مسألة [٦١]
اختلف في (ليس)، فقال الجزولي: هي للنفي مطلقًا، وقال الجمهور: هي لنفي الحال.
قال الزمخشري في المفصل: فلا تقول: ليس قائمًا غدًا. وقال الشلوبين، وتبعه الناظم وابنه:
وهو الصواب، إذا لم يكن للخبر زمن مخصوص تقيَّد نفيها بالحال، كما يحمل عليه الإيجاب المطلق. وإن كان له زمن مخصوص تقيّد نفيها به فمما
[ ٢٢٥ ]
نَفَتْ /١٠٦/ فيه الماضي قولهم: ليس خلقّ الله مثلهُ.
وعلى ذلك أجاز سيبويه: ما زيد ضربته. بالرفع، على أن تكون ما حجازية، ولو لم يصح لليس نفي الماضي لم يَجُزْ ذلك في (ما) المحمولة عليها.
ومما نفت فيه المستقبل قوله تعالى: ﴿أَلا يَوْمَ يَاتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾، ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَاّ مِن ضَرِيعٍ﴾. وقول الشاعر: [البسيط].
(إني على العَهْدِ لستُ أَنقُضُهُ ما أخضرَّ في رأسِ نخلةٍ سَعَفُ)
[الطويل].
(وما مثلهُ فيهم ولا كان قبلَهُ وليسَ يكون الدهرَ مادامَ يَذْبُلُ)
أي: ما مثل هذا الممدوح في هذا العصر، ولا كان فيما مضى، ولا يكون فيما يأتي. وكان ويكون ودام تامات بمعنى وجد ويوجد وبقي.
واسم ليس ضمير شان. و(الدهْرَ) نَصْبٌ على الظرف. و(يَذْبُل) بالياء آخر الحروف فذال معجمة فباء موحدة: جبل معروف.
[ ٢٢٦ ]
والممدوح الزبير بن العوام ﵁. والشاعر أبو المنذر حسان ابن ثابت بن المنذر بن حزام، وكل من هؤلاء الأربعة عاش مئة وعشرين سنة، وكان عمر حسان نصفين، ستين في الجاهلية وستين في الإسلام، ومثله حكيم بن حزام، وكان حسان وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة يهجون المشركين ويذبّون عن رسول الله ﷺ، وحسّانُ أشعرهم، توفي سنة أربع وخمسين بالمدينة.
وقال آخر يمدح رسول الله ﷺ: [الطويل].
(له نافلاتٌ ما يُغِبُّ نوالُها وليس عطاءُ اليوم مانعَه غدا)
تقول: أغبَّني الشيءُ إذا أتاك غِبًّا، ونسب الناظم هذا البيت في نسخة من شرح التسهيل للنابغة الجعدي، وفي نسخة أخرى للأعشى الباهلي.
[ ٢٢٧ ]
ونقل أبو حيان هذا الثاني عنه، وأقره عليه وكلاهما خطأ /١٠٧/، وإنما هو للأعشى الكبير أعشى بني قيس بن ثعلبة، وهو المعروف بصناجة العرب.
قصده ﵇ ليسلم وامتدحه بالقصيدة التي منها هذا البيت، فلما كان قريبًا من مكة اعترضه بعض المشركين فسألوه عما أقدمه، فأخبرهم، فقالوا: إنه يحرم الزنا يا أبا بصير، فقال: والله مالي فيه من أرب، فقالوا: إنه يحرّم الخمر، فقال: أمّا هذه ففي النفس منها علالات وإني ذاهبٌ، فمترو منها عامي هذا، ثم آتيه، فانصرف فمات من عامه كافرًا والقصيد: [الطويل].
(ألم تغتمِضْ عيناك ليلةَ أرْمَدا وبت كما باتَ السَّليمَ مُسَهدا)
(وما ذاك من عشقِ النساء وإنما تنَاسيْتَ قبل اليوم خُلةَ مَهْددا)
(ولكن أرى الدهر الذي هو خائنٌ إذا أصلَحَتْ كِفّاهُ عادَ فأفسدا)
(شبابٌ وشَيْبٌ وافتقارٌ وثَرْوَةٌ فللهِ هذا الدهرُ كيف تَرددا)
(ومازلتُ أبغي المال مُذْ أنا يافعٌ وليدًا وكَهْلًا حين شِبْتُ وأَمْردا)
(ألا أيها ذا السائلي أينَ يممتْ فإن لها في أهلِ يَثْرِبَ مَوْعِدا)
(وآليتُ لا أرثي لها مِنْ كَلالةِ ولا من خَفى حتى تُلاقي محمدا)
(متى ما تُناخي عندنا ابن هاشم تُراحى وتَلقَى من فواضلهِ ندى)
(نبي يَرَى ما لا يَروْنَ وذِكْرُهُ أغارَ لعَمْري في البلادِ وأَنْجَدَا)
(له نافلات البيت)
[ ٢٢٨ ]
ويروى:
له صدقات ما تُغِبُّ ونائلٌ.
(أجِدكَ لم تَسْمَعْ وصاةَ محمدٍ نبي الإلهِ حينَ أوصىَ وأشهدا)
) إذا أنتَ لم تَرْحَلْ بزادِ من التُّقى ولاقيتَ بعدَ الموتِ مَنْ قد تزوَّدا)
(نَدِمْتَ على أن لا تكون كمثلهِ وإنك ترصد لما كانَ أرْصِدا)
(فإياك والميتاتِ لا تَقْرَبنّها ولا تأخذًا سَهْمَا حَديدَا لتَفْصِدا)
(وَسبِّحْ على حين العشيات والضُّحَى ولا تَعْبِدِ الشيّطانَ والله فَاعبدا)
(ولا تسخَرا من بَائسٍ ذي ضرارةٍ ولا تحسبَنَّ المالَ للمرءِ مُخْلِدا)
وتركت منها أبياتًا. وانتصاب قوله (أرمدا) على المصدر، أي: اغتماض ليلة رجل أرمد. كذا قال النحويون. ويُروى: (ليلك أرمدا) فأرمد حال. وفي كتاب "مأدبة الأدباء" أنه يروي: ليلة ارمُدا، بضم الميم، وأنه اسم. والسليم: اللديغ. و(مَهْدَد) علم امرأة.
وفي قوله: (مذ أنا يافع) إضافة (مذ) إلى الجملة الاسمية، وهو قليل.
وفي قوله: (وأمردا) دليل على أن الواو لا توجب الترتيب. وإسكان الياء في (تلاقي) ضرورة، أو الياء للمخاطبة، والأصل: تُلاقين، فيكون التفاتًا إلى الخطاب.
والكاف في (كمثله) زائدة، مثل في ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾
[ ٢٢٩ ]
مسألة [٦٢] إنما تستعمل زال وأخواتها ناقصة بعد نفي أو نهي أو دعاء
مسألة [٦٢]
إنما تستعمل زال وأخواتها ناقصة بعد نفي أو نهي أو دعاء، فشاهد النفي قوله: [الخفيف].
(ليس ينفك ذا غِنى واعتزازٍ كل ذي عِفَّةِ مُقِل قَنوعِ)
تنازع ليس وينفك في قوله: (كلُّ ذي عِفَّةٍ)، والأرجح أعمال الثاني لقربه، وليتخلص به من فصل العامل من معموله بجملة، وهو مخلص هنا من تقدم خبر ليس على اسمها، ومن ترجيح الجامد على المتصرف.
ويترجح عند الكوفي إعمال الأول لسبقه، وليتخلص به من الإضمار قبل الذكر، ولك أن تقول: لا تنازع بينهما، إمّا على أن في ليس ضمير الشأن، أو على أنها مهملة، حملًا على ما، والوجهان مذكوران في قولهم: ليس خلق الله مثله، وقول الشاعر: [البسيط].
(هي الشفاء لدائي لو ظفرتُ بها وليسّ منها شِفاءُ النفسِ مَبْذولُ)
وليس لك تقدير ضمير الشأن في (ينفك)، لأن خبره مفرد و"مقل وقنوع" صفتان لذي. وشاهد النهيُ قوله: [الخفيف] /١٠٩/.
(صاحِ شَمِّرْ ولا تَزَلْ ذاكرَ المو تِ فنسيانُهُ ضلالٌ مُبينُ)
وشاهد الدعاء قوله: [الطويل]
[ ٢٣٠ ]
(ولا زالَ مُنْهَلًا بجرعائك القَطْرُ)
وقبله:
(ألا يا اسلمي يا دارَمي على البِلَى)
والمعنى: ألا يا هذه سلمك الله على أنك قد بَليتِ، وتغيّرتِ.
فحذف المنادي، ولا يحسن تقدير (يا) هنا للتنبيه، لدخول (ألا) عليها.
و(الجرعاء) أرض لينة لا يبلغ ترابها أن يكون رملًا. وقال أبو عمرو: هو رمل مستوٍ، والمنهل السائل.
وقد عيب عليه عجز البيت، وقيل: أراد أن يدعو لها، فدعا عليها بالخراب، وقُدِّمَ عليه بيت طرقة: [الكامل].
(فسقى ديارَكِ غيرَ مُفْسدِها صَوْبُ الربيعِ وَدِيْمَةُ تَهْمِي)
والجواب: أنه قدم الاحتراس بقوله: (أسلمي)، وأنه إذا قيل: لم يزل فلان يؤذن، فمعناه في أوقات الاحتياج إلى ذلك.
وعن إبراهيم الموصلي، قال: عملت لحنًا مطربًا، فلم أجد شعرًا يناسبه، فأتاني في النوم شيخ أشوة الخلق، فقال: أين أنت عن بيت ذي الرمة:
[ ٢٣١ ]
مسألة [٦٣] قد يكون النافي مقدرا
(ألا يا أسلمى ثم غناه بذلك اللحن حتى انتبهْتُ وأنا أتقنه. ومن أبيات هذه القصيدة:
(لها بَشَرٌ مثلُ الحريرِ ومنطقٌ رخيم الحواشي لا هراءٌ ولا نَزْرُ)
(وعينان قال الله كونا فكاتنا فَعولين بالألباب ما تفعل الخمرُ)
(ووجْهٌ له دِيباجةٌ عربيةٌ به تُكْشَفُ البَلْوى ويُسْتَنْزَلُ القَطْرُ)
(البشر) جمع بشرة، وهو ما ولي الثياب من الجسد، و(الرخيم) الناعم اللين. و(الهراء والهذر) بالذال المعجمة: الكثير والمعنى: كونا فعولين فكانتا كذلك، فحذف خبر الثاني، ويروى: فعولان.
وفي مجالس النحويين: أن الأصمعي حدّث أن عَنْبَسة النحوي قال: قلتُ لذي الرُّمة هلا /١١٠ قُلْتُ فَعولان، أي عينان فعولان، فقال ذو الرمة: لو قلت سبحان الله، الحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر لكان خيرًا لك، إنك أردتَ القَدَر.
والبيت الثالث غير مشهور ولست على ثقة منه.
مسألة [٦٣]
قد يكون النافي مقدرًا، كقوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ أي لا تزال ذاكرًا له.
[ ٢٣٢ ]
مسألة [٦٤] ما تصرف من كان وأخواتها فحكمه حكمها
وقوله: [مجزؤ الكامل]
(تنفكُّ تسمَعُ ما حَييتَ بها لكِ حتى تكونَه)
أي: لا تزال تسمع مات فلان حتى تكون الهالك، والخطاب لغير مُعين، مثله في النثر: يشر مال البخيل بحادث أو وارث.
و(تسمع) خبر، والباء وحتى متعلقان به، و(ما) ظرف له، والهاء من (تكونه) راجعة للهالك، باعتبار لفظه دون معناه، لأن السامع غير المسموع. ومثله، مسألة التنازع: ظنني وظننتُ زيدًا قائمًا إياه. وقد غمض هذا المعنى على ابن الطراوة، فمنع المسألة وخالف الأئمة.
وبعده:
(والمرء قد يَرجو الرجاء مُغَيبًا والموتُ دونَه)
وكان أبو بكر الصديق ﵁ كثيرًا ما يتمثلُ بهما.
مسألة [٦٤]
ما تصرف من كان وأخواتها فحكمه حكمها، كقوله: [الطويل].
(ببَذْلٍ وحِلْم سادَ في قومهِ الفتى وكونُك إيّاهُ عليكَ يَسيرُ)
وقوله: [الطويل].
[ ٢٣٣ ]
(وما كلُّ مَنْ يُبْدي البَشاشةَ كائنًا أخاك إذا لم تُلْفهِ لَكَ مُنْجِدا)
وقوله: [الطويل].
(قضَى اللهُ يا أسماءُ أَنْ لستُ زائلًا أُحبُّكِ حتَّى يُغْمِضَ العَيْنَ مُغْمِضُ)
فأما البيت الأول فشاهد على أعمال مصدر كان، وقوله: (ببذلٍ) متعلق بـ (ساد)، وقُدم للاختصاص أو الاهتمام، وعاد الضمير من (قومه) للفتى، مع تأخُّره لفظًا، لتقدّمه رتبة، ونظيره: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى﴾، والكاف مرفوعةُ المحل، لأنها اسم الكون، و(إياه) الخبر، جاء منفصلًا لأنه في الأصل خبر المبتدأ، مع أن العامل ضعيف عن أنْ يتَّصلَ به مضمران، وضعفه بكونه اسمًا، فاجتمع هنا ما افترق في قوله: [الطويل].
(لئن كان إيّاهُ لقد حال بَعْدَنا عن العهد والإنسان قد يتغير)
وفي قولك: عجبت من ضربك إياه، ولو وصل لكان ذلك أضعف منه في قوله: [الوافر].
(وَمَنْعَكِها بشيء يُستطاع)
وفي البيت رد على من زعم أنَّ الكون مصدر لكان التامة، وأن المنصوب
[ ٢٣٤ ]
في نحو: عجبتُ كن كونه فاضًلا، حالٌ لا خبر، إذ لا يمكن دعوى الحالية في الضمير.
نعم، قد يجوز على أن يكون الأصل، وكونُك مِثْلَهُ، ثم أقيم الضمير مقام مثل، فتكون حاليّة على سبيل النهاية.
كما أجاز الخليل: مررْتُ بزيد زُهيرًا، على الحالية، وبرجلٍ زُهيرٍ، على نعت النكرة.
وكما قال جماعة في: (قضية ولا أبا حَسَنٍ لها). وقوله: [الرجز].
(لا هَيْثَمَ الليلةَ لِلْمَطِيِّ)
إن العلمَ وقع اسمًا لـ (لا)، باقيًا على علميته، لكونه على إضمار (مثل)، وعلى ذلك خرج ابن الحاجب قولهم: فإذا هو إياها، وقال: الأصل فإذا هو موجود مثلها.
وأما البيت الثاني فشاهد على أعمال اسم فاعل كان، ومثله ما جاء في الحديث: «إن هذا القرآن كائن لكم أجرًا».
وفيه أيضًا أعمال ما النافية عمل ليس، وذكر السيرافي أنه لا يحفظ عليه شاهدًا شعريًا إلا بيتًا واحدًا، وقد جاءت أبيات هذا أحدها.
و(البَشاشة) بفتح الفاء، مصدر (بَشِشْتُ) بكسر العين أَبشُ بفتحها، وهي طلاقة الوجه.
[ ٢٣٥ ]
مسألة [٦٥] يجوز توسط خبر ليس، خلافا لابن درستويه
وثبت صدر هذا البيت في شرح التسهيل هكذا:
(وما المدّعي صِدْقَ المؤاخاةِ كائنًا)
وأما البيت الثالث فشاهد على أعمال اسم فاعل (زال)، وهذا البيت أنشده ثعلبٌ في أماليه للحسن بن مُطَير الأسدي، وبعده:
(أُحِبُّك بَلْوى غَيْرَ أنْ لا يَسُرُّني وإنْ كان بَلْوى أنني لكِ مُبْغِضُ)
(فيا ليتني أقْرَضْتُ جَلْدًا صبَابةً وأقرضني صَبْرًا عن الشَّوْقِ مُقْرِضُ)
وفيها أبيات أخر تركتها.
وقد تداخل في البيت ثلاثة نواسخ، فإن قوله: (أحبك) خبرُ (زائلًا) و(زائلًا) بما اتصل به خبر ليس، وليس بما اتصل به خبر أنْ المخففة من الثقيلة، لا الناصبة، لأنها لا توصل بالجامد.
مسألة [٦٥]
يجوز توسُّط خبر ليس، خلافًا لابن درستويه، ولنا قوله تعالى:
[ ٢٣٦ ]
﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا﴾ في قراءة حمزة وحفص، بنصب (البرّ)، وقول الشاعر: [الطويل].
(أليسَ عظيمًا أن تُلِم مُلمِّةٌ وليس علينا في الخطوب مُعولُ)
وقول الآخر: [الطويل].
(سَلي إنْ جَهَلْتِ الناسَ عنا وعنهم فليس سواءً عالمٌ وجَهولُ)
وهذا البيت من قصيدة للجلاج الحارثي، وقيل للسموأل بن عادياء اليهودي.
والشرط معترض بين (سلي) ومفعوله. و(سلي الناس) دليل الجواب لا نفسه على الأصح، لأن الشرط له الصدر فلا يتقدمه شيء مما في خبره، ومفعول (جهلت) محذوف، أي: سيرتَنا، وإن كان المعنى: إن كنت ذاتَ جَهْلٍ فلا مفعول، وصح الإخبار بـ (سواء) عن اثنين لأنه في الأصل مصدر (ستوى) فحذف زائدًا، ومثله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ
[ ٢٣٧ ]
تُنذِرْهُمْ﴾، وقد أخبر به عن الجماعة في ﴿لَيْسُوا سَوَاء﴾.
أما قول الناظم: أنهم لم يثنوا (سواء) استغناء بتثنية (سي) فلو صحّ لم يستعملوه للاثنين، بل كانوا يأتون في موضعه بسببين، ثم ماذا يقول في استغنائهم عن جمعه، وقد سُمِعَتْ تثنيته كقوله: [الطويل].
(فيا رَب إنْ لم تقسِم الحب بيننا سواءين فاجعلني على حُبها جَلْدأ)
والقصيد: /١١٣/
(إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه فكل رداء يرتديه جميل)
(وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها فليس إلى حسن الثناء سبيل)
(تعيرنا أنا قليل عديدنا فقلت لها إن الكرام قليل)
(وما ضرنا أنا قليل وجارنا عزيز وجار الأكثرين ذليل)
(وإنا لقوم ما نرى القتل سبه إذا ما رأته عامر وسلول)
(يقرب حب الموت آجالنا لنا وتكرهه آجالهم فتطول)
(وما مات منا سيد حتف أنفه ولا طل منا حيث كان قتيل)
(تسيل على حد الظبات نفوسنا وليس على غير السيوف تسيل)
(إذا سيد منا خلا قام سيد قؤول لما قال الكرام فعول)
(وما أخمدت نار لنا دون طارق ولا ذمنا في النازلين نزيل)
(وأيامنا مشهورةٌ في عدونا لها غرر معلومة وحجول)
[ ٢٣٨ ]
(أسيافنا في كل شرق ومغرب بها من قراع الدارعين فلول)
(سلي البيت)
وتركت منها أبياتًا. يقول: إذ برئ عرض الإنسان من اللؤم فلا يبالي بعد ذلك. وعامر بن صعصعة من قيس عيلان، وسلول: حيُّ من عامر، وهو ابنه لصلبه. ويقال: سلول أخو عامر بن صعصعة، وهو حي منسوب إلى اللؤم.
ومن ثم قال عامر بن الطفيل حين أصابته الغدة بدعوة رسول الله ﷺ: «أغدة /١١٤/ كغدة البعير، وموتًا في بيت سلولية».
و(حتف) مصدر لمات، لأن الموت والحتف واحد، ونسب هُلْكَهُ إلى أنفه، لأن الأنف مخرج النَّفْس، وأول من قال: (مات حتف أنفه)، رسول الله ﷺ، ومن هنا رجحوا أن القصيدة ليست للسموأل، والذين أثبتوها رووا (في فراشه) بدل (حتف أنفه).
و(طُلّ) بالضم، أُهْدِرَ فلم يُدرَك بثأره، و(ظُبَة السيف) حده ومَضْربه، و(النفوس) هنا الدماء، و(خلا) ذهب، و(أخمدت النار) سكن لهبها وبقي جمرها، فإن أطفئت البتة، قيل: هَمَدَتْ، و(الأيام) أيام الحروب، وضرب بالغرر والحجول مثلًا لشهرتها، لأن أشهر الخيل ما كان أغر محجلًا، و(الحجال) جمع حجل، بكسر فسكون، وهو القيد شُبِّه به بياض التحجيل لأنه يحل في اليد والرجل محل القيد، و(الدارعون) لابسو الدروع، و(الفلول) التكسُّر وأحدها: فل.
[ ٢٣٩ ]
مسألة [٦٦] يجوز توسط خبر (دام) خلافا لابن معط
مسألة [٦٦]
يجوز توسط خبر (دام) خلافًا لابن معطٍ، ورد عليه الناظم بثلاثة شواهد، الأول قوله: [البسيط].
(ما دام حافظَ سِري مَنْ وثِقْتُ بهِ فهو الذي لَسْتُ عنهُ راغبًا أبدًا)
و(ما) هذه شرطية منصوبة المحل بـ (دام)، وهي واقعة على الزمان، وهو قليل، أعني مجيء ما الشرطية ظرفًا.
والناظم ممن أثبته، ولا تكون هنا مفعولًا مطلقًا بمعنى أي دوام، لأن شرط إعمال (دام) أن تقع بعد ما الظرفية، ولا أن تكون مصدرية ظرفية مثلها في ﴿مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ إذ ليس لها حينئذ ما ينصبها، لأن ما بعدها حينئذ صلة، أو معمول الصلة، وأما على تقديرها شرطية فلا صلة ولا موصول، فيصح لدام أن تعمل فيها.
والشاهد الثاني:
(يعيشُ الندى ما عاشَ حاتمُ طيء وإن مات قامت للسخاء مآتم)
(ينادين مات الجود معك فلا نرى مجيبًا ما دام للسيف قائم)
ولا شاهد فيه لصحة تقديرها تامة، بمعنى بقي مثلها في ﴿مَا دَامَتِ
[ ٢٤٠ ]
السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ والظرف متعلقًا بها.
و(المآتم) بالتاء المثناة جمع مَاتَم، وهو جماعةُ نساءٍ حضرن لخير أو شر، والمراد هنا الثاني، و(مَعْك) بالإسكان، لغةٌ في (مَعَك) لا ضرورة خلافًا لسيبويه.
والشاهد الثالث، عليه اقتصر الشارح: [البسيط].
(لا طِيبَ للعيشِ مادامَتْ مُنْغَّصة لذاتُهُ بادّكارِ المَوْتِ والهرَمِ)
وقد يُقال فيه وفي الشاهد الأول: إنه لا دليل فيهما، لاحتمالهما لأن يكون الفعل الناسخ وخبره قد تنازعا الاسم، ويكون أعمل الخبر وأضمر في الفعل، فيكون كل من الاسم والخبر في محله.
وقد يجاب: بأنه لولا جواز التوسُّط ما جاز التنازع، إذ شرط جوازه أن يصح لكل من العاملين أن يعمل في المتأخر، وهذا الجواب صحيح، ولكنّه لا يمكن أن يجاب به عن المصنف لأنه أجاز أن يتنازع فعلًا تعجب بشرط إعمال الثاني، نحو: ما أحسنَ وأجملَ زيدًا.
[ ٢٤١ ]
مسألة [٦٧] من استعمال (كان) تامة
مسألة [٦٧]
من استعمال (كان) تامة قوله: [الوافر]
(إذا كانَ الشتاءُ فأدْفئوني فإن الشيخَ يَهْدِمُهُ الشتاءُ)
وهذا البيت للربيع بن ضَبْع الفرازي، أحد المعمرين يمدح فيه بينه وكنائنه، ويذكر برهم به، وقبله.
(ألا أبلغ بَنَّي بني ربيعٍ فأنذال البنين لكم فداءُ)
(بأني قد كبرتُ ورّقَّ عظمي فلا تَشْغَلْكُمُ عنّي النساءُ)
(وإن كنائني لنساءُ صِدْقِ وما ألُّة بِنَيَّ ولا أساؤوا)
وبعده:
(وأمّا حينَ يَذْهبُ كلُّ قُرٍّ فسربالٌ رقيقٌ أو رِداءُ /١١٦/)
(إذا عاشَ الفتى مائتين عامًا فَقَدْ ذَهَبَ المسرَّةُ والفَتَاءُ)
حذف (ألْ) من الربيع كما تحذف من الحسن والحسين. و(الأنذال) بالنون فالمعجمة، جمد نَذْل ونذيل من النذالة، وهي الخساسة، وفعلهما كظرفُ، فأما (النَّذْل) بالمهملة، فهو النقل والاختلاس، وفعله كدخل. و(تَشغلكم) بفتح التاء من شغل، ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا﴾، و(أشغل) رديئة وعليها بنى الناسُ قولهم الإشغال بالعلم، و(أَلى) بتشديد اللام، بمعنى
[ ٢٤٢ ]
مسألة [٦٨] من استعمال (بات) تامة
قصر، أي: ما قصروا في بري، والأكثر (ألا) مخففًا يألو، كغزا ودعا.
وزعم ابن السيد أن التشديد للتكثير، ولو صح لم يكن مدحًا. وأما: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ﴾ فمؤول، و(كان) بمعنى حصل وحضر، وقولهم: وجد غير حسن لتفسيرهم فعل الفاعل بفعل المفعول.
ويروى: يُهرمه ويُهلكه، و(القُرّ) البرد، و(الفَتَاء) بالمد، حِدّة الشباب، وأما المقصور فواحد الفتيان.
وهذا البيت يأتي إن شاء الله في باب العدد.
مسألة [٦٨]
من استعمال (بات) تامة قوله: [المتقارب].
(بات وباتَتْ له ليلةٌ)
وتمامه:
(كليلةِ ذي الغائر الأرتمدِ)
وهو لامرئ القيس بن حجر، هذا هو الثابت في كتاب أشعار الشعراء
[ ٢٤٣ ]
الستة، وقال ابن دريد: إنما هو لامرئ القيس بن عابس، أدرك الإسلام. وقبله:
(تطاول ليلك بالأثْمُدِ ونامَ الخَليُّ ولم تَرقُدِ)
وبعده:
(وذلك من نبأٍ جاءني وخُبرته عن أبي الأسودِ)
وقوله (ليلك) خطاب لنفسه، والأصلي (ليلي)، ومثله قول الأعشى: [البسيط].
(وَدِّع هريرةَ إنّ الركبَ مرتحِلُ وهل تُطيقُ وَداعًا أيُّها الرجلُ)
وهو كثير.
و(الأَثْمُد) بفتح الهمزة وضم الميم: موضع، و(الخَلِيّ) الخالي من الهموم. والضمير في (بات) وفي (له) مُلْتَفَتُ بهما عن الخطاب إلى الغيبة /١١٧/، والواو في (وباتَ) للعطف، و(باتَتْ لَهُ ليلةً) للعطف والحال، وهو أولى، أي: وبِتُّ والحال أن بيتوتتي كانت شديدة، ودلّ على شدتها بالتشبيه المذكور، وإسناد البيتوتة إليها مجازي.
و(بات) فيهما تامة، وهو محل الاستشهاد، فالجار والمجرور متعلق بالثانية لا باستقرار محذوف هو خبر، فإن ذلك لا يحسن لزوال التطابق، ولأنه لو قيل: باتت ليلته، كان كافيًا.
[ ٢٤٤ ]
مسألة [٦٩] لا يلي كان أو إحدى أخواتها ما ليس بظرف أو مجرور من معمول خبرها
واشتاق (العائر) من العُوار، بضم العين وتشديد الواو: قذى العين، فذو العائر: ذو قذى العين. وقيل العائر: الرمد. والأولى أولى، ليكون أشق للجمع بينهما، ويحصل التَّرقِّي أيضًا، لأن الرمد أبلغ من قذى العين، ولعدم تكرره.
و(من) لابتداء الغاية، مثلها في ﴿مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ وذلك إشارة إلى المذكور كله.
وقوله: (من نبأ جاءني وخبرته) قد يقتضي أن النبأ والخبر غيران. قال الراغب: النبأ خبر ذو فائدة عظيمة يحصل به علم أو غلبة ظن، ولا يقال للخبر في الأصل نبأ حتى يتضمن ما ذكر.
و(أبي الأسود) كنية، وقيل: بل (أبي) مضاف ومضاف إليه، و(الأسود) صفة للأب، وهو أفعل من السؤدد، أو من السواد.
مسألة [٦٩]
لا يلي كان أو إحدى أخواتها ما ليس بظرف أو مجرور من معمول خبرها، نحو: كان طعامك زيد آكلًا. خلافًا للكوفيين، وذكر الشارح أنهم احتجوا ببيتين أحدهما: [الطويل].
(قنافِذُ هدّاجون حول بيوتهم بما كانَ إيّاهم عطيةُ عَوَّدا)
[ ٢٤٥ ]
والثاني: [البسيط].
(فأصبحوا والنوى عالي مُعرَّسِهمْ وليس كلَّ النوى تُلْقِي المساكينُ)
وإن ذلك عند البصريين محمول على إسناد وكان وليس وإلى ضمير الشأن كما إذا وقع المبتدأ والخبر بعد الفعل الناسخ مرفوعين كقوله: [الطويل]
(إذا مِتُّ كان الناسُ صِنفانِ شامِتٌ وآخرُ مُئْنٍ بالذي كنتُ أصْنَعُ)
/١١٨/ فأما البيت الأول فإنه للفرزدق يهجو جريرًا، و(قنافذ) بالذال المعجمة، جمع قنفذ: دويبة شَوِكة يضرب بها المثل في سري الليل، فقال: "أسْرَى من قنفذ"، والأنثى قنفذة، ويقال للذكر أيضًا: شَيْهَمٌ بالمعجمة المفتوحة فآخر الحروف ساكنة.
و(هدّاجون) فعالون من الهَدْج بالإسكان، والهدجان بالتحريك وهو السير السريع، وفعله كضرب، ويروى: دّراجون، من درج الشيخ بالإسكان، وفعله كدخل، ومعناه: تقارب الخطو بمنزلة مشى الصبي.
ودرّامون أي مشّاؤون مشيًا متقاربًا في سرعة. و(حول خبائهم) وحول خيامهم، و(عطية) أبو جرير.
[ ٢٤٦ ]
يقول: أن رهط جرير كالقنافذ لمشيهم في الليل للسرقة والفجور، وأن أبا جرير هو الذي عودهم ذلك.
وللأخطل شعر يهجو به جريرًا وقومه يشبه هذا، وهو: [البسيط].
(أمّا كليبُ بنُ يربوع فليس لها عِنْدَ التفاخُر إيرادٌ ولا صَدَرُ)
(مُخلفون ويقضي الناس أمرهُمُ وهم بغيبٍ وفي عمياء ما شعروا)
(مثلُ القنافذِ هدّاجون قد بَلَغَتْ نجرانَ أو بَلَغَتْ سواتِهم هَجَرُ)
وفي هذا البيت دليل على قلب الإعراب لأمن الإلباس، إذ الأصل أن يرفع السوءات وينصب (هجر)
ووجه الدليل من البيت أن (عطية) اسم كان و(عوّد) خبرها، و(إياهم) مفعول (عوّد)، وقد ولي كان.
والجواب: إنا لا نسلم أن (كان) ناقصة، بل زائدة لا اسم لها ولا خبر.
سلمنا أنها ناقصة لكن لا نسلم أن (عطية) اسمها، بل اسمها مستتر فيها، راجع إما إلى (ما)، لأنها اسم موصول، أي بسبب الأمر الذي كان هو عطية عودهم إياه، أو إلى الجملة بعدها على أنه ضمير الشأنِ والحديثِ.
وعلى الأوجه الثلاثة، فعطية عودَ مبتدأ وخبرٌ، واعترض بأن الخبر الفعلي لا يسبق المبتدأ فكذا معموله.
[ ٢٤٧ ]
والجواب: أن المانع /١١٩/ من تقدُّم الفعل خشية التباس الاسمية بالفعلية، وذلك مأمون مع تقدم المعمول، سلمنا أنها ناقصة، و(عطية) اسمها ولكن الضرورة تبيح تقديم ما يستحق التأخير، وهذا الجواب عندي أولى لاطراده في نحو قوله: [البسيط].
(باتت فواديَ ذاتُ الخالِ سالبةٌ فالعيش إن حُمَّ لي عَيْشٌ من العَجَبِ)
إذ الأصل: باتت ذات الخال سالبة فؤادي، ولا يجوز تقدير (ذات) مبتدأ، لنصب سالبة.
وأما البيت الثاني فإنه لحُميد الأرقط التميمي. والرُّقْطة: سواد في بياض أو بالعكس، لقب بذلك لإثار كانت بوجهه.
وحُميد وأبو الأسرد والحطيئة شعراء مجيدون بخلاء، ولحميد أشعار في هجاء الضيفان، ووصفهم بالأكل، كقوله: [الطويل]
(أتانا وما داناه سحبانُ وائل بيانًا وعلمًا بالذي هو قائل)
(فما زال عنه اللَقْمُ حتى كأنّهُ من العِيّ لما أن تكلّم باقلُ)
سحبانُ خطيب بليغ باهلي، وهو القائل: [الطويل].
(لقد عَلِمَ الحيُّ اليمانونَ أنني إذا قلتُ أما بَعْدُ أنّي خطيبُها)
وباقل عيي أياديٌ، وبهما يضرب المثل، ومن عِيّ باقل أنه رؤي وفي
[ ٢٤٨ ]
يديه ظبي، فقيل له: بكم. فأراد أن يقول: بأحد عشر، ففرق أصابعه العشر، وأدلع لسانه، فأفلت الظبي.
ونزل بحميد أضياف، فقدم لهم تمرًا، فلما أصبح استكثر نواه، فقال:
(باتوا وجُلتنا الصهباء بينهم كأنّ أنيابَهم فيها السكاكينُ)
(فأصبحوا البيت).
والجُلَّة، بضم الجيم: قُفة التمر تتخذ من سَعَف النخل، وفيها صُهُوبةٌ، والمعوّس، بضم ففتحتين: مكان التعريس، أي النزول ليلًا.
ووصفهم بأكل بعض النوى، لشدة أكلهم /١٢٠٢/، و(المسكين) الذي لا شيء له، وهو من السكون لانقطاع حركته، والمساكين نائب عن الضمير.
وقول الشارح: إن الكوفيين استدلوا بهذا البيت، كما استدلوا بقوله:
(بما كان إياهم عطية عوّدا)
وإن البصريين يحملونها على ضمير الشأن سهوٌ، بل هذا البيت محمول عند الجميع على إضمار الشأن لئلا تدخل (ليس) إن لم يضمر فيها
[ ٢٤٩ ]
الشأن على (يُلْقى) وهو فعل، ولا يدخل فعل على فعلى، فإن جوزت ذلك في (ليس) حملًا لها على (ما) كما حمل الحجازيون (ما) على (ليس)، فليس حينئذ مهملة لا اسم لها ولا خبر، وخرج البيت عما نحن فيه البتة، فإن قيل: قدّر (المساكين) اسمها، قلنا: ففاعل (يلقى) حينئذ ضميرهم، فكان يجب أن يقال: (يلقون)، أو (تلقى) بالتأنيث.
وأما البيت الثالث فإنه للعُجَير بن عبد الله السَّلوليّ، شاعر إسلامي أموي مُقِلٌ، يُكنى أبا الفرزدق وأبا الفيل، ويقال: مُتّ تموت، كقُمت تقوم، ومِتّ تَماتُ، كخفت تخاف.
وروى البيت بالضم والكسر، واسم كان ضمير الشأن، لا الناس، لارتفاع (صنفان أو نصفان)، وهذا محل الاستشهاد، إنه لما خرَّج البيتين السابقين على إضمار الشأن استدل على صحة رفع ضمير الشأن بالفعل الناسخ بهذا البيت، لا يقال: جاء على حد ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾، لأن الشاعر سلولي وليس ذلك لغة لبني سلول، ونون (النصف مثلثة، وصاد (الصنف) مكسورة أو مفتوحة، ومعناه القسم والنوع، والشامت: الفَرِح
[ ٢٥٠ ]
مسألة [٧٠] لا يزاد من الأفعال بقياس إلا (كان) بشرط كونها بلفظ الماضي، ووقوعها بين (ما) التعجبية وخبرها
بالمصائب، وأراد: شامتٌ بي ومثن عليّ، وشامتٌ، إما مقطوع على أنه خبرًا أو مبتدأ، أي أحدهما: شامت، أو منهما شامت، وأما بدل من الخبر ويرجح القطع لزومُهِ فيمَنْ روَى (نصفين أو صنفين) ويروى: شامِتٌ ومُثْنٍ /١٢١/، بما قد كنت أُولى وأصنعُ، ويُروى: أسدى وأصنع، وبعده:
(ولكن ستبكيني خِطوبٌ ومجلسٌ شُعْثٌ أُهينوا في المجالس جُوّعُ)
(ومُسْتَلْجِمٌ قد صحكه القومُ صَكة بَعيدُ الموالي نيلَ ما كانَ يَجْمَعَ)
(وما ذاك أن كان ابن عمي ولا أخي ولكن مَتَى ما أملك الضُّرَّ أنفعُ)
وهذا البيت الأخير شاهد على جواز: أن تقم أقوم، بالرفع، وهو ضرورة، ومثله: [الرجز].
(يا أقرعُ بنُ حابسٍ يا أقرعُ إنَّك إنْ يُضْرَعْ أخوك تُضْرَعُ)
مسألة [٧٠]
لا يزاد من الأفعال بقياس إلا (كان) بشرط كونها بلفظ الماضي، ووقوعها بين (ما) التعجبية وخبرها، نحو: ما كان أحسن زيدًا، ولم تكثر زيادتها في غير ذلك، فيقاس عليه، وندرت زيادتها بين على ومجرورها، كقوله: [الوافر].
[ ٢٥١ ]
(سَراةُ بني أبي بكرٍ تَسَامى على كانَ المُسومةِ العِرابِ)
ومُسْنَدةٌ إلى الفاعل كقوله: [الوافر].
(فكيفَ إذا مررت بدار قوم وجيران لنا كانوا كرامِ)
وبلفظ المضارع نحو: [الرجز].
(أنتَ تكونُ ماجدٌ نبيلٌ إذا تهُبُّ شَمْالٌ بليلُ)
وزيادة (أصبح وأمسى) في قولهم: ما أصبح أبردها، وما أمسى أدفاها، يعنون الدنيا، وجوزه الفارسي في قوله: [السريع].
(عَدُوُّ عَيْنَيْكَ وشأنئهما أصبحَ مشغولٌ بمشغولِ)
وقوله: [الطويل].
أعاذل قولي ما هويتِ فإنني كثيرًا أرى أمسى لديك ذُنوبي)
فأما البيت الأول، فالسراة، بالفتح: اسم جمع للسرى، وهو ذو السخاء والمرؤة، ويروى مكانه (جياد) فإن كان جميع جيّد، فهما متقاربان،
[ ٢٥٢ ]
أو: جواد، فالممدوح خيلُّهم، والمعنى حينئذٍ /١٢٢/ على المسومة العراب من جياد غيرهم، وهذه الرواية وهذا التفسير أظهر، إذ ليس بمعروفٍ تفضيل الناس على الخيل.
و(تسامى) إما مضارع، أي: تتسامى: أو ماضٍ على حد قولهم: الركبُ سارَ، ويؤيده أنه يروى: تَسَامَوا.
و(العراب من الخيل خلاف البراذين، ومن الإبل خلاف اليخاتى، وروى الفراء: المطهمة الصلاب. والمُطهم، بالمهملة: التام الخلق من الخيل وغيرها. و(الصلاب) ذوات الصلابة أي الشدة.
تنبيه:
ذكر ابن يعيش أن (كان) الزائدة إما لمجرد توكيد الكلام، كالتي في هذا البيت، وكما في قولهم: إن من أفضلهم ما كان زيدًا، إذ لا مدح في إثبات ذلك له فيما مضى دون الحال، وإما لإفادة الانقطاع نحو: ما كان أحسن زيدًا.
وأما البيت الثاني فإنه للفرزدق في كلمة يمدح فيها هِشامًا. و(كرام) صفة لجيران. و(لنا) قيل: خبر مقدم، ثم اختلف على قولين، أحدهما: أنه خبر مبتدأ، والأصل (لناهم)، ثم زيدت (كان)
[ ٢٥٣ ]
بينهما، فصار (كان هم)، ثم وصل الضمير إصلاحًا للفظ، لقبح وقوعه منفصلًا إلى جانب فعل غير مشتغل بمعمول، والثاني: إنه خبر لكان وأنها ناقصة، وهي قول المبرّد، وجماعةٍ وعليه فالجملة صفة لجيران وتقدّمت على الصفة المفردة، والأكثر في الكلام تقديم المفردة. وقيل: (لنا) صفة لجيران.
ثم اختلف على قولين أيضًا، أحدهما: إن (كان) تامة، والضمير فاعل، أي: وجدوا، ولا فائدة في الكلام على هذا القول، والثاني: إنها زائدة، ثم اختلفوا في الاعتذار عن الضمير على قولين، أحدهما: إن الزيادة لا تمنع العمل في الضمير، كما لم يمنع /١٢٣/ إلغاء عملها في الفاعل مطلقًا.
قاله ابن السيد والناظم، وفيه نظرٌ، لأن الفعل الملغى لم ينزل منزلة الحروف الزائدة حتى لا يليق به الإسناد إلى الفاعل، وإنما هو فعل صحيح وُضِعَ لقَصْد الإسناد.
والثاني: أن الأصل (كان هم) على أن الضمير توكيد للضمير المستتر في (لنا)، ثم زيدت (كان) بينهما ووصل الضمير للإصلاح.
[ ٢٥٤ ]
ويُروى أن الحسن البصري لما سمع البيت قال له: قل كانوا كرامًا، فقال: إذن ماما ولدتني إلا ميسانية يا أبا سعيد.
و(مَيْسان) من قرى العراق، أي لم أدْنُ من العرب، ويروى:
(وكنت إذا رأيتُ ديارَ أهلي)
وقبل البيت:
(هَلْ أنتم عائجون بنا لَعَنا نَرَى العَرَصاتِ أوْ أَثَرَ الخيامِ)
(فقالوا إنْ فَعَلْتَ فُاغْن عنّا دُموعًا غيرَ راقيةِ السِّجام)
وبعده:
(أكفكفُ عبرةَ العينين منّى وما بَعْدَ المدامعِ من مَلامِ)
و(لعنّا) لغة في لعلنا، وكيف ظرف لا كفكف، ومن أبيات القصيد:
(سيبلغهُنَّ وحيُ القول عَنِّي ويُدْخِلُ رأسَهُ تحت القِرامِ)
(أُسَيدُ ذو خُرَيطةٍ نهارًا من المتلقِّطي قُرَدَ القُمام)
(القرام) بكسر القاف، السِّتر، أي سأرسل إليهن غُلامًا أسودَ حقيرًا
[ ٢٥٥ ]
لا يؤبه له، يلتقط الكناسة، وفيه عيب التضمين، لأن الثاني مشتمل على فاعل فعل في الأول، وفي الثاني منهما أعلال الواو في (أسيود)، وهو أقيس من التصحيح، وإضافة ما فيه الألف واللام، لكون المضاف صفة معربة بالحروف، على أن المضاف إليه مضافٌ /١٢٣/ لما فيه الألف واللام، وذلك مصحح أيضًا لو انفرد.
وأما البيت الثالث فإنه لأم عقيل بن أبي طالب، تقوله وهي تُرَقصُهُ. و(الماجد) الشريف والنبيل.
و(تَهُب) بضم الهاء وجوبًا، وهو شاذ قياسًا، لأن قياس مضارع فعل المضعف القاصر (يفعل) بالكسر، نحو: حنَّ يحِنّ، وأنّ يئنّ.
و(شَمْألٌ) بهمزة زائدة بعد الميم، وقد تجعل قبلها، والأكثر شمأل، بألف: اسم الريح الآتية من تلك الجهة، وفيها لغات أخر.
ولم يؤنث (بليل، لأنه بمعنى مبلول، كما يقال: امرأة جريح، وكف خضيب.
[ ٢٥٦ ]
أي: أنت كريم في الشتاء، أي حينّ يَقِلُّ الطعام ويكثر الأكل، ومثله قول أمية: [الوافر].
تُباري الريح مكرمة وجَودًا إذا ما الكَلْبُ أجْحَرَهُ الشتاءُ)
والفراء يقيس زيادة (كان) بلفظ المضارع، لكن بعد ما التعجبية، نحو: ما يكون أطولَ هذا الكلام، وقولُ رجل من طَيّي: [الكامل].
(صَدقْتَ قائلَ ما يكونُ أحقَّ ذا طِفْلًا ببذِّ أولى السيادة يافعًا)
(البذّ) بالموحدة فالمعجمة: الغلبة، و(اليافع) الغلام إذا ارتفع، أُخِذَ من اليفاع للمرتفع من الأرض، وقياسه موفع ولقولهم أيفع الغلام.
وأما البيت الرابع فالشاني: المبغض، وأصله الهمز، ولكن أبد له للضرورة، والمعنى: بمشغول عنه. و(أصبح) زائدة بين المبتدأ والخبر، ويمكن أن تكون ناقصة حذف خبرها، أي أصبح كذلك، أو أصبحه.
فعلى الأول (مشغول) خبر المبتدأ، وفي (أصبح) ضمير المبتدأ وجملة أصبح كذلك مستأنفة.
وعلى الثاني (مشغول) اسم أصبح والجملة خبر المبتدأ، والأول أولى، لأن في الثاني قلب الإعراب إذ الأصل: أصبح مشغولًا /١٢٥/ على الأخبار، بالنكرة عن المعرفة، ثم قلب، فقيل: أصبحه مشغول، ثم حذف الخبر، وإنما لم يثنِ ضمير المبتدأ لأن العدوّ هو الثاني.
[ ٢٥٧ ]
وأما البيت الخامس فإنه للنمر بن تولب. والمعنى: يا عاذلة قولي ما أحببت فرجعي لَوْمَكِ إياي، فإني أرى ذنوبي عندك كثيرةً.
وفيه إعمال (أرى) مع التوسط بين المفعولين، وزيادة (أمسى)، والإخبار بفعيل عن الجمع، إلا أن قدّر أن الأصل شيئًَا كثيرًا. وبعده:
(فلن تنطقي حقًا ولستِ بأهله فقبّحتِ مما قائل وخطيبِ)
(وحثت على جَمْع ومَنْع ونفسها لها في صروف الدهْرِ حَق كذوبِ)
(وكأينْ رأيتُ من كريم مُرَزَّأ أخي ثقةٍ طلقِ اليدينِ وهوبِ)
(شَهِدْتِ وفاتوني وكنت حسبتني فقيرًا إلى أن يشهدوا وتغيبي)
(أعاذل إن يُصبحْ صداي بقَفْزَةٍ بعيدًا جفاني ناصري وقريبي)
(تَرَى أن ما أبقيتُ لم أكُ ربَّهُ وإن الذي أمضيْتُ كان نصيبي)
(وذي إبل يَسْعَى ويحسِبُها له أخي نَصَبٍ في جَمْعِها لدؤوب)
(غَدَتْ وعدا ربُّ سواه يَسُوقُها ويُدِّلَ أحجارًا وحالَ قليبِ)
قوله (مما قائل) من لبيان الجنس، وما زائدة كزيادتها في ﴿مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾، وفي قوله: (وحثت) التفات، وقوله: (فلن تَنْطفي) متصل بقوله: (قولي وقوله حق كذوب) صفة لمحذوف، أي: كذوب حق كذوب، وفعول بمعنى فاعل، يستوي فيه الذكر والأنثى، و(كأين) بمعنى كثير لغة في (كأي) وبها قرأ ابن كثير. و(من كريم) تمييز لكأين،
[ ٢٥٨ ]
مسألة [٧١] يكثر حذف كان واسمهما وبقاء خبرها بعد (أن ولو) الشرطيتين، ويقل مع غيرها، ويجب حذفها وحدها بعد أما بفتح الهمزة
وناصب كأين معترض بينهما. و(مرزإ) /١٢٦/ و(شهدت) حضرت، أي بقيت وعشت، و(فاتوني) أي: ماتوا، ثم أخبر أنه كان مفتقرًا إلى عكس ذلك.
وجمع ضمير الفاعل حملًا على معنى (كأين)، وأعمل (حسبتُني) في ضميرين متصلين، مرفوع ومنصوب لمسمى واحد، وهو قياس في أفعال القلوب، (كنت فقيرًا) مفعول ثان.
و(الشِّفُّ) بكسر المعجمة: التثمير والزيادة، ويأتي أيضًا بمعنى النقص، و(حال) البئر بالمهملة نواحيها، وإنما يريد القبر.
مسألة [٧١]
يكثر حذف كان واسمهما وبقاء خبرها بعد (أن ولو) الشرطيتين، ويقل مع غيرها، ويجب حذفها وحدها بعد أما بفتح الهمزة، فالأول كقوله: [الكامل].
(حَدِبَت عليَّ بطونُ ضِبَّةً كُلها إنْ ظالمًا فيهمْ وإنْ مظلوما)
وقوله: [البسيط].
[ ٢٥٩ ]
(لا يأمَنِ الدّهر ذو بَغْيٍ ولو مَلِكا جُنُودُهُ ضاقَ عنها السَّهْلُ والجَبَلُ)
والثاني كقوله: [الرجز].
(مِنْ لَدُ شَوْلا فإلى إتْلائها)
والثالث كقوله: [البسيط]
(أبا خُراشةَ أمّا أنتَ ذا نَفَرٍ فإنَّ قومي لم تأكلهم الضَّبُعُ)
فأما البيت الأول فإنه للنابغة الذبياني يخاطب به يزيد بن سنان المزني. و(حدبت) بالمهملتين مفتوحة فمكسورة بمعنى: عطفت، و(ضِنة) بمعجمة مكسورة فنون، ومن قاله بالفتح وبالباء فقد حرّف، قاله ابن السيد والأعلم، وهو ضبة بن كثير ابن عذرة، وكان النابغة وأهله ينسبون إليها، وينفون عن بني ذبيان، فحقق هذا الشعر انتسابه إلى عذرة، وذكر أنهم عطفوا عليه ونصروه، لأنه منهم.
وفي البيت شاهدان، إذ الأصل: إن كنت وإن كنت، وحذف جوابيَ
[ ٢٦٠ ]
الشرطين للدلالة عليهما ب (حدبت)، وجملتا الشرط والجزاء حال والمعنى: عطفوا على (كائنًا ما كنتُ)، وإذا شرط شيء ونقيضه صح الشرط أن يقع حالًا، مثل /١٢٧/ لأضرِبَنَّهُ إن ذهب وإن مكث، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾. أي فمثله كمثل الكلب لاهثًا على كل حال. وأول الكلمة:
(اجْمَعْ جموعَكَ يا زيدُ فإنني أعَدْدتُ يَرْبُوعًا لكُمْ وتميمًا)
(ولحِقْتُ بالنسبِ الذي عَيْرتَني ووجَدْتُ نَصْرَكَ يا يزيدُ ذميمًا)
(لولا بنو نَهدِ بنَ عَوْفٍ أصبحَتْ بالنَّعْفِ أمكَ يا يزيدُ عقيًما)
وأما البيت الثاني، فلا ناهية، و(الدهر) مفعول به، أي حوادث الدهر، أو ظرف، أي لا يأمن في الدهر الحوادث، أو لا يمكن ذا أمن في الدهر، فلا حاجة لمفعول، و(لو) بمعنى أن، وما قبلها دليل على الجواب والجملة الاسمية صفة (ملكًا).
وأما البيت الثالث، فالإتلاء، بكسر الهمزة وبالمثناة من فوق، مصدر (اتلت) الناقة، إذا تبعها ولدها، فهي متلية، تِلْوٌ، والأنثى تِلْوة، والجمع أتْلَاء، بفتح الهمزة.
[ ٢٦١ ]
وأما (الشَول) بفتح المعجمة، ومادّته تدل على الارتفاع، واختلف في المراد به هنا، فقيل: مصدر (شالت) الناقة بذنبها، أي رفعته للضراب، فهي شائل، بغير تاء، والجمع شُوَّل، مثل: راكع وُركع، والتقدير: من لدن شالت شولا، فالبيت من حذف عامل المصدر المؤكد، وقيل: اسم جمع شايلة، بالتاء، وهي الناقة التي ارتفع لبنها وضرعها، وأتى عليها من نتاجها سبعة أشهر أو ثمانية.
والتقدير: من لدن كانت شولا. فالبيت من حذف كان واسمها، وبقاء خبرها، وقد يُرجح الأول بأنه يروى من لدشول، بالخفض، ولا يقال من لدن النوق فإلى اتلائها. /١٢٨/ ويجاب: بأن التقرير: من لا شَولانِ شَول، أو زمان شول، ولكن يحتاج على هذا لتقدير الخبر، موجودًا، فإن قدر الكون مصدر كان التامة لم يحتج إلى ذلك، ولكن لا يقع التوفيق بين الروايتين في التقدير. وقد يرجح الثاني برواية الجرمي، من لد شولا، بغير تنوين، على أن أصله شولا، بالمد فقصره للضرورة، ولكن هذه الرواية تقتضي أن المحدث عنه ناقة واحدة، لا نوق.
ومن الغريب أن بعضهم زعم أن انتصاب (شولًاَ) بعد لَدُن على التمييز أو التشبيه بالمفعول به كانتصاب (غدوة) بعدها في قولهم: لَدن غُدْوَةً.
[ ٢٦٢ ]
وأنه لا تقدير في البيت. وهذا مردود باتفاقهم على اختصاص هذا الحكم بـ (غدوة)، ولأنه لم يسمع في غدوة مع حذف النون، بل مع ثبوتها.
واعلم أن سيبويه قدّر (من لد إن كانت). ورُدَّ بأنّ فيه حذف الموصول وصلته وبقاء معمولها من غير ضرورة.
وأُجِيبَ: بأنه تقدير معنى لا إعراب.
وقال ابن الدهان: الحامل له على هذا التقدير أنّ لدن لا تضاف عنده إلى الجمل، ويلزم من هذا التأويل الذي ذكره أن يُقدّر سيبويه أن في قوله: [الطويل].
(صريغ غوانٍ راقهن ورقنه لَدُنْ شَب حتى شاب سُود الذوائبِ)
ونحوه وهو كثير، وذلك بعيدٌ.
وأما البيت الرابع فهو للعباس بن مرداس السُّلمي ﵁.
[ ٢٦٣ ]
وأبا خُراشة أيضًا شاعر صحابي، وهو بضم الخاء، وأما أبو خِراش الهذلي فبكسرها. واسم أبي خراشة خُفاف، بالضم، ابن عمرو، واسم أم خفاف نَدْبَة، وهو مشهور بها، والنون مفتوحة في /١٢٩/ الأشهر، أو مضمومة، أو النون والدال مفتوحتان، وهو ابن عم خنساء وصخر ومعاوية أولاد عمرو بن الشريد، وكان أسود حالكًا، قال أبو عبيدة: وهو أحد أغربة العرب. انتهى.
وهو القائل، وقد قتل مالك بن حمار قاتل معاوية المذكور: [الطويل].
(فإن تكُ خيلي قد أُصيبَ صميمُها فعَمدًا على عيني تيممتُ مالكا)
(وقفْتُ لهُ عُلْوًا وقد نام صحبتي لابني مجدًا أو لأثأر هالكًا)
(أقولُ لهُ والرمحُ يأطِرُ مَتْنَهُ تأملْ خُفافًا إنني أنا ذلكا)
(خُفاف) مفعول قائم مقام ياء المتكلم، ولم خَشِىَ الإلباس أردفه بقول: (إنني أنا ذلكا)، أي ولا تتوهم أنه غيري.
و(أما) بالفتح، وليست التي في قولك: أما بعد، بل هي كلمتان بالاتفاق، الثانية منهما عوض من كان محذوفة، والأولى (أنْ) المصدرية
[ ٢٦٤ ]
عند البصريين، والشرطية عند الكوفيين، وزعموا (أن) المفتوحة قد يُجازيَ بها، ويؤيده أمورٌ منها:
(أنّ ابن دريد روى في جمهرته: إما كُنْتَ، بالكسر، ويذكر كان، وعلى هذا فما لتأكيد الشرط مثلها في: (فإمّا تَرَيّن).
ومنها: مجيء ألفاء بعدها، واستغناء الكلام عن تقدير على قول البصريين، فالأصل: أَلأنْ كُنْتَ ذا نَفَرٍ فَخَرْتَ. فحذف همزة الإنكار ولام التعليل، وهو فخرت، إذ لا تتعلق بما بعد الفاء، لأن الفاء وأن المعنى ما بين ذلك. والفاء على هذا قيل: زائدة. والصواب أنّها رابطة لما بعدها بالأمر المستفاد من النداء السابق، أي تنبه فإن قومي
و(النفر) في الأصل اسم لما دون العشرة، قاله في الكشاف عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ﴾. وجمعه أنفار، والتنكير /١٣٠/ في نفر للتكثير. و(الضَّبع) السنة المجدبة، استعيدت من اسم الحيوان، لأنه متبالغ الفساد.
[ ٢٦٥ ]
والمعنى: أن افتخرت بكثرة قومك، ففي قومي كثرة، إذ لم تُهلكهم السنون.
وقال ابن الأعرابي: إنما الضبع الحيوان، ولكنهم إذا أجدبوا ضَعفُوا، فعاثت فيهم الضِّباع. والمعنى: فإن قومي ليسوا ضِعافًا عن الانبعاث، فتعيث فيهم الضباع. ومن دعائهم: اللهم ضَبُعًا وذئبًا، أي اللهم اجمَعْ على الغنم ذلك، حتى يستأصلاها. فتحتمل الضبع هنا المعنيين.
وقال الخطّابي: إنما هو دعاءٌ لها، لأن الضبع والذئب إذا اجتمعا منع كلُّ منهما الآخر، فسلمت الغنم كما قال: [الطويل].
(وكان لها جارانِ لا يخفرانِها أبو جعدةَ العاوي وعَرْفاء جَيْألُ)
(أبو جعدة) كنية الذئب، ويقال: عوى الكلب، وعوى الذئب، قال: [الطويل].
(عوى الذئبُ فاستأنستُ للذئب إذْ عوى وصوْتَ إنسانٌ فكدت أطيرُ)
[ ٢٦٦ ]
مسألة [٧٢] يختص مضارع كان ناقصة وتامة بجواز حذف نونه تخفيفا، إن كان مجزوما ولم يتصل به ضمير نصب ولا ساكن
و(عرفاء) بالمهملتين بالفاء: الضبع، و(جيأل) علمٌ عليها، فهو بدلٌ لا بيانٌ، لأنه لا يخالف متبوعه تعريفًا وتنكيرًا، ولا نعت، لأن الأعلام تُنْعَتُ ولا يُنْعَتْ بها.
واعلم: أن سيبويه لا يجيز ذكر كان بعد (أمّا)، لما فيه من الجمع بين المعوض والمعوّض منه. وأجاز ذلك المبرد لا على أن (ما) عوض بل على أنّها مزيدة لمجرّد التوكيد مثلها في: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾.
مسألة [٧٢]
يختص مضارع كان ناقصةً وتامة بجواز حذف نونه تخفيفًا، إن كان مجزومًا ولم يتصل به ضمير نصب ولا ساكن، نحو: ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾، ونحو: ﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ قرئ بنصب (حسنة) ورفعها، على نقصان (كان) وتمامها بخلاف نحو: أن يكنه وأن لا يكنه، لأن الضمائر
[ ٢٦٧ ]
تَرُدّ الأشياء إلى أصولها، ونحو: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، لأنها تتحرك للساكنين /٨٣١، فتقوى بحركتها، وتتعاصى على الحذف، ويزول شَبهها بحرف اللين، وجوّز الكوفيون ويونس الحذف قبل الساكن، واحتُجَّ لهم بقوله: [الطويل].
(فإنْ لم تَكُ المرآةُ أَبْدَتْ وَسَامةً فَقَدْ أبدتِ المرآةُ جَبْهَةَ ضَيْغَمِ)
وقوله: [الطويل].
(إذا لم تكُ الحاجاتُ من همة الفتى فليس بمُغْن عنه عقدُ الرَّتائم)
وقوله: [الخفيف].
(لم يكُ الحقُّّّّّّّ سِوَى أن هَاجه رَسْمُ دارٍ قد تَعَفَّى فالطلَلْ)
وقد استعمله المتنبي، فقال: [الكامل]
(حِللًا كما بي فليكُ التبريحُ أغذاءُ ذا الرشِأ الأغنِّ الشِيحُ)
[ ٢٦٨ ]
وأجيب: بأن حذف النون الساكنة للضرورة ثابت بدليل قوله: [الطويل].
(فلستٌ بآتيةِ ولا أستطيعُه ولَكِ أسقني إنْ ماؤكَ ذا فَضْلِ)
وقال ابن مالك: لا ضرورة في ذلك، إذ كان يمكن أن يُقال في الأول:
(فإن تكن المرآة أخفَتْ وَسَامةً)
وفي الثاني:
(إذا لم يكن من همة المرء ما نوى)
وفي الثالث:
(لم يكن حق سوى)
وهذا مبني على تفسيره للضرورة، وقد مضى ردّه.
و(الوَسامة) بالفتح: الحُسْنُ. و(الرتائم) بفتح الراء وبالمثناة من فوق، جمع (رتيمة) كصيحفة: خيط يشد في الأصبع ليتذكرّ به الحاجة.
وأنشد الجوهري البيت:
(إذا لم تكن حاجاتنا في نُفوسكُم فليسَ بمُغْن عنك عقد الرتائم)
وفيه التفات من التكلم إلى الخطاب، ورجوع عن الجمع إلى الإفراد، على أنه لم يرد بالجمع، وبالخطاب إلا نفسه.
[ ٢٦٩ ]
مسألة [٧٣] زال وأخواتها لانتفاء ما بعدها، ويدخل عليها النفي، فيصير الكلام إيجابيا، فيمتنع اقتران كل من معموليها بألا، إذ شرط الاستثناء المفرغ أن لا يكون الكلام إيجابيا
وأما بيتُ المتنبي فإنّما ذكر تمثيلًا لا استشهادًا، إذ لا يقوم حجةً لكلامِه /١٣٢/.
مسألة [٧٣]
زال وأخواتها لانتفاء ما بَعْدَها، ويدخل عليها النفي، فيصيرُ الكلام إيجابيًا، فيمتنع اقتران كل من معموليها بألا، إذ شرط الاستثناء المفرغ أن لا يكون الكلام إيجابيًا، فلا يُقال: مازال عالمًا إلا زيدٌ، ولا مازال زيد إلا عالمًا. فأما قول ذي الرُّمَّة: [الطويل].
(حراجيحُ لا تنفكُ إلا مُنَاخَةً على الخَسْفِ أو نَرمي بها بلدًا قَفْرًا)
فمنهم من غلطهُ، ومنهم من غلط الرواة، وقال: الصوابٌ (إلا) بالتنوين، والإلُّ يُطلق على الشخص، والنَّسمَةِ، فهو الخبر، و(مُنَاخةٌ) صفة، وروي أنه أنشده على الاستثناء، فأُنكر عليه، فتفطن
[ ٢٧٠ ]
لغلطِه، فقال: إنما قلت: (إلا). ومنهم من تأوّله فقال جماعة منهم ابن مالك: إنما الخبر (على الخسف)، و(مُناخةٌ) حال.
أي: ما تنفك على الخَسْف في حالة من الأحوال إلا في الاناخة، فإن لها فيها راحةً وليس بشيء لأن المانع من استثناء المفرَّغ في الخَبر مانع منه في الحال.
وقيل: (مُناخة) حال، و(تنفك) تامةٌ، أي ما تنفصل عن التَّعَب، إلا في حال إناخة على الخَسْفِ إلى أن نرمي بها، أو لا نرمي بها، وهذا أجودُ ما قيل، لأن الكلام مع التامة نفي لا إيجابٌ، وقيل: (إلا) زائدة مثلها في قوله: [الطويل].
(أرى الدهر إلا منجنونًا بأهْلهِ وما صاحب الحاجات إلا معذبًا)
كذا رواه المازني، ولم يُثبت أكثر النحويين زيادة (إلا).
[ ٢٧١ ]
مسألة [٧٤] إذا اجتمعت نكرة ومعرفة، فالمعرفة الاسم والنكرة الخبر
والمشهور في البيت: (وما الدهر ) وإن ثبتت تلك الرواية، فيجوز أن يكون التقدير: (لا أرى)، فحذف لا النافية، لدلالة (إلا) عليها، كما حذفت في ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ﴾ لدلالة وقوع "تفتأ" جوابًا للقسم من غير توكيد، وعلى هذا فلا يلزم أن يجوز (أقوم) بتقدير: (لا أقوم) لعدم الدليل [فراغ]، و(حراجيجُ) جمع حُرْجُوج: وهي الناقة الضامر، /١٣٣/ و(الخَسْفُ) النقصان، يُقال: رَضيَ بالخَسْفِ، أي النقيصَة، وبات على الخسف، أي جائعًا، وربطت الدابة على الخسف، أي: على غير علف.
مسألة [٧٤]
إذا اجتمعت نكرة ومَعْرفة، فالمعرفةُ الاسم والنكرة الخبر، نحو: كانَ زيدٌ قائمًا، وقد يعكس في الضرورة كقول خداش بن زهر: [الوافر].
(فإنّكَ لا تُبالي بَعْدَ حَوْلٍ أظبيٌ كان أُمَّكَ أمْ حِمارُ)
[ ٢٧٢ ]
أنشدهُ سيبويه على ذلك، وأشكل على كثيرين، فقالوا: إنما أخبر عن معرفةٍ بمعرفةٍ، إذا اسم كان ضمير: وأجِيبَ: بأوجهٍ أحدها أن ضمير النكرة نكرة، وردّ بأنهم اختلفوا في ضمير النكرة أمعرفةٌ هو أم نكرةٌ؟ فلم يختلفوا في صحة وقوعه في محل المعرفة، وإنما الخلاف في المعرفة، هل هي عبارة عمّا يتعين مدلوله وجودًا، أو على أي وجه كان، ولهذا يقال: ضربت رجلًا وهو راكبٌ، وجاءني رجلًا وكان راكبًا.
ولولا أن الضمير في حكم المعرفة لم يقع مبتدأ، واسمًا لكان، قاله ابن الحاجب.
ويُرُدّ قوله في المثال الأول بأن النكرة يُبتدأ بها بعد واو الحال كما مر.
وأما المثال الثاني فقد يُرَدّ بأن الخبر فيه نكرة وليس بمستقيم، لأنه كما يمتنع أن يخبر بمعرفة عن نكرة كذا يمتنع أن يخبر بنكرة عن نكرة من غير مصحح، نحو: كان رجل قائمًا، مصحح ثم لو قُدِّر ضاربٌ معهود لصح أن يقال: جاءني اليوم رجل وكان الضاربَ. وهذا نظيرُ مسألتِنا.
[ ٢٧٣ ]
والوجهُ الثاني: أنه لا ضميرَ في (كان)، بل (ظبي) اسمُها تقدّم للضرورة.
وقد يُعْتَرضُ هذا بأنّ ابن السِّيد نقل في كتابه الاقتضاب: أنّ البصريين لا يُجيزُون تقديمَ الفاعل في نَثْر ولا شِعْر /١٣٤/، فالمشبه بالفاعل أولى:
ويُجابُ بأنّ الأصل (أظبيًا) كانَ أمُّك، بنصب الظبي، ورفع (الأم) ثم عكس الإعراب، وتُرك (الظبي) في موضعهِ، لأنه خبرٌ في المعنى وإن كان مرفوعًا، ورفع (حمار)، لأنه تابع، فإن اعترض بأنه كان يجب ثبوت التاء في كان، لأن المسند إليه بالحقيقة (أمّك).
أُجيب: بأن التاء إذا حذفت في النثر في قول بعضهم. قال فلانة، مع ظهور الإسناد إلى المؤنث، فحَذْفُها في الشعر مع الإسناد في اللفظ إلى المذكر أولى.
والثالث: أنّ (ظبي) ليسَ اسمًا لكان المذكورة لما ذكرنا، ولا مبتدأ، لأنّ الاستفهام بالجمل الفعلية أولى، بل هو اسم لكان محذوفةُ تفسرها المذكورة، والتقدير: أكان ظبي أمّك، وهذا محل الاستشهاد، لا كان المذكورة ومعمولاها.
ورُدَّ بأن الهمزة التي قبل أم المتصلة يليها أحد المستويين، نحو: أزيد عندَك أم عمرو؟ وعلى هذا التقدير إنّما وَلَيَها (كان) فهو نظيرُ: أقام زيد أم
[ ٢٧٤ ]
عمرو. ولا تعادل في ذلك بين الهمزة وأم، لاختلاف ما وليهما.
والجوابُ: أنها لما كانت محذوفة وجوبًا كانت كأنّها لا وُجودَ لها، وكأنّ التعادل موجودٌ في اللفظ فاكتفى بذلك، بل لو ظهرت كان لم يضر، لأنها غير مقصودة، وإنّما العِبْرةُ بما يذكر مقصودًا.
ومعنى البيت: إن الإنسان إذا استعنى بنفسهِ لا يبالي بمن انتسب إليه من شريف أو وضيع، وضربَ (الظبي والحمار) لهُما مثلًا، وذكر الحَولَ، لأن هذين يستغنيان بأنفسهما بعده، ثم أشار إلى أنّ الزمانَ لعَدم جريه على مقتضى القياس، وقد التحق فيه الوضيع بالشريف، فقال: [الوافر].
(فقْد لَحِقَ إلا سافلُ بالأعالي وصارَ مَعَ المُغَلهَجَةِ العِشارُ /١٣٥/)
(المغلهج) الهجين.
[ ٢٧٥ ]