مسألة [٤٣]
قد تزاد ألْ للضرورة في اسم مستغنٍ عنها، إما بكونه معرفة بدونها، أو بكونه، واجب التنكير، فالأول كقوله: [الكامل].
(ولقد جنيتُك اكموءً وعساقلًا ولقد نهيتُكَ عن بناتِ الأوبرِ)
وقوله: [الطويل].
(أما ودماءٍ مائراتٍ تخالُها على قُنة العزَّى وبالنَّسْرِ عَنْدما)
[ ١٦٧ ]
والثاني كقوله: [الطويل].
(رأيتُكَ لما أن عرفت وجوهنا صددتَ وطبْتَ النفسَ يا قيسُ عن عَمْرِو)
وقوله: [البسيط].
(دمتَ الحميَد فما تنفك منتصرًا على العِدى في سبيل المجدِ والكرمِ)
فأما البيت الأول فأصل (جنتيك) جنيت لك، أي تناولت لك، فحذف الجار توسعًا، ومثله ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ﴾ و﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ و﴿؟وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِل﴾.
أي: كالوا لهم، ووزنوا لهم، وتبغون لها، وقدرنا له.
والأكمؤ جمع كمء كأفلس جمع فلس، والكمؤ واحدة الكماة، على العكس من باب تمر وتمرة. هذا قول منتجع بن نبهان وعكس ذلك أبو خيرة، فتحاكما إلى العجاج، فقضى لمنتجع.
و(العَساقل) ضَرْبٌ من الكمأةِ أيضًا، وأصلُها عساقيل، لأن واحدها عُسْقُول كعُصْفُور، فحذف المدة للضرورة، كما زادها في الصيارف من قال: [البسيط].
[ ١٦٨ ]
(تنفي يداها الحصى في كل هاجرةٍ نفىَ الدارهيمِ تِنقادُ الصياريف)
فأما الدراهيم فقد يكون جمع دِرْهام.
و(بنات أوبر) كمأة صغار على لون التراب، يضرب بها المثل في الرداءة وقلة الخير، فيقال: إن بني فلان بنات أوبر، أي يظن بهم خير فلا يوجد، وهو علم جنس ممنوع الصرف /٧٣/ للعلمية والوزن، كابن آوى، فالألف واللام فيه زائدة، إذ لا يجتمع تعريف العلمية وأل، هذا قول سيبويه والأصمعي، وعليه بني الناظم والشارح. وزعم المبرد أنه اسم جنس بمنزلة ابن لبون، فهو مصروف، وأل فيه للتعريف، ويرده أنه لم يسمع بالألف واللام إلا في الشعر، وقول الآخر: [البسيط].
(ومن جنى الأرض ما تأتي الرِّعاءُ به من ابن أوْبَرٍ والمقرود والنِّقعة)
وهذه الثلاثة أنواع من الكمأة، فمنعه من الصرف، وأيضًا فليس من نظم
[ ١٦٩ ]
الكلام أن يأتي بأحدها نكرة وبالآخر معرفة مع تمكنه من أن يقول: من ابن الأوبر، بالنقل.
زعم ابن خروف أن (أل) في بنات الأوبر للمح الصفة مثلها في الحسن، لأن أوبر صفة في الأصل. ويردّه ما قدمناه من أنّ ذلك لم يستعمل في النثر.
وأما البيت الثاني فإنه لرجل جاهلي مجهول الاسم، وأورده الجوهري في بابي الهمزة والراء هكذا، وذكره الزجاجي في كتاب اللامات، وعبد الدائم القيرواني في حُلى العُلى:
فأبدلا (لا تزال كأنها)، مكان قوله: (ما برأت تخالها) ومحل الشاهد قوله:
وبالنَّسْر، فإنه علم على الصنم، ووضع بغير ألف ولام، ولكنها زيدت هنا للضرورة، وأما بمنزلة ألا في التنبيه والاستفتاح، ويغلب عليها أن تُردفَ بالقسم كهذا البيت، وكقوله: [الطويل].
(أما والذي أبكى وأضحك والذي أمات وأحيا والذي أمرهُ الأمرُ)
[ ١٧٠ ]
أو بما يجاب به القسم، كقولهم: أما إن جزاك الله خيرًا.
ومار الشيء يمور مورًا فهو مائر، إذا اضطرب وجاء وذهب، ومنه ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾، و(تخالها) تحسبها، وقنه الشيء: أعلاه، والعُزَّى: في الأصل: تأنيث أعز، ثم نقل بالألف واللام إلى سمرة كانت غطفان تعبدها، وبعث /٧٤/ ﵊ إليها خالد بن الوليد فقطعها، فخرجت منها شيطانةٌ واضعةٌ يدها على رأسها، ناشرةً شعرها، داعيةً بثبورها، فجعل يضربها بالسيف حتى قتلها، وهو يقول: [الرجز].
(يا عَزَّ كفرانك لا سبحانك إني رأيتُ الله قد أهانَكِ)
وقال ﵊: «تلك العزّى لن تعبد أبدًا».
والنَّسْر: في الأصل اسم الطائر المعروف، ثم نقله قوم نوح ﵇ لصنم صنعوه على هيئة النسر وعبدوه، ثم انتقل منهم إلى العرب، فكان لذي الكلاع بأرض حمير، وكان يغوث لمذحج، بذال معجمة وحاء مهملة مكسورة ثم جيم. ويعوق: لهَمْدان بميم ساكنة ودال مهملة، وقيل:
[ ١٧١ ]
إن هذه أسماء قوم صالحين من أولاد آدم ﵇، ماتوا، فقال الشيطان لمن بعدهم لو صوّرتموهم فكنتم تنظرون إليهم، ففعلوا، فلما مات أولئك قال لمن بعدهم: إنهم كانوا يعبدونهم، ففعلوا.
أقسم هذا الشاعر بالدماء التي تذبح للأصنام، وذلك أنه كان لهم أحجار تُسمَّى الأنصاب، يذبحون عليها الذبائح، ويشرحون اللحم، ويتقربون بذلك لأصنامهم، وهي اللحوم التي حرم الله سبحانه بقوله ﷿: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾، ونظيره قول النابغة: [البسيط].
(فلا العمرُ الذي مسّحتُ كعبتَهُ وما أريقَ على الأنصابِ من جسدِ)
و(تخالها) تحسبها، و(عَنْدَما) مفعول ثانٍ، وهو دم الأخوين، و(على قُنَّةِ العُزى) حال من المفعول الأول فيتعلق بمحذوف، أي تحسبها في حالة كونها على رأس العُزَّى عَنْدَما، وذلك لأنهم كان يُصيبون الصنم بذلك الدم.
وأما من روى (لا تزال كأنها) فكان الظاهر أن يرفع (عَنْدَما) خبرًا لكأن، فقد يكون نصب بها الجزأين، كقول الآخر: [الرجز].
[ ١٧٢ ]
(كأنّ أُذْنَيه إذا تشوفا قادمةً أو قلمًا محرَّفا)
ويروى هذا البيت /٧٥/ أيضًا: تخال أذنيه، فلا يكون فيه شاهد.
وفي انتصاب الخبر في باب إن أقوال، ثالثها الجواز في ثلاثة منها: ليت ولعل وكأنّ، ورابعها الجواز في (ليت) خاصةً.
وحيث قيل بمنع ذلك في (كأن) فيجوز أن يُقَدَّر خبر لكأن ناصب لعندم، أي كأنها تُرى عَنْدَمًا، كما قدّر في قراءة علي ﵁: ﴿وَنَحْنُ عُصْبَة﴾ بالنصب، وأن يجعل (عَنْدَمًا) خبر تزال، وخبر كأن محذوف، واعترض بها وبمعمولها بين زال وخبرها، أي لا تزال مثل عندم كأنها كذلك، وبعد هذا البيت:
(وما سبّحَ الرهبانُ في كلّ بِيعةٍ أبيلٍ إلا بيلينَ المسيح بن مريما)
(لقد ذاق منا عامرٌ يومَ لَعْلَعٍ حُسامًا إذا ما هزَّ بالكفّ صممّا)
وما مصدرية، وهي وصلتها عطف على دماء، أقسم بالدماء المذكورة، وتسبيح الرهبان، وبيعة بكسر أولها كجمعها، وهو متعبد النصارى، وأبيل، بفتح
[ ١٧٣ ]
الهمزة وبالباء الموحدة المكسورة ثم آخر الحروف: الراهب، قال عدي بن زيد:
(بأبيل كلما صلى جأر)
وهو فارسي معرب، فمعنى أبيل الابيلين: راهب الرهبان، أي أفضلهم، وكانوا يطلقون ذلك على المسيح، والأصل: الابيلين، بياء النسب فحذف، كما قالوا الأشعرين والأعجمين.
والمسيح: عطف بيان، والبيت الثالث جواب القسم، وأما البيت الثالث فإنه لراشد بن شهاب اليشكري، ورواه المفضل الضبي:
(لمّا عرفتَ جِلادَنا رضيتَ وطِبْتَ النفسَ يا بكرُ عن عَمْرِو)
وكذا أنشده ابن السيد في شرح شعر المعري:
ومعناه واضح بخلاف ما أنشده الشارح، وبعده:
[ ١٧٤ ]
مسألة [٤٤] إذا غلب اسم بالألف واللام على بعض من هوله لم يجز نزعها منه إلا في نداء
(رأيت دماءً أشعلتُها رماحنا شابيب مثل الأرجوان على النَحْرِ)
ووجه الشاهد: أن النفس تمييز محوَّلٌ عن فاعل (طِبت)، والتمييز واجب التنكير، فالألف واللام زائدة لا مُعرِّفة.
وزعم الكوفيون وابن عصفور: أن (ألْ) في البيت للتعريف، فأما الكوفيون فأعربوه تمييزًا، لأن التمييز عندهم يكون معرفة، وأما ابن عصفور مشبهًا بالمفعول به، قال: وذلك جائز مع الفعل قليلًا، كما جاء في الحديث: إن امرأة كانت تهرق الدماء، قال: فالنفس هنا كـ"نفسًا" في رواية الكسائي: خذه مطيوبةً به نفسٌ.
إذ التمييز لا ينوب عن الفاعل.
وأما البيت الرابع، فالحميد حال لا خبر، لأن دام تامة، لأنها لم تسبق بما الظرفية، والحال كالتمييز في وجوب التنكير، وزعم يونس أن الحال جائزة التعريف، فعلى قول أل للتعريف.
مسألة [٤٤]
إذا غلب اسم بالألف واللام على بعض من هوله لم يجز نزعها منه إلا في نداء، نحو: يا نابغة، يا أخطل.
أو إضافة، نحو: نابغة بني ذبيان.
[ ١٧٥ ]
وقوله: [الوافر].
(١) (ألا أبلغ بني خلف رسولًا أحقًا أن أخطلكم هجاني)
أو في ضرورة: [الطويل].
(٢) (إذا دبرانا يومًا لِقَيتهُ أؤمل أنّ ألقاك غَدْوًا بأسْعَدِ)
فأما البيت الأول فإنه للنابغة الجعدي ﵁ من كلمة يهجو فيها الأخطل النصراني حين هجاه بنو خلف رهط الأخطل، وهم من تغلب. و(رسولًا) حال الفاعل، أو اسم للمصدر بمعنى الرسالة، مثلها في قوله: [الطويل].
(لقد كذب الواشون ما بُحَتُ عندهم بليلى ولا أرسلتهم برسول)
فيكون مفعولًا ثانيًا، ولو منع مانع مجيء رسول بمعنى الرسالة محتجًا بأنهم لم يستندوا في ذلك إلا إلى هذا البيت، وهو محتمل للوصفية على أنه حال لم يُحسن، لأنه يلزم منه كون الحال مؤكدة لعاملها لفظًا ومعنى.
[ ١٧٦ ]
ومجيء فَعول للجماعة، وزيادة الباء في الحال، وهذه وإن كانت /٧٧/ أمورًا ثابتة، نحو: ﴿وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾، ونحو: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي﴾ ونحو قوله: [الوافر].
(فما رجَعَتْ بخائبةٍ ركابٌ حكيمُ بنُ المسيبِ مُنتهاها)
إلا أن اجتماعنا بعيد.
و(حقًا) ظرف عند سيبويه، ومصدر نائب عن فعله عند المبرد، ويشهد لسيبويه تصريحهم بفي معه، قال: [الطويل].
(أفي الحق أني مغرمٌ بك هائمَّ وإنك لا خل لديكِ ولا خَمْرُ)
فإن وصلتها على قول سيبويه فاعل، أما بـ (ثبت) محذوفًا، أو بالظرف نفسه على الخلاف، في نحو: أعندك زيد؟ إذا أعرب فاعلًا، وأما مبتدأ خبره الظرف، وعلى قول المبّرد تتعين الفاعلية إما بالمصدر أو بالفعل قدّر في الأخطل الشياع أضافه إلى قبيلته، ليعرفه بهم، ونزع منه أل، لأنها لا تجامع الإضافة، ومن أبيات القصيدة:
(فظلّ لنسوةِ النعمان منّا على سَفَوانَ يومٌ أرْوَنَاني)
وهو مما يسأل عنه، فيقال: كيف خفض صفة المرفوع؟ فقيل إنه
[ ١٧٧ ]
بالرفع على الأقواء، وقيل: أصله أروناني، بياء النسب للمبالغة، كأحمري ودواري، ثم خُفِّف، وفي أرونان، غلطة لابن الأعرابي، فإنه اشتقه من الرُّنَّة، وهي الصوت، لأنها إنما تكون مع البلاء والشدة، وبُردّه إنه ليس في العربية أفوعال، وإنما هو من الرّونة، وهي الشدة، ونظير هذا قول ثعلب في (أسْكُفّهُ) إنها من استكفَّ أي اجتمع، وليس في العربية أُسْفُعْله، وإنما هي من سكفَ، ووزنها أُفْعُلّه، وقوله: إنَّ تَنّورًا من النار، ولو صح لكان تَنْوور كما تقول في بناء مثله من القول تقوول، وإنما هو فعول من (تَنَرَ) /٧٨/، وهذا أصلٌ لم يستعمل إلا في هذا الحرف وبالزيادة، ومثله حوشبٌ وكوكبٌ.
وأما البيت الثاني: فالدبران علم على الذي يَدْبرُ الثُّريا، وهو خمسة كواكب في الثور، ويقال: إنها شامةٌ، وحَقه أن يصدق على كل مُدْبِرٍ، ولكنه غلب على هذه الكواكب من بين ما أدبر، قال سيبويه: ولا يقال لكل شيء صار خلف شيء دبران، قال: وهذا بمنزلة العِدْل والعديل فالعديل ما عاد لك من الناس، والعدل لا يكون إلا للمتاع. انتهى.
وإنما غلب بالألف واللام، ولكن الضرورة اقتضت حذفها في البيت
[ ١٧٨ ]
كما اقتضت زيادتها في الأبيات السابقة.
وزعم ابن الأعرابي أن ذلك جائز قياسًا في أسماء النجوم خاصة، وحكى: هذا عيّوقٌ طالعًا. وهنا تنبيه: وهو أن انتزاع أل من العلم الذي غلب بها تارة يكون مع بقاء عمليته، كما في قولهم: هذا عيوق طالعًا، وهذا يوم اثنين مباركًا، ألا ترى إلى مجيء الحال منهما، وإن مفهومهما لم يتغير، وتارةً مع زوال العلمية كما في هذا البيت، فإن دبرانًا فيه بمنزلة هيثم في قوله: [الرجز]
(لا هَيْثَمَ الليلة للمَطيِّ)
وعلى هذا فالشذوذ راجع في الحقيقة إلى تنكيره، وانتزاع أل منه بعد ذلك واجبٌ، وعلى هذا فصرفه في البيت واجبٌ لا ضرورةٌ، وانتصابه بفعل محذوف على شريطة التفسير.
ومن رواة بالرفع قدّر فعل المفعول، أي: إذا لُقِيّ دبرانٌ. ومثله في الرواية بالوجهين قوله يخاطب ناقته: [الطويل].
(إذا ابن موسى بِلالًا بلغْتِهِ فقام بفَأسٍ بينَ وِصْلَيْك جازرُ)
الوصْلان، بكسر الواو: تثنية الوصْل، واحد الأَوصال والأخفش
[ ١٧٩ ]
والكوفيون يجيزون تقدير المرفوع بعد أداة الشرط مبتدأ، وقوله: أؤمل، بهمزة بعدها واو مبدلة من همزة، وتجوز قراءته بهمزتين وإن كانا في كلمة /٧٩/، تنزيلًا لهمزة المضارعة منزلة همزة الاستفهام، لدلالتها على معنى وهو التكلم، ولعدم لزومها، إذ تخلفها أخواتها الثلاثة.
و(الغَدْو) أصل الغد، ومثله في المجيء على الأصل قوله: [الرجز]
(لا تَقْلُوهَا وادلُواها دَلْوا إن معَ اليومِ أخاهُ غَدْوا)
وهو اسم لتالي يومك، ويستعمل أيضًا للزمن المتأخر مطلقًا، ومنه: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الأشِرُ﴾، أي يوم القيامة، أو يوم الفتح، وهو ظاهر في البيت.
و(أسعدُ) بضم العين: جمع سعد، وسعود النجوم وأسعدها عشرة، وهي والدبران في البيت كنايتان.
والمعنى: إذا رأيت منك يومًا سيئًا أكرهه فلا أقطع رجائي منك، ولكني أؤمل حصول خيرك بعد ذلك.
[ ١٨٠ ]