مسألة [١٣٠]
يقال في نحو: قال وباع، مبنيين للمفعول في لغة فقعس ودبير، وهما من فصحاء بني أسد، قول وبوع، لأن الأصل فُعِل، بضم الأول وكسر الثاني، فقصدوا تخفيفه بحذف حركة العين، فسلمت من نحو قال وبعد الضمة لتجانسهما، وانقلبت الياء من نحو: بيع واوًا، لتجانسها، وشاهده قوله: [الرجز].
(حكيت على نولين إذ تُحاك تختبطُ الشوكَ ولا تُشاكُ)
وشاهد الثاني قوله: [الرجز].
(لَيْتَ وهَلْ ينفعُ شيئًا ليتُ ليتَ شبابًا بُوعَ فاشتريت)
[ ٤٩٥ ]
فأمّا البيت الأول فيروى فيه نولين ونيرين، والنول والمنوال/ عودة إلى ٩١ ب/ ولحمتِه الخشبة التي يلفُّ عليها الحائكُ الثوبَ والنّيِر، بكسر النون، علم الثوب ولحمته أيضا، وهو المراد هنا، وإذا نسج الثوب على لحمتين كان أصفقَ له وأقوى وأبقى، ويقال في الفعل منه انرت الثوب، وربما قبل: هنرته، كما يقال في أرقته: هرقته، وقد تجوز فقالوا: رجل ذو نيرين، إذا كان له من القوة والشدة ضعف ما لصاحبه.
وقوله: (على نيرين) معناه قائمة على نيرين فهو حال من الضمير المستتر الراجع إلى الجملة، وهو عبارة عن ازار ورداءٍ معًا. وتُحاك بمعنى حيكت، ومثله: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ [آل عمران: ١٥٣].
ووصفها بغاية الصفاقة حتى أنها تختبط الشوك ولا تتأثر بها.
وأما البيت الثاني فمن شعر أنشده الكسائي في صفة (دَلْوٍ)، وقبله:
(ما لي إذا اجذبها صائت أكبر قد غالني أم بيت)
إلا أنه انشده: وما ينفع مكان هل ينفع.
والاستفهام في تلك الرواية بمعنى النفي مثله في: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠] فاتحدت الروايتان.
[ ٤٩٦ ]
مسألة [١٣١] أجاز الكوفيون والأخفش إسناد فعل المفعول إلى غير المفعول به مع وجوده
وقوله: اجذبها، يروي مكانه انزعها. وقوله: صائت، بالصاد المهملة، معناه صحت، وفي المثل: (جاء بها صائي). و(صمت) إذا جاء بالماء الكثير، أي بالناطق /٩٢ أ، والصامت.
وقد يقال: جاء بما ضاء على القلب، مثل ناء، والمراد بالبيت المرأة، وجملة الاستفهام أو النفي معارضة بين ليت الأولى وليت الثالثة المؤكدة لها، وهما حرفان، وليت الثانية اسم مرفوع بـ (ينفع)، والمراد بها اللفظة.
مسألة [١٣١]
أجاز الكوفيون والأخفش إسناد فعل المفعول إلى غير المفعول به مع وجوده محتجبين بقراءة أبي جعفر: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الجاثية: ١٤]، وقوله: [الرجز].
(لم يعن بالعلياء إلّا سيدا ولا شجى ذا الغي إلّا ذو هدى)
وقوله:
(وإنما يرضي المنيب ربه ما دام معنيًا بذكر قلبه)
[ ٤٩٧ ]
فأما القراءة فقالوا: أسند (يجزَى) إلى الجار والمجرور وترك المفعول به، ولا دليل لهم فيها لجواز أن يكون الأصل ليجزي الله الغفران قومًا بما كانوا يكسبون، ثم حذف الفاعل للعلم، وأضمر الغفران لتقدّم ذكر ما يدل عليه، وهو قوله سبحانه: ﴿يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤] فارتفع واستتر في الفعل، فإنما النائب المفعول به لا الجار والمجرور، وانابة المفعول الثاني في باب كسى جائزة عند أمن الالتباس، وهذا منه.
وأما البيتان قد يحملان على الضرورة، وأصل الكلام في الأول: لم يعن الله بالعلياء إلّا سيدًا، أي لم يجعل الله أحدًا يعني بها إلّا من له سيادة، فحذف الفاعل وانيب قوله بالعلياء، واستثنى السيد على جهة التفريغ، فترك الأمر العام الذي هو أحد، وقدر السيد مفعولًا، وقد كان في الأصل بدلًا من الاحد، أو منصوبًا على الاستثناء، ويقال: شجى، وأصله في الثاني ما دام عانيًا هو بذكر الله في قلبه أي ما دام يجعل قلبه معتنيًا بذكر الله ثم حذف الفاعل، وهو ضمير المنيب الذي كان مستترا في اسم الفاعل، وأناب عنه الجار والمجرور، وحوَّل صيغة بناء الفاعل إلى صيغة بناء المفعول، والمنيب وقبله:
(ليس منيبًا امرؤ منبه للصالحات متناسٍ ذنبه)
وما مصدرية ظرفية، وفيه تقديم خبر ليس على اسمها.
[ ٤٩٨ ]