مسألة [١٢٤]
مما يتعدَّى إلى ثلاثة: نبأ، وأنبأ، وخبر، وأخبر، وحدث، شاهد نبأ قوله: [الكامل].
(نبئّتُ زرعه والسفاهةُ كآسمها يُهدي إليّ غرائب الأشعارِ)
وشاهد أنبأ قوله: [المتقارب].
(وأنبئْتُ قيسًا ولم آبْلهُ كما زعموا خيرَ أهْلِ اليَمَنْ)
وشاهد خبر قوله: [الطويل].
(وخُبِّرت سوداء الغميمِ مريضةٌ فأقبلْتُ مِنْ أهليِ بِمْصَر أعودُها)
[ ٤٦٧ ]
وشاهد أخبر قوله: [البسيط].
(وما عليك إذا أخْبرتني دَنِقَا وغابَ بعلُك يومًا أنْ تعوديني)
/٢٧٧ (٢٤٧) / وشاهد حدث قوله: [الخفيف].
(أو منعتم ما تسألون فمَنْ حدثتموه له علينا العلاء)
وأما البيت الأول فإنه للنابغة الذبياني. والنا مفعول أول قائم مقام الفاعل. و«زَرعة» مفعول ثانٍ. و«يهدي» مفعول ثالث. و«السفاهة كاسمها» جملة اعتراض.
وأما البيت الثاني فإنه للأعشى ميمون بن قيس يمدح قيس بن معد يكرب الكندي.
و«بلوته أبلوه» اختبرته. وقبله:
(لعَمَرَكَ ما طولَ هذا الزمنِ على المرءِ الإعناءُ معنً)
(بظل رجيمًا لريب المنون وللسقم في أهلهِ والحزنُ)
(فهي يمنعني ارتيادي البلاد من حذر الموت أن تأتينْ)
ومنه يذكر ناقته:
(تيم قيسًا وكم دونه من الأرض مَهْمَة دي شَزنْ)
(ومن سأني كاسف وجهه إذا ما انتسبت له انكرنْ)
[ ٤٦٨ ]
ولما قال: وانبئت قيسًا البيت، غضب قيس وقال له:
أو تشك في ذلك وأمر بحبسه /٢٧٨ (٢٤٨) / فزاد فيها:
(رفيع العماد طويل النجاد ضخم الدسيعة رحب العطنْ)
(فجئتك مرتادَ ما خبّروا ولولا الذي خبّروا لم ترن)
(فلا تحرمني نداك الجزيل فأنّي أمرؤٌ قبلكم لم اهنْ)
فأمر بإخراجه، ووصله.
وأما البيت الثالث فوقع فيه، اضطراب، فقوله: «سوادء العَميم» ففي كتب النحو كذلك. و«العميم» اسم نوضع بالحجاز، ويناسب بقية البيت، وقوله بعده:
(فوالله ما أدري إذا أنا جئْتُها أأُبرئها من دائها أو أزيدها)
ووقع في بعض كتب اللغة: سوداء القلوب، ومن ذلك ما رأيته من مجموع بخط الإمام أبي جعفر أحمد بن الأستاذ أبي الحسن ابن الباذش (رحمهما الله تعالى) قال: اختلفوا، هل يقال: سوداء القلب مكبّرًا، أو لا يُقال ذلك إلّا بالتصغير، فذكر أبو علي القالي: أن صاحب العين أنكر ذلك، إنما يُقال قلبهِ مكبّرًا، وسويداء قلبهِ مصغَّرا مؤنثًا، وأمّا سوداء قلبه بالتأنيث والتكبير فلا، وأجازه ٢٧٩ (٢٤٩) / بعضهم واستدلَّ بقوله:
[ ٤٦٩ ]
وخبرت سوداء القلوب من بقية البيت، ولا حجَّة فيه لاحتماله لأن يكون سوداء علمًا للمرأة وأضيفت إلى القلوب، أو صفة لها، على معنى أنَّها قاسية القلب، وجمع القلب بما حَوْله وإنّما الدليل على الجواز قول قيس بن الخطيم: [الطويل].
(يكونُ لهُ عندي إذا ما ضممْتُه مكانً بسوداء الفؤادِ كنينُ)
وإذا ثبت ذلك بهذا البيت أمكن توجيه البيتِ الأولِ عليه، ويكون المعنى: أنَّها تحلُّ من القلوبِ محلَّ السويداء كأنَّ القلوبَ على اختلافها تميلُ إليها، ويمكن أنْ يكونَ الأمرُ على ما قال صاحبُ العين، ويكون تكبيره من ضرورة الشعر، قال أُبَي (﵁) وفي كثير من نسخ الإصلاح: اجعل ذلك في سويداء قلبك، وأسود قلبك، وفي سواد قلبك، ومن حبة قلبك.
وقال ابن درستويه: سواد القلب وسويداؤه دمه الذي فيه انتهى. وقس
[ ٤٧٠ ]
كتاب المخصص، بكسر الصاد، قال ثابت: سويداء القلب، علقة سوداء إذا شُقَّ القلبُ دت كأنَّها قطعةُ كبد، قال الفارسيّ: وتستعمل مكبَّرةً، ولفظ التحقير أكثر، وأنشد:
(يكون له عندي إذا ما ضمنتهُ مكانٌ بسوداء الفؤادِ كنينُ)
/٢٨٠ (٢٥٠) / وأما البيت الرابع فما استفهام مبتدأ وعليك خبر، وأن متعلقة به. وكذا (أن تعوديني)، لأن أصله (في أن تعوديني)، أي ما عليك في هذا الوقت في عيادتي، وتعلقت (إذا) و(أن تعوديني) بعامل واحد مع أنَّهما على معنى في، لأنَّ إذا للزمان، وأن تعوديني للمكان المجازي.
و«الدنف» الذي لازمه المرض، وقد يقال له دَنف، بفتح النون، وهو من باب اطلاق المصدر على الذات، ولذلك لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث بخلافِ المكسورها، ويقال: دنف المرض، إذا صار دنفًا، وأدنف أيضًا، وأدنفه المرضُ، يتعدَّى ولا يتعدَّى، ومن ثم جاء مدنِف، بالكسر، ومدنَف، بالفتح.
وأما البيت الخامس فقيل لم يسمع تعهدي (حدّث) إلى ثلاثةٍ في غيرهِ،
[ ٤٧١ ]
وهو للحارث بن حِلِّزة البشكري.
قيل: وليس في العربيةِ فعِّل بكسرتين مع تشديد العين إلاّ في جِلِّق اسم دمشق، وحِمِّص، وحِلِّز، وهو بالحاء المهملة وبالزاي، أي القصير، أو البخيل، والأنثى حلّزة.
ومعنى البيت: إنكم إذا منعتمونا ما نسألكم من الانصاف فأنا نقهركم على فعل الحق معنا، إذ ليس لأحد من الناس اعتلاء علينا.
فقوله: منعتم، مبني للفاعل، وقوله: تسألون، مبني للمفعول، و(من) استفهام في معنى النفي مثله في ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥]. و(له علينا العلاء) جملة في موضع /٢٨١ (٢٥١) / المفعول الثالث.
وهذا البيت من معلقته المشهورة، وأولها:
(آذنتْنا ببَيْتِها أسماءُ رُبِّ ثاوٍ يُمَلُّ منهُ الثَّواءُ)
(آنتنا ببيتها ثم ولّت ليت شعري متى يكون اللقاءُ)
أذنتنا: اعلمتنا، ومنه ﴿آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنبياء: ١٠٩]: والثاوي، بالمثلثة، المقيم، ﴿وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا﴾ [القصص: ٤٥]، وقد يُقال: مُثْوٍ، لأنَّه قد يُقالُ: أثُوَى.
[ ٤٧٢ ]