مسألة [٨٥]
يجب استدامة كسر إن إذا وقعت في أول خبر اسم عين، نحو: زيد إنه قائم. وقوله: [البسيط].
(منا الأناة وبعض القوم يحسبنا إنا بطاء وفي إبطائنا سرع)
أو بعد عامل علق باللام، نحو: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ وقول الشاعر: [ابطويل].
(ألم تر إني وابن أسود ليلة لنسري إلى نارين يعلو سناهما)
أو في أول الجملة الحالية، كقوله: [المنسرح].
[ ٣٤٣ ]
(ما أعطياني ولا سألتهما إلا وإني لحاجزي كرمي)
فأما قوله: منا الأناه البيت، فهو لوضاح بن إسماعيل، و(الأناة) بفتح الهمزة: التأني في الأمر، أي التمهل في الأمور خلق منهم. وقال الله تعالى: ﴿خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ وهذا أيضًا على المبالغة، إلا أن في البيت جعل المعنى مخلوقًا من الذات، وفي الآية بالعكس.
والمعنى: هناك الإناة وهنا عكسها، وهو العجل، وأما من قال: العجل الطين، والإنسان آدم وأنشد: [البسيط].
[النبع في الصخرة السماء منبته] والنخل ينبت بين الماء والعجل.
فلم يثبت، ويأباه قوله تعالى: ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾.
[ ٣٤٤ ]
و(الأناة) محمودة، والبطء مذموم، وهو تأخير الفعل عن الوقت المناسب له، ولهذا قال:
وبعض القوم البيت. أي ليس وصفنا البطء، بل التاني، وبعض الناس يغلط فيتوهم أنا بطاء، وفي الحديث: «إن فيك لخصلتين يحبهما الله، الحلم والأناة»، وقال سعيد بن جبير: إنما خلق الله / ١٧٤ / سبحانه السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام تعليمًا لعباده الرفق والتثبت.
وقوله: (سرع) بكسر السين وفتح الراء: مصدر سرع بالضم، كصغر صغرًا.
أي: وفيما زعموه من إبطائنا إسراع. ووجه الشاهد أن قوله (إنا بطاء) خبر في المعنى عن ضمير المتكلم، فلو فتحت إن كانت في تأويل المصدر، ولا يخبر بالمصدر عن اسم الذات، فلا يقال: زيد قيام أو قعود، وكذا لا يقال: زيد بطء ولا نحن بطء. وفي (خاطريات أبي الفتح): منع سيبويه الفتح في وجدتك إنك تفعل، وأجازه أبو بكر على حد: فإنما هي
[ ٣٤٥ ]
إقبال وإدبار. وإنما منع سيبويه ذلك على المعنى الأصلي. انتهى.
ويجب الفتح بعد اسم المعنى نحو: اعتقادي أنك فاضل.
وقبل البيت:
(لا يحمل العبد فينا فوق طاقته ونحن نحمل ما لا تحمل القلع)
وأما قوله:
(ألم تر أني البيت)
فالشاهد فيه كسر (إن) لأجل اللام التي في الخبر المعلقة للفعل القلبي عن العمل، وأوجب ذلك الجمهور.
وأسقط الحجاج اللام في (والعاديات)، حين سبقه لسانه إلى فتح الهمزة.
وعن المازني أنه أجاز الفتح مطلقًا. وعن الفراء أنه أجازه بشرط طول الكلام، وأنه احتج بقراءة بعضهم في (والعاديات) بالفتح في ثبوت اللام.
وبقوله: [الوافر].
(وأعلم علمًا ليس بالظن أنه إذا ذل مولى المرء فهو ذليل.)
(وأن لسان المرء ما لم يكن له حصاة على عوراته لدليل)
والحق تخريج ذلك على تقدير اللام زائدة. و(السنا) الضوء مقصور.
[ ٣٤٦ ]
وأما قوله:
(ما أعطياني البيت)
فإنه لكثير عزة، والشاهد فيه كسر إن، لوقوع جملتها حالًا. ولا يتقيد وجوب الكسر بدليل واو الحال خلافًا لبعضهم بدليل ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَاكُلُونَ الطَّعَامَ ﴾ الآية. فأما قراءة بعضهم بالفتح فعلى تقدير حذف لام العلة وزيادة اللام. أي إلا لأنهم يأكلون، أي إلا لمناسبتهم للمرسل إليهم في البشرية.
ورد المبرد على سيبويه في إنشاده (إلا) بكسر الهمزة وتشديد اللام، وقال: الصواب (ألا) بكسر الهمزة وتشديد اللام، وقال: الصواب (ألا) بالفتح والتحفيف. فإن مكسورة لوقوعها بعد حرف الاستفتاح، فهي في ابتداء الكلام، لا لوقوعها في أول الحال، والصواب رواية سيبويه، لأن سؤال كثير لعبد الملك وعبد العزيز ابني مروان ابن الحكم، واعطاءهما إياه، أمر به. وإنما يريد أن كرمه يحجزه عن الالحاق، أو عن كفر النعمة. وقيل / ١٧٥ / البيت.
دع عنك سلمى إذا فات مطلبها واذكر خليليك من بني الحكم
[ ٣٤٧ ]
مسألة [٨٦] يجوز فتح (أن) وكسرها إذا وقعت بعد إذا الفجائية، أو بعد فعل قسم ولا لام بعدها
مسألة [٨٦]
يجوز فتح (أن) وكسرها إذا وقعت بعد إذا الفجائية، أو بعد فعل قسم ولا لام بعدها. فالأول قوله: [الطويل].
(وكنت أرى زيدًا كما قيل سيدًا إذا أنه عبد القفا واللهازم)
والثاني كقوله: [الرجز].
(لتقعدن مقعد القصي مني ذي القاذورة المقلي)
(أو تحلفي بربك العلي إني أبو ذيالك الصبي)
رويا بالوجهين. وقول الأول (قاري) بضم الهمزة. أي أظن.
وقوله: أنه من فتح، فالتقدير: إذا العبودية، فإن قيل: إن إذا ظرف صح تقديرها خبرًا، ولم يقدر حذف أي: فبالحضرة العبودية. وصح تقديرها متعلقة بخبر محذوف، أي فبالحضرة العبودية / موجودة /.
وإن قيل: إنها حرف وجب دعوى الحذف ومن كسر، فالمعنى: فإذا هو عبد القفا، فالكلام بعد إذا تام، ومعنى البيت: أنه ظن سيادته فلما نظر إلى قفاه ولها زمه تبين عبوديته ولؤمه. وخص هذين، لأن القفا موضع الصفع،
[ ٣٤٨ ]
واللهازم موضع اللكز، واللهزمة: قطعة لحمة الحنك في الأسفل.
وأما الثاني فزعموا أن رجلًا غاب عن زوجته مدة، ثم حضر، فوجدها قد أتت بولد فأنكره، وكانا أحمقين.
فقال لها ذلك: فأجابته:
(ما مسني بعدك من إنسي غير غلام واحد جعفي)
(وخمسة كانوا على الطوي وستة مروًا لذي العشي).
وأنه قام ليضربها، فقيل له في ذلك، فقال: متى تركتها عدت ربيعة ومضر.
ودال (لتقعدن) مكسورة، وهي دليل الياء المحذوفة للساكنين، بعد حذف نون الرفع لاجتماع الأمثال.
و(مقعد) ظرف مكان. و(القصي) كالبعيد وزنًا ومعنى. و(ذي) صفة له. و(القاذورة) بالذال المعجمة. و(المقلي) المبغض. و(أو) بمعنى إلى، و(أن) مضمرة بعدها، و(تحلفي) منصوب بها. و(إني) بالكسر جواب، وبالفتح باضمار على، لأن الإخبار عن الحلف يجوز أن يجاب، مثل: (وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى)، وأن لا
[ ٣٤٩ ]
مسألة [٨٧] إذا وقعت (إن) بعد (أما) الخفيفة، فإن قدرت حرفا للاستفتاح، كسرت إن كما تكسر بعد (ألا)
يجاب، مثل: "من حلف على عين، فرأى خيرًا منها .. الحديث".
وعن البصريين منع الفتح، ولا وجه له. ويجب الكسر إن لم / ١٧٦ / يذكر فعل القسم، نحو: والله إن زيدًا قائم، لأنه لا يحذف إلا عند إنشاء القسم، فلا بد من الجواب، وكذا إذا ذكرت اللام، نحو: أحلف بالله إن زيدًا لقائم، لأنها لا تدخل في خبر المكسورة، فأما قوله:
ألم تكن حلفت بالله العلي أن مطاياك لمن خير المطي
فعلى تقدير زيادة اللام، وذلك شاذ لا يعمل عليه، وقوله (ذيا) تصغير (ذا)، لأنه أطلقها على الصغير. واللام للبعيد، أو لتوكيده. والكاف مكسورة، لخطابه المرأة. (والصبي) صفة أو عطف بيان.
مسألة [٨٧]
إذا وقعت (إن) بعد (أما) الخفيفة، فإن قدرت حرفًا للاستفتاح، كسرت إن كما تكسر بعد (ألا)، نحو: (ألا إنهم هم المفسدون).
[ ٣٥٠ ]
وإن قدرت كلمتين: حرف الاستفهام و(ما) التي أريد بها معنى حقًا، فتحت أن كالفتح بعد قولك: أحقًا، قال: [البسيط].
(أحقًا أن جيرتنا استقلوا فنيتنا ونيتهم فريق)
وهذا البيت لرجل من عبد القيس، وقيل: هو للمفضل بن معشر البكري، وإنه إنما سمي مفضلًا لهذه القصيدة والبيت أولها وبعده:
(فدمعي لؤلؤ سلس عراه يخر على المهاوي ما يليق)
(فودعها وإن كانت أناة مبتلة لها خلق أنيق)
(استقلوا) نهضوا مرتفعين مرتحلين. و(النية) الجهة التي ينوونها. يصف افتراقهم عند انقضاء المرتبع ورجوعهم إلى محاضرهم.
قال الأعلم في شرح هذا البيت: والفريق يقع للواحد المذكر وغيره كصديق وعدو انتهى.
وإنما فريق هنا بمعنى متفرقة. و(عراه) خروقه. و(يخر) يسقط. و(المهاوى) ما بين العين إلى الصدر، مفرده مهواة. و(ما يليق) ما يثبت ولا يستمسك. وأنشد سيبويه: [الطويل].
[ ٣٥١ ]
(تقول إذا أنفقت مالًا للسدة فكيهة / هشيء / بكفيك لائق)
يريد: هل شيء. وبعده:
(فقلت لها إن الملامة نفعها قليل وليست تستطاع الخلائق)
وأصله: ليس يستطاع تغير الخلائق، فحذف المضاف، وأسند إلى المضاف إليه، فأنث الفعلين.
وانتصاب (حقًا) عند سيبويه والجمهور على الظرفية، وهو ظرف مجازي. والأصل: أفي حق هذا الأمر؟ أي أهذا الأمر معدود في الحق وثابت فيه، ويؤيده أنهم ربما نطقوا بفي داخلة عليه / ١٧٧ /، قال: [الطويل].
(أفي الحق أني مغرم بك هائم)
وإن وما بعدها محتمل الوجهين، أحدها أن يكون مبتدأ خبره الطرف، والتقدير: أفي الحق استقلال جيرتنا؟
[ ٣٥٢ ]
مسألة [٨٨] يجب فتح (أن) إذا حلت محل المفرد، كما إذا جرت بحرف أو إضافة
ولا يجوز كسرها، لأن الظرف لا يتقدم على (إن) المكسورة لانقطاعها عما قبلها. والثاني: وهو الأوجه أن يكون فاعلًا بالظرف، لاعتماده كما في قوله تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾.
وقال المبرد: انتصاب (حقًا) على المصدرية، والتقدير: أحق حقًا، أنيب المصدر عن الفعل، وارتفاع أن وما بعدها عنده على الفاعلية.
ولم يطلع ابن الناظم على هذا النقل عن المبرد، فقال: جوز شيخنا - يعني الناظم - أن يكون (حقًا) مصدرًا بدلًا من اللفظ بالفعل.
مسألة [٨٨]
يجب فتح (أن) إذا حلت محل المفرد، كما إذا جرت بحرف أو إضافة. فالأول نحو: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقّ﴾، والثاني كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾، وكقول الشاعر: [الوافر].
تظل الشمس كاسفة عليه كآبة أنها فقدت عقيلًا.
والتقدير في الآية الأولى: ذلك ثابت بسبب حقيقة أنه، أو بسبب كون الله هو الحق.
والتقدير في / ١٧٨ / الثانية: أنه لحق مثل نطقكم.
[ ٣٥٣ ]
وأما البيت فتظل، بفتح الظاء، تصبر، وعلى متعلقة بكاسفة، ومعناها السببية، مثلها في "ولتكبروا الله على ما هداكم"، والكآبة بوزن الفصاحة: الاكتئاب، وهو الانكسار من الحزن، وفعلها كئب بوزن فرح. وهي إما على حقيقتها من المصدرية، فهي بدل من محل الهاء في (عليه)، بدل اشتمال.
ويجوز الجر على اللفظ، ومثله قولك: زيد ألمت له لحزن فقده، وعقيل هو صاحب الهاء في (عليه)، فهو ظاهر في موضع المضمر.
والمعنى: تصير الشمس كاسفة لأجل فقد عقيل، وأما مؤولة بالوصف، أي كئيبة، فهي إما بدل من كاسفة، بدل كل من كل، وإما حال من ضمير كاسفة، والإضافة حينئذٍ مثلها في قولك: مثل السيف، وهي على ما تقدم مثلها في قولك: بكاء الجزع.
مسألة [٨٩]
تدخل لام الابتداء على خبر إن المكسورة، مفردًا كان أو جملة فعلية أو اسمية.
فالأول، نحو: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيع الدُّعَاء﴾. والثاني: نحو: ﴿وَإِنَّ
[ ٣٥٤ ]
مسألة [٩٠] لا تدخل اللام على الخبر المنفي
رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾. والثالث، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾، إذ لا يكون (نحن) توكيدًا ولا بدلًا، لأن اللام لا تدخل عليهما باتفاق، ولا فصلًا، لأنه لا يكون إلا بين اسمين خلافًا للجرجاني في تنزيله المضارع منزلة الاسم، فتعين كونه مبتدأ / ١٧٩ /، ومثله قول الشاعر: [البسيط].
(إن الكريم لمن يرجوه ذو جدة ولو تعذر إيسار تنويل)
(من) موصول مبتدأ، و(ذو) خبره، والجملة خبر إن، و(الجدة) الغنى. و(لو) بمعنى أن. و(الايسار والنويل) مصدر أيسر، إذا وجد الحال، ونول، إذا أعطى النوال.
جعل مجرد رجاء الكريم محصلًا للغنى، ولو كان الكريم المرجو غير موسر ولا منيل، ولقد بالغ حتى أحال.
مسألة [٩٠]
لا تدخل اللام على الخبر المنفي، نحو: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِم النَّاسَ شَيْئًا﴾ لئلا يجتمع لأمان، إن كان النافي لا، أو لم، أو لما، أو
[ ٣٥٥ ]
لن، أو ليس. وحملت ما وإن عليهن، وندر دخولها على (لا) في قوله: [الوافر].
واعلم إن تسليمًا وتركًا للا متشابهان ولا سواء
(إن) بالكسر، لدخول اللام في الخبر، ومثله: (والله يعلم أنك لرسوله)، وتكرار (لا) هنا واجب، لكون الخبر الأول مفردًا، وأفراد (سواء) واجب، وإن ان خبرًا عن متعدد، لأنه في الأصل مصدر بمعنى الاستواء، فحذف زائده، ونقل إلى معنى الوصف، ومثله قول السموأل: / ١٨٠ / [الطويل].
سلي إن جهلت الناس عنا وعنهم وليس سواء عالم وجهول
وربما ثني، كقول قيس بن معاذ: [الطويل]
(فيا رب إن لم تقسم الحب بيننا سواءين فاجعلني على حبها جلدا)
وجمع، كقوله:
(ليس الرجال وإن سووا بأسواء)
[ ٣٥٦ ]
مسألة [٩١] ندر دخول اللام الزائدة في خبر أن المفتوحة
وإنما كان حقه الأفراد أيضًا، كما قال سبحانه: ﴿لَيْسُوا سَوَاء﴾.
ومعنى البيت: أن التسليم على الناس وعدمه ليسا مستويين، ولا قريبين من السواء. وكان حقه - لولا الضرورة - أن يقول: لا سواء ولا متشابهان.
مسألة [٩١]
ندر دخول اللام الزائدة في خبر أن المفتوحة كقراءة بعضهم: ﴿إِلَاّ إِنَّهُمْ لَيَاكُلُونَ الطَّعَامَ﴾. وخبر لكن كقوله: [الطويل].
([يلومونني في حب ليلى عواذلي] ولكنني من حبها لعميد)
وخبر زال كقوله: [الطويل].
(وما زلت من ليلى لدن أن عرفتها لكا لهائم المقصي بكل مراد)
وخبر المبتدأ المؤخر، وأنشد على ذلك ثلاثة أبيات، وهي قوله: / ١٨١ / [الرجز].
[ ٣٥٧ ]
(أم الحليس لعجوز شهر به ترضى من اللحم بعظم الرقبة)
وقوله: [الكامل].
(إن الخلافة بعدهم لدميمة وخلائف ظرف لمما أحقر)
وقوله: [الطويل].
(فإنك من حاربته لمحارب شقى ومن سالمته لسعيد)
وزيادتها في الأخيرين خير من زيادتها في الأول، لعدم تقدم (أن) فيه البتة.
وأما زيادتها فيهما فقد تكون في الثاني خيرًا منها في الثال، لأنها في الثاني أحد جزأي خبر (أن)، وقد تكون بالعكس، لأن المبتدأ والخبر فيه كأنهما معطوفان على اسم أن وخبرها، حتى أن بعضهم يجيز ذلك، على أن يكون معطوفًا على المحل فأشبه: لام زيدًا لقائم، وعمرو لذاهب /.
وعن المبرد أنه ينقاس دخول لام الابتداء في خبر أن المفتوحة.
وعن الكوفيين أنه ينقاس في خبر لكن، وليس ذلك بمرضي، لأن المبرد قاس على نادر قابل للتأويل على الزيادة، والكوفيون قاسوا على بيت لا يعرف قائله، ولا تتمته، ولا نظيره، مع احتماله للتأويل على الزيادة، أو على أن
[ ٣٥٨ ]
الأصل: لكن أنى، ثم حذفت الهمزة تخفيفًا، ونون لكن لالتقاء الساكنين، أو لاجتماع الأمثال، فاللام إنما هي داخلة في خبر (أن).
و(العميد) والمعمود الذي هده العشق. ويروى: لكميد، وهو الحزن. ويقال أيضًا: كمد كفرح، والفعل منهما بكسر العين.
و(المقصى) بضم الميم / ١٨٢ / وفتح الصاد المهملة: المبعد، و(المراد) بفتح الميم: الموضع الذي يذهب فيه، ويجاء منه.
ولكثير عزة بيت يشبه هذا في معناه وغالب لفظه، فلا أدري من الآخذ من صاحبه، وقد يكونان تواردًا، وهو: [الطويل].
(وما زلت من ليلى لدن طر شاربي إلى اليوم كالمقصي بكل سبيل)
وهي من غرر قصائده، وأولها:
(ألا حييا ليلى جد رحيلي وآذن أصحابي غدًا بقفول)
(أريد لأنسى ذكرها فكأنما تمثل لي ليلى بكل سبيل)
(وكم من خليل قال لي لو سألتها فقلت له: ليلى أضن بخيل)
[ ٣٥٩ ]
(لقد كذب الواشون ما بحتُ عندهم بليلى ولا أرسلتهم برسول)
(فإن جاءك الواشون عني بكذبة فروها ولم يأتوا لها بحويل)
وفيه استعمال (لدن) بغير (من)، ولم تأت في التنزيل إلا مقرونة بها، و(الهائم). / ١٨٣ /.
و(الحُليس) بضم الحاء المهملة والسين المهملة، و(الشهرية) بالشين المعجمة، ويقال أيضًا: شهيرة، بتقديم الباء الموحدة على الراء، ومعناها: الكبيرة السن جدًا من النساء.
و"من" بمعنى البدل مثلها في ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الْآخِرَةِ﴾، ولو لم تحمل على ذلك لفسد المعنى، لأن العظم ليس من اللحم، ويجوز أن يكون التقدير: لهي عجوز، فتكون اللام للابتداء، ويكون دخولها في التقدير على المبتدأ لا على الخبر المؤخر.
وقول الآخر: لدميمة، هو بالدال المهملة من الدمامة، وهي الحقارة، لا بالمعجمة، مأخوذًا من الذم ضد المدح، يدلك على ذلك المعنى، وذكر الحقارة في آخر البيت، ومثله قول الآخر، [الكامل].
(كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسدًا وبغيًا أنه لدميم)
و(خلائف) جمع خليفة، كصحيفة وصحائف. و(ظُرُف) بضمتين،
[ ٣٦٠ ]
والظاء معجمة، جمع ظريف، ومثله نذير ونذر، قال الله تعالى: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾.
وجمع فعيل صفة على فُعُل قليل، وإنما يكثر في الصفات كرغف وقضب.
ومعنى البيت: / ١٨٤ / إن الخلافة بعد أولئك الخلفاء الذين سلفوا محتقرة، مع إن بعض الخلفاء الذين بعدهم خلائف ظرفاء، ولكنهم بالنسبة إلى أولئك محتقرون.
وأما البيت الآخر فإنما أوله: (وإنك ) بالواو لا بالفاء. وهو لأبي عزة الشاعر، أسره المسلمون يوم بدر، وأتوا به رسول الله ﷺ، فقال، قد علمت ما لي من مال، وأنا ذو عيال فامنن علي، فمن عليه، وأخذ عليه أن لا يظاهر عليه أحدًا، فقال:
(ومن مبلغ عني الرسول محمدًا فإنك حق والمليك حميد)
(وأنت امروء تدعو إلى الحق والهدى عليك من الله العظيم شهيد)
(وأنت امروء بوئت فينا مباءة لها درجات ضخمة وصعود)
(وإنك من حاربته البيت)
(ولكن إذا ذكرت بدرًا وأهله تأوب ما بي حسرة وفُقود)
[ ٣٦١ ]
مسألة [٩٢] يجوز في (ليتما) الإعمال لبقاء اختصاصها بالجمل الاسمية
فدعوه إلى الإسلام، فقال: لا والله حتى أحرزت في الخزرجية بالسيف يومًا إلى الليل. / ١٨٥ / ثم أنه قال بعد ذلك في وقعة أحد شعرًا يحث فيه على حرب رسول الله ﷺ، فظفر به، فأمر بقتله، فقال: اقلني، فقال: «لا يلدغ المؤمن من حجر مرتين»، والله لا تقول لمكة خدعت محمدًا مرتين، فضربت عنقه. وقيل: إنما أسره وقتله حين خرج إلى حمراء الأسد.
مسألة [٩٢]
يجوز في (ليتما) الإعمال لبقاء اختصاصها بالجمل الاسمية، إذ لا يجوز: ليتما قام زيد، كما يجوز: إنما قام زيد.
والإهمال، قال ابن الناظم: نظرًا إلى الكف بما. وقال غيره: حملًا على أخواتها. وهو الصواب، لأن الكف ناشئ عن زوال الاختصاص ولم يزل فيها، وقدروا بالوجهين قوله: [البسيط].
(قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا إلى حمامتنا أو نصفه فقد)
والبيت لزياد بن معاوية، وهو النابغة الذبياني، من كلمته المشهورة التي يعتذرُ فيها إلى النعمان.
[ ٣٦٢ ]
وقوله: (ونصفه) تابع لقوله: (هذا)، فمن قدره منصوبًا ونصب الحمام نصبه، ومن قدر فيه الرفع رفعه.
وقد يجوز الرفع من نصب (الحمام)، وذلك على أن يجعله معطوفًا / ١٨٦ / على المستتر في (لنا)، وحسن ذلك لأجل الفصل.
ويروى: (أو) بدل (الواو). و(قد) بمعنى حسب، وهو مبتدأ حذف خبره، أي: فحسبي ذلك. وضمير (قالت) لزرقاء اليمامة على المشهور، وهي امرأة من بقية طسم وجديس، توصف بحدة النظر. قيل: كانت ترى من مسافة ثلاثة أيام.
وكان من خبر هذه القصة أنه كان لها قطاة، فمر بها سرب من قطَّا بين جبلين، فقالت: [الرجز] ".
(ليت الحمام ليه إليه حما متيه)
(ونصفه قديه ثم الحمام ميه)
فنظروا فإذا هي ست وستون. وإلى هذا الخبر أشار النابغة.
و(الحمام) بيان أو بدل. وأكثرهم يقول صفة وإن كان جامدًا. و
[ ٣٦٣ ]
(ما) على رواية النصب زائدة مثلها في: (عما قليل)، (فيما رحمة)، (إيما الأجلين)، والحمام اسمها و(لنا) خبرها. وأما على الرفع فتحتمل (ما) وجهين، أحدهما: أن تكون كافة، مثلها في (ربما يود الذين كفروا)، وقوله (الحمام لنا) مبتدأ وخبر.
والثاني: أن تكون (ما) موصولة فتكون اسم ليت، و(هذا) خبر لمحذوف، أي: ليت الذي هو هذا الحمام، والجملة صلة حذف عائدها. كما حذف في قول بعضهم.
ما أنا (١٨٧) بالذي قائل لك سوءًا
و(لنا) خبر ليت. ومع قيام هذا الاحتمال فلا دليل فيه على الإهمال، وأول القصيد:
(يا دار مية بالعلياء فالسند أقوت وطال عليها سالف الأبد)
(وقفت بها أصيلانا أسائلها عيت جوابًا وما بالربع من أحد)
(أمست خلاء وأمسى أهلها احتملوا أخنى عليها الذي أخنى على لبد)
[ ٣٦٤ ]
ومنها بعد أن فرغ من وصف الناقة:
(فتلك تبلغني النعمان أن له فضلًا على الناس في الأدنى وفي البعد)
(ولا أرى فاعلًا في الناس يشبهه ولا أحاشي من الأقوام من أحد)
(إلا سليمان إذ قال الإله له قم في البرية فاحددها عن الفند)
(وخيس الجن إني قد أذنت لهم يبنون تدمر بالصفاح والعمد)
(فمن اطاعك فانفعه بطاعته كما أطاعك وأدلله على الرشد / ١٨٨ /)
(ومن عصاك فعاقبه معاقبة تنهى الظلوم ولا تقعد على ضمد)
ومنها:
(احكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت إلى حمام شراع وارد الثمد)
(قالت ألا ليتما هذا البيت)
وبعده:
(فحسبوه فألفوه كما حسبت تسعأً وتسعين لم تنقص ولم تزد)
(فكملت مئة فيها حمامتها وأسرعت حسبة في ذلك العدد)
(فلا لعمر الذي مسحت كعبته وما هريق على الأنصاب من جسد)
[ ٣٦٥ ]
ومنها:
(والمؤمن العائذات الطير يمسحها ركبان مكة بين الغيل والسند)
(ما قلت من سيء ما أتيت به إذًا فعلا رفعت سوطي إلى يدي)
(هذا الثناء فإن تسمع به حسنًا فلم أعرض أبيت اللعن بالصفد)
(ها إن ذي غدرة إن لا تكن نفعت فإن صاحبها مشارك النكد)
الشرح:
(العلياء) ما ارتفع من الأرض. و(السند) سند الجبل، وهو ارتفاعه، لأنه يستد منه، أي يرتفع ويصعد، وإنما يجعل الدور بالعلياء والسند لأن التراب لا يعفي عليها. / ١٨٩ / و(أقوت) خلت من الناس، واقفرت، وفي قوله: (أقوت) التفات من الخطاب إلى الغيبة. و(السالف) الماضي. و(الأبد) الدهر. و(أصيلانا) عشيًا، وهو تصغير (أصيل)، ليدل على قصر الوقت الذي وقف فيه بالدار وسؤاله إياها توجع منه وتأسف.
وانتصاب (جوابًا) على نزع الباء. و(خلاء) لآ معناه خالية من أهلها. و(أخنى) أفسد. و(الذي) واقع على الدهر. و(لبد) أخر نسور لقمان بن عاد، وهو السابع من نسوره، كان عمر أربع مئة سنة، وقيل: سبع مئة، وضرب بنسره هذا المثل، فيقال: أتى أبد على لبد. و(أرى) أعلم. و(لا أحاشي) لا استثني أحدأً بحاشي. فأقول حاشي فلان فهو يشبهه في فعل الخير. و(سليمان) بدل من موضع أحدًا، ومنصوب على
[ ٣٦٦ ]
الاستثناء. و(أحددها) بالحاء المهملة، أمنعها. و(الفند) الخطأ. و(في البرية) أي في مصلحتها. و(خيس) بالخاء المعجمة بعدها آخر الحروف وبالسين المهملة، أي خللهم، ومنه تسمية السجن مخيسًا. و(الصفاح) حجارة، فالصفائح عراض و(تدمر) مدينة بالشام. و(العمد) أساطين الرخام. و(الضمد) بالضاد معجمة والدال، الغيظ والحقد. و(أحكم) معناه: كن حكيمًا مصيب الرأي في / ١٩٠ / امري، ولا تقبل ممن سعى بي إليك، وكن كفتاة الحي إذ أصابت ووضعت الأمر موضعه، ولم يرد الحكم في القضاء. وقوله: (وارد) صفة للحمام. و(الثمد) الماء القليل، وقوله (فحسبوه) أي: فحسبوا القطا، وضموا إليه نصفه، فوجدوه تسعًا وتسعين. و(تمسح الكعبة المشرفة) الطواف بها. و(الانصاب) حجارة كانوا يذبحون عليها لأصنامهم. و(الجسد) الدم اللابس وما خفض على أنها مقسم بها. و(المؤمن) هو الله ﷾ و(العائذات) بالذال المعجمة، المستجيرات، أراد به حالًا منها، أن تهاج أو تصاد في الحرم. وانتصاب (الطير) على البدل من العائذات، لأنها مفعولة بالمؤمن. و(الغيل) الشجر الملتف وكذلك (السفد) وهو بفتح المهملة فالمعجمة. و(يمسحها) يمرون بها لا يهيجونها.
[ ٣٦٧ ]
مسألة [٩٣] يجوز نصب المعطوف على أسماء هذه الحروف/ ١٩١ / قبل مجئ الخبر، وبعده
و(الصفد) العطاء المجازي به.
ثم قال: إن هذه معذرة إليك وتبرء مما رميت به عندك. و(النكد) الغش.
فلما وقف النعمان على ذلك عفا عنه، وأمنه وأكرمه. و(الحمام) في هذا الشعر القطا، و(شراع) قاصدة إلى الماء.
مسألة [٩٣]
يجوز نصب المعطوف على أسماء هذه الحروف/ ١٩١ / قبل مجئ الخبر، وبعده، وقد اجتمعا في قوله: (الرجز).
إن الربيع الجود والخريفا يدا أبي العباس والصيوفا»
وهذا الشعر لأبي الجحاف رؤبة بن عبد الله العجاج، أحد رجاز الاسلام وفصحائهم، وهو من مخضرمي الدولتين. مدح بني العباس وبني أمية، ومات في أيام المنصور.
وهذا الشعر مدح فيه أبا العباس السفاح. والمراد بالربيع والخريف والصيف أمطارهن. و(الجود) بفتح الجيم، أغزر المطر، ويروى الجون بالنون، ومحمله على أن المراد الجون سحابه؛ لأن سواد السحاب دليل كثرة حمله الماء، ثم حذف المضاف وخلفه المضاف إليه، فارتفع واستتر.
[ ٣٦٨ ]
مسألة [٩٤] إذا استكملت أن وإن ولكن أسماءهن وأخبارهن، ثم جئ باسم هو في المعنى معطوف على أسمائهن
وفي البيت قلب أو عكس؛ وذلك أنه كان الأصل: إن ندى العباس الربيع والخريف والصيوف، فقلب اللفظ والاعرب حين اضطر، أو عكس النسبة مبالغة كقول ذي الرمة: (الطويل).
ورمل كأوراك العذارى قطعته/ ١٩٢ / (إذا جللته المظلمات الحنادس).
مسألة [٩٤]
إذا استكملت أن وإن ولكن أسماءهن وأخبارهن، ثم جئ باسم هو في المعنى معطوف على أسمائهن، نحو: إن زيدا قائم وعمرا، جاز رفعه أنه مبتدأ حذف خبره، أو بالعطف على ضمير الخبر، وإنما يجوز ذلك أو يحسن، إن كان بينهما فصل، وأجاز قوم وجها ثالثا، وهو أن يكون معطوفا على محل اسم (أن) قبل دخولها. والمحققون على منع ذلك، لأن شرط العطف على المحل وجود الطالب لذلك المحل، كما في قولك: زيد ليس بقائم ولا قاعدا. ألا ترى أن الطالب للناصب موجود، وهو ليس، وأما هنا فالطالب للرفع الابتداء وقد زال بوجود العامل اللفظي، فلم يجز اعتباره بعد زواله لعدم وجود المجوز له. والمجيزون لذلك يحتجون بأن معنى الابتداء باق مكانه لم يزل، ولهذا لا يجيزونه مع ليت ولعل وكأن، لتغييرهن معنى الابتدائية - ومن شواهد الرفع بعد إن المكسورة قوله: (الكامل).
(إن النبوة والخلافة فيهم والمكرمات وسادة أطهار)
[ ٣٦٩ ]
وقوله: / ١٩٣ / (الطويل).
(فمن يك لم ينجب أبوه وأمه فإن لنا الأم النجيبة والأب (
وبعد (أن) المفتوحة قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾، وبعد لكن قوله: (الطويل).
(وما زلت سباقا إلى كل غاية بها مبتغى في الناس مجد واجلال)
(وما قصرت بي في التسامي خؤولة ولكن عمي الطيب الأصل والخال)
فأما البيت الأول فإنه لجرير يمدح بني أمية، ويصفهم بالفضائل والخصائل المحمودة.
ويروى: أن الخلافة والمروءة. والمراد بالمروءة الخصال المحمودة التي يكمل المرء بها، وهي في الأصل من: مروء الرجل مروءة، ويجوز تخفيفها بالابدال والادغام.
و(النبوءة) فعولة، من النبأ وهو الخبر، والأكثر ترك الهمزة. وطاهر
[ ٣٧٠ ]
وأطهار كصاحب وأصحاب، وشاهد وأشهاد، وأمثلته قليلة.
والشاهد في قوله: والكرمات، فالرفع إما بتقدير مبتدأ، ومنهم المكرمات، فحذف الخبر، كما قال:
"وسادة اطهالا"، فحذف المبتدأ، أي: وهم سادة. وأما معطوفا على المستتر في الظرف أي استقرت فيهم هما والمكرمات.
وفي هذا ضعف، لعدم الفصل. وأما معطوفا على محل اسم (أن) / / عند من جوز ذلك، وعلى ذلك فيكون ثم خبر آخر محذوف معطوف على الخبر، تقديره: كائنة فيهم.
ولا يكون خبر (أن) خبرا عن المتعاطفين معا، لئلا يتوارد عاملان أن والمبتدأ على معمول واحد.
وأما البيت الثاني، فقوله: ينجب، بضم أوله، من أنجب الرجل إذا ولد ولدا نجيبا. وقوله: النجيبة مشكل، لأنه إنما يقال للمرأة التي تلد النجباء منجبة ومنجاب، فأما أن يكون هذا على حذف الزائد للضرورة، أو يكون الأصل: النجيبة أبناؤها، ثم حذف المضاف وأناب عنه المضاف إليه فارتفع واستتر.
[ ٣٧١ ]
مسألة [٩٥] لا يجيز بصري أن ترفع الاسم بعد العاطف قبل مجئ الخبر
وأما الآية الكريمة فـ (رسوله) أما عطف على المستتر في (برئ)
وهو حسن للفصل بالظرف، أو مبتدأ حذف خبره، أي: ورسوله كذلك، أو معطوف على محل اسم (أن) المفتوحة، وأكثرهم لا يجيز ذلك وإن أجازه مع (إن) المكسورة، ويحتج بأن المفتوحة غيرت الكلام عن التمام إلى النقصان، إذ صار في حكم المفرد بعدما كان جملة بخلاف المكسورة، فإن الكلام معها باق على معناه.
وقرئ شاذا: (ورسوله)، بالنصب، عطفا على اللفظ، (ورسوله) بالجر، على القسم لا عطفا على المشركين، فإنه كفر.
وأما البيت الثالث فمعناه أنه حصل له السؤود/ ١٩٥ / من وجهين، أحدها: من قبل نفسه، وعو أنه حاز لكثير السبق إلى جميع الغايات التي يطلب بها الشرف في الناس.
والثاني: من قبل نسبه من جهتي أبيه وأمه، وإلى الثاني أشار بقوله: (خؤولة).
وأما الأول فلأن في البيت حذفا تقديره: ولا عمومة، يدل على ذلك عجزه، وإنما أنشد هذا البيت لبيتين أن القوافي مرفوعة.
مسألة [٩٥]
لا يجيز بصري أن ترفع الاسم بعد العاطف قبل مجئ الخبر، نحو:
[ ٣٧٢ ]
إن زيدًا وعمرو قائمان، لئلا يتوارد عاملان، وهما إن والابتداء، على معمول واحد، وهو الخبر. وأجاز ذلك الكوفيون، لأنهم يرون الخبر مرفوعا بما كان مرفوعا به قبل دخول أن وأخواتها، ثم اختلفوا، فقال الكسائي:
يجوز مطلقا، وقال الفراء: يجوز بشرط كون الاسم مبنيا، وحجتهما قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ .. الآية﴾، وقول الشاعر: (الوافر).
(وإلا فاعلموا أنا وأنتم بغاة ما بقينا في شقاق)
فعند الكسائي أن بقاء الاسم فيها بطريق الاتفاق، وقال الفراء: لولا بناؤه لما جاز الرفع. / ١٩٦ / وأجاب البصريون عنهما بجوابين، أحدهما: أنهما محمولان على التقديم والتأخير، والأصل: إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن بالله إلى آخره، والصابئون كذلك. وكذلك التقدير: فاعلموا أنا بغاة وأنتم كذلك، بجملة الابتداء والخبر، ثم حذف الخبر. والثاني: أن خبر الحرف محذوف، وأن الخبر المذكور
[ ٣٧٣ ]
للمبتدأ، والتقدير: إن الذين آمنوا والذين هادوا آمنون، والصابئون من آمن إلى آخره.
وقد يستبعد كل من التأويلين، أما الأول فمن وجهين، أحدهما: إن فيه تقديم الجملة المعطوفة على بعض الجملة المعطوف عليها، وإنما يتقدم المعطوف على المعطوف عليه في الشعر، فكذا ينبغي أن يكون تقديمه على بعض المعطوف عليه.
ويجاب بأن الواو للاستئناف كسائر الواوات المقترنة بالجملة المعترضة، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ﴾ والثاني: أن الاعتراض إنما يكون لغرض، ولم يظهر هنا. وقد أجيب بأن الصابئين لما كانوا أشد غيا، لخروجهم عن الأديان، قدم الاخبار بأنهم يتاب عليهم إن آمنوا وأصلحوا ليثبت ذلك لمن هو أقل غيا منهم من باب أولى، ولما كان المخاطبون أو غل/ ١٩٧ / من قوم هذا الشاعر في البغي قدمهم، لينسب البغي إليهم أولا.
وأما الثاني فلان فيه حذفا من الأول لدلالة الثاني، ويجاب بأنه واقع، وإن كان عكسه أكثر، والدليل على صحته قوله: (الطويل).
(خليلي هل طب فإني وأنتما وإن لم تبوحا بالهوى دنفان)
[ ٣٧٤ ]
وقوله: (المنسرح).
(نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف)
ومن الحذف من الثاني قوله: (الطويل).
(فمن يك أمسى بالمدينة رحله فإني وقيار بها لغريب)
فأما البيت الأول فإنه لبشر بن أبي خازم، بالخاء والزأي المعجمتين وقبله:
(إذا جزت نواصي آل بدر فأدوها وأسرى في الوثاق)
وسبب قوله ذلك أن قوما من آل بدر جاوروا الفزاريين من بني لام من طيئ فجزوا نواصيهم، وقالوا: متنا عليكم ولم نقتلكم، فغضب بنو فزارة لذلك، فقال بشر ذلك ومعناه: إذ قد/ ١٩٨ / جززتم نواصيهم فاحملوها لنا، واحملوا الأسرى معهم وإلافإنا متعادون أبدا.
و(البغاة) جمع باغ، وهو الظالم، لأنه بغى الظلم، أي طلبه. و(ما) مصدرية ظرفية. و(الشقاق) التعادي، لأن كلا من المتعاديين
[ ٣٧٥ ]
يحرص على ما يشق على الآخر، أو من (الشق) بالكسر، وهو الجانب، لأن كلا منهما في شق غير شق الآخر، ومن هنا أشتق التعادي، لأن كلا منهما في عدوة، يقول: نحن مرتكبون الظلم والباطل ما دمنا متعاديين.
وأما البيت الثاني، فالطب، مثلث الطاء، والدنف، بكسر النون، الذي لازمه المرض، وهو صفة تثنى وتجمع، فإن فتحت النون، فهو المرض الملازم نفسه، فلا تثنى ولا تجمع.
والمعنى: هل لي ولكما دواء من مرض الحب فإنا شركاء فيه، وإن افترقنا في أن أبوح وأنتما تكتمان.
والحذف في هذا البيت من الأول قطعا، أي: فإني دنف وأنتما دنفان، إذ لا يكون خبرا عن (دنفان) الأول.
وأما البيت الذي قبله فمحتمل، لأن الخبر جمع وكل من اسم أن والمبتدأ جمع.
وأما البيت الثالث فواضح، وقد رام بعضهم أن يجعله من الحذف من الثاني لدلالة الأول، فقدر (نحن) ضمير المعظم نفسه، و(راض) خبرا عنه. وهو خطأ، لا يقال نحن قائم، ولو أريد الواحد./ ١٩٩ /.
وأما البيت الرابع فإنه لضابئ، بالضاد المعجمة والباء الموحدة بعدها
[ ٣٧٦ ]
همزة، ابن الحارث البرجمي بالجيم.
ويروى: من يك ، بإسقاط الفاء على الحرم.
وقوله: (أمسى بالمدينة رحله) كناية عن السكنى بالمدينة واستيطانها. و(قيار) اسم فرسه، عن الخليل. وقال أبو زيد: اسم جمله.
وكان عثمان بن عفان ﵁ حبس ضابئا هذا بالمدينة حين استعدى عليه، ولذلك قال هذا الشعرض، أي أنه ومركونه غريبان من المدينة مقيمان بها.
وهذا البيت عكس البيت الثاني، فإن الحذف فيه من الثاني، لأن (غريب) خبر لأن، لا للمبتدأ، لاقترانه باللام، فالتقدير: فإني بها لغريب وقيار كذلك. وقيل: هو خبر عن الاسمين جميعا، لأن فعيلا يخبر به عن الواحد فما فوقه نحو: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾.
[ ٣٧٧ ]
مسألة [٩٦] إذا خففت إن المسكورة فأهملت، وهو القياس، وجبت اللام
ورده الخلخالي بأنه لا يكون للاثنين، وإن جاز كونه للجمع، وكذلك قال في فعول: لا يقال رجلان صبور، وإن صح في الجمع. انتهى.
وقد قيل في قوله تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾: إن المراد قعيدان، ثم كلامه يوهم أن ذلك يقال بالقياس، وليس كذلك، وإنما المانع في البيت من أن يكون (غريب) خبرا عن الاسمين ما قدمنا من لزوم توارد عاملين على الخبر، وانما/ يصح هذا على رأي الكوفيين، لقولهم إن الخبر على ما كان عليه.
مسألة [٩٦]
إذا خففت إن المسكورة فأهملت، وهو القياس، وجبت اللام نحو: أنا زيد لمنطلق، فرقا بينها وبين إن النافية، فإن ظهر الاثبات جاز ذكرها، نحو: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾، وتركها، نحو قوله: (الطويل).
(أنا ابن أباة الضيم من آل مالك وإن مالك كانت كرام المعادن)
[ ٣٧٨ ]
مسألة [٩٧] إذا دخلت إن المكسورة المخففة على فعل فحقه أن يكون ناسخا، وقد يكون غير ناسخ
أباة: جمع أب، كقضاة جمع قاض. والضيم، بالضاد: الظلم: بالظاء، وفعله ضامه واستضامه فهو مضيم ومستضام، ومالك الاول: اسم أبي القبيلة، والثاني: اسم لها منقول منه، ولهذا أنئه، فصرف الثاني للضرورة، إلا أن قدر اسما للأب كالأول، لا للقبيلة، واضمرت القبيلة قبله.
وإن مخففة من الثقيلة، وتركت اللام الفارقة لأمن اللبس بالنافية، إذ الكلام تمدح، والنفي يقتضي الذم، فالحمل عليه يقتضي تناقض الكلام.
مسألة [٩٧]
إذا دخلت إن المكسورة المخففة على فعل فحقه أن يكون ناسخا، وقد يكون غير ناسخ، كقوله: (الكامل).
(شلت يمينك إن قتلت لمسلما وجبت عليك عقوبة المتعمد)
ولا يقاس على ذلك، فيقال: إن قام لزيد، وإن اكرمت لعمرا، خلافا للأخفش.
وهذا الشعر لصفية ترثي زوجها الزبير بن العوام ﵁،
[ ٣٧٩ ]
مسألة [٩٨] إذا خففت أن المفتوحة وجب بقاء عملها، وحذف اسمها، وكونه ضميرا وكون خبرها جملة، وقد يذكر اسمها في الضرورة، فيجوز حينئذ كون خبرها مفردا وكونه جملة
إذ قتله عمرو بن جرموز المجاشعي. وقبله:
(غدر ابن جرموز بفارس بهمة عند اللقاء وكان غير معرد)
(يا عمرو لو نبهته لوجدته لا طائشا رعش الجنان ولا اليد)
البهمة: هنا الجيش، ويكون في غير ذلك الفارس الذي لا يدرى من أين يؤتي من شدة بأسه. والتعريد، بالعين المهملة: الفرار. وشلت، بفتح الشين، وأصله: شللت، بكسر، في المضارع يشل، بالفتح.
مسألة [٩٨]
إذا خففت أن المفتوحة وجب بقاء عملها، وحذف اسمها، وكونه ضميرا وكون خبرها جملة، وقد يذكر اسمها في الضرورة، فيجوز حينئذ كون خبرها مفردا وكونه جملة، وقد اجتمعا في قوله: (المتقارب).
(لقد علم الضيف والمرملون إذا اغبر أفق وهبت شمالا)
(وصدت عن أولادها المرضعات ولم ترعين لمزن بلالا)
(بأنك ربيع وغيث مريع وأنك هناك تكون الثمالا)
/ ٢٠٢ / وهذا الشعر لكعب بن زهير ﵁. والمرملون:
[ ٣٨٠ ]
الذين لا زاد معهم. والمريع، بفتح الميم وكسر الراء وبعدها آخر الحروف ثم عين مهملة: الكثير النبات، يقال: غيث مريع ومكان مريع، وقد مرع، بالضم، وأمرع. قال (الرجز).
(أمرعت الأرض لو أن ما لا (لو أن نوقا لك أو جمالا أو ثلة من غنم إمالا).
أي ليت لنا مالا، أي إبلا فترعى من ذلك النبات. وعلى مرع جاء قولهم: مريع: كشوف فهو شريف، وفاعل (هبت) ضمير الريح، وإن لم يجر لها ذكر، و(شمالا) حال. و(المزن) السحاب الأبيض، واحده مزنة.
و(البلال) بكسر الموحدة، الماء، يقال: ما في سقائه بلال. وبلال الأول علم لرجل، ومنه بلال بن حمام مؤذن رسول الله ﷺ. والثاني: الماء، ويقال لما يبل الحلق من ماء أو لبن بلال، وأما بلال، بفتح أوله وكسر آخره، فعلم على البلة، كالفجار علم للفجرة، يقال: لا تبلل عندي بلال.
[ ٣٨١ ]
مسألة [٩٩] خبر أن المفتوحة المخففة أما جملة اسمية قدم مبتدؤها
و(هناك) ظرف زمان، واصله للمكان، ولكن اتسع فيه، ومثله في التنزيل: ﴿هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ﴾
﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾.
وعامل الظرف الشمال، أو قوله: (تكون) إن قيل بدلالتها على الحدث. و(الثمالا) بكسر المثلثة، على وزن الغياث وبمعناه.
مسألة [٩٩]
خبر أن المفتوحة المخففة أما جملة اسمية قدم مبتدؤها، نحو ﴿أَنْ الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ﴾، أو أخر كقوله:
/ ٢٠٣ / (البسيط).
في فتية كسيوف الهند قد علموا أن هالك كل من يحفى وينتعل
أو فعلية تشبه الاسمية، وهي التي فعلها جامد كقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾.
أو فعلية فعلها طلبي، كقوله: اما أن جزاك الله خيرا، وكقوله تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ فيمن قرأ (غضب)
[ ٣٨٢ ]
بفتحتين بينهما كسر، ورفع اسم الله تعالى، وأما ﴿نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ﴾ فيحتمل ذلك وكون (أن) مفسرة، أو خبري مفصول منها غالبا بقد أو بتنفيس أو نفي أو لو. نحو ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا﴾.
﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى﴾، ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجع إلَيْهمْ قَوْلًا﴾، ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾. ومن غير الغالب قوله: (الخفيف).
(علموا أن يؤملون فجازوا قبل أن يسألوا باعظم سؤل)
وقوله: (مجزؤ الكامل).
(اني زعيم يا نويقة أن أمنت من الرزاح)
(ونجوت من عرض المنون من الغدو إلى الرواح)
أن تهبطين بلاد قوم يرتعون من الطلاح»
فاما البيت الأول فانه للاعشى ميمون بن قيس، والنحويون: سيبويه
[ ٣٨٣ ]
وغيره أوردوه/ ٢٠٤ / على ما ذكر الشارح، والذي ثبت في ديوانه في عجز البيت:
ان ليس يدع عن ذي الحيلة الحيل
وهو شاهد على مسألة الفعل الجامد. واما العجز الذي اوردوه فليس فيه من كلام الأعشى إلا قوله:
(يحفى وينتعل)، فإنه وقع عجز بيت آخر من القصيدة، وهو:
أما ترينا حفاة لا نعال لنا أنا كذلك ما نحفى وننتعل»
ومعنى البيت: إنهم في مضائهم وحدتهم كالسيوف الهندية، وإنهم موطنون أنفسهم على الموت موقنون له، وأول القصيدة:
(ودع هريرة إن الركب مرتجل وهل تطيق وداعا أيها الرجل)
(غراء فرعاء مصقول عوارضها تمشي الهوينا كما يمشي الوجي الوحل)
ومنها:
(صدت هريرة عنا ما تكلمنا جهلا بأم خليد حبل من يصل)
(أان رأت رجلا أعشى أضر به ريب المنون ودهر مبتل خبل)
ومنها:
[ ٣٨٤ ]
(ما روضة من رياض الحزن معشبة خضراء جاد عليها مسبل هطل)
(يضاحك الشمس منها كوكب شرق مؤزر بعميم النبت مكتهل)
يوما بأطيب منها نشر رائحة ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل»
(علقتها عرضا وعلقت رجلا غيرى ويحلق أخرى غيرها الرجل)
(فكلنا مغرم يهدى لصاحبه ناء ودان ومخبول ومختبل)
(قالت هريرة لما جئت زائرها ويلي عليك وويلي منك يا رجل)
ومنها:
(ألست منتهيا عن نحت اثلتنا ولست ضائرها ما أطت الإبل)
ومنها:
(كناطح صخرة يوما ليوهنها فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل)
قد نطعن العير في مكنون قائله وقد يشيط على ارماحنا البطل»
ومنها:
(أئنتهون ولن ينهى ذوي شطط كالطعن يذهب فيه الزيت والقتل)
ومنها:
لئن منيت بنا عن غيب معرفة لا تلفنا عن دماء القوم نتنفل»
/ ٢٠٦ / قالوا الركوب فقلنا تلك عاونتا أو النزول فانا معشر نزل/ عادتنا
قوله: (ودع وايها) خطاب ونداء لنفسه. قوله: (غراء) أي بيضاء.
[ ٣٨٥ ]
قوله: (فرعاء) أي كثيرة الشعر. قوله: (عوارضها) أي جوانب اسنانها. قوله: (الوجي) بكسر الجيم، الفرس الذي وجد في حافره وجعا، والانثى وجية ووجياء، وذك الوجع الوجا. قوله: (الوجل) بكسر المهملة، الذي وقع في الوحل. قوله: (صدت البيت) والذي يليه من أحمق شعر قالته العرب، فان النساء لا يكرهن من الرجال شيئا اكثر مما ذكره، فما وجه هذا الانكار والتعجب؟
(آان) اصله الأن، فحذف لام التعليل، ويروى: من أن. قوله: (ريب) أي حدث. قوله: (المنون) أي الدهر، ويأتي بمعنى المنية. قوله: (متبل) أي مغن، وقيل هو الذي يذهب بالمال وبالولد. قوله، (جبل) بفتح المعجمة وكسر الموحدة، أي يذهب بالعقل، قوله: (الحزن) بفتح المهملة بعدها زاي، اسم موضع، وهو في الاصل ضد السهل. قوله: أي سابل. قوله: (هطل) أي متتابع. قوله: (يضاحك) أي يميل معها حيث مالت. قوله: (عميم) أي طويل. قوله: (مكتهل) أي تام الطول ظاهر النور، يقال منه اكتهل النبات. وقوله: (قالت البيت) اخنث بيت قالته العرب. وقوله: (نحت/ ٢٠٧ / اثلتنا) اي الطعن فينا. قوله: (اطت) اي حنت، ومصدره الأطيط. قوله: (كناطح) اي كوعل ناطح. وهذا البيت يأتي إن شاء الله تعالى في باب اسم الفاعل. قوله: (العير) أي السيد. قوله: (مكنون فائله) الفائل: الدم، والمكنون المستور، فالأصل فائله المكنون، والصواب في البيت
[ ٣٨٦ ]
(قد يخضب) مكان (يطعن)، و(من) مكان (في)، وإلا فلا معنى لقوله: انه يطعن في الدم. وقوله: (يشيط) اي يهلك، ومنه اشتق قوم الشيطان، لأنه هالك، فوزنه فعلان، ومن اشتقه من (شطن) إذا بعد، لبعده عن الرحمة، فوزنه فيعال. قوله (كالطعن) الكاف بمعنى مثل، مرفوع على أنه فاعل ينهي. قوله
(يذهب منه الزيت والفتل) أي أنه يعالج بذلك. والفتل: جمع فتيلة. وقوله: (منيت) أي ابتليت، اي قدرت لنا وقدرنا لك. وقوله: (عن) بمعنى بعد، مثلها في قوله تعالى:
﴿طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾. و(ننتفل) نأخذ النفل، وكثير يقرؤه بالقاف، وهو تصحيف، وهذا البيت يأتي في باب حروف الجر.
وأما البيت الثاني: فالباء في (باعظم) متعلقة بـ (جادوا) وإلا بما جاوزه من قوله: يسألوا، والسؤال بمعنى المسؤول، ومثله: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾، ونظيره الخير. بمعنى المخبور. والمعنى: أنهم علموا أن الناس يأملون معروفهم فلم يخيبوا رجاءهم، ولا أحوجوهم إلى المسألة، بل ابتداؤ بالعطاء، وجادوا عليهم قبل أن/ ٢٠٨ / يسألوا، وبذلوا لهم أعظم ما يسأل السائلون.
[ ٣٨٧ ]
وكان الأصل: علموا أن سيؤملون، بالفصل بالتنفيس، فترك الفاصل للضرورة.
وأما الشعر الثالث: فأنشده الفراء للقاسم بن معن، يقول لناقته: إن سلمت وقضيت سيرك هذا صرت إلى الخصب. و(الزعيم) الكفيل. وفي الحديث: (الزعيم غارم). و(الرزاح) بضم الراء، مصدر رزحت الناقة ترزح، بالفتح فيها، رزحا ورزاحا، سقطت من الاعياء، والابل رزحى بوزن سكرى، ورزاحى بالفتح، ومرازح، ورزح.
وأورد ثعلب مكان هذه الكلمة في شرح أبيات معاني الفراء، الزواح، بفتح الزاي بعدها واو، وقال ما نصه: "الزواح من انزاحت العلة، أي زالت، وانزاح عني، أي تباعد". انتهى. ولا شك أن العرب قالت: زاح عن مكانه يزوح، وزاح يزيح، إذا نحى، وأزحته، ولكن لا معنى للذي ذكره ثعلب في البيت المحفوظ فيه خلاف ما أورده. وقوله: (عرض) بالمهملتين فالمعجمة، و(المنون). و(من) لابتداء الغاية في الزمان، إذ
[ ٣٨٨ ]
مسألة [١٠٠] تخفف كأن فيبقى عملها وجوبا كما في أن، ويغلب فيها ما يجب في أن من حذف اسمها، وكون خبرها جملة
التقدير: من وقت الغدو، فهو من حجج الأخفش والكوفي. وقوله: (أن تهبطين) أي أنك تهبطين/ /، فخذها وحذف اسمها على القياس، وأولاها الفعل المتصرف الخبري، وهذا موضع الشاهد، وليس بنص، إذ يحتمل أن يكون أن هذه الناصبة، ولكنه اهملها حملا على اختها ما المصدرية، كقوله: (البسيط).
أن تقرآن على أسماء ويحكما منى السلام وأن لا تشعرا أحدا
فيكون من شذوذ اهمال أن.
و(الطلاح) بكسر الطاء، جمع طلحة، بفتحها، وهي شجر عظام من شجر العضاة، ويقال: ابل طلاحية إذا كانت ترعى الطلاح. وفيه شذوذ النسب إلى الجمع، ويقال: طلاحية، بالضم، فيكون فيه شذوذ ثان.
مسألة [١٠٠]
تخفف كأن فيبقى عملها وجوبا كما في أن، ويغلب فيها ما يجب في أن من حذف اسمها، وكون خبرها جملة، كقوله: (الهزج).
ووجه مشرق النحر كأن ثدياه حقان
[ ٣٨٩ ]
أي: كأنه.
ونقل أعمالها في اسم مذكور، ويسهل حينئذ كون خبرها مفردًا، كقوله: [الرجز].
([غضنفرٌ تلقاه عند الغضب] كأن وريديه رشا آخلب)
ويضعف مجيء خبرها مفردًا مع حذف اسمها كقوله: [الطويل].
/٢١٠/ (ويومًا تُوافينا بوَجْهٍ مُقَسَّمٍ كأنْ طبيةٌ تعطو إلى وارقِ السَّلمْ)
فأمّا البيت الأول فروي سيبوية أوله: (ووجه) كما أورده الشارح، وعلى هذا فالهاء من قوله (ثدياه) للوجه وللنحر، ولا بد من تقدير مضاف، ثد يا صاحبة، وروي عن سيبوية أوله وصدره، فالهاء راجعة إليه، ولا تقدير.
وأول البيت مرفوع على الابتداء، أي: ولها وجه أو صدر. وقوله: (كأن) أصله كأنَّهُ، والضمير للوجه، أو للصدر، أو الشأن. والجملة الاسمية خبر، ويروى: كأن ثدييه، على أعمالها في اسم مذكور، وعلى هذا فحقان الخبر.
[ ٣٩٠ ]
وأما البيت الثاني ففيه أيضًا روايتان، أحدهما: وريديه، على أعمالها في اسم مذكور، ووقوع الخبر مفردًا، والثانية: وريداه، على أعمالها في اسم محذوف، ووقوع الخبر جملة. فالروايتان في كتاب الصحاح.
و(الوريدان) عرقان يكتنفان صفحتي العنق، في مقدمها متصلان بالوتين، يردان من الرأس إليه، وقيل وريد لأن الروح ترده. و(الرشاء) بالمد والكسر، الحبل، وجمعه أرشية، وهو في البيت مثنى فهو بالفين، لأن المشبه شيئان، ويوجد في النسخ بالأفراد. و(الخُلُب) بضم المعجمية واللام، الليف، ويجوز تسكين اللام للتخفيف، وقد روى كذلك /٢١١/، ويقال لليفة خُلًبة، بضمتين، وخُلْية، بالاسكان، وذلك قياس في نظائره.
وأما البيت الثالث فإنه لباغت اليشكري، وباغت منقول من بَغتْه بالأمر، إذا فاجأه به، ويشكر منقول من مضارع شكر. و(تُوافينا) بضم حرف المضارعة وفاعله ضمير المرأة الموصوفة. و(مقسم) محسن، وأصله من القسِمات، بكسر السين، والواحد قِسمة، بالكسر، وقيل: هي أعلى
[ ٣٩١ ]
الوجه، وقيل: هي وسط الأنف، ومن كلامهم (الجمال في الأنف). وقيل: القسمات مجاري الدموع في أعالي الوجه. ويقال: رجل قسيم الوجه أي جميله، لأن الجمال يظهر هناك، ورجال قُسُم، بضمتين.
وقوله: (تعطو) أي تتناول، وكأنه ضمنه معنى تميل، أي تميل في مرعاها إلى هذا، فلهذا عداه بالي، وقوله: (وارق) أي مورق، وهو من النوادر، إذ فعله أورق، ومثله ايفع فهو يافع.
وقوله: (السَّلَم) بفتحتين، وهو شجر من العضاة نبته كثير الشوك، واحد سَلَمة. وبه سمي بعض الناس.
شبه هذه المرأة بظبية مخصبة المرَعى، تتناول أطراف الشجر، وترتعيها.
وروي قوله (ظبية) بالرفع، والنصب /٢١٢/ والجر، فأما الرفع فعلى حذف الاسم، وبقاء الخبر، وفيه شذوذ، لكون الخبر مفردًا مع حذف الاسم، والتقدير: كأنها طيبةُ.
وأما النصب فعلى حذف الخبر وبقاء الاسم، واختلف في تقديره فقال الشارح: كأن مكانها ظبيةً، وهو واضح، وقدَّرهُ غيرُه: كأن ظبية هذه
[ ٣٩٢ ]
المرأة، وهذا إنّما يصحّ على جعل المشبّه مشبّهًا به وبالعكس، لقصد المبالغة.
وأما الجر فعلى أن الأصل: كظبية، ثم زيدت (أنْ) بين الجار والمجرور شذوذًا.
والجملة من قوله: (تعطو) في موضوع رفع أو نصب أو جر بحسب الظبية، لأنها صفتها.
[ ٣٩٣ ]