وذلك نحو قول الله ﷿: ﴿وذا النون إذ هب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه﴾ من قوله ﷿: ﴿ومن قدر عليه رزقه﴾ وقيل المعنى: فظن أن لن نقدر عليه. بما قدرنا من الإدحاض والتقام الحوت. وليس المعنى: فظن أن لن نستطيع عليه، كما يسبق إلى النفوس، لأن مثل هذا لا يظنه من عرف الله ﷿ حق معرفته، يقال: قدر الله عليك كذا، وقدر عليك كذا، بالتشديد والتخفيف، بمعنى واحد.
ومثل ذلك قوله ﷿: ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا﴾، معنى أمرنا مترفيها: كثرنا، يقال: أمر الله ماله، وأمره، أي كثره، وعلى هذا القول أكثر أهل العلم.
وفي الحديث عن النبي ﷺ انه قال: إن الله يحب النكل على النكل. قيل: وما النكل على النكل؟ قال: الرجل القوي المجرب المبديء المعيد، على الفرس القوي المجرب أو المجرب شك أبو عبيد.
وروى عنه ﷺ أنه قال يوم أحد لأصحابه: اليوم تسرون معناه: يقتل سريكم. فقتل حمزة ﵁.
[ ٢٩٤ ]
يقال: شرف القوم، إذا أصيب شريفهم. واستيد فيهم: خطب في ساداتهم.
وقال بعض الحكماء: ما أعطى أحد النصف فأباه إلا أخذ أقل منه يريد: ما أنصف فلم يرض بالإنصاف إلا طلبه فلم يجده، حتى يرضى بأقل منه، يقال: الإنصاف، والنصفة، والنصف، والنصف، كله بمعنى واحد.
الشب والشبوب، والمشب: الثوي المسن، المعصر: الجارية التي قاربت المحيض، ومثلها من الغلمان: المراهق. وهي أصغر من الكاعب، في شعر ابن أبي ربيعة:
وكان مجني دون ما كنت أتقى ثلاث شخوص: كاعبان ومعصر
ويدل على ذلك قول الراجز:
جارية بسفوان دارها
قد أعصرت أو قد دنا إعصارها
الدابة الريض: هي الصعبة، وليست الذلول.
البيت الباهي: هو الخالي من المتاع. وفي الحديث: أبهوا الخيل، أي عطلوها. ومن ذلك قولهم: المعزي تبهي ولا تبنى ومعناه: أنها تصعد على الأبنية، وهي الأخبية من غير شعرها فتخرقها حتى لا يقدر على سكناها أحد التيه. لأنها إنما تبنى من الوبر والصوف. وأما الشعر فإنما يسمى ما يعمل منه بيتا. والبيوت أكبر من الأبنية وأقوى وأصلب.
والبهو: الفناء الذي بين يدي البيت. ومنه قيل: باب البهو، للفضاء والاتساع الذي بين يديه.
الأكرع: هو الدقيق القوائم.
اللفاء: الممتلئة الفخذين، كأنهما التفت إحداهما بالأخرى
[ ٢٩٥ ]
لسمنهما وامتلائهما. قال توبة بن الحمير:
لطيفات أقدام نبيلات أسوق لفيفات أفخاذ دقاق خصورها
المناجيب من الناس: الضعاف، واحدهم: منجاب.
قال عروة بن مرة الهذلي:
بعثته في سواد الليل يرقبني إذ آثر القوم والدفء المناجيب
الوعول: وجوه الناس وأشرافهم. وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والبخل، ويخون الأمين، ويؤتمن الخائن، وتهلك الوعول، وتظهر التحوت. قالوا: يا رسول الله وما الوعول؟ وما التحوت؟ قال: الوعول: وجوه الناس وأشرافهم والتحوت: الذين كانوا تحت أقدام الناس لا يعلم بهم.
الملاوث: السادة الشرفاء، واحدهم ملات. قال الشاعر:
هلا سألت ملاوثا من آل عبد مناف
الخريت: هو الدليل الحاذق الذي يهتدي إلى مثل خرت الإبرة وهو ثقبها.
النهيك: الشجاع، النهاكة: الشجاعة. وإنما قيل للشجاع: نهيك لأنه ينهك عدوه، أي يبالغ فيه. والنهيك أيضا: الجمل الشديد.
الجلبة: الشفينة المشحونة، فإن لم تكن مشحونة لم تسم جلبة. حكاه أبو عمرو، وقيل: الجلبة التي معها مركب صغير يخدمها.
الرتوت في كلام العرب: الخنازير، وقيل القردة، واحدهم رت بالضم، وقد يقال بالكسر.
[ ٢٩٦ ]
الابتراك: شدة السير.
الانكماش: التشمير في الأمر والجد فيه. وليس هو التأخر عنه وترك العزيمة فيه، كما يظنه الناس.
أحصد الحبل، إذا أحكم فتله، قال النابغة:
نزع الحزور بالرشاء المحصد
قال أبو عبيد في غريب الحديث:
التعريب: ما قبح من الكلام، وكذلك: الإعراب.
ومنه قول عطاء إنه كره الإعراب للمحرم. قال رؤبة:
والعرب في عفافة وإعراب
قوله العرب: المتحببات إلى أزواجهن، واحدتهن: عروب، والإعراب من الفحش.
فمعناه أنه يقول: إنهن يجمعن العفافة عند الغرباء والإعراب عند الأزواج.
أمتع فلان فلانا، إذا فارقه.
الوهم: الجمل الضخم العظيم، فإذا قلت: صار فلان كالوهم احتمل المعنيين، وهذا هو التحقيق، والآخر مجاز.
القبض والقباضة: السرعة. والقبيض: السريع.
امرأة قذور، إذا كانت مجانبة للأقذار. والعرب تسمي بقذور قال الشاعر:
وإني لأكنو عن قذور بغيرها وأعرب أحيانا بها فأصارح
فليت رأسه، أي شققته، يقال: فأوت رأسه، وفأيته، وفلوته، وفليته، كله بمعنى واحد، إذا شققته.
[ ٢٩٧ ]
تنعم الرجل، إذا مشى حافيا. مأخوذ من النعامة، وهي باطن القدم.
تنجست، إذا فعلت ما يخرجك من النجاسة، مثل: تحرجت، وتحوبت، وتحنثت إذا فعلت ما خرجك من الحرج، والحوب، والحنث. وفي الحديث أن رسول الله ﷺ كان يتحنث بحراء.
أفقرت الرجل، إذا أعرته ظهر دابتك لركوبه، مأخوذ من فقار الظهر. كليت الرجل، إذا ضربت كليته.
فأما الذي بمعنى الحفظ فمهموز: كلأته أكلؤه. قال ابن هرمة:
إن سليمى والله يكلؤها ظنت بشيء ما كان يرزؤها
ظلمت الرجل إذا شقيته الظليم، وهو اللبن قبل أن يروب
ومن الشعر:
ما أنشده ثعلب في أماليه:
أبي حبى سليمى أن يبيدا وأضحى حبلها خلقا جديدا
قوله: جديدا أي هو مقطوع، من قولك: جددت الشيء، فهو مجدود وجديد.
وقول آخر:
أتيتك عاريا خلقا ثيابى على خوف تظن بي الظنون
ليس قوله عاريا من عريت. وإنما هو من عروته إذا ألممت به، يقال: عراه يعروه، واعتراه يعتريه، واعتره يعتره، ومنه قول الله تعالى: ﴿وأطعموا القانع والمعتر﴾.
[ ٢٩٨ ]
وقول الأعشى:
أثوي وقصر ليلة ليزودا فمضى وأخلف من قتيلة موعدا
أي وجد موعدها خلفا، يقال: أتيته فأخلفته، أي وجدته مخلفا لموعدي.
وقال آخر:
ومن يفخر بمثل أبي وجدي يجيء قبل السوابق وهو ثان.
أراد: وهو ثان من عنانة، لأنه يسبق متمهلا.
وأنشد يعقوب في الإصلاح:
تفور علينا قدرهم فنديمها ونفثؤها عنا إذا حميها غلا
نديمها، أي نسكنها، من دوم الطائر، إذا سكن جناحيه في الهواء ونفثؤها: نبردها بالماء.
وقال آخر:
إذا قابلونا سررناهم وإن أدبروا فهم من نسب
يقول: إذا قابلونا طعناهم في سررهم، وإذا أدبروا طعناهم في سباتهم جمع سبة، وهي عجب الذنب، وقيل: حلقة الدبر.
وقال آخر:
يعز علينا ونعم الفتى مصيرك يا عمرو للعافية.
هذا رجل يرثي قتيلا، بقي للطير والسباع تأكله وتعفو لحمه، وهي العافية والعوافي.
وقال آخر:
تغرقت غنمي يوما فقلت لها يارب سلط عليها الذئب والضبعا
[ ٢٩٩ ]
قيل: إن الذئب والضبع إذا اجتمعا لم يؤذيا، وشغل كل واحد منهما الآخر.
وقال آخر في وصف راع:
صلت العصا بالضرب قد دماها
تحسبه من حبها أخاها
يقول ليت الله قد أفناها
يقال للراعي، إذا كان قليل الضرب لإبله: إنه لصلب العصا يراد أن عصاه صلبة صحيحة، لأنه لا يعلمها فتشظى وتكسر، وأراد بالضرب: السير في البلاد في طلب المرعى. ومعنى دماها: صيرها كالدمى سمنا، جمع دمية. وأفناها: أنبت لها الفنا، وهو فيما يقال الزعرور. وقيل: عنب الثعلب.
وقال آخر:
ألا إن قومي لا تلط قدورهم ولكنما يوقدن بالعذرات
يعني أن قدورهم لا تسترن، ولكنما يوقدن بالأقنية، يقال للفناء: عذرة وتلط: تستر، يقال: لط حقي يلطه إذا ستره.
وقال آخر:
اليوم يوم بارد سمومه من جزع اليوم فلا نلومه
يريد أنه ثابت سمومه، يقال: برد لي على فلان حق. أي وجب لي وثبت. ويكون برد بمعنى فتر وضعف. من قولهم برد القتال. وليس من البرد.
والسموم: شدة الحر.
وقال آخر:
صبرت على طول ليل الصدور وأسعفته ثم لم يسعف
[ ٣٠٠ ]
تقاصر إذ صار فيه الحبيب ومر علي كبرق خفي
فلم أشف من وصله غلة ولو أنصف الليل لم ينصف
يقال: أنصف الشيء، إذا بلغ نصف نفسه، ونصف إذا بلغ نصف غيره. تقول أنصف النهار إذا بلغ النصف، ونصف الإزار ساقي، إذا بلغ نصفها.
وقال كثير:
وأنت التي حببت كل قصيرة إلى وما يدري بذاك القصائر
عنيت قصيرات الحجال ولم أرد قصار الخطا، شر النساء البحاتر
ويروى: البهاتر
والقصيرة: هي المقصورة المحجوبة. ويقال قصورة أيضا.
وقال آخر:
أحب من النسوان كل قصيرة لها نسب في الصالحين قصير
وأراد بالقصيرة: المخدرة. وقصر نسبها: أن تعرف بأول آبائها. كقول رؤبة: أتيت النسابة البكري فقال: من أنت؟ فقلت ابن العجاج.
فقال: قصرت وعرفت فقال رؤبة:
قد نوه العجاج باسمي فادعني باسم إذا الأنساب طالت يكفني
ويروى: قال: قصرت وعرفت ويروى: قد دفع العجاج ذكرى.
وقال آخر:
أكلت النهار بنصف النهار وليلا أكلت بليل بهيم
النهار: فرخ الحبارى. والليل: فرخ الكروان.
وقال آخر:
وقد سقوا آبالهم بالنار والنار قد تشفي من الأوار
[ ٣٠١ ]
النار ها هنا: السمة. والأوار: حر العطش، كأنهم لعزهم، إذا رأى الناس نارهم على إبلهم تركوها تشرب.
ومثله قول آخر: سقيت بالنار في الوقدة والنار تلظى
يعني بالوقدة: شدة الحر. والنار تلظى: يعني الحرب
وقال الحطيئة للزبرقان بن بدر، يهجوه:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
يريد: أنت الآكل اللابس. يقال: كسى فهو كاس، وأنشد يعقوب لعمران بن حطان:
وأن يعرين إن كسي الجواري فتنبو العين عن كرم عجاف.
فاستعدى عليه الزبرقان عمر بن الخطاب، ﵁، وأنشده ما قال. فأرسل عمر إلى حسان بن ثابت فسأله عن ذلك، فقال: لم يهجه ولكن ذرق عليه فحبسه عمر. وقال: يا خبيث لأشغلنك عن أعراض الناس فقال وهو محبوس:
ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ حمر الحواصل لا ماء ولا شجر
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة فاغفر عليك سلام الله يا عمر
فرق له عمر، ﵁، وأخرجه.
وهجا النجاشي بني العجلان، فاستعدوا عليه عمر بن الخطاب، ﵁، فقال: ما قال فيكم؟ فأنشدوه:
إذا؟ الله عادى أهل لؤم ورقة فعادى بني العجلان رهط ابن قبل
فقال عمر إن كان مظلوما استجيب له، وإن كان ظالما لم يستجب له. قالوا: وقد قال أيضا:
قبيلة لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل
[ ٣٠٢ ]
فقال عمر: ليت آل الخطاب كانوا كذلك. قالوا: وقد قال أيضا:
ولا يردون الماء إلا عشية إلا صدر الوراد عن كل منهل.
فقال عمر: ذاك أقل للكاك، أي الزحام. وأصفى للواردة.
قالوا: وقد قال أيضا:
تعاف الكلاب الضاريات لحومهم ويأكلن من كعب بن عوف بن نهشل
فقال عمر ﵁: أجن القوم موتاهم ولم يضيعوهم.
قالوا: وقد قال أيضا:
وما سمى العجلان إلا لقولهم خذ القعب واحلب أيها العبد واعجل
فقال عمر ﵁: خير القوم خادمهم.
ثم بعث إلى حسان والحطيئة وكان محبوسا عنده فسألهما: فقال حسان مثل ما قال في شعر الحطيئة. فتهدد عمر ﵁ النجاشي وقال: إن عددت قطعت لسانك.
وكان عمر ﵁ يعلم من الشعر ما يعلمه حسان. ولكنه أراد الحجة. ﵁.
ثم الكتاب بعون الله
ومنه وحسن توفيقه.
[ ٣٠٣ ]