ومسألة [٣٠]
قد يقال اللذون رفعًا، قال: [الرجز].
(نحن اللذون صبّحوا صباحًا يومَ النُّخيلِ غارةً مِلْحاحا)
هذا الشعر أنشده أبو زيد في نوادره، وابن الأعرابي، وهو لرجل جاهلي من بني عقيل، واختلفا في اسمه، وبعده:
(نحنُ قتلنا الملك الجحجاحا ولم نَدَعْ لسارحٍ مراحا)
(نحن بنو خُويلدٍ صُراحا لا كذِب اليومَ ولا مُزاحا)
صبّحوا، بالتشديد: أتوا في الصباح، وصباحا: مصدر محذوف
[ ١٣٥ ]
الزوائد، مثل كلمته كلامًا، لا ظرف كما في: جئتك صباحًا، لأن الظرف لا يكون مؤكدًا.
ومن ثم قال أبو علي في قوله سبحانه: ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ﴾: إن (وراءكم) اسم فعل مؤكد لـ"ارجعوا".
ويروي (الصباحا) أي /٥٤/ الصباح الذي عُرِفَ واشتهر، فيكون مصدرًا نوعيًا، ولا يمنع ظرفية (صباحا) مع ما قدمناه قوله (يوم النخيل)، لأنه يكون حينئذ بدلًا لا ظرفًا ثانيًا، ولا يمنع ذلك أنه لا يبدل الكل من البعض، لأن اليوم قد يأتي للقطعة من الزمان لا لجميع النهار.
والنُّخيل، بضم النون وفتح المعجمة، وكثير يقولونه بفتحة فكسرة وهو تحريف، وهو اسم موضع، واستدلّ على ذلك صاحب المحكم بقوله: [الكامل].
(قَدَرُ أحلَّكَ ذا النُّخيلِ وقد أرى وأَبيَّ مالكَ ذو النُّخيل بدارِ)
والذي نحفظه في هذا البيت (ذا المجاز)، ومالكَ ذو المجاز، وهو سوق مشهورة في الجاهلية مثل عكاظ ومَجنَّة، وعلى ما رواه تكون إضافة ذي النخيل من باب إضافة المسمى إلى الاسم، كقوله: [الطويل].
(إليكم ذوي آلِ النبيِّ تطلَّعَتْ نوازعُ مِنْ قلبي ظِماءٌ وأَلبُبُ)
[ ١٣٦ ]
مسألة [٣١] الغالب استعمال اللائي لجمع المؤنث
وأما ذو المجاز فمجموع الأسمين هو العلم، وقوله (أبّي) بالتشديد، إما على ردّ لام أب في الإضافة للياء، أو على أنه جمع (أبًا) على أبين، ثم إضافة.
والملحاح: الكثير الالحاح، والصفة التي على مفعال لا تؤنث، والمزاح، بكسر الميم عند أبي حاتم وبضمها عند غيره، لأنه أزيح عن طريق الجد، أي نُحيِّ عنها.
مسألة [٣١]
الغالب استعمال اللائي لجمع المؤنث، نحو: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ﴾ الآية، وقد يستعمل لجمع المذكر كقوله: [الوافر].
(فما آباؤنا بأمَنِّ مِنهُ علينا اللائي قَدْ مَهدوا الحجورا)
هذا البيت أنشده الفراء لرجل من بني سليم، ولكنه أتى قبوله (هم) مكان (قد).
والمعنى: أن آباءهم الذين جعلوا حجورهم لهم كالمهد ليسوا بأكثر امتنانًا عليهم من هذا الممدوح.
[ ١٣٧ ]
مسألة [٣٢] الغالب استعمال الألى لجمع المذكر، وقد يستعمل لجمع المؤنث
فاللائي صفة لـ (آباؤنا)، ولهذا أعاد عليها ضمير المذكرين.
وفيه فصل بين الموصوف وصفته بخبر الموصوف، وقد أجيز في قوله تعالى: /٥٥/ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ كون الحي صفةً لاسمه تعالى.
و(مهدوا) يحتمل تخفيف/ الهاء، وهو الأصل، فلأنفسهم يمهدون، والتثقيل للمبالغة، و(الحجور) جمع حجر، وفتح حاء المفرد أفصح من كسرها.
مسألة [٣٢]
الغالب استعمال الألى لجمع المذكر، وقد يستعمل لجمع المؤنث كقوله: [الطويل].
(فأما الأُلى يَسْكُنَّ غَوْرَ تِهامةِ فكلُّ فتاةِ تَتْرُكُ الحِجْلَ أقصما)
قوله: (غور تهامة) إما من إضافة البعض إلى الكل، كقولك: أسفل الدار، فالمراد المطمئن من أرض تهامة، وإما من إضافة أحد المتردفين إلى الآخر، لأن تهامة تسمى الغور، فيكون كقوله: [البسيط].
(لم يَبْقَ مِن زَغَب طارَ الشتاءُ به على قَرى ظَهْرِهِ إلا شماليلُ)
فإن (القَرى) ألظهر، والأول أولى، لأن في الثاني دعوى سلب المعرفة
[ ١٣٨ ]
تعريفها وإضافة الشيء إلى نفسه.
و(الحجل) بفتح الحاء المهملة، وقد تكسر القيد، ثم نُقِل إلى الخلخال، بفتح الخاء المعجمة، وهو المقصود هنا، و(الأقصم) بالقاف فالمهملة، أي أن ساقها لضخامته يكسر خلخالها، وقد اجتمع إطلاق الأولى على المذكرين والمؤنثات في قوله [الطويل].
(فتلك خطوبٌ قد تملّت شبابنا قديمًا فتبلينا المنون وما نبلى)
(وتفني الأُلى يستلئمون على الأُلى تراهن يوم الروع كالحداء القُبْلِ)
وهذا الشعر لأبي ذؤيب الهذلي من القصيدة التي أولها:
(ألا زعمْت أسماءُ أن لا أحبَّها فقلتُ لها: لولا يُنازعني شغلي)
(جزيتُك ضِعْفَ الوُدِّ لما اشتكيتهِ وما إنْ جزاك الضّعفّ من أحدٍ قبلي)
(فإن تُزعميني كنتُ أجهل فيكم فإني شريْت الحِلْمَ بعدَكِ بالجَهْلِ)
(وقال صحابي قد غُبِنْتَ وخلتني غَبَنْتُ فما أدري أشكلهم شَكْلي /٥٦/)
(على أنها قالت رأيتُ خُويلدًا تنكّر حتى عاد أسودَ كالجِذْلِ)
فتلك خطوب البيتين
قوله (ينازعني) مبتدأ بتقدير أن. و(لولا) كلمتان بمعنى لو لم، وجواب (لولا) أو جواب (لو) محذوف، و(تزعميني) تظنيني كنت أجهل في إتباعي إياك، و(شريتُ) بمعنى اشتريت وتأتي بمعنى: بعتُ، وإنما
[ ١٣٩ ]
قالوا له أنه مغبون في بيعه الجهل بالحلم، لأنهم كانوا معه على الجهل، فقال هو: بل أنا الغابن، ولا أدري أهم على ما أنا عليه أم لا، والمعنى: أطريقهم طريقي أم غيرها؟ فحذف (أم) ومعطوفها كقوله: [الطويل].
(دعاني إليها القلب أني لأمره سميع فما أدري أَرشدٌ طِلابُها)
أي: أم غي.
و(خويلد) هو ابن ذؤيب، و(تنكر) تغير، و(الجِذْل) بكسر الجيم، وبالذال المعجمة، أصل الشجرة، الأخفش: العود اليابس، و(المنون) الدهر، لأنه يَمُنُّ قوى الإنسان، أي ينقصها، ويكون بمعنى الموت، لأنه يقطع الحياة، من قوله تعالى ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، يقول: إن حوادث الدهر أكلت شبابنا قديمًا، وتمتعت به، وأنها تُبلينا وما نبليها، وأنها تُبلي القوم الذين يلبسون لأمة الحرب، ويركبون الخيل التي تراها في يوم الفزع لخفتها في السير وشدة عدوها كأنها حِداء، وهو الطير المعروف، والمفرد حدأة كعنبة وعنب، و(القُبُل) بضم القاف والباء الموحدة، التي في عينها قَبَل بفتحتين، أي حَوَلٌ، وهو إقبال سواد كل من العينين على الآخر، وذلك لتقلب أعينهن من شدة طيرانهن وفزعهن.
والشاهد في البيت الثاني حيث أطلق الأُلى، أولًا على المذكرين، وثانيًا على المؤنثات بدليل ما عاد على كل منهما من ضميره، ولا أدري لِم أورد /٥٧/ الشارح والناظم البيت الأول.
[ ١٤٠ ]
مسألة [٣٣] قد تطلق (من) على ما لا يعقل، إذا عومل معاملة العاقل
مسألة [٣٣]
قد تطلق (مَنْ) على ما لا يعقل، إذا عومل معاملة العاقل، كقوله: [الطويل].
(بكيتُ إلى سرب القطا إذ مررن بي فقلتُ ومثلي بالبكاءِ جدير)
(أسربَ القطا هل من يُعير جناحَهَ لعلي إلى مَنْ قد هَويتُ أطيرُ)
وهذا الشعر للعباس بن الأحنف، وبعد البيتين:
(فجاوبني من فوق غُصْن أراكة ألا كلُّنا يا مستعيرُ مُعيرُ)
(وأي قطاةِ لم تُعْرِكَ جناحَهَا فعادَتْ ببؤسٍ والجناحُ كسيرُ)
(الشرب) بالكسر: القطيع من القطا والظباء والشاء والحمر والبقر والجماعة من النساء، ابن الأعرابي: يقع على الماشية كلها، ومثله السرية، والعوام يقولونها بالصاد.
والشاهد في قوله: هل من يعير، فإنه أطلق (مَنْ) على جماعة القطا لما نزلها منزلة العقلاء، إذ ناداها، ويروى:
(هل من معين جناحه فلا شاهد فيه).
[ ١٤١ ]
مسألة [٣٤]
يجوز في من وما وأي، وذو الطائية وذا في نحو، ماذا صنعتَ؟، إذا أطلقت على غير المفرد المذكر أن تعيد الضمائر عليها مفردة مذكرة باعتبار لفظها، وأن تُعيدَها على حسب معناها، وأن تجمع بين الأمرين، قال: [الطويل].
(تعشّ فإنْ عاهدتَني لا تَخونُني نكُنْ مِثْلَ مَنْ يا ذئبُ يصطحبانِ)
وهذا البيت للفرزدق من شعر يزعم فيه أن الذئب رأى ناره فأتاه وعاهدَه أنه يصاحبه، وأوله:
(وأطلسَ عَسّال وما كانَ صاحبَا دعوت لناري مَوْهِنًا فأتاني)
(فلما أتى قلت ادنَ دونَك إِنني وإياكَ في زادي لمشتركان /٥٨/)
(وبت أُقدُّ الزادَ بيني وبينَهُ على ضَوْءِ نارٍ مرةً ودُخانِ)
(وقلت له لما تكشَّرَ ضاحكًا وقائمُ سيفي من يَدي بمكانِ)
(تعش ) البيت
وبعده:
(وأنتَ امرءً يا ذئب والغدرُ كنتما أُخيينِ كانا أُرضعا بِلبانِ)
(ولو غيرنَا نبّهتَ تلتمِس القِرى رماكَ بسهَمٍ أو شَباةِ سنانِ)
قوله: وأطلس، أي وربَّ ذئب أغبر اللون. عسّال: أي مضطرب في مشيه. دفعت، ويروى رفعت، فهو من المقلوب: أي رفعت له ناري.
[ ١٤٢ ]
مسألة [٣٥] طيئ تستعمل ذو بمعنى الذي
فأتاني: أي فرآها فأتاني. ادْنُ: أي أقرب. ودونك: خُذْ، أي كُلْ. وأقُدُّ: اقطع. وتكشر: تكشفت أسنانه. ولا تخونني: جواب القسم الذي تضمنه (عاهدتني). وسَمّى الذِئب أمرًا تنزيلًا له منزلة العاقل، لخطابه إياه. والشَّباة، بالمعجمة المفتوحة فالموحدة: الحَدُّ.
والشاهد في قوله: من يصطحبان. وفي البيت أيضًا الفصل بين الموصول وصلته بالنداء.
مسألة [٣٥]
طيئ تستعمل ذو بمعنى الذي، قال: [المنسرح]
(ذاكَ خليلي وذو يُواصلني يَرمي ورائي بأمْسَهْمِ وامسِلَمهُ)
وبمعنى التي، قال: [الوافر].
(فإن الماءَ ماء أبي وجَدّي وبئري ذو حَفَرْتُ وذو طَوَيْتُ)
ولمثناهما وجمعهما. وبعضهم يستعمل ذات للمؤنث، سمع: الفضل ذو فضلكم الله به، والكرامة ذات أكرمكم الله به.
وذوات لجمع المؤنث، قال: [الرجز].
[ ١٤٣ ]
(جَمَعْتُها من أَيْنُق موارق ذواتُ يَنْهَضْنَ بغير سائق /٥٩/)
والأشهر في (ذو) البناء، وبعضهم يعربها، وقيد ابنَ الضائع ذلك بحالة الجر، لأنه محل السماع.
كقوله: [الطويل].
(وإمّا كرامٌ موسرون أثْبتَهمْ فحَسْبي من ذي عندَهُمْ ما كفانيا)
فأما البيت الأول فروي الجوهري (يعاتبني) بدل (يواصلني)، وزعم أن الواو زائدة، وكان ذلك لأنه رأى أن قوله (يرمي) محطّ الفائدة، فقدره خبرًا، وقدر (خليلي) تابعًا للإشارة. و(ذو) صفة لخليلي، فلا تعطف عليه، وتبعية (خليلي) للإشارة بأنه بدل منها لا نعت، بَلْ ولا بيان، لأن البيان بالجامد كالنعت بالمشتق، ونعت الإشارة بما ليست فيه أل ممتنعة.
وبهذا أبطل أبو الفتح كون (بعلي) فيمن رفع (شيخًا) بيانًا. ولك أن تعرب (خليلي) خبرًا و(ذو) عطفًا عليه و(يرمي) حالًا منه وأن توقف المعنى عليه، مثل: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾.
[ ١٤٤ ]
و(السلمه) بكسر اللام: واحدة السلام، وهي الحجارة.
وفي البيت مع استعمال (ذو) بمعنى الذي، استعمال (أم) مكان (أل)، وهي لغة طييء.
وأما البيت الثاني فإنه لسنان بن الفحل من قطعة أولها:
(وقالوا: قد جُننْتُ، فقلت: كلا ورَبّي ما جُنِنْتُ ولا انتَشَيْتُ)
(ولكني ظُلِمْتُ فكدت أبكي من السَّقْمِ المبَّرح أو بَكيتُ)
فإن الماء البيت
ووجه الشاهد أنه أطلق (ذو) على البئر، وهي مؤنثة، بدليل: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ والأصل: وقالوا قد جننْتَ أو سكرْتَ بدليل ما بعده، ونظيره: [الوافر].
(وما أدري إذا يَمَّمْتُ أرضًا أُريدُ الخيرَ أيّهما يليني /٦٠/)
أي: وأحذر الشر. بدليل قوله:
(الخير الذي أَنا أبتغيهِ أم الشُّرُّ الذي هو يَبْتَغيني)
إلا أن توسعهم في الواو ومعطوفها أكثر من توسعهم في (أو) ومعطوفها.
[ ١٤٥ ]
والبيت الثاني لا يناسب شهامتهم ووصفهم أنفسهم بالقسوة والغلط كقول مهلهل: [البسيط].
(يُبكَي علينا ولا نبكي على أحد لَنَحْنُ أغلظُ أَكبادَا من الإبلِ)
على أنه قد قال بعد ذلك:
(وقبلك رُبَّ خَصْمٍ قد تمالَوا عليَّ فما هَلِعْتُ ولا دَعَوْتُ)
فذكر أنه بُليَ قبله بقوم خصمين اعتونوا عليه فلم يجزع، ولا دعا أحدًا لينصره، وليس تناقضًا، لأنه على اختلاف وقتين، أي أنه ذل جانبه بعد أن كان عزيزًا، ونظيره أبيات فاطمة بنت الأحجم حين ضعف جانبها لموت من كان ينصرها، وهي أبيات حسنة تمثلت بها سيدتنا فاطمة ﵂ حين قبض رسول الله ﷺ: [الكامل].
[ ١٤٦ ]
(لقد كنتَ لي جبلًا ألوذُ بظلّهِ فتركتَني أمشي بأجرد ضاحي)
(قد كنت ذاتَ حميةٍ ما عشتَ لي أمشي البَرازَ وكنتَ أنتَ جناحي)
(فاليوم أخضع للذليل وأتقي منه وأدفعُ ظالمي بالراحِ)
(وإذا دَعَتْ قُمريةٌ شجنًا لها ليلًا على فَنَنٍ دعوتُ صباحَي)
وطويت البئر: بنيتها بالحجارة، وزعم ابن عصفور أن (ذو) خاصة بالمذكر، وأن المؤنث يختص بذات، وأنّ البئر في البيت ذكرت على معنى القليب، كما قال الفارسي في قوله: /٦١/ [الرجز].
(يا بئرُ يا بئرَ بني عَدِي لا نَزَحَنْ قَعْرَكِ بالدُّليّ)
(حتى تعودي أقطع الولي)
إن التقدير: حتى تعودي قليبًا أقطع، فحذف الموصوف. وفرق ابن الضائع بينهما، بأن (أقطع) صفة فتحمل على الفعل بخلاف (ذو)، قال: ألا ترى أن من قال: نفع الموعظة لا يقول مشيرًا إليها: هذا الموعظة، ولهذا قال الخليل في ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي﴾: أنه إشارة إلى القطر لا إلى الرحمة، أيضًا فلم يذكر (ذات) كل من ذكر (ذو)، ولو كانا بمنزلة الذي والتي لم يكن أحدهما أشهر، قلت: وإذا قيل بأنه تأول البئر بالقليب لم يرد الاعتراض الأول، إذ لا يتوقف ذلك على الوصف، ألا ترى أن من
[ ١٤٧ ]
قال في عكسه: [البسيط].
(يا أيُّها الراكبُ المزجي مطيَّتهُ سائل بني أسدِ ما هذه الصوتُ)
أنَت الإشارة إلى الصوت لمّا أوله بالصرخة، وإن كان غير صفة.
وأما الحكاية فروى الفراء أنه سمع بعض السؤال بالمسجد الجامع يقول ذلك، والتقدير: أسألكم بالفضل، وكأنه يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ وقوله: (به) أصله (بها)، فحذف الألف، ونقل فتحة الهاء إلى الباء، وذلك أيضًا لغة طيء.
هذا هو المعروف، وقال الناظم في شرح كافيته، في باب الوقف: إن ذلك لغة لخم، وأنشد: [الوافر].
(وإني قد سئمت بأرض قومي أمورًا كنت في لخم أخافُه)
انتهى.
والبيت ظاهر في أن قائله غير لخمي، ومما خرّج على هذه اللغة قوله [الطويل].
(فلم أرَ مثلها خُباسةَ واجدٍ ونَهْنَهْتُ نفسي بعدَ ما كِدتُ أفعلَهُ)
[ ١٤٨ ]
قيل: أصله أفعلها، وسيأتي هذا البيت، إن شاء الله تعالى، في باب إعراب الفعل.
وأما البيت الثالث فمضى شرحه، وأن فيه روايتي الإعراب والبناء.
وأما البيت الأخير:
(جمعتها لأنيق تقدّمت).
وأصل أينق أنوق، لأن ألف ناقة /٦٢/ عن واو، لقولهم: استنوق الجمل، وقولهم في العدد الكثير: نوق، ولو كانت ياء لكسروا الأول لتسلم الياء كما في (بيض وعيس) ثم قيل: حذفوا العين وعوضوا الياء، فوزنه أيْفل، وقيل: قدموا العين، لتسلم من الضم، ثم أبدلوها مبالغة في التخفيف، فوزنه أعفل، وقيل: قدموا اللام على العين، فاصر (أنقو)، ثم أبدلوا الواو ياء كما في أدلٍ، ثم قدموا الياء على الفاء، فوزنه (أفْعُل)، ثم (أقلع) ثم (أعفل).
وموارق: جمع مارقة، مستعار للسرعة في خرق الفلوات من: مرق السهم من الرمية.
وذوات: بدل لا صفة، لأنها معرفة، وأينق نكرة، ونظيره: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾.
[ ١٤٩ ]
مسألة [٣٦] زعم الكوفيون أن (ذا) تستعمل موصولة وإن لم تسبقها (من) ولا (ما)
مسألة [٣٦]
زعم الكوفيون أن (ذا) تستعمل موصولة وإن لم تسبقها (من) ولا (ما)، وجوزوا ذلك في سائر الإشارات، محتجين بقوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾، وقول الشاعر: [الطويل].
(عَدَسْ ما لعبَّادٍ عليكِ إمارةٌ أمنتِ وهذا تحملينَ طليقُ)
قالوا: التقدير، وما التي بيمينك، والذي تحملينه، إذ لم يرد الإخبار عن هذا بإنه محمول، ولأن حذف العائد المنصوب بالفعل ضعيف في باب الخبر، ولا يكون هذا مفعولًا لتحملين، لأنه لا ارتباط حينئذ لـ (طليق) ولا المعنى عليه.
والجواب: أن (بيمينك) و(تحملين) حالان، وحذف الضمير من الحال خير من حذفه من الخبر، وأما القول بأن (تحملين) و(طليق) خبران، فالأولى أولى، لأنه لم يرد الإخبار بأنه محمولٌ، ولأن أبا علي ذكر أن الخبر لا يتعدد مختلفًا بالإفراد والجملة، وجوز ابن عصفور كون (بيمينك) بيانًا متعلقًا باعني محذوفة، ورده ابن الضائع، بأن أعني لا يتعدى بالباء، وذو الحال في
[ ١٥٠ ]
البيت إما ضمير طليق فطليق هو الناصب /٦٣/ للحال، وأما طليق نفسه، على أن الجملة كانت صفة له فقدمت عليه، فناصبها معنى التنبيه أو الإشارة.
وهذا البيت ليزيد بن ربيعة بن مفرغ، بالفاء والغين المعجمة، لأنه كان راهن على شرب سقاء كبير ففرغه، وكان يزيد هجاء، فهجا عباد بن زياد ابن أبيه، وملأ البلاد من هجوه، وكتبه على الحيطان، فلما ظفر به ألزمه محوه بأظفاره، ففسدت أنامله، ثم أطال سجنه، فكلموا فيه معاوية، فوجه بريدًا يقال له حمحام، فأخرجه وقُدّمَتْ له فرس من خيل البريد، فنفرت فقال:
(عدس البيت)
وبعده:
(وإن الذي نجَّى من الكرب بعدما تلاحم بي كَرْب عليك مضيق)
(أتاك بحمحام فأنجاك فألحقي بأرضك لا تُحْبَسْ عليك طريق)
(لعمري لقد أنجاك من هُوَّةِ الردى إمامٌ وَحَبْلٌ للإمام وثيق)
(سأشكرُ ما أوليتُ من حُسْنِ نِعمةِ ومثلي بشكر المنعمين حقيقُ)
عَدَسْ، بالمهملات مفتوحتين فساكنة: صوت يزجر به البغل، وربما سموا به البغل، قال: [الرجز].
[ ١٥١ ]
(إذ أحملْتُ بَزَّتي على عَدَسْ على التي بين الحمار والفَرَسْ)
(فلا أبالي من غدا ومن جلسْ)
وهو محتمل في البيت السابق على إضمار حرف النداء، وبُني لأنه حكاية صوت، ويحتمل كونه في البيت الثاني اسم صوت، أي: على التي يقال لها إذا زجرت "عدس"، ونظير عدس غاق، فإنه حكاية صوت الغراب، وربما سموا به الغراب.
كقوله: [الرجز].
(إذا لمتي مثل جناح غاق)
وإنما قيل: "أصدق من القطا"، لأن اسمها وَفْقُ صوتها.
وعن الخليل: إن عدس /٦٤/ رجل كان يَعْنُف على البغال أيام سليمان، وأنها كانت إذا سمعت باسمه طارت فرقًا منه، فلهج الناس باسمه حتى سموا البغل عَدَسْ.
قال ابن سيدة: وهذا لا يعرف في اللغة.
[ ١٥٢ ]
مسألة [٣٨] قد توصل (أل) بالمضارع في الضرورة
مسألة [٣٧]
ماذا صنعت؟ يحتمل كون (ماذا مفعولًا مقدمًا على تركيب (ذا) مع (ما)، ويحتمل كونهما مبتدأ وخبرًا، فتكون (ذا) موصولة، فإذا أبدلت قلت على الأول: أخيرًا أم شرًا، بالنصب، وعلى الثاني: أخيرٌ أم شرٌ بالرفع، وعليه قوله: [الطويل].
(ألا تسألان المرءَ ماذا يحاولُ أنْحَبٌ فيُقضَى أم ضَلالٌ وباطلُ)
وهو للبيد، وقد مضى ذكر ذلك في أول الكتاب.
و(ما) استفهامية معلقة لفعل السؤال، إجراءً له مجرى مسببه وهو العلم، ومثله ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾، وهي مبتدأ، و(ذا)، خبر، وبالعكس على الخلاف، و(نَحْبٌ) بدل من (ما) بدل تفصيل، وهو الذي دل على أن (ما) مرفوعة المحل، وثبوت الرفع لـ"ما" هو الذي أوجب كون (ذا) موصولة، و(يحاول) صِلةٌ حذف عائدها، وفي ألف (يُقضى) فتحة مقدرة، لأنه جواب الاستفهام.
مسألة [٣٨]
قد توصل (أل) بالمضارع في الضرورة، كقوله: [البسيط].
[ ١٥٣ ]
ما أنتَ بالحكم التُّرضى حكومته ولا الأصيل ولا ذو الرأي والجدل)
وقوله: [البسيط].
(ما كاليروح ويغدو لاهيًا فرحًا مشمِّرٌ مستديمُ الحزمِ ذو رَشَدِ)
وقوله: [الطويل].
(وليس اليرى للخِلِّ دون الذي يَرى له الخِلُّ أهلًا أن يَعُدُّ خليلًا)
وقوله: [الطويل].
(أتانا كلامُ التغلبي ابنُ دَيْسَق ففي أيِّ هذا ويلَهُ يتنزَّعُ)
(يقول الخَنا وأبغضُ العُجْمِ ناطقًا إلى رَبِّنا صوتُ الحمار اليُجدَّعُ)
(ويَستخرج اليربوع من نافقائه ومن جُحْرِهِ بالشيحة الينقصَّعُ /٦٥/)
وذلك من الضرائر غير المستحسنة، وقال ابن السراج: وهو من أقبح الضرورات وقال الجرجاني: استعمال مثل هذا خطأ بإجماع. يعني في النثر. وقال الناظم: لا يختص بالشعر، إذ كان يمكن أن يقول الأول: المُرضي حكومتُهُ، فيصلها باسم الفاعل، والثاني: ما مَن يَروح، والثالث:
[ ١٥٤ ]
وما من يرى، فيأتيان بموصولٍ غير أل، والرابع: صوتُ حمارٍ يُجدعُ، فيترك أل، فإذ لم يقولوا ذلك مع تمكنهم منه دل على أنهم مختارون، قال: ومما يُشعرُ بأنهم فعلوه اختيارًا أنهم خصوه بالمضارع لشبهه باسم الفاعل.
قلتُ: ما ذكره أولًا مبني على اختياره في تفسير الضرورة بأنها ما لا يمكن الشاعر العدول عنه، وقد مضى رده، ثم لا نسلم ما ذكر في البيت الثاني لجواز أن يكون المراد به مدح شخص وذم آخر، فلا يستفاد ذلك إلا بذكر التشبيه. وأما ما ذكره ثانيًا فيرده قول سيبويه «وليس شيء مما يضطرون إليه إلا وهم يحاولون به وجهًا»، فلا تنافي بين كون الشيء ضرورة وكونه ذا وجه يسوغه، بل لا تكون الضرورة إلا كذلك بشهادة إمام النحو.
وفي الصحاح: إن الأخفش قال في قوله (اليُجدَّع: يريد الذي يُجَدع كما تقول: هو اليَضْربُك، تريد الذي يضربك. انتهى.
وظاهره أن الأخفش يجيزه في الكلام كما قال الناظم، وفي ذلك رد على مَنْ قال إِنّ الناظم استأثر بهذا المذهب.
واللام في قوله الأول: (الترضي) مدغمة في التاء وجوبًا، والناس قد لهجوا بإظهارها، والذي أوقعهم ذلك أنّ المعلمين إذا أنشدوه أظهروا، ليُسمعوا الطالب لفظة (أل) فتوهموا أن ذلك وجه الانشاد.
[ ١٥٥ ]
والبيت كأنه هجاء في قاضٍ /٦٦/، وكأن قائله إنما استسهل ذكر الفعل، لأن فيه محافظة على تأنيث المسند لتأنيث المستند إليه، مع ما فيه من التنبيه على الأصل في صلة الألف واللام.
والبيت الرابع الذي الخرق الطهوي، شاعر جاهلي، سُمي بذلك لقوله: [البسيط].
(لما رأت إبلي جاءت حمولتها جاءت عجافًا عليها الريشُ والخرقُ)
وهو من أبيات نوادر أبي زيد. ووهم الجوهري فقال: إنه من أبيات الكتاب.
و(ديسق) بفتح الدال المهملة بعدها آخر الحروف ثم المهملة، علم منقول من الدَيْسَق، وهو بياض السراب وترقرقه، ويقال يتنزع إليه بالشر، وتسرع بمعنى، ورويا في البيت.
وقوله: (وأبغض العُجْم) تقدير: وأبغض أصوات العجم، بدليل الإخبار عنه بصوت الحمار، وأفعل بعض ما يضاف إليه، و(ناطقًا) حال من العجم، ويصح الحال من المضاف إليه إذا كان المضاف عاملًا في الحال، أو كان بعض المضاف إليه، وكلاهما موجود هنا، فإن في (أفعل) أحرف
[ ١٥٦ ]
الفعل، وهو أبدأ بعض ما يضاف إليه، وكان حقه أن يقول: ناطقةً أو ناطقاتٍ، إلا أنه ناب المفرد عن الجمع للضرورة، كقوله: [الوافر].
(كلوا في بعض بطنكم تَعِفوا فإن زمانكم زمن خميص)
لا يقال: أجمله حالًا من (أبغض)، لتخلص من مجيء الحال من المضاف إليه، ومن إنابة المفرد عن الجمع، لأن الابتداء لا يعمل في الحال.
وشبه صوته، غير تلك الحالة، فما الظن به فيها، ووصفه أخيرًا بالخديعة والمكر.
والشيحة واحدة الشيح، وهو النبات المعروف، ويظهر أن المقتضي لعدوله عن المُجدع والمتقصع كراهيةُ الإقواءِ، فإن قافية الأول مرفوعة، وهو يتنزع أو يتسرع. وقافية الأخيرين مخفوضتان، إذ هما صفة /٦٧/ للحمار، وصفة لجحره، أي ومن جحره الذي يتقصع فيه، أي يدخل، وإن قدر (اليتقصع) صفة لليربوع فاللازم على المجيء بالوصف اختلاف القوافي بالرفع والجر والنصب.
[ ١٥٧ ]
مسألة [٣٩] لا يحذف العائد المرفوع بالابتداء إذا لم تطل الصلة
والنافقاء والقاصعاء من جحرة اليربوع، والفرق بينهما أن النافقاء يكتمها، والقاصعاء يظهرها، فإذا أتى من قبل القاصعاء ضرب برأسه النافقاء، فانتفق، أي خرج، ومنه اشتقاق اسم المنافق، لأنه أظهر الإيمان وكتم الكفر.
مسألة [٣٩]
لا يحذف العائد المرفوع بالابتداء إذا لم تطل الصلة، كقوله تعالى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾، إلا إن كان الموصول أيًا كقوله: [المتقارب].
(إذا ما لقيتَ بني مالكِ فَسلم على أيُّهم أفضلُ)
التقدير: على أيهم هو أفضل.
وهذا البيت أنشده أبو عمرو الشيباني في حرف العين من كتاب الحرف لرجل من غسان، وفيه روايتان، إعراب أي وبناؤها على الضم،
[ ١٥٨ ]
وفيه حجة لسيبويه على من زعم أن (أيًا) لا تبني وإن أضيفت وحذف عائدها المرفوع بالابتداء، وأجابوا عن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾، بأن أيًا استفهامية مبتدأ وأشد خبره، ثم اختلفوا في مفعول (ننزع)، فقال يونس: جملة الاستفهام على أن ننزع علق عن العمل.
وقال الكوفيون والأخفش: كل شيعة على زيادة من في الإيجاب وجملة الاستفهام مستأنفة، وقال الخليل: محذوف، أي: الذين يقال فيهم (أيهد أشد).
ولا يمكن شيء من هذه التكلفات هنا، لأن الجار لا يُعَلَّقُ، ولا يحذف مجروره، ثم إن طلحة بن مصرف ومعاذ بن مسلم، وهرون قرأوا، (أيهم) بالنصب، ولا يعمل في الاستفهام ما قبله، والأصل توافقُ القراءتين،
[ ١٥٩ ]
وسُمِعَ حذف العائد على غير (أي) مع عدم طول الصلة، وهو قياس عند الكوفيين، وشاذ عند البصريين، وأنشدوا /٦٨/ ذلك قوله: [البسيط].
(مَنْ يُعنَ بالحمد لم يَنطق بِما سَفَهٌ ولا يَحْدْ عَنْ سبيل الحِلم والكرم)
يُعنَ: بضم الياء وفتح النون، مضارع عني بكذا بضم أوله وكسر ثانيه أي اعتنى به، و(بالحمد) أي بحصول الحمد، أي من رغب في حمد الناس له فلا يتكلم بالذي هو سفه، وهذا محل الاستشهاد، ويجوز أن يكون التقدير: بشيء هو سفهٌ، فتكون (ما) نكرة موصوفة، ويكون الحذف من الصفة لا من الصلة، ونظيره قوله [الكامل].
(أن يقتلوك فإن قتلَكَ لم يَكُنْ عارًا عليك ورب قتلٍ عارُ)
أي هو عار، بل معنى النكرة هنا أحسن، والأجود أن يستشهد بقراءة يحيى بن يعمر ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِيَ أَحْسَنَ﴾، برفع أحسن، وأما قراءة رؤبة ﴿مَا بَعُوضَةً﴾ بالرفع، فجوز فيها الزمخشري، بل رجح أن تكون
[ ١٦٠ ]
مسألة [٤٠] يحذف العائد المتصل المنصوب كثيرا إن كان بالفعل
ما استفهامية، وبعوضة الخبر، و(يحد) بكسر الحاء المهملة مضارع حاد من كذا يحيد حُيُودا وحَيْدةً، وحَيْدودَةً إذا مال وعدل.
مسألة [٤٠]
يحذف العائد المتصل المنصوب كثيرًا إن كان بالفعل، نحو ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ وقليلًا إن كان نصبه بوصف غير صلة لأل، كقوله: [البسيط].
(ما الله موليكَ فضلٌ فاحمدَنْهُ بهِ فما الذي غيره نفعٌ ولا ضررُ)
وضرورة إن كان الوصفُ صِلةً لها، كقوله: [البسيط].
(ما المستفُز الهوى محمودَ عاقبةٍ ولو أُتيحَ لهُ صَفْوٌ بلا كَدَرِ)
وقوله: [مخلع البسيط].
(في المُعْقب البغُي أهل البَغْى ما ينهى أمرًا حازمًا أن يسأما)
فأما البيت الأول فما فيه موصول مبتدأ، و(الله موليك) جملة اسمية صلته، والعائد محذوف، أي: موليكه، وهو في محل نصب على أنه مفعول ثان لاسم الفاعل وهو مول، لأنه بمنزلة (معط) والمفعول الأول الكاف /٦٩/ المخفوضة بالإضافة، و(فَصْلٌ) خبر عن الموصول.
[ ١٦١ ]
مسألة [٤١] يجوز حذف العائد المجرور بالإضافة
وقد عدل الشارح عن هذا البيت الواضح واستدل بالبيت الثالث مع أنه لا يحسن مثالًا لما في النظم، لأن كلام الناظم في الحذف المقيس في النثر، ومتى كان الموصول الألف واللام كان الحذف ضرورة كما قدمنا.
وإعرابه (في المعقب) خبر مقدم، وما مبتدأ مؤخر، وهي موصولة أو موصوفة و(ينهَى) صلة أو صفة و(أل) في المعقب موصولة، و(معقب) صلة، وهو اسم فاعل من أعقب، وهو مما يتعدى إلى مفعولين، ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا﴾، و(البغي) فاعل: باسم الفاعل، و(أهل البغي) مفعول أول والمفعول الثاني هو العائد المحذوف، والأصل في المعقبةِ، ومعنى البيت في الذي أعقبه البغي أهل البغي من النكال وسؤ المال ما ينهي الرجل الحازم عن أن يسأم من سلوك طريق العدل والسداد، وتقدير الشارح ظلم أهل البغي مستغنى عنه، ويقال: سئمه وسئم منه ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾، وقال: [الطويل].
(سئمت تكاليف الحياة ومَنْ يعش ثمانين حولًا لا أبا لك يسأمِ)
والبيت الثاني واضح، وأتيح بمعنى قَدِّرَ.
مسألة [٤١]
يجوز حذف العائد المجرور بالإضافة إن كان المضاف وصفًا بمعنى
[ ١٦٢ ]
الحال والاستقبال، لأنه حينئذ مفعولٌ في المعنى ومحله النصب، كقوله ﷿: ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ﴾، أي قاضيه، وقول الشاعر: [الطويل].
(يَصْغُرُ في عيني تلادي إذا انثنتْ يميني بإدراكِ الذي كُنْتُ طالبا)
أي طالبه، وهذا البيت لسعد بن ناشب من أبيات أولها:
(سأغسل عني العار بالسيفِ جالبًا علي قضاءُ الله ما كان جالبا)
(وأَذْهَلُ عن داري وأجعلُ هَدْمَها لِعرضي من باقي المدينة حاجبا)
وبعده:
(فإن تهدموا بالغدر داري فإنها تراثُ كريمٍ لا يخَاف العواقبا /٧٠)
(أخي غَمَراتٍ لا يزيد على الذي يَهْمُّ بهِ مِنْ مُفظعِ الأمر صاحبا)
(إذا هَمَّ لم يَرْدَعْ عزيمةَ أمرهِ ولم يأت ما يأتي من الأمر هائبا)
(فيا لرزام راشحوا بي مقدمًا إلى الموت خَواضًا إليه الكتائبا)
(إذا هم ألقى بينَ عينيهِ عزمَهُ ونكّبَ عن ذكر العواقب جانبا)
(ولم يستشرْ في رأيه غير نفسه ولم يَرْضَ إلا قائمَ السيفِ صاحبا)
(فلا توعدوني بالأمير فأنّ لي جنانًا لأكناف المخاوِفِ راكبا)
(وقلبًا أبيًا لا يُروه جأشه إذا الشرُّ أبدى بالنهار كواكبا)
[ ١٦٣ ]
مسألة [٤٢] قد يحذف للضرورة العائد المجرور بالحرف وإن لم يكن الموصول مخفوضا بمثل ذلك الحرف
وفي قوله (جالبًا) شاهد أيضًا، أي جالبه، إلا أن ما تحتمل النكرة الموصوفة. والمراد بقوله: وتصغر صغر القَدْر، والمراد أنه يسهُل عليه بذل مالِه القديم إذا كان فيه إذ ذاك مطلوبه، وخص القديم لأن النفس به أبخلُ.
وقوله: وأذهل البيت.
يقال أن الحجاج كان هدم داره بالبصرة وحرقها، ويقال أنه قُتِل له حميم، وأنه أوعد بهدمِ داره إن طالب بثأره.
و(الغَمَرات) معظمَ الماء ومجتمعه، ويُروى (عزمات)، و(مفظع الأمر) بالظاء: معضلة بالضاد. والردع: الكفُّ و(رزام) قبيلته، و(هم) قصد، ويروى عزمه، بإضافة العزم إلى الضمير، وعزمة، بالتأنيث. وأما قوله: (غير عزمه) فبالإضافة لا غير، ويروى: غير نفسه. و(صاحبا) إما مفعول (يرضى) فالمستثنى مقدم، وأما حال من المستثنى، فالاستثناء مفرغ.
مسألة [٤٢]
قد يحذف للضرورة العائد المجرور بالحرف وإن لم يكن الموصول مخفوضًا بمثل ذلك الحرف، أو كان مخفوضًا به، ولكن اختلف متعلق الحرفين، فالأول كقول حاتم الطائي: [الوافر].
(ومِنْ حَسَد يجورُ عليَّ قومي وأيُّ الدهر ذو لم يحسدوني)
[ ١٦٤ ]
أي الذي لم يحسدوني فيه، وفيه أيضًا استعمال ذو موصولة، واستعمال أي الاستفهامية في معنى /٧١/ النفي، وقول الآخر: [الخفيف].
(أبلغ الحارثَ بنَ نضلةَ والمرءُ معنى بلومِ مَنْ يَثِقُ)
أي به، والثاني كقوله: [الطويل].
(وأن لساني شُهْدةٌ يُشْتفَى بها وهُوَّ على مَنْ صَبَّه اللهُ عَلْقَمُ)
وهذا البيت أورده الفارسي في التذكرة عن قطرب والبغداديين وفيه أربع شواهد، أحدها: تشديد واو (هو) وذلك لغة هَمْدان بإسكان الميم وبالدال المهملة، وكذا يفعلون في الياء من (هي)، كقوله: [البسيط].
(والنفسُ ما أمِرَتْ بالعُنْفِ أبيةً وهيّ إن أُمِرتْ باللطفِ تأتمرُ)
الثاني: تعليق الجَار بالجامدَ لتأوله بالمشتق، وذلك لأن قوله (هو علقم) مبتدأ وخبر، والعلقم نبت كريه الطعم، وليس المراد هنا، بل المراد
[ ١٦٥ ]
شديد أو صعبٌ، فلذلك علق به على المذكورة، ونظيره قوله: [مجزؤ البسيط].
(ما اُمّك اجتاحَتِ المنايا كلُّ فؤادٍ عليكَ أُمُّ)
فعلق (على) بأم، لتأوله إياها بمشتق، وعلى هذا ففي علقم ضميرٌ، كما في قولك: زيد أسد، وإذا أولته بقولك شجاع، لا إذا أردت التشبيه.
ومن تعلق بالظرف الجامد لما فيه من معنى الفعل قوله: [الطويل].
(تركتِ بنا لَوْحًا ولو شئتِ جادنا بُعَيْدَ الكَرى ثَلْجٌ بكرمانَ ناصحُ)
(منعت شفاء النفس ممن تركتهِ به كالجوى مما تُجِنُّ الجوانحُ)
(لوحًا) بفتح أوله أي عطشا، يقال: لاح يلوح أي عطش، و(بعيد) متعلق بثلج لما فيه من معنى بارد، وإذا كان ريقها باردًا في وقت تقرب من نومها فما ظنك به في غير ذلك، و(كرمان) بفتح الكاف مدينة معروفة، و(ناصح) خالص.
الثالث: جواز تقدم معمول الجامد المؤول بالمشتق إذا كان ظرفًا، ونظيره في ذلك أيضًا، وفي تحمل الضمير قوله:
(كلُّ فؤادٍ /٧٢/ عليكَ أُمُّ)
الرابع: جواز حذف العائد المجرور بالحرف مع اختلاف المتعلق، إذ التقدير: هو علقم على من صبه الله عليه، فعلى المذكورة متعلقة بعلقم، والمحذوفة متعلقة بـ "صبه".
[ ١٦٦ ]