مسألة [٢٣]
من العلم المنقول ما نقل عن جملة فعلية مستتر فاعلها، والحكاية في ذلك واجبة مثلها في المنقول عن جملة صرح بفاعلها، ومثاله أن تسمى بيقوم، من قولك زيد يقوم، وشاهده قول الشاعر: [الوافر].
(نُبئّتُ أخوالي بَني يزيدُ ظُلْمًا علينا لهمُ فَديدُ)
فقال: يزيد بالضم، لأنه قدره منقولًا من قولك: المال يزيد، ولو قدر منقولًا من قولك: يزيد المال لإعرابه، فقال: بني يزيد، بالفتح.
[ ١١٥ ]
وزعم ابن يعيش أن الرواية تزيد، بالتاء من فوق، قال:
وهو تزيد بن حلوان، أبو قبيلة، وإليه تنسب البرود التزيدية، ورده ابن الحاجب بأن الرواية إنما صحت بالياء، آخر الحروف، وبأن (تزيد) بالتاء من فوق، لم يسمع في كلامهم. إلا مفردًا، كقوله: [الكامل].
(يعثرن في حد الظبات كأنما كسيت برود تزيد الأذرع)
قوله: (في حد الظبات) حال لا متعلق بـ (يعثرن)، والفديد: الصوت، وأسماء الأصوات تأتي على الفعيل كثيرًا، كالصهيل والهدير والشهيق والنهيق والزفير والأزيز، و(بني) بدل أو صفة، ويرجح الثاني، أن البدل حقه أن يكون بالأسماء الموضوعة للذات، باعتبار أنفسها كزيد وعمرو، وأن الصفة حقها أن تكون بالأسماء الموضوعة لها باعتبار معنى هو /٤٥/ المقصود، كالعالم ونحوه وابن كذلك قيل: ويجوز أن يكون مفعولًا ثالثًا، وفيه نظر، لأنه يكون حينئذ قد نُبِّئ بأن أخواله بنو يزيد، ومثل هذا لا يحتاج
[ ١١٦ ]
إلى أن يخبره به غيره، وإنما المفعول الثالث (ظلما) بمعنى ذوي ظلم، أو بمعنى ظالمين، أو عليهما فقوله (لهم فديد) مفسر لظلمهم، وقيل: يجوز أن يكون (ظلمًا حالًا، أو مفعولًا لأجله، وفيه نظر، أما الحال فلأن صاحبها إما ضمير لهم فيؤدي إلى تقديم الحال على عاملها المعنوي، والأكثرون يمنعونه مطلقًا، وأما (أخوالي) فيؤدي إلى تقييد المبتدأ من حيث هو مبتدأ، وذلك ممتنع، لا يقال: زيد ضاحكًا يقوم، على أن (ضاحكًا) حال من زيد، بل على أنه حال من ضمير (يقوم)، وأما المفعول له فلأنه إما تعليل لـ (نبئت) وهو لم ينبأ بذلك لأجل ظلمهم، أو للاستقرار، فيلزم تقديم المفعول له على عامله المعنوي، وهذا ممتنع في الحال مع شبهها بالظرف، فما الظن بالمفعول له، أو الفديد، فيلزم تقديم معمول المصدر عليه، والأكثرون يمنعونه في الظرف، فما الظن بغيره، ونظير هذا البيت في الاستشهاد قول رؤبة في ابنته:
(سميتها إذْ وُلِدَتْ تموتُ والقبرُ صِهْرٌ ضامنٌ زَميتُ)
(ليس لمن ضُمِنه تَربْيتُ)
(الزميت) بالزاي المفتوحة: الوقور، و(التربيت) التربية، وقول حسان ﵁:
(عاري الأشاجع من ثقيف أصله عَبْدٌ ويَزْعُمُ أنهُ مِنْ يَقْدُمُ)
[ ١١٧ ]
مسألة [٢٤] يؤخر اللقب عن الاسم غالبا
(الأشاجع) أصول الأصابع.
مسألة [٢٤]
يؤخر اللقب عن الاسم غالبًا، وقد يقدم عليه، ذكره ابن الخباز في النهاية، وأنشد عليه: [الوافر]
(أنا ابن مزيقيا عمرو وجدِّي أبوُه عامرٌ ماءُ السماءِ)
وذكره ابن مالك في شرح التسهيل، وأنشد عليه: [البسيط].
(أبلغ هذيلًا وأبلغْ من يُبلِّغُها عنِّي حديثًا وبعضُ القول تجريبُ)
(بأن ذا الكلبِ عمرًا خيرَهَم حسبًا ببَطْنِ شَرْيانَ يعوي حولهُ الذيبُ)
فأما البيت الأول فهو لبعض الأنصار، والأصل فيه: أنا بن عمرو مزيقيا، وعمرو هذا هو: ابن عامر بن حارثة الأزدي، كان من ملوك اليمن، وكان يلبس كل يوم حلتين، فإذا أصبح مزقهما كراهية أن يلبسهما ثانيًا، وأن يلبسهما غيره، فلقّب بذلك، وأبوه عامر، وهو الذي خرج من اليمن لما أحس بسيل العرم، وكان قومه إذا أجدبوا مانَهُمْ حتى يُخْصِبوا، فلقب ماء السماء، لأنه ينوب عنه، وهذا البيت اشتمل على تقديم اللقب وتأخيره.
وقوله (وجدي أبوه) مبتدأ وخبر، والهاء عائدة على عمرو.
[ ١١٨ ]
وأما البيت الثاني فإنه لجنوب أخت عمرو ذي الكلب، ترثيه، وأول القصيد:
(كل امرئ بطوال العيش مكذوب وكل مَنْ غالب الأيام مغلوب)
(بينا الفتى ناعمٌ راضٍ بعيشته سِيقَ لَهُ من نوازي الشرِّ شؤبوب)
(يلوي به كل يوم لَيّةً قَذَفًا فالمنسمان معًا دامٍ ومنكوبُ)
وبعد البيتين:
(الطاعنُ الطعنةَ النجلاءَ يَتْبَعُها مُثْعَجِزٌ من نَجيعِ الجَوْف أُثعوبُ)
(تمشي النسور إليه وهي لاهيةٌ مَشْيَ العذاري عليهنَّ الجَلابيبُ)
(المخرجُ الكاعبَ الحسناء مُذْعِنَةً للسبي يَنْفَحُ من أردانِها الطيبُ)
(طَوال) بالفتح: جمع طُول بالضم، وأما الطُّوال بالضمَ، فالطويل، وأما الطوال بالكسر، فجمع طويل، و(النوازي) جمع (نازية) من نزا ينزو، إذا علا ووثب، و(الشؤبوب) الدُّفعة من المطر وغيره، و(القَذَف) البعيد، و(المنسم) بفتحة فكسرة: خفٌ البعير، وأستعير هنا لقدم الإنسان و(نكبته) الحجارة بالتخفيف، إذا لثمته، و(النجلاء) /٤٧/ الواسعة، وآثعنجر: انصب مطاوع ثَعْجَرَةُ، و(النجيع) الدم، و(الأثعوب) كالأسكوب وزنًا ومعنى، وشريان بفتح الشين المعجمة، اسم وادٍ، وكأنه منقول من واحد الشرايين وهي العروق النابضة، وقد يقال في واحد الشرايين، شريان بكسر الشين.
[ ١١٩ ]