مسألة [٥]
ذو على وجهين.
بمعنى صاحب فتستعمل بالواو والألف والياء، وبمعنى الذي، والأعرف فيها البناء، كقوله: [الطويل].
[ ٥٣ ]
(فأما كرام موسرون لقيتهم فحسبي من ذو عندهم ما كفانيا)
وحكى ابن درستويه في "الإرشاد" وابن جني في "المحتسب": أن بعض طيء يقول: جاءني ذو قام، ورأيت ذا قام، ومررت بذي قام.
وزعم ابن الضايع أنها إنما تعرب في حالة الجر كهذا البيت، فإنه روي بالوجهين، ولم يطلع المرزوقي على هذه اللغة البتة، فزعم أن (ذي) في البيت بمعنى صاحب، كقوله: هذا ذو زيد، أي صاحب هذا الاسم،
[ ٥٤ ]
وليس بشيء؛ لأن المشهور في البيت (ذو) بالواو، وذلك لا يجوز في التي بمعنى صاحب، لاستلزامه أن يخفض (عند) بالإضافة؛ إذ لا تدخل التي بمعنى صاحب إلا على اسم مخفوض، أو (تسلم) في قولهم: اذهب بذي تسلم، ولم يسمع خفض (عند) بغير من، وهذا البيت لمنظور بن سحيم الفقعسي، وقبله:
(ولست بهاج في القرى أهل منزل على زادهم أبكي وأبكّي البواكيا)
(فأما كرام موسدون أتيتهم البيت)
وبعده:
(وأما كرام معسرون عذرتهم وأما لئام فادّخرت حيائيا)
(وعرضي أبقى ما ادخرت ذخيرة وبطني أطويه كطي ردائيا)
ومعنى هذا الشعر التمدح بالقناعة، والكف عن أعراض الناس، يقول: الناس ثلاثة أنواع: موسرون كرام فاكتفي منهم بمقدار كفايتي، /١١/ ومعسرون كرام فاعذرهم، وموسرون لئام فاكف عن ذمهم حياء.
وقوله: في القرى، هو بكسر القاف، طعام الضيف، و(في) للسببية، مثلها في قوله تعالى: ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، وربما توهم متوهم أنها للظرفية، فضم القاف على أنه جمع لقرية، وقوله: (على زادهم إلخ) صورته الإثبات، ومعناه النفي؛ لأنه تفسير لخبر ليس، وإن قدر خبرًا ثانيًا فلا أشكال، وذكر البكاء تمثيل، والمعنى: أنه لا يأسف لما يرى من الحرمان أسف من يبكي ويبكّي غيره.
[ ٥٥ ]
مسألة [٦] في (الأب) مضافا إلى غير الياء ثلاث لغات
وقوله: (فأما) هو بكسر الهمزة، كذا ثبت في نسخ (الحماسة) وغيرها، وعليه (شرح التبريزي)، إلا أنه قدرها كلمتين أن الشرطية وما الزائدة، وقدر الاسم معمولًا لفعل محذوف بعدها مبني للمفعول، أي فأما يقصد كرام، كما قدروا في قوله: [الكامل] لا تجزعي. إن منفس أهلكته [وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي] إن أهلك فنفس.
والصواب أنها إما التي في قولك: جاءني إما زيد وإما عمرو، وأن الاسم بعدها خبر لمبتدأ مقدر قبلها، أي: فالناس إما كرام، بدليل قوله: وإما لئام، وليس بعده فعل يفسر المحذوف الذي زعمه، والجملتان من قوله: أتيتهم وعذرتهم صفتان، وقوله: فحسبي البيت، أي فكافي من عطائهم ما يكفيني لحاجتي، أي لا أبتغي منهم زيادة على الحاجة، ولولا هذا التأويل لفسد، لاتحاد المبتدأ والخبر.
مسألة [٦]
في (الأب) مضافًا إلى غير الياء ثلاث لغات، أكثرها كونه بالواو
[ ٥٦ ]
والألف والياء، وأقلها كونه منقوصًا، أي على حرفين كما كان في الإفراد على حد يدٍ ودمٍ وحرٍ وغدٍ وبينهما كونه مقصورًا، أي بالألف دائمًا، وهي مقتضى الأصل إذ أصله أبو، بفتحتين، بدليل (أبوان)، وشاهد النقص /١٢/ قول بعضهم: أبان، وقول راجز:
(بأبه اقتدى عديّ في الكرم ومن يشابه أبه فما ظلم)
إذ لم يقل بأبيه، ولا ومن يشابه أباه، وقدّم (بأبه) ليفيد الاختصاص، مثل: ﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ [سورة آل عمران: ١٥٨]، وعديّ هذا كأنه الصحابي ابن حاتم الطائي، ومعنى (ما ظلم): ما وضع الشبه في غير موضعه، وفيه رد على اللحياني؛ إذ زعم أن الصواب في المثل "ومن أشبه أباه فما ظلمت" أي أمه، أي أنها لم تزن، ومما يرده أيضًا أن اسم الشرط على تأويله لم يعد إليه ضمير من خبره، وبهذا يرد على الميداني في قوله: "إن الضمير في ظلم في المثل راجع إلى الأب، أي فما ظلم الأب إذ زرع في موضع أدى إليه الشبه. وشاهد القصر ما" ثبت في صحيح البخاري من قوله: حدثنا يعقوب الرقي، حدثنا ابن عُلية، حدثنا سليمان التيمي حدثنا أنس قال: قال رسول
[ ٥٧ ]
الله ﷺ يوم بدر ما صنع أبو جهل، فانطلق ابن مسعود، فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد، فقال له: أنت أبا جهل، قال ابن علية، قال سليمان: هكذا قالها أنس، قال: أنت أبا جهل، قلت: فهذا من أوضح الأدلة، وهو مما روي بلفظه لا بمعناه.
واستدل ابن مالك وغيره بقوله: [الزجر].
(أن أباها وأبا أباها قد بلغا في المجد غايتاها)
والشاهد في (أبا) الثالث، فإنه مضاف إليه ولم يجيء بالياء، فأما الأولان فمنصوبان، فكان الظاهر، لولا مجيء الثالث بالألف، أن الألف فيها علامة النصب، وفيه أيضًا إقامة الظاهر مقام المضمر، والأصل أن أباها وأباه.
وفي قوله: (غايتاها) استعمال المثنى بالألف مطلقًا، ونسبها الكسائي لبلحارث وزبيد وخثعم وهمدان، وأبو الخطاب لكنانة
[ ٥٨ ]
وبعضهم لبلعنبر وبلهجيم وبطون من ربيعه، وأنكر المبرد جواز ذلك في كلام أو شعر، وهو محجوج بنقل الأئمة، كأبي زيد وأبي الخطاب وأبي الحسن /١٣/ والكسائي.
ومما سمع: ضربت يداه، ولو استطعت لأتيتك على يداي.
نعم في الاستشهاد بقوله (غايتاها) نظر من وجهين، أحدهما: أنه يحتمل وهو الظاهر أن الأصل (غايتها) بالأفراد، ثم أشبع الفتحة كقوله: [الوافر].
(وأنت من الغوائل حين تُرمى ومن ذم الرجال بمنتزاح)
وقوله: [الزجر].
(أعوذ بالله من القراب الشائلات عُقد الأذناب)
والثاني: أن أبا زيد الأنصاري قال في نوادره: قال المفضل: أنشدني أبو الغول لبعض أهل اليمن:
[ ٥٩ ]
(أي قلوص راكب تراها شالوا علاهن فشل علاها)
(واشدد بمثنى حقب حقواها ناجية وناجيا أباها)
إن أباها البيت.
ثم قال: قال أبو حاتم: سألت عن هذه الأبيات أبا عبيدة فقال: انقط عليه، هذا من صنعة المفضل، وفي بعض نسخ النوادر اسقط منها بيت الاستشهاد.
يقال شال الشيء يشول إذا ارتفع، فالأمر شُل بالضم، ويتعدى بالهمزة وبالياء، يقال: أشلته وشلت به، وقول العامة شلته بالكسر لحن من وجهين/ الأول كسر الشين والثاني تعديته بنفسه، والمفعول محذوف، أي حالهم وبرحلك.
وقوله (علاهن وعلاها) قال أبو زيد: أصله الياء، ولكن بلحارث يقلبون الياء الساكنة المفتوح منا قبلها ألفا فيقولون: أخذت الدرهمان واشتريت الثوبان والسلام علاكم انتهى.
وكذا قال غيره، الصواب أن يقال أنهم يلتزمون ألف المثنى وألف على وإلى ولدى، وأنه ليس عندهم ياء ثم قلبت.
والمعنى: أن الركب قد رفعوا رحالهم على قُلُصهم فارفع رحلك على قلوصك، وأشدد حقوبها، بمثنى حقب، وهو حبل تشد به الرحل إلى
[ ٦٠ ]
بطن البعير. والناجية: السريعة، وانتصابها بـ (امدح) محذوفًا، وأباها فاعل بـ "ناج"، وجاء (أبا) هنا على لغة القصر أيضًا، أو هو مثنى على لغة النقص، وحذفت نونه للإضافة، ولا يمكن ذلك في قوله (إن أباها)، لقوله (قد بلغا) ولم يقل: بلغن.
ولم يطلع ابن عبد ربه /١٤/ على لغة القصر في الأب مع شهرتها، فلحن بعض الأئمة في قوله: ولو ضربه بابا قبيس.
مسألة [٧]
في الأخ مضافًا لغير الياء اللغات الثلاث.
وشاهد النقص قول بعضهم (أخان)، وأنكر الفراء القصر وأثبته هشام، لقولهم في المثل (٨): "مكره أخاك لا بطل" إذ أخاك مبتدأ
[ ٦١ ]
مؤخر، وفاعل عند أبي الحسن، والمشهور مكره أخوك، وقيل وأول من قاله عمرو بن العاص إذ عزم عليه معاوية ليخرجن إلى مبارزة علي ﵃، فلما التقيا قال ذلك، فأعرض عنه.
وذكر الأخ للاستعطاف، ومثله: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَاكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ﴾ [سورة الحجرات: ١٢]، ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [سورة البقرة: ١٧٨]، واستدل ابن مالك بقوله: [الطويل].
(أخاك الذي ان تدعه لملمةٍ يجبك بما تبغي ويكفيك من يبغي)
(وأن تجفه يومًا فليس مكافئًا فيُطمع ذا التزوير والوشي أن يصغي)
وهذا محتمل للمفعولية بتقدير (الزم) كما قال الآخر: [الطويل].
(أخاك أخاك ان من لا أخًا له كساعٍ إلى الهيجا بغير سلاح)
مسألة [٨]
في الهن مضافًا لغير الياء اللغات الثلاث.
وأغربها القص، ولم أر من حكاه غير أبي البقاء في اللباب، والأندلسي في شرح المفصل، ولم يذكرا له شاهدًا، ولا دليل في قولهم: هنوان؛ لأنه
[ ٦٢ ]
قد يكون على لغة من يستعمله بالأحرف الثلاثة.
وقد جزم بذلك سيبويه فقال في باب النسب، فقال ومن العرب من يقول هنوك وهناك ومررت بهنيك. وهنوان فيجر به مجرى الأب انتهى، ولم يطلع الفراء والزجاجي وجماعة على أنه يستعمل بالأحرف الثلاثة فلذلك يقولون الأسماء الخمسة، فيسقطونه من بينها.
وأما النقص فهو اللغة المشهورة وعليه قوله: [السريع].
(وأنتِ لو باكرتِ مشمولة صفرا كلون الفرس الأشقر /١٥/)
(رُحت في رجليك ما فيهما وقد بدا هنك من المئزر)
إذ أصله هناك بالضم، تم سكنه تشبيهًا له بعضد، والمبرد يرويه: وقد بدا ذاك، ولا يرى أن علامة الإعراب تذهب في نثر ولا شعر، وقصد
[ ٦٣ ]
(صفرًا) للضرورة، وفيه رد على الفراء؛ لأن فعلاء أفعل مما مده قياسي.
وهو يقول: إنما يقصر للضرورة، ما مده سماعي لا قياسي، ويروي: صفراء لون، بالمد وإسقاط الكاف، وفي الحديث: (٩) "من تعزّى بعزاء الجاهلية فأعضّوه بهن أبيه، ولا تكنوا"، ولم يقل بهني أبيه، وتعزّى: انتمى وانتسب، وعزاء الجاهلية بفتح العين، والمد: وهو أن يقول يا لفلان.
وفي رسالة الغفران أن رجلًا صاح بالبصرة: يا لقيس، فجاءه النابغة الجعدي بعصبة له، فأخذه شرط إلى أبي موسى الأشعري فجلدوه؛ إذ أجاب دعوى الجاهلية. وقوله ﵇: (فأعضّوه) بهمزة مفتوحة وعين
[ ٦٤ ]
مهملة مكسورة: أي قولوا له استهزاءً به اعضض بكذا من أبيك، ولا تكنوا بالهن تأدبًا معه، بل اذكروا له صريح اسم الفرج تنكيلًا له، وقد جمع الحديث إيضاح المراد مع حسن الأدب؛ إذ لا حاجة إلى ذكر اللفظ الفاحش الآن، وتكنوا، بفتح التاء وسكون الكاف.
مسألة [٩]
كلا وكلتا عند البصريين مفردان لفظًا
مثنيان معنى
فلذلك يعود الضمير عليهما مفردًا، وهو الأكثر، نحو:
(١) ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا﴾ [سورة الكهف: ٣٣]، وقوله: [الطويل].
(كلانا غني عن أخيه حياته ونحن إذا متنا أشد تغانيًا)
ومثنى كقوله:
(كلاهما لا يطيعان الكحيا)
والكيح، بكاف مكسورة، وياء منقلبة عن الواو، وحاء مهملة: عرض الجبل، وجمعه أكواح، وقد اجتمعا في قول الفرزدق: [البسيط].
[ ٦٥ ]
(ما بال لومكها وجئت تجتلها حتى اقتحمت بها اسكفّه الباب)
«١١) /١٦/ كلاهما حين جد الجري بينهما قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي)
يقال: عتله إذا حمله حملًا عنيفًا، ابن دريد: إذا جذبه جذبًا عنيفًا، ابن سيدة: جذيه جذبًا عنيفًا فحمله صاحب العين: إذا أخذ بتلبيبه فجرّه وذهب به إلى بليّة، ومنه ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ﴾.
ويقال: اقتحم المنزل، إذا هجمه، وإلا سكفه، بضم الهمزة وتشديد الفاء: العتبة السفلى، وهي عند ثعلب من استكف أي اجتمع، وهو
[ ٦٦ ]
فاسد، لأن سين استكف زائدة، ووزنه استفعل، وأسكفة أفعلة لا أسفعلة لأنه بناء مفقود.
والألف في كلاهما علاقة الرفع، وأما (وكلا انفيهما ) فالرفع فيه بضمة مقدرة، لاضافته إلى الظاهر، وفي قوله (كلاهما) التفات، والأصل كلاهما.
و(حين) ظرف للخبر وهو (قد اقلعا) لا خبر؛ لأن الزمان لا يخبر به عن الجثة، وإسناد (جد) إلى (الجرى) مجاز، والأصل: جدا في الجرى، ومثله: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ [سورة محمد: ٢١].
والإقلاع عن الشيء الكف عنه، والواو في (وكلا) واو الحال، والتثنية في (أنفيهما) واجبة، وإن كان الأرجح جدعت أنافهما، مثل: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [سورة التحريم: ٤]؛ لأن كلا لا تضاف إلا لمفهم اثنين.
وراب اسم فاعل من ربا يربو، وأصله رابو، فقلبت الواو ياء، لتطرفها بعد الكسرة، كغاز واعٍ، وربو الأنف ارتفاعه، وذلك يحصل عند التعب من الجري ونحوه، ويقال: ربا الفرس، إذا انتفخ من عدو أو فزع.
والشاهد في قوله (اقلعا) بالتثنية، وقوله (رابٍ) بالانفراد.
[ ٦٧ ]
مسألة [١٠]
مما جمع الواو والنون غير مستوفٍ لشروط ذلك أهل ووابل
فإنهما ليسا علمين ولا صفتين، ويزيد (وابل) بأنه لما لا يعقل وهو المطر الغزير، ولكن سهلة أنه شبه في عموم نفعه بالعاقل، وأنه في الأصل صفة من وبلت السماء الأرض تبلُها فهي وابلة، والأرض موبولة، ولهذا كسر على وبل كصوّم.
/١٧/ وقال ابن عصفور: ليس إلا هلون خارجًا عن القياس؛ لأن الأهل صفة بدليل قولهم: الحمد لله أهل الحمد، وقال ابن مالك: الذي سهل قولهم: أهلون، أنهم يقولون فلان أهل لكذا فيضفون به انتهى. وفي كلاهما نظر؛ لأن البحث في الأهل بمعنى ذي القرابة ونحوه، لا الأهل بمعنى المستحق للشيء، قال الله تعالى: ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾ [سورة الفتح: ١١]، ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [سورة المائدة: ٨٩]، ﴿إِلَى أَهْلِيهِمْ﴾ [سورة الفتح: ١٢]، وشاهد (الوابلون) قول أبي صخر الهذلي يصف واديًا: [البسيط].
«١٢) تلاعب الريح بالعصرين قسطله والوابلون وتهتان التجاويد)
[ ٦٨ ]
وتلاعب بالتأنيث والتذكير؛ لأن تأنيث الفاعل وهو الريح مجازي والتأنيث أولى، ولا يمنع ذلك عطف (الوابلون)؛ لأنه ليس كـ (الزيدون) إذ هو جمع ما لا يعقل فيجوز تأنيث فعله، ونظيره أن من أوجب التأنيث في (قامت الهندات) لا يوجبه في (انهدمت الاسطبلات) على أنه لو قيل: تلاعب الريح والزيدون، لم يمتنع التأنيث أيضًا، وذلك على أن ينوي للزيدين فعل مذكر، ويكون من عطف الجمل كما قيل في قوله تعالى: ﴿لَا تَاخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٥]، والباء ظرفية مثلها في ﴿نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [سورة القمر: ٣٤]، ونحو: ﴿مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ﴾ [سورة الصافات: ١٣٧ - ١٣٨].
والعصران هما، إما الغداة والعشي، ومنه قيل صلاة العصر أي صلاة العشاء، وأما الليل والنهار كقول حميد بن ثور. [الطويل].
(ولن يلبث العصران يوم وليلة إذا طلبا أن يدركا ما تيمما)
وأما قوله: [الطويل].
(وامطله العصرين حتى يُملني ويرضى بنصف الدين والأنف راغم)
فحمله الجوهري على أول النهار وآخره، ولا يتعين بل يصح حمله على الليل والنهار.
و(القسطل) بالسين والصاد: الغبار، ويقال فيه القسطال كقوله:
[ ٦٩ ]
[الكامل] [ولنعم مأوى المستضيف إذا دعا] والخيل قد خرجت من القسطال.
والتحقيق أن الفه أشباع، لأن فعلا لا /١٨/ يختص بالمضعف كالسلسال.
والتهتان مصدر كالتجوال والترداد، وأصله: الهتن والهتون مصدران لهتن المطر والدمع يهتن بالكسر بمعنى قطر، فصيغ على التفعال للمبالغة.
و(التجاويد) جماعة الجود بالفتح، وهو المطر الذي يروي كل شيء، وقيل الذي مطر فوقه، ويشكل عليه حكاية سيبويه: أخذتنا، أي السماء، بالجود وفوقه. وقد يجاب بأنه مبالغة، وهو كالتعاجيب والتباشير والمعاذير في أنه جمع لا واحد له.
وقال ابن سيدة: جمع تجواد، ويعني مقدرًا، ومعنى: (تلاعبهن) إن الريح تثيره وترفعه والأمطار تسكنه وتضعه.
مسألة [١١]
يجوز إجراء باب السنين مجرى غسلين
وهذا أولى من أن يقال مجرى حين كما في النظم والشرح؛ لأن نون حين أصل ونون غسلين زائدة؛ لأنه من الغسل، فسنين له أشبه.
[ ٧٠ ]
وأجراؤه مجراه في أربعة أمور، أنه يلزمه الباء، ويعرب بالحركات، وبنون، ولا تحذف نونه للإضافة، وهذه اللغة قليلة الاستعمال، ولكنها على مقتضى القياس؛ لأنه جمع تكسير وشاهدها قوله: [الوافر].
(ألم نسق الحجيج سلي معدًا سنينًا ما تعد لها حسابًا)
الهمزة للتقرير، و(سلي معدا) معترضة، وسنينًا ظرف لـ (نسق) وعلامة نصبه الفتحة لا الياء، بدليل ثبوت تنوينه وما بعده صفة مراد به التكثير، وقول الصمة بن عبد الله القشيري: [الطويل].
«١٣) دعاني من نجد فإن (سنينه) لعبن بنا شيبًا وشيبننا مردًا)
(دعاني) أمر للاثنين بمعنى اتركاني، لا ماض للواحد من الدعاء، ويروي ذراني. و(من نجد) أي من ذكره، وإثبات النون مع الإضافة دليل أن نصبه بالفتحة. و(شيبا ومردا) حالان من المجرور والمنصوب /١٩/، ووزنهما واحد؛ لأن مفردهما أفعل كأحمر وأسود، إلا أن ضمة (شيبا) أبدلت كسرة، لتسلم الياء، ومثله عيس وبيض. وبعده:
(لحى الله نجدًا كيف يترك ذا الندى بخيلًا وحر القوم يتركه عبدًا)
[ ٧١ ]
مسألة [١٢] نون الجمع وما حمل عليه مفتوحة للتخفيف وقد تكسر على أصل الساكنين، وذلك في الشعر لا في النثر، وبعد الياء لا بعد الواو، وهذا الشرط أهملوه
(على أنه قد كان للعين قر ة، وللبيض والفتيان منزلة حمدًا)
(سقى الله نجدًا من ربيع وصيـ فٍ وجودٍ وتسكاب سقى مزنة نجدًا)
وكان من خبره أنه خطب ابنة عمه فاشتط عليه في المهر وضن أبوه باكماله، فزوجت من غيره، فغضب من عمه وأبيه وخرج إلى طبرستان، وهي مقر الديلم، فأقام بها حياته، فلهذا تارة يحن إلى نجد فيدعو له، وتارة يذمه.
وأما قول ابن الأعرابي: أنه ذم نجدًا لكثرة الشقاء به فمزدود.
مسألة [١٢]
نون الجمع وما حمل عليه مفتوحة للتخفيف وقد تكسر على أصل الساكنين، وذلك في الشعر لا في النثر، وبعد الياء لا بعد الواو، وهذا الشرط أهملوه، والأول أهمله الناظم في منظومتيه دون التسهيل وشاهد ذلك في الجمع قوله: [الوافر].
(عرين من عرينه ليس منا بريت إلى عرينه من عرين)
(عرفنا جعفرًا وبني أبيه وانكرنا رعانف آخرين)
[ ٧٢ ]
والشعر لجرير بن عطية بن حذيفة، ولقب حذيفة الخطفي، بثلاث فتحات، وهو تميمي عدناني من بني كليب أخي ثعلبة بن يربوع.
و(عرين) مبتدأ، هو بوزن تميم، وهو عرين ابن ثعلبة بن يربوع، وقول علي بن سليمان الأخفش: عرين ابن يربوع وهم و(عرينه) مصغر: بطن من بجيلة، والشعر يهجو به فضالة العريني، يقول أنه ليس تميمًا، وإنما هو من عرينه، فهو قحطاني، والجار والمجرور خبر و(ليس منا) /٢٠/ خبر ثان، أو مستأنفة، ويروي (مني). و(بريت وتبرّأت) بمعنى، والأصل بريت إليه منه، فأناب المظهرين عن المضمرين، لاتضاح المتبرأ إليه من المتبرأ منه؛ ولأن إيقاع البراءة على صريح اسم عرين أبلغ، ولتصحيح الوزن والتقفية؛ ولأن ذلك جائز في الجملتين، ويروي: وبني عبيد، وبني رياح، وهو بكسر الراء بعدها آخر الحروف: حيّ وجعفر وجمهور وتمرين وعبيد أولاد ثعلبة بن يربوع من يربوع، و(الزعانف) بفتح الزاي وبالعين المهملة جمع زعنفة، بكسر الزاي والنون: أطراف الناس،
[ ٧٣ ]
وأصله أطراف الأديم وأكارعه، والشاهد في البيت الثاني، وإنما أنشد البيت الأول ليعلم أن القوافي مكسورة، وقبلهما.
(أتوعدني وراء بني رياح كذبت لتقصرن يداك دوني)
وشاهد ذلك في المحمول على الجمع قوله: [الوافر].
(أكل الدهر حل وارتحال أما يبقي علي ولا يقيني)
(وماذا تدري الشعراء مني وقد جاوزت حد الأربعين)
والشاهد في الثاني كما في البيتين السابقين، والهمزة للإنكار و(كل) ظرف و(حل) فاعل به، ويجوز أن يكون مبتدأ والظرف خبره، وهو بفتح الحاء، مصدر (حللت) بالمكان، بالفتح، أحل، بالضم، ويأتي مصدرًا لحلة ضد عقده، وهو القياس و(ما) نافية جاء بعدها (ولا تدري)، يفتح المثناة والمهملة المشددة يقال: دريت الصيد، وأدريته وتدّريته، بمعنى ختلته وخدعته.
وهنا تنبيهان، الأول: أن البيت لا دليل فيه، لجواز أن يكون الشاعر لما أضطر جره بالكسر على القياس في أسماء الجموع، وعلى ذلك أنشده المبرد في كامله، وانشد أيضًا بيت الفرزدق /٢١/ [البسيط].
[ ٧٤ ]
(ما سد حي ولا ميت مدهما إلا الخلائف من بعد النبيين)
فسوى في إجازة ذلك بين الجمع وغيره، وفي (البسيط) إن ذلك لغة خاصة بما يكون إعرابه بالواو والياء تعويضًا. كأرضون وسنون وقلون، وأنشد البيت وقول الآخر: [الكامل].
(ولقد ولدت بنين صدقٍ سادةً ولأنت بعد الله كنت السيدا)
وجوّز بعضهم ذلك في الباب كله، وحمل عليه قوله: [الخفيف].
(رب حي عرندس ذي طلال لا يزالون ضاربين القباب)
والثاني: إن هذين البيتين من كلمتين لشاعرين، وغلط الشارح والناظم في ذلك كما غلط الشارح وحده في بيتي التنوين السابقين، فأما البيت الأول فإنه من كلمة للمثقب العبدي، أولها:
(أفاطم قبل بينك نبئني ومتعك ما سألت كأن تبيني)
[ ٧٥ ]
(ولا تعدي مواعد كاذبات تمر بها رياح الصيف دوني)
(فإني لو تخالفني شمالي لما اتبعتها أبدًا يميني)
(إذًا لقطعتها ولقلت بيني كذلك اجتوى من يجتويني)
إلى أن يقول وذكر ناقته:
(إذا ما قمت أرحلها بليل تأوّه أهة الرجل الحزين)
تقول إذا درأت لها وضيني أهذا دينه أبدًا وديني)
أكل الدهر البيت.
ومعنى البيت الأول: أخبريني قبل فراقك على أن منعك ما أطلبه منك بمنزلة فراقك، ومعنى (اجتوي) أكره، وأرحلها، بفتح الهمزة: أشد عليها الرحل، وأصل (تأوّه) تتأوّه، (آهة) بالمد، ويروى بالقصر والتشديد /٢١/، وهما نائبان عن التأوّه، و(درأ) بالمهلة: دفع، و(الوضين) بالمعجمة: وهو للهودج كالبطان للقتب، والتصدير للرحل والحزام للسرج، وجمعه وضُنٌ، بضمتين، و(الدين) العادة، والاستفهام للتعجب، و(يُبقي علي) يرحمني، والمصدر الإبقاء، والاسم البُقيا، بالضم، والبَقوى، بالفتح، و(يقيني) يصونني، ومنها قوله:
(فإما أن تكون أخي بصدق فأعرف منك غثي من سميني)
(وإلا فاطرحني واتخذني عدوًا أتّقيك وتتّقيني)
وسيأتي الكلام عليهما إن شاء الله في باب العطف، وبعدهما:
[ ٧٦ ]
(فلو أنا على حجر ذُبحنا جرى الدميان بالخبر اليقين)
(زعمت العرب أن دم المتباغضين إذا جريا لا يختلطان)
قال [الطويل]:
(أحارث إنا لو تُساط دماؤنا تزايلن حتى لا يمس دم دمًا)
والدميان تثنية دم برد االلام شذوذًا، أو تثنية دما على لغة القصر، قال: [الطويل]
(فلسنا على الأعقاب تدمي كلومنا ولكن على أقدامنا يقطر الدما)
وقال: [الرمل].
(غفلت ثم أتت تطلبه فإذا هي معظام ودما)
وأما البيت الثاني فإنه لسحيم بن وئيل الرياحي الذي فاخر غالب بن صعصعة أبا الفرزدق بالكوفة أيام علي ﵁. فعقر غالب مئة ناقة، وعقر سحيم ثلاث مئة، وقال للناس: دونكم، وأفتى علي ﵁
[ ٧٧ ]
مسألة [١٣] نون المثنى
بتحريمها؛ لأنها لم تُذبح إلا للمفاخرة والمضارة، فتركت للكلاب والعقبان، وقبله:
(أنا ابن جلا وطلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني)
وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله في باب ما لا ينصرف، وبعده، /٢٣/
(أخو خمسين مجتمع أشدي ونجذني مداورة الشؤون)
وهذه الأبيات الثلاثة تمثل بها الحجاج على منبر الكوفة يوم دخلها، والأشد: القوة، وهو مفرد كالأنُك للرصاص، ولا ثالث لهما، وقيل جمع لا واحد له، وقيل جمع شدة كنعمة وأنعم، و(نجذني) بالذال المعجمة، هذبني واحكمني، و(مداورة) معالجة، و(الشؤون) الأمور جمع شأن.
مسألة [١٣]
نون المثنى
نون المثنى وما حمل عليه مكسورة على أصل الساكنين، ولم يحفظ البصريون فيها غير ذلك، وقال غيرهم: قد تفتح للتخفيف، وذلك لغة بعض بني أسد في نقل الفراء، ولبني زياد بن فقعس في نقل الكسائي، ثم قال
[ ٧٨ ]
ابن كيسان: لا نعلم أحداُ من الحذّاق يجيزه مع الألف، وقال أبو الفتح: تفتح مع الألف أيضًا، وتابعه الناظم، وقال بعضهم: لا تفتح مع الألف إلا في حالة النصب، وذلك في لغة من يقول: رأيت الزيدان.
حجة الأكثرين أمران أحدهما: أن الياء ثقيلة فاحتيج إلى التخفيف معها ففتحت النون، كما في أين وكيف، وأما الألف فإنها خفيفة فالتزم معها الأصل.
والثاني: إن الفتح إنما صح به السماع مع الياء خاصةً، كقول بعض الأسديين يصف قطاة: [الطويل].
(على أحوذيين استقلت عشية فما هي إلا لمحة وتغيب)
والأحوذي، بالحاء المهملة والذال المعجمة: السريع في كل ما أخذ فيه، قال ابن سيدة: أو الخفيف في الشيء لحذقه فيه، حكاه الجوهري عن أبي عمرو، والمراد بالأحوذيين الجناحان، وليس فتح نونه ضرورة؛ لأنه في حشو البيت، واستقل الطائر ارتفع في الهواء، ويروى (عليهما) بدل (عشية) /٢٤/، فإعادة (على) توكيد، ولزم من إعادتها أن توصل بالمجرور، وقوله (فما هي) أصله فما مسافة رؤيتها ثم حذف المضاف الأول، وأناب عنه الثاني، ثم الثاني أناب عنه الثالث، فارتفع وانفصل،
[ ٧٩ ]
ومثله في حذف مضافين: أنت مني فرسخان، أي ذو مسافة فرسخين، إلا أن هذا حذف من الخبر، وقد يقدر بعدك مني فرسخان، فالمحذوف واحد من المبتدأن وقوله (وتغيب) مستأنف، أي وهي تغيب بعد ذلك، وحجة أبي الفتح أن أبا زيد أنشده في نوادره: [الرجز].
(أعرف منها الأنف والعينانا ومنخرين أشبها ظبيانا)
قال: وذلك حمل لحالة على حالتين، وزعم الأولون أن هذا البيت مصنوع، وحجة المذهب الثالث الاعتداد بالبيت المذكور والوقوف مع ظاهره. فإن (العينان) في محل النصب وقد جاء الفتح معه، وكذلك (الظبيانا) وفيه حذف مضاف أي منخرا ظبيانا.
[ ٨٠ ]