من ذلك قولهم: ما يعرف كوعه من بوعه.
الكوع: رأس الزند الذي يلي الإبهام. والبوع: ما يلى طرفي يدي الإنسان إذا مدهما يمينا وشمالا. يقال باع وبوع. وقد بعت الحبل بوعا، إذا قسته بباعك.
ويقولون: قرطس على الشيء إذا أصاب قدره، أو عرف عدده بالحدس والتخمين.
أصل ذلك من إصابة القرطاس الذي ينصب غرضا للرماة، يقال: قرطس السهم إذا أصاب الغرض.
وقولهم: ما يدري ما طحاها.
إنما يريدون قول الله ﷿: ﴿والأرض وما طحاها﴾ ومعنى طحاها: بسطها ووسعها. وقال الأصمعي: طحاها: مدها. ويقال: طحا قلبه في كذا وكذا، إذا تطاول وتمادى. ومنه قول علقمة:
طحا بك قلب في الحسبان طروب بعيد الشباب عصر حان مشيب
أي تطاول وتمادى في ذلك.
[ ٢٣٢ ]
وقولهم: ما يعرف قبيلا من دبير.
القبيل: ما أقبلت به المرأة إلى صدرها من غزلها حين تفتله. والدبير: ما أدبرت به.
وقولهم: أخذت الشيء بحذافيره أي بجملته.
وحذافير الشيء: أطرافه، الواحد حذفور وحذفار، مثل: شمروخ وشمراخ.
وقولهم: خبيث مخبث.
المخبث: الذي له أصحاب وأهل خبثاء.
وقولهم: ما بقي له سد ولا لبد.
السبد: الشعر والوبر، يعني الإبل والمعز. واللبد: الصوف، يعني: الغنم.
وقولهم: سمج لمج.
وقال الليث: لمجت الدابة الحشيش تلمجه لمجا: تناولته، واللماج: الذواق، يقال إنه لسمج لمج.
وقولهم: فلان ضخم الجزارة. والجزارة: اليدان والرجلان.
وقولهم: فلان لا للعير ولا للنفير. والمثل: لا في العير ولا في النفير.
وأصل ذلك إنما أريد به. لا في عير أبي سفيان بن حرب، ولا في عسكر المشركين يوم بدر.
وجرى بين خالد بن يزيد بن معاوية، وبين الوليد بن عبد الملك، كلام، فقال الوليد لخالد: ما أنت في العير ولا في النفير. فقال له خالد: ألي تقول هذا وجدي أبو سفيان صاحب العير، وجدي عتبة بن ربيعة صاحب النفير؟
وقولهم: لله درك.
قال الأصمعي وغيره: أصل ذلك أنه حمد فعل الرجل وما يجيء به، قيل له: لله درك أي ما يجيء منك بمنزلة در الناقة والشاة، ثم كثر في كلامهم
[ ٢٣٣ ]
حتى جعلوه لكل ما يتعجب منه. وقيل: بل معناه: لله لبان أمك، الذي غذاك وأرضعك. قال الفراء: وقد تتكلم العرب بها بغير الله فيقال: در درك، عند الشيء يمدح به. وأنشد:
در در الشباب والشعر المسود والضامرات تحت الرحال.
وقولهم: فلنا يخبط عشواء.
والتقدير: يخبط خبط عشواء، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
والعشواء: الناقة التي لا تبصر بالليل. فهي تطأ كل شيء.
والمثل المستعمل قديما: أخبط من عشواء.
وقولهم: إنما لي من المدي فولة.
لا يذكرون المدي في شيء من كلامهم إلا في هذا المثل وحده، ولا يعرفون مقداره، والمدي في هذا الموضوع أحسن وأبلغ فيما يريدونه من تقليل الحظ، من المد، لأن المدى على ما ذكره الخطابي مكيال لأهل الشام. ويقال إنه يسع خمسة عشر مكوكا، والمكوك صاع ونصف، فيكون المدي على هذا خمس عشرة ثمنة.
قال: فأما المد فهو ربع الصاع. ويقال: إنه مقدر بأن يمد الرجل يديه فيملأ كفيه طعامًا، ولذلك سمي مدًا.
قال المفضل: وقولهم: وافق شن طبقة، قال ابن الكلبي: طبقة: قبيلة من إياد كانت لا تطاق، فأوقع بها شن. وهو شن بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسعد، بن ربيعة بن نزار، فانتصف منها وأصاب فيها. فضربتا مثلا للمتفقين في الشدة وغيرها. قال الشاعر:
لقيت شن إيادا بالقنا طبقا وافق شن طبقه
[ ٢٣٤ ]
وقال الشرقي بن القطامي: كان رجل من دهاة العرب وعقلائهم، يقال له شن فقال والله لأطوفن حتى امرأة مثلي فأتزوجها. فبينا هو في بعض مسيرة وافقه رجل في الطريق، فسأله شن: أين تريد؟ فقال: موضع كذا يريد القرية التي يقصدها شن فوافقه. فلما أخذا في مسيرهما قال له شن:
أتحملني أم أحملك؟ فقال له الرجل: يا جاهل: أنا راكب وأنت راكب، فكيف أحملك أو تحملني؟ فسكت عنه شن وسارا، حتى إذا قربا من القرية إذا هما بزرع قد استحصد، فقال له شن: أترى هذا الزرع أكل أم لا؟ فقال له الرجل: يا جاهل، إذا كان لم يحصد، فكيف يؤكل؟
فسكت شن: فسارا حتى إذا دخلا القرية لقيتهما جنازة. فقال له شن: أترى صاحب هذا النعش حيا أم ميتا؟ فقال له الرجل: ما رأيت أجهل منك! ترى جنازة فتسأل عنها؟ أميت صاحبها أم حي؟ فسكت عنه شن وأراد مفارقته: فأبى الرجل أن يتركه حتى يصير به إلى منزله، فضى معه.
وكان للرجل ابنة يقال لها طبقة، فلما دخل إليها أبوها سألته عن ضيفه فأخبرها بمرافقته إياه، وشكا إليها جهله، وحدثها بحديثه. فقالت له: يا أبت ما هذا بجاهل. أما قوله: أتحملني أم أحملك فأراد، أتحدثني أم أحدثك، حني نقطع طريقنا. وأما قوله أترى هذا الزرع أكل أم لا فإنما أراد: هل باعه أهله فأكلوا ثمنه أم لا. وأما قوله في الجنازة: أحي صاحبها أم ميت؟ فأراد: أترك عقبا يحيا بهم ذكره أم لا. فخرج الرجل فقعد مع شن فحادثه ساعة، ثم قال: أتحب أن أفسر لك ما سألتني عنه؟ فقال: نعم، ففسره له.
فقال شن: ما هذا من كلامك، فأخبرني من صاحبه؟ قال ابنة لي. فخطبها إليه فزوجها إياها. وحملها إلى أهله. فلما رأوها قالوا: وافق شن طبقة فذهبت مثلا.
[ ٢٣٥ ]
وقولهم: مالك في هذا الأمر طباخ.
والطباخ أصله القوة والسمن، ثم استعمل في غيرهما، فقالوا فلان لا طباخ له، أي لا عقل له ولا خير عنده. قال حسان:
المال يغشى رجالا لا طباخ لهم كالسيل يغشى أصول الدندن البالي.
ومنه قوله: لم تترك الفتنة من الناس طباخا.
وقولهم: ترقيق عن صبوح.
أصله أن ضيفنا نزل بقوم فقراء. فآثره بعشائهم، ثم جلسوا يحادثونه ويؤنسونه، فقال لهم: إذا أصبحت وتصبحت، أي طريق أسلك إلى موضع كذا؟ فقالوا له: أعن صبوح ترقق؟ يعنون بالصبوح الغداء، وهو يستعمل في الشراب والأكل جميعا.
وقولهم: قطع الله دابره.
قال الأصمعي: الدابر: الأصل، أي أذهب الله أصله.
وقال أبو عبيدة: دابر القوم آخرهم، يقال: دبرهم يدبرهم ويدبرهم، إذا كان آخرهم، وفي الحديث" من الناس من لا يأتي الصلاة إلا دبريا" أي في آخر الوقت.
وقولهم: اقتلوني ومالكا.
أول من قال ذلك عبد الله بن الزبير، وذلك أنه عانق الأشتر النخعي في القتال، فسقطا إلى الأرض جميعا، واسم الأشتر مالك فنادى عبد الله بن الزبير: اقتلوني ومالكا. فضرب مثلا، لكل من أراد بصاحبه مكروها، وإن ناله منه ضرر.
وقولهم: لا فارق سوادي بياضه حتى يقضيني حقي.
[ ٢٣٦ ]
وإنما الكلام: لا فارق سوادي سواده أي شخصي شخصه. وفي الحديث: أن معاذ بن عمرو بن الجموع، أو معاذ ابن عفراء، قال لعبد الرحمن بن عوف، يوم بدر: يا عم هل تعرف أبا جهل؟ قال نعم: ما حاجتك إليه؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله ﷺ والذي نفسي بيده: لئن رأيته لا فارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا.
وقولهم: دعوت الناس فجاءني الأسود والأبيض.
والذي تقول العرب: جاءني الأسود والأحمر والأسود هو العربي والأحمر هو العجمي.
قال المفضل: وقولهم ما كان نولك أن تفعل ذلك.
قال أبو عبيدة: النول والنوال. الصلاح، أي ليس ذلك بصلاح لك، وقال الأخفش: النول والنوال الحظ، أي ما ذلك بحظ لك وغنيمة.
وقولهم: فت في عضده.
العضد: القوة. والفت: الكسر، من قولهم: فتت الشيء إذا كسرته. ومعنى في: من فالمعنى: كسرت من قوته.
وحروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض، وقال امرؤ القيس:
وهل ينعمن من كان أقرب عهده ثلاثين شهرا في ثلاثة أحوال
أي من كان أقرب عهد بالرفاهية ثلاثين شهرا من ثلاثة أحوال. وهذا قول الأصمعي. قال المفضل: وتكون في بمعنى مع في هذا البيت.
ويقال: العضد: الأعوان وحكى النضر بن شميل: رجل عضد، إذا كان له أعوان يعضدونه.
فكأن المعنى: فت فيهم خذلانه، أي فرقه فيهم. وتكون في ها هنا أيضا بمعنى من كأنه قال: فت منهم، أي كسر منهم، وضعف نياتهم.
قال ابن النحاس: العضد ها هنا تمثيل يراد به القوة، كما أن الأزر:
[ ٢٣٧ ]
الظهر ثم يستعمل للقوة. قال: وحكى لنا علي بن سليمان عن محمد بن يزيد، أنه كان ينكر قول من يقول: حروف الخفض يجعل بعضها في موضع بعض.
وإنما ذلك عنده لضعف قائله في العربية.
وقولهم: امتلأ المكان من الشيق.
وإنما المستعمل: من الشيق إلى النيق.
قال ابن دريد: الشيق: الشق الضيق في رأس الجبل، وهو أضيق من الشعب.
قال الشاعر:
شغواء توطن بين الشيق والنيق.
قال: النيق أعلى الجبل. والشيق: الشق الضيق بين صخرتين. هذا نص الجمهرة. وقال غيره: الشيق أسفل الجبل، والنيق أعلاه.
قال المفضل: وقولهم: ما عدا مما بدا.
أي ما عداك عني مما بدا لك مني. ومعنى عداك: صرفك، وبدا: ظهر. وأول من قال ذلك علي بن أبي طالب ﵇ لما قدم البصرة قال لعبد الله بن عباس: صر إلى الزبير فقل: علي يقرئك السلام، ويقول: أقرئه السلام وقل: عهد خليفة، ودم خليفة، واجتماع ثلاثة، وانفراد واحد، وأم مبرورة، ومشاورة العشيرة.
وقولهم: فلان لين العريكة.
العريكة: السنام، يقال جمل لين العريكة، إذا كان سنامه منخفضا مذالا، لا يمنع من ركوبه، ولا يؤذى الراكب، فشبه الرجل بذلك، يراد أنه سهل مساعد غير أبي ولا شرس.
وقولهم: ردوا الحديث إلى ابن إسحاق.
[ ٢٣٨ ]
وهو محمد بن إسحاق بن يسار، صاحب السير والمغازي، وكان من أعلم الناس بالوقائع والأخبار والأحاديث، ما خلا الشعر، فإنه لم يكن له به علم. ويقال: إنه غير ثقة في نقل الأخبار. والمراد: سلموا الأحاديث إلى من هو أقعد بها وأعلم. ثم كثر استعمال ذلك، حتى صار المعنى: ردوا الحديث إلى من هو أهم به وأولى.
قال النحاس: وقولهم: فلان عيار.
هو في كلام العرب: الذي يخلي نفسه وهواها، لا يزجرها من: عارت الدابة، إذا انفلتت، وتعاير الرجل مشتق من هذا وقيل الأصل في هذا من: تعاير القوم، إذا ذكروا العار بينهم، ثم قيل لكل من تكلم بقبيح:
تعاير.
وقال غيره هو: الماجن الذي يخلط الجد بالهزل، يقال: مجن يمجن، والمجن، خلط الجد بالهزل.
وقولهم: ما يدري أين سفع به الزمان.
وإنما يقال: ما يدري أين سقع وصقع وزقع، بالسين والزاي والصاد.
أي ما يدري في أي صقع هو. والصقع والسقع: الناحية.
وقولهم للأسود: كوش. والصواب: كوشي، أو ابن كوشي، لأن كوشا ولد حام بن نوح ﵇. ومثل ذلك قولهم للاشتطاط وقلة الإنصاف: هذا حكم سدم. وإنما يقال: قاضي سدوم. وسدوم: موضع بالشام، كان قاضية يضاف إلى الجور، فيقال في المثل: أجور من قاضي سدوم.
وقولهم: لا تفيش علينا.
[ ٢٣٩ ]
هو من المفايشة، وهي المفاخرة، فايش الرجل، إذا فاخر، قال الشاعر:
أيفايشون وقد رأوا حفاثهم قد عضه فقضى عليه الأشجع.
وقولهم: عرض سابري.
وهو من الثوب السابري، والسابري من الثياب: الرقيق الذي لابسه بين العاري والمكتسي، ثم استعير فقيل لكل من عرض على كل أحد عرضا خفيفا لم يبالغ فيه: عرض عرضا سابريا.
وقولهم: رجع بخفي حنين.
قال حمزة بن الحسن الأصبهاني: اختلف النسابون فيه وفي قصته وذكر أقوالا، اقتصرت منها على قول أبي عبيد القاسم بن سلام قال: كان حنين إسكافا من أهل الحيرة، فأتاه أعرابي فساومه بخفين، فاختلفا حتى أغضبه، وأراد حنين أن يغيظ الأعرابي، فلما ارتحل أخذ حنين أحد الخفين فألقاه في طريقه، ثم استقام على الطريق، وألقى فيه الخف الآخر، وكمن للأعرابي. فلما مر الأعرابي بالخف الأول قال: ما أشبه هذا بخف حنين، فلو كان معه الآخر لأخذته. ومضى حتى انتهى إلى الخف الآخر، فأناخ راحلته مكانه، ورجع على طريقه لأخذ الخف الأول، فوثب حنين على راحلته فركبها وذهب بها. ورجع الأعرابي إلى الخف، وقد فقد راحلته، وأخذ الخفين معه وقصد نحو حيه، فقال له قومه: ما الذي جئتنا به من الحيرة؟ قال جئت بخفي حنين. فذهبت مثلا.
وقولهم أخلى من جوف حمار.
حمار: رجل من عاد، وجوفه واد كان يحله، ذو ماء وشجر، فخرج بنوه يتصيدون فأصابتهم صاعقة فأهلكتهم، فكفر وقال: لا أعبد ربا فعل ذا ببني، ثم دعا قومه إلى الكفر، فمن عصاه قتله. فأهلكه الله تعالى، وأخرب
[ ٢٤٠ ]
واديه. فضرب العرب به المثل في الخراب والخلاء، فقالوا: أحلى من جوف حمار، وأخرب من جوف حمار وهو الذي عنى امرؤ القيس بقوله:
وواد كجوف العير قفر قطعته به الذئب يعوي كالخليع المعيل
والغير: الحمار عند العرب
وقولهم: أفزع من صافرة.
والمثل: أجبن من صافر بغير هاء.
قيل إنه طائر يتعلق من الشجر برجليه، وينعكس رأسه خوفا من أن ينام فيؤخذ، فيصفر منكوسا طول ليلته.
وقيل إن الصافر هو الذي يصفر بالمرأة المريبة، وإنما يجبن لأنه وجل مخافة أن يظهر عليه. وفيه أقوال غير ما ذكرت.
وقولهم: أنحس من طويس.
وهو رجل من مخنثى المدينة، كان يسمى طاووسا، فلما تخنث تسمى بطويس، وتكنى بأبي عبد المنعم. وهو أول من غنى في الإسلام بالمدينة، ونقر بالدف المربع وأنشد في نفسه
إنني عبد المنعم أنا طاوس الجحيم
وأنا أشأم من يمشى على ظهر الحطيم
يعني الأرض، وكان أخذ طرائق الغناء عن سبي فارس وذلك أن عمر بن الخطاب، ﵁، جعل لهم في كل شهر يومين يستريحون فيهما من المهن. وكان طويس يغشاهم، حتى فهم طرائقهم. وكان خليعا، يضحك الثكالى. فمن مجانته أنه كان يقول: يا أهل المدينة ما دمت بين ظهرانيكم فتوقعوا خروج الدجال والدابة، فإن مت فأنتم آمنون، فتدبروا ما أقول: إن أمي ولدتني في الليلة التي مات فيها رسول الله ﷺ وفطمتني في اليوم الذي مات
[ ٢٤١ ]
فيه أبو بكر، وبلغت الحلم في اليوم الذي قتل فيه عمر، وتزوجت في اليوم الذي قتل فيه عثمان، وولد لي في اليوم الذي قتل فيه علي. فمن مثلي؟ فضرب به المثل، فقيل: أشأم من طويس، وأخنث من طويس.
ويقولون: الحديث شجون والحديث ذو شجون: أي ذو فنون وتشبث بعضه ببعض، يقال: شجر متشجن، إذا التقت بعضه ببعض واشتبك، والشجناء: الشعراء الملتفة. ومنه ما جاء في الحديث: الرحم شجنة من الرحمن أي قطعة، كأن اقتطاع اللفظة من اللفظة، اقتطاع لها منها. وأول من تكلم بالمثل ضبة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر. وكان من حديث ذلك فيما ذكر المفضل الضبي أن ضبة كان له ابنان، يقال لأحدهما سعد وللآخر سعيد، فنفرت إبل ضبة تحت الليل وهما معها، فخرجا يطلبانها، فوجدها سعد، وذهب سعيد فلم يرجع، فجعل ضبة يقول بعد ذلك إذا رأى سوادا تحت الليل: أسعد أم سعيد، فذهب قوله مثلا. وأقام ما شاء الله. لا يعلم لسعيد بخبر، فبينا هو يسير يوما هو والحارث بن كعب في الأشهر الحرم، وهما يتحدثان، إذ مرا على سرحة، فقال الحارث: أترى هذا المكان، فإني قد لقيت فيه شابا من هيئته كذا وكذا، فوصف صفة سعيد، فقتلته وأخذت؟ بردا كان عليه، من صفة البرد كذا وكذا، فوصف البرد، وسيفا كان عليه. فقال له ضبة: ما صفة السيف؟ فقال: ها هوذا علي. فعرفه ضبة. ثم قال: إن الحديث لذو شجون فذهب مثلا. وضربه به حتى قتله، فلامه الناس في ذلك، فقالوا: قتلت رجلا في الأشهر الحرم. فقال ضبة: سبق السيف العذل فأرسلها مثلا.
وقال الفرزدق.
ولا تأمنن الحرب إن استعارها كضبة إذ قال الحديث شجون
ويقولون لما يستملحونه: " حديث خرافة" زعموا أن خرافة رجل من
[ ٢٤٢ ]
العرب، كان من بني عذرة، فاستهوته الجن، فلبث فيهم زمانا، ثم رجع إلى قومه، وأخذ يحدثهم بالأعاجيب التي رآها، فضرب به المثل.
وزعم بعضهم أن خرافة مشتق من اختراف الثمر، أي استطرافه.
وكذلك قولهم: جاء فلان بالترهات وهذه ترهات البسابس: جمع بسبس، وهو الصحراء الواسعة التي لا شيء فيها، يقال لها بسبس، وسبسب، بمعنى واحد. هذا أصل الكلمة، ثم يقال لكل من جاء بكلام محال: أخذ في ترهات البسابس وجاء بالترهات ومعنى المثل: أنه أخذ في غير القص، وسلك الطريق الذي لا ينتفع به كقولهم: ركب بنيات الطريق فأخذ يتعلل بالأباطيل.
وقال قوم: التاء في ترهات مبدلة من واو من الوره، والوره، لغتان، وهو الحمق، يقال: رجل أوره، وامرأة ورهاء، كأنه جاء بالحماقات وما لا ينتفع به.
ويقولون: ندمت ندامة الكسعى.
أصل المثل أن الكسعى كان رجلا من بني كسعة، واسمه محارب بن قيس، وكان يرعى إبلا له، فرأي يوما نبعة في صخرة، فأعجبته فقال: ينبغي أن تكون هذه قوسا، فجعل يتعهدها حتى أدركت، فقطعها واتخذ منها قوسا، ثم دهنها وأصلحا بوتر، ثم عمد إلى ما كان من برايتها فجعل منه خمسة أسهم، ثم خرج حتى أتى قترة على موارد حمر، وكمن فيها. فمر قطيع منها، فرمى منه عيرا وأمخطه السهم أي جازه وأصاب الجبل فأورى نارا، فظن أنه أخطأه. وصنع في ذلك أبياتا. ثم مر به قطيع آخر فصنع صنيعة الأول.
حتى فعل ذلك في الخمسة الأسهم. فلما رأي آخر سهم منهن أنشأ يقول:
أبعد خمس قد حفظت عدها أحمل قوسي وأريد ردها
أخزى الإله لينها وشدها والله لا تسلم عندي بعدها
[ ٢٤٣ ]
ولا أرجى ما حييت رفدها
ثم عمد إلى قوسه فكسرها على حجر. فلما أصبح أبصر الأعيار الخمسة مصرعة حوله، وأسهمه مضرجة. فندم فشد على إبهامه فقطعها تلهفا، وأنشد يقول:
ندمت ندامة لو أن نفسي تطاوعني إذا لقطعت خمسي
تبين لي سفاه الرأي مني لعمر أبيك حين كسرت قوسي
وقال الفرزدق، يضرب به المثل:
ندمت ندامة الكسعي لما غدت مني مطلقة نوار
وكانت جنتي فخرجت منها كآدم حين أخرجه الضرار
ومن أجل نوار قال الفرزدق البيت الذي يتمثل به الناس ولا يعرفون تأويله:
ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزرا مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا
وذلك أن النوار بنت أعين وكلت الفرذدق لقرابته منها، ليزوجها فلما حضر الشهود، وأشهدتهم على ذلك، قال اشهدوا أني قد تزوجتها على مائة ناقة. فكرهته وأبت أن تمضي ذلك وشخصت إلى ابن الزبير تستعديه عليه، ورحل هو خلفها إلى ابن الزبير فاتى حمزة بن عبد الله بن الزبير يستشفع به إلى أبيه، وقال فيه:
أمسيت قد نزلت بحمزة حاجتي إن المنوه باسمه الموثوق
وأتت النوار ابنة منظور بن زبان، امرأة حمزة بن عبد الله بن الزبير تستشفع، فكلم حمزة أباه في الفرزدق وكلمته امرأته في النوار. فقضى
[ ٢٤٤ ]
للنوار، ولم يجز للفرزدق تزويجه. قال الفرزدق:
أما بنوه فلم تنجح شفاعتهم وشفعت بنت منظور بن زبانا
ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزرا مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا
فضربه الناس مثلا في أن شفاعة النساء أنفذ من شفاعة الرجال.
[ ٢٤٥ ]