ م٧٩- باب: "الظرف". وهناك البيان التام عن "إذا الشرطية الظرفية"، من ناحية عدم دلالتها على التكرار، وعدم إفاتها للشمول والتعميم، وتجردها للظرفية المحضة، وبعض أوجه الاختلاف بينها وبين "إن الشرطية" وغيرها من أدوات الشرط الجازمة. ٢، ٢ لا بد للجزم "بإذ" من زيادة "ما" في آخرها. أما زيادتها بعد "إن" الشرطية فجائزة -كما تقدم في: ب من ص٤٢٧- "وانظر أول ص٤٣٤".
[ ٤ / ٤٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- هل يقترن جواب "إن الشرطية" باللام؟
الإجابة عن هذا في رقم ٣ من هامش ص٤٥٧ وفي رقم ٩ من ص٤٦٣.
ب- "إن" أنواع كثيرة، منها:
١- "إن، الزائدة". وتسمى: "الوصلية"؛ أي: الزائدة لوصل الكلام بعضه ببعض، وتقوية معناه؛ فلا تعمل شيئا، ويمكن الاستغناء عنها١ ما لم يمنع وزن الشعر. ويكثر هذا الوصل حين تتوسط بين "ما" النافية وما دخلت عليه من جملة فعلية أو اسمية، كقول الشاعر يصف وجه غادة:
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله درا يعود من الحياء عقيقا
وقول الآخر يذم قوما:
بني غدانة، ما إن أنتمو ذهب ولا صريف٢، ولكن أنتم الخزف
وقد تزاد بعد "ما المصدرية" كقول الشاعر:
ورج الفتى للخير ما إن رأيته على السن خيرا لا يزال يزيد
وبعد "ما الموصولة" كقول الشاعر:
يرجي المرء ما إن لا يراد وتعرض دون أدناه الخطوب
وبعد "ألا" التي للاستفتاح؛ كقول الآخر:
ألا إن سرى٣ ليلى فبت كئيبا أحاذر أن تنأى النوى بغضوبا٤
_________________
(١) ١ جاء في حاشية ياسين على التصريح أول باب: "المعرب والمبني" "ج١" بشأن "إن" الوصلية: أهي لمجرد الوصل والربط فلا جواب لها؛ لا في اللفظ ولا في التقدير، أم هي مع ذلك شرطية فيقدر جوابها؟ أم هي شرطية ولكن لا جواب لها؟ ثم قال: إن للسعد فيها كلاما مضطربا ببيته في حواشي المختصر، في بحث تقييد المسند بالشرط. ٢ فضة خالصة. ٣ نسبة السرى إلى الليل مجاز عقلي. ٤ غضوب: اسم امرأة.
[ ٤ / ٤٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويكثر وقوع "ما" الزائدة بعد "إن" الشرطية فتدغم فيها النون نطقا وكتابة؛ كقوله تعالى في الوالدين: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ ١ وتسمى في هذه الصورة: "إن، المؤكدة بماء".
٢- ومنها: "إن، المخففة من الثقيلة"، و"إن" النافية الناسخة، وقد سبقنا في النواسخ ج١، ومعهما "إن" النافية التي لا تعمل.
٣- ومنها: "إن، الشرطية التي لا تجزم". وهذه أضعف الأنواع، وأقلها دورانا في فصيح الكلام. ومن الواجب إغفال أكثر حالاتها٢؛ وعدم استعمالها إلا في بعض الصور.
٤- ومنها: ما اختلف النحاة في نوعه اختلافا مرهقا -نذكره؛ لأنه لا يخلو من فائدة- وهو "إن" في مثل: الحريص -وإن كثر ماله- بخيل. فقيل: وصلية٣، والواو للحال، أي: الحريص بخيل، والحال أنه كثر ماله٤. وقيل شرطية، حذف جوابها. لوجود ما يدل عليه، والواو للعطف على جملة مقدرة، أي: إن لم يكثر ماله وإن كثر فهو بخيل. لكن ليس المراد بالشرط في الجملة حقيقة التعليق؛ لأنه لا تعليق حقيقيا على الشيء ونقيضه معا؛ لما في ذلك من المنافاة العقلية؛ إذ كيف يحدث الجواب الذي هو بمثابة المسبب عن الشرط حين يوجد الشرط وحين يعدم؟ وبعبارة أوضح: كيف ينتج الشرط -وهو بمثابة السبب- نتيجة واحدة لا تختلف باختلاف وجوده وعدمه؟
من أجل ذلك قيل إن معنى "إن" في الجملة السالفة الذكر "التعميم" "لا" "التعليق". ويقولون: إن المحذوف أحيانا قد يكون الواو هي والمعطوف -لا
_________________
(١) ١ تجدنهم. ٢ إلا ما كان منها دالا على تفصيل من غير أن يجزم، وسيجيء في رقم ٥ من ص٤٣٦. ٣ انظر رقم ١ من هامش الصفحة السابقة. ٤ ومن الأساليب الفاسدة التي تتردد في كلام المولدين قولهم: فلان وإن كثر ماله لكنه بخيل -أو: إلا أنه بخيل.. وقد سبق الكلام على هذه الأساليب في الموضع المناسب "ج١ م٣٣ ص٤٥٠ "و" وأن بعض النحاة المتأخرين حاول تأويل ذلك الأسلوب يصححه، ولكنه لم ينجح.
[ ٤ / ٤٣٤ ]
المسألة ١٥٦:
النوع الثالث الذي يقع الخلاف في اعتباره جازما:
وأظهر أدواته ثلاث؛ هي: "إذا١، كيف، لو " ولم يقتصر الخلاف على أنها تجزم، أو لا تجزم؛ وإنما امتد إلى ميدان جزمها؛ أهو النثر والشعر أم الشعر فقط؟ وإلى شروط جزمها وصفوة كلامهم ما يلي:
إذا: ظرف زمان مستقبل٢ وهي شرطية في أكثر استعمالاتها، ولكن
_________________
(١) ١ سبق بيان موجز عن معناها في رقم ٦ من ص٤٣١. أما البيان الكامل عنها فموضوعه مدون في رقم ٥ من هامش تلك الصفحة، ولبعض أنواعه بيان في ج٣ م٩٤ ص٩٢ -باب: الإضافة. ٢ يفضل المحققون هذا التعبير، على التعبير الشائع؛ وهو: "ظرف لما يستقبل من الزمان"؛ لما يوهمه التعبير الشائع من أن "إذا" ظرف زمان، ومظروفه هو ما يستقبل من الزمان، فالظرف والمظروف شيء واحد، وهذا لا يكون. ثم قالوا: إن التعبير الشائع قد يقبل إما على اعتبار اللام زائدة وإما على اعتبارها مع مجرورها متعلقين بكون خاص محذوف -وحذف الكون الخاص قليل- والتقدير: ظرف موضوع لما يستقبل من الزمان أما التعبير الأول فلا حذف فيه ولا تقدير "راجع المغني في الكلام على: إذا". ودلالة: "إذا" على الشرطية غريب عند النحاة؛ لأن "إذا" ظرف زمان مستقبل، والزمان المستقبل لا بد أن يجيء ويتحقق معه ما يقع فيه من أحداث. وكل هذا مقطوع به. مع أن الشرط المقتضي للجزم لا يكون في أمور محققة الوقوع، وإنما يكون فيما يحتمل الوقوع وعدمه. ومن أجل ذلك رفض أكثر النحاة الجزم بها مطلقا "أي: في النثر، وفي الشعر" وحجته -على قوتها- مدفعوة بالنصوص الصريحة المأثورة التي وردت فيها جازمة. لكنها نصوص نادرة لا تكفي للمحاكاة والقياس، وبعضها لا يساير إلا لغات ضعيفة، فمن الخير الأخذ بالرأي الذي يبيح أن تجزم في الشعر وحده؛ لا لأن النصوص الشعرية المجزومة بها كثيرة تكفي للمحاكاة والقياس، ولكن لأن الشعر محل التساهل في مثل هذا، ويباح فيه ما لا يباح في النثر فيمنح الشاعر هذه الرخصة؛ ليستخدمها متى شاء، ولو لم مضطرا لاستخدامها. جاء في "مجالس ثعلب -ج٢ ص٩١ من القسم الأول- ما نصه: قولك: إذا تزرني أزرك -يجوز في الشعر. وأنشد: وإذا نطاوع أمر سادتنا لا يثننا بخل ولا جبن ا. هـ. والمضارع: "يثني" مجزوم بحذف الياء من آخره؛ لأنه جواب "إذا". وإذا كانت ظرفا جازما فهل تكون مضافة؟ وما العامل فيها؟ رأيان. فالقائل بإضافتها للجملة الشرطية بعدها يرى العامل فيها هو الجواب -كالشائع الآن- والقائل بامتناع إضافتها للجملة الشرطية بعدها يرى =
[ ٤ / ٤٤٠ ]
الجزم بها مقصور على الشعر وحده، ومن الأمثلة المأثورة به١ قول الشاعر:
استغن -ما أغناك ربك- بالغنى وإذا تصبك خصاصة فتحمل
"أو: فتجمل؛ أي: اظهر أمام الناس بالأجمل والأحسن الذي يناسب الرجال المتجلدين". وقول الآخر:
ترفع لي خندف٢، والله يرفع لي نارا إذا خمدت نيرانهم تقد٣
ومن الأمثلة النثرية التي لا يقاس عليها؛ لندرتها: قوله ﵇: "إذا أخذتما مضاجعكما تكبرا أربعا وثلاثين". وقيل إن هذا الحديث قد يكون بلغة من يحذف النون من آخر الأفعال الخمسة مطلقا، "أي: بغير نصب ولا جزم ولا غيرهما، وهي لغة نادرة لا يصح الأخذ بها اليوم"٤.
_________________
(١) = العامل فيها فعل الشرط الذي يليها، وأنها في هذا كغيرها من أدوات الشرط حيث تكون معمولة لفعل الشرط غير الناسخ -كما سبق في رقم ٢ من ص٤٣٨- ولكل أدلته الجدلية المستفيضة التي احتوتها المطولات، ووردت خلاصتها في: "المغني". وجاء في حاشية الخضري "ج٢ باب الإضافة عند الكام على "إذا" ما خلاصته؛ أنها قد تتجرد عن الشرط نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ بدليل خلو الجملة الاسمية، "هم يغفرون" من الفاء. ومن ذلك الواقعة في القسم نحو قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ ونحو: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ وهي ظرف للمستقبل، وقد تجيء للماضي كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ لأن الآية خطاب للرسول ﵇ في حادثة مضت وقت نزول الآية الكريمة. وقد تكون للحال كالواقعة في القسم عند جماعة، بناء على أن عاملها فعل القسم وهو حالي. ولا تخرج عن الظرفية أصلا عند الجمهور. فأما قوله ﵇ لعائشة: "إني لأعلم إذا كنت عني راضية " فهي فيه ظرف للمفعول المحذوف، لا مفعول كما يقع في الوهم، والتقدير: إني لأعلم شأنك إذا كنت راضية. ثم قال الخضري: وهو منصوبة بجوابها عند الأكثر، لا بشرطها؛ لأن المضاف إليه لا يعمل في المضاف، واقتران جوابها بالفاء أو "إذا" الفجائية لا يمنع عمله فيها؛ لتوسعهم في الظرف. أو يقال: محل عمل جوابها إذا لم يقترن بهما وإلا كان عاملها محذوفا يدل عليه الجواب. ومن جعل شرطها هو العامل فيها كسائر الأدوات الشرطية قال إنها غير مضافة إليه كما أن بقية الأدوات الشرطية لا تضاف إليه. واتفق الجميع أنها لا تضاف إليه إذا جزمت. "وقد سبقت الإشارة إلى "إذا" وإلى كثير من أحكامها في ج٢ م٧٩ ص٢٢٤". ١ منها قول النمر بن تولب -وهو ممن أدرك الإسلام، وأسلم: وإذا تصبك خصاصة فارج الغنى وإلى الذي يُعطى الرغائب فارغب ٢ اسم امرأة. ٣ الفعل مجزوم ولكن تحركت الدال بالكسر لأجل القافين. ٤ سبق الكلام على هذه اللغة عند الكلام على الأفعال الخمسة -ج١ م١٤ ص١٦٣.
[ ٤ / ٤٤١ ]
و"إذا" الشرطية كغيرها من أدوات الشرط؛ تحتاج إلى جملة شرطية، وأخرى جوابية، ولا بد أن ينطبق عليهما كل الشروط والأحكام الخاصة بجملتي الشرط والجواب -ولا سيما دلالتهما الزمنية؛ سواء أكانت "إذا" جازمة أم غير جازمة.
وهي أيضا مثل: "إن" الشرطية؛ في كثرة دخولها على الأسماء في الظاهر -كما سبق١. أما في الحقيقة فهما داخلان على فعل مقدر وجوبا؛ لأن أداة الشرط لا تدخل إلا على فعل ظاهر أو مقدر؛ كما عرفنا. ومن دخولها على الأسماء قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ، وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ، وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ والتقدير: إذا انشقت السماء انشقت وإذا مدت الأرض مدت.
ويكثر وقوع: "ما" الزائدة بعد: "إذا"، كقول الشاعر:
إذا ما بدت ليلى فكلي أعين وإن هي ناجتني فكلي مسامع
وقول الآخر:
ولست -إذا ما صاحب خان عهده وعندي له سر- مذيعا له سر
وأما: "كيف" فأصل معناها السؤال عن الحالة والهيئة "أي: عن الكيفية"، نحو: كيف أنت؟ كيف غرسك؟ ولها استعمالات أخرى سبق بيانها مفصلة٢؛ منها: أن تترك الاستفهام، وتكون أداة شرط لبيان الكيفية، وتحتاج لجملة شرطية وأخرى جوابية، ولكنها لا تجزم -على الأرجح- ولا بد أن ينطبق على جملتيها كل الشروط والأحكام الخاصة بجملتي الشرط والجواب٣، ويزاد على هذا وجوب موافقة فعل الجواب لفعل الشرط في مادة اشتقاقه وفي المعنى، فلا بد من هذه الموافقة٤
_________________
(١) ١ في رقم ٢ من ص٤٢٥. ٢ في ج١ م٣٩ ص٥٠٩ باب: المبتدأ والخبر. ٣ ستجيء في ص٤٤٤. ٤ لهذا كان من الأمثلة المشكلة قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ فجوابهما محذوف يدل عليه ما قبله وليس بين فعلي الشرط والجواب المشاركة اللفظية والمعنوية المطلوبتان معا. وقد دفع الاعتراض بأن: كيف ليست شرطية هنا، أو بأن المقصود بالمشاركة ما يكون في غير المشيئة والإرادة -كما جاء في حاشية الصبان في هذا الموضع من الباب.
[ ٤ / ٤٤٢ ]
لفظا ومعنى؛ نحو: كيف تمشيء أمشي، وكيف يتكلم الحاذق أتكلم. وقد يتصل بآخرها: "ما" الزائدة فلا يتغير من أحكامها شيء؛ كقول الشاعر:
من الناس إلا مع الدنيا وصاحبها فكيفما انقلبت يوما به انقلبوا
وأما "لو" الشرطية فخير الآراء أنها لا تجزم مطلقا١؛ لا في النثر ولا في الشعر. وسيجيء لها باب خاص يحوي أحكامها المختلفة٢.
_________________
(١) ١ والأمثلة التي استشهدوا بها للدلالة على جزمها أمثلة قليلة جدا لا تكفي للقياس عليها. ومع قلتها تحتمل أمورا تخرجها عن صلاحية الاستشهاد بها -وهي مدونة في الأشموني وحاشيته وفي غيره من المطولات- ومنها: تامت فؤادك لو يجزنك ما صنعت إحدى نساء بني ذهل بن شيبانا وقولهم في وصف حصان: لو يشأ طار به ذو ميعة لاحق الآطال، نهد، ذو خصل "به: يراكبه، ميعة: نشاط، الآطال: جمع إطل، بكسر الطاء أو سكونها، مع كسر الهمزة في الصورتين، بمعنى: الخاصرة، نهد: ضخم جسيم، خصل: جمع خصلة، وهي الكتلة من الشعر". والشاهد في الفعل المضارع "يشأ" المجزوم بالحرف "لو". والاستشهاد بهذا المضارع لا يتحقق إلا إذا كان أصله هو: "يشا"، وماضيه "شا" ثم تصير ألفه همزة ساكنة في بعض اللغات واللهجات التي تقول: العالم، والخاتم، في العالم والخاتم. -راجع الصبان، ج٤ باب الجوازم، عند الكلام على الأدوات التي تجزم فعلين. "ملاحظة": من الأساليب الصحيحة التي لها نظائر مأثورة أن يقال: أكرم الأصدقاء ولو ترما المخلصون. بمعنى: ولا سيما المخلصون "بجزم المضارع ". ومثلها: ولا ترما المخلصون. وبيان هذا الأسلوب وإعرابه مفصل عند الكلام على: "لا سيما" في ج١ باب: الموصول م٢٨ ص٢٨٧، وله إشارة هنا في "ب" من ص٤١٢ وفي رقم ٢ من هامش ص٤٩٤. ٢ في ص٤٩١.
[ ٤ / ٤٤٣ ]
المسألة ١٥٧:
الأحكام الخاصة بجملة الشرط ١، وجملة الجواب إذا كانت الأداة شرطية جازمة، أو: كانت الأداة الشرطية هي:
"إذا، أو: كيف"٢:
أولا: أحكام الجملة الشرطية، "ومنها حذفها، وحذف فعلها وحده":
١- لا بد أن تكون فعلية، ويلاحظ ما سبق٣، وهو أن فعلها وحده هو الشرط؛ إذ لا يصح أن يكون الشرط جملة.
٢- وجوب الترتيب بين أجزائها، فلا يتقدم فعلها، ولا شيء من معمولاتها على أداة الشرطز ولا يتقدم -في الغالب- شيء من هذه المعمولات على فعل الشرط٤.
٣- امتناع وقوع فعلها ماضي المعنى حقيقة، فلا يصح إن هطل المطر أمس يشرب النبات، وأما قوله تعالى على لسان عيسى ﵇: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ فالقرائن تدل على أن المراد: إن يثبت أني قلته فقد علمته. يدل على هذا سياق الكلام. ونصه: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ
_________________
(١) ١ مما تجب ملاحظته أن الجملة الشرطية -دون الجملة الجوابية- لا يصح تسميتها إلا على حسب أصلها السابق قبل دخول الأداة الشرطية عليها، أما بعد مجيء أداة الشرط فلا تسمى جملة؛ إذ لا يكون فيها حكم مستقل بالسلب أو بالإيجاب، تنفرد به، ويقتصر عليها؛ فليس لها كيان مستقل؛ فهي لهذا لا تسمى جملة، بل لا تسمى كلاما بحسب وضعها الجديد. "طبقا للبيان الكامل الخاص بهذا في ج١ م١ عند الكلام على الجملة وكذا ج١ م٢٧ رقم ٣ من هامش ص٣٣٧". ٢ تسري الأحكام الآتية على الأدتين "إذا" الشرطة، و"كيف" الشرطية، في حالتي اعتبارها جازمتين عند فريق، أو غير جازمتين عند آخر. فعلى كلا الاعتبارين لا بد من خضوع هاتين الأداتين للأحكام التي ستذكر. أما غيرهما من الأدوات الشرطية التي لا تجزم مطلقا "كأدوات الشرط الامتناعي، ومنها: لولا ولوما". وكذلك الأدوات التي لا تجزم في القول الأصح "مثل: لو، ولما الحينية، وأما الشرطية النائبة عن مهما" فإن لها أحكاما خاصة بشرطها وجوابها، مدونة في الباب الخاص بكل أداة -وسيأتي في ص٤٩١ و٥١٢. ٣ في ص٤٢٥. ٤ إلا في بعض صور تكون فيها أداة الشرط معمولة لفعله. وقد سبقت في ص٤٣٨.
[ ٤ / ٤٤٤ ]
أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ ١.
٤- امتناع أن يكون فعلها طلبيا أو جامدا، فلا يصح: إن أصفح عن المسيء يجتنب الإساءة، ولا: إن ليس الهواء هادئا نرغب فيه.
٥- امتناع أن يكون مبدوءا بحرف تنفيس٢، أو بقسم -عند كثرة النحاة- أو بشيء له الصدارة؛ كأدوات الاستفهام في الأغلب٣، والشرط ، أو بحرف من حروف النفي؛ مثل: "ما، لن، إن" لكن يجوز اقترانه ب"لم"، أو "لا" إن كان مضارعا واقتضى المعنى نفيه بأحدهما.
٦- وجوب جزمه لفظا إن كان مضارعا، ومحلا٤ إن كان ماضيا. وجازمه في الحالتين أداة الشرط -على الصحيح- بشرط أن تكون هذه الأداة الشرطية جازمة.
أما الجملة الشرطية كاملة فلا محل لها من الإعراب إلا في حالتين:
الأولى: أن تكون أداة الشرط هي "إذا" باعتبارها جازمة، أو غير جازمة -فتكون ظرفا مضافا- في الرأي المشهور، والجملة الشرطية بعدها في محل جر، هي المضاف إليه، ومن الأمثلة قولهم: إذا انصرف الولاة عن العدل انصرفت الرعية عن الطاعة، وتقوضت دعائم الملك، وأسباب والرفاهة.
الثانية: أن تكون أداة الشرط هي المبتدأ، والجملة الشرطية هي الخبر - عند من يجعلها خبران وهو الأرجح٥ كقول الشاعر:
_________________
(١) ١ انظر ما يتصل بهذا في رقم ٥ من هامش ص٤٢٢ وفي ١ من هامش ص٤٢٣. ٢ السين، أو: سوف وتسمى "سوف": حرف تسويف أيضا. ٣ إلا الهمزة؛ طبقات للحكم العاشر الآتي ٤٤٧. ٤ انظر رقم ٦ من ص٤٥٦. ويظهر أثر الإعراب المحلي في التوابع؛ فمثلا: إذا عطف على الماضي المجزوم محلا فعل مضارع مماثل له في الزمن، جزم، وقد سبق تفصيل هذا في بابه المناسب "ج٣ ص٤٧٤ م١٢١ باب العطف". ٥ وتكون من نوع الخبر الذي لا يتمم المعنى بنفسه مباشرة مع المبتدأ، وإنما يتممه بمساعدة شيء آخر يتصل به. والجملة الشرطية لا تتممه إلا بملاحظة الجملة الجوابية المترتبة عليها، "وقد سبق بيان =
[ ٤ / ٤٤٥ ]
فمن يلق خيرًا يحمد الناس أمره ومن يغو لا يعدم على الغي لائما
٧- عدم حذفه بعد أداة شرطية مع بقاء فاعله١ ظاهرا وبعده الفعل المفسر للمحذوف، إلا إن كانت أداة الشرط هي "إن، أو إذا"؛ فيكثر حذفه بعد كل منهما، حتى قيل إن حذفه في تلك الصورة بوصفها السالف واجب. ولكن بقاءه -برغم قلته- جائز٢. ومن القليل حذفه بعد أداة غيرهما٣ إلا لضرورة الشعر.
والأحسن أن يكون المفسر فعلا ماضيا لفظا ومعنى، أو معنى فقط "كالمضارع المسبوق بالحرف لم". فمن أمثلة الحذف بعد "إن" قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ٤، وقولهم: إن أحد
_________________
(١) = هذا مفصلا في ج١ م٣٣ أول باب: "المبتدأ والخبر" "هامش ص٤٤٢ وما بعدها" وقيل: جملة الجواب هي الخبر وقيل: هما معا. "كما سبق في رقم ٥ من هامش ص٤٣٨" هذا إن كانت أداة الشرط هي المبتدأ، فإن كان المبتدأ اسما قبلها فقد نصوا على الراجح وهو أن "المبتدأ إذا تقدم على أداة الشرط فإن اقترن ما بعدهما وبهذه الجملة الشرطية -"بالفاء الرابطة أو: إذا"، التي تغني عنها، أو صلح لمباشرة الأداة والخبر محذوفا يدل عليه الجواب المذكور، وإلا كان خبرا والجواب محذوفا". "راجع الخضري في باب "الكلام وما يتألف منه" وتعقيبه على الصبان عند بيت ابن مالك: "والأمر إن لم يك للنون محل " وسبقت له إشارة موضحة "في ج١ م١ بهامش ص٦٤ وفي ص٤٧٧". وانظر رقم ٢ من هامش ص٤٥٧ فله ارتباط بهذه المسألة. ولا يتغير الحكم السالف إن صار المبتدأ اسما لناسخ مثل قول الشاعر: إن اللئام إذا أذللتهم صلحوا على الهوان وإن أكرمتهم فسدوا ١ أو نائبه: هذا إن كان الفعل تاما، فإن كان ناقصا "لأنه من النواسخ". لم يرفع فاعلا ولا نائب فاعل، وإنما يرفع اسما. فالمراد ما يرفعه الفعل من فاعل أو غيره. ٢ لتعدد النصوص الواردة به والتي لا تحتاج إلى تأويل. ٣ سبقت إشارة لهذا في ص٤٢٥ وتفصيل المسألة في ج٢ باب "الاشتغال" وملخصها: أن الاشتغال بعد أدوات الشرط، والتحضيض، والاستفهام بغير الهمزة لا يقع إلا في الشعر للضرورة. أما في النثر فلا يقع بعد تلك الأدوات إلا صريح الفعل. ويستثنى من أدوات الشرط ثلاثة يقع بعدها الاشتغال بمعناه العام "الذي يشمل الاسم السابق المرفوع" نظما ونثرا". أولهما: أدوات الشرط التي لا تجزم؛ مثل: إذا، ولو. ثانيها: "إن" الشرطية مع وجوب أن يكون الفعل المفسر ماضيا لفظا ومعنى، أو معنى فقط. ثالثها: أما -راجع البيان الخاص بهذا في الموضع السابق. ٤ يتردد على ألسنة بعض المتسرعين الاعتراض على حذف هذا العمل، وعلى إعراب الاسم المرفوع بعد: إن، وإذا، فاعلا -كالأسماء المرفوعة في الأمثلة المذكورة. قائلين: لم لا تكون هذه الأسماء مبتدأ، أو فاعلا للفعل الذكور بعدهما؛ لنستريح من التقدير؟ وقد أوضحنا ببيان كامل خطأ هذا في ج٢ ص١٤٠ م٦٩.
[ ٤ / ٤٤٦ ]
قال ما يستحق فاغبطه، وإن أحد نال ما لا يستحق فترقب أن تسلبه الأيام ما نال. وقول أحد الخلفاء لقائد جيشه المنتصر: اتقوا الله في الأسرى؛ عاملوهم برفق، وانزلوا معهم على حكم الدين". وإن فتية منهم أصلهم الهوى فاهدوهم سواء الصراطن وإن شيوخ استبد بهم ما ألفوه فترفقوا بهم إلى حين، وإن نساء لم يسلمن من الفزع، فأدخلوا السكينة على قلوبهن.
ومن أمثلة الحذف بعد "إذا" الشرطية قوله تعالى في وصف يوم القيامة: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ، وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ، وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ، وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ، عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾، وقول الشاعر:
إذا الملك الجبار صعر خده مشينا إليه بالسيوف نعاتبه
وقول الآخر:
إذا أنت عاتبت الوضيع فإنما تخط على صفح من الماء أحرفا
ومن أمثلة الحذف بعد أداة شرطية غير "إن وإذا" والمفسر غير ماض، قول الشاعر يصف غادة هيفاء:
صعدة١ نابتة في حائر٢ أينما الريح تميلها تمل
٨- امتناع تصدير الجملة الشرطية بالحرف: "قد": فلا يصح: إن -قد- يعدل الراعي تسعد رعيته. لأن مجيء "قد" بعد فعل الشرط يقتضي٣ تحقيق وقوع فعل الشرط. وتقريبه من الحال. مع أن فعل الشرط يقتضي احتمال أمرين؛ وقوع معناه وعدم وقوعه: كما يقتضي أن زمنه مستقبل محض٤.
٩- امتناع وقوع الجملة الشرطية حالا -طبقا للبيان الذي سلف٥.
١٠- امتناع تصديرها٦ بأداة شرطية، "جازمة، أو غير جازمة" قبلها
_________________
(١) ١ رمح مستو، وقناة لا عوج فيها. ٢ مجتمع الماء. ٣ مراعاة للاستعمال الأغلب. ٤ راجع شرح التصريح ج٢ باب الجوازم عند الكلام على "لما". ٥ في رقم ٥ من هامش ص٤٢٢. ٦ في الرأي الأشهر "ولهذا صلة بالحكم الخامس".
[ ٤ / ٤٤٧ ]
أداة استفهام مثل: "هل" الاستفهامية. لكن لا مانع أن تقع أداة الشرط بعد همزة الاستفهام١ دون غيرها.
١١- جواز حذف الجملة الشرطية "فعلها ومرفوعه معا"٢ بشرط وجود قرينة تدل عليها، وألا يذكر صريحا في الكلام بعدها ما يفسرها. وقد يبقى بعد حذفها شيء قليل منها؛ مثل "لا" النافية وقد تبقى الأداة أو تحذف مع الجملة الشرطية المحذوفة. ومن الأمثلة قول الشاعر:
متى.. تؤخذوا قسرا٣ بظنة٤ عامر ولا ينج إلا في الصفاد٥ أسير
يريد: متى توجدوا تؤخذوا٦
ومن أمثلة حذفها مع بقاء "لا" النافية الداخلة عليها، قول الشاعر:
فإن تولني منك الجميل فأهله وإلا فإني عاذر وشكور
وقول الآخر:
فطلقها فلست لها بكفء وإلا يعل مفرقك الحسام
والأصل فيهما: وإلا تولني -وإلا تطلقها؛ فحذفت الجملة الشرطية وحدها مع بقاء الأداة، و"لا" النافية. ومثله قوله عليه اسللام في اللقطة٧ فإن جاء صاحبها وإلا استمع بها. والأصل: فإن جاء صاحبها أخذها، وإلا يجيء فاستمع بها. والأصل: فإن جاء صاحبها أخذها، وإلا يجيء فاستمتع بها..،
_________________
(١) ١ فلا يصح: هل إن يشتد البرد تهاجر الطيور -في الرأي الأشهر- ويصح: أن يشتد؟ "راجع الصبان، ج٤ عند بيت ابن مالك في أول باب: الجوازم". "فعلين يقتضين شرط قدما ". وقد سبقت إشارة لهذا في آخر رقم ٣ من ص٤٢٦. ٢ مرفوع الفعل يشمل الفاعل، ونائبه، واسم الناسخ، وإن كان الفعل ناسخا، "كما سبق في رقم ١ هامش ص٤٤٦". ٣ قهرا. ٤ بتهمة. ٥ القيد، ونحوه، مما يقيد به الأسير، ويربط. ٦ هذا البيت هو من الشواهد التي تؤيد القائلين بأن الجملة الشرطية قد تحذف ولو كانت أداة الشرط غير "إن" ولا يشترطون أن تكون "إن" وعندهم شواهد نثرية ونظمية. نعم إن الحذف بعد "إن" هو الأكبر. ٧ الشيء الذي يضيع من صاحبه ويجده بعض الناس في الطريق ونحوه.
[ ٤ / ٤٤٨ ]
وقولهم: المرء مجزى بعمله، إن خيرا فخير..، أيك إن كان عمله خيرا فجزاؤه خير. فقد حذف فعل الشرط واسمه، وبقي خبره.
وجعلوا مما يصلح لأمثلة حذف الأداة وجملة الشرط قوله تعالى يخاطب المؤمنين، ويذكر انتصارهم على الكفار: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾، والأصل: إن افتخرتم بقتلهم أفلم تقتلوهم وقد دخلت الفاء على "لم" هنا - ومثله قوله تعالى في المشركين: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ ١، التقدير: إن أرادوا الولي الحق فالله هو الولي وحده. وقوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾، والتقدير: إن لم يتيسر أن تعبدوني في أرض، فإياي في غيرها فاعبدون.
هذه هي أهم الأحكام الخاصة بالجملة الشرطية. وستجيء٢ أحكام عامة تختص بها وبالجملة الجوابية.
ثانيا: أحكام الجملة الجوابية٣ للشرط الجازم؛ ومنها الحذف:
١- أن تكون فعلية. ويصح أن تكون اسمية مقترنة "بالفاء" الزائدة للربط، أو "بإذا" الفجائية التي تحل محلها في بعض الحالات للربط٤. ومن أمثلة الفعلية قول الشاعر:
لا يذهب الخير سدى ومن يعن يوما يعن
ومن أمثلة الاسمية قولهم: حيثما تصنع خيرا فالجزاء خير. وقول الشاعر:
فإن تتقوا شرا فمثلكمو اتقى وإن تفعلوا خيرا فمثلكمو فعل
وقولهم: إن يسر المرء على سنن الهدى إذا التوفيق حليفه.
٢- لا بد من إفادتها معنى جديدا لا يفهم من جملة الشرط -كالأمثلة
_________________
(١) ١ أم: بل. ٢ في ص٤٧١. ٣ ويجوز أن تكون مثبتة، أو منفية بالتفصيل الآتي في ص٤٦١ و٤٦٧، وقد اجتمع الأمران في قول الشاعر: ومن يغترب يحسب عدوا صديقه ومن لا يُكرِّم نفسه لا يُكرَّم ٤ وسيجيء البيان الخاص بالربط في رقم ٨ من ص٤٥٨.
[ ٤ / ٤٤٩ ]
السالفة- فلا يصح: إن تسأل عن الغائب تسأل؛ لأن هذه الجملة الجوابية لفظها ومعناها مثل الشرطية فيهما؛ فلا جديد في معنى الجواب، فإن تضمنت معنى جديدا جاز وقوعها جوابا؛ كقوله ﵇: " لكل امرئ ما نوى؛ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله "، أي: فهجرته مقبولة، أو مباركة فالجملة الجوابية أفادت مرادا جديدا بالرغم مما بينها وبين الجملة الشرطية من اشتراك لفظي
٣- وجب تأخيرها؛ فلا يجوز تقديمها ولا تقديم شيء من أجزائها ومعمولاتها على أداة الشرط، ولا على الجملة الشرطية. إلا في حالتين:
الأولى: أن يكون الجواب جملة مضارعية١، مضارعها مرفوع: فيجوز تقديم معمول الجواب على الأداة؛ بشرط مراعاة البيان والتفصيل الخاص٢ بهذا نحو: خيرا إن تستمع تستفيد.
الثانية: أن يكون المعمول هو: "إذا" الشرطية عند من يعربها ظرفا لجوابها. وكذا غيرها من الأسماء الشرطية الأخرى التي لا تكون معمولة لفعل الشرط حين يكون فعلا ناسخا. وقد سبق٣ أيضا بيان هذه الحالة بصورتها.
وسوغ التقديم في الصورة الأولى أن المضارع المرفوع ليس هو الجواب في الحقيقة؛ لأن الجواب محذوف٤، وتسمية المذكور جوابا تساهل لوحظ فيه الأصل٥. أما في الصورة الثانية فلأنها أداة شرطية واجبة الصدارة.
_________________
(١) ١ في الشكل الظاهر لا في الحقيقة؛ إذ الحقيقة -طبقا للمشهور- أن الجملة المضارعية المذكورة في مثل هذه الصورة هي دليل الجواب، وليست بالجواب؛ لأنه محذوف -طبقا للآتي هنا، وللبيان الآتي في ص٤٧٤-٤٧٥. ٢ وفي ص٤٧٤ حكم المضارع المرفوع في جواب الشرط. ٣ في ص٤٣٨ وما بعدها. ٤ وفي ص٤٧٥ إعراب المضارع المرفوع في جواب الشرط. ٥ بمناسبة حذف الجواب يعرض النحاة لحالة فعل الشرط، ولتقديم دليل الجواب عليه، والحالات التي يتعين أن تكون فيها بعض الأدوات موصولة، لا شرطية، فيقولون: "إن تقدم على أداة الشرط شبيه بالجواب فهو -في الأرجح- دليل الجواب، وليس بالجواب". وجاء في التسهيل والهمع ما ملخصه: إذا حذف الجواب في السعة وتقدم دليله على أداة الشرط فلا يكون فعل الشرط -في الأصح- إلا ماضيا =
[ ٤ / ٤٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = لفظا ومعنى بحسب أصله، أو معنى فقط كالمضارع المسبوق بالحرف "لم" -مع ملاحظة ما يأتي في الحكم الرابع- فإن سيبويه: "هذا هو الوارد من كلام العرب". وإذًا لا يصح عنده الأخذ بالرأي الكوفي الذي يقيس المضارع على الماضي، فيجيز: "أنت كريم إن تصفح"؛ لأن في هذا قياسا لشيء على آخر يخالفه في علة القياس وسببه لكن الكوفيين -إلا الفراء- يستشهدون بأمثلة فصيحة تؤيد رأيهم وتقويه -كما سيجيء في ص٤٥٥- والرأي الأول أقوى وأفصح مع صحة الثاني. وما سبق مقصور على السعة أما في الضرورة الشريعة فيصبح حذف الجواب مصنفا وفعل الشرط مضارع ومنه: يُثني عليك وأنت أهل ثنائه ولديك -إن هو يستردك- مزيد -وسيعاد ذكر البيت واسم صاحبه لمناسبة أخرى في ص٤٥٥. فإن كان فعل الشرط المسبوق بدليل الجواب غير ماض وأداة الشرط: "ما"، أو: "من"، أو "أي" وجب في السعة "أي: في غير الضرورة الشعرية" جعلها موصولة وإعطاؤها حكم الموصول، فتقول: أعط من يعطي محمدا؛ وأحب ما يحبه ، وأكرم أيهم يحبك..؛ برفع المضارع، والمجيء بالعائد، واعتبار الجملة صلة لا محل لها من الإعراب، وصحة عمل العوامل التي قبل الموصول فيه. أما في الضرورة فيجوز بقاء الشرطية والجزم. وكذلك يجب جعل تلك الأدوات موصولة إذا وقعت مع جملتها مضافا إليه، والمضاف اسم زمان؛ نحو: أتذكر إذ من يرضينا نرضيه؛ لأن أسماء الزمان لا تضاف إلى جملة مصدرة "بإن الشرطية" -"كما سبق في ج٢ رقم ٦ م٧٩ هامش ص٢٣٧ وفي ج٣٢ م٩٤ ص٦٧"- فكذا المصدرة بما تضمن معنى "إن الشرطية" كمن؛ خلافا للزيادي حيث جوز في هاء الصورة الجزم اختيارا. أما عند غيره فقد خرجت تلك الأدوات عن الشرطية. وصارت موصولة ينطبق عليها ما ينطبق على الموصول من أحكام، ولا دخل لها بالشرط. وكذلك يجب ما ذكر لهن مطلقا "أي: في السعة وفي الضرورة، سواء أكان بعدهن ماض أو مضارع" فيما يأتي: أ- إذا تقدمتهن "هل" مباشرة؛ لأن "هل" لا تدخل على "إن الشرطية" فكذا ما تضمن معنى "إن" بخلاف الهمزة، فيجوز الجزم على الأصح؛ نحو: أمن يرضك ترضه؟ لدخولها على "إن" الشرطية. ب- إذا وقعن بعد ناسخ من باب: "كان" أو: "إن"؛ لأن اسم الشرط لا يعمل فيه عامل قبله إلا حرف الجر أو المضاف؛ فإنهما قد يجران بعض أسماء الشرط "كما سبق في ص٤٢٦ و٤٣٨" وغير هذين العاملين لا يعمل فيه. ومن الأمثلة: كان من يرضينا نرضيه، إن من يرضينا ترضيه. وأما قول الأعشى: إن من يدخل الكنيسة يوما يلق فيها جآذرا وظباء =
[ ٤ / ٤٥١ ]
٤- امتناع حذفها إلا بشرطين:
أولهما: إن يدل دليل عليها بعد حذفها، ولا يصلح جوابا١؛ ويتحقق هذا الشرط بأن يسبقها، أو يكتنفها "أي: يحيط بها"، أو يتأخر عنها، ما لا يصلح جوابا، ولكنه يدل على الجواب المحذوف٢؛ مثل: "أنت الشجاع إن قلت الحق في وجه الظالم"، أو: "أنت -إن تلطفت في القول- محبوب". فالجملة الجوابية في المثالين محذوفة؛ لوجود ما يدل عليها؛ وهو الجملة التي قبلها، أو التي تحيط بها، وكلتاهما لا تصلح جوابا. والأصل: أنت الشجاع، إن قلت الحق في وجه الظالم
_________________
(١) = "بجزم الفعلين: يدخل ويلق" فعل تقدير ضمير الشأن، أي: إنه من يدخل. ج- إذا وقعن بعد "ما" النافية؛ لأن "ما" النافية لا تنفي الجملة الشرطية. نحو: ما من يرمينا نرميه. د- إذا وقعن بعد "لكن" -ساكنة النون- أما المشددة فداخله في: "ب" السابقة أو "إذا" الفجائية، نحو: لا أذهب لمن يقاطعني، لكن من يزورني أزوره، مررت بالمحسن فإذا من يستعين به يعينه. وسبب المنع هو أن أداة الشرط "اسما كانت أم حرفا" لا بد ان تكون في صدر جملة جديدة مستقلة بمعناها وبإعرابها. أما "لكن" وإذا الفجائية "فلا بد أن يسبقهما كلام يرتبط بها ما بعدهما ارتباطا معنويا، بحيث يتصل المعنيان اتصالا وثيقا. وجاء في حاشية الصبان أن سريان الحكم على تلك الأدوات بعد: "لكن وإذا" الفجائية مشروط بشرط ألا يضمر بعدهما مبتدأ، فإن أضمر بعدهما مبتدأ جاز جزم المضارع، تقول: رأيت الشريف فإذا ما يزره يكرمه، وعلى كريم الخلق لكن من يزره يغضبه. والتقدير فيهما: "فإذا هو من ، لكن هو من " ولم يرد لهذا الشرط ذكر في بعض المراجع الأخرى المتداولة، كالهمع ولم أجد فيما رأيت أمثلة مسموعة تؤيد الأخذ به. ولهذا يحسن إهماله، والبعد عن التأويلات والتقديرات بغير ضرورة. "راجع في كل ما سبق الهمع ج٢ ص٦١ وما بعدها. وحاشية الصبان عند بدء الكلام على الأدوات التي تجزم فعلين ". ١ لأنه إذا دل عليها وهو متأخر، وكان مما يصلح جوابا أصيلا بغير ضعف وجب اعتباره الجواب مباشرة؛ إذ لا داعي للحذف أو التقدير. ويوضح هذا ما سبق وما يجيء في الصفحة التالية عند الكلام على الشرط الثاني. على الكوفيين يعتبرون الدليل المتقدم الذي يصلح جوابا هو الجواب الأصل ولا مانع عندهم أن يتقدم الجواب على أداة الشرط ويخالفون البصريين في هذا. ٢ فالغالب أن تسبقه جملة، أو تكتنفه؛ "بأن يقع بين ركنيها الأساسيين". ومن أمثلة الأول الذي تسبقه جملة قول الشاعر: لا خيل عندك تُهديها، ولا مال فليسعد النطق إن لم يسعد الحال وقول الآخر: رب ليل كأنه الصبح في الحسـ ـن، وإن كان أسود الطيلسان
[ ٤ / ٤٥٢ ]
فأنت الشجاع، أنت محبوب، إن تلطفت في القول فأنت محبوب١.
ومثال الدال عليها وهو متأخر لا يصح جوابا، قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾، أي: فلا تحزن؛ فقد كذبت رسل من قبلك، -كما سيجيء-٢ فالدال على الجملة الجوابية قد يكون قبلها، أو بعدها، أو محيطا بها. وهو في كل حالاته لا يصلح جوابا.
ومن أمثلة حذفها لدلالة جملة سابقة الشطر الأول من قول الشاعر:
عش وحيدا إن كنت لا تقبل العذ ر، وإن كنت لا تغفر زله
ومما يدل عليها: "جواب القسم" إذا كان القسم متقدما على أداة الشرطن نحو: والله إن رعيت اليتيم ليرعينك الله. فالقسم محتاج لجواب، وكذلك أداة الشرط؛ فحذف جواب المتأخر٣ منهما؛ وهو الشرط، لدلالة جواب المتقدم -وهو القسم- على المحذوف. ولهذا تعتبر اللام في المثال داخلة على وجواب القسم؛ كدخولها عليه في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، وفي قوله تعالى بلسان الكفار يهددون الرسل ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ فاللام الداخلة على أداة الشرط: "إن" هي علامة القسم، واللام المتأخرة داخلة على جوابه. أما جواب الشرط في الآيتين فمحذوف: لتأخر أداة الشرط. ويدل عليه في كل منهما جواب القسم المذكور.
ثانيهما: أن يكون فعل الشرط -في غير الضرورة الشرعية، وعند غير الكوفيين-٤ ماضيا لفظا ومعنى بحسب أصله، أو معنى فقط؛ كالمضارع المسبوق بالحرف: "لم". فمثال الماضي لفظا ومعنى: أنت عزيز إن ترفعت عن الدنايا، أو أنت -إن ترفعت عن الدنايا- عزيز وقول الشاعر:
ونحن أولو المآثر من قديم وإن جحدت مآثرنا اللئام ٥
_________________
(١) ١ انظر ما يتصل بها من اجتماع المبتدأ وأداة الشرط في رقم ٥ من هامش ص٤٤٥. ٢ لاحظ ما أشرنا إليه هنا من الرأي الكوفي، وما سبق في رقم ٥ من هامش ص٥٥٠. ٣ عملا بالرأي الراجح. ٤ سبق رأيهم في رقم ٥ من هامش ص٥٥٠ وسيجيء في ص٤٥٥ أنه مقبول. ٥ وكذلك قول الآخر: ولم تزل قلة الإنصاف قاطعة بين الرجال وإن كانوا ذوي رحم
[ ٤ / ٤٥٣ ]
ومثال الماضي معنى لا لفظا قول الشاعر:
لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها سرور محب أو إساءة مجرم؟
فإن لم يكن فعل الشرط ماضيا بأن كان مضارعا لفظا ومعنى لم يصح -في الأرجح- حذف الجملة الجوابية١ إلا إن سد مسدها جملة أخرى بعدها٢ تدل عليها، ولا يستقيم المعنى بجعلها هي الجواب؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾، والأصل: وإن تجهر بالقول فإنه غني عن جهرك، فحذف الجواب الأصلي، وسد مسدة جملة: "فإنه يعلم السر"، وهي جملة بعده شغلت مكانه، ولا يستقيم المعنى على اعتبارها الجواب الحقيقي؛ لأن الجهر بالقول لا يترتب عليه أن الله يعلم السر؛ إذ الله يعلم السر دائما؛ سواء أوجد جهر بالقول أم لم يوجد٣. ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ
_________________
(١) ١ لاحظ ما أشرنا إليه هنا من الرأي الكوفي، وما سبق في رقم ٥ من هامش ص٥٥٠. ٢ فهي متأخرة في مكانها عن الجواب المحذوف، وموضعها الأصلي بعده، بالرغم من أنها تشغل مكانه ظاهرا، لا حقيقة؛ إذ مكانه خال في الواقع. وهي بهذا الإيضاح تعتبر صورة من صور الشرط الأول. إلا أن الصورة هنا واجبة التأخير، وهي تسد وتغني عن الجملة الجوابية المحذوفة. لكن كيف يصح حذف الجواب مع أن فعل الشرط مضارع، كما يبدو في الآيات التالية؟ أجابوا: "أنه لما سد شيء مسده كأنه لم يحذف" -راجع حاشية الأمير على "المغني"، ج٢ موضوع حذف جملة جواب الشرط. ٣ والذي دعا لهذا التقدير: أن أجل الله آت على كل حال؛ فليس الجواب مترتبا على الشرط، فهو كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ ومثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ فالجواب في كل هذه الأمثلة محذوف وقد وجد ما يسد مسده، فجاز حذفه بالرغم من أن فعل الشرط مضارع. والسبب في اعتباره محذوفا واعتبار المذكور في مكانه سادا مسده أن هذا المذكور ليس مترتبا على الشرط، ولا مسببا عنه؛ كما هو الشائع في أغلب الأساليب -طبقا لما أوضحناه في رقم ١ من هامش ص٤٢٢. أما على غير هذا الاعتبار فلا حذف، والمذكور هو الجواب؛ كما سبق بيانه "في الهامش المشار إليه" من أن الشرط ملزوم والجزاء لازم له؛ سواء أكان الشرط سببا أم غير سبب. وكذلك ما قاله ابن الحاجب من أن الجزاء قسمان. وقد أوضحنا هناك ويكاد الخلاف يكون لفظا؛ لاتجاهه إلى مجرد التسمية؛ أنسمي المذكور جوابا أم سادا مسد الجواب حين لا يكون مسببا عن الشرط مباشرة؟ ومما يلاحظ أن هذا الخلاف في التسمية مقصور على الحالة التي يكون فيها فعل الشرط مضارعا بعده جملة ليست مسببة عنه مباشرة. وسيجيء في ص٤٨٠ -إشارة أخرى خاصة بأداة الشرط: "إن".
[ ٤ / ٤٥٤ ]
فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾، والأصل: وإن يكذبوك فلا تحزن، فقد كذبت رسل من قبلك١، ولا يصح أن تكون الجملة المذكورة هي الجواب؛ لأنها ليست مترتبة على ما قبلها. وكذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ فالجواب المحذوف تقديره: فليبادر للعمل الصالح.
والكوفيون لا يشترطون لحذف الجواب أن يكون فعل الشرط ماضيا، بل يجيزون أن يكون مضارعا، ولذا يقولون فيما سد مسده، إنه الجواب الحقيقي، وليس بالدليل، ولا بالساد مسد الجواب، مستدلين بأمثلة كثيرة تؤيدهم، كالآيتين السالفتين، وكقول الشاعر٢:
لئن تك قد ضاقت عليكم بيوتكم ليعلم ربي أن بيتي واسع
فقد حذف جواب الشرط "إن" مع أن فعله مضارع؛ وهو: "تلك"، أما جملة "ليعلم X" فهي جواب القسم الذي تدل عليه اللام الداخلة على "إن"، ولا يصح -في الراجح- أن تكون هذه الجملة جوابا للشرط، لأنه متاخر هنا عن القسم، ولأن جوابه لا يكون مبدوءا باللام. وكذلك قول الشاعر:
يثني عليك، وأنت أهل ثنائه ولديك إن هو يستزدك مزيد
والأصل: إن يستزدك٣ -هو- يستزدك فلديك مزيد.
والأخذ برأي الكوفيين -وإن كان ليس بالأعلى هنا- أنسب وأيسر؛ بسبب الشواهد القوية الكثيرة التي تؤيدهم، وبسبب ما يراه أكثر المحققين، وهو: "أن جواب الشرط قد يكون غير مترتب على فعل الشرط" -كما أوضحناه من قبل٤.
ومتى اجتمع الشرطان الخاصان بالحذف صار الحذف غالبا، وقيل إنه واجب، والأول أنسب.
_________________
(١) ١ لهذا إشارة في الصفحة السابقة، وهامشها. ٢ هو الكرميت بن معروف من الشعراء المخضرمين -كما جاء في هامش كتاب: "معاني القرآن" للفراء، ص٦٦. ٣ على هذا التقدير يكون فعل الشرط مضارعا -عندهم؛ بدليل تفسيره بمضارع بعده. أما غيرهم فيجعل البيت من الشواذ -وقد سبق البيت لمناسبة أخرى ص٤٥١. ٤ في رقم ٦ من هامش ص٤٢١ على أن الخلاف بين الفريقين يكاد يكون لفظيا في تسمية المذكور؛ أهو جواب أم ساد مسده. كما قلنا في رقم ٣ من هامش الصفحة السالفة.
[ ٤ / ٤٥٥ ]
هذا حكم الجملة الجوابية من ناحية حذفها حذفا غالبا، أو واجبا. أما حذفها جوازا فأشهر صوره اثنتان:
الأولى: أن تقع جملة الشرط جوابا لسؤال؛ نحو: أترشد الغريب؟ فتجيب إن رأيته، والتقدير: إن رأيته أرشده.
الثانية: إن تشعر الجملة الشرطية نفسها -دون سواها- بالجواب المحذوف؛ كقوله تعالى يخاطب الرسول في شأن المعارضين: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾، والتقدير: فإن استطعت فاعل.
٥- امتناع تكرار مدلولها إذا كان مدلول الجملة الشرطية يقتضي التكرار. إلا إن اقتضى العرف التكرار، أو قامت قرينة تدل عليه. ففي مثل: إن أسافر أركب طائرة لا يكون المراد أن ركوبي الطائرة يتكرر بتكرار السفر، وإنما المراد أن سفري سيقتض ركوبي الطائرة مرة واحدة. فإذا تكرار السفر فقد يكون في الطائرة أو في غيرها ، بخلاف قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، فإن الجواب وهو: الأمر بغسل الوجوه والأيدي وغيرها مما يحتمه الوضوء يقتضي التكرار كل مرة، لدليل شرعي آخر؛ يوجب الوضوء قبل كل صلاة على من ليس متوضئا.
٦- جزم فعلها لفظا إن كان مضارعا، ومحلا إن كان ماضيا١؛ بشرط ألا تقترن به في الصورتين "الفاء" أو "إذا" الفجائية -وهما لمجرد الربط طبقا، لما سيأتي-٢ كقول الشاعر يصف الحساد:
إن يعلموا الخير يخفوه، وإن علموا شرا أذاعوا، وإن لم يعلموا كذبوا٣
فالمضارع: "يخفوا" مجزوم بحذف النون وواو الجماعة فاعل والماضي: "أذاع" مبني على الضم لمناسبة الواو في محل جزم. ومثله الماضي: "كذب" ولا محل
_________________
(١) ١ انظر رقم ٢ من "ج" ص٤٦٨ ولهذا إشارة سبقت في ص٤٢٢. ٢ في هذه الصفحة، والتي تليها. ٣ تقدم هذا البيت لمناسبة أخرى في ص٤٢٤.
[ ٤ / ٤٥٦ ]
للجملة الفعلية الماضوية فيما سبق؛ لأن الجازم قد عمل في محل الفعل الماضي؛ فلا يؤثر بعد هذا في محل الجملة١ المشتملة على هذا الفعل.
فإن كان الجواب مقترنا "بالفاء الرابطة، أو "إذا" الفجائية التي تحل محلها -أحيانا- فإن الجازم يؤثر في مجموع الجملة، لا في الفعل وحده، ولا في غيره من أجزائهاز فتأثيره مسلط عليها كلها مجتمعة متماسكة الأجزاء -ومن بين أجزائها: الفاء، وإذا الفجائية- فتصير الجملة كلها في محل جزم بأداة الشرط٢. ويظهر أثر هذا الإعراب المحلي في توابعها -كما سلف وكما سيجيء هنا. ولا يصح جزم الفعل.
٧- جواز اقترانه -لداع بلاغي- بكلمة: "إذا" الجوابية؛ لتفيده توكيدا وتقوية، بشرط أن تكون أداة الجزم، هي: "إن"؛ نحو: إن تنصر أهل البغي إذا يصبك بغيهم٣.
_________________
(١) ١ ولهذا لا يصح جزمها. ٢ قالوا: لأنه لو وقع في هذا الموقع فعل يقبل الجزم لجزم وعلى هذا لا يتسلط الجازم على جزء من أجزاء الجملة دون بقية أجزائها؛ كذا في المغني والكشاف. لكن قال الدماميني وأقره الشمني: "الحق أن جملة الجواب لا حل لها مطلقا، إذ كل جملة لا تقع موقع المفرد لا محل لها. ولا يقال إنها واقعة هنا موقع المفرد -وهو الفعل القابل للجزم- لأنها لم تقع موقعه وحده؛ بل موقعه منع فاعله الذي يتم به الكلام كما يتم بهذه الجملة " فعلى الرأي الأول: لو كان اسم الشرط مبتدأ لكانت جملة الجواب في نحو: "من يقم فإني أكرمه" في محل جزم ورفع باعتبارين؛ هما الشرطية والخبرية؛ بناء على أن الجواب هو الخبر أيضا، وعلى الثاني في محل رفع على الخبرية فقط؛ كحالها في نحو: من يقم أكرمه اتفاقا؛ لظهور أثر أداة الشرط في المضارع الثاني. "راجع الخضري أول الباب" ثم الصبان أيضا عند الكلام على ما يجزم فعلين: ولا يخلو هذان الرأيان من غموض واضطراب، ونوع معارضة للحكم الذي قرره وحققوه خاصا باجتماع المبتدأ والشرط -وقد سبق في رقم ٤ من هامش ص٤٣٨ وانظر رقم ١ من هامش ص٤٤٦ وهامش ص٤٧٥ فابتعاد عن هذا كله، وفرارا من اللبس يحسن الاقتصار على الرأي الثاني عند اقتران الجواب "بالفاء" أو "إذا"، والاستثناء عن الخبر لوجود الجواب الذي يدل عليه. ٣ سبق إيضاح هذا في ص٣١٥، ومنه يفهم جواز دخول "اللام" على جواب "لو، وإن" الشرطيتين -وفائدة هذه اللام موضحة تفصيلا في ص٩٨ -وهامشها- وقد ورد اقتران جواب "إن" باللام في كلام يحتج به؛ هو قول الشاعر ابن عنمة من شعراء الأصمعيات -كما سيجيء في ص٤٦٣ قال: فإن يجزع عليه بنو أبيه لقد خدعوا، وفاتهموا قليل كما اقترن جوابها باللام في خطبة لأبي بكر ﵁ وردت في الجزء الأول من كتاب =
[ ٤ / ٤٥٧ ]
٨- وجوب اقتران الجواب -في غير الضرورة-١ "بالفاء"، أو "إذا" الفجائية التي تخلفها في بعض المواضع الآيتة٢، إذا كان الجواب نوعا من الأنواع التي لا تصلح فعل شرط. وهذه "الفاء" زائدة للربط المحض الدال على
_________________
(١) = زهر الآداب، للحصري ص١٠ جاء فيها: "يا معشر الأنصار إن شئتم أن تقولوا إنا آويناكم في ظلالنا، وشاطرناكم في أموالنا، ونصرناكم بأنفسنا لقلتم " "إن" في المثالين بمعنى "لو" وقد جاء في كتاب: "شفاء الغليل" للخفاجي ص١٧٦ مادة "لو" ما نصه: "إدخال اللام في جواب "لو" ظاهر. وأما جواب "إن" فقيل إنه من خطأ المصنفين. وليس كذلك لأنها تخرج على أنها جواب "لو" مقدرة، والتقدير في قولهم: "وإلا لكان كذا " "فلو كان كذا لكان كذا" ترقيا من مرتبة الشك إلى الجزم". ا. هـ. ونرى أن هذا التعليل مرفوض؛ لعدم توضيحه طريقة "التقدير" ومكانه، والضابط الذي يحدده، ولأن الأخذ به وحده يفتح باب الفساد والفوضى في اللغة. وكان عليه أن يستدل بأمثلة مسموعة تؤيده؛ ولم نره ولا غيره عرض أمثلة من فصيح الكلام تؤيد ذلك الأسلوب إلا ما نلقناه -وفيه الكفاية. ورأيي أن ذلك الأسلوب صحيح مع قلته، ولكن الأفضل الاكتفاء بالأكثر -انظر ما يتصل بهذا في رقم ٩ ص٤٦٣. بقي شيء آخر؛ ما نوع اللام في قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ أهي اللام الداخلة على جواب قسم محذوف؛ كما يصرح بهذا بعض المفسرين مجاراة للشائع بين النحاة؟ إن صح هذا الرأي كان قائما على أساس من الحذف والتقدير، والتأويل، وكان مساويا في قوته اللغوية للرأي الآخر الذي يجيز دخول اللام في جواب "إن الشرطية" أحيانا، بل إن هذا الرأي أقوى؛ لابتعاده عن التأويل في القرآن من غير داع: لكن كثرة النحاة ترتضي أنها اللام الداخلة على جواب القسم، مستندين في هذا إلى حكم خاص من أحكام "إن الشرطية"، هو: أنها إذا وقع بعدها فعل الشرط مضارعا مجزوما بها كان من المستقبح مجيء لام اليمين في جوابها؛ فلا يستحسن أن يقال؛ إن تزرني لأكرمنك؛ لأن اللام تمنع "إن" من العمل مع أنه ظهر عملها في فعل الشرط. فإن كان فعل شرطها ماضيا ويدخل في هذا المضارع المسبوق بلم فإن عملها الجزم فيه لا يكون ظاهرا؛ فيجوز دخول لام اليمين في جوابها فيصح من غير قبح أن يقال: إن زرتني لأكرمنك. ومن الأمثلة لهذا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ . ومن الأمثلة لرفع الجواب بعد فعل الشرط الماضي قول شاعرهم: وإن أتاه خليل يوم مسغبة يقوم إلا غائب مالي ولا حرم وسيجيء هذا البيت للمناسبة في ص٤٧٤، ومن الأمثلة ترك لام اليمين بعد المضارع المجزوم بها فعلا للشرط قوله تعالى: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ -راجع كتاب سيبويه ج١ ص٤٣٦. ١ انظر البيان في "ب" من ص٤٦٥. ٢ هو النوع السابع الآتي في ص٤٦٢. وانظر معنى "إذا" في رقم ٢ من هامش ص٤٦٢.
[ ٤ / ٤٥٨ ]
التعليل؛ وليست للعطف ولا لغيره١، ولا تفيد معنى إلا عقد الصلة ومجرد الربط المعنوي بين جملة الجواب وجملة الشرط، كي لا تكون إحداهما مستقبلة بمعناها عن الأخرى بعد زوال الجزم الذي كان يربط بينهما. وتعرب "الفاء" و"إذا" الفجائية مع الجملة التي بعدهما في محل جزم جوابا للشرط، ولا يصح في الجملة الفعلية بعدهما أن يكون الفعل وحده هو الجواب، ولا أن يجزم -كما تقدم- وأشهر هذه الأنواع التي لا تصلح فعل شرط ما يأتي٢:
الأول: الجملة الطلبية. وتشمل الأمر، والنهي، والدعاء -ولو بصيغة الخبر- والاستفهام، وغيره من بقية أنواع الطلب التي سبقت٣. فمثال الأمر قولهم: إذا غضبت فاسكت لتأمن زلل اللسانز وقول الشاعر:
إن ملكت النفوس فابغ رضاها فلها ثورة، وفيها مضاء
ومثال النهي: من يستشرك فلا تكتم٤ عنه صادق المشورة، ومن يستنصحك فلا تحجب٤ عنه خالص النصح٥..
ومثال الدعاء: رب: إن أدعك لما يرضيك فاستجب، وإن أتجه لما يغضبك فلترشدني للسداد. رب، إن هفوت فلا تحرمني المغفرة، وإن ضللت فلا تتركني ضالا ونحو: إن يمت المجاهد فيرحمه الله، ٦.
_________________
(١) ١ راجع الهمع والصبان، فليست "فاء السببية الجوابية" التي ينصب بعدها المضارع "بأن" المضمرة وجوبا. وليست نوعا آخر غير الزائدة المحضة. ٢ سبعة، وستذكر أنواع أخرى في "ج" من الزيادة والتفصيل ص٤٦٧. ومنها المضارع المنفي بالحرف: "لا" أحيانا. ٣ في ص٣٦٥. ٤، ٤ المضارع مجزوم "بلا" الناهية، وليس جوابا مجزوما؛ لأن الجواب هو الجملة المضارعية كلها. أما المضارع المسبوق بلا النافية فيجيء حكمه في ص٤٦٧ -كما سبق. ٥ وقد اجتمع الأمر والنهي في قول بعض العرب: "إذا بلغت أن غنيا افتقر فصدق، وإذا بلغك أن فقيرا اغتنى فصدق، وإذا بلغك أن حيا مات فصدق. وإذا بلغك أن أحمق اكتسب عقلا ونطق حكمة فلا تصدق". ٦ المضارع هنا للدعاء، فهل يصح مجيء الماضي هنا للدعاء؟ الجواب في رقم ٢ ص٤٦٨. ومن الأمثلة قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .
[ ٤ / ٤٥٩ ]
ومثال الاستفهام قوله تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ ١، ومثل: من تسنح له الفرصة فهل يتركها تفر؟ ومن تلوح له الآمال أفيقعد عن السعي وراءها؟
ومن الواجب أن تتقدم الفاء على أداة الاستفهام إن كانت الأداة غير الهمزة: "مثل: هل، أين، متى " فإن كانت الأداة هي الهمزة وجب تقديمها على الفاء، وقد سبقت الأمثلة.
ومثال التمني: العافية أغلى ما في الحياة، إن وهبها الله لإنسان فليته يرعى حقها. ومثل: الربيع شباب الزمان وجماله، إن يقبل فليت الناس يغتنمون إقباله، ويسارعون إلى التمتع بمباهجة ومفاتنه
وهكذا بقية أنواع الطلب..
الثاني: الجملة الفعلية التي فعلها جامد؛ نحو: من يطلق لسانه بذم الناس فليس له واق من ألسنتهم. وقول الشاعر:
إذا المرء لم يخزن عليه لسانه فليس عن شيء سواه بخزان
الثالث: الجملة الفعلية المصدرة بالحرف: "قد"٢؛ نحو: من يحكم أمره فقد ضمن إصابة الهدف. ومن أساء الوسيلة فقد ضل السبيل إلى الغاية. وقول الشاعر:
فإن تكن الأيام أحسن مرة إلي فقد عادت لهن ذنوب
الرابع: الجملة الفعلية المصدرة بأحد حرفي التنفيس "وهما: السين، وسوف" نحو: من يحسن فسيجزى على الإحسان إحسانا. ومن يسيء فسيلقى على الإسارة شرا وخسرانا. ونحو:
إن يعدل الحاكم فسوف تستقيم له الأمور، وإن يظلم فسوف تنهار دعائم حكمه، وتدوم بعدها حسراته وآلامه.
الخامس: الجملة المصدرة بأحد أحرف النفي الثلاثة، وهي:
_________________
(١) ١ ﴿فَلا غَالِبَ لَكُمْ﴾ جاءت الفاء هنا لأن الجواب جملة اسمية وجاءت بعد ذلك في جواب الاستفهام. ٢ انظر السبب في رقم ٨ من ص٤٤٧.
[ ٤ / ٤٦٠ ]
"ما، لن، إن"١؛ نحو: من يقصر فيما ينتظر حسن الجزاء٢، ونحو قوله تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾، ونحو: من يستسلم للغضب فإن يلومن إلا نفسه على ما يصيبه. أي: فلا يلومن إلا نفسه١
فإن كانت أداة الشرط هي: "إذا" والنافي هو: "إن" جاز مجيء الفاء وعدم مجيئها. ومن الثاني قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ . أي: ما يتخذونك٣
السادس: الجملة المبدوءة بكلمة لها الصدارة؛ "مثل: رب، كأن٤، أداوت الشرط، أداة القسم عند كثير من النحاة" نحو:
إن كان عادكمو عيد فرب فتى بالشوق قد عاده من ذكركم حزن
ونحو قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾، وقولهم: من يأكل مال اليتيم فكأنه يأكل نارا. ومثل قوله تعالى يخاطب الرسول في أمر المعارضين: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾، ومثل: متى تعتمد أمة على أسباب القوة فوالله يخافها أعداؤها.
_________________
(١) ١ و١ انظر ما تصل بهذا رقم ١ من "ج" في الزيادة الآية والتفصيل "ص٤٦٧". فقد جعل بعض النحاة "لا" و"لم" النافيتين مثل "إن" النافية. ولكنه جعل اقتران الفاء بهما جائزا، لا واجبا. أما مع "إن" فواجب. "انظر ص٤٦٧". وإذا كانت "لا" نافية للجنس أو الواحدة وجب اقترانها بالفاء لأنها من الحروف الناسخة التي لها الصدارة؛ إذ لا تدخل إلا على جملة اسمية. ومن الأمثلة قوله تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ . ٢ قول الشاعر: فإن كنت قد فارقت نجدا وأهله فما عهد نجد عندنا بذميم ٣ فإن كان حرف النفي هو "ما" وجب اقترانه بالفاء -كما سبق- كقول الشاعر: إذا كانت النعمى تكدر بالأذى فما هي إلا محنة وعذاب ٤ أو إحدى أخواتها من الحروف الناسخة، ما عدا "أن" مفتوحة الهمزة التي معناها: "التوكيد" فليس لها الصدارة.
[ ٤ / ٤٦١ ]
السابع: الجملة الاسمية كقول الشاعر:
إن يحسدوك على فضل خصصت به فكل منفرد بالفضل محسود
وقول الآخر:
ومن كان منحل العزائم تابعا هواه فإن الرشد منه بعيد
١
وقد تغني "إذا" الفجائية٢ عن الفاء في الدخول على الجملة الاسمية بشرطين؛ أحدهما: متفق عليه، وهو أن تكون الجملة اسمية غير دالة على طلب، ولا مسبوقة بنفين ولا بناسخ؛ ومن الأمثلة:
"إن يحسدوك إذا كل منفرد بالفضل محسود " بخلاف: إن يطع الولد أبويه فويح له٣، وإن يعصهما فويل له٣. أو: إن يعصهما فما له حظ من التوفيق، أو: إن يعصهما فإن خسرانه مبين. فالفاء واجبة في هذه الأمثلة وأشباهها. ولا يصح: "إذا".
والآخر: غير متفق عليه، وهو أن تكون أداة الشرط "عن" دون غيرها من أخواتها الشرطية. فكثرة النحاة تشترطها. نحو: إن تخلص إذا الإخلاص
_________________
(١) ١ إذا كانت الجملة الاسمية الجوابية مصدرة بحرف ناسخ: "مثل: إن، ما، لا" وجب دخول الفاء على الحرف الناسخ وحده؛ كما في هذا البيت" وكما في قول الشاعر: إذا لم تكن نفس ابن آدم حرة تحن إلى العليا فلا خير في النفس ومن الجملة الاسمية كذلك الجزء الأخير من الآية الكريمة: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ أي: فالإساءة لها. وقد اجتمعت الجملتان؛ الاسمية، والمصدرة بما النافية في قول الشاعر: فإن أرحل فمعروف جهادي وإن أقعد فما بي من خمول ٢ معناها الدلالة على المفاجأة في الحال، ولا بد أن يسبقها كلام. وبالرغم من أنها للمفاجأة في الحال -لا تخلوه هنا- بعد أداة الشرط من دلالة تعقيب لجواب الشرط بعد فعل الشرط. والأحسن اعتبارها في كل الأساليب حرفا "وقد سبق الكلام عليها في ج١ ص٤٩٢ م٥٢ وفي الجزء الثاني باب الظرف" وهل يصح أن تجتمع هي والفاء معا؟ الجواب في ص٤٦٥. ٣، ٣ الدعاء نوع من الطلب -كما عرفنا في ص٣٦٥ ثم ٣٦٨ حيث البيان.
[ ٤ / ٤٦٢ ]
ينفعك. وقلة النحاة لا تشترطها بعينها، وإنما تعجل مثلها "إذا" الشرطية؛ مستدلين بقوله تعالى في المطر: ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ ١ والأحسن الأخذ برأي القلة؛ إذ تؤيدها الشواهد، ولا سيما بعض الآيات القرآنية، ولا داعي للتأويل.
هذا وقد اجتمع في البيت الآتي أكثر الأمور السابقة التي لا يصح فيها الجواب أن يكون شرطا، ويجب في كل منها اقتران الجواب بالفاء، أو بما قد يخلفها -والبيت هو:
اسمية، طلبية، وبجامد وبما، وقد، وبلن، وبالتنفيس
٢
٩- ورد في المسموع القليل اقتران جواب "إن الشرطية" باللام، على اعتبار "إن الشرطية" بمنزلة "لو"٣ ومنه قول الشاعر٤:
فإن يجزع عليه بنو أبيه لقد خدعوا. وفاتهمو قليل
وقول أبي بكر ﵁ في خطبة له٥: "يا معشر الأنصار إن شئتم أن
_________________
(١) ١ وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ . ٢ لم يشمل البيت حالات النوع السادس التي سلفت في ص٤٦١، ولا حالات تأتي في "ج" ص٤٦٧، وفي اقتران الجواب بالفاء أو بإذا الفجائية التي تخلفها في بعض الحالات يقول ابن مالك: "وسنذكر البيتين في ص٤٧٦ لمناسبة أخرى هناك". واقرن "بفا" حتما جوابا لو جعل شرطا "لإن" أو غيرها لم ينجعل وتخلف "الفاء" "إذا" المفاجأة كإن تجد إذا لنا مكافأة "بفا، أي: بفاء -بالفاء" يريد: اقرن بالفاء حتما كل جواب لو جعلته فعل شرط للأداة "إن" أو لغيرها من أخواتها- لم ينجعل. أي: لم يصلح فعلا للشرط؛ لعدم انطباق الشروط عليه، ثم قال: إن هذه "الفاء" قد تختفي ويحل محلها "إذا" وساق لها مثلا، ولم يتعرض للتفصيلات والشروط المختلفة. ٣ راجع البيان الخاص بهذا في رقم ٣ من هامش ص٤٥٧. ولا سيما ما يتصل بنوع اللام. ٤ هو عبد الله بن عتمة، من الشعراء الذي يحتج بكلامهم -وله إشارة في هامش ص٤٥٧- والبيت منقول من الأصمعية الثامنة. ٥ الخطبة كاملة في الجزء الأول من كتاب "زهر الآداب" للحصري، ص١٠.
[ ٤ / ٤٦٣ ]
تقولوا إنا آويناكم في ظلالنا، وشاطرناكم في أموالنا، ونصرناكم بأنفسنا لقلتم"١. وتفصيل الكلام على هذين المثالين وحكم نظائرهما من كلام المحديثين موضح فيما سبق.
وقد يقترن جواب "إن" و"لو" الشرطيتين بكلمة: "إذا، الجوابية" طبقا للبيان الذي سلف٢.
إلى هنا انتهت الأحكام الخاصة بالجملة الجوابية، وستجيء٣ أحكام عامة تتصل بها وبالجملة الشرطية.
_________________
(١) ١ سبق تفصيل هذا الحكم لمناسبة أخرى في رقم ٣ من هامش ص٤٥٧. ٢ في ص٣١٥ وفي رقم ٧ من ص٤٥٧. ٣ في ص٤٧١.
[ ٤ / ٤٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- أيجوز الجمع بين "الفاء وإذا" السالفتين؟ صرح أكثر النحاة بأنه لا يجوز، وتألوا قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فقالوا إن "إذا" لمجرد التأكيد هنا، وليست للربط، والممنوع أن تكون للربط عوضا عن الفاء، إذ لا يصح الجمع بين العوض والمعوض عنه. وهذا تأويل بادي الضعف عندي؛ لأن المهم الذي يراد معرفته هو الجمع بين هذين الحرفين أحيانا؛ أصحيح هو -على قلته- سائغ الاستعمالن أم غير صحيح وغير سائغ؟ والقرآن قد جمع بينهما؛ فلم يبق مجال لمنع الجمع، وإن كان قليلا نسبيا. أما التعليل بالتأكيد أو بالربط فأمر لا أهمية له بعد الحكم بصحة الاستعمال؛ محاكاة للقرآن الكريم؛ إذ لا شك أن محاكاته جائزة بالصورة والمعنى الواردين به؛ وإن كان أحد الاستعمالين أكثر فيه من الآخر، بل هي اختيار موفق لأسمى الأساليب التي تحاكي.
على أنه قد جاء في تفسير النسفي النص الصريح على أن "الفاء" قد اجتمعت هنا مع "إذا لتأكيد الربط.
ب- هل يصح -أحيانا- الاستغناء عن هذه الفاء الرابطة، وعما يخلفها بعد حذفها؛ هو: "إذا، الفجائية"؟
أجابوا: لا يصح الاستغناء إلا في الضرورة الشعرية؛ كقول القائل:
من يفعل الحسنات الله يشكرها١ والشر بالشر عند الناس مثلا
وقول الآخر:
ومن لم يزل ينقاد للغي والصبا سيلفى على طول السلامة نادما
_________________
(١) ١ ولا يصح في هذا البيت اعتبار "من" موصولة مبتدأ، والجملة الاسمية خبرها؛ لم يترتب على هذا من خلو الجملة الخبرية من رباط يربطها بالمبتدأ.
[ ٤ / ٤٦٥ ]
١
_________________
(١) ومن النادر الذي لا يقاس عليه عندهم قوله ﵇ في حديث اللقطة٢، " فإن جاء صاحبها، وإلا استمتع بها " ويؤولون قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ على تقدير "قسم" قبل الشرط؛ فيكون الجواب للسابق وهو القسم المقدر٣؛ والأصل عندهم: ولئن أطعتموهم إنكم لمشركون. فجملة؛ "إنكم لمشركون"، جواب للقسم لا للشرط، ولم تذكر لام القسم مع أن القسم نفسه محذوف- " والأصل والله إن أطعتموهم " لأن ذكر اللام بعد حذفه ليس واجبا، وإنما هو أقوى وأكثر. وبهذا التأويل يقولون في آيات أخرى تشبه الآية السالفة في رأيهم، مع أنها تخالفها يفي شيء هام، ومن هذه الآيات قوله تعالى في المشركين: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، ووجه المخالفة هو أن المضارع مؤكد هنا بالنون؛ فالقسم محتم ليسوغ التأكيد بها٤. وقال آخرون: إن الفاء ليست محذوفة في الآيات السالفة -وما يشبهها- وإنما هي مقدرة ملحوظة؛ فكأنما مذكورة. ولكن كثرة النحاة لا ترتضى هذا الرأي٥، مع ١ وكقول زهير في معلقته: فلا تكتمن الله ما في نفوسكم ليخفى ومهما يكتم الله يعلم ٢ سبق معناها في رقم ٧ من هامش ص٤٤٨ لمناسبة أخرى. ٣ أما جواب الشرط فمحذوف يدل عليه جواب القسم "ولهذا صلة بما يجيء في رقم ٢ من هامش ص٤٨٦". ٤ انظر ما يتصل بهذا الحكم اتصالا وثيقا في رقم ٣ من هامش ص٤٥٧. ٥ جريا وراء الرأي الذي اختاره الرضي وآخرون. فقد جاء في شرحه للكافية -ج٢ ص٣٩٤- ما نصه: "قال بعضهم: إن قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ جواب الشرط، والفاء مقدرة. ولم يقدر قسما. وهو ضعيف؛ لأن ذلك إنما يكون لضرورة الشعر، كقوله: من يفعل الحسنات الله يشكرها والشر بالشر عند الناس مثلا" ا. هـ. ومثله أبو حيان في كتابه البحر "ج٤ ص٢١٣" حيث يقول: "زعم الحوفي أن قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ على حذف الفاء، أي: فإنكم، وهذا الحذف من الضرائر -أي: الضرورات- فلا يكون في القرآن وإنما الجواب محذوف. و﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ جواب قسم حذوف، والتقدير: والله إن أطعتموهم ". ا. هـ. والخلاف بين الرأيين شكلي -كما سيجيء.
[ ٤ / ٤٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أن الخلاف شكلي محض. إذ مؤداه في الرأيين التأويل بالحذف، وإن اختلفا في نوع المحذوف. والتمحل ظاهر في تأويل الآية الأولى، وفي الحكم على الحديث بالندرة، لوجود شواهد أخرى فصيحة نثرية -لا تخضع للضرورة- وغير نثرية. فالأفضل أن يقال: إن الأعم الأغلب هو عدم حذف "الفاء" و"إذا" التي قد تنوب عنها، وأنه يصح -مع القلة النسبية، لا الذاتية- الاستغناء عنهما منفردين ومجتمعين، إن كانت أداة الشرط هي: "إن"١
ويقول أبو حيان وفريق من النحاة إن "إذا" الشرطية قد تنفرد بخلو جوابها منهما إذا كان الجواب منفيا بإن، أو: ما، أو: لا. وجعل منه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ -كما سبقت الإشارة لهذا٢.
ج- هل يصح أن يقترن الجواب بالفاء في غير تلك المواضع التي لا يصلح فيها أن يكون فعل شرط؟
أجابوا:
١- إن كان فعل الجواب مضارعا يصلح فعلا للشرط جاز: إما تجرده من "الفاء" مع وجوب جزمه، وإما اقترانه "بالفاء"٣؛ بشرط أن يكون مثبتا أو منفيا ب"لا"، قيل: أو "لم" أيضا، "ففي "لم" خلاف"، ومتى اقترنت "الفاء" به وجب رفعه على اعتباره خبر مبتدأ محذوف، والجملة الاسمية جواب الشرط. ولا يصح أن يكون المضارع المرفوع وحده هو الجواب: إذ لو كان الواب لوجب جزمه، والحكم بزيادة الفاء زيادة مطلقة، يراعى فيها تقدير سقوطها. لكن العرب التزمت رفعه معها؛ فدل هذا على أصالة الفاء، وأنها داخلة على مبتدأ مقدر، وليست زائدة للربط. ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾، أي: فهو لا يخاف..
_________________
(١) ١ لأن أكثر الأمثلة المسموعة الخالية منها كانت أداة الشرط فيه هي: "إن". ٢ في النوع الخامس -ص٤٦٠. ٣ انظر ما يتصل بهذا في رقم ١ من هامش ص٤٦١.
[ ٤ / ٤٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإن لم يوجد في الكلام ما يعود عليه المبتدأ الضمير كان الضمير للشأن أو للقصة، كقراءة من قرأ قوله تعالى في حكمة شهادة المرأتين: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ بكسر همزة: "إن" ورفع المضارع: "تذكر". والتقدير: فهي -أي: القصة- تذكر، ونحو: إن قام المسافر فيتبعه صديقه. أي: فهو -الحال والشأن- يتبعه صديقه "وفي هذه القراءة نوع تكلف لا داعي له".
ومن أمثلة عدم اقترانه "بالفاء" مع نفيه بالحرف "لا" ووجوب جزمه باعتبار هذا المضارع وحده جوابا للشرط مباشرة - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ فالمضارع: "تحصوا" هو جواب الشرط مجزوم بحذف النون.
٢- إن كان فعل الجواب ماضيا متصرفا، مجردا من "قد" و"ما" وغيرهما مما يتصل به ويوجب اقترانه بالفاء -طبقا لما تقدم- فله ثلاثة أضرب: فإن كان ماضيا لفظا ومعنى فالواجب اقترانه بالفاء على تقدير: "قد" قبله إن لم تكن ظاهرة؛ لتقربه من الحال القريب من الاستقبال؛ كقوله تعالى في سورة يوسف: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ﴾ ١ أي فقد صدقت.
وإن كان ماضيا في لفظه مستقبلا في معناه، غير مقصود به وعد أو وعيد -امتنع اقترانه بالفاء: نحو إن قام المسافر قام زميله.
وإن قصد بالماضي الذي معناه المستقبل، وعد أو وعيد، جاز اقترانه بالفاء على تقدير: "قد"؛ إجراء له مجرى الماضي لفظا ومعنى للمبالغة في تحقق وقوعه، وأنه بمنزلة ما وقع. ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ وجاز عدم اقترانه مراعاة للواقع وأنه مستقبل في حقيقته وليس ماضيا. ويندرج تحت الوعد والوعيد ما كان غير صريح في أحدهما ولكنه ملحوظ في الكلام، مراد
_________________
(١) ١ المضي حقيقي هنا. وقد يقال إنه مؤول بمثل التأويل الذي جرى على آية أخرى سبقت "في رقم ٣ من ص٤٤٤" وهي قوله تعلى: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ . إذ المراد فيهما: إن يثبت في المستقبل أني قلته فقد علمته، وإن يثبت في المستقبل أن قيمصه قُد. ومثل هذا التأويل حسن إن استقام عليه المعنى؛ فيجدر الاقتصار عليه في هذه الصورة المعينة ومنع إباحته إن لم يستقم عليه المعنى، وبهذا التقييد تمتنع الصور الأخرى الخالية من "قد" لفظا، والتي قد يقع في الوهم الخاطئ والاعتبار الفاسد واشتمالها على "قد" تقديرا مع أنها مفقودة.
[ ٤ / ٤٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
منه؛ فيدخل الدعاء بنوعيه "الخير والشر" فمن الدعاء بالخير قول الشاعر:
وإذا ارتحلت فشيعتك سلامة حيث اتجهت، وديمة مدرار
ومن الدعاء بالشر قول جميل يخاطب غرب البين، داعيا عليه:
فإن كان حقا ما تقول فأصبحت همومك شتى، والجناح كسير
ودرت بأعداء حبيبك فيهمو كما قد تراني بالحبيب أدور
ويدخل التخويف وبيان العواقب؛ كالذي في قول النابغة الجعدي:
الحمد لله لا شريك له من لم يقلها فنفسه ظلما
أي: فظلم نفسه.
د- قد ينزل بعض الظروف منزلة الشرط فيكون مضافا لجملة بعده مباشرة، ومنصوبا لعامل في الكلام المتأخر عنها، المترتب عليها؛ كأنه جواب لها، معلق عليها؛ كتعليق الجملة الجوابية على الشرطية، ومن الأمثلة لذلك قوله تعالى في موقف الكفار من القرآن الكريم: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾، وقد سبق١ تفصيل هذه المسألة، وبيان صورها المختلفة.
هـ- بمناسبة الكلام على جواب الشرط وجزمه نذكر ما يجيزه الكوفيون من جواز جزم المضارع الواقع -مباشرة- في جملة بعد جملة الصلة٢، أو في جملة بعد الجملة الواقعة صفة لنكرة٣، بشرط أن تكون الجملة المشتملة على المضارع المراد جزمه بمنزلة الجواب والجزاء لجملة الصلة، أو الصفة. ففي مثل: الذي يكرمني أكرمه -وكل رجل يقول الحق أحترمه- يجيزون جزم المضارعين: "أكرم"؛
_________________
(١) ١ في الجزء الثاني، باب الظرف، م٧٩ "و" من ص٢٥٧ وفي رقم ٤ من هامش ص٢٦٨ ثم في باب الاستثناء "ج٢ م٨٣ هامش ص٣٣١ عند شرح بيت ابن مالك: "وحيث جرا فهما حرفان " وفي باب حروف الجر، م٨٩ رقم ٢ من هامش ص٤٠٩". ٢ لهذه بيان في ج١ م٢٧ ص٣٨٣ باب الموصول "الكلام على صلة الموصول والرابط" وهناك قصة طريفة تؤيد هذا الحكم. ٣ لهذه بيان في ج٣ م١١٤ ص٤٦٣ "ز" باب النعت "بالجملة وشبه الجملة".
[ ٤ / ٤٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) و"أحترم" لأن جملة كل منهما -على اعتبار الجملتين بمنزلة جوابين للصلة والصفة- شبيهة بجملة الجواب للأداة الشرطية؛ كلتاهما مترتبة على الجملة التي قبلها. فلا مانع عندهم من جزم المضارع هنا كجزمه هناك. وهذا قياس مرفوض؛ فالحجة القوية هي: "السماع عن العرب". وما عرضه الكوفيون من أمثلة قليلة. غير صالح لتأييد دعواهم، فيحسن الاقتصار على المسموع القليل، دون القياس عليه، وإنما سجلنا رأيهم هنا لنعرف به ذلك الوارد المسموع دون الموافقة على محاكاته.
[ ٤ / ٤٧٠ ]
أحكام عامة تختص بجملتي الشرط والجواب معا:
١- ما يختص بهما من ناحية نوعهما، وكيفية إعراب فعلهما:
جملة الشرط لا بد أن تكون فعلية، وفعلها وحده هو فعل الشرط -كما عرفنا؛ سواء أكانت ماضوية أم مضارعية. فلها من هذه الناحية صورتان، أما جملة الجواب فقد تكون فعلية -ماضوية١ أو مضارعية- وقد تكون اسمية بشرط اقترانها بالفاء، أو ما يخلفها، طبقات لما سبق٢.
والصور السالفة كلها صحيحة، قياسية. ولكنها -مع صحتها- مختلفة الدرجة في قوة الفصاحة والسمو البلاغيح فبعضها أقوى وأسمى من الآخر؛ تبعا لنصيبه من كثرة الاستعمال الوارد في الأساليب العالية المأثورة. وقد يختلف هذا الوارد في ضبط المضارع وإعرابه.
هذا، ويلاحظ: أن الماضي في الجملتين قد يكون ماضيا لفظا ومعنى؛ بحسب أصله قبل مجيء أداة الشرط الجازمة، فإذا جاءت جعلته ماضيا لفظا، لا معنى، لأنها تجعل زمنه مستقبلا١؛ فيظل ماضيا بلفظه وصورته، دون زمنه الذي تغير فصار بسببها مستقبلا.
كما يلاحظ أن المضارع في الجملتين قد يكون مضارعا لفظا ومعنى بحسب أصله، فإذا دخلت عليه: "لم" الجازمة تركته مضارعا لفظا لا معنى؛ لأنها تجعل زمنه ماضيا؛ فيظل مضارعا بلفظه وصورته، دون زمنه الذي تغير وصار زمنا ماضيا. وإذا سبقتهما معا أداة شرط جازمة خلصت زمنه للمستقبل المحض، بالرغم من وجود: "لم" ذلك أن أداة الشرط الجازمة لا بد أن تخلص زمن الفعل في الجملة الشرطية، وفي الجملة الجوابية للمستقبل٣ الحض؛ سواء أكان هذا الفعل مضارعا أصيلا، أم كان ماضيا أصيلا "أي: ماضيا لفظا ومعنى" أم ماضيا معنى فقط دون لفظ كالمضارع المسبوق بالحرف "لم" فإن صورته صورة المضارع، ولكن
_________________
(١) ١ و١ مع مراعاة ما سبق في رقم ٢ من ص٤٦٦. ٢ في ص٤٥٨. ٣ راجع ما سبق متصلا بها في آخر رقم ٣ من هامش ص٤١٤.
[ ٤ / ٤٧١ ]
زمنه ماض، بسبب "لم" فهذه الأفعال تتجرد للزمن المستقبل وحده؛ بسبب أداة الشرط الجازمة وفيما يلي ترتيب درجاتها.
الأولى: أن يكون الفعلان مضارعين أصيلين مجزومين، لفظا١ بأداة الشرط لأن أحدهما فعل الشرط، والثاني هو فعل الجواب المباشر٢؛ كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾ ٣ وقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ .
الثانية: أن يكون الفعلان ماضيين لفظا؛ فيبنيان لفظا ويجزما محلا - أي: أن كلا منهما مبني في لفظه؛ "كالشأن في الأفعال الماضية كلها" ولكنه في محل جزم؛ لأنه فعل الشرط، أو فعل الجواب، والأصل في فعلي الشرط والجواب أن يكونا مضارعين مجزومين لفظا؛ فكذلك يجزم ما يحل محلهما. ولما كان الماضي لا يجزم لفظا وجب جزمه محلا٤. ومن الأمثلة: من أسرف في الأمل، قصر في العمل، وقول الشاعر:
ومن دعا الناس إلى ذمه ذموه بالحق وبالباطل
وقول الآخر:
إن اللئام إذا أذللتهم صلحوا على الهوان، وإن أكرمتهم فسدوا
_________________
(١) ١ هذان إن لم تتصل بالمضارع إحدى النونين، فإن اتصلت به إحداهما كان مبنيا في محل جزم؛ -كما في ص٢٧٩. ٢ أي: الذي يعتبر وحده فعل الجواب مجزوما، وهو مع فاعله جملة فعلية هي جملة الجواب؛ وليست في محل جزم. بخلاف بعض الحالات الأخرى، كالتي يكون فيها المضارع مع فاعله خبرا لمبتدأ محذوف، والجملة من المبتدأ المحذوف وخبره هي الجملة الجوابية، في محل جزم -كما سيجيء في هامش ص٤٤٣- ففي هذه الصورة وأمثالها لا يكون هو فعل الجملة الجوابية إذ الجملة المضارعية هنا خبر لمحذوف، وليست هي الجواب، وليس المضارع فيها مجزوما. ٣ أو الآية: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾ . ٤ لهذا الجزم المحلي آثاره في التوابع؛ كالعطف والبدل وغيرهما. فإذا عطف عليه مضارع متحد معه في الزمن وجب جزم المضارع المعطوف. وإن أبدل منه مضارع جزم أيضا، وهكذا. وإن عطف عليه ماض كان مبنيا في اللفظ، مجزوم المحل.
[ ٤ / ٤٧٢ ]
ويدخل١ في هذه الدرجة: الماضي معنى دون لفظ -وهو المضارع المسبوق بالحرف "لم"؛ نحو: إن لم تتأهب للأعداء لم تتغلب عليهم -من لم يهيئ للغاية وسائلها عوقب بالخيبة في إدراكها- من قصر في الوسيلة لم يفز بتحقيق الأمل وقد سبق٢ الكلام على إعراب المضارع المسبوق "بلم".
الثالثة: أن يكون فعل الشرط ماضيا -ولو معنى- وفعل الجواب مضارعا أصيلا كقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ . فالماضي مبني في محل جزم، والمضارع المجرد مجزوم مباشرة. ومثل؛ من لم يغتنم الفرصة يعاقب بالحرمان، ويجوز رفع المضارع، وهذا حسنن ولكن الجزم أحسن٣
الرابعة: أن يكون فعل الشرط مضارعا أصيلا مجزوما، وفعل الجواب ماضيا -ولو معنى- وهذه الصورة أضعف الصور؛ حتى خصها بعض النحاة بالضرورة الشعرية، ولكن الصحيح أنها ليست مقصورة على الشعر، وإنما تجوز في النثر مع قلتها. ومن أمثلتها نثرا قول النبي ﷺ: "من يقم ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له". وقول عائشة عن أبيها وهي تحدث الرسول ﷺ: "إن أبا بكر رجل أسيف٤؛ متى يقم مقامك٥ رق". ومن أمثلتها شعرا قول القائل يمدح ناصره:
من يكدني٦ بسيئ كنت منه كالشجا بين حلقه والوريد
وقول الآخر في أعدائه:
إن يسمعوا سبة طاروا بها فرحا مني، وما يسمعوا من صالح دفنوا ٧
_________________
(١) ١ ومثل قول الشاعر: ومن عاتب الجهال أتعب نفسه ومن لام من لا يعرف اللوم أفسدا ٢ في رقم ٣ من هامش ص٤١٤. ٣ وسيجيء هذا الحكم في الصفحة التالية وفيها أمثلة للرفع المطلوب هنا. ٤ كثير الأسف والحزن والبكاء؛ خوفا من الله. ٥ تريد: متى يقم مقامك في الصلاة إماما بالناس وقت تخلفك عن الإمامة. ٦ كاد، يكيد، كيدا خدع ومكر. ٧ وفي نوعي الفعلين يقول ابن مالك في بيت أشرنا إليه في هامش ص٤٢٤ لمناسبة هنا: وماضيين أو مضارعين تلفيهما، أو متخالفين
[ ٤ / ٤٧٣ ]
٢- ما يختص بهما من ناحية رفع المضارع في الجواب وجزمه:
الأصل أن يكون المضارع في الجواب مجزوما. لكن يصح جزمه ورفعه إن كان فعل الشرط ماضيا لفظا ومعنى، أو معنى فقط؛ كالمضارع المجزوم بلم، فكلا الضبطين حسن، ولكن الجزم أحسن -كما أشرنا-١ وقد سبقت أمثلة الجزم. ومن أمثلة الرفع قول الشاعر يمدح:
وإن أتاه خليل يوم مسغبة يقول: لا غائب مالي، ولا حرم٢
وقول المتغزل:
إن رأتني تميل عني كأن لم يك بيني وبينها أشياء
وقولهم: من لم يتعود الصبر تودي٣ به العوادي.
فإن كان فعلا الشرط والجزاء مضارعين لفظا ومعنى وجب جزمهما إلا على رأي ضعيف يجيز رفع المضارع الوقاع جوابا في النثر وفي الظلم؛ مستدلا بقراءة من قرأ قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ برفع المضارع "يدرك"، ويقول الشاعر:
يا أقرع بن حابس يا أقرع إنك إن يصرع أخوك تصرع
وقول الآخر يخاطب جمله:
فقلت: تحمل فوق طوقك إنها مطبعة، من يأتها لا يضيرها٤
والأفضل إهمال هذا الرأي قدر الاستطاعة، منعا للخلط واللبس، ولأن ذلك الاستدلال واه؛ فرواية القراءة المذكورة موضع شك، وبقية الأمثلة قليلة، فوق أنها مقصورة على الشعر؛ ولذا قال بعض النحاة: إنه لا يصح الرفع مطلقا إلا في الضرورة الشعرية.
_________________
(١) ١ في الصفحة السالفة. ٢ لا حرم "لا ممنوع" أي يقول: مالي غير ممنوع. وقد سبق هذا البيت للمناسبة عينها في هامش ص٤٥٨. ٣ أي: تذهب به وتهلكه. ٤ يقال إن الشاعر: أراد أن يضع فوق جمله قربة أو غرارة كبيرة مملوءة طعاما، وأن يشجعه على احتمال عبثها الثقيل، فقال له هذاك "إنها مطبعة أي: إن القربة أو الغرار مملوءة، من يأخذ منها شيئا فإنه لا ينقصها".
[ ٤ / ٤٧٤ ]
لكن كيف نعرب المضارع المرفوع في جملة الجواب كالحالتين السالفتين؟
أ- الخبر: أن نواجه الحقيقة والأمر الواقع؛ فنقول عند وقوعه مرفوعا في الشعر وليس له معمول متقدم على الأداة: إنه جواب الشرط، مرفوع للضرورة أو على لغة ضعيفة. وعند وقوعه في النثر: إنه مرفوع، محاكاة لتلك اللغة الضعيفة، ولا داعي للتأويل المرهق، والتقدير، وافتراض الحذف، أو التقديم، أو التأخير ، رغبة في الوصول إلى وسيلة تخرجه من نطاق جواب الشرط المرفوع بضعف، إلى نطاق شيء آخر يبيح بغير ضعف؛ وبغير أن يكون جواب شرط. وفي هذا ما فيه من التكلف الذي لا يطابق الواقع. فوق ما يوجه إليه من اعتراضات أخرى١.
_________________
(١) ١ من أمثلة التكلف والإرهاق ما يقوله سيبويه وبعض أئمة النحاة: أ- يقول سيبويه: إن المضارع المرفوع بعد فعل الشرط الماضي -مثل: إن رأتني تميل عني ، ليس هو جواب الشرط، وإنما هو دليل على الجواب، وتسميته بالجواب: تساهل، أو مجاز لدلالته على الجواب. والجواب الحقيقي محذوف، وهذا المضارع المرفوع قد تأخر مع فاعله عن موضعهما الأصلي الذي يسبق أداة الشرط. والأصل عنده: تميل عني إن رأتني تمل. فالجواب محذوف دل عليه جهلة: "تميل عني". وهذه الجملة المتقدمة على أداة الشرط قد تركت موضعها وجاءت متأخرة عن الجملة الشرطية؛ ففي الكلام أمران؛ حذف الجواب، وتأخير ما يدل عليه. وعلى هذا لا يجوز جزم ما عطف على هذا المضارع، ويجوز أن يفسر ناصبا للاسم الذي قد يكون قبل الأداة؛ مثل: محمدا إن جاء أرمه وأرعاه. وقال الكوفيون والمبرد: إن المضارع وما يتصل به هو الجواب، ولكن على تقدير "الفاء" التي تدخل على الجواب أحيانا؛ فتقوم في إفادة الربط بين جملتي الشرط والجواب مقام جزم الفعل، ولا يجزم معها الفعل؛ استغناء بها في الربط عن الجزم -كما سبق في ص٤٥٨- ويعرب هذا المضارع المرفوع مع فاعله خبرا لمبتدأ محذوف، والجملة من المبتدأ المحذوف وخبره هي جواب الشرط في محل جزم. ويجب عندهم رفع المضارع في هذه الصورة؛ لأن المضارع الواقع في حيز "فاء" الربط على الصورة السالفة واجب الرفع بالرغم من أن الفاء هنا مقدرة سواء أكان فعل الشرط ماضيا، نحو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ أم مضارعا كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾ . ففي الكلام عندهم حذف الفاء وتقدير وجودها، وحذف المبتدأ، وتكوين جملة منه ومن خبره تعرب جواب الشرط، وجملة الجواب في محل جزم، فيجوز العطف عليها بالجزم، ولا يصح أن يكون لها معمول مقدم ولا أن تفسر عاملا. وهذا الرأي -برغم ما فيه- أقرب من رأي سيبويه إلى القبول. وهناك رأي ثالث قد يكون أقربها إلى السداد -برغم ما فيه أيضا- وملخصه: أن المضارع مرفوع لا لسبب مما ذكر، ولكن لأن أداة الشرط لم يظهر لها تأثير في لفظه؛ لأنها عجزت عن التأثير في لفظ فعل الشرط الماضي فضعفت عن الوصول إلى المضارع لتؤثر في لفظه أيضا!! وهذا التعليل واضح الفساد. فما السبب في عجزها هنا وعدم عجزها حين تجزم المضارع مع فعل الشرط الماضي، مع أن فعل الشرط ماض =
[ ٤ / ٤٧٥ ]
ب- فإن كان له معمول متقدم على الأداة فأكثر النحاة يميل إلى رفع المضارع، وفي هذه بالصورة يكون المضارع دليل الجواب وليس جواب حقيقيا؛ نحو طعامنا إن تزرنا تأكل، فطعام -بالنصب- مفعول مقدم للمضارع: "تأكل" الذي يعتبر دليل الجواب المحذوف، ولا يصح أن يكون جوابا حقيقيا، لأن الجواب الحقيقي لا يتقدم هو ولا شيء من معمولاته على الجملة الشرطة، ولا على الأداة كما سلف١.
أما لو جعلنا كلمة "طعام" مرفوعة على اعتبارها مبتدأ فالأحسن الأخذ بالرأي الأقوى الذي استخلصناه من عدة آراء، وشرحناه ٢..
_________________
(١) = في الحالتين؟ ومن ثم يظهر فساد التعليل؛ -برغم ما سجله من أن الأداة عجزت عن التأثير في لفظ المضارع. وهذا نوافقه عليه- وهو فوق ذلك مقصور على إحدى الحالتين. فلا يشتمل على الآتية: ب- ويقول سيبويه: فإن كان المضارع مرفوعا بعد فعل الشرط المضارع فإن تقدم على أداة الشرط عامل يطلب المضارع المتأخر المرفوع فالأفضل اعتبار هذا المضارع المتأخر منقولا من مكان سابق على أداة الشرط، وأنه ترك مكانه الأصلي وتأخر عنه إلى المكان الذي حل فيه بعد الجملة الشرطية، فهو دليل الجواب، وليس جوابا حقيقيا إلا من باب التساهل أو المجاز. ويجب عنده اعتبار هذا المضارع الذي تأخر من تقديم معمولا هو وفاعله للعامل المحتاج إليهما قبل أداة الشرط. في المثال السالف. "إنك إن يصرع أخوك تصرع". يكون المضارع "تصرع" مع فاعله خبر "إن"، وتكون هذه الجملة الفعلية قد تأخرت من مكانها الأصلي؛ كما سبق. وإن لم يوجد قبل أداة الشرط عامل يحتاج للمضارع المرفوع وجب تقدير الفاء، والمضارع بعدها مع فاعله خبر لمبتدأ محذوف، والجملة من المبتدأ المحذوف وخبره في محل جزم، جواب الشرط. ويرى الكوفيون والمبرد ومن معهم تقدير الفاء هنا كما قدروها هناك "في "أ" ويتساوى عندهم أن يكون فعل الشرط ماضيا وأن يكون مضارعا. وهذا خير من رأي سيبويه. ١ راجع التفصيل في رقم ٣ من ص٤٤٩. ٢ هنا وفي ص٤٤٩ والتي بعدها. وفيما سبق من رفع المضارع في الجزاء يكتفي ابن مالك ببيت واحد لا إيضاح فيه ولا تفصيل -وقد تقدم في هامش ص٤٢٤ لمناسبة هناك- هو: وبعد ماض رفعك الجزا حسن ورفعه بعجد مضارع وهن-٦ ثم أردفه بيتين سبق شرحهما في مكانهما الأنسب من ص٤٦٣، وهما: واقرن "بفا" حتما جوابا لو جعل شرطا لـ"إن" أو غيرها لم ينجعل-٧ وتخلف "الفاء" "إذا المفاجأة" كإن تجد إذا لنا مكافأة-٨
[ ٤ / ٤٧٦ ]
٣- ما يختص بهما من ناحية عطف مضارع على أحدهما:
أ- إذا وقع بعد جملة الجواب -ولو كانت اسمية؛ لأنها في محل جزم- مضارع مقرون بالواو أو الفاء، جاز فيه ثلاثة أوجه إعرابية؛ يختار منها المتكلم والمعرب ما يناسب السياق، ويساير معنى التركيب١.
أولها: اعتبار "الواو" و"الفاء" حرفي استئناف؛ فالجملة بعدهما استئنافية مستقلة في إعرابها عما قبلها، والمضارع فيها مرفوع - إن كان مجردا من ناصب وجازم، ومن نوني التوكيد - ومن الأمثلة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾، برفع المضارع، "يغفر" بعد فاء الاستئناف، وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، برفع المضارع: "يذر" بعد واو الاستئناف، وقول الشاعر يمدح:
فإن يهلك أبو قابوس٢ يهلك ربيع الناس والبلد الحرام
ونأخذ بعده بذناب٣ عيش أجب٤ الظهر، ليس له سنام
برفع المضارع: "نأخذ" بعد واو الاستئناف.
ثانيها: اعتبار الفاء للسببية والواو للمعية -وهما عاطفان أيضا مع السببية والمعية- والمضارع بعدهما منصوب "بأن" مضمرة وجوبا "بالتفصيل الذي سبق إيضاحه عند الكلام على فاء السببية، واو المعية"٥. كالأمثلة التي سبقت في الوجه الأول، ولكن بعد نصب الأفعال المضارعة: يغفر -يذر- نأخذ.
_________________
(١) ١ كل وجه من هذه الثلاثة يقوم على اعتبار معنوي خاص به، يخالف الآخر، وواجب المتكلم والمعرب اختيار الوجه الإعرابي الذي يقوم على الاعتبار المناسب للسياق، ولما يقتضيه المعنى. ومن الخطأ الزعم أن هذه الأوجه الثلاثة تصلح لكل أسلوب، وتباح في كل تركيب بغير تفيد بهذا الاعتبار المعين الخاص، وإلا صارت اللغة فوضى بسبب محو القيود، أو إهمالها، وإهمال الاعتبارات التي تميز المعاني بعضها من بعض. ٢ هو النعمان بن الحارث الأصغر. ٣ ذنب، عقب. ٤ مقطوع. يريد: لا ظهر له ولا سنام، لضعفه وهزاله. فلا خير فيه. ٥ في ص٣٥٢ ٣٧٥. وهامشهما. وقالوا في سببه: إن الذي سوغ وقوعهما للسببية والمعية هنا، دون أن يتحقق شرط إضمار "أن" بعدهما وجوبا؛ -وهو النفي المحض، والطلب المحض، وما ألحق =
[ ٤ / ٤٧٧ ]
ثالثها: اعتبارها حرفي عطف مجردين له -فلا يفيدان سببية ولا معية- والمضارع بعدهما مجزوم؛ لأنه معطوف على جواب الشرطح فإن كان جواب الشرط مضارعا مجزوما مباشرة، فالمضارع المعطوف مجزوم مثله، وإن كان فعل الجواب ماضيا فهو مجزوم محلا، والمضارع المعطوف مجزوم لفظا، مراعاة لمحل المعطوف عليه. وكذلك إن كان الجواب جملة اسمية أو فعلية: فإنها تكون في محل جزم، والمضارع المعطوف عليها مجزوم لفظا تبعا لمحلها. كالأمثلة التي سبقت في الوجه الأول، ولكن بعد جزم الأفعال المضارعة: يغفر -يذر- نأخ، وكقول الشاعر:
ومن يتتبع -جاهدا- كل عثرة يجدها؛ ولا يسلم له -الدهر- صاحب
والكوفيون يجعلون "ثم" كالواو في الأوجه الثلاثة السالفة١؛ فكلاهما إما للاستئناف، وإما للعطف الخالص، وإما للعطف مع المعية
ب- وإذا وقع المضارع المسبوق بأحد الأحرف السالفة بعد الجملة الشرطية مباشرة، متوسطا بينها وبين الجملة الجوابية، فأكثر النحاة يجيز فيها وجهين؛ يختار منهما المتكلم والمعرب ما يناسب السياق.
أحدهما: اعتبار هذه الأحرف للعطف المجرد، والمضارع بعدها مجزوم؛ لأنه معطوف بها على فعل الشرط المجزوم لفظا أو محلا؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾، ومثل؛ من يتكلم فيسرف
_________________
(١) = بهما، مما شرحناه في مكانه- أن جواب الشرط قبلهما غير متحقق الوقوع؛ فمثله مثل النفي أو الطلب وملحقاتهما. فهم يريدون إرجاع النصب هنا إلى استيفائهما شرطهما من الوقوع بعد النفي أو الطلب تأويلا. ولكن السبب الحق هو الاستعمال العربي الذي نصب المضارع بعدهما مع عدم تحقق الشرط الأصلي. ومما تجب ملاحظته أن الأخذ بهذا الوجه وجعلهما للمعية والسببية إنما هو اختياري محض أمره للمتكلم يختاره، أو يختار غيره على حسب الاعتبار المناسب للسياق. لكن إذا اختارهما للسببية والمعية وجب نصب المضارع بأن، ووجب أن تكون مضمرة. فالاختيار جائز، ولكن النتيجة المترتبة على حتمية. ١ وفريق آخر يزيد على أحرف العطف السالفة حرف العطف: "أو"، ورأيه ضعيف كرأي الكوفيين هنا؛ لضعف الشواهد التي يحسن عدم القياس عليها.
[ ٤ / ٤٧٨ ]
يكن عرضه للزلل أو: ويسرف، أو: ثم يسرف. ومثل: من تكلم فيكثر -أو: يكثر، أو: ثم يكثر كان عرضه للزلل.. بجزم الأفعال المضارعة: "يصبر، يسرف، يكثر " لأنها معطوفة، والمعطوف عليه مجزوم لفظا أو محلا؛ فهي تابعة له في الجزم فتجزم لفظا.
والآخر؛ النصب على اعتبار الفاء للسببية مع العطف، والواو للمعية مع العطف. وثم -عند الكوفيين- للعطف مع المعية، والمضارع منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد الثلاثة. ومن الأمثلة نصب الأفعال المضارعة السابقة كلها. وكذا نصب المضارعك "يخضع" في قول الشاعر:
ومن يقترب منا ويخضع نؤوه فلا يخش ظلما ما أقام ولا هضما
أما الاستئناف فمنعه أكثر النحاة؛ بحجة أنه لا يصح الاستئناف قبل أن تستوفي أداة الشرط جملتيها "الشرطية والجوابية معا"؛ كي يتم المعنى المرتبط بأداة الشرط. ووضع الجملة الاستئنافية بين جملتي الشرط والجواب إنما هو إقحام لجملة أجنبية بين جملتين متلازمتين في المعنى.
ويرى المحققون: أن رفع المضارع المتوسط بين جملتي الشرط والجواب جائز بعد حرف مما سبق. وحجتهم أنه لا مانع من اعتبار تلك الجملة الأجنبية جملة استئنافية معترضة، وليست للاستئناف المحض. ورأيهم صحيح١، ولا ضرر في الأخذ به إن اقتضاه المعنى.
وعلى هذا يجوز في المضارع المسبوق بأحد أحرف العطف السابقة والذي تتوسط جملته بين جملتي الشرط والجواب -الأوجه الثلاثة؛ وهي الرفع على اعتبار الجملة استئنافية اعتراضية، والجزم بالعطف على فعل الشرط المجزوم لفظا أو محلا، والنصب على اعتبار "الواو"، و"ثم" للعطف مع المعية، و"الفاء"
_________________
(١) ١ لأنه تطبيق على ما قرره النحاة من جواز وقوع الجملة المعترضة بين جملتي الشرط والجواب، واستدلوا بأمثلة من القرآن الكريم "راجع الجزء الثاني من المغني، باب الجمل التي لا محل لها من الإعراب وكذلك الصبان هنا، وحاشية ياسين على التصريح". وقد يقال: لم امتنع على الاستئناف المحض، دون الخالي من صفة الاعتراض؟ أجابوا: أن الاستئناف المحض يشعر بتمام الكلام قبله، دون الاعتراض.
[ ٤ / ٤٧٩ ]
للعطف مع السببية، وأن المضارع منصوب بأن مضمرة. وجوبا بعد الثلاثة، وبهذا يكون حكمه واحدا بعد الأحرف السالفة، لا يختلف باختلاف وقوعه بعد الجملة الجوابية، أو توسطه بينهما وبين الجملة الشرطية١
"ملحوظة": إذا توسط المضارع بين جلمتي الشرط والجواب، ولم يسبقه أحد أحرف العطف السالفة أعرب "بدلا"، إن كان مجزوما، وأعربت جملته "حالا" -في الغالب- إن كان مرفوعا. فمثال الأول:
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا تجد حطبا جزلا، ونارا تأججا
والثاني:
متى تأته تعشو٢ إلى ضوء ناره تجد خير نار عندها خير موقد
٤- ما يخص بهما من ناحية حذفهما معا:
يصح حذف الجملتين معا -في النثر والنظم- بشرط أن تقوم قرينة تدل عليهما. والأغلب عند حذفهما أن تكون أداة الشرط هي: "إن"، مثل قول الشاعر وهو يودع أحبابه:
نودعكم، ونودعكم قلوبا لعل الله يجمنا. وإلا..
يريد: وإلا يجمعنا هلكنا، أو شقينا.. أو نحو ذلك مما يساير المعنى الناشيء من الجملتين المحذوفتين. ومثل قول الآخر في فتيات ينصحن أخرى اسمها: سلمى -برفض الزواج من رجل فقير معدم:
_________________
(١) ١ وفي المضارع المسبوق بالواو أو الفاء مع وقوعه بعد الجملة الجوابية يقول ابن مالك: والفعل من بعد الجزا إن يقترن "بالفا" أو "الواو" بتثليث قمن "قمن، أي: جدير". والمراد بالتثليث الأوجه الثلاثة التي ذكرناها باعتباراتها المختلفة، ولم يذكر "ثم" في رأي الكوفيين. وانتقل إلى حكم هذا المضارع إذا توسط بين جملتي الشرط والجواب؛ فقال: وجزم أن نصب لفعل إثر "فا" أو "واو" إن بالجملتين اكتنفا "إثر: بعد اكتنف: أحيط" يريد: أن المضارع المسبوق بأحد هذين الحرفين يتعين نصبه أو جزمه إن اكتنفه الجملتان، أي: أحاطت به جملتا الشرط والجواب. واقتصر على ما سبق دون بيان الشروط والأوجه والاعتبارات. ٢ وجرد "الواو" دليل على أن الفعل غير مجزوم.
[ ٤ / ٤٨٠ ]
قالت بنات العم: يا سلمى وإنن١ كان فقيرا معدما؟ قالت: وإنن١
التقدير: يا سلمى: أتتزوجينه وإن كان فقيرا معدما؟ قالت: وإنن، أي: وإن كان فقيرا معدما أتزوجه..
ومن أمثلة حذفها بعد أداة غير "إن" قوله ﵇: "من فعل فقد أحسنن ومن لا فلا". التقدير: ومن لا يفعل فلا حسن منه. وكذا قول العرب: من يسلم عليك فسلم عليه، ومن لا فلان أي: ومن لا يسلم عليك فلا تسلم عليه، وقول الشاعر:
فإن المنية من يخشها فسوف تصادفه أينما
أي: أينما يذهب تصادفه٢
أما حذف فعل الشرط وحده، أو الجملة الشرطية كلها دون الجوابية فقد سبق٣. وكذلك سبق٤ الكلام على حذف الجملة الجوابية وحدها.
_________________
(١) ١ و١ الأصل: "وإن" زيد في آخره نون ساكنة جاءت لضرورة الشعر. وتسمى هذه النون بتنوين الضرورة، كما تسمى بالتنوين الغالي؛ إما لغلوه؛ أي: زيادته، وإما لغلوه، أي: نفاسته؛ بسبب قلته ٢ فيما سبق من حذف جملة الشرط؛ أو جملة الجواب، أو هما معا، أو فعل الشرط وحده، اكتفى ابن مالك بالبيت الآتي: والشرط يغني عن جواب قد علم والعكس قد يأتي إن المعنى فهم يريد: أن الجملة الشرطية قد تغني عن الجملة الجوابية، وتدل عليها عند حذفها. فلا مانع -في هذه الحالة- من حذف الجوابية. كما أن العكس قد يقع وهو حذف الجملة الشرطية لدلالة الجوابية عليها، وإغنائها عند حذفها. فالحذف في الصورتين جائز؛ بشرط القرينة الدالة، وأن يكون المعنى المراد مفهوما بعد الحذف: فلا لبس ولا اضطراب فيه. ٣ في ص٤٤٦ و٤٤٨. ٤ في ص٤٥٢.
[ ٤ / ٤٨١ ]
المسألة ١٥٨:
اجتماع الشرط والقسم، وحذف جواب أحدهما:
تمهيد -جواب الشرط، وجواب القسم:
كل واحد من الشرط والقسم يستدعي جوابا خاصا به، يتميز بعلامة أو أكثر ينفرد بها دون الآخر. فجواب الشرط الجازم لا بد أن يكون مجزوما، إما لفظا؛ لأنه "فعل" مضارع، وإما محلا لأنه فعل ماض، أو لأنه من النوع الذي يجب اقترانه "بالفاء" أو "بإذا" الفجائية، وقد سبق بيان هذا كله، وتفصيله١.
أما جواب القسم فيختلف باختلاف نوعي٢ القسم؛ وهما: "الاستعطافي" و"غير الاستعطافي". فإن كان القسم استعطافيا "وهو جملة طلبية يراد بها توكيد معنى جملة طلبية أخرى مشتملة على ما يثير الشعور والعاطفة، وتعتبر جواب القسم" فلا بد أن يكون جوابه جملة طلبية؛ كقول الشاعر:
بعيشك يا سلمى ارحمي ذا صبابة
وقول الآخر:
بربك هل نصرت الحق يوما وذقت حلاوة النصر المبين؟
فالقسم هو: "بعيشك، وبربك". وكلاهما مع متعلقه -المحذوف هنا- جملة طلبية، نراها في المثال الأول تؤكد بعدها الجملة الطلبية التي تشتمل على ما يحرك الوجدان، وهي: "ارحمي". ونراها في المثال الثاني تؤكد الجملة الطلبية التي تليها، والتي تشتمل كذلك على ما يحرك الوجدان؛ وهي: "هل نصرت".
_________________
(١) ١ في رقم ٦ من ص٤٥٦. وفي رقم ٨ من ص٤٥٨. ٢ سبق تفصيل الكلام على جواب القسم من نواحيه المختلفة في المبحث الخاص به عند الكلام على أحرف القسم وجوابه، وكل ما يتصل به مما لا غنى عن الرجوع إليه "وذلك في الجزء الثاني ص٣٨١ م٩" وفيه أن الجواب قد يكون شبه جملة. وفيه كذلك أن الكلام قد يشتمل على جملة قسمية ظاهرها مثبت، ولكن معناها منفي، وجواب القسم فيها جملة فعلية ماضوية لفظا، مستقبلة معنى، مصدرة بإلا، أو "لما" التي بمعناها: نحو: سألتك إلا نصرت المظلوم. و إلى غير هذا من التفصيلات والأحكام الهامة المدونة هناك، وفي بعض الصفحات الأخرى التي أشير إليها في ذلك الجزء.
[ ٤ / ٤٨٢ ]
لا يكون جواب هذا النوع من القسم الاستعطافي إلا جملة إنشائية.
وإن كان القسم غير استعطافي "وهو ما جيء به لتوكيد معنى جملة خبرية، وتقوية المراد منها١" فلا بد له من جواب يكون جملة خبرية تختلف صورتها على النحو الذي سبق تفصيله في مكان أنسب٢. وملخصه:
١- إن كان الجملة الجوابية مضارعية مثبتة أكدت٣ اللام٤ والنون معا؛ نحو: والله لأبذلن جهدي في مساعدة المحتاج. ومن القليل الجائز الاقتصار على أحدهما، بالرغم مما يؤدي إليه هذا الاقتصار من نقص في درجة السمو البلاغي، وقوة الأسلوب.
وتسمى هذه اللام المفتوحة: "لام جواب القسم" أو: "اللام الداخلة على جواب القسم". وهي غير لام الابتداء، والفرق بينهما كبير، سبق إيضاحه٥.
٢- إن كانت الجملة الجوابية ماضوية مثبتة وماضيها متصرف، فالغالب تصديرها "باللام" الجوابية، و"قد" معا؛ نحو: والله لقد فاز أهل المروءة والكرامة. ويجوز -بقلة- الاقتصار على أحدهما، أو التجرد منهما. مع ما في هذا الاقتصار من إهمال الكثير الفصيح.
فإن كان فعلها جامدا، غير "ليس" فالأكثر تصديرها باللام فقط، نحو: والله لعسى التوفيق يصحب المخلص أو: والله لنعم المخلص. فإن كان الماضي الجامد "ليس" لم يقترن بشيء؛ نحو والله ليس طول العمر بالسنوات، ولكن بجلائل الأعمال.
٣- إن كانت الجملة فعلية منفية بالحرف: "ما"، أو: "لا"، أو: "إن" وجب تجريدها من اللام، سواء أكانت ماضوية أم مضارعية؛ نحو: والله
_________________
(١) ١ ذلك أن من يقول: والله إنك لشريف المقصد، يخبر عن شرف مقصدك، ويؤكد خبره هذا بما يقويه؛ وهو: القسم. ٢ باب "حروف الجر" -ج٢ م٩ ص٣٨٢- ومن المفيد الرجوع إليه، وإلى ما فيه من الأمثلة. ٣ وجوبا عند البصريين، وكثيرا عند الكوفيين. وهؤلاء يجيزون الاقتصار على أحد الحرفين. والأحسن هنا الاقتصار على الرأي البصري. ٤ مفتوحة. ٥ في ج١ م٥٣ ص٥٩٨ وهامشها. عند الكلام على "لام الابتداء".
[ ٤ / ٤٨٣ ]
ما يحتمل العزيز الضيم، والله لا يحجب ثوب الرياء ما تحته، بالله إن تحيا الأمة وأفرادها حياة العزة والقوة إلا بكرائم الأخلاق.
ومثل: والله ما احتمل عزيز ضيما والله لا حجب١ ثوب الرياء ما تحته، ولا دفع١ عن صاحبه السوء، والله إن أوجد الكون العجيب إلا الله، وإن أمسك السموات والأرض وما فيهما إلا المولى جل شأنه.
ومن الشاذ الذي لا يقاس عليه أن يكون جواب القسم جملة منفية مصدرة باللام٢، أو: أن تكون أداة النفي فيها "لم" ومثلها: "لن" أيضا عند فريق من النحاة٣.
ومما تجب ملاحظته أن أداة النفي في جواب القسم قد تكون محذوفة، ولكنها ملحوظة يدل عليها دليل؛ كقوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾، أي: لا تفتأ٤
٤- إن كانت الجملة الجوابية اسمية مثبتة فالأغلب تأكيدها "باللام" و"إن" معا، ويصح الاكتفاء بأحدهما، ولكن الأول أبلغ، نحو: "تالله إن الخداع لممقوت، وإن صاحبه لشقي" -"تالله إن الخداع ممقوت، وإن صاحبه شقي- تالله للخداع ممقوت. ولصاحبه شقي". ومن أمثلة الاقتصار على أحدهما قول الشاعر:
لئن كنت محتاجا إلى الحلم إنني إلى الجهل٥ في بعض الأحايين أحوج٦
_________________
(١) ١ هذه الجملة الماضوية معطوفة على السابقة الواقعة جوابا؛ فهي جواب مثلها. وهكذا نظائرها. ٢ كقول القائل: لئن غبت عن عيني لما غبت عن قلبي ٣ مستدلا بمثل قول أبي طالب يعلن للنبي ﵇ مؤازرته وتأييده على قريش: والله لن يصلوا إليك يجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا ٤ سبق إيضاح هذه المسألة، ودليل الحذف فيها "في ج١ م٤٢ ص٥١٠ باب: كان وأخواتها". ٥ الغضب، وترك الحلم. ٦ وهذا على اعتبار "اللام" موطئة للقسم. وجملة "إن" وما دخلت عليه جواب القسم: طبقا للإيضاح الذي سلف في ج٢ م٩٠ ص٣٨٥.
[ ٤ / ٤٨٤ ]
ومن النادر تجردها منهما إن لم يطل١ الكلام بعد القسم؛ كقول أبي بكر في نزاع بينه وبين عمر ﵄، "والله أنا كنت أظلم منه". فإن استطال الكلام بعد القسم حسن التجرد؛ كقول ابن مسعود: "والله الذي لا إله غيره، هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة". وقول الشاعر:
ورب السموات العلا وبروجها وأرض وما فيها المقدر كائن
ولا يصح اقتران الجملة الجوابية بالحرف: "إن" إذا كانت مصدرة بحرف ناسخ من أخوات
"إن"؛ كقول بعضهم في مدح رجل: والله لكأن القلوب والألسن ريضت له؛ فما تعقد إل على وده، ولا تنطق إلا بحمده.
فإن كانت الجملة الاسمية منفية فحكمها حكم الجملة الفعلية المنفية "بما"، أو "لا"، أو "إن" من وجوب تجريدها من اللام والاقتصار في نفسها على أحد هذه الحروف الثلاثة دون غيرها -كما سبق.
من كل ما سبق يتبين أن الجواب المنفي -في جميع أحواله- لا يتطلب زيادة شيء إلا أداة النفي قبله، مع اشتراط أن تكون إحدى الأدوات الثلاث السالفة؛ سواء أكان الجواب جملة فعلية أم اسمية.
والآن نعود إلى الكلام على اجتماع الشرط والقسم والاستغناء بجواب أحدهما عن الآخر.
أ- إذا اجتمع شرط غير امتناعي٢، وقسم فالأصل أن يكون لكل منهما جواب، غير أن جواب أحدهما قد يحذف اكتفاء بجواب الآخر الذي يغني عنه، ويدل عليه. ولهذا الحذف صور منها:
١- أن يجتمع الشرط غير الامتناعي والقسم مع تأخر الشرط، وعدم وجود شيء قبلهما يحتاج إلى خبر٣، وفي هذه الصورة يحذف -في الأرجح- جواب المتأخر منهما -وهو الشرط- نحو: والله من يراقب ربه في عمله لا يخاف
_________________
(١) ١ عدم إطالته: ألا يذكر بعده تابع، أو شيء آخر يتصل به. ٢ الشرط الامتناعي: ما كانت أداته دالة على الامتناع؛ وهي: لو، ولولا، ولوما. ٣ كالمبتدأ، وكالناسخ؛ فكلاهما يحتاج إلى خبر، أو ما يسد مسد الخبر.
[ ٤ / ٤٨٥ ]
شيئا. فالمضارع "يخاف" مرفوع؛ لأنه في جملة جوابية للقسم المتقدم، وليس جوابا للشرط المتأخر، المحذوف الجواب. إذ لو كان هو الجواب لتحتم جزمه١، فقيل: يخف. ومثله قول الشاعر:
لئن ساءني أن نلتني بمساءة لقد سرني أني خطرت ببالكا
فالجملة الفعلية: "سرني" جواب للقسم الذي تدل عليه "اللام" الأولى لتصدير هذه الجملة "باللام وقد" معا، وليست جوابا للشرط المتأخر عن "لام" القسم؛ لأن الشرط لا يكون جوابه مقترنا "باللام وقد". فجوابه هنا محذوف. كحذفه في البيت السالف، وهو:
لئن كنت محتاجا إلى الحلم إنني إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج
فالجملة الاسمية المصدرة بالحرف الناسخ "إن" هي جواب للقسم، إلا للشرط؛ إذ لو كانت جوابا للشرط لاقترنت بالفاء.
أما عندهم تقدم الشرط فالأرجح أن يكون الجواب له وجواب القسم محذوف؛ فنقول: من يراقب ربه والله يخشه الناس. وقول أحدهم: إن يكن والله لي نصف وجه ونصف لسان - على ما بهما من قبح منظر، وسوء مخبر -يكن هذا احب من أن أكون ذا وجهين.
ومن وصفناه بأنه الأرجح في الحالتين يراه كثير من النحاة واجبا لا يصح مخالفته٢
_________________
(١) ١ ومثل هذا يقال في المضارع المرفوع المنفي "بلا" في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ فالمضارع -يأتون- مرفوع؛ لأنه جواب القسم، لا جواب الشرط. ٢ ويقولون لا فرق في القسم بين أن يكون مذكورا، أو مقدرا. ويستدلون للمقدر بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ لأن سقوط الفاء من صدر الجملة الاسمية: ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ دليل على أنها ليست جوابا للشرط؛ إذ لو كانت جوابا له لوجب اقترانا بالفاء؛ طبقًا للقاعدة الخاصة بهذا الاقتران "وقد سبق الكلام عليها في "٨" من ص٤٥٨" وهو تعليل واهن أمام التعليل الآخر الذي يقول إن الفاء قد تسقط قبل الجملة الاسمية وغيرها مما يحتاج إلى اقترانه بالفاء أو بما ينوب عنها. - وقد سبقت التفصيلات الخاصة بهذا في: "ب" من ص٤٦٥. هذا، وفي رقم ١ من هامش ص٤٥٨ مسألة تختص بحكم مجيء لام القسم بعد "إن الشرطية" واستحسان أو استقباح دخولها على الجواب
[ ٤ / ٤٨٦ ]
ويستثنى مما سبق أن يتأخر القسم وقبله الفاء الداخلة عليه مباشرة، فإن الجواب يكون له برغم تأخره عن الشرط؛ فنقول في المثال السالف: من يراقب ربه في عمله فوالله يخشاه الناس. فالمضارع "يخشاه" مرفوع، وهو مع فاعله جملة لا محل لها من الإعراب جواب القسم وجملة القسم في محل جزم جواب الشرط.
٢- إن اجتمع الشرط غير الامتناعي، وسبقهما ما يحتاج إلى خبر، فالأرجح أن يكون الجواب للشرط مطلقا، سواء أكان متقدما على القسم أم متأخرا؛ نحو: القوانين والله من يحترمها تحرسه. أو: القوانين من يحترمها والله تحرسه؛ بجزم المضارع: "تحرس" في الصورتين، لأنه جواب للشرط، وجواب القسم محذوف فيهما.
أما غير الأرجح في كل ما تقدم "من ١، ٢ ما عدا القسم المقرون بالفاء" فيعتبر الجواب للشرط غير الامتناعي في كل الحالات، سواء أكان متقدما على القسم أم متأخرا، وسواء أكان قبلهما ما يحتاج إلى خبر أم لم يكن. ومن الأمثلة:
لئن منيت بنا عن غب معركة لا تلفنا عن دماء القوم ننتفل١
وقول الآخر:
لئن كان ما حدثته اليوم صادقا أصم٢ في نهار القيظ للشمس باديا
فالمضارعان: "تلف" و"أصم" مجزومان مباشرة في جواب "إن" الشرطية، برغم تأخرها وتقدم لام القسم عليها٣ ومن الأمثلة أيضا قول الشاعر:
أما والذي لو شاء لم يخلق النوى لئن غبت عن عيني فما غبت عن قلبي
_________________
(١) ١ "منيت بنا": أصبت بنا، وقدر عليك أن تلقانا. "غب": بعد، أو: عقب "لا تلفنا": لا تجدنا. "نتنفل": نتبرأ وننفصل. يقول لعدوه. لو أصبت بنا بعد المعركة حين يشتد التعب والإرهاق عادة، فلن ترى منا تعبا، ولا إرهاقا، ولا تبرؤا وانفصالا من قتلانا يجعلنا ننصرف، ونترك الأخذ بثأرهم، والانتقام من أعدائهم. ٢ أي: إن كان ما بلغك عني صادقا فإني أعاقب نفسي عليه بالصوم، وبالوقوف باديا للشمس "أي: كشوفا لها" في يوم القيظ، وهو اليوم الشديد الحر "وباديا حال من فاعل: أصم". ٣ والبصريون يحكمون على هذا وأمثاله بالشذوذ، أو بزيادة اللام وأنها ليست للقسم فلا تحتاج لجواب. وكل هذا تكلف وابتعاد عن الواقع. وخير منه ما قاله الخضري: من أن اللام للقسم، وجوابه هو أداة الشرط وما دخلت عليه من جملتيها، وأن لهذا نظائر.
[ ٤ / ٤٨٧ ]
لأن وجود الفاء في الجواب دليل على أنه للشرط؛ إذ جواب القسم لا تدخله الفاء. ومثله قولهم١: لئن أمهل الله الظالم فلن يفوت أخذه، وهو له بالمرصاد.
ومما سبق نستخلص أن اجتماع الشرط غير الامتناعي والقسم يقتضي الاكتفاء بجواب واحد يكون -على الأرجح- للسابق منهما. أما المتأخر فجوابه محذوف يدل عليه المذكور. وأنه يستثنى من هذه القاعدة حالتان:
إحداهما: يكون الجواب فيهما للقسم مع تأخره، وهي التي يكون فيها القسم مبدوءا بالفاء.
والأخرى: يكون الجواب فيها للشرط مع تأخره عن القسم؛ وهي التي يكونان فيها مسبوقين بما يحتاج إلى خبر
ب- فإن كان الشرط امتناعيا "وهو: لو، لولا، لوما" وتقدم، فيتعين أن يكون الجواب له، وأن يحذف جواب القسم لدلالة جواب الشرط عليه. نحو: لولا رحمة المولى بعباده، والله لأهلكم بذنوبهم٢.
وإن كان القسم هو المتقدم على الشرط الامتناعي، فالصحيح أن الجواب المذكور هو للشرط أيضا، وأن الشرط وجوابه جواب للقسم، لم يغن شيء عن شيء، والجوابان مذكوران، لم يحذف أحدهما لدلالة الآخر عليه؛ نحو: والله لولا الله ما اهتدينا؛ فجملة: "ما اهتدينا" هي جواب "لولا". وهذه مع جوابها جواب القسم.
ويتضح مما تقدم عند اجتماع الشرط الامتناعي والقسم أن الجواب للشرط الامتناعي؛ سواء أكان متقدما على القسم أم متأخرا عنه.
_________________
(١) ١ وهو منسوب لعلي ﵁. ٢ وفي أحكام الحذف السابقة يقول ابن مالك: واحذف لدى اجتماع شرط وقسم جواب ما أخرت؛ فهو ملتزم وإن تواليا وقبل ذو خبر فالشرط رجح مطلقا بلا حذر وربما رجح بعد قسم شرط بلا ذي خبر مقدم
[ ٤ / ٤٨٨ ]
المسألة ١٥٩:
توالي شرطين، أو أكثر، وتوالي شرط واستفهام:
أ- يصح أن تتوالى أداتان -أو أكثر- من أدوات الشرط بغير اتصال مباشر١؛ فتكون لكل أداة جملتها الفعلية الشرطية التي تليها مباشرة، وتفصل بينها وبين الأداة الشرطية التي بعدها. وتحتاج كل أداة بعد هذا إلى جملة جوابية تخضع للأحكام الآتية:
١- إن كان التوالي بغير عطف٢ فالجواب للأداة الأولى وحدها، ما لم تقم قرينة تعين غيرها. أما باقي الأدوات التالية فجوابه محذوف للدلالة جواب الأولى عليه. ومن الأمثلة؛ "من يعتدل في شبابه، من يحرص على سلامة جوارحه وحواسه يسلم من متاعب الكهولة، وويلات الشيخوخة". التقدير: من يعتدل في شبابه يسلم ، من يحرص على سلامة حواسه يسلم ومثل قول: الشاعر:
إن تستغيثوا بنا، إن تذعروا تجدوا منا معاقل عز زانها كرم
التقدير: إن تستغيثوا بنا تجدوا إن تذعروا تجدوا
٢- إن كان التوالي بعطف بالواو فالجواب لهما؛ لأن الواو للجمع، مثل: من يحجم عن نداء الخير، ومن ينأ عن داعي المروءة -يعش بغيضا منبوذا.
٣- إن كان التوالي بعطف ب"أو"، فالجواب لإحداهما؛ "لأن أو -في الغالب- لأحد الشيئين أو الأشياء" وجواب الأخرى محذوف يدل عليه المذكور. ومن الأمثلة: إن تغب عن عيني أو إن تحضر، فلست عن خاطري بغائب -من يكبره الناس لعلمه، أو من يرفعوه لسمو خلقه- يعش بينهم سعيدا..
_________________
(١) ١ أما التوالي مع الاتصال المباشر فالاعتبار فيه للأداة الأولى؛ فهي وحدها التي تحتاج لشرط وجواب. ٢ بغير عطف مذكور أو ملحوظ؛ كالذي سيجيء في آخر رقم ٤.
[ ٤ / ٤٨٩ ]
٤- إن كان التوالي بعطف بـ"الفاء" فالجواب للثانية؛ "لأن الفاء تفيد الترتيب". والثانية وجوابها جواب للأولى، نحو: إن تمارس عملا فإن تخلص فيه يحالفك الفوز والتوفيق.
وليس من اللازم أن تكون الفاء مذكورة، فقد تكون ملحوظة يقتضيها السياق وتدل قرينة على تقديرها. وفي هذه الحالة التي تحذف فيها مع تقديرها وملاحظتها، لا تكون عاطفة ولا تعرب شيئا١، وإنما يقتصر أثرها على الفائدة المعنوية الملحوظة.
ب- إذا توالى الاستفهام٢ والشرط فقيل الجواب للاستفهام، لتقدمه؛ نحو: أإن تدع لأداء الشهادة على وجهها تستجيب؟ برفع المضارع: "تستجيب". وقيل: "لا"، وأن الجواب للشرط غالبا؛ بدليل قوله تعالى: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾؛ إذ لو كانت الجملة الاسمية: "هم الخالدون"، جوابا للاستفهام ما دخلتها الفاء؛ لأن الفاء لا تدخل في جواب الاستفهام، وإنما تدخل في جواب الشرط إذا كان جملة اسمية أو غيرها مما لم يستوف شروط الجواب -كما عرفنا٣.
والصحيح أن تعيين الجواب لأحدهما خاضع للقرينة التي تتحكم فيه؛ فتجعله لهذا أو لذاك، دون أن يختص به واحد منهما في كل الأساليب.
_________________
(١) ١ راجع الصبان. ٢ ويتعين أن يكون بالهمزة؛ لأنها هي التي يصح أن تجتمع مع أداة الشرط؛ -طبقا لما سبق في رقم ١٠ من ص٤٤٧. ٣ في رقم ٨ من ص٤٥٨.
[ ٤ / ٤٩٠ ]
المسألة ١٦٠:
"لو" الشرطية:
هي نوعان: شرطية امتناعية، وشرطية غير امتناعية، وكلا النوعين حرف، واستعماله قياسي.
أ- "لو" الشرطية الامتناعية؛ معناها، وأحكامها النحوية:
فأما معناها فأمران مجتمعان؛ هما: "إفادة الشرطية، وأن هذه الشرطية لم تتحقق في الزمن الماضي؛ فقد امتنع وقوعها فيه".
فإفادتهما الشرطية تقتضي تعليق شيء على آخر؛ وهذا التعليق يستلزم -حتما- أن يقع بعدها جملتان، بينهما نوع ترابط واتصال معنوي؛ يغلب أن يكون هو: "السببية" في الجملة الأولى، و"المسببية" في الجملة الثانية؛ نحو: لو تعلم الجاهل لنهضت بلاده، لكنه لم يتعلم -لو عف السارق لنجا من العقوبة التي تزلت له به- لو أتقن الصانع عمله بالأمس ما بارت صناعته. فالجملة الأولى من المثال الأول هي: "تعلم الجاهل"، والثانية هي: "نهضت بلاده" وبين الجملتين ذلك الارتباط المعنوي؛ لأن نهضة الجواب"١. ومثل هذا يقال في الأمثلة الأخرى.
وإفادتها امتناع المعنى الشرطي في الزمن الماضي تقتضي أن شرطها لم يقع فيما مضى، "أي: لم يتحقق معناه في الزمن السابق على الكلام" فهي تفيد القطع بأن معناه لم يحصل٢، كما تفيد أن تعليق الجواب علهي كان في الزمن الماضي
_________________
(١) ١ سبق الكلام على معنى الجواب عند الكلام على "إذن" الناصبة -ص٣٠٨- وعند الكلام على "فاء السببية" ص٣٥٢. ومما يوضح معنى الشرط ما سبق في رقم ١ من هامش ص٤٢٢. ٢ فكأنها معه بمنزلة حرف نفي، ينفي معنى الجملة التي يدخل عليها. مع أنها ليست حرف نفي، ولا يصح إعرابها حرف نفي، بالرغم من أنها في هذا الموضع تؤدي حرف النفي من سلب المعنى في الزمن الماضي. ويزداد وضوح هذا بالضبط الذي في رقم ٢ من هامش الصفحة الآتية:
[ ٤ / ٤٩١ ]
أيضا١، على خلاف المعهود في التعليق بالأدوات الشرطية الجازمة، حيث يتعين الاستقبال في شروطها وجوابها معا -على الأغلب٢.
ويترتب على امتناع الشرط هنا وعدم وقوعه امتناع جوابه تبعا له، إذا كان فعل الشرط هو السبب الوحيد في إيجاد جوابه وتحقيقه، وليس هناك سبب آخر للإيجاد والتحقيق؛ لأن امتناع السبب الوحيد الموجد للشيء يؤدي حتما إلى امتناع المسبب الوحيد؛ فامتنع له الجواب -وهو المسبب عنه- إذ ظهور النار متوقف على طلوع الشمس دون شيء آخر؛ فلا يمكن أن يظهر إلا بطلوعها ما دام طلوعها هو السبب الفرد في إيجاده.
فإن كان للجواب سبب آخر فلا يتحتم الامتناع بامتناع هذا الشرط، لجواز أن يؤدي السبب الآخر إلى إيجاد الجواب، وتحقيق معناه٣؛ نحو: لو طلعت
_________________
(١) ١ هناك أداتان أخريان للربط الامتناعي هما: "لولا" و"لو ما" وحكمهما يخالف حكم "لو". وسيجيء تفصيل الكلام عليهما في ص٥١٢ و٥١٥. ٢ هناك ضابط يميز "لو الامتناعية" من غيرها؛ هو -كما جاء في المغني في هذا الباب: أن يصح في كل موضع استعملت فيه أن تعقبه بحرف الاستدراك داخلا على فعل الشرط، منفيا لفظا أو معنى تقول: لو جاءني لأكرمته، لكنه لم يجئ، ومنه قوله: ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة كفاني، -ولم أطلب- قليل من المال أي: لكن لم يثبت أن ما أسعى لأدنى معيشة إذ الأصل: "لو ثبت أن ما أسعى" ؛ لأن "لو" الشرطية لا تدخل إلا على فعل؛ إما ملفوظ، وإما ملحوظ تقديره: "ثبت" -مثلا- وقوله: ولو كان حمد يخلد الناس لم تمت ولكن حمد الناس ليس بمخلد ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ أي: ولكن لم يكن حمد ولكن لم أشأ ذلك فحق القول مني ، وقول الحماسي: لو كنت من مازن لم تستبح إبلي بنو اللقيطة من ذهب بن شيبانا ثم قال: لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ليسوا من الشر في شيء وإن هانا إذ المعنى: لكنني لست من مازن، بل من قوم ليسوا في شيء من الشر وإن هان، وإن كانوا ذوي عدد. ٣ وبمراعاة هذا الأساس تدخل صور كثيرة بغير حاجة إلى تأويل أو تقدير اضطر إليه النحاة في مثل: فلان لو لم يخف ربه لم يعصه.
[ ٤ / ٤٩٢ ]
الشمس أمس لكان النور موجودا. فطلوع الشمس هنا ممتنع، أما الجواب فيصح أن يكون غير ممتنع -برغم امتناع الشرط- إذا وجد سبب آخر غير الشمس يحدثه؛ كمصباح مضيء، أو برق، أو نار ؛ فالشرط في هذا المثال ليس السبب الفريد في إحداث الجواب؛ فامتناعه لا يستلزم ولا يوجب امتناع جوابه؛ فقد يمتنع الجواب حينا؛ ولا يمتنع حينا آخر؛ على حسب ما تقضي به القرائن والمناسبات.
ومن الأمثلة لامتناع الجواب امتناعا حتميا تبعا لامتناع الشرط: لو توقفت الأرض عن الدوران لهلك الأحياء جميعا من شدة البرد أو الحر لو سكنت الأرض ما تعاقب عليها الليل والنهار -لو امتنع الغذاء لمات الحي- لو اختلت الجاذبية الكونية لا نفرط عقد الكواكب والنجوم لو توقف القلب عن النبض نهائيا لمات الحيوان
ومن أمثلة امتناع الشرط دون أن يستلزم امتناع الجواب استلزاما محتما: لو تعلم الفقير لاغتنى -لو استقل المسافر الطائرة لبلغ غايته- لو قرأ الريفي الصحف لعلم أهم الأخبار العالمية -لو واظب الغلام على السباحة لقوي جسمه- لو استشار المريض طبيبه لشفي ؛ فالجواب في هذه الأمثلة ليس حتمي الامتناع؛ إذ الشرط ليس السبب الوحيد في إيجاده، فهناك ما يصلح أن يكون سببا للإيجاد سواه.
ومما تقدم يتبين خطأ التعبير الشائع على ألسنة المعربين وهو: "أنها حرف امتناع لامتناع"؛ يريدون: أنها حرف يدل على امتناع الجواب لامتناع الشرط. وإنما كان هذا خطأ لما قدمناه من أن امتناع الشرط لا يستلزم امتناع الجواب؛ فقد يستلزمه، أو لا يستلزمه -طبقات للبيان السالف- إلا أن كان غرضهم أن ذلك الامتناع هو الكثير الغالب.
والصواب ما ردده سيبويه من أنها: "حرف يدل على ما كان سيقع لوقوع غيره"، أي: لما كان سيقع في الماضي؛ لوقوع غيره في الماضي أيضا. وهذه العبارة صحيحة دقيقة، لا تحتاج إلى تأويل أو تقدير، أو زيادة.
[ ٤ / ٤٩٣ ]
وأما أحكامها النحوية١: فإنها أداة شرطية قياسية الاستعمال؛ لا تجزم على الراي الأرجح٢، ولا بد لها -كما سبق- من جملتين بعدها٣؛ أولاهما: "الشرطية"، تليها: "الجوابية والجزائية". والأغلب أن تكون الجملتان فعليتين، ماضويتين لفظا ومعنى معا، أو معنى فقط "بأن يكون الفعل مضارعا مسبوقا بالحرف: "لم"٤.
والفعل الماضي فيهما باق على مضيه؛ فلا يتغير زمنه بوجود "لو" الامتناعية، ومن الأمثلة: لو تراحم الناس لعاشوا إخوانا، لم يعرفهم البؤس، ولا الشقاء، ولا العداء، وقول الشاعر:
إن أرضا تسري٥ إليها لو اسطا عت٦ لسارت إليك قبل مسيرك
وقولهم: لو لم يثق المرء بعدل الخالق لعاش معذبا بالياسن ولو لم يطمئن إلى حكمته لاحترق بنار الشك.
فإن جاء بعدها مضارع لفظا ومعنى قلبت زمنه للمضي مع بقاء لفظه على حاله، ومن الأمثلة: لو يجيء الضيف أمس لأكرمته. وقول الشاعر:
رهبان مدين، والذين عهدتهم يبكون من حذر العذاب قعودا
لو يسمعون كما سمعت كلامها خروا لعزة ركعا وسجودا
والمراد: لو جاء الضيف٧ لو سمعوا٧.
ولجوابها أحكام أخرى -غير المضي- يشترك في أكثرها جواب "لو" غير الامتناعية، وسنعرفها٨.
ب- "لو" الشرطية غير الامتناعية٩. معناها: وأحكامها١٠ النحوية:
_________________
(١) ١ هذه الأحكام الخاصة غير أحكام أخرى مشتركة بين نوعي: "لو" وستجيء في ص٤٩٦. ٢ وقد جزمت في أمثلة مسموعة لا يسوغ القياس عليها؛ لندرتها -كما أشرنا لهذا في ب- ص٤١٢، وعرضنا للأمثلة ومراجعها في ص٤٤٣. ٣ فلها الصدارة عليهما؛ كالشأن في جميع الأدوات الشرطية. ٤ كما في البيت الثاني والثالث من هامش ص٤٩٢. ٥ تسافر إليها ليلا. ٦ استطاعت. ٧ و٧ وقوع الفعل الماضي الحقيقي في جوابها يقتضي أن المضارع في شرطها بمعنى الماضي حتما. ٨ في رقم ٢ من ص٤٩٧. ٩ أما الامتناعية فقد سبق الكلام عليها في ص٤٩١. ١٠ انظر الهامش رقم "١" من هذه الصفحة.
[ ٤ / ٤٩٤ ]
هي قليلة الاستعمال، ولكن استعمالها قياسي. ومن أمثلتها: لو يشتد الحر في العطلة الصيفية المقبلة أصطاف في جهات معتدلة
فأما معناها فالدلالة على الشرطية الحقيقية؛ "وهي التي تقتضي تعليق أمر على آخر -وجودا وعدما- في المستقبل"، ولا بد لها من جملتين؛ ترتبط الثانية منهما بالأولى ارتباط المسبب بالسبب -غالبا-١ بحيث لا يتحقق في المستقبل؛ معنى الثانية، ولا يحصل إلا بعد تحقق معنى الأولى وحصوله في المستقبل؛ فكلاهما لا يتحقق معناه إلا في المستقبل. غير أن معنى الثانية مترتب على معنى الأولى الذي لا يمتنع هنا. وبهذين تختلف "لو" غير الامتناعية عن "لو" الامتناعية التي تقتضي أن يكون ارتباط جملتيها في زمن ماض فقط، وأن شرطها ممتنع، فيمتنع له الجواب -بالتفصيل السالف؛ ومن ثم قال النحاة: إن "لو" الشرطية غير الامتناعية شبيهة "بإن الشرطية"؛ فهما يفيدان -غالبا-١ تعليق الجواب على الشرط، ويوجبان أن يكون زمن الفعل في جملتي الشرط والجواب مستقبلان مهما كان نوع الفعل وصيغته، كما يوجبان -أيضا- أن يكون مستقبلا.
وأما حكمها النحوي فمقصور على أنها أداة شرطية حقيقية. ولكنها لا تجزم على الرأي الأرجح. ولا بد لها من الجملتين بعدها٢؛ أولاهما جملة الشرط، والأخرى جملة الجواب. والأغلب أن يكون فعل الشرط وفعل الجواب مضارعين لفظا ومعنى ويتحتم أن يكون زمنهما للمستقبل الخالص. وإذا كان أحدهما ماضي اللفظ وجب أن يكون زمنه مستقبلا، فيكون ماضي الصورة دون الزمن. ومن الأمثلة قول الشاعر:
ولو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا ومن دون رمسينا٣ من الأرض سبسب٤
لظل صدى صوتي وإن كنت رمة لصوت صدى ليلى يهش ويطرب
وقول الآخر:
لا يلفك الراجوك إلا مظهرا خلق الكرام ولو تكون عديما٥
_________________
(١) ١ و١ قلنا: "غالبا" لأن التعليق قد يراد به معان أخرى "السببية والمسببية" كما فصلناه في رقم ١ من هامش٤٢٢ وي ص٤٥٤ عند الكلام على المراد من جواب الشرط الجازم وفي رقم ٣ من هامشها. ٢ فلها الصدارة -كما سبق. ٣ قبرينا. ٤ صحراء. ٥ فقيرا. والجواب محذوف يدل عليه أول البيت وهو مشتمل على: "لا الناهية" التي لا تدخل -غالبا- إلا على المضارع المستقبل الزمن؛ فيتعين هنا أن تكون "لو" شرطية للمستقبل تبعا لك.
[ ٤ / ٤٩٥ ]
ومثال الماضي الذي يصير زمنه مستقبلا خالصا مع بقاء صورته اللفظية على حالها -قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾، أي: لو يتركون؛ إذ لو كان الفعل باقيا على زمنه الماضي لفسد المعنى؛ لاستحالة الخوف بعد موتهم. ومثله قول الشاعر:
ولو أن ليلى الأخيلية سلمت علي ودوني جندل١ وصفائح٢
لسلمت تسليم البشاشة، أو زقا٣ إليها صدى من جانب القبر صائح
فالماضي هنا -وهو محذوف بعد: "لو" على الرأي المشهور الذي سيأتي٤. وتقديره مثلا: لو ثبت أن مؤول بالمضارع. أي: لو يثبت أن ؛ لاستحالة المعنى على المضي الحقيقي؛ إذ يترتب عليه أنه قال هذا الكلام بعد موته. ومثل هذا قولهم: مسكين ابن آدم؛ لو خاف النار كما يخاف الفقر لنجا منهما جميعا، ولو رغب في الجنة كما يرغب في الدنيا لفاز بهما جميعا.
أحكام مشتركة بين النوعين:
١- كلاهما قياسي، له الصدارة، مختص بالدخول على الفعل حتما، وكلاهما لا يعمل فيه الجزم -على الرأي الأرجح- لكن النوع الأول مختص بالدخول على الماضي غالبا؛ والثاني مختص بالدخول على المضارع غالبا؛ فلا بد أن يقع الفعل بعدهما مباشرة. فإن لم يقع الفعل ظاهرا بعدهما وكان الظاهر اسما، فالفعل مقدر بينهما، يفسره مفسر مذكور بعد الاسم الظاهر٥. نحو: لو ذات سوار٦ لطمت الرجل الحر لهان الأمر. وقول الشاعر:
_________________
(١) ١ صخر. ٢ أحجار عريضة. "كناية عن الموت". ٣ صاح. ٤ هنا، وفي ٣ من ص٤٩٩. ٥ أحوال هذا الاسم الظاهر، وضبطه، وإعرابه سبقت في الجزء الأول، في الباب الخاص به، وهو باب: "الاشتغال" م٦٩. ٦ المراد بذات السوار: المرأة الحرة، لا الأمة. وأصله مثل نطق به حاتم الطائي حين لطمته جارية؛ فقال: "لو ذات سوار لطمتني " أي: لهان الأمر. وقد كان عندهم لبس السوار مقصورا على الحرائر.
[ ٤ / ٤٩٦ ]
أخلاي١، لو غير الحمام أصابكم عتبت، ولكن ما على الدهر معتب
والتقدير: لو لطمت ذات سوار لطمت ، لو أصابكم غير الحمام أصابكم ، وقد يكون المفسر جملة، والفعل المحذوف هو "كان الشأنية"، كقول الشاعر:
لو بغير الماء حلقي شرق كنت كالغصان٢؛ بالماء اعتصاري٣
والتقدير: لو كان "الحال والشأن"، حلقي شرق بغير الماء، كنت كالغصان
٢- كلاهما لا بد له من جواب مذكور أو محذوف.
أ- فإن وقع جواب أحدهما فعلا ماضيا لفظا ومعنى، أو لفظا فقط -جاز اقترانه "باللام" وعدم اقترانه؛ سواء أكن الماضي مثبتا أم منفيا ب"ما" إلا أن اقتران المثبت باللام أكثر من تجرده منها، والمنفي بعكسه. فمن أمثلة اقتران الماضي المثبت وتجرده قوله تعالى في الصم البكم الذي لا يعقلون: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾، وقوله تعالى في الزرع: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ وقوله تعالى بعد ذلك مباشرة في الآية نفسها عن الماء الذي نشربه: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ ٤.
ومن أمثلة تجرد المنفي بـ"ما" واقترانه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ وقول الشاعر٥:
ولو نعطى الخيار لما افترقنا ولكن لا خيار مع الليالي
ولا تدخل هذه اللام على حرف نفي غير "ما".
ولبعض النحاة رأي حسن في مجيء هذه اللام في جواب "لو الشرطية" حينا،
_________________
(١) ١ أصله: أخلائي. ثم قصر بحذف الهمزة، لضرورة الشعر، وأضيف لياء المتكلم. ويجوز قراءته: "أخلاء"، بالمد وحذف ياء المتكلم، وكسر ما قبلها، أو عدم كسره على حسب الأوجه الجائزة فيه بعد حذفها "وقد سبقت في ص٥٨". ٢ المصاب بغصة في حلقه. ٣ نجاتي وسلامتي. ٤ مرا، شديد الملوحة. والآية كاملة -في سورة الواقعة: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ، أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ، لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ، إِنَّا لَمُغْرَمُونَ، بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ، أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ، أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ، لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ . ٥ ومثله قول الآخر: لو كنت آمل أن ألقاك في الحلم لما قرعت عليك السن من ندم ومن أمثلة تجرد المنفي بما قول الشاعر يصف حاله من غنى بخيل: لو ملك البحر والفرات معا ما نالني من نداهما بللا وكقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ .
[ ٤ / ٤٩٧ ]
وعدم مجيئها حينا آخر؛ يقول: هذه اللام تسمى: "لام التسويف"، أي: التأجيل والتأخير والتمهل؛ لأنها تدل على أن تحقق الجواب سيتأخر عن تحقق الشرط زمنا طويلا نوعا، وعدم مجيئها يدل على أن تحقق الجواب سيتأخر عن تحقق الشرط زمنا يسيرا، قصير المهلة بالنسبة للمدة السالفة. فتحقق الجواب في الحالتين متاخر عن تحقق الشرط -كالشأن في الجواب دائما- إلا أن مجيء اللام معه دليل على أنه سيتأخر كثيرا، وأن مهلته ستطول، بالنسبة له حين يكون خاليا ١.
ب- وقد يكون الجواب جملة اسمية مقرونة باللام؛ ومنه -في رأي بعض النحاة- قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾، والأصل: لو ثبت أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير. فاللام داخلة على المبتدأ: "مثوبة" وخبره كلمة: "خير" والجملة الاسمية هي الجواب.
ج- وقد يكون الجواب مسبوقا بكلمة "إذا"٢ التي تفيده وتقويه وتوكيدا؛ نحو: لو قصدتني إذا -لعاونتك. وقول الشاعر:
لو أن للفصل فيما بيننا حكما إذًا لبين حقا أينا ظلما
ومن النادر الذي لا يقاس عليه أن يكون فعل الجواب هو "أفعل"، للتعجب مقرونا باللام، أو أن يكون الجواب مسبوقا بالفاء، أو رب، أو قد ٣.
_________________
(١) ١ ويقول ابن الأثير: "في كتابه: "الجامع الكبير" ج١ ص٢٢٥" عند الكلام على لام التأكيد ما نصه؛ "لا يجيء ذلك إلا لضرب من المبالغة. وفائدتها في التأليف أنه إذا عبر عن أمر يعز وجوده؛ أو فعل يعظم إحداثه ووقوعه جيء بها. فمن هذا الباب قوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ . ٢ سبق الكلام عليها وعلى دخولها في جواب "لو" في ص٣١٥ ومن أمثلتها في القرآن الكريم: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾، وفي تلك الصفحة أمثلة أخرى. ٣ نحو: لو مات الجندي شهيدا لأكرم بها من ميته، لو سافرت فراحة، لو ربما السفر راحة، لو شئت قد أسافر "راجع الهمع ج٢ ص٦٦".
[ ٤ / ٤٩٨ ]
٣- كلاهما صالح للدخول على: "أن -مفتوحة الهمزة- ومعموليها" -وهذا أحد مواضع الاختلاف بين "لو" و"إن" الشرطيتين- ومن الأمثلة قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾، وقول المعري:
ولو أني حبيت١ الخلد٢ فردا لما أحببت بالخلد انفرادا
وقول الآخر يصب ألفاظ أديب:
فلو أن ألفاظه جسمت لكانت عقودا لجيد الغواني٣
وإذا دخلت "لو" على "أن ومعموليها" فهل تفقد اختصاصها الذي عرفناه؛ وهو دخولها على الأفعال في الأعم الأغلب؟
يرى فريق من النحاة أنها فقدت اختصاصها، وأن المصدر المنسبك بعدها من أن مع معموليها مبتدأ، خبره محذوف؛ تقديره: ثابت، أو نحو هذا مما يناسب بالسياق. ففي مثل:
لو أن التاجر أمين لراجت تجارته -يكون التقدير: لو أمانة التاجر ثابتة لراجت تجارته وفي مثل: لو أن الحارس غافل لاجترأ اللص يكون التقدير: لو غفلة الحارس ثابتة لاجترأ اللص.
ويرى فريق آخر أنها لم تفقد اختصاصها، وأنها في الحقيقة لم تدخل على "أن ومعموليها" مباشرةن وإنما دخلت على فعل مقدر هو: ثبت -ونحوه- المصدر المؤول من: "أن ومعموليها" فاعل للفعل المقدر. فتقدير الفعل في الأمثلة السابقة هو: ولو ثبت أنهم آمنوا.. ولو ثبت أنهم صبروا ولو ثبت أني حبيت فلو ثبت أن ألفاظه جسمت، ولو ثبت أن التاجر ولو ثبت أن الحارص وهكذا. وتقدير الفعل مع فاعله المصدر المنسبك من أن معموليها هو: ولو ثبت إيمانهم ولو ثبت صبرهم.. ولو ثبت حبوي، لو ثبت تجسيم ولو ثبتت أمانة التاجر ولو ثبتت غفلة الحارس
_________________
(١) ١ منحت وأعطيت. ٢ الجنة. ٣ يريد: أن ألفاظه لو جسمت لصارت دررا ولآلئ تلبسها الغواني في أعناقهن، للزينة.
[ ٤ / ٤٩٩ ]
والرأيان صحيحان، ولكن ثانيهما أولى بالترجيح، إذ يحقق حكما أصيلا غالبا، من أحكام "لو" بنوعيها؛ هو: اختصاصها بالدخول على الفعل، ولكيلا يدخل الحرف المصدري على مثل١ بغير فاصل.
٤- يجب الترتيب بين "لو"٢ وجملتيها. فلا يصح تقديم شيء منهما، ولا من معمولاتهما على "لو" ولا يصح تقديم شيء من الجملة الجوابية أو معمولاتها على الشرطية.
حذف فعل شرطها وحده، وحذف الجملة الشرطية كاملة:
يصح هنا حذف فعل الشرط وحده إذا دل عليه دليل، كوجود مفسر له بعد فاعله المذكور في الكلام. نحو: لو مطر نزل لاعتدل الجو. والأصل: لو نزل مطر نزل ومن أمثلة حذفه بغير المفسر أن يكون فاعله مصدرا مؤولا من "أن ومعموليها"؛ كالأمثلة التي مرت "في"٣.
أما حذف الجملة الشرطية كلها بغير الأداة: "لو" فنادر لا يصح القياس عليه؛ كأن يقال: أيعتدل الجو لو نزل المطر؟ فيجاب: "نعم لو لاعتدل الجو".
وقد تحذف قياسا ومعها: "لو" بشرط وجود القرينة، نحو قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾، التقدير: إذ لو كان معه آلهة لذهب كل إله بما خلق
وقد يحذف قياسا فعل الشرط: "كان" ومعه امسه أو خبره؛ نحو: اقرأ كل يوم ولو صفحة أو صفحة. على تقدير: ولو كان المقروء صفحةن أو كانت مقروءة صفحة.
-كما تقدم في باب كان٤.
_________________
(١) ١ وللأسباب الهامة التي سبقت في ج٢ م٦٩ ص١٢١ باب: "الاشتغال". ٢ لأن لها -كسائر الأدوات الشرطية- الصدارة على الجملتين ومعمولاتها. ٣ التنوين هنا للعوض عن الجملة الشرطية المحذوفة، ومعها والأداة: "لو". واللام بعدهما دليل الحذف. ٤ ج١.
[ ٤ / ٥٠٠ ]
حذف فعل الجواب، وحذف جملة الجواب كاملة:
لا يصح هنا حذف فعل الجواب وحده. لكن يكثير حذف الجملة الجوابية كاملة لدليل، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾، ﴿بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾، وتقدير المحذوف: ما نفعهم أو: لكان هذا القرآن.. ومثل: تتمزق الأمة باختلاف زعمائها؛ فلو اتفقوا..، التقدير: لو اتفقوا لبقيت سليمة، أو قوية١ ، وكقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ فجواب "لو" جملة محذوفة تقديرها: لرأيت أمرا عظيما هائلا.
حذف جملتي الشرط والجواب معا:
ورد في المسموع أمثلة قليلة لحذفها معا، ولا يصح القياس عليها؛ لقلتها؛ ولأنها في الشعر، ومنها:
إن يكن طبعك الدلال فلو في سالف الدهر والسنين الخوالي
التقدير: فلو كان في سالف الدهر والسنين الخوالي لكان مقبولان أو نحو هذا٢.
_________________
(١) ١ ومثل قول الشاعر: وأظمأ إن أبدى لي الماء منة ولو كان لي نهر المجرة موردا وقول الآخر: أطلب العز في "لظى"، وذر الذل ولو كان في جنان الخلود التقدير: فذره. ٢ عقد ابن مالك باب خاصا عنوانه: "فصل: لو" اقتصر فيه على ثلاثة أبيات موجزة الأحكام، غامضة الدلالات. ونصها؛ "لو" حرف شرط في مضى، ويقل إبلاؤها مستقبلا. لكن قبل يريد بهذا: "لو" الشرطية الامتناع؛ فإنها هي التي يكون بها التعليق في الزمن. أما التي يكون التعليق بها مستقبلا فالشرطية غير الامتناعية. والتعليق بها -مع قلته- مقبول، أي: جائز يصح =
[ ٤ / ٥٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
عرفنا: "لو الشرطية"، بنوعيها. وهناك أنواع أخرى من "لو" عرضت لها المطولات النحوية؛ "كالمغني، وشرح المفصل " واللغوية؛ "كلسان العرب، وتاج العروس " وسنشير إلى كثير من هذه الأنواع إشارة عابرة، وكلها حروف.
١- "لو" المصدرية "وقد سبق الكلام عليها في الجزء الأول باب الموصول، م٢٩ ص٤١٣".
٢- "لو" الزائدة، أو: "الوصلية" ولا تحتاج لجواب -في المشهور- فهي ك"إن الوصلية" التي سبق الكلام عليها هنا١؛ بحيث يمكن وضع "لو" مكان "إن" فلا يفسد المعنى، ولا الأسلوب. وتعرب كإعرابها، نحو: الدني ولو كثر ماله، بخيل. وهذا أقل الأنواع استعمالا في فصيح الكلام. وقد يمكن تخريجه على نوع آخر.
_________________
(١) = القياس عليه. ثم قال: وهي في الاختصاص بالفعل كإن لكن: "لو" "ان" بها قد تقترن يصرح بأن "لو الشرطية" بنوعيها مختصة بالدخول على الفعل، شأنها في هذا شأن "إن" الشرطية، لا تدخل إلا على الفعل ظاهرا مقدارا. ثم بين هذا ما تمتاز به "لو" من دخولها على: "أن ومعموليها" وهذا الدخول لا تشاركها فيه "إن" الشرطية؛ إذ لا يصح أن تقترن "بأن من معموليها"، أي: لا يصح أن تدخل عليها ، وانتقل بعد هذا إلى البيت الثالث خاتما به الفصل: وإن مضارع تلاها صرفا إلى المضي؛ نحو: لو يفي كفى يقرر: أن المضارع الواقع بعد "لو" الامتناعية يكون زمنه ماضيا حتما؛ فهو مضارع في صورته وشكله، ماض في زمنه؛ نحو؛ "لو يفي كفى. أي: لو وفى كفى" وهذا خاص بالمضارع بعد "لو" الامتناعية. أما غير الامتناعية فيبقى على حاله صورة وزمنا. ١ في ص٤٣٣ وهناك خلاف في حاجتها إلى جواب أو عدم حاجتها، وما يتصل بها من شرطية وعدم شرطية، وهو نفس الخلاف في "لو" "انظر رقم ١ من هامش ص٤٣٣".
[ ٤ / ٥٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٣- "لو" التي تفيد التقليل المجرد، وهي حرف لا عمل لهن ولا يحتاج لجواب نحو: أكثر من ضروب البر الإحسان، ولو بالكلمة الطيبة١.
٤- "لو" التي تفيد التحضيض، كأن ترى بخيلا في مستشفى؛ فتقول: لو تتبرع لهذا المستشفى فتنال خير الجزء. بنصب المضارع بعد فاء السببية الجوابية٢. وهذا النوع لا يحتاج لجواب في الرأي الأحسن.
٥- "لو" التي للغرض؛ مثل: لو تسهم في الير فتثاب، بنصب المضارع بعد فاء السببية الجوابية. والأحسن الأخذ بالرأي القائل: إنها لا تحتاج إلى جواب.
٦- "لو" التي للتمني؛ ولو تكون للتمني إلا حيث يكون الأمر مستحيلا أو في حكم المستحيل، نحو قوله تعالى عن يوم القيامة: ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ ومثل: لو يستجيب لي حكام الدول فأحول بينهم وبين إشعال الحروب. بنصب المضارع "أحول" بعد فاء السببية الجوابية٣.
وقد سبق الكلام على "لو" التي تفيد التحضيض، أو: العرض، أو: التمني -عند الكلام على فاء السببية الجوابية١.
_________________
(١) ١، ١ وقال بعض النحاة: "كل ما أورد شاهدا على التقليل تصلح فيه أن تكون شرطية بمعنى "إن" حذف جوابها، والقليل مستفاد من المقام". والتقدير: وإن كان الإكثار بالكلمة. والأول أحسن. ٢ سبق لهذا النوع إشارة رقم ٦ من ص٣٦٩. ٣ وهل تحتاج إلى جواب؟ قيل لا تحتاج مطلقا. وقيل إنها تحتاج له ولكنه لازم الحذف بسبب إشرابها معنى التمني. ونتيجة الرأيين واحدة -ولهذا النوع إشارة في ص٣٦٩.
[ ٤ / ٥٠٣ ]
المسألة ١٦١:
أما الشرطية ١:
صيغتها -معناها- أحكامها النحوية:
أ- صيغتها في الرأي الأرجح: "بسيطة"٢ رباعية الأحرف الهجائية. ومن العرب من يقلب ميمها الأولى ياء٣، فيقول في مثل: "أما الرياء فخلق اللئام، وصفة الضعفاء" "أيما الرياء " ومن هذا قول الشاعر يصف نفسه بالترف البالغ، والنعمة السابغة:
رأت رجلا أيما إذا الشمس عارضت٤ فيضحى٤. وأيما بالعشي فيخصر٥
وقول الآخر:
مبتلة٦، هيفاء. أيما وشاحها فيجري، وأيما الحجل٧ منها فلا يجري٨
ب- ومعناها: الدلالة على أمرين متلازمين معها؛ هما: الشرطية٩، والتوكيد١٠؛ فلا يخلو استعمال لها من اجتماع هذه الشرطية والتوكيد. وقد تقتصر عليهما -كما في مثل: "أما علي فمسافر"، وكما في المثال الأول-١١ أو لا تقتصر، أو لا تقتصر، وهو الغالب
_________________
(١) ١ ستجيء أنواع مختلفة من: "أما" مفتوحة الهمزة ومكسورتها -في ص٥١١. ٢ أي: ليست مركبة من كلمتين، أو أكثر. ٣ هي لغة لبني تميم. ويحسن اليوم عدم محاكاتها. ٤، ٤ ارتفعت. و"يضحي": يخرج من بيته، ولا يخرج قبل ذلك، خوف لبرد؛ لأنه مترف، ولاستغنائه عن السعي. ٥ يشعر بالبرد. ويقول الصبان: إن الفعل بالخاء هنا، وإن الحاء خطأ. ٦ منسقة الجسم. ٧ الخلخال. ٨ لأنها ثمينة منعمة. ٩ تعليق أمر على آخر وجودا وعدما، وارتباطه به بنوع ارتباط؛ يغلب أن يكون السببية والمسببية على الوجه الذي سبق تفصيله عند الكلام على الجواب في البابين "ص ٣٠٨، ٣٥٣، ٣٨٢، وفي رقم ٥ هامش ص٤٥٠ و٣ من هامش ص٤٥٤. ١٠ المراد بالتوكيد هنا. تحقق الجواب، والقطع بأنه حاصل، وأنه لا محالة واقع، ولو ادعاء. وسيجيء السبب في الصفحة الآتية. ١١ لأن المراد؛ مهما يكون من شيء فالرياء خلق اللئام. فقد علقنا أمرا -هو الحكم بنسبة الرياء إلى خلق اللئام- على وجود شيء آخر، أي شيء كما سيجيء هنا.
[ ٤ / ٥٠٤ ]
الكثير، فتدل معهما على التفصيل١؛ نحو: الناس طبقات فأما الشريف فمن شرفت أعماله، وكملت خصاله، وإن كان فقيرا. وأما الدنيء فمن قبح صنعه، وساء طبعه، وإن كان غنيا. وأما العزيز فمن ترفع عن الدنايا، وأبي المهانة، وإن كان قليل الأهل والأتباع. وأما الذليل فمن رضي الهوان، وإن كان كثير الأهل والأعوان". فكلمة "أما" في هذا الكلام وأشباهه دالة على الشرطية؛ لقيامها مقام اسم الشرط: "مهما" وجملته الشرطية؛ -كما يأتي- "إذا المراد: مهما يكن من٢ شيء فالشريف من شرفت أفعاله وهكذا". وهي دالة على التفصيل فيه أيضا؛ بذكر الأقسام، والأفراد المتعددة المختلفة لشيء مجمل٣. وهي دالة فيه على التوكيد أيضا.
ولإيضاح التوكيد نذكر أن من يقول: "محمد عالم" يقصد إثبات العلم لمحمد، ونسبته إليه، بغير تأكيد ولا تقوية. فإذا أراد أن يمنح المعنى فضل تأكيد، ومزيدا من التقوية أني بكلمة: "أما"، قائلا: "أما محمد فعالم". وسبب التأكيد والتقوية في هذا أنه يريد: "مهما يكن من شيء فمحمد عالم" فقد علق وجود علمه على وجود شيء، أي شيء آخر، بمعنى أن وجود العلم مترتب ومتوقف على وجود شيء يقع في الكون. ولما كان من المحقق المؤكد وقوع شيء في الكون حتما، كان من المحقق المؤكد -ادعاء- كذلك وقوع ما يترتب عليه؛ وهو: "العلم"؛ لأن تحقق السبب وحصوله لا بد أن يتبعه تحقق المسبب عنه، وحصوله على سبيل التحتيم٤
وقد تدل على التفصيل تقديرا: أي: بغير ذكرها وذكر شيء معها، وإنما يدل عليهما السياق والقرائن؛ نحو: "الناس معادن؛ فأما أنفسها وأغلاها فالأخيار". التقدير: وأما أخسها وأرخصها فالأشرار. ونحو:
_________________
(١) ١ تبيين الأمور والأفراد المجتمعة تحت لفظ واحد يتضمنها إجمالا. وقد سبق الكلام عليه "في ج٣ ص٣٣٧ م١١٨" وعن الصلة بينه وبين التقسيم والتفريق.. ٢ ويصح حذف "من" في هذه الأساليب، ونظائرها. ٣ هو: الناس. ٤ إذ المعلول "المسبب" لا بد أن يوجد بوجود علته "سببه".
[ ٤ / ٥٠٥ ]
"الأصدقاء ضروب. فأما أحسنهم فالوفي الأمين". التقدير: وأما أقبحهم فالغادر الخائن..
ج- وأحكامها النحوية تنحصر فيما يأتي:
١- أنها أداة شرط؛ بسبب قيامها مقام اسم الشرط: "مهما" الواجب حذف جملته الشرطية هنا؛ فكأنها قائمة مقام: "مهما يكن شيء، أو: مهما يكن من شيء" بحيث يصح حذف "أما" ووضع "مهما يكن شيء، أو: مهما يكن من شيء" موضعها؛ فلا يفسد المعنى ولا التركيب مطلقا. وليس المراد من قيامها مقام اسم الشرط: "مهما" المحذوف شرطه وجوبا، أنها تعرب اسم شرط، أو فعل شرط، أو هما معا، ولا أن تؤدي معناهما تأدية حقيقية، يمكن بمقتضاها وضع "أما" في كل موضع تشغله "مهما" مع فعل شرطها ، ليس المراد هذا؛ لأن "أما" حرف، والحرف لا يؤدي معنى اسم وفعل معا، ولأن كثير من الأساليب يفسد تركيبه ومعناه إن حلت فيه "أما" في كل موضع تشغله "مهما" مع فعل شرطها ، وليس المراد هذا؛ لأن "أما" حرف، والحرف لا يؤدي معنى اسم وفعل معا، ولأن كثيرا من الأساليب يفسد تركيبه ومعناه إن حلت فيه "أما" محل "مهما" الشرطية وإنما المراد هو: صحة حذف "أما" الشرطية دائما ووضع: "مهما يكن شيء، أو: مهما يكن من شيء" موضعها. لأن في هذا رجوعا إلى الأصل، واستغناء عن النائب عنه، الذي ليست شرطيته أصيلة، وإنما هي مكتسبة بسبب نيابته.
وإعراب الجملة المشتملة على "أما" في مثل: "أما المخترع فعالم" هو: "أما" نائبة عن: "مهما يكن شيء، أو من شيء". "المخترع" مبتدأ مرفوع. "فعالم" "عالم" خبر المبتدأ، وهذه الجملة الاسمية المكونة من المبتدأ والخبر في محل جزم جواب: "أما" النائبة عن "مهما" و"الفاء" زائدة داخلة على هذه الجملة الاسمية التي هي جواب اسم الشرط المحذوف الذي نابت عنه "أما" وكان الأصل أن تدخل على المبتدأ ولكنها تتأخر عنه إلى الخبر إذا لم يفصل بينها وبين الشرط فاصل -كما في هذه الصورة١.
وإعراب: "مهما يكن من شيء، أو شيء فالمخترع عالم"، هو: "مهما"، اسم شرط مبتدأ، "يكن" مضارع تام٢، مجزوم؛ لأنه فعل الشرط.
_________________
(١) ١ سيجيء هذا الحكم في الصفحة الآتية. ٢ بمعنى: يوجد.
[ ٤ / ٥٠٦ ]
"من شيء" "من" حرف جر زائد، و"شيء" فاعل مرفوع بضمة مقدرة؛ منع من ظهورها حركة حرف الجر الزائد. هذا إن وجد الحر: "من"؛ فإن لم يوجد فالفاعل مرفوع مباشرة، على اعتبار: "يكن" فعلا مضارعا تاما١ في الحالتين -وهذا هو الأسهل. أما على اعتباره ناسخا فكلمة: "شيء" اسمه، وخبره محذوف تقديره: "موجودا"، والجملة الشرطية خبر "مهما"٢. "فالمخترع" "الفاء" داخلة على جواب الشرط، و"المخترع" مبتدأ، و"عالم" خبره، والجملة من المبتدأ وخبره في محل جزم جواب الشرط: "مهما".
وهناك إعرابات أخرى نكتفي بالتلميح إليها دون الإطالة بذكرها؛ لسهولتها وجريانها على مقتضى القواعد العامة.
وليس من اللازم أن تكون: "أما" الشرطية في كل استعمالاتها قائمة مقام: "مهما يكن شيء أو من شيء" بهذا التبعير الحرفي؛ فمن الجائز -في أساليب أخرى- أن تقوم مقام تعبير شرطي آخر مناسب للسياق وللمعنى والمراد؛ كقولهم في الرد على من يشك في علم شخص أو شجاعته: "أما العلم فعالم"، و"أما الشجاعة فشجاع" بنصب كلمتي: "العلم، والشجاعة"، على تقدير: مهما ذكرت العلم ففلان عالم -مهما ذكرت الشجاعة ففلان شجاع. بل إن هذا التقدير أحسن على اعتبار هذه الأسماء المنصوبة مفعولا به للفعل: "ذكرت"، ونحوه٣.
٢- وجوب اقتران جوابها بالفاء الزائدة للربط المجرد٤؛ فليست للعطف ولا لغيره. ومع أنها زائدة للربط لا يجوز حذفها إلا إذا دخلت على معقول محذوف؛ فيغلب حذفها معه، حتى قيل إنه واجبن كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾ والأصل: فيقال لهم: أكفرتم ، وفي غير هذه
_________________
(١) ١ بمعنى: يوجد. ٢ على الرأي القائل إنها الخبر، أو الجملة الجوابية، أو هما معا على الرأي القائل بذلك. ٣ هذا الإعراب أحسن من إعرابها إياها مفعولا مطلقا معمولا للمشتق الذي بعد الفاء في الجملة الجوابية، أو مفعولا لأجله لفعل الشرط المحذوف إن كان الاسم معرفة، وحالا من مفعول الفعل المحذوف إن كان نكرة. وإنما كان أحسن لأن تقدير هذا الفعل مطرد في كل موضع، ولا يترتب عليه أن يكون ما بعد هذه الفاء عاملا فيما قبلها وهذا ممنوع عندهم، وإن كان أكثرهم يجيزه بعد هذه الفاء الداخلة في جواب "أما" الشرطية. "وانظر رقم ٤ في هامش الصفحة التالية". ٤ يوضح هذا الرب ما سبق في نظيرتها برقم ٨ ص٤٥٨.
[ ٤ / ٥٠٧ ]
الحالة سمع حذفها نادرا في النثر، وفي الضرورة الشعرية، وهذان لا يقاس عليهما اختيار.
ويجب تأخير الفاء إلى الخبر إن كان الجواب جملة اسمية مبتدؤها غير مفصول من "أما" بفاصل -كما أسلفنا-١ ومن أمثلته أيضا قول الشاعر:
ولم أر كالمعروف؛ أما مذاقه فحلو، وأما وجهه، فجميل ٢
٣- وجوب الفصل بينها وبين جوابها، بشرط أن يكون الفاصل أحد الأمور الآتية:
أ- المبتدأ٣؛ كبعض الأمثلة السابقة، وقول الشاعر:
أما الخليل فلست فاجعه والجار أوصاني به ربي
ب- الخبر؛ نحو: أما مكريم فالعربي. وأما في البادية فالشجاعة.
ح- الجملة الشرطية وحدها دون جوابها؛ نحو قوله تعالى في الميت: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ، فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ ويجب أن يكون جواب الجملة الشرطية محذوفا استغناء بجواب "أما".
د- الاسم المنصوب لفظا أو محلا بجوابها ولا مانع هنا من أن يعمل ما بعد الفاء فيما قبلها٤، فالأول كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ ٥. والثاني كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾،
_________________
(١) ١ في الصفحة السابقة. ٢ وبعده. ولا خير في حسن الجسوم وطولها إذا لم يزن حسن الجسوم عقول وقد سبق البيت في الجزء الثاني، لمناسبة هناك، باب حروف الجر "م٩٠" عند الكلام على الكاف. ٣ وقد يكون المبتدأ مستلزما شيئا يذكر معه؛ كالمبتدأ اسم الموصول في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ واسم الموصول يستلزم صلة حتمية. ٤ انظر رقم ٣ من هامش الصفحة السابقة..، وقال الرضي: يصح أن يتقدم على هذه الفاء من معمولات الجواب: المفعول به، والمفعول المطلق، والمفعول لأجله، والظرف، والحال. ٥ لا تنهر، أي: لا تنهره لا تزجره بشيء يؤلمه -قولا أو عملا.
[ ٤ / ٥٠٨ ]
لأن الجار مع مجروره في حكم المفعول به، فكأنه منصوب محلا. والفصل في الصورتين واجب؛ إذ لا يصح دخول "أما" على الطلب مباشرة. وقد اجتمع النوعان من الفصل في قول الشاعر:
نزور أمرأ؛ أما الإله فيتقي وأما بفعل الصالحين فيأتمي١
هـ- الاسم المعمول لمحذوف يفسره ما بعد "الفاء"، نحو: أما المخترع فأعظمه٢.
وشبه الجملة المعمول لـ"أما" إذا لم يوجد عامل غيرها؛ لما فيها من معنى الفعل الذي نابت عنه، ويصح اعتباره معمولا لفعل الشرط المحذوف. فمثال الفصل بالظرف٣: أما اليوم فالصناعة ثروة. ومثال الفصل بالجار والمجرور: أما في القتال فالسلاح العلم.
ز- الجملة الدعائية بشرط أن يسبقها شبه جملة، نحو: أما الآن -حفظك الله- فأنا مسافر. أو: أما في بلدنا -صانها المولى- فالأحوال طيبة
٣- جواز حذفها لدليل؛ ويكثر هذا قبل الأمر والنهي؛ كقوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾، والدليل على حذفها فيما سبق هو "الفاء" التي لا مسوغ لها إلا دخولها في الجواب. كما أن التنويع في
_________________
(١) ١ يأتم ويحاكي. ٢ ومنه قوله تعالى: "وأما ثمودَ فهديناهم" -بنصب "ثمود" في إحدى القراءات. ويقول كثير من النحاة: إن تقدير العامل واجب بعد الفاء وقبل ما دخلت عليه؛ بحجة أن "أما" نائبة عن الفعل، فكأنها فعل والفعل لا يلي الفعل، وهذا كلام لا يحسن الأخذ به هنا. ولهذه الآية بيان مفيد في الجزء الثاني، باب: "الاشتغال"، م٦٩ عند الكلام على "الاستغال بمعناه العام، ص١٣٤. ٣ ومن أمثلة الفصل بالظرف وقوع الظرف: "بعد" تاليا "أما الشرطية" ويكثر هذا في صدر الخطب، وفي افتتاح الكلام الهام، وبين موضوعاته المتنوعة، الطويلة، فيقال في كل ما سبق: "أما بعد" وقد تحذف "أما" وتجيء الواو بدلها؛ فيقال: "وبعد"، مثل قول الخطيب: "بسم الله، والحمد لله. "وبعد" فإن لكل مقام مقالا ". أما إعراب هذا الظرف، وحكم الفاء بعده فمدون تفصيلا عند الكلام عليه في ج٢ م٧٩ ص٢٦٥ -باب: الظرف، وكذلك في ج٣ باب: الإضافة عند الكلام على الألفاظ الملازمة في الغالب للإضافة.
[ ٤ / ٥٠٩ ]
السياق يدل على حذفها١
٤- جواز حذف جوابها -لقرينة تدل عليه- ومعه: الفاء على الوجه الذي تقدم في الحكم الثاني٢. وفيه المثال؛ وهو قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾ والأصل: فيقال لهم: أكفرتم.
وكقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أي: فيقال لهم
_________________
(١) ١ وفي الكلام على "أما" الشرطية يقول ابن مالك في باب مستقل عنوانه: "أما، ولولا، ولوما". أما كمهما يك من شيء، و"فا" لتلو تلوها وجوبا ألفا "فا" أي: فاء، تلو بمعنى التالي". الأصل: أما كمهما يكن من شيء، و"فاء" ألف وجوبا لتالي تاليها؛ أي: للجواب؛ لأن تاليها مباشرة هو: الشرط، وتالي التالي هو الجواب. فيجب اقترانه بالفاء تبعا للمألوف في الكلام الفصيح ويفهم من هذا أن حذفها غير مألوف فيه؛ كما وضحه بقوله بعد هذا مباشرة: وحذف ذي "الفا" قل من نثر إذا لم يك قول معها قد نبذا "ذي: هذه، نبذ: حذف" يريد: أن حذف هذه الفاء قليل في النثر لا يقاس عليه إلا إذا حذفت مع القول -كما شرحنا- وقد اكتفى بالبيتين السابقين في الكلام على "أما" وكل يختص بها. ٢ ص٥٠٧.
[ ٤ / ٥١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
١- تختلف "أما" الشرطية السالفة في صيغتها، ومعناها، وأحكامها عن "أما" مفتوحة الهمزة، المركبة من "أن" المصدرية، و"ما" التي جاءت عوضا عن "كان" المحذوفة، وقد سبق بيانها تفصيلا١.
كما أنها تختلف عن "أما" التي أصلها: "أم" و"ما" المدغمتين -عند من يكتبها متصلتين، وليس هذا بالمستحسن -نحو: أسقيت الحقل أماذا؟ والفرق أوسع بينها وبين "إما" مكسورة الهمزة التي لا شرطية معها. قال الفخر الرازي في تفسيره٢ وقد عرض لهما:
إذا كنت آمرا، أو ناهيا، أو مخبرا -فالهمزة مفتوحة، نحو: أما الله فاعبده، وأما الخمر فلا تشربها، وأما الضيف فقد خرج. وإن كنت مشترطا٣ أو شاكا أو مخيرا -فالهمزة مكسورة- فمثال الاشتراط: إما٤ تعطين المحتاج فإنه يشكرك. وقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾، ومثال الشك، لا أدري من قام، إما من محمد وإما علي، ومثال التخيير: لي في المدينة دار فإما أن أسكنها وإما أن أبيعها.
٢- وهناك "إما العاطفة" التي سبق تفصيل الكلام عليها في الجزء الثالث٥ مع الإشارة هناك لبعض الأنواع الأخرى التي ليست عاطفة.
٣- تكثر "أما الشرطية" التي يليها الظرف: "بعد" في مواضع أشرنا إليها "في رقم ٣ من هامش ص٥٠٩" كما أشرنا هناك إلى جواز الاستغناء عن "أما الشرطية" أحيانا، في ذلك الأسلوب، ووضع الواو مكانها فيقال: " و"بعد" فإن لكل مقام مقالا " وتفصيل الكلام على هذا الظرف، وحكم الفاء التي تليه مدون في مكانه المناسب، وهو باب: "الظرف" ج٢ م٧٩ ص٢٦٥.
_________________
(١) ١ ج١ ص٤٣١م، م٤٥ باب: "كان". ٢ ج١٤ ص٢١٢. ٣ مستعملا أداة الشرط. ٤ في هذه الصورة تكون مركبة من "إن" الشرطية "وما" الزائدة المدغمة فيها. ٥ م١١٨ ص٥٩٣ وما بعدها -ما باب: "عطف النسق".
[ ٤ / ٥١١ ]
المسألة ١٦٢: أدوات التحضيض، والتوبيخ، والعرض، والامتناع
وهي: لولا، لو ما، هلا، ألا، ألا ١:
صيغها، معانيها، أحكامها النحوية:
أ- أما صيغها فالشائع أن كل أداة مركبة في الأصل من كلمتين: "لو، ولا". ولا يعنينا هنا البحث في أصلها وتاريخها القديم، وإنما يعنينا أمرها الآن، وما انتهت إليه كل أداة منها، بعد أن توحد جزاءها، وصارا كلة واحدة؛ تؤدي معنى جديدا، وتختص بأحكام جديدة لم تكن لها قبل التوحد، ولو زال عنها هذا التوحد لتغيرت معانيها وأحكامها تغيرا أصيلا واسعا.
ب- معانيها: هذه الحروف الخمسة تشترك جميعا في أنها تدل على التحضيض٢ تارة، وعلى التوبيخ تارة أخرى. ولذا يسميها اللغويون: "حروف التحضيض، والتوبيخ".
وتمتاز "ألا" - من الخمسة - بأنها تكون أحيانا أداة للعرض٣. كما تمتاز "لولا، ولو ما" بأنهما ينفردان بالدلالة على امتناع شيء بسبب وجود شيء آخر،
_________________
(١) ١ يزاد على هذه الخمسة: "لو" فإنها تكون أحيانا للعرض أو التحضيض؛ "طبقا لما تقدم في رقمي ٥ و٦ من ص٣٦٩ ورقمي ٤ و٥ من ص٥٠٣". ٢ ومثلها "لو" في الدلالة على التحضيض دون التوبيخ كما أشرنا في رقم ١ والتحضيض هو: الترغيب القوي في فعل شيء أو تركه. وتظهر القوة في اختيار الكلمات الجزلة القوية، وفي نبرات الصوت. ٣ ومثلها: "لو" -كما أشرنا في رقم ١- والعرض هو: الترغيب في فعل شيء أو تركه ترغيبا مقرونا بالعطف والملاينة. ويظهر هذا في اختيار الكلمات، وفي نغم الصوت. وتمتاز "ألا" كذلك بأن تقع أداة "استفتاح للتنبيه"؛ فتكون في أول الكلام بقصد التنبيه إلى ما يليها، والاهتمام بما يجيء بعدها. ومثلها في هذا "أما" كقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، وقول الشاعر: أما والله إن الظلم لؤم وما زال المسيء هو الظلوم
[ ٤ / ٥١٢ ]
ويسميان لهذا: أداتي شرط امتناعي١.
فالمعاني التي تؤديها هذه الحروف ثلاثة أنواع:
١- التحضيض والتوبيخ، تؤديهما الحروف الخمسة.
٢- العرض. وتكاد وتنفرد به: "ألا"، وهو الأكثر في استعمالها.
٣- الامتناع. وتكاد تنفرد به "لولا، ولو ما"٢.
ج- أحكامها النحوية: -وكلها حروف.
١- إذا كانت الأداة للتحضيض أو للعرض وجب أن يليها المضارع إما ظاهرا، وإما مقدرا يفسره ما بعده؛ بشرط استقبال زمنه في حالتي ظهوره وتقديره"؛ لأن أداة الحض والعرض تخلص زمن المضارع للمستقبل؛ إذ معناها لا يتحقق إلا فيه". فمثال المضارع الظاهر المباشر لها "أي: غير المفصول منها مطلقا": لولا تؤدي الشهادة على وجهها -لو ما تغير المنكر بيدك، أو بلسانك، أو بقلبك- هلا تحمي الضعيف ألا تصاحب النبيل الوديع، أو ألا
ومثال المضارع الظاهر المفصول منها بمعموله المتقدم عليه: لولا الشهادة تؤدي على وجهها لو ما المنكر تغير بيدك. هلا الضعيف تحمي وكذا الباقي..
ومثال المضارع المقدر: دولها على اسم ظاهر يكون معمولا لمضارع مقدر يفصل بين هذا الاسم الظاهر والأداة؛ نحو: لولا الشهادة تؤديها على وجهها، لوما المنكر تغيره، هلا الضعيف تحميه، ألا، أو: ألا النبيل الوديع تصاحبه. والتقدير:
_________________
(١) ١ المراد بالشرط هنا: الدلالة على ربط أمر بآخر ربطا معينا، وتعليق الثاني على الأول، مع التقيد بنوع خاص من التعليق -طبقا لما سيجيء في رقم ١ من هامش ص٥١٥. ومن الأمثلة: لوما الهواء لمات الأحياء، لوما حرارة الشمس لهلك الأحياء بردا، لولا الساعة لم نعرف الوقت، لولا التعلم لم تنهض الأمة. لولا العقول لكان أدنى ضيغم أدنى إلى شرف من الإنسان فقد امتنع موت الأحياء بسبب وجود الهواء، وبسبب وجود الشمس، وامتنع عدم معرفتنا الوقت بسبب وجود الساعة، وامتنع عدم نهضة الأمة يسبب وجود التعلم وامتنعت شدة قرب الضيغم إلى الشرف بسبب وجود العقول ٢ قد تدل الشرطية على الامتناع ولكنه يختلف عما هنا، طبقا لما تقدم في بابها -ص٤٠٠، وقد أشرنا لهذا في رقم ١ من هامش ص٤٩٢، وفي رقم ١ من هامش ص٥١٥.
[ ٤ / ٥١٣ ]
لولا تؤدي الشهادة تؤديها لوما تغير المنكر تغيره، هلا تحمي الضعيف تحميه، ألا تصاحب النبيل ويدخل في المضارع المقدر كلمة: "تكون" الشانية؛ "أي: الدلالة على الحال والشأن؛ كماضيها: "كان" الشانية" -إذا كانت أداة التحضيض داخلة على جملة اسمية؛ كقول الشاعر:
ونبئت ليلى أرسلت بشفاعة إلي، فهلا نفس ليلى شفيعها
التقدير: فهلا تكون "نفس ليلى شفيعها" فالجملة الاسمية خبر: "تكون المقدرة". أما اسمها فضمير الشان، أي: هلا تكون الحالة والهيئة والشان١: نفس ليلى شفيعها.
وقد قلنا إن الأدوات السالفة لا يليها إلا المضارع ظاهرا أو مقدرا، فإن دخلت على ماض خلصت زمنه للمستقبل، بشرط أن تكون للمعنى الذي ذكرناه٢؛ كقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ أي: فلولا ينفر٣
وأداة التحضيض والعرض قد تحتاج إلى جواب، أو لا تحتاج، على حسب ما يقتضيه المقام؛ فمجيئه جائز. فإنا جاء بعدها جواب وجب أن يكون مضارعا إما مقرونا بفاء السببية، وإما خاليا منها. وفي الحالتين تجري عليه الأحكام الخاصة بكل حالة. وقد عرفناها عند الكلام على فاء السببية المذكورة في الجملة أو التي لم تذكر٤.
٢- إن كانت الأداة للتوبيخ وجب أن يليها الماضي لفظا ومعنى معا، ظاهرا، أو مقدرا يدل عليه دليل؛ فمثال الظاهر غير المفصول من الأداة: "هلا دافع الجبان عن وطنه فانتصر، أو استشهد"٥، "ألا قاومت بالأمس بغي الطاغي"
_________________
(١) ١ سبق الكلام على ضمير الشأن تفصيلا في ج١ ص١٧٧ م٢٠. ٢ التحضيض، أو العرض. ٣ وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي: لولا تؤخرني. أما إعراب: "أصدق وأكن" فقد سبق في رقم ٣ من هامش ص٣٦٩. ٤ في ص٣٥٢ و٣٨٧. ٥ لأن التوبيخ لا يكون إلا على شيء حصل.
[ ٤ / ٥١٤ ]
ومثال الظاهر المفصول: "هلا الطائر رحمت" "ألا الضيف صافحت" "والأصل: هلا رحمت الطائر، هلا صافحت الضيف". ومثال المقدر قول الشاعر:
أتيت بعبد الله في القيد موثقا فهلا سعيدا الخيانة والغدر
والأصل: فهلا أحضرت سعيدا وكذا الباقي.
٣- إن كانت الأداة دالة على امتناع١ شيء بسبب وجود شيء آخر -ويتعين أن يكون كل منهما في الزمن الماضي -فلا بد من أمرين في هذه الحالة التي يمتنع فيها شيء لوجود آخر "وتشتهر بأنها: حالة امتناع لوجود".
أولهما: دخولهما على مبتدأ، محذوف الخبر وجوبا٢.
وثانيهما: مصدر بفعل ماض لفظا ومعنى، أو معنى فقط "كالمضارع المسبوق بالحرف: "لم"، وقد سبقت الأمثلة للحالتين٣. ويجوز في هذا الماضي يكون مقترنا باللام٤ أو مجردا؛ سواء أكان مثبتا أم منفيا "بما" دون سواها. غير أن الأكثر هو اقتران المثبت، وخلو المنفي. فمثال المثبت المقترن بها "غير ما تقدم"٣ قوله تعالى: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾، وقول الشاعر:
لولا الإصاخة للوشاة لكان لي من بعد سخطك في الرضاء رجاء
_________________
(١) ١ هذه الدلالة خاصة بالحرفين: "لولا، ولوما" -دون بقية الخمسة- وبسببها يعتبران الأداتين الخاصتين "بالشرط الامتناعي" وقد سبق في رقم ١ من هامش ص٥١٣ أنه هو الدال على ربط أمر بآخر ربطا معينا، وتعليق الثاني على الأول مع التقيد بنوع خاص من التعليق. وتعرب كل منهما حرف امتناع لوجود، أي: امتناع شيء بسبب وجود غيره. أما "لو" فتدل على امتناع أيضا، ولكن من نوع آخر تقدم في بابها -ص٤٩١. ٢ تقدم تفصيل هذه المسألة "في ج١ -باب المبتدأ والخبر- م٣٩". ٣ و٣ في رقم ١ من هامش ص٥١٣. ٤ هذه "اللام" للتأكيد، وفائدتها موضحة تفصيلا في ص٤٩٧ وهامشها. وقد ورد في المسموع النادر اقتران جوابها "باللام وقد" معا؛ كالذي في قول الكميت: يقولون: لم يورث؛ ولولا تراثه لقد شركت فيهم بكيل وأرحب بكيل، وأرحب: علمان.
[ ٤ / ٥١٥ ]
ومثال المثبت المجرد منها:
لولا المشقة ساد الناس كلهمو الجود يفقر، والإقدام قتال
وقول الآخر يرد على من عابه بالقصر:
لولا الحياة، ولولا الدين عبتكما ببعض ما فيكما؛ إذا عبتما قصري
ومثال المنفي "بما" المجرد من اللام قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾، وقول الشاعر:
لولا مفارقة الأحباب ما وجدت لها المنايا إلى أرواحنا سبلا
ومثال المنفي المقرون بها قول الشاعر:
لولا رجاء لقاء الظاعنين لما أبقت نواهم لنا روحا ولا جسدا
ويصح حذف الجواب إذا دل عليه دليل؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ . التقدير: ولولا فضل الله ورحمته لهلكتم١
_________________
(١) ١ في تأدية "لولا ولوما" معنى الامتناع ودخولهما على المبتدأ لزوما، يقول ابن مالك في هذا الباب الذي عنوانه: "أسا، ولولا، ولوما". لولا ولوما يلزمان الابتدا إذا امتناعا بوجود عقدا يريد: أنهما يلزمان الدخول على المبتدأ إذا عقدا الامتناع بالوجود، أي: ربطا الامتناع بالوجود؛ بحيث يمتنع شيء بسبب وجود آخر. فإذا وجد هذا الآخر تحتم امتناع ذاك. ثم انتقل بعد ذلك إلى بيان معناهما الآخر؛ وهو: الدلالة على التحضيض؛ فنص عليه، وأشرك معهما فيه حروفا أخرى؛ هي: هلا، ألّا، ألا. وصرح بأن هذه الأدوات التحضيضية مختصة بالدخول على الفعل -ولم يبين نوعه المحتوم؛ وهو المضارع- وأن الاسم قد يقع بعدها في الظاهر، ولكنه في الحقيقة يكون معلقا -أي: متعلقا ومعمولا- بفعل مقدر بعد الأداة مباشرة، أو بفعل متأخر عن هذا الاسم. يقول: وبهما التحضيض مز. وهلا ألّا، ألا، وأولينها الفعلا وقد يليها اسم بفعل مضمعر علق، أو بظاهر مؤخر "مز: ميز: أولينها، أتبعها واذكر بعدها ".
[ ٤ / ٥١٦ ]
المسألة ١٦٣: العدد
مدخل
المسألة ١٦٣: العدد ١:
يشمل الكلام عليه ما يأتي:
_________________
(١) ١ أحكام هذا الباب كثيرة، والخلاف والتضارب فيها كثير كذلك. وما استخلصناه منها هو -في تقديرنا- أقواها حجة، وأوفرها شيوعا. ولم نعرضها مرتبة على حسب ترتيب أبيات ابن مالك، في: "ألفيته"، وإنما اخترنا ترتيبا آخر، لعله أنسب وأحسن. وقد اقتضى هذا ألا نذكر أبيات ابن مالك التي نسوقها لتأييد القاعدة مرتبة كما أوردها في "باب: العدد". على أنا تداركنا الأمر فذكرنا بجانب كل بيت رقمه الدال على ترتيبه الأصلي في الباب؛ ليعرف ترتيب الناظم لأبياته. ثم نعود فنذكره مرة أخرى في المكان الذي وضعته فيه: "الألفية" بين أبيات بابه؛ تنفيذا للمنهج العام الذي نسير عليه في هذا الشأن في جميع أجزاء الكتاب الأربعة. ولم يترك القدماء كلمة: "العدد" من غير تعريف، مع وضوح معناها، وبداهة مدلولها؛ فجاء تعريفهم حاملا من الغموض والخفاء والإبهام ما يحمله كل تعريف للبديه، وكل توضيح للواضح. وقد يكون من المقبول أن نذكره. قالوا العدد: "هو ما وضع لكمية الآحاد -أي: الأفراد، وأن من خواصه مساواته لنصف مجموع حاشيتيه المتقابلتين"!! يريدون بالمساواة: أن كل عدد، يحيط به طرفان؛ هما عدد قبله، وعدد بعده، ويسميان: "الحاشيتين". وأن مقدار العدد يساوي نصف مجموع الحاشيتين. ذلك لأن الحاشية التي قبله تنقص عنه بمقدار ما تزيد عليه الحاشية التي بعده. وهذا معنى التقابل بينهما. فالعدد "ثمانية" -مثلا- حاشيته العليا، أي: الكبرى، تسعة وحاشيته السفلى، أي: الصغرى، سبعة، فمجموعهما ستة عشر، وهما يحيطان به؛ فمقداره يساوي نصف مجموعهما. أي: أن ثمانية يساوي نصف مجموع السبعة والتسعة: ٨= "٧ + ٩/ ٢". والعدد "ستة" له حاشيتان؛ العليا: سبعة والسفلى: خمسة، ومقداره يساوي نصف مجموعهما معا. أي: أن ستة يساوي نصف مجموع السبعة والخمسة: ٦= "٧ + ٥/ ٢" وهكذا ولا حاجة بنا لشيء من هذا التعريف. "ملاحظة": يكثر ألا يدل العدد بلفظه على معدود حسابي مضبوط، محصور في أفراد محددة إلا بقرينة من خارج لفظه تدل على الحصر والتحديد الحسابي الحقيقي؛ فمن يقول: "زرتك خمسين مرة" لا بقصد المعنى الحسابي الدقيق الذي يفهم من "خمسين" وإنما يذكر مجرد عدد حسابي يريد به المبالغة أو التقليل ، ما لم توجد قرينة على التحديد. لهذا قالوا ما نصه؛ "إن الأخبار -كما تقرر غير مرة- بعدد لا ينافي غيره". ا. هـ. راجع الشرقاوي على التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح ج١ باب بدء الأذان ص٥٦. وعدم المنافاة مقصور حتما على الحالة الخالية من القرينة التي تحدد عدد المعدود تحديدا حسابيا مضبوطا -لا يحتمل سواه.
[ ٤ / ٥١٧ ]
أقسامه الاصطلاحية، وكيفية إعرابها -تمييزه-١ تذكيره وتأنيثه، صوغه على وزن: "فاعل"، وإعرابه بعد هذه الصياغة -تعريفه وتنكيره- قراءة الأعداد المعطوفة على العقود المختلفة -التأريخ بالأيام والليالي
أقسامه الاصطلاحية، وكيفية إعرابها:
أقسامه أربعة: مفرد٢ ومركب، وعقد، ومعطوف.
١- فالعدد المفرد، يشمل "الواحد والشعر" وما بينهما. ويلحق به: لفظتا: "مائة٣، وألف"، ولو اتصلت بهما علامة تثنية أو جمع؛ "كمائتين وألفين، ومئات، وألوف ؛ لأن معنى إفراد هذا القسم أنه ليس من الأقسام الثلاثة الأخرى؛ وليس المراد أنه غير مثنى، وغير جمع" كما يلحق به بعض كلمات أخرى٤.
_________________
(١) ١ انظر الملاحظة المدونة بهامش ص٥٢٥. ٢ ويسميه بعض النحاة: "العدد المضاف". وهي تسمية شائعة، لكنها غير دقيقة؛ لأنها لا تشمل إلا الأعداد المضافة من ثلاثة وعشرة وما بينهما، دون غير المضافة، وهي: ١ و٢، ولعل حجته أن: "١ و٢" ينفردان بأحكام خاصة بهما، ولا تنطبق عليهما الأحكام المتعددة التي للعدد المفرد. وكذلك غير المضافة. وقد يسمى العقد: "بالمفرد" والعقد أحسن. "انظر رقم ٣ من هامش ص٥٢٢". ٣ أجاز المجمع اللغوي القاهري كتابة كلمة: "مائة" ومركباتها بغير الألف التي زادها القدماء بعد الميم في كتاباتهم، وظلت مزيدة حتى يومنا هذا. وكذلك أجاز فصل الأعداد "ثلاثة وتسعة وما بينهما" عن مائة، مراعيا في هذا نوع من التيسير الإملائي. "راج ما سبق في العدد الذي أصدره المجمع، بعنوان: "البحوث والمحاضرات"، مؤتمر الدورة التاسعة والعشرين من سنة ١٩٦٣-١٩٦٤". ٤ ومما يلحق به كلمة "بضع" ومؤنثها "بضعة"، وكذلك كلمة: "نيف". وفيما يلي البيان: أ- الأفصح والمختار عند بعض المحققين -من بين آراء متعددة- أن كلمة: "بضع" تدل بصيغتها ونصها الحرفي على عدد مبهم، لا تحديد ولا تعيين فيه. لكنه لا يقل عن ثلاثة، ولا يزيد على تسعة "أي: أن مدلولها والمراد منها قد يكون: ٣ أو ٤ أو ٥ أو ٦ أو ٧ أو ٨ أو ٩" وإذا ذكرت لا ينصرف الذهن إلى واحد معين دون غيره من هذه الأعداد السبعة، وإنما يدرك أن المقصود منها مبهم، يصدق على هذا وينطبق عليه، كما يصدق وينطبق على كل عدد آخر من بقية المجموعة العددية السالفة. =
[ ٤ / ٥١٨ ]
أما إعرابه وإعراب ملحقاته السابقة فبالحركات الظاهرة على آخره، إلا ما كان داخلا في حكم المثنى أو الجمع؛ فيعرب إعرابهما؛ كاثنين، ومئتين، وألفين، ومئات، وكذا: مئون، في بعض الحالات. ومن الأمثلة: العصامي رجل الدنيا وواحدها -إن اثنين لا يشبعان؛ طال علم، وطال مال- يقوم المجد الحق على ثلاث دعائم؛ العلم، والعمل، والخلق النبيل ما أعجب تاريخ الخلفاء الراشدين الأربعة!!.. وكقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ -أقام العرب في الأندلس مئات السنين، قاربت تسعة قرون- وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ .
_________________
(١) = ب- تستعمل كلمة: "بضع" استعمال الأعداد المفردة "وهي هنا: ٣ و٩ وما بينهما". وقد تركب مع كلمة: "عشرة" تركيبا مزجيا، وقد يكون معطوفا عليها "عشرون" أو أحد إخوته من العقود التي تليه وهي: "٣٠، ٤٠، ٥٠، ٦٠، ٧٠، ٨٠، ٩٠" ومن الأمثلة: جاء بضع فتيات وبضعة غلمان -أقبل بضعة عشر رجلا- غاب بضع وعشرون فتاة. ج- إذا استعملت استعمال الأعداد المفردة السالفة؛ أو المعطوف عليها وجب إعرابها بحركات ظاهرة على آخرها، على حسب حاجة الجملة: وإذا ركبت مع كمة: "عشرة" تركيبا مزجيا فالأكثر بناء الكلمتين معا على فتح الجزأين، في محل رفع، أو نصب، أو جر، على حسب حاجة الجملة، ويصح الإعراب طبقا للآتي في ص٥٢١ و٥٣٤. د- في جميع استعمالاتها السالفة تتجرد من تاء التأنيث إن كان المعدود مؤنثا، وتلحق آخرها تاء التأنيث إن كان المعدود مذكرا؛ فيقال: صافحت بضعة رجال -ودعت بضع فتيات- قابلت بضعة عشر طالبا، وبضع عشرة طالبة في الحفل بضعة وعشرون فتى، وبضع وعشرون فتا فحكمها في تأنيث لفظها وتذكيره حكم الأعداد المفردة. "طبقا لما سيجيء في ص٥٣٦". أما ما يختص بكلمة: "نيف" فيتخلص فيما يأتي وهو يوضح أوجه الفرق بينهما وبين "بضع" مع ملاحظة أن لكلمة: "نيف" معنى اصطلاحيا آخر؛ سيجيء في رقم ٤ من هامش الصفحة الآتية. أ- فإنها صيغة تدل بنصها الحرفي على عدد مبهم، ينطبق على الواحد كما ينطبق على التسعة، وعلى كل عدد بينهما، "أي: أن مدلولها العددي يصدق على: "١ و٢ و٣ و٤ و٥ و٦ و٧ و٨ و٩" من غير تعيين ولا حصر في عدد من هذه الأعداد التسعة دون خبره. ب- لفظها مذكر دائما؛ فلا تلحقه تاء التأنيث مطلقا. ج- لا بد -في الأشهر- أن تكون صيغتها مسبوقة دائما بعقد من العقود العددية: "١٠، ٢٠، ٣٠، ٤٠، ٥٠، ٦٠، ٧٠، ٨٠، ٩٠" ولا بد من عطف كلمة: "النيف" على العقد؛ فيقال: عشرة ونيف، عشرون ونيف، ثلاثون ونيف، وهكذا، ولا يصح ذكر كلمة "نيف" إلا على أساس أن مدلولها سيزاد على عقد عددي.
[ ٤ / ٥١٩ ]
أما ضبط "الشين" من "عشرة" التي من هذا القسم المفرد١ ففيه لغات أشهرها: أن العشرة إذا كانت دالة على معدود مذكر٢ فـ"الشين" مفتوحة، وإن كانت دالة على معدود مؤنث فهي ساكنة، وقليل من العرب يكسرها في هذه الصورة.
٢- والعدد المركب، هو: ما تركب تركيبا مزجيا٣ من عددين لا فاصل بينهما، يؤديان معا -بعد تركيبها وامتزاجهما- معنى واحدا جديدا لم يكن لواحدة منهما قبل هذا التركيب. والأولى تسمى: صدر المركب، والثانية تسمى: عجزه٤ وينحصر هذا القسم في الأعداد: أحد عشر، وتسعة عشر، وما بينهما "أي: ١١، ١٢ ٥، ١٣، ١٤، ١٥، ١٦، ١٧، ١٨، ١٩" وما بعدها يلحق بهما٦
وحكمه: بناء آخر الكلمتين معا على الفتح٧ في الأفصح، مهما كانت
_________________
(١) ١ سيجيء ضبط "الشين" في الأعداد المركبة -ص٥١١. ٢ مع ملاحظة ما يأتي في ص٥٣٧ وهو أن لفظ العدد يصح تذكيره وتأنيثه إذا تقدم عليه المعدود أو حذف. ٣ سبق الكلام على كل ما يختص بالمركب المزجي وأنواعه في الجزء الأول: "م٢٣ ص٢٧٠، و٢٧٩ وما بعدهما في أقسام العلم"، وفي الجزء الرابع "ص٢٢٧ باب الممنوع من الصرف". ٤ سيجيء أيضا -في رقم ١ من هامش ص٥٢٣- أن صدر العدد المركب يسمى: "النيف" ومعناه هنا: العدد المحصور بين عقدين؛ فيشمل الواحد والتسعة وما بينهما مما ينحصر موضعه بين العقدين. وكذا ما ألحق بالمفرد من كلمة "بضع وبضعة". وهو غير كلمة "النيف" المراد منها نصها اللفظي الحرفي؛ طبقا لما سبق في رقم ٣ من هامش ص٥١٨- فلكلمة "النيف" مدلولان مختلفان كما أن عجز المركب يسمى: عقدا، ومن العقود كلمة: "عشرة". وسيجيء الباقي "انظر رقم ٣ من هامش ص٥٢٢". ٥ للعدد ١٢ حكم خاص في إعرابه يخالف حكم الأعداد المركبة، وسيجيء في الصفحة التالية. ٦ ويلحق به "بضع وبضعة" طبقا للبيان الذي في رقم ٤ من هامش ص٥١٨. ٧ مما يجب التنبيه له أن المركب المزجي العدد لا بد أن يكون مفتوح الجزأين -في الأشهر- وقد يكون معربا مضافا على الوجه المبين في ص٥٢٢ و"هـ" ص٥٣٥، أما غير العددي فقد يكون مفتوحهما أو لا يكون، على حسب نوعه المبين في موضعه المشار إليه "في الحالة الثانية ص٥٣٥". ومن المركب المزجي العددي: "إحدى عشرة" للمعدود المؤنث، والكلمتان مبنيتان على فتح الجزأين -أيضا- في آخرهما. إلا أن الفتح مقدر على آخر الأولى -كما سيجيء في رقم ٢ من هامش ص٥٤٧ و٥٥١. هذا، وأصل المركب العددي كلمتان بينهما واو العطف؛ أي: أحد وعشر، اثنا وعشر، ثلاثة وعشر وهكذا. ثم حذفت الواو وركبت الكلمتان -لإبعاد معنى العطف- تركيبا مزجيا، ليؤديا معا معنى واحد جديدا لم تنفرد به واحدة. ويصح إرجاع هذه الواو في بعض الاستعمالات؛ ومنها ما هو مدون في ص٥٦٧.
[ ٤ / ٥٢٠ ]
حاجة الجملة إلى مرفوع، أو منصوب، أو مجرور؛ ولذا يقال في إعرابها: إنهما مبنيتان معا على فتح الجزأين في محل رفع، أو نصب، أو جر، على حسب حاجة الجملة. ويستثنى من هذا الحكم حالتان:
الأولى: أن يكون العدد المركب هو "اثنا عشر، واثنتا عشرة"؛ فإن صدرهما وحده يعرب إعراب المثنى، وعجزهما هو اسم بدل نون المثنى؛ مبني على الفتح لا محل له. ومن الأمثلة: المتسابقون أحد عشر سباحا إني رأيت عشر كوكبا أثنيت على أحد عشر محسنا. "فأحد عشر" في المثال الأول مبني على فتح الجزأين معا في محل نصب مفعول به، وفي الثالث مبني على فتح الجزأين في محل جر بعلى، وهكذا.
ولو وضعنا عددا مركبا آخر مكان: "أحد عشر" لم يتغير الإعراب. ما عدا "اثني عشر"، و"اثنتي عشرة"، فلهما حكم خاص بهما في الإعراب -كما قلنا- إذ تعرب: "اثنا واثنتا" إعراب المثنى، وتعرب كلمة: "عشر وعشرة" اسم مبني على الفتح، بدل نون المثنى لا محل له: ففي مثل. السنة اثنا عشر شهرا، واليوم اثنتا عشرة ساعة نقول: "اثنا واثنتا" خبر مرفوع بالألف فيهما. وكلمة: "عشر وعشرة" بدل النون التي تكون في المثنى الأصلي، مبنيتان على الفتح لا محل هما. وفي مثل قضيت اثني عشر شهرا واثنتي عشرة ساعة في رحلة علمية نقول: "اثني واثنتي"، مفعول به، منصوب بالياء. "عشر، وعشرة" مبنيتان على الفتح لا محل لهما؛ لأنهما بدل النون التي تكون في المثنى الأصلي
وفي مثل: انتفعت باثني عشر كتابا، واستمعت إلى اثنتي عشرة محاضرة.. فعرب: "اثني واثنتي" مجرورة، وعلامة جرها الياء، و"عشر وعشرة" بدل النون. مبنيتان على الفتح، ولا محل لهما.
[ ٤ / ٥٢١ ]
وتضبط "الشين" في كلمة: "عشرة" المركبة كضبطها في المفردة١: فتفتح -في أشهر اللغات- إن كان المعدود مذكرا، وتسكن إن كان مؤنثا. فضبط "الشين" لا يختلف في إفراده ولا تركيب، إن اقتصرنا على الأشهر بين لغات متعددة.
الثانية: أن يكون العدد المركب غير اثني واثنتي -مضافا- فيصح بناؤه على فتح الجزأين مع إضافته، كما يصح إعراب عجزه على حسب حاجة الجملة مع ترك صدره مفتوحا في كل الحالات؛ فكأن الجزأين في هذه الصورة كلمة واحدة، يجري الإعراب على آخرها في كل الأحوال، دون أن تتغير الفتحة التي في شطرها الأول -وسيجيء هذا موضحا بعد٢.
٣- العدد العقد٣: ينحصر اصطلاحا في الألفاظ: عشرين، ثلاثين،
_________________
(١) ١ سبق ضبطها في المفردة -ص٥٠٢. ٢ في: "هـ" من ص٥٣٤. ٣ ويسميه بعض النحاة بالعدد المفرد؛ أي: الخالي من الإضافة والتركيب. ولكن تسميته بالعقد أفضل -كما سبق في رقم ٢ من هامش ص٥١٨- والأصل اللغوي العام الحسابي هو: العدد يكون على رأس تسعة أعداد قبله من نوع واحد؛ "مفردة أو غير مفردة"، أي: العدد الذي يكمل به ما قبله عشرة متماثلة النوع. فيصدق على ١٠، ٢٠، ٣٠ و كما يصدق على ١٠٠، ٢٠٠، ٣٠٠، ٤٠٠، ١٠٠٠، ٢٠٠٠، وهكذا من كل ما يتمم عشرة، غير أن المقصود بالعقد هنا معنى اصطلاحي، يقتصر على أعداد محصورة لها حكم خاص بها؛ وهي تلك العقود التي تبدأ بعشرة وتنتهي بتسعين، "أي: ١٠، ٢٠، ٣٠، ٤٠، ٥٠، ٦٠، ٧٠، ٨٠. ٩٠". ولكن العقد "عشرة" لا يشترك مع البواقي في حكمها النحوي. ولهذا لا يعد فيها من هذه الناحية، ولا يذكر معها، برغم تسميته عقدا، وكل واحد من البواقي يدخل في هذا النوع المسمى نحويا: "باسم الجمع". ولكنه يعرب إعراب جمع المذكر السالم، ويلحق به في ناحية الإعراب، دون أن يكون جمع مذكر سالم حقيقي. وإنما كانت هذه العقود "أسماء جمع" وليست جمع مذكر سالم حقيقي لأنها تدل على ما يدل عليه هذا الجمع، ولكن ليس لكل منهما مفرد من لفظه. لا يصح أن يقال إن لكل منها مفردا من لفظه؛ فمفرد عشرين هو عشر، ومفرد ثلاثين هو ثلاثة لا يصح أن يقال هذا لما يترتب عليه من فساد تام، أوضحنا بعض نواحيه "في ج١ م١١ ص١٣٥ عند الكلام على الملحق بجمع المذكر السالم" ملخصه؛ أنه لا يقال ذلك لئلا يلزم عليه صحة إطلاق عشرين على ثلاثين، وإطلاق ثلاثين على تسعة وهكذا؛ ذلك لأن أقل الجمع النحوي، لا اللوي، ثلاثة من مفرده. فلو كان مفرد العشرين هو: عشر، لكانت عشرون صادقة على "٣ × ١٠" أي ثلاث عشرات على الأقل ، ومجموعها يساوي ثلاثين. ولو كان مفرد الثلاثين هو ثلاث لكانت الثلاثون صادقة على "٣ × ٣" أي: على ٩. وهكذا. مما هو ظاهر الفساد.
[ ٤ / ٥٢٢ ]
أربعين، خمسين، ستين، سبعين، ثمانين، تسعين.
وحكم هذه العقود أنها تعرب إعراب جمع المذكر السالم في جميع أحوالها؛ لأنها ملحقة به؛ إذ هي اسم جمع مذكر، وليس جمع مذكر حقيقيا. ومن الأمثلة قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ وهكذا.. فحيثما توجد كلمة من ألفاظ العقود فإنه يتحتم إعرابها إعراب جمع المذكر، مهما اختلف موقعها الإعرابي.
٤- العدد المعطوف: وينحصر بين عقدين من العقود الاصطلاحية السالفة؛ كالأعداد المحصورة بني عشرين وثلاثين، أو: بين ثلاثين وأربعين، أو: بين أربعين وخمسين، وهكذا وكل عدد محصور بين عقدين على الوجه السالف لا بد أن يشتمل على معطوف، ومعطوف عليه، وأداة عطف "هي: الواو"، ومنه: واحد وعشرون، اثنان وعشرون، ثلاثة وعشرون أربعة وثلاثون ، خمسة وأربعون ستة وخمسون سبعة وستون ثمانية وسبعون ومن هذه الأمثلة يتبين أن المعطوف لا بد أن يكون من نوع العقود، وأن المعطوف عليه ويسمى النيف١ لا بد أن يكون من نوع المفرد "أي: المضاف"٢، أو ما ألحق به من كلمة بضع وبضعة وأن أداة العطف هي الواو٣، دون غيرها.
وحكم هذا القسم أن المعطوف عليه، "وهو المفرد، المسمى: بالنيف" لا بد أن يتقدم دائما، وأن يعرب على حسب حاجة الجملة مع خضوعه لحكم إعراب نوعه المفرد الذي سبق في القسم الأول "فيعرب فاعلا، أو مفعولا، أو مبتدأ، أو خبرا، أو غير هذا على حسب السياق، ويكون إعرابه بحركات ظاهرة على آخره إلا ما كان منه دالا على تثنية؛ فيعرب إعراب المثنى" وأن المعطوف -ويكون بالواو خاصة-
_________________
(١) ١ النيف هنا هو: العدد الذي بين عقدين -كما في رقم "٤" من هامش ص٥٢٠- وهذا غير المراد من لفظه "النيف" بصيغتها التي سبق الكلام عليها في هامش تلك الصفحة. ٢ انظر رقم ٢ من هامش ص٥٢٥. ٣ كما في ٣ من ص٥٤٩.
[ ٤ / ٥٢٣ ]
يتبعه في الإعراب، ولكن بالحروف التي يعرب بها جمع المذكر السالم. ففي مثل: الحاضرون واحد وعشرون تعرب كلمة "واحد" خبرا مرفوعا، والواو حرف عطف "عشرون" معطوف على: "واحد" مرفوعة بالواو. ونقول: كان الحاضرون واحدا وعشرين وأنست بواحد وعشرين وهكذا سائر الأعداد المعطوفة. إلا إن كان المعطوف عليه هو، "اثنان واثنتان"؛ فيعربان كالمثنى؛ نحو: الحاضرون اثنان وعشرون رجلا، كان الحاضرون اثنين وعشرين رجلا، أنست باثنين وعشرين رجلا، ومثل: كانت الحاضرات اثنتين وعشرين؛ فاثنان واثنتان، إما مرفوعة بالألف، وإما منصوبة أو مجرورة بالياء.. في جميع حالات الأعداد المعطوفة.
[ ٤ / ٥٢٤ ]
المسألة ١٦٤: تمييز العدد ١
العدد لفظ مبهم، أي: لا يوضح بنفسه المراد منه، ولا يعين نوع مدلوله ومعدوده؛ فمن يسمع كلمة: ثلاثة، أو أربعة، أو خمسة أو غيرها من ألفاظ العدد لا يمكن أن يدرك النوع المقصود من هذا العدد، ولا أن يميزه من بين الأنواع الكثيرة المحتملة؛ أهو ثلاثة كتب، أم أفلام، أم أيامن أم دراهم، أم دنانير، أم غيرها من مئات الأشياء الأخرى ، فلو قلنا: ثلاثة كتب، أو أربعة أيام، أو خمسة شهور أو ، لزال الإبهام وانكشف الغموض عن مدلول العدد، وصار المراد واضحا؛ بفضل الكلمة التي جاءت؛ فبينت نوعه، وميزته من غيره، أي: أنها عينت المعدود بعد أن كان مبهما مجهولا؛ ولذا يسميها النحاة: "تمييز العدد" -سواء أكانت منصوبة أم مجرورة، على التفصيل الذي سنعرفه- وهذا معنى قولهم: العدد مبهم يزيل إبهامه التمييز، "أي: المعدود".
ولهذا التمييز أحكام؛ تختلف باختلاف أقسام العدد:
أ- فالأعداد المفردة٢ التي عرفناها ثلاثة أنواع:
نوع لا يستعمل -في الأغلب- مع تمييز له وهو واحد، واثنان؛ فلا يقال: جاء واحد ضيف، ولا أقبل اثنا ضيفين؛ ولا نحو هذا؛ لأن ذكر التمييز "ضيف ضيفين " مباشرة يغني عن ذكر العدد قبله، إذ يبين النوع مع الدلالة على الوحدة، أو على الزوجية المحددة باثنين؛ فلا حاجة إلى العدد
_________________
(١) ١ "ملاحظة": إذا ورد في النحو كلمة: "تمييز" من غير قيد كان المراد -في الأغلب- التمييز المنصوب مطلقا -للعدد أو لغير العدد- أما التمييز غير المنصوب كالذي هنا في باب العدد فلا يذكر -في الأغلب- إلا مقيدا بالجر، فيقال تمييز مجرور. ٢ وهي التي قد تسمى: "مضافة" على اعتبار أن أكثرها مضاف؛ وهو ثلاثة وعشرة وما بينهما، وما ألحق بها مثل كلمتي: مائة وألف، وبضع وبضعة؛ طبقا للبيان السابق عنهما في رقم ٤ من هامش ص٥١٨ دون العددين: ١ و٢ مما سبقت له الإشارة في رقم ٢ من هامش ص٥١٨، والتسمية غير دقيقة.
[ ٤ / ٥٢٥ ]
قبله، ولا فائدة منه. وقد يضاف هذا النوع لغرض آخر سنعرفه١.
ونوع يحتاج إلى تمييز مفرد مجرور بالإضافة؛ وهو لفظ: مئة، وألف، ومثناهما، وجمعهما. "فالمراد هو: جنس المائة والألف"٢ ومن الأمثلة قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ -يبلغ ارتفاع هرم الجيزة الأكبر نحو مائتي ذراع-٣ وكقولهم عند رؤية أشباح بعيدة: هذه مئو رجل، أو مئات رجل وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ حراس المدينة ألفا حارس، وجيشها تسعة آلاف جندي.
ولا يصح الفصل بين هذا النوع وتمييزه في حالة الاختيار.
ونوع يحتاج إلى تمييز مجرور بالإضافة، متصل به -أيضا- ويكون في الأغلب جمع تكسير للقلة٤، وهذا النوع هو: "ثلاثة، وعشرة، وما بينهما، وكذا كلمة: بضع وبضعة الملحقتين به" -طبقات لما تقدم٥ عنهما- نحو: الصيف ثلاثة أشهر، فضيت خمسة أيام في الريف، وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ، سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ ٦، ٧ و فالأصل في تمييز هذا النوع من العدد المفرد أن يستوفي أربعة أمور مجتمعة؛ هي: أن يكون جمعا، للتكسير، مفيدا للقلة، مجرورا بالإضافة المباشرة "أي: الخالية من الفصل"، وكل واحد من هذه الأربعة يحتاج إلى مزيد بيان وتفصيل:
١- فأما كون التمييز جمعا فهو الأعم الأغلب، ليتطابق المعدود والعدد في
_________________
(١) ١ في "أ" من ص٥٣٢. وانظر ص٥٥٢. ٢ انظر ما يتصل بها في "ب" ص٥٣٣". ٣ أي: نحو "١٣٦ مترا" بعد النقص الذي أصاب قمته. ويقدر، بنحو: سبعة أمتار. ٤ جمع التكسير -كما سيأتي في ص٦٢٧- نوعان: جمع تكسير للقلة، وهو ما كان دالا على أفراد لا تقل عن ثلاثة، ولا تزيد على عشرة. وله أوزان خاصة، منها: "أفعلة، وأفعال، وفعلة وأفعل". نحو: أجهزة، وأنهار، وصبية، وأعين. وجمع تكسير للكثرة ويدل على عدد لا يقل عن ثلاثة، وقد يزيد على العشرة، بالإيضاح الذي سيجيء في بابه -ص٦٢٥ م١٧٢- وأوزانه كثيرة ٥ في رقم ٤ من هامش ص٥١٨. ٦ صرصر: شديدة الصوت، أو شديدة البرد. ٧ حسومًا: متتابعة.
[ ٤ / ٥٢٦ ]
الدلالة على التعدد الكثير، ويجب -في الأغلب- إضافة العدد إلى مفرد إن كان التمييز هو لفظ: "مائة"١، نحو: ثلاثمائة رجل -أربعمائة كتاب- خمسمئة قلم ، أو كان العدد مضافا إلى مستحقه ملكا أو انتسابا على حالة من الحالات؛ فتكون الإضافة لبيان أن العدد مملوك للمضاف إليه، أو منسوب إليه بوجه من وجوه التملك أو النسبة التي تستفاد من الإضافة٢؛ نحو: هذه خمسة محمود، وتلك سبعة علي.. فقد تعرف المضاف هنا بالمضاف إليه، وتميز به؛ فلا يحتاج إلى تمييز، ولهذا لا يعتبر المضاف هنا إليه المذكور تمييزا؛ لأن العدد استغنى عن التمييز، واحتاج لمضاف إليه يحقق غرضا آخر.
وقد يغني عن الجمع ما يدل على الجمعية، ولو لم يسم جمعا في اصطلاح النحاة؛ وإنما يسمونه: "اسم جمع"؛ كقوم، ورهط٣، وغيرهما من أسماء الجموع؛ وكنحل وبقر، وغيرهما مما يسمونه: "اسم الجنس الجمعي". والغالب في هذين النوعين أن يكونا مجرورين بالحرف "من" مع ظهوره في الكلام، نحو: ثلاثة من القوم فازوا، وأربعة من الرهط تقدموا، وخمس من النحل جمعت العسل، وستة من البقرة جلبت الغنى لصاحبها، أما جرهما بالإضافة فالأحسن -مع صحة القياس- الاقتصار فيه على المسموع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ . وقوله ﵇: "ليس فيما دون خمس ذود٤ صدقة" ٥.
٢- وأما كونه للتكسير فهو الأكثر ورودا في الكلام الفصيح، ويجوز أن يكون جمعا للتصحيح٦ مناسبا، إذا لم يكن للكلمة جمع مستعمل للتكسير؛ نحو: خمس صلوات، وسبع سنين، أو كان لها جمع تكسير مستعمل ولكن يعدل عنه إلى التصحيح لمجاورته ما أهمل تكسيره في الكلام؛ نحو: سبع سنبلات؛
_________________
(١) ١ انظر ما يختص بطريقة كتابة "مائة" في رقم ٣ من هامش ص٥١٨. ٢ كما سيجيء في الزيادة ص٥٣٢ وص٥٥٢. ٣ عدد من الرجال -خاصة- لا يزيد على عشرة في الغالب، وهو اسم جمع "واسم الجمع: لا واحد له من لفظه، مع دلالته على معنى الجمع". ٤ الذود: مؤنث، وهو عدد من الإبل لا يقل عن ثلاثة، ولا يزيد على عشرة. ولفظه اسم جمع، لا يجيء منه واحد -كما سبق في٣. ٥ انظر "ج" من ص٥٤٢. ٦ هو جمع المذكر السالم، وجمع المؤنث السالم.
[ ٤ / ٥٢٧ ]
فإنه مجاور في الآية الكريمة سبع بقرات، في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ ١، فقال لمراعاة التنسيق: "سبع سنبلات"، بدل "سنابل"؛ لمناسبة: "بقرات" التي ترك جمع تكسيرها في الآية. أو يكون لها جمع تكسير ولكنه قليل الاستعمال، نحو: ثلاث سعادات٢، فهو أحسن، من ثلاث سعائد٢.
ومن النادر الذي لا يقاس عليه أن يقع جمع التصحيح المشتق تمييزا للعدد في مثل: هنا ثلاثة صالحين، وأربعة زاهدين؛ بالإضافة. والأحسن عدم الإضافة، وإعراب هذا الجمع نعتا، ويجوز نصبه على الحال إن كان نكرة؛ بشرط إدخال التغيير اللازم على الجملة؛ لصحة كل إعراب؛ وبذا يسلم من الضعف.
ومع أن مدلول جمع التكسير الذي للقلة هو مدلول جمعي التصحيح عند سيبويه٣ نجد كثرة النحاة لا ترتضي التمييز بجمعي التصحيح.
٣- وأما أنه للقلة فمراعاة للمأثور الأفصح الذي يدل على أن الكلمة التي لها جمعان جمع كثرة وجمع قلة يكون تمييز العدد بجمع قلتها هو الأعم الأغلب، فإن لم يوجد لها إلا جمع كثرة صح التمييز به بغير ضعف.
٤- وأما جره بالإضافة فهو الأعم الأكثر أيضا، ويحدث تخفيفا في العدد بحذف التنوين منه؛ لإضافته. ولا يصح الفصل بينه وبين العدد إلا بما يصح الفص لبه بين المتضايفين٤.
وإنما يجب جر التمييز بشرط تأخره وإعرابه تمييزا. فلو تقدم التمييز على العدد لوجب إعراب التمييز على حسب حاجة الجملة، وإعراب العدد نعتا مؤولا له٥،
_________________
(١) ١ عجاف: نحيفات، هزيلات. "المفرد: أعجف، وعجفاء، يقال ثور أعجف، وثيران عجاف، وبقرة عجفاء، وبقرات عجاف". ٢ و٢ جمع سعاد، علم لمؤنثة. ٣ في ص٦٢٧ و٦٣١ ما يوضح الحكم ويفصله. ٤ سبق بيانه في آخر باب الإضافة "ج٣". ٥ يؤول النعت هنا لجمود. ويجوز إعرابه بدلا أو عطف بيان إن كان المعنى عليهما. دون النعت "كما سيجيء في رقم ١ من هامش ص٥٤٦". هذا، وقد سبق في باب: "النعت" "ج٣ م١١٤ عند الكلام على تقسيم النعت باعتبار لفظه" بيان الألفاظ الجامدة التي يصح وقوعها نعتا، ومنها: "لفظ العدد" وتفصيل الكلام عليه.
[ ٤ / ٥٢٨ ]
ففي مثل: عندي ثلاثة كتب؛ -بجر "كتب"، بالإضافة- نقول: عندي كتب ثلاثة يرفعها. ولو تأخر وأريد لداع معنوي إعرابه عطف بيان إن كان جامدا -كالأغلب في عطف البيان- أو نعتا مؤولا بالمشتق أيضا، لوجب أن يكون تابعا في إعرابه للعدد؛ نحو: عند ثلاثة أثواب، فأثواب: عطف بيان، أو نعت مؤول بمعنى: مسماة بأثواب.
هذا، ويصح في الأعداد المفردة "٣ و١٠ وما بينهما"؛ أن تضاف إلى ضمير المعدود، ولا تحتاج لغيره، نحو: مررت بالأصدقاء ثلاثتهم أو: خمستهم أو: سبعتهم بنصب العدد على الحال المؤولة؛ أي: مثلنا إياهم، أو: مخمسا، أو: مسبعا وهكذا. ويجوز إتباع العدد لما قبله؛ فلا يعرب حالا، وإنما يعرب توكيدا معنويا؛ بمعنى: جميعهم، مع ضبط لفظ العدد بما يضبط به التوكيد١.
والصحيح أن هذا ليس مقصورا على الأعداد المفردة؛ بل يسري على المركبة أيضا -كما سيجيء- نحو: جاء القوم خمسة عشر هم، بالبناء على فتح الجزأين في محل رفع هنا أو في محل غير الرفع في تركيب آخر، على حسب المؤكد.
وجدير بالملاحظة أن العامل في التمييز المجرور بالإضافة هو العدد المبهم "أي: المضاف" الذي جاء التمييز لإيضاحه وإزالة إبهامه، ولا بد من تقديم هذا العامل على تمييز المجرور.
ب- وباقي أقسام العدد "وهو: المركب، والعقود الاصطلاحية، والمعطوف، وكذا ما ألحق بالمركب والمعطوف عليه من كلمتي: بضع وبضعة"٢ يحتاج إلى تمييز٣ مفرد، منصوب غير مفصول من العدد بفاصل، نحو: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾، ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾، ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ ٣، ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتَّى
_________________
(١) ١ سبقت الإشارة لهذا الحكم في ج٢ باب: الحال م٨٤ ص٢٩٧ وفي ج٣ باب التوكيد م١١٦ ص٤١٣. ٢ طبقا للبيان الذي سبق في رقم ٤ من هامش ص٥١٨. ٣ و٣ وقد يستغنى عن التمييز مطلقا لداع بلاغي -كما هنا، وكما سيجيء في ص٥٣٢ و٥٥٢.
[ ٤ / ٥٢٩ ]
إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾، قال أحد الشعراء: هاجني منظر شائق؛ فلم أغادر مكاني حتى فاض خاطري بخمسة وأربعين بيتا في وصفه، لم أقض فيها أكثر من ضحوة. وأزعجني نعي صديق لي، فانهمر لساني برثائه، وأنشأت قصيدة بلغت اثنين وخمسين بيتا لم أقطع فيها أكثر من بضع ساعات، ثم أكملتها بعد ذلك تسعة وسبعين بيتا
ولا بد في جميع حالات التمييز المنصوب أن يتأخر عن عامله الفعل أو ما يشبهه. وقد أشرنا -قريبا- إلى أنه يجوز في العدد المركب ما جاز في العدد المفرد من الإضافة لضمير المعدود بالتفصيل السالف.
"ملاحظ" إذا نعت تمييز العدد المركب، أو تمييز العقد، أو تمييز المعطوف، جاز في هذا النعت أن يكون مفردا؛ مراعاة للفظ المنعوت "وهو التمييز" وجاز أن يكون جمعا؛ مراعاة لمعناه الذي يراد به اسم العدد، نحو: هنا أربعة عشر خبيرا عالما، أو علماء -وعشرون طالبا ذكيا، أو أذكياء- وخمس وعشرون كاتبا ماهرا، أو مهرة ، وهكذا١. ومراعاة اللفظ أكثر. ومثل النعت غيره من بقية
_________________
(١) ١ في هذا الحكم تفصيل يشوبه غموض تنطوي عليه المراجع المتداولة، ونكتفي هنا ببعضها: أ- من أمثلته ما جاء في الأشموني، ونصه: "يجوز في نعت هذا التمييز منهما وهنا يقول الصبان: "أي: من المركب وعشرين وبابه. وقضيته: أن تمييز غيرهما لا يجوز في نعته مراعاة المعنى" مراعاة اللفظ؛ نحو: عندي أحد عشر درهما ظاهريا، وعشرون دينارا ناريا، ومراعاة المعنى؛ فتقول: ظاهرية وناصرية، ومنه: فيها اثنتان وأربعون حلوبة سودا كخافية الغرب الأسحم ا. هـ. ففي الحكم السابق تقييد للمنعوت بأنه تمييز للعدد المركب، وعشرين وبابه.. وليس فيه تقييد الجمع بأنه للتكسير أو للمذكر السالم. ب- في حين يقول الرضي "ج٢ ص١٢٥" إذا وصفت المميز جاز لك في الوصف اعتبار اللفظ والمعنى؛ نحو: ثلاثون رجلا ظريفا وظرفاء، ومائة رجل طويل وطال. وقول الشاعر: فيها اثنتان وأربعون حلوبة سودا كخافية الغراب الأسحم فأمثلته التي عرضها اشتملت على نوع من الأعداد ليس بالمركب ولا العشرين وبابه؛ فقد اشتملت على مائة، نعم لم يصرح بنوع الجمع ولكن المثال اقتصر على جمع التكسير. ج- ويقول الهمع "ج١ ص٢٥٤ باب "التمييز" ما نصه: "إذا جيء بنعت مفرد أو جمع تكسير جاز الحمل فيه على التمييز وعلى العدد؛ نحو: عندي عشرون رجلا صالحا، أو صالح، وعشرون رجلا كراما أو كرام. فإن كان جمع سلامة تعين الحمل على العدد؛ نحو: عشرون رجلا صالحون". ا. هـ. فبأي هذا الآراء نأخذ؟ لعل الأنسب الأخذ بما جاء في الهمع وفي كلام الرضي لأن رأيهما مردد في بعض المراجع الأخرى التي لم نذكرها. ولا مانع هنا من وصف الجمع الذي لا يعقل بالمفرد المؤنث.
[ ٤ / ٥٣٠ ]
التوابع١.
فملخص الكلام على العدد من ناحية تمييزه هو -في الأغلب:
"واحد واثنان: لا يحتاجان لتمييز"، "ثلاثة وعشرة وما بينهما، وكذا بضع وبضعة، تحتاج لجمع تكسير، للقلة، مجرور بالإضافة، وقد تضاف لضمير المعدود"، "جنس المائة والألف: يحتاج إلى مفرد مجرور"، "ما عدا ذلك؛ يجتاج لمفرد منصوب.."٢.
_________________
(١) ١ كما سيجيء في "ب" من ص٥٣٣. ٢ في تأنيث العدد المركب يقول ابن مالك: وأحد اذكر وصلنه بعشر مركبا، قاصد معدود ذكر-٤ وقل لدى التأنيث إحدى عشره والشين فيها عن تميم كسره-٥ يريد: أن "عشرة" إذا ركبت مع "إحدى" وجب مطابقة "العشرة" لها في التأنيث، وأن "عشرة" المؤنثة، تسكن "شينها" في أشهر اللغات، وتميم تجيز الكسر أيضا. ثم أراد أن يبين عموم الحكم الخاص "بعشرة" من ناحية تأنيثها مطابقة للمعدود، وأن هذا ليس مقصورا على "إحدى" فقال: ومع غير أحد وإحدى ما معهما فعلت، فافعل قصدا-٦ "الفاء التي في صدر "افعل" زائدة". والتقدير: وافعل قصدا مع غير أحد وإحدى ما فعلت معهما، حيث أنثت عشرة مع "إحدى" المؤنثة، وذكرتها مع "أحد" المذكر..أي: راع المطابقة في التذكير والتأنيث مع غيرهما من الأعداد التي تركب مع العشرة كما راعيته مع: "أحد وإحدى" وزاد الأمر إيضاحا بالنص عليه مع ثلاثة وتسعة وما بينهما؛ فقال: ولثلاثة وتسعة وما بينهما إن ركبا ما قدما-٧ وبالنص عليه أيضا في اثني واثنتي حيث يقول: وأول عشرة اثنتي، وعشرا اثني إذا أنثى تشا، أو ذكرا-٨ يريد: أتبع المؤنثة "أي: اذكر بعدها" كلمة: "عشرة" المؤنثة. واذكر كلمة: "عشر" المذكرة =
[ ٤ / ٥٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- قد يضاف العدد "المفرد" إلى غير تمييزه المبين لنوع المعدود، ولحقيقته الذاتية؛ فيضاف إلى مستحق المعدود "ومن المفرد: واحد، ومؤنثه: واحدة وحادية، وإحدى ومنه: اثنان، ومؤنثه: ثنتان واثنتان، ومنه ثلاثة وعشرة وما بينهما. ويلحق به جنس المائة والألف " لعدم الحاجة إلى ذكر التميز استغناء عنه، وطلبا لمضاف إليه يحقق غرضا لا يحققه التمييز، هو الدلالة على أن العدد مملوك أو منتسب للمضاف إليه، أو مرتبط به بنوع من أنواع الصلة والارتباط التي تحدثها الإضافة الجديدة، والتي لا تبين نوعا، ولا ذاتا١، وإنما تبين استحقاق المضاف إليه للمضاف بوجه من وجوه الاستحقاق٢ ومن الأمثلة: واحد قومه من لا يعول في الدنيا على أحد -واحدة قومها من رفعت شأن بلدها في مجال التربية والأمومة. وكأن يقال في كتابين لمحمد: هذان اثنان محمد. وفي فتاتين من القاهرة: هاتان اثنتا القاهرة، أو ثنتا القاهرة. وفي دراهم لمحمود وعلي: هذه سبعة
_________________
(١) = بعد "اثني" المذكرة، ثم بين: أن "اثني واثنتي" يعربان إعراب المثنى عند تركيبهما كما كانا قبل التركيب؛ فيرفعان بالألف، وينصبان ويجران بالياء، وأما غيرهما فالجزءان المركبان مبنيان على الفتح في القول المألوف؛ أي: الشائع. يقول: و"اليا" لغير الرفع، وارفع بالألف والفتح في جزأي سواهما ألف -٩ ثم انتقل إلى حكم تمييز العقود فقال: وميز العشرين للتسعينا بواحد كأربعين حينا-١٠ "الحين: الوقت" ثم إلى تمييز المركب مباشرة وأنه مثل تمييز العشرين. فقال: وميزوا مركبا بمثل ما ميز: "عشرون"؛ فسوينهما-١١ ١ سبقت الإشارة لهذا في رقم ١ من ص٥٢٦. ٢ لأن من يقول: هذه "خمسة محمود" يكون عارفا "محمودا وخمسته" حتما: فلا تحتاج لتمييز وإذا قلت: "هذه عشروك" فقد خاطبت من يعرف العشرين المنسوبة إليه، ولا تقولها إلا لمن يعرف هذا، كما أنك لا تقول: "كتاب حامد" إلا لمن يعرفهما نوع معرفة.
[ ٤ / ٥٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
محمود، وتسعة علي، وخذ سبعتك، وحافظ على تسعتنا.
أما بقية أقسام العدد فيستغنى عن التمييز نوعان منها؛ كما سيجيء في "هـ".
ب- قلنا١: إن المراد بالمائة والألف هو جنسهما الشامل لمفردهما، ولمثناهما، ولجمعهما.. هذه الدلالة على الجمعية قد تكون بصيغة الجمع المباشر المتحقق في لفظهما؛ نحو: هذه مئو رجلا تقود أربعة آلاف جندي. وقد تكون "الجمعية" غير مباشرة؛ بأن تكون صيغة المائة: "مضافا إليه" يكتسب معنى الجمعية من "المضاف" بشرط أن يكون هذا المضاف ثلاثة، أو تسعة، أو عددا بينهما؛ نحو: قضى الرحالة ثلاثنمائة يوم في الصحراء، قطع فيها تسعمائة ميل.
وقد تكون أيضا بوقوع والألف تمييزا منصوبا مضافا، والعدد هو: "أحد عشر" أو غيره من الأعداد المركبة، نحو: في المكتبة أحد عشر مائة كتاب، واثنتا عشرة ألف مخطوطة. ومن الجائز في هذين النوعين الأخيرين اعتبار المائة والألف مفردين؛ اعتمادا على أن لفظهما الصريح مفرد، مجرد من علامة تثنية أو جمع، وأن اعتبارهما غر مفردين راجع للعدد المركب المذكور قبلهما، وهو لفظ مستقل عنهما، ولكنه احتاج إليهما ليكونا تمييزين له؛ فاعتبار المائة والألف راجع لمراعاتهما مع اسم العدد. ولن يترتب على الاعتبارين خلاف يمس تمييزهما مباشرة. وإنما الخلاف في توابع تمييزهما، كالنعت مثلا؛ أيكون مفردا تبعا للفظ تمييزهما المنعوت، أم جمعا تبعا لمعناه؟ الأمران جائزان في كل التوابع. ولكن الأحسن والأكثر هو مراعاة اللفظ؛ بأن يكون تابع تمييزهما مطابقا له في إفراده. ويسري الحكم السالف أيضا على تمييز العقود والأعداد المعطوفة كما سبق٢.
ج- يصلح الألف تمييزا لكل أقسام العدد الأربعة: "المفرد، غير الواحد والاثنين، والمركب، والعقد، والمعطوف". أما المائة فلا تصلح تمييزا إلا للثلاث والتسعة وما بينهما، وإلا للأعداد المركبة، مثل: "ثلاثمائة خمسمائة "، "إحدى عشرة مائة خمس عشرة مائة..". ولا تكون تمييزا للعقود، ولا
_________________
(١) ١ في "أ" من ص٥٢٥. ٢ في ص٥٣٠، بعنوان: "ملاحظة".
[ ٤ / ٥٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
للأعداد المعطوفة. وغذا وقع لفظ "مائة" تمييزا للثلاثة أو التسعة أو ما بينهما فالأغلب الذي يقتصر عليه هو إفراده.
د- من الشاذ تمييز المائة -وجنسها- بمفرد منصوب؛ كقول الشاعر:
إذا عاش الفتى مائتين عاما فقد ذهب اللذاذة والفتاء
ومن القليل تمييزها بجمع مجرور؛ كقراءة من قرأ قوله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ﴾ على اعتبار "مائة" مضاف و"سنين" مضاف إليه. أما من ينون: "مائة" فإنه يجعل كلمة: "سنين" بدلا أو عطف بيان من "ثلاث" المضافة إلى مائة. لا تمييزا، لئلا يكون التمييز هنا شاذا من وجهين؛ هما: وقوعه جمعا، ونصبه.
هـ- ما صح في الأعداد المفردة من استغنائها من التمييز أحيانا، كما تقدم البيان في: "أ"١ يصح في قسمين آخرين؛ هما: المركب "ما عدا اثني عشر، واثنتي عشرة"، والعقود، فيصح حذف التمييز حين لا يتعلق الغرض بذكره. ومن حالات الاستغناء عنه أن يضاف العدد إلى شيء يستحقه؛ بأن يكون العدد مملوكا للمضاف إليه، أو منتسبا له بصلة من الصلات المستفادة من الإضافة الدالة على الاستحقاق، لا على بيان نوع المعدود. كأن يكون لمحمود خمسة عشر درهما فنقول: هذه خمسة عشر محمود، وكأن يكون لغرف البيت عشرون مفتاحا؛ فنقول: هذه عشرو البيت ٢.
وإذ أضيف العدد المركب، "غير اثني عشر، واثنتي عشرة"، ففي إعرابه لغات٣ أشهرها وأحقها بالاقتصار عليه لغتان٤:
الأول: أن يبقى على ما كان عليه من فتح الجزأين في جميع مواقعه الإعرابية،
_________________
(١) ١ ص٥٣٢. ٢ ومن هذا قول الشاعر يهجو متغزلا: وما أنت؟ أم مارسوم الديار؟ وستوك قد قربت تكمل ستوك، أي: ستون سنة من عمرك، ثم انظر رقم ٢ من هامش ص٥٣٢. ٣ أما إعراب العقود فكجمع المذكر السالم؛ فلا تتأثر عند إضافتهما إلا بحذف النون. ٤ سبقت الإشارة لهما في ص٥٢١.
[ ٤ / ٥٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا مانع من اجتماع البناء والإضافة هنا؛ تقول: خمسة عشر محمد عندي، إن خمسة عشر محمد عندي، حافظت على خمسة عشر محمد؛ بالبناء، على فتح الجزأين في محل رفع، أو نصب، أو جر، على حسب حالة الجملة.
الثانية: ترك الجزء الأول مفتوحا في كل الحالات كما كان، وإجراء الحركات الإعرابية على الجزء الثاني؛ باعتبار الجزأين بمنزلة كلمة واحدة ذات شطرين، يجري الإعراب على الثاني منهما مع ترك الأول على حاله، دون أن تتغير الفتحة التي في آخره، فيكون الثاني معربا؛ مرفوعا، أو منصوبا، أو مجرورا، على حسب موقعه من الجملة؛ ولا يكون مبنيا؛ تقول: خمسة عشر محمد عندي، إن خمسة عشر محمد عندي، "و"خمسة عشر" هنا: اسم "إن"، منصوبة مباشرة، وليست مبنية على فتح الجزأين" -حافظت على خمسة عشر محمد. فخمسة عشر في الأمثلة الثلاثة غير مبنية؛ فهي بشطريها في الأول مبتدأ مرفوع مباشرة، وفي الثاني اسم "إن" منصوب مباشرة- وفي الثالث مجرور مباشرة. وما عدا هذين الرأيين ضعيف يحسن إهماله؛ ومنه: إضافة صدر المركب إلى عجزه المضاف إلى مستحق المعدود، نحو: هذه خمسة عشر محمد، وشاهدت خمسة عشر محمد، واحتفيت بخمسة عشر محمد
ومنه إضافة صدر المركب إلى عجزه من غير إضافة العجز إلى شيء؛ نحو: هذه سبعة عشر١
ولا يجوز الفصل بين العدد وتمييزه في غير الضرورة الشعرية، كقول الشاعر القديم:
على أنني بعد ما قد مشى ثلاثون -للهجر- حولا كميلا ٢
يريد: ثلاثون حولا كميلا للهجر.
_________________
(١) ١ وإلى بعض هذه الآراء يشير ابن مالك بقوله: وإن أضيف عدد مركب يبق البنا. وعجز "قد يعرب"-١٢ ٢ كاملا. وفي الشطر الأول من البيت رواية أخرى، هي: وإني من بعد ما قد مضى
[ ٤ / ٥٣٥ ]
المسألة ١٦٥: تذكير العدد وتأنيثه.. ١
عرفنا الأقسام الاصطلاحية للعدد؛ وأنها أربعة: "مفرد، مركب، عقد، معطوف". وفيما يلي الكلام على كل منها من ناحية التذكير والتأنيث.
الأول: تذكير الأعداد المفردة وتأنيثها، ويتلخص في:
١- أن "الواحد والاثنين" يذكران ويؤنثان مباشرة بغير حاجة إلى معدود بعدهما، أي: أن صيغتها العددية تذكر أو تؤنث؛ طبقا لمدلولها، وللمقصود منها. دون أن يكون مع الصيغة معدود "تمييز"؛ إذ لا يصح ذكر تمييز لها -كما عرفنا-٢ ومن الأمثلة قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ وقوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ .
٢- وأن "مائة" و"ألفا" وجنسهما ثابتة الصيغة على حالتها اللفظية، تأنيثا في "مائة"، وتذكيرا في "ألف" مع أنهما يحتاجان إلى تمييز مفرد مجرور غالبا. وهذا التمييز قد يكون مذكرا أو مؤنثا على حسب الدواعي المعنوية؛ نحو: جاء مائة رجل، جاءت مئة فتاة، حضر ألف جندي، حضر ألفا طالبة. أي: أن صيغة لفظهما لا تخرج عما وضعت له في الأصل؛ فكلمة: "مئة" ملازمة للتأنيث اللفظي في كل استعمالاتها هي ومضاعفاتها، وكلمة "ألف" ملازمة للتذكير اللفظي دائما هي ومضاعفاتها، فمادتهما الهجائية ثابتة لا يدخل عليها تغيير من هذه الناحية، إلا عند إلحاق المئة بجمع٣ المذكر السالم.
_________________
(١) ١ المذكر والمؤنث من أسماء الشهور العربية موضح في: "ج" من ص٥٥٣ وكذلك ما يذكر قبله كلمة: "شهر" وما لا يذكر. ٢ في ص٦٢٥. ٣ عند إلحاق المائة بجمع المذكر السالم يقال فيها: "مئون ومئين".
[ ٤ / ٥٣٦ ]
٣- وأن ثلاثة، وعشرة وما بينهما -وكذلك كلمة: بضع وبضعة-١ تلحقها تاء التأنيث إن كان المعدود "التمييز" مذكرا، وتتجرد من تاء التأنيث إن كان المعدود "التمييز" مؤنثا. فالعدد في هذا القسم مخالف للمعدود تذكيرا وتأنيثا.
ويشترط لتحقق هذه المخالفة شرطان؛ أن يكون المعدود مذكورا في الكلام، وأن يكون متأخرا عن لفظ العدد، نحو: ثلاث عيون، أربعة قلوب، خمس أصابع، ستة رءوس، سبع رقاب، ثمانية٢ جلود، تسع أقدام، عشرة ظهور.. فإن لم يتحقق الشرطان معا؛ بأن كان المعدود متقدما، أو كان غير مذكور في الكلام ولكنه ملحوظ في المعنى يتجه الغرض إليه، جاز في لفظ العدد التذكير
_________________
(١) ١ وهي ملحقة بهما -طبقا لما سبق في رقم ٤ من هامش ص٥١٨. ٢ للعدد: "ثمان" المفرد حكم خاص بصيغته وإعرابه، حين يكون مؤنثا أو غير مؤنث. ويتلخص هذا الحكم فيما يأتي -طبقا للرأي المعول عليه: أ- إذا كان: "ثمان" عددا مضافا ومذكرا -بسبب إضافته إلى تمييزه المؤنث- فالأفصح إثبات الياء في آخره في جميع حالاته، مع إعرابه إعراب المنقوص؛ فتقدر على يائه الضمة والكسرة، وتظهر الفتحة؛ نحو: "ثماني غوان ينشدن، وثماني فتيان يعزفن"، "سمعت ثماني غوان ينشدن، وثماني فتيات يعزفن" "طربت لثماني غوان ينشدن، وثماني فتيات يعزفن". فكلمة: "ثماني " في المثال الأول مرفوعة بضمة مقدرة على الياء، وفي الثاني منصوبة بالفتحة الظاهرة، وفي الثالث مجرورة بكسرة مقدرة. فإن كان العدد: "ثمان" مؤنثا -بسبب إضافته إلى تمييزه المذكر- لزمته "الياء" وبعدها: "التاء" الدالة على التأنيث، وأعرب إعراب الأسماء الصححية، نحو: فرقة الإنشاد ثمانية رجال، شاهدت ثمانية رجال، شاهدت ثمانية رجال، أصيغت إلى ثمانية رجال. ب- إذا كان: "ثمان" عدد مفردا، غير مضاف، والمعدود مذكر، لزمته الياء والتاء -أيضا- وأعرب إعراب الأسماء الصحيحة في كل أحواله، نحو: المسافرون من الرجال ثمانية، كان المسافرون من الرجال ثمانية، أنسب من الرجال بثمانية فإن كان المعدود مؤنثا فالأكثر إعرابه إعراب المنقوص؛ نحو: اشتهر من الشاعرات ثمان، اكتفيت من الشاعرات بثمان، عرفت من الشاعرات ثمانيا، أو ثماني. بالتنوين وعدمه، فالتنوين على اعتبار كلمة: "ثمانيا" اسما منقوصا، منصرفا. وعدم التنوين على اعتباره اسما ممنوعا من الصرف يشبه: "غوان" بالحركات الظاهرة على النون مباشرة عند حذف الياء؛ كقوله الشاعر: لها ثنايا أربع حسان وأربع، فثغرها ثمان يريد: ثنايا ثمان. "راجع الخضري والصبان في هذا الموضع". أما العدد ثمانية عند تركيبه مع العشرة فيجيء الكلام عليه في تأنيث الأعداد المركبة -رقم ٣ من هامش ص٥٤٧.
[ ٤ / ٥٣٧ ]
والتأنيث١؛ نحو: كتبت صحفا ثلاثا، أو ثلاثة، صافحت أربعة أو أربعا٢
والحكم على المعدود الدال على الجمع٣ بأنه دال على التأنيث أو التذكير لا يكون بالنظر إلى لفظه الدال على الجمعية وما يصاحبها من التذكير أو التأنيث وإنما يكون بالرجوع إلى مفرده؛ لمعرفة حالة المفرد من ناحية التذكير والتأنيث، ومراعاة هذه الحالة وحدها، عند تأنيث العدد وتذكيره، دون التفات إلى لفظ المعدود من هذه الناحية٤
وإذا ميز العدد المفرد بتمييزين أحدهما مذكر والآخر مؤنث، روعي في تأنيث لفظ العدد وتذكيره السياق٥ منهما؛ نحو: أقبل سبعة رجال وفتيات، وأقبل سبع فتيات ورجال٦
_________________
(١) ١ مع مراعاة الحكم الخاص بالعدد "ثمان" وقد سبق في رقم ٢ من هامش الصفحة الماضية. ٢ انظر "د" و"هـ" ص٥٤٥ و٥٤٦، حيث البيان والتفصيل. ٣ وما الذي يراعى إن كان المعدود اسم جمع، أو اسم جنس؟ الجواب في: "ج" من ص٥٤٢. ٤ كما سيجيء البيان والأمثلة في ص٥٤٠ إلا عند الكسائي، وبعض البغداديين؛ فيجيزون الرجوع إلى المفرد، أو مراعاة الجملة بلفظه الذي هو عليه. ورأيهم مخالف للأعم الأغلب الذي يحسن الاكتفاء به اليوم؛ منعا للتشتيت والاضطراب. ٥ مما يلاحظ أن هذا مخالف لنظيره في الأعداد المركبة، وسيأتي في ص٥٤٨. ٦ في تأنيث العدد المفرد وتذكيره يقول ابن مالك في باب مستقل عنوانه: -"العدد"- ولم يسلك فيه الترتيب الذي سلكناه، "كما أشرنا في رقم ١ من هامش ص٥١٧ وأوضحنا الأمر": ثلاثة بالتاء قل للعشرة في عد ما آحاده مذكره-١ في الضد جرد -٢ "التقدير: قل ثلاثة بالتاء إلى العشرة. وآحاده: جمع أحمد، بمعنى: المفرد للجمع. "أي: واحد الجمع، ومفرده". يريد: أنث العدد، ثلاثة، وعشرة، وما بينهما إن كنت تعد جمعا مفرداته مذكرة. فالعبرة في معرفة التذكير والتأنيث في المعدود المجموع إنما تكون بالرجوع إلى مفرده، بغير نظر إلى لفظ المعدود المجموع من هذه الناحية. أما في الضد حيث يكون مفرد المعدود مؤنثا فيجب تذكير العدد. وتكملة البيت الثاني لا علاقة لها بهذه القاعدة، وإنما تتصل بحكم آخر، سيجيء". ثم انتقل بعد ذلك للكلام على تمييز العدد؛ فقال: =
[ ٤ / ٥٣٨ ]
والعرب في بعض استعمالاتهم يقدمون التأنيث على التذكير، فيغلبون المؤنث على المذكر في بعض حالات قليلة، يتصل منها بموضوع العدد قولهم -مثلا: رجعت من السفر لثلاث بين يوم وليلة "أي: لثلاث محصورة بين كونها أياما، وكونها ليالي".
وضابط هذا النوع من الاستعمالات: أن يوجد عدد تمييزه مذكر ومؤنث، وكلاهما لا يعقل، وهما مفصولان من العدد بكلمة: "بين"؛ فهم يغلبون في المثال السابق -وأشباهه- الثأنيث على التذكير.
ومن تلك الحالات؛ أن يكون المعدود المذكور متأخرا في الجملة، ومؤنثا تغليبا١؛ بأن يكون معه مذكر ليس له الأهمية والتغليب٢؛ نحو: قابلت تسعا بين رجل وامرأة وهكذا، وقد سبق بيان لهذه المسألة عند الكلام على تعريف "التغليب" وتقسيمه، وحكمه٣.
_________________
(١) = "في الضد جرد". والمميز اجرر جمعا بلفظ. قلة في الأشهر-٢ وهذا الحكم خاص بالعدد ثلاثة وعشرة وما بينهما، أما المائة والألف فقال فيه: ومائة والألف للفرد أضف ومائة بالجمع نزرا قد ردف-٣ "نزرا= قليلا جدا. ردف= جاء بعده" يقول: أضف مائة والألف للمفرد، ليكون هذا المفرد المضاف إليهما هو التمييز. ثم قال: إن العدد "مائة قد يردفه "أي: يقع بعده" جمع؛ فيكون المضاف إليه جمعا، ووقوع الجمع تمييزا للمائة نزر لا يقاس عليه. ١ كأنه ليس معه مذكر. ٢ كأنه غير موجود. ٣ في ج١ م٩ هامش ص١١٩ عند الكلام على: "المثنى".
[ ٤ / ٥٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- قلنا١: إن الحكم على المعدود بالتذكير أو التأنيث لا يكون بمراعاة لفظه إذا كان جمعا، وإنما يكون بالرجوع إلى مفرده٢، وملاحظة هذا المفرد وحده أهو؛ مذكر أم مؤنث حقيقي أم مجازي٣ في الحالتين؛ فعلى المفرد وحده يكون الاعتماد في هذه الناحية، ولا عبرة بالمعدود المجموع٢. تقول: سمعنا غناء ثلاث غوان، بحذف التاء من العدد "ثلاث"؛ لأن المعدود جمع، مفرده: "غانية" "وغانية" مؤنثة حقيقية. ومثلها: سهرنا سبع ليال؛ بحذف التاء من العدد: "سبع"؛ لأن المعدود جمع مفرده: ليلة، وهي مؤنثة مجازية. وتقول ثلاثة أدوية، بإثبات التاء في اسم العدد؛ لأن المعدود جمع، مفرده: دواء؛ وهذا مذكر. ولا عبرة بتأنيث جمعه المذكور. وتقول: خمسة غلمة؛ بإثبات التاء في اسم العدد، لأن المعدود -وإن كان جمعا للتكسير مؤنثا بالتاء- مفرده مذكر، وهو: غلام. ومثلها: خمسة فتية؛ بإثبات التاء في اسم العدد، بالرغم من أن معدوده جمع تكسير مؤنث بالتاء لأن مفرده مذكر؛ وهو فتى، والعبرة بالمفرد وحده -غالبا، كما سلف- ومثل هذا يقال: في أربعة سرادقات، وخمسة حيوانات، وستة حمامات بإثبات التاء في اسم العدد، مع أن المعدود جمع مؤنث سالم، ولكن مفرد هذا الجمع المعدود مذكر "هو: سرادق، حيوان، حمام " والمعول عليه عند الحكم بتأنيث العدد وتذكيره حين يكون المعدود جمعا إنما هو مفرد هذا الجمع وملاحظته دون ملاحظة صيغة الجمع وصورته اللفظية.
ب- هذا المفرد الذي يجب الرجوع إليه عند الأكثرين لمعرفة حاله من التذكير أو التأنيث الحقيقيين أو المجازيين٣؛ للتوصل منه إلى تأنيث اسم العدد،
_________________
(١) ١ في ص٥٣٨ و٥٤٢. ٢ و٢ خالف في هذا الكسائي وبعض البغدادين، طبقا للبيان الذي في رقم ٤ من هامش ص٥٣٨. ٣ و٣ سبق الكلام مفصلا على أنواع المؤنث "وهي: الحقيقي، المجازي، المعنوي، اللفظي، التأويلي، الحكمي.." في ج٢ ص٦٦ م٦٧ باب: الفاعل. وسيجيء هنا التكملة في باب: التأنيث، ص٥٨٥.
[ ٤ / ٥٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أو تذكيره -هذا المفرد مختلف الصور؛ فقد يكون مؤنثا لفظا ومعنى معا؛ "وهو الذي يلد ويتناسل -ولو من طريق البيض، مع اشتمال لفظه على علامة تأنيث": مثل فاطمة، مية، عائشة، ليلى، سلمى، زرقاء "علم، ومنه: زرقاء اليمامة" حمرا "علم أيضا".. وغيرها من أعلام النساء المختومة بعلامة تأنيث
وقد يكون مؤنثا معنى لا لفظا "وهو ما يلد ويتناسل، مع خلو لفظه من علامة تأنيث"، مثل: زينب، سعاد، هند وغيرها من أعلام النساء الخالية من علامة تأنيث. وقد يكون مؤنثا مجازيا. مثل: أرض و"بطن، بمعنى: قبيلة" وغيرهما من الأسماء الدالة على مؤنث غير حقيقي١. لا يعرف إلا من طريق السماع الوارد عن العرب؛ فلا ضابط لمعرفته إلا ذلك السماع.
وقد يكون مؤنثا لفظا لا معنى، مثل: طلحة، عنترة، معاوية، حمزة، وغيرها من أعلام الذكور المشتملة على علامة تأنيث. فلفظها مؤنث، ومعناها مذكر
وقد يكون مذكرا لفظا ومعنى؛ "كرجل، وعلي".
وقد يكون صالحا للدلالة على المؤنث أو المذكر، مثل: شخص، نفس، حال
فإذا كان المفرد مؤنثا تأنيثا حقيقيا١ "وهو الذي يلد ويتناسل، ولو من طريق البيض" وجب مراعاة هذا التأنيث بتذكير اسم العدد، سواء أكان التأنيث الحقيقي لفظا ومعنى معا، أم معنى أم معنى فقط. "مثل: فاطمة، زينب".
وإن كان المفرد مذكرا لفظا ومعنى وجب مراعاة هذا التذكير بتأنيث اسم العدد. وفي غير هاتين الحالتين يصح اعتبار المفرد مذكرا أو مؤنثا؛ كأن يكون مذكرا لفظا ومعناه مؤنث تأنيثا مجازيا، مثل "حرف" المراد به: كلمة. و"بطن": المراد به: "قبيلة"، و"كتاب" المراد به: ورقاته وكأن يكون مؤنثا لفظا ومعناه مذكر؛ مثل: طلحة، حمزة، معاوية، وكأن يكون لفظا يصلح للدلالة على المؤنث حينا والمذكر حينا آخر كالأمثلة السالفة "شخص،
_________________
(١) ١ و١ المؤنث الحقيقي هو الذي يلد ويتناسل، ولو من طريق البيض. ولا بد أن يشتمل على علامة تأنيث ظاهرة أو مقدرة "كما سيجيء في ص٥٨٥".
[ ٤ / ٥٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نفس، حال" وغيرها مما يصلح للأمرين١
بالرغم من أن هذه الصور يجوز فيها اعتبار المفرد مؤنثا أو مذكرا فالأحسن في المفرد إن كان علما مراعاة لفظه، وكذلك إن وجد في السياق ما يقوي جانب اللفظ. فنقول: ثلاث طلحات أو ثلاثة طلحات، والأول أحسن: مراعاة للفظ المفرد "طلحة" لأنه علم٢. ونقول: ممن اشتهروا في صدر الإسلام بأعمال جليلة باقية على الزمان، سجلها التاريخ لهم: أربعة شخوص، عرفوا بالخلفاء الراشدين، ويصح أربع شخوص؛ ولكن التأنيث هنا أحس؛ لأن نسق الكلام جار على التذكير؛ ففيه: "اشتهروا، لهم، عرفوا، الراشدين"؛ وهذا الاتجاه يقوي في المفرد "وهو: شخص" ناحية التذكير، ويغلبها على ناحية التأنيث، فيستحسن تبعا لهذا تأنيث العدد.
ح- ليس من اللازم أن يكون التمييز الخاص بالأعداد: "ثلاثة، وعشرة" وما بينهما، جمعا حقيقيا في كل الحالات، وإنما اللازم -كما سبق-٣ أن يكون دالا على معنى الجمعية، فيشمل الجمع الحقيقي، كما يشمل اسم الجمع؛ كقوم، ورهط، وناس، وأناس، ونساء، وعشرون، وثلاثون، وباقي العقود وكذلك يشمل، اسم الجنس الجمعي٤؛ كنحل، ونخل، وبط، وبقر، وكلم
وقد عرفنا٥ أن المعدود الجمع لا يراعى لفظه من ناحية التذكير والتأنيث، وإنما الذي يراعى هو مفرده فقط، فما الذي يراعى إن كان المعدود اسم جمع. أو اسم جنس جمعي؟
_________________
(١) ١ انظر ص٥٨٧ حيث الكلام على أنواع المؤنث. ٢ المفهوم من حاشية ياسين على التصريح غير ذلك؛ فقد جاء بها ما نصه: "ج١ باب: "المعرب والمبني" عند الكلام على شروط جمع المذكر السالم": لأي شيء امتنع نحو: طلحون" وقيل: "طلحات" فأعطى حكم المؤنث، اعتبارا بلفظه؛ وقيل في العدد ثلاثة طلحات. بإلحاق عدده حرف التاء، لإعطائه حكم المذكر؛ اعتبارا بمعناه. ا. هـ. لم يجب عن هذا، وأحال الجواب على حاشية أخرى. وسواء أكان الحكم هذا أم ذاك فالرأيان جائزان، صحيحان. وإنما الخلاف في الأحسن. ٣ في ص٥٣٨ و٥٤٠. ٤ سبق تفصيل الكلام عليه وعلى أقسام اسم الجنس في الجزء الأول "ص٢١ م٢". ٥ في ص٥٣٨ و٥٤٠.
[ ٤ / ٥٤٢ ]
يراعى لفظهما مباشرة، "أي: صيغتهما" وما هما عليه من تأنيث، أو تذكيرن أو صلاح للأمرين، ولا يراعى مفردهما إن وجد. ويعرف أمرهما من هذه الناحية بوسائل متعددة؛ لا بد أن تنتهي إلى استعمال العرب الفصحاء؛ منها: نوع الضمير العائد على كل منهما: أهو مذكر أم مؤنث؟ ومنها اسم الإشارة المستعمل مع كل؛ أو مما يستعمل مع المذكر أم مع المؤنث؟ ومنها النعت، وكذلك تأنيث الفعل فكل وسيلة من هذه -وأشباهها- صالحة للدلالة على تأنيث اسم الجمع واسم الجنس الجمعي أو تذكيرهما، أو صلاحيتهما للأمرين على حسب الوارد في الكلام الصحيح المأثور. فإذا أردن أن نتبين أمر اسم جمع: "مثل رهط " أهو مذكر أم مؤنث؛ نرجع إلى الكلام الفصيح؛ فنجد العرب يقولون -مثلا- الرهط أقبل، وهذا الرهط المقبل سيكون له شأن ولا يقولون على الحقيقة الخالية من التأويل والمجاز: الرهط أقبلت، ولا هذه الرهط المقبلة
ويقولون: كان رهطنا الرواد أسرع الجنود إلى الفداء والتضحية. ولا يقولون: كانت. رهطنا الرائدات أي: أنهم يذكرون: "رهطا"، من أسماء الجموع. فيتبع هذا تأنيث العدد، فنقول: ثلاثة من الرهط١.
وهم يؤنثون من أسماء الجمع: "رجلة" "بمعنى بضعة رجال لا تزيد على عشرة" فيقولون: أقبلت رجلة تكشف المجاهل ويتبع هذا تذكير العدد، فيقال: ثلاث من رجلة ٢.
وهم -في أغلب الفصيح- يذكرون من أسماء الأجناس الجمعية: "البنان" "والكلم"، فيقولون: بنان مخضب. ويقول الله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾، كما يقول: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ ويترتب على هذا تأنيث اسم العدد؛ نحو: خمس من البنان المخضب، وسبع من الكلم الطيب
_________________
(١) ١ مع مجيء حرف الجر؛ "من"؛ طبقا لما تقدم في حكم تمييز العدد الذي معدوده اسم جنس، أو اسم جمع ص٥٢٧. ٢ ملاحظة: ورد في بعض المراجع النحوية التمثيل بكلمة: "قوم" لاسم الجمع الواجب التذكير. وهذا خطأ، فقد تكرر تأنيثه في القرآن الكريم.
[ ٤ / ٥٤٣ ]
وهم -في الأغلب أيضا- يؤنثون ويذكرون من تلك الأجناس الجمعية: البط والنخل؛ فيقولون: البط سابح في الماء، والبط سابحة في الماء. ويقول الله تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ ١، ٢ كما يقول في وصف الريح التي أهلكت عادا ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ ٣. ويترتب على هذا صحة التذكير والتأنيث في اسم العدد؛ نحو: سبع أو سبعة من البط، وتسع، أو تسعة من النخل فشأن هذا شأن المعدود الذي يدل على المذكر وعلى المؤنث حيث يصح معه في اسم العدد مراعاة هذا أو ذاك ٤.
_________________
(١) ١ باسقات: عاليات. ٢ نضيد: منسق. ٣ مقطوع من أصله. وأعجاز النخل أصوله. والمراد هنا: النخل نفسه. ٤ والأحسن في اسم الجنس الجمعي الأخذ بما ارتضيناه في الجزء الأول "ص٢١ ورقم ٣ من هامشها م١" ونصه كما في الهامش: "هذا النوع الذي يفرق بينه وبين واحده بالتاء المربوطة إذا وصف -وكذلك إن أخبر عنه، أو عاد عليه ضمير، أو إشارة- جاز في صفته: إما الإفراد مع التذكير على اعتبار: "اللفظ" لأنه جنس، أو مع "التأنيث" على تأويل معنى الجماعة، نحو قوله تعالى: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾، وقوله: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ وإما جمع الصفة جمع تكسير أو جمع مؤنث سالم؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾، وقوله: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ ومثل الصفة الخبر، والإشارة إليه، والضمير العائد عليه -كما أسلفنا. "وفي كل ما سبق خلاف أشار إله "الصبان" في باب: "العدد"، وقد تخيرنا أقوى الأوجه. ويؤيد ما تخيرناه ما جاء في "المصباح المنير، مادة: النخل"، ونصه الحرفي: "النخل اسم جمع -كذا يقول- الواحدة: "نخلة". وكل جمع بينه وبين واحدة الهاء -يريد تاء التأنيث المربوطة- قال: ابن السكيت: فأهل الحجاز يؤنثون أكثره؛ فيقولون: هي التمر، وهي البر، وهي النخل، وهي البقر ، وأهل نجد وتميم يذكرون. فيقولون: نخل كريم، وكريمة، وكرائم. وفي التنزيل: "نخل منقعر" "نخل خاوية"، وأما النخيل بالياء فمؤنثة. قال أبو حاتم: لا اختلاف في ذلك". ا. هـ. كلام المصباح. "لكن يتضح من أمثلة النص أن أهل نجد وتميم لا يقتصرون على التذكير وإنما يؤنثون أيضا. ويلاحظ أنه جعل "النخل" اسم جمع، فكيف يتفق أنه اسم جمع مع قوله السابق إن "الواحدة نخلة"؟ فهل يريد اسم جنس جمعي؟ ومما يؤيد ما تخيرناه أولا ما جاء في كتاب: "بصائر ذوي التمييز" تأليف: الفيروز آبادي صاحب: "القاموس المحيط" في البصيرة ٥١ ص٢٧٧ ونصه عند الكلام على كلمة: "بنيان": "البنيان: واحد لا جمع له. وقال بعضهم: جمع واحدته: "بنيانة" على حد: "نخل ونخلة". وهذا النحو من الجمع يصح تذكيره وتأنيثه". ا. هـ. "وهناك مواضع أخرى للاختلاف أشرنا إليها في الجزء الأول ص٢٣٩ و٢٨٩ و٤١٤" انتهى المنقول من الجزء الأول من النحو الوافي.
[ ٤ / ٥٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويشترط لتطبيق الحكم السالف الخاص باسم الجنس الجمعي، واسم الجمع في صورهما المختلفة ألا يتوسط بين المعدود واسم العدد نعت يدل على التأنيث فقط، أو على التذكير فقط، فإن توسط هذا النعت وجب مراعاة المعنى الذي يقتضيه، ويدل عليه، فيذكر اسم العدد أو يؤنث تبعا له؛ نحو: في الماء خمس إناث١ من البط، وعلى مقربة منها خمسة ذكور١ من البط أيضا.
ولو تأخر هذا النعت عن المعدود، أو توسط وكان لفظه مع توسطه مما يصلح نعتا للمذكر والمؤنث؛ -ككلمة: حسان؛ مثلا- لم يكن له أثر في تأنيث العدد، وتذكيره؛ فوجود النعت بصورتيه من هذه الناحية كلا وجود. فنقول: في الماء خمسة من البط إناث أو خمس من البط إناث. وخمس من البط ذكور، أو خمسة من البط ذكور. كما نقول خمسة حسان من البط، أو خمس حسان من البط؛ لأن لفظ: "حسان" المتوسط يصلح نعتا للمذكر وللمؤنث؛ فيقال: رجال حسان، ونساء حسان.
د- يشترط لتطبيق الحكم العام المتعلق بتأنيث الأعداد المفردة السالفة "٣، ١٠ وما بينهما" وتذكيرها أن يكون المعدود المفرد مذكورا ومتأخرا عن اسم العدد، -كما عرفنا-٢ ولهاتين الحالتين صور؛ منها: أن يكون المعدود محذوفا مع ملاحظته في المعنى وتعلق الغرض به؛ فيصح في اسم العدد التذكير والتأنيث؛ نحو: "ثلاث من كن فيه فهو منافق أثيم؛ الخيانة، وخلف الوعد، والكذب"، فيصح في اسم العدد هنا: التذكير والتأنيث؛ فيقال: ثلاث، أو ثلاثة؛ إما على اعتبار أن المعدود المحذوف متقدم في الأصل على العدد،
_________________
(١) ١ و١ إناث وذكور، نعتان، مؤولان بالمشتق؛ أي: مذكرة مؤنثة. ٢ في ص٥٣٧.
[ ٤ / ٥٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والأصل: صفات ثلاث. أو صفات ثلاثة، ويعرب المعدود المحذوف على حسب حاجة الجملة، ويعرب اسم العدد بعده نعتا١ في الغالب حين يكون المحذوف مذكورا، فإذا حذف حل النعت محله في إعرابه؛ فصار مبتدأ، أو خبرا، أو غير ذلك مما كان يؤديه المعدود المحذوف وإما على اعتبار المعدود المحذوف متأخرا في الأصل على العدد، والأصل هو: ثلاث صفات؛ وهذا الاعتبار يقضي بتطبيق الحكم الخاص بتذكير العدد أو تأنيثه حين يكون المعدود مذكورا ومتأخرا عنه.
فإن كان المعدود المحذوف غير ملاحظ في التقدير مطلقا، ولا يتعلق الغرض به بتاتا، وإنما المقصود هو ذكر اسم العدد المجرد فالأصح في هذه الصورة تأنيث العدد بالتاء على اعتباره علم جنس مؤنثا؛ ويمنع من الصرف ولا تدخل عليه "أل" المعرفة في الأرجح؛ نحو: ثلاثة نصف ستة، وأربعة نصف ثمانية فالعدد في المثالين -وأشباههما- علم جنس، مؤنث، ممنوع من الصرف، لا تلحقه -في الأرجح- "أل" المعرفة، كما قلنا، لأنها لا تدخل على المعارف. وقد تدخل عليه "أل" التي للمح الأصل؛ وهو: الوصفية العارضة، كما دخلت في كلمة: إلهة؛ علم للشمس، وكلمة: شعوب، علم للمنية، فقالوا فيهما الإلهة، والشعوب.
هـ- إن٢ كان المعدود صفة نائبة عن الموصوف "المحذوف" اعتبر حال الموصوف "المحذوف" لا حال الصفة، قال الله تعالى: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾، مع أن المثل مذكر؛ إذ المراد بالأمثال: "الحسنات". أي: عشر حسنات أمثالها.
_________________
(١) ١ سبق "في رقم ٥ من هامش ص٥٢٨" أنه لا مانع في هذه الحالة من إعرابه "بدلا أو عطف بيان" إن كان المعنى عليهما. ولا مانع هنا من عدم مطابقة النعت للمنعوت في التذكير والتأنيث؛ لأن هذه الصورة مما يجوز فيه المطابقة وعدمها، فيجوز فيها أن يكون المعدود المحذوف مذكرا واسم العدد مؤنثا، ويجوز العكس؛ كما يجوز المطابقة؛ وهي الأحسن عند إمكانها، لموافقتها القاعدة العامة في حكم النعت الحقيقي أما عدم المطابقة فمسايرة لمخالفة العدد للمعدود. وأشرنا في المراجع المذكور إلى م سبق في الجزء الثالث "باب: "النعت" م١١٤ عند تقسيم النعت باعتبار لفظه" إلى الألفاظ الجامدة التي يصح وقوعها نعتا، ومنها: "لفظ العدد"، وتفصيل الكلام عليه. ٢ ما يأتي منقول من رقم ١ من هامش ص١٤٩ ج٢ من كتاب؛ المقتضب، للمبرد -باب نعم وبئس- ونقله محققه أيضا من شرح الكافية للرضي "ج٢ ص١٣٩" ومن كتاب سيبويه "ج٢ ص١٧٥.
[ ٤ / ٥٤٦ ]
الثاني: تأنيث الأعداد المركبة وتذكيرها
سبق أن الأعداد المركبة١ تنحصر في: "أحد عشر، وتسعة عشر، وما بينهما، وما يلحق بهما من كلمة: بضع وبضعة" وأنها سميت مركبة لتركبها من جزأين امتزجا واتصلا حتى صارا بمنزلة كلمة واحدة؛ تؤدي معنى جديدا لا يؤديه واحد منهما منفردا. والجزء الأول منهما يسمى: "صدر المركب" أو: النيف "وهو يشمل ١ و٩ وما بينهما، وما ألحق بهما" والجزء الثاني يسمى: "عجز المركب أو: العقد"، ويقتصر على كلمة: "عشرة". ولا بد للمركبات من تمييز يكون مفردا منصوبا، وتعرب مبنية على فتح الجزأين في كل أحوالها٢ -في محل رفع، أو نصب، أو جر- على حسب الجملة. ما عدا "اثنين واثنتين"؛ فيعرفان إعراب المثنى، وما عدا عجز المركب المضاف وحده٢..
أما حكم الأعداء المركبة -وملحقاتها- من ناحية التأنيث والتذكير فيتخلص: في أن عجزها "وهو: عشرة" يطابق المعدود دائما، أي: يسايره في تذكيره وتأنيثه بغير تخالف. وأن صدرها: إن كان لفظه كلمة: "أحد، أو اثني، أو اثنتي " يجب مخالفته للمعدود وإن كان "ثلاثة وتسعة" وما بينهما -وملحقاتها- وجب مخالفته للمعدود؛ كمخالفته له وهو مفرد: "أي مضاف" فالأعداد "ثلاثة وتسعة" وما بينهما -وكذا الملحقات- يجب مخالفتها للمعدود في التذكير والتأنيث؛ سواء أكانت تلك الأعداد مفردة أم مركبة٣ ؛ ومن الأمثلة: دخلت حديقة بها
_________________
(١) ١ في ص٥٢٠. ٢، ٢ مع ملاحظة ما سبقت الإشارة إليه في الصورة الثانية من ص٥٢٠ وهو: أن المركب المزجي العددي -غير ١٢- يصح بناؤه على فتح الجزأين في جميع حالاته ولو كان مضافا -مسايرة لأشهر اللغات- كما يصح إعراب عجزه على حسب حالة الجملة مع ترك صدره مفتوحا في كل الصور؛ فكأن الجزأين في هذه الصورة كلمة واحدة يجري الإعراب على آخرها دائما مع إعرابها على حسب حاجة الجملة وترك صدرها على حاله، أما غير العددي فقد يكون مبنيا على فتحهما أو غير مبني. ومن المزجي العددي. "إحدى عشرة"، وهي مبنية على فتح الجزأين أيضا، ولكن الفتح مقدر على آخر الأولى -"كما سيجيء في هامش ص٥٥١، وكما سبق في رقم ٧ من هامش ص٥٢٠". ٣ العدد: "ثمانية" عند تركيبه مع العشرة يكون، من ناحية تذكيره وتأنيثه، كحاله قبل التركيب -وقد سبق في ص٥٣٧- أنه يؤنث بالتاء مع إثبات الياء إن كان المعدود مذكرا؛ نحو: ثمانية عشر رجلا، ويجرد من التاء إن كان المعدود مؤنثا، نحو: ثماني عشرة سيدة. وفي هذه الحالة التي يتجرد فيها من التاء مع تركيبه يجوز فيه أربع لغات، إثبات الياء ساكنة أو مفتوحة، وحذفها مع فتح النون أو كسرها. وعند إثبات الياء ساكنة يكون الفتح عليها مقدرا، وعند إثبات النون، مكسورة تكون الياء بعدها محذوفة التخفيف، مفتوحة بفتحة ظاهرة، أو مقدرة. أما "ثمان" المفردة فقد تقدم الكلام على حكمها في ص٥٢٧. مع الأعداد المفردة.
[ ٤ / ٥٤٧ ]
أحد عشر رجلا، زرعت إحدى عشرة شجرة، الشهور اثنا عشر شهرا، سنوات الدراسة نحو: اثنتي عشرة سنة، اشترك في المسرحية ثمانية عشر رجلا وأربع عشرة فتاة وهكذا١..
وإن كان للعدد المركب تمييزان: أحدهما مذكر عاقل، والآخر مؤنث -عاقل أو غير عاقل- كان الاعتبار للمذكر العاقل مطلقا٢؛ فيجب تأنيث صدر العدد المركب؛ مراعاة للتمييز المذكر ولو كان متأخرا، بشرط أن يكون من نوع العقلاء؛ نحو: هاجر أربعة عشر رجلا وفتاة، أو: هاجر أربعة عشرة فتاة ورجلا. فإن لم يكن أحدهما من العقلاء روعي السابق منهما٣، نحو: في الحديثة خمس عشرة عصفورة وبلبلا، أو خمسة عشر بلبلا وعصفورة. وهذا بشرط ألا يفصل بين العدد والتمييز فاصل -هو: كلمة: "بين". فإن فصل بينها روعي المؤنث، نحو: الحديثة خمس عشرة ما بين بلبل وعصفورة.
الثالث: تذكير العقود٤: "٢٠، ٣٠، ٤٠، ٥٠، ٦٠، ٧٠، ٨٠، ٩٠".
هذه العقود ملحقة في إعرابها بجمع المذكر السالم؛ فلا يصح أن يتصل بلفظها علامة تأنيث؛ منعا للتعارض؛ إذ يلازمها دائما علامتا جمع المذكر السالم؛
_________________
(١) ١ عرض ابن مالك تأنيث الأعداد المركبة مجملة مختلطة بغيرها من الأقسام الأخرى، وقد سجلنا أبياته في ص٣٥١ و٥٣٢. ٢ أي: سواء أكان متقدما أم متأخرا، مفصولا بكلمة: "بين" أم غير مفصول ، وهذا الحكم مخالف لنظيره في الأعداد المفردة، وقد تقدم في ص٥٣٨. ٣ لكن ظاهر هذا الحكم يدل على أن المذكر غير العاقل يراعى أيضا ولو كان المؤنث عاقلا. وهنا يقول الصبان استدراكا على الأشموني في حكم العدد المميز بشيئين في التركيب ما نصه: "إن القياس يقتضي تغليب العاقل؛ فتقول: أربع عشرة جملا وأمة؛ لأن وصف الأنوثة مع العقل أرجح من وصف الذكورة مع عدم العقل -أفاده الدماميني". ا. هـ. ولعل الأخذ بهذا الرأي هو الأنسب. ٤ سبق -في ص٥٢٢- أنها تعد من أسماء الجموع وليست جموعا حقيقية، بالرغم من إلحاقها بجمع المذكر السالم في إعرابه.
[ ٤ / ٥٤٨ ]
سواء أكان معدودها مذكرا أم مؤنثا، ومن الأمثلة: أقبل وفد السياح؛ فيه ثلاثون رجلا وعشرون امراة، وسيقضي الوقد أربعين يوما أو خمسين في الصيعد؛ حيث ينعم بدفء الشتاء، ويتمتع بروائع الآثار
ومع أن لفظها اسم جمع ملحق في إعرابه بجمع المذكر السالم -فمدلولها "وهو: المعدود، أي: التمييز" لا بد أن يكون مفردا، مذكرا أو مؤنثا على حسب الحالة.
الرابع: تأنيث الأعداد المعطوفة وتذكيرها:
الأعداد المعطوفة تستلزم ثلاثة أمور مجتمعة:
١- أن تكون صيغها مقصورة على ألفاظ العقود.
٢- أن يكون صيغة المعطوف عليه -وهو النيف- مقصورة على لفظ من الألفاظ الأعداد المفردة الأصيلة وملحقاتها ويتعين أن يكون هذا اللفظ هو: واحد أو تسعة أو عدد محصور بينهما، أو ملحق بهما.
٣- أن تكون أداة العطف هي: "الواو" دون غيرها إذا كان المراد مطلق الجمع١. وقد سلفت الأمثلة المختلفة لهذا القسم٢.
فأما من ناحية تذكيره وتأنيثه، فالمعطوف -أي: العقد- مذكر دائما؛ لأن صيغته تعرب إعراب جمع المذكر السالم، وفيها علامتاه؛ فلا يصح مجيء علامة تأنيث معهما؛ منعا للتعارض والتناقض -كما سلف.
وأما المعطوف عليه "أي: النيف" فإن كانت صيغته هي لفظ: "واحد" أو "اثنين"، وجب مطابقتها للمعدود في تذكيره وتأنيثه. وإن كانت صيغته هي لفظ: "ثلاثة أو تسعة" أو عدد بينهما، أو ملحق بهما -وجب مخالفتها للمعدود؛ فتؤنث حين يكون المعدود مذكرا، وتذكر حين يكون مؤنثا. فحكم المعطوف عليه هنا "من ناحية تذكيره وتأنيثه" كحكمه في الأعداد المفردة والمركبة ، ومن الأمثلة: في المتجر واحد وثلاثون رجلا وإحدى وعشرون فتاة، وفي المصنع اثنان
_________________
(١) ١ أي: "إذا أريد وقوعها دفعة واحدة، وإلا فلا مانع من أن تقول: قبضت منه ثلاثة فعشرين، أو: ثم عشرين، إذا قصد الترتيب مع الفور، أو التراخي.. -دماميني". ا. هـ. صبان. ٢ في ص٥٢٣.
[ ٤ / ٥٤٩ ]
وخمسون عاملا وثنتان وثلاثون عاملة. وفيه من الغلمان أربعة وثمانون غلاما وسبع وثلاثون فتاة١ ، ومنها قوله ﵇: "من فرج عن مؤمن مهموم، أو أعان مظلوما غفر الله له ثلاثا وثلاثين مغفرة".
وإن كان للعدد المعطوف تمييزان أحدهما مذكر عاقل والآخر مؤنث، وجب مراعاة المذكر العاقل مطلقا٢؛ نحو: عندنا خمسة وعشرون طبيبا وطبيبة، أو: عندنا خمسة وعشرون طبيبة وطبيبا. ومثل: نقلت السيارة خمسة وعشرين حقيبة ورجلا و، فإن لم يكن أحدهما من العقلاء روعي السابق منهما بشرط ألا يفصل فاصل بين العدد والتمييز، نحو: قرأت ثلاثة وعشرين كتابا ومجلة، أو: ثلاثا وعشرين مجلة وكتابا. فإن فصل بينهما فاصل -هو كلمة: بين-٣ روعي المؤنث؛ نحو: قرأت ثلاثا وعشرين بين كتاب ومجلة؛ ومما سبق يتبين أن العدد المعطوف والمركب متماثلان في هذا الحكم٤.
الخامس: تأنيث الأعداد المفردة، ذات التمييزين:
إذا كان العدد مضافا إلى تميزين روعي السابق منهما مطلقا؛ أي: سواء أكان المضاف إليه عاقلا أم غير عاقل: مذكرا أم غير مذكر؛ نحو: حضر أربعة رجال وفتيات، وانصرف خمس طالبات وطلبة. ومثل: في الحجرة سبعة مقاعد ورجال٣.. و
_________________
(١) ١ عرض ابن مالك الأبيات الخاصة بهذا القسم مختلطة بما يخص غيره. وقد عرضناها في ص٥٣١ و٥٣٢. ٢ أي سواء أكان العاقل هو المتقدم أم المتأخر، مفصولا بكلمة: "بين" أم غير مفصول. ٣ و٣ نص على هذا: الصبان. ٤ راجع الصبان في هذا الموضع عند الكلام على التنبيه الثالث من تنبيهات الأشموني عقب الكلام على العدد المركب. وقد سبق -في ص٥٤٨- الحكم الخاص المركب من هذه الجهة.
[ ٤ / ٥٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- مؤنث "واحد" و"أحد" الذي بمعناه: وكذا "الحادي"، هو: "واحدة، وإحدى، وحادية". فثلاث للمذكر، وثلاث للمؤنث. وتختلف مواضع استعمال الكلمات الستة. "فالواحد": يدخل في قسم الأعداد المفردة كما يدخل في قسم الأعداد المعطوفة باعتباره هو المعطوف عليه. ولا يدخل في غيرهما -غالبا.
و"الأحد" يركب مع العشرة، فيصير: أحد عشر، ويقتصر على هذا الاستعمال العددي، فلا يستعمل استعمال الأعداد المفردة، ولا يكون -في الفصيح- معطوفا عليه في الأعداد المعطوفة؛ فلا يقال: جاء أحد١، ولا سافر أحد وعشرون.
و"واحدة" تستعمل عددا مفردا، وتكون أيضا معطوفا عليه في الأعداد المعطوفة؛ ومن الأمثلة: هذه واحدة، وهذه واحدة وعشرون. ولا تركب مع العشرة إلا نادرا لا يقاس عليه.
والحادي، والحادية -يكونان مركبين مع العشرة، أو معطوفا عليهما في الأعداد المعطوفة؛ نحو: انقضت الليلة الحادية عشرة- أو الحادية والعشرون، وكذا اليوم الحادي عشر، والحادي والعشرون. ولا يكونان في غير هذين القسمين.
و"إحدى" تكون -في الأكثر- مركبة مع العشرة٢، أو معطوفا عليها في الأعداد المعطوفة، نحو: في البيت إحدى عشرة غرفة، أو إحدى وعشرون غرفة، "ومن النادر أن تكون مفردة بنفسها".
ويقول اللغويون: إن أصل الحادي والحادية: هو: الواحد والواحدة. نقلت "الواو" إلى آخر الكلمة، وتأخرت الألف بعد الحاء، فصارت: "حادو"،
_________________
(١) ١ بمعنى: واحد. ٢ إذا ركبت مع العشرة كانت الكلمتان مبنيتين على فتح الجزأين، وهذا الفتح مقدر على آخر "إحدى"؛ -طبقا للبيان الذي في رقم ٧ من هامش ص٥٢٠ رقم ٢ من هامش ص٥٤٧.
[ ٤ / ٥٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و"حادوة"، ثم قلبت الواو ياء على حسب مقتضيات القواعد الصرفية؛ فصارت: "حادي، وحادية"، "على وزن "عالف وعالفة". وكلاهما منقوص، والأول، تحذف ياؤه عند التنوين، دون الثاني.
أما العدد: "اثنان" فمؤنثه: اثنتان، وأو ثنتان، والألفاظ الثلاثة قد تكون مفردة أو مركبة مع عشرة، أو معطوفا عليها.
وقد سبق١ أن لفظ "واحد" و"اثنين" وفروعهما لا يحتاجان إلى تمييز، ولكنهما قد يضافان لغرض آخر من أغراض الإضافة -وهو الاستحقاق-٢ فلا يسمى المضاف إليه تمييزا لهما، لأنه لم يجئ بقصد إزالة الإبهام والغموض عن نوع معدودهما، فليس شأنه معهما كشأنه مع غيرهما من الأعداد التي تحتاج لتمييزه مجرور أو منصوب يجيء لإزالة الإبهام مع غيرهما من الأعداد التي تحتاج لتمييزه مجرور أو منصوب يجيء لإزالة الإبهام عن العدد قصدا، فمن الخطأ: واحد رجل، وواحدة فتاة، واثنا رجلين، وثنتا فتاتين؛ إذ يجب أن نستغني عن العدد فنقول: حضر رجلا، أو رجلان -حضرت فتاة، أو فتاتان.
فإن أريد بالمضاف إليه معنى آخر من المعاني التي تجلبها الإضافة -كالاستحقاق- ولا شأن لها بالتمييز، جاز؛ نحو: رجل الدنيا وواحدها من يعتمد على نفسه -واحدة البيت نشيطة- لكل إنسان رجلان، واثنتا المقعد عاجزتان فإن الغرض من الإضافة في هذه الأمثلة وأشباهها هو الملكية، أو التخصيص، أو شيء آخر مناسب، غير إزالة الإبهام.
ب- تلخيص ما سبق من تأنيث العدد -بأقسامه المختلفة- وتذكيره، هو:
١- أن "الواحد" و"الاثنين" يذكران ويؤنثان تبعا لمدلولهما، لا فرق في هذا بين وجودهما في الأعداد المفردة، والمركبة، والمعطوفة.
وأن المائة والألف لا تتغير صيغتهما اللفظية مطلقا؛ فالأولى مؤنثة٣ دائما، والأخرى مذكرة دائما.
_________________
(١) ١ في ص٥٢٥ و٥٣١. ٢ الدلالة على أن المضاف إليه يستحق المضاف -كما سبق في ص٥٢٧ و٥٣٣. ٣ إلا إذا ألحقت المائة بجمع المذكر السالم وختمت بعلامتيه.
[ ٤ / ٥٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٢- وأن "ثلاثة" و"تسعة" وما بينهما -وما ألحق بهما- تخالف المعدود دائما، سواء أكانت من قسم المفرد، أم قسم المركب، أم قسم المعطوف.
٣- وأن "عشرة" المفردة تخالف، معدودها دائما؛ فهي كثلاثة وتسعة وما بينهما. أما "عشرة" المركبة فتوافق معدودها تذكيرا وتأنيثا.
ج- بمناسبة الكلام على تذكير العدد وتأنيثه يعرض النحاة للمذكر والمؤنث من أسماء الشهور العربية، ويقررون: أن جميع أسمائها مذكرة، إلا جمادى١.
أما ذكر كلمة: "شهر" أو عدم ذكرها قبل تلك الأسماء فقد سبق تفصيله في باب: "الظرف" "ج٢ م٧٨" عند الكلام على: أحكام الظرف. ومنه يعلم أن الصحيح جواز تقديم كلمة: "شهر" على كل أسماء الشهور؛ فيقال: شهر رمضان شهر شوال شهر صفر وهكذا باقي الشهور، مع إعرابها إعراب المتضايفين غالبا.
_________________
(١) ١ راجع كتاب: "الطبقات السنية"، ج١ ص٢٢.
[ ٤ / ٥٥٣ ]
المسالة ١٦٦: صياغة العدد على وزن "فاعل"
يصح أن يصاغ من مصدر كل فعل ثلاثي، متصرف؛ صيغة على وزن: "فاعل"؛ لتدل على ذات، ومعنى معين، وتسمى هذه الصيغة: "اسم فاعل من الثلاثي"١. وكذلك يجوز اشتقاق هذه الصيغة من العدد "اثنين"٢، أو: "عشرة"، أو أحد الأعداد التي بينهما -برغم أن كل عدد من هذه الأعداد ليس بمصدر-٣ لتحقيق غرض لا يمكن تحقيقه إلا بهذه الصيغة، ولا يستفاد من العدد الجامد الذي سيكون منه الاشتقاق، فيقال: ثان، ثالث، رابع، خامس، سادس، سابع، ثامن، تاسع، عاشر.
وقد تجيء بعد صيغة: "فاعل" المشتقة من أحد الأعداد -كلمة: "عشرة" أو غيرها من الأعداد، فتستفيد منها الصيغة معنى جديدا لا يستفاد إلا بوجودها؛ فيقال مثلا: ثالث عشر، رابع عشر، خامس عشر وهكذا إلى نهاية الأعداد المركبة؛ كما يقال: ثالث ثلاثة، رابع خمسة، سادس سبعة
وقد يجيء بعد الصيغة المشتقة كلمة معطوفة بالواو، تدل على عقد من العقود
_________________
(١) ١ سبق الكلام عليه تفصيلا في ج٣ ص١٨٢ م١٠٢. ٢ أما أول الأعداد -هو واحد- فموضوع من أول أمره على وزن: "فاعل" مباشرة؛ فليس بوصف. وقيل: إنه اسم فاعل من "وحد، يحد، وحدا"، أي: انفرد فالواحد بمعنى المنفرد، أي: العدد المنفرد. وهذا الرأي أنسب؛ لتكون كلمة "واحد" مسايرة نظائرها، وتكون القاعدة مطردة. ٣ الأصل العام في الاشتقاق أن يكون -على الرأي الأرجح- من المصدر. فالاشتقاق من هذه الأعداد مخالف للأصل العام، ولكنه سماعي يراعى فيه الاقتصار على المسموع. ولم يكن قياسيا لأن هذه الأعداد أسماء أجناس جامدة معنوية، ليست بمصادر، ولا أفعال لها تشترك معها في أداء معانيها الآتية بعد. ما عدا المعنى الثالث الذي يراد به التحويل والتصيير "ص٥٥٧" فله مصادر وأفعال؛ من المصدر -ومثله اثنان وثنتان- كما سيجيء في رقم ٣ من هامش ص٥٥٧. وقد أباح المجمع اللغوي القاهري الاشتقاق المباشر من الأسماء الجامدة نفسها عند الحاجة -كما أوضحنا هذا تفصيلا في موضعه عند الكلام على: "الاشتقاق"، ج٣ ص١٤٤ م٩٨.
[ ٤ / ٥٥٤ ]
العددية غير "عشرة" كأن يليها العقد: عشرون، أو ثلاثون، أو أربعون أو أخوات هذه العقود، فيقال: الخامس والعشرون، السادس والثلاثون، السابع والأربعون، الثامنة والستون، التاسعة والسبعون وهكذا. وفيما يلي البيان:
أ- اشتقاق صيغة فاعل من غير أن يليها العقد: "عشرة"، ولا غيره من العقود:
١- قد يكون الغرض من صوغ "فاعل" من أحد الأعداد السالفة بدون أن تذكر بعده كلمة: "عشرة" أو عقد آخر: هو استعماله منفردا عن الإضافة؛ ليفيد الاتصاف بمعنى العدد الذي كان أصلا للاشتقاق. فحين نقول: هذا ثان، أو ثالث، أو رابع، أو خامس يكون المراد: أنه واحد موصوف بهذه الصفة وهي: كونه ثاانيا. أو ثالثا، أو رابعا، أو خامسا دون زيادة على هذا المعنى الدال على مرتبة صاحبه بين الأفراد الأخرى، أي على ترتيبه الحسابي بالنسبة لغيره؛ فيكون الغرض: المرتبة الثانية، أو الثالثة، أو الرابعة "كالباب الثاني، الفصل الثالث، القسم الرابع " ويقال في المؤنثة: هذه ثانية، أو ثالثة، أو رابعة، أو خامسة.. على المعنى السالف، المحصور في الدلالة على الترتيب.
وحكم صيغة: "فاعل" في الأمثلة السالفة وأشباهها هو الإعراب بالحركات١ على حسب ما يقتضيه الكلام، مع مطابقة الصيغة في التذكير والتأنيث لمدلولها٢..
٢- وقد يكون الغرض من صوغ: "فاعل" استعماله مضافا إلى العدد الأصلي الذي اشتق منه، للدلالة على أن: "فاعلا" هذا هو بعض من العدد الأصلي المحدد،
_________________
(١) ١ وتكون الحركات ظاهرة إلا كلمة: "ثان" فتعرب إعراب المنقوص. ٢ وإلى هذه الحالة يشير ابن مالك بقوله: وصغ من اثنين فما فوق إلى عشرة: "كفاعل" من فعلا-١٣ أي: صغ وزنا على مثال: "فاعل" كما تصوغه من الفعل الثلاثي: "فعل" على أن تكون الصياغة مأخوذة من العدد "اثنين" أو ما "فوقه" إلى "عشرة"، "أي: صغ كفاعل والكاف هنا اسم بمعنى: مثل، ثم قال: واختمه في التأنيث بالتا. ومتى ذكرت فاذكر "فاعلا" بغير تا-١٤ يريد: أنت "فاعلا" بزيادة تاء التأنيث في آخره حين يكون المعنى على التأنيث، فإن لم يكن المعنى على التأنيث فلا تأت بها.
[ ٤ / ٥٥٥ ]
من غير دلالة على مرتبة، "أي: على ترتيب" مثل: فلان خامس خمسة نهضوا ببلدهم. تريد: أنه بعض جماعة منحصرة في خمسة محددة، أي: أنه واحد من خمسة لا زيادة عليها، من غير أن تتعرض لبيان ترتيبه فيها. ومن الأمثلة قوله تعالى عن رسوله الكريم وهجرته: ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ ١، وقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾، فالفرق بين دلالة الصيغة هنا ودلالتها فيما سبق أنها هنا تدل على الاتصاف بمعنى الجزئية من عددها، أي: الدلالة على أنها فرد منه، وبعض من كله المحدد المحصور، ولا تدل مع هذا على مرتبة. "ترتيب" أما الأولى فتدل على الأمرين؛ الاتصاف بمعناه، وعلى التريب.
وحكم الصيغة هنا: إعرابها بالحركات٢ على حسب حاجة الكلام، مع مطابقتها لمدلولها في التذكير والتأنيث، ووجوب إضافتها إلى العدد الأصلي الذي اشتقت منه؛ فتكون هي المضاف، والعدد الأصلي هو المضاف إليه. "أي من إضافة الجزء إلى كله؛ مثل يد علي، وعين محمود".
وتمتاز صيغة "ثان وثانية" -دون غيرهما لدى فريق من النحاة-٣ بشيء آخر عند استخدامها في الغرض السالف، هو: إعراب العدد الأصلي بعدهما مفعولا به منصوبا، فوق صحة إعرابه مضافا إليه؛ فيصح أن يقال: كان فلان ثاني اثنين قادا جيشها للنصر، بإضافة الصيغة إلى أصلها العددي، وأن يقال: هل كان فلان ثانيا اثنين ؟ على اعتبار كلمة: "اثنين" مفعولا به.
ويرى فريق آخر من النحاة أن هذا الحكم ليس مقصورا على صيغة "ثان وثانية"، بل تشاركهما فيه بقية الأعداد، وهذا الرأي حسن لتكون صياغة "فاعل" "المراد منها اسم الفاعل" وإعماله قياسية مطردة.
_________________
(١) ١ الاثنان هما: الرسول ﵇، ورفيقه في هجرته أبو بكر ﵁. ٢ انظر رقم ١، من هامش الصفحة السابقة. ٣ محتجا بما ورد لهما عن العرب من مصدر صريح، وأفعال مشتقة منه، مثل قولهم: ثنيت الرجل، أي: كنت الثاني له. وهذا يجعل صياغتهما مطردة، ويجعل الصيغة خاضعة لكل أحكام اسم الفاعل القياسي.
[ ٤ / ٥٥٦ ]
وإذا نصبت المفعول به وجب أن تكون معتمدة على نفي أو غيره مما يعتمد عليه اسم الفاعل عند إعماله، ومستوفية بقية شروط أعماله التي عرفناها في بابه١.
٣- وقد يكون الغرض من صوغ "فاعل" استعماله مع العدد الأقل مباشرة٢ من عدده الأصلي الذي اشتقت منه الصيغة؛ ليفيد معنى التصيير والتحويل٣، نحو: عثمان ثالث اثنين من الخلفاء الراشدين. وعلي رابع ثلاثة منهم. أي: عثمان هو الذي جعل الاثنين بنفسه ثلاثة، فصير الاثنين بانضمامه إليهم ثلاثة. وعلي هو الذي جعل الثلاثة بنفسه أربعة؛ فصير الثلاثة بانضمامه إليهم أربعة. ومما يوضح هذا قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ ٤، ٥، ٦، أي: هو الذي يصير الثلاثة
_________________
(١) ١ ج٣ م١٠٢. وفي هذا الاستعمال السابق يقول ابن مالك: وإن ترد بعض الذي منه بني تضف إليه مثل بعض بين أي: إن أردت "بفاعل" المذكور الدلالة على أنه بعض مما بني منه وجب أن تضيفه، مثل بعض، أي: كما تضيف بعضا إلى كل. "بين: واضح". ٢ العدد الأقل -مباشرة- من العدد الأصلي، هو العدد الذي قبله، وينقص عنه درجة واحدة؛ مثل ستة؛ بالنسبة لسبعة؛ فإنها قبل السبعة مباشرة. وتنقص عنها درجة واحدة -أي: رقما واحدا، وكالخمسة بالنسبة للسنة. والثمانية بالنسبة للتسعة وعلى هذا لا يصح: خامس ثلاثة، ولا تاسع سبعة ٣ سبقت إشارة في رقم ٣ من هامش ص٥٥٤ إلى حكم الاشتقاق من اسم العدد. فإذا كانت صيغة "فاعل" دالة على التحويل والتصيير فإنها تكون مشتقة من مصدر فعل ثلاثي عددي يدل على هذا المعنى، ففي اللغة؛ ثلثت القوم ثلثا صيرتهم بسببي ثلاثة، وربعت القوم صيرتهم بانضمامي إليهم أربعة، وكذلك خمسهم خمسا وسدسهم سدسا، وسبعتهم سبعا، وثمنتهم ثمنا وتسعتهم تسعا. والماضي والمصدر في كل ذلك على وزان: ضرب ضربا، أما المضارع فعلى وزن: "يضرب" إلا ما كان مختوما بحرف الحلق: "العين" فمضارعه مفتوحها، أي: على وزن: "يفعل". وهو: أربعهم، أسبعهم، أتسعهم وبناء على ما تقدم يكون اشتقاق صيغة "فاعل" بهذا المعنى جاريا على الأصل في الاشتقاق؛ وهو أنه من مصدر الفعل: فهو قياسي، ومثله: اثنان واثنتان. ٤ نجوى: محادثة سرية. ٥ ﴿إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ لأن كلمة: "رابع" مضافة إلى الضمير العائد إلى ثلاثة؛ فكأنها مضاعفة إلى ثلاثة، وكأن الأصل: رابع ثلاثة. ٦ ﴿إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ أي: سادس خمسة. فالضمير بمنزلة مرجعه و
[ ٤ / ٥٥٧ ]
-بانضمامه إليهم- أربعة، ولا يصيرهم خمسة أو غيرها، ويصير الخمسة بانضمامه إليهم ستة، لا سبعة ولا غيرها، فهو يجعل العدد الأقل مساويا للعدد الذي فوقه بدرجة واحدة؛ إذ يصير الثلاثة أربعة، والأربعة خمسة، والخمسة ستة كما ذكرنا١ وهكذا٢.
وحكم صيغة: "فاعل" هنا: هو إعرابها بالحركات٣ على حسب موقعها من الكلام، مع مطابقتها في تذكيرها وتأنيثها لمدلولها، وجواز إضافتها إلى العدد الذي بعدها -وهو العدد الأقل مباشرة من عددها الأصلي الذي اشتقت منه، كما في الأمثلة السالفة. ويجوز شيء آخر، هو: عدم إضافة الصيغة إلى العدد الأقل الذي بعدها. وإنما تنصبه على اعتباره مفعولا به؛ "بشرط أن تتحقق شروط إعمال اسم الفاعل. ومنها: أن تكون الصيغة معتمدة على شيء مما يعتمد عليه حين إعماله؛ كالنفي، والاستفهام، وغيرهما": فنقول: أعثمان ثالث اثنين، وعلي رابع ثلاثة؟ بنصب: اثنين، وثلاثة، على أنها مفعولين لصيغة "فاعل" قبلهما.
بقيت الإشارة إلى ما ارتضوه في مثل: ثاني واحد؛ فقد قالوا: لا مانع -في الرأي الأحسن- من قبول هذا التركيب.
ويجب التنبيه إلى أن كل معنى من الثلاث السالفة يخالف الآخر؛ فلا يصح إغفال هذا عند اختيار واحد منها. ليراعي في اختياره مناسبته للسياق.
ب- اشتقاق صيغة: "فاعل" وتليها كلمة "عشرة"، ظاهرة أو ملحوظة:
١- إذا قلنا هذا اليوم الحادي عشر من الشهر، وهذه الليلة الرابعة عشرة
_________________
(١) ١ راجع بيان هذا في باب اسم الفاعل ج٣ ص١٨٢ م١٠٢. ٢ وفي هذا يقول ابن مالك: وإن ترد جعل الأقل مثل ما فوق، فحكم جاعل له احكما-١٦ يريد: إذا أردت أن يكون العدد الأقل مساويا لما فوقه بدرجة واحدة فاحكم له بحكم: "جاعل" ويقصد "بجاعل" اسم الفاعل من الفعل: "جعل" الذي يفيد التصيير والتحويل حيث يصح أن ينصب بعده المفعول به ما دام شرط إعماله متحققا. ٣ مع ملاحظة ما تختص به كلمة: "ثان" وهو أنها كالمنقوص.
[ ٤ / ٥٥٨ ]
منه، واقتصرنا في كل حالة على عدد مركب واحد لا يليه مباشرة عدد آخر فقد يكون المراد من اشتقاق صيغة "فاعل" من العدد الذي بمعناها وزيادة كلمة: "عشرة بعدها هو إفادة الاتصاف بمعنى العدد مقيدا بملازمة العشرة؛ للدلالة على المرتبة "الترتيب" فليس المراد إفادة الاتصاف المطلق بمعنى الصيغة، وإنما المراد أنه واحد أو رابع أو موصوف بهذه الصفة، "وهي: كونه واحدا ورابعا " مع تقييد هذا الوصف بأنه مرتبط بالعشرة، ومنسوب إليها، ارتباط زيادة عليها وانضمام إليها، فهو واحد مزيد على العشرة، أو رابع مزيد عليها، أو غيره مما يوضح ترتيبه ومثل هذا يقال في: ثاني عشرن وثالث عشر، وخامس عشر، وتاسع عشر، وما بينها
وحكم هذا النوع المقتصر على عدد مركب واحد هو: وجوب فتح الجزأين معا "وهما: فاعل، وعشرة" في محل رفع، أو نصب، أو جر، على حسب حاجة الجملة، مع مطابقة جزأين معا. لمدلولها تذكيرا وتأنيثا، ومن الأمثلة: هذا هو الكتاب السابع عشر. وهذه هي المذكرة السابعة عشرة، إن الكتاب السابع عشر نفيس، وإن المذكرة السابعة عشرة نفيسة، سأحرص على الكتاب السابع عشر، وعلى المذكرة السابعة عشرة. فكل من السابع عشر، والسابعة عشرة، مبني على فتح الجزأين في محل رفع، أو نصب، أو جر، على حسب موقعه من الجملة، وكل منهما مذكر أو مؤنث طبقا لمدلوله.
٢- وقد يكون المراد من صوغ "فاعل" وبعده كلمة: "عشرة" هو الدلالة على أنه فرد من العدد الأصلي الذي صيغ منه، وأن "فاعلا" هذا بعض جماعة منحصرة في العدد الأصلي، وواحد من تلك الجماعة المحددة العدد.
ولتحقيق هذا الغرض يصاغ فعل وبعده كلمة، "عشرة" بصورة متعددة، منها: هذا خامس عشر خمسة عشر؛ فنجيء بصيغة "فاعل" وبعدها كلمة "عشر" مبنيتين معا على الفتح، وتجيء بعدهما بالعدد الأصلي "وهو خمسة" الذي اشتقت منه الصيغة، وبعده كلمة: "عشرة" أيضا، والجزءان الأخيران مبنيان على الفتح. كالأولين. فعندنا مركبان عدديان، كل منهما مبني على فتح الجزأين. فأما المركب الأول منهما فمبني على فتح الجزأين في محل رفع، أو نصب، أو جر؛
[ ٤ / ٥٥٩ ]
على حسب حاجة الجملة. ثم هو -مع بنائه على فتح الجزأين- مضاف، والمركب الثاني كله "ما عدا: اثني عشر، واثنتي عشرة"١ هو: المضاف إليه، مبني على فتح الجزأين في محل جر، ويجري على صيغة "فاعل" من التذكير والتأنيث ما تطابق به مدلولها، وهذه المطابقة لا توجد إلا في صدر المركب الأول، وتطابقها في الحالتين كلمة: "عشر" التي هي عجز المركب الأول.
أما صدر المركب الثاني فيجري عليه في التذكير والتأنيث ما يجري على الأعداد المفدرة، وأما عجزه "وهو: عشر" فيطابق المعدود في التذكير والتأنيث. ومثل هذا يقال في حادي عشر أحد عشر وثاني عشر اثني٢ عشر، وثالث عشر ثلاثة عشر إلى تاسع عشر تسعة عشر.
ومن أمثلة الصور المتعددة التي أشرنا إليها: "هذا خامس خمسة عشر" بذكر صيغة "فاعل" وحدها دون ذكر كلمة: "عشرة" بعدها؛ استغناء عنها بذكر في المركب الثاني الذي صدره العدد الأصلي الذي اشتقت منه الصيغة، وعجزه هو كلمة "عشرة" فهذه الصورة مشتملة على صيغة فاعل وحدها وعلى مركب كامل بعدها، فعندنا صدر التركيب الأول دون عجزه، ويليه الثاني كاملا. وهذه الصورة أكثر من غيرها استعمالا، وتقوم على ثلاث كلمات
فأما صدر التركيب الأول فيها فيعرب على حسب حاجة الكلام؛ ولا يصح بناؤه؛ إذ لا مقتضى للبناء بعد زوال التركيب. والصيغة هنا -وهي: فاعل- مطابقة في التذكير والتأنيث لمدلولها وهي أيضا مضاف، والتركيب الثاني -كاملا- مضاف إليه. مبني على فتح الجزأين في محل جر ٣.
_________________
(١) ١ فإن صدرهما وحده هو المضاف إليه. وليس بمبني، بل يعرب إعراب المثنى أما عجزهما، فيقال في إعرابه إنه بدل النون التي تكون في المثنى الذي ليس بعدد "انظر ص٥٢١". ٢ تقدم في رقم ١ ما يرشد إلى إعراب اثني عشر، واثنتي عشرة. ٣ وفي هذه الصورة والتي قبلها يقول ابن مالك: وإن أردت مثل ثاني اثنين مركبا فجيء بتركيبين-١٧ وهذا خاص بالصورة الأولى. أما التي تليها فقال فيها بعد البيت السابق مباشرة: أو فاعلا بحالتيه أضف إلى مركب بما تنوي يف-١٨ "يف، وأصلها: يفي: مضارع مجزوم بحذف الياء في جواب الأمر: أضف". التقدير: أضف فاعلا بحالتيه -وهما: حالة التذكير والتأنيث- إلى المركب الثاني كاملا بعد حذف كلمة: "عشرة" من المركب الأول. ويفهم من هذا أن المركب الثاني في محل جر مضاف إليه.
[ ٤ / ٥٦٠ ]
ومن أمثلة الصور المتعددة أيضا: هذا خامس ، عشر. بذكر صيغة "فاعل" وحدها، دون كلمة: "عشرة" التي تصاحبها عند التركيب، ودون ذكر العدد الأصلي الذي يكون منه الاشتقاق؛ فالمركب الأول حذف عجزه، والمركب الثاني حذف صدره؛ فزال من كل مركب جزء، وبقي جزء.
وصيغة "فاعل" هنا مطابقة لمدلولها تأنيثا وتذكيرا. والأحسن إعرابها على حسب حاجة الجملة؛ فتكون في محل رفع، أو نصب، أو جر، وهي -في الوقت نفسه- مضاف والجزء الباقي من المركب الثاني "أي: العقد "عشر"، مضاف إليه مجرور. ومن النحاة من يجيز في هذه الصورة إعراب "فاعل" على حسب العوامل -كما سبق؛ لزوال تركيبه- مع اعتباره مضافا. واعتبار كلمة: "عشرة" هي المضاف إليه مع بنائها على الفتح في محل جر، بتقدير ملاحظة صدرها المحذوف، واعتباره كالموجود١ وهذا شاذ لا يقاس عليه.
٣- وقد يكون المراد من صوغ: "فاعل" وبعده "عشرة" استعماله مع العدد الأقل -مباشرة- من العدد الأصلي الذي اشتقت منه الصيغة؛ ليفيد معنى التصيير والتحويل فنقول: هذا رابع عشر ثلاثة عشر، وهذه خامسة عشرة أربع عشرة فهنا أربعة ألفاظ يتألف منها مركبان عدديان، والمركب الأول منهما مبني على فتح الجزأين في محل رفع، أو نصب، أو جر؛
_________________
(١) ١ وفي هذه الصورة الأخيرة بحالتيها يقول ابن مالك بعد البيت السالف: وشاع الاستغناء بحادي عشرا ونحوه-١٩ المراد بنحو: "حادي عشر" ثاني عشر، وثالث عشر، إلى تسعة عشر. والاستغناء الذي يريده هو ما أوضحناه من حذف العقد من التركيب الأول، مع حذف النيف من التركيب الثاني، فينتهي الأمر ببقاء جزأين. وفي إعرابهما الوجهان اللذان شرحناهما. والثاني منهما شاذ لا يقاس عليه. أما بقية البيت فتتعلق بحكم آخر.
[ ٤ / ٥٦١ ]
على حسب حاجة الجملة، وهي في حالاته الثلاث مضاف، والمركب الثاني مبني على الفتح دائما في محل جر، مضاف إليه.
وبالرغم من أن صيغة: "فاعل" في هذا الأسلوب هي اسم فاعل؛ بمعنى جاعل كذا؛ أي: أنها تفيد التحويل والتصيير، وكان حقها أن تنصب الاسم بعدها جوازا على أنه مفعول به لها، أو تجره على أنه مضاف إليه -على الرغم من هذا لا يصح أن تنصب مفعولا به هنا، لأن اسم الفاعل الذي ينصب المفعول به لا بد أن يكون منونا أو مبدوءا بأل. والأمران ممتنعان هنا؛ إذ العدد المركب لا ينون، وهو هنا مضاف فلا تدخله "أل" مع إضافته.
والنحاة يقررون أن هذه الصورة لم يسمع لها نظير في كلام العرب، وأكثرهم يمنع استعمالها لهذا؛ إلا أن سيبويه وبعض النحاة يجيزونها، ويرون في إجازتها توسعه وتيسيرا.
ويتبين مما سبق أن الغرض العام من صوغ "فاعل"، في الأعداد المركبة هو الغرض العام من صوغه من الأعداد المفردة، وأن كل معنى من الثلاثة يخالف الآخر؛ فلا يصح استعمال واحد مكان غيره؛ وإلا كان خلطا معيبا.
ح- اشتقاق صيغة "فاعل" وبعدها العقد: "عشرون" أو عقد آخر من العقود التي بعد العشرين:
يصح اشتقاق صيغة "فاعل" من أحد الأعداد المفردة المحصورة في واحدة وتسعة وما بينهما، ويذكر بعد الصيغة والعقد" معطوفا عليها بالواو خاصة١؛ نحو: الواحد والعشرون، والحادي والعشرون، والواحدة والعشرون، والحادية والعشرون والثاني والثلاثون، والثانية والثلاثون والرابع والخمسون، والرابعة والخمسون وهكذا٢
وحكم هذا النوع وجوب تقديم الصيغة، وهي المعطوف عليها "أي:
_________________
(١) ١ انظر البيان الخامس بهذا، والتقييد المفيد، في رقم ١ من هامش ص٥٤٩. ٢ والاشتقاق في هذه الصورة يكون من اسم العدد نفسه، فهو اشتقاق من اسم جنس معنوي ليس بمصدر. ما عدا اثنين كما تقدم في رقم ٣ من هامش ص٥٥٤.
[ ٤ / ٥٦٢ ]
النيف"، وتأخير المعطوف". وهو: "العقد". وأن يكون العاطف هو الواو دون غيرها١. والمعطوف عليه يطابق مدلوله في تذكيره وتأنيثه؛ ويعرب بالحركات٢ على حسب حاجة الجملة، والمعطوف يتبعه في إعرابه، فيكون مثله مرفوعا، أو منصوبا، أو مجرورا. ولكنه معرب بالحروف كجمع المذكر السالم، ولا يعرب بالحركات كالمعطوف ٣.
وإذا كان من الخطأ استعمال عاطف غير الواو١، فمن الخطأ أيضا حذفها؛ فلا يصح مثل: حادي عشرين، أو ثاني عشرين، أو ثالث أربعين
أما الغرض المعنوي من هذه الصيغة فهو الغرض من صياغتها من الأعداد المفردة التي تليها كلمة: "عشرة"، ولا يصح الخلط بين غرض وآخر عند الاستعمال.
_________________
(١) ١، ١ انظر رقم ١ من هامش ص٥٤٩ حيث التفصيل المفيد. ٢ مع إعراب كلمة: "ثان" إعراب المنقوص. ٣ وفي هذه الصورة يقول ابن مالك في آخر بيت سبق في ص٥٦١ لمناسبة أخرى، والبيت هو: "وشاع الاستغناء بحادي عشرا ونحوه" وقبل عشرين اذكرا:-١٩ الذي يعنينا هو الجملة الأخيرة منه: ونصها: وقبل عشرين اذكرا، بعدها بيت يتمم المراد ونصه: وبابه الفاعل من لفظ العدد بحالتيه قبل واو يعتمد-٢٠ "واو يعتمد" أي: حرف واو يعتمد في العطف دون غيره من أخواته". والتقدير: واذكر قبل عشرين وبابه -وهو باقي العقود التي بعده- صيغة فاعل بحالتيه من التذكير أو التأنيث على حسب مدلوله، بشرط أن يكون متقدما على واو العطف، ويليها العقد المعطوف.
[ ٤ / ٥٦٣ ]
المسألة ١٦٧: التأريخ ١ بالليالي والأيام
التأريخ: تقييد الحوادث والأمور الجارية، بزمن معين مشهور، بحيث ترتبط به، وتنتسب إليه؛ سواء أكانت قد وقعت وتحققت فيه أم موقعت وتحققت في زمن آخر.
وهو ضروري لضبط شئون الفرد، وتنظيم حياته الخاصة والعامة، وضروري كذلك لضبط شئون الجماعات "دولا وأمما" وما يكون بينها من معاملات، ومنذ وجد الإنسان وهو يستعين بالتأريخ وحوادثه؛ ليرشده، ويذكره. ويعينه على كشف أكثر الحقائق والوقائع التي يبغي الاهتداء إلى زمنها، ونتائجها، ولكل فرد طرييقته التي يختارها لنفسه خاصة، ويراها أنسب له، وأكثر ملاءمة، غير أن الجماعات قد اتفقت كلمتها على أن تختار كل منها مبدأ زمنيا تؤرخ به شئونها العامة، ويرجع إليه أفرادها في شؤونهم المشتركة بينهم. ولكل فرد بعد ذلك أن يرجع إليه أو إلى غيره في شؤونه الخاصة به. والعرب من هؤلاء؛ فقد اختاروا بعد الإسلام حادث الهجرة مبدأ زمنيا لتسجيل الحوادث وتاريخها، وسموا هذا المبدأ: "التاريخ الهجري"٢ وساروا فيه على أسلوب مأثور عنهم؛ فإذا وقع حادث ما سجلوه بطريقتهم قولا أو كتابة، وأرخوه بالليالي لسبقها في
_________________
(١) ١ يقال: التأريخ -بالهمزة- والتاريخ بدونها، كما يقال أيضا: التوريخ، وهذا مصدر الفعل: ورخ. توريخا، أما الأولان فمصدران لأرخ. ويعرفه صاحب الهمع "ج٢ ص١٥٢" بأنه: "عدم الأيام والليالي بالنظر إلى ما مضى من السنة، والشهر، وما بقي". ٢ يقول الصبان في آخر باب العدد، ما نصه: "كانت العرب تؤرخ بالخصب، وبالعامل "أي: الوالي الحاكم عليهم" وبالأمر المشهور. ولم يزالوا كذلك حتى فتح عمر بلاد العجم؛ فذكر له أمر التاريخ -وكان شائعا عند الفرس، فاستحسنه هو وغيره. ثم اختلفوا "في بدئه" فقال بعضهم: من البعثة. وقال قوم: من وفاة الرسول. ثم أجمعوا على الهجرة، ثم اختلفوا بأي شهر يبدءون؟ فقال بعضهم: رمضان، وبعضهم: رجب، وبعضهم: ذي الحجة. ثم اجمعوا على المحرم؛ لأنه شهر حرام، ومنصرف الناس من الحج. فرأس التاريخ قبل الهجرة بشهرين، واثنتي عشرة ليلة؛ قدومه ﵇ المدينة كان يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، وقيل: المؤرخ بالهجرة هو رسول الله ﷺ، كما بسط السيوطي، في كتابه "الشماريخ" في علم التاريخ". ا. هـ.
[ ٤ / ٥٦٤ ]
حسابهم؛ إذ الشهور المعتمدة عندهم قمرية، وأول الشهر القمري ليلة، وآخره نهار، فإذا أراد أحدهم أن يؤرخ للحاديث الذي وقع في أول الشهر الهجري -ككتابة رسالة، مثلا- قال: كتبت لأول ليلة منه، "أي؛ في أول ليلة" أو لغرته، أو مستهلة. فإذا انتهت الليلة الأولى قال: كتبت لليلة خلت، ثم لليلتين خلتا، ثم لثلاث خلون إلى أن تنتهي عشر ليال ثم يقول: لإحدى عشرة خلت، أو لاثنتى عشرة إلى أن تجيء ليلة النصف فيقول: كتبت للنصف منه، أو لمنتصفه، أو لانتصافه، ويصح أن يقول: لخمس عشرة خلت، أو بقيت، "أي: عند خمس عشرة" والأول أكثر شيوعا في كلام الفصحاء، ثم لأربع عشرة بقيت، إلى أول العشرين فيقول: لعشر بقين، أو لثمان بقين وهكذا إلى أن تبقى ليلة واحدة فيقول: لليلة بقيت، أو لسراره، أو سرره. فإن مضت وبقي نهار اليوم الأخير فإنه يقول: كتبت لآخر يوم منه، أو لسلخه أو انسلاخه، وقد يستعمل السلخ والانسلاخ لليلة الأخيرة أيضا. وإذا قال: لآخر ليلة منه أو آخر يوم منه كان هذا دليلا على أن الشهر القمري كاملا؛ أي: ثلاثين يوما، وليس من الشهور التي تنقص.
هذا ويصح وضع تاء التأنيث مكان نون النسوة والعكس في كل موضع يراد فيه التحدث على عدد مدلوله جمع لا يعقل؛ بأن يكون المعدود ثلاثة أو أكثر مما لا يعقل. ولكن اتباع الوضع الذي سردناه أفضل١.
_________________
(١) ١ سبب الأفضلية أن أكثر المسموع يكون بنون النسوة مع الثلاث والعشر، وما بينهما إذا كان المعدود دالا على جمع مؤنث لا يعقل؛ فيقال: ثلاث خلون، أو أربع خلون. وهكذا إلى عشر خلون. أما ما زاد على العشر إلى خمسة عشر فيقال فيه: خلت. وكل ما سبق فعلى سبيل الأولوية، وبغير ملاحظتها يصح وضع تاء التأنيث مكان النون. على أن تفصيل نون النسوة على الوجه السالف في الأساليب العددية هو الذي يساير مجيئها في جمع التكسير الدال على القلة، كما أن مجيء تاء التأنيث فيما زاد على العشر هو الذي يلائم مجيئها في جمع التكسير الدال على الكثرة، فالمعروف لغة أن نون النسوة أنسب مع جمع القلة للمؤنث الذي لا يعقل؛ نحو: رأيت أذرعا امتددن في الهواء، وهذا أفضل من: امتدت. كما أن المعروف أن تاء لتأنيث أنسب في جمع التكسير الدال على الكثرة للمؤنث غير العاقل؛ نحو: للوالد أياد غمرت أبناءه، وهذا أفضل من غمرن. فانطبق حكم كل جمع للتكسير على العدد الذي يدل دلالته على القلة أو الكثرة؛ فالعدد ثلاثة وعشرة وما بينهما يدل على القلة فالأنسب له نون النسوة. وهي -فوق ذلك- ملائمة لتمييزه الذي يكون في الأغلب جمعا. والعدد المركب يدل على الكثرة فالأنسب له تاء التأنيث في هذا =
[ ٤ / ٥٦٥ ]
وبهذه المناسبة نشير إلى ما سبق١ بيانه من بعض الاستعمالات التي تتصل بما نحن فيه، والتي يؤثر فيها العرب جانب التأنيث على التذكير، ويغلبون فيها المؤنث على المذكر؛ فلها نوع اتصالها بما هنا١
تعريف العدد وتنكيره:
سبق الكلام عليه وافيا في "ج١ ص٤٣٨ م٣٢ وله موجز فيه ج٣ م٩٣ ص١٢ و١٤ -باب الإضافة".
قراءة الأعداد المعطوفة على العقود المختلفة:
المراد من العقود هنا "٢٠، ٣٠، ٤٠، ٥٠، ٦٠، ٧٠، ٨٠، ٩٠"، وكذلك "١٠٠ و١٠٠٠ ومضاعفاتهما"، فكيف نقرأ الأعداد الحسابية التالية قراءة عربية صحيحة؟ وهي ٢٣، ٣٤، ٤٥، ٥٦ و و وغيرها من باقي الأعداد المعطوفة المحصورة بين مائة، ومائة أخرى تليها؟
_________________
(١) = الموضع "راجع الصبان في هذا الموضع". ومثل هذا في كتاب: "الطبقات السنية " -لتقي الدين التميمي الدارمي، ص٢٠- وفي هذه الصفحة أيضا ما نصه: "قال الحريري في درة الغواص: العرب تختار أن تجعل النون للقليل، والتاء للكثير؛ فيقولون: لأربع خلون، ولأربع عشرة ليلة خلت. قال ولهم اختيار آخر: هو أن تجعل ضمير الجمع الكثير الهاء والألف "أي: ها" وضمير الجمع القليل: الهاء والنون المشددة "أي: هن" كما نطق القرآن به: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، منها: أربعة حرم. ذلك الدين القيم، فلا تظلموا فيهن أنفسكم فجعل ضمير الأشهر الحرم بالهاء والنون، لقلتهن، وضمير شهور السنة الهاء والألف، لكثرتها". ا. هـ. "وقد سبق ما يتصل بهذا، اتصالا وثيقا، ويزيده وضوحا، وتوفية عند الكلام على على مرجع الضمير -في ج١ م١٨ رقم ٢ من هامش ص١٩٧، وفي ص٢٣٨- وله إشارة عابرة تأتي في ص٦٢٧ ورقم ٤ من هامشها. ١ و١ راجع ص٥٣٧ أما التفصيل ففي ج١ م٩ هامش ص١٠٩ باب "المثنى".
[ ٤ / ٥٦٦ ]
لقراءتها إحدى طريقتين؛ أولاهما: قراءة الأرقام من اليمين إلى اليسار، والأخرى العكس؛ فيقال: "ثلاث وعشرون، أربعة وثلاثون، كما يقال عشرون وثلاث، وثلاثون وأربعة" وكذلك يقال: أربعة ومئة، عشرون ومئة، كما يقال مئة وأربعة، مئة وعشرون" وكذلك: "ستة وألف، عشرون وألف. أو ألف وستة، وألف وعشرون" وهكذا بقية الأعداد في كل ما سبق ونظائره الأخرى. مع مراعاة الأحكام التي عرفناها في تذكير العدد وتأنيثه، وتعريفه وتنكيره؛ وفي نوع تمييزه، وضبط هذا التمييز، وإفراده وجمعه، وذكره وحذفه، وكل ما تقدم من الضوابط والأحكام العامة والخاصة التي لا بد من تطبيقها على العدد والمعدود.
ملاحظة: يجوز تطبيق الطريقتين السالفتين على الأعداد المركبة "وهي ١١ و١٩ وما بينهما" بشرط ظهور "واو العطف" متوسطة بين العددين، واستعمال كلمة "واحد" بدلا من "أحد". ولا بد هنا من مراعاة الأحكام العامة والخاصة بالعدد والمعدود التي أشرنا لها فيما سبق.
[ ٤ / ٥٦٧ ]
المسألة ١٦٨: كنايات العدد ١
"كم، كأي، كذا " وكنايات أخرى، "منها: كيت، وذيت ".
الأولى: "كم". وهي نوعان: "كم الاستفهامية"٢، و"كم الخبرية"٣.
أ- كم الاستفهامية: أداة استفهام يسأل بها عن معدود، مجهول الجنس والكمية معا. ذلك أن من يسمع كلمة: "كم" وحدها لا يدرك من هذه الكلمة حقيقة مدلولها "أي: جنسه؛ أهو كتاب، أم دينار، أم رجل، أم امرأة، أم معدل أم قلم ؟ " ولا يدرك أيضا كميته "أي: لا يعرف عدد أفراد تلك الحقيقة، ومقدارها الحسابي" أكتاب واحد، أم كتابان، أم أكثر؟ أدينار، أم ديناران أم دنانير؟ أرجل، أم رجلان، أم رجال؟ أهي امرأة أم امرأتان، أم أكثر؟ أمعدن أم اثنان، أم أكثر؟ أقلم أم قلمان، أم أكثر؟ فكلمة "كتم" وحدها مبهمة المدلول "المعدود" عند السامع في هاتين الناحيتين؛ ناحية جنسه، وكميته.
لكنه إذا سمع: "كم كتابا قرأت؟، أو: كم دينارا أنفقت؟، أو: "كم رجلا صافحت؟ أثلاثة أم أربعة؟ "، "كم قلما اشتريت؟ أقلمين أم ثلاثة"؟ ،
_________________
(١) ١ أصل الكناية: التورية عن الشيء؛ بأن يعبر عنه بغير اسمه، لسبب بلاغي. وهذه الألفاظ سميت: "كتابات"؛ لأن كل واحدة منها يكنى بها عن معدود، أي: يرمز بها إلى معدود، ويراد منها ذلك المعدود؛ فهو مدلولها، وهي الرمز الدال عليه. فكما أن كلمة على، أو: صالح هي الدالة، ومدلولها هو الذات المعينة المشخصة لكل، كذلك هذه الكنايات؛ هي الدالة، ومدلولها معدود، مبهم -كما سنعرف- فليس معينا ولا مشخصا كدلالات الأعلام السابقة ٢ هي أداة استفهام -كما سيجيء- ولهذا تعد من أنواع الإنشاء الطلبي الذي سبق توضيحه في ج١ رقم ٣ من هامش ص٣٣٧، م٢٧. ٣ وتعتبر من أنواع الإنشاء غير الطلبي الذي سبق توضيحه في الموضع المشار إليه في رقم ٢ وعلى الرغم من هذا الاعتبار تحتمل الصدق والكذب -كما سيجيء في ص٥٧٦- وفي هذا نوع من التعارض في رأي بعض النحاة، دون بعض، طبقا للبيان الذي سرده "الصبان" عند كلامه على الفرق بين نوعي: "كم".
[ ٤ / ٥٦٨ ]
إذا سمع هذا فإن الإبهام يزول عنها في الناحيتين السالفتين، وتنكشف له حقيقة المعدود "المسؤول عنه" ومقداره الحسابي؛ بسبب الاسم الذي جاء بعد: "كم" -ويسميه النحاة: تمييزا- وبسبب ما وليه من بدل مقرون بالهمزة. وهذا معنى قلوهم:
"كم الاستفهامية" أداة مبهمة عند سامعها، لا بد لها من تمييز بعدها يزيل الإبهام عن إحدى ناحيتي المعدود، وهي "ناحية الجنس"، وقد يليه ما يزل الإبهام عن الناحية الأخرى؛ وهي ناحية "المقدار العددي". فالتمييز محتوم، أما ما يليه فليس بمحتوم.
أشهر أحكامها:
١- أنها اسم استفهام له الصدارة في جملته دائما، إلا إن كان مجزورا بحرف جر أو بإضافة؛ نحو: بكم دينار تبرعت؟ ومرضى كم مستشفى ساعدت؟ والاستفهام بها قد يكون عن شيء مضى. أو لم يمض
٢- أنها مبنية على السكون دائما في محل رفع، أو نصب، أو جر، على حسب موقعها من الإعراب١، نحو: كم نوتيا في هذه الباخرة؟ -وكم بحارا
_________________
(١) ١ وضع بعض النحاة لإعرابها ضابطا حسنا ينطبق عليها وعلى الخبرية؛ فقال ما ملخصه: إذا وقعت "لكم" على زمان أو مكان فهي ظرف مبنية على السكون في محل نصب. نحو: كم يوما صمت؟، كم ميلا مشيت؟. وإن وقعت على معنى مجرد "أي: حدث" فهي مفعول مطلق، مبنية على السكون في محل نصب؛ نحو: كم زيارة زرت المريض؟ وإن وقعت على ذات، وكان الفعل بعدها متعديا، لواحد أو أكثر ولم يستوف مفعوله فهي مفعول به، مبنية على السكون في محل نصب؛ نحو: كم درهما بذلت للسائل المحتاج؟ وإن سبقها حرف جر، أو مضاف فهي مبنية على السكون في محل جر؛ نحو: في كم ساعة تطوف الطائرة حول الأرض؟ وفوق كم خط من خطوط الطول تمر؟. وما عدا ذلك تكون مبتدأ -غالبا- مبنية على السكون في محل رفع. نحو: كم مهاجرا حضر؟ وكم مهاجرا سيحضر؟ ومن هذا قول الشاعر: وكم صاحب قد جل عن قدر صاحب فألقى له الأسباب؛ فارتفعا معا وقد تكون معمولا لناسخ يعمل فيما قبله مثل: "كان وظن" "دون، وإن" نحو: مالك؟. وقد تصلح مبتدأ أو خبر في مثل: كم مالك؟ إن كانت استفهامية. ومما يوضح محلها الإعرابي، ويسهل إعرابها أن نفترض عدم وجودها، ونجعل التمييز يحل في مكانها ونعرف موقعه الإعرابي، ونجري عليها حكمه؛ ففي مثل: كم يوما صمت. نفترض أن أصل الكلام: يوما صمت، أو صمت يوما. "فيوما": ظرف زمان. و"إذا": نعربها ظرف زمان. مبنية على السكون في محل نصب. وفي مثل: كم ميلا مشيت فتخيل أن الأصل: ميلا مشيت، أو: مشيت ميلا. فكلمة: "ميلا"، ظرف مكان. و"إذًا" نعربها ظرف مكان مبني على السكون في محل نصب وهكذا.
[ ٤ / ٥٦٩ ]
فنيا رأيت بها؟ وإلى كم ربان تحتاج إدارتها؟
٣- لفظها مفرد مذكر دائما. ولكن مدلولها الذي يصدق عليه معناها قد يكون غير ذلك. ومن هنا يجوز عودة الضمير عليها إما مفردا مذكرا؛ مراعاة للفظها، وإما مطابقا للمعنى المراد منها؛ نقول في السؤال عن المفرد المذكر، كما أخا جاءك؟ وعن مثناة: كم جاءك، أو: كم جاءك؟ وعن جمعه: كم جاءك؟ أو: كم جاءوك؟.
ونقول في السؤال عن المفردة: كم طالبة نجح؟ أو: كم طالبة نجحت؟، وعن مثناها: كم نجح؟ أو: كم نجحنا؟، وعن جمعها: كم نجح؟ أو: كم نجحن؟ ، بمراعاة لفظ: "كم" أو معناها في كل ما سبق١.
٤- لا بد لها من تمييز٢ بعدها. والغالب أن يكون مفردا٣ منصوبا بها؛ فهي العاملة فيه؛ نحو: كم طالبا يتعلمون في جامعاتنا؟ وكم بلدا عندنا يضم جامعة أو أكثر؟
ويصح أن يكون تمييزها مفردا مجرورا بمن -ظاهرة، أو مقدرة- بشرط أن تكون "كم" في الحالتين مجرورة بحرف جر ظاهر٤؛ نحو: بكم طبيب نعالج المرضى في الريف؟ وإلى كم مهندس يحتاج؟ وعلى كم خبير زراعي يعتمد في زراعاته؟ ويصح: كم من طبيب كم من مهندس كم من خبير
فإن وجدت "من" الجارة ظاهرة، فهي ومجرورها "التمييز" متعلقان "بكم" وإن لم توجد "من" ظاهرة فهي مقدرة تجر التمييز، أو ليست مقدرة، و"كم"
_________________
(١) ١ راجع الجزء الرابع من شرح المفصل، ص١٣٢. وقد سبق لهذا بيان تام في ج١ م١٩ ص٢٤٠ في موضوع: "التطابق بين الضمير، ومرجعه" ومثل الضمير غيره مما يحتاج لمطابقة. ٢ انظر رقم ٥ من هامش الصفحة الآتية وفيه ما يتعلق بالمطابقة هنا. ٣ وردت أمثلة نادرة وقع فيها التمييز جمعا منصوبا، واستشهد بها الكوفيون على صحة وقوعه جمعا. وأغلب النحاة يردها أو يؤولها، ويرفض جمعيته. والأحسن الحكم على تلك الأمثلة بالندرة التي لا يصح معها القياس. ولا داعي لتكلف التأويل. ٤ لا يشترط بعض النحاة لجر تمييزها بالحرف: "من" أن تكون مجرورة بحرف جر ظاهر؛ مستدلا بقوله تعالى: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرائيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾، ورأيه حسن "راجع الخضري".
[ ٤ / ٥٧٠ ]
هي التي تجره؟ على اعتبارها؛ مضافة "مع بنائها"١ والتمييز بعدها "مضاف إليه" مجرور.
ويجوز أن يجيء بعد التمييز بدل مقرون بالهمزة، والمبدل منه هو كلمة: "كم" فيزول ما بقي من غموضها، وتنكشف الناحية الأخرى من إبهامها -كما أشرنا- نحو: كم بحارا في الباخرة؟ أعشرة أم عشرون؟
٥- وإذا كانت "كم" الاستفهامية مضافة لتمييزها فهي العاملة فيه؛ فلا يصح الفصل بينهما بجملة؛ لأن المتضايفين لا يفصل بينهما -في الأغلب- جملة. لكن يصح الفصل بأحد شبيهي الجملة؛ لأنها محل التوسع والتيسير.
أما إن كان التمييز مجرورا بـ"من" الظاهرة فيجوز الفصل بالجملة أو بغيرها؛ وكذا إن كان التمييز منصوبا. لكن يجب جر هذا التمييز بمن٢ بدلا من نصبه إن كان الفاصل بينهما فعلا متعديا لم يستوف مفعوله؛ لكيلا يقع في الوهم أن هذا التمييز المنصوب ليس بتمييز، وأنه مفعول به للفعل المتعدي، فلإزالة الوهم واللبس يجب جره بمن، ففي مثل: "كم عصفورا على الشجرة؟ وكم صيادا يحوم حولها؟ نقول عند الفصل بالفعل المتعدي الذي لم يستوف مفعوله: كم ترى من عصفور على الشجرة؟ وكم تشاهد من صياد يحوم حولها؟
ومن هذا قول الشاعر:
وكم -سقت في آثاركم- من نصيحة وقد يستفيد الظنة٣ المتنصح٤
٦- تمييز "كم" الاستفهامية في كل أحواله يصح حذفه إن دل عليه دليل، ولم يترتب على حذفه لبس٥؛ مثل قول المستفهم: ما عدد طلاب الجامعة؟ كم في كلية الطب؟ وكم في كلية العلوم؟ يريد: كم طالبا في كلية الطب؟ وكم طالبا
_________________
(١) ١ وهذا أحد المواضع التي يصح فيها أن يكون المضاف مبنيا. ٢ انظر رقم ١ من هامش ص٥٧٥. ٣ الاتهام والتجريح. ٤ المبالغ في النصيحة لمن لا يعمل بها. ٥ وهو في كل أحواله أيضا نوع من تمييز الذات "لا النسبة" الذي سبق إيضاحه وتفصيله في ج٢ م٨٨ باب: "التمييز". ومراعاة هذا التمييز فيما يحتاج للمطابقة أوضح من مراعاة لفظ "كم".
[ ٤ / ٥٧١ ]
في كلية العلوم ١.
ب- كم الخبرية: هي أداة للإخبار عن معدود كثير، ولكنه مجهول الجنس والكمية٢. ومن أمثلتها قولهم: "كم صالح بفساد آخر قد فسد"٣. وما جاء في عتاب صديق لصديقه: "إني
أحفظ ودك، وأرعى عهدك، وأرسم طريقي على الوفاء لك، والصفح عن بوادرك. فكم مرة هفوت فأغضيت، وكم إساءة نالتني فغفرت، وكم إخوان أبعدتهم عنك فقربتهم منك، وأرجعتهم إليك.. فهل تنسى هذا أو تتناساه؟ ".
فكلمة: "كم" وحدها قبل وضعها في شيء من الكلام السابق، مبهمة "أي: لا تدل على حقيقة المعدود وجنسه، ولا على مقداره وكميته"؛ إذ لا يدري السامع المراد: أهو: كم يوم، أم كم رجل، أم كم إساءة وكذلك لا يدري: أهو كثير أم قليل ، فلما ذكر الاسم المجرور بعدها أزال عنها الإبهام، وكشف الغموض عن المعدود، فبين حقيقته وجنسه، وأوضح كميته بما يدل على أنها كثيرة. فكأنه يقول: مرات كثيرة -إساءات كثيرة- إخوان كثيرون، ومثله قول الشاعر:
وكم ذنب مولده دلال وكم بعد مولده اقتراب
_________________
(١) ١ وفيما سبق من أحوال "كم الاستفهامية" يقول ابن مالك في باب عنوانه: "كم، وكأين، وكذا" ما نصه: ميز في الاستفهام "كم" بمثل ما ميزت عشرين؛ ككم شخصا سما؟ وأجز أن تجره "من" مضمرا إن وليت "كم" حرف جر مظهرا والأصل في البيت الثاني: "أن " حذفت "همزة أن" للشعر، وانتقلت حركتها إلى الزاي الساكنة قبلها. "مضمرا"، أي: مضمرة. وجعلها مذكرة على نية إرادة: الحرف "من"، غير مريد: الكلمة: "من". يريد: أنه يصح جر التمييز "بمن المضمرة جوازا إن وقعت كم" بعد حرف جر ظاهر. ٢ الكمية: المقدار الحسابي، أي: ما يدل عليه العدد من أفراد -وما سبق في ص٥٦٨ عن الجنس والكمية في "كم اللاستفهامية" يزيد الأمر وضوحا هنا. ٣ وقول الشاعر: كم ذكي قد عاش وهو فقير وغبي يضفو عليه الثراء
[ ٤ / ٥٧٢ ]
فلا بد لإزالة الإبهام عنها من تمييز بعدها يوضح الأمرين؛ جنس المراد منها، ومقداره. ولا يصح أن يجيء بعد التمييز بدل مقرون بهمزة الاستفهام، والمبدل منه هو: "كم"؛ إذ لا دخل للاستفهام هنا مطلقا١.
وبسبب أن الإخبار بها يرمي إلى كثرة المعدود وجب أن يكون هذا الإخبار عن شيء مضى؛ لأن الذي مضى قد بان جنسه وكميته؛ فيمكن الحكم عليه بالكثرة، والإخبار بهذا الحكم، أما الذي لم يمض فمجهول الجنس والمقدار -غالبا؛ ومن ثم كان الدافع إلى استعمال "كم الخبرية" هو: الافتخار والمدح بكثرة شيء محبوب معلوم، أو: الذم بكثرة شيء معيب كذلك.
أحكامها:
١- وجوب صدارتها في جملتها، إلا حين تكون مجرورة بحرف جر، أو بإضافة، نحو: لله أنت!! فإلى كم عمل نافع سارعت؛ فحمد الناس إسراعك. وعند كم عقبة في طريقة وقفت لتذليلها؛ فأكبر العارفون شأنك.
٢- صحة عودة الضمير إليها إما مفردا مذكرا؛ مراعاة للفظها، وإما مطابقا لمعناها؛ مراعاة للمراد من مدلولها ٢ والأفصح مراعاة تمييزها، نحو: كم رفاق نفع، أو نفعوا ومن مراعاة التمييز قول الشاعر:
كم أناس في نعيم عمروا في ذرا ملك تعالى فبسق٣
سكت الدهر زمانا عنهمو ثم أبكاهم دما حين نطق
٣- وجوب بنائها على السكون في محل رفع، أو نصب، أو جر، على حسب حاجة الجملة٤.
_________________
(١) ١ انظر رقم ٥ من ص٥٧٧، ففيها زيادة إيضاح. ٢ مثل الضمير غيره مما يحتاج لمطابقة. ويوضح هذا الحكم ما سبق في نظيرتها. "رقم ٣ ص٥٧٠". ٣ عمروا: طال عمرهم، ذرا: حماية ورعاية، بسق: ارتفع. ٤ لا تختلف "كم" الخبرية في إعرابها المحلي عن "كم" الاستفهامية في إعرابها السابق: "في رقم "أ" من هامش ص٥٦٩". برغم اختلاف معناهما وتمييزهما.
[ ٤ / ٥٧٣ ]
٤- وجوب الإتيان بتمييز لها يكون مفردا مجرورا، أو جمعا مجرورا١، بشرط أن يكون في الحالتين غير مفصول منها بشيء، والأفصح إفراده، ولكن الجمع صحيح غير شاذ. ومن الأمثلة قول الشاعر:
فكم نزهة فيك للحاضرين! وكم راحة فيك للأنفس!
وقول الناثر: الأريب لا يخدع بالمظهر الزائف؛ فكم رجال حسنت مناظرهم وساءت مخابرهم! وكم رجال اقتحمتهم العيون وفي أثوابهم أبطال عظام! فإن فصل التمييز منها، وكان مفصولا بجملة وجب نصبه ولا يجوز جره إلا في ضرورة الشعر، أو حين تكون الجملة فعلية فعلها متعد، لم يستوف مفعوله؛ -كم سيجيء هنا؛ نحو: ما أنفس نصائح الحكماء، وأغلى أقوالهم؛ فكم أرشدنا منهم -نصحا! وكم صاننا منهم- قولا!. وقول الآخر في مدح قوم:
كم نالني منهمو فضلا على عدم إذ لا أكاد من الإقتار٢ أجتمل٣
"وفاعل الفعل في الأمثلة السابقة ضمير يعود على "كم" ومفعوله الضمير ويجوز جعل التمييز فاعلا بعد رفعه"٤.
_________________
(١) ١ والجر في الحالتين لأنه مضاف إليه، و"كم" هي المضاف. ويصح أن يكون الجر "بمن" المقدرة. ويجوز -دائما- إظهار "من". وإذا كان مجرورا بمن فالجار والمجرور متعلقان بكم، -كما سبق في رقم ٤ من ص٥٧٠- ومن الأمثلة قوله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، ومثل قول الشاعر: بليت -وفقدان الحبيب بلية- وكم من كريم يبتلى ثم يصبر وتمييزها في كل أحواله نوع من تمييز الذات "لا النسبة" لأنه نوع من تمييز العدد، بالرغم من أنها خبرية. ٢ الفقر. ٣ اجتمل الرجل الشحم: أذابه. ٤ ومنه قول الشاعر حافظ إبراهيم: أرى لرجال الغرب عزا ومنعة وكم عز أقوام بعز لغات وفي "كم" الخبرية يقتصر ابن مالك على بيت واحد، يبين فيه معناها، وأن تمييزها يكون كتمييز العدد: "عشرة"، أي: جمعا مجرورا، أو كتمييز المائة يكون مفردا مجرورا "وهذا هو الأوضح والأكثر، والأول ليس بشاذ" يقول: واستعملنها مخبرا كعشره أو مائة، ككم رجال، و: مره
[ ٤ / ٥٧٤ ]
وكذلك يجب ولا يجوز جره إلا في ضررة الشعر إن كان مفصولا بظرف، ومعه جار ومجروره؛ نحو: كم دون الوصول إلى الشهرة كفاحا! وكم لها بعد إدراكها تعبا!
فإن كان الفصل بالظرف فقط، أو بالجار مع مجروره فقط الأمان، والنصب هو الأرجح. نحو: كم دون الشهرة كفاحا! وكم لها تعبا!.. ولا يصح الفصل بغير ما سبق -على الصحيح.
وإذا فصل بين "كم" الخبرية وتمييزها بجملة فعلية فعلها متعد، لم يستوف مفعوله وجب جر التمييز بالحرف: "من"١؛ لمنع اللبس؛ إذ قد يقع في الوهم أن التمييز المنصوب ليس تمييزا، وإنما هو "مفعول به" للفعل المتعدي. فلإبعاد هذا الوهم يجب جر التمييز بمن، لا بالإضافة؛ إذ لا يصح -في الأغلب- الفصل بالجملة بين المتضايفين. كقوله تعالى عن قوم أهلكهم: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ ٢، و"كم" في الآيتين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به.
ومن الجائز حذف تمييزها إذا دل عليه دليل. ولم يوقع حذفه في لبس؛ مثل: استعرضت كتبك الضاربة في علوم وفنون مختلفة؛ فما أكثرها وأعجبها!! فكم في الأدب!! وكم في التاريخ٣..، ولكن حذفه وهو "مضاف إليه" قليل غير قياسي٤؛
_________________
(١) ١ يقول الصبان في باب: "حروف الجر"، عند الكلام على: من، الزائدة إنها في هذه الصورة زائدة؛ معتمدا على رأي فريق من النحاة. ٢ وقوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ . وقد أوضحنا هذا في ج٢ باب حروف الجر، م٩٠ ص٤٢٢، عند الكلام على: "من الزائدة". ٣ ومثل قول الشاعر يتحدث عن بيته: كم مر بي فيه عيش لست أذكره ومر بي فيه عيش لست أنساه وقول الآخر: وإن نابتك نائبة فشاور فكم حمد المشاور غب أمر يريد: فكم يوم فكم مرة ٤ لحذف المضاف إليه موضوع سبق في ج٣ م٩٦.
[ ٤ / ٥٧٥ ]
لما يترتب عليه من حذف "المضاف إليه" مع وجود المضاف وحده.
من كل ما تقدم نستطيع أن ندرك الموازنة التي عقدها بعد النحاة بين نوعي: "كم" لبيان أوجه الاتفاق والاختلاف بينهما. وملخصها:
أنهما يتشابهان في خمسة أمور:
أ- أنهما كنايتان مبهمتان عن معدود، مجهول الجنس، والمقدار. "أي: مجهول الحقيقة، والكمية".
ب- مبنيتان.
ج- بناؤهما على السكون في محل رفع؛ أو نصب، أو جر، على حسب موقعهما من جملتهما؛ فهما متماثلتان في إعرابهما المحلي، مع ملاحظة أن لفظهما مفرد مذكر دائما، وأن مدلولهما قد يكون غير ذلك؛ فيراعي لفظهما، أو مدلولهما، في الضمير العائد عليهما، وفي غيره من كل ما يحتاج للمطابقة؛ ولكن مراعاة التمييز أوضح.
د- ملازمتان للصدارة في جملتهما، إلا إن سبقها حرف جر، أو: مضاف.
هـ- حاجة كل منهما إلى تمييز قد يصح حذفه عند أمن اللبس، ويفترقان في خمسة أمور كذلك:
١- أن الخبرية تتضمن الإخبار بكثرة شيء معدود؛ فتختص بالزمن الماضي وحده. ولهذا لا يصح على الإخبار أن نقول: كم رحلة سأقوم بها أيام العطلة المقبلة! لأن التكثير والتقليل -كما سبق- لا يكونان إلا فيما عرف مقداره. وهذه المعرفة لا تحقق إلا في شيء قد مضى وانتهى. ويصح على الاستفهام أن نقول ما سبق، وغيره.
٢- أن المتكلم بالخبرية لا يتطلب جوابا من السامع؛ لأنه مخبرن غير مستخبر؛ بخلاف الاستفهامية.
٣- أن المتكلم بالخبرية، يتعرض للتصديق والتكذيب؛ لأنه مخبر، والخبر
[ ٤ / ٥٧٦ ]
عرضه لأن يصدقه السامع أو يكذبه١.
٤- أن الأغلب في تمييز استفهامية أن يكون مفردا منصوبا بها، أو مجرورا بالإضافة، أو بمن إن جرت "كم" بحرف جر ظاهر. أما تمييز الخبرية فيكون مفردا مجرورا؛ أو جمعا مجرورا٢. ولا يكون منصوبا إلا في بعض حالات الفصل.
٥- أن البدل من "كم" الخبرية لا يصح اقترانه بهمزة الاستفهام٣؛ لأن هذا البدل خبري كالمبدل منه "وهو: كم الخبرية" والخبر لا يصح أن يتضمن معنى الاستفهام. يقال: كم رجال حضروا الحفل!! ثمانين بل تسعين أما الاستفهامية فيجب اقتران البدل منها بهمزة الاستفهام؛ لأن الاستفهامية تتضمن معنى الاستفهام. فيقال: كم رجال حضروا؟ أثمانين أم تسعين؟ إذا كان العدد مجهولا يريد أن يعرفه السائل.
الثانية: كأين٤. وأشهر لغاتها: "كأين" -"بهمزة مفتوحة. وتشديد الياء مكسورة، فنون ساكنة"- ثم: "كائن" بسكون النون. ثم: "كأين"؛ "بهمزة ساكنة بعد الكاف، تليها ياء مكسورة، فنون ساكنة"٥.
وهي بمنزلة "كم" الخبرية، ولكن تشاركها في أمور، وتخالفها في أخرى، فتشاركها في الأمور الخمسة الآتية:
_________________
(١) ١ لكن كيف يقع هذا مع أنها نوع من الإنشاء غير الطلبي؟ ظاهر الأمر وقوع تعارض. وقد قلنا -في رقم ٣ من هامش ص٥٦٨- إن بعض النحاة يرى في هذا تعارضا، وإن فريقا آخر يمنع هذا التعارض، كما دونه الصبان في هذا الموضوع من الباب. ٢ سبب الجر موضح في رقم ١ من هامش ص٥٧٤. ٣ لهذا إشارة سبقت في أول ص٥٧٣. ٤ أصل النون التي في آخرها هو التنوين؛ فيصح الرجوع إلى أصلها ومراعاته عند الكتابة والوقف، ولكن الأحسن إثبات نونها خطا ونطقا في جميع لغاتها، حتى عند الوقف عليها، منعا للإلباس. ٥ ثم: "كيئن" -بكاف مفتوحة، فياء ساكنة فهمزة مكسورة، فنون ساكنة- ثم: "كئن" كالسابقة مع حذف الياء. وقد أطال النحاة في إثبات أنها مركبة في الأصل. ولا حاجة بنا إلى احتمال العناء في معرفة ذلك الأصل المزعوم المتكلف؛ لأن الذي يعنينا الآن أنها "وهي بمعنى: كم" كلمة واحدة في إعرابها، وفي معناها، وكل أحكامها، ولا يلاحظ أصلها في شيء من ناحية تركيبه مطلقا.
[ ٤ / ٥٧٧ ]
١- الإبهام.
٢- الدلالة على تكثير المعدود.
٣- الملازمة للصدارة.
٤- البناء على السكون محل رفع، أو نصب، على حسب موقعها، ولا تكون "كأين" في محل جر، ومن الممكن وضعها في كل مكان توضع فيه: "كم الخبرية" إلا الجر.
٥- الحاجة إلى تمييز مجرور، ولكنه يُجر هنا "بمن" ظاهرة لا بالإضافة. والجار مع مجروره متعلقان بكأين. وقد ينصب التمييز. ومن الأمثلة للمجرور، قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مَنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ .
وقول الشاعر:
وكائن رأينا من فروع طويلة تموت إذا لم تحيهن أصول!
ومن التمييز المنصوب قول الشاعر:
اطرد اليأس بالرجا؛ فكأين آلما١ حم٢ يسره بعد عسر!
وقول الآخر:
وكائن لنا فضلا عليكم ومنة قديما! ولا تدرون ما من منعم
ويجوز الفصل بينها وبين تمييزها مطلقا -كما في بعض الأمثلة السالفة- فإن كان الفاصل فعلا متعديا لم يستوف مفعوله وجب جر التمييز "بمن"؛ منعا من توهم أنه مفعول به في حالة نصبه، ومن الأمثلة قول الشاعر٣:
وكائن ترى من صامت لك معجب زيادته أو نقصه في التكلم
_________________
(١) ١ اسم فاعل من ألم يألم، بمعنى: تألم يتألم.. ٢ قدر وهيئ. ٣ ومثل البيت السالف: وكائن رأينا من فروع طويلة
[ ٤ / ٥٧٨ ]
وقول الآخر:
وكائن ترى من حال دنيا تغيرت وحال صفا بعد اكدرار غديرها
وتخالفها في أربعة:
١- "كم الخبرية" كلمة "بسيطة" على الأرجح. أما "كأين" فمركبة -على الأرجح أيضا- من كافة التشبيه، و"أي" المنونة. ولا أثر للتركيب ولا لمعنى جزأيه في حالتها القائمة الآن، بعد أن صارت كلمة واحدة تؤدي معنى جديدا.
٢- "كأين" لا تكون مجرورة بحرف، ولا بإضافة، ولا بغيرهما، بخلاف "كم الخبرية" فإنها تجر بالحرف وبالإضافة.
٣- إذا وقعت "كأين" مبتدأ فخبرها لا يكون إلا جملة -في الغالب الكثير-١ كبعض الأمثلة السالفة، أما "كم الخبرية" فلا يلزم أن يكون جملة.
٤- ليس لها نوع آخر يستعمل في الاستفهام، أو في غير الإخبار
٥- تمييزها المجرور هو في الغالب مجرور بمن الظاهرة. بخلاف "كم
_________________
(١) ١ جاء في حاشية "ياسين" على التصريح، -ج١ باب: المبتدأ والخبر، عند الكلام على أقسام الخبر- أن منه ما يجب أن يكون جملة: مثل خبر "كأيمن" الخبرية الواقعة مبتدأ. ولم يتعرض لبيان أنه الواجب أو الأغلب. لكن جاء في الصبان -ج٤ باب: "كم"- عند الكلام على "كأين" ما نصه: "قال في جمع الجوامع وشرحه: لا يخبر عن "كأين" إذا وقعت مبتدأ إلا بجملة فعلية مصدرة بماض أو مضارع؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ . لكن يرد عليه قول الشاعر: وكائن لنا فضلا عليكم ومنة قديما ولا، تدرون ما من منعم فإن الخبر فيه جار مع مجروره. وقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ . إن جعل الخبر الجملة الاسمية. وهي: "الله يرزقها" فإن جعل: "لا تحمل رزقها" لم ترد الآية". ا. هـ. كلام الصبان. من كل ما سبق يتبين أن خبر "كأين" ليس مقصورا على الجملة الفعلية وجوبا، وإن كان الغالب وقوعه جملة فعلية -ولهذه المسألة إشارة في ج١ م٤٣٠ عند الكلام على الخبر الجملة.
[ ٤ / ٥٧٩ ]
الخبرية" فإنه يجر بالإضافة، أو بمن المضمرة، أو الظاهرة.
الثالثة: "كذا"، وصيغتها ثابتة في كل الحالات، ولا يطرأ على حروفها تغيير ما دامت من كنايات العدد. وهي -في أصلها- مركبة من "كاف" التشبيه، و"ذا" الإشارية، وصارت بعد التركيب كلمة واحدة ثابتة، تؤدي معنى جديدا مستقلا، لا صلة له بالتشبيه ولا الإشارة إذا كان الغرض منها الإخبار عن شيء معدود١ قليل أو كثير، ففي هذه الصورة تعد كلمة من كنايات العدد المبهمة٢.
وتشبه "كم الخبرية" فيما يأتي:
١- في الإخبار.
٢- وفي الإبهام.
٣- وفي البناء على السكون في محل رفع، أو نصب، أو جر "فمحلها على حسب حاجة الجملة دائما".
٤- وفي الحاجة إلى تمييز.
وتخالفها في:
١- أنها لا تلازم الدلالة على الكثرة، فقد يكون "كذا" كناية عن معدود كثيرا أو قليل -كما تقدم- نحو: أنفقت كذا دنانير في رحلاتي، وركبت خلالها كذا وكذا سيارة وطيارة، وباخرة، وقطارا.
٢- وفي تمييزها واجب النصب بها على الأرجح٣. سواء أكان مفردا
_________________
(١) ١ "كذا": صالحة للكناية عن الأعداد وعن الأعمال؛ طبقا لما نص عليه صاحب "المصباح المنير" وسيجيء النص في "ج" من ص٥٨٢. ٢ في الزيادة والتفصيل -ص٥٨٢- بيان استعمالاتها الأخرى في غير الكنايات العددية: ٣ قلنا: "على الأرجح" لأنه الكوفيين يجزون في غير تكرار ولا عطف، فيقولون: في المتجر كذا ثوب، وفي المصنع كذا عامل. فيكون التمييز مضافا إليها مجرورا، أو مجرورا بمن مقدرة. أو بدلا في رأي ثالث إذا كانت هي مجرورة. والأفضل هنا عدم الأخذ بالرأي الكوفي؛ لأنه مبني على مجرد القياس على تمييز "كم"، دون عرض أمثلة تؤيده من الكلام العربي الفصيح. ومجرد القياس في مثل هذا ضعيف مردود. وبعض النحاة "ومنهم ابن مالك" يجيز جره بمن -كما سيأتي في البيت التالي. وفي الكلام على: "كأين، وكذا" يكتفي ابن مالك ببيت واحد، هو: =
[ ٤ / ٥٨٠ ]
أم جمعا١.
٣- وأنها لا تكون في الصدر.
٤- وأنها تتكرر -غالبا- مع عطف بالواو؛ كقول الشاعر:
عد النفس نعمى بعد بؤساك ذاكرا كذا وكذا؛ لطفا به نسي الجهد
_________________
(١) = ككم: "كأين" و"كذا"، وينتصب تمييز ذين، أو: به صل: "من" تصب يقول إن "كأين" و"كذا" مثل: "كم" -يريد: "كم" الخبرية- ولم يبين أوجه الشبه. وقد أوضحناها، ثم بين أن تمييز "كأين وكذا" منصوب. ومن الجائز عنده جره بمن، ويرى في جره إصابة وسدادا. وهو يخالف أكثر النحاة في جر تمييز "كذا" "بمن" كما سلف. إلا إن كان الضمير في "به" عائدا على تمييز: "كأين" فقط، كما يرى بعض المعربية، وهذا حسن. ١ صرح صاحب الهمع "ج٢ ص٢٥٦ في هذا الباب" بأن تمييز: "كذا" لا يكون إلا مفردا فقال ما نصه: "مميز "كذا" لا يكون إلا مفردا منصوبا..". ا. هـ. لكن قد يفهم من بعض المراجع الأخرى صحة وقوعه جمعا
[ ٤ / ٥٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- الغالب في "كذا" التكرار مع العطف بالواو، ومن القليل١ تجردها منهما معا؛ فإن لم توجد الواو العاطفة وجب إعراب المتأخرة توكيدا لفظيا للأولى٢.
ب- تأتي: "كذا" المكررة المعطوفة بالواو. وغير المكررة -كناية عن غير العدد؛ فيكنى بها عن اللفظ الواقع في التحديث عن شيء حصل، أو عن قول. سواء أكان ذلك اللفظ معرفة أم نكرة؛ كالحدث النبوي: يقال للعبد يوم القيامة: أتذكر يوم كذا وكذا٣
ويجوز أن تبقى على أصلها من التركيب من كاف التشبيه وذ الإشارية حين يقتضي المعنى بقاءها على أصلها، نحو: عرفت الأخ نافعا، والصديق كذا. ورأيت الغنى واقيا من ذل السؤال والعمل كذا. وفي هذه الصورة قد تدخل عليها "هاء التنبيه" فيقال: والصديق هكذا والعمل هكذا.. أو: وهكذا الصديق -وهكذا العمل.
ج- في "المصباح المنير" -مادة "كذا"- ما نصه: "كذا: كناية عن مقدار الشيء وعدته٤؛ فينصب ما بعده على التمييز؛ يقال اشترى الأمير كذا وكذا عبدا. ويكون كناية عن الأشياء؛ يقال: فعلت كذا، وقلت كذا. فإن قلت فعلت كذا وكذا فلتعدد الفعل. والأصل "ذا"، ثم أدخل عليها كاف التشبيه بعد زوال معنى الإشارة والتشبيه، وجعل كناية عما يراد به، وهو معرفة فلا تدخله الألف واللام". ا. هـ.
وإذا هو كناية تصلح للمقادير وللأعمال على حسب المراد.
_________________
(١) ١ كما في الخضري والتصريح. ٢ الخضري. ٣ قال السيوطي في الأشباه والنظائر: الذي شهد به الاستقراء، وقضى به الذوق الصحيح، أن: "كذا" المكنى بها عن غير العدد إنما يتكلم بها من يخبر عن غيره؛ فتكون من كلام المخبر لا من كلام المخبر عنه؛ فلا تقول ابتداء: مررت بدار كذا، ولا بدار كذا وكذا، بل تقول: مررت بالدار الفلانية. ويقول من يخبر عنك: قال فلان مررت بدار كذا، أو بدار كذا وكذا. ٤ عدده.
[ ٤ / ٥٨٢ ]
الرابعة: كنايات أخرى. منها: "كيت وذيت"
هاتان ليستا من كنايات العدد، وإنما يذكرها النحاة بعد تلك الكنايات للمناسبة بين النوعين في مجرد الكناية عن شيء.
وكيت وكيت -بفتح التاءين معا، وهو الأكثر، أو كسرهما معا، أو ضمهما كذلك- يكنى بهما عن القصة والخبر، أي: الحديث عن شيء حصل أو قول وقع١؛ مثل: "صنع العامل كيت وكيت، وقال كيت وكيت"١. ولا بد من تكرارهما مع فصلهما بالواو٢، واعتبارهما معا "وبينهما هذه الواو المهملة" مركبا مزجيا بمنزلة كلمة واحدة ذات جزأين، والجزءان معا مبنيان إما على الفتح، وإما على الكسر، وإما على الضم، في محل رفع أو نصب، أو جر، على حسب حاجة الجملة. وهذا المركب المزجي -عاملا- نائب في الحقيقة عن جملة، وهذا صح أن يعمل فيه القول في نحو: "أنت قلت كيت وكيت"؛ فيكون المركب المزجي -بتمامه- هنا في محل نصب، مفعولا به للفعل "قال" ٣.
وكل ما تقدم في: "كيت وكيت" يقال كاملا في: "ذيت وذيت". من غير تفريق في شيء إلا في الحرف الأول الهجائي؛ فهو "كاف" في أحد المركبين، و"ذال" في المركب الآخر، ولا خلاف في شيء بعد هذا.
_________________
(١) ١ و١ المفهوم من كلام: "الأشموني" أن الألفاظ الأربعة "كيت وكيت، ذيت وذيت" يكنى بها عن الحدث. لكن جاء في كتاب: "تقويم اللسان" لابن الجوزي "المتوفى حول سنة ٧٩٨ -باب الدال، ص١٢٩" ما نصه: "تقول: قال فلان: "ذيت وذيت" والعامة تقول: "كيت وكيت" وإنما العرب تجعل "ذيت وذيت" كناية عن المقال، و"كيت وكيت" كناية عن الأفعال". ا. هـ. ثم جاء في هامش تلك الصفحة ما نصه: منقولا عن نسختين: "فيهما: ذيت وذيت كناية" عن الأفعال، وفي "الصحاح" "ذيت" عن أبي عبيدة: يقولون كان من الأمر ذيت وذيت وكيت كيت". ا. هـ. ٢ والمفهوم المتبادر من كلامهم أن هذه الواو مهملة جاءت وجوبا لمجرد الفصل بين جزأي المركب المزجي، فلا عمل لها ولا أثر إلا هذا الفصل المحض. ٣ راجع الصبان.
[ ٤ / ٥٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- يقول اللغوين: إن أصل: "كيت وكيت" و"ذيت وذيت" هو: "كية وكية" و"ذية وذية" بتشديد الياء في كل لفظة، وبعدها تاء التأنيث المربوطة. ثم حصل تخفيف بحدف التاء المربوطة، وبقلب الياء الثانية "من كل ياء مشددة" تاء واسعة "أي: غير مربوطة"، فهذه التاء ليست للتأنيث وإنما هي منقلبة عن حرف أصلي. ولا مانع عندهم من استعمال -الأصل وهو: كية وذية- بدون تخفيفة. ويتعين عند استعماله تركيب كل جزأين تركيبا مزجيا مع بنائهما على الفتح دائما في كل المواقع الإعرابية.
ب- ويقول الصبان: "إذا قيل: كان من الأمر "كيت وكيت" -ومثلها: "ذيت وذيت"- "فكأن للشأن، خبرها: كيت وكيت١، لأن هذا المركب المزجي نائب هنا عن الجملة، ولا يكون اسما لكان؛ إذ لا يكون اسمها جملة. قاله الفارسي، واستحسنه ابن هشام. لكن يلزم عليه تفسير ضمير الشأن٢، بغير جملة مصرح بجزأيها؛ والظاهر أن: "من الأمر" تبيين يتعلق بفعل مقدر؛ هو: "أعنى". وهذا كلامه مع تيسير قليل في بعض كلماته.
وفيه حذف وتقدير لا داعي لهما. ولو جعلنا "كيت وكيت" -في هذا الأسلوب وحده- اسما لكان الناسخة غير الثانية، وخبرها شبه الجملة مع اعتبار المركب المزجي الحالي ليس جملة هنا في ظاهره الحقيقي، لاستغنينا عن الحذف والتقدير، ولسايرنا الأيسر الواضح بغير ضرر، ولا خروج على الأصول العامة.
_________________
(١) ١ اسمها ضمير الشأن: مستتر. والأصل أن يكون خبرها جملة، طرقاها مذكوران صراحة. ٢ تفصيل الكلام عليه في ج١ ص١٧٧ م٢٠.
[ ٤ / ٥٨٤ ]
المسألة ١٦٩: التأنيث ١
الاسم المعرب ٢ نوعان:
١- مذكر "مثل: حاتم، قيس، جعفر، نهر، قمر، كتاب " ولا يحتاج إلى علامة لفظية تزاد على صيغته لتدل على تذكيرها صاحبها؛ لأن الذي الذي يدل على تذكيرهما هو الشهرة، وشيوع الاستعمال، ولا سيما الاستعمال الوارد في أكثر الأساليب المأثورة عن العرب.
٢- مؤنث؛ "مثل: سنية، عزيز، ليلى، لمياء، أرض، أذن " ويحتاج إلى علامة لفظية ظاهرة؛ أو: مقدر "أي: ملحوظة" تزاد على صيغته؛ لتدل على تأنيها، وتأنيث صاحبها، فالعلامة الظاهرة في الأسماء المعربة هي: "تاء التأنيث" المتحركة٣، أو: "ألف التأنيث" بنوعيها؛ المقصورة والممدودة؛ مثل: عزيز، ليلى، لمياء، أما العلامة المقدرة:
أ- فقد تكون خاصة بالأسماء المعربة الثلاثية، وهي تاء التأنيث الملحوظة -"طبقا للسماع الوارد عن العرب" في مثل: أرض، أذن، عين، قدم،
_________________
(١) ١ المراد من هذا العنوان الشائع في أكثر المراجع النحوية هو: بيان العلامة الدالة على تأنيث الاسم المتمكن؛ وليس المراد ذكر الأحكام المترتبة على التأنيث كثيرة متغلغلة في الأبواب النحوية المختلفة، لا يكاد باب يخلو منها. ٢ أما علامة التأنيث في الكلمات المبنية أصالة فتأتي في رقم ١ من هامش ص٥٩٠. ٣ وهي بكل أسمائها علامة التأنيث اللفظي؛ إذ يسميها بعض النحاة: "تاء التأنيث" ويسميها غيرهم: "تاء النقل" من حالة إلى أخرى؛ كنقلها المذكر إلى المؤنث والوصفية "المشتق" إلى الاسمية المحضة؛ كالراوية للمزادة، وكالخالبية للبئر الصغيرة، و كما جاء في مجلة المجمع اللغوي، ج١ ص١٤ حيث يقول عن المصدر الصناعي ما نصه على لسان أحد الأعضاء: "إن هذا المصدر مكون من اللفظ المزيد عليه ياء النسب، وتاء النقل على رأي أبي البقاء في: "الكليات". وكذلك في ص٢٦ من كتابه: "أصول اللغة" الذي أصدره في سنة ١٩٦٩ -وانظر رقم ٣ من هامش ص٥٩٠- والأمران سيان. ولكن التسمية الأولى أشهر وأوضح. وقد أشرنا لهذا في ج٣ م٩٨ ص١٨٢ باب: "أبنية المصادر".
[ ٤ / ٥٨٥ ]
كشف. والذي يدل على أنه هذه الكلمات الثلاثية -وأشباهها-١ مؤنثة سماعا بتاء مقدرة "أي: ملحوظة" ظهور هذه التاء في أغلب كلام العرب عند التصغير؛ إذ يقال: أريضة، أذينة، عيينة، قديمة، كتيفة٢.
ب- وقد تكون عامة في الأسماء بنوعيها "الثلاثي وغير الثلاثي"؛ كعود الضمير عليها في المسموع مؤنثا. كأرض. وعرب، في مثل: الأرض زرعتها، والعقرب قتلتها. ومثل: نعتها، أو الإشارة إليها بالمؤنث؛ سماعا في الحالتين، مثل: الأرض المتحركة واحدة من أرضين كثيرة، هذه الأرض واحدة من : العقرب السامة قتالة، هذه العقرب ، ولا تكون ألف التأنيث مقدرة٣.
معنى: "مؤنث":
هذه الكلمة إحدى "المصطلحات" التي يتردد ذكرها كثيرا في الاستعمال
_________________
(١) ١ المراد بالأشباه ما كان أصله ثلاثيا ولكن حذف بعض أصوله، مثل يد، أصلها: "يدي". ٢ بمناسبة الكلام على أعضاء الإنسان يقول اللغويون بحق: إن تذكيرها وتأنيثها موقوف على السماع وحده، لكن الأعضاء المزدوجة مؤنثة في الغالب، تبعا للسماع الوارد فيها؛ كعين، وأذن، ورجل، وغير المزدوجة مذكر في الغالب، نحو: رأس، أنف، ظهر ومن المزدوج المذكر: الحاجب، الصدغ، الخد، اللحى "عظم الفك"، المرفق، الزند، الكوع، الكرسوع ومن المزدوج الذي يذكر ويؤنث: العضد، الإبط، الضرس. ومن المنفرد المؤنث: الكرش، ومن المنفرد الذي يصح تذكيره وتأنيثه: العنق، اللسان، القفا، المتن، المعى ؛ فالقاعدة أغلبية. ٣ وفي هذا يقول ابن مالك في باب عنوان: "التأنيث": علامة التأنيث تاء أو ألف وفي أسام قدروا "التا"؛ كالكتف "أسام: جمع جمع، مفرده: أسماء. ومفرد الأسماء: اسم" ويلاحظ أنه سمى علامة التأنيث هنا: "تاء" لا "هاء" كما يسميها فريق آخر من النحاة. والتسميتان شائعتان في المراجع المختلفة. وقد سبق عنهما بيان مفيد -في رقم ٣ من هامش ص٢٣٦، ومن أظهر آثارها في "النقل" عند وجودها في آخر المصدر الصناعي "مثل: وطنية، وحشة " أن تصير الكلمة بسبب ياء النسب ملحقة بالمشتق قبل مجيء هذه التاء؛ فإذا جاءت التاء نقلت الكلمة إلى المعنى الخالص "الحدث" الخالي من الدلالة على الاشتقاق. ثم قال بعد ذلك في بيان التأنيث المقدر: ويعرف التقدير بالضمير ونحوه؛ كالرد في التصغير
[ ٤ / ٥٨٦ ]
اللغوي: ويختلف معناها باختلاف ما تدل عليه من أنواع تقضي الفائدة بالإشارة إليها هنا؛ لأن هذا الباب هو الأنسب لذكرها١: وأشهرها:
١- المؤنث الحقيقي: وهو الذي يلد، ويتناسل، ولو كان تناسله من طريق البيض والتفريخ؛ ولا بد من لفظ المؤنث الحقيقي من علامة تأنيث ظاهرة، أو مقدرة، مثل: ولادة، سعدى، هند، عصفورة، عقاب٢.
وله أحكام مختلفة؛ يتصل منها بموضوعنا: وجوب تأنيث فعله، ونعته، وخبره، وإشارته، وضميره بالشروط والتفصيلات الخاصة بكل واحد من هذه الأمور في بابه؛ نحو: كانت ولادة أديبة أندلسية ذائعة الصيت. وقد نقل التاريخ الأدبي إلينا كثيرا من أخبار هذه الأديبة، ومجالسها، وفنونها
٢- المؤنث المجازي: وهو الذي لا يلد ولا يتناسل؛ سواء أكان لفظه مختوما بعلامة تأنيث ظاهرة؛ كورقة، وسفينة ، أم مقدرة؛ مثل: دار، وشمس. ولا سبيل لمعرفة المؤنث المجازي إلا من طريق السماع الوارد عن العرب، ولا يمكن الحكم على كلمة مؤنثة بأنها تدل على التأنيث مجازا إلا من طرييق اللغوي الذي يوضح أمر ذلك السماع ويبينه.
وهذا النوع المجازي يخضع في استعماله لكثير من أحكام المؤنث الحقيقي؛ خضوعا واجبا في مواضع، وجائزا في أخرى؛ كوجوب تأنيث الضمير العائد عليه في مثل: الدار اتسعت. وجوازه في مثل اتسعة الدار، أو اتسع الدار
٣- المؤنث اللفظي فقط: وهو الذي تشتمل صيغته على علامة تأنيث ظاهرة، مع أن مدلوله "أي: معناه" مذكر؛ نحو: حمزة، أسامة، زكرياء. أعلام رجال. وله أحكام مختلفة مدونة في الأبواب المناسبة لها؛ فقد يراعى معناه في حالات فلا يؤنث له الفعل، ولا يعود عليه الضمير مؤنثا ، فلا يقال: اشتهرت حمزة بالشجاعة والإقدام، ولا حمزة اشتهرت بالإقدام ولا يجمع "في
_________________
(١) ١ سبقت الإشارة إليها في ج٢ ص٦٦ م٦٦ باب: "الفاعل". ٢ إحدى الطيور الجارحة.
[ ٤ / ٥٨٧ ]
الأرجح" جمع مذكر سالما وقد يراعى لفظه -وهو الأغلب في كثير من حالاته الأخرى- فيمنع من الصرف، ويذكر له اسم العدد١؛ فيقال ثلاث حمزات
٤- المؤنث المعنوي فقط: وهو ما كان مدلوه مؤنثا حقيقيا أو مجازيا ولفظه خاليا من علامة تأنيث ظاهرة؛ فيشمل المؤنث الحقيقي الخالي من علامة تأنيث، مثل: زينب، سعاد، عقاب كما يشمل المؤنث المجازي الخالي منها؛ مثل: عين، رجل، بئر
ويجري عليه كثير من أحكام المؤنث الحقيقي والمجازي، كتأنيث الفعل له، وتأنيث ضميره، ونعته، والإشارة إليه وكمنعه من الصرف أو عدم منعه على حسب حالته.
٥- المؤنث اللفظي المعنوي: وهو ما كانت صيغته مشتملة على علامة تأنيث ظاهرة، ومدلوله مؤنثا؛ مثل: فاطمة، علية، ريا، سعدى، حسناء، هيفاء، نحلة، أسدة، شجرة، دنيا ويخضع لكل أحكام المؤنث اللفظي والمعنوي.
والأنواع الخمسة السابقة قد يجتمع منها نوعان أو أكثر، ويسميان باسم يشمل النوعين، كأن يقال: لفظي مجازي؛ مثل: دنيا
٦- المؤنث التأويلي: وهو ما كانت صيغته مذكرة في أصلها اللغوي، ولكن يراد -لسبب بلاغي- تأويلها بكلمة مؤنثة معناها؛ فقد كان العرب يقولون: "أتتني كتاب أسر بها ، يريدون: رسالة٢" "خذ الكتاب واقرأ ما فيها. يريدون: الأوراق". وكذلك: "الحرف في مثل قولهم: هذه الحرف: نعت؛ يريدون به: الكلمة" وأمثال هذا كثير في كلامهم
_________________
(١) ١ وهذا في الرأي الأحسن، كما سبق ص٥٤١ حيث البيان الخاص بهذا. ٢ وكقول الشاعر: يأيها الراكب المزجي مطيته سائل بني أسد: ما هذه الصوت؟ يريد: الضجة، أو الصرخات
[ ٤ / ٥٨٨ ]
وحكم هذا النوع: أنه يصح مراعاة صيغته اللفظية، من ناحة عدم تأنيث فعلها المسندة إليه، وكذلك مراعاة تذكيرها اللفظي عند نعتها، والإشارة إليها و كما يصح مراعاة معناها الذي تؤول به بشرط قيام قرينة جلية تمنع اللبس؛ نحو: "امتلأت الكتاب السطور؛ تريد: الورقة التي في يدك، مثلا" "هذه الكتاب نافعة، تريد: هذه الورقة" ولكن من الخير الاقتصار على مراعاة صيغة اللفظ؛ قدر الاستطاعة منعا للالتباس، فإن هذا المنع غرض من أهم الأغراض اللغوية، يجب الحرص عليه هنا، وفي كل موضع آخر١
٧- المؤنث الحكمي: وهو ما كانت صيغته مذكرة ولكنها أضيفة إلى مؤنث فاكتسبت التأنيث؛ بسبب الإضافة؛ كقوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ . فكلمة "كل" مذكرة في أصلها، ولكنها في الآية اكتسبت التأنيث من المضاف إليه المؤنث؛ وهو "نفس"٢.
تلك أشهر أنواع المؤنث. ويعنينا منها، النوعان الأساسيان؛ وهما الأول والثاني "أي: المؤنث الحقيقي، والمجازي" أما سواهما فمتفرع منهما، راجع إليهما في أكثر أحكامه
والنوعان الأساسيان "أي: الحقيقي والمجازي" لا بد من اشتمالهما على علامة تأنيث ظاهرة أو مقدرة "أي: ملحوظة"، كما في بعض الأمثلة الأولى.
_________________
(١) ١ وإلا صارت اللغة فوضى، مضطربة الدلالات، غامضة المعاني والمرامي. ومما يساعد على إيجاد هذه العيوب فتح باب "التأنيث التأويلي" بغير قيد، وإباحته إباحة مطلقة، مع علمنا أن كل لفظ مذكر لا يكاد يعدم ضدا له مؤنثا على التأويل. فلو استبحنا استعمال المؤنث التأويلي استباحة عامة لكان من ورائها فساد لغوي كبير. لكن لا مانع منها إذا اشتهر اللفظ المذكر في عصره وشاع المراد منه شيوعا لا خفاء فيه، ولا لبس معه، كالذي يجري في أيامنا من تسمية بعض الصحف، المجلات بأسماء مذكرة؛ مثل: الهلال، والعربي، والمنبر من أسماء المجلات الأدبية، ومثل: المقطم، والمساء، والبلاغ من أسماء الصحف اليومية؛ فينطبق عليها الأمران السالفان، فيقال: ظهر الهلال، أو ظهرت الهلال. وكذا الباقي حيث يلاحظ التذكير أو التأنيث في كل. ولعل هذا الرأي أنسب وأنفع من الآراء القديمة الأخرى، التي منها الحكم المطلق بالخطأ على تذكير المؤنث -كما يفهم من "الموشح" ص٢٧٩ منسوبا للكسائي زعيم الكوفيين- ومنها رأي ابن جني في كتابه "الخصائص" -ج٢ ص٤١٥- حيث يقول: "تذكير المؤنث واسع جدا " وحيث يفهم من بحثه أن تأنيث المذكر قليل.. ٢ إيضاح هذا مدون في موضعه من باب الإضافة "ج٣ ص٥١ م٩٢".
[ ٤ / ٥٨٩ ]
وقد تبين مما تقدم أن علامات التأنيث الظاهرة الدالة على تأنيث الأسماء المعربة١ ثلاث زوائد، وكل واحدة منها فارقة بين المؤنث والمذكر، ولا يصح أن يوجد منها في الاسم إلا علامة واحدة٢ ظاهرة لتأنيثه. والثلاث هي: تاء التأنيث المتحركة المربوطة٣، وألف التأنيث المقصورة، وألف التأنيث الممدودة، وفيما يلي تفصيل الكلام على كل علامة:
"العلامة الأولى": فأما تاء التأنيث٣ المتحركة المربوطة فمختصة بالدخول -قياسا- على أكثر الأسماء المشتقة٤؛ لتكون فارقة بين مذكرها ومؤنثها؛ نحو: عابد وعابدة، عراف وعرافة، فرح وفرحة، مأمون ومأمونة ولا تدخل على أسماء الأجناس الجامدة إلا سماعا؛ وقد سمعت في بعض ألفاظه قليلة لا يقاس عليها؛ مثل: أسد وأسدة، رجل ورجلة، فتى وفتاة، غلاء وغلامة، امرأ وامرأة، إنسان وإنسانة، في لغة ونظائرها مما تنص عليه الراجع اللغوية، ويجب الوقوف فيه عند حد السماع الوارد٥.
وإنما كانت تاء التأنيث مختصة بالدخول على أكثر الأسماء المشتقة دون
_________________
(١) ١ أما الأسماء المبنية أصالة فلا تكون علامة تأنيثها التاء المربوطة، ولا الألف، وإنما لها علامات أخرى، منها: كسر التاء في مثل: أنت. والنون المشددة في مثل: هين. وأما بعض الحروف فقد تدخلها التاء المفتوحة سماعا، نحو: ربت. وأما الأفعال فتؤنث ألفاظها بالتاء لتأنيث فاعلها؛ فتدخل تاء التأنيث الساكنة على آخر الماضي، نحو: برعت طبيباتنا، وتدخل التاء المتحركة على أول المضارع، نحو تبرع الطبيبة ٢ وأما: علقاة، اسم نبت، وأرطاة، اسم شجر، فألفهما مع وجود التاء معها ألف إلحاق، ليست للتأنيث. ٣، ٣ ويسميها بعض النحاة، "هاء التأنيث"؛ لأنها تصير "هاء" عند الوقف عليها، بالسكون أما في غير الوقف فمتحركة. وللتسمية بيان مفيد عرضناه في رقم ٣ من هامش ص٢٣٦. وقد يسميها بعضهم: "تاء النقل"؛ للسبب المبين في رقم ٣ من هامش ص٥٨٥. ٤ يطلق -غالبا- على الاسم المشتق: "الوصف". أو: "الصفة"، وهو غير النعت، -كما عرفنا. وكما يجيء البيان في رقم ٣ من هامش ص٥٩٥. ٥ وقد صرح الصبان بهذا حيث قال: "إن زيادتها في الأسماء الجامدة قليل، ولا يقاس عليه". ا. هـ.
[ ٤ / ٥٩٠ ]
جميعها؛ لأن بعض المشتقات لا تدخله مطلقا -في رأي أكثر النحاة١، وبعضها تدخله قليلا، فلها مع المشتق ثلاث حالات، واشهر الأوزان التي لا تدخلها١ أربعة:
١- فعول١ بمعنى: "فاعل٢ "وهو الدال على الذي فعل الفعل"، نحو: صبور، نفور، حقود بمعنى: صابر، نافر، حاقد، مثل: رجل أو امرأة صبور، ونفور، وحقود
أما المسموع٢ من قولهم: امرأة ملولة، وفروقة؛ بمعنى: خوافة -وكذا بضع كلمات أخرى-٣ فالتاء فيه للمبالغة مع التأنيث وليست لمحض التأنيث وحده٤ وأما "عدوة" مؤنث: "عدو" فمقصورة هي وأشباهها القليلة على
_________________
(١) ١ و١ و١ انظر الزيادة في ص٥٩٧ لأهميتها، واشتمالها على بيان مفيد. ٢ و٢ انظر "الملحوظة" الهامة التي في رقم ١ من هامش الصفحة التالية. ٣ أشهرها: "صرورة: لمن لم يتزوج، أو لم يحج"، "لجوجة: لكثير اللجاجة، وهي: الخصومة"، "عروقة: لكثير من العلم والمعرفة"، "شنوءة، لكثير التقزز، أو العداوة"، "منونة: لكثير الامتنان"، "سروقة: لكثير السرقة"، راجع النوادر، ذيل الأمالي، للقالي ص١٧٣ -وجاء في المزهر "ج٢ ص٨٦- باب ما جاء على "فعولة" ألفاظ منها سلولة: من المتن. وفورقه: من الفرق، وهو الخوف تنوفة: للمفازة. ورجل عروفة. بالأمر ولجوجة، من المعرفة واللجاج، والعمولة: التي تحمل أهل الحي، بعيرا كانت أو حمارا، نسولة وهي التي يتخذ نسلها، يوم العروبة، وهو: "الجمعة"، وسبوحة: البلد الحرام. والرضوعة: للشاة التي ترضع. ٤ ذلك أن تاء التأنيث قد تكون دالة على التأنيث المجرد، وقد تفيد معنى آخر من المعاني دون أن تفيد الفصل بين مذكر ومؤنث، بالرغم من أن الكلمة المشتملة عليها تعتبر مؤنثة لفظيا مجازيا، وتجري عليها أحكامه. فمن تلك المعاني: أنها تكون لفصل الواحد من جنسه الجامد؛ فتكون داخلة على الواحد كتمرة وتمر، ولبنة ولبن، ونملة ونمل، وللعكس، أي: فصل الجنس الجامد من واحده فتكون داخلة على الجنس؛ كجبأة وكمأة "بفتح أولهما وسكون ثانيهما وهما اسمان لنوع واحد من النبات. يقال لمفرده: جبء، كمء". وأنها تكون عوضا عن فاء الكلمة؛ مثل: عدة، مصدر، وعد، أو عوضا من لام الكلمة، مثل: سنة، وأصلها فيما يقال: سنو، أو سنه بدليل. الجمع: سنوات وسنهات. أو عوضا من حرف زائد لمعنى؛ كياء النسب في قولهم: هو أشعثي، وهم أشاعثة، وهو أزرقي، وهم أزارقه، وهو مهلبي وهم مهالبة. يقولون هذا في جموع التكسير المنسوب مفردها إلى: أشعث، وأزرق، ومهذب ويدل على هذا قولهم: أشعثيون وأشاعثة، وأزرقيون، وأزارقة، ومهلبيون ومهالبة. فلا يجمعون بين الياء والتاء -وسيجيء البيان في ص٦٧٣- أو عوضا من حرف زائد لغير معنى؛ كزنديق وزنادقة. فالتاء عوض عن الياء في المفردة؛ إذ كان الأصل في تكسيرها: زناديق، ولا يجتمعان، أو عوضا عن ياء التفعيل في مثل: زكي تزكية. وقد تأتي للدلالة على التعريب. أي: للدلالة على أن الكلمة في أصلها غير عربية، وعربها للعرب =
[ ٤ / ٥٩١ ]
السماع١.
فإن كان "فعول" بمعنى: "مفعول" "وهو الدال على الذي وقع عليه الفعل"
_________________
(١) = أنفسهم بإدخال بعض الأحرف على صيغتها، واستعمالها بعد ذلك. مثل: كيالجة "جمع: كيلجة، لمكيال". والقياس: كيالج؛ فجاءت التاء بدلا من الياء للدلالة على تعريبه. ومثل موازجه "جمع: موزج، بفتح الميم، وسكون الواو، وفتح الزاي، للجورب، أو: الخف" والقياس. سوازج؛ فدخلت "التاء هنا وهناك للدلالة على أن الأصل أعجمي فعرب والفرق بين المعرب وغيره: أن العرب إذا استعملت الأعجمي فإن خالفت بين ألفاظه -بأن أدخلت عليها من نوع تغيير- فقد عربته -كما سبقت الإشارة في "ب" هامش ص٢٤٥. وإلا فلا؛ وهو الباقي على أعجميته. وقد تأتي للمبالغة في الوصف كرجل راوية؛ لكثير الرواية. وقد تأتي لتأكيد المبالغة؛ نحو: رجل "نسابة" لكثير العلم بالأنساب؛ ذلك أن الكلمة "نساب" صيغة مبالغة بنفسها، فإذا زيدت عليها التاء أفادت توكيد المبالغة.. وقد تكون التاء ثابتة في بعض أسماء لا يمكن تمييز مذكرها من مؤنثها، نحو: نملة. فيجب اعتبار الاسم مؤنثا دائما. وبعض ما لا يمكن تمييزه يتجرد منها دائما فيجب اعتباره مذكرا في كل استعمالاته، نحو: برغوث. "راجع التصريح، والأشموني، والصبان". وراجع ما يتصل بها في ج١ م١ ص٢١ عند الكلام على اسم الجنس الجمعي وحكم تذكيره وتأنيثه. ١ "ملحوظة هامة": ما تقدم من الحكم الخاص بصيغة "فعول" بمعنى: "فاعل" هو الرأي الشائع بين النحاة الأقدمين. وقد نظر فيه مجمع اللغة العربية بالقاهرة طويلا، وتناوله هو ومؤتمره بالبحث والدراسة، واستقر رأيهما على حكم آخر يخالف ما سبق "طبقا لما جاء في الكتاب الذي أصدره المجمع في سنة ١٩٦٩ باسم كتاب: "في أصول اللغة ص٧٤" ونص الحكم المجمعي يشمل أمرين حت عنوان: "لحوق تاء التأنيث لفعول، صفة، بمعنى: "فاعل". أ- يجوز أن تلحق تاء التأنيث صيغة: "فعول" بمعنى: "فاعل"؛ لما ذكره سيبويه، من أن ذلك جاء في شيء منه، وما ذكره ابن مالك في التسهيل من أن امتناع التاء هو الغالب. وما ذكره السيوطي في الهمع من أن الغالب ألا تلحق التاء هذه الصفات، وما ذكره الرضي من قوله: "ومما لا يلحقه تاء التأنيث غالبا مع كونه صفة فيستوي فيه المذكر والمؤنث: "فعول". ا. هـ. ويمكن الاستئناس في إجازة دخول التاء في "فعول" بأن صيغ المبالغة كاسم الفاعل؛ يمكن أن تتحول إلى صفات مشبهة. وعلى ذلك في حالة دلالتها على الصفة المشبهة يمكن أن نلمح المعنى الأصلي لها وهو المبالغة؛ فتدخل عليها التاء؛ جريا على قاعدة دخول التاء في اسم الفاعل، وفي صيغ المبالغة للتأنيث. ب- وعلى هذا يجري على تلك الصيغة -بعد جواز تأنيثها بالتاء- ما يجري على غيرها من الصفات التي يفرق بينها وبين مذكرها بالتاء؛ فتجمع جمع تصحيح للمذكر والمؤنث. ا. هـ. وقد صدر قرار الموافقة على الحكم السالف في الجلسة الثامنة من مؤتمر الدورة الرابعة والثلاثين سنة ١٩٦٨. "انظر بعض الألفاظ الواردة منه في رقم ٣ من هامش ص١٥٩".
[ ٤ / ٥٩٢ ]
جاز تأنيثه بالتاء الفارقة بين المذكر والمؤنث، وعدم تأنيثه بها؛ نحو: قطار ركوب أو ركوبة، وسيارة ركوب أو ركوبة؛ بمعنى مركوب ومركوبة فيهما، ونحو: فاكهة أكول أو أكولة، وبقرة حلوب أو حلوبة، بمعنى مأكولة ومحلوبة١
٢- مفعال، نحو: مفتاح؛ لكثير الفتح ولكثيره، معلام؛ لكثيرة العلم وكثيره، مفراح؛ لكثيرة الفرح وكثيره فهذه الصيغة -بغير تاء- صالحة للمذكر والمؤنث. ومن الشاذ٢: ميقان وميقانة. لمن يكثر اليقين والتصديق بما يسمعه -فهو بمعنى: فاعل.
٣- مفعيل٣، نحو: منطيق للرجل البلغ، والمرأة البليغة. ومعطير؛ لكثير العطر وكثيرته. ومن الشاذ مسكينة، بتاء التأنيث.
٤- مفعل٣، كمغشم، للمذكر والمؤنث، بمعنى: جريء، وشجاع: لا ينثني عن إدراك ما يريده. يقال رجل أو امرأة مغشم.
ومما سبق يتبين أن التاء الفارقة لا تدخل -في رأي الكثرة- على الصيغ الأربع السالفة إلا شذوذا٣ يراعى فيه المسموع وحده.
أما أشهر المشتقات التي تدخلها قليلا فنوعان؛ ودخولها فيهما -مع قلته- مقيس. ولكنه الأحسن عدم إدخالها:
أحدهما: المشتقات الدالة على معنى خاص بالأنثى، يناسب طبيعتها٣
_________________
(١) ١ ومن أمثلة التأنيث بالتاء والنص عليه ما جاء في كتاب: "النوادر" نقلا عن أبي مسحل بن حريش -وهو أعرابي من بني ربيعة، وكان زمن المأمون معاصرا للكسائي، ومدرسته الكوفية، وقد أخذ عنه وعن أضرابه- ما نصه: "يقال: ما لفلان حلوبة، ولا ركوبة، ولا قتوبة، ولا نسولة، ولا جزوزة. ومعناه: ليست له ناقة تحلب، ولا تركب، ولا تقتب، ولا ذات نسل من الإبل والغنم، ولا جزوزة من الضأن يجز صوفها". ا. هـ. ٢ وجاء في كتاب النوادر. لأبي مسحل الأعرابي ج١ ص٢٤ ما نصه: "ثلاث أحرف -أي: كلمات- حكاها الكسائي عنهم. قال: يقال: رجل مطرب ومطرابة، ومجذام ومجذامة، وممطار وممطارة". وزاد "المزهر" ج٢ ص١٣٣ مغرابة، في مدح الرجل بأنه: ذكي داهية. ٣ و٣ انظر الزيادة الآتية في ص٥٩٧، حيث البيان المفيد.
[ ٤ / ٥٩٣ ]
ويلائم فطرة النساء وحدها، وليس أمرا مؤقتا طارئا عليها، وإنما هو من خصائصها وغرائزها الثابتة الملازمة لتكوينها دائما، وتنفرد به دون المذكر؛ كالحمل، والولادة، والإرضاع، والحيض وغيره مما هو من خصائص الأنثى؛ نحو: امرأة حامل أو حاملة "ومعناهما: حبلى" ومرضع ومرضعة.. فدخول التاء وعدمه سيان، والأمران قياسيان، كما أسلفنا، ولكن الحذف أحسن١.
والآخر: ما كان على وزن "فعيل" بمعنى: مفعول؛ بشرط أن يعرف من الكلام أو غيره نوع المنصف بمعناه؛ "أي: بشرط ألا يستعمل استعمالا الأسماء غير
_________________
(١) ١ راجع الصبان. إنما يجوز الأمران والحذف أحسن إذا كان معنى الاسم المشتق خاصا بالأنثى، يلائم طبيعتها النسوية وحدها، ووصفا ثابتا لها -كما قلنا، وليس مقيدا بحالة طارئة كوصف المرأة بأنها: "مرضع"؛ أي: بأن طبيعتها، وأهليتها التي خلقت معها، هي: الإرضاع، ولو لم تكن وقت الكلام ترضع طفلا، أو تضع ثديها في فمه، ومثل وصفها بأنها: "حامل"؛ في نحو: المرأة الحامل لا العاقر مرغوبة؛ أي: المرأة التي من النوع الحامل، والتي من شأنها ومن طبيعتها أن تحبل. ولو لم تكن وقت الكلام حبلى. بل يقال هذا ولو لم تكن قد تزوجت. وهذا الحكم العام يشمل الصورة التي صدر فيها قرار مجمع اللغة العربية ومؤتمره. ونص القرار -كما جاء في ص١٠٦ من الكتاب المعجمي الصادر في سنة١٩٦٩ بالجلسة الثامنة من مؤتمر الدورة الثلاثين لسنة١٩٦٤- هو: "يجوز تأنيث ما جاء على صيغة: "فاعل" من الصفات المختصة بالمؤنث بالتاء وإن لم يقصد الحدوث". ا. هـ. فإن كانت الصفة طارئة، والقصد منها الحدوث لا الثبوت، وجب الإتيان بالتاء؛ نحو: هذه مرضعة الآن أو غدا، وحاملة اليوم أو غدا. ومن هذا قوله تعالى: في هول القيامة: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾، أي: التي هي في حالة إرضاع طارئ، تلقم صبيها ثديها "انظر "ب" من الزيادة في ص ٥٩٧". ولو قل: "مرضع" بحذف التاء لكان المراد: التي من شأنها ومن غرائزها الإرضاع، لا أنها تمارسه وقت التكلم فعلا أو في وقت محدد معين. ومما سبق يفهم المراد من قول اللغويين: إن الصفات المختصة بالمؤنث -كمرضع- إن قصد بها الحدوث "أي: الوصف المؤقت الطارئ في أحد الأزمنة" لحقها التاء؛ فيقال: مرضعة، وإن لم يقصد بها هذا لم تلحقها؛ فإن كان المعنى ليس خاصا بطبيعة المرأة وجب إثبات التاء؛ كقولنا: شاهدت حاملة؛ تريد: امرأة تحمل على رأسها أو كتفيها شيئا؛ لأن الحمل على الرأس أو على الكتف ليس من خصائصها وحدها، وإنما يشاركها فيه الرجل ومن ثم كان حذف التاء ممنوعا إذا أوقع في لبس؛ فلا يقال: في الحقل ضامر، وتحت الشجرة عانس؛ لأن الضامر والعانس يقال للمذكر وللمؤنث؛ فإذا حذفت التاء عند إرادة المؤنث، لم يتبين المراد.
[ ٤ / ٥٩٤ ]
المشتقة"١. ومن أمثلته: قتيل وجريح في مثل: انجلت المصادمة عن فتاة قتيل وفتاة جريح؛ بحذف التاء جوازا٢ لعدم الحاجة إليها؛ إذ اللبس مأمون في هذه الصورة، فإن شاع استعماله استعمال الأسماء المجردة -بأن لم يعرف نوع الموصوف-٣ وجب ذكرها لمنع اللبس، نحو: حزنت لقتيلة المصادمة. ومثل: رأيت في المجزر ذبيحة، أو نطيحة، أو أكيلة الذئب، بمعنى؛ مذبوحة، ومنطوحة، ومأكولة.
فإن كان "فعيل" بمعنى: "فاعل" فالأكثر مجيئها؛ كقول شوقي:
قطتي جد أليفه وهي للبيت حليفه
هي ما لم تتحرك دمية البيت الظريفه
ومن حذفها قوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ وقول العرب حلة خصيف "أي: ذات لونين، بياض وسوادا"، وملحفة جديد. وريح خريق "شديدة البرد، كثيرة الهبوب"، وقول شاعرهم:
فديتك!! أعدائي كثير وشقتي٤ بعيد وأشياعي لديك قليل
ومما تقدم يتبين أن للتاء الفارقة مع المشتق ثلاثة أحوال؛ فتارة تكون ممنوعة
_________________
(١) ١ يراد بها هنا: الأسماء المتجردة للاسمية المحضة؛ فلا تتبع موصوفا، لا في اللفظ ولا في المعنى؛ إذ لا تجري على موصوف ظاهر؛ ولا ملحوظ لدليل -كما في الأشموني والخضري. ٢ نصوا على أن الحذف هو الغالب، ويقول "الصبان": "يؤخذ من صنيعهم أن لحوق التاء "فعيلا" بمعنى: "مفعول" خلاف الغالب لا شاذ". ا. هـ. ثم انظر: "ب" الآتية في ص٥٩٧. ٣ ليس المراد بالموصوف هنا الموصوف الصناعي -الاصطلاحي- المعروف بالمنعوت، وإنما المراد الموصوف المعنوي الذي يتصل به معنى المشتق. فيشمل: الفتاة قتيل، بحذف التاء، مع أن الفتاة مبتدأ، وليست موصوفا صناعيا "أي: ليست: منعوتا" ولا فرق في الموصوف المعنوي بين الملفوظ والملحوظ في الكلام؛ وهو المحذوف اكتفاء بقرينة تدل عليه؛ كإشارة إليه، أو ضمير يعود عليه؛ ويبين نوعه، أو شيء آخر يوضح أمره، نحو: قتيل من النساء؛ فلا تجيء التاء في هذه الحالات. مجاراة للأحسن. فالمعول عليه في الموصوف هو العلم بنوعه وإن لم يكن المشتق نعتا تابعا له حقيقة. أذكر موصوف أم لا. ٤ من معاني الشقة "بضم الشين المشددة وكسرها": الناحية التي يقصدها المسافر.
[ ٤ / ٥٩٥ ]
الدخول عليه، وتارية تكون قليلة الدخول، وهي مع قلتها مقيسة١، وفي غير النوعين السالفين منيرة وقياسية.
أما ما غير المشتق -وهو الأجناس الجامدة- فمقصورة على السماع الوارد في بعض الألفاظ، ولا يصح القياس عليها٢..
_________________
(١) ١ لأنها قلة نسبية لا تمنع القياس، وليست ذاتية تمنعه -كما عرفنا. ٢ طبقا للنص الصريح الذي نقلناه عن "الصبان" -في رقم ٥ من هامش ص٥٩٠- وقد عرض ابن مالك المشتقات التي لا تدخلها التاء؛ فقال: ولا تلي، فارقة، فعولا أصلا. ولا المفعال، والمفعيلا كذاك: مفعل. وما تليه "تا" الفرق من ذي، فشذوذ فيه "ذي: هذه. يريد: ما تلحقه التاء الفارقة من هذه الأوزان ففيه شذوذ. أي: أنه شاذ". ثم انتقل إلى حكم فعيل، فقال: ومن "فعيل" كقتيل إن تبع موصوفه -غالبا- "التا" تمتنع "تبع موصوفه"، أي: جاء بعده تابعا له. والغرض أن يكون له موصوف معروف، سواء أكان الموصوف منعوتا، صناعيا أم غير منعوت، مذكورا أم غير مذكور على الوجه السابق في الرقم الثالث من هامش الصفحة السابقة. وقالوا إن بيت ابن مالك يخلو من التقصير لو كان: ومن "فعيل" كقتيل إن عرف موصوفه -غالبا- "التا" تمتنع
[ ٤ / ٥٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- صرح بعض أئمة النحاة الأقدمين "كصاحب المفصل وشارحه ابن يعيش، في ص١٠٢ ج٥" بأن الأربعة الأولى السالفة١ يشترط لحذف التاء منها ما يشترط في "فعيل"٢، ونصوا على أنك تقول: صبورة، ومعطارة، إذا لم يعرف الموصوف؛ فيقول ابن يعيش: "إن هذا الأسماء إذا جرت على موصوفها٣ لم يأتوا فيها بالهاء، وإذا لم يذكروا الموصوف أثبتوا الهاء خوف اللبس؛ نحو: رأيت صبورة، ومعطارة، وقتيلة بني فلان ".
وهذا تصريح واضح لا يدع مجالا للتردد في الأخذ به. وتجب ملاحظة الحكم الخاص بصيغة: "فعول" بمعنى: "فاعل"، وقد سبق في رقم ١ من ص٥٩١ وما بعدها، وفي هوامشها.
ب- وفي الكلام على: "فعيل" يقول سيبويه في كتابه "ج٢ ص٢١٣" ما نصه: "وأما "فعيل" إذا كان في معنى مفعول فهو في المؤنث والمذكر سواء، وهو بمنزلة: "فعول" ولا تجمعه بالواو والنون كما لا تجمع صيغة: "فعول٤ و
"وتقول: شاة ذبيح، كما تقول: ناقة كسير، وتقول: هذه ذبيحة فلان وذبيحتك. ذلك أنك لم ترد أن تخبر أنها قد ذبحت. ألا ترى أنك تقول ذاك وهي حية؟ فإنما هي بمنزلة ضحية. وتقول: شاة رمي، إذا أردت أن تخبر أنها قد رميت. وقالوا: بئس الرمية الأرنب، إنما تريد: بئس الشيء مما يرمي، فهذه بمنزلة: الذبيحة. وقالوا: نعجة نطيح، ويقال -أيضا: نطيحة. شبهوها بسمين وسمينة و وقالوا: رجل حميد، وامرأة حميدة. يشبه بسعيد وسعيدة، ورشيد ورشيدة حيث كان نحوهما في المعنى، واتفق في البناء٥ ". ا. هـ.
قال شارحه أبو سعيد السيرافي تعليقا على المثال: "هذه ذبيحة فلان وذبيحتك"
_________________
(١) ١ في ص٥٩١، وما بعدها. ٢ سبق في ص٥٩٤. ٣ سبق شرح المراد من الموصوف في هذا الباب رقم ٣ هامش ص٥٩٥. ٤ انظر "الملحوظة الهامة" التي في رقم ١ من هامش ص٥٩٢ وتختص بصيغة فعول" من حيث تأنيثها، وتذكيرها، وإفرادها، وعدم الإفراد ٥ الصيغة.
[ ٤ / ٥٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ما نصه: "لم أر أحدا علل في كتاب إلحاق التاء. والعلة فيه عندي أن ما قد حصل فيه الفعل يذهب به مذهب الأسماء، وما لم يحصل فيه ذهب به مذهب الفعل، لأنه كالفعل المستقبل؛ ألا ترى أنك تقول: امرأة حائض. فإذا قلت حائضة غدا لم يحسن فيه غير الهاء "التاء المربوطة". وتقول: فلان ميت إذا حصل فيه الموت. ولا تقل: مائت. وإذا أردت المستقبل قلت: مائت غدا، فتجعل فاعلا جاريا على فعله".
وجاء في "تاج العروس شرح القاموس" -مادة: قتل- ما نصبه: "قال الرضي: ومما يستوي فيه المذكر والمؤنث ولا تلحقه "التاء" فعيل، بمعنى: مفعول: إلا أن يحذف موصوفه: نحو: هذه قتيلة فلان وجريحته. ولشبهه لفظا بفعيل بمعنى "فاعل" قد يحمل عليه فتلحقه التاء مع ذكر الموصوف أيضا؛ نحو: امرأة قتيلة؛ كما يحمل "فعيل"، بمعنى: "فاعل" عليه فتحذف التاء، نحو: ملحفة جديدة". ا. هـ.
من كل ما سبق يتبين تأويلهم لما ورد من "فعيل" بمعنى "مفعول" مختوما بالتاء وفي بعض هذه التأويلات تكلف واضح. ومن اليسير كشف ما فيها من الخطأ الذي يمنع قبولها. هذا إلى أن كتب اللغة ومعاجمها تحوي أمثلة أخرى معتددة مختومة بالتاء، ولا تحتمل تأويلا سائغا. فالخبر في الاقتصار على ما نقلناه١ عن بعض المحققين من أن الأكثر هو حذف التاء عند أمن اللبس؛ بسبب وجود الموصوف، وعدم استعمالها استعمال الأسماء غير المشتقة، وهذا رأي سديد يحسن الأخذ به، بالرغم من أن أكثر النحاة لم يذكروه مع جواز استعمال الرأي الآخر.
ج- لأسماء الجموع حكم خاص ورد في بعض المراجع اللغوية٢، ونصه: "القوم: يذكر ويؤنث؛ لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا
_________________
(١) ١ في ص٥٩٤ وما بعدها. ٢ هو: تاج العروس، شرح القاموس. مادة: قام. وقد سبق في الجزء الثاني م٦٦ باب: أحكام الفاعل، في الحكم السادس -ما له صلة قوية بما نحن فيه.
[ ٤ / ٥٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كانت للآدميين -تذكر وتؤنث: مثل: رهط١، ونفر١، وقوم قال الله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾، فذكر. وقال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ فأنث. قال الجوهري: فإن صغرت لم تدخل فيها الهاء "التاء"، وقلت: قويم، ورهيط، ونفير ، وإنما يلحق التأنيث فعله وتدخل الهاء٢ فيما يكون لغير الآدميين؛ مثل: الإبل، والغنم لأن التأنيث لازم لهذا النوع٣
ثم قال: حكى ثعلب أن العرب تقول: يا أيها القوم كفوا عنا. وكف عنا، على اللفظ وعلى المعنى. وقال مرة: المخاطب واحد، والمعنى الجمع". ا. هـ.
_________________
(١) ١ و١ يرى بعض النحاة أن كلمتي: "رهط" و"قوم" مذكرتان ليس غير. ورأيه مرفوض بهذا النص. وبزيادة التاء وحذفها من الفعل في الآيتين التاليتين، والفاعل فيهما هو كلمة: قوم. ٢ يريد: تاء التأنيث المربوطة. ٣ الحكم بدخول هذه التاء لزوما إنما هو في حالة التصغير وحدها، وهذه الجملة مكملة لما قبلها من كلام الجوهري. وقد نقل "المصباح المنير" كلامه هذا في مادة؛ "غنم" فقال ما نصه: "قال الجوهري: الغنم اسم مؤنث موضوع لجنس الشاء، يقع على الذكور، والإناث وعليهما. ويصغر فتدخل الهاء، ويقال: غنيمة؛ لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدميين، وصغرت، فالتأنيث لازم لها". ا. هـ.
[ ٤ / ٥٩٩ ]
"العلامة الثانية"١:
وأما ألف التأنيث المقصورة فقد زيدت سماعا في آخر الأسماء المعربة، سواء أكانت جامدة أم مشقة؛ تبعا للمسموع عن العرب، ولا تدخل في غير الوارد عنهم؛ فما أدخلوها على آخره صار وحده مؤنثا بها.
وللأسماء التي تدخلها أوزان مختلفة؛ بعضها نادر مبعثر في المراجع اللغوية؛ يصعب معرفته والاهتداء إلى أنه مؤنث إلا بمعونة تلك المراجع، وإرشادها. وبعضها شائع في الكلام الفصيح، مشهور الصيغة بالتأنيث؛ فمتى عرفت صيغته دلت -في الأعم الأغلب- على أنها لمؤنث، دون حاجة إلى مرشد أو معين. وصيغ هذا النوع تكاد تنحصر في الأوزان الآتية التي يدل كل وزن منها على أن الكلمة مؤنثة؛ وهي أوزان سماعية لا يجوز زيادة وزن على الوارد المسموع منها عن العرب -كما تقدم:
١- فعلى "بضم ففتح، ففتح" كشعبى، وأدمى اسمين لموضعين، وأربى، اسم للداهية.
٢- فعلى "بضم فسكون ففتح مع مد". مثل: بهمي: اسم نبت، وطولى، أنثى للوصف: أطول، وحللى، وصف للحامل، ورجعى، مصدر للفعل: رجع "ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ ".
٣- فعلى "بفتحات"، مثل: بردى، اسم نهر بالشام٢ وحيدي وصف في مثل: ناقة حيدى، أي: تحيد عن ظلها وتحاول الفرار منه٣ ومرطى، وبشكى، وجمزى والثلاثة مصادر، ومعناها واحد؛ هو
_________________
(١) ١ سبق الكلام على العلامة الأولى في ص٥٩٠. أما الثالثة ففي ص٦٠٣. ٢ يخترق دمشق. ٣ جاء في الصبان في هذا الموضع ما نصه: "يقال: حمار حيدي -بحاء مهملة، فتحتية، فدال مهملة- أي: يحيد عن ظله لنشاطه ولم يجئ نعت مذكر على: "فعلى" غيره، كما في الصحاح والقاموس". ا. هـ. لكن جاء أيضا في لسان العرب وفي التاج -مادة: "بشك"- أنه يقال: "رجل بشكى الأمر"، أي: يعجل صريمة أمره.
[ ٤ / ٦٠٠ ]
المشية السريعة. وأفعالها: مرط، وبشك، وجمز، ثلاثية مفتونة بها.
٤- فعلى -بفتح فسكون- "جمعا؛ كقتلى، وجرحى، وصرعى"، أو: مصدرا؛ كدعوى، مصدر: دعا"، أو: "وصفا١؛ كسكرى، وسيفى، وشبعى، وكسلى مؤنث سكران، وسيفان، -بمعنى: طويل- وشبعان، وكسلان". فإن كان "فعلى" اسما "كأرطى٢ وعلقى٣" فقيل ألفه للتأنيث فيمنع للصرف، وقيل للإلحاق فلا يمنع.
٥- فعالى "بضم أوله، وفتح ثانيه بغير تشديد"، مثل: حبارى وسمانى اسمين لطائرين، وسكارى جمع سكران، وعلادى، وصفا، بمعننى: شديد، يقال: جمل علادى: أي: قوي شديد.
٦- فعلى "بضم أوله، وفتح ثانية مع تشديده". مثل: سمهي، اسم للباطل والكذب، واسم الهواء المرتفع.
٧- فعلى "بكسر أوله، وفتح ثانيه، وسكون ثالثه المدغم في مثله"، مثل: "سبطرى؛ اسم لمشية فيها تبختر"، "ودفقى، اسم لمشية فيها تدفق وإسراع".
٨- فعلى "بكسر. فسكون، ففتح" جمعا، كحجلى الذي مفرده: حجل "بفتحتين" اسم طائر، أو مصدرا كذكرى؛ "مصدر الفعل في ذكر، يذكر، ذكرا، وذكرى".
٩- فعلى "بكسر أوله، فكسر ثانيه مع تشديده"، مثل: "حثيثي اسم مصدر للفعل: حث على الشيء إذا حض عليه"، "وخلفي، اسم بمعنى: الخلافة".
١٠- فعلى "بضمتين، فتشديد ثالثه مع فتحه"، مثل: "كفرى،
_________________
(١) ١ ويعبر عن المشتق من الأسماء بالوصف أو الصفة -كما قلنا في رقم ٣ من هامش ص٥٩٥، وهو غير الوصف أو الصلة بمعنى: النعت. ٢ شجر. "المفرد: أرطاة". ٣ نبت. "للمفرد والجمع".
[ ٤ / ٦٠١ ]
اسم لوعاء يوضع فيه طلع النخل، واسم للطلع نفسه". و"بذرى وحذرى، اسمين بمعنى: التبذير والحذر".
١١- فعيلى "بضم أوله، وفتح ثانيه المشدد"، مثل: خليطي، اسم للاختلاط، يقال: اختلف القوم ووقعوا في خليطي. أي: اختلط عليهم أمرهم، ومثل: ومثل: قبيطي، اسم لنوع من الحلوى، ولغيزى، اسم اللغز.
١٢- فعالى "بضم أوله وتشديد ثانيه"، مثل شقارى، وخبازى اسم نبتين، وخضارى اسم طائر ١.
"ملحوظة": من الأوزان النادرة:
فعيلى: مثل خيسرى، للخسارة فعلوى: مثل: هرنوى، اسم نبت، فعولى: اسم نوع من المثنى، فيعولى؛ مثل: فيضوضى، اسم للمفاوضة، أي: الاشتراك فيا لشيء، فوعولى: مثل: فوضوضى: اسم بمعنى المفاوضة، فعلايا، مثل: برحايا، كلمة تقال عند التعجب من شيء.
و و
_________________
(١) ١ يقول ابن مالك في قسمي ألف التأنيث: وألف التأنيث ذات قصر وذات مد، نحو: أنثى الغر "الغر" جمع، مفرده المذكر: أغر، والمؤنث: غراء. ثم انتقل بعد هذا إلى سرد الأوزان المشهورة للألف المقصورة فقال: والاشتهار في مباني الأولى يبديه وزن: أربى، والطولى ومرطى، ووزن فعلى جمعا أو: مصدرا، أو: صفة، كشبعى وكحبارى. سمهى، سبطرى ذكرى، وحثيثى مع الكفرى كذاك: خليطى مع الشقارى واعز لغير هذه استندارا "أعز: انسب، استندارا، ندرة" أي: انسب كل صيغة خلفت هذه الأوزان إلى القلة القليلة الذاتية، والندرة.
[ ٤ / ٦٠٢ ]
"العلامة الثالثة"١:
وأما ألف التأنيث الممدودة٢، فكأختها المقصورة في أنها سماعية محضة، لا تدخل في غير الوارد عن العرب، وقد زادها العرب في آخر بعض الأسماء المعربة الجامدة، أو المشتقة للدلالة على التأنيث. وأوزان الأسماء السماعية التي تحتويها مختلفة؛ بعضها نادر مفرق في المظان اللغوية، وهي التي ترشد إليه؛ وبعضها شائع مشهور يعرف بمجرد سماع صيغته. ومنه الأوزان الآتية:
١- فعلاء -بفتح فسكون، "كصحراء، اسم للبقعة القفرة". و"رغباء، مصدر للفعل: رغب" و"حمراء مؤنث: أحمر، " و"طرفاء، اسم جنس جمعي٣، مفردة: مفرده: طرفاءة، في الأكثر، وهي نوع من شجر الأثل".
٢، ٣، ٤ أفعلا، بفتح الهمزة، مع كسر العين، أو مع فتحها، أو ضمها، كأربعاء، اسم لليوم المعروف. ومن معانيه إذا كان مفتوح الهمزة مضموم الباء: عمود الخيمة".
٥- فعلاء "بفتح، فسكون، ففتح"، مثل: عقرباء اسم لمكان، واسم لأنثى العقرب.
٦- فعالاء "بكسر، ففتح"، مثل: قصاصاء، اسم للقصاص.
٧- فعللاء "بضم فسكون، فضم"، مثل: قرفصاء، اسم لنوع من القعود.
٨- فاعولاء، مثل: عاشوراء، اسم لليوم العاشر من المحرم.
٩- فاعلاء، بكسر العين، بعدها لام مفتوحة غير مشددة"، نحو: قاصعاء، وغائباء، ونافقاء، وكلها اسم لجحور اليربوع٤
_________________
(١) ١ سبق الكلام على العلامة الأولى في ص٥٩٠ وعلى الثانية في ص٦٠٠. ٢ يرى البصريون: أن ألف التأنيث الممدودة هي ألف في آخر الاسم، زائدة للتأنيث، وقبلها ألف زائدة أخرى؛ فتنقلب الثانية الدالة على التأنيث همزة، كما في الأوزان التي سنذكرها. ٣ الأرجح أن "طرفة" ليس جمع تكسير؛ لعدم وجود هذه الصيغة بين أبنيته -صبان. ٤ حيوان أكبر قليلا من الفأر، يداه أقصر من رجليه.
[ ٤ / ٦٠٣ ]
١٠- فعلياء "بكسر، فسكون، فكسر، فياء مفتوحة مخففة "، نحو: كبرياء، اسم للتكبر.
١١- مفعولاء "بفتح، فسكون، فضم"، نحو: مشيوخاء، اسم لجماعة الشيوخة، واسم للأمر الختلط.
١٢- فعالاء "بفتح أوله وثانيه"، نحو: براساء؛ اسم للناس، وبراكاء: اسم لمعظم الشيء وشدته، ومنه قول الشاعر:
ولا ينجي من الغمرات إلا براكاء القتال، أو الفرار
يقال؛ وقعوا في براكاء الأمر، أو القتال أي: في شدته وأكثره.
١٣- فعيلاء "بفتح، فكسر"، نحو: فريثاء. وكريثاء، اسمين لنوعين من التمر.
١٤- فعولاء "بفتح فضم"، نحو: جلولاء١.
١٥- فعولاء "بفتح أوله وثانيه"، نحو: "جنباء، اسم لموضع"، "وقرماء، اسم لموضع أيضا".
١٦- فعلاء "بكسر أوله، وفتح ثانيه، نحو: سيراء، اسم لثوب مخطط مخلوط بالحرير، واسم لبنت، وللذهب.
١٧- فعلاء "بضم، ففتح، فلام مفتوحة"؛ نحو: خيلاء، اسم للكبر والاختيال٢
_________________
(١) ١ بلدة بالعراق ٢ سراد ابن مالك الأوزان السماعية المشهورة لألف التأنيث الممدودة في ثلاثة أبيات ختم بها الباب، هي: لمدها: فعلاء، أفعلاء مثلث العين، وفعللاء ثم فعالا، فعللا، فاعولا وفاعلاء، فعليا، مفعولا ومطلق العين: "فعالا". وكذا مطلق. "فاء" فعلاء أخذا ومما تجدر ملاحظته أن كل وزن مسموع مما سبق لا بد أن يكون مختوما "بالهمزة" وإنما تركها ابن مالك لوزن الشعر، وأن المراد بمطلق العين "فعالا"، هو ما كان على وزن: "فعالاء" مطلق العين مختوما بالهمزة؛ بأن يصح ضمها عن العرب نحو: جلولاء، أو فتحها نحو: براساء، أو كسرها نحو: قريثاء، يعني إطلاق العين أنها غير مقيدة بحركة من الثلاث، وكذا مطلق "الفاء" أن أوله غير مقيد بحركة، فقد يكون مفتوحا، أو مضموما، أو مكسورا، في نحو: جنفاء، وسيراء وخيلاء، وهي الأوزان الثلاثة الأخيرة فيما عرضناه.
[ ٤ / ٦٠٤ ]
المسألة ١٧٠: المقصور، والممدود ١
أ- المقصور هو: الاسم المعرب الذي آخره ألف لازمة٢؛ مثل: الهدى، الهوى، المولى، في قول أحد الزهاد: "كلما جنحت نفسي إلى القوى تذكرت غضب المولى؛ فيرجعني التذكر إلى الهدى". ومثل كلمة: "الغنى" في قولهم: خير الغنى غنى النفس.
فليس من المقصور الأفعال المختومة بالألف، مثل: دعا، ارتضى، يخشى ، ولا الحروف المختومة بالألف؛ مثل: لا، إلى، على ، ولا الأسماء المبنية المختومة بألف؛ مثل: إذا، أو: ما الموصولة، ونحوهما ، ولا الأسماء المعربة المختومة بحرف علة غير الألف؛ مثل: "الداعي، الهادي"، "أدكو٣، طوكيو"٤ ولا المثنى في حالة رفعه، ولا الأسماء الستة في حالة نصبها؛ لأن الألف في هاتين الحالتين غير ثابتة؛ إذ ألف المثنى لا توجد في حالة نصبه أو جره، وألف الأسماء الستة لا توجد في حالة رفعها أو جرها.
وحكم المقصور الإعراب بالحركات المقدرة على آخره في جميع حالاته٥؛ وإذا
_________________
(١) ١ هما من أقسام الاسم المعتل الآخر. والنحاة لا يطلقونهما على اسم إلا إذا كان معربا. أما اللغويون والقراء، فلا يتقيدون؛ فيطلقونهما على الاسم، سواء أكان معربا أم مبنيا؛ فيقولون: في "أولاء" اسم إشارة: إنه ممدود، وفي "أول" اسم إشارة أيضا: إنه مقصور، مع أنهما مبنيان. أما الكلام على المنقوص من ناحية تعريفه مفصلا ففي ح١ م١٦ ص١٧٢ - وأما من ناحية تثنيته، وجمعه ففي هامش ص٦١٣. وبقي قسم ثالث، هو الاسم المعتل الآخر بالواو "وسيجيء الكلام عليه وبيان حكمه في هامش ص٦١٤" ومما يتصل بالأقسام السابقة ويزيدها بيانا وتوفية ما سبق عنها في الجزء الأول "م١٦ ص١٦٩، ورقم ٤ من هامش ص٢٩١ م٢٤، ورقم ١ من هامش ص٣١٠ م٢٦". ٢ أي: لا تفارقه. وإذا فارقته أحيانا لعلة صرفية طارئة -مثل التقاء الساكنين- لم تعتبر المفارقة حقيقة "انظر رقم ٦ من هامش ص٦٠٥". ٣ بلد في مصر. ٤ حاضرة اليابان. ٥ وبسبب هذا الحكم كان بعض النحاة الأوائل يسميه -وهذا لا يصح الآن بعد استقرار المصطلحات، وثباتها: "المنقوص" لأن الألف في آخره حلت محل الياء والواو، وهما يتحركان رفعا، ونصبا، وجرا. أما الألف فلا تتحرك فنقص في الظاهر بسببها. "راجع كتاب "المقصور والممدود" لابن ولاد المتوفى حول سنة ٣٣٢ وقد سبق "في ج ٣ م ٩٧ ص ١٧٤ باب: "المضاف لياء المتكلم" أن بعض العرب يقلب ألف المقصور ياء ويدغمها في ياء المتكلم؛ فيقول في كلمة مثل: "هدى" عند إضافتها لياء المتكلم: "هدى خير الوسائل للسعادة"، وفي هذه الصورة يكون معربا بالياء التي أصلها الألف، بدلا من حركات الإعراب التي كانت مقدرة على الألف، فهو مما ناب فيه حرف عن حركة. لكن هذا الرأي لا يحسن اليوم محاكاته -مع جواز المحاكاة- منعا لفوضى التعبير، والإساءة إلى البيان.
[ ٤ / ٦٠٥ ]
جاء بعد ألفه تاء التأنيث -نحو: فتاة، مباراة- زال عنه اسمه وحكمه؛ وصار الإعراب على هذه التاء١. وقد سبق إيضاح هذا كله، وبيان كثير من تفصيلاته٢.
كيفية صوغ المقصور:
المقصور نوعان: قياسي يخضع للقواعد النحوية، ويصوعه -في العصور المختلفة- الخبير بهذه القواعد. وسماعي تختص به مراجع اللغة. ويعرفه المطلع على مفرداتها الواردة عن العرب.
والقياسي يصاغ على صور متعددة؛ منها:
١- أن يصاغ المقصور مصدرا على وزن: "فعل" "بفتح أوله وثانيه"، بشرط أن يكون فعله الماضي ثلاثيا، لازما، معتل الآخر بالياء، على وزن: "فعل" "بفتح فكسر" وبشرط أن يكون لهذا المصدر المعتل الآخر وفعله المعتل الآخر بالياء نظائر على وزنهما من الفعل الصحيح الآخر، مصدره صحيح الآخر أيضا، بحيث يتفق الفعلان والمصدران في وزنهما؛ نحو: ثري٣ الرجل ثري، هوي٤ هوى، شقي شقا، جوي٥ جوى٦
_________________
(١) ١ لأنه يشترط في المقصور أن يكون مختوما بألف لازمه تجري عليها علامات الإعراب مقدرة. وهذا الشرط الأساسي لا يتحقق إذا جاءت تاء التأنيث بعد ألفه، كما في المثالين السالفين "فتاة، مباراة " ونظائرهما؛ إذ تصير الألف حشو "أي: غير متطرفة" وتصير علامات الإعراب ظاهرة على تاء التأنيث وحدها؛ لأنها الحرف الأخير. وتظل الألف قبلها ثابتة معها في حالة التثنية، فلا تنقلب شيئا، ولا تجري عليها علامات الإعراب، -كما قلنا- وتثبت التاء أيضا في حالة التثنية، كي تدل على التأنيث، وتليها علامتا إعراب المثنى، فيقال فتاتان، فتاتين، مباراتان، مباراتين وهكذا. ٢ ج١ ص١٢٢ م١٥. ٣ بمعنى: غني، أي: اغتنى. ٤ أحب. ٥ أحب، أو: حزن. ٦ وزن هذه المصادر على حسب أصلها هو: فعل -بفتح الأول فالثاني- "أي: ثرى، هوى، شقو، جوى " تحرك حرف العلة الأخير "وهو الواو والياء" وانفتح ما قبله، فانقلب ألفا، ثم حذفت الألف وجوبا في النطق؛ لأن ألف المقصور تحذف حتما عند تنوينه لالتقائهما مع التنوين، فهي محذوفة لفظا، والمحذوف لعة تصريفية من هامش ص٦٠٥".
[ ٤ / ٦٠٦ ]
ونظائرها من الصحيح الآخر: فرح فرحا، أشر أشرا، بط بطا، ورم ورما لأن "فعل" اللازم قياس مصدره -في الغالب- "فعل"، كما عرفنا١. فالمصادر: "ثرى، هوى، شقا، جوى" هي وأشباهها، نوع من المقصور القياسي.
٢- ومنها: أن يصاع المقصور المفرد جمعا للتكسير على وزن: فعل "بكسر ففتح" بشرط أن يكون المفرد على وزن: "فعله" المختومة بتاء التأنيث التي قبلها حرف علة؛ وبشرط أن يكون لهذا المفرد وجمعه نظائر من المفرد الصحيح وجمعه على وزنهما؛ نحو: حلية وحلى، بنية٢ وبنى، رشوة ورشا، فرية٣ وفرى، مرية٤ ومرى، فمجموع التكسير السابقة٥ هي وأشباهها، نوع من المقصور القياسي. ونظائرها من الصحيح: قربة وقرب، فكرة وفكر، نعمة ونعم، حكمة وحكم ؛ لأن "فعلة" السالفة يكثر جمعها على: "فعل"
٣- ومنها: أن يصاغ المقصور المفرد جمعا للتكسير على وزن: "فعل" "بضم ففتح" بشرط أن يكون المفرد على وزن: "فعلة" المختومة بتاء التأنيث التي قبلها حرف علة. وبشرط أن يكون للمفرد وجمعه نظائر من المفرد الصحيح وجمعه على وزنهما، نحو: دمية ودمى، رقية ورقى، قدوة وقدى، قوة وقوى، كوة وكوى فجموع التكسير السالفة٥ هي -وأمثالها- نوع من المقصور القياسي. ونظائرها من الصحيح: غرفة وغرف، ركبة وركب، طرفة وطرف، قربة وقرب؛ لأن "فعلة" يكثر جمعها للتكسير على: فعل.
_________________
(١) ١ وهذا إن لم يكن دالا على لون، أو معالجة، أو شيء ثابت. وتفصيل هذا كله في الباب الخاص؛ وهو باب: أبنية المصادر "ج٣ ص١٤٤ م٩٨". ٢ الشيء المبني. ٣ كذب. ٤ شك. ٥ و٥ وقد جرى على أصولها من الإعلال ما شرحناه في رقم ٦ من هامش الصفحة السالفة.
[ ٤ / ٦٠٧ ]
٤- ومنها: أن يضاغ المقصور صياغة اسم مفعول، وفعله الماضي معتل الآخر، يزيد على ثلاثة أحرف، بشرط أن يكون الاسم المفعول وفعله نظائر من صحيح الآخر، على وزنهما؛ "نحو: معطى، وفعله: أعطى، معفى، وفعله: أعفى" ونحو: "مرتقى، وفعله: ارتقى، مستوى، وفعله: استوى".. ونحو: "مستقصى، وفعله: استقصى، مستدعى، وفعله: استدعى"
فأسماء المعفول السابقة١ من غير الثلاثي هي -وأمثالها- ضرب من المقصور القياسي.
ونظائرها من الصحيح الآخر: "أكرمت فلانا فهو مكرم، وأخبرته فهو مخبر"، "احترمت العالم العامل؛ فهو محترم، واجتلبت الرزق بالعمل؛ فهو مجتلب"، "استغفرت الله؛ فهو مستغفر، واستخلصت الأمر؛ فهو مستلخص" لأن اسم المفعول القياسي للفعلين السلفين يجيء على هذا الوزن٢.
أما المقصور السماعي فينطبق عليه تعريف المقصور؛ ولكنه لا يخضع للضوابط السالفة التي من أهمها وجود نظير له من الصحيح. والأمر فيه راجع إلى الوارد المسموع دون غيره. ومن أمثلته؛ فتى، ثرى، سنا٣، حجا٤.
_________________
(١) ١ وقد جرى على حرف العلة الأخير منها -وهي أحد حروفها الأصلية- ما جرى من الإعلال الذي سبق في رقم ٦ من هامش ص٦٠٦. ٢ وفي المقصور القياسي يقول ابن مالك في بابه عنوانه: "المقصور والممدود": إذا اسم استجوب من قبل الطرف فتحا، وكان ذا نظير؛ كالأسف فلنظيره المعل الآخر ثبوت قصر، بقياس ظاهر كفعل، وفعل، في جمع ما كفعلة. وفعلة؛ نحو: الدمى يقول: "إن الاسم الصحيح الآخر إذا استحق فتح ما قبل آخره وجوبا -مثل: أسف" مصدر الفعل: أسف- وكان هذا الاسم الصحيح الآخر نظير معتل، مفتوح قبل آخره، فإن هذا النظير يثبت له القصر؛ بمقتضى قياس ظاهر، أي: قياس لا خفاء فيه؛ فلا يكون موضع اختلاف. وساق لهذا الاسم المقصور وزنين يكون عليهما؛ هما وزن: "فِعَل وفُعَل" والأول منهما جمع مفرد: فعلة -ولم يذكر له مثالا، وقد ذكرنا الأمثلة في الشرح- والثاني منهما جمع مفردة: فعلة؛ كالدمى، مفرده: دمية. ٣ ضوء. ٤ عقل.
[ ٤ / ٦٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) زيادة وتفصيل: هناك أشياء أخرى -غير ما سلف- في القصور القياسي، منها: ما كان جمعا لفعلى. أنثى الأفعل؛ كالدنا والدنا، والقصوى والقصا، ونظيرهما من الصحيح: الكبرى والكبر، والأخرى والأخرى وكذلك ما كان من أسماء الأجناس دالا على الجمعية بالتجرد من التاء وهو على وزن، "فعل"، وعلى الوحدة بوجود التاء؛ كحصاة وحصى، وقطاة وقطا، ونظيرهما من الصحيح؛ شجرة وشجر، ومدرة ومدر. وكذلك: "المفعل" مدلولا به على مصدر ميمي أو على اسم زمان أو اسم مكان؛ نحو ملهى، ومسعى؛ فإن نظيرهما من الصحيح مذهب، ومسرح. وكذلك: "المفعل" مدلولا به على آلة؛ نحو: مرمى ومهدى "لوعاء الهدية" ونظيرهما من الصحيح: مخصف ومغزل. إلى غير هذا مما أشارت إليه المطولات
[ ٤ / ٦٠٩ ]
ب- الممدود: هو الاسم المعرب الذي آخره همزة قبلها ألف زائدة نحو: قراء، بداء، سماء، بناء، عوراء، خضراء فإذا كانت الهمزة بعد ألف أصلية فليس بممدود -اصطلاحا- نحو: ماء، وكذلك إن وقعت الهمزة بعد ألف زائدة وفي آخر الاسم تاء التأنيث -نحو: هناءة- فإنه لا يسمى في هذه الصورة ممدودا، ولا تجري عليه أحكام الممدود؛ لأن الممدود لا بد أن يكون مختوما بالهمزة، وتجري عليها حركات ضبطه١.
وهو قسمان؛ قياسي، وهذا من اختصاص النحوي، وسماعي، وهو من اختصاص اللغوي، فالقياسي يصاغ على أشكال متنوعة، منها:
١- أن يصاغ مصدرا لفعل ماض معتل الآخر بالألف على وزن: "أفعل" بشرط أن يكون لهما نظير في الصحيح الآخر على وزنهما في الفعل ومصدره -كما شرحنا-٢ نحو: أعطى إعطاء، أربى إرباء، أفنى إفناء، أغنى إغناء " فالمصادر السالفة إعطاء، إلرجاء، إفناء، إغناء " وأشباهها نوع من الممدود القياسي. ونظائرها من الصحيح: إقدم وإقدام، أعلن وإعلان، أخبر وإخبار، أبرم وإبرام؛ لأن مصدر الماضي الرباعي السالف يكون على هذا الوزن قياسا.
٢- أن يصاغ مصدرا لفعل ماض خماسي أو سداسي بشرط أن يكون معتل الآخر في الحالتين، وأن يكون مبدوءا بهمزة وصل فيهما، وله ولمصدره نظائر من الفعل الصحيح الآخر ومصدره، على وزنهما، نحو: "اعتلى واعتلاء، ارتقى وارتقاء، انتهى وانتهاء " ونحو: "استعلى واستعلاء، استقصى واستقصاء، استجدى واستجداء " هي مصادر من نوع: "الممدود". ونظائرهما من الصحيح "اكتسب واكتساب، اتخذ واتخاذ، انهمر وانهمار " وكذا: "استغفر واستغفار، استعلم واستعلام، استظهر واستظهار "، وهذا الوزن هو القياسي لمصدر الفعلين الماضيين السالفين..
٣- أن يصاغ مصدرا على وزن: "فعال" بشرط أن يكون ماضيه ثلاثيا معتل الآخر على وزن: فعل "بفتح أوله وثانيه"، والدال على صوت، أو داء،
_________________
(١) ١ وهذا هو الحكم العام للممدود. ٢ عند الكلام على المقصور في ص٦٠٥.
[ ٤ / ٦١٠ ]
وبشرط أن يكون له نظير من الفعل الصحيح الآخر ومصدره، على وزنهما، نحو: عوى وعواء، رغا، ورغاء١، ثغا وثغا٢ ونحوه: مشى بطنه مشاء. ونظيرهما من الصحيح الآخر: صرخ وصراخ، دار ودوار؛ لأن "فعالا" مصدر قياسي للثلاثي الدال على صوت أو داء -كما سبق.
٤- أن يكون مفردا لجمع تكسير على وزن: "أفعلة" المختومة بالتاء المسبوقة بحرف العلة "الياء" بشرط أن يكون هذا المفرد مختوما بالهمزة المسبوقة بحرف علة، وأن يكون لهما نظائر من الصحيح الآخر، نحو: كساء وأكسية، رداء وأدرية، بناء وأبنية، دعاء وأدعية، دواء وأدوية فالأسماء المفردة السابقة "كساء، رداء، بناء، دعاء، دواء " وأمثالها نوع من "الممدود القياسي". ونظائرها من الصحيح الآخر: سلاح وأسلحة، حجاب وأحجبة، شفاء وأشفية، "بمعنى دواء وأدوية"؛ لأن "أفعلة" تكون جمع تكسير للمفرد الرباعي الذي قبل آخره مدة٣..
٥- أن يصاغ مصدرا على وزن: "تفعال"، أو صيغة مبالغة على وزن "فعال أو مفعال". نحو: التعداء، والعداء، والمعطاء. ونظائرها من الصحيح تذكار، زراع، مشراب.
أما الممدود السماعي فينطبق عليه اسم الممدود، ولا تنطبق عليه الضوابط السالفة التي من أهمها وجود نظير له من الصحيح؛ كالفتاء، بمعنى حداثة السن، والشراء؛ بمعنى: الغنى، والسناء، بمعنى: الشرف٤
_________________
(١) ١ الرغاء. صوت الحيوانات ذات الخف؛ كالإبل. ٢ الثغاء: صوت الغنم والمعز. ٣ وفي الممدود يقول ابن مالك: وما استحق قبل آخر ألف فالمد في نظيره حتما عرف أي: ما استحق -بحسب القواعد- من الأسماء الصحيحة أن يكون قبل آخره ألف "وهذا يتحقق في مصدر الماضي الرباعي الذي على وزن: "أفعل" وفي الخماسي والسداسي المبدوءين بهمزة وصل"، فإن نظيره من مصادر الماضي المعتل الآخر الذي على وزن "أفعل" أو الذي يكون خماسيا أو سداسيا ممدود. ووضوح هذا بمثال هو: كمصدر الفعل الذي قد بدئا بهمز وصل؛ كارعوى وكارتأي ٤ أشار ابن مالك إلى المقصور والممدود السماعين ببيت واحد هو: والعادم النظير: ذا قصر وذا مد، بنقل: كالحجا، وكالحذا والمراد بالنقل: السماع "الحذا: الحذاء".
[ ٤ / ٦١١ ]
قصر الممدودة، ومد المقصور:
يكاد يقع الاتفاق على صحة قصر الممدود في الضرورة١ وحدها. ومنه قول المادح يصف من مدحهم بأنهم المثال الأعلى الذي يعرفه الناس للفضائل، وأنهم أهل الوفاء:
فهم مثل الناس الذي يعرفونه وأهل الوفا من حادث وقديم
وقول الآخر في الخمر:
فقلت: لو باكرت مشمولة٢ صفرا، كلون الفرس الأشقر
أي: صفراء٣..
أما مد المقصور فالخلاف فيه متشعب٤ ، والأحسن الأخذ بالرأي الذي يبيحه في الضرورة الشعرية ونحوها؛ لأن الشعر وملحقاته محل التيسير. بشرط ألا يؤدي المد إلى خفاء المعنى أو لبسه؛ فيصح: غناء في غنى -نهاء في نهى- بلاء في بلى ولا يصح هذا في نوع النثر الذي لا يلحق بالشعر في الضرورة، دون النوع الآخر الذي يلحق به.
_________________
(١) ١ في رقم ٢ من هامش ص٢٧١ بيان واف عن معنى الضرورة، وأنها غير مقصورة على الشعر، بل تشمله وتشمل أنواعا أخرى محددة معينة هناك. ٢ خمرا. ٣ ومن أمثالهم القديمة: "لا بد من صنعا، وإن طال السفر". أي: صنعاء -بلد باليمن. ٤ وفي النوعين يقول ابن مالك: وقصر ذي المد اضطرارا مجمع عليه. والعكس بخلف يقع "ذي المد: صاحب المد، وهو الممدود، اضطرارا، أي: للضرورة. خلف: خلاف" يقول: قصر الممدود للضرورة متفق عليه إجماعا. أما العكس -وهو: مد المقصور- فيقع بخلف، أي: فيجوز وقوعه مع الخلاف في أمر صحته. والرأي الأرجح رفضه كما بينا، إلا في ضرورة الشعر وملحقاته.
[ ٤ / ٦١٢ ]
المسألة ١٧١: كيفية تثنية المقصور، والممدود، وجمعهما تصحيحا ١
أ- تثنية المقصور:
المقصور مختوم بالألف دائما؛ فلا يمكن أن تزاد في آخره علامتا التثنية مع بقاء الألف على حالها؛ لذا يجب قلبها حرفا آخر يقبل العلامتين؛
_________________
(١) ١ وكذلك كيفية: "المنقوص" حيث البيان في هذا الهامش. والمراد بجمعي التصحح: جمع المذكر السالم، وجمع المؤنث السالم؛ لأن مفردهما يصح ويسلم -غالبا- عند جمعه على أحدهما؛ فلا يدخل على حروفه تغيير في نوعها، أو عددها، أو ضبطها، إلا عند الإعلال أحيانا. بخلاف جمع التكسير؛ فإن مفردة لا بد أن يتغير عند التكسير؛ فكأنما يصيبه الكسر -كما قالوا، وسيجيء في رقم ٢ من هامش ص٦٢٦- عند إدخال التغيير عليه، لنقله من حالة الإفراد إلى حالة الجمع الجديدة. ولهذا السبب اختلف النحاة في كلمة: "بنات" أهي جمع تكسير "لتغير صيغة مفردها عند الجمع؛ ولورودها منصوبة بالفتحة في عدد من النصوص المسموعة عن العرب كما ينصب جمع التكسير"، أم هي جمع مؤنث سالم؛ لكثرة النصوص الوافرة، المتمالئة، على نصبها بالكسرة، كجمعا لمؤنث السالم؟ وستجيء إشارة لهذا في رقم ٢ من ص٦٣٢ وفي هامش ص٦٢٦ رقم ٢. "ملاحظة" الاسم الذي يراد تثنيته إما أن يكون صحيح الآخر "وهو: الذي لا تكون لامه حرف علة؛ مثل: محمود". وإما أن يكون بمنزلة صحيح الآخر، "وهو المختوم بواو، أو ياء، وقبلهما سكون: سواء أكانتا مخففتين، أم مشددتين، مثل: ظبي، وعضو، ومرمي ومغزو" وإما أن يكون منقوصا، "أي: اسما معربا في آخره ياء لازمة، غير مشددة، قبلها كسرة؛ مثل: العالي المستعلي.. "وقد سبق تفصيل الكلام عليه في ج١ ص١٢٤ م١٥ -وانظر رقم ١ من هامش ص٦٠٥". وإما أن يكون مقصورا، وإما أن يكون ممدودا. وكلاهما لا يختم بتاء التأنيث. فأما "الصحيح، وشبهه" فلا يلحقهما تغيير عند تثنيتهما وجمعهما تصحيحا إلا زيادة علامات التثنية والجمع. وأما "المنقوص" وهو المختوم بياء لازمة غير مشددة، وقبلها كسرة وقد سبق تعريفه مفصلا في مكانه المناسب ج١ م١٦ ص١٧٢ فيجب إثبات يائه في التثنية وجمع المؤنث السالم، وعند إضافته، أو تصديره بأل. "وكذا في ندائه، على حسب التفصيل السابق في ص١٤" ففي مثل: هاد، داع، يقال: هاديان، داعيان؛ كما يقال: الهادي والداعي والدين هادينا إلى ما يسعدنا، وبين المتعلمات هاديات للرشاد، داعيات للسداد. ولا فرق في هذا الحكم بين أن تكون ياء المنقوص مذكورة في المفرد قبل التثنية والجمع، أم محذوفة لسبب يقتضي حذفها، ذلك أن ياء المنقوص قد تحذف من المفرد؛ "طبقا للبيان المفصل الذي سبق في ج١ م١٦ ص١٧٣". =
[ ٤ / ٦١٣ ]
فعند التثنية تقلب ياء في ثلاث حالات، وتقلب واوا في حالتين:
_________________
(١) = ويجب حذف ياء المنقوص عند جمعه جمع مذكر سالما، ويضم ما قبل الواو ويكسر ما قبل الياء، نحو: الهادون للرشاد، والداعون إلى الخير خلفاء الأنبياء إن الهادين للرشاد والداعين للخير أحق الناس بالإكبار. وبهذه المناسبة نذكر أن بعض الأسماء الستة محذوف اللام -مثل: أب، أخ، حم، هن.. فعند تثنيته ترجع وجوبا لامه المحذوفة كما رجعت لام المنقوص على الوجه السالف وطريقته. وقد وضع بعض النحاة ضابطا عاما لإرجاع الحرف الأصلي المحذوف من الاسم الثلاثي، ملخصه: إذا حذف من الاسم الثلاثي أحد أحرفه الثلاثة فإن جاءت همزة الوصل عوضا عن المحذوف فلا يصح إرجاعه عنه التثنية وجمع المؤنث السالم، أما إذا لم تأت همزة الوصل للتعويض فالأجود -وقيل الواجب- إرجاع المحذوف إذا كان رجوعه واجبا عند إضافته؛ نحو: قاض، شج، أب، أخ، حم وغيرها مما حذفت لازمه. تقول: قاضيان، شجيان، أبوان، حموان.. كما تقول: قاضيا شجينا، أبوه، أخوه، حموه.. وشذ: أبان وأخان. أما ما لا يرجع عند الإضافة فلا يرجع عند التثنية وجمع المؤنث السالم؛ نحو: اسم، ابن، يد، دم، غد، فم، سنة؛ فنقول: اسمان، ابنان، يدان، دمان، غدان، فمان، سنتان كما تقول اسمه، ابنه، يده، دمه، غده، فمه، سنته وشذ: فموان وفيان.. ومن الضرورة قول الشاعر: فلو أنا على حجر ذبحنا جرى الدميان بالخبر اليقين وقول الآخر: يديان بيضاوان عند محلم "ملحم اسم رجل، أو هو الرجل الحليم". راجع فيما سبق الهمع، ج١ ص٤٤ والأشموني وحاشيته ج٤ في آخر هذا الباب. وأما المقصور والممدود فيلحقهما التغيير الذي سيجيء مفصلا في هذا الباب. وقد سبق تعريفهما وشيء من الأحكام الأخرى في الباب السابق. وما سبق خاص بتثنية تلك الأنواع وجمعها جمعي تصحيح. أما جمع التكسير فله باب مستقل يجيء في أول ص٦٢٥ م١٧٢. بقي نوع من الأسماء المعتلة الآخر -"وهو الذي سبقت الإحالة عليه في رقم ١ من هامش ص٦٠٥"- لم أر من تعرض للكلام على تثنيته وجمعه، وهو المعتل الآخر بالواو. بل إنهم حين يقسمون المعتل الآخر إلى مقصور ومنقوص لا يذكرون نوعه، وحكمه؛ بحجة أن الكلام العربي الأصيل لا يعرف اسما مختوما بالواو إلا نحو ثلاث كلمات معربة؛ منها: سمندو وقمندو.. وقد ناقشنا هذا الرأي "في الجزء الأول ص١٢٥ م١٥" وأنتهينا إلى أن الحاجة اليوم تدعو لاتخاذ ضابط عام في إعرابه؛ لكثرة دورانه. وشيوع استعماله علما للأشخاص والبلدان وغيرهما. ومن أمثلته: أرسطو، سنفرو، خوفو، أدفو، أدكو، طوكيو، كنفو والحكم الذي ارتضيناه هناك وأوضحناه سببه، هو: إعرابه بحركات مقدرة على الواو في جميع حالاته إعراب الممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، فيرفع بضمة مقدرة على آخره. وينصب بفتحة مقدرة، ويجر بفتحة مقدرة أيضا. وقد يكون المناسب له عند تثنيته وجمعه جمع مؤنث سالما -بقاء الواو مع تحريكها بالفتحة، وزيادة علامتي التثنية؛ فيقال: أرسطوان وأرسطوين سنفروان وسنفروين وهكذا الباقي. كما يقال في روميو وجوليو، وصنبو، وبمبيو وأشباهها من أعلام قد يسمى بها بعض الإناث: روميوات وجوليوات، صنبوات، وبمبيوات. أما إذا كان علما لمذكر. وأريد جمعه جمع مذكر سالما فالأحسن حذف حرف العلة "الواو" مع ضم ما قبلها في حالة الرفع، وكسره في حالتي النصب، والجر.
[ ٤ / ٦١٤ ]
١- فإن كانت الألف ثالثة وأصلها ياء١ وجب قلبها عند التثنية ياء، فيقال في تثنية: ندى، وهدى، وغنى نديان، وهديان، وغنيان.
٢- كذلك إن كانت ثالثة مجهولة الأصل -لأنها جامدة- وأميلت٢، نحو متى، وإذا "علمين"؛ فيقال في تثنيتهما: متيان وإذيان.
٣- وكذلك يجب قلبها ياء إن كانت رابعة فأكثر٣ -بغير نظر إلى أصلها- فيقال في تثنية: نعمى، ومرتضى، ومتعلى نعميان، ومرتضيان، ومستعليان.
وإذا قلبت الزائدة على الثلاثة ياء عند التثنية، وأدى قلبها إلى اجتماع ثلاث ياءات في آخر كلمة واحدة -وجب حذف التي بعدها مباشرة؛ نحو: ثريا٤ وثريان؛ لكيلا يجتمع في الكلمة الواحدة ثلاثة أحرف٣ -للعلة- من نوع واحد.
_________________
(١) ١ يدل على الأصل أشياء، ترجع فيها الألف إلى أصلها الياء، أو الواو، ومنها: المصدر، والمشتقات، والتصغير.. ٢ أي: لم تظهر عند النطق "ألفا" خالصة. وإنما كانت "ألفا" فيها راحة "الباء". فلهذا كانت الياء أحق بها عند القلب. ٣ و٣ انظر الرأي الكوفي في رقم ١ من هامش الصفحة الآتية. ٤ أصل "ثريا": ثروى. "بمعنى: ثروة" ثم صغرت؛ فصارت. "ثربوي"، ثم قلبت الواو ياء -تطبيقا للأصول الصرفية، وأدغمت في الياء قبلها، فصارت: "ثريا". فلو قلبت ألفها ياء في التثنية، وقلنا: "ثرييان" لاجتمع في آخر الكلمة الواحدة توالي ثلاثة أحرف هجائية من نوع واحد: وهذا ممنوع -غالبا- تبعا لما نص عليه صاحب المزهر "في الجزء الثاني، ص٥٢" حيث قال: "ليس في كلامهم ثلاثة أحرف من جنس واحد، وليس ذلك من أبنيتهم، استثقالا، إلا في كلمتين: غلام ببة، أي: سمين، وقول عمر: "لئن بقيت إلى قابل لأحملن الناس على ببان واحد"، أي: أسوى بينهم في الرزق والأعطيات". وجاء في الجزء الثاني من الهمع باب التصغير "ص١٨٦" ما نصه: "إذا ولي ياء التصغير ياءان حذفت أولاهما؛ لتوالي الأمثال "، وجاء في الصبان أول باب التصغير، ما نصه: "قال في =
[ ٤ / ٦١٥ ]
٤- وتقلب واوا إن كانت ثالثة وأصلها الواو؛ نحو: علا، وشذا؛ "وهو: المسك، أو: رائحته"، وعصا فيقال في التثنية: علوان، وشذوان وعصوان.
٥- وأيضا إن كانت ثالثة مجهولة الأصل -لأنها جامدة- ولم تطرأ عليها الإمالة، نحو؛ إلى، ألا "علمين"، فيقال في تثنيتهما: إلوان، وألوان
وغير ما سبق شاذ، لا يقاس عليه١. وطريق معرفته المراجع اللغوية٢
_________________
(١) = التسهيل: يحذف لأجل ياء التصغير أول ياءين ولياها"، ثم قال بعد ذلك عند بيت ابن مالك: وحائد عن القياس كل ما خالف ما نصه في تصغير "سماء": "إنه: سمية، والأصل: "سميي". بثلاث ياءات؛ الأولى ما نصه في تصغير "سماء": "إنه: سمية، والأصل: "سميي" بثلاث ياءات؛ الأولى ياء التصغير. والثانية بدل المدة، والثالثة بدل لام الكلمة؛ فحذفت إحدى الياءين الأخيرتين على القياس المقرر في هذا الباب، فبقي الاسم ثلاثيا، فلحقته التاء". هذا كلامهم -انظر ص٦٩٣ وكذا رقم ٥ من ص٧٠٨ وفي رقم ٢ من هامش هذه الصفحة شروط حذفها، لكن يفهم من صريح كلام الصبان والخضري في باب: "المعرب والمبني" "عند الكلام على المضارع المسند لضمير الرفع: ألف الاثنين، أو واو الجماعة، أو ياء المخاطبة، وبعده نون التوكيد" أن نون الرفع تحذف لتوالي النونات، وأن التوالي الممنوع إذا كانت الحروف المتوالية كلها زوائد؛ فلا يرد، نحو: القاتلات جنن، أو يجنن؛ لأن الزائد هو المثل الأخير فقط فكلاهما يعارض ما سبقه هنا. والظاهر أن التوالي ممنوع في غير "نن" و"يجنن" وما يماثلهما مما حروفه المتوالية أصيلة بذاتها، وليست منقبلة، ولا زائدة. ١ للكوفيين رأي غير هذا، وفيه يقول الرضي ما نصه: "تحذف الألف الزائدة خامسة فصاعدا في التثنية والجمع بالألف والتاء؛ كما في زبعرى وقبعثرى ولا يقاس عليه. خلافا للكوفيين". ا. هـ. نقلا عن شرح الكافية ج٢ ص١٧٤. ٢ في تثنية المقصور يقول ابن مالك في باب عنوانه كالعنوان الذي سبق هنا في ص٦١٢: آخر مقصور تثني اجعله يا إن كان عن ثلاثة مرتقيا كذا الذي "اليا" أصله؛ نحو: الفتى والجامد الذي أميل؛ كمتى "مرتقيا، أي: زائدا". فجمع في هذين البيتين الأحوال الثلاثة التي تقلب فيها ألف المقصور "ياء". وهي أن تكون زائدة على ثلاثة، أو ثالثة وأصلها الياء، أو ثالثة جامدة "مجهولة الأصل" قد أميلت. ثم قال في قلبها واوا: في غير ذا تقلب "واوا" الألف وأولها ما كان قبل قد ألف أي: أتبع الكلمة المألوف من علامتي التثنية.
[ ٤ / ٦١٦ ]
وإذا ختم المقصور بتاء التأنيث -نحو: فتاة- زال عنه اسمه وحكمه؛ طبقا للبيان المفصل الذي سبق١
ب- تثنية الممدود:
الممدود الاصطلاحي مختوم -دائما- بهمزة قبلها ألف زائدة٢. فإذا أريد تثنيته فقد تبقى الهمزة حتما، وقد تقلب واوا حتما، وقد يجوز فيها الأمران؛ فلها ثلاث حالات.
فيتحتم بقاؤها إن كانت حرفا أصليا من أصول كلمتها؛ نحو: فراء، وبداء، وخباء ، فيقال في تثنيتها: قراءان، وبداءان وخباءان، بإثبات الهمزة وجوبا: لأنها من بنية الكلمة الأصلية؛ إذ الأصل: قرأ، وبدأ، وخبأ.
ويجب قلبها واوا إن كانت زائدة للتأنيث؛ نحو: بيضاء، وصفراء، وخضروا؛ وحمراء؛ فيقال: في تثنيتها؛ بيضاوان، وصفراوان، وخضراوان، وحمراوان.
ويجوز بقاؤها وقلبها واوا إن كانت مبدلة من حرف أصلي٣ "نحو: صفاء ودعاء، وبناء، وفداء؛ لأن الأصل: صفاو، دعاو، بناي، فداي" أو كان مبدلة من حرف زائد للإلحاق٤ "نحو: علباء٥ وقوباء٦"،
_________________
(١) ١ في أول ص٦٠٥ ورقم ١ من هامش ص٦٠٦. ٢ إذا لحقته تاء التأنيث زال عنه اسمه وحكمه. ٣ قاعدة الإعلال تقضي بقلب حرف العلة همزة إذا كان متطرفا بعد ألف زائدة، فبقاء الواو هو مراعاة للواقع؛ إذ إنها لم تقع طرفا حقيقيا، فبعدها علامتا التثنية؛ فتبقى على اعتبارها ليست متطرفة بسبب علامتي التثنية. وتقلب همزة على اعتبار علامتي التثنية طارئتين لا يلتفت إليهما. هكذا يقولون. والتعليل الصحيح هو: استعمال العرب ليس غير. ٤ تقدم معنى الإلحاق وبيان بعض وبيان بعض أحكامه في ص٢٥٣ وهامشها. ٥ اسم لبعض أعصاب العنق. وأصل الكلمة: علباي، بزيادة ياء الإلحاق لتكون كقرطاس، في وزنها، وأحكامها. ثم انقلبت الياء همزة؛ لوقوعها متطرفة بعد ألف زائدة. ومما يلاحظ أن الإلحاق خاص بالعرب مقصور عليهم، وكانوا يستخدمونه غالبا لضرورات شعرية أو ما يشابهها. "انظر ص٢٥٣ وهامشها". ٦ مرض جلدي يظهر على شكل بقع مستديرة، صغيرة، ثم تتسع وأصل الكلمة: "قوباي"، بزيادة ياء الإلحاق؛ لتكون كقرناس "وهو الأنف البارز من الجبل"، ثم انقلبت الياء همزة. طبقا لما سبق "في رقم ٣ و٥".
[ ٤ / ٦١٧ ]
فيقال في التثنية: صفاءان؛ أو صفاوان، دعاءان أو دعاوان، بناءان، أو بناوان، فهداءان أو فداوان؛ كما يقال: علباءان أو علباوان، قوباءان أو قوباوان وهكذا
والأحسن إبقاء المبدلة من حرف أصلي، وقلب المبدلة من حرف زائد للإلحاق، وما جاء مخالفا لما سبق فهو شاذ، لا يقاس عليه؛ كقولهم: قراوان في تثنية: قراء: "بضم القاف وتشديد الراء المفتوحة، ومن معانيه: القارئ، مع أن همزته أصلية"، وكحمرايان، تثنية: حمراء، وعاشوران، تثنية: عاشوراء، بقلب همزة التأنيث ياء في حمراء، وحذفها في عاشوراء، ومثل: كسايان، تثنية كساء، الذي همزته مبدلة من حرف أصلي هو الواو وهكذا١.
ج- جمع المقصور جمع مذكر سالما٢.
إذا جمع المقصور جمع مذكر سالما وجب حذف آخره "وهو: ألف العلة" في كل الحالات، مع ترك الفتحة قلبها دليلا عليها؛ تقول في: رضا، وعلا، ومرتضى وأمثالها من أعلام الرجال: الرضون رفعا. والرضين نصبا وجرا، وكذا: العلون والعلين، والمرتضون والمرتضين ومثل هذا يقال في
_________________
(١) ١ وفي تثنية الممدود يقول ابن مالك: وما "كصحراء" بواو ثنيا ونحو "علباء". كساء، وحيا: بواو أو همز. وغير ما ذكر صحح. وما شذ على نقل قصر يريد: أن الممدود الذي همزته كهمزة صحراء -للتأنيث- تقلب همزته واوا عند التثنية. أما علباء "وهو الذي همزته للإلحاق. و"كساء" وهمزته مبدلة من أصل؛ هو الواو، وكذا "حياء" -ولكنه قصرها لضرورة الشعر فقال: "وحياء"- وهمزته مبدلة من أصل؛ هو الياء" أما الذي همزته من نوع هذه الأشياء فيجوز قلبها واوا في التثنية؛ أو إبقاؤها همزة على حالها. وغير هذه الأنواع الثلاثة التي تكون فيها الهمزة للتأنيث، أو مبدلة من أصل، أو للإلحاق -تبقى همزته على حالها. وما خالف الأحكام السالفة فهو شاذ؛ يوقف فيه عند حد السماع. ٢ سبق الكلام على تعريف جمع المذكر السالم، وشروطه، وضبط كلمة: "السالم" وما يتصل به "في ج١ ص١٢٥ م١٠" وهو يسمى: الجمع على حد المثنى؛ "لوجوب تحقق شروط المثنى فيه"، وجمع التصحيح للمذكر. أما جمع المؤنث ففي "ج١ ص١٠٠ م١٢". وفيه بيان السبب في تسميته بجمع السلامة المؤنث، أو جمع التصحيح للمؤنث.. أو..، وضبط كلمة: "السالم".
[ ٤ / ٦١٨ ]
المشتقات وسائر الأسماء المقصورة التي يصح جمعها جمع مذكر سالما، نحو: المبتغى، والأسمى، والمعلى في قولهم: صادقت الشجاع المبتغى، وهؤلاء هم الشجعان المبتغون -وأكبرت العالم الأسمى، والعلماء الأسمين- وقدرت العظيم المعلى قدره بين نظرائه من المعلين
ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وقوله تعالى في إبراهيم وأولاده ﵈: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ ١.
د- جمعه جمع مؤنث سالما:
يراعى في جمعه جمع مؤنث سالما ما روعي فيه عند تثنيته٢؛ فتقلب ألفه ياء في ثلاثة مواضع، وتقلب واوا في موضعين. فالثلاثة الأولى: حين تكون رابعة فأكثر؛ أو ثالثة أصلها الياء، أو ثالثة مجهولة الأصلي -لأن الاسم جامد- وأملت؛ "نحو: سعدى وسعديات، وهدى وهديات، متى ومتيات، والثلاثة أعلام إناث".
والموضعان الأخيران: حين تكون الألف ثالثة أصلها الواو، أو ثالثة مجهولة الأصل؛ لأن الاسم جامد ولم تلحقها إمالة؛ "نحو: رضا ورضوات، وإلى وإلوات، إذا كانت: "رضا وإلى" علمين لمؤنثتين ".
وإذا أدى جمع المقصور إلى اجتماع ثلاث ياءات -كما في جمع: ثريا على "ثرييات". وجب الاقتصار على اثنتين فقط، فيقال: ثريات، بحذف
_________________
(١) ١ وفي جمع المقصور وحده -وترك جمع المنقوص والممدود- يقول ابن مالك: واحذف من المقصور في جمع على حد المثنى ما به تكملا "ما به تكمل المقصور، أي: ما اكتملت به صيغة المقصور"، يريد: الألف التي يختم بها؛ فيجب حذفها قبل مجيء علامتي الجمع الذي على حد المثنى -أي: طريقته- وهو جمع المذكر السالم؛ لأنه يعرب بحرفين وتسلم عند الجمع صيغة مفردة، وتحذف نونه للإضافة. ثم أشار إلى فتح ما قبلها عبد حذفها بالشرط الأول من البيت التالي -وسيعاد في هامش ص٦٢١ لمناسبة هناك، قائلا: والفتح أبق مشعرا بما حذف ٢ في ص٦١٣.
[ ٤ / ٦١٩ ]
الياء التي بعد ياء التصغير، لما سبق إيضاحه عند الكلام على تثنية المقصور١.
هـ- جمع الممدود جمع مذكر سالما:
يسري على همزته في هذه الحالة ما سرى عليها عند تثنيته؛ فتبقى على حالها إن كانت أصلية؛ نحو: قراؤوان، وبداؤوان، وخباؤون في جمع: قراء، وبداء، وخباء. وتقلب واوا إن كانت في أول استعمالها زائدة في المفرد للتأنيث، ثم صار هذا المفرد علما لمذكر٢. ومن الأمثلة لهذا النوع من الأعلام "حمراء، وجمعه: حمراوون". "وخضراء. وجمعه: خضراوون"، "وبيضاء وجمعه: بيضاوون".
ويجوز إبقاؤها وقلبها واوا إن كانت مبدلة من حرف أصلي، أو للإلحاق، ومن الأمثلة: "رضاء، علم مذكر، وجمعه؛ رضاؤون أو رضاؤون" "وعلباء، علم مذكر أيضا، وجمعه علباؤون أو علباوون"
وجمعه جمع مؤنث سالما:
يجري على الهمزة ما جرى في التثنية، نحو: "قراءات"، "حمراوات"، "رضاءات وعلباءات، أو: رضاوات، وعلباوات".
بعض الأحكام العامة فيما يجمع جمع مؤنث سالما:
١- أوضحنا من قبل٣ الحكم الخاص بإرجاع "اللام" إلى الاسم الثلاثي المحذوف اللام إذا أريد جمعه بالألف والتاء المزيدتين، سواء أكانت لام اسم منقوص أم لام غيره. كبعض الأسماء الستة. وغيرها.
٢- إذا كان المفرد المراد جمعه جمع مؤنث سالما مختوما بتاء التأنيث وجب حذفها قبل جمعه؛ سواء أكان المفرد بغيرها صحيح الآخر أو غير صحيح، ففي مثل: "كاتبة" يقال: كاتبات؛ بحذف التاء التي كانت في المفرد؛ لئلا
_________________
(١) ١ في رقم ٤ هامش ص٦١٥ ولما سيجئ من تكملة في ص٦٩٣ ورقم ٥ من ص٧٠٨. ٢ استعماله علما لمذكر، وتركه الوصفية شرط أساسي لصحة جمعه جمع مذكر سالم. ٣ في هامش ص٦١٣.
[ ٤ / ٦٢٠ ]
تجتمع علامتان للتأنيث، وفي مثل: ظبية وصفوة، ومهدية، ومجلوة من أعلام النساء "وكلها من معتل الآخر، الشبيه بالصحيح الآخر"١، يقال: ظبيات، صفوات، مهديات، مجلوات.
وإن كان قبل التاء ألف وجب حذف التاء وقلب الألف هنا كقلبها في التشبيه٢ فالثالثة ترد إلى الواو أو الياء؛ طبقات للتفصيل المذكور هناك؛ نحو: فتاة وفتيات، وقناة وقنوات و والرابعة فأكثر تقلب ياء كمعطاة ومعطيات، ومصطفاة ومصطفيات. مع ملاحظة أن المفرد المختوم بتاء التأنيث وقبلها ألف، لا يسمى مقصورا، ولا يخضع لأحكامه؛ إذ لا بد أن تكون ألف المقصور آخرا، ويجري عليها الإعراب، لا على التاء -كما قلنا٣.
وإن كان قبلها همزة مسبوقة بألف زائدة وجب حذف التاء أيضا، وإخضاع الهمزة لحكم همزة الممدودة عند تثنية؛ فتبقى إن كانت أصلية، نحو: قراءة وبداءة وخباءة، فيقال: قراءات، وبداءات، وخباءات ويجوز إبقاؤها وقلبها واوا إن كانت مبدلة من أصل؛ نحو: نباءة "للبقعة المرتفعة". ونباوات، كما يقال في التثنية، ولا تقع الهمزة هنا للتأنيث قبل تائه؛ لأنها لا تجتمع مع تاء التأنيث، وكذلك لا تقع الهمزة للإلحاق قبل تاء التأنيث لأن همزة الإلحاق لا بد أن تكون في آخر الكلمة٤.
_________________
(١) ١ راجع بيانه في هامش ص٦١٣ بعنوان: ملاحظة ثم ص١٢١ م١٥. ٢ وهو في ص٦١٣ وما بعدها. ٣ في ص٦٠٥ و٦١٧. ٤ أشار ابن مالك إلى ما سبق: "من جمع المقصور جمع مؤنث سالما، وأن ألفه تقلب في هذا الجمع كقلبها في التثنية، وأن مفرد هذا الجمع يجب حذف ما فيه من تاء للتأنيث إن وجدت قبل جمعه"، فقال بيتا نصفه الأول لا علاقة له بهذه المسألة، وإنما علاقته بمسألة أخرى سبقت، وسبق معها الشطر في رقم ١ من هامش ص١١٩، والبيت هو: "والفتح أبق مشعرا بما حذف" وإن جمعته بتاء وألف ثم تمم القاعدة، فقال: فالألف اقلب قلبها في التثنية وتاء ذي التاء ألزمن تنحيه "أي: ألزمن التاء تنحية وإبعادا من المفرد الذي يحتويها"، يريد: احذف التاء من المفرد المشتمل عليها قبل جمعه جمعا مؤنثا سالما. ولم يتعرض ابن مالك -كما أشرنا من قبل- لحكم الممدود والمنقوص إذا أريد جمعهما هذا الجمع؛ لأن حكمها معه كحكمهما عند تثنيتهما.
[ ٤ / ٦٢١ ]
٣- تتحرك عين جمع المؤنث السالم بحركة فائه، فيتماثلان في حركتهما، إذا استوفى مفرده شروطا سنة١.
أولها: أن يكون هذا المفرد اسما؛ نحو: هند، مجد، صلح أسماء لمؤنث؛ فخرج المفرد لوصف "أي: المشتق" نحو: ضخمة وحلوة
ثانيها: أن يكون ثلاثيا، فخرج ما زاد على الثلاثة، نحو: درهم، وسلهب٢، وبرقع أسماء لمؤنث.
ثالثها: ورابعها: أن يكون غير معتل العين، ولا مضعفها؛ فخرج ما كان مثل: "هالة، ودولة، وديمة"، "وجنة، ومنة، وقبة".
خامسها: أن يكون ساكن العين، فخرج ما كان متحركها، نحو: لبنة، وسمرة٣
سادسها: أن يكون لمؤنث، فخرج ما هو لمذكر؛ نحو: سعد، وقفل، وحلف فإن هذه الأسماء لا تجمع جمع مؤنث سالما، فلا إتباع فيها.
فإذا استوفى المفرد، المختوم بالتاء أو غير المختوم بها، الشروط الستة تحركت في جمع المؤنث السالم عينه الساكنة بحركة تماثل حركة الفاء؛ فيقال في هند: هندات، وفي مجد: مجدات، وفي صلح: صلحات، وفي حكمة: حكمات، وفي نحلة: نحلات، وفي غرفة: غرفات. ففي كل ذلك حذف سكون العين، وتبعت العين في حركتها حركة الفاء.
غير أن هذا الإتباع قد يكون واجبا، وقد يكون جائزا. فيجب إذا كان المفرد المستوفي للشروط مفتوح الفاء؛ فيتعين إتباع حركة عينه في جمع المؤنث السالم لحركة فائه؛ نحو: رحمة، وفتحة فيقال فيهما: رحمات، وفتحات. ونحو: نهر وحمد "لمؤنثتين" فيقال: نهرات وحمدات. بفتح
_________________
(١) ١ سبقت الإشارة لها في ج١ ص١١٤ م١٢ لمناسبة هناك. ٢ طويل. ٣ اسم نوع من الشجر.
[ ٤ / ٦٢٢ ]
الثاني وجوبا في كل ذلك؛ تبعا لفتحة الأولى١.
أما في غير الحالة السابقة المفتوحة الفاء فيجوز في العين الساكنة: إما إبقاؤها ساكنة، وإما تخفيفها بحذف السكون وتحريكها بالفتحة، وإما حذف سكونها، وإتباعها في حركتها لحركة الفاء، "فتكون مضمومة مثلها، أو مكسورة". ففي نحو الأسماء الآتية إذا كانت أعلاما لمؤنث، وهي: صنع، ودمية يقال صنعات، أو صنعات، أو: صنعات، بضم الثاني، أو تسكينه، أو فتحه. وهذه الثلاثة تقال في نظائرها من الأسماء الأخرى.
كذلك في نحو: فتنة، وسحر، من أعلام النساء، يقال في جمعها: فتنات، أو فتنات، أو فتنات بإسكان التاء الأولى أو كسرها، أو فتحها. وهكذا يقال في الأعلام الأخرى المماثلة لها؛ حيث يصح فيها ضبط العين بأحد الضبوط الثلاثة الجائزة.
ويستثنى من هذا الحكم حالتان: لا يجوز فيهما الإتباع.
الأولى: الاسم المسكور الفاء إذا كانت لامه واوا، نحو: ذروة وقنوة٢ وجنوة٣؛ فلا يجوز فيها: ذروات، ولا قنوات، ولا جنوات، بكسر ثانيه إتباعا لأوله؛ لأن الكسرة ثقيلة قبل الواو يتحاشاها العرب في أغلب كلامهم، ولهذا لا يصح الإتباع، ويصح السكون أو الفتح
الثانية: الاسم المضموم الفاء إذا كانت لامه ياء؛ دمية، قنية، غنية؛ فلا يجوز فيها دميات، ولا قنيات، ولا غنيات بضم ثانيه تبعا لأوله؛ لأن الضمة ثقيلة قبل الياء يتحاشاها العرب في أغلب كلامهم. ولهذا يصح الإتباع، ويصح السكون أو الفتح.
وما خالف الأحكام السابقة فنادر، أو شاذ -وكلاهما لا يقاس عليه- أو
_________________
(١) ١ هذا هو الأغلب والأشهر. لكن يقول: "الأشموني" ما نصه: "أفهم كلامه أن نحو "دعد وجفنة" لا يجوز تسكينه مطلقا، واستثنى من ذلك في التسهيل معتل اللام؛ كظبيات؛ وشبه الصفة، نحو: أهل وأهلات؛ فيجوز فيهما التسكين، اختيارا". ا. هـ. ٢ الشيء المكتسب. ٣ للحجارة المتجمعة.
[ ٤ / ٦٢٣ ]
ضرورة شعرية، أو لغة قوم من العرب عددهم قليل١ ومن الأمثلة جمع كهلة على كهلات -بفتح الهاء، مع أنها وصف. وظبيات بسكون الباء، والواجب فتحها. وزفرات بالسكون لضرورة الشعر في قول الشاعر:
وحملت زفرات الضحا فأطقتها ومالى بزفرات العشي يدان
وقبيلة "هذيل" لا تشترط الصحة في عين الاسم، فتجيز أن تكون معتلة؛ فتقول: بيضة وبيضات، وجوزة وجوزات؛ فتح الثاني إتباعا للأول١
_________________
(١) ١ و١ والأحسن في كل ما سبق متابعة أكثرية القبائل؛ لتكون المحاكاة جارية على الكثير القوي دون القليل، أو الضعيف، ولمجمع اللغة العربية بالقاهرة قرار في هذا "سجله في الجزء الخامس والشعرين من مجلته الصادرة في نوفمبر سنة ١٩٦٩ ص١٩٨" ونصه: "يجاز جمع الاسم الثلاثي المؤنث، الساكن العين، الصحيحها على "فعلات"، بفتح العين، أو تسكينها؛ تعويلا على ما ذكره ابن مالك في الألفية، وما ذكره ابن مكي في تثقيف اللسان، وعلى ما ورد من الشواهد. غير أن الفتح أشهرها". ا. هـ. وانظر ما صلة بهذا في رقم ١ من هامش ص٦٢٣. وفي الأحكام الخاصة بعين المفرد المؤنث الذي يراد جمعه جمع مؤنث سالما يقول ابن مالك: والسالم العين، الثلاثي، اسما أنل إتباع عين فاءه بما شكل إن ساكن العين مؤنثا بدا مختتما بالتاء، أو مجردا "الثلاثي: أصلها الثلاثي؛ بتشديد الياء، خففت للشعر" وفي البيت تقديم وتأخير. والتقدير: وأنل السالم العين، الثلاثي، الاسم -إتباع عين فاءه. أي: امنح السالم.. اتباع عينه الساكنة- الحركة التي شكلت بها الفاء. ثم انتقل بعد ذلك لبيان ما يجوز في العين الساكنة من فتح أو سكون أو إتباع، إن كانت العين بعد فاء غير مفتوحة؛ "حيث يجوز في العين الساكنة إما تركها على سكونها، وإما تخفيفها بالفتحة، وإما إتباعها لحركة الفاء قبلها، من ضم أو كسر" قال: وسكن التالي غير الفتح، أو خففه بالفتح فكلا قد رووا ثم عرض بعد ذلك للحالتين اللتين لا يجوز فيها الإتباع فقال: ومنعوا إتباع نحو: "ذروه" ونحو: "زبية". وشذ كسر جروه "الزبية" حفرة تحفر للأسد ليقع فيها؛ فيصاد. والجروة: الأنثى من الكلاب والسباع". ثم بين أن ما خالف الأحكام السالفة فهو نادر، أو ضرورة، أو لغة، فقال: ونادر، أو: ذو اضطرار غير ما قدمته، أو: لأناس انتمى
[ ٤ / ٦٢٤ ]
المسألة ١٧٢: جمع التكسير
مدخل
المسألة ١٧٢: جمع التكسير
معناه:
في الأبيات الآتية التي يصف بها الشاعر١ أسباب العظمة، وخلود السيرة -أمثلة مختلفة مما يسميه النحاة: "جمع التكسير"، قال:
وليس الخلد مرتبة تلقى٢
وتؤخذ من شفاه الجاهلينا
ولكن منتهى همم كبار إذا ذهبت مصادرها٣ بقينا
وسر العبقرية حين يسري فينتظم الصنائع والفنونا
وآثار الرجال إذا تناهت إلى التاريخ خير الحاكمينا
وأخذك من فم الدنيا ثناء وتركك في مسامعها طنينا٤
فالكلمات: "شفاه، همم، كبار، مصادر، صنائع، فنون، آثاره، رجال، مسامع" ، هي مما يسمونه: "جمع التكسير". يريدون: أن كل واحدة منها تتضمن أمرين معا، هما:
أ- معنى ينصب على أفراد لا تقل عن ثلاثة، وقد تزيد.
ب- وجود مفرد لكل واحد، يشاركها في معناها، وفي حروفها الأصلية مع اختلاف يطرأ على صيغة هذا المفرد عند جمعه عليها.
فكلمة: "شفاء" -مثلا- تدل على شفاه ثلاث على أقل -وقد تزيد- ولها مفرد هو: "شفة"، يشاركها في معناها، وفي حروفها الأصلية، مع اختلاف طرأ عليه عند الجمع؛ إذ صارت "الشين" مكسورة بعد أن كانت مفتوحة، وزيدت "ألف" قبل الآخر لم يكن لها وجود قبل الجمع؛ فالاختلاف هنا بزيادة بعض الحروف، وبتغيير بعض الحركات.
وكلمة: "همم" -مثلا- تدل على ثلاثة فأكثر من هذا النوع، ومفردها
_________________
(١) ١ أحمد شوقي المتوفى سنة ١٩٣٢م. ٢ المراد: تؤخذ تلقينا، أو وراثة مجردة. ٣ أصولها وأصحابها. ٤ صوتا مدويا، كصوت النحاس أو الطبل.
[ ٤ / ٦٢٥ ]
"همة" يشاركها يفي معناها، وفي حروفها الأصلية. وقد تغيرت صيغته عند جمعه للتكسير بعض تغير؛ فحذفت التاء من آخره، وانفك الإدغام الذي كان في ثانيه. فالتغير الذي طرأ على المفرد عند جمعه كان في الحركات وفي الفك.
وكلمة: "كبار" تدل على عدد من هذا النوع لا يقل عن ثلاثة، ومفردها: "كبير" يشاركها في المعنى. وفي الحروف الأصلية؛ وقد طرأ على صيغته بعض تغير عند الجمع؛ فحذف من آخرهء الياء، وكسر أوله المفتوح، وفتح ثانيه المكسور، وزيدت "ألف" قبل آخره. فتناول التغيير ضبط بعض الحروف وحذف بعض منها، والزيادة عليها وهكذا بقية الجموع السالفة ونظائرها
مما سبق يتضح تعريفهم جمع التكسير بأنه: "ما يدل على ثلاثة أو أكثر، وله مفرد١ يشاركه في معناه، وفي أصوله، مع تغير حتمي يطرأ على صيغته عند الجمع".
وهذا التغير الطارئ على المفرد عند جمعه جمع تكسير قد يكون مقصورا على ضبط بضع الحروف فقط؛ نحو: أسد، والجمع: أسد، وقد يكون مقصورا على زيادة بعض الحروف فقط؛ نحو: أسد، والجمع آساد؛ وقد يشتمل على الزيادة وتغيير الضبط معا؛ نحو: رجل ورجال، وقد يشتمل على تغيير الضبط مع نقص بعض الأحرف؛ نحو: كتاب وكتب. وقد يشتمل على تغيير الضبط مع نقض الأحرف وزيادتها؛ نحو: كبير وكبيرة، وجمعهما للتكسير هو: كبار ، وهكذا؛ فلا بد من تغيير محتوم يصيب المفرد عند جمعه تكسيرا٢.
_________________
(١) ١ وهذا المفرد قد يكون حقيقيا، أو تقديريا بالتفصيل الهام والإيضاح الضروري الواردين في رقم ٥ من ص٦٧٨ م١٧٤، ولا بد في هذا المفرد أن يكون خاليا من التركيب ومن الإعراب بحرفين طبقا للبيان الذي سبق في ج١ عند الكلام على شروط جمع المذكر السالم -م١٠. ٢ وهذا التغيير هو السبب في تسميته "تكسيرا"؛ فكأنما أصابه الكسر عند جمعه ونقله من صيغته المفرد التي هو عليها إلى صيغة الجمع الجديدة -هكذا قالوا كما أشرنا في رقم ١ من هامش ص٦١٣.
[ ٤ / ٦٢٦ ]
قسماه، والفرق بينه وبين جمعي التصحيح١:
استقصى اللغويون جموع التكسير في الكلام العربي -جهد طاقتهم- فتبينوا ثلاثة أمور:
الأمر الأول: أن العرب يستعملون٢ -في الأغلب- صيغا معينة إذا أرادوا من التكسير عددا محددا لا يقل عن ثلاثة، ولا يزيد على عشرة. ويستعملون صيغا أخرى إذا أرادوا عددا لا يقل عن ثلاثة، ولكنه يزيد على عشرة؛ "بأن يكون أحد عشر، أو اثني عشر، أو أكثر فالنوعان متشابهان. في المبدأ، مختلفان في النهاية٣. وأشهر الصيغ الأولى أربعة، تسمى: "صيغ جموع القلة"٤. وتسمى الصيغ الأخرى: "صيغ جمع الكثرة"٤
_________________
(١) ١ جرى اصطلاح النحاة -لا اللغويين- على اعتبار كل جمع من الجموع الثلاثة "وهي جمعا التصحيح، وجمع التكسير" دالا على أكثر من اثنين دلالة عددية، وقد سبق البيان -في ج١- عند الكلام المفصل على جمعي التصحيح، ولا تكملة هنا في رقم ٣ التالي، وفي ص٦٧٥ ورقم ٥ من هامشها. ٢ استعمالا حقيقيا، لا مجازيا -كما سيجيء. ٣ كثرة النحاة تقول إن مدلول جمع الكثرة بطريق الحقيقة -لا المجاز- هو ما فوق العشرة إلا ما لا نهاية. ولكن بعض المحققين -كما نقل الصبان- لم يرتض ذلك، وقال: "إن جمع القلة هو من الثلاثة إلى العشرة -مع إدخال العشرة في الحكم، طبقا لنص الصبان بعد ذلك مباشرة، وجمع الكثرة من الثلاثة إلى ما لا يتناهى. فالفرق بينهما من جهة النهاية. بخلاف ما ذكره الشارح الأشموني". ا. هـ. وهذا هو الرأي السديد؛ لأن معناه أعم، فالأخذ به يحقق المعنى المراد من كثير من أساليب العرب، فوق أنه يمنع التعارض والتناقض الذي قد يقع بين العدد المفرد "٣ و١٠ وما بينهما" ومعدوده حين يكون هذا المعدود صيغة من صيغ جمع الكثرة "مثل: ثلاثة بيوت، أربعة جداول، خمسة جبال، ست مدائن، سبع سفن " فلو أخذنا بالرأي الأول لكان العدد في هذه الأمثلة وأشباهها دالا على شيء حسابي معين لا يزيد على عشرة مطلقا. في حين يدل المعدود -وهو صيغة جمع الكثرة- على شيء يزيد على العشرة حتما. وهذا هو التعارض والتناقض المعنوي المعيب. أما على الرأي الثاني السديد فلا وجود لهذا التعارض والتناقض. ٤ و٤ "ملاحظة": ما ذكرناه من معنى: "القلة والكثرة" هنا يخالف معناهما في موضع آخر يجيء مفصلا في ٦٣٣ و٦٣٤ وهامشها؛ حيث المراد منهما: "المطرد" ونحوه مما يقاس عليه، و"غير المطرد" ونحوه مما لا يصح القياس عليه؛ طبقا للبيان المدون هناك. ومن آثاره القلة العددية والكثرة أن تقول: كتبت إليك رسالة لثلاث خلون من شهر كذا، وجاءني كتابك لخمس عشرة خلت من ذلك الشهر؛ فنجيء بنون النسوة حينا، وبتاء التأنيث حينا آخر. فما الضابط الذي يرجع إليه في استخدام أحدهما؟ الجواب -تفصيلا- في رقم ١ من هامش ص٥٦٥. وله إشارة في الصفحة الآتية.
[ ٤ / ٦٢٧ ]
وهما غير: "جمع الجمع" وهذا لا يدل على أقل من عشرة -كما سيجيء١
فالأربعة الخاصة بجموع القلة، وهي:
١- أفعلة؛ نحو: أغذية وأدوية، وأبنية -جمع: غذاء، ودواء، وبناء
٢- أفعل: نحو: السن، وأرجل، وأعين؛ جمع: لسان، ورجل، وعين
٣- فعلة؛ نحو: صبية، وفتية، وولدة؛ جمع: صبي، وفتى، وولد.
٤- أفعال؛ نحو: أبطال، وأسياف، وأنهار؛ جمع: بطل، وسيف، ونهر
ومعنى اختصاص هذه الصيغ بالقلة أن المدلول الحقيقي "لا المجازي" لكل واحدة منها هو عدد مبهم -أي: لا تحديد ولا تعيين لمدلوله-٢ ولكنه لا يقل عن ثلاثة ولا يزيد على عشرة، بشرط ألا توجد قرينة تدل على أن المراد الكثرة، لا القلة، فعن عدم القرينة تتعين القلة حتما؛ اعتمادا على أن الصيغة موضوعة في أصلها للقلة، ومختصة بها؛ فلا يجوز إبعادها إلى الكثرة بغير قرينة؛ وإلا كان هذا إبعادا لها عن أصلها، وإخراجها منه إلى غيره مما لا يصلح له في حقيقة ولا مجاز٣
وكما تتعين القلة عند عدم القرينة تتعيين أيضا في حالة ثانية؛ هي أن تكون تلك الصيغة الدالة على المعدود هي من الصيغ الموضوعة للكثرة، والعدد هو ثلاثة، أو عشرة، أو عدد آخر بينهما، وإنما تتعين للقلة هنا منعا للتعارض بين مدلول العدد ومدلول المعدود، لأن كل واحد من هذه الأعداد المفردة صريح في دلالته على القلة، فلا يصح أن يخالفه معدوده في مضمون هذه الدلالة، ولا أن يعارضه، فلو كانت صيغة المعدود موضوعة في أصلها للكثرة لكانت مع العدد المفرد للقلة.
ومن كل ما تقدم يتضح أن معنى القلة يتعين ويتحتم وحده في صورتين:
"الأولى" أن تكون صيغة المعدود هي من صيغ القلة المتجردة لدلالتها
_________________
(١) ١ في ص٦٧٥. ٢ سبق توضيح هذا وشرحه في ص٥٢٥. ٣ إذ يشترط في المجاز وجود القرينة التي تمنع من إرادة المعنى الأصل
[ ٤ / ٦٢٨ ]
ألأصلية، ولا توجد قرينة تبعدها عن هذه الدلالة، وتخرجها منها إلى الدلالة على الكثرة.
و"الأخرى" أن تكون الصيغة الدالة على المعدود هي إحدى الصيغ الدالة على الكثرة، لكن العدد الخاص بها دال على القلة، كالعدد ثلاثة، أو عشرة، أو أحد الأعداد التي بينهما.
وعدد الصيغ الثانية المختصة بجموع الكثرة قد يزيد على ثلاثين، ولكن المشهور القياسي منها يقارب ثلاثا وعشرين صيغة. وسنعرف الكثير منها؛ مثل: فعل، وفواعل، ومفاعل، وفعالي، وفعل و نحو: حمر، وجواهر، ومعابد، وصحارى، وكتب
ولاختيار نوع الصيغة الدالة على التكسير أثر آخر في تركيب الأسلوب أحيانا فوق أثره المعنوي السالف؛ ذلك أن صيغة جمع القلة يناسبها نون النسوة، وأن صيغة جمع الكثرة يناسبها تاء التأنيث؛ فقولنا: رأيت أذرعا امتددن أفضل من امتدت، ولوالد أياد غمرت أبناءه أحسن من غمرن١ وما تقدم هو الأفضل والأحسن، ولكنه ليس واجبا.
الأمر الثاني٢: أن العرب قد يضعون جمعا معينا على وزن صيغة خاصة بأحد النوعين، ولكنهم يستعملون هذا الجمع في القلة حينا، وفي الكثرة حينا آخر استعمالا حقيقيا، لا مجازيا -والقرائن وحدها في السياق هي التي تعينه لأحد النوعين- بالرغم من أن الصيغة خاصة بأحدهما فقط، وأن وزنها يشيع استعماله عندهم في نوع منهما دون النوع الآخر، أي: أنهم يكتفون بوزنه الغالب الشائع في أحد النوعين ويستعملونه فيه، وفي الآخر أيضا من غير أن يجمعوا المفرد جمع تكسير على وزن من الأوزان التي تشيع في هذا النوع الآخر. ومن الأمثلة استعمالهم في القلة، والكثرة معا: أرجل، وأعناق، وأفئدة "وهي جمع: رجل، وعنق، وفؤاد" مع أن صيغة: أفعل، وأفعال، وأفعلة هي من الصيغ الغالبة في القلة، فاكتفوا بها في النوعين عند تكسير هذه
_________________
(١) ١ لهذا إشارة في رقم ٣ و٤ من هامش ص٦٢٧ أما التفصيل ففي ص٥٦٥. ٢ تقدم الأمر الأول في ص٦٢٧.
[ ٤ / ٦٢٩ ]
الكلمات، ولم يجمعوا كلمة: رجل، ولا عنق، ولا فؤاد، على صيغة من الصيغ الخاصة بجمع الكثرة.
ومن الأمثلة أيضا: رجال وقلوب "جمع: رجل، وقلب" في القلة والكثرة، مع أن صيغة: "فعال" و"فعول" من الصيغ الغالبة في الكثرة. فاكتفوا بها في الدلالة على النوعين عند تكسير الكملتين، ولم يجمعوا رجلا، وقلبا، على صيغة للقلة.
الأمر الثالث: أن العرب قد يستعملون صيغة شائعة في أحد نوعي التكسير مكان صيغة وضعوها للنوع الآخر، وشاعت فيه. فكلتا الصيغتين موجودة فعلا، وتشيع في أحدهما١، وحده، ولكنهم يستعملونها في معنى الآخر؛ بقرينة في الكلام خارجة عن الصيغة وعن وزنها تدل على هذا النقل والتبادل. وبغير القرينة لا يصح الحكم على الصيغة بأنها مستعملة في غير نوعها٢.
_________________
(١) ١ في صيغ جمع القلة وأنها قد تستعمل للكثرة والعكس يقول ابن مالك في أول باب عنوانه: "جمعا لتكسير" وسنذكر أبياته مرتبة هنا ترتيبها في "ألفيته": أفعلة، أفعل، ثم: فعلة ثمت: أفعال جموع قله "ثمت: هي: "ثم" العاطفة، زيدت في آخرها تاء التأنيث المفتوحة"، تلك صيغ القلة. وانتقل بعدها مباشرة إلى استعمالها في الكثرة، وصيغ الكثرة في القلة، فقال: وبعض ذي بكثرة وضعا يفي كأرجل، والعكس جاء كالصفي يقول: إن بعض هذه الأوزان يفي بالكثرة، أي: يدل عليها ويغني فيها؛ كأرجل؛ جمع رجل؛ فإنها تكون للكثرة كما تكون للقلة. وهذا بالوضع العربي: أي: أن العرب وضعوا الجمع المكسر: "أرجل" للكثرة كما وضعوه للقلة فهو صالح للمعنيين، ولم يعرف لجمع: "رجل" صيغة مسموعة خاصة بالكثرة؛ فالوضع للمعنيين أصيل وحقيقي. ولكن صيغته في أحدهما أكثر شيوعا منه في الآخر. والعكس صحيح كذلك، فقد جمعوا بعض الألفاظ لتدل على القلة، مع أنها مصوغة على وزن بعض الصيغ الشائعة في الكثرة -كما قلنا- وضرب مثالا هو: "الصفي" جمع صفاة "بمعنى: الصخرة الملسا، وأصله: صفوي، اجتمعت التاء والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء؛ عملا بقواعد الإعلال، وأدغمت الياء في الياء، فصارت صفي، ثم قلبت الضمة قبل الياء كسرة؛ لأن الكسرة هي التي تناسبها؛ فصارت: صفي، بياء مشددة، ولم يشددها الناظم لضرورة الوزن". ٢ وقد كثر هذا النقل والتبادل في بعض الصيغ؛ كصيغة "أفعال" التي للقلة؛ فقد أشاعوها؛ في المعنيين؛ وإن كانت للقلة أوفر شيوعا. ومن الجائز لنا في كل وقت أن نستعملها في المعنيين مثلهم، =
[ ٤ / ٦٣٠ ]
والفرق بين هذه الحالة والتي سبقتها: أن المفرد هنا له نوعان شائعان من التكسير أحدهما: يكون بصغة مستقلة تختص بجمع التكسير الدال على القلة، والآخر يكون بصغة مستقلة تختص بجمع التكسير الدال على الكثرة، فتستعمل إحداهما في معنى الأخرى بقرينة. أما الحالة السابقة فالمفرد له جمع تكسير على وزن خاص بأحدهما فقط، فصيغة جمعه مقصورة على نوع منهما وحده؛ فلم يضع العرب لهذا المفرد نوعين للتكسير، تكون صيغة أحدهما مستقلة الدلالة على القلة، وصيغة الآخر مستقلة الدلالة على الكثرة، وإنما وضعوا للمفرد جمعا من نوع واحد، بصيغة تختص بهذا النوع، ولكنها مشتركة الدلالة فتدل على الكثرة حينا وعلى القلة حينا آخر على حسب القرائن، وبرغم أنها من الصيغ الخاصة بأحدهما دون الآخر -كما قلنا- يستعملونها في النوعين.
ومما تجب ملاحظته:
١- أن هذه الدلالة العددية التي يدل عليها جمع التكسير هي إحدى نواعي الفرق بينه وبين جمعي التصحيح؛ ذلك بأن جمع التكسير قد يكون مدلوله عددا محدودا لا يقل عن ثلاثة، ولا يزيد على عشرة. وقد يكون مدلولها عددا لا يقل عن ثلاثة، ولكنه يزيد على العشرة -طبقا للبيان الذي عرضناه-١ ولكل دلالة صيغ معينة. أما جمعا التصحيح، فمدلولهما الغالب عند "سيبويه" عدد محدود لا يقل عن ثلاثة ولا يزيد على عشرة. فهما يدلان عنده على القلة التي يدل عليها أحد نوعي جمع التكسير، ولا يدلان على الكثرة إلا بقرينة أخرى خارجة
_________________
(١) = فيكون الاستعمال حقيقيا لا مجازيا؛ بسبب شيوعه عندهم. أما غير الشائع عندهم فنستعمله مجازا؛ لأن استعمال القليل في موضع الكثير أو العكس، جائز بلاغة؛ ويكون من قبيل المجاز المرسل الذي علاقته الكلية أو الجزئية، واستعماله مطرد، ما دامت شروط المجاز متحققه، ولا يتوقف على استعمال العرب للكلمة أو الكلمات المجازية ذاتها، وأنهم استعملوها مجازا؛ إذ لا أهمية مطلقا لاستبانة أمرهم في هذه الكلمة أو الكلمات؛ لأن استخدام المجاز قياسي بغير قيد، إلا قيد تحقق شروطه. غير أن العرب إذا استعملوا صيغة الكثرة في القلة أو العكس وكان هذا الاستعمال كثيرا شائعا فإنه يكون من قبيل الاستعمال الحقيقي لا المجازي، ويكون استعمالنا إياه حقيقيا كذلك؛ كاستعمالهم صيغة: "أفعال" في الكثرة؛ فهو حقيقي لنا أيضا. بخلاف استعمال "فعل" -مثلا- في القلة فإنه مجازي. ١ في ص٥٧٩.
[ ٤ / ٦٣١ ]
عن صيغتها؛ فليس لهما صيغ تدل على القلة أو على الكثرة كلاصيغ التي لجمع التكسير في هذين النوعين.
هذا رأي سيبويه. لكن الرأي الأرجح أن جمعي التصحيح لا يختصان بالقلة وإنما يصلحان١ للقلة والكثرة. عند خلو الكلام من قرينة تعين الجمع لأحدهما دون الآخر.
٢- وأن هناك فرقا هاما آخر؛ هو: أن جمع التكسير لا بد أن تتغير، فيه صيغة مفرده؛ بخلاف جمعي التصحيح؛ فإن مفردهما لا يتغير -في الأغلب- عند جمعه على أحدهما، بل يظل حافظا صورته الأصلية٢.
٣- وأن جمع التكسير وجمع المؤنث السالم يعربان بالحركة، أما جمع المذكر السالم فيعرب بالحرف٣.
قياسية جمع التكسير:
صيغ جمع التكسير -بنوعيه- متعددة، وأوزانه كثيرة تجاوز الثلاثين؛
_________________
(١) ١ راجع خاتمة "المصباح المنير"، ص٩٥٤ بعنوان: "فصل: الجمع قسمان، قلة وكثرة " حيث صرح بالرأي الأرجح وبأدلته. ومن أمثلة الكثرة قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ ومما يدل على القلة قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ والمراد بها: أيام التشريق، وهي قلة وكذلك كتاب "مجمع البيان لعلوم القرآن" تأليف الطبرسي ج٣ ص٨٨ ونقلنا في الجزء الأول "م١٠ رقم ٢ من هامش١٢٥ باب جمع المذكر السالم" رأي أبي علي الفارسي في هذا، فقد جاء في كتاب: "المحتسب" لابن جني "ج١ ص١٨٧ سورة النساء" ما نصه: "كان أبو علي ينكر الحكاية المروية عن النابغة، وقد عرض عليه حسان بن ثابت شعره، وأنه صار إلى قوله: لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحا وأسيافنا يقطرن من نجده دما قال له النابغة: لقد قللت جفانك وسيوفك. قال أبو علي: هذا خبر مجهول لا أصل له؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ ولا يجوز أن تكون الغرف كلها التي في الجنة من الثلاث إلى العشر. ا. هـ. ٢ انظر رقم ١ من هامش ص٦١٣. ورقم ٢ من هامش ص٦٧٩. ٣ راجع أحكام هذه الجموع وكثير مما يختص بها في ج١ م٧ "أنواع البناء والإعراب ".
[ ٤ / ٦٣٢ ]
منها: "الصيغ المطردة"، ويتصدى علم: "النحو الصرف لبيانها، وعرض أحكامها، ومنها: "غير المطردة"، والسبيل إلى معرفتها مقصور على المراجع اللغوي الأخرى التي تسرد أمثلة من الوارد "السماعي" الذي ليس مطردا.
المراد بالصيغة "المطردة" ما تتطلب مفردا مشتملا على أوصاف معينة، إذا تحققت فيه جاز جمعه تكسيرا على تلك الصيغة بدون تردد، ولا رجوع إلى كتب اللغة، أو غيرها لمعرفة وروده عن العرب، أو عدم وروده؛ فمثل هذا الجمع يكون صحيحا فصيحا ولو كان غير مسموع١. ولا يصح رفضه، ولا الحكم عليه بالضعف اللغوي، أو بشيء يعيبه من ناحية صياغته، أو وزنه، أو فصاحته، فصيغة "فعل" -مثلا تكون جمعا مطردا لكل مفرد مذكر على وزن: "أفعل" أو مؤنث على وزن: "فعلاء" بشرط أن يكون المفرد في الحالين مشتقا، دالا على لون، أو عيب نحو: هذا أحمر، وهؤلاء حمر، وهذه حمراء، وهن حمر. وذاك أخرس، وخم خرس وتلك خرساء، وهن خرس وهكذا كل صيغة أخرى من جموع القلة أو الكثرة، فإن المفرد يطرد جمعه عليها إذا كان مستويا للشروط التي يجب تحققها فيه؛ ليصلح أن يجمع على وزنها. فمعنى تحققت تلك الشروط ساغ جمعه عليها من غير استشارة المراجع اللغوية، وساغ استعمال هذا الجمع بغير توقف لمعرفة رأيها فيه، أهو موافق لما تحتويه أم مخالف؟ فإن هذا التوقف لا مسوغ له بعد أن تحققت في المفرد كل الشروط والصفات التي جعلته صالحا لأن يجمع جمع تكسير على تلك الصيغة والوزن.
وما أكثر تعدد الجموع في المراجع اللغوية، وكثير منها مخالف في صيغته لصيغة الجمع المطرد، فلا يؤدي هذا -مع كثرة الصيغ المخالفة- إلى تخطئة المطرد، ولا إلى الحكم عليه بالنسب، أو العيب، وإنما يؤدي إلى أن لهذا المفرد جمعين للتكسير -أو أكثر أحيانا- وأن أحد الجمعين كثير شائع، فهو لهذا
_________________
(١) ١ راجع ص "ع" من الكتاب الذي أخرجه مجمع اللغة العربية باسم: "مجموعة القرارات العلمية من الدورة الأولى إلى الدورة الثامنة والعشرين ".
[ ٤ / ٦٣٣ ]
قياسي مطرد، والآخر قليل في ذاته١ أو نادر؛ فهو سماعي، ولا يجوز القياس عليه؛ لقلته الذاتية وندرته١، ولا اتخاذ وزنه مقياسا يجمع عليه مفرد آخر غير الذي ورد مسموعا فيه عن العرب؛ وهذا هو المسمى: ب"جمع التكسير السماعي" أو: جمع التكسير غير المطرد". ومن ثم يتبين خطأ من يتوهم أن كل جموع التكسير سماعي، وأن الرجوع في كل جمع منها إلى المظان اللغوية محتوم على من يعرف الأوصاف المشروطة في مفرد كل صيغة، ومن لا يعرف.
نعم الرجوع إلى تلك المظان محتوم على من لا يعرف تلك الأوصاف والضوابط. أما من يعرفها فله أن يصل من طريق معرفته إلى ما يريد من جموع التكسير المطردة في تلك المفردات، ولا تمنعه معرفته أن يرجع -إذا شاء- إلى المظان اللغوية، ليستخدم ما تنص عليه من جموع أخرى مسموعة للمفردات التي معه؛ أي: أنه حر في استعمال جمع التكسير القياسي أو السماعي، من غير أن يفرض عليه الاقتصار على السماعي وحده٢، وإلا كانت الضوابط المطردة، والقواعد العامة المستنبطة من الكلام العربي الشائع عبثا لا جدى منه٣، فوق ما في
_________________
(١) ١ و١ بشرط أن تكون القلة ذاتية، لا نسبية. وقد سبق تفصيل الكلام عليهما في أجزاء الكتاب؛ ومن ذلك ج٣ م٩٣ ص٦٤ و٧٨. ٢ وبهذا الرأي الحكيم يأخذ جماعة من أئمة النحاة، في مقدمتهم الكسائي زعيم المدرسة الكوفية، ولا يقتصر في تطبيقه على الجموع أو المصادر ونحوهما؛ بل يجعله عاما شاملا في كل ما اجتمع له سماع وقياس. جاء في مقدمة: "القاموس المحيط" في الأمر الخامس من الأمور التي اختص بها القاموس ما نصه عند الكلام على ضبط المضارع : "السماع مقدم على القياس عند غير الكسائي. وأجاز الكسائي القياس مع السماع أيضا، على ما قرر في الدواوين الصرفية". ا. هـ. ولهذه المسألة -مسألة الجمع بين القياس والسماع تكملة هامة تجيء في رقم ٣ هنا. ٣ للمجمع اللغوي القاهري قرار حاسم -فوق المشار إليه كل ما سبق- أصدره بعد دراسة وافية، وهو يقطع بأن "المطرد"، و"القياس" بمعنى واحد؛ "كما اء في الصفحة الخامسة والخمسين من محاضر جلسات الدور الرابع لانعقاده: وهي الجلسة الرابعة صباح الثلاثاء ١٩ من يناير ١٩٣٧، وكما ورد أيضا في الصفحة الأولى من الجزء الرابع من مجلة المجمع" ونص القرار. "يرى المجمع أن الكلمات التي يستعملها قدامى النحويين والصرفيين؛ وهي: القياس: والأصل، والمطرد، والغالب، والأكثر، والكثير، والباب، والقاعدة ألفاظ متساوية الدلالة على ما ينقاس. وأن استعمال كلمة منها في كتبهم يسوغ للمحدثين من المؤلفين وغيرهم قياس ما لم يسمع على ما سمع، وأن المقيس على كلام العرب هو من كلام العرب". ا. هـ وفي محاضر جلسات الدور الرابع للانعقاد ص٣٨ وما بعدها ما نصه: "ويقال للشاذ: القليل، والأقل، والنادر، وأمثالها مما يفيد القلة والضعف أيضا". ا. هـ. =
[ ٤ / ٦٣٤ ]
البحث عن "المسموع" من عناء وإرهاق يبلغان حد التعجيز؛ بسبب كثرة المراجع
_________________
(١) = والمراد من تسجيل هذا القرار هنا ومن الإيضاح الذي ذكرته قبله، إزالة كل غموض عن قياسية الجموع المطردة، ومحو كل وهم تردد أو يتردد على خاطر بعض القدامى والمحدثين بهذا الشأن. وهناك أسباب أخرى قوية تزيل الشك أو الوهم عن قياسيته؛ هي الأسباب العامة الجليلة التي أشرنا إليها في مواضع متفرقة من الأجزاء الأربعة في الرد على من يتشككون في قياسية بعض المسائل. كالذي سجلناه بإفاضة في الجزء الثالث عند الكلام على: "أبنية المصادر القياسية" "ص١٨٣م ٩٨". ومن تلك الأسباب آراء العالم العبقري ابن جني التي يرجع إليها المجمع اللغوي في كثير من بحوثه، ويستشهد بفصله الرائع الذي عنوانه: "باب في اللغة المأخوذة قياسا" والذي نقلناه كاملا مستقلا ختمنا به الجزء الثاني. وقد سجلته مجلة المجمع في عددها الأول، كما سجلته محاضر جلساته مرة أخرى في الصفحة الخامسة والأربعين من محاضر جلسات الدور الرابع للانعقاد، وأيضا ما نقله عن المازني، وكذلك آراء العالم الذكي: "الفراء" الذي ورد عنه في محاضر جلسات المجمع اللغوي "دور الانعقاد الرابع ص١٠٨": "أنه إمام الكوفيين، ووارث علم الكسائي، ولا تثريب لينا إذا أخذنا بمذهبه". وكذلك الزمخشري وصاحب المصباح المنير، وغيرهم من الأئمة الذين سردنا آراءهم الجليلة مفصلة في الجزء الثالث -كما سبقت الإشارة هنا م٩٨ ص١٨٣. بقي السؤال عن المعنى الدقيق للاطراد الذي يباح عليه القياس، والمعنى الدقيق للكثرة التي تبيح القياس كذلك؟ ما عددها؟ وما شياتها؟ وما نعوتها؟.. وقد ورد هذا السؤال في ص١٢٩ من الكتاب الصادر من مجمع اللغة العربية بالقاهرة باسم: "كتاب في أصول اللغة" وهو المشتمل على مجموعة القرارات: التي أصدرها المجمع من الدورة التاسعة والعشرين إلى الدورة الرابعة والثلاثين، وتصدى للإجابة عن هذا السؤال أحد الأعضاء المجمعين مسجلا إجابته في تلك الصفحة قائلا ما نصه الحرفي: "أضع بين يدي السائل ما قال أصحاب أصول النحو في ذلك من بيان وتحديد نسبة عددية يمكن أن تكون أصلا لنسبة مئوية كالتي يستعملها المحدثون في الإحصاء؛ وذلك هو ما نقله السيوطي صاحب الاقتراح في ص٢١ سطر١٠ وما بعده -وكذلك في "المزهر" ج١ ص١٤٠- ونصه: "قال الشيخ جمال الدين بن هشام: أعلم أنهم يستعملون غالبا، وكثيرا، ونادرا وقليلا، ومطردا. فالمطرد لا يتخلف، والغالب أكثر الأشياء، ولكنه يتخلف، والكثير دونه، والقليل دونه، والنادر أقل من القليل. فالعشرون بالنسبة إلى ثلاثة وعشرين غالب، والخمسة عشر بالنسبة إليها كثير لا غالب، والثلاثة قليل والواحد نادر. فاعلم بهذا مراتب ما يقال فيه ذلك". ا. هـ. سيوطي. وبمحاولة علم هذا مفسرًا بالنسبة المئوية كما يقال اليوم تكون النتيجة هي: المطرد الذي مثله بثلاثة وعشرين وجعلها نهاية هو ١٠٠ % والغالب وهو ٢٠ من ٢٣ = ٢٠/ ٢٣ ٨٦ % أو ٨٧ % تقريبا، والكثير وهو ١٥ من ٢٣ % يساوي ٦٥ %، والقليل وهو ٣ من ٢٣ % يساوي ١٣ % والنادر وهو ١ من ٢٣ % يساوي ١/ ٣ ٤% تقريبا. وبهذا يكتفون، ولا يذكرون الشذوذ في هذا المقام بعدما وصلوا إلى الندرة وهي أقل القليل كما رأينا ". ا. هـ. انتهت الإجابة. هذا وقد أشرنا "في رقم ٤ من هامش ص٦٢٧" إلى أن المراد هناك من القلة، والكثرة، والاطراد، وعدم الاطراد مخالف للمراد منها هنا.
[ ٤ / ٦٣٥ ]
وتنوعها، وتباين طرائفها و
وفيما يلي الأوزان المطردة -أي: القياسية- لجمع التكسير بقسيمة: "جمع القلة، وجمع الكثرة"، والأوصاف الواجب تحققها في المفرد المراد جمعه على إحدى الصيغ، مع الإشارة إلى أن كل صيغة من هذه الصيغ المطردة قد تزاحمها صيغ كثيرة مسموعة، مرجعها اللغة وحدها.
أ- أشهر الصيغ المستعملة في جموع القلة أربعة:
١- أفعلة: وهو مقيس في كل مفرد يكون اسما، "لا وصفا"، مذكرا، رباعيا، قبل آخره حرف مده؛ نحو: طعام وأطعمة، بناء وأبنية١، عمود وأعمدة، رغيف وأرغفة
وهو مقيس أيضا في كل اسم على وزن: فعال، أو فعال "بفتح الفاء أو كسرها" إذا كان عين كل منهما ولامه من جنس واحد، أو كانت لامهما حرف علة، فالأول، نحو: بتات٢ وأبتة، وزمام وأزمة٣، والثاني نحو: "قباء٤ وأقبية، وكساء وأكسية" "فناء وأفنية، ورداء وأردية" ٥.
٢- أفعل: وينقاس في كل مفرد، اسم "لا صفة" على وزن: فعل "بفتح فسكون" صحيح العين؛ سواء أكان صحيح اللام أم معتلها؛ ليست فاؤه واوا، كوقت وليس مضعفا كعم وجده. فمثال صحيح اللام: بجر وأبحر نهر وأنهر ومثال معتلها: ظبي وأظب جرو وأجر٦.
_________________
(١) ١ ومثل: لسان وألسنة، وسنان وأسنة، قولهم: إعجاب المرء بنفسه يشرع إليه أسنة الطاعنين، وتطاوله على أبناء جنسه يجمع عليه ألسنة الشانئين ٢ متاع البيت، أو الزاد. ٣ انظر جمع "فعل" ص٦٤٢. ٤ العباءة أو: البرنس. ٥ الهمزة في آخر المفردات الأربعة منقلبة عن حرف علة والأصل "قباو، كساو" "فناي، رداي". ٦ أصل أظب وأجر: "أظبي"، و"أجرو" استثقلت الضمة على الياء في الكلمة الأولى فحذفت، فالتقى ساكنان، الياء والتنوين؛ فحذفت الياء التخلص من الساكنين؛ كطريقة حذفها في المنقوص. أما في الكلمة الثانية فقبلت الواو ياء لوقوعها متطرفة بعد كسرة، ثم حذفت بالطريقة السابقة.
[ ٤ / ٦٣٦ ]
وينقاس أيضا في كل اسم رباعي مؤنث تأنيثا معنويا؛ "أي: بغير علامة تأنيث ظاهرة"، قبل آخره مدة، "ألف، أو واو، أو ياء"؛ مثل: عناق "لأنى الجدي" وأعتق، وعقاب "لإحدى الطيور الجارحة" وأعقب، وذراع وأذرع، ويمين وأيمن، وثمود وعمود "على اعتبارها من أسماء المؤنث" وجمعهما: أثمد وأعمد.
٣- أفعال، وينقاس فيما لا ينقاس فيه "أفعل" السابق؛ فيطرد في كل اسم معتل العين بالواو أو بالياء أو بالألف؛ نحو: ثوب وأثواب سيف وأسياف باب وأبواب وفي كل اسم واوي الفاء؛ أو مضعف؛ نحو وقت وأوقات، وعم وأعمام.
وفي كل اسم ثلاثي مفتوح الأول، مع فتح ثانيه، أو مع كسره، أو ضمه، نحو: جمل وأجمال، ونمر وأنمار، وعضد وأعضاد.
وفي كل اسم ثلاثي مكسور الأول مع فتح ثانيه، أو مع كسره، أو تسكينه؛ نحو: عنب وأعناب، وإبل وآبال، وحمل وأحمال.
وفي كل اسم ثلاثي على وزن: "فعل، أو فعل" "بضم الأول والثاني، أو بسكون الثاني"، نحو: عنق وأعناق، وقفل وأقفال.
فإن كان المفرد على وزن: "فعل" "بضم ففتح" فالكثير١ أن يكون جمعه على: "فعلان" "بكسر فسكون"؛ نحو: صرد٢ وصردان، ونغر٣ ونغران، وجرذ٤ وجرذان.
وينقاس في كل اسم على وزن "فعل" معتل اللام أو مضاعفا٥.
أما الاسم الثلاثي الذي على وزن: "فعل" "بفتح فسكون" صحيح العين -غير ما سبق- فمنع كثير من النحاة جمعة قياسا على: "أفعال"٦. وهذا منع
_________________
(١) ١ كما يأتي في ص٦٥١. ٢ اسم طائر. ٣ اسم طائر. ٤ فأر. ٥ إيضاح هذا في ص٦٥٠ و٦٥١. ٦ مع أن "التصريح" وحاشيته نقلا منه نحو عشرين: منها: فرخ وأفراخ، حبر وأحبار، زند وأزناد، حمل وأحمال، شكل وأشكال، سمع وأسماع، لفظ وألفاظ، لحظ وألحاظ، محل وأمحال، رأي وآراء، سطر وأسطار، جفن وأجفان، لحن وألحان، نجد وأنجاد، فرد وأفراد، ألف وآلاف، أنف وآناف، وغيره ما ذكره كثير متناثر في المراجع اللغوية، منه: أرض وآراض، رمس وأرماس، عرش وأعراش، نهر وأنهار، نذل وأنذال، شخص وأشخاص، شرط وأشراط، جفر "وهي: الشاة السمينة" وأجفار، بعض وأبعاض، دخل وأدخال، ضرب وأضراب.
[ ٤ / ٦٣٧ ]
لا يستند إلى أساس سليم، والصواب جواز جمعه قياسيا على: "أفعال" فيقال: بحث وأبحاث، وسهم وأسهام و ١ ولا مانع أن يجمع
_________________
(١) ١ سبب منعهم جمع: "فعل على أفعال" الذي وصفناه هو ما جاء في الجزء الثاني من كتابه سيبويه "ص١٧٥ بعنوان: هذا تكسير الواحد للجمع " من أنه يجمع على: "فعال، وعلى فعول، وأفعل". وأن جمعه على: "أفعال" ليس بالباب في كلام العرب وإن كان قد ورد منه بعض ألفاظ؛ كأفراح، وأجداد، وأفراد. وقد جرى كثير من النحاة وراء سيبويه حتى عصرنا، وكانوا -في هذه المسألة- متسرعين؛ بدليل ما نقلناه من الصيغ الكثيرة في رقم ٦ من هامش الصفحة السابقة، وكذلك من جاء في الجزء الخامس ص٣٩٢ من كتاب: "إرشاد الأريب لمعرفة الأديب"، تأليف ياقوت الرومي، وطبعة مرجليوت، ونصه: "حدث أبو حيان التوحيدي. قال: "قال الصاحب بن عباد يوما: "فعل" بفتح فسكون -ويريد ما كان منه صحيح العين، ليس من الأنواع التي ذكروها"، "أفعال" قليل. ويزعم النحويون أنه ما جاء منه إلا زند وأزناد، وفرخ وأفراخ، وفرد وأفراد. فقلت له: أنا أحفظ ثلاثين حرفا "أي: كلمة" كلها: "فعل وأفعال". فقال: هات يا مدعي. فسردت الحروف -أي: الكلمات- ودللت على مواضعها من الكتب، ثم قلت: ليس للنحوي أن يلزم هذا الحكم إلا بعد التبحر، والسماع والواسع، وليس للتقليد وجه إذا كانت الرواية شائعة والقياس مطردا ، وهذا كقولهم: فعيل "بفتح فكسر، فياء ساكنة" على عشرة أوجه، وقد وجدته أنا يزيد على أكثر من عشرين وجها، وما انتهيت في التتبع إلى أقصاه. فقال: خروجك من دعواك في فعل "فتح فسكون" يدل على قيامك في فعيل". ا. هـ. وقد يفهم من كلام "التوحيدي" أيضا شيء آخر؛ هو أن الكثير الذي يباح عليه القياس يتحقق بورود ثلاثين مثالا مسموعة منه. والحق أن هذا فوق الكثير المبالغ فيه فيما أرى؛ لأنه ساقه في معرض التحدي وإثبات الحفظ والمعرفة كما يفهم من روح القصة لا مجرد نقل المسموع الذي يؤيده. وجاء على لسان أحد أعضاء المجمع اللغوي القاهري "وهو الأب أنستاس الكرملي" ما يأتي منقولا من محاضر جلسات دور الانعقاد الرابع ص٥١: "إن النحاة لم يصيبوا في قولهم: إن: "فعلا" لا يجمع على: "أفعال" إلا في ثلاثة الفاظ لا رابع لها: وهي: فرخ وأفراخ، وحمل وأحمال، وزند وأزناد، وأكد ابن هشام أن لا رابع لها. "والذي وجدته أن ما سمع عن الفصحاء من جموع: فعل على أفعال أكثر مما سمع من جموعه -أي: المطردة- عى: أفعل "بفتح، فسكون، فضم" أو فعال "بكسر ففتح"، أو: فعول "بضمتين" فعدد ما ورد =
[ ٤ / ٦٣٨ ]
-كغيره- على صيغة أخرى إذا انطبق عليه وصف المفرد الذي يطرد جمعه عليها.
٤- فعلة "بكسر، فسكون، ففتح" ولا يعرف لهذه الصيغة مفردات لها أوصاف معينة، وإنما يعرف عنها أنه مسموعة في جمع مفردات معدودة بعضها على وزن: فعل: "بفتحتين"؛ نحو: ولد وولدة، وفتى وفتية أو على وزن: فعل "بفتح فسكون"، نحو: شيخ وشيخة ثور وثيرة، أو على وزن فعل "بكسر ففتح"، نحو: ثنى١ وثنية. أو على وزن: فعال "بفتح أوله وثانيه" نحو: غزال وغزلة. أو على: وزن فعال "بضم ففتح"، نحو: غلام وغلمة، أو على وزن: فعيل "بفتح فكسر"؛ نحو: صبي وصبية وبعض صيغ أخرى لا ضابط لها
_________________
(١) = على أفعل هو "١٤٢" اسما، وعلى فعال "٢٢١" اسما، وعلى فعلان "كذا في الأصل ولعل الصواب فعول" هو "٤٢" فأن يسلموا بجمعه قياسا مطردا على "أفعال" أحق وأولى؛ لأن عدد ما ورد فيها هو "٣٤٠" لفظة وكلها منقولة عنهم، لورودها في الأمهات المعتمدة؛ مثل القاموس واللسان"، ثم قال: "يحق للمجمع ألا يعتمد على مجرد الأقوال التي تداولها النحاة ناقلين الأقوال الواحد عن الآخر بلا اجتهاد ولا إمعان في التحقيق بأنفسهم. أما الذي يؤيده الاجتهاد فمخالف لما أثبتوه. وقد حان الوقت أن ينادي المجمع على رءوس الملأ بهذه القاعدة الجديدة المبنية على أقوال الأئمة الفصحاء ". ا. هـ. ثم ذكر بعد هذا أن كل الأمثلة التي وجدها هي لصحيح العين والفاء وقد وافق المجمع اللغوي القاهري ومؤتمره المنعقد بالقاهرة في يناير سنة ١٩٧٠ على القرار التالي، ونصه -كما ورد في ص٢٢٣ من الجزء السادس والعشرين من مجلة المجمع الصادر في شهر ربيع الأول سنة ١٣٩٠ هـ ومايو سنة ١٩٧٠- هو: "قرر المجمع من قبل أن قياس جمع "فعل" الاسم الصحيح العين أن يكون على "أفعل" جمع قلة، وعلى "فعال" أو "فعول" جمع كثرة. واستنادا إلى نص عبارة أبي حيان في استحسان الذهاب إلى جمع فعل على "أفعال" مطلقا، واستناد أيضا إلى الألفاظ الكثيرة التي وردت مجموعة على هذا الوزن ترى اللجنة جواز جمع "فعل" اسما صحيح العين مثل: بحث وأبحاث على "أفعال" ولو كان صحيح الفاء، أو اللام ويدخل في ذلك مهموز الفاء، ومعتلها، والمضعف. وقد وافق المؤتمر على قرار اللجنة بصيغته المعروضة". ا. هـ. ١ الأمر الذي يعاد مرتين. وأيضا: الثاني في السيادة؛ أي: الذي يلي الرئيس الأكبر في السيادة والمكانة ومن الأول قوله ﵇: لا ثني في الصدقة. أي: لا تؤخذ مرتين في السنة.
[ ٤ / ٦٣٩ ]
إلا السماع المحض؛ لأن صيغة: "فعلة" لا تطرد في جمع مفردات معينة -كما سبق- وإنما أمر مفرداتها موقوف على السماع١
_________________
(١) ١ للأوزان الثلاثة الأولى ضوابط عرضها ابن مالك مختصرة بقوله في: "أفعل". لفعل اسما صح عينا: "أفعل" وللرباعي اسما أيضا يجعل إن كان كالعناق والذراع في مد، وتأنيث، وعد الأحرف وقد اكتفى ابن مالك في ضابط "أفعل" بأن مفرده يكون صحيح العين، وأن الرباعي يكون كالعناق في المد، والتأنيث، وعدد الحروف. وقد شرحنا المراد. ثم قال في صيغة: "أفعال"، إن الذي لا يطرد جمعه على "أفعل" يجمع على "أفعال": والغالب أن "فعلان" هو جمع لفعل. كصردان فإن مفرده: صرد: وغير ما "أفعل" فيه مطرد من الثلاثي اسما "بأفعال" يرد وغالبا أعناهمو "فعلان" في: "فعل"؛ كقولهم: صردان ثم انتقل إلى صيغة: "أفعلة"، فقال: في اسم مذكر رباعي بمد ثالث "افعلة" عنهم اطرد والزمه في: "فعال" أو: "فعال" مصاحبي تضعيف، أو إعلال أما وزن "فعلة" -ومفرده لا يكون إلا سماعيا- فعرضه في الشرط الثاني من بيت بعد هذا مباشرة، شطره الأول خاص يجمع من جموع الكثرة. "سيجيء في هامش ص٦٤٢" قال: "فعل" لنحو أحمر وحمرا و"فعلة" جمعا بنقل يدرى يريد من الشطر الثاني أن "فعلة". يدرى مفرده ويعلم بالنقل الوارد عن العرب وبالسماع المأثور عنهم. فلا ضابط له ولا قياس.
[ ٤ / ٦٤٠ ]
المسألة ١٧٣:
ب- أشهر الصيغ المستعملة في جموع الكثرة.
أشهرها ثلاثة وعشرون جمعا قياسيا. وقيل أن نسردها، ونذكر شروط اطرادها نذكر أن لكل مفرد من مفرداتها جموعا مسموعة متعددة تخالف هذه الجموع القياسية المطردة -وقد أوضحنا الحكم في هذا-١ وفيما يلي القياسية:
١- فعل "بضم فسكون" وهو جمع قياسي لشيئين، هما: "أفعل" وصف لمذكر٢، و"فعلاء" وصف لمؤنث؛ نحو: "أحمر وحمراء، وجمعهما: حمر". "وأخضر وخضراء، وجمعهما: خضر"، "وأصفر وصفراء، وجمعهما: صفر"
ويجب ترك فائه مضمومة إن كانت عينه صحيحة وأو معتلة بالواو، نحو: خضر، وزرق، وسود، وحو؛ "في جمع: أخضر وخضراء، وأزرق وزرقاء، وأسود وسوداء، وأحوى وحواء"٣، ففي هذه الأمثلة -وأشباهها- تسلم ضمة الفاء في الجمع، وتبقى على حالها.
أما إن كانت عينه ياء فيجب قلب ضمة الفاء كسرة؛ لتسلم الياء من القلب، "نحو: أبيض وبيضاء، وجمعهما: بيض؛ بكسر الباء"٤، ومثل: "أعين٥
_________________
(١) ١ في ص٦٣٣. ٢ استثنى ابن هشام -كما نقل عنه الصبان- أربعة من ألفاظ التوكيد المعنوي التي سبق الكلام عليها في بابه من الجزء الثالث؛ هي: "أجمع، أكتع، أبتع، أبصع" مصرحا بأنها لا تجمع جمع تكسير، وإنما تجمع جمع سلامة فقط. ولكن الأمثلة التي عرضتها المراجع النحوية المختلفة في باب التوكيد اشتملت على جمعها للتكسير على صيغة: "فعل" ولم تقتصر على جمع السلامة. فلعل المراد هو منع تكسيرها على: "فعل". ٣ الحوة: سواد يميل إلى خضرة، أو حمرة تميل إلى سواد. ٤ كقول الشاعر يمدح: له خلائق بيض لا يغيرها صرف الزمان كما لا يصدأ الذهب ٥ أعين الرجل: اتسعت عينه واشتد سوادها.
[ ٤ / ٦٤١ ]
وعيناء وجمعهما: عين، بكسر العين"، ووزن الجمع "فعل"، بضم الفاء كأصله، برغم ما طرأ على فائه من قلب ضمتها كسرة.
ويجوز في ضرورة الشعر ضم العين من هذا الجمع بشرط أن تكون صحيحة وغير مضعفه، وأن تكون لامه صحيحة كذلك؛ مثل: "النجل"١ في قول الشاعر:
طوى الجديدان٢ ما قد كنت أنشره وأنكرتني ذوات الأعين النجل
ولا يجوز ضم العين إن كانت معتلة، نحو: بيض وسود، أو كانت مضعفة، نحو: غر، جمع أغر أو غراء. أو كانت اللام معتلة؛ نحو: عشي وعمي، جمع: أعشى وعشواء، وأعمى وعمياء٣
٢- فعل "بضم أوله وثانيه"، وينقاس في شيئين:
أولهما: وصف على: "فعول" "بفتح فضم" بمعنى فاعل، نحو: صبور وغفور؛ فجمعهما القياسي: صبر وغفر، فإن كان بمعنى مفعول -نحو: حلوب، وركوب- لم يجمع هذا الجمع.
ثانيهما: اسم رباعي صحيح اللام، قبل لامه مدة؛ سواء أكانت، ألفا، أم واوا؛ أم ياء، غير أن المدة إن كانت ألفا يجب أن يكون الاسم غير مضاعف ومن الأمثلة؛ عماد وعمد، وأتان وأتن، وعمود وعمد، وقلوص٤ وقلص، وبريد وبرد فلا فرق في هذا الاسم بين المذكر والمؤنث.
فإذا كانت المدة ألفا والاسم الرباعي مضعفا فقياس تكسيره: "أفعله"، نحو: زمام وأزمة، وهلال وأهلة، وسنان، وأسنة -كما سبق عند الكلام على: "أفعلة"٥. أما إن كانت المدة ياء أو واوا فالاسم المضعف يجمع على:
_________________
(١) ١ جمع، مفرده: نجلاء، وهي العين المتسعة؛ يقال: عين نجلاء، أي واسعة. ٢ الليل والنهار. ٣ وإلى ما سبق يشير ابن مالك في صدر البيت السالف في هامش ص٦٤٠، وهو: فعل لنحو أحمر وحمرا ٤ الناقة الشابة القوية. ٥ ص٦٣٦.
[ ٤ / ٦٤٢ ]
"فعل" أيضا؛ نحو: سرير وسرر، وذلول وذلل١.
ويجب -في غير الضرورة الشعرية- تسكين عين هذا الجمع إن كانت واوا؛ نحو: سوار وسور، وسواك وسوك، وصوان٢ وصون -أما في الضرورة الشعرية، فيجوز بقاؤها مضمومة.
وإن كانت عينه ياء جاز ضمها أو تسكينها. لكن يجب عند تسكينها كسر فائه، لتسلم الياء؛ نحو: سيال٣ وسيل، أو: سيل
ويجوز تسكين عينه إن كانت حرفا صحيحا؛ نحو: كتاب وكتب، أو: كتب، وأتان وأتن أو أتن
ويمتنع تسكين عين المضعف٤؛ نحو: سرير سرر٥
فللعين في هذا الجمع أربع حالات: وجوب ضمها -وجوب تسكينها، إلا في المضعف، فيمتنع- جواز الأمرين من غير تغيير حركة الفاء جواز الأمرين مع وجوب كسر الفاء إن سكنت العين وكانت ياء.
٣- فعل "بضم ففتح" ويطرد في أربعة أشياء.
أ- اسم على وزن: "فعلة" "بضم فسكون" سواء أكان صحيح اللام،
_________________
(١) ١ انظر "د" في ص٦٤٤، ففيها بيان حكم آخر. ٢ ما يسمى: "الدولاب". ٣ "بفتح السين وكسرها" نوع من الشجر له شوك. ٤ ويجوز فتحها بمراعاة ما سيأتي في "د" في الصفحة التالية. ٥ وفي الكلام على: "فعل" يقول ابن مالك: وفعل لاسم رابعي بمد قد زيد قبل لام اعلالا فقد ما لم يضاعف -في الأعم- ذو الألف وفعل جمعا لفعلة عرف "إعلالا: مفعول به للفعل: فقد. والأصل؛ قد زيد قبل لام، وحرف اللام فقد إعلالا. أي بشرط أن تكون اللام صحيحة، و"ذو" نائب فاعل للفعل: يضاعف. وبشرط ألا يكون الاسم الذي قبل آخره ألف مضاعفا، وهذا في الاستعمال الأعم الأغلب المطرد. وبقية البيت الثاني لا شأن له بصيغة "فعل" "وإنما يختص بوزن آخر سيجيء؛ هو: فعل.
[ ٤ / ٦٤٣ ]
أم معتلها، أم مضاعفها؛ نحو: غرفة وغرف، ومدية ومدى، وحجة وحجج.
ب- وصف على وزن: "فعلى" التي هي مؤنث الوصف المذكر: "أفعل"، نحو: الكبرى، والوسطى، والصغرى؛ فجمعها القياسي: الكبر والوسط، والصغر، والمفرد المذكر هو: أكبر، أوسط، وأصغر، ولا يصح جمع "حبلى" على "حبل" لأنها وصف لمؤنث لا مذكر له.
ح- اسم على وزن: "فعلة "بضم أوله وثانيه"، نحو: جمعة وجمع.
د- كل جمع تكسير على وزن "فعل"١ "ضمتين" وعينه ولامه من جنس واحد، فإنه يجوز عند بعض القبائل العربية تخفيفه بجعله على وزن: "فعل" "بضم أوله؛ وفتح ثانيه"، نحو: جديد وذلول؛ فقياس جمعهما للتكسير: جدد وذلل، ويصح التخفيف، فيقال: جدد وذلل.
٤- فعل "بكسر ففتح" ويطرد في اسم تام٢ على وزن: "فعلة" "بكسر فسكون"، نحو: كسرة وكسر، بدعة وبدع، فرية وفرى. وقد يجمع فعلة على فعل؛ وهو قياسي، ولكنه قليل نحو حلية وحلى، ولحية ولحى "بضم أولها في التكسير أو بالكسر".
فإن كان المفرد صفة لم يجمع قياسا هذا الجمع؛ نحو: صغرة وكبرة "بمعنى: صغير وكبير" وكذلك إن كان غير تام، نحو: رقة٣، وأصلها ورق "بكسر الواو" حذفت فاؤها، ونقلت حركتها إلى الحرف الساكن بعدها، وعوض عنها تاء التأنيث في آخره؛ فلا يقال: "ورق" بجمع المفرد بعد بعد إرجاع الحرف المحذوف، وإبقاء التي هي عوض عنه، فهذا لا يصح؛ لأن فيه جمعا بين العوض والمعوض عنه٤
_________________
(١) ١ سبق الكلام عليه في ص٦٤٢. ٢ لم يحذف من أصوله شيء. ٣ فضة. ٤ في الجمعين: فعل وفعل يقول ابن مالك: وفعل جمعا لفعلة عرف ونحو: كبرى، ولفعلة فعل وقد يجيء جمعه على فعل
[ ٤ / ٦٤٤ ]
٥- فعلة "بضم ففتح" وهو مقيس في كل وصف لمذكر عاقل، على وزن: فاعل، معتل اللام بالياء أو بالواو؛ نحو: رام ورماة، ساع وسعاة، غاز وغزاة، داع ودعاة. وأصل: رماة وسعاة وغزاة ودعاة رمية، وسعية وغزوة، ودعوة. وكلها على وزن: "فعلة" تحرك حرف العلة وانفتح ما قبله، فانقلب حرف العلة ألفا؛ فصار جمع التكسير على الصورة السالفة، ووزنها "فعلة" بالرغم مما دخلها من التغيير.
فلا يجمع على هذا الوزن ما كان اسما، نحو: واد، وعاد "اسم قبيلة"، ولا ما كان وصفا لمؤنث؛ نحو: سارية وعادية، ولا ما كان وصفا لمذكر غير عاقل؛ نحو: ضار في مثل: أسد ضار، أو وصفا وزنه على غير فاعل؛ كجميل، أو صحيح اللام؛ كعالم
٦- فعلة "بفتح أوله وثانيه"، وهو مقيس في كل وصف على وزن: "فاعل"، لمذكر، عاقل، صحيح اللام، نحو: كامل وكملة، وكاتب وكتبة، وبار وبررة.
فلا يجمع هذا الجمع ما كان غير وصف؛ نحو: واد وعاد، اسمين ولا ما كان وصفا على غير فاعل، ن نحو: حذر، ولا ما كان وصفا لمؤنث؛ نحو: طالق، وحامل "بمعنى حبلى" ولا ما كان وصفا لغير العاقل؛ نحو: صاهل، ولاحق، وسابق؛ من أوصاف الحصان، ولا ما كان وصفا معتل اللام، نحو: ساع، وداع١
فأوصاف المفرد هنا هي أوصافه في الصيغة السابقة إلا أن اللام هنا صحيحة وهناك معتلة.
_________________
(١) ١ وفي الجمعين: "فعلة، وفعلة" يقول ابن مالك: في نحو: رام ذو اطراد فعله وشاع نحو: كامل وكمله واكتفى بالمثال "رام" فلم يذكر الشروط الخاصة بجمع هذا المفرد على: فعلة؛ لأن الشروط التي سردناها متحققة في المثال. كما استغنى بالمثال: "كامل" الذي قياس جمعه للتكسير "فعلة" عن سرد الشروط؛ لأن المثال جامع لها. والمراد بالشيوع في الشطر الثاني من البيت: الشيوع الذي يفيد الاطراد؛ لأن بعض الأشياء الشائعة لا تكون مطردة عند فريق من قدامى النحاة. وقد ذكرنا في رقم ٣ من هامش ص٦٣٤ ما قرره المجمع اللغوي، وهو: أن الشيوع والاطراد في كلام القدماء بمعنى واحد، وكلاهما يقاس عليه.
[ ٤ / ٦٤٥ ]
٧- فعلى "بفتح فسكون"، وهو مقيس في كل وصف دال على آفة طارئة؛ من موت، أو ألم، أو عيب ونقص، "أي نقص"، ويشمل سبعة أنواع:
أ- المفرد الذي على وزن: "فعيل" بمعنى: مفعول، نحو: صريع، وقتيل، وجريح، والجمع؛ صرعى، وقتلى، وجرحى. وهذه أوصاف دالة على موت، أو توجع.
ب- المفرد الذي على وزن: فعيل؛ بمعنى فاعل؛ نحو: مريض ومرضى١.
ج- المفرد الذي على وزن: فعل؛ كزمن وزمنى، والوصفان السالفان دالان على الألم.
د- المفرد الذي على وزن فاعل، نحو: هالك وهلكى.
هـ- المفرد الذي على وزن: فعيل "بفتح، فسكون، فكسر"، نحو: ميت وموتى.
والمفرد الذي على وزن: أفعل؛ كأحمق وحمقى.
ز- المفرد الذي على وزن فعلان؛ كسكران وسكرى.
وهذان الوصفان الأخيران دالان على نقص وعيب٢
٨- فعلة "بكسر ففتح" وهو مقيس في كل اسم صحيح اللام، على وزن: فعل "بضم فسكون"، نحو: قرط وقرطة. ودرج ودرجة، وكوز وكوزة، ودب ودببة. ومن القليل المقصور على السماع أن يكون جمعا لفعل "بفتح
_________________
(١) ١ وقد يجمع "فعيل" هذا على صيغة أخرى إن وافق البيان الآتي في ص٦٤٩ و٦٥٢ و٦٥٣. ٢ وفي: فعلى يقول ابن مالك: فعلى لوصف، كقتيل وزمن وهالك. وميت به قمن "قمن، أي: حقيق وجدير". يريد: أن: "فعلى" جمع لكل وصف على وزن: "فعيل" و"فعل"، و"فاعل" كالأمثلة السابقة، وما يؤدي معناها في الدلالة على الهلاك أو المرض أو الألم. ثم قال: إن ما كان على وزن: فيعل، مثل: ميت، حقيق بأن يجمع هذا الجمع؛ فيقال فيه: موتى. وأصل: "ميت" ميوت، اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون؛ قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء.
[ ٤ / ٦٤٦ ]
فسكون" أو: لفعل "بكسر فسكون"، نحو: غرد١ وغردة قرد وقردة٢
٩- فعل: "بضم أوله، وتشديد ثانيه المفتوح"، وهو مقيس في كل: وصف، صحيح اللام، على وزن: فاعل، أو فاعلة، سواء أكانت عينهما صحيحة أم معتلة؛ نحو: قاعد وقاعدة، ونائم ونائمة، وراكع وراكعة، وساجد وساجدة، والجمع: قعد، ونوم، وركع، وسجد٣ ، ومن النادر الذي لا يقاس عليه أن يكون: "فعل" جمعا لوصف معتل اللام لمذكر على وزن: فاعل، نحو: غزى، وسرى، وعفى، ف جمع: غاز، وسار، وعاف.
١٠- فعال "بضم أوله وتشديد ثانيه"، وهو مقيس في كل وصف صحيح اللام لمذكر، على وزن: فاعل، نحو: صائم وصوام، قارئ وقراء، ومن النادر الذي لا يقاس عليه أن يكون جمعا لوصف صحيح اللام على وزن: "فاعلة"، كقول الشاعر:
أبصارهن إلى الشبان مائلة وقد أراهن عني غير صداد
جمع صادة٤
_________________
(١) ١ نوع من النبات الصحراوي، المسمى: الكمأة، واختلفوا في ضبط الغين في المفرد؛ فقيل مفتوحة، وقيل مكسورة. ٢ وفي "فعلة" يقول ابن مالك: لفعل اسما صح لاما "فعلة" والوضع -في فعل وفعل- قلله "الوضع العربي، وهو وضع العرب للألفاظ بصيغها ومعانيها الواردة عنهم قلل أن يكون وزن فعلة جمعا لاسم على وزن: فعل، أو فعل؛ فكلمة: "الوضع مبتدأ، خبره الجملة الفعلة: قلله". ٣ ومن الأمثلة لهذين قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ . ٤ وفي الجمعين الأخيرين: "فعل وفعال" يقول اين مالك. وفعل لفاعل، وفاعله وصفين؛ نحو: عاذل وعاذله ومثله الفعال فيما ذكرا وذان في المعل لاما ندرا ويفهم من البيت الثاني أن الفعال كالفعال، ولكن بشرط أن يكون المفرد مذكرا، وأن الوزنين نادران في الوصف المعتل اللام؛ نحو: غاز، وغزى، وغزاء.
[ ٤ / ٦٤٧ ]
١١- فعال "بكسر ففتح من غير تشديد"، وهو مقيس في مفردات كثيرة الأوزان، وأشهرها ثلاثة عشر وزنا:
الأول والثاني: "فعل"، و"فعلة" "بفتح الأول وسكون الثاني فيهما" اسمين أو وصفين، ليست فاؤهما ولا عينهما ياء. نحو: كعب وكعاب، وقصعة وقصاع، وصعب وصعاب، وخدله١ وخدال.
فإن كان معتل الفاء أو العين بالياء فجمعه على "فعال" نادر، لا يقاس عليه؛ نحو: يعر٢ ويعار، وضيف وضياف، وضيعة وضياع٣
الثالث، والرابع: فعل وفعلة "بفتح أولهما وثانيهما"، بشرط أن يكونا اسمين، لامهما صحيحة، وغير مضعفة، نحو: جبل وجبال، وجمل وجمال، ورقبة ورقاب، وثمرة وثمار فخرج نحو: بطل وبطلة؛ لأنه وصف، ونحو: فتى وعصا؛ لاعتلال لامهما، نحو: طلل، لأن مضعف اللام
الخامس، والسادس: فعل "بكسر فسكون" وفعل "بضم فسكون" بشرط أن يكونا اسمين، وأن يكون "فعل" غير واوي العين: كحوت، ولا يائي اللام كمدي٤، ومن الأمثلة: ذئب وذئاب، بئر وبئار، رمح ورماح، دهن ودهان٥
_________________
(١) ١ سمينة الذراعين والساقين. ٢ الجدي يوضع في حفرة عميقة، ليجيء الأسد لافتراسه؛ فيتردى فيها، ويتمكن الصيادون من صيده. أو الإجهاز عليه. ومن أمثال العرب: أذل من يعر، وهو: الجدي.. ٣ وفي هذا يقول ابن مالك: "فعل وفعلة"؛ "فعال" لهما وقل فيما عينه "اليا" منهما ولم يذكر أنه قليل فيما فاؤه "الياء" أيضا. ٤ نوع من المكاييل يسمى: القفيز الشامي وهو غير المكيال الذي يسمى: المد. ٥ في الأربعة الأخيرة يقول ابن مالك: و"فعل" أيضا له: "فعال" ما لم يكن في لامه اعتلال أو يك مضعفا. ومثل: "فعل" ذو التا، و"فعل" "مع فعل"؛ فاقبل أي: اقبل جمع: "فعل وفعل" على "أفعال". ولم يذكر شروط جمعهما وقد ذكرناها. والمراد بقوله: "ذو التاء" ما كان على وزن" "فعل" وختم بها فصار "فعلة". مع استيفائه الشروط.
[ ٤ / ٦٤٨ ]
السابع، والثامن: فعيل بمعنى فاعل١، ومؤنثه؛ بشرط أن يكونا وصفين، ولامهما صحيحة، نحو: ظريف وظريفة وجمعهما: ظراف. وكريم وكريمة وجمعهما: كرام، وشريف وشريفة وجمعهما: شراف. فخرج نحو: حديد وجريدة؛ لأنهما اسمان، ونحو: غنى وولي؛ لاعتلال لامهما، وكذلك غنية وولية. وكذلك جريح ورجيحة؛ لأنهما وصفان بمعنى مفعول، لا فاعل٢
وإذا كان "فعيل" هذا ومؤنثه معتلي العين بالواو، صحيحي اللام فإن العرب تكاد تلتزم في جمعهما صيغة: "فعال"؛ نحو: "طول وطويلة، وجمعهما: طوال"، "وقويم٣ وقويمة، وجمعهما: قوام"، "وصواب وصويبة٤، وجمعهما: صواب ".
التاسع، والعاشر والحادي عشر: وصف على وزن: فعلان، أو على مؤنثة: فعلى، وفعلانة "بضم وسكون في الثلاثة"، نحو: غضبان وغضبي، وجمعهما: غضاب، ومثل: ندامان وندمانة، وجمعهما: ندام.
الثاني عشر، والثالث عشر: وصف على وزن: فعلان، أو على مؤنثة: فعلانة "بضم فسكون فيهما"؛ نحو: خصمان٥ وخمصانة، وجمعهما: خماص ٦.
هذا، وجمع: "فعال" من جموع التكسير التي لها مفردات كثيرة غير
_________________
(١) ١ قد يجمع على صيغة أخرى إن وافق، ما في ص٦٥٢ و٦٥٣. ٢ وفي: "فعيل" هذا يقول ابن مالك: وفي: "فعيل" وصف فاعل ورد كذاك في أنثاه أيضا اطرد ٣ حسن القامة. ٤ صائبة. ٥ جائع. ٦ يقول ابن مالك في الجموع الخمسة الأخيرة، وفي: "فعيل" معتل العين بالواو، صحيح اللام؛ نحو: طويل -وقد سبق الكلام عليه قبلها مباشرة: ما نصه: وشاع في وصف على: "فعلانا" أو: "أنثييه"، أو على: "فعلانا ومثله: "فعلانة". وألزمه في نحو: "طويل، وطويلة" تفي أي: تفي بالمطلوب، وتحقق القياس. والمراد بالشيوع هنا: الاطراد والكثرة التي يقاس عليها.
[ ٤ / ٦٤٩ ]
قياسية، منها: رجل ورجال، وحدأة وحداء، وخروف وخراف١ وقلوص٢ وقلاص
١٢- فعول "بضم أوله وثانيه" ويطرد في ألفاظ:
منها: الاسم الذي على: "فعل" "بفتح فكسر"، نحو: كبد وكبود، نمر، ونمور
ومنها الاسم الثلاثي الساكن العين بشرط أن يكون مفتوح الفاء، ليس معتل العين بالواو، نحو: كعب وكعوب، رأس وروس، عين وعيون، فخرج منه، نحو: حوض، فلا يجمع على: فعول
ومنها الاسم الثلاثي الساكن العين، مكسور الفاء؛ نحو: علم وعلوم، حلم وحلوم، ضرس وضروس٣.
ومنها: الاسم الثلاثي ساكن العين، مضموم الفاء بشرط ألا يكون معتل العين بالواو: كحوت، ولا معتل اللام؛ كمدى وهو نوع من المكاييل، كما سبق٤، ولا مضعف اللام؛ كمد -لنوع من المكاييل أيضا- ومن الأمثلة الصحيحة: جند وجنود، برد وبرود.
_________________
(١) ١ جاء في الهمع في هذا الموضع "ج٢ ص١٧٧ بعد أن سرد المفردات التي تجمع على: "فعال" قياسا مطردا" ما نصه: "وشذ فعال" فيما عدا ما ذكر؛ كخروف وخراف، و ". ا. هـ. وسرد كلمات أخرى. وبذا تكون كلمة: "خراف" مجموعة سماعا وصحيحة الاستعمال. ٢ ناقة شابة: أما الجمع: "قلاص" فيقول فيه "التصريح" إنه من الجموع المحفوظة، يريد: الشاذة. ٣ وفي جمع: "فعول" بأنواعه المختلفة التي شرحناها يقول ابن مالك: وبفعول: "فعل"؛ نحو: كبد يخص غالبا. كذاك يطرد: في "فعل" اسما مطلق "الفا" و"فعل" له وللفعال فعلان حصل المراد بمطلق "الفا" أن فاءه ليست مقيدة بالفتح، أو بالكسر، أو بالضم، ولم يذكر الشروط والتفصيلات الخاصة بمفتوح الفاء، ومضمومها، وقد سردناها. والجزء الأخير من البيت الثاني خاص بجمع آخر هو، "فعلان" وسيجيء الكلام عليه. ٤ في رقم ٤ من هامش ص٦٤٨.
[ ٤ / ٦٥٠ ]
أما: معتل العين بالواو فالغالب جمعه على: فعلان؛ مثل: حوت وحيتان وأما المعتل اللام فالغالب جمعه على: "أفعال"، نحو: مدي وأمداء -بقلب يائه همزة؛ طبقا لقواعد الإعلال -وكذلك مضعف اللام، نحو: مد وأمداد.
ومنها: اسم ثلاثي على وزن: "فعل" "بفتح أوله وثانيه" الخالي من حروف العلة. وهذا النوع مختلف في اطراده؛ فقيل: يجمع قياسا على: "فعول" وهذا حسن، وقيل سماعا فقط، نحو: أسد وأسود، وشجن وشجون. والذين يقولون بقياسيته يشترطون ألا يكون وصفا ولا مضاعفا. فلا يجمعون كلمة: نصف١ ولا لبب٢ على: نصوف، ولبوب.
١٣- فعلان "بكسر فسكون" وهو مقيس في ألفاظ، منها: اسم على وزن: "فعال" "بضم ففتح": نحو؛ غلام وغلمان، وغراب وغربان.
ومنها: اسم على: "فعل" "بضم ففتح"؛ نحو: جرذ وجرذان، صرد٣ وصردان.
ومنها: اسم على: "فعل" "بضم فسكون" معتل العين بالواو؛ نحو: حوت وحيتان، كوز وكيزان، عود وعهيدان
ومنها: اسم على "فعل" "بفتح ففتح"؛ والأغلب أن تكون عينه في الأصل معتلة؛ نحو: تاج وتيجان، ونار ونيرات، وقاع وقيعان، وخال وخيلان٤، والأصل: توج، ونور، وخيل٥ "تحرك حرف العلة في المفرد، وانفتح ما قبله، فانقلب ألفا".
_________________
(١) ١ المزأة المتوسطة السن. ٢ موضع القلادة من العنق. ٣ طائر ضخم الرأس يصطاد العصافير. وقد سبقت الإشارة لهذا الجمع في ص٦٣٧. ٤ النقط المخالفة لبقية لون البدن. ٥ وفي "فعلان" يقول ابن مالك: وللفعال: فعلان حصل وشاع في حوت وقاع مع ما ضاهاهما. وقل في غيرهما
[ ٤ / ٦٥١ ]
١٤- فعلان "بضم فسكون" ويطرد في اسم على وزن: فعل "بفتح فسكون"، نحو: ظهر وظهران، وبطن وبطنان، وفي اسم صحيح العين على وزن: فعل "بفتح ففتح"، نحو: حمل وحملان، بلد وبلدان. وفي اسم على: فعيل؛ نحو: رغيف ورغفان، وكثيب وكثبان١
١٥- فعلاء "بضم ففتح" ويطرد في أشياء منها:
"فعيل" بمعنى: فاعل، وصفا لمذكر عاقل٢؛ أو بمعنى: مفعل "بضم فسكون: فكسر" أو بمعنى: مفاعل "بضم ففتح، ثم كسر العين" بشرط أن تكون صيغة "فعيل" في الثلاثة غير مضعفة، ولا معتلة اللام. ومن الأمثلة: "كريم وكرماء، وبخيل وبخلاء، وظريف وظرفاء" وكذا: "سميع؛ بمعنى: مسمع، وجمعه: سمعاء، وأليم بمعنى: مؤلم، وجمعه ألماء. وخصيب بمعنى: مخصب وجمعه: خصباء"، وكذا: "خليط بمعنى: مخالط وجليس؛ بمعنى: مجالس، وقريع بمعنى: مقارع وجموعها: خلطاء، جلساء، قرعاء".
ومنها: فاعل"، وصفا دالا على غريزة، وسجية، وأمر فطري غير مكتسب -غالبا- نحو: عاقل وعقلاء، نابه ونبهاء، شاعر وشعراء٣. أودلا
_________________
(١) ١ وفي هذه الأسماء الثلاثة التي تجمع قياسا على: فعلان، يقول ابن مالك: و"فعلا" اسما، و"فعيلا" و"فعل" غير معل العين: فعلان شمل "فعلا: مفعول به مقدم للفعل: شمل في آخر البيت". يريد: أن الجمع: "فعلان" يشمل من المفردات أنواعا منها: فعل، وفعل، وفعل ٢ وقد يجمع على صيغة أخرى إن وافق ما في ص٦٤٩ و٦٥٣. ٣ وفي فعلاء وأفعلاء يقول ابن مالك: ولكريم وبخيل فعلا كذا لما ضاهاهما قد جعلا وناب عنه "أفعلاء"؛ في المعل لاما، ومضعف. وغير ذاك قل وقد قيل: إن "أفعلا" هذا نائب عن "فعلاء" لعلل مصنوعة دفعها المحققون. ولا داعي للتسمية ولا للتعليل؛ لأن العلة الحقيقية هي استعمال العرب هذا الوزن جمعا لفعيل بمعنى فاعل إذا كان مضعفا أو معتل اللام. كقوله: "لا عظمة ولا سلطان إلا للأعزاء الأقوياء، وليس بعزيز ولا قوي من لم يتحصن بالفضيلة، ويتسلح بمكارم الأخلاق".
[ ٤ / ٦٥٢ ]
على ما يشبه الغريزة والسجية في الدوام وطول البقاء؛ نحو: صالح وصلحاء.
١٦- أفعلاء "بفتح، فسكون، فكسر، ففتح " وهو مقيس في كل وصف على وزن: "فعيل" "بفتح فكسر" بمعنى: فاعل١. بشرط أن يكون مضعفا أو معتل اللام، نحو: "عزيز وأعزاء، وشديد وأشداء٢، وقوى وأقواء، وولى وأولياء ومن القليل الذي لا يقاس عليه: صديق وأصدقاء؛ لأنه ليس مضعفا، ولا معتل اللام. وكذلك ظنين "أي: متهم"، وأظناء؛ لأنه بمعنى مفعول، لا فاعل.
١٧- فواعل: وهو مقيس في أشياء أشهرها سبعة؛ هي:
أ- فاعلة: سواء أكان اسما أم صفة، وقد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ، نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ . فالناصية: اسم، وكاذبة وخاطئة: وصفان٣. والجمع: نواص، كواذب، وخواطئ.
ب- اسم على: "فوعل" أو: "فوعلة "بفتح، فسكون، ففتح، فيهما"، نحو: جوهر، وكوثر، وصومعة، وزبعة، وجمعها: جواهر، وكواثر، وصوامع، وزوابع.
ج- فاعل "بفتح العين" اسما؛ كخاتم، وقالب، وطابع "بفتح العين في الثلاثة. طبقات لإحدى اللغتين"٤ وجمعها: خواتم، وقوالب، وطوابع.
د- فاعلاء "بكسر العين وفتح اللام"، واسما، نحو: قاطعاء، وراهطاء ونافقاء، والأسماء الثلاثة لجحر اليربوع٥.
_________________
(١) ١ وقد يجمع على صيغة أخرى إن طابق ما في ص٦٤٩ و٦٥٢. ٢ ومن هذا قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ وقد سبقت الآية في رقم ٣ من هامش ص٦٤٧ لمنافسة أخرى هناك. ٣ ومثلهما: "العوادي" جمع: "عادية" كقول الشاعر: همم الرجال إذا مضت لم يثنها خدع الثناء، ولا عواد الذام ٤ والثانية: الكسر. ٥ حيوان كالفأر، ولكنه أكبر منه قليلا.
[ ٤ / ٦٥٣ ]
هـ- فاعل "بكسر العين" اسما، نحو: جائز١ وكاهل٢، وجمعهما: جوائز وكواهل.
وفاعل "بكسر العين" وصفا خاصا بالمؤنث العاقل، ولا تدخله تاء التأنيث -غالبا-٣ نحو؛ طالق وطوالق.
ز- فاعل "بكسر العين" وصفا لمذكر غير عاقل٤؛ نحو: صاهل وشاهق "للمكان المرتفع" والجمع: صواهل وشواهق.
ومن كلامهم السالف يتبين أن صيغة: "فاعل" "بكسر العين" إذا كانت وصفا لمذكر عامل فإنها لا تجمع على "فواعل" وقد حكم أكثر النحاة بالشذوذ على ما خالف هذا من مثل: شاهد وشواهد، وفارس وفوارس، وناكس ونواكس في قول الفرزدق:
وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم خضع الرقاب، نواكس الأبصار
وتأول غير الأمثلة السالفة ونظائرهما -مع كثرتها- تأويلا غير مقبول، "كأين يقول: إن مفرد هذا الجمع ليس: "فاعلا"، وإنما هو: "فاعلة" والأثل: طوائف فوارس، وطوائف نواكس فالجمع عنده صفة لموصوف محذوف، مفرده: فاعلة؛ فيكون جمعها قياسا: على: "فواعل". وتأويلات أخرى يحاولون بها إخضاعا للقياس. وفي كل هذه التأويل تكلف وتصنع معيبان".
والحق أن صيغة "فاعل" تجمع قياسا على "فواعل" سواء أكانت صيغة
_________________
(١) ١ الخشبة فوق حائطين. والخشبة التي تحمل خشب السقف ٢ اسم للمكان الذي تتلاقى فيه الكتفان. ٣ انظر هامش ص٥٩٤ لتكملة المسألة. ٤ وفي: "فواعل" يقول ابن مالك: فواعل: لفوعل، وفاعل وفاعلاء مع نحو: كاهل وحائض، وصاهل. وفاعله وشذ في الفارس مع ماثله يشير "بكاهل" إلى الاسم الذي على وزن: فاعل "بكسر العين" و"بحائض" إلى الوصف الذي على وزن: فاعل "بكسر العين"، خاصا بالأنثى. و"بصاهل": إلى فاعل "بكسر العين" وصفا لما لا يعقل
[ ٤ / ٦٥٤ ]
"فاعل" صفة للمذكر العاقل أم غير العاقل؛ لكن مراعاة الشرط١ أفضل لأنه الأكثر، أما من لا يراعيه فلا يحكم عليه بالتخطئة، وإنما يحكم عليه بترك الأفضل إلى ما هو مباح، وإن كان دونه في القوة٢
١٨- فعائل وهو مقيس في كل رباعي -اسم أو صفة- مؤنث تأنيثا لفظيا أو معنويا، ثالثة مدة، ألفا كانت، أو واوا، أو ياء. فيشمل عشرة أوزان؛ خمسة مختومة بالتاء٣، وخمس مجردة منها.
فالتي بالتاء منها: "فعالة" "مضمومة الفاء، أو مفتوحها، أو مكسورة"؛ نحو: ذؤابة وذوائب، وسحابة وسحائب، ورسالة ورسائل.
ومنها: فعولة "بفتح الفاء"، نحو: حمولة وحمائل.
_________________
(١) ١ وهو أن تكون الصيغة وصفا لمذكر غير عاقل. ٢ أما سبب الإباحة وعدم التقيد بالشرط "الذي يقضي بألا تجمع صيغة "فاعل" على "فواعل" إذا كانت وصفا لمذكر عاقل"؛ فهو ما تيسر لبعض الباحثين المعاصرين من اهتدائه في الكلام الفصيح الذي يحتج بصحته، إلى جموع كثيرة جاوزت الثلاثين، وكل واحد منها وصف لمذكر عاقل مراجع في ونصوص يحتج بها. ومن هذه الجموع: سابق وسوابق، هالك وهوالك، سابح وسوابح، حاسر وحواسر، قارئ وقوارئ، كاهن وكواهن، عاجز وعواجز، غائب وغوائب، رافد وروافد، حاج وحواج وقبل اليوم وقف صاحب خزانة الأدب "في الجزء الأول، ص١٩٠ طبعة المطبعة السلفية" عند كلامه على بيت الفرزدق السابق وما تضمنه من جمع التكسير: "نواكس" فعرض أمثلة من هذا الجمع، جاوزت العشرة ثم وصلت بعده إلى ما ذكرناه أو يزيد، وفي المصباح المنير "مادة: فرس" بعض منها، وبعض يغايرها؛ مثل: صاحب وصواحب، وناكص ونواكص و وأقوى مما سبق وأصرح ما جاء في كتاب "تاج العروس، شرح القاموس" ج١ مادة: قرآن: عند الكلام على: "قوارئ" ونصه: "قوارئ" كدنانير وفي نسختنا: "قوارئ" كفواعل، وجعله شيخنا من التحريف. قلت: إذا كان جمع: "قارئ" فلا مخالفة للسماع ولا للقياس؛ فإن فاعلا يجمع على فواعل ". ا. هـ. وهذا نص قاطع آخر. فلا داعي اليوم للتمسك بالشرط السالف. إلا على أنه الأفضل، لا على سبيل أنه -وحده- الصحيح. ٣ ويلحق بها المختوم بألف التأنيث -وستجيء- ويشترط بعض النحاة في المختوم بالتاء مما ليس على وزن "فعيلة" أن يكون اسما، لا صفة أما "فعيلة" فتجمع عنده مطلقا؛ سواء أكانت وصفا، أم غير وصف وهو بشرطه السالف يخالف غيره ممن لم يشترطه، والأحسن إهمال شرطه. هذا، وإذا كانت "فعيلة" بمعنى "مفعولة" لم تجمع على: "فعائل" -كما سيجيء.
[ ٤ / ٦٥٥ ]
ومنها: فعيلة١ "بفتح فكسر"؛ نحو: صحيفة وصحائف. ويشترط ألا تكون صفة بمعنى "مفعولة"؛ كجريحة، بمعنى: مجروحة؛ فلا يقال: جرائح.
والمجردة من التاء "ويشترط فيها أن تكون لمؤنث معنوي" هي:
فعال: بكسر أوله وفتح ثانيه"، نحو: شمال٢ وشمائل وفعال "بضم أوله، وفتح ثانيه"، نحو: عقاب٣ وعقائب، وفعول "بفتح فضم"، نحو: عجوز٤ وعجائز. وفعيل "بفتح فكسر"، نحو: لطيف "اسم امرأة" ولطائف. وفعال "بفتح ففتح"، نحو: شمال٥ وشمائل.
ومن المؤنث: النوع المختوم بألف التأنيث المقصورة؛ مثل: حبارى٣ وحبائر. والممدودة، نحو: جلولاء٦ وجلائل٧
١٩- فعال "بفتح أوله ثانيه، وكسر ما قبل آخره"، ويطرد في أوزان؛ أشهرها سبعة.
أولها: فعلاة "بفتح فسكون"، نحو: موماة٨ وموام.
ثانيها: فعلاة "بكسر فسكون"؛ نحو: سعلاة٩ وسعال.
ثالثها: فعلية "بكسر فسكون فكسر ففتح "، نحو: هبرية١٠ وهبار.
_________________
(١) ١ قد يلحق هذه الصيغة في بعض الصور عند جمعها على "فعائل"، أنواع من الإعلال والإبدال، مفصلة في ص٧٦٧ وما بعدها؛ كالذي يقال في بريئة وبرايا، وخطيئة وخطايا و ٢ لليد اليسرى. ٣ و٣ اسم طائر. ٤ للمرأة -غالبا- إذا كانت عجوزا، وقد يقال للرجل أيضا. ٥ اسم ربح. ٦ اسم بلد في فارس. ٧ وفي فعائل يقول ابن مالك: و"بفعائل" اجمعن: "فعاله" وشبهه؛ ذا تاء، أو مزاله "أي: ذا تاء ثابتة أو مزالة، فمزالة معطوفة على محذوف. ومعنى مزالة: أنها أزيلت وأبعدت، والمراد: أنها غير موجودة، والمراد يشبه: "فعالة": صيغتان؛ هم: "فعيل وفعول" "بفتح أولهما" مشتملتين على التاء أو مجردتين منها؛ كظريفة وظرائف، ولطيف "اسم امرأة" ولطائف. وحلوبة وحلائب. ٨ صحراء واسعة. ٩ وهي -في زعمهم- الغول، أو ساحرة من الجن. ١٠ القشر الذي في شعر الرأس. أو ذرات القطن والدقيق المتطاير
[ ٤ / ٦٥٦ ]
رابعها: فعلوة "بفتح، فسكون، فضم، ففتح"، نحو: عرقوة١ وعراق.
خامسها: ما كان ذا زيادتين بينهما حرف أصلي، ويحذف أول الزيادتين عند بعض العرب، نحو: حبنطى٢ وحباط، وقلنسوة وقلاس، بحذف النون فيهما. بخلاف من يحذف ثاني الزائدتين فإنه يجمعهما على: حبانط وقلانس بحذف الألف الأخيرى "الياء"٣ والواو.
سادسها: فعلاء: "بفتح فسكون ففتح" اسما؛ كصحراء وصحار، أو وصفا لأنثى، لا مذكر له؛ نحو: عذراء٤، وعذار٥
سابعها: ما يحتوي على ألف مقصورة للتأنيث، أو: للإلحاق، كحبلى وحبال، وذفرى٦ وذفار.
وما كان "كفعلاء" السابقة أو مختوما بألف التأنيث المقصورة أو بالألف الإلحاق يجوز جمعه على: "فعال" كما يتبين من الصيغة التالية.
٢٠- فعلى: "بفتح أوله وثانيه ورابعه"، وهو مقيس فيما سبقت الإشارة في الوزنين السادس والسابع، أي: في "فعلاء"، إما اسما؛ كصحراء؛ وإما وصفا لمؤنث لا مذكر له؛ كعذراء٥ وإما مختوما بألف التأنيث المقصورة كحبلى. أو بألف الإلحاق كذفرى٦؛ فيقال في الجمع: صحارى، وعذارى، وحبالى، وذفارى، كما يصح: صحار، وعذار، وحبال وذفار على أساس ما تقدم "في: ١٩ سادسها"، فهذه المفردات، ونظائرها، مشتركى عند جمعها بين صيغتي فعالي وفعالى بكسر اللام أو فتحها.
وتنفرد صيغة: "فعالي" "بكسر اللام" فالخمسة التي ذكرت قبل
_________________
(١) ١ الخشبة المعترضة على رأس الدلو ٢ الكبير البطن. ٣ سيجيء في ص٦٦٦ بيان حذف وسببه. ٤ وهي: البكر. ٥ يخالف الأشموني غيره في صيغة "فعلاء" التي هي صفة لأنثى؛ كعذراء، فيرى أن جمعها على الفعالى والفعالى -بكسر اللام وفتحها- غير قياسي وأنه مقصور على السماع؛ طبقا لما جاء في التسهيل، دون ما في الألفية، وابن عيل سواهما "انظر ما سبق متصلا بهذا في ص٢٠٩ و٢١٢ عند الكلام على صيغة منتهى الجموع في الممنوع من الصرف". ٦ و٦ موضع خلف أذن البعير يرشح منه العرق.
[ ٤ / ٦٥٧ ]
صيغة: فعلاء؛ كما تنفرد "فعال" "بفتح اللام" بوصف على وزن: "فعلان" أو"فعلى" "بفتح فسكون فيهما"، نحو: كسلان، وسكران وغضبان، وجمعها: كسالى، وسكارى، وغضابى؛ بفتح ما قبل الآخر ولا يصح كسره. والأحسن في صيغة هذا الوصف ضم أوله عند جمعه، فيقال: كسألى، وغضابى، وسكارى.
"وملاحظة": عرفنا أن وزن "فعلاء" اسما أو صفة يجمع١ على: الفعالي والفعالى "بكسر اللام أو فتحها". فنقول في الصحراء والعذراء: الصحاري والصحارى، والعذاري، والعذارى
ويجوز شيء ثالث؛ هو: جمعهما على: الفعالي "بكسر اللام وتشديد الياء"٢. ذلك أن وزنهما الصرفي هو: "فعلاء". فالألف التي قبل الهمزة تقلب عند الجمع ياء، بسبب كسر ما قبلها، وتقلب الهمزة أيضا ياء، وتدغم في الياء السابقة؛ فتصير الكلمة بعد الجمع، صحاري وعذاري ومن الممكن التخفيف بحذف إحدى الياءين، فإن حذفت الثانية التي تحركت بالفتحة بعد إدغامها صار الجمع: صحاري وعذاري، بإسكان الياء مع كسر ما قبلها؛ ثم حذفها للسبب الذي من أجله تحذف في المنقوص٣. وإن حذفت الأولى الساكنة فتح الحرف الذي قبلها لتنقلب الياء الثانية ألفا، وتبقى من غير حذف، فقال: صحارى وعذارى٣
٢١- فعالى: "بفتح، ففتح مع مد، فكسر، فياء مشددة" ويطرد في:
أ- كل ثلاثي ساكن العين، في آخره ياء مشددة تلي الأحرف الثلاثة سواء أكانت هذه الياء في أصلها لغير النسب؛ نحو: قمري٤ وكركي٥
_________________
(١) ١ مع الخلاف في هذا. ٢ وسيجيء الكلام عليه بعد هذا مباشرة. ٣، ٣ انظر السبب والحكم في ص٦٥٣ -وفي الفعالي والفعالي "بكسر اللام وفتحها" يقول ابن مالك من غير إيضاح ولا تفصيل: وبالفعالي والفعالى جمعا صحراء. والعذراء. والقيس اتبعا أي: اتبع القياس على هذين المثالين. يريد: قس عليهما نظائرهما ٤ طائر مفرد. ٥ أحد الطيور المائية.
[ ٤ / ٦٥٨ ]
وكرسي، وبردي١ أم كانت في أصلها مزيدة لغرض النسب، ثم أهمل هذا الغرض؛ وصار متروكا غير ملحوظ، مثل: مهري، فأصله: الجمل المنسوب إلى قبيلة: "مهرة" اليمنية التي اشترهت قديما بإبلها النجيبة القوية، ثم كثر استعماله حتى نسي النسب، وأهمل، وصار، "المهري" اسما للنجيب من الإبل مطلقا بغير نظر إلى أصله ولا تفكير فيه. ومثله: بختي، فأصله الجمل المنسوب إلى "بخت" وهو إبل خراسانية اشتهرت بوقتها وحسنها. ثم شاع استعمال "البختي" في كل "جمل" قوي جميل من غير نظر لنشأته، ولا تكفير في نسبته. فمثل الأشياء السابقة تجمع قياسا على: "فعالي"، فيقال فيها: قماري، كراكي، كراسي، برادي، مهاري، بخاتي، وهكذا.
ويفهم مما سبق أن المختوم بياء النسب المتجدد٢، "كمصري، وتركي، وبصري " لا يجمع هذا الجمع. ومن ثم قالوا في أناسي: إنه جمع: إنسان، لا: إنسي؛ لأن الياء في: "إنستي" للنسب الباقي على حاله٣، وكذلك لا يجمع على هذا الوزن مثل: عربي، وعجمي" لتحرك عينهما
ب- ووزن فعالي مقيس أيضا -على الصحيح- في وزن: "فعلاء" على الوجه الذي سبق شرحه وإبانته في الصغيتين السالفتين "١٩، ٢٠"..٤.
_________________
(١) ١ نبات مائي كان قدماء المصريين يكتبون عليه ما يريدون، كما نكتب اليوم على الوراق. ٢ يتردد هنا على ألسنة النحاة: "النسب المتجدد" يريدون به: النسب الباقي على حاله لأداء الغرض منه -وهو مذكور في بابه ص٧١٤، لا النسب الذي أهمل أصله، وترك الغرض منه. وعلامة ياء النسب المتجدد أن يدل اللفظ بعد حذفها على معنى معين معروف؛ وهو المنسوب إليه. وأما غير الدالة عليه فيختل اللفظ بسقوطها ويصير خالي المعنى. "راجع حاشية الخضري". ٣ ويؤيد هذا أن العرب تقول فيه أيضا: "أناسين" فنطقوا به على الأصل كما نطقوا بالصورة الأخرى التي أبدلوا فيها النون ياء، وأدغموا الياء في الياء، كطريقهم في بعض الكلمات؛ ومنها: ظربان -لدابة صغيرة تشبه الكلب أو القط، كريمة الرائحة- فقالوا: ظرابين وظرابي، على أن الخلاف شديد في مفرد: أناسي وأشباهها. ٤ وفي صيغة؛ فعالى يقول ابن مالك: واجعل: "فعالي" لغير ذي نسب جدد، كالكرسي؛ تتبع العرب المراد بالنسب الذي جدد -كما سبق في رقم ٢- هو النسب القائم وقت جمع الكلمة، الباقي لأداء الغرض منه. فمثله يمنع جمع الكلمة على: "فعالي" أما النسب غير المجدد وهو النسب القديم في أصله، المهمل في حاضره عند جمع الكلمة، فإنه لا يمنع جمعها. فإن لم تكن الياء للنسب مطلقا فلا شبهة تمنع جمعه على هذا الوزن.
[ ٤ / ٦٥٩ ]
٢٢- فعالل "بفتح أوله، وثانيه، وكسر رابعه"، ويطرد في أنواع، أهما أربعة، مفرد كل نوع منها أربعة أحرف أصلية أو خمسة كذلك.
الأول: الرباعي المجرد -أي: الذي كل حروفه أصلي- سواء أكان مفتوح الأول والثالث أم مضمومها، أم مكسورهما، أم غير ذلك؛ نحو: جعفر، وجعافر، برثن وبراثن١، زبرج٢ وزبارج، سبطر٣ وسباطر، جخدب٤ وجخادب.
الثاني: الخماسي المجرد؛ نحو: سفرجل وجحمرش٥، وجمعهما: سفارج وجحامر؛ بحذف الحرف الخامس من أصولهما. ولهذا الحذف ضابط تجب مراعاته، وهو:
أ- أن الحرف الخامس الشبيه٦ بالزائد واجب الحذف مطلقا؛ نحو: جحمرش٥ وجحامر؛ سواء أكان الرابع شبيها٦ بالزائد أم غير شبيه؛ نحو: قذعمل٧ وقذاعم، وسفرجل وسفارج.
_________________
(١) ١ مخالب الحيوان المتوحش. وتشبه أصابع اليد مع الأظفار. ٢ من معانيه: الذهب، والسحاب الرقيق الذي يخالط لونه حمرة، والزهر ٣ من معانيه: الطويل، والشهم، واللسان الحاد. ٤ الأسد. ٥، ٥ المرأة العجوز، أو: الوقحة. ٦، ٦ حروف الزيادة عشرة، مجموعة في قولهم: "أمان وتسهيل" أو: في "سألتمونيها". ولكل واحد من العشرة أمارات ومواضع لزيادته، ولا يكون زائدا بغيرها، وله معان يؤديها. ومن الممكن الاستغناء عن الحرف الزائد، مع تأدية الكلمة معنى بعد حذفه "كل ذلك يجري طبقا للتفصيل المدون في الباب الخاص بذلك، وهو باب: "التصريف" ص٤٧٤ و٧٥٣". أما الحرف الشبيه بالزائد فهو: أ- الذي يكون لفظه لفظ الزائد، ولكنه ليس زائد، لعدم انطباق صفة الزائد وموضعه عليه. ب- أو يكون لفظه مخالفا للزائد، ولكن موضعه في الحلق واللسان هو، وضع الزائد. فمثال النوع الأول حرف النون من: خدرنق "بمعنى: عنكبوت" وخورنق "ومن معانيه: موضع الأكل، واسم قصر للنعمان بن المنذر" فهذه النون شبيهة بالحرف الزائد في مادتها، ولكنها ليست بزائدة؛ إذ يغلب على الزائدة أن تكون في آخر الكلمة، كغضبان وندمان، أو في الوسط مع السكون كغضنفر. ومثال النوع الثاني: حرف "الدال" في مثل: "فرزدق"؛ فإنها ليست من حروف الزيادة. ولكن موضع نطقها في الفم واللسان هو: طرف اللسان، كموضع "التاء" الزائدة؛ فأشبهها من هذه الناحية، فكلاهما من طرف اللسان. ٧ الجمل الضخم.
[ ٤ / ٦٦٠ ]
ب- وكذلك إن لم يكن أحدهما شبيها بالزائد.
ج- فإن كان الرابع وحده "أي: دون الخامس" هو الشبيه بالزائد جاز حذفه أو حذف الخامس، لكن حذف الخامس هو الأفصح والأعلى١؛ كالدال في فرزدق، والنون في خدرنق أو خورنق؛ فيقال في الجمع: فرازق وفرازد، وخدارق وخدارن، وخوارق وخوارن، وهكذا٢
الثالث: الرباعي المزيد، وهو ما كانت حروفه الأصلية أربعة، ثم زيد عليها بعض حروف الزيادة، نحو: مدحرج، ومتدحرج، فيحذف عند الجمع ما كان زائدا في مفرده؛ ولا يحذف غيره؛ فيقال: دحارج، بحذف الميم في الكلمة الأولى، والميم والتاء في الثانية، ولا يبقى في الجمع إلا الحروف الأصلية، كل هذا بشرط ألا يكون الحرف الزائد رابعا ولينا٣، قبل الحرف الأخير الأصيل.
_________________
(١) ١ لأن الأكثر في الكلام المأثور هو الحذف من الآخر؛ إذ الأواخر محل الحذف والتغيير. ٢ مزج ابن مالك الكلام على صيغة "فعالل" والكلام على: "شبهه"، الذي سيجيء ذكره في الصيغة التالية مباشرة -وهي رقم ٢٣ ص٦١٢- قال: وبفعالل وشبهه انطقا في جمع ما فوق الثلاثة ارتقى من غير ما مضى. ومن خماسي جرد الآخرانف بالقياس "ارتقى، أي: زاد. من غير ما مضى: بشرط أن يكون ما زاد على الثلاثة مفردا من غير المفردات التي سبق الكلام عليها، وعلى جموعها القياسية". فإن ما سبق من تلك المفردات التي لها جموع مطردة ذكرناها، لا يصح أن تجمع على: "فعالل" وشبهه. ثم وضح في آخر البيت الثاني: أن آخر الخماسي المجرد يحذف عند جمعه للتكسير. وتقدير كلامه: وانف بالقياس الآخر من خماسي جرد. أي: احذف الآخر من خماسي جرد من الزياة، وخلا منها. وهذا الحذف بسبب القياس. فكلمة: "الآخر"، مفعول به للفعل: "انف" والجار والمجرور: "بالقياس" متعلق بهذا الفعل، وكذا الجار والمجرور: من خماسي. ثم بين أن الخماسي المجرد إن كان رابعه شبيها بالمزيد -دون خامسه الأصلي- فقد يحذف الرابع دون الخامس الذي تتم به أصول الكلمة. ويفهم من هذا أنه يجوز أيضا حذف الخامس. قال: والرابع الشبيه بالمزيد قد يحذف دون ما به تم العدد ٣ سبق في رقم ٢ من هامش ص٥٨ أن أحرف العلة ثلاثة؛ الألف، والواو، والياء: أ- فإن كانت ساكنة وقبلها حركة تناسبها سميت أحرف علة، ولين؛ ومد، نحو: عالم، طوم، عليم. ب- إن سكنت وقبلها حركة لا تناسبها، سميت أحرف علة، ولين، نحو: عون، وعين. ج- إن تحركت سميت أحرف علة، فقط؛ نحو: سهو، جرى. وعلى هذا تكون الألف دائما حرف علة، ولين. ومد. د- المراد باللين الذي يبقى في الجمع هنا عام؛ يشمل ما قبله حركة تناسبه، أو لا تناسبه؛ كما في الأمثلة.
[ ٤ / ٦٦١ ]
فإن كان الرابع الزائد اللين: "ياء" بقي، ولم يحذف عند الجمع، ويجمع ما هو فيه على: "فعاليل" في الأغلب؛ نحو: قنديل وقناديل، وغرنييق وغرانيق
وإن كان ألفا أو واوا قلب عند الجمع ياء ثابتة، ويجمع ما هو فيه على: "فعاليل" كذلك في الأغلب؛ نحو: عصفور وعصافير، وسرداح١ وسراديح وفردوس وفراديس٢
فإن كان حرف العلة متحركات وجب حذفه عند الجمع؛ نحو: كنهور٣، وهبيخ٤؛ فيقال في جمعهما: كناهر وهبايخ؛ لأن حرف العلة حينئذ ليس حرف لي، ومثلهما: مصور ومصاور؛ فيحذف حرف العلة المدغم فيه لتحركه؛ فليس حرف لين.
فإن كان حرف العلة غير رابع حذف، نحو: فدوكس٥ وخيسفوج٦ وجمعهما: فداكس وخسافج.
الرابع: الخماسي المزيد، -أي: ما كانت حروفه الأصلية خمسة، ثم زيد عليها بعض أحرف الزيادة- نحو: فرطبوس٧،
_________________
(١) ١ المكان اللين، والناقة السمينة. ٢ وفي الرباعي المزيد يقول ابن مالك: وزائد العادي الرابعي احذفه. ما لم يك لينا إثره الذ ختما "الذ= الذي. إثره= بعده". والعادي: اسم فاعل من الفعل: عدا، بمعنى: جاوز. أي: احذف زائد الاسم المجاوز الرباعي. فالرباعي: مفعول به لاسم الفاعل؛ العادي، ويصح أن يكون مضافا إليه، والمراد بزائد الرباعي هنا. ما كان على خمسة أحرف؛ أربعة منها أصلية، وواحد زائد. ويقول: إن هذا الزائد يحذف إلا إن كان حرف لين وبعده الحرف الذي يكون ختام الاسم. فيفهم من هذا أن حرف اللين الزائد هو: "الرابع" لوقوع الذي يختم الاسم بعده، وهو الخامس. ٣ السحاب المتراكم، والرجل الضخم. ٤ الغلام السمين. ٥ أسد. ٦ من معانيه: حب القطن. ٧ أو: قطربوس، الناقة السريعة، أو القوية.
[ ٤ / ٦٦٢ ]
وخندريس١، وقبعثرى٢؛ فيحذف عند جمعها شيئان، هما: الخامس الأصلي، وما كان زائدا في المفرد؛ فيقال: قراطب، وخنادر، وقباعث، بحذف الواو والسين من الكلمة الأولى، والياء والسين من الثانية. "والسين فيهما هي الحرف الخامس الأصلي الذي يجب حذفه مع الزائد، كما سبق" وبحذف الراء والألف الأخيرة "المكتوبة ياء" من الكلمة الثالثة.
هذا، وجمع التكسير حين يكون على وزن: "فعالل" السالف، أو: "ما يشبهه"٣ يصح في جميع صوره وحالاته -ولو لم يحذف من حروف مفرده شيء بسبب الجمع- زيادة ياء قبل آخره إن لم تكن موجودة، وحذفها إن كانت موجودة٤؛ فيقال في الأمثلة السالفة ونظائرها: جعافر، وجعافير، وبراثن وبراثين كما يقال: جحامر وجحامير، وفرازق وفرازيق، وخدارق وخداريق، وكناهر وكناهير٥. ويستثنى من هذا الحكم أمران.
الأول: ما كان مختوما بياء مشددة مثل كرسي وكراسي. فلا تزاد عليه الياء؛ لئلا يجتمع في آخر الكلمة الواحدة ثلاثة أحرف من نوع واحد، وهذا مردود٦. ولا تصح أن تحذف منه الياء المشددة.
والثاني: ما كان حذف الياء من آخره مؤديا إلى اجتماع مثين متجاورين
_________________
(١) ١ خمر. ٢ الجمل الضخم، واسم بعض الدواب والناس. ٣ وقد يعبرون عنهما أحيانا بالجمع المماثل في صيغته لصيغتي: "مفاعل ومفاعيل" والمراد بها يشبهه: الوزن الثالث والعشرون الآتي "في ص٦٦٤" ويجب التنبه إلى أن الحكم الآتي خاص بجمع التكسير الذي على وزن: "فعالل وشبهه" -دون غيرهما- سواء أحذف منه شيء بسبب التكسير أم لم يحذف. بخلاف الحكم الذي يليه "تحت عنوان: "ملاحظة" فإن خاص بالتكسير الخالي من الياء الذي حذف بعض أحرفه؛ سواء أكان على وزن: "فعالل وشبهه" أم كان على وزن غيرهما. ٤ وقد اجتمع الأمران "زيادة الياء وعدم زيادتها" في بيت لأبي تمام يمدح قومه، هو: نجوم طواليع، جبال فوارع غيوث هواميع، سيول دوافع انظر تفصيل البيان في "ب" ص٦٧١ ثم رقم ٣ من هامش ص٦٧٠. ٥ انظر ما يتصل بهذا في رقم ٣ من هامش ص٦٧٠ وأيضا لهذا الحكم في ص٦٧١ إشارة، ويليها تقييد -كالذي هنا- بألا يؤدي حذف الياء إلى اجتماع مثلين؛ كما في جمع جلباب على جلابيب وتقييد آخر في هامشها. ٦ كما فصلناه في رقم ٣ من ص٦١٥ وهامشها.
[ ٤ / ٦٦٣ ]
بغير إدغام، نحو: جلابيب -جمع جلباب- فلا يقال: "جلابب" بحذف الياءن لأن الإدغام هنا واجب، ولو أدغمنا لم يعرف الأصلي ولا المعنى -كما يجيء١.
"ملاحظة": في كل حالات جمع التكسير -ما كان منه على وزن: "فعالل" أو على وزن شبهه الآتي: أو على وزن غيرهما- إذا حذف منه بسبب الجمع بعض أحرف أصلية أو زائدة وكان خاليا من "ياء"، يجوز زيادة ياء قبل آخره؛ لتكون بمنزلة العوض٢ عما حذف؛ فيصح في الأمثلة السالفة ونظائرها مما فيه حذف بسبب التكسير؛ دحارج ودحاريج، وخنادر، وخنادير، وكناهر وكناهير، وقباعث وقباعيث٣.
وإذا كان "فعالل وشبهه" منقوصا فله حكم خاص يجيء٤.
٢٣- شبه فعالل "بفتح أوله وثانيه، وكسر رابعه"، والمراد به: ما يماثل: "فعالل" في عدد الحروف، وفي ضبطها بالسكون، أو بالحركة، ولو كانت الحركة مختلفة في نوعها بين الاثنين مؤدية إلى الاختلاف في الوزن الصرفي؛ فيشمل صيغا كثيرة.
منها: مفاعل: كمنابر، وفياعل، كصيارف، وفواعل كجواهر، وفعاعل كسلالم، وفعالي ككراسي٥ فليست هذه الأمثلة وصيغها على وزن:
_________________
(١) ١ في ص٦٧١ وفي ص٦٧٢، وهامشها. ٢ مع مراعاة الشرط الآتي في رقم ٢ من هامش ص٦٧١. ٣ كما سيأتي في ص٦٧١. والحكم هنا مخالف لسابقه في أمرين: أولهما: أنه ليس مقصورا على وزن "فعالل" وشبهه؛ بل يشملهما وغيرهما.. ثانيهما: أنه لا يصح زيادة هذه الياء إلا إذا كان جمع التكسير خاليا منها، وكان قد حذف بعض أحرفه. ٤ في رقم ٢ من ص٦٧٣. ٥ ومنها غير ما ذكر هنا: "فعاول، فعانل، تفاعل، مفاعل، فعالن، أفاعل، فناعل، فعالم وما أشبه هذه الأوزان، بشرط ألا يكون الحرف الثاني فيها حرف مد، وبشرط ألا يكون المفرد مما يدخل في ضوابط جمع آخر تختلف صيغته عن صيغة: "فعالل" وشبهه. أي: أن المفرد لا يجمع على "فعالل" وشبهه إذا أمكن جمعه على صيغة أخرى من صيغ الجموع السالفة "راجع الهمع في هذا ج٢ ص١٨٠".
[ ٤ / ٦٦٤ ]
"فعالل" وإنما تشبهه في عدد حروفها، وهيئتها أي ضبط حروفها ضبطا متماثلا في مجرد الحركة والسكون دون التقيد بنوع الحركة، ولا بالوزن بالصرفي الدقيق١.
وهذا الجمع مقيس في كل لفظ ثلاثي الأصول، زيدت عليه أحرف الزيادة. بشرط أن يكون هذا الثلاثي المزيد ليس داخلا تحت حكم جمع من الجموع السالفة، وبهذا الشرط لا يجمع جمعا قياسيا على: "شبه فعالل" ما كان مثل: أحمر، وغضبان، وقائم، وساع، وصغرى، وسكرى و؛ لأن لهذه الألفاظ ونظائرها جموعا أخرى قياسية -وقد عرفناها٢.
وحكم هذا الثلاثي المزيد عند جمعه على: "شبه فعالل" ما يأتي:
أ- إن كانت زيادته حرفا واحدا فالواجب إبقاؤه عند الجمع مطلقا، "أي: سواء أكان الزائد حرف علة، أم غير علة، وسواء أكان في الأول في غيره، وللإلحاق أم لغير الإلحاق"، نحو: "أكرم وأكارم، معبد ومعابد"، "جوهر وجواهر، صيرف وصيارف"، "وعلقى٣
_________________
(١) ١ انظر ما يوضح هذا في رقم ٤ من هامش ص٦٧١. ٢ ويدخل "شبه فعالل" في الحكمين السابقين: وأولهما: أن كل جمع تكسير -مهما كانت صيغته- إذا حذف من مفرده شيء عند جمعه جمع تكسير، جاز زيادة ياء قبل آخره إن كان خاليا منها؛ لتكون بمنزلة العوض عن المحذوف سواء أكان المحذوف أصليا أم زائدا -مع مراعاة الشرط الذي في رقم ٢ من هامش ص٦٧١- مثل دحارج ودحاريج وفرازق وفرازيق. وهذا حكم عام ينطبق على: "فعالل" وعلى شبهه، وعلى غيرهما -كما أشرنا، في الصفحة السابقة. وثانيهما: أن كل جمع تكسير -كما سبق في ص٦٦٤- على وزن: "فعالل" أو ما يشبهه، يجوز -ولو لم يحذف منه شيء بسبب الجمع- زيادة ياء قبل آخره إن لم تكن موجودة، وحذفها إن كانت؛ نحو: جعافر وجعافير، براثن وبراثين، وعصافر وعصافير. إلا الجمع الذي يؤدي حذف الياء من آخره إلى اجتماع مثلين بغير إدغام في مثل: جلابيب، وإلا الجمع المختوم بياء مشددة، مثل: كراسي وكراكي. فلا يجوز فيه زيادة الياء؛ لئلا يجتمع في آخر الكلمة الواحدة ثلاثة أحرف من جنس واحد، وهذا ممنوع -طبقا لما سبق إيضاحه في ص٦٦٤- وكذلك لا يجوز حذف الياء المشددة منه. انظر البيان تفصيلا في: "ب" ص٦٧١ ورقم ٣ من هامش ص٦٧٠. ٣ اسم نبت.
[ ٤ / ٦٦٥ ]
وعلاق" ١.
ب- إن كانت زيادته حرفين فالواجب حذف أحدهما؛ وهو الضعيف، وترك القوي٢؛ نحو: منطلق ومطالق، ومغترف، ومغارف؛ ولا يقال: نطالق ولا غتارف؛ لأن الميم تمتاز بمزايا لفظية ومعنوية٣ لا توجد في النون والتاء.
ومثل: مصطفى ومحتفظ، فيقال في جمعهما: مصاف ومحافظ؛ بحذف "تاء٤ الافتعال"، دون الميم٥ التي لها المزايا
_________________
(١) ١ زيادة الواو، والياء، وكذلك الألف "المكتوبة ياء" في علقى -هي للإلحاق. أما الزيادة في: أكرم وأكارم فليست له. ٢ يراد بالقوي هنا: ما يسمونه: "الفاضل". وهو: ما له مزية ليست للآخر. وتتحقق المزية في أمور؛ منها: تقدم الحرف في مكانه من الكلمة، تحركه، دلالته على معنى، مقابلته لحرف أصلي؛ بأن يكون حرفا للإلحاق، الوقوع في موقع يدل فيه بعض الحروف الزائدة على معنى، كما سيأتي مثاله في منطلق، وما بعدها، أن يكون في أصله حرف زيادة من أحرف "سألتمونيها.."، ولكنه خرج عنها وصار حرفا آخر لداع لغوي؛ كأن ينقلب دالا، أو طاء، أو غيرهما من حروف ليست للزيادة، ألا يؤدي وجوده إلى صيغة غير موجودة، أن يؤدي حذفه إلى حذف الآخر الذي يساويه في جواز الحذف، أن يكون مختصا بالاسم. وقد رد صاحب التسهيل الأسباب السالفة كلها إلى ثلاثة فقط؛ هي المزية المعنوية، والمزية اللفظية، وأن يغني حذفه عن حذف غيره. ٣ فالمزية المعنوية أن الميم تدل على معنى خاص بالأسماء وهو دلالتها على اسم الفاعل هنا وعلى اسم المفعول أحيانا، واللفظية أنها أسبق مكانا منهما، وأنها متحركة دون النون، وأنها مختصة بالاسم. ٤ قلبت طاء في مصطفى. "وستجيء أحكامها في باب القلب ٧٥٦ و٧٩٣". ٥ انظر الحكم الثاني من الأحكام العامة الآتية "في ص٦٧٣" ففيه تكملة الحكم السالف. وبهذه المناسبة نعرض لصحة جمع: "مفعول" على: "مفاعيل" قياسا مطردا. قال ابن هشام في شرحه لقصيدة: "بانت سعاد" ما معناه: إنه لا يجوز جمع نحو: مضروب جمع تكسير. وقد ورد من ذلك ألفاظ قليلة مجموعة شذوذا. ومثل مضروب في منع تكسيره: مختار ومنقاد من اسمى الفاعل والمفعول المبدوءين بميم زائدة. والقياس عنده أن يجمع: "مفعول" جمع مذكر سالما إن كان الوصف لمذكر، وجمع مؤنث سالما إن كان الوصف لمؤنث، فيقال مضروبون مختارون منقادون ، كما يقال: مضروبات، مختارات، منقادات. "راجع الصبان في آخر جمع التكسير، تحت عنوان: فائدة، عند الكلام على بيت ابن مالك: وخيروا في زائدي سرندي.. ويفهم من كلامه ومما نقله أنهم منعوا تكسير كل اسم فاعل، واسم مفعول إذا كانا مبدوءين بميم زائدة، وقالوا إن قياسهما هو التصحيح، إلا وزن: "مفعل" المختص بالإناث، نحو: مرضع؛ فإنه يكسر. =
[ ٤ / ٦٦٦ ]
ومثل: ألندد، ويلندد؟ "ومعناهما: ألد، أي: شديد
_________________
(١) = وقد ردد هذا الرأي كثير ممن جاءوا بعد ابن هشام، وحكموا بتخطئة سواه. غير أن كتاب: "المعاني الكبير" لابن قتيبة، يحوي أعدادا كثيرة صحيحة من جمع "مفعول على مفاعيل" مسموعة ممن يحتج بكلامهم. وبعض المحققين المعاصرين "هو الأب أنستاس الكرملي -﵀- وكان عضوا بمجموع اللغة العربية، بالقاهرة" نشر بحثا لغويا مستقى من الكلام العربي الفصيح، والمعجمات اللغوية الأصيلة، أثبت فيه صحة جمع "مفعول" على "مفاعيل"، قياسا مطردا. وعرض عشرات من الأمثلة الصحيحة منسوبة وصحابها الذين نحتج بكلامهم، أو مأخوذة من مراجعها اللغوية الوثيقة. على أن سيبويه "كما في كتابه ج٢ ص٢١٠" قد سبق ابن هشام إلى المنع، بالرغم مما ساقه في هذا من جموع متعددة تخالف رأيه؛ "منها: مكسور ومكاسير، ملعون وملاعين، مشئوم ومشائيم، مسلوخ ومساليخ، مغرود ومغاريد، مصعود ومصاعيد، مسلوب ومساليب"، فلا داعي للتأويل الذي يمنع القياس على هذه الجموع المتعددة، ولا سيما بعد كشف نظائر أخرى تبلغ العشرات -وهي غير ما سلف- منها: ميمون وميامين، مجنون ومجانين، مملوك ومماليك، مرجوع ومراجيع، متبوع ومتابيع، مستور "بمعنى: عفيف" ومساتير، معزول "أي: لا سلاح له" ومعازيل "وقيل مرده معزال"، بل إن هذه الجموع وحدها، منضمة إلى ما نقله "سيبويه" تعتبر كثرة وافرة تبيح القياس عليها. هذا إلا أن "الأشموني" في شرحه باب: "جمع التكسير" من ألفية "ابن مالك" قد نص صراحة عند بيت الناظم: وزائد العادي الرباعي احذفه ما على جمع مختار ومنقاد -بنصهما- على مخاتر ومناقد "وتعقبه "الخضري" في حاشيته قائلا: "إن القياس أن يقال: مخاير، ومقايد، بحذف النون والتاء؛ لزيادتهما، دون الألف، بل ترد لأصلها، وهو الياء " وتعقبه آخرون من ناحية أخرى، هي أن اللفظين هما من جموع تكسير الثلاثي المزيد، لا من تكسير العادي الرباعي الذي يتحدث عنه ابن مالك في بيته. ولم يعترض أحدهم على صحة تكسير هذين الجمعين، ولم يشر من قرب أو بعد إلى أن تكسيرهما معيب أو غير جائز. فلم يبق مجال بعد كل ما سبق لمنع جمع "مفعول على مفاعيل" مع مراعاة الضوابط العامة. وقد فصل مجمع اللغة العربية القاهري ومؤتمره فصلا نهائيا في هذه المسألة، طبقا لما ورد في ص٢٢٤ من العدد السادس والعشرين من مجلته الصادرة في شهر ربيع الأول سنة١٣٨٠هـ ومايو سنة ١٩٧٠م وكان قد أحال تلك المسألة من قبل على لجنة الأصول وفيما يلي النص المنقول: "راجعت اللجنة كثيرا من أمثلة "مفعول" مجموعا على "مفاعيل" في المعجمات فاطمأنت إلى كثرة ما ورد من هذا الجمع، وانتهت إلى القرار التالي: قاس النحاة جمع "مفعول" اسما أو مصدرا على "مفاعيل" وترى اللجنة قياسية جمعه كذلك وصفا، لكثرة ما ورد أمثلة. ووافق المؤتمر على أن تكون صيغة القرار على النحو التالي: "يجمع مفعول على مفاعيل" مطلقا". ا. هـ. هذا، وقد صرح الخضري في كلامه السالف بأن الألف في "منقاد" أصلها: ياء. وهو مخالف لما في القاموس والمصباح من عرضها في مادة: "قود" الواوية، ولا: "قيد" اليائية. لذا جمعها الهمع "ج٢ ص١٨٠" على؛ "مقاود".
[ ٤ / ٦٦٧ ]
الخضومة" وجمعهما: ألادد، ويلادد، ثم تدغم الدلان في كل واحدة؛ فتصير ألاد، ويلاد؛ بحذف النون، وبقاء الهمزة والياء؛ لتقدمهما وتحركهما؛ ولأنهما يدلان على المعنى التكلم والغيبة إذا كان في أول المضارع -أما النون المتوسطة بين الحرفين الثالث والرابع من الكلمة فلا تدل على معنى.
ج- إن كانت زيادته ثلاثة أحرف، حذف اثنان، وبقي الثالث الأقوى؛ نحو: مستدع١ ومداع، ومقعنسس٢ ومقاعس٣؛ فلا يقال في الأول: سداع ولا تداع؛ لأن حذف "الميم، والتاء" من مستدع يؤدي إلى: سداع، وهي صيغة لا نظير في العربية، ولأن حذف الميم والسين يضيع الدلالة على اسم الفاعل٤
وكذلك لا يقال في الثاني -عند سيبويه- قعاسس. وحجته: أن الكلمة مشتملة على ثلاثة أحرف من أحرف الزيادة؛ هي: الميم، والنون، والسين الأخيرى المزيدة للإلحاق؛ فالميم عنده أولى بالبقاء؛ لتصدرها؛ ولأنها تدل على معنى يختص بالاسم وهو الدلالة على اسم الفاعل.
وخالفه بعض النحاة فجمعه على: قعاسس؛ بحذف الميم والنون مع بقاء السين الأخيرة الزائدة للإلحاق. وحجته: أن السين زيدت في الفعل -وفروعه- لإلحاق لفظه بكلمة: "احرنجم، وبقاء الملحق أولى من غيره
_________________
(١) ١ أصله مستدعي " بزيادة الحروف الثلاثة الأولى. وحذف آخره الياء، لأن الاسم هنا منقوص. مثن: داع. "انظر الحكم الثاني من الأحكام العامة الآتية، في ص٦٧٣". ٢ هو: الشديد، أو المتأخر الراجع للخلف. ٣ هذا هو الجمع القياسي وقد جاء في "القاموس" أي جمعه: مقاعس، ومقاعس "بفتح الميم أو ضمها" ومقاعيس. ٤ وفي هذا يقول ابن مالك: و"السين" و"التا" من كمستدع أزل إذ ببنا الجمع بقاهما مخل يريد: لأن بقاءهما مخل ببنا الجمع، أي: ببنائه، وصيغته. ثم قال فيما يتصل بهذا، وبالهمزة والياء في مثل "الندد وبلندد" وقد تقدم الكلام عليها: والميم أولى من سواه بالبقا والهمز واليا مثله، إن سبقا
[ ٤ / ٦٦٨ ]
وهذه تعليلات جدلية، مصطنعة. والتعليل الحق الذي يعتمد عليه في هذا الموضوع وأشباهه، هو السماع ليس غير. وقد ورد السماع بما يؤيد الرأيين.
ومن الأمثلة: استخراج، وجمعه: تخاريج، بإبقاء التاء دون السين؛ لأن إبقاء التاء سيؤدي إلى وزن للجمع على: "تفاعيل" وهو وزن له نظراء في العربية؛ "منهاك تماثيلن وتهاويل، وتباشير، وتفاريق، وتسابيح و " أما بقاء السين فيؤدي إلى سخاريج على وزن: سفاعيل وهو وزن لا نظير له.
وإذا كان أحد الأحرف الزائدة يغني بحذفه عن حذف زائد آخر وجب حذف ما يغني عن غيره؛ كحيزبون١ وعيطموس٢؛ يقال في جمعهما: حزابين وعطاميس؛ بحذف ياء المفرد، وإبقاء الواو، وقلبها ياء في الجمع؛ لوقوعها بعد كسرة.
ولو حذفت الواو وبقيت الياء لقيل في جمعهما: حيازين وعياطمس، بتحريك الياء والميم أو بتسكينهما. وهو في الحالتين وزن لا نظير له٣، وإذا أريد جعله على وزن عربي وجب حذف الياء أيضا؛ فيقال: حزابن، وعطامس؛ وبذا نصل إلى صيغة عربية بعد حذف الواو والياء معا. في حين استطعنا في الصورة الأولى أن نصل إلى صيغة عربية بعد حذف الياء وحدها. فحذف حرف واحد أولى من حذف حرفين مادم الأثر من الحذف واحدا٤
ح- إن كان أحد الأحرف الزائدة المستحقة للحذف مكافئ في قوته لحرف زائد آخر -أي: مساو له في الأفضيلة- جاز حذف أحدهما من غير ترجيح: كالنون والألف المقصورة "المكتوبة ياء" فينحو: سرندي٥ وعلندي٦؛
_________________
(١) ١ من معانيها: المرأة العجوز و. ٢ المرأة الجميلة الطويلة، والناقة السليمة. ٣ وتحريكهما يؤدي أيضا إلى ما لا نظير له في العربية؛ فإن ما بعد ألف صيغة منتهى الجموع إن كان ثلاثة أحرف -يجب أن يكون ثانيهما ساكنا. ٤ وفي هذا يقول ابن مالك: و"الياء" لا "الواو" احذف ان جمعت ما كحيزبون؛ فهو حكم حتما ٥ من معانيه: سريع قوي، جرئ مقدام ٦ الجمل الضخم، واسم نبت، والغليظ الضخم عامة
[ ٤ / ٦٦٩ ]
فيقال في جمعهما: سراند، وعلاند، أو: سراد وعلاد. فالحرفان قد زيدا معا في المفرد لإلحاقه بالخماسي: سفرجلن وكل حرفين هذا شأنهما لا يكون لأحدهما مزية على الآخر١..
"ملحوظة": قلنا٢ إنه يصح في جمع التكسير المشابه لصيغة: "فعالل" ما صح في "فعالل" من زيادة الياء قبل آخره إن لم تكن موجودة، وحذفها إن كانت موجودة "طبقا لما سبق"٢. ومما ينطبق عليه هذا أن تحذف إحدى الياءين جوازا، للتخفيف، في مثل: أماني، أغاني، أثافي ومفرداتها: أمنية، أغنية، أثفية بتشديد الياء في هذه المفردات٣
_________________
(١) ١ وفي هذا التكافؤ يقول ابن مالك: وخيروا في زائدي: سرندي وكل ما ضاهاه؛ كالعلندي ٢ و٢ في ص٦٦٤ وفي رقم ٢ في هامش ص٦٦٥ ويجيء في "ب" من ص٦٧١. ٣ جاء في الجزء الأول من تفسير القرطبي لقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ ما نصه: "قرأ أبو جعفر، وشيبة، والأعرج: إلا أماني، خفيفة الياء؛ حذفوا إحدى الياءين استخفافا وقال أبو حاتم: كل ما جاء من هذا النحو واحده مشدد فلك فيه التشديد والتخفيف، مثل: أثافي، وأغاني، وأماني، بياء واحدة، أو بياء مشددة، في كل ما سبق ونحوه. وقال الأخفش: هذا كما يقال في جمع مفتاح: مفاتيح ومفاتح. وهي ياء الجمع. قال النحاس: الحذف في المعتل أكثر. قال الشاعر: وهل يرجع التسليم أو يكشف العمى ثلاث الأثافي، والرسوم البلاقع ا. هـ. ومثل ما سبق قول أبي إسحاق الزجاج "كما جاء في ص٢٠٥ من كتاب المختار من شعر بشار" ونصه: "في لفظ: "الأماني" وجهان؛ العرب تقول: هذه أمان وأماني؛ بالتخفيف والتشديد. فمن قال "أماني" بالتشديد فهو مثل أحدوثة وأحاديث، ومن قال: "أمان" بالتخفيف فهو مثل أحدوثة وأحادث، وقرقور وقراقر، إلا أن التخفيف أكثر؛ لكثرة استعمالهم أثاف. والأثافي الأحجار التي تجعل تحت القدر". ا. هـ. - انظر ما يتصل بهذا في ص٦٦٤ وفي رقم ٢ من هامش ص٦٦٥ والبيان في "ب" ص٦٨١.
[ ٤ / ٦٧٠ ]
المسألة ١٧٤: أحكام عامة
المسألة ١٧٤: حكام عامة
١- زيادة الياء في جمع التكسير وحذفها، وكذلك زيادة تاء التأنيث:
أ- إذا حذف من المفرد عند جمعه جمع تكسير بعض حروفه الأصلية أو الزائدة -تطبيقات للضوابط السالفة في الجمع- جاز زيادة ياء١ قبل آخر الجمع، تكون بمنزلة العوض٢ عن المحذوف. ومن الأمثلة: فرزدق، وسفرجل، ومنطلق فيقال في جمعها بعد الحذف بغير تعويض: فرازق، وسفارج ومطالق.. ويقال في جمعها بعد الحذف مع تعويض ياء عن المحذوف. فرازيق، وسفاريج، ومطاليق
ب- تقدم٣ أن كل جمع تكسير على وزان: "فعالل" وشبهه -"وقد يعبرون عنه أحيانا بالجمع المماثل في صيغته لصيغتي: "مفاعل أو مفاعيل٤" يجوز فيه زيادة الياء إن لم تكن موجودة، كما يصح حذفها إن كانت موجودة. لا فرق في هذا بين الجمع الذي حذف منه بعض حروف مفرده، أم لم يحذف، فيقال في جمع: جعفر، ومفتاح، وعصفور، وقنديل جعافر وجعافير، ومصابح ومصابيح، وعصافر وعصافير، وقنادل وقناديل.
_________________
(١) ١ سبقت الإشارة لهذا في ص٦٦٤، وفي رقم ٢ من هامش ص٦٦٥، وله صلة بما في رقم ٣ من هامش الصفحة السابقة. ٢ وتعويض الياء إنما يكون جائزا حين لا يستحقها الجمع لغير التعويض، كاستحقاقه في كلمة لغيزي "بمعنى: اللغز"، فيقال في جمعها: "لغاغيز" بحذف ألفها، لثبوت يائها التي كانت في المفرد. فلا يزاد في الجمع مع هذه الياء ياء أخرى للتعويض عن المحذوف. ٣ في ص٦٦٤ و٢ من هامش ص٦٦٥ وفي هامش ص٦٧٠. ٤ كما تقدم في رقم ٣ من هامش ص٦٦٣، والمراد بالمماثل -كما سبق في رقم ٢٣ ص٦٦٤- ما وافقهما في عدد الحروف مع مقابلة المتحرك بمتحرك، والساكن بساكن فلا بد في هذه المماثلة من تحقق أمرين: أن يكون عدد الحروف متساويا، وأن يكون كل حرف مماثلا لنظيره في الترتيب مماثلة تقتضي أن يكون متحركات مثله أو ساكنا، ولا عبرة بنوع الحركة بينهما، فقد يكون أحدهما متحركا بالفتحة أو بالضمة، والآخر بالكسرة مثلا. فالمهم هو اشتراكهما في عدد الحروف، وفي مجرد الحركة المطلقة، أو السكون، بدون نظر لنوع الحركة.
[ ٤ / ٦٧١ ]
هذا رأي الكوفيين، والسماع الكثير يؤيدهم١، والأخذ برأيهم أولى، بالرغم من مخالفة البصريين الذين يخصون الحكم السابق بالضرورة، ويؤولون الأمثلة المسموعة، ويتكلفون في التأويل، ما لا يحسن قبوله، وبعض أئمة النحاة٢ يؤيد الكوفيين، ولكن يستثنى صيغة "فواعل" فلا يقول: "فواعيل" -ولا داعي لهذا الاستثناء- وكذلك يؤيدهم بعض أئمة اللغة٣.
ويجب -كما تقدم- عند زيادة الياء ألا يكون الجمع مختوما بياء مشددة كالتي في "كرسي"؛ ويجب عند حذفها مراعاة أن حذفها لا يؤدي إلى وجود حرفين متماثلين متجاورين؛ كما في جمع: "جلباب" على "جلابيب"، فلو حذفت الياء لأدى حذفها إلى أن تكون صيغة الكلمة المجموعة هي: "جلابب" بغير إدغام الباءين، مع أن الإدغام هنا واجب، ولو أدغمنا لم يعرف الأصل، ولم يتضح المعنى.
ج- وكما يجوز الإتيان بياء زائدة تعويضا عن المحذوف. يجوز أيضا أن تجيء تاء التأنيث -وحدها- عوضا عن المحذوف٤. إن كان أصله ألفا خامسة في المفرد، أو ياء في صيغة منتهى الجموع؛ مثل: "حبنطى، وجمعه: حبانط، وحبانيط، وحبانطة"، "وعفرني٥ وجمعه: عفارن، وعفارين، وعفارنة"، "وقنديل، وقنادل، وقناديل، وقنادلة"، "ومطعان ومطاعن، ومطاعين، ومطاعنة" والتعويض بهذه التاء يكاد ينحصر في هذين، أما الإتيان بالياء فغير مقصور على نوع من الأنواع التي أصابها الحذف، وقد تدخل على ما لم يحذف منه شيء -كما سلف- فميدان زيادتها أوسع في جموع التكسير من تاء التأنيث.
_________________
(١) ١ ومن شواهدهم: قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ جمع مفتاح؛ فقياسه: "مفاتيح"، بقلب ألفه ياء، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ جمع: "معذرة" قياسه: "مغاذر" -راجع الصبان. ٢ كصاحب التسهيل. ٣ فيقول: كل جمع على "فواعل ومفاعل" -وفي الصفحة الماضية بيان المراد من هاتين الصيغتين- يجوز أن يمد بالياء؛ فيقال: فواعيل ومفاعيل. "راجع المصباح المنير، في مادة: "دافق" وجمعه دوافيق، أو دوافيعه". وكذا ما جاء في تفسير "القرطبي" وقد نقلناه في رقم ٣ من هامش ص٦٧٠. ٤ سبقت إشارة لهذا في رقم ٣ من هامش ص٥٩١. كما سبق بيان مفيد عن المراد من تاء التأنيث وهائه في رقم ٣ من هامش ص٢٣٦. ٥ شديد.
[ ٤ / ٦٧٢ ]
لكن هناك نوع آخر تكون فيه هذه التاء أكثر وجودا من الياء؛ وهو: كل اسم مفرد مختوم بياء النسب، وحذفت منه هذه الياء عند جمعه على إحدى صيغ منتهى الجموع؛ فتدل التاء على أن الجمع للمنسوب لا للمنسوب إليه، نحو: أشعثي وأشاعته، وأزرقي وأزارقة، ومهلبي ومهالبة، وصقلبي وصقالبة، فلكل من الياء والتاء ما يمتاز به على الآخر.
٢- حكم المسائل لفعالل وشبهه، إذا كان معتل الآخر:
ما كان من جموع التكسير مماثلا لوزن: "فعالل" أو شبهه "بمعنى: المماثلة التي شرحناها هناك"١، وكان معتل الآخر؛ مثل: مصاف، ومداع، في مجمع، مصطفى، ومستدع فإنه يجري عليه ما يجري على المنقوص من صيغ منتهى الجموع التي بعد ألف تكسيرها حرفان، كدواع، ونوام، وجوار٢ إلا إن زيدت الياء قبل الحرف الأخير؛ عوضا عن المحذوف -كما في الحكم الأول السالف- فيجوز أن يقال بعد زيادتها: مصافي، ومداعي، بياء مشددة، نشأت من إدغام ياء التعويض الزائدة في الياء التي هي في الأصل لام الكلمة. ثم تحذف إحداهما تخفيفا. فإن حذفت الثانية المتحركة صارت الكلمة مصافي، ومداعي، بياء ساكنة، ثم تحذف الياء ويجيء التنوين عوضا عنها؛ فتصير الكلمة؛ مصاف ومداع، ونوام، وجوار. وإن حذفت الأولى الساكنة قلبت الثانية المتحركة ألفا بعد فتح ما قبلها فتصير: مصافي ومداعي٣ و
٣- تثنية جمع التكسير، وجمعه:
هل يجمع جمع التكسير بنوعيه الدال على القلةن والدال على الكثرة؟
_________________
(١) ١ في رقم ٢٣ من ص٦٦٤ وفي رقم ٤ من هامش ص٦٧١. ٢ وأمثال هذه الأوزان مما سبق الكلام عليه "في ج١ م٣" وعلى سبب حذف الياء عند الجمع والأصل المفرد: داعية، نامية، جارية، وما كان مثلها في لفظه وإعلاله على الوجه المشروح هناك. ٣ حاشية الخضري آخر الباب "ثم راجع ما يماثل هذا في ص٦٥٨ وأيضا ما تقدم في ج١ م٣ خاصا بهذا".
[ ٤ / ٦٧٣ ]
يميل أكثر النحاة على إباحة الجمع فيما يدل على القلة، دون ما يدل على الكثرة، والأفضل الأخذ بالرأي القائل١: إن الحاجة قد تدعو -أحيانا- إلى جمع٢ الجمع بنوعيه، كما تدعو إلى تثنيته، فكما يقال في جماعتين من الجمال: جمالان -كذلك يقال في جماعات: جمالات.
فإذا قصد تكسير مكسر نظر إلى ما يشاكله من الآحاد "أي: المفردات" فيكسر بمثل تكسيره، والمراد بما يشاكله: ما يكون مثله في عدد الحروف، ومقابلة المتحرك منها بالمتحرك في الآخر، والساكن بالساكن. من غير اعتبار لنوع الحركة؛ فقد تختلف فهيما؛ فيكون أحدهما متحركا بالفتحة، والآخر بالضمة أو بالكسرة. فالمهم ليس نوع الحركة فيهما، وإنما المهم أن يكون كل من الحرف ونظيره في الترتيب متحركا. وأن الساكن يقابله في الترتيب ساكن مثله -كما سبق- عند الكلام على: "فعالل" وشبهه٣؛ فيقال في أعين أعاين -وفي أصلحة أسالح- وفي أقوال أقاويل: تشبيها بأسود وأساود، وأجردة٤ وأجارد -وإعصار وأعاصير. وقالوا في مصران٥ وغربان: مصارين وغرابين، تشبيها لها
_________________
(١) ١ راجع فيما يأتي: شرح الأشموني، آخر باب جمع التكسير، برغم مخالفة الصبان. ٢ هذا إلى أن المراجع اللغوية تضم من جمع الجمع بنوعيه عشرات مبعثرة. نقل بعضها صاحب الهمع. والذي نقله "في الجزء الثاني ص١٨٣" يزيد على العشرين، وهي تكفي للقياس عليها "بالرغم من أنه يخالف في هذا" لأنها وردت مجموعة في غير الضرورة الشعرية، منها: أيد، وأياد، أسماء وأسام، أنعام وأناعيم، أقوال وأقاويل، أعراب وأعاريب، مصران ومصارين، جمال وجماميل، بيوت وبيوتات، أعطية وأعطيات، صواحب وصواحبات، دور دورات، طرق وطرقات و.. ثم عرض بعد ذلك لما جاء في الضرورة وساق أمثلة منه. وللمجمع اللغوي بالقاهرة قرار في هذا؛ نصه: كما جاء في ص٥٣ من مجموعة قراراته من الدورة الأولى إلى الدورة الثامنة والعشرين تحت عنوان: قياسية جمع الجمع "جمع الجمع مقيس عند الحاجة". ا. هـ. وأعيد هذا القرار نصا بعد دراسة وافية للحاجة الداعية إلى جمع جموع التكسير بنوعيها؛ ما كان منها للقلة أو للكثرة في ص٢٤٣ من محاضر جلسات الدورة العاشرة. ٣ في رقم ٢٣ من ص٦٦٤. وفي رقم ٤ من هامش ص٦٧١. ٤ قال الصبان: لم أقف على ما يدل على أن: "أجردة مفرد، وإنما الظاهر أنه جمع جراد أو جريد" هذا كلامه. ومقتضاه أن: "جردة" التي هي جمع تكسير عنده هي في الوقت نفسه عند غيره مفرد جمعوه على: "الأجارد" للتكسير. ٥ مفرده: مصير.
[ ٤ / ٦٧٤ ]
بسلاطين وسراحين١.
ولا يجمع جمع تكسير ما كان من الجموع على رنة: مفاعل، أو مفاعيل: أو فعلة "بفتحات"، أو فعلة. "بضم ففتح"، والمراد بالزنة هنا: المماثلة والمشاكلة على الوجه السالف. والسبب في عدم جمعهما للتكسير عدم وجود نظير لها في الآحاد "أي: المفردات" لتحمل عليه عند جمعها. ولكن قد تجمع جمع تصحيح للمذكر أو للمؤنث على حسب المعنى؛ كقولهم: نواكس٢ ونواكسون، وأيامن٣ وأيامنون، وصواحب وصواحبات، وحدائد وحدائدات٤..
هذا، وجمع الجمع لا يطلق -اصطلاحا- على أقل من عشرة٥، كما أن جمع المفرد لا يطلق اصطلاحا على أقل من ثلاثة، إلا مجازا.
٤- تثنية أنواع المراكب، وجمعها جمع تكسير:
سبق في الجزء الأول٦ -عند الكلام على المثنى وجمعي التصحيح- تعريف أنواع المركب، وطريقة تثنيتها وجمعها جمع مذكر سالما، أو مؤنث سالما. وفي تذكرها، وتذكر تلك الطرائق ما يعين على تفهم أفضل الطريق لجمعها تكسيرا. وفيما يلي التلخيص:
أ- المركب الإضافي إن كان صدره كلمة غير: "ذي، وابن، وأخ". وأريد تثنية أو جمعه تصحيحا أو تكسيرا وجب الاقتصار على تثنية صدره
_________________
(١) ١ مفرده: سرحان "من معانيه: الذئب". ٢ مفرده: ناكس، بمعنى مطأطئ الرأس. ٣ مفرده: أيمن، بمعنى: مبارك. ٤ مفرده: حدائد. الذي مفرده: حديد، للمعدن المعروف. ٥ قال الصبان في آخر هذا الباب، ناقلا عن شرح الشافية ما نصه: "أعلم أن جمع الجمع لا يطلق على أقل من تسعة، كما أن جمع المفرد لا يطلق على أقل من ثلاثة، إلا مجازا". ا. هـ. لكن يفهم من هذا أن جمع الجمع لا يطلق على عشرة. وهذا غير مقبول بعد التحقيق الذي قام به الصبان نفسه ونقلناه عنه في هامش ص١٢٧ أول الباب منتهيا منه إلى أن جمع القلة -ينطلق على "٣ و١٠" وما بنيهما. ٦ المسائل: "٩، ١٠، ١١، ١٢".
[ ٤ / ٦٧٥ ]
المضاف وجمعه، دون عجزه المضاف إليه؛ فإن عجزه لا يثنى ولا يجمع، ولا يتغير مطلقا. ففي مثل: ناصر الدين "علم رجل"، وناصرة الدين "علم فتاة" يقال في التثنية رفعا: فاز ناصرا الدين، و: ناصرتا الدين. ويقال في جمعهما تصحيحا: فاز ناصرو الدين، وناصرات الدين. وفي جمعهما تكسيرا: فاز نصر الدين فيهما
ويقال في حالة النصب: أكبرت ناصري الدين، أو: ناصرتي الدين، أو ناصري الدين، أو: ناصرات الدين، أو: نصر الدين ومثل هذا يقال في حالة الجر.
فالمضاف هو الذي يثنى ويجمع الجموع الثلاثة ويتغير آخره بحسب العوامل، أم المضاف إليه فيلزم حالة واحدة؛ هي الجر بالإضافة دائما، ولا يجمع إن كان مفردا إلا في حالة واحدة؛ هي التي تتعد فيها أفراده، كما تعدد أفراد المضاف، ففي هذه الحالة التي تتعدد فيها أفرادهما يجمعان، مثل: حارس القائد؛ علم على مصري، وحارس القائد، علم على سوري، وحارس القائد، علم على عراقي فالواجب أن يجمع كل من المضاف والمضاف إليه جمع مذكر، أو جمع تكسير: فيقال: حارسو القائدين، أو حراس القواد١
وإن كان صدر المركب الإضافي هو: "ذو، أو: ابن، أو: أخ" من أجناس ما لا يعقل "ومنه: ذو القعدة، وذو الحجة وابن عرس٢، وابن لبون٣ وابن آوى٤ وأخو الصحراء "الحيوان خاص بها"، وأخو الجحر "للثعبان" -فإن صدره هو الذي يثنى كتثنية المفردات الصحيحة، ولكنه لا يجمع جمع تكسير٥ ولا جمع مذكر، بل يقتصر على جمعه جمع مؤنث سالم، فيقال: ذوات القعدة، ذوات الحجة، بنات عرس٦، بنات لبن، بنات
_________________
(١) ١ ويظهر لي أن هذا الحكم ينطبق على حالة التعدد في التثنية أيضا، وإن كنت لا أعرف فيها نصا. ٢ حيوان صغير يشبه الفأر. ويطلق على المذكر والمؤنث. ٣ ابن الناقة إذا دخل في عامة الثالث. والأنثى: بنت لبون. ٤ حيوان صغير أغبر اللون، قريب الحجم من القط. ٥ انظر رقم ٢ من الهامش الآتي. ٦ جمع للذكور والإناث من ذلك الحيوان.
[ ٤ / ٦٧٦ ]
آوى، أخوات الصحراء، أخوات الجحر١
ولا فرق في هذا بين اسم الجنس الذي ليس بعلم كابن لبون، وعلم الجنس كابن آوى؛ بشرط أن يكون كل منهما لغير العاقل -كما سلف- والأول يصح أن تدخل فيه: "أل" على المضاف إليه. بخلاف الثاني
ب- المركب الإسنادي؛ "وهو ما أصله جملة اسمية أو فعلية؛ مثل: الخير نازل -نصر الله. وكلاهما اسم رجل، ومثل: الجمال باهر، وزاد الجمال، وكلاهما اسم امرأة "، وهذا المركب لا يجمع جمع تكسير٢، وإنما يصح جمعه -بطريقة غير مباشرة- جمع مذكر سالما أو جمع مؤنث سالما. والمقصود بالطريقة غير المباشرة أن يزاد قبله كلمة معينة إذا جمعت أغنت عن جمعه؛ فهي الوسيلة لجمعه؛ لأنه لا يجمع بطريقة مباشرة، ولا بوسيلة أخرى. هذه الكلمة هي: "ذو" للمذكر و"ذات" للمؤنث. وجمع "ذو" هو: "ذوو" رفعا و"ذوي" نصبا وجرا، كما أن جمع: "ذات"، هو: "ذوات" في كل الأحوال؛ فيقال في الأمثلة السالفة عند جمعها: أقبل ذوو الخير نازل، أقبل ذوو نصر الله، أقبلت ذوات الجمال باهر، أقبلت ذوات زاد الجمال، قابلت ذوي الخير نازل، قابلت ذوي نصر الله، قابلت ذوات الجمال باهر، قابلت ذوات زاد الجمال وهكذا. وكلمة: "ذوو" تعرب إعراب جمع المذكر السالم، وتعرب "ذوات" إعراب جمع المؤنث السالم. وكلتا الكلمتين لا بد أن تكون مضافة هنا، والركب الإسنادي هو المضاف إليه، ويجر بكسرة مقدرة على آخره، منع من ظهورها حركة الحكاية؛ لأن حركات الجملة الإسنادية المحكية ثابتة في جميع استعمالاتها، وضبط حروفها لا يتغير مطلقا بعد النقل، فيبقى لكل كلمة وكل حرف ضبطه السابق على الحكاية، وتصير الجملة في حالتها الجديدة محكية، بمنزلة كلمة واحدة ذات جزأين، لا يدخلهما تغيير في ضبط الحروف، وبالرغم من إعراب هذين الجزأين معا هنا:
_________________
(١) ١ انظر الأشموني في آخر باب جمع التكسير، المسألة الرابعة من "الخاتمة" التي تتضمن مسائل. ٢ هناك رأي يبيح جمعه تكسيرا بطريقة غير مباشرة هي أن تسبقه كلمة: "أذواء" التي مفردها: "ذو" ويجري هذا أيضا على مثل: ذي القعدة، وذي الحجة.
[ ٤ / ٦٧٧ ]
"مضافا إليه" مجرورا، فهو مجرور بكسرة مقدرة على آخره منع من ظهورها الحكاية -كما سبق.
ولا يثنى المركب الإسنادي بطريقة مباشرة، وإنما يثنى بالطريقة السالفة فتجيء كلمة: "ذو" للمذكر، وذات، أو "ذوات" للمؤنث، وتثنية الأولى هي: "ذوو، وذوى " وتثنية الأخرى هي: "ذاتا وذاتي ، أو ذواتا وذواتي" ثم يجيء المركب الإسنادي المراد تثنيته مسبوقا بالكلمة المناسبة له مما سبق بعد ثنيتها، دون أن يلحقه تغيير مطلقا فيبقى على حاله في التثنية "مضافا إليه" لا يتغير كما كان شأنه عند الجمع. فقال: أقبل "ذوا" الخير نازل وأقبلت "ذات، أو: ذواتا" الخبر نازل وهكذا كما سبق في الجمع تماما، ولكن مع تثنية الكلمة المساعدة، وهي: "ذو"، أو: ذات وذوات"
ج- المركب المزجي: لا يجمع جمع تكسير مطلقا. ولا يثنى، ولا يجمع جمع تصحيح بالطريقة المباشرة، وإنما يراعي في تثنيته وجمعه تصحيحا الطريقة غير المباشرة التي روعيت في المركب الإسنادي١.
وهناك رأي آخر يبيح جمع المركب المزجي جمع تصحيح بطريقة مباشرة كما تجمع الأسماء غير المركبة. وفي هذا الرأي -على قلته- تيسير وتخفيف؛ بإخضاع هذا النوع للقاعدة العامة.
د- المركب التقييدي "وهو المكون من صفة مع موصوفها؛ مثل: المخترع الذكي، أو من غيرهما مما لا يدخل في المركبات السالفة"، لا يجمع جمع تكسير، وإنما يتوصل -في الأحسن- إلى جمعه جمع تصحيح بالطريقة غير المباشرة التي شرحناها.
٥- الفرق بين جمع التكسير، واسم الجمع، واسم الجنس الجمعي.
أ- لا بد في جمع التكسير الأصلي أن يدل على أكثر من اثنين، وأن
_________________
(١) ١ وتشمل الرأي السابق -في رقم ٢ من هامش الصفحة السابقة- الذي يبيح جمعه تكسيرا بطريقة غير مباشرة، وهي تقديم كلمة: أذواء "جمع: ذو".
[ ٤ / ٦٧٨ ]
يكون على وزن صيغة من الصيغ الخاصة به -وقد عرفناها- وأن يكون له مفرد حقيقي لا خيالي١، وأن تتغير صيغة هذا المفرد عند جمعه للتكسير تغيرا حتميا على الوجه الذي شرحناه٢. وأن يشترك مع جمعه في الحروف الأصلية -إلا إذ اقتضى الجمع حذف شيء منها- دون الاشتراك في هيئتها، "أي: ضبطها"، وإذا عطف على هذا المفرد نظيران له -أو أكثر- بحيث تتشابه وتتماثل المفردات تماما في اللفظ وهيئته، وفي المعنى أيضا كان معنى المعطوفات كلها هو معنى ذلك الجمع ومن الأمثلة لجمع التكسير: رجال. فهذه الصيغة تدل على أكثر من اثنين، وتختص بالتكسير ولها مفرد حقيقي هو: رجل. وقد تغير بناء المفرد عند جمعه. والحروف الأصلية ثلاثة مشتركة بين المفرد وجمعه، مع اختلافها في الضبط، وإذا عطف على هذا المفرد مثلان له أو أكثر؛ "فقيل رجل ورجل ورجل و"، كان معنى المعطوفات المجتمعة هو معنى التكسير: رجال.
وهناك جمع تكسير ليس بالأصيل، ولكنه يلحق بجموع التكسير الأصيلة اعتبارا. ويجري عليه أحكامها، وهذا النوع هو ما كان على صيغة من الصيغ الخاصة بالتكسير، أو الغالبة فيه، ولكن ليس له مفرد. فمن أمثلة الموضوع على صيغة خاصة بالتكسير، أو الغالبة فيه، ولكن ليس له مفرد. فمن أمثلة الموضوع صيغ خاصة بالتكسير وليس له مفرد: شماطيط٣ وعباديد٤ وعبابيد
ومن أمثلة الموضوع على صيغة غالبة في التكسير وليس له مفرد: "أعراب"٥ فإن صيغة "أفعال شائعة في الجموع، نادرة في الفردات غاية الندارة، إذ لا تعرف إلا في بضع كلمات معدودة، منها قدر أعشار٦، وثوب أخلاق٧ فتلك الصيغ
_________________
(١) ١ سيجيء هنا الكلام على ما له مفرد مقدر، أو: خيالي. ٢ وبسبب هذا التغير يرى بعض النحاة أن كلمة "بنات" جمع تكسير، وليست جمع مؤنث سالما -وقد تقدم هذا في رقم ١ من هامش ص٦١٣. وكذا في الجزء الأول. ٣ ثوب شماطيط: قديم ممزق. ٤ خيل عبابيد أو عباديد: متفرقة في الجهات المختلفة. ٥ وليس مفردها: "عرب" في رأي كثير من اللغويين؛ لأن "العرب" تطلق على سكان الحواضر والصحارى. أما "الأعراب" فالغالب -عنده- اختصاصها بالبدو. ٦ مكسرة: وقيل: إن كلمة "أعشار" ليست مفردا، وإنما هي جمع وقع نعتا للمفرد، شذوذا، أو على ملاحظة أجزاء المنعوت. والمفرد: عشر والنتيجة واحدة. هي المخالفة للشائع. ٧ متمزق قديم. وقيل في أخلاق: إنه ليس مفردا، ولكنه جمع خلق. وقد وصف المفرد بالجمع شذوذا، أو على ملاحظة أجزاء المعوت والأمر فيه كسابقة في رقم ٦.
[ ٤ / ٦٧٩ ]
الموضوعة على وزن يخص جمع التكسير أو يغلب فيه، تدخل في جمع التكسير، بالرغم من عدم وجود مفرد حقيقي لها. وفي هذه الحالة يفترض النحاة لها وجود مفرد، مقدر، "خيالي"، أي: غير حقيقي، لتكون بهذا المفرد الملحوظ داخلة -اعتبارا- في جموع التكسير الأصيلة.
والحق أنه لا داعي لشيء من هذا الافتراض والتخيل ما دام الواقع يخالفه، وما دامت أحكام التكسير المختلفة ستجري على تلك الصيغ.
ب- اسم الجمع ما يدل على أكثر من اثنين، وليس له مفرد من لفظه ومعناه معا، وليست صيغته على وزن خاص بالتكسير، أو غالب فيه. فيدخل في اسم الجمع ما له مفرد من معناه فقط، مثل: إبل، وقوم، وجماعة؛ فلهذه الكلمات وأشباهها مفرد من معناها فقط؛ فمفرد إبل هو: جمل أو ناقة، ومفرد قوم وجماعة هو: رجل أو امرأة وليس لها مفرد من لفظها ومعناها معا برغم دلالتها على أكثر من اثنين١
ويدخل في اسم الجمع أيضا ما يدل بصغته على الواحد والأكثر من غير أن تتغير تلك الصيغة، نحو: "فلك"، للسفينة الواحدة والأكثر.
وكذلك يدخل في اسم الجمع ماله مفرد من لفظه، ولكن إذا عطف على هذا المفرد مماثلان أو أكثر كان معنى المعطوفات مخالفا لمعنى اللفظ الدال على الكثرة، نحو: قريش، فإن مفرده قرشي. فإذا قيل قرشي، وقرشي، وقرشي كان معنى هذه المعطوفات، هو: جماعة منسوبة إلى قبيلة "قريش"، وهو معنى يختلف اختلافا واسعا عن معنى "قبيلة قريش"، فليس مدلول قبيلة قريش مساويا مدلول: جماعة منسوبة إلى قريش.
ويدخل في اسم الجمع أيضا ما نصيغه من لفظها ومعناها ولكنها ليست على أوزان جموع التكسير المعروفة فيما سبق؛ كراكب وركب، وصاحب
_________________
(١) ١ لاسم الجمع من ناحية التذكير والتأنيث حكم هام، سبق في: "ج" ص٥٩٨. ويتصل هذا الحكم اتصالا وثيقا بما سبق في الجزء الثاني م٦٦ حيث الكلام على أحكام الفاعل، ومنها: الحكم السادس الخاص بتأنيث عامله -وغيره- إذا كان الفاعل اسم جمع، أو اسم جنس
[ ٤ / ٦٨٠ ]
وصحب. فقد قيل: إن صيغة "فعل" ليست من صيغ التكسير عند فريق من النحاة. أما عند غيره فيعدها من صيغ التكسير.
بالرغم من هذا فإن مثل راكب وركب، وصاحب وصحب أسماء جموع وليست جموع تكسير، لسبب آخر؛ هو: أن كل صيغة تدل على معنى الجمع مع جواز أن تتساوى هي والواحد في الخبر، وفي النعت إذا احتاجت إلى خبر أو نعت ليست جمعا، وإنما هي: اسم جمع: كركب وصحب، حيث تقول: الركب مسافر، وهذا ركب مسافر. كما تقول: الراكب مسافر، وهذا راكب مسافر. ومثل: الصحب قادم، وهذا صحب قادم؛ كما تقول: الصاحب قادم وهذا صاحب قادم
ج- اسم الجنس الجمعي هو: ما له مفرد يشاركه في لفظه ومعناه معا، ولكن يمتاز المفرد بزيادة تاء التأنيث في آخره أو ياء النسب، "أو: هو ما يفرق بينه وبين واحدة بتاء التأنيث أو ياء النسب"، نحو: تمر، ومفرده: تمرة، وشجر، ومفرده: شجرة، وثمر، ومفرده: ثمرة، وعرب ومفرده عربي، وترك ومفرده تركي، وحبش، ومفرده حبشي ومن القليل أن تكون هذه التاء في اسم الجنس الجمعي لا في مفرده، نحو: كمأة١ المفرد: كمء.
ويدل اسم الجنس الجمعي على ما يدل عليه جمع التكسير من الدلالة العددية٢.
ومن النحاة من يجعل اسم الجنس الجمعي جمع تكسير، لا قسما مستقلا بنفسه. وقد سبق بيان هذا٣ مع توضيح المراد من الجنس وأنواعه المتعددة.
٦- جمع التكسير -كالتصغير، وغيره- يرد الأشياء إلى أصولها، ولهذا يقال في جمع دينار: دنانير، لأن المفرد: دنار؛ قلبت النون الأولى ياء في المفرد، للتخفيف. وعند جمعه جمع تكسير ظهرت النون ورجعت إلى مكانها.
٧- صيغة منتهى الجموع هي: كل جمع تكسير بعد ألف تكسيره حرفان
_________________
(١) ١ اسم نبات. ٢ بسبب هذه الدلالة العددية يطلق عليه في اللغة -لا في النحو- أنه جمع "راجع الصبان، باب: جمع التكسير، عند بيت ابن مالك: "من غير ما مضى ومن خماسي" حيث الكلام على مفرد. فرزدق. ٣ في الجزء الأول م١.
[ ٤ / ٦٨١ ]
أو ثلاثة بشرط أن يكون أوسط الثلاثة ساكنا؛ نحو: مصانع، مغانم، معابد، قناديل، مصابيح، مناشير وقد سبق تفصيل الكلام عليها في باب الاسم الذي لا ينصرف١.
٨- لا يصح٢ جمع الاسم المصغر جمع تكسير للكثرة؛ لأنها تناقض ما يدل عليه التصيغر من القلة، وأيضا لعدم وجود صيغة للكثرة تناسبه. ولو جمع بغير تصغير لكان جمع التكسير خاليا من علامة تدل على أن مفرده مصغر، فيؤدي هذا إلى اللبس. ومن ثم وجب في كل جمع تكسير للكثرة أن يكون خاليا من ياء التصغير؛ إذ لا يصح تصغيره وهو جمع كثرة؛ ولا يصح في مفرده المشتمل عليها أن يجمع جمع كثرة. أما جمع القلة فيجوز تصغيره لعدم المانع، فيقال في أصحاب وأجمال: أصيحاب، وأجيمال، وهكذا
_________________
(١) ١ ص٢٠٨. ٢ راجع الهمع والتصريح في باب: التصغير -ولهذا إشارة في رقم ٣ من ص٦٨٨ وفي رقم ٧ من ص٧٠٩.
[ ٤ / ٦٨٢ ]
المسألة ١٧٥: التصغير ١
تعريفه: تغيير يطرأ على بنية الاسم وهيئته؛ فيجعله على وزن "فعيل". أو: فعيعل"، أو "فعيعيل" بالطريقة الخاصة المؤدية إلى هذا التغيير؛ فيقال في بدر: بدير، وفي درهم: دريهم، وفي قنديل: قنيديل وهكذا وتسمى الأوزان الثلاثة: "صيغ التصغير". لأنها مختصة به، وليست جارية على نظام الميزان الصرفي العام٢.
الغرض منه: تحقيق أحد الأمور الآتية بأوجز الرموز اللفظية:
١- التحقير؛ نحو: جبيل، عويلم، بطيحل. في تصغير: جبل، وعالم، وبطل.
٢- تقليل جسم الشيء وذاته٣؛ نحو: وليد، طفيل، كليب.
٣ تقليل الكمية والعدد؛ كدريهمات، ووريقات في مثل: اشتريت كتابا بدريهمات، يضم وريقات نافعة.
٤- تقريب الزمان: كقبيل وبعيد، مثل: يستيقظ الزارع قبيل الفجر، وينام بعيد العشاء. أي: قبل وقت الفجر، وبعد وقت العشاء بزمن
_________________
(١) ١ يرد ذكره أحيانا في الكتب القديمة باسم: "التحقير" وقد تكرر هذا في كتاب سيبويه "ج٢ ص١٠٥" والتعبير عنه بالتصغير أنسب؛ لأن هذا الغرض هو الغالب فيه، بخلاف التحقير. وغير المصغر يسمى: "المكبر". ٢ يوضح هذا أن تصغير مثل: أحمد، ومكرم، وسفرجل ، هو: أحيمد، مكيرم، وسفيرج، أو سفيريج، والثلاثة الأولى على وزن: فعيعل، والرابع على وزان، فعيعيل، مع أن ميزانها التصريفي، هو: أفيعل، ومفيعل، وفعيلل أو: فعيليل. فللتصغير أوزانه الاصطلاحية الثلاثية التي تختص بهما، ويجري عليها، وقد يختلف كثيرا -ولا سيما في الأسماء غير الثلاثية- عن الأوزان الخاصة بالميزان الصرفي العام. ٣ يشمل ما له ذات محسوسة كالأمثلة المذكورة، وما له ذات غير محسوسة؛ مثل: عليم، كريم، في تصغير: علم وكرم.
[ ٤ / ٦٨٣ ]
قريب منهما١.
٥- تقريب المكان١: مثل؛ فويق، وتحيت، في قول القائل: بيني وبين النهر فويق الميل، وتحيت الفرسخ٢. وقد يكون المكان معنويا، يراد منه المنزلة والدرجة، نحو: فضل الوالدين فويق فضل الأولاد، وتحيت فضل الأجداد.
٦- التحبب وإظهار الود؛ نحو: يا صديقي، يا بنيتي.
٧- الترحم، "أي: إظهار الرحمة والشفقة"، نحو: هذا البائس مسيكين
٨- التعظيم: كقول أعرابي: رأيت مليكا نهاية الملوك، وسييفا من سيوف الله تتحطم دونه السيوف٣
٩- الاختصار اللفظي مع إفادة الوصف، كالذي في مثل: "نهير" بمعنى: نهر صغير٤
ومن الممكن إرجاع كثير من هذه الأغراض المفصلة إلى التحقير أو التقليل. ومن الممكن أيضا أداء كل غرض منها بأسلوب -أو أكثر- يخلو من التصغير، ولكنه سيخلو كذلك مما يمتاز به التصغير من الاختصار، والقوة، والتركيز٤.
_________________
(١) ١ و١ مثل هذا التصغير يسمى: "تصغير التقريب"؛ فقد جاء في "المصباح المنير" -مادة: "بعد"- ما نصه: "بعد: ظرف مبهم لا يفهم معناه إلا بالإضافة لغيره. وهو زمان متراخ عن السابق؛ فإن قرب منه قيل: بعيده، بالتصغير، كما يقال: قبل العصر، فإذا قرب قيل: "قبيل العصر" بالتصغير، أي: قريبا منه، ويسمى: "تصغير التقريب". ا. هـ. ولا مانع من شموله لتقريب المكان أيضا. ٢ ثلاثة أميال. ٣ ومن تصغير التعظيم قول الشاعر القديم: وكل أناس سوف ندخل بينهم دويهية تصفر منها الأنامل وقول الآخر: فويق جبيل شاهق الرأس لم تكن لتبلغه حتى تكل وتعملا ٤ و٤ ولهذا يقال عن التصغير إنه بصيغته -وحدها- يدل على ما تدل عليه الصفة والموصوف المعين معا.
[ ٤ / ٦٨٤ ]
شروط الأسماء التي يدخلها التصغير:
التصغير خاص بالأسماء وحدها؛ فلا تصغر الأفعال١. ولا الحروف. ويشترط في الاسم الذي يراد تصغيره:
١- أن يكون معربا، فلا تصغر -قياسا- الأسماء المبنية؛ كالضمائر، وكأسماء الاستفهام، وأسماء الشرط، و"كم" الخبرية وغيرها من المبنيات -إلا ما ورد مسموعا منها مصغرا؛ فيقتصر على الوارد منه. وأشهر هذا المسموع ما يأتي:
أ- المركب المزجي -علما أو عددا- عند من يبنيه في كل الحالات الإعرابية المختلفة؛ فيقال في تصعير نفطويه: نفيطويه، وفي أحد عشر: أحيد عشر٢، أما عند من يعرب المركب المزجي إعراب الممنوع من الصرف فتصغيره قياسي؛ لأنه تصغير لاسم معرب "أي: متمكن"٢.
ب- ذا، وتا، وأولى، أو: أولاء "مقصورة وممدودة٣ والثلاثة أسماء إشارة. والضبط المسموع الشائع فيها عند التصغير هو: ذيا، وتيا: "بفتح أولهما، وقلب ثانيهما -وهو الألف- ياء تدغم في ياء التصغير، وزيادة ألف جديدة بعد الياء المشددة". وأوليا "باقصر، مع تشديد الياء ومدها، دون الهمزة" أو: أو ليا "بالهمزة الممدودة بعد ياء التصغير، دون الأولى"، مع ضم أول الاسمين بغير مد، أو: أولياء. وكل هذه الصيغ لم تجر في تصغيرها على مقتضى الضوابط المرعية، وإنما نطق بها العرب هكذا.
ومن المسموع تصغير: ذان وتان، وهما معربان -في الصحيح؛ فتصغيرها قياسي. إلا أن العرب غيرت فيهما تغييرات لا يقتضيه التصغير، كفتح أولهما، وتشديد الياء؛ فقالوا: ذيان، تبان ومن هنا كان الشذوذ.
_________________
(١) ١ إلا "أفعل" المستعمل في التعجب -سيجئ البيان عنه في الصفحة التالية. ٢ و٢ إذا صغر المركب المزجي فالتغير يطرأ على صدره دون عجزه، ويبقى الحرف الذي في آخر صدره على حاله من الحركة أو السكون، كما كان قبل تصغيره. ٣ وفي الحالتين يزاد بعد الهمزة الأولى واو في الخط، ولا يصح معها مد الهمزة عند النطق، وقد زادها القدماء في الكتابة للتفرقة بين: "أولى" اسم الإشارة، و"الألى"، اسم موصول.
[ ٤ / ٦٨٥ ]
ج- الذي، والتي، والذين "والثلاثة من أسماء الموصول"، ومن المسموع فيها عند التصغير: اللذيا، واللتيا، بفتح أولهما، أو ضمة واللذين "بضم اللام المشددة، وإدغام ياء التصغير في ياء الكلمة، وكسرها بعد التشديد"، واللتيات.
أما اللذان واللتان فمعربان -في الصحيح؛ فتصغيرهما قياسي. إلا أن العرب فتحت أولهما عند التصغير؛ فقالوا: اللذيان واللتيان. ومن هنا كان الشذوذ. وفي أكثر الصيغ المصغرة السالفة لغات أخرى، وضبوط متعددة، اكتفينا ببعضها.
د- المنادى المبني، نحو: يا حسين، في تصغير المنادى: حسن١ "ملاحظة": لا يعرف عن العرب تصغير شيء من الأفعال إلا صيغة، "أفعل" في التعجب، في مثل: ما أحسن الرجوع إلى الحق ؛ فيقال في التصغير: ما أحيسن الرجوع إلى الحق. وفي قياس هذا النوع
من التصغير خلاف كبير. والرأي الشائع أنه غير قياسي، شأنه في ذلك شأن جميع الأفعال الأخرى. ولكن سيبويه وبعض من البصريين وغيرهم يرون قياسيته، وهذا رأي فيه تيسير٢.
_________________
(١) ١ "حسن" أحد الأعلام المعربة أصالة قبل ندائه. فإذا نودي صار مبنيا على الضم. وإلى بعض هذه الأمور السماعية يقول ابن مالك في آخر باب التصغير: وصغروا شذوذا: "الذي"، "التي" و"ذا" -مع الفروع منها- "تا" "وتي"-٢٢ ٢ نص على عدم قياسيته صاحب التصريح في أول باب: "التصغير" ثم تناقض فأباحه مطلقا عند كلامه بعد ذلك فيما لا يصغر. ويقول سيبويه في كتابه "ج٢ ص١٣٥" سألت الخليل عن قول العرب: "ما أميلحه" تصغير: أملح فقال: لم يكن ينبغي أن يكون في القياس؛ لأن الفعل لا يحقر أم لا تصغر، وإنما تحقر الأسماء.. و وليس شيء من الفعل ولا شيء مما سمي به الفعل يحقر إلا هذا، وما أشبهه من قولك: ما أفعله ". ا. هـ. فجعل تصغيره قياسيا. هذا ولا يعرف أن المسموع المصغر من صيغة "أفعل" للتعجب أكثر من كلمتين وردتا عن العرب؛ هما: "أميلح أو حيسن" فأباح سيبويه القياس عليهما. وقد حدد عددهما وصرح بلفظهما: "الجوهري". ونقلهما عنه -مصرحا فوق ذلك بأن النحاة أباحوا القياس عليهما- صاحب "المغني" في الجزء الثاني، عند الكلام على الأمر الثالث، وهو آخر الصور الخاصة بالقاعدة من قواعد الباب الثامن. وكذلك صاحب "خزانة الأدب"، ج١ ص٤٧. "راجع ما يختص بحكم هذا القياس وأمثاله في كتابنا: اللغة والنحو، بين القديم والحديث، ص٨٩".
[ ٤ / ٦٨٦ ]
٢- ألا يكون مصغر١ اللفظ؛ مثل: كميت، ودريد، وسويد "أعلام شعراء". وكعيت "اسم البلبل".
٣- أن يكون يكون معناه قابلا التصغير؛ فلا تصغر الأسماء التي يلازمها التعظيم كأسماء الله، والأنبياء، والملائكة. ونحوها ، ولا لفظ: كل٢ أو بعض٣ ولا أسماء الشهور٤؛ كصفر، ورمضان، ولا أيام الأسبوع، كالسبت، والخميس، ولا الألفاظ المحكية٥، ولا كلمة: غير، وسوى٦، ولا البارحة٧، ولا غد٨، ولا الأسماء المختصة بالنفي؛ مثل: عريب٩، وديار. ولا المشتقات التي تعمل
_________________
(١) ١ إن كان الاسم غير مصغر حقيقة ولكن مادته وتكوينه الاشتقاقي جعله على وزن صيغة خاصة بالتصغير، جاز تصغيره: نحو مهيمن، اسم فاعل، فعله: "هيمن" "بمعنى: راقب الشيء وسيطر عليه"، ونحو: مسيطر، ومبيطر وهما اسما فاعل، فعلهما: سيط وبيطر فمثل هذه الأسماء تصغر بحذف الياء الزائدة، ويحل محلها ياء جديدة للتصغير؛ فيبقى اللفظ في صورته الجديدة كما كان من قبل بهيئته السابقة. لكن بين الصورتين فرق بالرغم من اتفافهما التام في الصورة، وهذا الفرق هو أن الاسم المكبر منهما حقيقة؛ تحذف ياؤه الزائدة عند جمعه "تكسيرا" للكثرة، فيقال: مهامن، ومساطر، ومباطر؛ بحذف الياء الزائدة. أما الاسم المصغر فلا يجمع -في الرأي الشائع، كما في الصفحة الآتية، جمع تكسير للكثرة، وإنما يجمع جمع تصحيح؛ فيقال: مهيمنون، مسيطرون، وبيطرون؛ لأنه لو جمع تكسيرا للكثرة وهو مصغر لوقع التناقض بين الدلالة على الكثرة والدلالة على التصغير، ولوجب حذف ياء التصغير عند الجمع؛ ليصير على وزن من أوزان الكثرة؛ كالشأن في كل خماسي ثالثه حرف زائد، ولو حذفت ياء التصغير لالتبس الجمع المصغر بغير المصغر بغير المصغر. ولهذا منعوا أيضا تكسير للقلة فيجوز، "كما سيأتي في الصفحة التالية، وفي رقم ٧ ص٧٠٩". ٢ لدلالته على العموم والشمول؛ وهي دلالة تناقض التصغير. ٣ لأنه يدل بنفسه على التقليل، فليس محتاجا إلى التصغير الذي يفيد التقليل. ٤ لأن اسم الشهر واسم اليوم يدل على مدة زمنية محددة، لا تقبل الزيادة ولا التقليل. ٥ لأن الحكاية تقتضي ترديد اللفظ بحالته من غير تغيير يطرأ عليه، والتصغير ينافي هذا؛ إذ يوجب التغيير. ٦ لأن "غير"، و"سوى" اتي بمعناها تقتضي المغايرة والمخالفة التامة، التي تدل على أن شيئا ليس هو شيئا آخر؛ والمغايرة بهذا المعنى لا صلة لها بالتقليل ولا التكثير. ٧ لأنها تدل على الليلة التي قبل يومك الحاضر. وهذه الدلالة لا تحتمل القلة ولا الكثرة. ٨ لأنه يدل على يوم مقبل، فلا يحتمل القلة ولا الكثرة. ٩ ما في البيت عريب أو ديار، أي: ما فيه أحد.
[ ٤ / ٦٨٧ ]
عمل فعلها بالشروط والتفصيلات التي سبقت عند الكلام عليها١، ومن تلك الشروط عدم تصغيرها٢، إلا كلمة: رويدا٣، ولا يصغر جمع تكسير للكثرة. ولا المركب الإسنادي؛ لأن صيغ التصغير الثلاث لا تنطبق -في الأغلب- على هذين، إلا بعد حذف بعض حروفهما، وهذا الحذف يؤدي إلى اللبس، وخفاء أصلهما٤؛ هذا إلى أن الغرض من جمع الكثرة يعارض التقليل الذي يدل عليه التصغير، غالبا. فإذا أريد تصغير جمع للكثرة صغر مفرده، ثم جمع جمع مذكر سالما، أو مؤنث سالما على حسب المعنى.
أما جملة القلة فيصح تصغيرها فيقال في أجمال: "أجيمال"، وفي أنهر: أنيهر، وفي فتية: فتية، وفي أعمدة: أعيمدة. وكذلك يصح تصغير اسم الجمع؛ نحو: ركب وركيب، ورهط ورهيط..
نوعاه:
التصغير نوعان: أصلي، وتصغير ترخيم٥. ولكل منهما طريقة خاصة به.
النوع الأول: التصغير الأصلي طريقته.
الاسم المراد تصغيره أصالة قد يكون ثلاثيا، أو ثنائيا منقولا عن أصل ثنائي، أو رباعيا، أو أكثر من ذلك.
أ- فإن كان ثلاثيا٦، مثل: سعد، وحسن.. وجب اتباع ما يأتي:
_________________
(١) ١ في أول الجزء الثالث الأبواب الخاصة بالمشتقات، وتفصيل الكلام عليها. ٢ ويقولون في سبب هذا: إن التصغير يقربها من الأسماء، ويبعدها من الأفعال التي تعمل عملها؛ لقربها منها. والعلة الصحيحة هي عدم تصغير العرب للأسماء العاملة. ٣ تفصيل الكلام عليها في ص١٤٩. ٤ هذه علة نحوية قد يسهل رفضها في بعض جموع التكسير -مثل: فعل- فإنه عند تصغيره تنطبق عليه إحدى الصيغ الثلاث. ولم أجد فيما لدى من المراجع ما يبيين موقف الوارد السماعي في ذلك. ٥ سيجيء في ص٧١٠. ٦ وهذا يشمل الثلاثي أصالة وعرضا؛ -طبقا لما سيجئ في ص٦٩٢، ويدخل في حكم الثلاثي ما ختم بتاء زائدة للتأنيث، مسبوقة بأحرف ثلاثة أصلية؛ كما سيجيء.
[ ٤ / ٦٨٨ ]
١- ضم أوله، وفتح ثانيه -إن لم يكونا كذلك من قبل- وزيادة ياء ساكنة بعد الثاني مباشرة: تسمى: "ياء التصغير" وبعدها الحرف الثالث من أصول الاسم المصغر، مضبوطا على حسب الموقع الأعرابي. نحو: سعيد وحسين نبيلان، وإن سعيدا وحسينا نبيلان وبهذا التغيير الطارئ يصير الاسم على وزن: "فعيل" وينطبق عليه قولهم: "إن الثلاثي يصغر على "فعيل"، أو: إن صيغة "فعيل" هي المختصة بالاسم الثلاثي المصغر".
فإن كان الاسم الثلاثي الأصول مضعفا؛ "نحو؛ قط، عم، در " وجب فك الإدغام، ثم تطبيق الحكم السالف.
فليس من المصغر الثلاثي كلمة: "زميل١ ولا لغيزي٢؛ لأن الحرف الثاني منهما ساكن مدغم في نظيره، باق على إدغامه، ولأن الياء الساكنة رابعة٣
وإن كان الثلاثي الأصول قد يزيد على حروفه الثلاثة: "تاء التأنيث" مثل: شجرة، ثمرة ؛ فإنه يعتبر في حكم الثلاثي مع وجودها، فيخضع عند تصغيره لما يخضع له الثلاثي الخالي منها.
٢- إن كان الثلاثي قد حذف منه بعض أصوله وبقي على حرفين٤ وجب عند التصغير رد المحذوف؛ فيقال في: كل٥، وبع٦، ويد٧ وأشباهها إذا صارت أعلاما: أكيل، وبييع، ويدي
ويسري هذا الحكم على الثلاثي الذي حذف منه بعض أصوله؛ وعوض عنه تاه التأنث؛ فلا يمنع وجود هذه التاء من إرجاع المحذوف، فكأنها غير موجودة؛
_________________
(١) ١ جبان ضعيف. ٢ لغز. ٣ وفيما سبق يقول ابن مالك في أول باب عنوانه: التصغير: فعيلا اجعل الثلاثي إذا صغرته: نحو: قذي: في قذا-١ القذى: الجسم الصغير -كالهباء- الذي يقع في العين فيؤلمها. وتصغيره: قذي؛ بإرجاع الألف إلى أصلها الياء، وإدغام ياء التصغير فيها؛ لأن التصغير -كالتكسير- يرد الأشياء إلى أصولها. ٤ قد يكون أحدهما: "هاء السكت"، وذلك إذا حذف من الثلاثي حرفان وبقي واحد؛ فينضم إليه هاء السكت وجوبا، نحو: ره؛ وقيه؛ أمران: من رأى، ووقى. ٥ محذوف الفاء. ٦ محذوف العين. ٧ محذوف اللام.
[ ٤ / ٦٨٩ ]
نحو: عدة وسنة علمين، وأصلهما: وعد، وسنو، أو سنة، فعند التصغير: يرجع للأول فاؤه المحذوفة، وللثاني لامه المحذوفة، فيقال: وعيد، وسنية أو سنيهة. وهذه التاء الموجودة بعد التصغير هي للتأنيث، وليست -كالسابقة- للتعويض لأن تاء العوض لا تبقى بعد رجوع المعوض.
ومما حذف لامه الأصلية وعوض عنها تاء التأنيث: "بنت وأخت"؛ فيرد المحذوف منهما عند التصغير؛ فيقالك بنية١؛ أخيه، والأصل: بنيوة وأخيوة، اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء٢
فإن كان الاسم على ثلاثة أحرف بعد حذف بعض أصوله لم يرجع المحذوف؛ نحو: عاد وهويد، وداع ودويع.
٣- وإن كان اسم ثنائي الأصل؛ "أنه منقول مما وضع في أصله٣ على حرفين"، وأريد تصغيره فإن كان ثانيهما صحيحا -مثل: هل، وبل، ولم. أعلاما- وجب: إما تضعيف ثانيه عند التصغير بشرط أن يكون أحد المضعفين قبل ياء التصغير، والآخر بعدها؛ فتتوسط بينهما، وإما تضعيف بشرط أن يكون أحد المضعفين قبل ياء التصغير، والآخر بعدها؛ فتتوسط بينهما، وإما تضعيف ياء التصغير نفنسها، بزيادة ياء عليها؛ فيقال: "هليل، أو هلي" "بليل. أو: بلي" "لميم، أو لمي" ففي هذه الأمثلة زيدت ياء التصغير، وتلاها بعد زيادتها حرف التضعيف الذي يشبهها أو الذي يشبه ما قبلها مباشرة،
_________________
(١) ١ هذه التاء التي في التصغير للتأنيث، وليست للعوض -ومثلها التي في: سنية، أو سنيهة؛ إذ ليس في الكلمة محذوف الآن تكون عوضا عنه. بخلافها قبل التصغير حيث كان الأصل هو: "بنو" -في الرأي الشائع- فالنوعان مختلفان؛ فليس في وجودها عند التصغير جمع بين العوض والمعوض عنه. ومثلها: "أخيه" وأصلهما قبل التصغير: "أخو". ٢ وفد تصغير ما نقص منه بعض أصوله يقول ابن مالك: وكمل المنقوص في التصغير ما لم يحو غير التاء ثالثا؛ كـ"ما"-١٧ يريد بالمنقوص هنا: ما نقص منه بعض أصوله بسبب الحذف. ومثل له بكلمة "ما" وأصلها: ماء ولكن الهمزة حذفت لأجل الشعر. ٣ الاسم الأصيل لا يكون موضوعا على حرفين في أول أمره؛ لكن يصح أن يكون منقولا ما وضع في أصله على حرفين
[ ٤ / ٦٩٠ ]
ويتحرك الحرف الذي يلي ياء التصغير بالحركة الإعرابية المناسبة للجملة؛ لأن الاسم في هذه الحالة يصير معربا.
وإن كان ثانيهما معتلا وجب تضعيفه، وزيادة ياء التصغير بين حرفي التضعيف؛ فمثل: لو، كي، ما، أعلاما، يقال فيها بعد التضعيف، وقبل التصغير: لو، كي، ماء١ ويقال في تصغيرها: لوي٢، كيي٣، موي٤، بتوسط ياء التصغير بين الحرفين المتماثلين. واسم في هذه الصورة معرب أيضا، تجري حركات الإعراب على حرفه التالي ياء التصغير.
هذا، ويعتبر الاسم ثنائيا -يجري عليه ما يجري على الثنائي ما إرجاع المحذوف ومن غيره- إذا كانت حروفه ثلاثة أولها همزة وصل؛ نحو: ابن، واسم فتحذف همزة الوصل في تصغيره، ويرجع المحذوف؛ فيقال: بني، وسمي.
٤- إن كان الثلاثي المصغر اسما دالا على المؤنث وحده -أي: ليس دالا على المذكر، ولا مشترك الدلالة بين المؤنث والمذكر- وجب عند أمن اللبس زيادة تاء في آخره؛ لتدل على تأنيثه، سواء أكان باقيا على ثلاثيته، نحو: دار، وأذن، وعين، وسن، أم كان بعض أصوله محذوفا؛ نحو: يد، وأصلها: "يدي"؛ حذفت لامها تخفيفا؛ فيقال في تصغير تلك الأسماء
_________________
(١) ١ لأن تضعيف الألف سيؤدي إلى وجود ألفين يستحيل النطق بهما؛ فتقلب الثانية منهما همزة، كما يحصل في نوع آخر سبق بيانه "في ص٦٠٣". هو ألف التأنيث الممدودة وقيل: إن الهمزة تجيء من أول الأمر من غير قلب. ٢ أصلها؛ لويو، اجتمعت الياء والواو، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء "طبقا لقواعد الإعلال". ٣ بثلاث ياءات الأولى الأصلية، والثانية، للتصغير، والثالثة الزائدة للتضعيف. ٤ فالألف الأصلية -التي هي الحرف الثاني في كلمة: "ما"- انقلبت واوا؛ لأنها مجهولة الأصل؛ ومجهولة الأصل تقلب واوا -كما سيجيء في ص٧٠٨- ثم وليتها ياء التصغير، وقلبت الألف الثانية المزيدة للتضعيف ياء لوقوعها بعد ياء التصغير، وأدغمت فيها. ولم تهمز؛ لزوال علة إبدالها همزة -كما قالوا- وهي وقوعها في الآخر بعد ألف زائدة. أما كلمة "ماء" وهو الذي يُشرب، فتصغيره: مويه؛ لأن ألفه مبدلة من واو؛ إذ أصله: موه؛ بدليل جمعه على أمواه، تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فصار: ماء، ثم انقلبت الهاء همزة؛ سماعا على غير قياس؛ فصار: ماء. فعند تصغيره يرجع إلى كل حرف إلى أصله.
[ ٤ / ٦٩١ ]
وأشباهها: دويرة، أذينة١، عيينة، سنينة، يدية. وسواء أكانت ثلاثيتها أصيلة "كهذه الأمثلة" أم طارئة٢؛ مثل: "سمية" وستأتي:
فإن أوقعت زيادة التاء في ليس وجب تركها؛ كما في تصغير: شجر وبقر؛ -عند من يقول بتأنيث اسم الجنس الجمعي- فلا يقال في تصغيرهما: شجيرة، ولا بقيرة؛ لأنه يلتبس بتصغير: "شجرة وبقرة" المكبرتين. وكذلك لا يقال: خميسة ولا سبيعة، في تصغير: خمس وسبع، الدالتين على معدود مؤنث. ومثلهما باقي الأعداد المؤنثة لدلالتها على معدود مذكر، لأن زيادة التاء عند تصغيرها تؤدي إلى اللبس، إذ يقع في الظن أنها لمعدود مذكر، مع أنها لمعدود مؤنث.
وكذلك يجب تركها إن كانت الاسم وقت تصغيره والنطق به دالا على مذكر ولو كان في أصله لمؤنث؛ إذ الاعتبار إنما هو للدلالة الحالية عند النطق به، وليس لدلالته السابقة؛ فلو سمينا مذكا بأحد الأسماء المؤنثة السابقة: "دار، أدن، عين، سن، " أو بغيرها، كسعد، حسن، وهند، ومي، أعلام مذكر، لم يصح مجيء تاء التأنيث عند تصغيره٣.
وكذلك لا يصح مجيئها إذا كان المصغر غير ثلاثي٤، نحو: زينب،
_________________
(١) ١ لهذا كان من الخطأ أن يقال في تسمية بعض أجزاء القلب: "الأذين الأيمن، والأذين الأيسر" في تصغير كلمة: "الأذن" مع أنها محضة التأنيث. والصواب في تصغيرها: "الأذينة اليمني، والأذينة اليسرى". ٢ يلحق بالثلاثي أيضا كل رباعي ثالثه حرف مد، ورابعه حرف علة بحسب أصله، نحو: سماء وسمية. ومثل الرباعي ما زاد عليه مما حذف منه ألف تأنيث مقصورة؛ خامسة أو سادسة؛ فيجوز "كما سيأتي في ص٦٩٨ و٦٩٩" إلحاق التاء به، كحبارى حيث يجوز تصغيره بإبقاء الألف، أو بحذفها، أو حذفها مع زيادة التاء؛ تعويضا عنها، فيقال حبيرى، أو حبيرة. ومثل لغيزى. فيصح فيه الأمران دون إبقاء الألف؛ يقال لغيغيز، أو لغيغيزه. "الهمع ج٢ ص١٨٩". وانظر رقم ١ من ص٦٩٨. ٣ جاء في كتاب سيبويه "ج٢ ص١٣٧" ما نصه: "إذا سميت رجلا بعين أو أذن فتحقيره بغير هاء -أي: أن تصغيره يكون بحذف تاء التأنيث- وتدع الهاء ههنا، كما أدخلتها في: "حجر" اسم امرأة، ويونس يدخل الهاء ويحتج بأذينة. وإنما سمي بمحقر". ا. هـ. وإذا كان الاسم المصغر غير مقصور الدلالة على المؤنث فلا تلحقه التاء كأن يكون صالحا له وللمذكر: مثل: نصف؛ بمعنى متوسط السن، يقال: رجل نصف وامرأة نصف ٤ إلا في تصغير الترخيم فيصح مجيئها في المؤنث -كما سنعرف عند الكلام عليه ص٧٢٢.
[ ٤ / ٦٩٢ ]
وسعاد؛ فلا يقال فيهما: زينبة، ولا سعيدة
فشرط زيادة تاء التأنيث: أن يكون المصغر ثلاثيا، مؤنثا وقت تصغيره، لا يلتبس بغيره عنده زيادتها. ولا فرق في الثلاثي بين الباقي على ثلاثيته وغير الباقي الذي نقص منه شيء، ولا بين ما ثلاثيته أصيلة وما ثلاثيته طارئة. ومن أمثلة الطارئة: سمية١: علم مؤنث، وهي تصغير: "سماء"٢ المؤنثة الممدودة. جرت عليها ضوابط التصغير؛ فضم أولها، وفتح ثانيها، وزيد بعده ياء التصغير، وانقلبت الألف الزائدة ياء، فاجتمع ياءان، الأولى منهما ساكنة؛ وهي ياء التصغير، وانقلبت الألف الزائدة ياء، فاجتمع ياءان، الأولى منهما ساكنة؛ وهي ياء التصغير، والثانية متحركة بالكسرة؛ وهي التي أصلها المدة فأدغمتا، ثم رجعت الهمزة إلى أصلها "الواو" -لام الكلمة- وانقلبت الواو ياء، طبقا لقواعد الإعلال؛ فصارت الكلمة: سميي. فاجتمع في آخر الكلمة ثلاث ياءات؛ هي ياء التصغير، تليها الياء التي أصلها ألف المد، وبعدهما الياء التي أصلها الواو لام الكلمة فوقع في الآخر بعد ياء التصغير ياءان، وهذا لا يقع في فصيح الكلام، ويتحتم حذف أولاهما تطبيقا للضوابط العامة في هذا الباب -كما سيجيء-٣ فصارت: سمي. بياء مشددة تعتبر الحرف الثالث، ثم زيدت عليها تاء التأنيث؛ لتكون كأصلها دالة على المؤنث، فصارت: سمية.
ويجب فتح الحرف الذي قبل هذه التاء مباشرة وهو الحرف الواقع بعد ياء التصغير في: "فعيل"٤؛ لأن تاء التأنيث تستوجب فتح الحرف الذي قبلها في جميع حالات اللفظ الثلاثي وغير الثلاثي المختوم بها، سواء أكانت خاتمة اسم مصغر، أم غير مصغر -كالأمثلة السالفة- وسواء أكانت خاتمة فعل، أم حرف؛ نحو؛ قامت، كتبت، ربت، ثمت. "وهذا موضع يجب فيه فتح الحرف بعد ياء التصغير في صيغة "فعيل" وهي الصيغة المقصورة على
_________________
(١) ١ من كل رباعي، ثالثه مدة ولامه حرف علة بحسب أصلها -كما في رقم ٢ من هامش الصفحة السابقة. ٢ سبقت الإشارة إليها، وإلى بيان يخصها، في رقم ٤ من هامش ص٦١٥. ٣ في رقم ٥ من ص٧٠٨ وفيها إيضاحه وشرطه. ٤ أما في غير هذه الصيغة فلها حكم آخر يجيء في هامش ص٧٠١.
[ ٤ / ٦٩٣ ]
تصغير الاسم الثلاثي وحده. أما الحرف الذي يلي التصغير في غير هذه الصيغة، بأن يقع بعد ياء التصغير في صيغتي: "فعيعل وفعيعيل"، فيكون مكسورا، وله حالات يبقى فيها على حركته التي كانت له قبل التصغير. وسيجيء بيان هذا في موضعه المناسب"١.
وقد ورد في الكلام المسموع بعض ألفاظ خالفت في التذكير أو التأنيث. ما سبق تقريره؛ فهي شاذة لا يقاس عليها٢ كشذوذ ألفاظ أخرى ثلاثية ورد تصغيرها على غير صيغة: "فعيل"٣.
٥- إن كان ثاني الاسم الصغر حرف لين٤ -نحو: باب وقيمة- وجب إخضاع هذا الثاني للضابط العام الذي يسري على كل حرف لين ثان؛ سواء أكان الاسم المصغر ثلاثيا أم غير أم غير ثلاثي. وسيجيء٥ هذا الضابط.
وإلى هنا انتهى الكلام على تصغير الثلاثي.
ب- إن كان الاسم الذي يراد تصغيره رباعيا٦؛ مثل: "جعفر وبندق"
_________________
(١) ١ في ص٧٠١. ٢ فيما سبق من زيادة تاء التأنيث عند تحقق الشروط -يقول ابن مالك: واختم "بتا التأنيث" ما صغرت؛ من مؤنث، غار، ثلاثي؛ كسن-١٩ ما لم يكن "بالتا" يرى ذا لبس كشجر، وبقر، وخمس-٢٠ وشذ ترك دون لس. وندر لحاق "تا" فيما ثلاثيا كثر-٢١ "كثر، بفتح الثاء، بمعنى؛ فاق. وثلاثيا: مفعول به مقدم للفعل: كثر" ومعنى البيتين الأولين واضح، وهو يقرر في البيت الأخير؛ أن ترك التاء مع أمن اللبس شاذ مع تحقق بقية الشروط الأخرى، وأن من النادر زيادة هذه التاء إذا فاق الاسم المصغر ثلاثة، وزاد عليها، "أو إذا كان رباعيا فأكثر"، ومن هذا النادر الذي لا يقاس عليه تصغيرهم: وراء، وأمام، وقدام على: وريئة، وأميمة -بتشديد الياء فيهما- وقد يديمه ٣ كتصغيرهم: "رجل" على: "رويجل"، و"مغرب" على: مغيربان. ٤ في ص٦٦٢ معناه. والمراد هنا حرف العلة. ٥ ص٧٠٤. ٦ لا فرق في الرباعي بين ما حروفه أصيلة؛ نحو: جعفر، وما حروفه أصلية وزائدة؛ نحو: بندق. فالأساس: أن يكون عدد الحروف أربعة، أصلية كانت، أم مختلطة.
[ ٤ / ٦٩٤ ]
وجب ضم أوله وفتح ثانيه -إن لم يكونا كذلك من قبل- وزيادة ياء ساكنة بعد ثانيه "وهي التي تسمى: ياء التصغير" وكسر ما بعد هذه الياء١، إن لم يكن مكسورا من قبل٢؛ فيصير الاسم بعد إجراء هذه التغييرات على وزن: "فعيعل"؛ نحو: جعيفر. وبنيدق. وهذه التغييرات التي طرأت على الرباعي عند تصغيره هي التغييرات التي طرأت على الثلاثي عنده تصغيره كذلك. مع زيادة كسر ما بعد ياء التصغير في الرباعي -كالمثالين السالفين- إلا في بعض حالات ستجيء٣.
والكسر بعد ياء التصغير في الاسم الرباعي يوجب تغييرا آخر لا بد منه؛ يتلخص في أنه لو وقع بعدها حرف مد٤ فالواجب قلبه ياء تدغم في ياء التصغير؛ "تطبيقا لما تقضي به الضوابط العامة في مصل هذه الحالة التي تقع فيها "ياء" بعد ياء التصغير"٥ فيقال في: "كتاب، وسحاب، ومقام، كتسيب، وسحيب،
_________________
(١) ١ إلا إن كان الحرف الذي بعد ياء التصغير مشددا، فإنه يظل ساكنا بسبب الإدغام وتظل قبله ياء التصغير ساكنة كذلك؛ لأن ياء التصغير لا تتحرك؛ ففي مثل كلمتي: الخاص والخاصة نقول: في تصغيرهما: الخويص، والخويصة "كما قال القاموس في مادة: "خص" وفي مثل هذا التصغير يلتقي ساكنان، وهو التقاء جائز فيه. ويجيز بعض النحاة التخلص منه بتحريك السكون الناشئ من الإدغام حركة خفيفة مائلة إلى الكسرة في النطق، دون أن تكون الكسرة خالصة في النطق؛ أي: أنه يبيح في الحرف الأول الساكن المدغم في مثله أن يتحرك عند النطق حركة قريبة من الكسرة ولا يصح تحريكه بالكسرة الواضحة في النطق. ٢ مثل قرمز "لنوع من الصبغ الأحمر"، قشبر "للصوف الرديء". ٣ في ص٧٠١. ٤ فيكون هو الحرف الثالث في الاسم قبل مجيء ياء التصغير. ٥ من هذه الضوابط ما جاء في الهمع "ج٢ ص١٨٦" خاصا بالواو، ونصه بإيضاح يسير: "إن ولي ياء التصغير واو قلبت ياء: أ- وجوبا إن سكنت هذه "الواو"، كعجوز وعجيز. أو أعلت -بأن قلبت شيئا آخر، كألف مثلا- كمقام؛ فإن أصله؛ مقوم، فيقال: مقيم. أو كانت لاما؛ كغزو وغزى، وغزوة وغزية، وعشو بالقصر وعشيا. ب- وجوازا إن تحركت الواو في إفراد وتكسير ولم تكن لاما فيهما؛ كأسود وأساود، وجدول وجداول، فيقال في التصغير: أسيعد وأسيود، وجد يمل، وجد يول؛ فيجوز قلب الواو ياء، وإدغامها في ياء التصغير، "عملا بقاعدة الإعلال من القلب والإدغام عند اجتماع الواو والياء وسبق إحداهما بالسكون" كما يجوز إبقاء الواو بغير قلب، إجراء لها على حدها في التكسير؛ "لأن التصغير والتكسير من باب واحد؛ في الأعم الأغلب". فإن تحركت الواو في الإفراد والتكسير وهي لام وجب قلبها ياء في التصغير، بغير نظر إلى التكسير؛ نحو: كروان وكريان، وجمعه كراوين". ا. هـ، ثم انظر ص٧٧٩ في الكلام على قلب الواو ياء.
[ ٤ / ٦٩٥ ]
ومقيم" وفي: "صبور، وعجوز، وبعوض، صبير، وعجيز، وبعيض" وفي: "جميل، وسمير، وسعيد، جميل، وسمير، وسعيد". وهذا معنى قول النحاة:
"الاسم الرباعي يصغر على: "فعيعل". وإن كان حرفها لثالث قبل التصغير حرف مد وجب قلبه ياء تدفم في ياء التصغير ".
ج- إن كان الاسم الذي يراد تصغيره خماسيا فأكثر:
١- فإن لم يكن رابعه حرف لين وجب -في أغلب الحالات-١ حذف بعض أحرفه الضعيفة٢؛ ليصير رباعيا يمكن تصغيره على صيغة: "فعيعل" الخاصة بالرباعي، بالطريقة التي شرحناها عند الكلام عليها. فيقال في سفرجل: سفيرج، وفي فرزدق: فريزد، أو: فريزق، وفي حيزبون: حزيبن. وفي مستنصر: منيصر، وفي محرنجم: حريجم.
٢- فإن كان رابعه حرف لين وجب -في أغلب الحالات كالسابق- حذف بعض أحرفه الضعيفة. وقلب حرف اللين ياء إن لم يكن ياء من الأصل، فينتهي تصغير الاسم إلى "فعيعيل" بوجود ياء قبل آخر الصيغة -وهذه الياء هي التي كانت قبل تصغير الاسم حرف لين رابعا- تقول في تصغير سرحان: سريحين، وفي عصفور، عصيفير، وفي قنديل: قنيديل. وهذا معنى قول النحاة: "يجري تصغير الخماسي فما فوقه -بشرط ألا يكون الحرف الرابع لينا- على الطريقة التي جرى بها تصغير الرباعي. كلاهما على وزن "فعيعل" فإن كان الحرف الرابع "في الخامسي وفيما زاد على الخماسي" حرف ليسن وجب قلبه
_________________
(١) ١ في الصفحة ٦٩٨ حالات لا يصح فيها الحذف. ٢ سبق في رقم ٣ من هامش ص٦٦٦، بيان المراد من الحرف القوي والضعيف.
[ ٤ / ٦٩٦ ]
ياء؛ ليكون تصغير الاسم على "فعيعيل" وجوبا؛ بظهور ياء قبل الآخر".
وإذا حذف من الخماسي فما فوقه بعض أحرفه للتصغير جاز زيادته ياء قبل آخره لتكون عوضا عن المحذوف، بشرط ألا يكون قبل آخر ياء؛ "فيقال في سفارج: سفيرج وسفيريج"، "وفي فرزدق فريزد وفريزيد أو فريزق وفريزيق"، "وفي حيزبون: حزيبن أو حزيبين"، "وفي مستنصر: منيصر أو منيصير" وهكذا. ولا يصح الجمع بين هذه الياء وما حذف؛ لئلا يجتمع العوض والمعوض١ عنه.
ولا بد من كسر الحرف الذي يلي ياء التصغير في الصيغتين: "فعيعل، وفعيعيل" إلا في مواضع سيجيء النص عليها٢.
والذي يحذف أو يبقى من الأحرف هنا هو ما يحذف أو يبقى عند جمع الاسم تكسيرا؛ بحيث يبقى الحرف الأقوى الذي له المزية على غيره. فإن ساوى غيره في الأفضلية جاز حذ أحدهما بغسر تفضيل -كما عرفنا٣.
فتصغير الاسم الخماسي فما فوقه يقتضي -في الغالب- من الحذف والإبقاء ما يقتضيه تكسيره على: "فعالل، وفعاليل" وما ضاهما في الهيئة؛ كمفاعل ومفاعيل، وفواعل وأفاعيل
وما جاء مخالفا لهذا فهو شاذ هنا؛ كشذوذ ما خالف الضوابط الخاصة بتصغير الثلاثي؛ كتصغيرهم رجل على: رويجل، ومغرب على: مغيربان، وليلة على: لييلية، وإنان على: أنيسيان.. مع أن القياس فيما سبق هو: رجيل، مغيرب، لييلة، أنيسيان.. مع أن القياس فيما سبق هو: رجيل، مغيرب، لييلة، أنيسين إن كان جمعه للتكسير هو: أناسين٤
_________________
(١) ١ كما سيجيء في رقم ٤ من ص٧٠٨. ٢ في ص٧٠١. ٣ بيان مزايا الحروف في رقم ٣ من هامش ص٦٦٦. ٤ انظر رقم ٣ ص٦٥٩. وفي تصغير الرباعي وما زاد عليه، وفي الوسيلة لذلك أحيانا من حذف بعض الأحرف كما تحذف في=
[ ٤ / ٦٩٧ ]
أسماء لا يحذف عند التصغير خامسها ولا ما فوقه:
يستثنى من القاعدة السالفة بعض أسماء تزيد أحرف كل منها على الأربعة، ولا يحذف حرفها الخامس ولا ما بعده عدن التصغير -بالرغم من أنهما في بعض الصور قد يحذفان عند التكسير- فيصغر الاسم كأنه رباعي مع ترك الحروف التي تجيء بعد الرابع على حالها، واعتبارها كأنها منفصلة عنه ليست من حروفه. ومن هذه الأسماء:
١- الاسم المختوم بألف تأنيث ممدودة١ بعد أربعة فصاعدا؛ نحو: "قرفصاء"؛ فيقال في تصغيرها: قريفصاء، بتصغير الكلمة كأنها رباعية: ثم يلحق بها الهمزة والألف التي قبلها، وإن شت قلت: بتصغير الكلمة من غير اعتبار لوجود الهمزة والألف التي قبلها مع وجودهما عند التصغير وبقائهما معه.
أما ألف التأنيث المقصورة فإن كانت رابعة -كصغرى وكبرى- فإنها تبقى وجوبا، يقال في تصغيرهما: صغيرى وكبيرى. وإن كانت سادسة
_________________
(١) = التكسير ، يقول ابن مالك. "فعيعل" مع "فعيعيل" لما فاق؛ كجعل: درهم، دريهما-٢ وما به لمنتهى الجمع وصل به إلى أمثلة التصغير صل-٣ وتقدير هذا البيت: وما وصل به إلى التكسير في صيغته منتهى الجموع صل به إلى التصغير حين تريد تصغير أمثلته. يريد بهذا حذف بعض الأحرف، فإن الحذف هو الذي يوصل إلى جمع بعض الأسماء جمع تكسير على صيغته منتهى الجموع. ثم قال بعد ذلك في الوصول إلى صيغة فعيعيل: وجائز تعويض "يا" قبل الطرف إن كان بعض الاسم فيهما انحذف-٤ ثم بين أن ما خالف المذكور في البابين "باب تصغير الثلاثي، وباب تصغير غيره" خارج عن القياس: وحائد عن القياس كل ما خالف في البابين حكما رسما-٥ ١ سبق الكلام على ألف التأنيث الممدودة وأصلها في ص٦٠٣ ومنه يفهم أن ألف التأنيث الممدودة -في الأرجح- هي في أصلها ألف زائدة للتأنيث، قبلها ألف أخرى زائدة للمد، فتنقلب ألف التأنيث همزة، فالهمزة في "قرفصاء" ونحوها للتأنيث ممدودة؛ لا مقصورة. فهي علامة مده، ومتممة لها.
[ ٤ / ٦٩٨ ]
أو سابعة حذفت وجوبا؛ مثل: لغيزى١ ولغيغيز٢، وبردرايا٣ وبريدر٤ وكذلك إن كانت خامسة وليس في الأحرف السابقة عليها حرف مد زائد، كقرقرى٥ وقريقر.
فإن كان في الأحرف التي تسبقها حرف مد زائد جاز حذفها، أو حذف حرف الماد الزائد دونها؛ نحو: حبارى٦ وحبيرى، أو حبير، ونحو: قريثى٧ وقريثى "بحذف ياء المد التي بعد الراء" أو قريث؛ بحذف ألف التأنيث المقصورة، وإدغام "ياء المد" في "ياء" التصغير فالألف التأنيث المقصورة ثلاث حالات: الحذف وجوبا، والبقاء وجوبا، وجواز الأمرين.
٢- الاسم المختوم بتاء تأنيث مسبوقة بأربعة أحرف أو أكثر؛ نحو: جوهرة، وحنظلة، فيقال في تصغيرهما: جويهرة، وحنيظلة؛ بإبقاء التاء على حالها وإجراء التصغير على الكلمة كأنها رباعية خالية منها.
٣- المختوم بياء النسب، نحو: عبقري، جوهري، فيقال في تصغيرهما: عبيقري وجويهري.
٤- المختوم بألف ونون زائدتين بعد أربعة أحرف أو أكثر وليس مثنى، وكذا المختوم بعلامتي تثنية؛ كزعفران، ومؤمنان ومؤمنين؛ وتصغيرها: زعيفران مؤيمنان مؤيمنين.
٥- المختوم بعلامتي جمع المذكر السالم أو جمع المؤنث السالم، نحو: أحمدرون، وأحمدين، وزينبات. والتصغير: أحيمدون وأحيمدين وزيينبات.
_________________
(١) ١ بمعنى: اللغز -كما سبق. ٢ ويصح زيادة تاء التأنيث، للتعويض، فيقال: لغيغيزة. بشرط أن تكون الألف المحذوفة رابعة أو خامسة -كما سبق في هامش رقم ٢ من ص٦٩٢. ٣ اسم موضع. ٤ حذفت ألف التأنيث؛ فصارت الكلمة: بريدراي، ثم حذفت الألف والياء؛ لأنهما زائداتان "راجع الصبان". ٥ اسم موضع. ٦ اسم طائر. ويجوز "حبيرة" بزيادة التاء عوضا عن ألف التأنيث كما سبق في رقم ٢ من هامش ص٦٩٢. ٧ نوع من التمر، وقد يمد، فيصح على اعتباره مقصورا للممدود بالألف أيضا.
[ ٤ / ٦٩٩ ]
٦- عجز المركبين: "الإضافي، والمزجي"؛ نحو: ظهير الدين١، وأندرستان٢ وتصغيرهما: ظهير الدين، وأنيدرستان٣.
فالأشياء السابقة كلها تثبت في التصغير؛ لتقديرها منفصلة عما قبلها ولا يصح حذفها، إذ لو حذفت ألف التأنيث الممدودة، أو تاؤه، أو غيرهما مما جاء بعدهما لأوقع الحذف في لبس لا ندري معه أكان الاسم المصغر مشتملا على المحذوف أم غير مشتمل عليه، فيتساوى تصغير الاسم المشتمل على تلك الأشياء والاسم الخالي منها. وهذا اللبس غير موجود يما يصح جمعه من تلك الأسماء جمع تكسير -إلا المركب الإضافي فإن تكسيره وتصغيره سواء- ولذلك تحذف تلك الأحرف السابقة في التكسير؛ فيقال في تكسير فرفصاء: قرافص -وفي جوهرة: جواهر، وفي عبقري: عباقر وفي زعفران زعافر.. أما المركب المزجي فلا يكسر -في الرأي الشائع- كما مر في باب: جمع التكسير٤.
_________________
(١) ١ علم شخص. ٢ اسم بلد فارسي. ٣ وفي المواضع التي تبقى فيها الحروف عند تصغير الخماسي فما فوقه يقول ابن مالك: وألف التأنيث حيث مدا وتاؤه: منفصلينن عدا-٨ كذا المزيد آخرا للنسب وعجز المضاف والمركب-٩ وهكذا زيادتا فعلانا من بعد أربع؛ كزعفرانا-١٠ وقدر انفصال ما دل على تثنية، أو جمع تصحيح جلا-١١ "جلا: أي: أظهر. وهو معطوف على الفعل: دل. يريد: قدر انفصال ما دل على تثنية أو جلا جمع تصحيح، وكلمة: وألف التأنيث ذو القصر متى زاد على أربعة لن يثبتا-١٢ وعند تصغير "حبارى" خير بين الحبيرى -فادر- والحبير-١٣ "انظر رقم ٢ من هامش ص٦٩٢". ٤ ج، ص٦٧٨.
[ ٤ / ٧٠٠ ]
مواضع تبقى فيها حركة الحرف الواقع بعد ياء التصغير في:
"فعيعل" و"فعيعيل" كما كانت قبل التصغير:
عرفنا١ أن تصغير الاسم على صيغة: "فعيعل، أو فعيعيل" يقتضي كسر الحرف الذي يلي ياء التصغير مباشرة؛ "نحو: دريهم وجويهر". و"سفيرج، أو سفيريج، وفريزد وفريزيد، وفريزق، أو فريزيق" في تصغير: "درهم وجوهر" و"سفرجل وفرزدق" وأشباهها من كل اسم تزيد أحرفه على الثلاثة قبل تصغيره.
ويستثنى من هذا الحكم مواضع يجب فيها ترك حركة الحرف التالي ياء التصغير على ما كانت عليه قبل التصغير. ومن هذه المواضع٢:
١- الحرف الذي يليه ألف التأنيث المقصورة، نحو: صغرى وصغيرى، كبرى وكبيرى. بخلاف الحرف الذي يليه ألف الإلحاق المقصورة فيكسر؛ نحو: أرطى وأريط٣.
٢- الحرف الذي يليه -مباشرة-٤ ألف التأنيث الممدودة "وهي الهمزة التي أصلها ألف التأنيث وقبلها ألف المد الزائدة"؛ نحو: حمراء، خضراء، صفراء ويقال في تصغيرها: حميراء، خضيراء، صفيراء بخلاف
_________________
(١) ١ في: "ب" من ص٦٩٤، وما بعدها. ٢ ليس من المواضع الآتية المختوم بتاء التأنيث؛ لأنها هنا "أي: في غير الثلاثي" تكون مسبوقة بأربعة أحرف أو أكثر فيجب معها كسر الحرف التالي لياء التصغير؛ إذ تكون مفصولة منه بحرف نحو: دحيرجة في تصغير: دحرجة، والشرط في فتح الحرف التالي ياء التصغير في الاسم المختوم بتاء التأنيث ألا يفصل بينه وبينها فاصل؛ فإن فصل بينهما فاصل وجب كسر ما يلي ياء التصغير؛ كالمثال المذكور، وكحنظلة وحنيظلة؛ وفي هذه الحالة لا تكون تاء التأنيث في آخر اسم ثلاثي. أما التي في آخر الاسم الثلاثي فقد سبق الكلام عليها في ص٦٩٠ و٦٩٢ وهي المقصودة في كلام ابن مالك بالبيت المذكور هناك "رقم ١٧". ٣ تقلب ألف الإلحاق ياء بعد الكسرة، ثم تحذف الياء عند تنوين الاسم. ٤ فإن فصل بينهما فاصل وجب الكسر؛ نحو: جخيدباء، تصغير "جخدباء" لنوع من الجراد والخنافس.
[ ٤ / ٧٠١ ]
الحرف الذي يليه ألف الإلحاق الممدود، نحو: علباء وعليب١؛ فيجب كسر الحرف الذي قبل ألف الإلحاق بنوعيها.
٣- الحرف الذي يليه ألف: "أفعال". "بأن يكون الاسم قبل التصغير على وزن: "أفعال"؛ مثل: أفراس، وأبطال ؛ فإذا صغير وقعت ألف: "أفعال" بعد ياء التصغير، فيجب فتح الحرف الذي قبل ألف: "أفعال"، وهو الحرف الواقع بعد ياء التصغير"؛ نحو: أفيراس وأبيطال.
٤- الحرف الذي يليه ألف: "فعلان" -ثلاثي٢ الفاء، ساكن العين- اسما كان أم وصفا. بشرط ألا يكون جمع "فعلان" هو: فعالين"٣ عند التكسير؛ ففي تصغير: فرحان، وعثمان، وعمران، نقول: فريحان وعثيمان، وعميران، بفتح الحرف الذي بعد ياء التصغير، لتحقق الشرط، وهو أن المفرد: فعلان "مطلق الفاء" لا يجمع تكسيرا على فعالين؛ فلا يقال: فراحين، عثامين، عمارين
فإن كان "فعلان" مما يجمع على: "فعالين" وجب كسر الحرف الذي يلي ياء التصغير، نحو: سلطان وسلاطين، وسرحان وسراحين؛ ورريحان ورياحين. فيقال في تصغيرهما؛ سليطين، وسريحين ورييحين٤
_________________
(١) ١ تحذف الهمزة من الممدودة، وتقلب ألف الإلحاق ياء لأجل الكسرة. وتعلل إعلال المنقوص "مثل: وال، داع، هاد" فيقال: "عليب" بالكسر والتنوين. ٢ أي: مضمومها، ومكسورها، ومفتوحها. ٣ وبشرط زيادة الألف والنون، وألا يكون مؤنثه بالتاء. ٤ أو: رويحين؛ لأن بعض اللغويين يقول: الياء في: ريحان، أصلها واو، بدليل رجوعها إلى أصلها عند التصغير؛ فيقال: رويحين. وكان قبل التصغير: ريوحان "بياء ساكنة، بعدها واو مفتوحة"، ثم قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء، وحققت الكلمة بحذف الياء المتحركة، فصارت؛ ريحان، وعند تصغيرها تحذف هذه الياء الزائدة. وترجع الياء المحذوفة المنقلبة عن حرف أصلي؛ هو الواو. وقال بعض آخر إن الكلمة لا تشتمل إلا على ياء واحدة وليس هناك قلب ولا إدغام، بدليل جمعها على رياحين، فهي مثل شيطان وشياطين، وتصغيرها: رييحين؛ كشييطين -راجع المصباح المنير، مادة: راح".
[ ٤ / ٧٠٢ ]
٥- الحرف الواقع بعد ياء التصغير في صدر المركب المزجي، نحو: تصغير: جعيفرستان، اسم بلد فارسي.
ففي المواضع السابقة يجب ترك حركة الحرف الواقع بعد ياء التصغير كما كانت قبل تصغير الاسم على صيغة فعيعل، أو فعيعيل١
٦- الحرف المشدد بعد ياء التصغير، بالإيضاح الذي سبق تفصيله٢
_________________
(١) ١ فيما سبق من المواضع الخمسة يقول ابن مالك: لتلو "يا" التصغير من قبل علم تأنيث، أو مدته -الفتح انحتم-٦ كذاك ما مدة: "أفعال" سبق، أو مد سكران، وما به التحق-٧ "لتلو "يا" أي: لتالي "يا" التي للتصغير، وهو الحرف الذي يليها، ويجيء بعدها. علم: علامة". وتقدير الكلام: الفتح انحتم لتالي ياء التصغير من قبل علامة تأنيث؛ وهي التاء، والألف المقصورة. أما الممدودة فهي التي أشار إليها بقوله: أو مدته". وكذلك الفتح انحتم قبل ما سبق مدة "أفعال"، يريد به: الحرف الذي قبل ألف "أفعال"؛ لأن هذه الألف للمد؛ وكذلك الحرف الذي قبل "ألف" سكران. وما ألحق بسكران مما هو على وزن: "فعلان" مضموم الفاء أو مفتوحها أو مكسورها مع سكون العين في الحالات الثلاث، بشرط ألا يكون تكسيره على "فعالين" -كما شرحنا- وبشرط أن تكون ألفه ونونه زائدتين. وأن يكون مؤنثه بغير التاء غالبا؛ فخرج ما كان نونه أصلية؛ كحسان من الحسن، وسيفان بمعنى: طويل؛ لأن مؤنثه سيفانة. كما خرج: سرحان؛ لأن جمعه سراحين. ٢ في رقم ١ من هامش ص٦٩٥.
[ ٤ / ٧٠٣ ]
بعض أحكام عامة في تصغير الأسماء الثلاثية، وما فوقها:
١- إذا كان ثاني الاسم حرف لين١ -ألفا، أو واوا، أو ياء- منقلبا عن لين وجب إرجاعه إلى أصله الذي انقلب عنه؛ كما في الأسماء التالية:
_________________
(١) ١ سبق إيضاح معنى حرق اللين، وحرف العلة في رقم ٣ من هامش ص٦٦١ والمراد هنا: حرف العلة. ٢ الباع: مقياس قدره المسافة التي بين الكفين عند بسطهما وامتدادهما، وإحداهما متجهة يمينا، والأخرى متجهة شمالا. وهو مذكر واوي، بدليل جمعه على: أبواع. ٣ عيب. ٤ ذم. ٥ ملخصة في رقم ٢ من ص٧٠٧. ٦ انظر الرأي الآخر أول ص٧٠٧.
[ ٤ / ٧٠٤ ]
هذا هو الأصل العام الذي يجب مراعاته، وما ورد مخالفا له فشاذ لا يقاس عليه؛ كالذي سمع من تصغيرهم كلمة: "عيد" على: عييد؛ والقياس: "عويد" لأن الفعل: عاد يعود. فالأصل واو.
فإن كان ثاني الاسم غير لين ولكنه منقلب عن لين بقي الثاني على حاله ولم يرجع لأصله -في الرأي الأرجح- نحو: متعد١ وأصلها: موتعد، قلبت الواو تاء، وأدغمت التاء في التاء، وانتهت الكلمة إلى: متعد، فيقال في تصغيرها: متيعد، لا مويعد.
وإن كان ثاني الاسم حرف لين ولكنه منقلب عن حرف صحيح فإن كان منقلبا عن همزة قبلها همزة لم يرجع لأصله، وانقلب واوا، نحو آدم؛ فإن ثانيه حرف لين منقلبا عن همزة، والأصل: أأدم "بهمزة مفتوحة، فهمزة ساكنة" قلبت الهمزة الثانية ألفا؛ لوقوعها ساكنة بعد من فتحة، فيقال في تصغيرها: أويدم، بقلب الثانية "واوا" لا بإرجاعها إلى أصلها الهمزة، وهذا موضع من المواضع التي يقلب فيها الثاني واوا، وسيجيء.
أما إن كان الثاني مبدلا من حرف صحيح غير همزة، أو مبدلا من همزة لم تسبقها همزة؛ فالواجب إراجعه إلى أصله، نحو: دينار وقيراط، وأصلهما: دنار وقراط -بتشديد النون والراء، بدليل جمعهما على: دنانير وقراريط- فيقال في تصغيرهما: دنينير، وقريريط؛ بإرجاع ثانيهما -وهو: الياء- إلى أصله النون والراء. ونحو: ذيب وريم؛ وأصلهما: ذئب ورئم٢ فيقال في تصغيرهما ذؤيب ورؤيم٣..
_________________
(١) ١ بمعن: مواعد. ٢ الرئم: الظبي الأبيض الخالص البياض. ٣ وفيما سبق يقول ابن مالك: واردد لأصل ثانيا لينا قلب فقيمة صير: "قويمة" تصب-١٤ وشذ فهي عيد عييد. وحتم للجمع من ما لتصغير علم-١٥ يقول: اردد إلى الأصل كل حرف ثان، لين، انقلب عن حرف آخر، ولم يصرح بأنه منقلب عن حرف لين أيضا، اكتفاء بالمثال الذي ساقه، وهو: قيمة، وتصغيرها: قويمة. فالثاني حرف لين منقلب عن لين. وبين بعد ذلك: أن تصغير: "عيد" على: "عيد" شاذ؛ لأن ثانيه لم يرجع إلى أصله الواو -كما شرحنا- وبين أن هذا الإرجاع يراعي في جمع التكسير أيضا كما روعي في التصغير.
[ ٤ / ٧٠٦ ]
هذا، والكوفيون يجيزون في الألف المنقلبة عن ياء، في مثل: ناب، وفي الياء الأصلية التي في مثل: شيخ، قلبهما عند التصغير واوا؛ فيقولون: نويب، شويخ. ورأيهم ضعيف؛ إذ لا تؤيده الشواهد المتعددة١. ومن الشاذ ما سمع من تصغير: "بيضة" على: "بويضة" بالواو.
٢- إذا كان ثاني الاسم حرفا زائا "ليس منقلبا عن أصل"، نحو: فاهم، عالم ، أو كان مجهول الأصل؛ ومنه: صاب٢، وعاج وراف٣، وجب قلبه واوا؛ فيقال في التصغير: فويهم، عويلم، صويب، عويج، رويف..
"وقد سبق الكلام على حالات أخرى يجب فيها قلب الألف الثانية واوا". فالحالات أربع: الألف التي أصلها الواو، الألف المنقلبة عن همزة تلي همزة الألف الزائدة، الألف المجهولة الأصل، الألف الثانية الزائدة "أي: غير المنقلبة عن أصل".
أما الياء فتبقى ياء في موضع واحد، هو أن يكون أصلها الياء٤؛ نحو: شيخ وشُييخ -كما تقدم.
٣- إن كان آخر الاسم حرفا منقلبا عن أصل وجب عند التصغير إرجاعه لأصله؛ سواء أكان الآخر حرف لين؛ مثل: ملهى، أم غير لين، مثل: ماء وسقاء. فألف: "ملهى" أصلها الواو، لأنه من اللهو. وهمزة: "ماء"
_________________
(١) ١ تقدم الرأي الأرجح في ص٧٠٤. لكن وافق مجمع اللغة العربية على استعمال المذهب الكوفي؛ طبقا لما جاء في ص١٥٤ من كتابه المجمعي الذي أصدره سنة ١٩٦٩، ونص قراره تحت عنوان: "تصغير ما ثانيه حرف علة" هو: "ما ثانيه ألف، أو واو، أو ياء، من الاسم الثلاثي يرد إلى أصله عند التصغير، ويجوز فيما أصل ثانيه الياء أن يقلب واوا عند التصغير أخذا بمذهب الكوفيين فيه، وتجويز ابن مالك له، ولورود السماع به؛ وصدر القرار في مؤتمر دورة سنة ١٩٦٧ وعلى هذا يجوز في تصغير: عين وشيخ وليفة، وشيء أن يقال: عوينة، وشويخ، ولويفة، وشويء". ا. هـ. ٢ اسم نبات مر. ٣ اسم بلد. ٤ وفي هذا يقول الناظم: والألف الثان المزيد يجعل واوا كذا ما الأصل فيه يجهل-١٦
[ ٤ / ٧٠٧ ]
أصلها الهاء، بدليل تكسيره على: مياه وأمواه. وهمزة: "سقاء"، أصلها: الياء لأنه من السقى. فيقال في تصغير ملهى: "مليهي" بإرجاع الألف إلى الواو وقلب الواو ياء؛ لتطرفها بعد كسرة؛ فتصير: مليهي ، وعند التنوين: مليه. ويقال في تصغير ماء: مويه، وفي تصغير: سقاء: سقي، بتشديد الياء
٤- إذا حذف من الاسم الخماسي فما فوقه -بسبب التصغير- بعض أحرفه، جاز زيادة ياء قبل آخره؛ تعويضا عن المحذوف، بشرط ألا يوجد قبل آخره ياء. ولا يجوز الجمع بين العوض والمعوض عنه؛ فيقال في سفرجل: سفيرج، بغير تعويض، أو: سفيريج بالتعويض، ويقال في مستنثر: منيصر، و: منيصير "وقد سبقت الإشارة لهذا"١.
٥- إذا ولى ياء التصغير ياءان٢ وجب حذف أولاهما؛ فيقال في: "سماء" عند تصغيرها: سمية "طبقا لما أوضحناه من قبل"٣، وفي سقاء: سقي. وفي عشية: عشية، كما يقال في: "ثريا" عند جمعها جمع مؤنث سالما: "ثريات"٤ وفي "عشية" المصغرة: عشيات. والأصل قبل حذف الياء: ثرييات، وعشييات.
_________________
(١) ١ في ص٦٩٦: وإلى التعويض في جمع التكسير، وفي التصغير أشار ابن مالك بقوله السابق. وجائز تعويض: "يا" قبل الطرف إن كان بعض الاسم فيهما انحذف ٢ بشرط اجتماع الياءات الثلاث في الطرف، متوالية، وبعد عين الكلمة، فلا يرد تصغير: "مهيام" على: "مهيم" و"حي" على: "حيي" "الصبان". ٣ في رقم ٤ من هامش ص٦١٥ وص١٩٣ وليس من هذا التصغير: "كي" وقد تقدم في ص٦٩١. ٤ أصل المفردة: ثروى، مؤنثة؛ بألف التأنيث المقصورة؛ من قولهم: امرأة ثروى؛ أي ذات مال. والتصغير: "ثريوى". اجتمعت الياء والواو، وسبقت إحداهما بالسكون، قلبت الواو ياء "طبقا لقواعد الإعلال والإبدال" وأدغمت الياء في الياء، فصارت الكلمة: "ثريا" بياء مشددة بعدها ألف التأنيث المقصورة. فإذا أريد جمع: "ثريا" جمع مؤنث سالما وجب قلب هذه الألف الخامسة ياء، "طبقا لقواعد هذا الجمع"، فيقال: "ثرييات، بثلاث ياءات، الأولى منها ياء التصغير، وبعدها ياءان. فيجب حذف أولاهما؛ فيقال: "ثريات" بالاقتصار على ياء التصغير وواحدة أخرى مدغمة فيها. "وقد سبق بيان تام لهذا في رقم ٤ من هامش ص٦١٥ وبعده عرض لمذهب كوفي، في رقم ١ من هامش ص٦١٦".
[ ٤ / ٧٠٨ ]
٦- إذا وقع بعد ياء التصغير حرف مشدد فقد يصح عند بعض النحاة قلبها ألفا للتخفيف، كما في: دويبة، وشويبة، تصغير: دابة وشابة، فيقال دوابة وشوابة، والأحسن قصره على السماع، أما الطريقة القياسية والنطق بالكلمة المشددة بعد تصغيرها فقد سبقت١
٧- الاسم المصغر لا يصح جمعه جمع تكسير للكثرة؛ لأنها -كما سبق-٢ تعارض القلة المفهومة من التصغير، وأيضا، لعدم وجود صيغة للكثرة تلائمه عند اشتماله على ياء التصغير، ولو حذف هذه الياء لأمكن جمعه مع اللبس، لعدم وجود العلامة التي تدل على تصغيره، وتفرق بينه وبين غير المصغر؛ ولهذا لا يصح تكسيره كما لا يصح تصغير الاسم المجموع جمع تكسير للكثرة. أما المجموع جمة قلة فيصح -كما تقدم٣.
٨- الاسم المصغر ملحق بالمشتق؛ لأنه يتضمن وصفا في المعنى؛ ولهذا يصح وقوعه نعتا، وغيره، مما يغلب عليه الاشتقاق.
٩- التصغير يؤدي إلى منع الاسم من الصرف أحيانا، أو إلى عدم منعه طبقا للبيان المفصل الذي سبق في باب الممنوع من الصرف٤
١٠- التصغير -كالتكسير- يرد الأشياء إلى أصولها؛ كالأمثلة التي مرت في مواضع متفرقة من هذا الباب.
١١- الأصح أن العلم إذا صغر لا تزول علميته٥.
_________________
(١) ١ في رقم ١ من هامش ص٦٩٥. ٢ في ص٦٨٢ و٦٨٨. ٣ راجع التصريح والهمع وحاشية الصبان أول الباب عند الكلام على شروط التصغير وقد سبقت الإشارة لهذا في رقم ٨ من ص٦٨٢ و٦٨٨. ٤ ص٢٧٥. ٥ لأن التصغير أمر عرضي، يفيد معنى طارئا على العلم، كما يفيد النعت أو غيره من التوابع أمرا عرضيا لا يفقد العلم بسببه علميته -وقد أشرنا لهذا في باب العلم، ج١ م٢٣ ص٢٣٦.
[ ٤ / ٧٠٩ ]
المسألة ١٧٦:
النوع الثاني ١: تصغير الترخيم ٢، وطريقته
هو: "تصغير الاسم٣ الصالح للتصغير الأصلي، بعد تجريده مما فيه من أحرف الزيادة". فلا بد من: صلاحه ، واشتماله قبل تصغير الترخيم على بعض الزوائد. ولا بد من حذفها قبل إجرائه.
وله صيغتان، إحداهما "فعيل"؛ لتصغير الاسم ثلاثي الأصول، والأخرى "فعيعل" لتصغير الاسم رباعي الأصول.
أ- فإن كانت أصوله الباقية بعد حذف الزوائد ثلاثة صغر على صيغة: "فعيل"، وتزاد عليها تاء التأنيث إن كان مسماه ومدلوله الحالي مؤنثا؛ فيقال في حامد: حميد، وفي معطف: عطيف، وفي شادن "لأنثى": شدينة. كما يقال في فضلى، وحمراء، وحبلى: فضيلة، وحميرة، وحبيلة، بزيادة تاء التأنيثة فيهن. وإنما تزاد هذه التاء في المؤنث للتفرقة بين مصغره ومصغر المذكر. إلا إذا كان المصغر وصفا في الأصل من الأوصاف المختصة بالإناث فلا يصح مجيء التاء، فيقال في تصغير حائض وطالق: حييض وطليق؛ بحذف ألفهما، وبغير زيادة تاء التأنيث على صيغتهما، التي هي في أصلها وصف لمذكر٤
وكما يقال في تصغير "حامد": حميد، يقال كذلك في تصغير: أحمد، ومحمود وحماد، ومحمدون فجميعها يصغر على: حميد، ويكون التمييز بينها ومعرفة ما كانت عليه قبل التصغير بالقرائن الأخرى التي تميز كل واحد وتمنع اللبس.
_________________
(١) ١ أما النوع الأول فقد سبق في ص٦٨٨. ٢ أصله: من الترخيم، بمعنى الضعف، بسبب ما فيه من الحذف. ٣ سواء أكان علما، أم وصفا مشتقا، نحو: وريق، في تصغير أورق. ٤ قال الصبان في إيضاح هذا ما نصه: "هي في الأصل صفة لمذكر، والأصل: شخص حائض، وشخص طالق؛ فضعفت من نحو: "سوداء وسعاد" في اقتضاء التاء؛ فروعي فيها الأصل ولولا ذلك للحقته التاء؛ لأنه مؤنث ثلاثي في المآل، وذلك إذا صغر تصغير الترخيم فهو كحبل". ا. هـ.
[ ٤ / ٧١٠ ]
ب- وإن كانت أصول الاسم الباقية بعد حذف زوائده أربعة صغر على صيغة: "فعيعل"، فيقال في قرطاس وعصفور: قريطس وعصيفر١
ح- لا مجال في تصغير الترخيم لصوغ الاسم المجرد على صيغة: "فعيعيل" لأنها صيغة مشتملة على بعض أحرف زائدة؛ فلا يصغر الاسم على وزنها إلا إذا كان محتويا على أحرف زائدة، وهذا مناقض لتصغير الترخيم.
د- الغرض من تصغير الترخيم هو الغرض من التصغير الأصلي. وقد يكون الدافع إليه: التودد، أو التدليل، أو الضرورات الشعرية.
_________________
(١) ١ وفي تصغير الترخيم يقول ابن مالك: ومن بترخيم يصغر اكتفى بالأصل؛ كالعطيف، يعني: المعطفا
[ ٤ / ٧١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
إذا أريد تصغير: "إبراهيم وإسماعيل" تصغير ترخيم فالقياس عند سيبويه أن يقال يريهم، وسميعل١ بحذف زوائدهما فقط؛ وهي الهمزة، والألف والياء٢. وعند غيره: أبيره، وأسيمع، لأن الهمزة عندهم أصيلة؛ لوقوعها قبل أربعة أحرف أصلية٣، وهي لا تزداد في أول الكلمة المشتملة على أربعة أصول، فيحذفون الألف والياء الزائدتين، والخامس الأصلي وهو الميم، واللام؛ لأن بقاءه يخل بالصيغة.
ويجري هذا، الخلاف أيضا في التصغير لغير الترخيم وفي جمع التكسير؛ فقياسهما عند سيبويه يريهيهم، وسميعيل، وبراهيم، وسماعيل، بحذف الزوائد المخلة بالصيغة، وهي الهمزة والألف دون الياء؛ لأنها حرف لين قبل الآخر وعند غيره: أبيريه، وأسيميع، وأباريه، وأساميع؛ بحذف خامس الأصول: لإخلاله بالصيغة، ويحذف الياء قبله، لزيادتها وقلب الألف ياء، لصيروتها لينا قبل الآخر.
_________________
(١) ١ انظر الخضري. ٢ أما الميم واللام فأصليتان عنده؛ إذ لا تنطبق عليهما أوصاف زيادتهما. ٣ ويجيز الكوفيين: براهم وسماعل، بلا ياء؛ وبراهمة، وسماعلة، بتعويض الهاء عن الباء "وقد سبق الكلام على هذا التعويض: "ج ص٦٧٢".
[ ٤ / ٧١٢ ]
المسألة ١٧٧: النسب
مدخل
المسألة ١٧٧: النسب
يتضح معناه مما يأتي:
الاسم يدل على معنى مفرد، لا يزيد عليه شيئا؛ كمحمد، وفاطمة، ومصر، ومكة، وبغداد، ودمشق، وحديد، وكتاب ونظائرها من سائر الأسماء، ولا يدل واحد منها إلا على: مسماه. أي: على الشيء الذي سمي به -كما عرفنا١.
لكن لو زدنا في آخر الاسم ياء مشددة قبلها كسرة، "فقلنا: محمدي، أو: فاطمي، أو: مصري، أو: مكي، أو: بغدادي، أو: دمشقي " لنشأ من هذه الزيادة اللفظية الصغيرة زيادة معنوية كبيرة؛ إذ يصير اللفظ بصورته الجديدة مركبا من الاسم الذي يدل على مسماه، ومن الياء المشددة التي تدل على أن شيئا منسوبا لذلك الاسم؛ أي: مرتبطا به بنوع ارتباط يصل بينهما؛ "كقرابة، أو صداقة، أو نشأة؛ أو صناعة أو غير هذا من أنواع الروابط والصلات"؛ فمن يسمع لفظ: "محمدي"، لا بد أن يفهم سريعا أمرين معا؛ هما "محمد" الدال على مسمى، وشيء آخر منسوب إلى محمد، أي: متثل به بطريقة من طرق الاتصال، "كالقرابة أو الصداقة، أو التعلم، أو غيره -كما قلنا" وكذلك من يسمع لفظ: فاطمي، أو: مصري، أو: مكي، أو: ما هو على شاكلتها، لا بد أن يفهم الأمرين معا في سرعة ووضوح. ولهذا تسمى تلك الياء: "ياء النسب". لأنها الرمز الدال في اختصار بالغ على أن شيئا منسوبا لآخر. فبدلا من أن نقول: شيء منسوب لمحمد نقول: "محمدي". وبدلا من أن نقول: شيء منسوب لفاطمة "نقول: "فاطمي". وهكذا ويسمى الاسم الذي تتصصل بآخره: "المنسوب إليه"، كما يسمى الشيء الذي تدل عليه وعلى أنه مرتبط ومتصل بما قبلها: "المنسوب".
_________________
(١) ١ سبق بيان هذا في موضعه الخاص "ج١ ص١٥ م٢". ودلالة الاسم على مسماه إنما تتحقق إذا كان في جملة، وبدونها لا يدل على شيء، فيكون مجرد صوت
[ ٤ / ٧١٣ ]
فكل لفظ مشتمل على هذه الياء -مما سبق، ومن نظائره- هو معها في الوقت نفسه منسوب ومنسوب إليه بانضمامها له؛ فهما معا شيئا محتفظان بالدلالة السابقة، برغم الاختصار اللفظي المبين.
وبسبب الأثر المعنوي السالف يعتبر الاسم المشتمل على ياء النسب مؤولا بالمشتق١ -أي: في حكمه- لتضمنه معنى المشتق؛ إذ معناه: "المنسوب إلى كذا"، بشرط أن تكون الياء المشددة زائدة لإفادة النسب وقت الكلام، "ويسمى النسب المتجدد"٢، وليست من بنية الاسم؛ ككرسي، ولا للنسب بحسب أصلها السابق لا بحسب حاضرها الدال على إهمال النسب، وعلى أنها لا تؤدي معنى مستقلا، وإنما هي بمنزلة حرف من بنية الكلمة، كمن اسمه: بدوي، أو: مكي ومثل: مهري وبختي ٢ فالياء في هذه الكلمات ليست للنسب المتجدد.
وله أحكام٣ لفظية نعرض لها فيما يلي:
أحكامه اللفظية:
أ- لا بد في النسب من زيادة ياء مشددة على آخر الاسم "المنسوب إليه"، "ولا تزاد إلا في آخر اسم". ويجري عليها الإعراب بعلاماته المختلفة تبعا لحال الجملة. ولا بد أيضا أن يكون قبلها كسرة. ومن الأمثلة قول أحد الرحالين: "لا يشعر العربي بالغربة فوق أرض عربية؛ فالحجازي في الشام، كالشامي في
_________________
(١) ١ فيصلح للمواضع التي تحتاج إلى مشتق "كالنعت. وقد يرفع اسما بعده كما يرفعه المشتق، مثل: هاشم عربي أبوه. وهذا أثر حكمي من آثار النسب الحكمية -انظر رقم ٤ من الهامش التالي، وقد يخصص كالمشتق ويوضح "كما نص على هذا صاحب الحاشية على التصريح" ومعلوم أن كلا من "التخصيص والتوضيح" ينطوي على أغراض تدعو إليه؛ كالمدح، والذم، والتقرير ٢ و٢ سبق بيان النسب المتجدد وغير المتجدد، وتوضيحه بالأمثلة في ص٦٥٩ وهامشها. ٣ جرى سيبويه على تسمية هذا الباب: بالإضافة، أو: النسبة، وعقد له في كتابه "ج٢ ص٦٩" بابا مستقلا عنوانه: هذا باب الإضافة، وهو: باب النسبة"، كما سمى الياء المشددة الخاصة بالنسبة: "ياء الإضافة"، وقال النحاة عن هذه الإضافة إنها إضافة معكوسة كالإضافة الفارسية التي يتقدم فيها المضاف إليه على المضاف، وذلك أن من يقول: "غلام علي" يجعل الغلام هو المضاف "وعلي" هو المضاف إليه، ومن يقول عن الغلام: "علوي" يجعل: "عليا" هو المنسوب إليه وقد تقدم. والياء المشددة للنسب قائمة مقام الرجل المنسوب، وهو: الغلام.
[ ٤ / ٧١٤ ]
الحجاز، وهما في مصر، كالمصري عندهما، والمغربي يلقى المشرقي في موطنه أيام الحج، ويجوس دياره، فلا يحسن وحشة ولا اغترابا. وحيثما ينتقل العربي في مواطن العروبة يجد أهلا بأهل١، وجيرانا بجيران٢ ".
ب- لا بد من إجراء تغييرات لفظية في آخر الاسم الذي تتصل به ياء النسب، وتغييرات أخرى في الحرف الذي قبل الآخر٣ وأشهر التغييرات اللفظية التي تطرأ على الآخر الذي تتصل به هذه الياء مباشرة٤ ما يأتي:
١- حذف هذا الحرف الأخير إن كان ياء مشددة مسبوقة بثلاثة أحرف أو أكثر، سواء أكانت هذه الياء في الأصل للنسب؛ "نحو: يمني، أفغاني، شافعي ، أعلام رجال" أم كانت لغير النسب؛ نحو: كرسي، كركي٥
_________________
(١) ١ الباء بمعنى: بدل، أي: أهلا بدل أهل ٢ وفي هذا يقول ابن مالك في أول الباب وعنوانه: "النسب": "ياء" كيا "الكرسي" زادوا في النسب وكل ما تليه كسره وجب-١ يقول: إن العرب -ومن نطق بلغتهم- زادوا عند إرادة النسب ياء كياء "الكرسي" في أنها مشددة، وفي أنها آخر الاسم، وأن الحرف الذي قبلها لا بد أن يكون مكسورا -أي: أنها تلي حرفا مكسورا دائما- غير أن ياء النسب زائدة على آخر الاسم؛ بخلاف ياء "الكرسي". ٣ وهذه يجيء تفصيلها في ص٧٢٨. ٤ عرض النحاة بشيء من التفصيل لما يحدثه "النسب" من تغيير، فقالوا: إن أهم التغييرات التي يحدثها ثلاثة: أولها: تغيير معنوي، بأن يجعل اللفظ المشتمل على ياء النسب اسما لشيء لم يكن اسما له من قبل، بمعنى أنه يجعل ذلك اللفظ اسما للمنسوب؛ بعد أن كان من غير ياء النسب اسما للمنسوب إليه. ثانيها: تغيير حكمي بأن يجعل الاسم المختوم بياء النسب في حكم الصفة المشبهة؛ فيعامل معاملتها في رفعه الظاهر والمضمر باطراد "كما تقدم في بابها -ج٣- وكما أشرنا في هامش الصفحة السالفة". ويتصل بهذا دلالته على "التخصيص والتوضيح" طبقا لما صرح به صاحب الحاشية على التصريح وما ينطوي عليه كلاهما من الأغراض التي أشرنا إليها في رقم ١ من هامش ص٧١٤. ثالثها: تغيير لفظي، سيجيء بيانه الآن، ثم في ص٧٢٨ حيث التعبيرات التي تطرأ على الحرف الذي قبل الآخر. مما سلف يتبين المراد من قول النحاة: إن النسب يحدث تغييرات ثلاثة "راجع التصريح، والأشموني، والصبان، في أول هذا الباب". ٥ اسم طائر.
[ ٤ / ٧١٥ ]
مرمي١ ، فلا بد من حذف هذه الياء المشددة؛ لتحل محلها ياء النسب الزائدة: فيصير اللفظ في صورته الجديدة بعد الحذف والزيادة كما كان في صورته الأولى بغير أن يتغير مبناه الظاهر٢ بالرغم من غير معناه، فيقال في النسب إلى الكلمات السالفة: يمنى٣، أفغاني، شافعي، كرسين كركي، مرمى،
_________________
(١) ١ أصلها: مرموي "اسم مفعول، فعله: رمى" اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون، قلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء، ثم قلبت الضمة كسرة لتناسب الياء؛ فصارت الكلمة هي: مرمي. فالياء المشددة الأخيرة، ياءان: إحدهما زائدة، وهي الأولى، والأخرى أصلية؛ لأنها لام الكلمة. فالياء المشددة في آخر هذه الكلمة مختلفة في نوعها اختلافا واسعا عن التي في آخر الكلمات التي قبلها. وسيجيء -في الصفة التالية، لهذه الكلمة وأمثالها- حكم خاص. ٢ قد يقال: ما الداعي لحذف ياء مشددة موجودة لتحل محلها ياء النسب المشددة من غير أن يظهر فرق لفظي في الصورتين؟ غير أن الحقيقة الواقعة قد تخالف الشكل الظاهر أحيانا. ففي مثل: "بختي" "وهو نوع من الإبل" يجمع على: "بخاتي"، وهذه "صيغة منتهى جموع، يمتنع معها صرف الاسم. فإذا سمي شخص باسم، "بخاتي" وجب منع الاسم من الصرف، راعاة للأصل السابق، وحالة الجمعية القديمة؛ "أي: لأنه الآن علم جاء على صورة: "منتهى الجموع" أما عند حذف يائه المشددة في أصل هذه الصيغة، وإحلال ياء النسب محلها، فإنه لا يمنع من الصرف؛ لأن الياء المشددة التي حذفت من تلك الصورة كانت آخر أحرف بنيته، وجزءا من مادته التي يصير بسببها داخلا في صيغ منتهى الجموع. أما ياء النسب التي طرأت وحلت في موضع المحذوفة فزائدة عليه، وليست معدودة من حروف بنيته التي ينتهي العلم بانتهائها؛ ولهذا لا يمنع من الصرف. ومثل هذا يقال في: "كراسي"، فالتي آخرها ياء النسب تنون، والتي آخرها ياء ليست للنسب لا تنون؛ لأنها صيغة منتهى الجمع -بخلاف الأولى؛ ولهذا ينصرف، نحو: "مهالبة ومساءمة" إذا حذفت التاء ودخلت عليهما ياء النسب، وكذلك: "مساجدي ومدايني"؛ لأن الياء فيهما ليست جزءا من الكلمة وإنما هي طارئة زائدة للنسب غير ملازمة لصيغة الكلمة، وغير ثابتة في آخرها -وقد سبقت إشارة متممة لهذا في "د" من ص٢١٣. وكذلك في ص٢٠٨ وهامشها رقم ٣. ٣ من العرب من يقول: "اليماني" -بياء واحدة ساكنة في الآخر- في النسبة إلى: "اليمن" بدلا من أن يقول: "اليمني" فهو يحذف الياء الأولى الساكنة من الياء المشددة التي في: "اليمني، ويأتي بألف زائدة عوضا عنها بعد الميم، فتصير الكلمة: "اليماني" "بسكون الياء الأخيرة" على صورة المنقوص. وتحذف هذه الياء عند تنوينه إذا تجرد من "أل" ومن "الإضافة" كالشأن في المنقوص. وقد سمي بعض الأشخاص وغيرهم بهذه الكلمة فما الحكم لو أردنا النسب إلى كلمة "اليماني" هذه؟ أتحذف الألف التي جاءت بعد الميم عوضا عن الياء الأولى الساكنة المحذوفة -كما سبق- وتحذف معها الياء الباقية ليتم بحذفهما حذف الياء المشددة كاملة "بقسميها" قبل مجيء ياء النسب الجديدة المشددة؟ لأن هذه الياء الباقية في المنقوص هما معا بمنزلة الياء المشددة التي في آخر الاسم الذي يراد النسب إليه، والتي يجب حذفها لتحل محلها ياء النسب. إن الحكم هو الاقتصار على بقاء الألف والياء الثانية، وعدم حذفها؛ فوجودهما معا يدل على النسب ويغني عن الياء المشدودة. "انظر ما يتصل بهذا في ص٧٤٦".
[ ٤ / ٧١٦ ]
من غير تغيير في هيئتها الظاهرة -بالرغم من تغير معناه كما قلنا- وهذا هو الحكم الذي يجب الاقتصار عليه.
ومن العرب من يقول في النسب إلى مثل مرمي: "مرموي"؛ فيحذف من المشدد ياءها الأول الساكنة الزائدة، ويقلب الثانية واوا قبلها فتحة -للتخفيف- "بشرط أن تكون إحدى الياءين -في المشددة- زائدة، والأخرى، منقلبة عن أصل"١؛ ويزيد بعدها ياء النسب. وبهذا الشرط تكون نوعا آخر مختلفا عما قبلها وعن سائر الأنواع الأخرى. وهذه اللغة ضعيفة٢
هذا إن كانت الياء المشددة التي في آخر الاسم مسبوقة بثلاثة أحرف أو أكثر -كما تقدم- فإن كانت مسبوقة بحرفين؛ مثل: عدي، وقصي، حذف الأولى منهما "وهي الساكنة"، وقلب الثانية المتحركة واوا المتحركة واوا مسكورة، قبلها فتحة، وزيادة ياء النسب بعدها، نحو: عدوي، وقصوي
وإن كانت تلك الياء المشددة مسبوقة بحرف واحدة؛ مثل "طي، ري، غي، حي، بي٣، عي٤". وجب قلب الياء الثانية واوا مكسورة قبل ياء النسب، وإرجاع الأولى إلى أصلها الواو إن كان واوا، وتركها ياء إن كان الياء، مع فتح ثاني الاسم في الحالتين، فيقال: "طووي، رووي، غووي" "حيوي، بيوي، عيوي"٥..
_________________
(١) ١ لأن أصل: "مرمي" هو: "مرموي"؛ فالواو: هي التي تزاد في صيغة اسم المفعول من الثلاثي، والياء هي المنقلبة عن حرف أصلي، هو الألف المرسومة ياء في آخر الفعل: رمى. ٢ لا يقاس عليها عند أكثر النحاة؛ فهي شاذة، وفيها يقول الناظم: وقيل في المرمي مرموي واختير في استعمالهم مرمي-٨ أي أن المختار في استعمال العرب، أو عند النحاة هو: مرمي، بحذف الياء المشددة كلها قبل زيادة ياء النسب، ثم زيادة ياء النسب، وليس المختار الاكتفاء بحذف الأولى الساكنة، وقلب الثانية واوا، ثم زيادة ياء النسب. ٣ آلبى: الرجل الخسيس. ٤ مصدر: عوى. ٥ وفي هذا يقول الناظم في ألفيته: ونحو حي فتح ثانيه يجب واردده واوا إن يكن عنه قلب-٩ ويفهم من هذا أن الثاني الذي ليس أصله واوا -بل أصله ياء- يبقى على حالة ياء مع فتح ما قبله أيضا. وسبب الفتح فيهما هو التخفيف، بعدم وقوع ياء النسب بعد كسرتين متواليتين؛ منعا لاستيلاء الكسرة على أكثر أحرف الكلمة معها، وهذا مما تكرهه العرب.
[ ٤ / ٧١٧ ]
٢- حذفه إن كان تاء التأنيث؛ نحو: مكي، كوفي، حبشي؛ في النسبة إلى مكة، وكوفة وحبشة١
٣- حذفه إن كان ألفا خامسة فصاعدا، سواء أكانت ألف تأنيث؛ مثل: حبارى٢ وحبارى، أم ألف إلحاق؛ حبركى٣ وحبركي، أم منقلبة عن أصل؛ نحو: مصطفى، ومصطفى٤.
وكذلك يحذف إن كان ألفا رابعة، بشرط أن يكون ثاني الاسم متحركا، ولا يكاد ينطبق هذا إلا على الرباعي الذي رابعه ألف تأنيث؛ نحو: جمزى وجمزي٥. فإن كانت الألف رابعة والحرف الثاني ساكنا، جاز حذفها وقلبها واوا؛ سواء أكانت زائدة للتأنيث، أم للإلحاق، أم منقلبة عن أصل؛ مثل: حبلي، وأرطي٦ وملهي فيقال في النصب: "حبلي، أو:
_________________
(١) ١ وإذا كان المنسوب مؤنثا زيدت تاء تأنيث بعد ياء النسب، لتدل على تأنيثه، لا على تأنيث المنسوب إليه، فيقال: هذه الفتاة البارعة عربية قاهرية. "وستجيء الإشارة لهذا آخر الباب ص٧٤٦ - هـ ". "ملاحظة" يشيع في هذه الأيام استعمال كلمة: "الوحدة" المفردة أصالة "أي: بغير نظر إلى جمعها بالألف والتاء الزائدتين -انظر "ج" من ص٧٢٦" بمعنى: "التوحيد والتجمع، وعدم التفرق"؛ مثل: "إني من أنصار وحدة الأمم العربية، ففي وحدتها قوتها، وغناها، وهيبتها. وبغير هذه الوحدة تفقد أعظم وسيلة للعظمة، والسلطان، والسلامة من كيد أعدائها " وهذا الاستعمال صحيح فصيح، لكن الخطأ الشائع كذلك هو ما يجري على ألسنة كثيرين عند النسب إلى تلك الكلمة المفردة التي لا ينظر مطلقا إلى جمعها المؤنث -لداع معنوي؛ كعدم وجود وحدات متعددة فينسبون إليها نسبا لا يمت إلى الصواب بصلة، فيقولون: "وحدوي" بزيادة واو قبل ياء النسب في هذه الكلمة المفردة أصالة، "أي: التي يقتضي المعنى وصحته النسب إليها، دون نظر ولا اعتبار إلى أنها المفردة لجمع مؤنث سالم" مع أن زيادتها هنا على الوجه السالف خطأ لا سند له من صحة، أو تصويب. وقد حاول أحد الباحثين أن يسلك سبيلا لتصحيحه فلم يوفق لما أراد. ومن المفيد الرجوع إلى "ج" من ص٧٢٦ لأهميتها حيث بيان التوجه الصحيح لاستعمال: "وحدوي" وأمثالها بمجيء الواو قبل ياء النسب. ٢ اسم إحدى الطيور. ٣ من معانيه: الطويل الظهر، القصير الرجلين، والقراد. ٤ لأنه من الصفوة؛ فألفه أصلها الواو. ٥ يقال: هذه فرس جمزى، أي: سريعة. ٦ اسم شجرة.
[ ٤ / ٧١٨ ]
حبلوي" "وأرطي، أو: أرطوي"، "وملهي، أو: ملهوي"، والأحسن في ألف التأنيث الحذف، وفي غيرها القلب.
وإذا قلبت الألف الرابعة -بأنواعها الثلاثة السابقة- واوا جاز شيء ثالث أيضا هو: زيادة ألف قبل الواو، فنقول: حبلاوي، أرطاوي، ملهاوي١.
أما إن كانت الألف ثالثة فلا يجوز فيها إلا القلب واوا؛ نحو: فتى وفتوي، ربا وربوي، علا وعلوي٢
٤- إن كان الآخر همزة الممدود وجب٣ بقاؤها عند النسب إن كانت أصلية؛ فنحو: قراء وقرائي، وبداء وبدائي.
_________________
(١) ١ راجع حاشية ياسين على التصريح وكذا الأشموني. ٢ يقول ابن مالك في حذف الياء المشددة من آخر الاسم المنسوب إليه، وحذف تاء التأنيث ومدته "ويريد هنا بالمدة: ألف التأنيث المقصورة": ومثله مما حواه احذف. و"تا" تأنيث، أو مدته لا تثبتا-٢ "احذف مثله والضمير للمذكر، وهو حرف الياء، وقد أعاد الضمير عليها مرة أخرى مؤنثا، يريد به: "الكلمة" التي هي الياء أيضا. مما حواه، أي: احذف مثل ياء الكرسي المشددة من الاسم الذي يحويها عند النسب إليه". ثم قال: لا تثبت تاء التأنيث ولا مدته في الاسم المنسوب إليه، بل احذفهما. ثم بين حكم الألف الرابعة إذا كانت للتأنيث، وثاني الاسم ساكنا، فحكم بجواز حذفها وقلبها واوا -وترك أمرا ثالثا زدناه في الشرح- قال: وإن تكن تربع ذا ثان سكن فقلبها واوا وحذفها حسن-٣ "تربع، أي: تكون رابعة"، ثم بين بقية أنواع الألف التي تشبهها في الحكم السالف، وهي ألف الإلحاق، والألف المنقلبة عن أصل: فقال: لشبهها: الملحق، والأصلي ما لها. وللأصلي قلب يعتمى-٤ "يعتمى: أي: يختار. المراد بالأصلي عن أصل؛ لأن الألف لا تكون أصلية إلا في الحرف أما ما يشبه الحرف؛ مثل: "ما" الاسمية". وبين حكم الألف الزائدة على الأربعة فقال: والألف الجائز أربعا أزل -٥ "الجائز أربعا": الذي جاوزها، وزاد عليها. وبقية البيت بحذف ياء المنقوص الآتية: ٣ في الرأي المعتمد.
[ ٤ / ٧١٩ ]
ووجب قلبها واوا إن كانت للتأنيث؛ نحو: حمراء وحمراوي، وخضراء وخضراوي. ويجوز بقاؤها وقلبها واوا إن كانت منقلبة عن أصل "سواء أكان الأصل واوا، أم ياء، أم غيرهما"١ أو كانت للإلحاق؛ فيقال في كساء: كسائي أو كساوي -وفي بناء: بنائي أو بناوي- وفي علباء: علبائي أو علباوي أي: أن همزة الممدودة يجري عليها في النسب ما يجري عليها في التثنية٢
٥- حذفه إن كان ياء منقوص خامسة أو سادسة، نحو: "مهتد، ومقتد" و"مستعل ومستغن" فيقال في النسب إليها: "مهتدي، مقتدي، مستعلي، مستغني".
فإن كانت الياء رابعة فالأحس حذفها. ويصح -بقلة- قلبها واوا مسبوقة بفتحة٣؛ نحو: "راع وراعي، وراعوي"، "وهاد وهادي، وهادوي".
وإن كانت ثالثة وجب قلبها واوا مسبوقة بفتحة٣؛ نحو: "شج٤ وشجوي، "رض٥ ورضوي"، "عظ٦ وعظوي"، "عم وعموي".
ولا بد من فتح ما قبل الواو -تخفيفا- في جميع الحالات التي تنقلب فيهاء ياء المنقوص واوا؛ نحو: راع وراعوي، وشج وشجوي٧
_________________
(١) ١ ليست كلمة: "ماء" من نوع "الممدود" عند النحاة، "طبقات لتعريفه عندهم وقد سبق في ص٦١٠" ولكن بعضهم يذكرها هنا ليدل على أن المسموع في النسب إليها هو: مائي، وماوي، مع أن همزتها مبدلة من هاء. ٢ وقد سبق حكمها فقي ص٦١٧ وفي همزة الممدود يقول الناظم: وهمز ذي مد ينال في النسب ما كان في تثنية له انتسب-١٥ "ينال؛ بالبناء للمجهول، أي: يعطى، أو: بالبناء للمعلوم، أي: يصيب". ٣ و٣ يفتح ما قبل هذه الواو؛ لكيلا تقع ياء النسب بعد كسرتين متواليتين في المنقوص، وهذا مما يستثقله العرب، ويفرون منه قدر الاستطاعة. ٤ حزين. ٥ بمعنى: راض. ٦ عظي الجمل؛ فهو: عظ، انفتح بطنه من أكل نبات يسمى: العنظوان. ٧ وفي حذف ياء المنقوص الخامسة يقول الناظم في البيت الخامس السابق: كذاك "يا" المنقوص خامسا عزل-٥ "عزل: أي: طرح بعيدا وحذف". ويقول في ياء المنقوص الرابعة: إن حذفها أولى من قلبها واوا =
[ ٤ / ٧٢٠ ]
فإن كان الآخر مختوما بواو رابعة فصاعدا، وقبلها ضمة، حذفت الواو فيقال في النسب إلى: ثندوة١ وقلنسوة: ثنندي وقلنسي. فإن كانت الواو ثالثة وقبلها ضمة حذفت الواو عند سيبويه فيقال في "عدوي": عدوي، بفتح الدال التي هي عين الكلمة، وحذف الواو الأولى. وإنما فتحت الدال قبلها لتصير الكلمة على وزان: "فعلي" لأن "سيبويه" لا يفرق بين "فعولة" و"فعيلة" عند النسب، بشرط وجود التاء في آخرهما، فيجعلهما على وزان "فعلي"٢، فإن لم توجد التاء فلا حذف عنده؛ فيقال: "عدوي". أما غير سيبويه فيجعل "فعولة وفعول" -أي: بالتاء وبغير التاء- خاضعين عند النسب لحكم واحد، هو عدم حذف شيء منهما؛ فيقول في "عدو وعدوة" عدوى، بتشديد الواو، وضم ما قبلها٣..
_________________
(١) = أما الثالثة، فقلبها واوا محتوم. ولا بد من فتح ما قبل هذه الواو. والحذف في "الياء" رابعا أحق من قلب. وحتم قلب ثالث يعن-٦ "يعن، بالنون الساكنة للشعر، وأصلها مشددة: عن يعن؛ بمعنى: ظهر"، ثم قال في فتح ما قبل الواو: وأول ذا القلب انفتاحا.. و"فعل" و"فعل" عينهما افتح، و"فعل"-٧ أي: اجعل صاحب هذا القلب واليا فتحا. والمراد بصاحب هذا القلب: الحرف الذي انقلب عن أصل، ويريد به الواو المنقلبة عن ياء رابعة، وأن هذه الواو لا بد أن تلي فتحا، أي: تقع بعده. فالحرف الذي قبلها مباشرة واجب الفتح. وبقية البيت؛ وهي: "وفعل " يختص بحكم آخر سيجيء في مكانه الأنسب ص٧٢٨. ١ ثدي. ٢ ثم تزاد التاء في المؤنث، عملا بالقاعدة العامة. ٣ راجع الصبان عند الكلام على النسب إلى "فعيلة"، ثم عند الكلام على النسب إلى الجمع.
[ ٤ / ٧٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- عرفنا حكم النسب إلى المقصور، والممدود، والمنقوص. فما حكم النسب إلى المعتل الآخر، الشبيه بالصحيح؟ وما حكم النسب إلى كلمات أخرى تشتمل على الياء، أو الواو، وليست مما سبق؟
١- معتل الآخر الشبيه بالصحيح١ هو: ما آخره واو أو ياء، إما مشددتان، وإما مخففتان قبلهما ساكن؛ نحو: مرمي٢، ومجلو، وظبى، ودلو
والذي يعنينا هنا: الاسم الثلاثي الذي ثالثه ياء أو واو، وقبلهما سكون، وليس بعدهما تاء التأنيث، نحو: ظبي وغزو؛ فلا يحذف منهما شيء عند النسب، ويقال فيهما: ظبيبي وغزوي، فإن جاءت بعدهما تاء التأنيث فالأرجح عدم الحذف أيضا؛ فيقال في ظبية، وغزوة: ظبيي وغزوي. وتزاد تاء التأنيث بعد ذلك؛ بشرط أن يكون المنسوب مؤنثا -طبقا للقاعدة العامة، حين يكون المنسوب مؤنثا- فيقال: ظبيية وغزوية.
ومن المسموع: قروي؛ نسبة إلى: "قرية" حيث قلبت الياء واوا قبلها فتحة، ولا يقاس على هذا في الرأي الأرجح.
٢- فإن كان الثالث ياء قبلها ألف؛ نحو: غاية وراية٣ فأقوى الآراء: قلب الياء همزة بعد حذف التاء، فيقال: غائي ورائي؛ ويجوز -بقلة- غابي ورابي، بغير قلب؛ كما يجوز -بقلة- غاوي وراوي، ولكن الاقتصار على الأقوى أفضل؛ لقلة الوارد من غيره، ثم تزاد تاء التأنيث إن كان المنسوب مؤنثا٤
٣- وأما نحو: سقاية، وحولايا "لموضع" فيجوز أمران، أحدهما: قلب الياء همزة بعد حذف تاء التأنيث وألف التأنيث المقصورة؛ فيقال فيهما: سقائي، حولائي. والآخر: قلب الياء همزة على الوجه السالف ثم قلب الهمزة واوا لوقوعها
_________________
(١) ١ سبقت الإشارة التي توضحه في رقم ٢ من هامش ص٥٨. ٢ سبق تفصيل الكلام -في ص٧١٥ و٧١٦- على النسب إلى هذه الكلمة ونظائرها. ٣ وليس هذا من المعتل الآخر، ولا من المعتل الشبيه بالصحيح؛ لأن حرف العلة ليس في آخر الكلمة. ٤ لهذا الحكم اتصال بما يجيء في ص٧٦٦ بعنوان: "ملحوظة"، آخرها.
[ ٤ / ٧٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
متطرفة بعد ألف زائدة -طبقا لقواعد الإبدال- فيقال سقاوي وحولاوي.
٤- وأما نحو: شقاوة١ فتبقى الواو على حالها بلا حذف ولا قلب.
ب- كيف ننسب إلى الاسم المعتل الآخر بالواو؛ مثل: "أرسطو، نهرو، سفو، كلمنصو؛ رنو، شو " "كنغو، طوكيو "؟ وكل هذه أسماء شائعة في عصرنا٢.
لم أصاف فيما لدي من المراجع نصا يصلح جوابا عما سبق. ولعل السبب -كما أسلفنا- في تركهم النص هو أن الأسماء العربية الأصلية خالية من الاسم المعتل الآخر بالواو. حتى لقد قبل إن العرب لم يعرفوا من هذا النوع إلا بضع كلمات محددة نقلوها عن غيرهم. منها: سمندو وقمندو لهذا ترك النحاة -فيما أعلم- الكلام على طريقة إعرابه، وتثنيته، وجمعه، والنسب إليه
غير أن الحاجة اليوم تدعو إلى تدارك الأمر: لشيوع هذا النوع بيننا، وعدم الاستغناء عن استعماله. وقد سبق أن تكلمنا عما يحسن اتباعه فيه من ناحية إعرابه، وتثنيته وجمعه في الأبوباب الخاصة بها. أما في النسب فقد استرشدت بالحكم الخامس الذي سبق٣، واستلهمت نظائر له، وراعيت اعتبارات أخرى. وانتهيت إلى رأي قد يكون أنسب؛ هو أنه يحسن حذف الواو إن كان خامسة فأكثر، وتبقى إن كانت ثالثة، ويجوز حذفها أو إبقاؤها إن كانت رابعة. وتبقى مع وجوب تضعيفها إن كانت ثانية. فيقال في النسب إلى أرسطو، وكلمنصو: "أرسطي، وكلمنصي. ويقال في النسب إلى كنغو: "كنغوي، أو: كنغي" ومثله: نهو ويقال: سفوي ورنوي في النسب إلى "سفو" ورنو "علمين" ويقال: شوي، في النسب إلى "شو".
ويجب كسر ما قبل ياء النسب في كل الأحوال، كما يجب التخفيف في النسب إلى الثلاثي بعدم توالي كسرتين قبلها؛ فتفتح الأولى منهما.
_________________
(١) ١ وليس هذا من المعتل الآخر، ولا من المعتل الشبيه بالصحيح؛ لأن حرف العلة في آخر الكلمة. ٢ الستة الأولى أعلام أشخاص، وبعدها علمان لبلدين. ٣ في ص٧٢١.
[ ٤ / ٧٢٣ ]
٦- حذف الآخر إن كان علامة تثنية١ في آخر ما سمى به من مثنى وملحقاته؛ وصار علما معربا بالحروف؛ مثل: الإبراهيمان والإبراهيمين والنسب إليهما: الإبراهيمي.. وكذا: الرشيدان والرشيدين، والنسب إليهما: الرشدي. أي: أن النسب يكون للأصل المفرد٢ بعد حذف علامة التثنية من العلم. وهنا يلتبس النسب إلى المثنى العلم بالنسب إلى مفرده؛ فيكون التعيين والتمييز بالقرائن التي تحدد أحدهما٣.
أما النسب إلى المثنى الحقيقي "الذي ليس علما مسمى به" فينسب إلى مفرده. ولا يخلو من لبس كذلك٣، فتزيله القرائن
٧- حذف الآخر إن كان علامة جمع مذكر سالم٤، سمي به أو بما ألحق به، وصار علما معربا بالحروف٥ نحو: خلدون. وحمدون، وصالحين وسعدين "وهي أعلام قديمة" فيقال في النسب إليها: خلدي. وحمدي وصالحي، وسعدي، أي: بالنسب إلى مفردها؛ واللبس في النسب بين العلم الجمع ومفرده تزيله القرينة التي تعين أحدهما دون الآخر٥.
_________________
(١) ١ وهي الألف والنون رفعا، والياء والنون نصبا وجرا؛ إلا عند وجود ما يقتضي حذف النون كالإضافة ؛ فالنون أحد حرفين تتكون منهما معا علامة التثنية. ٢ بحجة الفرار من وجود علامتي إعراب في المثنى العلم؛ إذ توجد فيه علامات المثنى عند من يعربه كالمثنى، وهو في الوقت نفسه -مع اعتباره علما لواحد، يعرب بالحركات على ياء النسب. فيجتمع على الاسم الواحد إعرابان، إعراب بالحروف وإعراب بالحركات في ياء النسب -طبقا لما جاء في "التصريح". ٣ و٣ واللبس محقق واضح في النسب إلى لفظ المثنى في مثل الأعلام الآتية المشتهرة قديما وحديثا: "سلمان، مهران، زيدان، حمدان، جبران، محمدين، حسنين، البحرين" إقليم. وهذا اللبس لا يقع إلا عند النسب إلى المثنى المعرب بالحروف -كالرأي الشائع في إعرابه- أما على الآراء الأخرى التي تعربه بالحركات الظاهرة على النون -وقد سبقت في الجزء الأول- فينسب إليه على لفظ المثنى؛ فلا يقع لبس. وحبذا النسب إليه على إحدى هذه الصور التي لا لبس فيها، بالرغم من أن كثرة النحاة لا ترتضيها؛ على صحتها ونسبتها إلى بعض القبائل العربية الخالصة. وأن الفرار من اللبس غرض لغوي واجب، ولا سيما الفرار إلى ما لا يعارض أصلا من أصول العربية. ٤ بحجة الفرار من اجتماع علامتي إعراب على الاسم لواحد؛ هما: الحروف والحركات -كما قلنا هنا- رقم ٢ في العلم المثنى. نقلا عن "التصريح". ٥ و٥ إنما يقع اللبس عند إعراب هذا الجمع العلم بالحروف؛ طبقا للرأي الشائع. أما عنه إعرابه بالحركات على النون -على رأي مما سبق في الجزء الأول- فلا لبس. ونقول هنا ما قلناه في النسب إلى المثنى "رقم ٣ السالف" إن الفرار من اللبس غرض هام واجب.
[ ٤ / ٧٢٤ ]
أما النسب إلى جمع المذكر السالم الباقي على جمعيته١، وليس علما مسمى به، فيكون بالنسب إلى مفرده أيضا، فإن أوقع في لبس وجب الفرار منه باتباع الرأي الذي يبيح النسب إلى لفظه المجموع؛ بالرغم من رأي المعارضين في هذا؛ لأن الفرار من اللبس -إن أمكن- والحرص على توقيه، غرض أصيل في لغة العرب، وأصل من أقوى أصولها التي تقوم عليها.
٨- حذف الآخر إن كان علامة لجمع مؤنث سالم٢ بشرط مراعاة التفصيل الآتي:
أ- إن كان هذا الجمع باقيا على جمعيته "أي: لم ينقل إلى العلمية مع بقائه على صيغة الجمع" وليس وصفا٣ ونحوه: مما يجيء في: "ج".
وجب النسب إلى مفرده في جميع الحالات، نحو: وعردة، تمرة، زينب، عائشة، سرادق، والجمع: وردات، تمرات، زيبنات، عائشات، سرادقات، والنسب هو: وردي، تمري، زيني، عائشة، سرادقي بالنسب إلى المفرد في كل ما سبق وأشباهه.
ب- إن كان هذا الجمع مسمى به. "بأن صار علما" وجب حذف العلامة الدالة على الجمع "وهي: الألف والتاء" وينسب إليه على لفظه الباقي بعد الحذف. ولا ينسب إلى مفرده؛ فيقال في النسب إلى الجموع السالفة إذا كان كل جمع علما. وردي وتمرى، "بفتح ثانيهما"٤، زينبي، عائشي، سرادقي فليس بين الصورتين فرق إلا في مثل: وردة وتمرة،
_________________
(١) ١ أي: الذي لم يتركها إلى العلمية والتسمية به. ٢ وعلامته هي: الألف والتاء الزائدتان على المفرد. ٣ أي: ليس مشتقا كضخمات فالمراد بالوصف هنا: الاسم المشتق؛ كضخمة وضخمات. ويقابله الاسم الجامد، وهو ما ليس مشتقا؛ كمعاد، وهند. وجمعهما جمع مؤنث سالما هو: سعادات وهندات. ٤ لأنه مفتوح في الجمع، تطبيقا للقاعدة الخاصة بجمع الاسم الثلاثي السالم العين -وقد سبق شرحها في ص٦٢٢- وبهذا الفتح في النسب إلى "وردة وتمرة"، وأمثالهما، يمكن الحكم على المفرد الثلاثي المؤنث؛ أهو مفرد لجمع مؤنث سالم باق على جمعيته، أم هو مفرد لجمع مؤنث سالم سمي به وصار علما.
[ ٤ / ٧٢٥ ]
مما تحرك ثانيه الساكن لأجل الجمع.
ج- إن كان وصفا، أو اسما جامدا، والثاني فيهما ساكن، وألف الجمع رابعة نحو: ضخمات، وصعبات، وهندات "والمفرد، صخمة، صعبة، هند" جاز عند النسب حذف العلامة "بحر فيها: الألف والتاء"، وجاز الاقتصار على حذف التاء وحدها، مع قلب الألف واوا، فيقال في النسب: ضخمي، أو ضخموي، صعبي، أو: صعبوي، هندي، أو هندوي١ ويصح زيادة ألف فاصلة قبل هذه الواو؛ فيقال ضخماوي و و
"ملاحظة": الكلام على النسب إلى جمع التكسير وما في حكمه يجيء في: ب من ص٧٤١.
٩- إرجاعه إن كان لاما محذوفة بشرط مراعاة التفصيلات التي ستأتي٢ عند الكلام على النسب إلى ما ذحف بعض أصوله.
١٠- تضعيفه إن كان ثانيا معتلا، في اسم ثنائي الحروف -قبل النسب- مثل: لو، كي، لا ؛ فعند التسمية بهذه الألفاظ والنسب إليها، يقال: لوي، كيوي، لائي. فأما: "لو" فقد ضعفنا واوها الأصلية، وأدغمنا الواوين، يجعلهما ياء واحدة مشددة؛ فصار الاسم قبل النسب "كي"، وهو اسم مختوم بياء مشددة مسبوقة بحرف واحد؛ فعند النسب ترجع الياء الأولى إلى أصلها الياء مع فتحها، وتنقلب الثانية "واوا"، وتجيء بعدها ياء النسب؛ فيقال: كيوي.
_________________
(١) ١ انظر "الملاحظة" التي في رقم ١ من هامش ص٧١٨ لأهميتها. وفي حذف علامتي التثنية والجمع يكتفي الناظم ببيت واحد لا تفصيل فيه ولا إبانة، هو: وعلم التثنية احذف للنسب ومثل ذا في جمع تصحيح وجب-١٠ "علم: علامة. وتقدير البيت: واحذف للنسب علامة التثنية.. ومثل هذا الحذف للعلامة وجب في جمع التصحيح، بنوعيه؛ المذكر والمؤنث". ولم يذكر التفصيل الخاص بهذا الحذف، وقد أوضحناه. ٢ في ص٧٣٣.
[ ٤ / ٧٢٦ ]
وأما: "لا" فتضعيف ثانيها يكون بزيادة ألف أخرى بعد الأصلية. لكن لا يمكن إدغامهما، ولا إبقاء كل منهما بغير إدغام، فتنقلب الثانية همزة؛ عملا بقواعد القلب. وقيل: إن الهمزة تزاد من أول الأمر مباشرة؛ فيقال: "لائي"١:
فإن كان ثانيه صحيحا والكلمة ثنائية وضعا "أي: لم يحذف منها شيء" جاز فيه التضعيف وعدمه. ففي النسب إلى: "كم" يقال: كمي أو كمي، بتشديد الميم أو تخفيفها٢.
_________________
(١) ١ في شرح الكافية للرضي "ج٢ ص١٤١" ما يفيد أن الاسم الثنائي، المعتل الثاني، "مثل: لا، وكي، ولو " إذا اقتضى الأمر تضعيف ثانيه، قد يغني عن التضعيف زيادة همزة بعد الثاني مطلقا؛ فنقول في: لا، وكي، ولو. إذا كانت أعلاما أريد إعرابها: لاء، وكيء، ولوء، وعند النسب: لائي، وكيئ، ولوئي. وقد صرح بأن التضعيف هو الأولى، فيحسن الاقتصار عليه. وفي تضعيف الثاني المعتل يقول الناظم: وضاعف الثاني من ثنائي ثانيه ذو لين؛ كـ"لا"، ولائي-٢٢ يريد: مثل: "لا" وتضعيفه: لائي، بياء النسب المشددة، ولكنها خففت هنا للشعر، وذو اللين هنا: المعتل. ٢ في هذا الحكم خلاف؛ كما يقول الصبان هنا، ونص كلامه: أ- اعلم أنه قد تقرر أن الكلمة الثنائية إذا جعلت علما للفظ، وقصد إعرابها، شدد الحرف الثاني منها؛ سواء أكان حرفا صحيحا أم حرف علة؛ نحو: أكثرت من الكم، ومن الهل، ومن اللو ؛ لتكون على أقل أوزان المعربات. ب- وأما إذا جعلت علما لغير اللفظ، وقصد إعرابها فلا يشدد ثانيها إذا كان صحيحا؛ نحو: جاءني كم، ورأيت منا؛ لئلا يلزم التغيير في اللفظ والمعنى معا، من غير ضرورة. "فإن" كان الثاني حرف علة؛ كلو، وفي، ولا زيد حرف من جنسه، وإن لزم منه التغيير في اللفظ والمعنى معا؛ للاضطرار إلى الزيادة؛ لأن عدمها يؤدي إلى سقوط حرف العلة، لا لبقائ ساكنا مع التنوين؛ فيبقى المعرب على حرف واحد، وهو مرفوض في كلامهم. ج- وإن جعلت علما للفظ أو لغيره، ولم يقصد إعرابها فيهما. فلا زيادة أصلا. هذا ملخص ما في الرضي، وشرح اللباب للسيد، مع زيادة. فإذا علمت ذلك ظهر لك أن قوله: "فإن كان ثانيه حرفا صحيحا جاز فيه التضعيف وعدمه" فيه نظر؛ إذ الثنائي الذي جعل علما للفظ، وقصد إعرابه يجب تضعيف ثانيه، صحيحا أو معتلا. فيجب حينئذ في النسب إليه التضعيف. والثنائي الذي جعل علما لغير اللفظ وقصد إعرابه يجب فيه عدم التضعيف إذا كان ثانيه حرفا صحيحا؛ فيجب حينئذ في النسب إليه عدم التضعيف ويمكن الاعتذار بتوزيع كلام الشارح على الحالين المذكورين. لكن مر عن الفارضي في باب الحكاية تقييد وجوب تضعيف الثاني المجهول علما للفظ بما إذا كان حرف علة؛ ففي المسألة خلاف". ا. هـ. كلام الصبان ولهذه المسألة بما فيها من خلاف صلة قوية بما سبق ج١ م٢ ص٢٩.
[ ٤ / ٧٢٧ ]
أشهر التغييرات التي تطرأ على الحرف الذي قبل الأخير، بسبب ياء النسب.
١- وجوب التخفيف بقلب الكسرة فتحة في عين الاسم الثلاثي المكسور العين؛ سواء أكانت فاؤه مضمومة، أم مفتوحة، أم مكسورة. فمن المضمومة: "دئل، وقدر، وبهر ، والثلاثة أعلام والنسب إليها: دؤلي، قدري، بهري". ومن المفتوحة: "نمر، وخشن، وملك، والنسبة إليها: نمري، خشني، ملكي" ومن المكسورة: "إبل، وبلز١، والنسبة إليهما: إبلي، بلزي".
أما سبب التخفيف بقلب الكسرة فتحة على الوجه المتقدم فلأن العرب تستثقل في النوع السالف استيلاء الكسرة على أكثر حروف الكلمة المختومة بياء النسبة؛ إذ تقع فيه الياء بعد كسرتين متواليتين أو ثلاثة، فنفر العرب من هذا الثقل إلى التخفيف بقلب الكسرة الأولى فتحة٢.
٢- وجوب التخفيف أيضا إذا كان قبل آخر المنسوب إليه ياء مكسورة مدغم فيها ياء ساكنة قبلها. والتخفيف هنا يكون بحذف الثانية المكسورة -سواء كانت هي الثالثة بين أحرف الكلمة أم كانت أكثر- ففي النسب إلى٣: "طيب ولين" و"هين وجيد" و"غزيل، تصغير غزال، وأسيد، تصغير: أسود" يقال: "طيبي، وليني" "هيني، جيدي" "غزيلي، أسيدي".
_________________
(١) ١ من معانيه: القرار، والمرأة الضخمة. ٢ بشرط أن يكون الكسر هو المتغلب على أحرف الكلمة؛ فلا قلب في النسب إلى مثل: قمر، جرس ، وإلى هذا يشير الناظم في بيت سبق ذكره "في٧٢١" لمناسبة تتعلق بأوله؛ هو: "وأول ذا القلب انفتاحا" و"فعل" و"فعل" عينهما افتح و"فعل"-٧ والذي يعنينا هنا: الأوزان الثلاثة وما يقرره من فتح العين في كل منها عند النسب -كما شرحنا. ٣ تعدد الأمثلة الآتية هو لبيان أنه لا فرق في الحكم بين الياء المكسورة الثالثة التي أصلها ياء؛ كالأولين، والتي أصلها واو كاللذين بعدهما، والتي تزيد على ثلاثة؛ كالأخيرين، وشذ قولهم: "طائي" في النسب إلى: طيء. والقياس: "طيئ". وفي هذا التخفيف يقول ابن مالك: وثالث من نحو: "طيب" حذف وشذ "طائي" مقولا بالألف-١١
[ ٤ / ٧٢٨ ]
فلا تحذف الياء الثاني في مثل: هبيخ١ لعدم كسرها، ولا في مثل: مهيم٢؛ تصغير مهيام، لوجود ياء زائدة فاصلة بين الياء والمكسورة، وآخر المنسوب إليه.
٣- حذف ياء، "فعيلة" -بفتح فكسر- وحذف تاء التأنيث معها، وفتح ما قبل الياء التي حذفت "أي: فتح عين الكلمة". كل هذا بشرطين: أن تكون عين الكلمة غير مضعفة، وأن تكون صحيحه إذا كانت اللام صحيحة؛ فتصير الكلمة بعد التغيير السالف على وزن: "فعلي"؛ فيقال في النسب إلى حنيفة، وفهيمة، وسميرة : حنفي، وفهمي، وسمري، ومن المسموع الشاذ: سليقي، وسليمي، في النسب إلى: سليقة٣، وسليمة٤.
هذا رأي أكثر النحاة. وقد تصدى لهذه الأمثلة الشاذة أحد الباحثين٥
_________________
(١) ١ الغلام السمين. ٢ انظر رقم ٢ من هامش ص٧٠٨. ٣ بمعنى: فطرة وطبيعة. ٤ اسم قبيلة عربية. ٥ هو الأستاذ الراهب أنستاس الكرملي -﵀- العضو السابق بالمجمع اللغوي القاهرة فقد نشر بحثا بمجلة: المقتطف "عدد يوليو ١٩٣٥، ص١٣٦" عرض فيه أمثلة من الصيغتين -وهما: "فعيلة، وفعيل، الآتية"- في الكلام الذي يحتج به مع استيفائهما الشرطين، قائلا ما نصه: "أنت ترى من هذا التتبع أن العرب لم ينسبوا مطلقا إلى "فعيل وفعيلة" بقولهم فعلي "بالتحريك" إذا كان غير مشهور؛ علما كان أم نكرة؛ بل "فعيل" بإثبات الياء على أصلها". ا. هـ. ثم عرض شواهد على تأييد رأيه عددها "١٠٣" "ثلاثة بعد المائة" وأكد أن هذه الشواهد ليست هي كل الوارد، وأنه اكتفى بها مسرعا؛ إذ لم يتسع وقته لجمع الباقي الذي يقطع بوجوده. ومع أن الشواهد التي عرضها عشرات تكفي وحدها للأخذ برأيه من غير تردد، ولا حاجة إلى تأييد آخر، نراه استند أيضا في تأييد رأيه إلى قول ابن قتيبة الدينوري في كتابه: "أدب الكاتب" ص١٠٧ طبعة أوروبا، ونصه: "إذا نسبت إلى: "فعيل، أو: فعيلة" من أسماء القبائل والبلدان وكان مشهورا ألقيت منه الياء؛ مثل: ربيعة، وبجيلة، وحنيفة، فتقول: ربعي، وبجلي، وحنفي. وفي ثقيف ثقفي، وعتيك عتكي. وإن لم يكن الاسم مشهورا -علما كان أم نكرة- لم تحذف الياء في الأول "أي: في فعيل" ولا في الثاني "أي: فعيلة" ا. هـ. وقد خلص الباحث إلى أن الحذف قديما لم يكن إلا في المشهور شهرة فياضة. وجاء في كتاب: "الصحاح" للجوهري -ج٢ ص٢١٨، وفي النسب إلى كلمة: "مدينة" ما نصه: "إذا نسبت إلى مدينة الرسول ﷺ قلت: "مدني" وإلى مدينة المنصور قلت: "مديني" وإلى مدائن كسرى قلت: مدائني". ا. هـ.
[ ٤ / ٧٢٩ ]
المعاصرين وأثبت أنها ليست شاذة، لوجود عشرات مسموعة، من نظائرها الفصيحة، وعرض تلك العشرات، وانتهى من بحثه إلى أمرين:
أولهما: أن النسب إلى "فعيلة" هو: فعيلي" قياسا مطردا:
ثانيهما: أنه يجوز النسب إليها على: "فعلي" -بحذف الياء- كما يرى بعض القدماء بالشرطين السالفين: وبزيادة شرط ثالث عليهما؛ هو: اشتهار الاسم المنسوب إليه شهرة فياضة تمنع الخفاء واللبس عن مدلوله إذا حذفت ياء "فعيلة" للنسب. فمتى اجتمعت الشروط الثلاثة ص٣ ح حذف الياء جوازا، لا وجوبا. وما عرضه هذا الباحث من الأدلة غير مرجوح. ورأيه حسن. والأخذ به أولى١.
فإن كانت العين مضعفة: مثل؛ رقيقة ولبيبة، أو كانت معتلة مع صحة اللام؛ مثل: طويلة، وعويصة -لم يحدث حذف ولا تغيير عند النسب إلا حذف تاء التأنيث؛ فيقال: رفيقي- ولبيبى، وطويلي. وعويصى.
وإن كانت العين معتلة مع اعتلال اللام وجب إجراء التغيير الأول بالحذف والتغيير؛ فيقال: في طوية: طووي٢
٤- حذف ياء: "فعيل" -بفتح فكسر- بشرط أن يكون معتل اللام. وفي هذه الصورة تنقلب عند النسب لامه المعتلة واوا مع فتح ما قبلها وجوبا؛ كغني وغنوي، وعلي وعلوي، وصفي وصفوي، وعدي وعدوي.
فإن كان صحيح اللام لم يحدث تغيير؛ نحو: جميل وجميلي. وعقيل وعقييلي٣.
_________________
(١) ١ وقد أخذت به لجنة "الأصول" في مجمع اللغة العربية بالقاهرة -طبقا لما جاء في ص٢٤٦ من مجلة المجمع المشتملة على البحوث والمحاضرات الخاصة بالدورة الخامسة والثلاثين لسنة ١٩٦٨-١٩٦٩. ٢ "تكملة": بقي من الصور أن تكون العين صحيحة، واللام معتلة؛ مثل: صفية، وسنية؛ فهذه الياء المشددة تقلب واوا قبل ياء النسب؛ فيقال: صفوية، وسنوية، طبقا للبيان السابق "في ص٧١٧" خاصا بالثلاثي الذي آخره ياء مشددة، مع اعتبار تاء التأنيث في حكم غير الموجود. ٣ انظر ما يتصل بهذه ويتممه في رقم ٥ من هامش ص٧٢٥ ومن النسب المسموع: ثقفي في النسب إلى ثقيف.
[ ٤ / ٧٣٠ ]
٥- حذف ياء: "فعيلة" -بضم، ففتح، فسكون- وحذف تاء التأنيث معها، بشرط أن تكون العين غير مضعفة، وأن تكون صحيحة إذا كانت اللام صححة. فتصير الكلمة بعد التغيير السالف على وزن: "فعلي"، فعند النسب إلى: قريظة، وجهينة، وحذيفة، يقال: قرظي، وجهني، وحذفي
فإن كانت العين مضعفة لم تحذف الياء؛ كما في قليلة وقليلي، وجديدة وجديدي. وكذلك إن كانت معتلة مع صحة اللام، كما في لويزة ولويزي، ونويرة ونويري.
فإن كانت معتلة مع اعتلال اللام وجب الحذف، نحو: حيية وحيوي ١.
٦- حذف ياء "فعيل" -بضم، ففتح، فسكون- بشرط أن يكون معتل اللام. وفي هذه الصورة تنقلب عند النسب لامه المعتلة واوا قبلها فتحة؛ نحو: قصي وقصوي، وفتى، وفتوى.
فإن كان: "فعيل" صحيح اللام لم تحذف الياء -في الأرجح- نحو: سعيد وسعيدي، وردين ورديني٢
_________________
(١) ١ وفي الحذف الخاص بصيغتي: "فعيلة" وفعيلة، يقول الناظم: و"فعلي" في: "فعيلة" التزم و"فعلي" في فعيلة حتم-١٢ ويقول: وألحقوا معل لام عريا من المثالين بما "التا" أوليا-١٣ وتمموا ما كان كالطويله وهكذا ما كان كالجليله-١٤ "عري: خلا -من المثالين، يريد بهما: صيغتي: فعيلة، وفعيلة السالفتين، أولي: أتبع وجاء بعد شيء سبقه. والألف التي في آخر الشطر الأول والثاني زائدة لوزن الشعر". يريد: أن النحاة أو العرب ألحقوا عند النسب ما كانس من الصيغتين السالفتين خاليا من معتل اللام بما وليته التاء منهما، أي: جاءت بعده وفي آخره. حيث يجب -عنده- حذف الياء في الملحق كالملحق به. ٢ ومن النسب السماعي: قرشي، وهذلي؛ في النسب إلى: قريش، وهذيل. ويرى المبرد أن هذا قياسي؛ لكثرته.
[ ٤ / ٧٣١ ]
٧- حذف واو: "فعولة" -بفتح فضم- ومعها التاء١؛ بشرط أن تكون عين اللفظ صحيحة، وغير مضعفة. وفي هذه الصورة يفتح الحرف الذي كان مضموما قبل حذف الواو.
ومن الأمثلة: شنوءة٢، وسبوحة٣، فيقال في النسب إليهما: شنثي، وسبحي ٤ فلا تحذف الواو في مثل: قوولة وصوولة٥، لاعتلال العين، ولا في مثل: "ملولة" لتضعيفها.
"أما فعول" بغير تاء فينسب إليه على لفظه؛ نحو؛ ملول وملولي، وعدو وعدوي
_________________
(١) ١ يلاحظ أن الأغلب في صيغة: "فعول" إذا كانت وصفا بمعنى "فاعل"، ألا تدخلها التاء الدالة على التأنيث المحض وحده "طبقا للبيان الخاص بهذا في ص٥٩١" أما في غير هذه الصورة فقد تلحقها التاء. ويقال: إنه لم يرد عن العرب علم على وزن: "فعولة" ونسبوا إليه على: "فعلي" إلا: "شنوءة" حيث قالوا: "شنئي" -كما سيجيء في رقم ٤. ٢ علم قبيلة عربية. ٣ علم على مكة، أو على ماء قريب منها. ٤ هذا رأي سيبويه. أما غيره فينسب إليها على لفظها؛ لأنه لم يرد عند العرب سوى شنئي، في النسب إلى شنوءة، فهي كلمة واحدة حكمها الشذوذ. وهذا الرأي هو الأعلى، والأجدر بالاقتصار عليه. ٥ ويصح قلب واوهما همزة، فيقال: قئولة وصئولة.
[ ٤ / ٧٣٢ ]
المسألة ١٧٨: النسب إلى ما حذف منه بعض أصوله
أ- إن كان الحرف الأصلي المحذوف هو عين الكلمة وجب رده في حالتين:
الأولى: أن يكون عينا لاسم ثلاثي مضعف١. مثل: "رب". وأصله: "رب" الحرفية الجارة، حذفت الياء الأولى، تخفيفا٢، فإذا صار بعد التخفيف علما وأريد النسب إليه، وجب إرجاع الياء الساكنة المحذوفة وإدغامها في نطيرتها، كما كانت قبل الحذف؛ فيقال: ربي، ومثلها: "قط" على اعتبار أن أصلها: قط٣ -بتشديد الطاء؛ حذفت الطاء الأولى الساكنة، تخفيفا؛ فإذا نسب إلى المخففة وجب إزعاج العين المحذوفة. وإدغامها في نطيرتها: فيقال: قطي
الثانية: أن يكون عينا لاسم معتل اللام، نحو: يرى "علما منقولا من المضارع، وأصله: يرأى. نقلت فتحة الهمزة. إلى الراء الساكنة قبلها، وحذفت الهمزة؛ فصار اللفظ: يرى". فإذا سمي به، وأريد النسب إليه؛ قيل: "يرثي"، بإرجاع العين المحذوفة مع فتح الراء؛ مراعاة لضبطها الطارئ الذي كانت عليه بعد حذف الهمزة٤.
_________________
(١) ١ مضعف الثلاثي: ما كانت عينه ولامه من جنس واحد؛ مثل: عد، قط، رب ولا بد أن يكون المضعف ساكن العين. إذا كانت مدغمة في نظيرتها، وهو الحرف الواقع لام الكلمة. ٢ ومن التخفيف قوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ . ٣ ظرف زمان يستعمل -في الأغلب- بعد كلام منفي المعنى في الزمن الماضي. "وتفصيل الكلام عليه في ج٢ م٧٩". ٤ هذا رأي سيبويه -كما سيجيء أيضا في رقم ٤ من هامش ص٧٣٥- وهو يوجب في الاسم الذي ترجع لامه المحذوفة عند النسب أن تبقى عينه على فتحتها الطارئة عليها عند حذف اللام، قبل الحذف. فإذا ما عادت اللام عند النسب لم ترجع العين إلى السكون الذي كان أصلا لها من قبل؛ وإنما تظل على الفتحة الطارئة عليها. فإذا رجعت الهمزة المحذوفة هنا -صارت الكلمة: "يرأى"- بثلاث متحركات مفتوحة، فألف ساكنة، مكتوبة ياء، وعند النسب تحذف هذه الألف "لأنها رابعة في اسم ثانيه متحرك، كما تقرر من قبل في ص١٨"، فيقال: "يرثي" وهذا الرأي هو الأرجح الذي يؤيده السماع الأكثر، أما غير سيبويه فيوجب عند رجوع اللام المحذوفة إرجاع العين إلى سكونها الأصلي السابق، وعدم الاعتداد بالفتحة الطارئة. فعند إرجاع الهمزة يصير الاسم: "يرأى" والنسب إليه هو: "يراوي" أو: "يرئي"؛ طبقا لما تقرر -في ص٧١٨- من أن ألف الرباعي الساكن الثاني تحذف أو تقلب واوا. ومما سبق يتضح رأيان في المجبور برد اللام عند النسب؛ فسيبويه ومن معه يوجب فيه فتح العين وإن كانت ساكنة في الأصل. وغيره يوجب تسكينها كما كانت أولا، وإرجاعها لأصله.
[ ٤ / ٧٣٣ ]
ب- إن كان الحرف الأصلي المحذوف هو: "فاء" الكلمة وجب إرجاعه بشرط اعتلال اللام؛ نحو: شية١ والنسب إليها: وشوي، بكسر الواو الأولى وفتح الشين٢ -تليها الواو الثانية المكسورة عند النسب.
فإن كانت اللام صحيحة لم يجز رد المحذوف؛ فيقال في عدة٣: عدي
_________________
(١) ١ علامة. ٢ أصلها: "وشي" "بكسر الواو، فسكون الشين. وردد النحاة وصاحب "المصباح المنير" النص على كسر الواو، ولم يذكروا السبب في كسرها" حذفت الواو، ونقلت حركتها إلى الشين، وزيدت تاء التأنيث عوضا عن الواو المحذوفة؛ فصارت الكلمة: "شية". بفتح الياء؛ لتناسب التاء. فعند النسب إليها ترجع فاء الكلمة "وهي الواو المكسورة، وتبقى الشين على حركتها العارضة، وهي الكسرة؛ عملا بمذهب سيبويه السالف في الصفحة الماضية وهامشها، فتصير إلى: وشي "بواو وشين مكسورتين" ثم تنقلب كسرة الشين فتحة، عملا بالقاعدة التي تقدمت في ص٧١٨ و٧٢٨. "ومضمونها: أن الاسم الثلاثي المنسوب إليه يجب فتح ثانيه إن لم يكن مفتوحا. سواء أكان الحرف الأول مضموما أم مفتوحا أم مكسورا " فتصير الكلمة بغير ياء النسب إلى: "وشي". تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا. وصارت الكلمة: "وشا"، بكسر ففتح، فألف مقصورة تقلب عند النسب واوا؛ لأنها ثالثة؛ فيقال: "وشوي". أما عند غير سيبويه ممن لا يعتد بحركة الشين الطارئة ويتمسك بالسكون لأنه الضبط السابق قبل الحذف -فيقول- وشيي: وقد عرفنا رجحان رأي سيبويه. وكلا الرأيين في أمر النسب إلى ما حذف، كما أوضحناه في حالات ونوضحه في باقيها -يدعو للدهش؛ ففيه من التحليل، والتعليل، والحذف، والقلب، والإثبات، والإرجاع، ما يكد الذهن، ويرهق العقل، من غير أن يعرف العرب شيئا منه، أو يدور بخلد أفصحهم. وبالرغم من هذا نسأل: أيمكن هنا -فقط- وضع ضابط عام للنسب إلى ما حذف بعض أصوله، من غير التجاء إلى هذه الفروض الخيالية؟ يبدو أن الجواب: لا. وفي الكلام على "شية" وما في حكمها يقول الناظم: وإن يكن كثية ما "الفا" عدم فجبره وفتح عينه التزم-٢٣ "عدم، أي: زال، بمعنى: حذف -جبره: إرجاعه عند النسب". ٣ مصدر الفعل: وعد. حذفت الفاء، وعوض عنها تاء التأنيث.
[ ٤ / ٧٣٤ ]
وفي جدة١: جدي.
ج- إن كان الحرف الأصلي المحذوف هو "لام" الكلمة، وجب إرجاعه في حالتين:
الأولى: أن تكون العين معتلة؛ مثل: "شاة" وأصلها: "شوهة"٢ -بسكون الواو- حذفت لام الكلمة "الهاء" للتخفيف، فصارت الكلمة: شوة -بسكون الواو- ثم تحركت الواو بالفتحة٣، فصارت: شوة، تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فانقلبت ألفا، وصارت الكلمة، شاة، والنسب إليها في الرأي الأرجح هو: شاهي٤.
_________________
(١) ١ بمعنى: غنى. أصلها: وجد، مصدر الفعل: وجد، حذفت الفاء وعوض عنها التاء. ٢ الكلمة واوية العين بدليل معها على: "شياه" التي أصلها: شواه. قلبت الواو ياء لوقوعها بعد كسرة. ٣ لوجوب فتح ما قبل تاء التأنيث في كل الحالات، على الوجه الذي سبق في ص٦٩٣. ٤ وهذا رأي سيبويه، وقد سبق بيانه في رقم ٤ من هامش ص٧٣٣؛ ومنه يعلم أنه يستبقى -عند النسب- حروف الكلمة على ضبطها الطارئ عليها، بسبب حذف بعض الأحرف تغييرا طارئا. وعلى هذا تبقى فتحة "شوة" -وهي فتحة طارئة- ويبقى ما ترتب على وجودها، وهو قلب الواو ألفا. وعند النسب ترجع الهاء المحذوفة التي هي لام الكلمة، وتحذف تاء التأنيث لتحل محلها ياء النسب، فيقال: "شاهي". أما من يخالف سيبويه ويوجب إرجاع العين وغيرها من الحروف إلى ضبطها الأصيل الذي كان قبل حذف أحد أصول الكلمة، فيقول: "شوهي" -بفتح فسكون- ذلك أن أصل الكلمة هو: شوهة. بسكون الواو قبل حذف اللام التي هي: "الهاء"، والتي أدى حذفها إلى تحريك الواو بالفتحة؛ إذا صارت "قبل تاء التأنيث" مباشرة. فعند رجوع اللام المحذوفة -وهي الهاء- ترجع الواو إلى ضبطها الأول وهو السكون ويمتنع قبلها ألفا؛ لعدم تحركها ويصير النسب كما سبق: "شوهي". وفي هذا الوضع من مواضع النسب إلى محذوف اللام معتل العين، يصرح النحاة بأن النسب إلى: "ذو" و"ذات" هو: "ذووي" فيهما؛ لأن لامهما محذوفة، وعينهما معتلة ويقولون إن أصلهما: "ذوي" ويعددون أنواعا معقدة من الفروض والخيالات يجر بعضها بعضا؛ كي يصلوا من ورائها إلى إثبات هذا الأصل. وقد كدوا، وداروا حتى انتهوا إلى ما أرادوا، وهو غير ما يريده الواقع، والرأي السديد. ومن شاء أن يرى بعض الفروض المرهقة فليرجع إلى كتاب سيبويه وشراحه "ج٢ ص٨٠، ٨١ وما بعدها في الباب الذي عنوانه: "ما لا يجوز فيه من بنات الحرفين إلا الرد"، والباب الذي عنوانه: "الإضافة إلى ما فيه الزوائد من بنات الحرفين". وهو يريد "بالإضافة": النسب =
[ ٤ / ٧٣٥ ]
الثانية: أن تكون اللام المحذوفة قد رجعت -في الكلام المأثور- في التثنية، أو جمع المؤنث السالم١؛ مثل: "أب، وأخ"، وتثنيتهما: "أبوان وأخوان"، فالنسب إليهما: أبوي
وأخو، بإرجاع الواو المحذوفة منهما. ومثل: "سنة"، وأصلها: سنة أو سنو. حذفت لام الكلمة؛ "وهي: الهاء: أو الواو" وجاءت تاء التأنيث عوضا عنها، وهذه التاء تحذف في جمع المؤنث السالم وترجع اللام المحذوفة، فيقال: سنهات أو سنوات، كما يقال في النسب: سنهي، أو سنوي، بإرجاع اللام المحذوفة كما رجعت في جمع المؤنث.
والنسب إلى: "أخت وبنت"؛ هو: "أخوي، وبنوي"، لأن جمعهما المؤنث السالم: أخوات وبنات، والنسب إليهما كالنسب إلى أخ وابن، وهذا يوقع في لبس قوي دعا بعض النحاة إلى رفض النسب بالصورة السالفة، وتحتيم النسب على لفظهما؛ فيقول: أختي وبنتي؛ ورأيه حسن، جدير بالمحاكاة، مع صحة الرأي الأول وقوته٢.
_________________
(١) = كما أشرنا من قبل في رقم ٣ من هامش ص٧١٤، ويكرر هذا. وفي التصريح وحاشيته، وحاشية الصبان سلسلة متشابكة من تلك الخيالات، وكان الخير في ترك ذلك كله، والاقتصار على أن النسب إلى: ذو، وذات، هو: ذووي؛ مراعاة للمسموع. على أنه قد جاء في حاشية: "القطر عند الكلام على معنى: "ذات" ما يأتي: "لها ثلاث استعمالات: الإشارة بها، وبمعنى: صاحبة، وبمعنى: التي وبقي لها استعمال رابع. وهو جعلها اسما مستقلا؛ نحو: ذات الشيء: بمعنى: حقيقته وماهيته. وقد صار استعمالها بمعنى نفس الشيء عرفا مشهورا؛ حتى قال الناس ذات متميزة، وذات متحدثة، ونسبوا إليها على لفظها من غير تغيير. والله يقول: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: ببواطنها وخفياتها. فالكلمة عربية، ولا التفات لمن أنكر عربيتها، وخطأ علماء الكلام، مصيبون". ا. هـ. ومثل هذا في "المصباح المنير" مع الاشتراك في كثير من ألفاظ السالفة ويمكن الرجوع إليه في مادة: "ذوى". ١ لم يذكروا جمع المذكر السالم اكتفاء بالتثنية؛ لأنه على غرارها -كما سبق في بابهما- فما يرجع في التثنية يرجع في جمع المذكر السالم. ٢ يقولون في تأييد الرأي الأول: إن صيغة: "أخت وبنت" كلها للتأنيث. والتاء للإلحاق بالرغم من أنها بدل من واو محذوفة؛ وهي لإلحاق الكلمتين بقفل وجذع؛ إلحاقا للثنائي بالثلاثي، فيجب رد صيغة أخت وبنت إلى صيغة المذكر، بحذف التاء منهما كما حذفت في النسب إلى مكة؛ فقيل: مكي،=
[ ٤ / ٧٣٦ ]
ما يجوز فيه عند النسب رد لامه المحذوفة وعدم ردها:
بان مما سبق وجوب رد اللام المحذوفة إلى الاسم عند النسب بشرط أن تكون عينه معتلة، أو أن تكون لامه مما يرجع في تثنية أو جمع مؤنث سالم.
فإن لم يتحقق الشرط جاز الرد وعدمه، ففي مثل: يد١ ودم٢، وسفة٣
_________________
(١) = وفي جمع المؤنث السالم؛ فقيل: في مؤمنة ومؤمنات لئلا تقع تاء التأنيث حشو وكلام كثير آخر أساسه مجرد الجدل. وقد تناوله بعض القدماء بالرد والرفض "على نحو ما نقله شرح التصريح في هذا الموضع". ونحن في غنى عن هذا كله، وعن مناقشته، وزيادة الجدل القديم بجدل جديد؛ وكلاهما لا خير فيه؛ إذ حسبنا إباحة الرأيين، واستحسان الرأي القائم على إبعاد اللبس، وهو رأي قديم لبعض كبار النحاة. ومنهم: يونس بن حبيب البصري المتوفى حول سنة ١٨١ هـ، وهو من أشهر أئمة اللغويين النحاة في عصر سيبويه، وله مؤيدون. وفي إرجاع اللام جوازا ووجوبا يقول الناظم: واجبر برد اللام ما منه حذف جوازا إن لم يك رده ألف-١٩ في جمعي التصحيح، أو في التثنيه وحق مجبور بهذي توفيه-٢٠ وبأخ أختا، وبابن بنتا ألحق. ويونس أبى حذف التاء-٢١ يقول: اجبر برد اللام ما حذف منه اللام جبرا جائزا، إلا إذا كان رد اللام لازما في التثنية أو جمع التصحيح لمذكر أو لمؤنث، في هذه الحالة يستحق المجبور -وهو الاسم المحذوف اللام- التوفية وجوبا بإرجاع لامه إليه. ثم قال: ألحق أختا بأخ في رد اللام المحذوفة، وكذلك ألحق بنتا بابن في ردها من غير إبقاء التاء فيهما. على غير مذهب يونس ومن معه فإنه يبقيها. وقد شرحنا الرأيين ١ أصل: "يد" هو: يدي -بسكون الدال- حذفت اللام بغير تعويض؛ تخفيفا؛ وتحركت الدال الساكنة. والنسب إليها هو: يدي، بغير رد اللام، أو: يدوي، بردها، وقبلها الفتحة الطارئة لأجلها؛ لأن ما قبلها يفتح عملا برأي سيبويه، أو قبلها السكون السابق؛ عملا برأي غيره. ورأي سيبويه هو الأرجح -كما عرفنا- في رقم ٤ من هامشي ص٧٣٣ و٧٣٥. ٢ أصل: "دم"، هو: دمو -بسكون الميم في الأصح- حذفت الواو، تخفيفا بغير تعويض، وتحركت الميم الساكنة، وعند النسب يقال: دمي، بغير رد، أو: دموي بالرد مع فتح ما قبل الواو؛ لأن ما قبلها يفتح لها -كما سبق- أو إرجاعه إلى سكونه الأصلي؛ كما سبق: في يد. ٣ أصل: شفة، هو شفه "بسكون الفاء، وبالهاء، بدليل ظهور الهاء في الجمع: شفاه" حذفت الهاء تخفيفا، وعوض عنها تاء التأنيث مع فتح ما قبلها، فصارت شفة. فعند النسب يقال: شفي، بغير رد الهاء، أو شفهي بردها مع بقاء الفاء قبلها على فتحتها العارضة، أو: إرجاعها إلى سكونها الأول. ومن يرى أن اللام المحذوفة واو، وليست هاء يجيز في النسب: شفي وشفوي ولكن الشائع بين اللغويين أن اللام المحذوفة هاء.
[ ٤ / ٧٣٧ ]
يقال عند النسب: يعدي أو يدوي، دمي أو دموي شفي، أو شفهي ويصح: شفوي وقد حذفت اللام في يد، ودم بغير تعويض. زيدت تاء التأنيث عوضا عن الهاء المحذوفة.
وإذا حذفت اللام وعوض عنها همزة الوصل جاز عند النسب الرد أو عدمه دون الجمع بين اللام المحذوفة وهمزة الوصل؛ منعا للجمع بين العوض والمعوض عنه، ففي مثل: "ابن واسم" يقال: "ابن واسم" يقال: "ابني أو بنوي، واسمي، أو سموي"١ ولا يصح أن يقال: ابنوي واسموي
_________________
(١) ١ الكثير المسموع ضم السين أو كسرها. أما الميم فمفتوحة على رأي سيبويه؛ لأن الفتحة طارئة على الثاني للنسب فتبقى -كما عرفنا.
[ ٤ / ٧٣٨ ]
المسألة ١٧٩: أحكام عامة في النسب
"وتشمل: حكم النسب إلى المركب بأنواعه المختلفة -وإلى جمع التكسير، وما ألحق به- صيغة: فعال" للنسب، النسب المسموع، وبعض ألفاظ منه، زيادة تاء التأنيث في المنسوب".
أ- النسب إلى المركب١:
١- إن كان المركب إضافيا علما -بالوضع أو بالغلبة- فالأصل أن ينسب إلى صدره؛ فيقال في خادم الدين، وفوز الحلق، وعابد الإله "والثلاثة أعلام": خادمي، فوزي، عابدي
ويستثنى من هذا الأصل ثلاث حالات يجب النسب فيها للعجز.
الأولى: أن يكون "المركب الإضافي" العلم كنية، نحو: أبو بكر، وأم كلثوم فيقال في النسب: بكري، وكلثومي.
الثانية: أني كون هذا "المركب الإضافي" معرفا صدره بعجزه٢؛ نحو: ابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر فيقال في النسب إليها: عباسين ومسعودي، وعمري.
الثالثة: أن يكون النسب إلى صدر هذا المركب مؤديا إلى اللبس، بعدم معرفة "المنسوب إليه" حقيقة؛ مثل: عبد مناف، وعبد شمس، وناصر مجد "والثلاثة أعلام" فيقال في النسب إليها: منافي، وشمسي، ومجدي؛ إذ لو نسب إلى الصدر فقيل: عبدي، وناصري، لم يعرف "المنسوب إليه".
_________________
(١) ١ سبق تعريف المركب وتقسيمه وحكم كل قسم "في مكانه المناسب من الجزء الأول ص١٢٨ م١٠ وص٢٧٠ م٢٢ باب العلم". ٢ بأن يكون صدره نكرة، وعجزه معرفة، بها يتعرف الصدر، وقد يشتهر المركب بعد هذا فيدخل في عداد العلم بالغلبة "وقد سبق إيضاحه في مكانه المناسب من الجزء الأول باب: العلم، ومن أمثلته: ابن عباس، وابن عمر ".
[ ٤ / ٧٣٩ ]
فإن كان المركب الإضافي ليس عما "لا بالوضع، ولا بالغلبة"، نحو: كتاب زينب، وجب النسب للمضاف وحده، أو للمضاف إليه وحده على حسب المراد.
٢- المركب الإسنادي وملحقاته١. وينسب إلى صدره ففي النسب إلى: نصر الله، وجاد الحق، وحامد مقبل "والثلاثة أعلام" يقال: نصري، وجادي، وحامدي ٢.
٣- المركب المزجي، ومنه الأعداد المركبة؛ كأحد عشر والشائع أنه ينسب إلى صدره أيضا مع الاستغناء عن عجزه؛ سواء أكان صدره معتل الآخر أم صحيحا، نحو: "مجد يشهر، وقاليقلا" "وحضرموت وبندرشاه" وكلها أسماء بلاد؛ فيقال فيها: مجدي وقالي -بحذف حرف علتهما ووضع ياء النسب مكانه-٣ وحضري وبندري، هذا هو الرأي الشائع.
ومن النحاة من يجيز النسب إلى العجز وحده مع الاستغناء عن الصدر بحذفه، ومنهم من يجيز النسب إلى الصدر وإلى العجز معا بزيادة ياء النسب في آخر كل منهما، مزيلا تركيبهما، فيقول: مجدي شهري بإدخال ياء النسب على كل منهما. ومنهم من ينسب إلى المركب باقيا تركيبه بإدخال ياء النسب على العجز وحده مع ترك الصدر قبله على حاله، فيقول: مجد يشهري -وقاليقلوي- "والياء التي في صدر المركب حرف علة وليست للنسب" -وحضرموتي- وبندر شاهي
_________________
(١) ١ ستجيء ملحقاته في رقم ٢. ٢ يلحق به في الحكم السالف بعض ألفاظ، ليست مركبات إسنادية، ولكنها مثلة في النسب إلى الصدر، منها: لولا، حيثما، لوما، أينما، فقال في النسب إليها: لوي، بالتخفيف، حيثي لومي؛ بالتخفيف، أيني. ٣ الصدر في الكلمتين كاملا هو مجدي وقالي وفي النسب إلى "مجدي " يقال: مجدي بحذف ياء العلة، أو: مجدوي؛ بقلبها واوا، وذلك أن حذف العجز يجعل الياء في آخر الصدر، وهي ياء رابعة في اسم أصله منقوص، وحكم الياء الرابعة في المنقوص جواز حذفها عند النسب، وهو الأحسن، أو قلبها واوا قبلها فتحة "كما عرفنا في رقم ٥ من ص٧٢٠". ومثل هذا يقال في النسب إلى: "قالي ".
[ ٤ / ٧٤٠ ]
وهكذا. وحجته أن النسب بهذه الصورة يوضح المنسوب إليه، ولا يوقع في لبس. وهذا رأي حسن، ولعله أنسب الآراء اليوم.
وهناك صور مسموعة من النسب إلى أنواع المركب، تخالف ما تقدم، وقد حكموا عليها بالشذوذ، ومنع القياس عليها؛ كصوغهم: وزن "فعلل" "بفتح فسكون ففتح " من المضاف والمضاف إليه١ معا، والنسب إلى تلك الصيغة، كقولهم في: تيم اللات، وعبد الدار، وامرئ القيس الكندي، وعبد الله، وعبد شمس ، تيلمي، عبدري، مرقسي، عبقسي، عبشمي٢.
ب- النسب إلى جمع التكسير٣، وما في حكمه.
١- إذا أريد النسب إلى جمع التكسير، الباقي على دلالة الجمعية فالشائع٤ هو النسب إلى مفرده؛ فيقال في النسب إلى: بساتين، وكتبة، ومدارس، وحقول : بستاني، وكاتبي، ومدرسي، وحقلي.
فإن لم يبق جمعا لتكسير على دلالة الجمعية: بأن صار علما على مفرد، أو على جماعة واحدة معينة مع بقائه على صيغته في الحالتين وجب النسب إليه
_________________
(١) ١ وهذا نوع مما يسمى: النحت. ٢ وفي النسب إلى المركب يقول الناظم: وانسب لصدر جملة وصدر ما ركب مزجا، ولثان تمما-١٦ إضافة مبدوءة بابن أو أب أو ماله التعريف بالثاني وجب-١٧ المراد بالجملة: المركب الإسنادي، فإن كان جملة صدرها فعل، فهي فعلية، أو اسم فهي اسمية. وقد تبين باختصار أن النسب الشائع للمركب الإسنادي يكون لصدره، وكذلك للمركب المزجي. وأن النسب يكون للثاني "أي: للعجز" إذا كان متمما لمضاف هو: كلمة؛ ابن، أو أب، أو غيرهما مما يستفيد التعريف من الثاني؛ أي: من المضاف إليه على الوجه الذي شرحناه ثم صرح بأن النسب في المركب الإضافي عند أمن اللبس يكون للصدر في غير ما نص عليه أنه للعجز، قال: فيما سوى هذا انسبن للأول ما لم يخف لبس كعبد الأشهل-١٨ ٣ أما النسب إلى جمع المذكر السالم، أو جمع المؤنث السالم، أو المثنى، فقد سبق الكلام عليه مفصلا في ص٧٢٤ ما بعدها. ٤ عند البصريين -كما سيجيء.
[ ٤ / ٧٤١ ]
على لفظه وصيغته؛ فيقال في النسب إلى الجزائر -وهي الإقليم العربي المعروف في بلاد المغرب- وعلماء، وقراء، وأخبار، وأهرام، وتلول
"وكلها أعلام مشهورة في وقتنا" جزائري، علمائي، وأخباري، وأهرامي، وجبالي، وتلولي، كما يقال في النسب إلى جماعة اسمها: أنصار الدفاع، وأخرى اسمها: الأبطال ودولة اسمها: المماليك أنصاري، وأبطالي. ومماليكي، ولا يصح النسب إلى المفرد؛ منعا للإبهام واللبس؛ إذ لو قلنا: "الجزائري أو الجزري، وعالمي، وقارئي، وخبري، وهرمي، وجبلي، وتلي، وناصري، وبطلي، ومملوكي " لالتبس الأمر بين النسب إلى المفرد والنسب إلى الجمع.
فإن كان اللفظ معدودا من جموع التكسير؛ لمجرد أنه على وزن صيغة من صيغ التكسير. وليس له مفرد فإنه ينسب إليه على صيغته؛ نحو: عباديد، وشماطيط "وكلاهما بمعنى: جماعات متفرقة" والنسب إليهما: عباديدي، وشماطيطي.
هذا هو المذهب البصري الشائع. أما الكوفيون فيجيزون النسب إلى جمع التكسير الباقي على جمعيته مطلقا١. وحجتهم: أن السماع الكثير يؤيد دعواهم وقد نقلوا من أمثلته عشرات وأن النسب إلى المفرد يوقع في اللبس كثيرا؛ ورأيهم حسن مفيد. وقد ارتضاه المجمع اللغوي القاهري٢. فعندنا مذهبان صحيحان؛
_________________
(١) ١ أي: سواء أكن اللبس مأمونا عند النسب لمفرده؛ "نحو أنهاري، في النسبة إلى: نهر" أم غير مأمون، "نحو: جزائري، في النسبة إلى بلاد "الجزائر" المعروفة". ٢ جاء في الصفحة الرابعة من محاضر جلسات المجمع في دور انعقاده الثالث ما نصه بلسان رئيسه: يقول: "قرار المجمع بشأن النسبة إلى جمع التكسير عند الحاجة، كإرادة التمييز، ونحو ذلك: رأي المجمع في هذا أن النسبة إلى الجمع قد تكون في بعض الأحيان أبين وأدق في التعبير عن المراد من النسبة إلى المفرد. بهذا عدل عن مذهب البصريين القائلين بقصر النسبة على المفرد، إلى مذهب الكوفيين المترخصين في إباحة النسبة إلى الجمع؛ توضيحا وتبيينا". ا. هـ. وقد تضمنت الصفحتان العاشرة والحادية عشرة من محاضر ذلك الدور الأدلة العلمية والدواعي للقرار السالف وجاء في ختامها ما نصه: =
[ ٤ / ٧٤٢ ]
لا يفضل أحدهما الآخر في سياق معين إلا بالوضوح والبعد عن اللبس؛ فإذا أمن اللبس فالأفضل محاكاة المذهب الشائع؛ لأنه أكثر في الوارد الفصيح.
٢- وإذا أريد النسب إلى ما في حكم جمع التكسير من الكلمات الدالة على جماعة من غير أن ينطبق عليها تعريفه؛ ولا أن تسمى باسمه، أو تلحق به -وجب النسب إلى لفظها؛ فيدخل في هذا اسم الجمع١؛ كقوم، ورهط، والنسب إليهما: قومي ورهطي، ويدخل أيضا اسم الجنس الجمعي٢؛ الذي يفرق بينه وبين واحدة بالياء المشددة أو بالتاء، كترك، وروم، وشجر وورق ، والنسب إليها: تركي، ورومي، وشجري، وورقي وهذا نسب يوقع في لبس؛ لاشتراكه بين المفرد والجمع، فيكون التفريق والتعيين بالقرائن التي توضح نوع المنسوب إليه، وتحدده٣
ج- كثر في الأساليب الفصيحة المسموعة استعمال صيغة: "فعال" للدلالة على النسب٤ -بدلا من يائه- وكثر هذا في الحرف؛ فقالوا: حداد؛
_________________
(١) = "أهل الكوفة يخالفون أهل البصرة في مسألة النسبة إلى الجمع يرده إلى واحده؛ فيجيزون أن ينسب إلى جمع التكسير بلا رد إلى واحدة؛ فلا يغير الوضع. وهذا هو الأصل العام، وفيه إبداء لإرادة المتكلم؛ فيتميز المنسوب إلى الجمع من المنسوب إلى واحدة؛ فيقال مثلا في النسبة إلى الملوك: الملوكي، وفي النسبة إلى الدول: الدولي، وفي النسبة إلى الكتاب: الكتابي، فلا تستوي النسبة إلى الجمع والنسبة إلى واحدة. "ولقد كثر النسب إلى الجمع فيما مضى وغلب حتى جرى مجرى الأعلام؛ فمثلا قيل: الدوانيقي، لأبي جعفر المنصور الخليفة العباسي، وقيل لغيره: الكرابيسي، والأنماطي، والحاملي، والثعالبي، والجواليقي، واستمر النسب إلى الجمع على هذا النحو إلى الآن. والمجمع إنما ينسب إلى لفظ جمع التكسير عند الحاجة؛ كالتمييز بين المنسوب إلى الواحد، والمنسوب إلى الجمع ". ١ سبق تعريفه في ص٦٨٠. ٢ عند من يعتبره قسما مستقلا عن جمعا لتكسير -وقد سبق تعريفه في ج من ص٦٨١. ٣ فيما سبق من النسب إلى جمع التكسير يقول ابن مالك: والواحد اذكر ناسبا للجمع إن لم يشابه واحدا بالوضع-٢٤ والمراد بمشابهته للواحد بالوضع: أن يكون علما على واحد؛ كأنمار وذئاب، أو يشتهر في جماعة معينة حتى يصير بمنزلة العلم عليها؛ كالأنصار -وهم أهل المدينة من أنصار الرسول ﵇- فقد اشتهرت جماعتهم بهذا الاسم حتى صار علما عليها؛ فيكون النسب إليها: أنصاري. ٤ جعلوا منه قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، أي: بمنسوب إلى الظلم. وحجتهم أن =
[ ٤ / ٧٤٣ ]
لمن حرفته: "الحدادة"، ونجار؛ لمن حرفته: "التجارة"، وكذا لبان، ويقال، وعطار؛ ونحاس، وجمال، ونحوها من كل منسوب إلى صناعة معينة١
والأحسن الأخذ بالرأي القائل بقياس هذا في النسب إلى الحرف، لأن الكثرة الواردة منه تكفي للقياس.
ومن الجائز أن يزاد على آخره التاء للدلالة على المفردة المؤنثة، أو الجماعة، فيقال: الحدادة، والنجارة، واللبانة. والبقالة، والعطارة، والنحاسة، والجمالة، وكل هذا على إرادة المفردة المؤنثة، أو إرادة الجماعة، المقصود منها الجماعة الحدادة أو غيرها لأن الجماعة مؤنثة
ومن المسموع القليل في النسب صيغة. فاعيل، وفعل "بفتح فكسر" مرادا بهما: صاحب كذا فيقال تامر. وكاس، وصائغ، وحائك، بمعنى: صاحب تمر، وصاحب كساء، وصاحب صياغة، وصاحب حياكة ٢ ويقال: "طاعم، أو: طعم"، "ولابن، أو: لبن"، بمعنى: صاحب طعام، وصاحب لبن. ويقال: نهر، "أي: صاحب نهار". ومنه قول الشاعر:
_________________
(١) = صيغة: "فعال" هنا لو كانت للمبالغة لكان النفي منصبا على المبالغة وحدها؛ فيكون المعنى: وما ربك بكثير الظلم، فالمنفي هو الكثرة وحدها دون الظلم الذي ليس كثيرا. وهذا معنى فاسد؛ لأن الله لا يظلم مطلقا، لا كثيرا ولا قليلا. وممن قال بقياسية صيغة "فعال" "المبرد" من البصريين، ومعه فريق منهم، وفريق آخر من الكوفيين، خلافا لسيبويه. وبرأي القياسيين المخالفين لسيبويه أخذ مجمع اللغة العربية بالقاهرة. ١ وقد شاع اليوم استعمال: "فنان" في المنسوب إلى "الفن" الذي يراد به بعض الحرف المعينة؛ كالرسم، والتصوير، والغناء، والتمثيل ، ولا بأس بهذا الاستعمال، وإطلاق كلمة: "فنان" على من يمارس بعض هذه الفنون صناعة، ويتخذه حرفة له. ولا مانع من استعمال الكلمة أيضا في بعض معانيها اللغوية الأولى كالمبالغة وغيرها. مما يوافق اللغة، ويناسب السياق. ٢ الأمالي، ج١ ص١٨٥. ونقل صاحب المزهر -ج٢ ص١٧٥ باب: "فاعل"، بمعنى: صاحب كذا- ألفاظا أخرى، منها: خابز، وتارس، وفارس، وماحض، ودارع، ورامح، ونابل، وفاعل ، ومعناها: صاحب خبز، وترس، وفرس، ومحض "أي: لبن خالص" ودرع، ورمح، ونبل، ونعل
[ ٤ / ٧٤٤ ]
لست بليلي ولكني نهر لا أدلج الليل ولكن أبتكر
والأنسب الاقتصار على المسموع من هاتين الصيغتين. دون القياس عليهما؛ لقلة الوارد منهما، ولخفاء المعنى معهما١..
د- في النسب المسموع كثير من الأمثلة المخالفة للضوابط والأحكام السالفة. ويترتب على هذا أمران واجبان.
أولهما: الحكم بشذوذها؛ وعدم القياس عليها. ومنها: دهري في النسب إلى: دهر -ومروزي، في النسب إلى مدينة "مرو" الفارسية- وجلولي في النسب إلى. "جلولاء "اسم مدينة" ورازي، في النسب إلى مدينة: الري٢، وصنعاني في النسب إلى مدينة: صنعاء اليمينة وأميتي في النسب إلى أمية، وفوقاني وتحتاني في النسب إلى فوق وتحت، ورقباني وشعراني؛ لعظيم الرقبة، وكثير الشعر
لكنهم قالوا إن الكلام الفصيح المأثور يتردد فيه كثيرا زيادة ألف ونون قبل ياء النسب في بعض الكلمات؛ للدلالة على النسب ومعه شيء آخر؛ هو زيادة معنى الكلمة قوة، والمبالغة فيه؛ ومن تلك الكلمات لحياني، لطويل اللحية، وجماني لطويل الجمة، ورقباني لطويل الرقبة، وشعراني لطويل الشعر٣
_________________
(١) ١ وفي استخدام الصيغ الثلاث في أنسب بدلا من يائه يقول ابن مالك: ومع "فاعل"، و"فعال"، "فعل" في نسب أغنى عن "اليا"؛ فقبل-٢٥ وتقدير البيت: "وفعل" أغنى عن الياء في نسب، قبل من فاعل، وفعال فكلمة "فعل" مبتدأ، خبره الجملة الفعلية المكونة من الفعل الماضي: "أغنى" ومن فاعله. وكلمة: "مع" "حال من هذا الفاعل، والمراد من أنه أغنى مع فاعل وفعال أن هاتين الصيغتين معه في هذا الحكم، أي: يشتركان معه فيه، وليس المراد أن الثلاثة تجتمع في وقت واحد وجملة واحدة لتدل على النسب مجتمعة. ويفهم مما سبق أن الناظم يقبل قياسية الثلاثة في الدلالة على النسب، ولكن رأيه ليس بالأرجح. ٢ إحدى البلاد الفارسية قديما، في القسم المسمى: بالعراق العجمي. ٣ جاء في المقتضب، ج٣ ص١٤٤ في الهامش ما نصه في سيبويه ج٢ ص٨٩ "باب: ما يصير إذا كان عاما في الإضافة "أي: في النسب" على غير طريقته".. فمن ذلك قولهم في الطويل الجمة: جماني، وفي الطويل اللحية: اللحياني، وفي الغليظ الرقبة: رقباني. فإن سميت برقبة=
[ ٤ / ٧٤٥ ]
ومن النسب المسموع١ الخاضع للحكم السالف نوع آخر؛ يتميز بأن خففو فيه ياء النسب المشددة؛ فحذفو إحدى الياءين المدغمتين، وأتوا بدلها بألف للتعويض عنها قبل لام الكلمة؛ فقالوا في يمني: يماني٢، وفي شامي، شآمني؛ بياء واحدة فيهما ساكنة. وبصير الاسم بهذا منقوصا؛ تقول قام اليماني، ورأيت اليماني، ومررت باليماني، وتحذف الياء عند تنوينه٣.. وهكذا. ولأن هذه الألف عوض عن الياء لا يجتمعان إلا شذوذا في ضرورة الشعر٤.
ثانيهما: إذا سمي باسم شذت العرب في النسب إليه كبعض أمثلة الأمر الأول، فخرج باستعمالهم عن نطاق الضوابط العامة التي تراعى في النسب القياسي وجب إخضاعه لهذه الضوابط القياسية وحدها متى صار علما يراد النسب إليه، ولا اعتبار للنسب المسموع فيه قبل العلمية ٥.
هـ- إن كان المنسوب مؤنثا وجب الإتيان التأنيث بعد ياء النسب، للدلالة على تأنيثه إن لم يوجد مانع آخر؛ فيقال: قرأت بحوثا علمية وأدبية عميقة لفتيات عربيات، فيهن العراقية، والمصرية، واللبنانية، والسورية ٦.
_________________
(١) = أو جمة أو لحية، قلت: رقبي، وجمي، ولحوي. وذلك أن المعنى قد تحول. إنما أردت حيث قلت: "جماني: الطويل الجمة، وحيث قلت: "اللحياني": الطويل اللحية. فلما لم تعن ذلك أجرى مجرى نظائره التي ليس فيها ذلك المعنى؛ وقال في ص٧٠: "فهذا كبحراني وشبهه". ا. هـ. ثم جاء بعد ذلك مباشرة قول المحقق الذي أشرف على إخراج "المقتضب" ما نصه: "وفي "المخصص" أمثلة كثيرة لهذا النوع من النسب" ثم ذكر بعضا منها ودل على مواضعها في المخصص. والمفهوم من كل ما سبق أن تلك الزيادة لتحقيق الغرض المقصود منها كثيرة كثرة قد تبيح القياس عليها. ولهذا أوثر عدم الالتجاء إليها إلا حيث تشتد الحاجة للأخذ بها لتحقيق الغرض من الزيادة. ١ وفي النسب الشاذ ووجوب الاقتصار على الوارد منه، وعدم القياس عليه يقول الناظم في ختام الباب: وغير ما أسلفته مقررا على الذي ينقل منه اقتصرا التقدير: غير ما أسلفته اقتصر على الذي ينقل منه. أي: على الذي ورد منقولا عن العرب، مسموعا عنهم، ولا يزاد عليه بالمحاكاة أو القياس. ٢ الأحسن الاقتصار فيما يأتي على المسموع فقط. ٣ لهذه الكلمة بيان مفيد رقم ٣ من هامش ص٧١٦. ٤ راجع الهمع ج٢ ص١٩٨. ٥ راجع الأشموني. ٦ سبقت الإشارة لهذا في رقم ١ من هامش ص٧١٨ لمناسبة هناك.
[ ٤ / ٧٤٦ ]
المسألة: التصريف
مدخل
المسألة ١٨٠: التصريف:
تعريفه:
يراد به هنا: "التغيير الذي يتناول صيغة الكلمة وبنيتها؛ لإظهار ما في حروفها من أصالة، أو زيادة، أو حذف، أو صحة، أو إعلال، أو إبدال١، أو غير ذلك من التغيير الذي لا يتصل باختلاف المعاني".
فليس من التصريف؛ عند جمهرة النحاة، تحويل الكلمة إلى أبنية مختلفة؛ لتؤدي معاني مختلفة، "كالتصغير، والتكسير، والتثنية، والجمع، والاشتقاق " ولا تغيير أواخرها لأغراض إعرابيه، فإن هذا التغيير وذلك التحويل يدلاخن في اختصاص "النحو" وبحوثه عند تلك الجمهرة.
يختص التصريف بالأسماء العربية المتمكنة، والأفعال المتصرفة؛ فلا شأن له بالأسماء الأعجمية، ولا بالأسماء العربية المبنية؛ كالضماء، ولا بالأفعال الجامدة، كعسى وليس. ولا بالحروف بأنواعها المختلفة.
وليس بين الأسماء المتمكنة ولا الأفعال المتصرفة ما يتركب من أقل من ثلاثة أحرف، إلا إن كان بعض أحرفه قد حذف. مثل: يد، وقل، وم الله٢.. والأصل: يدي، وقول، وايمن الله وهذا هو المراد من قولهم:
لا يوجد التصريف في كلمة تقل أحرفها عن ثلاثة في أصلها، قبل حذف شيء منها٣
_________________
(١) ١ للإعلال والإبدال باب خاص في ص٧٥٦. ٢ يذكر هذا في القسم. وأصله: ايمن الله؛ جمع: يمين. ٣ فيما سبق يقول ابن مالك في باب عنوانه: "التصريف": حرف وشبهه من الصرف بري وما سواهما بتصريف حري-١ المراد: بشبه الحرف: الأسماء المبنية، والأفعال الجامدة؛ لأن هذين النوعين يشبهان الحرف في الجمود والبناء. وكلمة: "برى" أصلها: برئ؛ بمعنى: خلا وابتعد. وحري، أصلها: حري أو حر، بمعنى: جدير ومستحق. ثم قال: وليس أدنى من ثلاثي يرى قابل تصريف سوى ما غيرا-٢
[ ٤ / ٧٤٧ ]
المجرد والمزيد من الأسماء والأفعال:
ينقرد الاسم إلى مجرد ومزيد؛ فالمجرد: "ما كانت أصلية، ليس فيها شيء من أحرف الزيادة التي يجمعها قولك: "سألتمونيها" ولكل منها علامة يعرف بها -وستجيء.
والمزيد: "ما اشتمل على بعض أحرف الزيادة". ويعرف الحرف الزائد، بالاستغناء عنه، في بعض التصريفات، مع تأدية الكلمة بعد سقوطه معنى مفيدا. أما الأصل فلا يمكن الاستغناء عنه؛ إذ لا تؤدي الكلمة معنى مقصودا بعد -في الأغلب١.
والاسم المجرد قد يكون ثلاثيا، نحو: حجر، وقد يكون رباعيا؛ نحو: جعفر، أو حماسيا؛ نحو: سفرجل، ولا يزيد الاسم المجرد على خمسة أحرف.
والاسم المزيد٢ قد تكون زيادته حرفا واحدا على أصوله الثلاثة؛ كالألف في: كتاب، وقد تكون حرفين؛ كالألف والميم في: مكاتب. وقد تكون ثلاثة: كالميم والسين والتاء في: مستكتب، وقد تكون أربعة؛ كالهمزة، والسين، والتاء، والألف، في: استكتاب. ولا يتجاوز الاسم المزيد سبعة أحرف٣
والزيادة التي تدخل الأسماء الجامدة مقصورة -في الغالب- على السماع الوارد عن العرب.
أما الفعل فمجرده إما ثلاثي؛ نحو: خرج، وإما رباعي، نحو: دحرج وليس للرباعي وزن آخر، ولا يتجاوز المجرد هذا.
ومزيد الفعل٢ قد تكون زيادته حرفا على ثلاثي الأصول؛ نحو: خارج، أو حرفين نحو: تخارج، أو ثلاثة؛ نحو: يتخارج، وقد تكون زيادته حرفا على رباعي الأصول؛ نحو: يدحرج، أو حرفين، نحو: يتدحرج، ولا يتجاوز
_________________
(١) ١ قد تؤدي أحيانا بعد الحذف معنى، ولكنه معنى يخالف ما كانت تؤديه قبل الحذف، كحذف الجيم، أو الفاء من: جعفر ٢ و٢ ملاحظة: تجيء حروف الزيادة في الأسماء والأفعال لتجلب معها بعض المعاني الجديدة التي لم تكن قبل مجيئها. وقد شرحنا هذا تفصيلا، وسردنا تلك المعاني في الجزء الثاني باب: تعدي الفعل ولزومه م٧١ ص١٥٢، و١٥٧ وما بعدها. ٣ وفي هذا يقول ابن مالك: ومنتهى اسم خمس إن تجردا وإن يزد فيه فما سبعا عدا-٣ "أي: فما جاوز سبعا".
[ ٤ / ٧٤٨ ]
الفعل بالزيادة ستة١ أحرف.
والزيادة التي تدخل الأفعال المختلفة، وأنواع المشتقات لأداء معنى معين، قياسية بالطريقة التي تشير اللغة بها.
أبنية الاسم الثلاثي المجرد "أي: صيغة"، والفعل الثلاثي المجرد.
أ- الاسم الثلاثي المجرد يكون مفتوح الأول، أو: مضمومه، أو مكسوره، ولا يكون ساكنا، أما ثانيه فقد يكون مفتوحا، أو مضموما، أو مكسورا، أو ساكنا. فالصور العقلية التي تحدث منه هذا: اثنتا عشرة صورة؛ لأن فتح الأول قد يكون مع فتح الثاني أو ضمه، أو كسره، أو سكونه، فهذه صور أربع، وضم الأول يكون من الحالات الأربع في الثاني، فتنشأ صور أربع أخرى. وكسر الأول قد يكون مع الحالات الأربع في الثاني، فتنشأ صور أربع أيضا، فمجموع هذه الصور اثنتا عشرة، كما قلنا: أما آخر الثلاثي فلا صلة له بما قبله، لأنه متصل بالإعراب وعلاماته.
وجميع هذه الصور العقلية واقعية؛ أي: لها ألفاظ عربية كثيرة تؤيديها، إلا صورتان، إحداهما ممنوعة في الرأي الأرجح وهي الصورة التي يكون فيها أول الاسم مكسورا وثانيه مضموما. والأخرى قليلة، وهي عكس السالفة "أي: يكون الاسم فيها مضموم الأول مكسور الثاني، مثل: دئل؛ اسم قبيلة" وما عدا هاتين صحيح فصيح، نحو: فرس، عضد، كبد، صخر". ونحو: "صرد، عنق، دئل، قفل" ونحو "عنب، حبك٢، إبل، علم "٣.
_________________
(١) ١ وفي هذا يقول ابن مالك: منتهاه أربع إن جردا وإن يزد فيه فما ستا عدا-٧ وسيعاد البيت في ص٧٥٠، لمناسبة هناك. ٢ هذه هي الصيغة المرجح أنها الممنوعة أو المهملة. وقيل منها: الحبك -بكسر فضم- جمع: حباك، لنوع من الحبال القوية. ودروع الحديد، وطرق النجوم. ٣ يقول ابن مالك: وغير آخر الثلاث افتح، وضم واكسر، وزد تسكين ثانيه تعم-٤ =
[ ٤ / ٧٤٩ ]
ب- أما الفعل الماضي الثلاث المجرد فأبنيته أربعة، لأن أوله مفتوح دائما إلا حين بنائه للمجهول، أما ثانيه فقد يكون مفتوحا، أو مكسورا، أو مضموما، فالثلاثة المبنية للفاعل هي: "فعل كنظر"، "وفعل كعلم"، "وفعل كحسن وشرف. وأما الصيغة التي يبنى فيها للمجهول فهي: فعل، كعرف"١.
أوزان الاسم الرباعي المجرد "ولا بد أن يكون ثانيه ساكنا".
له ستة أوزان:
أ- فعلل -بفتح، فسكون، ففتح؛ نحو: جعفر.
ب- فعلل -بكسر، فسكون، فكسر؛ نحو: قرمز.
ج- فعلل -بكسر، فسكون، ففتح؛ نحو: درهم.
هـ- فعل -بكسر، ففتح، فتشديد اللام؛ نحو: هزبر.
وفعلل -بضم، فسكون، ففتح اللام الأولى؛ نحو: جخدب٢.
_________________
(١) = غير آخر الثلاثي، هو: أوله وثانيه؛ فيجوز في كل منهما الفتح، والضم، والكسر، ويزيد الثاني بجواز تسكينه. ثم قال: وفعل أهمل، والعكس يقل لقصدهم تخصيص فعل بفعل-٥ أي: أن العكس قليل؛ لأن العرب أرادت أن تخصص صيغة فعلية بفعل؛ أي: بالفعل الماضي، الثلاثي، المبني للمجهول. ١ يقول ابن مالك: وافتح، وضم واكسر الثاني من فعل ثلاثي، وزد نحو: ضمن-٦ ثم ساق بعد هذا بيتا سبق شرحه -في ص٧٤٩- وهو: ومنتهاه أربع إن جردا -٧ أما الفعل الرباعي المجرد فليس له إلا وزن واحد -كما سبق- هو فعلل؛ مثل: دحرج، ودريح، بمعنى: ذل ٢ للطويل الرجلين، واسم حشرة.
[ ٤ / ٧٥٠ ]
أوزان الاسم الخماسي المجرد أربعة:
أ- فعلل -بفتح، ففتح، فلام مشددة، فأجرى غير مشددة، نحو: سفرجل.
ب- فعللل -بفتح أوله، وسكون ثانيه، وفتح ثالثه، وكسر رابعه ثم لام بعده، نحو: جحمرش١.
ج- فعلل -بضم أوله، وفتح ثانيه، فلام ساكنة مدغمة في نظيرتها المكسورة، فأخرى بعدا لمدغمتين، نحو: قدعمل٢.
د- فعلل -بكسر أوله، وسكون ثانيه، وفتح اللام الأولى، فتشديد الأخيرى -نحو؛ قرطعب٣.
هذا والحرف الأصلي هو الذي يلزم في جميع تصريفات الكلمة، ولا تؤدي المعنى المقصود بدونه، والزائد هو الذي يمكن الاستغناء عنه -كما سبق٤.
كيفية الوزن:
لا تقل أصول الاسم الخالي من الحذف عن ثلاثة أحرف، نحو: قمر، يرمز لكل منها برمز يسمى به، فيسمى الأول منها: "فاء الكلمة"، والثاني: "عين الكلمة"، والثالث: لام الكلمة"؛ فيقال في قمر: إنها على وزن:
_________________
(١) ١ العجوز، والأفعى الضخمة. ٢ الضخم من الإبل. ٣ للشيء الحقير. ٤ في ص ٧٤٨. وفي أوزان الرباعي والخماسي المجردين يقول ابن مالك: لاسم مجرد رباع فعلل وفعلل وفعلل وفعلل-٨ ومع فعل فعلل، وإن علا فمع فعلل حوى فعلللا-٩ كذا فعلل وفعلل وما غاير. للزيد أو النقص انتمى-١٠ والحرف إن يلزم فأصل. والذي لا يلزم: الزائد؛ مثل: "تا" احتذي-١١ وقد سبقت الإشارة إلى معنى البيت الأخير في أول الباب -ص٧٤٨.
[ ٤ / ٧٥١ ]
فعل؛ فإن بقي بعد هذه الثلاثة حرف أصلي عبر عنه رمزا باللام أيضا، وتكرر اللام على حسب الأصول التي بعد الثلاثة الأولى. وإن كان في الكلمة حرف زائد عبر عنه بنصه ولفظه، مع مراعاة ترتيبه. وبناء على هذا يكون وزن: قفل، هو: فعل. ووزن جعفر، هو: فعلل، ووزن فستق١، هو: فعلل، أما وزن جوهر، فهو: فوعل. ووزن خارج، هو: فاعل، ووزن مستخرج، هو: مستفعل.
وإن كان الحرف الزائد على أصول الكلمة حرفا مكررا لحرف أصلي وجب النطق بالحرف الأصلي المكرر دون النطق بالحرف الزائد نفسه. فتقول في وزن كرم. فعل. وفي واغدودن: افعوعل، بالتعبير الرمزي عن الحرف المكرر بمثل التعبير عن الأول، ولا يصح أن يقال فيهما: فعرل، ولا افعودل٢
وإذا كان المكرر في رباعي فاؤه ولامه الأولى معا من جنس واحد، وعينه ولامه الثانية معا من جنس آخر، ولم يكن أحد الأحرف المكرر صالحا للسقوط فهذا النوع محكوم على حروفه كلها بالأصالة، وليس فيها زائد. ومن الأمثلة له: سمسم، وضمضم٣ فإن صلح أحد الحروف المكررة للسقوط "نحو: لملم، وكفكف؛ أمران ماضيهما: لملم وكفكف، حيث يصح أن يقال: لم، وكف بإسقاط اللام الثانية والكاف الثانية"، ففي الحكم عليه خلاف لا يعنينا٤
_________________
(١) ١ على اعتبار حروفه كلها أصلية. ٢ وهذا هو المراد من قول ابن مالك: بضمن فعل قابل الأصول في وزن. وزائد بلفظه اكتفي-١٢ وضاعف اللام إذا أصل بقي كراء: جعفر"، وقاف "فستق"-١٣ وقوله: وإن يك الزائد ضعف أصلي فاجعل له في الوزن ما للأصل-١٤ ٣ علم. ٤ يقول ابن مالك: واحكم بتأصيل حروف سمسم ونحوه. والخلف في: "كلملم"-١٥
[ ٤ / ٧٥٢ ]
أحرف الزيادة، وعلامة الحرف الزائد، وبيان المعنى الذي يؤديه:
أ- أحرف الزيادة عرة يجمعها لفظ: "سألتمونيها" -كما عرفنا- ولكل منها علامة تساعد على معرفة أنه زائد.
فالألف إذا صاحبت ثلاثة أحرف أصلية وجب الحكم بزيادها؛ نحو: ظافر -راغب. فإن صحبت أصلين فليست زائدة١
ويحكم بزيادة الياء والواو إذا صحبت كل منهما ثلاثة أحرف أصلية، نحو: صيرف، وجوهر، ويعمل٢، وعجوز. ويستثنى من هذا. الثنائي المكرر؛ مثل: يؤيؤ٣ ووعوعة٤ فإنهما فيه أصليتان٥
ويحكم بزيادة الهمزة والميم إن تصدرتا، وبعد كل منهما ثلاثة أحرف أصلية، مثل: أبرع، ومعدن. فإن جاء بعدما أقل من الثلاثة أو كثر فالهمزة والميم أصليتان؛ نحو إبل، وإصطبل٦.
ويحكم على الهمزة -أيضا- بالزيادة إذا وقعت آخر الكلمة وقبلها ألف مسبوقة بثلاثة أصول، أو أكثر نحو: حمراء، خضراء، عاشوراء. فإن تقدم على الألف حرف أصلي أو حرفان فالهمزة ليست زائدة٧؛ نحو: ماء، هواء
وتكون النون زائدة إذا وقعت آخر الكلمة وقبلها ألف مسبوقة بثلاثة أصول أو
_________________
(١) ١ يقول ابن مالك: فألف أكثر من أصلين صاحب زائد. بغير مين-١٦ "المين= الكذب". ٢ الجمل القوي على العمل. ٣ اسم طائر. ٤ مصدر: وعوع. ٥ ويقول ابن مالك: واليا كذا، والواو، إن لم يقعا كما هما في: يؤيؤ، ووعوعا-١٧ ٦ وهذا معنى قول ابن مالك: وهكذا همز وميم سبقا ثلاثة تأصيلها تحققا-١٨ ٧ يقول ابن مالك: كذا همز آخر بعد ألف أكثر من حرفين لفظها ردف-١٩
[ ٤ / ٧٥٣ ]
أكثر؛ فحكمها في هذا حكم الهمزة، نحو: عثمان، زعفران، طيلسان. إلا إذا كان قبل الألف حرف مشدد أو حرف لين، كحسان وعقيان، فالنون فيهما تحتمل الأصالة والزيادة.
ويحكم على النون -أيضا- بالزيادة إذا توسطت أربعة أحرف، قبلها اثنان وبعدها اثنان؛ نحو غضنفر، وعقنقل١..
ويحكم بزيادة التاء إذا كانت للتأنيث، أو للمضارعة، أو للاستفعال وفروعه، أو للمطاوعة، نحو: فاضلة، تقوم، تستغفر ونحو: علمته فتعلم، ودحرجته فتدحرج..٢.
وتزاد "السين" باطراد مع التاء في صيغة "الاستفعال" وفروعه. أما في غيره فسماعية٣.
وتكون الهاء زائدة في الوقف في حالات؛ منها: الوقف على "ما" الاستفهامية المجرورة؛ نحو: لمه؟ والوقف على فعل الأمر المحذوف الآخر، في نحو: ره؛ بمعنى انظر "وماضيه هو: رأى"، والوقف على المضارع المحذوف الآخر للجزم؛ فينحو: لم تره. وعلى كل مبنى على حركة لازمة ليست طارئة؛ فاللازمة نحو: كيفه، وهوه. والطارئة كالتي في المبني الذي يضاف وقد انقطع عن الإضافة؛ مثل: قبل، وبعد، وكالتي في اسم "لا"، والمنادى المبني؛ لأن حركة البناء في هذه الأشياء عارضة. لسبب قد يزول. ويحكم بزيادة اللام في أسماء الإشارة؛ نحو: ذلك، وتلك، وهنالك ٤.
_________________
(١) ١ من معانيه: الوادي الكبير المتسع، والرمل المتراكم. يقول ابن مالك: والنون في الآخر كالهمز، وفي نحو: عضنفر أصالة كفي-٢٠ التقدير: كفى النون أصالة بمعنى: استكفى وامتلأ ٢ يقول الناظم: والتاء في التأنيث والمضارعه ونحو: الاستفعال والمطاوعه-٢١ ٣ ومن المسموع زيادتها في "قدموس"، بمعنى عظيم وفي أسطاع يسطيع -بهمزة القطع- بمعنى: أطاع يطيع. ٤ وفي هذا يقول ابن مالك: الهاء وقفا؛ كلمه؟ ولم تره واللام في الإشارة المشتهرة-٢٢ وتقدير الشطر الثاني: واللام المشتهرة في الإشارة، أي: زيادتها مشتهرة في الإشارة. فاللام مبتدأ. "المشتهرة مبتدأ ثان، خبره الجار والمجرور، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر الأول، أي: واللام زيادته المشتهرة كائنة في الإشارة".
[ ٤ / ٧٥٤ ]
هذا، ويقول النحاة: إذا خلا حرف من أحرف الزيادة من العلامة الدالة على زيادته وجب الحكم أصالة إلا إن قام دليل آخر يصلح حجة على الزيادة؛ ومن ذلك سقوط همزة: "شمأل" في بعض الأساليب الصحيحة التي منها: شملت الريح شمولا؛ بمعنى: هبت شمالا، ومن ذلك سقوط نون "حنظل" في قولهم: حظك الإبل إذا أضرها أكل الحنظل، ومنها، سقوط تاء الملكوت١ في كلمة: الملك ٢.
ب- لكل حرف من حروف الزيادة معنى يؤديه، وفائدة يجلبها معه٣؛ فزيادة الهمزة في أول الفعل الثلاثي قد تفيد نقل معنى الفعل إلى مفعوله، ويصير بها الفاعل مفعولا؛ مثل خفي القمر، وأخفى السحاب القمر. وتضعيف عين الفعل الثلاثي -غير الهمزة- قد تفيد التكرار والتمهل، نحو: علمت الراغب، وبصرته بالحقائق. وتحويل الفعل إلى صيغة: "فاعل" قد تفيد الدلالة على المشاركة. وزيادة السين والتاء على الفعل الثلاثي قد تفيد الطلب، أو الصيروة، أو النسبة إلى شيء آخر.. إلى غير هذا مما سبق بيانه الهام مفصلا في موضعه المناسب ٣.
_________________
(١) ١ العز والمملكة. ٢ وفي هذا يقول الناظم خاتما باب التصريف: وامنع زيادة بلا قيد ثبت إن لم تبين حجة؛ كحظلت-٢٣ تتمة -أي: تتبين. ٣ و٣ أشرنا إلى هذا في رقم ٢ من هامش ص٧٤٨ بعنوان: "ملاحظة" حيث ما نصه "تجيء حروف الزيادة في الأسماء والأفعال لتجلب معها بعض المعاني الجديدة التي لم تكن قبل مجيئها. وقد شرحنا هذا تفصيلا، وسردنا تلك المعاني في باب: "تعدي الفعل ولزومه"، ج٢ م٧١ ص١٥٢ و١٥٧ وما بعدها.
[ ٤ / ٧٥٥ ]
المسألة ١٨١: الإعلان والإبدال
المسألة ١٨١: الإعلال والإبدال ١
من المصطلحات اللغوية الشائعة أربعة ألفاظ؛ لكل منها مدلوله الخاص، وضوابطه وأحكامه. وهذه الأربعة هي: الإعلال، القلب، الإبدال، العوض. وفيما يلي البيان:
١- الإعلال، والمراد به: تغيير يطرأ على أحد أحرف العلة الثلاثة "و، أ، ي"
_________________
(١) ١ ملاحظة هامة: أحكام هذا الباب وضوابطه كثيرة، والإلمام بها عظيم النفع، جليل الفائدة؛ شأن نظائرها من القوانين العامة المطردة، غير أن الضوابط والأحكام هنا لا تنطبق على لغات ولهجات عربية قديمة متعددة، حمل السماع الصحيح إلينا كثيرا من ألفاظها الخارجة على تلك القوانين، وليس هذا بعجيب في لغة كلغتنا كانت أداة تفاهم بين قبائل متباعدة، وجماعات متباينة في كثير من الشئون التي تؤدي إلى اختلاف في اللهجات محتوم. وليس هذا الاختلاف مقصورا على مسائل الإعلال والإبدال، ولكنه أظهر وأوضح فيها، وفي بعض مسائل أخرى عرضنا لها في أبوابها الخاصة؛ كالتكسير، وأبنية المصادر، والصفات المشبهة وواجب الحرص على لغتنا. والعمل على أن تكون أداة قوية ناهضة بمهمتها في البيان الجلي، والتوحيد اللغوي الهام يقتضينا أن نأخذ بالمطرد، ونقيس عليه وحده، من غير توقف ولا تردد، ومن غير سعي -في المراجع والمطولات- وراء المسموع لننتزعه من مخابئه، ونستعمله على الوجه الوارد به. دون الانتفاع بالمطرد، وبالقياس عليه، فإن السعي وراء المسموع للاعتماد عليه وحده في الاستعمال، دون أخذ ما يقتضيه القياس المطرد، عبث وخطة عرجاء، بل فاسدة؛ يقصر الجهد والوقت دون العمل بها. ويتعذر الوم تطبيقها، والنجاح فيها. فليس من الخير الانصياع لها. إنما الخير كله في الأخذ بالرأي الحكيم النافع الذي ينادي باستخدام القاعدة، ما دامت قاعدة، وبتعميمها، سواء أعرف المتكلم الحكم السماعي المخالف لها أم لم يعرفه -وما أكثر الذين لا يعرفون- وتكليفهم معرفته دائما يكتب بما لا يستطاع. لكن إذا عرف المتكلم الأمر السماعي المختلف جاز أن يكتفي به. ويقتصر عليه مع تركه القاعدة، وجاز أن يستخدم القاعدة إن شاء، ولكن ليس له أن يتوسع في المسموع المخالف للقاعدة فيطبقه في ألفاظ أخرى غير التي ورد السماع بها، بل يجب أن يقف عندما ورد السماع به. دون أن يزيد عليه، ما دامت القاعدة المطردة موجودة، والحكم العام قائما. وبغير هذا نسيء إلى لغتنا، وتحمل الراغبين فيها على النفور منها، وننسى أو نجهل الأساس الذي قام عليه الاطراد والقياس، ونقضي على الحكمة منهما. وقد كررنا هذا في أجزاء الكتاب المختلفة، لمناسبات تدعو إلى التكرار؛ لأهمية الأمر، وجلال شأنه، وسردنا أدلة الأئمة المعارضين والموافقين، وانتهينا في الترجيح إلى الرأي السالف المدون في مواطن مناسبة، ولا سيما الجزء الثالث باب أبنية المصادر م٩٨. هذا وقد سبق هنا -في ص٦٣٤- بيان معنى المطرد، والكثير والغالب. و و وما يصح من تلك الأشياء أن يقاس عليه، وما لا يصح وكذلك معنى القلة والكثرة، وتحديدها عدديا
[ ٤ / ٧٥٦ ]
وما يلحق بها -وهو: الهمزة- بحيث يؤدي هذا التغير إل حذف الحرف، أو تسكينه، أو قلبه حرف آخر من الأربعة، مع جريانه في كل ما سبق على قواعد ثابتة، يجب مراعاتها. ومن الأمثلة: صوغ اسم المفعول من الفعل: "قال" وهو: "مقول". والأصل: مقوول "بضم الواو الأولى". فقلت الضمة إلى الساكن قبلها. وهذا يسمى: "إعلالا بالنقل" وترتب عليه تسكين حرف العلة الأول. واجتماع حرفين ساكنين متواليين لا يصح اجتماعهما؛ فحذف الأول منهما: وهذا يسمى: "إعلالا بالحذف"؛ وصارت الكلمة إلى: مقول، بعد هذين النوعين من الأعلال، وتحقق شروطهما.
وكالفعل: "قال"، وأصله: "قول" بفتح الواو، قلبت ألفا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها؛ فصار الفعل: قال، وهذا: "إعلال بالقلب".
وفيما يلي بيانه:
٢- القلب ومعناه: تحويل أحد الحروف الأربعة السالفة إلى آخر منها؛ بحيث يختفي أحدها ليحل محله غيره من بينها؛ طبقا لضوابط محددة يجب الخضوع لها، كقلب الواو ألفا في المثال السالف، وقلب الواو المتوسطة ياء بعد كسرة في مثل: صيام، والأصل: صوام. وكقلب الياء همزة لوقوعها متطرفة بعد ألف زائدة. بناء، والأصل: بناي و
وهذا النوع من التحويل أو القلب شائع مطرد؛ لأنه يخضع -في الأغلب- لقواعد عامة يجري على مقتضاها، فإذا عرفت أمكن الوصول إلى قلب الحرف الذي تنطبق عليه، وسهل الاهتداء إلى أصله إن كان منقلبا عن غيره. وهذا الباب معقود لعرضها، وبيان أحكام القلب الشائع المطرد، أما غير المطرد فمقصور على السماع.
٣- الإبدال. ومعناه: حذف حرف، ووضع آخر في مكانه، بحيث يختفي الأول، ويحل في موضعه غيره، سواء أكان الحرفان من أحرف العلة -كالأمثلة السالفة- أم كانا صحيحين، أم مختلفين. فهو أعم من "القلب"؛ لأنه يشمل "القلب" وغيره؛ ولهذا يستغنون بذكره عن القلب، ومن أمثلة الصحيحين قول
[ ٤ / ٧٥٧ ]
بعض العرب في: "وكنة١، وربع وتلعثم".. وقنة. وربح، وتلعذم. بقلب الكاف قافا. والعين جاء؛ والثاء ذالا. وأغلب هذا النوع من إبدال الحروف الصحيحة مقصور على السماع؛ لقلته. والأمر في معرفته موكول إلى المراجع اللغوية وحدها؛ إذ ليس له ضابط عام، ولا قاعدة مطردة. وقليل منه قياسي؛ كإبدال الدال والطاء من تاء الافتعال؛ وسيجيء٢.
ومثال المختلفين قولهم: كساء، وخطايا٣. والأصل: كساو، وخطاءا قلبت الواو همزة في المثال الأول. وقلبت الهمزة ياء في المثال الثاني؛ طبقا لقواعد عامة مضبوطة -في الأغلب- تختص بهذا النوع، ومن الممكن أن يعتمد عليها من يريد إجراءه، وكذلك من يريد الاهتداء إلى نوع الحرف الذي اختفى، وحل غيره محله، وهذا النوع من الإبدال قياسي مطرد، وموضع ضوابطه وقواعده هذا الباب أيضا.
وهناك أنواع أخرى من الإبدال توصف بأنها نادرة، أو لهجات قليلة لبعض العرب، أو مهجروة أو غيرها هذا مما لا يعنينا هنا، فالذي يعنينا هو: "الإبدال الشائع"، أي: المطرد، الواجب إجراؤه بين حروفه معينة، وهو القياسي الذي يخضع للضوابط والقواعد العامة، ويسمونه اصطلاحا: "الإبدال الصرفي الشائع"، أو: "الإبدال الضروري، أو: اللازم"، أي: الذي لا بد من إجرائه متى تحققت ضوابطه وشروطه. ويكتفون بتسميته: "الإبدال" لأنه؛ المقصود وحده عند الإطلاق؛ بسبب قياسيته، واطراده؛ ووجوب إجرائه، فمتى ذكر اسمه من غير تقييد كان هو المراد، وكان في ذكره غني عن ذكر: "القلب".
٤- العوض، أو: التعويض، ومعناه: حذف حرف، والاستغناء عنه بحرف آخر من غير تقيد في أحدهما بحرف معين، ولا اشتراط أن يحل العوض في المكان الذي خلا بحذف الأصيل؛ فقد يكون في موضعه؛ كزيادة الياء قبل الآخر في تصغير: "فرزدق" عوضا عن الدال، حيث يقال: فريزيق -جوازا- ومثل: "عدة"، وأصلها: وعد؛ حذفت الواو من الأول وجاءت
_________________
(١) ١ عش الطائر. ٢ في ص٧٩٢ و٧٩٣. ٣ يجري على هذه الكلمة ونظائرها عدة تغيرات ستجيء في ص٧٦٧.
[ ٤ / ٧٥٨ ]
تاء التأنيث في آخر الكلمة؛ عوضا عنها. ومثل: "اسم"، وأصلها: سمو١: حذفت الواو من آخر الكلمة، وجاءت همزة الوصل عوضا منها في أولها وهكذا.
والمعول عليه في معرفة العوض والمعوض عنه هو المراجع اللغوية المشتملة على الألفاظ التي وقع فيها التعويض السماعي الوارد عن العرب؛ إذ ليحس للتعويض قواعد مضبوطة تدل عليه.
لكن مما يشكف عن التعويض في حروف الكلمة ويرشد إليه، الرجوع إلى جموع التكسير، أو المصادر، أو التصغير، أو نحو هذا مما يرد الأشياء إلى أصولها -وقد سبق النص على كل منها في بابه الخاص- كالاهتداء إلى أن همزة: "ماء" منقلبة عن "الهاء" من الرجوع إلى جمع تكسيرها؛ وهو: مياه، وأمواه؛ حيث ظهرت فيه "الهاء" فكان ظهورها دليلا على أنها أصل للهمزة في: "ماء" وكثير من هذا الجموع والمصادر والمصغرات مرجعه كتب اللغة. ونصوص ألفاظها؛ فمن العسير الاسترشاد في أمر التعويض بغير النصوص اللغوية.
الملخص:
من كل ما سبق يتبين:
١- أن العوض؛ لا يتقيد بحرف علة أو صحيح، ولا بمكان معين من الكلمة. والإبدال القياسي يتقيد بموضع المحذوف، والإعلال القياسي يتقيد بأحرف العلة. والقلب نوع من الإعلال.
٢- وأن للإبدال الصرفي الشائع "أي: القياسي" وللإعلال ضوابط وقواعد عامة، يمكن -في الأغلب- الاعتماد عليها في إجرائهما إجراء مطردا واجبا، وفي معرفة نوع الحرف الذي تغير بسببهما. أما التعويض وبعض أنواع الإبدال غير الشائع "أي: غير القياسي" فالاعتماد في فهمهما مقصور على المراجع اللغوية؛ إذ ليس لهما ضوابط ولا قواعد عامة.
٣- وأن المراد من لفظ الإبدال عنده ذكره بغير تقييد هو ما يسمى: "الإبدال الصرفي الشائع، أو الضروري، أو اللازم". وسيجيء بيانه.
_________________
(١) ١ بضم السين وكسرها.
[ ٤ / ٧٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
١- من المصطلحات التي تتردد في هذا الباب وفي غيره، وهنا المكان الأنسب لإيضاحها والإحالة عليه: "أحرف العلة، والمد، واللين"، "المعتل والمعل"، "المعتل الجاري مجرى الصحيح".
فأما أحرف العلة فثلاثة؛ هي: الألف، والواو، والياء. فإن سكن أحدهما وقبله حركة تناسبه فهو حرف: "علة، ومد، ولين" نحو: قام، يقوم، أقيم.
وإن سكن ولم يكن قبله حركة تناسبه فهو: في المشهور، "حرف علة ولين"؛ نحو: قول - بين وإن تحرك فهو حرف: "علة" فقط؛ نحو: حور، وهيف.
والألف لا تكون إلا حرف علة، ومد، ولين، دائما.
٢- اللفظ المعتل عند النحاة، هو: الذي لامه١ حرف علة، وأما عند الصرفيين فيغلب إطلاقه على ما فيه حرف علة أو أكثر بغير تقييد بالآخر أو غيره.
أما المعل عند الصرفيين فهو المشتمل على حرف علة بشرط أن يكون هذا الحرف قد أصابه تغيير؛ نحو: صام، وهام؛ فإن أصلهما؛ صوم وهيم، ثم انقلبت الواو والياء ألفا.
٣- وأما المعتل الجاري مجرى الصحيح فهو ما آخره ياء أو واو متحركتان، قبلهما ساكن، سواء أكانتا مشددتين "نحو: مرمي، كرسي، مغزو، ومجلو " أم مخففتين؛ "نحو: ظبي، حلو " فيدخل في المشدد ما كان مختوما بياء مشددة للإدغام، نحو مرمي، أو للنسب هو: عربي، أو لغيرهما نحوك كركي "اسم طائر" ٢.
_________________
(١) ١ حرفه الأخير. ٢ سبقت الإشارة للأنواع السالفة وأحكامها "في هامش ص٦٦١ و٧٢٢" وفي مواضع متعدد من أجزاء الكتاب، "منها ج١ ص١٢١ م١٥، ج٢ ص٨٦ م٦٨ ".
[ ٤ / ٧٦٠ ]
المسألة ١٨٢: أحرف الإبدال. وضوابطه
ينحصر "الإبدال الصرفي اللازم"١ في تسعة أحرف؛ يبدل بعضها من بعض؛ هي: "الهاء، الدال، الهمزة، التاء، الميم، الواو، الطاء، الياء، الألف". وقد جمعها بعض النحاة في قوله: "هدأت موطيا"٢. ولكل حرف منها شروط لإبدال من نظيره الداخل معه في هذه المجموعة، على التفصيل التالي:
إبدال الهاء:
تبدل الهاء من تاء التأنيث المربوطة عند الوقف عليها؛ كالتاء في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ﴾ فيقال في حالة الوقف: بينة، ورحمة، بالهاء بدلا من التاء المربوطة.
إبدال الهمزة من الواو، والياء، والألف.
تبدل من الأوليين وجوبا في خمسة مواضع:
١- وقوع أحدهما في آخر الكلمة وقبله ألف زائدة؛ نحو: سماء، ودعاء، وبناء، وضياء، والأصل: سماو، ودعاو، وبناي، وظباي "بدليل سموت، دعوت، بنيت، ظبي". قلبت الواو والياء همزة لوقوعهما متطرفتين٣ بعد ألف زائدة.
ولا يخرج الحرف من حكم التطرف أن يقع بعده في آخر اللفظ المذكر تاء عارضة لتفيد التأنيث، بشرط أن تكون غير ملازمة له٣. فيقال في: بناي وبناية،
_________________
(١) ١ تعريفه وإيضاحه في ص٧٥٧. ٢ معنى هدأت: تركت التحرك إلى السكون. ومعنى: "موطيا"، "وأصلها: موطئا، وهي حال من التاء". اسم فاعل من: أوطات الفراش؛ جعلته لينا سهلا ممهدا. وإليها أشار الناظم في الشطر الأول من أول البيت في باب: الإعلال، وسيجيء في ص٧٦٥. ٣ و٣ تطرفهما إما: "حقيقي"، ومعناه: وقوع كل منهما آخر الكلمة، ليس بعده حرف فيها، وإما "حكمي" "أو: تقديري" ويراد به: وقوع كل من هذين الحرفين خاتمة كلمته أيضا، ولكن يليه فيها حرف عارض لغرض طارئ؛ كالتاء التي تزاد بعد الآخر لإفادة التأنيث، وكعلامة التثنية، أو غيرها مما يطرأ بعد الآخر حينا ويزول حينا، دون أن يلازم آخر الكلمة ملازمة في أحوالها المختلفة. وإنما سمي هذا النوع "حكميا، أو تقديريا" لأن تاء التأنيث ونحوها في تقدير الانفصال، وفي حكمه.
[ ٤ / ٧٦١ ]
بتشديد نونهما: بناء، بالتشديد أيضا، وقلب الياء همزة لوقوعها متطرفة بعد ألف زائدة، من غير اعتبار لهذه التاء الطارئة التي عرضت للتأنيث والتي يمكن الاستغناء عنها أحيانا -كما في الحالة الخاصة بالمذكر- بخلاف التاء الدالة على التأنيث مع ملازمتها الكلمة، وعدم استغناء الكلمة عنها، نحو: هداية، رماية، إداوة، حلاوة. فإن الحرفين "الياء والواو" في هذه الكلمات -وأشباهها- لا ينقلبان همزة؛ إذ تاء التأنيث هنا ليست عارضة، ولا مؤقتة، وإنما هي حرف من أحرف الكلمة، دخل في صياغتها وتكوينها من أول أمرها "ليس طارئقا عليها بعد التركيب" ثم هو يلازمها في كل الحالات؛ فينيت الكلمة على مؤنث ولم تبن على مذكر١. ويعتبر الحرفان في هذه الحالة غير متطرفين؛ كشأنهما في مثل: "قاول وبايع " حيث توسطا فبقيا من غير قلب.
وكذلك لا يصح إبدالهما همزة إن لم يقعا بعد ألف، نحو: غزو، وظبي، أو كانت الألف التي قبلهما أصلية، نحو: واو، وآي، جمع آية٢..
٢- وقوع أحدهما عينا لاسم فاعل، وقد أعل٣ في عين فعله، نحو صائم، هائم، وفعلهما: صام وهام. وأصلهما: صوم، وهيم؛ فعين الفعل حرف عليه "واو أو ياء" تحرك وانفتح ما قبله، فانقلب ألفا -كما سيجيء- فاسم الفاعل هو: صاوم، وهايم. ثم قلبت الواو والياء همزة.
فإن كانت العين غير معلة في الفعل لم يصح الإبدال؛ نحو: عين
_________________
(١) ١ شرح "الصبان" المراد هذا؛ فقال المقصود: "أن الكلمة لم تصغ بغير تاء لمذكر من المعنى؛ بأن لم تصغ لمذكر أصلا؛ كهداية، أو صيغت له من معنى آخر؛ كفاية؛ فإن السقاء جلد السخلة المهيأ للماء أو اللبن، كما في القاموس، وهو غير معنى السقاية، الذي هو محل السقي". ا. هـ. ٢ وإلى هذه الحالة يشير ابن مالك في الشطر الأول من بيته الثاني الآتي. في ص٧٦٥. ٣ أي: أصابه الإعلال، ويراد به هنا: قلب حرف العلة "ويلحق به: الهمزة كما سبق في ص٧٥٦"، حرفا آخر من نظائره التي للعلة أيضا، أو الهمزة بالشروط الخاصة بالقلب.
[ ٤ / ٧٦٢ ]
الرجل١ فهو: عاين، وعور٢ فهو عاور٣
٣- وقوع أحدهما في جمع التكسير بعد ألف: "مفاعل" وما شابهه في عدد الحروف وحركاتها؛ كفعائل وفواعل٤ بشرط أن يكون كل من الحرفين مدة ثالثة زائدة في مفرده، ومثلها الألف في هذا، نحو: عجائز، وصحائف، وقلائد ومفردها: عجوز: وصحيفة، وقلادة، فلا إبدال في مثل: قساور ومعايش، لأنهما أصليان في المفرد، وهو: قسور٥، ومعيشة٦. ومن الشاذ المسموع منائر، ومصائب؛ لأن مفردهما؛ منارة ومصيبة، فالحرفان فيهما أصليان٧
٤- وقوع أحدهما ثاني حرف علة بينهما ألف: "مفاعل" أو مشابهه، دون مفاعيل وما يشبهه سواء أكان الحرفان ياءين؛ نحو: نيائف، جمع نيف٨ أم كانا واوين، نحو: أوائل: جمع أول، أم كانا مختلفين، نحو:
_________________
(١) ١ اتسع سواد عينه واشتد. ٢ صار أعور؛ "لذهاب البصر من إحدى عينيه". ٣ وهذه الحالة هي التي أشار إليها الناظم في آخر بيته الثاني الآتي. في ص٧٦٥. ٤ سبق بيان المراد من هذه المشابهة في ص٦٦٤ و٦٧١. ٥ القسور والقسورة: الأسد. ٦ لأن فعلها: عاش. فوزن: "معايش" هو: "مفاعل"، ولا تنقلب الياء فيها همزة عند الجمهور؛ لأن الياء أصلية، وقيل إن الفعل هو: "معيش"؛ فالميم أصليه، والياء زائدة، ووزن "معايش" هو: فعائل؛ فتنقلب الياء الزائدة همزة؛ وبهذا قرأ بعض القراء الآية الكريمة: "ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معائش" بالهمزة. "راجع المصباح المنير، مادة عاش". لكن مجمع اللغة العربية بالقاهرة ومؤتمره العام اتخذ قرارا آخر، "بناء على مذكرة قدمتها إليه لجنة الأصول المجمعية" قصد به إلى التيسير، مخالفا رأي الجمهور. وقد صدر قراره في الجلسة الثامنة من مؤتمر الدورة الرابعة والثلاثين لسنة ١٩٦٨ ونص هذا القرار "كما جاء في الكتاب المجمعي الصادر سنة ١٩٦٩ باسم: "كتاب في أصول اللغة" ص٢٢٦ وكما قدمته تلك اللجنة، وتمت عليه الموافقة هو: "مفاعل" بالمد الزائد في صيغة "فعائل" وعلى هذا يجوز في عين "مفاعل" قلبها همزة سواء أكان أصلها واو أم ياء؛ فيقال: مكايد ومكائد، ومغاور ومغائر". ا. هـ. بالرغم من هذا القرار، ومما اعتمد عليه من أدلة في ص٢٢٦ أرى الاقتصار على رأي الجمهور وحده. ٧ وإلى هذه الحالة يسوق ابن مالك بيته الثالث، الآتي في ص٧٦٥. ٨ وهو العدد الزائد على العقد إلى أول العقد الذي يليه. فعله الشائع: ناف ينف
[ ٤ / ٧٦٣ ]
سيائد، جمع سيد١ والأصل: نيايف، وأواول، وسياود. قلب حرف العلة المتأخر "وهو الواقع بعد الألف الزائد" همزة كما سبق٢ فلو توسطت بينهما ألف "مفاعيل" وما هو على هيئته لم ينقلب الثاني منهما همزة؛ نحو: طواويس.
٥- اجتماع واوين في أول الكلمة، والثانية منهما إما متحركة، وإما ساكنة، أصيلة في الواوية٣؛ فتنقلب الأولى منهما همزة. ويتحقق الاجتماع في صورتين:
إحداهما: أن تكون الواو الثانية متحركة فيجب قلب الأولى همزة، كما إذا أريد جمع: واثقة، أو: واصلة، أو: وافقة جمع تكسير على صيغة. "فواعل" فيقال فيها، وواثق، وواصل، وواقف؛ لأن أفعالها الماضية واوية الفاء؛ ثم تنقلب الواو الأولى -وجوبا- همزة؛ فيصير الجمع: أواثق، أواصل، أواقف
ثانيهما: في نحو: أولى: -وهي مؤنث كلمة: أول، المقابل لكلمة: آخر- وأصلها: وولى، بواوين، السابقة منهما مضمومة، تليها الساكنة الأصيلة في الواوية، وقلبت الأولى همزة -وجوبا- فصارت: أولى.
فلا يجب القلب بل يجوز في مثل: واسي، والي، وافي إذا بنيت هذه الأفعال للمجهول؛ فيقال فيها: ووسي، وولي، ووفي، لأن الواو الثانية ليست أصيلة، إذ هي منقلبة عن الألف الزائدة التي في ثاني الماضي، وقد انقلبت واوا؛ لوقوعها بعد ضمة ويصح أن يقال فيها: أوسي، أولي، أوفي لأن قلب الواو الأولى وإبقاءها جائز -كما أسلفنا٤.
_________________
(١) ١ أصله: سيود؛ على وزان: فيعل؛ لأن فعله: ساد يسود "اجتمعت الواو وياء، وسبقت إحداهما بالسكون؛ قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، طبقا لقواعد الإبدال الآتية". ٢ وهذه الحالة التي أشار إليها الناظم في بيته الرابع. في ص٧٦٥. ٣ بألا تكون منقلبة عن حرف آخر. ٤ وإلى هذا أشار ابن مالك بقوله في البيت السادس وسيأتي لمناسبة أخرى في ص٧٧٠. "واوا" وهمزا أول الواوين رد في بدء غير شبه: ووفي الأشد-٦ "الأشد -بتخفيف الدال هنا للشعر: القوة فلان ووفى الأشد: بلغ القوة. وهي بين الثامنة عشرة والثلاثين. وهذه الكلمة على صورة جمع التكسير وليست جمعا في الرأي الشائع. والفعل: رد: ماض مبني للمجهول، وهذا أحسن من جعله فعل أمر قد يفيد مدلوله أن عدم الرب واجب في: ووفى، مع أنه ليس بواجب، "والدال" مخففة للشعر.
[ ٤ / ٧٦٤ ]
وكذلك لا يجب القلب، وإنما يجوز، في مثل: الـ"وولى" -بواو مضمومة تليها أخرى ساكنة- وأصلها للتفضيل، وفعلها هو: "وأل" بمعنى: لجأ، تقول: وأل الطائر إلى عشه، بمعنى: لجأ إليه. واسم التفضيل منه للمذكر هو: أوأل، وللمؤنث هو: وؤلى "على زنة: فعلى". ويصح التخفيف بقلب الهمزة الثانية واوا ساكنة، فتصير الكلمة: "وولى" فيجتمع في أولها واوان، أولاهما متحركة، والثانية ساكنة، غير أصيلة في الواوية: لأن واويتها طارئة بسبب التخفيف العارض؛ لهذا لا يكون قلب الأولى واجبا؛ وإنما هو: جائز؛ فيقال أولى، أو: "وولي".
ولا يصح القلب مطلقا إذا اجتمع الواوان في آخر الكلمة كما في نحو: هووي ونووي في النسبة إلى، هوى ونوى، طبقا لقواعد النسب التي مرت في بابه١
_________________
(١) ١ ص٧١٧ مع ملاحظة أن ياء النسب مشددة. وزائدة في آخر الكلمة. وفي بيان الأحرف التي يقع فيها "الإبدال". ومواضع إبدال الهمزة من الواو والياء يقول ابن مالك في باب عنوانه: "الإبدال" ما نصه: أحرف الإبدال: "هدأت موطيا" فأبدل الهمزة من واو ويا-١ آخرا، إثر ألف زيد. وفي فاعل ما أعل عينا ذا اقتفي-٢ "ذا اقتفى: اتبع وروعي" سرد في هذين البيتين: أحرف الإبدال وانتقل بعد بيانها في أول شطر إلى مواضع إبدال الهمزة من الواو والياء؛ فذكر موضعين في البيت الثاني، هما: وقوع الواو والياء آخر الكلمة إثر ألف زائدة، أي: عقب ألف زائدة ووقوعهما عينا معلة في صيغة "فاعل" يريد اسم الفاعل من فعل ثلاثي معتل العين بأحدهما. ثم انتقل إلى بيان الحالة الثالثة لإبدال الهمزة منهما ومن الألف. فقال: والمد زيد ثالثا في الواحد همزا يرى في مثل: كالقلائد-٣ يريد: أن أحد أحرف العلة إذا كان حرف مد -وهو حرف العلة الذي قبله حركة تناسبه- ثالثا: زائدا في المفرد وجب قلبه همزة. ولم يفصل الشروط؛ اعتمادا على المثال، الذي يجمعها، وهو: القلائد. والكاف في: "كالقلائد" إما حرف زائد، وإما اسم بمعنى: "مثل"، توكيد لفظي بالمرادف لكلمة: "مثل" التي قبله، ثم انتقل إلى الحالة الرابعة لقلبهما؛ فقال: كذاك ثاني لينين اكتنفا مد: "مفاعل"؛ كجمع نيفا-٤ "يريد باللين هنا حرف العلة المتحرك، والشائع عند غير الناظم أن حرف اللين هو حرف العلة الساكن الذي قبله حركة لا تناسبه فإن تحرك ما قبله بحركة تناسبه فهو حرف علة ومد ولين، وإن تحرك حرف العلة فهو حرف علة فقط -كما سبق بيان هذا في ص٧٦٠ وغيرهما- اكتنفا: أحاطا " وجمع -بالتنوين- مصدر، فاعله محذوف، ومفعوله هو كلمة: نيف. والمراد: كجمع شخص نيفا، فحذف الفاعل المضاف إليه، ونون المضاف وهو كلمة: جمع. وبقيت "نيفا" منصوبة مفعولا للمصدر. وسيتكلم ابن مالك في البيت السادس -وقد سبق في هامش ص٧٦٤- على الحالة الخامسة من حالات إبدال الواو همزة.
[ ٤ / ٧٦٥ ]
"ملحوظة": تبدل الهمزة -أيضا- وجوبا من الألف في نحو: حمراء وخضراء فالأصل- على الرأي الشائع- هو حمرى، وخضرى، بألف التأنيث المقصورة فيهما؛ زيدت قبلها ألف المد، فأبدلت الثانية همزة.
وتبدل جوازا من الواو المضمومة ضما لازما لا يفارقها، نحو: وجوه، أدور "جمع: دار" فيصح فيهما أجوه، وأدؤر. كما تبدل من الواو لزوما عند بعض القبائل في مثل: وشاح ووسادة، فيقال فيهما: إشاح وإسادة، وقيل إن هذا القلب جائز.
وتبدل جوازا أيضا في مثل: رائي، وغائي، نسبة إلى راية وغاية، والأصل: رايي وغايي. بثلاث ياءات؛ خففت الأولى بإبدالها همزة١.
إبدال الواو والياء من الهمزة "وهذه الحالة عكس التي قبلها":
يتحقق هذا الإبدال في ناحيتين:
الناحية الأولى الجمع الذي على وزن: "مفاعل" وما شابهه٢، بشرط أن تكون الهمزة عارضة٣ بعد ألف تكسيره، وأن تكون لام مفرده:٤ إما همزة
_________________
(١) ١ هذا الحكم -مع صحته وجوازه- قليل؛ طبقا لما سبق في رقم ٢ من ص٧٢٢ باب: "النسب". ٢ من كل جمع تكسير يماثل: "مفاعل" -كما قلنا- في عدد الحروف وضبطها، وإن لم يماثله في وزنه الصرفي؛ فيدخل في هذا: فواعل، وفعالل، وأفاعل وغيرهما مما يسمى: صيغة منتهى الجموع، وقد سبق إيضاح هذا في جمع التكسير ص٦٦٤٤ و٦٧١. ٣ غير أصيلة. ٤ وصفنا "الهمزة، والواو والياء"، فيما يأتي بأنها أصلية مع أن لام الكلمة لا تكون إلا أصلية -بقصد المبالغة في الإيضاح.
[ ٤ / ٧٦٦ ]
أصلية، وإما حرف علة أصليا؛ واوا أو ياء فإذا تحقق المطلوب١ وجب قلب كسرة الهمزة فتحة، وقلب الهمزة بعد ذلك ياء في ثلاث صور، وواوا في صورة واحدة، وقلب الحرف الأخير بعدهما ألفا.
فتقلب ياء:
أ- إذا كانت لام ذلك المفرد همزة أصلية؛ نحو: خطيئة وخطايا، بريئة٢ وبرايا، دنيئة٣، ودنايا فوزن: خطايا، هو: "فعائل". والأصل: خطايي، ثم انقلبت الياء التي بعد الأخيرة الجمع همزة "طبقا لما سبق في حالات قلب الياء" فصارت: خطائي، ثم قلبت الهمة الأخيرة ياء مفتوحة: وبعدهما ألف، فصارت: خطايا هذا هو الأصل، وما مر فيه باختصار٤.
_________________
(١) ١ وهو وقوع الهمزة عارضة بعد ألف التكسير. ولام المفرد: إما همزة أصلية وإما أحد حرفي العلة "الواو والياء الأصليتين". ٢ مخلوقة. ٣ رذيلة ونقيصة. ٤ أما التفصيل فيقول النحاة إن خطايا، وبرايا، ودنايا -وأشباهها من كل ما يتحقق فيه أوصاف هذا الجمع- قد مر بمراحل خمس من القلب حتى استقر بعدها على هذه الصورة. وهي مراحل تخيلية محضة، ولكنها مفيدة هنا، برغم ما فيها من تكلف واضح، وأن العرب الفصحاء لا تعرفها. وقصد من تخيلها ضبط مفردات هذه الصيغة ضبطا محكما يستطيع به المستعرب أن يتبين تلك المفردات من أوصافها، وأن يهتدي في يسر وصحة إلى جموعها، وإذا عرضت عليه هذه الجموع وحدها أدرك مفرداتها بغير حيرة ولا اضطراب. وفيما يلي المراحل الخمس -بغير اختصار- في كلمة: "خطايا" ونظائرها. أ- المفرد: خطيئة "على وزن، فعيلة، والفعل: خطئ، فالهمزة أصلية" فقياس تكسيرها هو: فعائل. فيقال: خطايئ؛ لأن الياء الزائدة في المفرد تزاد في الجمع أيضا بعد ألف "مفاعل وفعائل" وأشباههما. ثم يجب قلب هذه الياء همزة؛ لوقوعها بعد ألف التكسير في هذا الوزن؛ طبقا لما تقدم في ص٧٦٣، فتصير الكلمة: خطائئ. ب- إبدال الهمزة الأخيرة ياء، لوقوعها متطرفة بعد همزة، طبقا لقواعد القلب التي ستأتي في ص٧٧٢ فتصير: خطائي. ح- قلب كسرة الهمزة الأولى فتحة، بدعوى التخفيف؛ فتصير الكلمة: خطاءي. د- قلب الياء التي في آخر الجمع ألفا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها؛ طبقا لقواعد القلب؛ فتصير: خطاءا. "وحق الألف الأخيرة أن تكتب ياء طبقا لقواعد رسم الحروف". هـ- قلب الهمزة ياء لوقوعها بين ألفين. والهمزة قريبة الشبه بالألف "كما يتخيلون"، فتقلب ياء؛ فرارا من اجتماع ثلاثة أحرف متشابهة في الآخر؛ فتصير الكلمة: خطايا ولم تقلب واوا؛ لأن الياء أخف نطقا، والقلب إليها أكثر. =
[ ٤ / ٧٦٧ ]
ومثله يقال في: برايا، ودنايا، ونظائرهما، فالأصل: برايئ؛ ودنائي، قلبت الياء بعد ألف الجمع همزة مكسورة، ثم انقلبت هذه الهمزة المكسورة -بعد تغيرات- ياء مفتوحة وبعدها ألف؛ فصارتا: برايا ودنايا.
ب- إذا كانت الأم ذلك المفرد ياء للعلة، أصلية "أي: ليست منقلبة عن شيء"؛ نحو: هدية وهدايا، وقضية وقضايا فوزن هدايا، وقضايا -وأمثالهما- هو: فعائل. وأصلهما: هدايي، جرى عليهما القلب الذي في الحالة الأولى "ما عدا قلب همزة الآخر ياء؛ لأن "لامهما ليست همزة" وانتهى بهما الأمر إلى: فعائل١.
ح- إذا كانت لام المفرد للعلة ولكنها منقلبة عن واو؛ نحو: عشية ومطية، وأصلهما٢ عشيوة ومطيوة؛ وجمعهما: عشايا ومطايا وهذا الجمع
_________________
(١) = تكملة": بمناسبة الكلام هنا على كلمة: "خطيئة" نعيد ما ذكرناه "في الجزء الثالث باب أبنية المصادر، م٩٨ ص١٥٥" خاصا بهذه الصيغة، وما يجوز فيها، ونصه: "إن كان الفعل الماضي الرباعي الذي على وزن: فعل مهموز اللام فمصدره "التفعيل" أو "التفعلة" -وهذه هي الأكثر- نحو: برأ تبريئا وتبرئة، جزأ تجزيئا وتجزئة، هنأ تهنيئا وتهنئة، خطأ تخطيئا وتخطئة.." ثم جاء في هامش تلك الصفحة ما نصه: "يجوز في الكلمات: تبريئا، تجزيئا، تهنيئا، تخطيئا أن يقال فيها وفي أشباهها: تبريا، تجزيا، تهنيا، تخطيا.. فقد جاء على هامش القاموس في مادة "خطأ"، عند الكلام على "خطيئة" قوله: "عبارة الجوهري "خطيئة" هي: "فعيلة" ولك أن تشدد الياء "يريد: أنك تقول: "خطة" بقلب الهمزة ياء، ثم إدغام الياءين" لأن كل ياء ساكنة قبلها كسرة، أو واو ساكنة قبلها ضمة، وهما زائدتان للمد لا للإلحاق. ولا هما من نفس الكلمة فإنك تقلب الهمزة بعد الواو واوا، وبعد الياء ياء، وتدغم: فتقول في مقروء: مقرو، وفي خبيء: خبي..". ا. هـ. ١ جرى عليهما من القلب أنواع أربعة سبقت في الحالة الأولى؛ وهي: أ- هداي، وقضاي، ثم هدائي. ب- هداءي، وقضاءي. ج- هداءا، وقضاءا. د- هدايا وقضايا. وإنما كانت أنواع القلب هنا أربعة وليست خمسة كالتي سبقت؛ لأن لام الكلمة هنا ياء وليست همزة متطرفة تقلب ياء. ٢ اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون؛ قلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء "طبقا لما تقضي به قواعد الإقلاب -كما سيجيء هنا".
[ ٤ / ٧٦٨ ]
على وزن: فعائل، بعد خمسة أنواع من القلب كالتي مرت في الحالة الأولى: "ا" ١.
أما الصورة التي تقلب فيها كسرة الهمزة فتحة، ثم تقلب الهمزة واوا بعدها ألف فحين تكون لام المفرد واوا ظاهرة سلمت في هذا المفرد؛ نحو: هراوة٢ وإداوة٣ وجمعها: هراوي، وأداوي، على وزن: "فعائل" بعد أن مرت كلتاهما بخمسة أنواع من القلب وصلت بعدها إلى صيغة التكسير النهائية، وهذه الخمسة هي:
أ- قلب الألف التي في المفرد همزة في الجمع بعد ألف التكسير؛ فيقال: هرائو، وأدائو ٤ "لأن مفردهما: هراوة، وإداوة".
ب- قلب الواو ياء، لوقوعها متطرفة بعد كسرة، فتصير الكلمتان: هرائي، وأدائي.
ج- قلب كسرة الهمزة فتحة -طبقا لما سلف- فتصيران: هراءي وأداءي.
د- قلب الياء ألفا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها؛ فتصيران: هراءا، وأداءا.
هـ- قلب الهمزة واوا -ليشابه الجمع مفرده، فتصيران: هراوي
_________________
(١) ١ والأنواع الخمسة هي: أ- المفرد عشيوة ومطيوة "بدليل: مطا، يمطومطوا، بمعنى: أسرع. وعشا يعشو عشوا، بمعنى: ساء بصره ". والجمع: عشايو، ومطايو، قلبت الواو ياء لوقوعها متطرفة بعد كسرة، فصارتا: عشايي ومطايي. ب- قلبت الياء بعد ألف التكسير همزة -طبقا لما تقدم- فصارتا: عشايي ومطائي. ج- قلبت كسرة الهمزة فتحة، فصارتا: عشاءى ومطاءى. د- تحركت الياء الأخيرة وانفتح ما قبلها؛ قلبت ألفا؛ فصارتا: عشاءا ومطاءا. هـ- قلبت الهمزة ياء -لما سبق- فصارتا: عشايا ومطايا. فأنواع القلب الخمسة هنا هي التي سبقت في الحالة الأولى تماما، إلا أن الواو المتطرفة؛ هنا تقلب ياء في نظير الهمزة المتطرفة هناك. ٢ الهراوة: العصا الضخمة. ٣ إناء للماء، يشتهر الآن باسم: الزمزمية. ٤ أما هذه الألف المذكورة في الجمع فهي التي تزاد في صيغة: "مفاعل".
[ ٤ / ٧٦٩ ]
وأداوى مع كتابة الألف الأخيرة ياء؛ طبقا لما تقضي به قواعد رسم الحروف١.
من الصورة السالفة٢ يتبين أن الهمزة تبقى في مثل: المراءي "وهي جمع: مراءة"٣. فلا تنقلب في التكسير ياء؛ لأنها همزة أصلية في المفرد، وفي الجمع، وليست طارئة٤؛ وكذلك تبقى بغير قلب في مثل: صحائف، وعجائز، ورسائل، لأن لام المفرد -وهو: صحيفة، وعجوز، ورسالة- ليست همزة، ولا أحد حرفي العلة "الواو الياء". فلم تتحقق في الكلمات الثلاث -وأشباهها- شروط قلب الهمزة واوا أو ياء٥
الناحية الثانية٦ -جتماع همزتين في كلمة واحدة- فخرج، نحو: أأنت؟ لأن الاجتماع في كلمتين؛ "إذ همزة الاستفهام كلمة" وهذا بالتفصيل التالي، مع ملاحظة أن الثانية هي التي تقلب دائما دون الأولى؛ سواء أكانت الأولى متحركة والثانية ساكنة، أم العكس، أما كانتا متحركتين، ويمتنع أن تكونا ساكنتين.
_________________
(١) ١ ففي وسط هذا الجمع ألفان، إحداهما التي كانت زائدة في المفرد، والأخرى التي زادت في التكسير، والأولى هي التي تقلب همزة بعد ألف التكسير. ٢ "ملاحظة": بين هذه الصور واحدة قد تقلب همزتها واوا -جوازا- في موضع سبقت الإشارة إليه بعنوان: "تكملة" في هامش ص٧٦٨. ٣ صح كتابتها هكذا: "مرآة" لكن إثبات الهمزة هنا وبعدها ألف، أوضح من كتابتها مدة فوق ألف. ٤ لمفرد: مرءاة على وزن مفعلة، والفعل: رأي، والمصدر: رؤية، فالهمزة أصلية. ومن المسموع الشاذ جمعها على "مرايا". ٥ إلى الحالة الأولى السابقة يشير ابن مالك بقوله: "في بيت سبق لمناسبة أخرى بصفحة ٧٦٤". وافتح، ورد الهمز "ياء" فيما أعل لاما. وفي مثل هراوة جعل-٥ واوا -٦ يقول: افتح الهمزة، "ويريد بها الهمزة الطارئة بعد ألف صيغة منتهى الجموع على الوجه الذي شرحناه" وردها ياء في الجمع الذي مفرده معتل اللام بالياء. أما معتل اللام بالواو فتقلب واوا.. وهذا كلام موجز غامض لا يوضح حقيقة المراد. وقد وفيناه. أما بقية البيت السادس فيتصل بقاعدة أخرى؛ سبقت في ص٧٦٤. ٦ سبقت الأولى في ص٧٦٦.
[ ٤ / ٧٧٠ ]
أ- فإن كانت الأولى هي المتحركة -بفتحة، أو ضمة، أو كسرة- والثانية هي الساكنة وجب قلب الثانية حرف علة مجانسا لحركة ما قبله، "أي: ألفا بعد الفتح، واواوا بعد الضم، وياء بعد الكسر"، نحو: آمن الرجل أومن -إيمانا. والأصل أأمن، أؤمن، إئمانا قلبت الثانية حرف علة من جنس حركة ما قبلها، ومثله: "آخذ، أوخذ، إيخاذا"، و"آزر، أوزر، إيزرار" و"آلم، أولم، إيلاما" و"آلف، أولف، إيلافا"١.
ب- وإن كانت الأولى هي الساكنة والثانية هي المتحركة -وهذا النوع لا يقعان فيه في موضع الفاء، لتعذر النطق بالساكن ابتداء- فإن كانتا في موضع العين وجب إدغام الأولى في الثانية؛ نحو: سأل٢، ورأس٣، ولأل٤.
وإن كانت في موضع اللام قلبت الثانية ياء، كبناء صيغة على وزن: "قمطر" من الفعل: قرأ؛ فيقال: "قرأي". والأصل: قرأأ -بتسكين الهمزة الأولى، وتحريك الثانية- قلبت الثانية ياء لوقوعها طرفا بعد الهمزة الساكنة٥.
_________________
(١) ١ وفي هذا يقول ابن مالك: ومدا ابدل ثاني الهمزين من كلمة إن يسكن؛ كآثر، وائتمن-٧ يريد: اقلب ثاني الهمزتين المجتمعتين في كلمة مدة. وهذا يقتضي أن تقلب الهمزة الثانية الساكنة واوا بعد الضمة، وألفا بعد الفتحة، وياء بعد الكسرة؛ لأن المدة هي حرف علة ساكن، قبله حركة تناسبه. وأشار بالمثال: "ائتمن" إلى أن الهمزة الأولى قد تكون همزة وصل، كالتي في أصل هذا الفعل؛ فأصله: "ائتمن"، فعند النطق به ابتداء من غير أن يسبقه شيء تبدل همزته الثانية ياء؛ فيقال: "ايتمن". هذا هو المراد. وعبارة الناظم لا تكشف عنه ولا سيما مع الواو: فلو قال: "كآثر، ايتمن". لكان واضحا. ٢ على وزن: "فعال"؛ لكثير السؤال. وقد اخترت كتابة الهمزة على هذه الصرة، منعا للالتباس. ٣ بائع الرءوس. ٤ بائع اللؤلؤ. ٥ كان القياس أن تدغم الأولى في الثانية كما أدغمت في: سأل، ورأس، ولأل لولا أن الهمزة الثانية هنا وقعت طرفا، والأطراف أولى بالتغيير، في الأغلب، ولذا قدم القلب هنا دون هناك. ويقول النحاة: إن الهمزتين اللتين في موضع اللام تبدل الثانية المتحركة منهما ياء مطلقا، أي سواء أكانت طرفا كالمثال السالف، أم كانت غير طرف كما في بناء صيغة خيالية على وزن: "سفرجل" من الفعل: قرأ: فيقال قرأيأ، بإسكان الهمزة الأولى، وفتح الياء بعدها. والأصل: قرأأأ بثلاث همزات أبدلت الثانية ياء لأنها في موضع اللام وسلمت الأولى والثالثة. والأغلب في هذه الأمثلة أنها خيالية للتدريب -كما قلنا- إذ لا يكاد يشيع لها نظائر مأثورة في فصيح الكلام.
[ ٤ / ٧٧١ ]
ج- وإن كانتا متحركتين فلهما صور تخيلية؛ قصد بها في الأعم الأغلب مجرد التدريب، ولا يكاد يعرف لها نظائر مأثورة، في فصيح الكلام، ولا تجنح إليها الأساليب الرفيعة، ومن أشهر تلك الصور الوهمية:
١- أن تكون الهمزتان المتحركتان، في موضع اللام؛ فتقلب الثانية ياء مطلقا؛ "أي: سواء انفتح ما قبلها، أم انضم، أم انكسر". كبناء صيغة على وزن: جعفر، أو: قرمز١، أو: برثن، من الفعل: قرأ، فيقال: قرأأ" وقرئي، وقرؤؤ؛ بهمزتين متواليتين، تقلب الثانية منهما ياء لا واوا؛ لأن الواو لا تقع طرفا في الكلمة الزائدة على ثلاثة أحرف؛ فنقول: في قرأأ -مما قبلها مفتوح- قرأي. وقد تحركت الياء وانفتح ما قبلها، فتقلب أنفا، وتصير: قرأى، وهي اسم مقصور.
ويقال في: قرئى مما قبلها مكسور: قرئي؛ بقلب الثانية ياء ثم تحذف الياء فيقال: قرء، بحذف الياء التي في آخرها كما تحذف من المنقوص؛ وذلك بحذف حركة الياء أولا، لاستثقال الحركة عليها، ثم حذف الياء، لالتقائها ساكنة مع التنوين؛ كما يحذف في مثل: داع، وهاد، ووال، ونظائرها من المنقوص. وبهذا تصير كلمة: قرء" من المنقوص الذي حذفت لامه.
ونقول في: قرؤؤ -مما قبلهما مضموم: قرء أيضا؛ ذلك أن الهمزة الثانية تقلب ياء، لا واوا -لما تقدم- فتصير الكلمة إلى: قرؤي، ثم تقلب الضمة التي قبلها كسرة؛ لتسلم الياء، فتصير إلى: قرئي، ثم تحذف حركة الياء لاستثقالها عليها، ثم تحذف الياء لالتقائها ساكنة مع التنوين، وتنتهي إلى: قرء، وتصير منقوصة، مثل: داع، وهاد، ووال.
٢- أن تكون الهمزتان المتحركتان في غير موضع اللام، وحركة الثانية كسرة. فتقلب الثانية ياء مطلقا "أي: بعد همزة مفتوحة أو مكسورة، أو مضمومة؛ فهي في حكمها كالصورة السالفة" كبناء صيغة من الفعل: "أم" تكون على وزن: أصبح" بفتح الهمزة، أو بكسرها، أو بضمها، مع كسر الباء
_________________
(١) ١ نوع من الصبغ المائل للحمرة.
[ ٤ / ٧٧٢ ]
في الحالات الثلاث، فيقال بعد الهمزة المفتوحة: أأمم، ثم تنقل حركة الميم الأولى إلى الهمزة الساكنة؛ ليمكن إدغام الميمين، وهذا أمر واجب، ثم تقلب بعده الهمزة الثانية بعد نقل الكسرة إليها، ياء؛ لأن الهمزة المكسورة بعد المفتوحة تقلب ياء كما تقدم -فتصير الكلمة: أيم.
ويقال: بعد الهمزة المكسورة: ائمم، بهمزتين؛ أولاهما مكسورة، وثانيتهما: ساكنة، فتنقل كسرة الميم الأولى إلى الهمزة الثانية، ليتيسر الوصول إلى الإدغام الواجب في الميمين، وتقلب الهمزة الثانية بعد نقل الكسرة إليها، ياء، وتصير الكلمة: ايم.
٣- أن تكون الهمزتان المتحركتان في غير موضع اللام، والثانية مضمومة؛ فتقلب واوا بعد همزة؛ إما مفتوحة، وإما مكسورة، وإما مضمومة. فمثال المضمومة بعد مفتوحة: أوب١، والأصل: أأبب -بفتح، فسكون، فضم - نقلت حركت الباء الأولى إلى الهمزة الساكنة؛ ليتيسر الوصول للإدغام الواجب، فصارت الكلمة بعد الإدغام: أأب، وقلبت الهمزة الثانية واوا بعد انتقال الضمة إليها؛ لأن الواو هي المناسبة للضمة؛ فصارت الكلمة: أوب.
ومثال المضمومة بعد مكسورة بناء صيغة من الفعل "أم"٢ على وزان: إصبع -كسر الهمزة وضم الباء- فيقال: ائمم؛ بكسر، فسكون، فضم، نقلت حركة الميم إلى الهمزة -قبلها، ليتسر الوصول إلى الإدغام الواجب، فضرب الكلمة بعده إؤم- بكسر، فضم، فميم مشددة. قلبت الهمزة الثانية حرفا من جنس حركتها؛ وهو الواو، فصارت: إوم.
ومثال المضمومة بعد ضمة: بناء صيغة على وزن: أبلم٣، من الفعل: أم؛
_________________
(١) ١ بفتح: فضم، فباء مشددة جمع: أب، بفتح الهمزة وتشديد الياء، وهو: المرعى. ٢ بمعنى: قصد. ٣ من معانيه: غليظ الشفتين، ونوع من النبات
[ ٤ / ٧٧٣ ]
فيقال: أؤمم -بضم، فسكون، فضم- تنقل ضمة الميم الأولى إلى الهمزة الساكنة قبلها؛ ليتيسر الإدغام؛ فتصير الكلمة بعده: اؤم، -بضمتين متواليتين- وتقلب الهمزة الثانية المضمومة حرفا من جنس حركتها، وهو الواو -فتصير الكلمة: اوم.
٤- أن تكون الهمزتان المتحركتان، في غير موضع اللام، والثانية مفتوحة مطلقا؛ "أي: بعد همزة مفتوحة، أو مضمومة، أو مكسورة" فتقلب واوا. فمثال المفتوحة بعد مفتوحة: أوادم١، والأصل بهمزتين مفتوحتين بعدهما ألف، قلبت الهمزة الثانية واوا؛ طبقا لقواعد الإبدال، التي تقضي بقلب الهمزة الثانية المفتوحة غير المتطرفة واوا. دائما: سواء أكان ما قبلها مفتوحا أم غير مفتوح.
ومثال المفتوحة بعد مضمومة: أويدم؛ "تصغير: آدم"، والأصل: أؤيدم. قلبت الهمزة الثانية واوا عملا بالقاعدة السالفة.
_________________
(١) ١ يقول ابن مالك في حكم الهمزة المفتوحة "وقبلها فتحة أو ضمة" وأنها تقلب واوا في الحالتين، وتقلب ياء إن كان قبلها كسرة، كما يجيء بعد هذا: إن يفتح أثر ضم او فتح قلب واوا. وياء إثر كسر ينقلب-٨ "إن يفتح: أي: الهمز الثاني، بمعنى: الهمزة". ثم انتقل بعد ذلك إلى بيان حكم الهمزة الثانية المكسورة وقبلها حركة؛ فصرح بأنها تقلب ياء مطلقا؛ "أي: سواء أسبقتها ضمة، أم فتحة، أم كسرة". كما صرح بأن الهمزة المضمومة "بعد حركة" يجب قلبها واوا مطلقا، بشرط ألا تكون الهمزة الثانية آخر الكلمة؛ فإن كانت آخر وجب قلبها ياء -كما سبق في الشرح- يقول: ذو الكسر مطلقا كذا. وما يضم واوا أصر، ما لم يكن لفظا أتم-٩ فذاك ياء مطلقا جا. وأؤم ونحوه وجهين في ثانيه. أم-١٠ "كذا. أي: ينقلب ذو الكسر مطلقا كهذا -مشيرا على ما قبله مما ينقلب ياء- وأن الهمزة المكسورة تقلب ياء مطلقا، سواء أكان من قبلها مكسورة أم غير مكسور. وأم، أصلها: "أم" بتشديد الميم، بمعنى: اقصد. أي: اتجه لهذا الحكم والعمل به". أما ما انضم من ثاني الهمزتين فيصير واوا مطلقا "سواء أكان ما قبله مضموما أم غير مضموم" بشرط ألا يكون تمام اللفظ، أي: بشرط ألا يكون هو آخر الكلمة. فإن كان آخرها فهو ياء مطلقا. و"جا" أي: جاء في كلام العرب ياء. وختم البيت العاشر بالإشارة إلى الهمزة الثانية التي يجوز قلبها واوا وبقاؤها وقد شرحناها.
[ ٤ / ٧٧٤ ]
ومثال المفتوحة بعد مكسورة بناء صيغة من الفعل: "أم"، على وزن: إصبع -بكسر الهمزة، وفتح الباء- فيقال: اأمم، بكسر، فسكون، ففتح. تنقل حركة الميم الأولى "وهي الفتحة" للهمزة الساكنة قبلها؛ ليتيسر الإدغام الواجب، ثم يقع الإدغام؛ فتصير الكلمة: إأم، بكسر، ففتح، فميم مشددة. وتقلب الهمزة الثانية ياء لوقوعها متحركة بعد كسرة في حشو الكلام؛ فتصير الكلمة: ايم، بهمزة مكسورة، وياء مفتوحة، وميم مشددة.
"ملاحظة": إذا كانت الهمزتان متحركتين والأولى منهما للمتكلم في صدر فعل مضارع جاز في الثانية منهما قلبها وبقاؤها من غير قلب، نحو: أؤم، وأئن "مضارعي: "أم" بمعنى: قصد.. و"أن"، بمعنى: تألم"، ويجوز أوم، وأين
إبدال الياء من الألف:
تقلب الألف ياء في موضعين؛ أولهما: وقوعها بعد كسرة؛ كما في تكسير سلطان، ومصباح، ومنشار -ونحوها- علي: سلاطين، ومصابيح، ومناشير وكما في تصغيرها على: سليطين، ومصيبيح، ومنيشير
ثانيهما: وقوعها بعد ياء التصغير في مثل: كتيب، وسحيب، وغليم؛ في تصغير: كتاب، وسحاب، وغلام.
والسبب: أن ما بعد ياء التصغير لا بد أن يكون متحركا، والألف لا تقبل الحركة، وياء التصغير لا تكون متحركة. فقلبت الألف بعدها ياء للتخلص من الساكنين. ولم تقلب حرفا آخر؛ لأن هذا هو الوارد عن العرب١.
_________________
(١) ١ في الموضعين السالفين يقول ابن مالك: وياء اقلب ألفا كسرا تلا أو ياء تصغير-١١ التقدير: واقلب ألفا تلا كسرا ياء، أو تلا ياء تصغير. يريد: اقلب حرف الألف ياء إذا وقع كسرة أو بعد ياء تصغير. وأكمل البيت بتكملة تتصل بقاعدة جديدة ستجيء في البيت الذي بعده مباشرة.
[ ٤ / ٧٧٥ ]
إبدال الياء من الواو:
تقلب الواو ياء في نحو أحد عشر موضعا:
١- أن تقع متطرفة بعد كسرة؛ كما في نحو: رضي، وقوهي، والراضي، والسامي. والأصل: رضو، وقوو١ والراضو، والسامو؛ لأن هذه الكلمات -ونظائرها- واوية اللام، بدليل ظهور الواو الأصلية في بعض تصاريف الكلمة؛ مثل: الرضوان، القوة، السمو ؛ ولا يتغير الحكم السالف بوقوع تاء التأنيث بعد الواو؛ لأن تاء التأنيث بمنزلة كلمة مستقلة، نحو: رضيت، قويت، الراضية، السامية. فتعتبر الواو التي تليها هذه التاء في حكم المتطرفة التي يجب قلبها ياء بعد الكسرة.
وكذلك لا يتغير الحكم السالف بوقوع ألف ونون زائدتين بعد الواو المتطرفة التي قبلها كسرة، ون هذين الحرفين -هنا- في حكم الكلمة المنفصلة عما قبلها. ومن الأمثلة: الإتيان بصيغة على وزن: "فعلان" -بفتح فكسر- من الغزو، والشجو؛ فيقال: غزوان وشجوان، بالواو التي قبلها كسرة، ثم تقلب هذه الواو ياء؛ فتصير الصيغة: غزيان، وشجيان "فالواو" واقعة في الطرف تقديرا وقبلها كسرة، فعوملت معاملتها إذا وقعت في الآخر حقيقة٢
٢- أن تقع عينا لمصدر، أعلت٣، في فعله، وقبلها في هذا المصدر
_________________
(١) ١ هذ الكلمة: "قوو" صالحة للإدغام؛ لانطباق شروطه عليها ولكن القلب يقدم عليه. ٢ والألف والنون هنا زائدتان -كما سلف- وليستا للتثنية وفي هذا الموضع يقول ابن مالك: بواو ذا افعلا-١١ في آخر، أو قبل "تاء" التأنيث، أو زيادتي "فعلان" -١٢ يقول: افعل ذا بالواو وهو قلبها ياء كما قلبت الألف بعد الكسرة، بشرط أن تكون الواو في الآخر أو بعدهما تاء التأنيث، أو زيادتا "فعلان" على الوجه الذي شرحناه. وليس المراد أن يكون على "فعلان" بضبطها، وإنما المراد أن تكون الواو بعد كسرة، وقبل زيادتي الحرفين الأخيرين "الألف والنون" لأنها لا تقلب ياء في "فعلان" ساكن العين. أما أول البيت الحادي عشر فمختص بقاعدة سلفت الإشارة إليها في هامش "ص٧٧٥" كما أن آخر البيت الثاني عشر مختص بقاعدة ستجيء بعده مباشرة. ٣ أي: كانت حرف علة منقلبا عن غيره. وهذا هو المراد بالمعل هنا.
[ ٤ / ٧٧٦ ]
كسرة، وبعدها ألف. "فالشروط أربعة". ومن الأمثلة: صام صياما، قام قياما، راد ريادا، حاك حياكا وحياكة، والأصل: صوام، وقوام، ورواد، وحواك؛ قلبت الواو ياء لتحقق الشروط الأربعة السالفة. فلا قلب في مثل: سوار لانتفاء المصدرية، ولا في مثل: حاور حوارا؛ لأنالواو غير معلة في الفعل "أي: غير منقلبة عن حرف آخر" ولا في مثل: "حال حولا، لعدم وقوع ألف بعدها، على حسب الرأي الغالب١
٣- أن تقع عينا لجمع تكسير، صحيح اللام، وقبلها كسرة، وهي معلة في مفرده. ومن أمثلتهم: جمع دار على ديار، وحيلة على حيل، وديمة على ديم، وقيمة على قيم، وقامة على قيم، أيضا، والأصل: دوار، حول، دوم، قوم، ومن الشاذ، حاجة وحوج.
فإن كانت اللام معتلة وجب تصحيح الواو؛ فيقال في جمع: ريان٢ وجو: رواء، وجواء، بترك اواوا بغير قلب.
٤- أن تقع عينا لجمع تكسير صحيح اللام، وقبلها كسرة، وهي في مفرده شبيهة بالمعلة: في أن تكون ساكنة فيه، وبعدها في الجمع ألف، نحو: سوط وسياط، وحوض وحياض، وروض ورياض والأصل: سواط، حواض، رواض فإن لم توجد الألف وجب تصحيح الواو، نحو: كوز وكوزة، وعود٣ وعودة، كما تصحح إن كانت متحركة في المفرد؛
_________________
(١) ١ وإلى هذا الموضع يشير ابن مالك في آخر البيت الثاني عشر وفي البيت الذي يليه. يقول: ذا أيضا رأوا-١٢ في مصدر المعتل عينا. والفعل منه صحيح غالبا؛ نحو الحول-١٣ يريد: أن النحاة رأوا أيضا قلب الواو ياء بعد الكسرة في مصدر كل فعل معل العين. وبعدها ألف، نحو: صام صياما كما شرحنا. وأشار بقوله: والفعل منه صحيح إلى أن المصدر إذا كان على وزن: فعل "بكسر بفتح" وعينه واو قبلها كسرة وليس بعدها ألف، فإن الواو تصبح فيه، نحو: مصدر: حال. ٢ مرتو بالماء "ضد عطشان". ٣ الذي زاد عمره من الإبل على سبع سنين.
[ ٤ / ٧٧٧ ]
نحو: طويل وطوال ١.
٥- أن تقع طرفا في ماض وهي رابعة أو أكثر بعد فتحة، بشرط أن تكون منقلبة ياء في المضارع نحو: أعطيت وزكيت، وأنا أعطني وأزكي. وفعلهما: "عطا يعطو؛ بمعنى: أخذ وتناول" فأصل الفعلين الرباعيين: أعطوت، وزكوت، ثم قلبت الواو فيهما ياء، وكذلك في اسم مفعولهما؛ وهو: معطيان ومزكيان٢..
٦- أن تقع ساكنة غير مشددة وقبلها كسرة، نحو: ميزان، وميعاد، وميقات، والأصل: موزان، وموعاد، وموقات، بدليل: الوزن، والوعد، والوقت. فلا يصح القلب في مثل: سوار، وصوان، لعدم سكون الواو، ولا في: اجلواذ "وهو مداومة السير مع الإسراع" لتشديد الواو.
٧- أن تقع لاما لصفة على وزن: فعلى "بضم فسكون ففتح" نحو: دنيا وعليا، وأصلهما: دنوى وعلوى ، "بدليل دنوت دنوا، وعلوت علوا" قلبت الواو ياء. ومن الشاذ المسموع: قصوى٣.
_________________
(١) ١ وفي النوعين الثالث والرابع يقول ابن مالك: وجمع ذي عين أعل أو سكن فاحكم بذا الإعلال فيه حيث عن-١٤ "عن، أصلها: عن، بالتشديد؛ خففت النون بالسكون، للشعر. ومعنى: عن، ظهر وعرض" ثم قال: وصححوا: "فعلة". وفي: "فعل" وجهان. والإعلال أولى كالحيل-١٥ يريد: أن الواو السالفة الذكر إذا لم يقع بعدها ألف في الجمع، وكان على وزن فعله "بكسر ففتح" فإنها تصح وتبقى؛ نحو كوز وكوزة، وعود وعودة فإن كان الجمع على وزن فعل "بكسر ففتح" جاز عند ابن مالك الإعلال -وهو الأولى- والتصحيح؛ نحو: حاجة وحوج أو حيج، وحيلة وحيل وحول. ويفهم من كلام ابن مالك أن التصحيح مطرد ولكنه غير الأولى. أما عند غيره فالتصحيح شاذ لا يقاس عليه، ويقتصر على الوارد المسموع منه، وهذا هو الرأي الأقوى. ويجب الاقتصار عليه. ٢ وفي هذا الموضع يقول ابن مالك: والواو لاما بعد فتح "ياء" انقلب كالمعطيان يرضيان. "ووجب "-١٦ التقدير: انقلبت الواو. حالة كونها لاما بعد فتح ياء كالياء في المعطيات ويرضيان؛ فأصلها الواو. أما الفعل: "وجب" فلا صلة له بهذا؛ وإنما صلته بالبيت السابع عشر الآتي في هاش ص٧٨٣. ٣ وهي لغة قريش.
[ ٤ / ٧٧٨ ]
فإن كانت فعلى اسما "وليست وصفا"، بقيت الواو بغير قلب، نحو: حزوى، اسم موضع ١.
٨- أنم تجتمع هي والياء في كلمة واحدة٢ بشرط ألا يفصل بينهما فاصل، وأن يكون السابق منهما أصيلا "أي: غير منقلب عن غيره" وساكنا سكونا أصليا غير عراض. فإذا تحققت هذه الشروط وجب قلب الواو ياء، وإدغامها في الياء، سواء أكانت الياء هي السابقة؛ نحو: سيد وميت "وأصلهما، سيود، ميوت كما سبق" أم كانت الواو هي السابقة؛ نحو: طي، ولي، وأصلهما: طوي، ولوي؛ بدليل: طويت ولويت فالواو في الأمثلة السالفة قلبت ياء، وأدغمت في الياء.
فإذا اجتمعتا في كلمتين فلا قلب، نحو: يدعو ياسر، ويجري وائل. ولا قلب كذلك إن كان بينهما فاصل، نحو: زيتون، أو كان السابق منهما متحركا، نحو: طويل وغيور، أو كان السابق غير أصيل، نحو: كويتب في تصغير. كاتب، أو كان سكونه غير أصيل، كقولهم في "قوى" الماضي، المكسور الواو أصالة: قوى، بسكون الواو، للتخفيف.
وإذا اجتمعت الواو والياء في تصغير اسم -لا وصف- مشتمل على واو متحركة، وتكسيره على: مفاعل -وما يوزانه-٣ جاز قلب الواو بالطريقة
_________________
(١) ١ وفي الموضع الساب يقول ابن مالك: في فصل مستقل يجيء بعد، ولا يشتمل إلا على بيتين أولهما يشتمل على حالة تبدل فيها الواو من الياء، وثانيهما تبدل فيه الياء من الواو. ونصهما تحت عنوان: "فصل": من لام "فعلى" اسما أتى الواو بدل ياء؛ كتفوى غالبا جاذا البدل-١ "أي: جاء هذا البدل، وسيعاد البيت لمناسبته في ص٧٨٥". يريد: أن الواو تبدل من الياء الواقعة لاما لاسم على وزن "فعلى" -بفتح، فسكون، ففتح مع مد- نحو: تقوى وهذه الصورة الثالثة من الصور التي سيجيء شرحها في موضعها الأنسب، عند الكلام على قلب الياء واوا "ص٣٨٣". أما الذي يعنينا هنا وهو العكس، "أي: قلب الواو ياء" فهو البيت الثاني آخر الفصل، ونصه: بالعكس جاء لام "فعلى" وصفا وكون: "قصوى" نادرا لا يخفى-٣ ٢ أو ما يشبهها، وينطبق عليه حكمها -كما سيجيء في ص٧٨٠. ٣ سبق بيان ما يوازنه في ص٦٦٤ و٦٧١.
[ ٤ / ٧٧٩ ]
السالفة وتصحيحها، نحو: جداول، والتصغير١: جديل، أو: جديول، بالقلب وعدمه، ونحو: أسود، للحية، وأساود، والتصغير: أسيد، أو أسيود. والإعلال أحسن في كل ذلك.
فإن كان المفرد المصغر وصفا تعين الإعلال؛ نحو: أليم، تصغير: ألوم، "اسم تفضيل، فعله: لام". وكذلك إن كانت الواو المفرد غير متحركة نحو: عجوز وعمود، وتصغيرها عجيز وعميد. ولا إعلال إن كانت الواو في المفرد عارضة؛ نحو روية، تخفيف رؤية، ونحو: بويع، لأن أصلها ألف ٢.
ومما ينطبق عليه حكم الكلمة الواحدة -مع أنه ليس بواحدة- جمع المذكر السالم المرفوع المضاف إلى ياء المتكلم، نحو: جاء صاحبي والأصل: صاحبون لي. حذفت النون للإضافة ومعها اللام؛ فصارت الكلمة صاحبوي، ثم قلبت الواوياء وأدغمت في الياء، وكسر ما قبلها.
٩- أن تقع لام اسم مفعول لفعل ماض، ثلاثي، على وزن: فعل -بفتح فكسر- نحو: رضي فهو مرضي. وقوي فهو مقوي. والأصل: مرضوي ومقووي "على وزن مفعول" اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون، قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء. وكخسر ما قبلها بدلا من الضمة؛ لكيلا تقلب الياء واوا بعد الضمة.
فإن كان الماضي غير مكسور العين وجب تصحيح الواو، نحو: مغزو ومدعو؛ وفعلهما: غزا، ودعا. غزو، ودعو؛ تحركت الواو وانفتح ما قبلها؛ قلبت ألفا، فصار: غزا ودعا٣.
_________________
(١) ١ راجع ما سبق خاصا بهذا في "التصغير"، هامش ص٦٩٥، رقم ٥. ٢ وفي هذا الموضع الثامن يقول ابن مالك في بحث مستقل عنوانه: "فصل"، نص البيت الأول والثاني منه -وهما الخاصان بموضوعنا: إن يسكن السابق من واو ويا واتصلا، ومن عروض عريا-١ فياء الواو اقلبن مدغما وشذ معطى غير ما قد رسما-٢ "عرى= خلا. رسم= عين وحدد بوضوح". ٣ ويصح أن يبقى الفعلان على أصلهما بغير قلب الواو، بقصد المدح، أو التعجب، بشرط أن يكون كل منهما على وزن "فعل" -بفتح فضم- وقد سبق الكلام على هذا النوع من التعجب في بابه الخاص "ج٣ ص٢٦٩ م١٠٩".
[ ٤ / ٧٨٠ ]
١٠- أن تكون لاما لجمع تكسير وزنه: فعول "بضم فضم"، نحو: "عصا، وجمعها: عصي"، "ودلو، وتكسيره: دلي". والأصل: عصوو، ودلوو؛ اجتمع واوان -واجتماعهما ثقيل- أولاهما زائدة في الجمع، والأخيرة أصلية "لام الكلمة" قلبت الواو الأخيرة ياء؛ فصارتا إلى:
"عصري، ودلوي" اجتمعت الواو والياء؛ وسبقت إحداهما بالسكون، قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وكسر ما قبلهما، فصارتا: عصي ودلي. يصح كسر أولهما للتخفيف؛ لأن الانتقال من الضم إلى الكسر في مثل هذه الصيغة لا يخلو من ثقل. ومن النحاة من يجيز التصحيح في جمع التكسير السالف، ولكن الأرجح عدم التصحيح
فإن كان "فعول" مفردا وجب التصحيح؛ نحو: عتو، علو، سمو، نمو ١.
١١- أن تكون عينا لجمع تكسير على وزن: "فعل" صحيح اللام مع عدم وجود فاصل بين العين واللام، نحو: صيم، ونيم، وأصلهما: صوم
_________________
(١) ١ وإلى الموضعين "التاسع والعاشر" يشير ابن مالك في فصل مستقل، أوله إن يسكن السابق من واو وياء، قائلا في البيتين الثامن والتاسع: وصحح المفعول من نحو: "عدا" وأعلل إن لم تتحر الأجودا-٨ يريد بنحو: "عدا" الماضي الثلاثي غير المكسور العين إذا كان واوي اللام حيث يجب التصحيح في الرأي الأجود؛ فتقول: عدا، وغزا، ودعا واسم المفعول، معدو، ومغزو، ومدعو. أما غير الأجود فيجري فيه القلب؛ فيقال: معدي، مغزي، مدعي. ومن هذا قول عبد يغوث الحارثي من شعراء الجاهلية: وقد علمت عرسي ملكية أنني أنا الليث معديا على وعاديا يريد: معدوا عليه ، وجاء في المحتسب "ج٢ ص٢٠٧" أن أبا حاتم قال: إن الواو المشددة أبدلت ياء للتخفيف، وسرد لهذا أشباها. ثم قال ابن مالك: كذاك ذا وجهين جا "الفعول" من ذي الواو لام جمع أو فرد يعن-٩ "يعن= أصلها: يعن. بالتشديد، أي: يظهر". والرأي عند ابن مالك أن "الفعول" جاء فيه عن العرب الوجهان؛ سواء أكان جمعا أم مفردا. وغير ابن مالك يحتم الرأي الذي شرحناه، ويحكم بالضعف على غيره -وستجيء إشارة للبيتين السالفين ي مناسبة أخرى ص٨٠٣.
[ ٤ / ٧٨١ ]
ونوم، بواوين قبلهما ضمة، وهذا ثقيل؛ فعدل عن الواوين إلى الياءين لخفتهما، ولكن التصحيح هو الأكثر؛ فيقال صوم، ونوم..١ فإن لم تكن اللام صحيحة لم يصح القلب، نحو شوى وغوى٢ "بضم أولهما، وتشديد ثانيهما المفتوح المنون، وهما جمع: شاو؛ وغاو، اسمي فاعل من: شوى وغلأى". كما يجب التصحيح إن فصلت العين من اللام، نحو: صوام ونوام، ومن الشاذ نبام ٣.
_________________
(١) ١ وفي هذا يقول ابن مالك في الفصل المشار إليه: وشاع نحو: "نيم" في: نوم ونحو: "نيام" شذوذه نمي-١٠ "نمي= نسب. أي: أنه نسب للشذوذ، وستجيء الإشارة لهذا البيت في مناسبة أخرى ص٨٣٠". ٢ أصلهما: شوي، وغوي، على وزن: فعل؛ كركع، وسجد؛ بضم الأول، وتشديد الثاني مع فتحه تحركت الياء، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا؛ فالتقى ساكنان هما هذه الألف والتنوين، فحذفت الألف للتخلص من التقاء الساكنين. ٣ "تكملة وبيان". ورد في كتب اللغة ما يساير هذه المسألة في بعض نواحيها، ويزيد عليها في بعض آخر؛ فهو أعم منها. جاء في "لسان العرب" مادة: "صاغ" ما نصه: "صاغ مصوغا. وصياغة، وصيغة، وصيغوغة، الأخيرة عن اللحياني.. ورجل صائغ، وصواغ، وصياغ؛ مصدقة في لغة أهل الحجاز. قال ابن جني: إنما قال بعضهم "صياغ" لأنهم كرهوا التقاء الواوين، ولا سيما فيما كثر استعماله، فأبدلوا الأولى من العينين ياء، كما قالوا في: "إما" أيما"، ونحو ذلك؛ فصار تقديره: "الصيواغ" فلما التقت الواو والياء على هذا أبدلوا الواو الثانية ياء، للياء قبلها، وأدغموا الياء في الياء: فقالوا: "الصياغ" فإبدالهم العين الأولى من "الصواغ" دليل على أنها الزائدة: لأن الإعلال بالزائد أولى منه بالأصل". ا. هـ. ومثل هذا تماما في كتاب: "الإبدال"؛ لأن الطيب اللغوي -ج٢ هامش ص٤٧٨- وجاء أيضا في اللسان في مادة: "قام" ما نصه: رجل قائم، من رجال قوم، وقيم وقيم، وقيام، وقوام" ا. هـ. ومثل هذا في مادة: "صام". ومسايرة لما سبق من اللغة الحجازية وغيرها يتبين صحة الاستعمال الشائع اليوم في مثل قيمت الشيء فتقيم، وأصله: قومته فتقوم وهذا أفصح. ومن معانيها: حددت للشيء قيمته. وقد صحح مجمع اللغة العربية بالقاهرة ومؤتمره ذلك الاستعمال الشائع، اليوم معتمدا في تصحيحه على ما أسلفناه من بعض لغات العرب. وقد صدر قراره بالتصحيح في الجلسة الثامنة من جلسات مؤتمر الدورة الرابعة والثلاثين لسنة ١٩٦٨ طبقا لما هو مدون في ص٢٢٨ من الكتاب الذي أخرجه المجمع سنة ٦٩ باسم: "كتاب في أصول اللغة" مشملا على مجموعة القرارات التي أصدرها المجمع من الدورة التاسعة والعشرين إلى الدورة الرابعة والثلاثين مدعومة بالبحوث والأدلة التي اعتمد عليها في إصدار تلك القرارات.
[ ٤ / ٧٨٢ ]
إبدال الواو من الألف:
إذا وقعت الألف بعد ضمة وجب قلبها واوا، سواء أكان هذا في اسم، أم فعل، فمثل الاسم: لويعب، ومويهر، وهما تصغير: لاعب وماهر، ويشترط لقلب الألف واوا في التصغير ألا يكون أصلها ياء كالتي في: "ناب" "بمعنى: السن" فإنها في التصغير ترجع إلى أصلها الياء -كما تقدم١ في بابه- فيقال: نييب.
ومثال الفعل: روجع، عومل، بويع وهي أفعال ماضية مبنية للمجهول: وأصلها للمعلوم: راجع، عامل، بايع ٢.
إبدال الواو من الياء:
يقع هذا في أربعة مواضع:
١- أن تكون الياء في لفظ غير دال على الجمع. مع سكونها. ووقوعها بعد ضمة، وعدم تشديدها. نحو: يوقن وموقن، يونع ومونع، يوقظ وموقع، يوسر وموسر قلبت الياء واوا في المضارع واسم الفاعل، وهكذا والأصل: أيقن الرجل ييقن؛ فهو ميقن، أينع الثمر يينع؛ فهو مينع، أيقظ الصباح النائم ييقظ، فهو ميقظ، أيسر النشيط ييسر؛ فهو ميسر. فلا يصح القلب إن كان اللفظ جمعا: نحو: بيض وهيم، "تقول: هذا ورق أبيض وورقة بيضاء والجمع فيهما بيض٣ بضم الباء،
_________________
(١) ١ في ص٧٠٤. ٢ وإلى هذه الحالة أشار ابن مالك في آخر البيت السادس عشر وأول السابع عشر بقوله: ووجب-١٦ إبدال واو بعد ضم من ألف -١٧ أما صدر البيت الأول فخاص بقاعدة سلفت في ص٧٧٨ وأما بقية الثاني فخاص بقاعدة ستجيء بعد هذه مباشرة. ٣ قياس تكسيرها: فعل.
[ ٤ / ٧٨٣ ]
ثم يجب كسرها في هذه الصورة؛ لثقلها في جمع التكسير قبل الياء الساكنة غير المشددة. وتقول: هذا جمل أهيم١، وناقة هيماء، والجمع فيهما: هيم، بضم الهاء، ثم تكسر الهاء، وجوبا، لما سبق".
كذلك لا يصح القلب: إن كانت الياء متحركة، نحو: هيام٢، -بضم، ففتح بغير تشديد- أو كانت غير مسبوقة بضمة، نحو: خيل وجيل أوو كانت مشددة؛ نحو غيب٣ ٤.
٢- أن تكون لاما لفعل، وقبلها ضمة؛ "كالأفعال اليائية: نهى، قضى، رمى إذا أردنا تحويلها إلى صيغة "فعل" لغرض؛ كالتعجب " نحو: نهو الرجل، أو: قضو، أو رمو..؛ للتعجب من نهينه -أي: عقله- أو من قضائه، أو رميه. وهذه الألفاظ تؤدي معنى التعجب، أي: ما أنهاه! -ما أقضاه! - ما أرماه! فكل هذه وتلك من أساليب التعجب القياسية التي سبق الكلام عليها في بابه٥.
وقد تكون لاما لاسم مختوم بتاء تأنيث بعدها تلازم الكلمة؛ بحيث لا تؤدي الكلمة معناها إلا مع هذه التاء؛ كبناء صيغة على وزن "مقدرة" -بفتح، فسكون، فضم، ففتح- من الفعل، رمى؛ فتكون، مرموة، والأصل: مرمية -بكسر الميم الثانية- قلبت الياء واوا؛ لوقوعها بعد ضمة.
_________________
(١) ١ شديد العطش. ٢ مصدر: هام، بمعنى: اشتد عطشه، أو حبه. ٣ جمع غائب. ٤ وفي هذا الموضع من قلب الياء واوا وقلب الضمة كسرة في مثل: بيض، وهيم، ونحوهما يقول ابن مالك في البيت السابع عشر الذي سبق صدره: و"ياء" كموقن بذاتها اعترف-١٧ يريد: أن الياء التي كانت في أصل كلمة: "موقن" يجب قلبها واوا، كما انقلبت الألف في الحالة السالفة واوا. فالتشبيه بين الحالتين مقصور على قلب الحرفين -الألف والياء- واوا. ثم قال في قلب الضمة كسرة: وبكسر المضموم في جمع كما يقال: "هيم" عند جمع: أهيما-١٨ "والألف التي في آخر: "أهيما" زائدة للشعر". ومثل أهيم: هيماء، وما شابههما مما يجتمع فيه سبب الكسر. ٥ ج٣.
[ ٤ / ٧٨٤ ]
فلو جاءت التاء بعد بناء الصيغة المطلوبة لم يصح القلب، ووجب ترك الياء على حالها، نحو: "تمادية"؛ وهي مصدر دال على المرة، وفعله: تمادى: وأصل المصدر: تماديا -بضم قبل الياء كسرة، لتسلم الياء من قبلها واوا. ثم جاءت التاء الدالة على الوحدة بعد انقلاب الضمة كسرة.
وقد تكون لاما لاسم مختوم بالألف والنون الزائدتين؛ كبناء صيغة من الفعل: رمى على وزان: سبعان "بفتح، فضم، ففتح مع مد اسم موضع" فيقال: رموان"١.
٣- أن تكون لاما لاسم على وزن: فعلى -بفتح، فسكون، ففتح مع المد- نحو: تقوى، وشروي، وفتوى والأصل: تقيا، وشريا، وفتيا بدليل: تقيت، وشربت، وفتيت؛ فأبدلت الياء واوا في الثلاثة، وفي نظائرها من الأسماء المحضة، لا. الأوضاف٢.
٤- أن تكون عينا لكلمة على وزن: فعلى -بضم، فسكون، ففتح مع المد- بشرط أن تكون الكلمة اسما محضا، أي: خالصا من شائبة الوصفية؛ نحو: "طوبى"٣، التي هي اسم خالص الاسمي، للجنة، أو لشجرة فيها فإن لم تكن اسما محضا وكانت صفة محضة، -أي: خالصة من شائبة الاسمية- وجب تصحيح الياء وكسرها ما قبلها؛ لكي تسلم من قبلها واوا، ولا يكاد يعرف من هذا النوع
_________________
(١) ١ وفي هذا الموضع يقول ابن مالك: وواوا أثر الضم رد "اليا" متى ألفي لام فعل، او من قبل: "تا"-١٩ كتاء بان من: "رمى" كمقدره كذا إذا كسبعان صيره-٢٠ "ألفى= وجد" والمراد: متى وجد حرف الياء على هذه الصورة. ٢ وفي هذا يقول ابن مالك في بيت سبقت الإشارة إليه في ص٧٧٩ تحت عنوان "فصل" ونصه: من لام فعلى اسما أنى الواو بدل ياء؛ كتقوى -غالبا- جاذا البدل-١ ٣ وأصلها: طيي. بالياء -لأن فعله: طاب بطيب- قلبت الياء واوا. "انظر رقم ٥ في الهامش الآتي".
[ ٤ / ٧٨٥ ]
-كما قالوا- إلا كلمتان هما: ضيزى١ وحيكى٢، وأصلهما٣: ضوزى، وحوكى، بالواو الساكنة فيهما، المسبوقة بضمة. قلبت الواو ياء ساكنة، وقلبت الضمة قبلها كسرة.
فإن كانت الصفة غير محضة -لجريانها مجرى الأسماء٤، جاز في الرأي الأنسب٥ القلب والتصحيح، وفي الحالتين تكون الصفة غير المحضة دالة على التفضيل؛ لأنها مؤنث "أفعل" الدال على التفضيل أيضا، ومن أمثلتها: "طوبى٦ أو: طيبى، مؤنث أطيب"، "كوسى أو: كيسى؛ مؤنث أكيس"، "ضوقى أو: ضيقى، مؤنث: أضيق"، "خورى، أو خيرى، مؤنث: أخير"
إبدال الألف من الواو والياء:
إذا وقعت الألف عينا للماضي الثلاثي، أو لاما، فلا بد أن تكون منقلبة
_________________
(١) ١ يقال: قسمة ضيزي، أي: جائزة ظالمة "ضازه، يضوزه، ويضيزه ، جار عليه، وبخسه" ٢ يقال: مشية حيكى إذا تحرك فيها المنكبان. "حاك في مشيه يحوك ويحيك، إذا حرك منكبيه". ٣ أصلها عند كثير من النحاة: "ضوزى. وحوكى"؛ فهما واويان. وهذا مخالف لما يدل عليه "القاموس وتاج العروس" من أنهما واويات ويائيان، فلا يصح الاستدلال بهما على قلب الواو لجواز أن تكون هذه الياء هي التي في أصلها ٤ ويعرف جريانها مجرى الأسماء بأن تكون معمولة للعوامل المختلفة مباشرة دون أن يسبقها موصوف. ٥ وهو رأي ابن مالك، فقد نص على أن الوجهين مسموعان عن العرب، ويخالفه سيبويه وكثرة النحاة؛ فقطعوا بقلب: ياء "فعلى" واوا إذا كانت اسما؛ كطوبى الاسمية، أو وصفا غير محض، وبعدم قلبها إذا كانت وصفا محضا، وكسر ما قبلها لتسلم. ويقول ابن مالك مسجلا رأيه، قاصدا "فعلى" الجارية مجرى الأسماء. وإن تكن عينا لفعلى وصفا فذاك بالوجهين عنهم يلفى-٢١ "يلقى= يوجد -كما سبق". ٦ كلمة: "طوبى" قد تكون سما محضا كالتي هي اسم الجنة، أو اسم شجرة، وقد تكون وصفا إذا كانت للتفضيل، مؤنث: "أطيب" الدال على التفضيل، كما عرفنا.
[ ٤ / ٧٨٦ ]
عن واو أو ياء: نحو: "صام، باع"، "سما، جرى" والأصل: صوم، بيع، سمو، جرى بفتح الواو والياء في كل ذلك. والدليل على هذا الأصل. المصادر، أو غيرها، إذ نقول: صوم، بيع، سمو، جري، فقلبت الواو والياء في تلك الأفعال ألفا. كما يقلبان في كثير من الأسماء أيضا، ولا يقع هذا القلب في الأفعال ولا في الأسماء إلا بعد اجتماع عشرة شروط:
أولها: أن يتحركا. فإن لم يتحركا لم يقع القلب، كما في "قول، صوم"، "بيع، عين".
ثانيها: أن تكون حركتهما أصلية ليست طارئة للتخفيف أو لغيره من الحركات التي لا تلازمهما؛ فلا قلب في نحو: جيعل، وتوم "وأصلهما: جيئل١، وتوءم٢، نقلت حركة الهمزة -بعد حذفها للتخفيف- إلى الساكن قبلها، عند يبيح هذا التخفيف إن أمن اللبس". ولا في مثل قوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ ٣.
ثالثها: أن يكون ما قبلهما مفتوحا؛ فلا قلب في مثل: العوض -الدول- الحيل.
رابعها: أن تكون الفتحة التي قبلهما متصلة بهما -في كلمة واحدة، فلا قلب في مثل: حضر وفد ليس يزيد فيه.
خامسها: أن يتحرك ما بعدهما إن كانا في أصلهما غير لامين؛ "كأن يكونا فاءين، أو عينين للكلمة"، وألا يقع بعدهما ألف، ولا ياء مشددة إن كنا لامين؛ فلا قلب في مثل: "توالى، وتيامن"، "وحورنق٤، وطويل وبيان، وغيور"؛ لسكونهما بعدهما مع وقوعهما فاءين أو عينين. ولا في مثل: "جريا، وسموا، وفتيان، وعصوان": لوقوعهما لاما للكلمة وبعدهما ألف. ولا في مثل: "علوي وحي٥" لوقوع ياء مشددة بعدهما.
_________________
(١) ١ اسم للضبع. ٢ المولود ومعه غير في بطن واحد، فكل منهما توءم، وهما: توءمان، والأكثر: توائم. ٣ و٣ "لتبلون، تنسوا" حركة واو الجماعة هنا عارضة؛ للتخلص من التقاء الساكنين. ٤ اسم قصر قديم بالعراق للنعمان. ٥ صاحب حياء.
[ ٤ / ٧٨٧ ]
وإنما قلبا في سما، ودعا، ومشى، وسعى مع وقوعهما لاما؛ لعدم وقوع ألف ولا ياء مشددة بعدهما. ولهذا السبب نفسه قلبا في مثل: "يخشون، ويدعون" مع وقوعهما لاما؛ "إذ أصلهما: يخشيون، ويدعوون. تحركت الياء والواو؛ وانفتح ما قبلهما؛ فقلبتا ألفا: فالتقى ساكنان؛ حذفت الألف للتخلص من التقاء الساكنين؛ فصار اللفظان: يخشون ويدعون".
ومما سبق يتبين أن القلب ممتنع إذا كانا لا يمن، بعدهما الألف أو الياء المشددة. أما إذا وقع بعدهما ساكن آخر غير هذين١ فالقلب واجب على الأرجح٢
سادسها: ألا تكون إحداهما عينا لفعل ماض على وزن: "فعل" -بفتح فكسر- والصفة المشبهة الغالبة فيه على وزن: "أفعل"٣؛ نحو هيف؛ فهو أهيف٤ وغيد٥؛ فهو: أغيد وحول فهو؛ أحول وعور؛ فهو أعور
_________________
(١) ١ يلاحظ أن الياء المشددة هي ياءان أولاهما ساكنة. ٢ يذكر ابن مالك الشروط الخمسة السابقة "وهي: التحرك، وأصالته، وفتح ما قبل الواو والياء، واتصالهما بالفتحة التي قبلها مباشرة في كلمة واحدة، وتحرك ما بعدهما " في الفصل المستقل الذي أشرنا إليه في رقم ٢ من هامش ص٧٨٠ فيقول بعد البيتين الأولين منه، الخاصين بقلب الواو ياء عند اجتماعهما على الوجه الذي سبق شرحه يقول ما نصه: من واو، او ياء بتحريك أصل ألفا ابدل بعد فتح متصل-٣ إن حرك التالي، وإن سكن كف إعلال غير اللام وهي لا يكف-٤ إعلالها بساكن غير ألف أو ياء التشديد فيها قد ألف-٥ "أصل= تأصل، وليس عارضا، كف= منع، ألف= عرف وشاع في الكلام المأثور الفصيح" وتقدير البيت الأول: أبدل ألفا بعد فتح متصل من واو، أو ياء موصوفين بتحريك متأصل فيهما. وأوضح في البيت الثاني أن الإبدال السابق لا يقع إلا إن حرك التالي بعدهما. أما إن سكن ما بعدهما فإن السكون يكف إعلال غير اللام. أي: يمنع قلب الواو والياء الواقعتين في غير اللام "وغير اللام هو: الفاء والعين" أما اللام فيقع فيها القلب إن سكن ما بعدها، بشرط أن يكون الساكن حرفا غير الألف وغير الياء المشددة؛ "لأن الياء المشددة تكون من ياءين الأولى منهما ساكنة -كما سبق في رقم ١". ٣ تكون الصفة المشبهة كذلك إذا كان الفعل الماضي لازما مكسور العين دالا على لون، أو عيب، أو شيء فطري، أو وصف ظاهر في الجسم وقد تقدم الكلام على هذا في باب الصفة المشبهة ج٣ من١١ م١٠٤. ٤ الهنيف: مصدر: هيف -كفرح- وهو ضمور البطن ودقة الخاصرة، ويعد من الصفات الممدوحة. ٥ الغيد: مصدر: غيد -كفرح- وهو: نعومة الجسم.
[ ٤ / ٧٨٨ ]
سابعها: ألا تكون إحداهما عينا لمصدر الفعل الماضي السالف؛ ولهذا يقال: هيف، وغيد، وحول، وعور ، بغير قلب ١.
ثامنها: ألا تكون الواو عينا لفعل ماض على وزن: "افتعل" دال على المفاعلة٢؛ فلا قلب في نحو: اجتوروا واشتروا، بمعنى: جاور بعضهم بعضا، وشاور بعضهم بعضا. فإن لم يدل على المفاعلة وجب القلب؛ اجتاز، واختان؛ بمعنى: جاز، "أي: قطع" وخان، وهذا الشروط خاص بالواو دون الياء ولهذا وقع القلب في استافوا، "أي: تسايفوا، بمعنى: اشتركوا في ضرب السيوف"، والأصل: استيفوا. قلبت الياء ألفا بالرغم من الدلالة على المفاعلة. ومثلها: امتازوا وابتاعوا: بمعنى تمايزوا، وتبايعوا، والأصل: امتيزوا وابتيعوا ٣.
تاسعها: ألا يكون بعد أحدهما حرف يستحق ألفا؛ لئلا يجتمع في كلمة قلبان متوليان بغير فاصل، وهو ممنوع، في الأغلب. فإن وقع بعدهما حرف يتسحق هذا القلب وجب -في الأكثر- قلبه، وتصحيح السابق، اكتفاء بقلب المتأخر: نحو: "الحيا"، مصدر الفعل: حيى، "والهوى": مصدر الفعل: هوي. "والحوى": مصدر الفعل: جوي "والأفعال الماضية الثلاثة على وزن "فعل"، بفتح فكسر، ومصادرها على وزن: "فعل" بفتح ففتح"٤
_________________
(١) ١ وفي الشرطين: "السادس والسابع" يقول ابن مالك في الفصل المشار إليه: وصح عين "فعل" وفعلا ذا "أفعل"؛ كأغيد وأحولا-٦ المراد بفعل: مصدر الثلاثي "فعل". والمراد بصاحب أفعل: الماضي الثلاثي اللازم الذي تكون الصفة المشبهة منه على وزن "أفعل"؛ وضرب له مثالين، هما: أغيد وأحول -كما في الشرح. ٢ وهي المشاركة من فريقين في الفاعلية والمفعولية، وكما تسمى "المفاعلة تسمى أيضا: "التفاعل". ٣ وفي هذا يقول ابن مالك: وإن يبن تفاعل من "افتعل" والعين واو سلمت ولم تعل-٧ ٤ لأن فعلهما الماضي كفرح، فالمصدر هو: فرح، على وزن: فعل "بفتح ففتح" فمصدرهما كذلك على وزن؛ فعل.
[ ٤ / ٧٨٩ ]
فأصل المصادر: حيي، حرى، حوو١؛ ففي كل مصدر حرفان متواليان صالحان للقلب ألفا، لتحرك كل منهما وفتح ما قلبه. فجرى القلب على الثاني منهما؛ لأنه في آخر الكلمة، والأطراف محل القلب والتغيير غالبا، وسلم الأول.
وقد وقع القلب على الأول بعض كلمات مسموعة لا تكفي للقياس عليها ومنها: كلمة: آية، وأصلها، في رأي من عدة آراء، أيية، بياءين متحركتين قبل كل منهما فتحة. قلبت الأولى ألفا وسلمت الثانية٢
عاشرها: ألا يكون أحدهما عينا في كلمة مختومة بأحد الحروف الزائدة المختصة بالأسماء؛ كالألف والنون معا، وكألف المقصورة فلا قلب في مثل: الجولان٣، والهيمان٤، والصورى٥، والحيدى٦ ونحوها ٧.
إبدال الميم من الواو، ومن النون:
أ- تبدل الميم من الواو وجوبا في كلمة: "فو"٨ غير المضافة. وأصلها: فوه؛ حذفت الهاء تخفيفا؛ فيقال فيها بعد الإبدال: فم، والدليل على أن هذه الميم مبدلة من الواو قولهم في الجمع: أفواه. والتكسير من الأشياء التي ترد الألفاظ إلى أصولها.
فإن أضيفت كلمة: "فو" إلى اسم ظاهر أو: مضمر جاز إبقاء الواو -وهذا
_________________
(١) ١ لأن هذا من الحوة "وهي: سمرة محمودة قديما في الشفتين" ولقولهم في تثنيته: خووان. ٢ وإلى هذا الشرط وورود السماع بما يخالف في بعض كلمات يقول ابن مالك في الفصل المشار إليه: وإن لحرفين ذا الإعلال استحق صحح أول وعكس قد يحق-٨ يريد: إن استحق هذا الإعلال "القلب" لحرفين بسبب تحقق شروطه في كل منهما فأولهما يصحح ويسلم من القلب، وثانيهما يقلب، وقد يقع العكس قليلا. ٣ التنقل. ٤ مصدر: هام على وجهه: إذا سار على غير هدى. ٥ بفتحات: اسم بقعة بها ماء. ٦ بمعنى: المائلة أو السريعة النشيطة. ٧ وفي هذا يقول ابن مالك: وعين ما آخره قد زيد ما يخص الاسم واجب أن يسلما-٩ ٨ إحدى الأسماء الستة.
[ ٤ / ٧٩٠ ]
هو الأكثر- وجاز قلبها ميما. فيقال: فوك، أو: فوالنظيف، طيب الرائحة، ويصح فمك، أو فم النظيف طيب الرائحة.
ب- وتبدل الميم من النون بشرطين: أن تكون النون ساكنة، وأن يقع بعدها الباء؛ سواء أكانتا في كلمة أم في كلمتين؛ نحو: انبعث البريد، ونحو: من بعث الرسالة؟ ويلاحظ أن قلب النون ميما مقصور على النطق فقط، أما في الكتاب فتبقى صورة النون على حالها ١.
إبدال التاء من الواو، والياء:
يجب قلب الواو والياء تاء إذا وقعا "فاء افتعال"، أو فاء أحد مشتقاته٢، وكانا غير مبدلين من همزة، فإذا تحقق الشرطان "وقوعهما فاء افتعال أو أحد مشتقاته، وعدم انقلابهما عن همزة". وجب قلبهما تاء -كما قلنا- وإدغام هذه التاء في تاء الافتعال أو مشتقاته. فعند بناء صيغة على وزن: "افتعال" -مثلا- من الماضي: وصل، أو: يسر، يقال: اوتصل، ايتسر، ثم تقلب الواو والياء تاء، وتدغم في التاء الموجودة، وتصير الصيغتان: اتصل، واتسر٣، ويقال في المضارع قبل القلب: يوتصل، وييتسر، ويصير بعد القلب والإدغام: يتصل ويتسر ٤ ومثل هذا يقال في الأمر، وباقي مشتقات "الافتعال"،
_________________
(١) ١ وفي إبدال الميم من النون يقول ابن مالك خاتما الفصل السابق: وقبل "با" اقلب "ميما" النون إذا كان مسكنا؛ كمن بت انبذا-١٠ وتقدير البيت: واقلب حرف النون ميما إذا كان النون مسكنا قبل باء. وساق لهذا مثالا حوى صورتي النون الساكنة قبل الباء في كلمة واحدة؛ مثل: انبذا -والأصل: انبذن، بنون التوكيد الخفيفة المنقلبة ألفا؛ للموقف- أوفى كلمتين مثل: من بت. أي: قطع. ومعنى الجملة؛ من قطع مودته فانبذه، أي: اطرحه، واتركه، ولا تبال به. ٢ الماضي، والمضارع، والأمر، واسم الفاعل، واسم المفعول إلخ. ٣ بمعنى: لعب الميسر، وهو القمار، أو: اغتنى. ٤ ويصح أن يقال في: "اوتصل" قلبت الواو ياء لوقوعهما بعد الكسرة، فصارت الكلمة: "ايتصل"، ثم قلبت الياء تاء للافتعال؛ فصارت: اتصل. والنتيجة في الحالتين واحدة؛ هي قلب الواو تاء؛ إما بعمل واحد كالأول، وهو الأحسن لاختصاره. وإما بعملين وهو المساير لقاعدة قلب الواو ياء. نعم، إن الياء المنقلبة عن الهمزة لا يصح قلبها تاء افتعال، لكن الياء هنا منقلبة عن واو، فيجوز قلبها تاء، كما يجوز قلب الواو -دون الهمزة- تاء افتعال. "راجع التصريح والصبان".
[ ٤ / ٧٩١ ]
التي فاؤها أحد الحرفين السالفين غير المبدلين من الهمزة.
فإن كان أحدهما مبدلا من الهمزة لم يجز القلب -في أشهر اللغات- فلا تقلب الياء تاء في مثل: "ايتكل"، وهي صيغة "افتعل" من أكل؛ لأن ياءها في الأصل همزة، وقعت بعد همزة مكسورة؛ فانقلبت الثانية ياء؛ طبقا لما تقدم١.
ولا تقلب الواو تاء في مثل: اوتمن؛ لأن هذه الواو مبدلة من الهمزة الثانية التي وقعت بعد ضمة؛ إذ الأصل أؤمن، قلبت الثانية واوا لوقوعها بعد نظيرتها المضمومة -كما عرفنا-١ فوجب عدم القلب ٢.
إبدال الطاء من تاء الافتعال:
يجب قلب "تاء الافتعال" ومشتقاته "طاء" بشرط أن تكون هذه التاء في كلمة فاؤها حرف من أحرف الإطباق٣؛ "وهي: الصاد، والضاد، والطاء، والظاء" وبعده هذه التاء. فإذا أريد بناء صيغة على وزن: افتعل -مثلا- من: صبر، أو: ضغن٤، أو: طلع، أو: ظلم قيل: اتبر، اضتغن، اطتلع، اظتلتم. ثم تقلب التاء طار في اصتبر؛ فيقال: اصطبر. وتقلب التاء طاء في: اضتغن؛ فيقال: اضطغن بطاء ظاهرة في النطق والكتابة، وكذلك تقلب التاء في اطتلع؛ فيقال اططلع، ثم تدغم الطاءان وجوبا؛ فيقال: اطلع وتقلب في اظتلم؛ فيقال: اضطلم. وفي مثل هذه الصورة التي تبدل فيها "تاء
_________________
(١) ١ في ص٧٧٠ وما بعدها. ٢ وفي هذا يقول ابن مالك في فصل مستقل يقتصر على بيتين، أولهما: ذو اللين "فا" "تا" في "افتعال" أبدلا وشذ في ذي الهمز؛ نحو: ائتكلا-١ يريد: بذي اللين: حرف العلة الواو والياء. وأما الألف فلا تكون فاء كلمة. وتقدير البيت: ذو اللين حالة كونه فاء في صيغة "افتعال" أبدل تاء. وشذ هذا الإبدال في صاحب الهمز، أي: في الحرف المبدل من همزة؛ نحو: ايتكل، من الأكل، فلا يقال فيه: اتكل، إلا شذوذا في رأي ابن مالك؛ لأنها لغة قليلة. ٣ لأن اللسان عند النطق بها يطيق بأعلى الفم. ٤ ضغن قلب العدو: امتلأ حقدا.
[ ٤ / ٧٩٢ ]
الافتعال" طاء بعد الظاء. يجوز ثلاثة أمور بعد القلب، إما ترك الطاء والظاء على حالهما؛ فيقال: اظطلم -كما سبق- وإما قلب الطاء ظاء وإدغامها في الظاء؛ فتصير الكلمة: اظلم. وإما قلب الظاء طاء وإدغامها في الطاء؛ فتصير الكلمة: اطلم ١.
إبدال الدال من تاء الافتعال:
يجب إبدال الدال من "تاء الافتعال" ومشتقاته بشرط أن تكون هذه التاء في كلمة فاؤها الدال، أو الذال، أو الزاي، وقد وقعت التاء بعد حرف من الثلاثة، فإذا أريد بناء صيغة على وزن: "افتعل" -مثلا- من: دغم، أو: ذخر، أو زجر قيل ادتغم، اذتخر، ازتجر، ثم تقلب التاء في كل ذلك "دالا" فيقال: ادغم، بإدغام الدال في الدال وجوبا. واذ دخر، ويصح قلب الذال دالا وإدغامها في الدال الأصلية، فيقال: ادخر، كما يصح -مع القلة- قلب الدال الأصلية ذالا وإدغامها في الذال؛ فيقال: اذخر، فهذه ثلاث لغات أقوالها الأولى فالثانية.
ويقال: ازدجر ٢.
_________________
(١) ١ في إبدال الطاء من "تاء الافتعال" والدال منها يقول ابن مالك: "طا" "تا" افتعال رد إثر مطبق في ادان، وازدد، وادكر دالا بقي-٢ "مطبق= حرف من حروف الإطباق؛ وهي الأربعة التي ذكرناها. رد= صير، بقي= صار"، يقول: صير "تاء الافتعال" طاء بعد حرف الإطباق. كما يقول: إن تاء الافتعال صار دالا في مثل: ادان، وازدد، واذكر، أي: في الكلمات التي فاؤها دالا أو زايا، أو ذالا، وبعد كل من هذه الحروف تاء الافتعال مباشرة. فالبيت تضمن في شطره الأول إبدال الطاء من الافتعال، وتضمن في شطره الثاني إبدال التاء منها. ٢ أشار ابن مالك لهذا في البيت الذي في أول هذا الهامش.
[ ٤ / ٧٩٣ ]
المسألة ١٨٣: الإعلال ١ بالنقل
معناه:
نقل الحركة من حرف صحيح ساكن قبله. وقد يبقى حرف العلة بعد ذلك على صورته مع تجرده من الحركة. أو ينقلب حرفا آخر. وهذا النوع من الإعلال خاص بالواو والياء دون الألف؛ لأنهما يتحركان وهي لا تتحرك مطلقا. ومن الأمثلة: يصوم. فأصله: يصوم٢ -بفتح، فسكون، فضم - نقلت حركة حرف الواو "وهي: الضمة" إلى الساكن الصحيح قبلها، مع إزالة سكونه؛ فصار المضارع بعد هذا النقل: "يصوم" بواو ساكنة، وقد بقيت صورتها ساكنة بعد نقل حركتها. ومثله: "يقوم، يعود، يقول، يعوم" فيجري في كل مضارع من هذه الأفعال ما جرى في نظيره: "يصوم".
ومن الأمثلة: يبيع، بفتح، فسكون، فكسر٣، نقلت حركة الياء إلى الساكن الصحيح قبلها؛ فصار المضارع بعد هذا النقل: "يبيع" بياء ساكنة، بقيت صورتها ساكنة بعد نقل حركتها.
ومن الأمثلة أيضا: يخاف. أصله: يخوف -بواو مفتوحة- نقلت حركة الواو إلى الساكن الصحيح قبلهاز ثم انقلبت الواو ألفا، لاعتبارها متحركة بحسب الأصل، وقد انفتح ما قبلها الآن، فصارت: يخاف. ومثله: "ينام٤، يزال٥، يكاد٦، يحار٦" حيث جرى على كل مضارع من هذه
_________________
(١) ١ راجع ما سبق في معنى الإعلال العام ص٧٥٦ وهامشها. ٢ لأن الفعل صام يصوم، من باب: فعل يفعل؛ كنصر ينصر. ٣ لأنه من باب: "ضرب يضرب". ٤ أصله: "ينوم" لأنه من باب "تعب يتعب" ثم دخله إعلال النقل، وإعلال القلب ٥ أصله: "يزبل" لأنه من باب: "تعب يتعب". ثم دخله الإعلالان، كسابقه. ٦ و٦ من باب: تعب يتعب. دخل الإعلالان المضارع.
[ ٤ / ٧٩٤ ]
الأفعال ما جرى على المضارع: "يخاف"؛ من نقل فتحة الواو للساكن قبلها، ثم قلبها ألفا.
فنرى مما سبق أن حرف العلة "الواو والياء" قد يبقى على صورته السابقة بعد نقل حركته "مثل: يصوم، يقوم " وقد ينقلب حرفا آخرا؛ "مثل: يخاف، يحار".
لكن، ما الضابط العام الذي يخضع له حرف العلة، ليبقى على صورته من غير حركة، أو ينقلب حرفا آخر؟
الضابط هو: أن حرف العلة إن كان في أصله متحركا بحركة تجانسه١ -أي: تناسبه- وجب بقاء صورته ساكنة بعد نقل حركته إلى الساكن قبله؛ كما في: "يصوم، يقوم " وكما في: "يبيع، يهيم" وإن كان في أصله متحركا بحركة لا تناسبه وجب -بعد نقل حركته- أن ينقلب حرفا جديدا مناسبا لحركته الأصلية السابقة التي نقلت إلى الساكن الصحيح قبله، فالمفتوح يصير ألفا، والمضموم يصير واوا، والمكسور يصير ياء - ومن الأمثلة: "أقام وأبان"، فأصلهما: "أقوم وأبين"٢ بفتح حرف العلة؛ نقلت حركة الواو والياء للساكن للصحيح قبلهما. ثم قلب حرفا العلة ألفا، لأن الألف هي التي تناسب الفتحة؛ فصار الفعلان: أقام وأبان. وفي مثل هذا القلب يقال: تحركت الواو والياء بحسب الأصل، وانفتح ما قبلهما بحسب الحال، فانقلبا ألفا٣. ويجري ما سبق على نحو: "أقيم وأبين " وأصلهما: أقوم وأبين.. دخلهما إعلال النقل وإعلال القلب.
_________________
(١) ١ الحركة التي تجانس حرف العلة؛ هي: الضمة للواو، والكسرة للياء، أما التي لا تناسب فالكسرة أو الفتحة للواو، والضمة أو الفتحة للياء. ٢ لأن فعلهما: قام يقوم، وبان يبين. فالأول واوي العين، والثاني يائيها. ٣ يقال هذا تعليلا للقلب، لإدخاله تحت قاعدة عامة مطردة؛ هي: أن حرف الواو أو الياء إذا تحرك وانفتح ما قبله وجب قلبه ألفا على الوجه الذي سبق شرحه في هذا الباب ص٧٨٦ و..
[ ٤ / ٧٩٥ ]
مواضعه:
يقع الإعلال بالنقل في أربعة مواضع، يكون حرف العلة في كل منهما عين الكلمة، ومتحركا..
أولهما: أن يكون حرف العلة "الواو، أو الياء" عينا متحركة لفعل؛ نحو: يصول، ويغيب. والأصل: يصول ويغيب، وبضم الواو وكسر الياء، ثم نقلت حركتهما إلى الساكن قبلهما، وبقي كل منهما بعد ذلك على صورته -طبقا لما قدمنا- فيصير الفعلان: يصول، يغيب.
ويشترط لإجراء النقل في هذا الموضع أن يكون الساكن قبل حرف العلة صحيحا، وأن يكون الفعل غير مضغف اللام، ولا معتلها، ولا مصوغا للتعجب، على وزن إحدى الصيغتين القياسيتين فيه١. فلا يقع الإعلال بالنقل في مثل: "قاوم وبايع، وعوق وبين"؛ لأن الساكن قبل الحرفين غير صحيح. ولا في مثل: "ابيض واسود"؛ لتضعيف لامه، ولا في مثل: "أعوى وأحيا"؛ لاعتلالها، ولا في مثل: "ما أقومه!! وما أبينه٢!! وأقوم به!! وأبين به!! " لأن الفعل مصوغ على صيغتي التعجب القياسيتين ٣.
_________________
(١) ١ ومثل التعجب: "اسم التفضيل"؛ نحو: هذا أقوم طريقة وأبين منهجا؛ فلا يصح الإعلال بالنقل في كلمتي؛ أقوم؛ وأبين، وقد سبق بيان الحكمين في بابي: "التعجب والتفضيل"، ج٣ م١٠٨ ص٣٣٣ وم١١٢ ص٣٩٣. ٢ وقولهم: ما أحوج الجبان إلى أن يسمع ويرى عجائب الشجعان. ٣ كما سبق في بابه ج٣ م١٠٨ ص٣٣ ومثل التعجب: "التفضيل" "انظر رقم ١ من هذا الهامش. "ملاحظة": ورد في المسموع كلمات كثيرة تخالف الضابط السابق حتى قيل عنه إنه غير محكم والبيان المفصل الخاص بهذا مدون في ج٣ م١٠٦ ص٣١٦، باب: "اسم الزمان والمكان" وهناك رأي المجمع اللغوي. وفي هذا الموضع وشروطه يقول ابن مالك، في فصل جديد مستقل يبدؤه بقوله: لساكن صح انقل التحريك من ذي لين ات عين فعل؛ كأبن ما لم يكن فعل تعجب ولا كابيض أو أهوى، بلام عللا فقد جمع في البيتين الشروط المطلوبة. "أبن، أصلها: أبين، فعل أمر من أبان. "علل" صار حاويا حرف علة".
[ ٤ / ٧٩٦ ]
ثانيها: أن يكون حرف العلة عينا متحركة في اسم يشبه المضارع في وزنه١ فقط دون زيادته، أو في زيادته دون وزنه، بشرط أني كون في الاسم ما يمتاز به عن الفعل في الحالتين. فالأول: نحو: مقام -بفتح الميم- فإن أصله: "مقوم"، "بفتح، فسكون، ففتح" وهو على وزن المضارع: "يعلم". نقلت حركة الواو إلى الساكن الصحيح قبلها، ثم قلبت ألفا؛ طبقا لما سلف فصار الاسم: مقام. وفيه زيادة تدل على أنه ليس من الأفعال، وهي الميم في أوله، ومثله: مقيم، ومبين.
ومثال الثاني: بناء صيغة من: "البيع" أو: "القول" على مثال: تحلي٢ وهذه صيغة خاصة بالاسم. فيقال: تبيع. وتقول "بكسر، فسكون، فكسر، فيهما" -نقلت حركة حرف العلة إلى الساكن الصحيح قبله. وقلبت الواو ياء٣؛ فصارت الكلمتان: تبيع وتقيل بكسرتين متواليتين في كل، وبعدها ياء.
فإن اختلف الاسم عن المضارع في الأمرين معا، أو شابهه فيهما معا -وجب التصحيح؛ فمثال الأول: مخيط٤ "بكسرن فسكون، ففتح" لأن المضارع لا يكون -في الأغلب- مكسور الأول، ولا مبدوءا بميم زائدة، فالصيغة مختصة بالاسم، ولذا وجب التصحيح ومثلها: مهفعال؛ كمخيطا. ومثال الثاني: أقوم، وأبين -بفتح، فسكون، ففتح- وهما شبيهان
_________________
(١) ١ بأن يكون مشابها له في مجرد عدد الحرف، مع مقابلة الساكن بمثله، والمتحرك بمثله، من غير نظر للاسمية والفعلية. ٢ بكسر فسكون، فكسر، فهمزة متطرفة، وهو: القشر الذي يظهر على الجلد حول منابت الشعر. ٣ قلبت الواو ياء لأن حركتها وهي الكسرة -غير مجانسة لها، فيجب قلب الواو حرفا يجانس الحركة، طبقا لما سلف أول الباب. بخلاف الياء فإنها حركتها هنا مجانسة لها فلا تنقلب. ففي: "تقيل" إعلالان؛ أحدهما بالنقل، والآخر بالقلب. أما "تبيع" ففيها إعلال واحد. ٤ اسم أداة الخياطة.
[ ٤ / ٧٩٧ ]
بالمضارع: اعلم وافهم..، في وزنه وفي الزيادة التي في أوله، فوجب لهما التصحيح ١.
ثالثها: أن يكون حرف العلة عينا متحركة في مصدر معتل العين، كفعله، بشرط أن يكون فعله على وزن: "أفعل"، أو: "استفعل" نحو: أقام، واستقام، وأصلها قبل التغيير: أقوم، واستقوم. ومصدرهما: إقوام، واستوام. فيجب فيهما الإعلال بالنقل كما جرى في فعليهما؛ فتنقل فتحة الواو إلى الساكن قبلهما، وتقلب الواو ألفا -طبقا للقاعدة التي سلفت- فيتوالى ألفان لا يمكن النطق بهما معا؛ فتحذف الثانية منهما، وتجيء تاء التأنيث -في الأغلب- عوضا عنها، فيقال إقامة، واستقامة.
ومثل هذا يقال في: "أبان واستبان"، فأصلهما: "أبين، واستبين"، ثم نقلت حركة الياء إلى ما قبلها وقلبت ألفا: فصارا: أبان، واستبان. ومصدرهما: إبيان واستبيان، نقلت حركة الياء كما نقلت في الفعل، وقلبت الياء ألفا فتلاقت ساكنة مع ألف المصدر، حذفت الثانية منهما، وزيدت تاء التأنيث عوضا عنها؛ فصار المصدران: إبانة، واستبانة، وحذف هذه التاء مقصور على السماع ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِقَامَ الصَّلاةِ﴾، أي: إقامة الصلاة٢.
_________________
(١) ١ أما نحو: يزيد "علم" فقد دخله الإعلال وهو مضارع قبل نقله للعلمية. وفي الموضع الثاني يقول ابن مالك: ومثل فعل في ذا الإعلال اسم ضاهى مضارعا وفيه وسم-٣ "ضاهى= شابه. وسم= علامة"، ثم قال: ومفعل صحح كالمفعال -٤ يشير بهاتين الصيغتين -وهما مختصتان بالأسماء- إلى الاسم المخالف للمضارع في وزنه وزيادته معا. وترك بقية التفصيلات التي سردناها: والنصف الثاني من هذا البيت لا شأن له بهذه القاعدة، وإنما شأنه متصل بالقاعدة التالية بعده مباشرة. ٢ وفي الموضع الثالث وما يتصل به من ألف "إفعال"، و"استفعال" وتاء التأنيث، يقول ابن مالك: وألف الإفعال واستفعال-٤ أزل لذا الإعلال، و"التا" الزم عوض وحذفها بالنقل ربما عرض "بالنقل، أي: النقل عن العرب، وهو السماع الوارد عنهم".
[ ٤ / ٧٩٨ ]
رابعها: أن يكون حرف العلة المتحركة عينا في صيغة "مفعول" من الفعل الثلاثي المعتل العين بالياء أو الواو، كصوغ "مفعول" من قال وباع فيجب فيه ما وجب في "إفعال واستفعال" السابقين، ولا يقتصر الأمر على هذا، بل تجري عليهما تغييرات؛ طبقا للبيان الشامل الذي سيجيء في الحالة الرابعة الأخرى١
_________________
(١) ١ ص٨٠٢.
[ ٤ / ٧٩٩ ]
المسالة ١٨٤: الإعلال بالحذف ١
الإعلال بالحذف يكون قياسيا مطردا في المسائل الآتية: أما في غيرها فمقصور على السماع:
الأولى: الهمزة الزائدة في أول الماضي الرباعي. فإنها تحذف في مضارعة، واسم فاعله، واسم مفعوله، نحو: أكرم، يكرم، أكرم، مكرم، مكرم.. بحذف الهمزة في كل ذلك وجوبا، ومثل هذا همزة الأفعال الماضية الرباعية: أفهم، أخبر، أحسن ونظائرها، حيث يجب حذف الهمزة، من مضارعها، واسم فاعلها، واسم مفعولها. كما قلنا، والأصل في كل ذلك قبل حذفها: يؤكرم، مؤكرم، مؤكرم. وكذا الباقي
الثانية: الواو التي هي "فاء" فعل ثلاثي مفتوح العين في الماضي٢ مكسورها في المضارع مثل: وعد، فيجب حذف هذه الواو في المضارع، وأمره، ومصدره، بشرط: أن يصير هذا المصدر على وزن فعلة "بكسر، فسكون، ففتح" لغير الهيئة، وبشرط أن تكون التاء في آخره عوضا عن الواو المحذوفة. فيقال: يعد، عد، عدة٣، ومن هذا قول الشاعر:
_________________
(١) ١ في هذه التسمية نوع من التوسع والتسامح؛ لأن بعض الأحكام الآتية لا صلة لها بحرف العلة. أما الهمزة التي تنطبق عليها بعض الأحكام الآتية أو السابقة فبمنزلة حروف العلة في كثير من المواضع. ٢ لأن الماضي المضموم العين لا تحذف فاء مضارعه نحو: وضؤ، ويوضؤ، أما مكسورها فإن كسرت عين مضارعه حذفت فاء هذا المضارع؛ نحو: ورث يعرث، وثق يثق، ومنه قول الشاعر: ولا يواتيك فيما ناب من حدث إلا أخو ثقة، فانظر بمن تثق فإن فتحت عين مضارعه فقد تحذف الفاء من هذا المضارع؛ نحو: وسع يسع أو لا تحذف: نحو: وجل يوجل، ووجع يوجع. وجواز الحذف وعدمه في هذه الصورة مرجعه ومرده للسماع وحده -طبقا للرأي المشهور- وإن استعمل عينه بالفتح والكسر جاء حذف الفاء من هذا المضارع وعدم حذفها؛ كوله: فإنه جاء من باب "تعب" فلم تحذف فاء مضارعه، ومن باب "وعد" في لغة قليلة فحذفت -كما في المصباح- راجع الصبان في الموضع. ٣ أصل عدة: وعد -بكسر الواو وسكون العين- حذفت الواو، وحركت العين بالكسرة حركة الفاء، فصارت دليلا على الفاء المحذوفة. وجاءت تاء التأنيث عوضا عن الفاء المحذوفة. ومن الشاذ اجتماعهما معا.
[ ٤ / ٨٠٠ ]
متى وعدتك في ترك الهوى عدة فاشهد على عدتي بالزور والكذب
وقولهم في الحكمة: لا تعد عدة لا تثق من نفسك بإنجازها، ولا يغرنك المرتقى وإن كان سهلا، إذا كان المنحدر وعرا.
كما يقال: يصف، صف، صفة "بشرط ألا يكون المصدر لبيان الهيئة كما سبق"، ولا تحذف الواو من المضارع إلا بشرطين؛ أن يكون حرف المضارعة مفتوحا وأن تكون عينه مكسورة؛ نحو: أعد، نعد. فلا حذف في مثل يولد، ويوضؤ١..
الثالثة: إذا كان الماضي ثلاثيا مكسور العين، وعينه ولامه من جنس واحد -مثل: ظللت-٢ جاز فيه ثلاثة أوجه عند إسناده لضمير رفع متحرك. وهي إبقاؤه على حاله مع فك إدغامه وجوبا، كالمثال السابق: "ظلت" أو: حذف عينه دون تغير شيء في ضبط ما بقي من الحرف: مثل: ظلت. أو حذف عينه ونقل حركتها إلى فاء الكلمة؛ مثل: ظلت.
فإن كان الفعل المضاعف المكسور العين مضارعا أو أمرا واتصلا بنون النسوة جاز إبقاؤها على حالهما من غير حذف ولا تغيير إلا فك الإدغام وجوبا، وجاز حذف العين ونقل حركتها -وهي الكسرة- إلى الفاء؛ فنقول:
_________________
(١) ١ في المسألتين الأوليين يقول ابن مالك في فصل مستقل هو آخر الفصول في ألفيته: وليس بعده إلا باب: "الإدغام". "فا" أمر، أو مضارع من: كوعد احذف. وفي: كعدة، ذاك اطرد-١ وحذف همز "أفعل" استمر في مضارع، وبنيتي متصف-٢ "بنيتي متصف، أي صيغتي شخص متصف، والمراد بهما: صيغتنا اسم الفاعل واسم المفعول؛ لأنهما الدالتان على ذات متصفة ٢ تقول: ظللت أعمل كذا، بمعنى بقيت أعمله طول النهار، دون الليل، والفعل "ظل" من باب: علم يعلم غالبا.
[ ٤ / ٨٠١ ]
"النسوة يقررن١ أو يقرن". "واقررن يا نسوة، أو فرن".. وسمع فتح القاف في: قرن٢..
الرابعة: أن يكون حرف العلة عينا في اسم المفعول؛ كفعله. وفي هذا النوع يجب إحداث تغيير آخر. غير الإعلال بالنقل هو حذف الواو من: "مفعول" إن كان الفعل واوي العين، وحذفها مع كسر ما قبلها إن كان يائي العين، فمثال الفعل الواوي العين: "صام يصوم". واسم المفعول منه هو: "مصووم"، تنقل الضمة -وهي حركة الواو- إلى الساكن الصحيح قبلها؛ فيجتمع بعد هذا النقل ساكنان، هما: الواوان. فيجب حذف أحدهما -والأرجح أنه الثاني٣ لزيادته وقربه من الطرف- فيصير اسم المفعول: مصوم. ومثل هذا يقال في اسم المفعول من: قال، ورام، وحاط وأمثالها؛ حيث يكون اسم المفعول هو: مقوول، ومرووم، ومحووط، ثم يحصل الإعلال بالنقل، ويليه الإعلال بالحذف. ومن النادر الذي لا يقاس عليه تصحيح اسم المفعول المعتل العين بالواو؛ كقولهم: ثوب مصوون، والقياس مصون٤.
ومثال الفاعل اليائي العين: باع٥ يبيع. واسم المفعول منه هو: مبيوع،
_________________
(١) ١ قر بالمكان يقر، بمعنى سكن واستقر فيه. وأصلهما الشائع: قرر يقرر. ٢ في هذه المسألة الثالثة يقول ابن مالك في ختام الفصل. ظلت وظلت في ظللت استعملا وقرن في: اقررن. وقرن نقلا-٣ ٣ إن كانت المحذوفة هي الثانية الزائدة، طبقا للرأي الأشهر، فاسم المفعول على وزن: "مفعل" -بفتح، فضم، فسكون - وإن كانت المحذوفة هي الأولى هي عين الكلمة فوزن اسم المفعول: "مفول"؛ لأن عين الكلمة حذفت هنا، وبقيت هناك. ولا أثر للخلاف بين الرأيين إلا في هذا الوزن الصرفي. ٤ وقد ورد السماع أيضا مطابقا للقياس في قول دعبل -وهو ممن يحتج بكلامهم- واصفا حكم يزيد بن معاوية: بنات يزيد في القصور مصونة وآل رسول الله في الفلوات ٥ لهذا الفعل الثلاثي رباعي مبدوء بالهمزة هو: "أباع"؛ فيكون اسم المفعول للرباعي هو: "مباع". "وقد ورد النص على هذا كله في مجلة مجمع اللغة العربية القاهري الجزء ٢٧ عدد فبراير سنة٧١ ص٢٣١.
[ ٤ / ٨٠٢ ]
تنقل حركة الضمة وهي حرك الياء إلى الساكن الصحيح قبلها؛ فيلتقي بعد هذا النقل ساكنان؛ هما: الياء والواء، فيجب حذف أحدهما؛ وهو الواو -على الأصح، لما سبق- فيصير اسم المفعول: مبيع، بياء ساكنة قبلها ضمة، فنقلب الضمة كسرة؛ لتسلم الياء، ويصير اسم المفعول هو: مبيع بعد وقوع إعلال بالنقل، وآخر بالحذف وقلب الضمة كسرة، ومثل هذا يقال في اسم المفعول من الأفعال: هام يهيم، شاد يشيد، غاب يغيب وأمثالها حيث يكون اسم المفعول هو: مهيوم، مشيود، مغيوب ثم يدخله الإعلال بالنقل، فإلإعلال بالحذف. ثم قلب الضمة كسرة. وهذا هو الأفصح في المعتل العين بالياء، ويحسن الاقتصار عليه. وتميم تجيز تصحيح هذا النوع اليائي، فتقول ثمر مبيوع، وثوب مخيوط، وسفيه مديون١ وهكذا٢.
_________________
(١) ١ ومريض معيون، أي: مصاب بالعين "يريدون بها: الحسد. والفعل: عان بعين" وبلغتهم قال الشاعر: قد كان قومك يحسبونك سيدا وإخال أنك سيد معيون ٢ يقول ابن مالك في النوع الرابع وما فيه من الإعلال بالنقل وبالحذف، وما يجوز فيه من تصحيح، وما يندر: وما لإفعال من الحذف ومن نقل فمفعول به أيضا قمن-٦ يقول: ما ثبت لإفعال "واستفعال كذلك. وقد سبق الكلام عليهما" من الإعلال بالنقل والحذف فقمين به "أي: جدير به" المفعول به أيضا من الفعل المعتل العين والياء، أو الباء، ثم ضرب مثالين لهذين، وبين أن تصحيح ما عينه الواو نادر، دون ما عينه ياء؛ فقال: نحو: مبيع ومصون، وندر تصحيح ذي الواو، وفي ذي اليا اشتهر-٧ ثم انتقل ابن مالك بعد ذلك إلى ثلاثة أبيات سبق ذكرها وشرحها في المواضع المناسبة لها، "ص٧٨١ وما بعدها" وختم بها الفصل السابق، ونصبها: وصحح المفعول من نحو: عدا وأعلل إن لم تتحر الأجودا-٨ كذاك ذا وجهين جا "الفعول" من ذي الواو لام جمع أو فرد يعن-٩ وشاع نحو: نيم في: نوم ونحو: نيام شذوذه نمي-١٠
[ ٤ / ٨٠٣ ]