مقدمة
تأليف: د/عبد الرزاق بن فرج الصاعدي
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
المقدّمة
الحمد لله، فاتحة كلّ خير، وتمام كلّ نعمة، أحمده ﷾ حمدا طيّبا مباركا فيه، وأصلّي وأسلم على سَيِّدنا محمد، أفصح العرب لسانا، وأبينهم حُجّة، وأقومهم عبارة، وأرشدهم سبيلا، صلى الله عليه، وعلى آله الطاهرين، وصحابته أجمعين.
أمّا بعد، فإنّ مجال العمل المعجميّ يعدّ من أهم مجالات النشاط اللّغويّ وأصعبها؛ ويقتضي مواصفات خاصّة في روّاده؛ في مقدّمتها الدّقة والأناة والصّبر. ولنا أن ننظر -اليوم- إلى جهود علمائنا القدامى في صناعة المعاجم، وما خلّفوه لنا من تراث معجميّ زاخر لنرى ما عانوه من نَصَبٍ بالغ، وما بذلوه من دقّة متناهية في الجمع والاستيعاب، وفي التّنظيم والتّبويب؛ وما وَفّروه لهذا الأمر المهم من أسباب النّضج والنُّجْح ما كفل له أن يتصدّر قمة نشاطاتهم اللّغوية؛ فصفت لنا بذلك موارد اللّغة وحُفظت أصولها، وما ترمي إليه من صحاح المعاني، ودقائق الدّلالات.
ولمّا كان جمهور المشتغلين بعلوم العربيّة في شتّى فنونها ومناحيها لا يستغنون عن الرّجوع إلى هذا الضّرب من المؤلفات؛ فقد استمرّت جهود العلماء، وتضافرت في هذا المجال، وتعاقبت، وامتازت بالشّمول
[ ١ / ١٧ ]
والتّنويع؛ فرأينا جوانب شتّى فيه؛ كالبسط والاختصار والتّهذيب والاستدراك والتّحشية والتّعليق والنّقد. وقد اتصل جهد الخلف بجهود السلف في النشاط المعجمي، الذي لا يزال معدودا في مجالات الدراسات اللغوية الخصيبة في الأصوات والأبنية والتراكيب والدلالات؛ فاستقطب – بأَخَرَةٍ – اهتمامات كثير من الباحثين؛ غير أنه لا يزال في حاجة إلى المزيد من الدراسات.
ومن المعلوم أن الكلمات في اللغة العربية ترتبط بأصولها ومعانيها؛ في نظام بالغ الدقة، يكشف عن جمال هذه اللغة وجلالها. ومن الثابت عند علماء اللغة العربية أن لكل كلمة وما تفرع عنها أصلا واحدا فحسب، بَيْدَ أنَّ ثَمَّةَ أصولا - يصعب حصرها – تتداخل؛ وأعني بذلك: أن الكلمة الواحدة قد يتوارد عليها أصلان أو أكثر، مما يؤدّي إلى التداخل مع أصلها الحقيقي؛ فيلتبس الأصلان أو الأصول؛ فكلمة (المَدِينة) – مثلا – يتوارد عليها أصلان ثلاثيان؛ فيتداخلان؛ وهما (م د ن) و(د ي ن) ويتداخل في كلمة (الرُّمَّان) أصلان؛ وهما (ر م م) و(ر م ن) أما كلمة (القرآن) فإنها تحتمل ثلاثة أصول: (ق ر أ) و(ق ر ي) و(ق ر ن) وتحتمل كلمة (مَأْجَجٍ) ثلاثة أصول – أيضا -، وهي: (أج ج) و(م ج ج) و(م أج ج) .
[ ١ / ١٨ ]
ومن أعجب ما وقع فيه التداخل كلمة (كَوْكَب) فإن فيها خمسة أصول متداخلة؛ وهي: (ك ك ب) على مذهب الجمهور، و(وك ب) على مذهب الأصمعي والأزهري، و(ك ب ب) على مذهب الراغب الأصفهاني، و(ك وك ب) على مذهب الخليل وأبي بكر الزبيدي، و(ك ب ك ب) على مذهب بعض الباحثين المعاصرين. وقد كثر التداخل في أنواع مخصوصة من ألفاظ اللغة، منها: الرباعي المضاعف؛ نحو: سلسل وزلزل ووسوس، فأثر ذلك في بناء معاجم القافية تأثيرا بالغا؛ إذ تابع صناع تلك المعاجم فيه المذهب الكوفي؛ وهو أن مثل تلك الكلمات هو من الثلاثي، وتركوا المذهب المشهور، وهو مذهب البصريين وجمهور النحاة واللغويين؛ وحاصله أن تلك الكلمات رباعية. وعلى الرغم من ذلك فإن متابعتهم الكوفيين لم تتصف بالاطراد؛ فثَمَّةَ كلمات من ذلك الضرب وضعت عندهم في الرباعي؛ وهو موضعها الصحيح؛ ومما يثير الانتباه أنّ ما جاء في موضعه الصحيح من هذا الضرب كاد يقتصر على باب الهمزة فقط. أما نحو: سَبِطٍ وسِبَطْرٍ، ودَمِثٍ ودِمَثْرٍ؛ فهو باب من التداخل؛ وتداخل الأصلين منه عند المعجميين دفعهم إلى ترجمة أحدهما في الآخر.
[ ١ / ١٩ ]
ومما كثر فيه التداخل، واختلفت فيه المعاجم: المهموز والأجوف والناقص وذو النون أو الميم، فكان بعضهم يرى الهمزة أو الميم أو النون من الأصل، وبعضهم يرى ذلك زائدًا أو يرى الهمزة منقلبة عن حرف علة، أو العكس؛ فيضعها فريق في باب، ويضعها فريق في باب آخر، بل إنهم كثيرا ما وقعوا في تكرار المهموز في المعتل؛ مما أدى إلى تضخيم البابين.
والحق أن المعتل والمهموز من أكثر الأصول إثارة لحيرة اللغويين والمعجميين، ولا سيما تداخل الواو والياء في المعتل الناقص؛ فأدى ذلك إلى محاولة بعض المعجميين تجاوز هذه العقبة بوضع الواوي واليائي في باب واحد؛ وأول من فعل ذلك: الجوهري في (الصحاح) فغدا صنيعه منهجا يُحتذى.
أما النون فمزلقتها كبيرة، فإن أصالتها تلتبس في أول الكلمة، وفي وسطها، وفي آخرها؛ نحو: نَرْجِسٍ، وذُرْنُوحٍ، وضَيْفَنٍ. وللميم مزلقة لا تقل عن النون فأصالتها تلتبس في أول الكلمة، وفي وسطها، وفي آخرها – أيضا– نحو: الْمَدِينَةِ، ودُلاَمِصٍ، وحُلْقُومٍ.
وقد تخفى حالة التاء؛ إذا وقعت في أول الكلمة، نحو: تَرْقُوَةٍ، وتَنُّورٍ، وتَأْلَبٍ، وتُرَامِزٍ، وتَوْلَجٍ، وتَنُوخَ.
[ ١ / ٢٠ ]
ومن عجائب تداخل الأصول في: (اللِّسَان) أنّ ابن منظور ذكر (الأَفْكَلَ) وهي: الرعدة – في أصل رباعي، في باب اللام؛ فصل الهمزة، مع نص أكثر العلماء العربية على أن الكلمة ثلاثية الأصول، والهمزة فيها زائدة، وقد قرر ابن منظور نفسه زيادة الهمزة فيها؛ فوزنها عنده: (أَفْعَل) ومع ذلك وضعها في الرباعي، على أصالة الهمزة. والحق أن لتداخل الأصول أثرًا بالغًا في بناء المعجم العربي، ولا سيما معاجم القافية، التي تعتمد على أصل الكلمة أساسا في التبويب والترتيب؛ فإن الكلمة قد تنتقل من باب إلى باب آخر، أو من فصل إلى فصل آخر، فتجيء في غير موضعها الصحيح، أو توضع في موضعين، أو أكثر، مما يؤدي إلى خلل بَيِّن في النظام المعجمي الدقيق، ويسهم في تضخيم بعض الأبواب.
ومن ضرر التداخل في المعاجم أنه يحول بين الباحث فيها عن شيء ومراده فيها، وقد امتد هذا الأثر إلى بعض العلماء في مؤلفاتهم؛ فاستدركوا على بعض المعاجم مواد هي فيها.
ويؤدي التداخل – أيضا – إلى الحكم على الكلمة بأنها من أصل ليست منه، مما ينتج عنه شيء من الاضطراب في بعض الأحكام التصريفية، كحركة عين المضارع في الأجوف، أو الناقص، أو المهموز، وكذا في الجمع والتصغير.
[ ١ / ٢١ ]
ويقود وضع الكلمة في موضعين أو أكثر إلى اختلاف شرحي الكلمة أو شروحها؛ في المضمون، من حيث الترجمة، أو الضبط، أو الأحكام، أو النقول، أو الشواهد، أو النصوص، ونحو ذلك. وقد يؤدي تداخل الأصول إلى ظهور أبنية غريبة على العربية، بعيدة عن قياسها، كـ (افْلأَعْلَ) على رأي من يجعل كلمة: (اكْلأَزَّ) من الأصل الثلاثي (ك ز ز) و(فَعْفَبِيلٍ) نحو: (سَلْسَبِيلٍ) على تقدير أنه ثلاثي من (س ل ل) على مذهب الراغب الأصفهاني؛ و(افْعَالَ) نحو: (انبَاقَ) حملا على صنيع الجوهري، في وضعه الكلمة في (ن ب ق) .
وتهدف هذه الدراسة، التي بين أيدينا، إلى تناول أمرين:
أولهما: تداخل الأصول اللغوية؛ وهو جانب صرفيّ محض.
وثانيهما: سَبْرُ الأثر الذي يمكن أن يحدثه هذا التداخل في بناء معاجم القافية.
واتخذتُ من مدرسة القافية ميدانا للدرس والتحليل في الأمرين كليهما، بوصفها المدرسة التي اعتمدت معاجمها أصل الكلمة أساسها الأول في الترتيب؛ فسبقت بذلك غيرها من المدارس المعجمية.
ولذلك اخترت أن يكون عنوان الدراسة: (تداخل الأصول اللغوية، وأثره في بناء المعجم العربي من خلال مدرسة القافية) .
[ ١ / ٢٢ ]
ولقد أقمتها على مواد منتخبة، مما يربي على ألفي مادة، تداخل في كل منها أصلان، أو أكثر، وهذا يعني أن الأصول المتداخلة – فيما وقفت عليه – تزيد على أربعة آلاف أصل.
واقتضت طبيعة الموضوع أن تأتي الدراسة في خمسة أبواب؛ يسبقها تمهيد؛ أتيت فيه على أمور تتصل بالبحث؛ وهي: (الأصول) و(التداخل) و(المعجم) و(القافية) و(سبب اختيارها) .
وجاء الباب الأول بعنوان: (الأصول والزوائد) وبنيته على ثلاثة فصول.
أفردت أولها للأصول في عرف اللغويين، قدامى ومحدثين.
وجعلتُ ثانيها للزوائد بجميع أنواعها، كالزيادات المقيسة، والإلحاق، والزيادات غير المقيسة.
أما ثالثها فهو يبحث في مقاييس التفريق بين الأصول.
ونال (تداخل الأصول) ما يستحق من الدراسة، فجاء في البابين الثاني والثالث، ونحوت فيهما منحى يؤدي إلى حصر ظاهرة التداخل في إطارها العام، بحيث يؤمن أن يند شيء من صورها المختلفة؛ فالتداخل على قسمين:
ما يقع في البناء الواحد.
وما يقع بين بناءين مختلفين غير متاكفئين.
[ ١ / ٢٣ ]
وللأول ثلاث صور:
التداخل بين الثلاثي والثلاثي.
والتداخل بين الرباعي والرباعي.
والتداخل بين الخماسي والخماسي.
وللثاني ثلاث صور - أيضًا ـ:
التداخل بين الثلاثي والثلاثي.
والتداخل بين الثلاثي والخماسي.
والتداخل بين الرباعي والخماسي.
وجعلت للقسم الأول بابا مستقلا؛ وهو الباب الثاني؛ وكان الباب الثالث للقسم الثاني من قسمي التداخل. ولما كان أسباب التداخل وأثره في بناء المعاجم من أهم ما في هذه الدراسة، وهو يُعَدُّ ثمرتها، فقد أفردته في بابين مستقلين: الرابع والخامس، فجاء أولهما – وهو الباب الرابع – بعنوان: (أسباب التداخل وأثره في بناء معاجم القافية) وكان هذا الباب من أوسع أبواب الدراسة، فناسب اتساعه أهميته، وفيه فصلان:
أولهما: أسباب التداخل.
ثانيهما: أثر التداخل في بناء معاجم القافية.
[ ١ / ٢٤ ]
وأما الباب الخامس - وهو الأخير – فقد أفرد لـ (أثر التداخل في النقد المعجمي) وجاء في فصلين:
أولهما: للنقد المعجمي عند القدامى.
ثانيهما: للنقد المعجمي عند المتأخرين.
ثم جاءت الخاتمة، واشتملت على أبرز النتائج، التي توصل إليها البحث، وبعض التوصيات، وتلا ذلك الفهارس العامة. وقد درست هذه الظاهرة اللغوية دراسة تاريخية مقارنة، مستقرئا آراء القدماء والمحدثين، ومحللا إياها، ومبديا ما أراه حيال بعضها من ملحوظات، متخذا من الدرس الصرفي القديم – لا سيما ما استقر عليه البصريون – أساسا لدراسة الأصول، فاقتضت طبيعة الدراسة الاعتماد فيها على أربعة مناهج معروفة في الدراسات اللغوية الحديثة، وهي:
١- المنهج الوصفي.
٢- المنهج التاريخي المقارن.
٣- المنهج الاستقرائي.
٤- المنهج النقدي.
وحاولت المزج بينها بما يخدم الدراسة. ثم إني كنت أعلم تماما ما في البحث من مصاعب ومتاعب، وقد حملني على ركوب الصعبة بلا أَحْلاسٍ دوافعُ لم يزل صداها يَرِنُّ في أذني،
[ ١ / ٢٥ ]
وأهدافٌ لمعت لي من بعيد، فشمرت لها عن ساعد الجِدّ، آملا أن أضع صُوًى على بُنَيّاتِ الطريق، وكان من أهم هذه الدوافع والأهداف:
أ - حُبّي الشديد للدرس اللغوي؛ ولا سيما مجالات الصرف العربي، وموضوعات فقه اللغة وعلى رأسها الدراسات المعجمية؛ وقد تيسر لي – بتوفيق الله – في هذه الدراسة الجمع بين الرغبتين.
ب- الوقوف على ظاهرة تداخل الأصول بالدراسة التفصيلية التحليلية؛ أسوة بغيرها من الظواهر اللغوية؛ التي نالت حظها من الدرس؛ وقد تبين لي أن موضوع هذه الدراسة مما لم يطرقه الباحثون قديما وحديثا، خلا ما جاء منه في إشارات متفرقة هنا وهناك، وأهمها ما جاء في (الخصائص) لابن جني، الذي عرض لبعض جوانبه، والإشارات النقدية التي أثارها بعض المعجميين في معاجمهم؛ ولعل إغفال الباحثين المعاصرين هذا الموضوع راجع إلى ما يكتنفه من تشعب وغموض في بعض جوانبه.
ج- الوقوف على أثر (تداخل الأصول) في بناء معجم القافية، وحصر آثاره السلبية، والتنبيه عليها، ومحاولة وضع الحلول الممكنة لتلافي ذلك مستقبلا، فيما يؤلف من معاجم، تتخذ من الأصول أساسا لبنائها، وعلى رأسها المعجم التاريخي، الذي وضعت فكرته في العصر الحديث، وأرسيت قواعده.
[ ١ / ٢٦ ]
د- تَغَيُّرُ معنى الكلمة بسبب التداخل، وما يترتب عليه من عدم إدراك السامع مراد المتكلم، ومن أشهر أمثلته ما جاء في الحديث المرفوع أن قوما من جهينة جاءوا إلى النبيﷺ- بأسير، وهو يُرْعَدُ من البرد، فقال: "أَدْفُوهُ"، فذهبوا به فقتلوه، فَوَدَاهُ النبي ﷺ- وإنما أراد – ﵇: أَدْفِئُوهُ من البرد، وهو من: (د ف أ) وسهّله؛ لأنه ليس من لغته التحقيق؛ فالتبس بأصل آخر؛ وهو (د ف و) ومنه قولك: دَفَوْتُ الجَرِيحَ أَدْفُوهُ دَفْوًا؛ إذا أَجْهَزْتَ عليه.
هـ- إبراز أكبر قدر ممكن، مما جاء من الألفاظ في غير موضعه، في معاجم القافية، أو مما وضع في موضعين أو أكثر، ليكون عونا للقارئ.
وومما شحذ همتي على المضي في هذا البحث ما قرأته أو سمعته من أن بعض المتختصّصين في غير العربية كان يشكو من إهمال المعاجم بعض الكلمات، ككلمة (امْتَارَ) مثلا، لأنه طلبها في مادة (م ت ر) وفاته أن التاء فيها تاء الافتعال، وأن الكلمة معتلة العين، وهي مثل: (اخْتَارَ) من الخير، فـ (امْتَارَ) من المِيرة، وهي جَلْبُ الطعام، وليست من (م ت ر) .
وقرأت للدكتور محمود الطناحي ما نصّه: (جاءني – ذات يوم – طالب يُعِدّ رسالة (دكتوراه) وسألني – متعجبًا -: "كيف لا يذكر ابن منظور في (لسان العرب) شيئا عن معنى كلمة (التراث)؟ " فقلت له: "وكيف كان
[ ١ / ٢٧ ]
ذلك؟ " قال: "هو على ما وصفت لك، لقد بحثت عن مادة (ت ر ث) في فصل التاء من كتاب الثاء، فلم أجد لها ذكرا!! " فقلت له: "ابحث في مادة (ور ث) وستجد بغيتك " ١.
وإذا كان أصل كلمتي: (امْتَارَ) و(التُّرَاثِ) ظاهرا لأكثر الباحثين، والكشف عنهما في المعجم لا يعد مطلبا عسيرا، فإن الباحث عن كلمة (تُكَلَةٍ) مثلا ليعجب حين يجد ابن منظور يضعها في (ك ل ت) من باب التاء، إلى جانب موضعها الصحيح، وهو (وك ل) . ومثل هذه الدقائق كثير يغري الغاصة على تتبعه وتقميشه. نعم، ولا أنسى – في ختام هذه الكلمة – أن أتوجه بالشكر لأساتذتي في قسم اللغويات بكلية اللغة العربية بالجامعة الإسلامية، الذين أفدت منهم في هذا البحث، وأخص بالشكر الجزيل، والعرفان بالجميل: أستاذي الفاضل الأستاذ الدكتور محمد يعقوب تركستاني، المشرف على هذا البحث؛ الذي كان لي نعم العون والسند، بتوجيهاته السديدة، ومتابعته الدقيقة، فكان له يَدٌ في إتمام البحث، واستوائه على سوقه، وظهوره بالصورة، التي كنت أطمح إليها، فله مني موفور الشكر، والدعاء الصادق له بالمثوبة من الله ﷿.
_________________
(١) ١ الموجز في مراجع التراجم والبلدان والمصنفات ١٨.
[ ١ / ٢٨ ]
وأستاذي الفاضل الأستاذ الدكتور سليمان بن إبراهيم العايد، الذي أهدى إليّ فكرة هذا البحث، وهوّنه عليّ بعد أن كدتُ أن أنصرف عنه، لوعورة الطريق، وضخامة الجَهد، الذي يتطلبه، فجزاه الله خير الجزاء. وأستاذي الفاضل الأستاذ الدكتور عبد العزيز محمد فاخر الذي استحسن الموضوع، وحبب إليّ الكتابة فيه، وحثني على إتمامه، فجزاه الله خيرا وأجزل له المثوبة.
كما أشكر: إخواني، وزملائي، وكل من مد لي يد العون، فجزاهم الله عني جميعًا خيرًا.
وبعد: فقد أفرغت – في هذا البحث – جَهْدي وطاقتي، غير زاعم بلوغ الغاية؛ ولكنني أرجو المقاربة والسداد، بما أسعفني به جهدي القليل، وفكري الكليل، في التنقيب، والاستقصاء، والاستنباط، والتعليل، ولا أبرئ نفسي – مع هذا – من التقصير، وسوء الفهم، والعثرة، والزلة؛ والمأمول ممن ينظر في عملي أن يصلح ما طغى به القلم، وزاغ عنه البصر، وقصر عنه الفهم، فالإنسان محلُّ النسيان، وعلى الله التكلان، ومنه العون والتوفيق.
[ ١ / ٢٩ ]
والحمد لله، الذي كتب على الإنسان الإحسان في كل شيء، وهو حسبي، ونعم الوكيل.
المدينة المنورة ١٤١٤هـ الموافق ١٩٩٤م
[ ١ / ٣٠ ]
التمهيد
المبحث الأول: الأصول
المبحث الأول: الأصول:
الأصول جمع أصل، ولمادة (أص ل) في اللغة عدة معان، يمكن ردها إلى ثلاثة معان مختلفة، وهي:
١- أساسُ الشّيء.
٢- نوعٌ من الحيات.
٣- ما كان من النهار قبل الغروب ١.
أما الأول: فأصل الشيء: أسفله، وأساس الحائط: أصله، وأصل الشجرة: جذورها، ويقال: استأصل الله بني فلان، إذا لم يدع لهم أصلا. ثم كثر ذلك حتى قيل، أصل كل شيء، ما يستند وجود ذلك الشيء إليه، فالأب أصل للولد، والنهر أصل للجدول.
وأما الثاني: فالأصلة جنس من الحيات، وهو أخبثها، وقيل: حية عظيمة قصيرة الجسم، تَثِبُ على الفارس فتقتله.
وأما الثالث: فزمان من النهار، يسمى: أصيلا، وهو العشي ٢، أو ما بعد العشي ٣، والمشهور أنه ما بعد صلاة العصر إلى الغروب ٤، قال أبو ذؤيب:
_________________
(١) ١ ينظر: مقاييس اللغة (أصل) ١/١٠٩، واللسان (أصل) ١١/١٦-١٨، والمصباح المنير (أصل) ١٦. ٢ ينظر: تهذيب اللغة (أصل) ١٢/٢٤٠. ٣ ينظر: مقاييس اللغة (أصل) ١/١١٠. ٤ ينظر: المصباح المنير (أصل) ١٦.
[ ١ / ٣٣ ]
َعَمْرِي لأنتَ البَيْتُ أُكْرِمُ أَهْلَهُ وَأَقْعُدُ فِي أَفْيَائِهِ بِالأَصَائِلِ١
ومن العسير إعادة هذه المعاني المتباينة إلى معنى واحد مشترك، وهذا ما يجعلنا نميل إلى أنها لغات.
أما الأصول في اصطلاح اللغويين والصرفيين، فلا تبتعد عن المعنى اللغوي الأول لمادة (أص ل) فالأصل هو الحرف: الذي يلزم في بناء الكلمة ٢ لفظا أو تقديرا، قال ابن مالك في تعريفه:
وَالْحَرْفُ إن يَلْزَمْ فَأَصْلُ والذِّي لا يَلْزَمُ الزَّائدُ مَثلُ (تا) احتُذِي٣
وقد اعْتُرِضَ عليه بأن هذا التعريف غير جامع للأصول٤، لأنه لا يجمع أفراد المعرف كلها، إذ يخرج عن ذلك، نحو: (وَعَدَ) وواوه أصل، وتسقط في بعض تصاريف الكلمة لعلة، كـ (عِدَةٍ) و(يَعِدُ) .
_________________
(١) ١ ينظر: شرح أشعار الهذليين ١/١٤٢ وفيه (أكرِمَ) بالبناء للمجهول، وفي المقاييس (أصل) ١/١١ (أكرِمُ)، وكذلك في اللسان (أصل) ١١/١٦، وهو أقرب، لما بعده. ٢ ينظر: شرح ابن الناظم ٨٢٦، وشرح المرادي ٥/٢٣٣. ٣ ينظر: الخلاصة ٣٧٦ (ضمن مجموع مهمات المتون)، وينظر: شرح ابن الناظم ٨٢٦، وكاشف الخصاصة ٣٩٨. ٤ ينظر: شرح المرادي ٥/٢٣٣.
[ ١ / ٣٤ ]
ويمكن دفع هذا الاعتراض بأن المراد باللزوم: لفظًا أو تقديرًا، إذ الفاء في: (عِدَةٍ) والعين في: (قُلْ) واللام في (لُغَةٍ) ونحو ذلك أصول على الرغم من سقوطهن في بعض التصاريف، والساقط لعلة تصريفية كالثابت ١. ويتلخص من ذلك أن الأصول هي: الحروف التي تلزم في جميع تصاريف الكلمة، فتكون موجودة تحقيقا أو تقديرا.
فالموجودة تحقيقا كحروف (أَكَلَ) و(دَحْرَجَ) و(سَفَرْجَل) والموجودة تقديرا هي التي تسقط لعلة تصريفية، كفاء (سِمَةٍ) وهي الواو، وعين (بِعْ) وهي الياء، ولام (سُفَيْرِج) و(سَفَارِج) وهي اللام٢، والفاء واللام في قولك (قِ نفسك عذاب النار) وهما الواو والياء، ونحو ذلك.
وترد كلمة (جُذُورٍ) مرادفة لـ (أُصُولٍ) في معناها اللغوي٣ والاصطلاحي، وبخاصة عند اللغويين المتأخرين٤، فيقال جَذْرُ الكلمة، بمعنى: أصلها.
_________________
(١) ١ ينظر: بلوغ الأرب في الواو المزيدة في كلام العرب ٤٥،٤٦. ٢ ينظر: الخصائص ٢/٢٩٦. ٣ ينظر: اللسان (جذر) ٤/١٢٣. ٤ ينظر: إحصائيات جذور معجم لسان العرب ٥، ودراسة إحصائية لجذور معجم تاج العروس ٨، وعلم اللغة العربية ٢٠٨.
[ ١ / ٣٥ ]
وللكلمة العربية أصل واحد فحسب، فلا يكون لها أصلان فأكثر، ويدل على ذلك دليلان:
أما الأول: فإن الأصل لا يستحق أن يكون أصلا، ويتصف بهذه الصفة إلا إذا تفرّد، فإن الشيء الواحد ليس له إلا أصل واحد.
أما الثاني: فإنك ترى باستقراء ما ظهر اشتقاقه في العربية أن الكلمة الواحدة تعود إلى أصل واحد، فأصل الكتاب (ك ت ب) والاجتهاد (ج هـ د) والتناصح (ن ص ح) وهكذا، وهو أكثر اللغة، ويزيد على تسعة أعشارها، ولا تجد كلمة واحدة من ذلك آلت إلى أصلين. ومن هنا فينبغي أن يحمل ما قل وخفيت أصوله على ما كثر وظهرت أصوله. وإذا وُجدت كلمتان متحدتان في المعنى، ومتشابهتان في أكثر الحروف، فلا تخلوان من أحد أمرين:
أولهما: أن تكونا من أصل واحد، وقد طرأ عليهما أو على أحدهما تغيير صوتي أو بنائي، بسبب القلب، أو الإعلال، أو الإبدال، أو الهمز، أو التسهيل، أو نحو ذلك.
وثانيهما: أن تكونا من أصلين مختلفين، وهما من قبيل الترادف، ولا يصح الوجهان معا، بل لا بد أن يكون أحدهما – في نهاية الأمر – هو الصواب، وإن خفي ولم يوصل إليه.
[ ١ / ٣٦ ]
وينبغي التنبيه على التزام الحذر عند الترجيح – مع الاعتراف بصعوبة ذلك – فلا يُقطع به من غير دليل قوي. وأقل ما تكون عليه أصول الكلمة المتصرفة ثلاثة أحرف؛ حرف يبتدأ به، وحرف يوقف عليه، وحرف يحشى به، وهو الكثير، وهذا مشترك بين الأسماء والأفعال، وأكثر ما تكون عليه الكلمة خمسة أحرف، وهو خاص بالأسماء، وذلك قليل، وأما ما جاء من الكلمات المتصرفة على حرفين أو حرف واحد فمما سقط بعض حروفه، وما جاء على أكثر من خمسة أحرف ففيه زيادة. وهذا مذهب الجمهور من اللغويين والصرفيين النحاة.١
_________________
(١) ١ ينظر: العين ١/٤٨،٤٩، والأصول ٣/١٧٩، والوجيز في علم الصرف ٢٧، والملخص في ضبط قوانين العربية ٢/٢٥٣، وشرح الكافية الشافية ٤/٢٠١٣،٢٠١٤، والمساعد ٤/٣٠، وشرح مختصر التصريف العزي للتفتازاني ٢٨.
[ ١ / ٣٧ ]
المبحث الثاني: التَّداخُل
التداخل (تَفَاعُل) من مادة (د خ ل) وهي أصل مطرد؛ وهو الولوج١.ويقال: فلان دخيل في بني فلان: إذا كان من غيرهم٢،ودخيل الرجل: الذي يداخله في أموره٣، والدخيل - أيضًا - الضيف والنَّزيل؛ لدخوله على المضيف٤. والجامع بين هذه المعاني المختلفة معنىً عام؛ وهو ولوج شيءٍ في غيره.
والتداخل في الاصطلاح من ذلك المعنى اللغوي العام؛ وهو دخول أصل لغوي (جذر) في أصل آخر؛ مما قد يؤدي إلى صعوبة تمييز الأصل الأول من الثاني، أو الداخل من المدخول عليه.
ومن هنا استخدمت صيغة التفاعل (التَّدَاخُل) لتدل على المشاركة. ومثال التداخل: (الأَوْتَكُ) ٥ وهو نوع من التمر، يتوارد عليه أصلان؛ هما (وت ك) و(أت ك) فيتداخلان.
_________________
(١) ١ ينظر: مقاييس اللغة (دخل) ٢/٣٣٥. ٢ ينظر: الجمهرة ١/٥٨٠. ٣ ينظر: الصحاح (دخل) ٤/١٦٩٧. ٤ ينظر: اللسان (دخل) ١١/٢٤٢. ٥ ينظر: اللسان (وتك) ١٠/٥٩، ويقال له أيضًا: الأوتكى والأوتكان.
[ ١ / ٣٨ ]
ومن أوائل من فطن إلى هذا المعنى الاصطلاحي إمام العربية ابن جني؛ وهو أول من استخدم عبارة (تَدَاخُلِ الأُصُولِ) فيما وصل علمي إليه؛ إذ عقد بابًا لذلك عنوانه: (باب في تداخل الأصول الثلاثية والرباعية والخماسية) ١ وذكر جملة من أمثلته، وبحث في أصولها، ولكنه بحث التداخل من جانب واحد فحسب. فتداخل الأصول؛ الذي أعنيه في هذا البحث؛ ذو شقين:
أحدهما: أن يتوارد أصل أو أكثر على كلمة؛ مما يؤدي إلى التداخل مع أصلها الحقيقي؛ فيلتبس الأصلان أو الأصول؛ كـ (المكان) يتوارد عليه أصلان؛ فيتداخلان؛ وهما (م ك ن) و(ك ون) ويتوارد على (الترقوة) - وهي القَلْت بين العنق ورأس العضد - ثلاثة أصول؛ فتتداخل؛ وهي (ر ق و) و(ر ق ي) و(ت ر ق) وهذا هو الشق الأكبر من (تداخل الأصول) .
أما الشق الثاني من التداخل؛ - وهو أقل كثيرًا من سابقه - فهو ما عناه ابن جني؛ وهو: أن يتشابه الأصلان في الحروف أو في أكثرها مع اتفاقهما في المعنى؛ كـ (رَخْوٍ) و(رِخْوَدٍّ) ٢، و(ضَيَّاطٍ)
_________________
(١) ١ ينظر: الخصائص ٢/٤٤-٥٥. ٢ الرَّخْود: اللين؛ وهو من الرجال: اللين العظام، وهو كالرخو. ينظر: اللسان (رخو) ٣/١٧٢.
[ ١ / ٣٩ ]
و(ضَيْطار) ١، و(دَمِثٍ) و(دِمَثْرٍ) ٢ فيظن من أنهما أصل واحد؛ وهما أصلان مختلفان؛ على مذهب المحققين من اللغويين. وقد وضّح ابن جني مراده في ذلك بقوله عن التداخل في الثلاثي: "أن تجد الثلاثي على أصلين متقاربين، والمعنى واحد، فههنا يتداخلان، ويوهم كل واحد منهما كثيرًا من الناس أنه من أصل صاحبه؛ وهو - في الحقيقةـ من أصل غيره".٣
وقال عن تداخل الثلاثي بالرباعي: "فأما تداخل الثلاثي والرباعي لتشابههما في أكثر الحروف فكثير؛ منه قولهم: سَبِطٌ وسِبَطْرٌ ٤؛ فهذان أصلان لا محالة؛ ألا ترى أن أحدًا لا يدعي زيادة الراء) ٥.
وقال عن تداخل الرباعي والخماسي: "وأما تزاحم الرباعي مع الخماسي فقليل؛ وسبب ذلك قلة الأصلين جميعًا؛ فلما قلاّ قَلّ ما يعرض من هذا الضرب فيهما"٦.
_________________
(١) ١ الضّيّاط: العظيم الجنبين، ومثله الضيطار. ينظر: اللسان (ضطر) ٤/٤٨٨ و(ضيط) ٧/٣٤٥. ٢ الدمث والدمثر: السهل اللين. ينظر: اللسان (دمث) ٢/١٤٩ و(دمثر) ٤/٢٩١. ٣ الخصائص ٢/٤٤. ٤ السبط والسبطر: السريع الممتد. ينظر: اللسان (سبطر) ٤/٣٤٢. ٥ الخصائص ٢/٤٩. ٦ الخصائص ٢/٥٥.
[ ١ / ٤٠ ]
ومما يُلْحظ في بعض نصوص ابن جني أنه يستعمل كلمة (تَزَاحُم) بمعنى (تَدَاخُل) مرادفة لها.
وهذا الشق من التداخل الذي ذكره ابن جني - على قلته - يمكن إدخاله في الشق الأول؛ فيُنظَرُ إلى التداخل من جهة واحدة؛ فهو يقول: إن (سَبِطا وسِبطرًا) يتداخلان؛ وهما أصلان مختلفان؛ فيقال - حينئذ - إن (سِبَطرًا) يتوارد عليه أصلان فيتداخلان؛ وهما: (س ب ط) و(س ب ط ر) وكذلك (رِخْوَدٌّ) يتوارد عليه أصلان فيتداخلان؛ وهما (ر خ د) و(ر خ و) ١ وهكذا يمكن توجيه ما ذكره ابن جني، فالمآل واحد. نعم؛ وثَمَّةَ كلمات كثيرة تتداخل أصولها عند اللغويين؛ فكلمة (أُفْنُون) وهو الغصن المُلتفّ، والجري المختلط، والكلام المُثبّج - يتداخل أصلها بغيره؛ فيتوارد عليها أصلان، هما: (ف ن ن) و(أف ن) فهي (أفْعُول) أو (فُعْلُول) ٢ وكلمة (البُرْهَان) - بمعنى البيان - يتداخل فيها أصلان: (ب ر هـ ن) و(ب ر هـ) .٣
_________________
(١) ١ الخصائص ٢/٤٩. ٢ ينظر: الكتاب ٤/٢٤٦، والارتشاف١/٢٣، والمزهر ٢/٨. ٣ ينظر: الجمهرة ٣/١٢٣٨، واللسان (برهن) ١٣/٥١ و(بره) ١٣/٤٧٦.
[ ١ / ٤١ ]
وربما تتداخل أصول ثلاثة، فتتوارد على كلمة واحدة، فكلمة الملائكة يتوارد عليها ثلاثة أصول١: (ل أك) و(أل ك) و(م ل ك) .
ومثل ذلك (المُعَار) في قول الشاعر:
أَعِيرُوا خَيْلَكُمْ ثُمَّ اركِضُوهَا أَحَقُّ الخَيْلِ بالرَّكْضِ المُعَارُ٢
وهو السمين المُضَمّر، أو المنتوف الذّنَب، فتتوارد عليه ثلاثة أصول؛ هي: (ع ور) ٣ و(ع ي ر) ٤ و(م ع ر) ٥. وربما تتداخل أصول أربعة فتتوارد على كلمة واحدة، فمن ذلك لفظ الجلالة (الله) يتوارد عليه٦: (أل هـ) و(ول هـ) و(ل وهـ) و(ل اهـ ا) والأخير من (لاها) بالسريانية أو العبرانية.
_________________
(١) ١ ينظر: المنصف ٢/١٠٢، والمقتصد في شرح التكملة ٢/٨٢٣،٨٢٤، وشرح الشافية للرضى ٢/٣٤٦، واللسان (ألك) ١٠/٣٩٣ و(لأك) ١٠/٤٨٢ و(ملك) ١٠/٤٩٦. ٢ ينظر: التكملة والذيل والصلة (عور) ٣/١٣٢. ٣ ينظر: التكملة والذيل والصلة ٣/١٣٢. ٤ ينظر: اللسان ٤/٦٢٦. ٥ ينظر: اللسان ٥/١٨٠. ٦ ينظر: المقاييس ١/١٢٧، والمخصص ١٧/١٣٤-١٥١، وسفر السعادة ١/٥-١٤، وموطئة الفصيح ٥ب،٦أ، وعناية القاضي١/٥٠-٦٢.
[ ١ / ٤٢ ]
وكذلك الذُّرِّيّة يتوارد عليها أصول أربعة؛ وهي (ذ ر أ) و(ذ ر ر) و(ذ ر و) و(ذ ر ى) ١.
وتداخل الأصول يختلف من كلمة إلى أخرى؛ فمنها ما هو شديد الوضوح، ومنها ما هو شديد الخفاء والغموض. والذي يدل على خفاء بعض الأصول وتداخلها تردد بعض العلماء في أصولها؛ فـ (مَنجَنُون) وهو الدَّولاب (فَعْلَلُول) عند سيبويه، ولكنه ذكر بعد بضعة أسطر أنه (فَنْعَلُول) ٢.
وتردد الصّغاني في أصل (الحَدَلَّق) - وهو القصير المجتمع - حيث نقل عن ابن دريد أنه (فَعَوْلل) ٣ فقال الصّغاني: "فإن كانت اللام أصلية فهذا موضِعُ ذِكْرِه٤، وإن كانت زائدة فموضع ذكره قبل هذا التركيب بتركيب" ٥.
_________________
(١) ١ ينظر: معاني القرآن للزجاج ١/٣٩٩، والمحتسب ١/١٥٦-١٦٠، والصحاح (ذرأ) ١/٥١، والبحر المحيط ١/٣٧٢، والدر المصون ٢/١٠١. ٢ ينظر: الكتاب ٤/٢٩٢. ٣ ينظر: الجمهرة ٢/١١٨٨، وفيه أنه (الحَدَوْلق) بالواو، وهو يوافق الوزن الذي ذكره الصغاني. ٤ يعني (حدلق) . ٥ التكملة (حدلق) ٥/٢٥.
[ ١ / ٤٣ ]
ويدل على ذلك - أيضًا - كثرة ما يوجد من الهفوات أو السهو فيه لجلِّة العلماء؛ ألا ترى ما حكي عن أبي عبيد القاسم بن سلام من أنه قال في (مَنْدُوحَة) من قولك: ما لي عنه مندوحة؛ أي: متسع: إنها مشتقة من (انداحَ)؟ ١
قال ابن عصفور:"وذلك فاسد؛ لأن (انداح): (انفَعَلَ) ونونه زائدة، ومَنْدُوحة: (مَفْعُولة) ونونه أصلية؛ إذ لو كانت زائدة لكانت (مَنفُعْلَة) وهو بناء لم يثبت في كلامهم؛ فهو على هذا مشتق من النَّدْحِ؛ وهو جانب الجبل وطرفه؛ وهو إلى السَّعَة"٢.
ومن ذلك أن المازني سأل ابن السكيت في مجلس المتوكل بقوله: "يا أبا يوسف، ما وزن (نَكْتَل) من قوله تعالى: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ﴾ ٣؟ " قال له: " (نَفْعَل) ". قال ابن سيده - في تمام الرواية: "وكان هنالك قوم قد علموا هذا المقدار؛ ولم يؤتوا من حظ يعقوب - في اللغة - المِعشار، ففاضوا ضحكًا، وأداروا من الهزء فَلَكًا، وارتفع المتوكل؛ فخرج السّكّيتي والمازني؛ فقال ابن السكيت: "يا أبا عثمان؛ أسأت عِشْرتي، وأَذْوَيْتَ
_________________
(١) ١ ينظر: التهذيب (ندح) ٤/٤٢٤. ٢ الممتع ١/٢٩. ٣ سورة يوسف: الآية ٦٣.
[ ١ / ٤٤ ]
مَشْرَتي".١ فقال له المازني: "والله ما سألتك عن هذه حتى تحققت أني لم أجد أدنى محاولًا، ولا أقرب منه متناولًا".٢
ولا شك - عندي - أن ذلك سهو من أبي يوسف؛ كأنه اشتق (نَكْتَل) من (ك ت ل) وهي من (ك ي ل) . وجواب ما سأل عنه أبو عثمان أن يقال: (نَفْتَلْ) مضارع (افْتَعَل) من (اكتال) حُذفت عينه بسبب التقاء الساكنين عند جزم الفعل.
وذهب ثعلب في قولهم: (أُسْكُفُّةُ الباب) إلى أنها من قولهم: اسْتَكَفّ؛ أي: اجتمع. قال ابن جني: "وهذا أمر ظاهر الشناعة؛ وذلك أن أُسْكُفَّةً: (أُفْعُلّة) والسين فيها فاء، وتركيبه من (س ك ف) وأما اسْتَكفّ، فسينه زائدة؛ لأنه (اسْتَفْعَل) وتركيبه من (ك ف ف) فأين هذان الأصلان حتى يُجمعا، ويدانى من شملهما؟ ولو كانت أُسْكُفَّة من: اسْتَكَفّ لكانت (أسْفُعْلَة) "٣ وهذا لا نظير له.
ومن ذلك ما ذكره عبد القاهر الجرجاني، بقوله: "وأما ذكر ابن دريد: المَلَك في تركيب (م ل ك) فلا اعتداد به؛ لأنه قد ذكر - أيضًا ـ:
_________________
(١) ١ أذوى بمعنى أيبس وأذبل، والمَشْرة: النظارة والحسن، أو الكُسْوَة. ينظر: اللسان (مشر) ٥/١٧٤، و(ذوا) ١٤/٢٩٠. ٢ المحكم ١ /٤. ٣ الخصائص ٣/٢٨٤.
[ ١ / ٤٥ ]
-: لِثَة مع: ثَهْلان ورِعَة مع: عاهر، وغير ذلك؛ مما هو من تصريف الصّبيان".١ هكذا قال الشيخ عبد القاهر، وعندي أن ذلك لم يكن لقلة ما في اليد؛ بل وقع - ومثله كثير في الجمهرة - لأسبابٍ منها: أن ابن دريد أملى الجمهرة إملاء من حفظه من دون مراجعة؛ فكانت الكلمات تنثال، والأصول تتزاحم؛ فتتداخل، وربما صحّف المستملي، أو حرّف، أو كتب غير ما سمع، فتحمل أبو بكر وِزْرَ ذلك. على أن أعجب ما وقفت عليه مما يتصل بالتداخل جعْل أبي الحسن كُراع النمل حرف العين من (دعق) في قولهم: (دَعَقَتِ) الدابةُ الطريقَ (دَعْقًا) زائدة٢ فيكون الأصل (د ق ق)؛ وهو مما لا يقول به أحد من المتقدمين؛ لأنه يخالف ما انتهوا إليه في الأصول.
وبالجملة فإن (تداخل الأصول) لا يخرج عن قسمين:
أولها: التداخل في البناء (الأصل) الواحد؛ كتداخل الثلاثي بالثلاثي، والرباعي بالرباعي، والخماسي بالخماسي.
_________________
(١) ١ المقتصد في شرح التكملة ٢/٨٣٣. ٢ المنتخب ٢/٧٠٠، وقد علّق محققه الدكتور/ محمد أحمد العمري عليه بأن العين في (دعق) أصلية، وقال: "وفي هذا المثال ونحوه نرى تكلف المصنف ﵀ ".
[ ١ / ٤٦ ]
وثانيهما: التداخل بين بناءين (أصلين) مختلفين؛ كتداخل الثلاثي بالرباعي، والثلاثي بالخماسي، والرباعي بالخماسي. وهذا سبيل حصر الظاهرة في إطارها العام؛ بحيث لا يَتخلّف من جوانبها المختلفة شيء - إن شاء الله - وهو ما يأتي تفصيله في البابين الثاني والثالث.
وثَمَّةَ نوع من التداخل شاع ذكره عند اللغويين والصرفيين، وأعني به: تداخل اللغات، ويسمى - أيضًا - تَرَكّب اللغات، وقد عقد له ابن جني بابًا١؛ وذكر له أمثلةً منها ما جاء على فَعِلَ يفْعَلُ؛ نحو: نَعِمَ ينعُمُ، وفَعَلَ يَفْعَلُ؛ مما ليس حلقي العين أو اللام؛ نحو: قَلَى يَقْلَى، ورَكَنَ يَرْكَنُ؛ وأخرج ابن جني ذلك من الشذوذ، وعزاه إلى تداخل اللغات وتركبها؛ بقوله: "واعلم أن أكثر ذلك وعامته إنما هو لغات تداخلت فتركّبت".٢
ويوضح حال التداخل في ذلك بقوله: "قولهم: قَنَطَ يَقْنَطُ إنما هو لغتان تداخلتا؛ وذلك أن قَنَطَ يَقْنِطُ لغة، وقَنِطَ يَقْنَط أخرى؛ ثم تداخلتا؛ فتركبت لغة ثالثة".٣
_________________
(١) ١ الخصائص ١/٣٧٤-٣٨٥. ٢ الخصائص ١/٣٧٥. ٣ الخصائص ١/٣٨٠.
[ ١ / ٤٧ ]
ولا يخفى أن مثل هذا النوع من التداخل ليس من (تداخل الأصول) في شيء؛ فلا سبيل له إلى هذا البحث؛ الذي يدور على الحروف؛ وهي الأصول وعليها مدار بناء المعجم العربي، أما تداخل اللغات فمداره على الحركات.
وثَمَّةَ علاقة بين تداخل الأصول وتداخل اللغات؛ وهي أن تداخل الأصول قد يؤدي إلى تداخل اللغات؛ لا سيما في الأجوف، أو الناقص، أو مهموز اللام؛ في الثلاثي؛ كما سيأتي بيانه في الباب الرابع - إن شاء الله.
[ ١ / ٤٨ ]
المبحث الثالث: المعجم
المعجم اسم مفعول على القياس، أو مصدر بمنزلة الإِعْجَام١ من (أعجم) وتدلّ مادّة عجم على ثلاثة معان؛ كما يقول ابن فارس، وهي:
١- السكوت والخفاء.
٢- الصّلابة والشّدّة.
٣- العضّ والمذاقة والمضغ.٢
فأولها (الرجل الذي لا يُفصح؛ وهو أَعْجَمُ، والمرأة عَجْمَاء: بيِّنة العُجْمَة؛ قال أبو النَّجْم:
أَعْجَمُ في آذَانِها فَصِيحا٣
ويُقال عجم الرجل؛ إذا صار أَعْجَمَ، ويُقال للصبيّ ما دام لا يتكلم ولا يفصح: صَبِيّ أَعْجَمُ، ويقال صلاة النهار: عَجْمَاء؛ إنما أراد أنه لا يجهَرُ فيها بالقراءة.٤
_________________
(١) ١ ينظر: سر الصناعة ١/٣٥. ٢ ينظر: المقاييس (عجم) ٤/٢٣٩. ٣ ديوانه ٨٤، وينظر: التهذيب ٤/٢٥٣. ٤ ينظر: المقاييس (عجم) ٤/٢٣٩،٢٤٠.
[ ١ / ٤٩ ]
أما الثّاني، فالعَجَمُ نَوَى التَّمْر والنَّبِق، والعَجَمَات الصخور الصِّلاب.١
أما الثالث، فالعَجْمُ: عَضٌّ شديد بالأضراس دون الثنايا، وعَجَمَه يعجُمُه: عَضَّه؛ ليعلم صلابَتَه من خَوَرِه.٢
ولم تكن دلالة (معجم) في الاصطلاح محددة على النحو الذي استقرت عليه عند المعجميين المتأخرين؛ فقد اختلفت توجيهات علماء العربية لمعنى (معجم) فهي - عند أكثرهم - تدّل على حروف الهجاء.
يقول الخليل: "المعجم حروف الهجاء المُقطّعة؛ لأنها أعجمية. وتعجيم الكتاب: تنقيطُهُ؛ كي تستبين عُجمته".٣
وروى الأزهري أن أبا العباس المُبرِّد سئل عن حروف المعجم:لم سُمّيت معجمًا؟ فقال: أمّا أبو عمرو الشيباني فيقول: أُعْجِمَتْ: أُبهمت٤. وأمّا الفرّاء فيقول: "هو من أعجمتُ الحروف"٥.
_________________
(١) ١ ينظر: اللسان (عجم) ١٢/٣٩١. ٢ ينظر: اللسان (عجم) ١٢/٣٩٠. ٣ العين (عجم) ١/٢٣٨. ٤ ينظر: التَّهذيب (عجم) ١/٣٩١. ٥ ينظر: التَّهذيب (عجم) ١/٣٩١.
[ ١ / ٥٠ ]
وروى الأزهري عن أبي العباس قوله١: "وسمعت أبا الهيثم يقول: مُعْجَم الخطِّ هو الذي أعجمه كاتبه بالنقط. تقول: أعجمتُ الكتابَ أُعْجِمُهُ إعجامًا".
وقال ابن فارس٢: "والذي عندنا -في ذلك- أنه أريد بحروف المعجم حروف الخط المُعْجَم، وهو الخط العربي؛ لأنا لا نعلم خطًا من الخطوط يُعجم هذا الإعجام؛ حتى يدل على المعاني الكثيرة".
ويربط بين المعنى اللغوي والاصطلاحي بقوله: "فأما أنه إعجام الخط بالأشكال فهو عندنا يدخل في باب العضِّ على الشيء؛ لأنه فيه؛ فسمي إعجامًا؛ لأنه تأثير فيه يدل على المعنى"٣.
ولعل خير توجيه لذلك ما ذكره ابن جني، وفصله في كتاب (سر الصِّناعة) ٤ وحاصله أن المعجم مصدر بمنْزِلة (الإعجام) كما تقول: أدخلته مدخلًا؛ فكأنهم قالوا: هذه حروف الإعجام؛ من باب إضافة المفعول إلى المصدر؛ أي من شأنها أن تُعجم.
_________________
(١) ١ التَّهذيب (عجم) ١/٣٩١. ٢ المقاييس (عجم) ٤/٢٤١. ٣ المقاييس (عجم) ٤/٢٤١. ٤ ١/٣٣-٤٠.
[ ١ / ٥١ ]
ولما كان معنى مادة (عجم) موضوعًا للإبهام والخفاء ونحوه؛ فإن معنى (أعجَمَ) أفاد الوضوح؛ بفضل همزة السلب والنفي؛ كما يقال: أَشْكَيْتَ زيدًا: إذا أزلتَ شكواه، وأشكلتَ الكتابَ: أَزَلْتَ عنه إِشكاله. وقد سبق علماءُ الحديث علماءَ العربية في استخدام كلمة (معجم) أو إطلاقها على بعض مصنفاتهم١ فقد ذكر الإمام البخاري (ت٢٥٦هـ) بابًا بعنوان: (باب تسمية من سمي من أهل بدر على حروف المعجم) .
ومن المصنفات: (معجم الصحابة) لأبي يَعْلى التميمي (ت ٣٠٧هـ) و(المعجم الكبير) و(المعجم الصغير) وكلاهما للبغوي المعروف بابن بنتِ مَنيع (ت ٣١٧هـ) و(معجم الشيوخ) لأبي الحسين عبد الباقي ابن قانع البغدادي (ت ٣٥١هـ) و(المعجم الأوسط) و(المعجم الكبير) وهما للطبراني (٣٦٠هـ) . ونجد من كتب الأدب (معجم الشعراء) للمرزُباني (٣٨٤هـ) .
وفي البلدان (معجم ما استعجم) للبَكري (ت ٤٨٧هـ) و(معجم البلدان) لياقوت الحموي (ت٦٢٦هـ) .
_________________
(١) ١ ينظر: المعجم العربي لحسين نصار:١٣، والمعاجم العربية: مدارسها ومناهجها ٩،١٠، والمعاجم العربية دراسة تحليلية ١٦.
[ ١ / ٥٢ ]
ولم يؤثر عن اللغويين المتقدمين استخدام كلمة (معجم) في تسمية مصنفاتهم، سوى أبي هلال العسكري (ت ٣٩٥هـ) في معجمه الخاص الصغير، المسمى (المعجم في بقية الأشياء) ١ ولا يعرف –على وجه التحديد- متى أطلق مصطلح (معجم) على المعاجم العربية.
يقول الدكتور حسين نصار: "وليس ببعيد أن يطلق عليها في الوقت السابق نفسه؛ لاشتراكهما مع الكتب السابقة في الترتيب على حروف المعجم؛ فالدلالة الملاحظة في الاسم هي الترتيب لا الجمع"٢.
وغير بعيد –عندي- أن يكون السبب في إحجام اللغويين عن إطلاق كلمة (معجم) على معجماتهم هو سبقُ علماء الحديث إلى استخدام التسمية في كتبهم، وارتباطها بأسماء الرجال والطبقات وأنه لذلك استخدمها المرزوباني وياقوت في طبقاتهما. ولعل اللغويين رأوا أن التسمية اختصت بغيرهم، وبنوع من التصنيف غير ما هم فيه؛ فرغبوا عنها.
وبالجملة؛ فإن الذي استقر عليه مصطلح (معجم) عند اللغويين المتأخرين -ومنهم المعاصرون- أن المعجم: كتاب يضم قدرًا من ألفاظ
_________________
(١) ١ حققه الأستاذان: إبراهيم الأبياري، وعبد الحفيظ شلبي، ونشرته دار الكتب المصرية سنة ١٣٥٣هـ – ١٩٤٣م. ٢ المعجم العربي١٤.
[ ١ / ٥٣ ]
اللغة مرتبةً على نمطٍ معين، ومشروحةً شرحًا يزيل إبهامها، ومضافاُ إليها ما يناسبها من المعلومات١. أما نشأة المعجم العربي فكانت إبّان تدوين ألفاظ العربية؛ في النصف الثاني من القرن الأول الهجري. ثم مرَّ المعجم بمراحل متدرجة؛ حتى نضج واكتمل؛ وهي خمس مراحل تُسْلِمُ كلُّ مرحلة منها إلى ما يليها، مع وجود شيء من التداخل بينها:
المرحلة الأولى: مرحلة التفسير الشفوي:
تُؤرَّخُ هذه المرحلة ببدء نزول القرآن الكريم، الذي يعد الأساس لأكثر علوم العربية، ومنها علم المعاجم العربية. لقد أثار القرآن الكريم كوامن الفكر العربي، وأيقظ النشاط فيه، ولما كانت الكتابة غير شائعة بين العرب، اعتمدوا – في نشاطهم الجديد - على المشافهة والحفظ في الصدور. وتتمثّل نواة المعجم العربي في تفسير الرسول -ﷺ- وصحابته الكرام –رضوان الله عليهم- القرآنَ الكريم، ثم الحديث النبوي الشريف. وقد كان النبي - ﷺ - يفسر غريب القرآن لصحابته؛ لا سيما ما لم يكن مألوفًا من الألفاظ أو المعاني؛ كسؤال عديّ
_________________
(١) ١ ينظر: مقدمة الصحاح للعطار٣٨،والمعاجم العربية المجنسة١٤، والمعاجم اللغوية٧.
[ ١ / ٥٤ ]
ابن حاتم -﵁- رسولَ الله -ﷺ- عن معنى (الخيطِ الأبيض والخيط الأسود) في قوله ﷿ وجل: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ ١وغير ذلك كثير.
وقد أثر عن بعض الصحابة تفسيرهم غريب القرآن، وكان لعلي بن أبي طالب - ﵁ - قدمٌ راسخةٌ في ذلك٢.
على أن ابن عباس -﵄- (ت ١٥هـ) يُعَدُّ الأساس- في تلك المرحلة- لنشأة المعجم العربي؛ فقد اختصَّ بتفسير غريب القرآن؛ حتى سمي بـ (ترجمان القرآن) ٣ وتُعَدُّ سؤالات نافع بن الأزرق؛ التي أجاب عنها ابن عَبَّاس؛ مستدلًا بشعر العرب نواةَ المعجم العربي وطليعته.
ولابن عباس -﵄- من الآثار٤ التي وصل علمنا إليها ونُسِبَت إليه؛ مما يمكن إدراجه ضمن الرسائل المعجمية الصغيرة
_________________
(١) ١ ينظر: سورة البقرة: الآية ١٨٧. ٢ ينظر: البرهان في علوم القرآن١/٨. ٣ ينظر: البرهان في علوم القرآن ١/٨. ٤ ينظر: المعجم العربي لحسين نصار٧٣.
[ ١ / ٥٥ ]
الخاصة: (لغات القرآن) و(غريب القرآن) ١ وكلاهما –إن صَحّت نسبته إلى ابن عباس- روي عنه رواية ٢.
المرحلة الثانية: مرحلة الجمع العامّ:
وهو جمع اللغة بشكل غير منظّم، أو جمعها في سياقاتها المختلفة.
وتؤرخ هذه المرحلة بأواخر القرن الأول وأوائل القرن الثاني، وفيها ظهر الاعتماد على الكتابة، إلى جانب المشافهة القائمة على الحفظ. وعُرِفَتْ -في هذه المرحلة- رواية اللغة، ومن أشهر رواتها: أبو البَيْدَاء الرِّياحيّ، وأبو الدُّقيش، وأبو عُمَر بن كِرْكِرَة، وأبو خَيْرَة العَدَوي، وكان الراوية يشافه الأعرابَ في البادية؛ فيدوّن ما سَمِعَ من لغةٍ عامةٍ؛ لا ينتظمها ترتيبٌ سوى ترتيب السماع.
المرحلة الثالثة: مرحلة تأليف الرسائل الخاصّة:
وفي هذه المرحلة بدأ تجريد اللغة من سياقاتها المختلفة، وتدوينها وَفْقَ نُظُمٍ معينة؛ في إطار المعاني والموضوعات؛ فظهرت رسائلُ صغيرة في النبات، والحشرات، واللِّبا واللَّبن، والطير، والنحل والعسل، وغير ذلك.
_________________
(١) ١ ينظر: تاريخ الأدب العربي لبروكلمان٤/٨، المعجم العربي لحسين نصار٣٩. ٢ ينظر: ابن عباس مؤسس علوم العربية٩٤.
[ ١ / ٥٦ ]
وممن ألَّف في هذا الفن: أبو زيد الأنصاري (ت ٢١٥هـ) والأصمعيّ (ت ٢١٥هـ) وابن الأعرابي (ت ٢٣١هـ) والنَّضر بن شُمَيل (ت ٢٤١هـ) .
المرحلة الرابعة: مرحلة معاجم المعاني والموضوعات العامّة:
وقامت هذه المرحلة على ما أُلِّف في المرحلة السابقة من رسائل لغوية، فقد عَكَفَ بعض العلماء على جميع تلك الرسائل؛ وتصنيفها في معاجم مُطوّلة؛ بحسب المعاني والموضوعات؛ كما فعل أبو عبيد القاسم بن سلاَّم (ت ٢٢٤هـ) في (الغريب المصَنَّف) وابن السِّكِّيت (ت ٢٤٤هـ) في (الألفاظ) وكُراعٌ (ت ٣١٠هـ) في (المُنتخب) . واستمرت هذه المرحلة مواكبة للمرحلة التالية، فألَّف فيها علماءُ في القرن الخامس؛ كالثعالبي (ت٤٢٩هـ) في (فقه اللغة) وابن سيدةَ (ت٤٥٨هـ) في (المخصص) .
[ ١ / ٥٧ ]
المرحلة الخامسة: مرحلة معاجم الألفاظ:
وهي مرحلة المعاجم المجنسة المطولة، وتُعدُّ امتدادًا طبعيًا لما قبلها؛ فقد نهض جماعة من العلماء بعبءِ تصنيف ما وقفوا عليه من رسائلَ لغوية، ومعاجم مطولة في المعاني والموضوعات؛ ليسهل على القارئ الرجوع لمبتغاه فيها. على أنّ ما يعكِّرُ صفو هذا التسلسل المطّرد أن رائد المعجم العربي –بعامة- ومعاجم الألفاظ -بخاصّة- الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت ١٧٥هـ) قد سبق مرحلته؛ بل سبق المرحلة التي قبلها. ويمكن توجيه ذلك بأن عمل الخليل كان طَفْرَةً في التفكير المعجمي؛١ سبقت زمنها؛ بدليل الفجوة الزَّمنية بينه وبين صُنَّاع معاجم الألفاظ؛ كابن دُريد (ت ٣٢١هـ) في (جمهرة اللغة) والقالي (ت ٣٥٨هـ) في (البارع) والأزهري (ت ٣٧٠هـ) في (تهذيب اللغة) والصاحب بن عباد (ت ٣٨٥هـ) في (المحيط) والجوهري (ت ٣٩٣هـ) في (الصحاح) وابن فارس (ت ٣٩٥هـ) في (مجمل اللغة) و(مقاييس اللغة) وابن سيدة (ت ٤٥٨هت) في (المُحكم) . وهي طَفْرَة تناسب عقلية الخليل وخَيَاله الخَصب.
_________________
(١) ١ ينظر: ضحى الإسلام٢/٢٧٠.
[ ١ / ٥٨ ]
وتُعَدُّ هذه آخر مرحلة مهمة في تطور المعجم العربي، وفيها ظهر ما يعرف بـ (المدارس المعجَمِية) ومن تلك المدارس: (مدرسة القافية) وهي محور الحديث في المبحث التالي.
[ ١ / ٥٩ ]
المبحث الرابع: مدرسة القافية
رأى اللغويون أن معاجم المعاني والموضوعات لا تساعد على حصر اللغة، ولا يؤمَن فيها التكرار؛ فاللغة مركبة من متناهٍ، وهو الحروف، والمركب من متناهٍ متناه، فاهتدوا إلى طرق عدةٍ؛ يمكن من طريقها حصر اللغة، فتسابقوا إلى ابتداع أفضل الطرق، واختلف المنهج من عالِمٍ إلى آخر، وحاول اللاحق أن يختار أحسن ما لدى السابقين، ويتلافى عيوبهم، وقلَّد بعضهم بعضًا، حتى استقرت طرق الترتيب، وانكشفت معالم كل طريقة، فيما عرف - مؤخرًا بـ (المدارس المعجمية) .
والترتيب أمر مهم تتفاوت المعاجم فيه؛ وهو الذي يجعل الناس أكثر إقبالًا على معاجمَ دون غيرها؛ وهو سبب شيوع بعضها، وخمول بعضها الآخر. ومن المعروف أن أساس التصنيف المعجمي هو (الحرف) في الكلمة، وهو قائم على اعتبارين:
الأول: موقع الحرف من الكلمة.
الثاني: موقع الحرف من الأبجدية.
[ ١ / ٦٠ ]
أما الاعتبار الأول - موقع الحرف من الكلمة - فهو أساس الترتيب، وبالنظر إليه تفرعت المدارس وتباينت؛ فمدرسة للحرف الأول، وأخرى للحرف الأخير، وثالثة للحرف المطلق؛ وهي المدرسة التي أَهْمَلَتْ موقع الحرف من الكلمة، وفيما يلي بيان ذلك١ - بإيجاز - لتمييز مدرسة القافية من غيرها والوقوف على مكانتها بين المدارس المعجمية:
أ- مدرسة التَّقْلِيبَات٢الحرف المطلق:
رائد هذه المدرسة هو الخليل بن أحمد الفراهيدي في معجمه (العين) وأساس الترتيب فيها أن توضع الكلمة في الحرف الأسبق وفق
_________________
(١) ١ ينظر: مقدمة الصحاح للعطار٩٢، والمعجم العربي لحسين نصار٢١٥ وما بعدها، والمعاجم اللغوية١٢، والمعاجم العربية المجنسة٤٦، والمعاجم اللغوية العربية٣٧، والمعاجم العربية لدرويش١٥، والمعاجم العربية: مدارسها ومناهجها٢٦، والمعاجم العربية بحوث في المادة والمنهج ١٠٩، والمعاجم العربية دراسة تحليلية٢١، والبحث اللغوي عند العرب١٧٥. ٢ وتعرف - أيضًا- بـ (مدرسة التقليبات الصوتية)، ويسميها بعضهم (المدرسة الصوتية) وهذا الأخير غير سديد - في نظري- لأنه أقام التسمية على الترتيب الهجائي المتبع؛ وهو الترتيب الصوتي، ويلزم - حينئذٍ - إخراج الجمهرة من تلك المدرسة؛ مع أن الجمهرة من مدرسة التقليبات، ولا يختلف عنه إلاَّ في تركه الترتيب الصوتي وأخذه بالترتيب الألف بائي، ولو ترك ابن منظور في (لسان العرب) الترتيب الألف بائي وأخذ بالترتيب الصوتي مع بقائه على منهجه في نظام الباب والفصل لما أخرجه ذلك من مدرسة القافية.
[ ١ / ٦١ ]
الترتيب الصوتي المخرجي، فابتدأ بأبعد الحروف مخرجًا؛ وهو العين، وانتهى بالحروف الشفوية والهوائية (واي) .
ومن منهج الخليل في الترتيب أنه جعل للمعجم ترتيبًا خارجيًا، وآخر داخليًا؛ ففي الترتيب الخارجي قسَّم المعجم ستَّةً وعشرين١ كتابًا على حروف المعجم؛ مبتدئًا بالعين، ومنتهيًا بحروف العلة (واي) والهمزة، مع التزام نظام التقليبات؛ أي أنه عالج الكلمة وتقليباتها المستعملة في موضع واحد على التوالي؛ فمثلًا كلمة (رَقَّ) تذكر في القاف؛ لأنه أسبق الحرفين، ويذكر مقلوبها؛ وهو (قَرَّ) وكلمة (بَحَر) تذكر في كتاب الحاء؛ لأنه أسبق الحروف الثلاثية فيها، ويذكر معها مقلوباتها؛ وهي كما يلي:
حرب، حبر، رحب، ربح، بحر، برح.
ولعل بحثه عن الحرف (المطلق) الأول في ترتيبه هو الذي قاده إلى نظام التقليبات، ولنا أن نعكس ذلك؛ فنقول: إن نظام التقليبات هو الذي أدى إلى إطلاق الحرف، أي: أن ينظر إلى الحرف الأسبق في ترتيب الحروف بغضِّ النظر عن موقعه من الكلمة.
_________________
(١) ١ لأنه دمج حروف العلة والهمزة في كتاب واحد، وكتبه كما يلي: ع- ح- هـ- خ-غ- ق- ك- ج-ش- ض- ص-س- ز- ظ- د- ت- ط- ذ- ث- ر- ل- ن- ف- ب- م- (وايء) .
[ ١ / ٦٢ ]
وفي الترتيب الداخلي لكل كتاب أخضعَ ما فيه من مادةٍ لنظام الأبنية، فباب للثنائي، وباب للثلاثي، وباب للرباعي، وباب للخماسي.
وسار على هذا النظام غير الخليل: الأزهريُّ في (تهذيب اللغة) والزُّبيدي في (مختصر العين) والقالي في (البارع) وابن عباد في (المحيط) ١ وابن سيدة في (المحكم) .
وخالفهم ابن دريد، إلاَّ أنه لم يخرج من المدرسة؛ حيث استبدل الترتيب الألفِ بائي بالترتيب الصوتي، وأبقى على نظام التقليبات والأبنية في الترتيب الداخلي.
ب-مدرسة القافية الحرف الأخير:
تقوم هذه المدرسة على تقسيم المعجم سبعةً وعشرين ٢بابًا؛ بعدد حروف المعجم: باعتبار الحرف الأخير لأصل الكلمة، ومن هنا تسمى (القافية) .
_________________
(١) ١ يرى العلايلي (ينظر: تهذيب المقدمة اللغوية٢٦٨) أن ابن عباد سار على نهج شيخه ابن فارس في ترتيب (المجمل) و(المقاييس) . وهذا مخالف للحقيقة؛ فالمحيط لابن عباد يسير على نهج مدرسة التقليبات، وقد طبع كاملًا. وينظر: المعجم العربي لحسين نصار٣٦٠، والبحث اللغوي عند العرب١٩٩. ٢ يذكر بعضهم أنها ثمانية وعشرون بابًا، وأول من قال بذلك الجوهري نفسه في مقدمة (الصحاح) وتابعه كثير من العلماء، والأصوب في ذلك أن يقال: إنها سبعة وعشرون بابًا، لدمج الواو والياء في كتاب واحد؛ كما فعل الجوهري في (الصحاح) بقوله: (باب الواو والياء) واتَّبعه في ذلك: الصَّغاني، وابن منظور، والفيروز آبادي، والزبيدي. على أنه قد يصح القول بأنها ثمانية وعشرون، إذا عُدَّ ما ذيلوا معاجمهم به، أعني الألف اللينة في الحروف وما أشبهها. أما الفصول فهي ثمانية وعشرون؛ لفصلهم بين الواو والياء، وجعلهم كلًاّ منهما فصلًا مستقلًا قائمًا برأسه.
[ ١ / ٦٣ ]
هذا هو الترتيب الخارجي؛ ثم يُرتب كل باب ترتيبًا داخليًا بتقسيمه ثمانية وعشرين فصلًا؛ باعتبار الحرف الأول للكلمة، أما حشوها فللترتيب داخل كل فصل.
والتزم في ترتيب الحروف الترتيب الألف بائي المعروف، ولم يؤثر أن معجمًا من معاجم هذه المدرسة التزمَ الترتيب الصوتي، ولو تم ذلك - مع التزام القافية - لما أخرجَ صاحبَه من مدرسة القافية، إلاَّ أن يكون فرعًا على المدرسة؛ كـ (الجمهرة) في مدرسة التقليبات.
ويمكن إيجاز نظام مدرسة القافية في الترتيب في كلماتٍ؛ فيقال: إنّ الحرفَ الأخير للباب، والأولَ للفصل، والحشوَ للترتيب داخل الفصل. ويعد هذه النظام من أدق أنظمة المعاجم؛ فليس للأصل الواحد فيه سوى موضع واحد، إلاَّ ما يقع للإحالة ونحوها؛ بسبب تعدد اللغات؛ كالإبدال والهمز والتسهيل.
[ ١ / ٦٤ ]
أما غير ذلك فهو من (تداخل الأصول) أو السهو، أو التصحيف، أو خطأ النُّسَّاخ.
وتجمع هذه المدرسة - إلى دقة النظام - حسن الوضع، وقرب المتناول، مع تيسيرها سبيل حصر اللغة لمن أراده من صُنَّاع المعاجم. ورائد هذه المدرسة –فيما وصل علمنا إليه من تراث العربية هو أبو بشر اليمان بن أبي اليمان البندنيجي (ت ٢٨٤هـ) في كتابه (التقفية في اللغة) حيث رَتَّبَ كلماته على الحرف الأخير. وقد وضَّح منهجه في ذلك بقوله: "ونظرنا في نهاية الكلام؛ فجمعنا إلى كل كلمة ما يشاكلها مما نهايتها كنهاية الأولى قبلها من حروف الثمانية والعشرين، ثم جُعل ذلك أبوابًا على عدد الحروف، فإذا جاءت الكلمة مما يحتاج إلى معرفتها من الكتاب نظرتَ إلى آخرها؛ مما هو من هذه الحروف؛ فطلبته في ذلك الباب الذي هي منه؛ فإنه يسهل معرفتها - إن شاء الله"١.
غير أن عمل (البندنيجي) في هذه المدرسة يمثّل مرحلة من مراحلها؛ الّتي اكتملت بعمل الجوهري في (الصّحاح) . لقد ترك البندنيجيّ ترتيب الكلمات داخل كلّ باب، فهو بذلك لم يراعِ نظام الفصل؛ مما أدى إلى حشد الكلمات في كلّ باب بغير نظام معين؛ وذلك يتطلب من الباحث مراجعة الباب كله للبحث عن كلمة
_________________
(١) ١ التقفية ٣٧.
[ ١ / ٦٥ ]
معينة فيه، ويضاف إلى ذلك أنه لم يجرد الكلمات من الزوائد، ولم يرجعها إلى أصولها؛ فكلمات: (الخَفَاءِ) و(الجَفَاءِ) و(الرِّيَاءِ) -مثلًا- في باب الهمزة، وكلمات: (الناحية) و(البادية) و(الجابية) في باب الهاء، شأنه في ذلك شأن أي عمل في بدئه، يَعْتَوره شيء كثير أو قليل من جوانب القصور والخلل. ولذلك كان هذا المعجم غير صالح لدراسة تداخل الأصول فيه.
ومن رُوَّاد هذه المدرسة: أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم الفارابي (ت ٣٥٠هـ) في معجمه (ديوان الأدب) وهو أول من أخذ بنظام الفصل الذي لم يراعه (البندبيجي) وراعى ما بين حرف الفصل وحرف الباب من حَشْوٍ في الترتيب، ولكنه التزم منهجًا خاصًا به جعله أقرب إلى معاجم الأبنية من أي شيء آخر؛ وذلك أنه قسَّم كتابه تقسيمًا خارجيًا بحسب الأبنية؛ فجعله ستة أقسام؛ سماها كتبًا، ثم جعل كلّ كتاب من هذه الكتب شطرين: أسماءً، وأفعالًا، ثم قسَّم كل شطر منهما أبوابًا؛ بحسب التجرد والزيادة ونوع البناء، وهكذا؛ وفي داخل كلّ بناء من هذا التفريع رتب ما فيه من كلمات على نظام مدرسة القافية؛ على أكمل صورة؛ أي بالتزام نظام الباب والفصل والحشو، وكرر ذلك مئات المرات؛ فجاء معجمه –بذلك كله- وَعْرَ المسلك، ومشتت المادة؛ وهو أقرب –في صعوبته- إلى معاجم التقليبات، فلكي يصل الباحث إلى مراده
[ ١ / ٦٦ ]
يحتاج إلى أن يلم بجملة أشياء، وعليه أن يخطو خطوات عدةٍ قبل الوصول إلى المراد. وهذا المعجم يخرج من نطاق هذا البحث؛ وإن كان من الممكن الاستفادة مما فيه؛ وبخاصة الأبنية. أما ثالث الرّواد في هذه المدرسة وآخرهم فهو: أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري (ت ٣٩٣هـ) في معجمه (تاج اللغة وصحاح العربية) المعروف بـ (الصحاح) وهو رائد هذه المدرسة المطلقُ عند بعض الباحثين١.
والحق أن نظام المدرسة في الترتيب استوى على يديه، واستقر؛ فلم يضف أحد من بعده شيئًا يذكر على ما قدمه في المنهج، ولا حاجة لذكر منهجه هنا؛ فقد تقدم إيجازه٢.
والذي تطمئن إليه النفس في ريادة هذه المدرسة أن يقال: إنَّ الثلاثة رواد؛ فللبندنيجي فضل ابتداع نظام القافية؛ أعني: الباب، وللفارابي فضل الكشف عن نظام الفصل، وعلى يد الجوهري استوى المنهج واستقرَّ؛ وبسببه ذاع وانتشر.
_________________
(١) ١ ينظر: الجوهري مبتكر منهج الصحاح١٩،ومقدمة الصحاح للعطار١٠١. ٢ ينظر: ص (٦٢) من هذا البحث.
[ ١ / ٦٧ ]
ولعلَّ مدرسة القافية أعظم المدارس المعجمية على الإطلاق؛ لجمعها بين الدقة والسهولة، ولكونها تمدّ اللغويين والأدباء بفوائد جمة؛ فالأديب –ناثرٌ أو شاعرٌ- يجد فيها طِلْبَتَه؛ فهي تمده بالقوافي، وتعينه على السجع.
ومن هنا نجد أتباع هذه المدرسة كُثُرًا؛ فمن أتباعها –خلا الصحاح: (العُباب الزاخر) و(التكملة والذيل والصلة) و(مجمع البحرين) وهي للصَّغاني (ت ٦٥٠هـ) و(القراح) لأبي الفضل القريشي (من أهل القرن السابع) و(اللسان) لابن منظور (ت ٧١١هـ) و(القاموس المحيط) للفيروزآبادي (ت ٨١٧هـ) و(الجامع) و(الراموز) وهما لمحمد بن السيد حسن (ت ٨٦٦هـ) و(إضاءة الراموس) لابن الطيب الفاسي (ت ١١٧٣هـ) و(تاج العروس) للزَّبِيدي (ت ١٢٠٥هـ) وغير ذلك.
ويكفي ما ألف حول (الصحاح) ١ ويعد بالعشرات؛ ومثله (القاموس) ٢ إذ ألِّف حوله كثير من المعاجم والدِّراسات.
ج - مدرسة الصدر الحرف الأول:
_________________
(١) ١ ينظر: مقدمة الصحاح للعطار ١٥٤-٢١٠، واللغة العربية وعلومها٧٥-٨٤. ٢ ينظر: معجم المعاجم ٢٢٢-٢٢٦.
[ ١ / ٦٨ ]
تقوم هذه المدرسة في نظامها على وضع الكلمة تحت أول حروفها الأصول، فيقَسَّمُ المعجمُ ثمانيةً وعشرين بابًا بعدد حروف المعجم؛ ويراعى في ترتيب الكلمات –في كلَّ باب- الحرف الثاني فالثالث فالرابع فالخامس، إن وجد.
ونظام هذه المدرسة أسهل الأنظمة المعجمية، ولا يفوقه في السهولة إلاَّ نظام الترتيب المعجمي الحديث؛ الذي يتم فيه ترتيب الكلمات من أولها إلى آخرها؛ كنظام هذه المدرسة، ويختلف عنها بأن وضعَ الكلمة فيه يكون بحسب نطقها؛ أي بدون تجريدها من الزوائد. ولكن يعيب هذا الترتيبَ السّهلَ تفريقُ مشتقات الكلمة الواحدة؛ وتشتيتها بين الأبواب؛ فكلمات: (الخروج) و(التخريج) و(الاستخراج) كلٌّ منها في باب بحسب أوائلها. والمشهور أن رائد تلك المدرسة هو جار الله الزمخشري (ت ٥٣٨هـ) في معجمه (أساس البلاغة) والصحيح أن ريادتها مُقَسَّمة بين أربعة من العلماء؛ أولهم: أبو عمرو الشيباني (ت ٢١٣هـ) في معجمه (الجيم) ١ إلاَّ أنّ أبا عمرو لم يراع ما بعد الحرف الأول، ولم يراع –أيضًا- تجريد الكلمات من زوائدها؛ فكان صنيعه - في هذه المدرسة - مثلَ صنيع (البندنيجي) في مدرسة القافية.
_________________
(١) ١ ينظر: المعاجم المجنسة٥٠، وكتاب (الجيم) الذي بين أيدينا يؤكد ذلك.
[ ١ / ٦٩ ]
وثاني هؤلاء هو أحمد بن فارس (ت ٣٩٥هـ) في معجمه (مجمل اللغة) و(مقاييس اللغة) ومنهجه يختلف عما استقر عليه منهج هذه المدرسة من ناحيتين:
إحداهما: أنه قسَّم كل باب ثلاثة أقسام، هي: الثنائي، ثم الثلاثي، ثم ما زاد على الثلاثي، وهو الرباعي والخماسي.
والأخرى: أنه إذا ابتدأ بالحرف نظر إلى الحرف الثاني؛ فراعى أن يبدأ بما بعد الحرف الأول في الترتيب الألف بائي، وكذلك فعل في الحرف الثالث مع الحرف الذي يسبقه، وهو الثاني، فمثلًا في باب العين بدأ –في الثلاثي- بكلمة (عَفَقَ) لأن الفاء أول الحروف المستعملة بعد العين، ولأن القاف أول الحروف بعد الفاء، وذكر بعدها (عَفَكَ) وهكذا حتى انتهى إلى حرف الياء، ثم عاد إلى ما تركه مما هو قبل العين من الحروف الثواني مبتدئًا بالهمزة، حتى وصل إلى العين، وهو الحرف الذي انطلق منه بطريقة أشبه ما تكون بالدَّائرة باتجاه واحد؛ وهي طريقة غريبة وصعبة؛ وليس لها ما يبرِّرها في الصنعة المعجميَّة، ولذلك لم تجد لها رواجًا. وثالث هؤلاء هو محمد بن تميم البرمكي في كتابه (المنتهى) الَّذي ألَّفه سنة (٣٩٧هـ) وذكر العطار١ أن البرمكي أعاد ترتيب (الصحاح)
_________________
(١) ١ ينظر: مقدمة الصحاح للعطار١٠٥-١٠٧.
[ ١ / ٧٠ ]
على الحرف الأول وما يليه من الحروف؛ وبذلك يكون قد سبق الزمخشريَّ؛ وهو رائد المدرسة عند العطار.
غير أن الدكتور حسين نصار يُشَكِّكُ في ذلك استنادًا إلى أوراق من مخطوطة الكتاب اطلع عليها في معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية؛ فقال: "يبدو أنها مختلة الترتيب"١.
ورابع هؤلاء هو أبو عبيد الهروي (ت٤٠١هـ) في كتابه (الغريبين) إذ سار على النظام المكتمل لهذه المدرسة، وإن صحَّ ظنُّ الدكتور حسين نصار في اختلال الأوراق في نسخة (المنتهى) للبرمكي فإنَّ الهروي هو صاحب الفضل في استواء منهج هذه المدرسة على سوقه، أمَّا الزَّمخشريُّ في معجمه (أساس البلاغة) فهو تابع للهروي وليس رائدًا في هذه المدرسة خلافًا للمشهور بين الدَّارسين.
وبالجملة؛ فإن الأربعة المذكورين: أبا عمرو الشيباني، وابن فارس، والبرمكي، وأبا عبيد الهروي يتقاسمون ريادة هذه المدرسة وفضلَ ظهورها، وليس للزمخشري فيها شيء من الزيادة.
_________________
(١) ١ المعجم العربي٥١١.
[ ١ / ٧١ ]
المبحث الخامس: سبب اختيار مدرسة القافية
إن تعميم هذه المدرسة، لتشمل المدارسَ الثلاثةَ، يمكن أن يكون أمرًا مفيدًا، ولكنه لا يخلو من عقبات منهجية؛ ذلك أنَّ ثَمَّ فروقًا كبيرة بين المدارس المعجمية الثلاث في نُظُم الترتيب؛ على نحو ما وَضَّحت في المبحث السابق؛ فالفرق بين مدرستي التقليبات والقافية أن الأخيرة أساسها في ترتيب المعجم هو الأصول (الجذور) بصرف النظر عن اعتبارات الإعلال أو القلب أو الإبدال أو الحذف أو التعويض أو التضعيف أو الإدغام؛ بينما لم تكن الأصول (الجذور) الأساسَ الوحيدَ في نظام مدرسة التقليبات وترتيبها؛ بل إنهم طوَّعوا الأصول، وأخضعوها لخدمة نظام التقليبات؛ فليس في كل مرةٍ تراعى الأصول.
ولا أدل على ذلك من الباب الأول في جميع معاجم التقليبات، التي بين أيدينا؛ وأعني به (باب الثنائي) إذ وضع فيه - خلا الثنائي- الثلاثيُّ المضعف والرباعي المضاعف وهما ليسا منه بالنظر إلى الأصول.
وأُوردُ بعض الأمثلة مما جاء في باب الثنائي من (باب العين) نحو: العِقَّة والعَقيقة والعَقْعَقَةِ، والعُكَّةِ والعَكْعَكَةِ وعَكَكْتُه، وكَعَّ كَعًا والكَعْكَعَة، وعَجَّ العَجُّ والعَجَّاجُ والعَجْعَجَةِ، وجعَّ يَجُعُّ والجَعْجَعَةِ، وعشَّ يعُشُّ والعَشْعَشَةِ، وشَعَّ الشُّعاعُ والشَّعْشَعَةِ، وعضَّ يعضُّ والعَضْعَضَةِ،
[ ١ / ٧٢ ]
والضَّعِّ والضَّعْضَعَةِ، والعَصِّ والصَّعِّ والصَّعْصَعَةِ، والعسِّ والسَّعِّ والسَّعْسَعَةِ، والعطِّ العطعَطَةِ، والعَدِّ والمعدودِ، والعَتِّ والتَّعِّ والتَّعْتَعةِ، والعَلِّ والتَّعَلُّلِ، والنَّعِّ والنَّعْنَعَةِ، وعَفَّ والعَفَافِ١.
فليس لأحدٍ أن يقول: إنَّ الخليلَ، وابنَ دريدٍ، والأزهريَّ، والصاحبَ ابنَ عبادً، والقاليَّ، ابنَ سيدة، لا يميِّزون الثنائي من الثُّلاثي أو الرُّباعي ومن ثَمَّ يقول: إن الأصول قد تداخلت عندهم؛ فهم يعرفون ذلك حقّ المعرفة وهم أرباب اللغة والصنعة.
ولنستمع إلى قول إمام اللغويين؛ وهو مبتدع هذا التقسيم: الخليل بن أحمد في مقدمة (العين) حيث قال عن الأول: "كلام العرب مبني على أربعة أصناف: على الثنائي، والثلاثي، والرباعي، والخماسي، فالثنائي على حرفين؛ نحو: قد، لَمْ، هل، لو، بل، ونحوه من الأدوات والزجر"٢.
وقال: "والثلاثي من الأفعال نحو قولك: ضرب، خرج والرباعي من الأفعال نحو: دحرج"٣.
_________________
(١) ١ ينظر: باب الثنائي من كتاب العين في كلًّ من: العين١/٦٢-٩٥، والجمهرة١/٥٣-١٧٢، والتهذيب١/٥٥-١٢٣، والمحكم١/١٩-٥٥. ٢ العين١/٤٨. ٣ العين١/٤٨.
[ ١ / ٧٣ ]
ثم قال: "الاسم لا يكون أقل من ثلاثة أحرف: حرف يبتدأ به، وحرف يُحْشَى به الكلمة، وحرف يوقف عليه"١. فانظر كيف جعل الأسماء والأفعال لا تقل عن ثلاثة أصول؟
فما سرُّ ذلك إذن؟ إنه يكمن في طبيعة نظام التقليبات؛ الذي ابتدعه الخليل، وسار عليه من أتى بعده، واختار نظامه؛ وأن تقليب الثنائي يعطي صورتين، ويعطي تقليب الثلاثي ستَّ صورٍ، أما الرباعي فيعطي أربعًا وعشرين صورةً، ويعطي الخماسي عشرين ومائة صورة.
بَيْدَ أن الثلاثي المضعَّف يعطي ستَّ صور؛ كالثلاثي الصحيح، إلاَّ أن المستعمل منها اثنان فحسب، أما الأربع الأخرى فمهملة باطِّراد؛ فهو أشبه بالثنائي ليس فيه سوى صورتين مستعملتين باطِّراد؛ فمن ثمَّ أُخْرِج من باب الثلاثي إلى باب الثنائي.
ونحو ذلك الرباعي المضاعف لا يمكن أن يعطي صور الرباعي الصحيح الأربع والعشرين، بل إنه لا يعطي سوى ست صور؛ أربع مهملة دائمًا، فيبقى اثنتان؛ فهو أشبه بالثنائي؛ فلا جرم أن يوضع في باب الثنائي؛ كالثلاثي المضعف؛ فالمسالة –إذن- شَكْلِيَّةٌ تطَلَّبها إحصاء المفردات، وتوضيح ذلك في الرسم التالي:
_________________
(١) ١ العين/٤٩.
[ ١ / ٧٤ ]
توجد رسمة توضيحية
[ ١ / ٧٥ ]
وهذا يؤكد أن وضعهم الثلاثي المضعف والرباعي المضاعف في باب الثنائي لم يكن بسبب تداخل الأصول؛ ولعل هذا التوجيه مما لم يسبق إليه. إن دراسة التداخل في الثلاثي والرباعي والخماسي في مدرسة التقليبات يعترضها شيء من العقبات؛ وذلك أن (تداخل الأصول) كما رأينا- لا يخرج عن أحد أمرين:
أحدهما: التداخل في البناء الواحد.
والآخر: التداخل بين بناءين مختلفين؛ كتداخل الثلاثي مع الرباعي أو الخماسي، وتداخل الرباعي مع الخماسي. أما الأوّل؛ وهو التّداخل في البناء الواحد؛ فإنه –وإن كان يُعَدُّ ظاهرة لغوية- يصعب الوقوف على أثره في بناء الأبواب الثلاثة؛ فليس ثَمَّةَ دليل يهتدى به؛ لأن نظام التقليبات لا يقوم على حصر الكلمة من طرفيها –أولها وآخرها- وما بينهما؛ خلافًا لمدرسة القافية التي ينضبط فيها هذا الأمر بحرفي الباب والفصل. كما أن أثر التداخل بين الواوي
[ ١ / ٧٦ ]
واليائي لا يظهر؛ لضمهما في كتاب واحد، كما لا يظهر التداخل بين المعتل والمهموز؛ لكثرة التسهيل في المهموز؛ فكلمة (أَكَلَ) مثلًا مكانها المعتلّ في أكثر معاجم التّقليبات.
أمّا الثاني؛ وهو التداخل بين بناءين مختلفين؛ كتداخل الثلاثي مع الرباعي أو الخماسي، والرباعي مع الخماسي؛ فإن أثره في بناء مدرسة التقليبات أقلُّ غموضًا مما في الشق الأول؛ وهو –أيضًا- لا يخلو من عقبات، فإنهم قد يساوون بين ما فيه زيادة كـ (الشَّدْقَمِ) وهو الواسع الشدق، و(الزُّرْقُمِ) وهو الرجل الأزرق، و(الحَسْدَلِ) وهو القراد- وما خلا من الزيادة. وذلك يعود إلى طبيعة نظام التقليبات؛ فإن الحرف الزائد في كلمة ما لا يكون كذلك في جميع تقليبات الكلمة، على كل حال، ولا أدل على ذلك من كلمة (الشَّدْقَمِ) فميمها زائدة١ فإن من تقليباتها المستعملة (دِمَشْق) وليست الميم فيها زائدة، ونحو ذلك في (الهِرْمَاسِ) من أسماء الأسد–يذكر في الرباعي؛ على الرغم من نصهم على زيادة ميمه٢؛
_________________
(١) ١ ينظر: الممتع١/٢٤٠، وسفر السعادة١/٣١٤. ٢ ينظر: التكلمة للفارسي٢٣٨، والمنصف١/١٥٢، والوجيز في علم التصريف ٣٤، وشرح الملوكي لابن يعيش ١٦٢، والإيضاح في شرح المفصل٢/٣٨٣، والملخص٢/٢٦٤.
[ ١ / ٧٧ ]
وذلك أن من تقليباته (ر هـ م س) و(ر هـ س م) إذ يقال: رَهْمَسَ الخَبَرَ ورَهْسَمَهُ ١ بمعنى أتي منه بطرف، والميم فيهما أصلية. فانظر كيف تغير الحكم على الحرف بعد تقليب الكلمة؛ فيكون الزائد أصليًا، وربما يكون الأصلي زائدًا؛ كما حدث في كلمة (رَهْمَسَ) فالميم عادت –هنا- أصلية، وقد كانت زائدة في (الهِرْمَاسِ)، والهاء أصبحت زائدة في (رَهْمَسَ) ٢؛ وقد كانت أصلية قبل القلب.
ومن ثمَّ لم يحسن أن يقال: إن الأصول تداخلت لديهم؛ فوضعت الكلمة في غير موضعها.
والحق أنَّ الفرق بين المدرستين واضح؛ فمدرسة القافية تعتمد –في بنائها- على الأصول؛ فمن ثم يستطيع الباحث أن يحكم بالتداخل إذا وجده؛ بينما لا تعتمد مدرسة التقليبات على الأصول في كل أحوالها؛ ولذا تمّ إبعاد مدرسة التقليبات عن هذه الدّراسة.
فيبقى لنا –خلا مدرسة القافية- مدرسة الصدر؛ وهي –أيضًا- مستبعدة لسببين:
_________________
(١) ١ ينظر: اللسان (رهمس) ٦/١٠٣. ٢ ينظر: شرح لامية الأفعال لبحرق٥٦.
[ ١ / ٧٨ ]
الأوّل: أن هذه المدرسة تُقَيِّدُ الكلمة من أولها؛ بينما تقيد مدرسة القافيةُ الكلمةَ من طرفيها بنظامي الباب والفصل؛ فأدى ذلك إلى تقييد صارم للكلمة في مدرسة القافية؛ فتكون الزيادة الواقعة في لام الكلمة - بسبب نظام الباب - أكثرَ ظهورًا، وأدقَّ ضبطًا.
ومهما يكن من أمرٍ فإنه لا يوجد من معاجم مدرسة الصدر ما يستوعب دراسةً كهذه؛ فمن أشهر معاجم هذه المدرسة (الجيم) للشيباني، و(مجمل اللغة) و(مقاييس اللغة) لابن فارس، و(المنتهى) للبرمكي، و(أساس البلاغة) للزمخشري، و(المغرِب) للمطَرِّزي، و(المصباح المنير) للفَيُّومي.
فـ (الجيم) لم يراعِ ما بعد الحرف الأول، ولم يجرد الكلمات من الزوائد، و(المنتهى) مفقود، وأما (مجمل اللغة) و(مقاييس اللغة) فإن لابن فارس فيهما مذهبًا خاصًا –كما مرَّ بنا ١ فلا يظهر –بسببه- أثر تداخل الأصول في الرباعي والخماسي، إذا جمع بين الرباعي والخماسي في باب واحد، وذكرهما مدموجين بلا ترتيب ولا تجريد من الزوائد، وعمدته
_________________
(١) ١ ينظر: ص (٦٨) من هذا البحث.
[ ١ / ٧٩ ]
فاء الكلمة فحسب؛ فجاء عنوان هذا الباب من كلّ حرف، كما يلي: (باب ما جاء من كلام العرب على أكثر من ثلاثة أحرف أوله ) ١.
ومثال ذلك ما جاء في باب الغين؛ أورِدُه –هنا- بترتيب ابن فارس٢؛ وهو: (الغَطَمَّشُ) و(الغَمَلَّجُ) و(الغُضْرُوفُ) و(الغَطْرَسَةُ) و(الغَطْرَفَةُ) و(الغِطْرِيفُ) و(الغَذْمَرَةُ) و(الغَضَنْفَرُ) و(المُغَثْمَرُ) و(غَرْدَقْتُ) و(الغُرْنُوقُ) و(الغَلْفَقُ) و(اغْرَندَاهُ) .
غير أن لابن فارس مذهبًا فريدًا من الممكن أن يستفاد منه في دراسة ظاهرة تداخل الأصول بشكلها العام، وسأكشف عن ذلك في الباب الأول –إن شاء الله.
الثاني: أن المعاجم الثلاثة المتبقية – وهي: (أساس البلاغة) و(المغرب) و(المصباح المنير) - تبدو صالحة للدراسة في هذا البحث، على الرغم مما أشرت إليه من قبل٣ إلاَّ أنها - في واقع الأمر - غير صالحة من الناحية التطبيقية لدراسة أثر (تداخل الأصول) فيها؛ فأكبر هذه المعاجم الثلاثة –وهو (أساس البلاغة) صغير الحجم قليل المادة؛ فلا يكاد يعدل جزءًا واحدًا
_________________
(١) ١ المقاييس ١/٣٢٨،٢٦٤،٤٠٣،٥٠٥،٢ /٥٢،١٥٨، ٢٧٢، ٣٤٩، ٤٠١، ٤٥٧، ٤٧٦، ٣/١٤٣، ٢٤٨، ٣٣٧، ٣٧١، ٥٠٩، ٤ / ٣٥٧، ٤٣٠، ٥١٣، ٥/١١، ١٩٣، ٢٦٥، ٣٥٢، ٤٨٣، ٦/٧١، ١٦٠. ٢ ينظر: المقاييس٤/٤٣٠-٤٣٢. ٣ ينظر: ص (٦٨) من هذا البحث.
[ ١ / ٨٠ ]
من أجزاء (لسان العرب) لأن لكل من هذه المعاجم الثلاثة هدفه الخاص به؛ فلا يوجد في هذه المدرسة معجم يهدف إلى الجمع العام للغة كمعاجم القافية، فـ (أساس البلاغة) يهدف إلى المجاز اللغوي، و(المُغْرِب) اختصار لكتاب (المُعْرِب) للمُطَرِّزي نفسه، وهو مفقود ١ و(المصباح المنير) تفسير لغوي موَسَّعٌ لغريب الشرح الكبير للرافعي، أضاف إليه زيادات قليلة. فيبقى لنا كبرى المدارس المعجمية مدرسة القافية، ومن خلالها يظهر أثر (تداخل الأصول) في أجلى صورة.
_________________
(١) ١ ينظر: المغرب ١/١٠، ١٩.
[ ١ / ٨١ ]
الباب الأول: الأصول والزوائد
الفصل الأول: الأصول في عرف اللغويين
المبحث الأول: الأصول عند القدامى
المبحث الأول: الأصول عند القدامى
استرعى تفاوت الأبنية في العربية أنظار علمائنا القدامى، منذ وقت مبكر من بدءِ نشاطهم اللغوي؛ فَمِنَ الكلمات ما جاء على حرفٍ، ومنها ما جاء على حرفين، أو ثلاثةٍ، أو أربعةٍ، أو خمسةٍ، أو ستةٍ، أو سبعةٍ. ورأوا كيف يغلب بعضها على بعضها الآخر في الكثرة والاستعمال؛ فما جاء على ثلاثةٍ أكثر من غيره، وما جاء على حرفٍ أقل إلى حدِّ النُّدرة. ثم رأوا أن الكلمة الواحدة تأتي على صورٍ مختلفة؛ فتكون تارة على ثلاثة أحرفٍ، وتارة على أربعةٍ، وتارة على خمسةٍ، وتارة على ستةٍ، وتارة على سبعةٍ؛ فهداهم تأملهم الطويل في أحوال البنية في اللغة إلى معرفة الأصول والزوائد.
وقسَّموا الكلام العربي ثلاثةَ أقسام: أسماء وأفعال وحروف، ورأوا كيف يتصرف بعضه – كأكثر الأسماء والأفعال- دون بعضه الآخر؛ كالحروف وبعض الأسماء والأفعال. ودرسوا ذلك كله، وقَنَّنُوه، وجعلوا له عِلْمًا مستقلًا؛ هو التصريف.
ويعنينا من ذلك (الأصول) وقد وقفنا على تعريفها في اصطلاح اللغويين والصرفيين والنحاة؛ وهو أنها الحروف التي تلزم في جميع تصاريف الكلمة؛ فتكون موجودة تحقيقًا أو تقديرًا، كما سيأتي.
ويكاد علماؤنا القدامى يُجْمعون على أن الكلمات المتصرفة
[ ١ / ٨٧ ]
ثلاثةٌ: ثُلاثيةٌ، ورباعيةٌ، وخُماسيةٌ؛ لولا آراء نُقِلتْ لبعضهم؛ ولاسِيَّما الكوفيين؛ على نحو ما يأتي تفصيله-إن شاء الله. فما تصرَّف من الكلام عندهم مردود إلى تلك الأصول، ولا يخرج عن واحد منها؛ وهو مذهب الجُمهور١
وذهب بعض العلماء٢ إلى أنَّ الكلام كله مشتق، ونُسِب إلى الزَّجَّاج٣، وقيل: إنَّ سيبويه٤ كان يراه. وذهب بعضهم٥ إلى أنَّ الكلام كله أصل؛ وليس شيءٌ مشتقًا من شيءٍ.
ونقف - في البداية - على ما جاء على أقلّ من ثلاثة أحرفٍ، ثم نأتي - بشيء من التفصيل- على الأصول عند القدامى.
أ- ما جاء على حرفٍ:
من كلام العرب ما هو على حرفٍ واحد، وهو قليل.
قال سيبويه في باب عدة ما يكون عليه الكلم: "وأقل ما تكون عليه الكلمة حرفٌ واحدٌ"٦ ومَثَّل له بحرف العطف الواو، وكاف الجر ولام الإضافة؛ من الحروف التي لا تتصرف، ولا يدخل فيها الأصول
_________________
(١) ١ ينظر: اشتقاق أسماء الله ٢٧٧، والمساعد ٤/٨٣. ٢ ينظر: اشتقاق أسماء الله ٢٧٧، والمساعد ٤/٨٣. ٣ ينظر: اشتقاق أسماء الله ٢٧٨. ٤ ينظر: المساعد ٤/٨٣. ٥ ينظر: اشتقاق أسماء الله ٢٧٩. ٦ الكتاب ٤/٢١٦.
[ ١ / ٨٨ ]
والزوائد. ولا يكون اسمٌ مُظْهَرٌ يجوز أن ينفرد اللفظ به على حرفٍ أبدًا؛ وعلة ذلك أن المُظْهَرَ يُسْكَتُ عنده، وليس قبله شيء ولا يَلْحَق به شيء، ولم يكونوا لِيُجْحِفوا بالاسم؛ فيجعلوه بمنزلة ما ليس باسم ولا فعل؛ وإنما يجيء لمعنى١؛لأنه لا بد من أن يبتدأ بمتحرك، ويوقف على ساكن؛ فإن كان على حرف لم يستقم٢.
والفعل كالاسم في ذلك؛ لأن منه ما يُضارعُ الاسمَ، وهو المضارع؛ كما أنه يتصرف ويُبنى أبنيته كفَعَل وفَعِل وفَعُل ونحو ذلك؛ وهو الذي يلي الاسم؛ فعومل معاملته من حيث عدمُ مجيء الاسم على حرف واحد. أمّا ما جاء من الأفعال على حرف واحد؛ نحو: (قِ نَفْسَكَ عَذَابَ النَّارِ) و(عِ كلامًا) فوَجَّهَهُ سيبويه بقوله: "إلاَّ أن تُدْرِكَ الفعلَ علةٌ مطردةٌ في كلامهم في موضعٍ واحدٍ؛ فيصيرَ على حرفٍ؛ فإذا جاوزتَ ذلك الموضع رددتَ ما حذفتَ وذلك قولك: عِ كلامًا"٣.
وكان أبو زيد الأنصاري يقول: "إن ما بني عليه الكلام ثلاثة أحرف؛ فما نقص رفعوه إلى ثلاثة"٤.
_________________
(١) ١ ينظر: الكتاب ٤/٢١٨، وشرح السيرافي بتحقيق د. عبد المنعم فائز ٥١٨،٥١٩. ٢ ينظر: شرح السيرافي ٥١٩. ٣ الكتاب٤/٢١٩. ٤ ينظر: الجمهرة٣/١٣٠٦،والمزهر٢/٣١٧.
[ ١ / ٨٩ ]
ونَخْلُصُ مما تقدَّم إلى أن الأصول من الكلام المتصرف عند القدماء لا تكون على حرف واحد، وما جاء على ذلك فمما يكون فيه حذفٌ.
ب- ما جاء على حرفين:
أقدمُ نصٍّ وَصَلْنَا إليه في تقسيم الكلم إلى أصوله؛ وفيه ذكر للثنائي؛ يعود إلى القرن الثاني، وصاحبه هو الخليل؛ إذ قال فيه: "كلام العرب مبني على أربعة أصناف؛ على الثّنائيّ، والثّلاثيّ، والرّباعيّ، والخماسيّ" ثم مثَّل للثنائي بقوله: "فالثّنائيّ على حرفين؛ نحو: قَدْ، لَمْ، هَلْ، بَلْ، ونحوه من الأدوات والزَّجْرِ"١.
ويفهم من هذا القول أن الثّنائيّ عند الخليل لا يكون أصلًا للأسماء ولا للأفعال؛ بدليل الأمثلة التي ذكرها؛ فهي من حروف المعاني التي لا تتصرف، وبدليل آخر؛ وهو قوله: "من الأدوات والزَّجرِ"وهو يعني بالزجر: أسماء الأصوات والأفعال؛ نحو: مَهْ، وصَهْ، وكَخْ، وهِسْ؛ وذلك ونحوه عند الخليل وغيره مما لا يتصرف، وإن عومل معاملة الأسماء؛ فلا بُدَّ له –حينئذٍ- من حرفٍ ثالث يبلغ به أقربَ مرتبةٍ في أصول الأسماء المتصرفة. ومن هنا قال الخليل: "فإن صَيَّرْتَ الثّنائيّ؛ مثل: قَدْ، وهَلْ، ولَوْ، اسمًا أدخلتَ عليه التّشديد؛ فقلتَ: هذه لوٌّ مكتوبة، وهذه قَدٌّ حسنة الكِتْبة؛ زدتَ واوًا على واو، ودلًا على دال. ثم أدغمتَ وشَدَّدت؛ فالتشديد علامة الإدغام والحرف الثالثِ؛ كقول أبي زُبيد الطائي:
_________________
(١) ١ العين١/٤٨.
[ ١ / ٩٠ ]
ليتَ شِعْرِي وأيْنَ منِّيَ لَيْتُ إنَّ لَيْتًا وإنَّ لَوًّا عَنَاءُ "١
ولا يجوز عند الخليل أن يكون أصول الاسم المتصرف أقل من ثلاثة أحرف، وله نصوص صريحة في ذلك، قال في أحدها: "الاسم لا يكون أقل من ثلاثة أحرف"٢ وقال في ثانٍ: "وقد تجيء أسماء لفظها على حرفين، وتمامها ومعناها على ثلاثة أحرف، مثل: يد ودم؛ وإنما ذهب الثالث لعلة "٣
ولا يخرج سيبويه عن رأي شيخه الخليل فهو يقول بنحو قوله٤، ولم يَذْكُر خلافًا في ذلك عن متقدمي اللغويين والصرفيين والنحاة، أو عن معاصريه؛ وهو يؤكد أنَّ ما جاء على حرفين من الأسماء والأفعال المتصرفة قليلٌ؛ نحو: دمٍ، وفمٍ، في الأسماء، وخُذْ، وكُلْ في الأفعال؛ وهو مما حذف منه؛ ويُعَلِّلُ ذلك بقوله: "لأنَّه إخلال عندهم بهنَّ؛ لأنه حذف من أقلِّ الحروف عددًا "٥.
ولما قلَّ الثّنائيّ في الأسماء فإنه لم يقع في الصفات، كما قال سيبويه٦. وعلى منهجهما في الثّنائيّ سار المبرد ٧.
_________________
(١) ١ العين ١/٥٠. ٢ العين ١/٥٠. ٣ العين ١/٥٠. ٤ ينظر: الكتاب٤/٢١٩،٢٢٠. ٥ الكتاب ٤/٢١٩. ٦ الكتاب ٤/٢٢٠. ٧ ينظر: المقتضب١/٤١-٥٢.
[ ١ / ٩١ ]
واستمر مفهوم الثّنائيّ عند الجمهور من اللغويين والصرفيين والنحاة القدامى على نحو ما قننه الخليل وسيبويه. بَيْدَ أن ثَمَّةَ آراءً خالفت –نوع مخالفة- رأي الجمهور في الثّنائيّ؛ فقد كان صنيع المعجميين في مدرسة التَّقْليبات الذين عدوا الثّلاثيّ المضعف والرّباعيّ المضاعف في باب الثّنائيّ مُلْبِسًا؛ فربما فُهم عملهم على غير وجهه، فظُنَّ أنهم يعدون ذلك ثنائيًا. وممّن ظن هذا الظن الدكتور إبراهيم أنيس؛ حيث قال بعد أن ذكر طريقة المعجميين في مدرسة التقليبات: "وهكذا رأينا معظم علماء العربية؛ منذ القرن الثاني الهجري؛ ينظرون إلى بنية الكلمات على أنها قد تكون ثنائية الأصول، أو ثلاثيتها، أو رباعيتها"١. ومن القدامى من كأنّه فهم هذا الفهم؛ كابن القَطَّاع؛ إذ قال: "الثّنائيّ: ما كان على حرفين من حروف السلامة، ولا تبال أن تتكرر فاؤه، أوعينه، أو يلحق بالثّلاثيّ أو الرّباعيّ، أو الخماسيّ، أو السداسي، أو السباعي. وينقسم ذلك على أقسام؛ منها ما يكون الحرفان أصله؛ نحو: مَنْ، وما، ومِنَ الحروف نحو: مِنْ، وعَنْ، ومنه ما يخفف من المضاعف نحو: رُبَّومن الفعل ما كان مضاعفًا؛ نحو: ردَّ، ومدَّ، وعدَّ، وعدَّدَ، وتعدَّدَوإذا تكرر نحو: بَرْبَرَ، وجَرْجَرَ، وفي ما أُظهر تضعيفه؛ نحو: العَدَدِ
_________________
(١) ١ ينظر: تطور البنية في الكلمة العربية١٦٥.
[ ١ / ٩٢ ]
والمَدَدِفهذا كله ثنائي"١.
وعلى الرغم من ذلك فإنه يمكن توجيه ما قاله ابن القطاع توجيهًا يوافق صنيع المعجميين؛ فقد وجدته يأخذ ببعض طريقتهم في معجمه (الأفعال) فيما تكررت بعض حروفه كالثّلاثيّ المضعف؛ إذ عقد له بابًا بعنوان (الثّنائيّ المضاعف) ومما ذكر فيه مواد: (أمّ) و(أبّ) و(أصّ) وكرر هذا الباب في كل حرف، وكذلك فعل في الرّباعيّ المضاعف، وعقد له بابًا بعنوان (باب الثّنائيّ المكرر) ومن أمثلته التي ذكرها: (بَثْبَثَ) و(بَخْبَخَ) و(بَصْبَصَ) ونحو ذلك، ثم كرر هذا الباب في كلِّ حرف. وعمله قريب أشد القرب من صنيع معجميي مدرسة التقليبات، فليس الثّنائيّ عنده ما نعنيه بالثّنائيّ في الأصول، فلما أراد الأصول تغير القول والحكم؛ فقال: (وأقل ما بنيت عليه الأسماء والأفعال ثلاثة أحرف؛ فما رأيته ناقصًا عنها فاعلم أن التضعيف دخله؛ مثل: فرَّ، وردَّ) ٢.
وقال في موضع آخر: "وأقلّ أصول الأسماء المتمكنة على ثلاثة أحرف؛ نحو: صَقْرٍ، وحَجَرٍ، وجِذْعٍ"٣. ولا أدلّ من هذين النّصين على مذهب ابن القطاع في الأصول.
وأُثِر عن بعض الكوفيين –كذلك- أنهم قالوا بأنّ من الأسماء ما قد يجيء على حرفين.
_________________
(١) ١ أبنية الأسماء والمصادر١١ب ١٢أ. ٢ الأفعال١/٢٣. ٣ أبنية الأسماء والمصادر٣ب.
[ ١ / ٩٣ ]
قال ابن عقيل: "وزاد أبو الفتوح ١ نصر بن أبي الفنون البغدادي أنَّ مذهب الكوفيين أن أقل ما يكون عليه الاسم حرفان؛ حرف يبتدأ به، وحرف يوقف عليه"٢. وعزا الجواليقي٣ذلك للفراء.
وثمَّةَ خلافٌ عُزِي للقدماء في الرّباعيّ المضاعف؛ نحو: (زَلْزَلَ) و(حَثْحَثَ) و(سِمْسِمٍ) فالمشهور عند البصريين أن وزنه (فعلل) ٤ كما سيأتي توضيحه في الكلام عن الرّباعيّ؛ إن شاء الله.
ولكنه عند الخليل٥ - في أحد قولين عُزيا له - (فعفع) تكررت فاؤه وعينه؛ وهذا يخالف ما نص عليه الخليل في مقدمة (العين) ويخالف ما أُثِرَ عنه–أيضًا- من أنه (فعفل) ٦.
وعُزِيَ إلى الفراء ٧ - أيضًا - أنه (فعفع) كما عزي إلى أبي إسحاق
_________________
(١) ١ هو نصر بن محمد بن المظفر بن أبي الفتوح البغدادي (ت٦٣٠هـ) جمع بين الأدب واللغة والنحو، وتصدَّر بجامع الأزهر مدةً. ومن مصادر ترجمته: بغية الوعاة٢/٣١٥، والوافي بالوفيات٢٧/٣٦. ٢ المساعد ٤/٩. ٣ شرح أدب الكتاب٤٩. ٤ ينظر: التكملة للفارسي٥٧، وسر الصناعة١/١٨٠،١٨١، والمساعد٤/٦٠، وهمع الهوامع ٢/٢١٥. ٥ ينظر: الارتشاف١/٢٤. ٦ ينظر: الارتشاف ١/٢٤. ٧ ينظر: أبنية الأسماء والمصادر١٢ب، والارتشاف١/٢٤.
[ ١ / ٩٤ ]
الزجاج١ في أحد قوليه.
وأطلق المعري القول فيه وجعله لمتقدمي اللغويين حين قال: "وقال المتقدمون من أصحاب اللغة: وزنُ (زَلْزَلَ) (فَعْفَعَ) ٢.
ولعل المعري يعني به الخليل ومعاصريه؛ فقد بحثت عن نصٍّ في ذلك لهؤلاء المتقدمين؛ فلم أظفر بشيء. ونخلص مما تقدم إلى أن الأصول عند جمهور العلماء القدامى، لا تكون ثنائية، كما أنها لا تكون أحادية. وفيما يلي الأصول لديهم؛ وهي إما ثلاثية، وإما رباعية، وإما خماسية.
أوَّلًا- الأصول الثّلاثيّة:
يكاد إجماع اللغويين والصرفيين والنحاة ينعقد على أن أصول أكثر الكلم في العربية ثلاثة أحرف، وتكون للأسماء والأفعال٣.
ومن أوائل النصوص التي وَصَلْنَا إليها مما جاء فيه ذكر الأصول
_________________
(١) ١ ينظر: أبنية الأسماء والمصادر١٢أ. ٢ رسالة الملائكة٢٨٠. ٣ ينظر: العين ١/٤٨، ٤٩، والكتاب٤/٢٣٠، والأصول٣/١٧٩، والتكلمة للفارسي ٢٢٩، والتبصرة والتذكرة ٢/٧٤٣، ٧٨٣، والوجيز في علم التصريف ٢٧، ونزهة الطرف للميداني ٧، ٨، وشرح الملوكي لابن يعيش ٢٠، والتسهيل٢٩٠، ٢٩١، وشرح ابن الناظم ٨٢١، والممتع١/٦٠، ١٦٦، والارتشاف ١/١٧، وشرح مختصر التصريف العزي ٢٨، والتصريح ٢/٣٥٨.
[ ١ / ٩٥ ]
الثّلاثيّة ما قاله الخليل١، وهو ما أشرت إليه من قبل؛ وهو أن أقل ما يقع عليه ما تصرف من كلام العرب من الأسماء والأفعال ثلاثة أحرف، وهو قوله: "الاسم لا يكون أقل من ثلاثة أحرف"٢والعلة في ذلك - على رأيه - أنَّ الحرف الأول للابتداء، والثالث للوقوف عليه والثاني للحشو بين الأول والثالث.
ثم جاء تلميذه سيبويه، وجعل الثّلاثيّ أول الأصول فيما تصرف من كلام العرب؛ حين قال:"فالكلام على ثلاثة أحرف، وأربعة أحرف، وخمسة"٣.
ثم قال: "فعلى هذا عِدَّةُ حروف الكلم؛ فما قَصُرَ عن الثلاثة فمحذوف، وما جاوز الخمسة فمزيد فيه"٤.
وقال: "ليس في الدنيا اسم أقلُّ عددًا من اسمٍ على ثلاثة أحرف، ولكنَّهم قد يحذفون ممَّا كان على ثلاثةٍ حرفًا"٥.
وقال: "وأمَّا ما جاء على ثلاثة أحرف فهو أكثر الكلام في كل شيء من الأسماء والأفعال وغيرهما"٦ وعلل ذلك بقوله:"وذلك لأنه كأنه هو الأوّل فمن ثَمَّ تمكن في الكلام".
_________________
(١) ١ ينظر: العين١/٤٨، ٤٩. ٢ العين ١/٤٩. ٣ الكتاب ٤/٢٣٠. ٤ الكتاب ٤/٢٣٠. ٥ الكتاب ٣/٣٢٢. ٦ الكتاب ٤/٢٢٩.
[ ١ / ٩٦ ]
وفي (المقتضب) ١ للمبرد نحوٌ مما تقدم في كلام سيبويه. ومن أئمة اللغة الذين انتحوا هذا النحو - كذلك - ابن جِنّي؛ فقد ذكر رأيه في ذلك بما يوافق رأي الجمهور من المتقدمين حين قال: "الأصول ثلاثة: ثلاثي، ورباعي، وخماسي؛ فأكثرها استعمالًا، وأعدلها تركيبًا الثّلاثيّ؛ وذلك لأنه حرف يبتدأ به، وحرف يُحْشى به، وحرف يوقف عليه"٢.
وزاد على المتقدمين بتعليل كثرة مفردات اللغة العربية ذات الأصول الثّلاثيّة؛ حين قال: "وليس اعتدال الثّلاثيّ لقلة حروفه حسب؛ لو كان كذلك لكان الثّنائيّ أكثر منه؛ لأنه أقل حروفًا، وليس الأمر كذلك؛ ألا ترى أن جميع ما جاء من ذوات الحرفين جزءٌ لا قدرَ له فيما جاء من ذوات الثلاثة؛ نحو: مِنْ، وفي، وعن، وهل، وقد، وبل، وكم، ومَنْ، وإذ، وصه، ومهْ. ولو شئتُ لأثبتُ جميع ذلك في هذه الورقةوأقل منه ما جاء على حرف واحد؛ كحرف العطف وفائه فتمكن الثّلاثيّ إنما هو لقلة حروفه، ولشيء آخر وهو حجز الحشو –الذي هو عينه- بين فائه ولامه؛ وذلك لتباينهما، ولتعادي حاليهما؛ ألا ترى أن المبتدأ لا يكون إلاَّ متحركًا، وأن الموقوف عليه لا يكون إلاَّ ساكنًا؛ فلما تنافرت حالاهما وَسَّطوا العين حاجزًا بينهما؛ لئلاَّ يفجئوا الحِسَّ بِضدِّ ما كان آخذًا فيه،
_________________
(١) ١ ١/٥٣. ٢ الخصائص ١/٥٥.
[ ١ / ٩٧ ]
ومنصَبًّا إليه"١.
ولإقناع قارئه بهذا التعليل؛ بحيث لا يدع في نفسه شيئًا من التردد في قبوله –نَصَّب معترضًا على كلامه يقول: إن هذا الحرف الحاجز إما أن يكون متحركًا، وإما أن يكون ساكنًا، فإن كان ساكنًا فقد وافقَ الثالثَ في الوقف، وإن كان متحركًا فقد وافقَ الأولَ، وهذا ما هُرِبَ منه.
وكدأبه في هذا المنهج أجاب بأنَّ تحرك الثاني بعد حركة الأول يحدثُ ضربًا من الملال لهما؛ فاسْتُرْوِحَ –حينئذٍ- إلى السكون؛ فصار ذلك خفيفًا مَرْضِيًّا؛ خلافًا للثنائي؛ فإن سرعة الانقضاض من المتحرك الواحد إلى الساكن يكون مَعِيفًا مَأبِيًّا. وقريب من ذلك تعليله للحشو بالساكن.
وكان البلاغيون يرون أنّ من شروط فصاحة الكلمة أن تتوسط في عدد حروفها؛ فالثّلاثيّ عندهم أعدل الأصول،؛ وأفصحها؛ فقد كان فخر الدين الرازي يقَدِّم الكلمةَ الثّلاثيّةَ على غيرها في الفصاحة٢.
وقال بهاء الدين السبكي: "الثّلاثيّ أحسن من الثّنائيّ والأُحادي ومن الرّباعيّ والخماسيّ؛ فذكر حازم٣وغيره من شروط الفصاحة: أن تكون الكلمة بين قلة الحروف وكثرتها، والمتوسط ثلاثة أحرف"٤.
_________________
(١) ١ الخصائص ١/٥٦. ٢ عروس الأفراح ١/٩٢. ٣ هو: حازم القرطاجني (المتوفى سنة ٦٨٤هـ) وهو من علماء البلاغة في الأندلس، وقوله المشار إليه في كتابه: منهاج البلغاء ١٢٣. ٤ ينظر: نهاية الإيجاز ١٥٢.
[ ١ / ٩٨ ]
وثَمَّة من يرى أن الأصول ثلاثية فحسب، وقد عزي ذلك لأبي زيد١ والكوفيين٢ وذهبوا إلى أن الرّباعيّ والخماسيّ ما هما إلاَّ ثلاثيان مزيدان، وسنقف على تفصيل لهذا الرأي في الكلام عن الرّباعيّ؛ إن شاء الله. وأوزان الثّلاثيّ الممكنة اثنا عشر وزنًا؛ بضرب حركات الفاء الثلاث في أحوال العين الأربعة. واتفقوا على أن المستعمل المستفيض منها عشرة؛ وهي٣:
١- (فَعْل) كـ (بَكْرٍ) .
٢- (فَعَل) كـ (فَرَسٍ) .
٣- (فَعِل) كـ (كَتِفٍ) .
٤- (فَعُل) كـ (عَضُدٍ) .
٥- (فِعْل) كـ (حِبْرٍ) .
٦- (فِعَل) كـ (عِنَبٍ) .
٧- (فِعِل) كـ (إِبِلٍ) .
٨- (فُعْل) كـ (قُفْلٍ) .
٩- (فُعَل) كـ (صُرَدٍ) .
١٠- (فُعُل) كـ (عُنُقٍ) .
_________________
(١) ١ ينظر: الجمهرة ٣/١٣٠٦، والمزهر٢/٣١٧. ٢ ينظر: الإنصاف ٢/٧٩٣، وشرح الشافية للرضي ١/٤٧. ٣ ينظر: المقتضب ١/٥٣-٥٥، وشرح الشافية للرضي ١/٣٥.
[ ١ / ٩٩ ]
واختلفوا في (فُعِلٍ) و(فِعُلٍ) فأهمله بعضهم؛ لاستثقال الخروج من ثقيل إلى ثقيل يخالفه١، وقالوا: إن الأول لم يرد إلاَّ في (الدُّئِلِ) وهو دويبة شبيهة بابن عِرْس، وجاء الثَّاني في (الحِبُك) على قراءة أبي مالك الغفّاري: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ . وقد قيل إنَّ (الحِبُك) من تداخل اللُّغات.
أمَّا الفعل فله ثلاثة أوزان في الماضي؛ وهي: (فَعَلَ) (فَعِلَ) (فَعُلَ) .
ومن الثّلاثيّ نوع تماثلت حروفه أو بعضها؛ وذلك على النحو التالي:
الأوّل: ما تماثلت حروفه الثلاثة؛ نحو قولهم: (غلام بَبَّةٌ) ٢ أي: سمين، وهو - أيضًا - الأحمق الثقيل، وقال الفرزدق:
وبايعْتُ أقوامًا وفيتُ بعهدهم وبَبَّةُ قد بايعتُهُ غيرَ نادمِ ٣
والفعل منه: بَبَّ يَبِبُّ بَبًّا وبَبَبًا ٤.ومن ذلك (القَقَقَةُ) ٥ وهي الغربان الأهلية.
وقالوا: (زَزَزْتُه زَزًّا: صَفَعْتُه) ٦. وقد ذكروا أن ما تماثلت أصوله الثلاثة نادر؛ ولم يأت منه إلاَّ بضعُ
_________________
(١) ١ ينظر: شرح الشافية للرضي ١/٣٥، ٣٦. ٢ ينظر: ليس في كلام العرب ٣٦، ٣٧. ٣ ينظر: الصحاح (ببب) ١/٨٩، والتكملة والذيل والصلة (ببب) ١/٦٩، وليس في ديوان الفرزدق المطبوع بتحقيق الصاوي أو فاعور. ٤ ينظر: المزهر ٢/٤٣. ٥ ينظر: التهذيب ٩/٣٧٧، واللسان (ققق) ١٠/٣٢٣. ٦ ينظر: المساعد ٤/٢٢.
[ ١ / ١٠٠ ]
كلمات ١.
الثاني: ما تماثل بعض حروفه؛ فمما عُدَّ في الثّلاثيّ من هذا ما تماثل فيه الفاء والعين، أو الفاء واللام، أو العين واللام، أو اللام وبعدها، أو ماثل فيه حرفان حرفين. وفيما يلي بيان ما تقدم، وذكر ما وقع في بعضه من خلاف.
ا- ما ماثلَ فاؤُهُ عينَه:
ومثال ذلك (دَدَنٌ) ومنه يقال لنوع من السيوف: (الدَّدَانُ) ٢.
ومنه (يَيَنٌ) وهو اسم وادٍ أسفل الفَرْشِ٣ بضواحي المدينة، و(قِقِنْ قِقِنْ) ٤ حكاية صوت الضحك. ومنه ما فصل بين الحرفين بحرف زائد؛ نحو: (كَوْكَبٍ) و(قَوْقَلٍ) وهو: الذَّكر من القطا والحجل؛ فالواو زائدة في المثالين٥ فوزنهما (فَوْعَل) . ونحو ذلك (زِيْزَيْزَمٌ) وهو حكاية صوت الجنّ، فإنه (فِيْعَيْعَل) ٦ قال الراجز٧:
_________________
(١) ١ ينظر: ليس في كلام العرب ٣٦، ٣٧، والمنصف ٢/١٨٢، والمزهر ٢/٤٣. ٢ ينظر: اللسان (ددن) ١٣/١٥١،١٥٢. ٣ ينظر: اللسان (يين) ١٣/٤٦٥. ٤ ينظر: المحكم ٦/٣٧٢، واللسان (ققن) ١٣/٣٤٧. ٥ ينظر: المساعد٤/٥٨. ٦ ينظر: المنصف٣/١٠٥، والمساعد٤/٥٨. ٧ ينظر: المنصف ٣/١٠٥، وأبنية الأسماء والمصادر١٣أ، والذي في ديوان رؤبة ١٨٤= =: «زِيْزِيَما» بزاءين؛ آخرهما مكسورة، وياءين آخرهما مفتوحة، وفي اللسان (زيز) ٥/٣٥٩ ما يأتي: "زِيْ زِيْ: حكاية صوت الجن؛ قال: تسمع للجن به زِيْ زِيْ زِيَا "
[ ١ / ١٠١ ]
تَسْمَعُ للجِنِّ بِهِ زِيْزَيْزَمَا
وثمة خلاف في نحو (كوكَبٍ) فالخليل يرى أنه من الرّباعيّ١.
ونُسب إلى بعض النحويين أن الحرف الأول في نحو (كوكَبٍ) زائد، والواو أصليةٌ؛ فيكون اشتقاقه من (وَكَبَ) وقد نَصَّ على ذلك الأزهري بقوله: "قال الأصمعي: وذكر الليث الكوكبَ في باب الرّباعيّ، ذهب إلى أن الواو أصلية؛ وهو عند حُذَّاق النحويين: كوكبٌ من باب (وكبَ) صُدِّرَ بكاف زائدة"٢. فينبغي - على ما روى الأزهري - أن يكون وزنه (كَفْعَل) .
والذي عليه أكثر أهل اللغة أنّ الواو زائدة، والكاف الأولى فاء الكلمة، والكاف الثانية عينها.
ولا خلاف في نحو (حَمَام) و(همومٍ) و(خفيفٍ) .
ب- ما ماثَلَ فَاؤُه لامَهُ:
وذلك نحو: (سَلِسٍ) وهو اللين السهل، والشيء المرن، و(قَلِقٍ) وهو المنزعج المضطرب، و(دَعْدٍ) عَلَمٌ، و(السَّجَسِ) وهو الماء المتحرك.
_________________
(١) ١ ينظر: العين٥/٤٣٣. ٢ التهذيب١٠/٤٠٢.
[ ١ / ١٠٢ ]
وهذا النوع من الثّلاثيّ قليل١جدًا.
ج- ما ماثلَ عينُهُ لامَهُ:
ويكون مدغمًا أو غير مدغم، فالمدغم نحو (شَدَّ) و(صَدَّ) و(هَمَّ) وغير المدغم نحو (القَصَصِ) و(الجَلَلِ) و(الصَّدَدِ) . ويسمى ما ماثلَ فاؤُهُ عينَهُ، وما ماثلَ عينُهُ لامَهُ؛ الثّلاثيّ المضعَّف، أو المضاعف، والأخير كثير في العربية٢.والأنواع الثلاثة المتقدمة وُضعت في باب (الثّنائيّ) من معاجم التقليبات؛ بسبب الصَّنْعَة المعجمية لنظام تلك المعاجم؛ كما تقدم٣.
وثمة كلام لابن القطاع ذو صلة بما نحن فيه؛ وهو أن الثّنائيّ ما كان على حرفين من حروف السلامة، ولا يخرجه من ذلك تكرار فائه أو عينه، ويمكن توجيه كلامه بما يوافق صنيع المعجميين في مدرسة التقليبات. وجمهور اللغويين والصرفيين يعدون هذه الأنواع الثلاثة من الثّلاثيّ.
قال ابن جِنِّي: "اعلم أنه متى اجتمع معك في الأسماء والأفعال حرف أصلٌ ومعه حرفان مثلان لا غير؛ فهما أصلان؛ متصلين كانا أو
_________________
(١) ١ ينظر: الممتع١/٢٥٨، ٢٥٩. ٢ ينظر: شرح الشافية للرضي١/٣٤. ٣ ينظر: ص (٧٠-٧٤) من هذا البحث.
[ ١ / ١٠٣ ]
منفصلين"١.
د- ما ماثَلَ لامُهُ ما بعدَه:
وهذا نوع من الثّلاثيّ يأتي على صورة الرّباعيّ (فعلل) فيكون على (فُعْلُل) نحو: (القُعْدُدِ) وهو الجبان اللَّئيم، وعلى (فَعْلَلٍ) نحو (القَرْدَدِ) وهو الوجه، وعلى (فِعْلِلٍ) نحوِ (الرِّمْدِدِ) وهو الكثير الدقيق، وعلى (فُعْلَلٍ) نحوِ (قُعْدَدٍ) . وهذا النوع ملحق بأوزان الرّباعيّ المذكورة؛ فحرفه الأخير زائد٢.
وربما جاء على صورة الخماسيّ؛ مثل (عَفَنجَجٍ) وهو الضخم الأحمق؛ فهو ثلاثي ملحق بالخماسيّ؛ نحو (سَفَرْجَلٍ) فالنون والجيم الأخيرة زائدتان؛ فيكون من (ع ف ج) .
وربما جاء على صورة الخماسيّ؛ دون أن يكون المضعف زائدًا؛ وذلك نحو (أَلَنْجَجٍ) وهو عودٌ طَيِّبُ الرائحة؛ فإن نونه زائدة لا محالة؛ لوقوعها ثالثة ساكنة؛ فتبقى أربعة أحرف (فلا يخلو- حينئذٍ - أن يكون مكرر اللام؛ كباب: قُعْدَدٍ، وشُرْبُبٍ، أو مزيدةً في أوله الهمزة؛ كأحمرَ، وأصفرَ، وإثمدٍ. وزيادة الهمزة أولًا أكثر من تكرير اللام آخرًافتبقى الكلمة من تركيب (ل ج ج) فمِثلاها - إذن - أصلان) ٣ وكذلك (يَلَنْجَجٌ) و(أَلَنْدَدٌ) و(يَلَنْدَدٌ) وهو الشديد الخصومة.
_________________
(١) ١ الخصائص٢/٥٦. ٢ ينظر: المنصف١/٤١-٤٣. ٣ ينظر: الخصائص٢/٥٧.
[ ١ / ١٠٤ ]
والأخيران أوضح في الاشتقاق؛ لأنهما بمعنى (الألدِّ) فهما مشتقان من اللَّدَدِ١.
هـ - ما تكرر فيه حرفان:
وذلك على نوعين: نوع يبقى منه ثلاثة أصول عند إسقاط المثلين، ونوع يبقى منه أصلان حسب.
أما النوع الأول؛ وهو ما يبقى منه ثلاثة أصول عند إسقاط المثلين؛ فلا يخلو أن يكون المتماثلان في أوله أو في آخره؛ فإن كانا في أوله فمثاله: (مَرْمَرِيسٌ) للدَّاهية، و(مَرْمَرِيتٌ) للقفرِ؛ وهما ثلاثيان؛ لأن إسقاط المثلين يجعلهما: (مَرِيسًا) و(مَرِيتًا) ببقاء ثلاثة أصول؛ وهي الميم، والراء والسين؛ في الأول، والميم، والراء، والتاء؛ في الثاني. ويؤكد ذلك أن معناهما من (المراسةِ) و(المَرْتِ) فوزنهما –حينئذٍ- (فَعْفَعِيل) وهذا مذهب البصريين٢. وإن كانت المتماثلات في آخره؛ فمثاله: (الصَّمَحْمَحُ) وهو الشديد المجتمع الألواح، و(الدَّمَكْمَكُ) وهو الشديد، و(خُلَعْلَعٌ) وهو الجُعَلُ، و(الكُذُبْذُبُ) وهو الكثير الكذب، و(الذُّرَحْرَحُ) وهي دويبة، ووزن ذلك كله (فعلعل) وهو مذهب البصريين٣.
_________________
(١) ١ ينظر شرح الشافية للرضي٢/٣٣٥. ٢ ينظر: الإنصاف ٢/٧٩٢، وشرح الكافية الشافية ٤/٢٠٣٤، وشرح الشافية للرضي١/٦٢. ٣ ينظر: الممتع ١/١١٥، وشرح الشافية للرضي١/٦٣.
[ ١ / ١٠٥ ]
وذهب الكوفيون إلى أن وزن الأول - أعني: مَرْمَرِيسًا (فَعْلَلِيل) والثاني - أعني: صَمَحْمَحًا (فَعَلَّل) . وقد فصَّل أبو البركات الأنباري١ الخلاف في ذلك بين البصريين والكوفيين، وعزا الرَّضِيُّ٢ قولَ الكوفيين إلى الفراء. وحجة الكوفيين٣ في جعل نحو (صَمَحْمَحٍ) و(دَمَكْمَكٍ) على وزن (فَعَلَّل) قولهم: إن الأصل فيهما: (صَمَحَّحٌ) و(دَمَكَّكٌ) إلاَّ أن العرب استثقلوا جمع ثلاث حاءات وثلاث كافات؛ فأبدلوا الأوسط منهما ميمًا من جنس الحرف الثاني في الكلمة، وادَّعوا أن الإبدال - لاجتماع الأمثال - كثير في الاستعمال، وقالوا: إن الأصل في قوله ﷿: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالغَاوُون﴾ ٤: كُبِّبُوا؛ لأنه - كما يقولون - من:كَبَبْتُ الرجلَ على وجهه؛ إلاَّ أنهم استثقلوا اجتماع ثلاث باءات؛ فأبدلوا من الوسطى كافًا من جنس الحرف الأول.
واستدلوا – أيضا ً- على أنَّ: (صَمَحْمَحًا) ليس (فَعَلْعَلًا) وأنه لا يجوز أن يكون كذلك؛ لأنه لو جاز ذلك لجاز أن يقال: إن (صَرْصَرَ) و(سَجْسَجَ) وزنُهُما (فَعْفَعَ) فلما بطل أن يكونا على (فَعْفَعَ) بطل - أيضًا - أن يكون (صَمَحْمَحٌ) على (فَعَلْعَل) .
_________________
(١) ١ ينظر: الإنصاف ٢/٧٨٨، (المسألة ١١٣) . ٢ ينظر: شرح الشافية ١/٦٣. ٣ ينظر: الإنصاف ٢/٧٨٨. ٤ سورة الشعراء: الآية ٩٤.
[ ١ / ١٠٦ ]
واحتج البصريون ١ بأمور:
أحدها: أنَّ تكرار العين واللام في (صَمَحْمَحٍ) هو الظَّاهر؛ لأنَّ تكرار حرف أصليٍّ يوجب تكراره في الميزان؛ فكما أنّ وزن (ضَرَّبَ) و(قَتَّلَ): (فَعَّلَ) ووزن (احْمَرَّ) و(اصْفَرَّ) (افْعَلَّ) وجب أن يكون وزن (صَمَحْمَحٍ) و(مَرْمَرِيس) (فَعَلْعَل) و(فَعْفَعِيل) هذا هو الأصل، وهو الصحيح.
الثاني: ما ذكره الرَّضِيُّ٢ من أنه يمكن أن يستدلّ للبصريين على تضعيف (صَمَحْمَحٍ) و(بَرَهْرَهَةٍ) بجمعك إياه على صمامح، وبراره، ولو كان خماسيًا كسفرجلٍ- لقلتَ: صَمَاحِمُ.
والثالث: طعنهم٣ في قياس الكوفيين على (صَرْصَرَ) ونحوه، من الرّباعيّ المضاعف بأن ذلك باطل؛ لأن الحرف إنما يجعل زائدًا في الاسم والفعل؛ إذا كان على ثلاثة أصول سِوَاهُ؛ وهي فاء الفعل وعينه ولامه، و(صَرْصَرَ) لا يتحقق فيه ذلك؛ فلو قيل: إنّ وزنه (فَعْفَعَ) ٤ لأدى ذلك إلى إسقاط أحد أصوله الثلاثة؛ وهو اللام، وذلك لا يجوز؛ بخلاف (صَمَحْمَحً) فإنه وجد فيه ثلاثة أصول، فلما لم يؤدّ ذلك إلى محظور؛ وهو إسقاط أحد الأصول الثلاثة جاز أن يكون وزنه (فَعَلْعلا) وهو
_________________
(١) ١ ينظر: الإنصاف ٢/٧٩٢. ٢ ينظر: شرح الشافية ١/٦٣. ٣ ينظر: الإنصاف ٢/٧٩٢. ٤ أجاز الخليل – في أحد قولين عزيا له – أن يكون نحو «صرصر» على وزن (فعفع) انظر: ص (٨٩) من هذا البحث.
[ ١ / ١٠٧ ]
الظاهر، كما تجعل إحدى الدالين في (اسْوَدَّ) زائدة، ولا تجعل إحداهما زائدة في (رَدَّ) و(مَدَّ) .
ولا يطعن في حجة البصريين أنهم خالفوا في المكرر بين (صَرْصَرَ) و(صَمَحْمَحٍ) فجعلوا الأول أصلًا، والثاني مكررًا؛ لأنَّ تلك المخالفة لا مناص من وقوعها؛ كما في (اسْوَدَّ) و(رَدَّ) ولأنها وقعت –أيضًا- للكوفيين؛ حيث لزم على مذهبهم أن يكون نحو: احْقَوْقَفَ الظَّبْيُ، واغْدَوْدَنَ الشَّعْرُ، وما أشبه ذلك على وزن: (افْعَلَّلَ) وليس هذا من أوزان الأفعال، ولم يقولوا به، ولكنهم يقولون: إن وزنه (افْعَوْعَلَ) كما يقول البصريون. وبالجملة؛ فإن مذهب البصريين أقوى حجةً، وهو مذهب جمهور اللغويين، والصرفيين؛ من المتقدمين والمتأخرين.
أما النوع الثاني: وهو ما يبقى منه أصلان عند إسقاط مِثْليه؛ فنحو (زَلْزَلَ) و(صَرْصَرَ) و(حَثْحَثَ) وهو من الرّباعيّ عند البصريين، وأكثر اللغويين والصرفيين؛ كما سيأتي بيانه عند الكلام عن الرّباعيّ- إن شاء الله -. وهو معدود في الثّلاثيّ عند الكوفيين، وبعض علماء البصريين.
وجعله ثلاثيًا عندهم يأخذ صورتين:
إحداهما: أنه (فَعْفَلَ) .
والأخرى: أنه (فَعَّلَ) .
وهما يؤديان إلى أصل ثلاثي واحد في نهاية الأمر، وفيما يلي بيان ذلك:
[ ١ / ١٠٨ ]
أ- فَعْفَلَ: من العلماء من يرى أن الحرف الثالث في نحو (زَلْزَلَ) و(صَرْصَرَ) تكرير للحرف الأول؛ كتكرير السين في (كَسَّرَ) والدال في (قَرْدَدٍ) فيكون وزنه – حينئذٍ - (فَعْفَلَ) فأصل زَلْزَلَ (ز ل ل) وأصل صرصرَ (ص ر ر) وأصل كبْكَبَ (ك ب ب) وهكذا.
وأول من عُزي إليه القول بهذا الرأي هو الخليل١ وهو أحد رأيين عزيا له في ذلك، وعُزي -أيضًا- إلى جماعة من العلماء؛ منهم: قُطْرُبٌ٢ (ت ٢٠٦هـ) والفراء ٣ (ت ٢٠٧هـ) وابن كيسان٤ (ت ٢٩٩هـ) في أحد قوليه، والزجاج٥ (ت ٣١٠هـ) وارتضى ابن القطاع (ت ٥١٥هـ) هذا المذهب، وأخذ به٦. وعلى هذا المذهب يكون (بُغَيبغ) وهو التيس الكبير من الظِّباء: (فُعَيْفِل) و(كِعِنْكِعٍ) للغول: (فِعِنْفِل) و(زَوَنْزَى) للقصير (فَعَنْفَل) ٧.
وهذا المذهب غير مقبول عند أكثر اللغويين والصرفيين؛ كابن
_________________
(١) ١ ينظر: أبنية الأسماء والمصادر ١١أ، والارتشاف ١/٢٤، والمساعد ٤/٦١، والتصريح ٢/٣٦٠. ٢ ينظر: أبنية الأسماء والمصادر (١١أ) والارتشاف ١/٢٤، والمساعد ٤/٦١. ٣ ينظر: معاني القرآن ٣/١١٤. ٤ ينظر: أبنية الأسماء والمصادر ١٢أ، والارتشاف١/٢٤، والمساعد١/٦١. ٥ ينظر: رسالة الملائكة ٢٨١، والارتشاف ١/٢٤، والمساعد ١/٦١. ٦ ينظر: أبنية الأسماء والمصادر (١٢أ) . ٧ ينظر: أبنية الأسماء والمصادر (١٣أ) .
[ ١ / ١٠٩ ]
جني١، والمرادي٢، الذين جعلوا ذلك بعيدًا، وكان ابن عقيل يقول في ذلك: "وأما أن وزن الكلمة (فَعْفَل) فضعيف؛ لأنه بناء مفقود"٣.
وعلل السيوطي عدم قبولهم إياه بقوله: "لأنه إن جُعِلَ كلٌّ من المثلين زائدًا أدى إلى بناء الكلمة على أقل من ثلاثة، أو أحدُهُما أدى إلى بناءٍ مفقود؛ إذ يصير وزنها على تقدير زيادة أول الكلمة (عَفْعَل) وعلى زيادة الثاني (فَلْعَل) وعلى زيادة الثالث (فَعْفَل) وكلها مفقود"٤.
ب - فَعَّلَ: وللكوفيين وبعض البصريين توجيه لنحو (زَلْزَلَ) و(صَرْصَرَ) غير ما تقدمَّ ذكره؛ وهو أن الأصل فيهما (زَلَّلَ) و(صَرَّرَ) استُثْقِل، للأمثال الثلاثة؛ فأبدل من الأوسط حرفًا من جنس الحرف الأول من الكلمة. وهم لا يأخذون بذلك على إطلاقه، بل يقصرونه٥ على ما كان ثالثه صالحًا للسقوط مع سلامة المعنى؛ نحو (كَبَّه) أي: قَلَبَه، و(كَبْكَبَه) بمعناه، و(كَفَّه) عن الشيء، و(كَفْكَفه) فهو بدل من التضعيف في (كَبَّبه) و(كَفَّفه) . ويقولون-كذلك: (تَغَلْغَلَ) في الشيء، والأصل: تَغَلَّل؛ لأنه من
_________________
(١) ١ ينظر: الخصائص ٢/٥٧. ٢ ينظر: شرح المرادي ٥/٢٤١. ٣ المساعد ٤/٦١. ٤ همع الهوامع ٢/٢١٥، ٢١٦. ٥ ينظر: مجالس ثعلب ٢/٤٦٧، وشرح الكافية الشافية ٤/٢٠٣٥، ٢٠٣٦.
[ ١ / ١١٠ ]
الغلل، وهو الماء الجاري بين الشجر؛ فيبدلون من اللام الوسطى غينًا١.
ويقولون في قول الأعشى:
وتَبْرُدُ بَرْدَ رِدَاءِ العَرُو سِ بالصَّيفِ رَقْرَقْتَ فيه العَبِيرَا ٢
إنَّ الأصل في (رقرقت) رَقَّقْتَ؛ لأنه من الرِّقَةِ؛ فأبدل من القاف الوسطى راء.
ويقولون في قول الفرزدق:
موانعُ للأسرار إلاَّ لأهلها ويُخْلِفْنَ ما ظَنَّ الغَيُورُ المُشَفْشَفُ ٣
إن الأصل في: المشفشف: المُشَفَّفُ، من: شَفَّتْه الغيرة، وشَفَّه الحزن. إلاَّ أنه استثقل اجتماع ثلاث فاءات؛ فأبدل من الوسطى شينًا. ومن أوائل من عرف عنه هذا المذهب الخليل إذ قال: "والعرب تشتق في كثير من كلامها أبنية المضاعف من بناء الثّلاثيّ المثقل بحرفي التضعيف ألا ترى أنهم يقولون: صَلَّ اللِّجامُ يَصِلُّ صليلًا؛ فلو حَكَيْتَ ذلك قلتَ: صَلَّلَ٤ تمدّ اللام وتثقّلها، وقد خففتها في الصَّلْصَلَةِ؛ وهما جميعًا صوت اللجام؛ فالثقل مدٌّ، والتضاعف ترجيع يخِفُّ فلا يتمكن؛ لأنه على حرفين؛ فلا يتقدر للتصريف حتى يُضاعفَ، أو يثقَّلَ؛ فيجيء كثير منه متفقًا على ما وصفت لك"٥.
_________________
(١) ١ ينظر: الإنصاف ٢/٧٩١. ٢ ديوانه ١٤٥، وينظر: الإنصاف ٢/٧٩٠. ٣ ديوانه ٣٨٣، وينظر: الإنصاف ٢/٧٩٠. ٤ في الأصل:صلّ؛ وهو تحريف يفسره السياق. ٥ العين ١/٥٦.
[ ١ / ١١١ ]
ولم يؤثر عن الخليل أنه قال باطِّراد ذلك. ويُعزى رأي الكوفيين - أيضًا - إلى الزجاج١ - في أحد قوليه- إلاَّ أن رأيه بختلف عن رأيهم في أنه لا يقال فيه إن الحرف الثالث مبدل من جنس الأول؛ بل يرى أن ذلك الحرف زائد ٢، لا مبدل؛ فيكون وزن (كَبْكَبَ) على رأي الزجاج: (فَعْكَلَ) وهو (فَعَّلَ) على مذهب الكوفيين. ونسبَ ابنُ جني مذهبَ الكوفيين إلى البغداديين ٣.
وعزا أبو حَيَّان٤ذلك إلى بعض الكوفيين، وذكر أن للفراء فيه قولين؛ أحدهما الذي مر، والآخر: أنه (فَعْفَعَ) كما مرَّ-أيضًا.
ونُسِبَ مثلُ هذا الرأي –أيضًا- إلى سيبويه، وذُكِرَ أنه كان يرى أن وزن (رَبْرَبَ) ونحوه (فَعَّلَ) أصله: رَبَّبَ؛ أبدلت باؤه الوسطى راءً من جنس الحرف الأول في الكلمة، وقد ذكر ذلك أبو حَيَّان٥، وتابعه معاصره ابنُ عقيل ٦، ولعله تأثر به. ولم أقف في كتاب سيبويه على مثل ذلك؛ بل وقفتُ على ضده؛
_________________
(١) ١ ينظر: شرح الكافية الشافية ٤/٢٠٣٦، وشرح المرادي ٥/٢٤١، والمساعد= =٤/٦٠. ٢ ينظر: شرح الكافية الشافية ٤/٢٠٣٦. ٣ ينظر: سر الصناعة ١/١٨٠. ٤ ينظر: الارتشاف ١/٢٤. ٥ الارتشاف ١/٢٤. ٦ ينظر: المساعد ١/٦١.
[ ١ / ١١٢ ]
وهو أنه يجعل الكلمة رباعية؛ حيث يجعل (الزَّلْزَلَةَ) في باب (الفَعْلَلَة) ١ ثم وجدتُه يقول في موضع آخر: "ولا نعلم في الكلام على مثال فعْلالٍ إلاَّ المضاعف من بنات الأربعة؛ الذي يكون الحرفان الآخران منه بمنزلة الأولين، وليس في حروفه زوائد"٢.
وهذا يؤكد أن سيبويه يرى أن نحو (زَلْزَلَ) و(حَثْحَثَ) من باب الرّباعيّ، إلاَّ أن يكون له رأي آخر؛ لم أقف عليه، وكثيرًا ما يعزى إلى سيبويه ما يخالف آراءه في الكتاب. وممن أخذ برأي الكوفيين في هذه المسألة: أبو عبيدٍ القاسم بن سلاَّمٍ٣ وابن قتيبة الذي قال في باب الإبدال من المشدد: "تَكَمْكَمَ الرجلُ، من الكُمَّةِ؛ وهي القَلَنْسُوَةُ، والأصل: تَكَمَّمَ، وتَمَلْمَلَ على فراشه، والأصل: تمَلَّل من المَلَّةِ؛ وهي الرماد الحارّ، وقال الشاعر:
باتَتْ تُكَرْكِرُهُ الجَنُوبُ
وأصله: تُكَرِّرُهُ؛ من: التكرار"٤.
ومنهم ابن دريد في قوله: "وأحسب أن قولهم: رجلٌ هَفْهافٌ؛ إذا كان خفيفًا؛ وإنما كان أصله: هَفَّافٌ؛ فثقل عليهم؛ فَفَصلوا بينهما بهاء"٥.
_________________
(١) ١ الكتاب٤/٨٥. ٢ الكتاب ٤/٢٩٤. ٣ ينظر: الارتشاف١/١١٠، والمساعد ٤/٦١. ٤ أدب الكاتب ٤٨٩. ٥ الاشتقاق ٢٣٠.
[ ١ / ١١٣ ]
ووثمة رأيٌ يعزى للسَّرِيِّ الرَّفَّاء الشاعر (ت٣٦٦هـ) يوافق رأيهم في أن نحو (زَلْزَلَ) ثلاثي؛ ولكنه يختلف عنهم قليلًا في توجيه ذلك؛ فقد نقل عنه الرَّضي ما نصه: "قال السَّريُّ الرفاء في كتاب: المُحِبِّ والمحبوب: زَلْزَلَ من: زَلَّ؛ كجَلْبَبَ من: جَلَبَ، وكذا نحوه"١.
قال الرَّضيُّ: "يعني أنه كرر اللام للإلحاق؛ فصار: زَلَّل؛ فالتَبَسَ بباب: ذَلَّلَ يُذِلِّلُ تَذْلِيْلًا؛ فأبدَلَ اللامَ الثانيةَ فاءً؛ وهو قريب"٢.
وقوله: "فالتبس بباب ذَلَّلَ " يعني أن زَلَّل يحتمل أن يكون (فَعَّل) مثل: كسَّرَ، أو يكون (فَعْلَلَ) وهو المراد للإلحاق، ولا دليل على ذلك؛ لتشابه حروفه الثلاثة الأخيرة؛ فإن كان (فَعَّلَ) فمصدره (التفعيل) وإن كان (فَعْلَلَ) بالإلحاق، فمصدره (الفَعْلَلَة) و(الفِعْلاَل) عند التضعيف؛ فأبدلَ اللامَ الثانيةَ في الكلمة من جنس الأول. وهذا أقرب من توجيه الكوفيين، ولكنه يوافقهم في أن أصل ذلك ونحوِه ثلاثي، وليس رباعيًا؛ كما يقول البصريون، ويرِدُ عليه أن فيه الإبدالَ مما ليس من حروف الإبدال؛ كالحاء في: حَثْحَثَ من الثاء في: حَثَّثَ. وإنما الإبدال عندهم يكون فيما تقاربت مخارجه.
وما حكاه الرَّضي عن السَّري الرَّفَّاء يصلح جوابًا عن اعتراضٍ قد يرد على الكوفيين في جعلهم نحو (زَلْزَلَ) ثلاثيًا على (فَعَّل) بأن يقال: إن ذلك ينافي مصدره؛ وهو (الفَعْلَلَة) و(الفِعْلال) فلو كان (فَعَّل) لقيل في
_________________
(١) ١ شرح الشافية ١/٦٢. ٢ شرح الشافية ١/٦٢، ٦٣.
[ ١ / ١١٤ ]
مصدره بعد الإبدال: زَلْزَلَ يُزَلْزِلُ تَزْلِيلًا، ولم تَقُلِ العربُ ذلك، ولا يكون في قياس كلامها. وجواب ذلك: أن اللام الأخيرة في: زَلْزَلَ زائدة؛ لإلحاق الثّلاثي بالرّباعيّ؛ فجاء مصدره على قياس الرّباعيّ.
وإن قيل: إنَّ جعلَ اللام الأخيرةِ زائدةً يؤدي إلى أن يكون أصل (زَلَزَلَ) (ز ل ز) لا (ز ل ل) قيل: إن الزاي الأخيرة مبدَلَة عن لامٍ؛ فأصلها (ز ل ل) .
ومن هؤلاءِ - أيضًا - أبو إبراهيم إسحاق الفارابي (ت٣٥٠هـ) إذ يرى أن (سَلْسَلَ) ونحوه ثلاثي، والإبدالُ عنده ليس لثقل التضعيف بل للتفريق١ بين (فَعَّلَ) و(فَعْلَلَ) ولعله يريد التفريق بينهما في المصدر؛ أي أنه يأتي في هذا النوع على (فَعْلَلَ) وليس (فَعَّلَ) فيكون ثمَّةَ تشابهٌ بين رأيه ورأي السَّريّ الرَّفَّاءِ. وهو يعلل اختيارهم في الإبدال حرفًا موافقًا للحرف الأول من الكلمة؛ بقوله في إبدال السين من اللام في (سَلْسَلَ): "وإنما أبدلت سينًا؛ دون سائر الحروف؛ لأنه ليس فيه إلاَّ سين ولام مضعفة؛ فجعلوا السين سينين؛ فاعتدل الحرف؛ سين مرتين، ولام مرتين، وكذلك سائر هذا الباب"٢.
ومنهم الجوهري (ت ٣٩٣هـ) حيث ذكر أن أصل (خَبْخَبُوا)
_________________
(١) ١ ينظر: ديوان الأدب ٣/١١٥. ٢ ديوان الأدب ٣/١١٥.
[ ١ / ١١٥ ]
بمعنى أبردوا: خَبَّبُوا، بثلاث باءات، وذكر العلة ١ التي ذكرها خاله الفارابي. واختار بدر الدين بن مالك (ت ٦٨٦هـ) مذهب الكوفيين، فيما دلّ الاشتقاق على زيادته بقوله: "إلاَّ أن يدلّ الاشتقاق على الزيادة؛ كـ (لَمْلِمْ) أمرٌ من (لَمْلَمَ) فإنه مأخوذ من (لَمْلَمْتُ) وأصله: لَمَّمْتُ؛ بزيادة مثل العين، ثم أبدل من ثاني الأمثال مثل الفاء؛ كراهية تواليها؛ فصار: لَمْلَمَ؛ وهذا أولى من جعله ثنائيًا مكررًا، موافقًا في المعنى للثلاثي المضاعف"٢.
ويوافق بدرُ الدين البصريينَ فيما لم يدل الاشتقاق فيه على الزيادة؛ كـ (سِمْسِمٍ) فإنه يحكم فيه بأصالة المكرّرَين؛ لأن أصالة أحدهما واجبة تكميلًا لأقل الأصول، وليس أصالة أحدهما بأولى من أصالة الآخر؛ فحُكم بأصالتهما معًا. وثَمَّ مصطلح لضربٍ من الثّلاثيّ - وهو معتل اللام - يرد استخدامه عند بعض الكوفيين؛ لا يخلو من إيهامٍ لمن لم يقف على حقيقته؛ وهو مصطلح (ذوات الأربعة) أو (أولاد الأربعة) . فقد عقد ابن السِّكِّيت بابًا بعنوان (مما يقال بالياء والواو من ذوات
_________________
(١) ١ ينظر: الصحاح (خبب) ١/١١٨، وفيه أنه للفرق بين (فعللل) و(فعّل) وهو تحريف صوابه (فعلل) و(فعّل) كما في ديوان الأدب ٣/١١٥، واللسان (خبب) ١/٣٤٤. ٢ شرح ابن الناظم ٨٢٨.
[ ١ / ١١٦ ]
الأربعة) ١.
ومما جاء في هذا الباب قولهم: حَكَوْتُ عنه الكلام؛ أي: حَكَيْتُ، ويقال: طَمَا الماءُ يَطْمي. ونحو ذلك. وجميع ما ذكر فيه من الثّلاثيّ؛ وليس من الرّباعيّ؛ كما أوهم العنوان.
ومن ثَمَّ تصدر التبريزي لشرح مراد ابن السِّكِّيت - وكلامه خير ما يوضح به هذا المصطلح- فقال: "ترجم هذا الباب بأنه من بنات الأربعة، والباب الذي قبله بابه من ذوات الثلاثة، وكلا البابين من ذوات الثلاثة؛ لأنّ: غارَ، وحَكَى؛ بابهما واحدٌ، إلاَّ أنَّه سلك في هذا طريقة الكوفيين؛ وذلك أنهم يقولون لما كان معتل العين من الأفعال: هو من بنات الثلاثة، وذوات الثلاثة. ولِمَا كان معتل اللام هو من بنات الأربعة لا يردُّونه إلى الأصل؛ بل يحملونه على الظاهر؛ وذلك أنَّ: غار؛ إذا رددتَ الفعل إلى نفسك قلتَ: غُرْتُ، فيكون على ثلاثة أحرف. و(حَكَى) إذا رددتَه إلى نفسك قلتَ: حَكَيْتُ؛ فيكون على أربعة أحرف؛ فلأجل هذا ترجم هذا الباب ببنات الأربعة؛ وما قبله ببنات الثلاثة"٢.
وللقاسِمِ المُؤَدِّبِ ٣ تعليلان في ذلك، قال "وإنما سمى: أولاد
_________________
(١) ١ ينظر: إصلاح المنطق ١٣٨. ٢ تهذيب إصلاح المنطق١/٣٥٧،٣٥٨. ٣ هو: القاسم بن محمد بن سعيد المؤدب، من علماء اللغة في القرن الرابع، صاحب كتاب (دقائق التصريف) لا تعرف له ترجمة. ينظر: مقدمة محققي كتابه (دقائق التصريف) ٨.
[ ١ / ١١٧ ]
الأربعة؛ لوقوع الحرف المعتل رابعَ الحروف من غابرِه ١، نحو: يَدْعو، ويَبْكي. وقيل: بل سمي:أولادَ الأربعة؛ لاستواء حروفه بحروفِ: فَعَلْتُ، مع اعتلال موضع اللام منه. وأهل البصرة يسمون هذا الباب ثلاثيًا؛ لأنهم يعتبرون فيه البناء"٢.
ثانيًا- الأصول الرّباعيّة:
الرّباعيّ عند البصريين، ومن تابعهم؛ من جمهور اللغويين والصرفيين القدامى٣: أحد أصول كلام العرب المتصَرِّف، ويكون في الأسماء والأفعال؛ نحو: (جَعفرٍ) و(دَحْرَجَ) . وذكروا أنه أقلُّ من الثّلاثيّ؛ لثقله بالحرف الرابع. والأبنية الممكنة –عقلًا- للرباعي في الأسماء ثمانية وأربعون بناءً؛ وذلك بضرب حركات الفاء الثلاثة، في أحوال العين الأربعة في حركات
_________________
(١) ١ يعني: المضارع. ٢ دقائق التصريف ٢٩٢. ٣ ينظر: العين١/٤٨، ٤٩، والكتاب٤/٢٣٠، والأصول٣/١٧٩، والتكملة للفارسي٢٢٩، والمنصف ١/٢٤،٢٥، وديوان الأدب١/٧٦،٧٧، والتبصرة والتذكرة٢/٧٤٣،٧٨٣، والوجيز في علم التصريف٢٧،٢٨، وأبنية الأسماء والمصادر ٣ب، ونزهة الطرف للميداني٥،٨، وشرح الملوكي لابن يعيش ٣٠، والتسهيل٢٩٠، ٢٩١، والارتشاف١/١٧،٣٠، وغير ذلك.
[ ١ / ١١٨ ]
اللام الأولى، وقد تخلّف معظمها؛ لالتقاء الساكنين، أو للثقل، أو لتوالي أربع متحركات١. ويكادون يُجْمِعون٢ على أنَّ أبنيةَ الرّباعيّ المستعملةَ خمسة؛ وهي:
(فَعْلَل) نحوُ (جَعْفَرٍ) .
(فِعْلِل) نحوُ (زِبْرِجٍ) .
(فُعْلُل) نحوُ (بُرْثُنٍ) .
(فِعْلَل) نحوُ (ضِفْدَعٍ) .
(فِعَلّ) نحوُ (فِطَحْلٍ) وهو دهرٌ لم يُخْلَقِ الناسُ فيه بعدُ.
وأثبت الكوفيون والأخفش بناءً سادسًا؛ وهو (فُعْلَل) ٣ بضم الفاء وفتح اللام؛ نحو (جُخْدَبٍ) و(جُؤْذَرٍ) وأنكره البصريون، وعدوه متفرعًا من (فُعْلُلٍ) إذ الفتح أخف من الضم؛ فهو ليس بناءً مستقلًا؛ ودليلهم أنَّ كل مفتوح اللام ورد فيه الضم دون العكس؛ إذ جاء
_________________
(١) ١ ينظر: تصريف الأسماء ٢٢. ٢ ينظر: المقتضب١/٦٦، والمنصف١/٢٤،٢٥، والمقتصد في شرح التكملة٢/٧٦٨، وشرح الشافية للرَّضي ١/٤٧. ٣ ينظر: شرح السيرافي٥/٧٧٠، ٦/٥، والتبصرة٢/٧٨٤، والمقتصد في شرح التكملة٢/٧٦٨.
[ ١ / ١١٩ ]
مضموم اللام؛ ولم يُسمع فيه الفتح؛ مثل (بُرْجُدٍ) وهو: كساء مخطط، و(عُرْمُطٍ) وهو: شجر بالبادية، وغيره ١.
نعم؛ وليس جعل الرّباعيّ أصلًا من الأصول محل اتفاق بين القدامى؛ فجمهور الكوفيين يخرجون من الأصول ما زاد على الثلاثة ٢، ووافقه على ذلك بصري متقدم؛ وهو أبو زيد الأنصاري، فيما حُكِيَ عنه. قال ابن دريد: "أملى علينا أبو حاتم قال: قال أبو زيد: ما بني عليه الكلام ثلاثة أحرف؛ فما زاد ردوه إلى ثلاثة، وما نقص رفعوه إلى ثلاثة؛ مثل: أَبٍ، وأخٍ، ودمٍ، وفمٍ، ويدٍ "٣.
قال ابن دريدٍ: "لا أدري ما معنى قوله: فما زاد ردوه إلى ثلاثة؛ وهكذا أملاه علينا أبو حاتم؛ عن أبي زيد، ولا أغيره"٤.
وظاهر نصه أنه موافق لمذهب الكوفيين؛ في ردهم الأصول إلى الثلاثة فحسب، أما تردد ابن دريد في فهم معنى قول أبي زيد "فما زاد ردوه إلى ثلاثة" فمردود - عندي - إلى أن مذهب الكوفيين في أصول ما زاد على الثلاثة كان مغمورًا، ولعل أبا البركات الأنباري هو الذي أسهم في نشر مذهبهم في ذلك. ومذهبهم أن كلَّ ما زاد على ثلاثة أحرف من الأسماء أو الأفعال
_________________
(١) ١ ينظر: تصريف الأسماء ٢٣، ٢٤. ٢ ينظر: الإنصاف٢/٧٩٣، وشرح المفصل لابن يعيش٦/١١٢، وشرح الشافية للرضي١/٤٧، والممتع١/٣١١، والتصريح٢/٣٥٨. ٣ الجمهرة ٣/١٣٠٦، وينظر: المزهر٢/٣١٧. ٤ الجمهرة ٣/١٣٠٦، وينظر: المزهر٢/٣١٧.
[ ١ / ١٢٠ ]
ففيه زيادة؛ فإن كان على أربعة أحرفٍ؛ نحو (ضِفْدَعٍ) و(جعفرٍ) فالزائد فيه حرف؛ وإن كان على خمسة أحرفٍ؛ نحو (سَفَرْجَل) ففيه زيادة حرفين. ثم اختلفوا في تحديد الزائد، وكيفية وزن الكلمة، بأن انقسموا ثلاثة مذاهب:
الأول: مذهب الكسائي١ وهو أن الزائد هو الحرف الذي قبل الأخير؛ أي: الفاء في (جعفرٍ والدال في (ضِفْدَع) .
الثاني: مذهب الفراء٢ وهو أن الزائد هو الحرف الأخير؛ فيكون الزائد عنده الراء في (جعفر) والعين في (ضفدع) . وذهب الفراء ٣ إلى أن الزائد في الخماسيّ الحرفان الأخيران.
ولم أقف على ما يحدد الزائد في الخماسيّ عند الكسائي، وبالقياس على مذهبه في الرّباعيّ فإن الزائد الحرفان السابقان الحرفَ الأخيرَ؛ وهما: الراء والجيم في (سَفَرْجَل) .
الثالث: أنَّ ما زاد على ثلاثة أحرف لا يوزن؛ لأنه لا يُدرى كيفية وزنه٤!!
واحتج الكوفيون لقولهم: إن نهاية الأصول ثلاثة، وما زاد عليها
_________________
(١) ١ ينظر: الإنصاف٢/٧٩٣، وشرح الشافية للرضي ١/٤٧، والممتع٣١١. ٢ ينظر: الإنصاف٢/٧٩٣، وشرح المفصل٦/١١٢، والممتع١/٣١١، والتصريح٢/٣٥٨. ٣ ينظر: الإنصاف ٢/٧٩٣، وشرح الشافية للرضي١/٤٧. ٤ ينظر: الممتع١/٣١٢، والتصريح٢/٣٥٨.
[ ١ / ١٢١ ]
فزائد، بأن قالوا: "إنما قلنا ذلك لأنا أجمعنا على أنَّ وزن جعفرٍ (فَعْلَلٍ) ووزن سفرجلٍ (فَعَلَّلٍ) وقد علمنا أن أصل (فَعْلَل) و(فَعَلَّل) فاء وعين ولام واحدةٌ، فقد علمنا أنَّ إحدى اللامين في وزن: جَعْفَرٍ زائدةٌ، واللامان في وزن سَفَرْجَلٍ زائدتان، فدلَّ على أنَّ في جعفرٍ حرفًا زائدًا من حرفيه الأخيرين، وأنَّ في سفرجلٍ حرفين زائدين؛ على ما بيَّنَّا"١. وما احتجوا به غيرُ سديدٍ من وجوه:
أحدها٢: أنَّ الحكم بزيادة الحرف لا يكون إلاَّ بدليل من الأدلة التي يعرف بها الزائد؛ كالاشتقاق والتصريف وعدم النظير، ولا شيءَ من ذلك حاصلٌ في (جعفرٍ أو (سَفَرْجَلٍ) فالقضاء بالزيادة فيهما ليس له أدنى دليل.
ثانيها: أنَّ تكرير اللام في نحو (فَعْلَل) و(فَعَلَّل) إنما وقع لأن الميزان الذي تم اختياره؛ وهو (فعل) على ثلاثة أصول؛ وهو يناسب أكثر الأصول شيوعًا؛ وهو الثّلاثيّ؛ فإن زادت الأصول على الثلاثة كُرِّرتِ اللام دون الفاء والعين؛ لأنه لما لم يكن بدٌّ في الوزن من زيادة حرف بعد اللام، أو تغيير الكلمة الموزونُ بها بكلمة رباعية؛ كـ (دَحْرَجَ) لوزن الرّباعيّ، وكلمةٍ خماسيةٍ؛ كـ (سَفَرْجَلٍ) لوزن الخماسيّ فتختلف الموازين فاختاروا الأول؛ وهو زيادة حرفٍ بعد اللام؛ ليكون الميزان موحّدًا؛ فلم يكن بدٌّ من تكرير حرفٍ في (فَعَلَ) من جنس أحد حروفه
_________________
(١) ١ الإنصاف٢/٧٩٣. ٢ ينظر: الممتع ١/٣١١،٣١٢.
[ ١ / ١٢٢ ]
الثلاثة؛ فاختاروا اللام لقربها للحرف الأخير، ولبعد الفاء والعين عنه، وكرروا اللام مرتين في الخماسيّ. وإن كان في الكلمة حرف زائد أظهروه في الميزان؛ فوزنوا لفظ (كاتِبٍ) بـ فَاعِلٍ، و(صَيْقَلٍ) بـ (فَيْعَلٍ)، و(زُرْقُمٍ) بـ (فُعْلُمٍ)؛ لتمييز الأصول من الزوائد، وهذا ممَّا يدلُّ على أنَّ مثل (جَعْفَرٍ) رباعي.
ولذا؛ فإن صحَّ ما ذهب إليه الكوفيون في أنَّ (جَعْفَرًا و(سفرجلًا) ونحوهما ثلاثيان زِيدَ فيهما، وجبَ –على ما تقدَّم- أن يكون وزنهما (فَعْفَلا) و(فَعَرْجَلا) على مذهب الكسائي، و(فَعْلَرا) و(فَعَلْجَلا) على مذهب الفراء. ومن الكوفيين من ذهب هذا المذهب١؛ فوزن الرّباعيّ؛ نحو (جعفرٍ) بـ (فَعْلَرٍ) والخماسيّ؛ نحو (فَرَزْدَقٍ) بـ (فَعَلْدَقٍ) ونحو ذلك.
وثالثها: ما ذكره سيبويه في رده على من زعم أنَّ الرَّاء في (جعفرٍ) زائدة أو الفاء، ونحو ذلك؛ بقوله: "فإذا قال هذا النحوَ جعل الحروفَ غيرَ الزوائدِ زوائدَ، وقال ما لا يقوله أحد".٢
ورابعُ ما يُضْعِفُ رأيَ الكوفيين: أنَّه يرد عليهم ما لا يستطيعون أن يزعموا أنَّ فيه زيادةً؛ وذلك المنحوت من كلمتين؛ نحو (عَبْشَمِيٌّ) و(عَبْقَسِيٌّ) من الكلمات الرّباعيّة المسلَّم بأصالة حروفها الأربعة؛ لأنها نحتت من كلمتين ثلاثيتين؛ حروفهما جميعًا أصول، وكذلك (شَقَحْطَب)
_________________
(١) ١ ينظر: الممتع١/٣١٢. ٢ الكتاب٤/٣٢٨.
[ ١ / ١٢٣ ]
من الخماسيّ؛ إن صحَّ نَّه منحوت من (شِقٍّ) و(حَطَبٍ) ١.
وانفرد أحمد بن فارس بطريقة خاصة - فيما زاد عن الثّلاثيّ؛ وهو الرّباعيّ والخماسيّ عند البصريين- التزمها في معجمه (مقاييس اللغة) ومؤدَّاها أنه لا يعتد بما زاد عن الثّلاثيّ في الأصول؛ فهو يردُّ ما زاد عن الثلاثة إلى الثّلاثيّ، بعرض الأصول الرّباعيّة أو الخماسيّة على ما قاربها من الأصول الثّلاثيّة، ورَدَّها إلى ذلك بإحدى طريقتين، وهما:
١- أن تكون منحوتةً٢.
٢- أن تكون مزيدةً٣.
وإن بقي شيءٌ خفيَ اشتقاقه، وتعسرت إعادته إلى الثّلاثيّ بإحدى هاتين الطريقين، خرَّجه على أنَّه مما وُضع وضعًا٤.
ومثال الطريقة الأولى عنده –وهي النحت- قوله ٥: إنَّ البَعْثَقَةَ؛ وهي خروج الماء من الحوض، منحوتةٌ من كلمتين: (بَعَقَ و(بَثَقَ والأولى بمعنى شقَّ الشيء وفتحه، والثانية بمعنى التَّفتّح في الماء وغيره. وقوله ٦:إنَّ (بَلْهَسَ) إذا أسرع منحوت من (بَهَسَ) و(بَلِهَ) وهو صفة الإبل.
_________________
(١) ١ ينظر: الاشتقاق لعبد الله أمين ٤١٠. ٢ ينظر: المقاييس ١/٣٣٢، ٢/٢٤٨،٣٣٦،٥٠٩، ٣/٥٢. ٣ ينظر: المقاييس ١/٣٢٨،٤٠٣،٥٠٥، ٢/١٤٣،٢٤٨،٥٠٩. ٤ المقاييس ١/٣٣٥،٥١٢، ٢/٢٥٣، ٣/٥٤. ٥ المقاييس ١/٣٣٠. ٦ المقاييس ١/٢٣١.
[ ١ / ١٢٤ ]
وقد أحصيتُ ما في (مقاييس اللغة) مما زاد فيه على الثلاثة، ونصَّ ابن فارس على الزيادة فيه فألفيتُ عدته تسعًا وثلاثين ومائتي كلمة رباعيةٍ وأن فيه عشر كلمات خماسيةٍ، قال بزيادة حرفين في كل منها. وتلك الزيادات موزعة على الكلمة من أولها إلى آخرها؛ على النحو التالي:
ما وقعت الزيادة في أوله (فائه) وعدته تسع وثلاثون كلمة١.
ومن أمثلة ذلك قوله: "البَحْظَلَةُ: قالوا: أن يقفِزَ الرَّجلُ قفز اليَرْبُوع؛ فالباء زائدةٌ"٢.
وقوله: "الحِبْجَرُ: وهو الوَتَرُ الغليظ والحاء فيه زائدة، وإنما الأصل الباء والجيم والراء"٣.
وقوله: "العَمَلَّطُ: الشديد من الرجال وهذا مما زيدَ فيه العينُ"٤.
ما وقعت الزيادة في ثانيه (عينه) وعدته ثلاث وثمانون كلمةً٥، ومنه قوله "البِرْشاعُ: الذي لا فؤاد له، فالراء زائدة، وإنما
_________________
(١) ١ المقاييس ١/٣٣٢، ٢٣٣، ٣٣٤، ٣٦٣، ٥٠٨، ٥١١، ٢/١١٤، ١٤٥، ٣٣٨، ٣٣٩، ٣٤٠، ٣٤١، ٣/٥٤، ٤/٣٥٨، ٣٦٠، ٣٦٢، ٣٦٣، ٣٦٤، ٣٦٥، ٣٦٩، ٣٧٠، ٥١٤، ٥/١١٨، ١٦٥، ٤٨٣، ٦/٧٢. ٢ المقاييس ١/٣٣٢. ٣ المقاييس ٢/١٤٤. ٤ المقاييس ٤/٣٦٨، ٣٦٩. ٥ المقاييس ١/٣٣٢، ٣٣٣، ٣٣٤، ٣٣٥، ٥٠٨، ٥٠٩، ٥١٠، ٥١١، ٥١٢، ٢/١٤٥، ٢٥١، ٢٥٢، ٣٣٧، ٣٣٩، ٣٤٠، ٣٤١، ٣/٥٢، ٥٣، ٥٥، ١٥٨؛ ١٥٩، ١٦٠، ١٧٢، ٢٧٣، ٣٥٠، ٣٥١، ٣٥٢، ٤٠٢، ٤٥٧، ٤٥٨، ٤٥٩، ٤/٣٥٧، ٣٥٨، ٣٥٩، ٣٦١، ٣٦٢، ٣٦٣، ٣٦٦، ٣٦٥، ٣٦٨، ٣٧٠، ٣٧١، ٣٧٢، ٥١٣، ٥/١١٦، ١١٧، ١١٨، ١٩٣، ١٩٤، ٥/٧١،٧٢.
[ ١ / ١٢٥ ]
هو من الباء والشين والعين"١.
وقوله: "الشُّرْسُوف وهي مَقَاطُّ الأضلاع؛ حيث يكون الغُضْرُوف الدَقيق؛ فالراء في ذلك زائدة، وإنما هو: شَسَفَ"٢.
وقوله: "العَمَيْثَلُ: الضخم الثقيل وهذا مما زيدت فيه الميم، والأصل:عَثَلَ"٣.
ج- ما وقعت الزيادة في ثالثه (لامه الأولى) وعدته سبع وخمسون كلمةً ٤. فمن ذلك قوله: "الثَّعْلَبُ: مخرج الماء من الجَرِين؛ فهذا مأخوذ من: ثَعَبَ؛ اللام فيه زائدةٌ"٥.
وقوله: "الخُذْرُوفُ: وهو السريع في جريه، والراء فيه زائدة"٦.
وقوله: "العُبْسُورَةُ والعُبْسُرَةُ: الناقة السريعة والسين في ذلك
_________________
(١) ١ المقاييس ١/٣٣٢. ٢ المقاييس ٣/٢٧٣. ٣ المقاييس ٤/٣٧١. ٤ المقاييس ١/٤٠٣، ٥٠٩، ٢/١٤٤، ١٣٦، ٢٤٨، ٢٥٠، ٢٥١، ٢٥٢، ٢٥٣، ٣٣٧، ٣٣٩، ٣٤٠، ٥٠٩، ٥١٠، ٣/٥٤، ١٥٩، ١٦٠، ٢٧٢، ٢٧٣، ٣٥٠، ٣٥١، ٣٥٢، ٤٠٢، ٤٥٧، ٤٥٨، ٤/٣٧١، ٣٧٢، ٤٣٠، ٤٣١، ٣٥٧، ٣٥٩، ٣٦٢، ٣٦٣، ٣٦٧، ٣٦٨، ٥/١١٦، ٦/٧١، ٧٢. ٥ المقاييس ١/٤٠٣. ٦ المقاييس ٢/٢٥٢.
[ ١ / ١٢٦ ]
زائدة"١.
د-ما وقعت الزيادة في رابعه (لامه الثانية) وعدته ستون كلمة ٢.
فمثاله قوله: "ومن ذلك قولهم للقصير: جَعْبَرٌ وتكون الراء زائدة"٣.
وقوله: "الخَدَلَّجَةُ: وهي الممتلئة الساقين والذراعين، والجيم زائدة، وإنما هو من الخدالة"٤.
وقوله: "بعير قُرَامِلٌ عظيمُ الخَلْقِ؛ وهذا مما زيدت لامه، وأصله القَرْمُ"٥.
ويلَخِّصُ الجدول التالي الزوائدَ في كل موقع من الرّباعيّ عند ابنِ فارس:
موقع الزيادة الحرف الأول الحرف الثاني الحرف الثالث الحرف الرابع
العدد ٣٩ ٨٣ ٥٧ ٦٠
النسبة ١٦.٣١% ٣٤.٧٢% ٢٣.٨٤% ٢٥.١٠%
_________________
(١) ١ المقاييس ٤/٣٦٧، ٣٦٨. ٢ المقاييس ١/٣٢٩، ٣٣٢، ٣٣٣، ٣٣٤، ٥٠٩، ٢/١٤٣، ١٤٤، ١٤٥، ١٤٦، ٢٤٨، ٢٤٩، ٥١٠، ٥١١، ٣/٥٢، ٥٤، ١٦٠، ٢٧٤، ٣٤٩، ٣٥١، ٤٠١، ٤٠٢، ٤٥٧، ٤٥٨، ٣٥٩، ٣٦٠، ٣٦٢، ٣٦٣، ٣٦٥، ٣٧٠، ٣٧٣، ٤/٥١٣، ٥١٤، ٥/١١٧، ١١٨، ١٩٣، ٤٨٣، ٤٨٤، ٦/٧١، ٧٢. ٣ المقاييس ١/٥١٠. ٤ المقاييس ٢/٢٤٨. ٥ المقاييس ٥/١١٨.
[ ١ / ١٢٧ ]
ويفهم من هذا الجدول أنَّ الثاني هو أكثر المواقع زيادةً عند ابن فارس، أما أقلها زيادةً فهو الحرف الأول. ومن أمثلة الخماسيّ –وهو قليل عند ابن فارس- قوله: "الشَّمَرْدَلُ، وهو الرجل الخفيف في أمره، ويقال: الفتي القوي من الإبل، وأيُّ ذلك كان؛ فهو من: شَمَرَ"١٠
وقوله: "القَلَهْذَمُ: يقال هو صفة للماء الكثير؛ وهذا مما زيدت فيه اللام والهاء؛ وهو من القذْمِ؛ وهو الكثرة"٢.
وقوله: "العَنْتَرِيسُ: الناقة الوثيقة، وقد يوصف به الفرس وهذا كله مما زيدت فيه التاء والنون –أيضًا- زائدة"٣.
ومن أهمِّ ما يلحظ في زوائد ابن فارس أنه لا يقصرُها على حروف الزيادة؛ بل كل الحروف –تقريبًا- تقع عنده زائدة. وسيأتي تفصيل ذلك في الكلام على حروف الزيادة - إن شاء الله -.
ومن ذلك أنَّه ذكر في باب (ما زاد على الثلاثة) كلماتٍ ليست منه؛ بل هي ثلاثيةٌ؛ كـ (الشَّوْقَبِ) ٤ و(الزُّعْرُور) ٥ و(العَيْهَرَةِ)
_________________
(١) ١ المقاييس ٣/٢٧٤. ٢ المقاييس ٥/١١٦. ٣ المقاييس ٤/٣٦٦. ٤ المقاييس ٣/٢٧٢. ٥ المقاييس ٣/٥٣. ٦ المقاييس ٤/٣٥٧.
[ ١ / ١٢٨ ]
وهي (ش ق ب) و(ز ع ر) و(ع هـ ر) .
أما النوع الثالث مما زاد على الثلاثة؛ وهو عند ابن فارس (ما وُضِعَ وضعًا) بحيث لا يعرف اشتقاقه؛ فذكر١ منه (البَهْصَلَةَ) وهي المرأة القصيرة، و(البَحْزَجَ) وهو ولد البقرة، و(بَرْشَمَ) الرجل إذا وَجَمَ. وقد اعتاد ابن فارس أن يذيِّل بهذا النوع كل باب - تقريبًا - من أبواب ما زاد على الثلاثة.
على أنه كان مترددًا في أمره؛ فلم يجزم به؛ بل يشير - في كثير من الأحيان - إلى تردده كقوله: "ومما وُضعَ وضعًا، وقد يجوز أن يكون عند غيرنا مشتقًا"٢.وقولِه: "ولا أظن له قياسًا"٣ وقولِه: "ولعل له قياسًا لا نعلمه"٤.
وربما شك ابن فارس في صحة النقل عن العرب؛ كقوله: "وكل الذي ذكرناه مما لا قياس له، وكأنَّ النفس شاكّةٌ في صحته، وإن كنَّا سمعناه"٥.
ويلخّص ابن فارس الطرق الثلاث؛ التي اعتمدها فيما زاد على الثَّلاثة في قوله: "وسبيل هذا سبيل ما مضى ذكره؛ فبعضه مشتق ظاهر الاشتقاق، وبعضه منحوت بادي النحت، وبعضه موضوع وضعًا، على
_________________
(١) ١ المقاييس ١/٣٣٥. ٢ المقاييس ٢/٢٥٣. ٣ المقاييس ٣/٤٠٢. ٤ المقاييس ٤/٥١٤. ٥ المقاييس ٣/٤٥٩.
[ ١ / ١٢٩ ]
عادة العرب في مثله"١.
هذا مذهب ابن فارس فيما زاد على الثلاثة من الأصول، وهو مذهب تفردَّ به؛ وإن كان فرعًا على مسلك الكوفيين؛ لا سيما في الزوائد؛ على أنَّ له فيه مذهبًا خاصًا؛ فهو يخالف الكسائي والفراء في عدم تقيده بموقع الزائد؛ فقد يكون هذا الزائد في آخر الكلمة؛ كما قال الفراء، وقد يكون في الحرف الذي قبل الأخير؛ كما قال الكسائي، وقد يكون في غير ذلك، كأن يكون في أول الكلمة، أو في ثانيها، أو في ثالثها في الخماسيّ. ومذهب ابن فارس في الزوائد يحتاج إلى دراسة تحليلية موسعة ليس هذا مكانها.
وأما مذهب البصريين في عدّ الرّباعيّ أصلًا من الأصول –فهو المذهب الصحيح الذي يؤيده الاشتقاق والتصريف؛ وهو المذهب الذي كتب له الانتشار والاستمرار. وما احتجّ به الكوفيون لنفي الأصول الرّباعيّة ضعيف لا يعوَّل عليه.
وثمة تفصيل في الرّباعيّ؛ فمنه ما اختلفت أحرفه الأربعة؛ وهو الكثير؛ نحو: جعفرٍ، ودَحْرَجَ، وأمرُ هذا النوع واضح، ومن الرّباعيّ نوع تكرر بعض حروفه؛ فمنه ما تكرر فيه حرف واحدٌ، ومنه ما تكرر فيه حرفان، وفيما يلي تفصيل ذلك:
_________________
(١) ١ المقاييس ٢/٢٥٣.
[ ١ / ١٣٠ ]
أوَّلًا: ما تكرَّرَ فيه حرف واحد؛ وفيه تفصيل:
أ- ما ماثلَ أولُه ثانيه: مع اختلاف الثالث والرابع؛ نحو (دَيْدَبُونٍ) في قول الشاعر:
خَلّوا طَرِيقَ الدَّيْدَبُونِ وقد فاتَ الصِّبَا وتُنُوزِعَ الفَخْرُ١
أي: اللهو أو الباطل، وهو رباعي٢؛ وأصوله (د د ب ن) ووزنه (فَيْعَلُول) .
ومثله (زَيْزَفُونٌ) وهي الناقة السريعة؛ في قول أمَيَّة بن أبي عائذ:
مَطَارِيحَ بالوَعْثِ مَرَّ الحُشُو رِ هاجَرْنَ رَمَّاحَةً زَيْزَفُونَا ٣
وهو رباعي٤؛ وأصوله (ز ز ف ن) ووزنه (فَيْعَلُول) .
وثمة تداخل أصول في هذه الكلمة بين الثّلاثيّ والرّباعيّ، وقد كان ابن جني مترددًا في أصولها؛ فقال مرةً: إنها رباعية٥، وأظهر تردده في موضع آخر؛ فقال: (وهي في ظاهر الأمر: (فَيْفَعُول) من (الزَّفَنِ) لأنه ضرب من الحركة مع صوتٍ. وقد يجوز أن يكون: زيزفونٌ رباعيًا قريبًا من لفظ الزَّفنِ، ومثله من الرّباعيّ: دَيْدَبُون) ٦.
_________________
(١) ١ ينظر: الخصائص٢/٢٢، واللسان (د د ن) ١٣/١٥٢. ٢ ينظر: الخصائص ٢/٢٢. ٣ ينظر: شرح أشعار الهذليين٢/٥١٩، والخصائص٣/٢١٥. ٤ ينظر: الخصائص ٢/٥٨. ٥ ينظر: الخصائص ٢/٥٨. ٦ الخصائص٣/٢١٦.
[ ١ / ١٣١ ]
وجعله السيرافي١ ثلاثيًا من الزَّفنِ، ورجَّح ابن عصفور٢ كونَه رباعيًا.
ب - ما ماثل أولُه ثالثَه؛ مع اختلاف الثاني والرابع؛ نحو (قَرْقَلٍ) وهو قميص للنساء، و(جَرْجَمَ) إذا شرب الشراب، و(فَرْفَخٍ) وهو نبات الرِّجْلَةِ، و(زَهْزَقَ) إذا أكثرَ الضحك، و(القَرْقَمَةِ) وهي ثياب كتان بيض؛ فحروفه الأربعة أصول٣، ولا يجوز أن يقال: إن وزنه (فَعْفَل) .
ج- ما ماثل أولُه رابعَه: مع اختلاف ثانيه وثالثه؛ نحو (قُرْبَقٍ) وهو دكَّان البقال، و(صَعْفَصَةٍ) وهو نوع من اللحوم يطبخ بخل، و(سَعْلُوسٍ) وهو موضعٌ؛ وذلك ونحوه حروفه الأربعة أصول٤،ولا يجوز أن يقال: إن وزنه (فَعْلَف) .
د - ماثل ثانيه رابعَه؛ فمن ذلك (قِسْطَاسٌ) و(شَعَلَّعٌ) وهو الطويل، و(الهَزَنْبَزُ) و(الهَزَنْبَزَانُ) وهو الحديد الوثاب من الرِّجال؛ وهو رباعي٥.
ثانيًا: ما تكرر فيه حرفان:
ومثاله (زَلْزَلَ) وهذا النوع من أكثر الأصول مَدْعاةً للتداخل، وجملة القول في مذاهبهم فيه ما يلي:
١-إنه ثنائيٌّ؛ ووزنه (فَعْفَع) .
_________________
(١) ١ ينظر: الممتع ١/١٣٨. ٢ ينظر: الممتع ١/١٣٨. ٣ ينظر: الخصائص٢/٥٧. ٤ ينظر: الخصائص ٢/٥٨. ٥ ينظر: الخصائص ٢/٥٨.
[ ١ / ١٣٢ ]
٢-إنه ثلاثي؛ ووزنه (فَعَّل) أو (فَعْفَل) .
٣-إنَّه رباعي؛ ووزنه (فَعْلَل) .
وقد مرَّ بنا ما يتصل بالثّنائيّ والثّلاثيّ، وفيما يلي تفصيل المذهب الثالث المتصل بالرّباعيّ؛ وهو أوسع المذاهب فيه انتشارًا بين اللغويين؛ وهو المشهور ١؛ وهو مذهب البصريين.
ومن أقدم من قال به سيبويه؛ حيث قال: "ولا نعلم في الكلام على مثال (فَعْلال) إلاَّ المضاعف من بنات الأربعة؛ الذي يكون الحرفان الآخران منه بمنزلة الأولين؛ وليس حروفه زوائد ولا نعلم المضاعف جاء مكسور الأول إلاَّ في المصدر، نحو: الزِّلزال "٢.
وأخذ به المبرد في قوله: "وليست الثُّرَّةُ عند النحويين البصريين من لفظ الثَّرْثَارَةِ، ولكنها في معناها"٣. ونقل ابن عقيل أن المبرد سامح فيه ورجَّح أن يكون رباعيًا٤.
ومنهم المازني٥ الذي جعل ذلك رباعيًا. ومنهم أبو علي الفارسي٦، وذكره في باب الفعل الرّباعيّ؛ نحو (قَلْقَلْتُه) و(زَلْزَلْتُه) فجعله رباعيًا مضاعفًا.
_________________
(١) ١ ينظر: لحن العامة للزبيدي ١٢٤. ٢ الكتاب٤/٢٩٤، ٢٩٥. ٣ الكامل ١/٨، ٩. ٤ ينظر: المساعد٤/٦١. ٥ ينظر: المنصف٢/١٧٨. ٦ ينظر: التكملة ٢٢٠.
[ ١ / ١٣٣ ]
وكان أبو عليٍّ يرى أن مذهب القائلين بالإبدال فيه ليس بسديد؛ لتباعد حروفه؛ فقد ذكر ابن جني رأي من قال: إنَّ (حَثْحَثَ) أصله: حثَّثَ؛ بإبدال الثاء الوسطى حاءً؛ بقوله: "وسألتُ أبا عليٍّ عن فساده؛ فقال: العلة في فساده أن أصل القلب في الحروف إنما هو فيما تقارب منها؛ وذلك: الدال والطاء والتاء، والذال والظاء والثاء، والهاء والهمزة، والميم والنون، وغير ذلك مما تداخلت مخارجه.
فأما الحاء فبعيدة من الثاء، وبينهما تفاوت يمنع قلب إحداهما إلى أختها؛ قال: وإنما حَثْحَثَ أصل رباعي، وحَثَّثَ أصل ثلاثي؛ وليس واحد منهما من لفظ صاحبه، إلاَّ أنّ حَثْحَثَ من مضاعف الأربعة، وحَثَّثَ من مضاعف الثلاثة، فلما تضارعا بالتضعيف الذي فيهما اشتبه على بعض الناس أمرهما؛ وهذا هو حقيقة مذهبنا هذا هو الصواب"١.
وقد تبنى ابنُ جني رأيَ البصريين ممثلًا في رأي شيخه الفارسي حتى أمسى من أشدِّ المتمسكين به، ومن أكثرهم ترديدًا له في كثير من كتبه؛ كـ (المنصِفِ) و(سِرِّ صناعة الإعراب) و(الخصائص) و(المبهج في تفسير أسماء شعراء الحماسة) .
ومن ذلك قوله ردًّا على أبي إسحاق الزجاج، وهو بصري خرج عن جماعته في هذه المسألة: "وذهب أبو إسحاق في نحو: قَلْقَلَ، وصَلْصَلَ، وجَرْجَرَ، وقَرْقَرٍ، إلى أنه (فَعْفَلَ) وأن الكلمة لذلك ثلاثية وذهب إلى مذهب شاذٍ غريبٍ في أصلٍ منقادٍ عجيبٍ، ألا ترى
_________________
(١) ١ سر الصناعة ١/١٨٠، ١٨١.
[ ١ / ١٣٤ ]
إلى كثرته وهذا باب واسع جدًا، ونظائره كثيرة؛ فارتكب أبو إسحاق مركبًا وعرًا، وسحب فيه عددًا جمًا، وفي هذا إقدام وتَعَجْرُفٌ"١.
وقوله: "وهذا عند حُذَّاق أهل التصريف مُحال"٢.
وقوله في موضع آخر: "على أن أبا بكرٍ محمد بن السَّري قد كان تابع الكوفيين، وقال في هذا بقولهم. وإنما هذه أصول تقاربت ألفاظها، وتوافقت معانيها"٣. وقوله نحوًا من ذلك في (المنصف) ٤.
ومما يقوي مذهب البصريين في أنَّ هذا النوع رباعي، وليس ثلاثيًا أو ثنائيًا ما أشير إلى بعضه من قبلُ؛ وهو كما يلي:
١- قولهم في مصدره (فَعْلَلَة) و(فِعْلال) كـ (الزَّلزلة) والزِّلزال (فلو كان ثلاثيًا مضعَّفًا لجاء مصدره على (التَّفعيل) كـ (كسَّر تكسيرًا.
٢- يؤدّي رأي من قال بإبدال الثالث من جنس الأول للثقل إلى الإدعاء بوقوع الإبدال من حروفٍ غير متقاربة المخارج؛ لا يقع بينها الإبدال في العادة؛ كالحاء والثاء في (حَثْحَثَ) والكاف والباء في (كبكب) . بل إن سبيلهم؛ إذا استثقلوا التضعيف، غير ذلك؛ وهو فك التضعيف بإبداله بحرف العلة؛ كقولهم في: تَظَنَّنْتُ: تَظَنَّيْتُ ٥؛ دون
_________________
(١) ١ الخصائص ٢/٥٢، ٥٣. ٢ المنصف٢/٢٠٠. ٣ سر الصناعة١/١٨١. ٤ ٢/١٩٩، ٢٠٠. ٥ ينظر: المساعد٤/٦١.
[ ١ / ١٣٥ ]
تَظَنْظَنْتُ، وقصيت أظفاري في: قَصَّصْتُ١.
ثالثًا- الأصول الخماسيّة:
هذا النوع هو ثالث الأصول عند البصريين، ومن تابعهم؛ من جمهور اللغويين والصرفيين؛ وهو مخصوص بالأسماء دون الأفعال، وأقلُّ الثلاثة في الكلام؛ كما نصَّ عليه سيبويه٢.
وللعلماء تفسيرات في اختصاصه بالأسماء دون الأفعال، ومنها:
أ- أنَّ الفعل مُعَرَّض للزوائد من أوله وآخره؛ كقولهم: دحرجتُه فتدحرَجَ، فلو بنيتَ من الخماسيّ لكان تقديره: سَفَرْجَلتُهُ فتسَفَرْجلَ؛ وهو ثقيل كما ترى. كما أن الضمائر تلحق بالأفعال، وتصير معها بمنزلة الشيء الواحد، نحو: ضربنا وضربتم؛ فإذا جاء الخماسيّ فعلًا، ولحقته الضمائر، أفرط في الطول؛ فكان تقديره: سَفَرْجَلْتُم؛ وهو ثقيل٣.
ب - وأن الأسماء أشدُّ تمكنًا من الأفعال؛ بدليل استغنائها عن الأفعال٤، وحاجة الأفعال إلى الأسماء٥؛ فكانت أولى بالثقل؛ لتمكُّنها.
ج- وأنَّ الأسماء أصل الأفعال؛ وهي قبلها في الرتبة، وكثرةِ الأمثلة؛ فهي أولى بالخماسيّ من الأفعال، كما أنَّها أولى منها بالتنوين٦.
_________________
(١) ١ ينظر: الغريب المصنف ٢٢١أ. ٢ ينظر: الكتاب٤/٢٣. ٣ ينظر: المقتصد في شرح التكملة ٢/٧٧١. ٤ ينظر: الإيضاح في علل النحو١٠٠. ٥ ينظر: دقائق التصريف٣٧٣. ٦ ينظر: المقتصد في شرح التكملة٢/٧٧١.
[ ١ / ١٣٦ ]
وكاد الإجماع على اختصاص الأسماء بالخماسيّ؛ دون الأفعال، ينعقد؛ لولا تفرد الخليل برأي يخالف ما أجمع عليه القوم؛ إذ قال: "والخماسيّ من الأفعال نحو: اسْحَنكَكَ، واقْشَعرَّ، واسْحَنفَرَ، واسْبَكَرَّ، مبني على خمسة أحرف والألفِ، التي في: اسْحَنكَكَ، واقْشَعرَّ، واسْحَنفَرَ، واسْبَكَرَّ، ليست من أصل البناء"١.
وقال: "اعلم أن الراء في: اقشعرَّ، واسبكَرَّ، هما راءان أدغمت واحدة في الأخرى، والتشديد علامة الإدغام"٢.
وقال: "ليس للعرب بناءٌ في الأسماء، ولا في الأفعال، أكثرُ من خمسة أحرف؛ فمهما وجدتَ زيادةً على خمسة أحرف في فعلٍ أو اسمٍ، فاعلم أنها زائدة على البناء"٣.
وما ذكره الخليل ليس من الخماسيّ عند اللغويين؛ فأوله ثلاثي؛ وهو (اسحنكك) من (س ح ك) وما بعده رباعي؛ أصوله على التوالي: (ق ش ع ر) و(س ح ف ر) و(س ب ك ر) .
ويمكن توجيه ذلك بأحد ثلاثة أمور:
أحدها: أن لا يكون ذلك النصُّ للخليل؛ لأن (العين) مشكوك في نسبته له؛ وهو توجيه بعيد؛ لأن الإجماع شبه معقود على أن مقدمة (العين) من صنع الخليل أو رويت عنه؛ بدليل السند.
_________________
(١) ١ العين ١/٤٨، ٤٩. ٢ العين ١/٤٩. ٣ العين١/٤٩.
[ ١ / ١٣٧ ]
وثانيها: أن يكون ذلك من آراء الخليل المبكرة؛ التي لم تنضج؛ وهي مما يناسب مقدمات وضع المقاييس في العربية؛ التي لم تأخذ وضعها النهائي إلاَّ على أيدي تلامذة الخليل –وعلى رأسهم سيبويه- أو من جاء بعدهم.
ثالثها: أنَّ الذي دفعه إلى عدِّ تلك الأفعال من الخماسيّ أنه وجدها لا تُسْتعمل إلاَّ خماسيةً؛ أعني أنَّ الزيادة فيها لا تفارقها. ويقوي هذا الاحتمال قول سيبويه عن نوع من الزوائد:" وربما بني عليه الفعل؛ فلم يفارقه، كما أنه قد يجيء الشيء على: أَفْعَلْتُ وافْتَعَلْتُ ونحو ذلك، لا يفارقه بمعنى، ولا يستعمل في الكلام إلاَّ على بناء فيه زيادة"١.
ومثَّل له سيبويه بـ (اقْطَرَّ) النبات و(اقْطَارَّ) إذا وَلَّى، و(اقْشَعَرَّ) و(اسْحَنْكَكَ) .
ويعد سيبويه من أوائل المعترضين على مسألة أن يكون الفعل خماسيًا بقوله عن بنات الخمسة: إنها "لا تكون في الفعل البتة"٢.
ومنهم الأزهري الذي ذيَّل حديثه عن (مُسْحَنْكِكٍ) و(مُحْلَنْكِكٍ) ونحوهما باعتراضٍ على صاحب (العين) بقوله: "قلتُ: وأصل هذين الحرفين ثلاثي، صار خماسيًا؛ بزيادة نون وكاف، وكذلك ما أشبهها من الأفعال.
_________________
(١) ١ الكتاب٤/٧٦. ٢ الكتاب ٤/٢٣٠.
[ ١ / ١٣٨ ]
وأمَّا اسْحَنْفَرَ واحْرَنقَزَ فهما رباعيان، والنون زائدة؛ وبها أُلحقتا بالخماسيّ.
وجملة قول النحويين إن الخماسيّ الصحيح الحروف لا يكون إلاَّ في الأسماء؛ مثل: الجَحْمَرِشِ والجِرْدَحْلِ. وأما الأفعال فليس فيها خماسيٌّ إلاَّ بزيادة حرفٍ أو حرفين"١.
وهذا هو مذهب اللغويين والصرفيين؛ ولا أعلم أحدًا من القدامى بعد سيبويه خالف فيه.
على أنَّ حق الخماسيّ أن يكون اثنين وتسعين ومائة بناءٍ٢ إلاَّ أنَّه أُهْمِلَ معظمُها للثقل، ولالتقاء الساكنين؛ فلم يستعمل منها سوى أربعة أبنية؛ وهي٣:
١- (فَعْلَلِل) نحو (جَحْمَرِشٌ) وهي الثقيلة السَّمْجة من النساء، أو العجوز الكبيرة.
٢- (فَعَلَّل) نحو (شَمَرْدَلٍ) وهو القوي السريع الفَتِيُّ من الإبل وغيرها.
٣- (فِعْلَلّ) نحو (جِرْدَحْلٍ) وهو الضخم من الإبل.
٤- (فُعَلَّل) نحو (قُذَعْمِلٍ) وهو القصير الضخم من الإبل.
_________________
(١) ١ التهذيب ٥/٣٣٧، ٣٣٨. ٢ وذلك بضرب حركات الفاء في العين، فالعين في اللام الأولى، فاللام الأولى في الثانية، أي [٣×٤=١٢×٤= ٤٨×٤=١٩٢] . ٣ ينظر: المقتصد في شرح التكلمة٢/٧٧٠، وشرح الكافية الشافية٤/٢٠٢٤.
[ ١ / ١٣٩ ]
وزاد ابن السراج١ بناءً خامسًا؛ وهو (فُعْلَلِل) ومثاله (هُنْدَلِعٌ) ولا دليل على أصالة النون فيه٢؛ فالحكم بزيادتها أقرب؛ لأن الحرف إذا تردد بين الأصالة والزيادة مع ندرة الوزنين، كان الأولى الحكم بالزيادة؛ لكثرة ذي الزيادة٣. وقد تقدم٤ مذهب الكوفيين –ومنهم ابن فارس- وهو ردهم ما زاد عن الثلاثة من الأصول إلى الثلاثة، بالزيادة أو النحت. وما قيل هناك يقال هنا؛ ولا حاجة لإعادته.
نعم؛ وليس في كلام العرب اسم على ستة أحرف٥؛ لأن السداسي حدُّ اسمين٦ ولا يلتفت لاسمين ذكرهما ابن سيده٧ في باب السداسي؛ أحدهما: (شَاهَسْفَرَمٍ) بسكون الميم؛ وهو: ريحان الملك بالفارسية في قول الأعشى:
وشَاهَسْفَرِمْ والياسمينُ ونَرْجِسٌ يُصَبِّحُنَا في كُلِّ دَجْنٍ تَغَيَّمَا٨
_________________
(١) ١ ينظر: الأصول٣/٢٢٥. ٢ ينظر: المنصف١/٣١. ٣ ينظر: شرح الشافية للرضي١/٤٩. ٤ ينظر: ص ٦٩ من هذا البحث. ٥ ينظر: ليس في كلام العرب ١٢٥. ٦ ينظر: ديوان الأدب ١/٩٣. ٧ ينظر: المحكم ٤/٣٥٥. ٨ ديوانه ٣٤٣، والراء من الشاهد في المحكم (٤/٣٥٥) مفتوحة، وفي الديوان مكسورة، وفي المحكم: «الياسمون» بالواو.
[ ١ / ١٤٠ ]
وثانيهما: (الخَشَسْبَرَمْ) وهو من رياحين البر١.
وقد أشار إلى أنهما معرَّبان، وأولهما من الفارسية؛ وهو مركب من (شاه بمعنى الملك، و(سَبَرم وهو: الريحان. وهي في لغتها الأم (سَبَرَمْ) ٢.
وما جاء في هذا الباب في بعض المعاجم؛ وبخاصة (التاج) فهو من المعرَّب، ولا يدخل في بحث أصول العربية. هذه سبيلهم في الأصول، والذي عليه اللغويون في صناعة المعاجم هو مذهب البصريين؛ وهو أنَّ أصول ما تصرف من كلام العرب ثلاثة فحسب: ثلاثية، ورباعية، وخماسية. وقد اقتفيت في هذا البحث آثارهم في مذهبهم.
النَّحْتُ:
ومن تمام الحديث عن الأصول عند القدامى أن نعرض - بشيء من الإيجاز - لموضوع النَّحتِ، ونبين مواقفهم منه. وهو في اللغة: القطع والنقص والقشر والبَرْيُ٣.
ومعناه الاصطلاحي مأخوذ من معانيه اللغوية؛ وهو٤: أن يُعمدَ
_________________
(١) ١ ينظر: المحكم٥/٢١٠. ٢ ينظر: المعجم الذهبي ٣٦٤. ٣ ينظر: التهذيب١٤/٤٤١، واللسان (نحت) ٢/٩٨. ٤ ينظر: الاشتقاق والتعريف١٣، والنحت في اللغة العربية٦٦، والنحت في العربية١٦٣.
[ ١ / ١٤١ ]
إلى كلمتين أو جملة؛ فينزع من مجموع حروفها كلمةٌ واحدةٌ؛ تدل على ما كانت تدل عله الجملة.
والنحت جنس من الاختصار١؛ وهو لون من ألوان التركيب٢، إلاَّ أنَّه يختلف عنه بأنه تُنتقص فيه المواد المنحوت منها وتُخْتَزل؛ بخلاف التركيب الذي يُبقي على بنيتي الكلمتين.
وأقدم تعريف له –فيما وصل علمنا إليه- ما ذكره ابن فارسٍ بقوله: "ومعنى النحتِ أن تؤخذ كلمتان؛ وتنحت منهما كلمة؛ تكون آخذةً منهما جميعًا بحظٍّ"٣.
ولم ينل النحت عناية كافية عند علماء العربية القدامى؛ فلم توضع له قواعد ثابتة، وقد ذكر عند أكثرهم عرضًا؛ كما فعل الخليل وسيبويه ومن أتى بعدهما. ولعل السبب في ذلك أن ما جاء من النحت عن العرب قليل؛ لا يكاد يتجاوز ستين كلمة٤.
وأول من عرض للنحت –فيما وصلنا- الخليلُ؛ حيث ذكر قولهم: (حَيْعَلَ) و(الحَيْعَلَةُ) في قول الشاعر:
فباتَ خَيَالُ طَيْفِكِ لي عَنِيقًا إلى أن حَيْعَلَ الدَّاعي الفَلاحا٥
_________________
(١) ١ ينظر: فقه اللغة للثعالبي ٤٢١. ٢ ينظر: دراسات في اللغة ٥١، ٥٢. ٣ المقاييس١/٢٢٨، ٢٢٩. ٤ ينظر: الاشتقاق لعبد الله أمين ٣٩٣. ٥ ينظر: العين ١/٦٠.
[ ١ / ١٤٢ ]
وقول الآخر:
أقولُ لها ودَمْعُ العينِ جارٍ ألم يُحْزِنْكِ حَيْعَلَةُ المُنَادِي١
فقال الخليل: "فهذه كلمة جمعت من: حَيَّ، ومن: على، وتقول منه: حَيْعَلَ يُحَيْعِلُ حَيْعَلَةً؛ وقد أكثرتَ من الحيعلةِ؛ أي: من قولك: حيَّ على؛ وهذا يشبه قولهم: تَعَبْشَمَ الرَّجلُ، وتَعَبْقَسَ، ورجلٌ عبْشَمِيٌّ، إذا كان من عبدِ شمسٍ، أو من عبد قيس؛ فأخذوا من كلمتين متعاقبتين كلمةً، واشتقوا فعلًا؛ قال:
وتَضْحَكُ مِنٍّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ كَأَنْ لَمْ تَرَى ٢ قَبْلِي أسيرًا يمانيًا
نسبها إلى عبد شمسٍ، فأخذ العين والباء من: عبدٍ، وأخذ الشين والميم من: شمسٍ، وأسقط الدال والسين، فبنى من الكلمتين كلمةً؛ فهذا من النحت وما وُجد من ذلك فهذا بابه"٣.
ويلاحظ في النحت عند الخليل أنه يأتي من الأسماء على وزن (فَعْلَلٍ) ويشتق منه فعل رباعي على وزن (فَعْلَلَ) ويجوز عنده أن ينحت من اسمين، أو من فعلٍ وحرف؛ بشرط أن يكونا متعاقبين في جملة، أو بالإضافة. ويشير سيبويه إلى النحت في حديثه عن النسب بقوله: "وقد يجعلون للنسب في الإضافة اسمًا بمنزلة: جعفرٍ، ويجعلون فيه من حروف
_________________
(١) ١ ينظر: العين١/٦٠. ٢ أثبت حرف العلة مع الجزم. ينظر: المفضليات١٥٨، وشرح شواهد المغني٢/٦٧٥. ٣ ينظر: العين١/٦٠،٦١.
[ ١ / ١٤٣ ]
الأول والآخر، ولا يخرجونه من حروفهما ليعرف فمن ذلك عَبْشَمِيٌّ، وعَبْدَرِيٍّ"١.
وقد حاولوا أن يُقَعِّدوا له بالاستنباط من شواهده القليلة، والاعتماد على قولِ الخليل؛ فذكروا٢ أنه يؤخذ من كلٍّ من الكلمتين الفاءُ والعينُ؛ نحو (عَبْشَمِيٌّ) في عبدِ شمسٍ، وإن كان عين الثاني معتلًا أُكْمِلَ البناء بلامه؛ نحو (عَبْدَرِيٌّ) في: عبدِالقيس، وعبد الدار.
غير أن ذلك لا يطَّرد؛ وبخاصة فيما نحت من أكثر من كلمتين؛ كقولهم: (حَوْلَقَ) و(حَوْقَلَ) و(بَسْمَلَ) . ويأخذ النحت - عند القدامى- اتجاهين؛ أحدهما لجمهور اللغويين والصرفيين والنحاة؛ وهو أن ينحت من كلمتين أو من جملة على وزن (فَعْلَل) في الغالب؛ على نحو ما ذكر قبل قليل.
أمَّا الاتجاه الثاني فمذهب ابن فارس٣ وقد توسَّع في النحت؛ وهو أن ينحت على أيِّ وزن من أوزان العربية المستعملة في الرّباعيّ أو
_________________
(١) ١ الكتاب٣/٣٧٦. ٢ ينظر: شرح الشافية للرضي ٢/٧٦، وشرح التسهيل للمرادي٣٢٢ب. ٣ استأثر مذهب ابن فارس باهتمامات الدارسين المتأخرين؛ فتناوله غير واحد منهم بالدرس والتحليل والنقد. ينظر على سبيل المثال: أحمد بن فارس، لهادي حمودي ص ٣١٥-٣١٧، والاشتقاق، لعبد الله أمين ص ٤٠١-٤٠٥، والنحت في اللغة العربية، لنهاد الموسى ص ١٥٣-١٩٢، والنحت في العربية، لمحمد حسن عبد العزيز١٢-١٤، والنحت، لوجيه السمان ص ١٠١، وبنا الرّباعيّ ومعانيه، لإبراهيم السامرائي ص١٠٤-١١٤، ونشوء الفعل الرّباعيّ، لأحمد هريدي ص ١٨-٢٠.
[ ١ / ١٤٤ ]
الخماسيّ. ويُعَدُّ ابن فارسٍ من أعظم المُنَظِّرِينَ الكوفيين للأصول، ولعل الذي دعاه إلى الأخذ بهذا المذهب هو اتجاهه الكوفي، وإخلاصه لمدرسةٍ لا تعتدّ بما زاد عن الثّلاثيّ من الأصول؛ فأراد أن يرد الرّباعيّ أو الخماسيّ إلى أصلهما؛ فخرَّج ما زاد عن الثّلاثيّ على الزيادة أو النحت، ورام أن يجعل لذلك قياسًا يُتَّبع.
ووضَّح ابنُ فارسٍ مذهبه بقوله: "اعلم أن للرباعي والخماسيّ مذهبًا في القياس؛ يستنبطه النظر الدقيق؛ وذلك أن أكثر ما تراه منه منحوت، ومعنى النحت أن تؤخذ كلمتان، وتُنحت منهما كلمةٌ؛ تكون آخذةً منهما جميعًا بحظ فعلى هذا الأصل بنينا ما ذكرناه من مقاييس الرّباعيّ"١.
وما ذكره ابن فارس من المنحوت جدير بالتأمل لكثرته؛ إذ بلغ خمس عشرة ومائة كلمةٍ منحوتةٍ من كلمتين؛ باستثناء ثماني كلمات نحتن من ثلاث كلمات.
ومن أمثلة ما نحت من كلمتين قوله: "ومن ذلك: بُحْثُر، وهو القصير المُجْتَمِعُ الخَلْقِ؛ فهذا منحوت من كلمتين من: الباء والتاء والراء؛ وهو من: بترتُه فبُتِرَ؛ كأنه حُرِمَ الطول؛ فَبُتِرَ خَلقُه. والكلمة الثانية: الحاء والتاء والراء، وهو من:حَتَرْتُ وأحْتَرْتُ؛ وذلك أن لا تفضل على أحد؛ يقال: أَحْتَرَ على نفسه وعياله؛ أي: ضيَّق عليهم؛ فقد صار هذا
_________________
(١) ١ المقاييس١/٣٣٨، ٣٢٩.
[ ١ / ١٤٥ ]
المعنى في القصير؛ لأنه لم يُعْطَ ما أُعْطِيَهُ الطويل"١.
وقوله: "ومن الباب: الصَّهْصَلِقُ: الشديد الصوت الصَّخَّاب؛ يقال: امرأة صَهْصَلِقٌ: صَخَّابةٌ؛ وهذا منحوت من كلمتين: من صَهَلَ، وصَلَقَ"٢.
وقوله: "ومن ذلك: النَّهْشَلُ: الذئب، ويقال: الصقر؛ وهو منحوت من كلمتين: نَشَلَ، ونَهَشَ؛ كأنه ينشل اللحم، وينهشه"٣.
ومن أمثلة ما ينحت من ثلاث كلمات قوله: "ومن ذلك: القَلْفَعُ؛ وهو ما يَبِسَ من الطين على الأرض فَيَتَقَلَّفُ؛ وهذه منحوتة من ثلاث كلمات: من:قَفَعَ، و:قَلَعَ، و:قَلَفَ"٤.
ومنه جَعْلُه (الكُردُوسَ) ٥ وهي: الخيل العظيمة؛ منحوتة من (كرد) و(كرس) و(كدس) .
ومنه (النَّقْرَشَةُ) وهي: الحسُّ الخفيُّ؛ جعلها منحوتة من: نَقَرَ، وقَرَشَ، ونَقَشَ؛ قال: "لأنه كأنه ينقر شيئًا ويقرشه: يجمعه ويَنْقُشُهُ؛ كما يُنْقَشُ الشيء بالمنقاش"٦.
على أن ابن فارس لم يستطع أن يبني رأيه على خطةٍ علميةٍ دقيقةٍ،
_________________
(١) ١ المقاييس ١/٣٢٩. ٢ المقاييس ٣/٣٥١. ٣ المقاييس ٥/٤٨٣. ٤ المقاييس ٥/١١٧. ٥ المقاييس ٥/١٩٤. ٦ المقاييس ٥/٤٨٣.
[ ١ / ١٤٦ ]
محكمة مطرةٍ؛ وآية ذلك ما وقع له فيها من هَنَاتٍ غيرِ هَيِّناتٍ. ومن ذلك عدُّهُ كلماتٍ منحوةً تارةً ومزيدةً تارةً أخرى، مثل ١: العَسْلَقِ – وهو كل سبع جَرُؤَ على الصيد- عدَّه منحوتًا من ثلاث كلمات: عَسِقَ وعَلَقَ وسَلَقَ، ثم قرَّر أنَّ (العَسَلَّقَ) وهو الظليم –مزيد، بقوله: "ممكن أن يكون من السرعة، وتكون القاف زائدة، ويكون من العسلان، ويمكن أن تكون العين زائدة من: السَّلْقِ والتَّسَلُّقِ"٢.
والذي ينبغي في (العَسْلَقِ) و(العَسَلَّقِ) على مذهبه- أن يكونا منحوتين أو مزيدتين؛ لا أن يكون أحدهما منحوتًا، والآخرُ مزيدًا؛ وهما مجتمعان في الحروف، وفي المعنى؛ وهو السرعة في سَبُعِ الصيد والظَّلِيم. ولا أدل على تردده بين الأمرين من قوله: "الثَّعلبُ: مَخْرَجُ الماء من الجرين، فهذا مأخوذ من: ثَعَبَ؛ اللام فيه زائدة.
فأمَّا ثعلبُ الرُّمحِ فهو منحوت من: الثَّعْبِ ومن العَلْبِ؛ وهو –في خِلْقتِه - يشبه المِثْعَبَ؛ وهو مَعْلُوبٌ٣ ووجه آخر أن يكون من: العَلْبِ ومن الثَّلْبِ؛ وهو الرمح الخَوَّار؛ وذلك الطَّرَفُ دقيقٌ؛ فهو: ثَلِبٌ"٤.
والكلمتان من أصل واحد؛ بجامع الحروف فيهما والمعنى الذي يمكن أن تشتركا فيه، وهو: امتداد الشيء وانبساطه وانسيابه٥؛ ويُلْمَحُ ذلك
_________________
(١) ١ المقاييس ٤/٣٥٩. ٢ المقاييس ٤/٣٥٩. ٣ العَلْبُ: الخدش والأثر، وطريق معلوب، أي لاحب. ينظر: المقاييس٤/١٢١. ٤ المقاييس ١/٤٠٣. ٥ ينظر: المقاييس١/٤٠٣.
[ ١ / ١٤٧ ]
في انثعابِ الماء –جَرَيَانه- والثعلبِ –الحيوانِ- والثعبانِ، وثعلب الرمحِ. ومن ذلك أن العلاقة بين المنحوت منه –في بعض ما أورد من الألفاظ- ليست كاملةً؛ كورود حرف في المنحوت لا وجود له في الكلمتين المنحوتِ منهما؛ مثل (الجَعْظَار) وهو الرجل الجافي؛ عدَّه منحوتًا من كلمتين؛ هما (الجَظُّ) و(الجَعْظُ) وأغفل الراءَ؛ ولم يُبَيّن مأتاها في الكلمة المنحوتة. وقد احتاط ابن فارس لنفسه بالقسم الثالث؛ وهو ما وُضع وضعًا؛ ليخرِّج عليه ما استعصى، وخفيت عنه أصوله. على أنه يتضح في أمثلته وَلَعُهُ بالمعنى، واعتداده به؛ فلم يكن للنحت عنده قياس تصريفي واضح، ومن الصعب استنباط ذلك من أمثلته؛ على الرغم من كثرتها؛ لأنه لا طريق فيها إلى الاطراد. ولعله تلافى هذا النقص في كتابه الموسوم (المدخل إلى علم النحت) ١.
ولا يخرج ما أورده ابن فارس –في الرّباعيّ- عن ستِّ صورٍ عقليةٍ؛ لا سابعَ لها:
أولاها: إفراد الحرف الأول من كلتا الكلمتين، فكلمة (البَحْتَرِ) مثلًا منحوتةٌ من (ب ت ر) و(ح ت ر) فالكلمتان تتشابهان في حرفين، وتنفرد كل منهما بحرفٍ؛ وهو الباء للأولى؛ وهو أولها، والحاء للثانية، وهو أولها - أيضًا- فلذا عبرتُ عن ذلك بانفراد الأول من كلتا الكلمتين.
_________________
(١) ١ ذكره الصغاني، وهو مفقود. ينظر: التكملة والذيل والصلة ١/٨، والجاسوس١٢٨.
[ ١ / ١٤٨ ]
والصورة الثانية: انفراد الأول والثاني.
والثالثة: انفراد الأول والثالث.
والرابعة: انفراد الثاني والثاني.
والخامسة: انفراد الثاني والثالث.
والسادسة: انفراد الثالث والثالث.
وفيما يلي بيان ذلك بالجدول التالي:
إفراد الأول والأول
ب
ت
ر
ح
ت
ر
البحتر
إفراد الأول والثاني
ع
ف
ق
ف
ل
ق
العفلق
إفراد الأول والثالث
ب
ز
ع
ز
ع
ر
بزعر
إفراد الثاني والثاني
ز
هـ
ق
ز
ل
ق
الزهلق
إفراد الثاني والثالث
ز
ل
ق
ز
ق
م
الزلقوم
إفراد الثالث والثالث
د
غ
م
د
غ
ر
المدغمر
[ ١ / ١٤٩ ]
أمَّا ما أورده في الخماسيّ المنحوتِ فمن القلة بحيث يصعب تقنينه.
ولعل مذهب ابن فارس في النحت لم يَذِعْ؛ أو يلقَ قبولًا لدى معاصريه من القدامى؛ فلم أجد من حفل به من اللغويين والصرفيين والنحاة، أو أخذ به سوى ما كان من تخريج بعضهم الكلمةَ أو الكلمتين على مذهبه؛ كالثعالبي١ الذي جعل (الصَّلْدَمَ) من (الصَّلْدِ) و(الصَّدْمِ) والصَّهْلِقَ من (صَهَلَ) و(صَلَقَ) والتبريزي الذي ذكر أنَّ كلمة (ادْلَهَمَّ) مشتقة من (دَلَمَ) و(دَهَمَ) وذكر أنَّ (الشَّمَيْذَرَ) منحوتة من (الشَّمْذِ) و(الشَّذْرِ) ٢وقد خالفَ ابنَ فارسٍ٣ في ذلك.
وذكر بعضهم أنَّه وُجِدَ في القرن السادس مَن نحى مَنحَى ابن فارس في الأصول الرّباعيّة والخماسيّة؛ وهو الحسن بن الخَطِير المعروف بالظَّهير (ت ٥٩٨هـ) فقد ذكر ياقوت أنه سئل عما وقع من ألفاظ العرب على مثال (شَقَحْطَبٍ) فأجاب بأن ذلك يسمى في كلام العرب المنحوتَ؛ وفسره بأن معناه أن الكلمة منحوتة من كلمتين؛ كما يَنحت النجار خشبتين، ويجعلهما واحدة، فـ (شَقَحْطَبٌ) منحوت من (شِقٍّ) و(حطبٍ) .
قال ياقوت: "فسأله البُلْطِيُّ٤ أن يثبت له ما وقع من هذا المثال؛ ليعول في معرفتها عليه؛ فأملاها عليه في نحو عشرين ورقة من حفظه، وسماها
_________________
(١) ١ ينظر: فقه اللغة٤٢١، ٤٢٢. ٢ ينظر: شرح الحماسة٢/١٤٧. ٣ ينظر: المقاييس ٣/٢٧٣. ٤ هو: أبو الفتح عثمان بن عيسى النحوي البُلْطي، لغوي نحوي، شيخ الديار المصرية (ت ٥٩٩هـ) . ينظر: معجم الأدباء ١٢/١٤١-١٦٧، وبغية الوعاة ٢/١٣٥، ١٣٦.
[ ١ / ١٥٠ ]
كتاب: تنبيه البارعين على المنحوت من كلام العرب"١.
وأُعجب بعض اللغويين المتأخرين –من المعاصرين- بفكرة ابن فارس في النحت، كجُرْجِي زيدان في (الفلسفة اللغوية) وعبد القادر المغربي في (الاشتقاق والتعريب) والدكتور هادي حمودي في (أحمد بنِ فارس) . على أنهم لم يسلموا له بكل ما جاء به، وذهب بعضهم إلى حدِّ اتهامه بالظن والتخمين والتأويل البعيد٢،والبعد عن القياس٣، والتحيُّل العقلي٤، والتكلف٥ والتعجل والتخليط٦، والافتيات والاصطناع، والتعسف والشَّطط٧، وغير ذلك.
ومهما يكن من أمرٍ فإن ابن فارس - ﵀ - بذل جهدًا فذًا كبيرًا فيما عالجه في هذا الباب، وكشف عن مقدرة لغوية متميزة في التأصيل، جديرةٍ بالإعجاب والتأمل. وتكلفه في بعض أمثلة النحت لا يعني فساد مذهبه من أساسه؛ فلعلّه لامس حقيقة بعض الأصول، ويكفيه فخرًا أنه شقَّ دربًا فسيحًا لمن أراد سلوكه، والمضيَّ فيه.
_________________
(١) ١ معجم الأدباء ٨/١٠٢، ١٠٣. ٢ ينظر: المباحث اللغوية في العراق٨٦. ٣ ينظر: بناء الفعل الرّباعيّ ومعانيه١٠٤. ٤ ينظر: تهذيب المقدمة اللغوية ١٦٥، وفقه اللغة لوافي١٨٨، ١٨٩. ٥ ينظر: دراسات في فقه اللغة٢٦٧. ٦ ينظر: النحت في اللغة العربية١٧٣. ٧ ينظر: بناء الرّباعيّ ومعانيه ١٠٥.
[ ١ / ١٥١ ]
المَبْحَثُ الثَّانِي: الأصُولُ عِنْدَ المتأخِّرِينَ
سار جُمهور المتأخّرين من اللّغويّين، في أصول العربيّة، على المذهب البصريِّ١.
وثَمَّةَ طائفةٌ غيرُ قليلةٍ من المحدّثين المعنيّين بأصول العربيّة، نحتْ منحى مختلفًا في الأصول؛ بقصد إعادة درس اللُّغة باسم التّجديد والتّطوير، والاستفادة من معطيات علم اللُّغة الحديثِ؛ فتوصّلت إلى نتائج جديدة، تخالف ما استقرَّ عليه علماء العربيّة القُدامى؛ ممَّا بهر بعض طلبة العلم، وجعلهم ينظرون إلى مفهوم علماء العربيّة في الأصول على أنَّه طَورٌ تجاوزه الزَّمن، وأصبح جزءًا من التّاريخ اللّغويّ.
ومن النّظريّات الحديثة في أصول اللُّغة ما يُعدّ صدًى لنظريّة (دارْوِن) ٢ في نشوء الكائنات الحيّة وتطوّرها وارتقائها.
_________________
(١) ١ ينظر على سبيل التمثيل لا الحصر: الموجز في قواعد اللُّغة العربيّة ١٢٣، شذا العرف ٢٩،٦٧، تصريف الأفعال١١١، تصريف الأسماء١٠، المغني في تصريف الأفعال٢٦، المحيط في أصوات اللُّغة العربيّة ونحوها وصرفها ١/١٤٣، دراسات في علم الصرف ٧٠، دراسات في فقه اللُّغة١٦٦، توضيح الصرف٧٠، الفعل زمانة وأبنيته ١٠٥، دروس التصريف٢٩، في علم الصرف ١٩، دراسات في الفعل ٦١، نحو عربية ميسّرة١٤، الزوائد في الصيغ العربيّة١٥. ٢ ينظر: اللُّغة العربيّة كائن حي٢٥، وتطوّر البنية في الكلمات العربيّة١٦٦، والثنائية والألسنية السامية٣٧٦.
[ ١ / ١٥٢ ]
وقد كان لتلك النّظريّة أثر كبير في توجيه بعض العلوم الإنسانيّة، ومن بينها علم اللُّغة١، الَّذي ازدهر - في أوَّل أمره - في الغرب؛ حيث ظهرت الموازنات للُّغات الهَندو - أوربيّة، وأدّت إلى استخلاص قوانين تَحْكم التّطوّرَ اللّغويّ لتلك اللُّغات غير العربيّة.
ومن أوائل من نادى بفكرة التّطوّر اللّغويّ (فرانزبوب) أحد العلماء الألمان؛ فقد كان يرى أن اللُّغة العربيّة نشأت أُحاديَّة المَقطع. ثم توالت الدِّراسات في الغرب.
ومع انفتاح الوطن العربيّ على الشرق والغرب اطّلع كثير من أبناء العربيّة على تلك القوانين؛ فوجدت قبولًا عند طائفة منهم؛ فأرادتْ دراسةَ اللُّغة العربيّة، والوقوفَ على تطوّرها، والإفادة من معطيات علم اللُّغة الحديث؛ بالقدر الَّذي يتلاءم مع طبيعة العربيّة؛ فظهرت بعض الدّراسات الخاصّة بالعربيّة أفادت من قوانين التّطوّر اللّغويّ في تفسير أصول العربيّة٢.
وبالجملة؛ فهم يذهبون إلى أنّ أصول العربيّة تدرّجت من الأقلِّ إلى الأكثر؛ أي أنّ الثُّنائيّ أصل الثُّلاثيّ، والثُّلاثيّ أصل الرّباعيّ، والرّباعيّ أصل الخماسيّ؛ وهو ما يعني أنّ الثُّلاثيّ والرّباعيّ والخماسيّ ليست أصولًا مجرّدة، بل مزيدة.
وثَمَّةَ من يعكس ذلك؛ أخذًا بمبدأ التّخفيف؛ فيُرجّح "أنَّ
_________________
(١) ١ ينظر: نشوء الفعل الرّباعيّ٢٨. ٢ ينظر: نشوء الفعل الرّباعيّ٢٨.
[ ١ / ١٥٣ ]
الكلمات بدأت طويلةً في أصل بنائها، ثم أسهمت طائفة من العوامل المختلفة في تقصيرها؛ فكان في معظم اللُّغات ألفاظ كثيرة الحروف؛ في أقدم نصوصها، وأشدّها إيغالًا في الماضي السّحيق، ثم تطوّرت اللُّغات، وكان من أماراتِ تطوّرها ميلها نحو التقصير من بنية كلماتها، وتيسير أصواتها، وتجريدها من تنافر الحروف"١.
وفيما يلي عرض لمذاهبهم في تطوّر الأصول:
أوَّلًا- الأصول الأحادية:
أصحاب نظريّة التَّطوّر يردّون الكلام كلَّه إلى المقطع الأُحاديِّ؛ وهو الثُّنائيّ، ومنهم من يرى أنَّ الثُّنائيّ يُردّ بدروه إلى الأحادي. ومن هؤلاء عبد الله العلايليّ؛ وهو من أشدّ المتحمّسين لنظريّة التَّطوّر في العربيّة؛ فهو يقول: "وبناءً على يقيننا في هذه النظريّة؛ الَّتي تمثّل معقول العرب، لا يوجد مزيدات نشأت من اختزالٍ وما أشبهه؛ وإنما بصورة مطّردة: السُّداسيّ يرجع إلى الخماسيّ؛ وهذا إلى الرّباعيّ؛ وهذا إلى الثُّلاثيّ؛ وهذا إلى الثُّنائيّ؛ وهذا إلى الأُحادي"٢.
ثم يُعرّف الأُحادي بقوله: "وهو مجموعة حروف الهجاء؛ الَّتي هي في ظنّنا لغة الإنسان الأوَّل، المتباعد في القدم"٣.
_________________
(١) ١ دراسات في فقه اللُّغة١٦٦. ٢ تهذيب المقدمة اللغوية٧٤. ٣ تهذيب المقدمة اللغوية ٧٤.
[ ١ / ١٥٤ ]
ويُغرب العلايليّ في فكرته ويتعسّف؛ حين يضع جدولًا لحروف الهجاء؛ يحدّد فيه معنى كلّ حرف، ويعدّه نواة للّغة في دورها القديم. وأكتفي بذكر الحروف العشرة الأُوَلِ في أبجديّته ومعانيها؛ وهي على النحو التالي١:
١- الهمزة: تدلُّ على الجوفيّة، وعلى ما هو وعاء للمعنى، وتدلُّ على الصّفة تصير طبعًا.
٢- الباء: تدلُّ على بلوغ المعنى في الشيء بلوغًا تامًّا، وتدلُّ على القوام الصّلب.
٣- التّاء: تدلُّ على الاضطراب في الطبيعة، أو الملابس للطبيعة في غير ما يكون شديدًا.
٤- الثّاء: تدلُّ على التّعلق بالشيء تعلقًا له علامته الظاهرة في الحِسِّ أو في المعنى.
٥- الجيم: تدلُّ على العِظَمِ مطلقًا.
٦- الحاء: تدلُّ على التَّماسك البالغ، وبالأخصِّ في الخفيّات، وتدلُّ على المائيَّة.
٧- الخاء: تدلُّ على المطاوعة والانتشار، وعلى التَّلاشي مطلقًا.
٨- الدَّال: تدلُّ على التَّصلُّب، وعلى التَّغيُّر المتَوَزِّع.
٩- الذَّال: تدلُّ على التَّفرُّد.
١٠- الرَّاء: تدلُّ على الملكة، وتدلُّ على شيوع الوصف.
_________________
(١) ١ تهذيب المقدمة اللغوية ٦٣.
[ ١ / ١٥٥ ]
وعلى هذا النَّحو يستمرُّ موضِّحًا معاني كلِّ حرف، حتَّى يأتي عليها جميعًا؛ بطريقة واضحة التَّكلُّفِ. وهو يضرب في (مِيتَافِيزِيقِيَا) ١ التَّاريخِ، وهذا المنحى يخرجه "من دائرة البحثِ العلمي المبني على الحقائق إلى دائرة الخرافة المبنيَّة على الأوهام"٢ كما يقول محمَّد الأنطاكيُّ.
ومن ثمَّ فإنَّ الكلمات عند العلايليِّ من اليسير تحليلها إلى معانيها الأوَّلية بردِّها إلى أصولها الأُحاديَّة؛ المتمثِّلة في حروفها؛ إذ هي مجتمعة في كلمة تدلُّ على مجموع معاني تلك الحروف؛ فلذلك فإنَّ (عَبَى) تُحلَّل إلى حروفها؛ فالعين تدلُّ على الحيوان الزَّئيريِّ، والباء تدلُّ على البيت "وكأنَّ المعنى الأوَّل: حيوان البيت القويِّ؛ الَّذي هو كناية عن الرَّجل، ثم اشتقَّ منه بعد أطوار من التَّرقِّي اللُّغويِّ اسمٌ لِلباس الرَّجل الخاصِّ به (العَبَايَة) ثمَّ غلب الأصل في معنى الفرع المشتقِّ، وأميت معنى الأصل بالنِّسيان، أو بعدم الاحتياج؛ حتَّى صار في معنى الفرع حقيقة وضعيَّة"٣.
وممَّا يشاكل ذلك أنَّ بعضهم يرى أنَّ الحروف تدلُّ على معانيها، مهما يكن موقعها من الثُّلاثيّ، فالغين في (غَرَفَ) تدلُّ على الغموض؛ وهي بذلك تناسب المرحلة الأولى من مراحل (الغرْفِ) وهو تغييب الغارف يده في المغروف منه. أمَّا الرَّاء فتدلُّ على الحركة؛ وهي تناسب المرحلة الثَّانية من الحدث؛ وهو تحريك الغارف مِغرفته في المغروف منه
_________________
(١) ١ يطلقون ذلك على ما وراء الطبيعة من غيبيات لا يعلمها إلا الله ﷿. ٢ الوجيز في فقه اللُّغة٣٧٣،٣٧٤. ٣ تهذيب المقدمة اللغوية٥٠.
[ ١ / ١٥٦ ]
قبل رفعها، وتدلُّ الفاء -أخيرًا- على الظُّهور والانفتاح والفصل؛ وهو ما يناسب المرحلة الثَّالثة من (الغرْفِ) عندما تظهر المِغرفة بعد استتارها١.
على أنَّ خصيصة الحرف الدِّلاليَّة لم تغب عن علمائنا القدامى، وعلى رأسهم ابن جني الَّذي عقد بابين لذلك؛ أحدهما (تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني) ٢ وثانيهما (إمساس الألفاظ أشباه المعاني) ٣ غير أنَّه لم يزعم قط أنَّ الأُحاديَّ أصل من الأصول؛ بل لم يتعدّ بما نقص عن الثُّلاثيّ في الأصول.
وممن أشاد بنظريَّة أحاديَّة الأصول الدُّكتور توفيق شاهين٤؛ فمال إليها ودافع عنها بحرارة، واتَّهم منتقديها بعدم تقديم بديل لها! وقال عن الأحاديَّة أنَّها "ولا شكَّ -كانت مرحلة، ثم تخطّتها البشريَّة؛ عندما سنحت لها فرصة تطوّر، وظرف رقيٍّ"٥.
وفي نظري أنَّ هذه النَّظريَّة غير مقبولة في أصول اللُّغة العربيّة؛ لأنَّها لا تستند إلى حقائق لغويَّة ثابتة، ولا يخلو الخوض فيها إلى العودة إلى ما وراء التَّاريخ، وارتكاب التَّعسُّف والشَّطط، والرَّجم بالغيب.
_________________
(١) ١ ينظر: الوجيز في فقه اللُّغة ٣٧٣، وأصول اللُّغة العربيّة بين الثنائية والثُّلاثيّة٢٠. ٢ ينظر: الخصائص٢/١٤٥. ٣ ينظر: الخصائص ٢/١٥٢. ٤ ينظر: أصول اللُّغة العربيّة ٢١. ٥ أصول اللُّغة العربيّة ٢١.
[ ١ / ١٥٧ ]
ثانيًا- الأصُولُ الثُّنائيّة:
تُعدّ الثُّنائيّة حجرَ الزَّاوية في نظريَّة التَّطوّر عند المتأخِّرين. وينتهي أكثرهم بالأصول إلى بابها؛ ولا يجرؤ على إعادة الثُّنائيّة إلى الأحاديَّة، كما فعل العلايليُّ. ولهذه النَّظريَّة أنصار في الشَّرق والغرب؛ فهم يقولون: إنَّ الثُّلاثيّ إنما تولَّد عن الثُّنائيّ؛ عن طريق التَّصدير أو الحشو أو الكَسْع (التَّذْيِيلِ) .
فثلاثيٌّ كـ (ثَرَمَ) هو ثنائيٌّ عندهم؛ أصله: الرَّاء والميم، ثم صُدّر بحرف هو: الثَّاء. ومثله (جَرَمَ) و(حَزَمَ) و(شَرَمَ) و(صَرَمَ) و(عَرَمَ) .
وثلاثيٌّ كـ (رَتَمَ) وهو ثنائيٌّ في الأصل، أصوله: الرَّاء والميم، ثم زيدت فيه - عن طريق الحشو - الثَّاء، ومثله (رَثَمَ) و(رَجَمَ) و(رَدَمَ) و(رَسَمَ) و(رَشَمَ) و(رَخَمَ) و(رَغَمَ) و(رَقَمَ) و(رَكَمَ) .
وأما (نَبَأ) ونحوه فثلاثيٌّ مزيد بالهمزة في آخره؛ وهو ما يُسمَّى الكَسْعَ أو التَّذييل، وأصوله في الثُّنائيّة النُّون والباء. ومثله (نَبَتَ) و(نَبَثَ) و(نَبَجَ) و(نَبَحَ) و(نَبَذَ) و(نَبَرَ) و(نَبَذَ) و(نَبَسَ) و(نَبَشَ) ١.
ويتَّضح ممَّا تقدم أنَّهم يرون أنَّ الألفاظ المتقاربة لفظًا ومعنىً هي تنوُّعاتُ لفظٍ واحد٢.كما يتَّضح أنَّهم يَتَّفقون في عموم الثُّنائيّة ويختلفون في بعض التَّفاصيل.
_________________
(١) ١ ينظر: نشوء اللُّغة العربيّة ونموها واكتهالها٤-٦. ٢ ينظر: الفلسفة اللغوية ٣٣.
[ ١ / ١٥٨ ]
وفيما يلي عرض لأشهر القائلين بالثُّنائيّة، ورأي كلَّ منهم، مع التَّركيز على ما تفرَّد به:
إنَّ من أقدم القائلين بالثُّنائيّة أحمد فارس الشِّدْياق؛ الَّذي هداه قصده - كما يقول١ - إلى التَّوصل إلى معرفة معاني الألفاظ إلى أنَّ الفعل المضاعف أصل للمفكوك المشترك معه في الحرفين الأوَّلين؛ كـ (صَرَّ) و(صَرَأَ) و(أَلَّ) و(أَلَبَ) و(سَلَّ) و(سَلَبَ) و(كَفَّ) و(كَفَتَ) و(سَلَّ) و(سَلَتَ) و(دَحّ) و(دَحَجَ) و(نَبَّ) و(نَبَحَ) و(لَبَّ) و(لَبَدَ) و(غَمَّ) و(غَمَرَ) و(كَنَّ) و(كَنَزَ) و(قَشَّ) و(قَشَطَ) و(رَجَّ) و(رَجَفَ) و(زَلَّ) و(زَلَقَ) وغير ذلك.
ثم ذكر خمسة أسباب٢ جعلته يعدّ المضاعف أصلًا:
أوَّلها: أنَّه رأى أنَّ معظم اللُّغة مأخوذ من حكاية صوت أو صفته؛ وهو ما يأتي من المضعّف؛ نحو (دَبَّ) و(دَقَّ) و(هَزَّ) و(سَفَّ) وغيره.
ثانيها: أنَّ اللُّغة كغيرها من الصنائع والموضوعات البشريَّة لا يحدث شيء منها تامًا كاملًا من أوَّل وهلة، ولكن على التَّدريج؛ فالأحرى - إذن - أن يُقال: إنّ الفعل السالم جاء آخر الأفعال. أما الأجوف فإنَّه - غالبًا - يأتي على عقب المضاعف؛ كـ (طَبَّ) و(طَابَ) و(ضَرَّ) و(ضَارَ) . وأما الناقص فإنَّه صدى غيره من الأفعال!
_________________
(١) ١ ينظر: سرّ الليال في القلب والإبدال ٢١،٢٢. ٢ ينظر: سرّ الليال في القلب والإبدال ٢٢-٢٦.
[ ١ / ١٥٩ ]
ثالثها: أنَّه رأى أنَّ حكم المزيد على المضاعف لا يكاد يختلف؛ فقلَّما يوجد في المضاعف معنىً إلاَّ وفي المزيد مثله أو ما يقاربه.
رابعها: أنَّ زيادة حرف على المضاعف أليق بحكمة الواضع في التفنّن في نقصه؛ إذ لو جعلتَ السالم أصلًا لزم منه العدول من الكمال إلى النُّقصان. والاختصار في الأفعال ليس من مذهب العرب؛ كما يدلُّ على ذلك الأفعال المزيدة. زد على ذلك أنَّهم يشبعون الفتحة في آخر الفعل؛ فيتولد منها ألف كما في (سَلَقَ) و(سَلْقَى) .
خامسها: وجود أفعال مجهولة الأصل، وأصلها من المضاعف معلوم نحو (امْتَخَرَ) العظم، أي: استخرج مخّه؛ فلا بدّ أن يكون من (امْتَخَّ) إذ لم يجئ (المُخْرُ) .
ومن دعاة الثُّنائيّة المتحمِّسين لها (جُرْجي زَيْدان) الَّذي كان يقول: "إن الألفاظ المانعة الدَّالة على معنىً في نفسها يُردُّ معظمها - بالاستقراء - إلى أصول ثنائية (أحاديَّة المقطع) تُحاكي أصواتًا طبيعيَّة واللُّغويون يردّون كلًاّ من الاسم والفعل إلى أصول معظمها ثلاثيَّة، وبعضها رباعيَّة، ولا يرون هذه الأصول قابلة للرَّد إلى أقلَّ من ذلك، وعندي أنَّها قابلة ولو بعد العناء"١.
ومثّل لذلك بـ (قَطَفَ) و(قَطَبَ) و(قَطَعَ) و(قَطَمَ) و(قَطَلَ) وذكر أنَّها جميعًا من أصل ثُنائي واحد؛ وهو (قَطَّ) لأنَّها تتضمن معناه.
_________________
(١) ١ الفلسفة اللغوية٧٢.
[ ١ / ١٦٠ ]
ويجانس ذلك (قَصَمَ) و(قَصَلَ) و(قَصَبَ) و(قَصَرَ) و(قَصَفَ) فجعلها جميعًا من (قَصَّ) . أما (جَزَأَ) و(جَزَعَ) و(جَزَرَ) و(جَزَحَ) و(جَزَلَ) و(جَزَمَ) فهي من (الجَزِّ) وهو القطع١.
وقد جعل زيدان نظريَّة الثُّنائيّة (قاعِدَةً) أدار كتابه عليها، وذكرها في مقدمته، وأعادها غير مرَّة في ثنايا كتابه ٢.
ولم يذهب (جِزِينيوس) مذهب زيدان في ردّه كلَّ الأصول إلى الثُّنائيّة؛ بل كان يرى أنَّ ثلاثيَّة الأصول تطّرد بدقَّة في اللُّغات السَّاميَّة ومنها العربيّة، ويَستثني من ذلك عددًا غير قليل من الأصول الثُّلاثيّة يمكن ردّه إلى الثُّنائيّة، وهو يسمّيها جذورًا تفرَّعت منها جذوع ثلاثيَّة وفوق الثُّلاثيّة ٣.
ومال إلى ذلك (جُون مَكدونالد) إذ أخذ بفكرة الثُّنائيّة مع رفض تعميمها ٤.
وممَّن مالوا إلى الثُّنائيّة (أحمد رضا)؛ فقد عدّها مرحلة من مراحل النشوء اللَّغوي، عاشتها اللُّغات؛ ومنها العربيّة٥. ومنهم (رشيد عطيّة) الَّذي كان يرى أنَّ اللُّغة العربيّة مؤلَّفة من
_________________
(١) ١ ينظر: الفلسفة اللغوية ٧٤. ٢ ينظر: الفلسفة اللغوية ٩،٣٢،١٠٠. ٣ ينظر: أصول اللُّغة العربيّة٤٣. ٤ ينظر: نشوء الفعل الرّباعيّ٤٣. ٥ ينظر: متن اللُّغة٢١،٢٢،٢٤.
[ ١ / ١٦١ ]
أصول قليلة أحاديَّة المقطع، ثنائيّة الأحرف في الأغلب١.
ومنهم العلايليُّ الَّذي انفرد برأي خاصٍّ في الثُّنائيّة؛ وهو أنَّ الزِّيادة في الثُّلاثيّ لا تكون إلاَّ في وسطه٢، فلا تكون تصديرًا، ولا تذييلًا (كَسْعًا) في غير ما يكون حلقيًا من المواد؛ لأن هذه الأخيرة منقلبة عن أصوات هوائيَّة تصحب الحرف، ولم تستقر على الوجه الحرفي بالمعنى الدقيق إلا بعد بلوغات لغويَّة عديدة فمثلًا (عصفور) ترجع إلى (صفر)، وهذه ترجع إلى (صرّ) ٣.
ويَستثني من ذلك ما فيه نون؛ فالأكثر –عنده- زيادتها حيث وقعت "لأنَّها تنوين بالغ فقط [!] فمثلًا: (نَهْرٌ) ترجع إلى المعلِّ (رَوَىَ) [!] الَّذي منه الرّيُّ "٤. ولا أدري كيف أعاد (نهر) إلى روى؟!
ولم يعدّ العلايليُّ الحروف الحلقيَّة أصليَّة في مباحث التأصيل؛ لأنَّها - في رأيه - منقلبة عن أصوات هوائيَّة تصحب الحرفَ "ولم تستقرَّ - على الوجه الحرفيِّ بالمعنى الدَّقيق - إلاَّ بعد بلوغات لغويَّة عديدة"٥. هذا رأيه في نشوء الثُّلاثيّ عن الثُّنائيّ بزيادة الحرف في وسطه؛ وهي مرحلة أولى، ثم تتولَّد الموادُّ السِّتُّ بالتَّقليب، وهو ما يسمِّيه
_________________
(١) ١ ينظر: الدليل إلى مرادف العامي والدخيل١٧، واتجاهات البحث اللغوي ٢/٨٣، ونشوء الرّباعيّ ٨١. ٢ ينظر: تهذيب المقدمة اللغوية ٥٦. ٣ ينظر: تهذيب المقدمة اللغوية ٥٦،٥٧. ٤ تهذيب المقدمة اللغوية ٥٧. ٥ تهذيب المقدمة اللغوية ٥٦.
[ ١ / ١٦٢ ]
اللُّغويُّون (الاشتقاق الأكبر) ويسميه العلايليُّ (قاعدةَ الدَّوائرِ) ١.
ومثال ما ذكره (زَفَنَ) فتسير قاعدته في الدَّوائر والتّقليبات على النَّحو التَّالي٢:
١- أقْدم الموادَّ ما وافق ترتيب الجدول، الَّذي صنعه؛ وهو (زَفَنَ) .
٢- توليد الدَّائرة الأولى: زَفَنَ، فَنَزَ، نَزَفَ.
٣- توليد الدائرة الثانية: زَنَفَ، نَفَزَ، فَزَنَ.
وذكر أنَّ باستطاعته تحديد معنى ما لم يُذكر من تلك التّقْليبات في المعاجم؛ كمادتي (فَنَزَ) من الدَّائرة الأولى، و(فَزَنَ) من الدَّائرة الثَّانية؛ عن طريق "تطبيق القاعدة في تعيين الخصوص؛ وذلك بالبحث عن موقعها الدَّائري من وجه، وعن اجتماع الحروف من وجه آخر"٣.
واستمرَّ في شرح مراده حتَّى وصل إلى معنى الكلمتين كما يزعم؛ اعتمادًا على المنطق، وعلى ما قاله ابن جنّي في الاشتقاق الأكبر ٤.
ومن القائلين بالثُّنائيّة (الأب أَنَسْتَاس ماري الكَرْمِلي)؛ وكان من أشدّ المنادين بها، فقد قال فيها: "على أنَّنا اتبعنا الرأي الأوَّل [نظريَّة الثُّنائيّة] منذ أن أولعنا بهذه اللُّغة المبينة الرَّائعة؛ فأخذنا بنشره، وتفصيل دقائقه منذ سنة (١٨٨١م) وأوضحنا كثيرًا من مناحيه؛ في الصُّحف
_________________
(١) ١ ينظر: تهذيب المقدمة اللغوية٦٨. ٢ تهذيب المقدمة اللغوية ٦٥. ٣ تهذيب المقدمة اللغوية ٦٥. ٤ ينظر: الخصائص١/١٢،١٣.
[ ١ / ١٦٣ ]
والمجلاَّت حتَّى أنَّه لم يخف على أحد؛ بل عُرفنا به لدى الجميع، والنَّاس لنا بين مادحٍ وقادحٍ "١.
وقد أقام الكرمليُّ حجَّته على أنَّ اللُّغة العربيّة وُضعت في أوَّل أمرها على هجاء واحد متحرِّكٍ فساكنٍ، محاكاة لأصوات الطَّبيعة، ثم زيد فيها حرف أو أكثر تصديرًا أو حشوًا أو تذييلًا.
ويُعدّ تلميذه (مَرْمَرْجِي الدُّومنكيُّ) من أبرز روّاد الثُّنائيّة؛ إن لم يكن أبرزهم على الإطلاق، ومن أشدّهم تحمّسًا لتلك النّظريّة، وقد كرّس وقته وجهده للدِّفاع عنها؛ من خلال كتابه (هل العربيّة منطقيّةٌ) و(مُعْجَمِيَّات عربيّة ساميَّة) ومقالاته المتعدّدة الَّتي كان ينشرها في بعض الدَّوريَّات العربيّة.
وقد ساعد الدُّومنكيُّ على التعمُّقِ في تلك النظريَّة إلمامه بعدد من اللُّغات السَّاميَّة؛ كالسُّريانيّة، والعبْريَّة، والآراميّة، إلى جانب العربيَّة؛ فقد كان يعقد موازناتٍ بين العربيّة وتلك اللُّغات ملتمسًا بعض ما يعدُّه دليلًا لمذهبه. وكان مَرْمَرْجي يرى أنَّ اللُّغة غير منطقيَّةٍ؛ إن عُولجت وَفق نظرة القدماء؛ باعتمادهم الثُّلاثيّ وتكون منطقيَّة إذا دُرست من خلال جذور الثُّنائيَّة٢.
وكان يرى أنَّ "طريقة الاشتقاق والتَّوسُّع في السَّاميَّات قائمةٌ على
_________________
(١) ١ نشوء اللُّغة العربيّة ونموها واكتهالها٢. ٢ هل العربيّة منطقية٤.
[ ١ / ١٦٤ ]
الارتقاء من الأقلِّ والأنقص إلى الأكثر والأكمل؛ أي: حسب السُّنَّة الطَّبيعيّة؛ سُنَّة الرُّقيِّ"١.
ولخَّص الدُّومنكيُّ بعض مبادئ الثُّنائيَّةِ، وذكر أنَّ من نتائجها أنَّ المثال والأجوف والنَّاقص مزيدات، أو توسُّعاتٌ في الرِّسِّ الثُّنائيِّ؛ الَّذي تجري فيه أوّل صور التّوسُّع؛ بتكرار الثُّنائيِّ منه أو بتشديده. ومن أمثلة ذلك - عنده (وَثَبَ) فهي مزيدة؛ وهي من الثُّنائيّ (ثَبَّ) وأنّ (قامَ) هي من الثُّنائيّ (قَمَّ) أشبعت حركة حرفه الأوَّل٢.
وكان يحاول جاهدًا إقناع القارئ بأنَّ (قَامَ) ونحوه: ثنائيٌّ، ويستدلُّ على زيادة الحرف الأوسط والألف المنقلبة عن الواو؛ وهي عين الكلمة عند الجُمهور أو الألف المشبعة عنده، بإسناد الفعل إلى الضَّمائر في التَّصريف؛ نحو (قُمْ) تُ، و(قُمْ) تَ، و(قُمْ) تِ، و(قُمْ) تُمْ، و(قُمْ) نَا، فما يبقى من الكلمة - حينئذٍ - هو رِسُّها.
والحقُّ أنَّه لا دليل فيما ذكره على الثُّنائيّة؛ لأنَّ حذف الحرف الأوسط في الكلمة إنَّما وقع لعلَّةٍ صوتيَّةٍ؛ وهي - عند الجُمهور من القدامى والمُحْدَثِينَ - اجتماع السَّاكنين في الكلمة؛ وهما الألف المنقلبة عن الواو، والميم السَّاكنة؛ للإسناد إلى الضَّمائر المتحرِّكة؛ لأنَّ من قوانين العربيّة ألاَّ يجتمع ساكنان إلاَّ في نحو: شابَّة ودابَّة.
وفَسَّرَ الدُّومنكيُّ كيف يردُّ الثُّلاثيُّ النَّاقص نحو (رَمَى) إلى الثُّنائيِّ
_________________
(١) ١ الثنائية والألسنية السَّاميّة٣٧٦. ٢ ينظر: معجميات عربية سامية٩٧.
[ ١ / ١٦٥ ]
بأنَّ حرف العلَّة ما هو إلاَّ إشباع الفتحة السَّابقة في (رَمَ) ١.
وثَمَّةَ رأيٌ آخر للدُّومنكيِّ في الثُّنائيَّة؛ وهو أنَّ الثُّلاثيَّ قد يكون غير ناشيء عن ثنائيٍّ واحدٍ فحسب؛ بل عن ثنائيَّين أو ثلاثة، ومثَّل له بكلمة (عَلِمَ) فذهب إلى أنَّها من: (عَلْ) و(لَمْ) وأنَّ (نَهْر) من: (نَهْ) و(نَرْ) و(هَرْ) !! ولا يخفى ما في ذلك من تكلُّفٍ.
ومن المنادين بالثُّنائيَّة الدُّكتور أمين فاخر؛ في كتابه (ثُنَائِيَّة الألفَاظِ في المَعَاجِمِ وعلاقَتُهَا بالأصُولِ الثُّلاثِيَّةِ) وقد ذكر أنَّه ينبغي أن يكون أصل الكلمات الثُّلاثيَّة، الَّتي ظهرت فيها العلاقة واضحةًَ بينها وبين الأصل الثُّنائيِّ القريب منها في اللَّفظ والمعنى - من ذلك الأصل الثُّنائيِّ، وأنَّه يقال فيما لم تظهر فيه العلاقة أنَّه ممَّا وُضعَ وضعًا، وعلى علماء اللُّغة أن يُنقِّبوا فيه للكشف عن خفاياه٢.
وقد أتى الدُّكتور فاخر على طائفة من الألفاظ؛ تجاوزت المائتين؛ حاول فيها الكشف عن العلاقة المعنويّة بين الأصول الثُّنائيّة المضعّفة والأصول الثُّلاثيّة. ومنهم الدُّكتور توفيق شاهين - أيضًا - إذ انتصر للثُّنائيّة؛ في كتابه (أصول اللُّغة العربيّة بين الثُّنائيّة والثُّلاثيّةِ) وحاول أن يبطل رأي القائلين بالثُّلاثيّة.
_________________
(١) ١ ينظر: معجميات عربية سامية٩٧. ٢ ينظر: ثنائية الألفاظ٦.
[ ١ / ١٦٦ ]
وبالجملة فإن عموم مذهبهم في ردّ الثُّلاثيّ إلى الثُّنائيّ لا يكاد يخرج عن أربعة طرق:
أحدها: أنّ المضعّف هو أصل الثُّلاثيّ، وتقع الزّيادة في آخره؛ فـ (غَمَّ) أصلٌ لـ (غَمَتَ) و(غَمَرَ) و(غَمَطَ) ونحو ذلك.
ثانيها: أنَّ الزِّيادة في الثُّنائيِّ تكون في وسطه فحسب؛ نحو (صَفَرَ) من (صَرَّ) و(زَفَنَ) من (زَنَّ) .
ثالثها: أنَّ الثُّنائيَّ قابل للزِّيادة في صدره أو حشوه أو ذيله؛ أي أنَّ الزِّيادة فيه لا تقصر على موضعٍ معيَّنٍ؛ فمثال زيادة التَّصدير: (تَرَمَ) و(جَرَمَ) و(حَرَمَ) و(حَزَمَ) و(صَرَمَ) .
ومثال زيادة الحشو: (رَتَمَ) و(رَثَمَ) و(رَجَمَ) و(رَدَمَ) .
ومثال زيادة التَّذييل: (نَبَأَ) و(نَبَتَ) و(نَبَجَ) و(نَبَحَ) .
رابعها: أنَّ الثُّلاثيَّ مكوَّنٌ من ثنائيِّين أو أكثر بطريق النَّحتِ، فـ (قَطَفَ) من (قَطَّ) و(لَفَّ) و(نَهْرٌ) من: (نَهْ) و(نَرْ) و(هَرْ) .
ومهما يكن من أمرٍ، فإنَّ ذلك لا يرتقي بالثُّنائيَّة عند المُحْدَثِينَ إلى درجة التَّعميم والتَّقنين، ولا يكاد يَعْدُو ما قُدِّم فيها أن يكون اجتهاداتٍ ومَنَازِعَ، وأنا لا أنكرها في التأصيل اللغوي الذي يبحث في نشوء الألفاظ أو طفولتها، ولكنني أنكره في الدرس التصريفي للعربية في مرحلة نضجها، وأرى ألاّ نخلط بين هدفين: التأصيل والتصريف، وهذا الثاني هو هدفي في هذا البحث.
[ ١ / ١٦٧ ]
ثالثًا- الأُصُولُ الثُّلاثيَّةُ:
رأينا - من قبل - كيف أعاد كثير من اللُّغويّين المتأخِّرين الكلامَ؛ ومنه الثُّلاثيُّ؛ إلى أصول ثنائيَّةٍ، وجعلوها حجر الزَّاوية في نشوء اللُّغة وتطوُّرها، وأداروا أبحاثهم عليها.
غير أنَّ هذا الرأيَ كان يعبِّر عن اتِّجاه فريقٍ خاصٍّ في الأصول؛ فقد انتهى البحث بفريق آخر من العلماء المتأخِّرين بالإقرار بأصالة الثُّلاثيِّ، وبأنَّه أكثر الأصول غزارةً، وعليه استقرَّت العربيَّة في الثَّروة البالغة عِظَمًا واتِّساعًا؛ وهم يوافقون في ذلك ما انتهى إليه علماء العربيَّة القدامى، وهؤلاء كُثُر، وأكتفي بإيراد بعض أقوال المتأخِّرين منهم؛ ممّن كان على صلةٍ وثيقةٍ بالنَّظريَّة الثُّنائيَّة.
فقد كان بروكلمان يقول: "ترجع الكثرة العظيمة لأبنية الاسم في اللُّغات السَّامية إلى ثلاثة أصول من الأصوات الصَّامتة "١.
وذهب أَنِيس فُرَيْحَة٢ إلى أنَّ الكلمات تُرَدُّ - في جميع اللُّغات السَّامية - إلى جذورٍ ثلاثيَّة.
وكان ريمون طحَّان يرى أنَّ "معظم الكلمات في اللُّغة العربيّة ينشأ عن أصول ثلاثيَّة وهي حجر الزَّاوية في إقامة التّنظيم الرِّياضيِّ اللُّغويِّ المتكامل"٣.
_________________
(١) ١ فقه اللُّغات السّاميّة٩٣. ٢ ينظر: نحو عربية ميسرة١٤. ٣ ينظر: الألسنية٨٣.
[ ١ / ١٦٨ ]
غير أنَّه كان يستثني من الأصول الثُّلاثيَّة المضعَّفَ والمهموزَ والمعتلَّ، ويدعو إلى معالجتها على ضوء مبادئ علم اللُّغة الحديثِ؛ كما يدعو إلى إهمال بابي الإعلال والإدغام١.
واتَّخذ الأستاذ عبد الله أمين موقفًا متأرجحًا بين الفريقين، وهو أنَّه يرى "أنَّ أكثر الكلمات الثُّلاثيَّة والرُّباعيّة والخماسيّة - إن لم يكن كلُّها - أصلها ثنائيّة، ثمّ زيدت من أصل الوضع حرفًا أو حرفين أو ثلاثة، حتَّى صارت ثلاثيّة ورباعيّة وخماسيّة، وصارت الزِّيادات من أصول الكلمات"٢ فهي مجردة لا مزيدة "لأنَّ الزّيادات الَّتي لحقت الكلمات الثُّنائيَّة، زيدت من أصل الوضع "٣.
ولم تكن نظريّة ثنائيَّة الأصول مقبولةً عند كثير من اللُّغويّين، ممّن رأوا أصالة الثُّلاثيِّ؛ فقد أعلن بعضهم رفضه لها؛ ومنهم الدَّكتور إبراهيم أنيس٤ الَّذي كان يرى أنَّ كثيرًا من الألفاظ العربيّة لم تَعُدْ مستعلمةً في العصر العبَّاسيِّ وما بعده؛ لطول بنيتها؛ كإهمالهم (الشَّرَنبَثَ) بمعنى الرَّجلِ الغليظِ الكفَّين، كما أنَّ أوزانًا مثل (ابْذَعَرَّ) و(اجْلَوَّذَ) و(اذْلَعَبَّ) ونحوها قد اندثرتْ أو كادتْ. وهجرهم الأبنية الطَّويلة إلى الأبنية الأقصر لا يخلو من دليل على أصالة تلك الأبنية الطَّويلة (أي أنَّنا في كلِّ الأمثلة
_________________
(١) ١ ينظر: الألسنية ١٢٥. ٢ الاشتقاق ٤١٢. ٣ الاشتقاق ٤١٧. ٤ ينظر: تطور البنية في الكلمة العربية١٧٠.
[ ١ / ١٦٩ ]
القليلة، الَّتي رويت لنا، ولكلٍّ منها صورتان؛ إحداهما كبيرة، والأخرى صغيرة من نفس المادَّة، وبنفس المعنى نشعر أنَّ الصُّورة الكبيرة هي الأصل في حين أنَّ افتراض الصُّورة الصَّغيرة هي الأصل يوقعنا -دائمًا- في مشاكل وصعوباتٍ؛ فلا نكاد ندري العلَّة في زيادة الحرف عليها) ١ أو العلَّةَ في تحديد حرف الزِّيادة دون غيره، أو تحديدِ موضع الزِّيادة دون المواضع الأخرى.
ثمَّ أورد اعتراضًا يدلُّ على طول تدبُّرٍ حين قال: "وإذا صحَّ -بعد هذا- ما يقول به بعض الدَّارسين من أنَّ الإنسان الأوَّل بدأ كلامه بألفاظٍ ثنائيَّةِ الحروف، ثمّ تطوَّرت إلى ثلاثيَّة الحروف الخ؛ فقد كنَّا نتوقّع - بعد مرور تلك الملايين من السِّنين على النُّطق الإنسانيِّ - أن تصبح كلماته الآن معظمها من رباعيَّات الأصول أو أكثر من عدد الكلمات الثُّلاثيَّة الأصول أو مساويةً لها"٢.
وانتهى به البحث إلى أنَّه لا يكاد يُعرفُ شيء محقَّقٌ عن صور الكلمات في نشأتها الأولى.
وربط الدُّكتور أنيس بين ظهور الثُّنائيَّة في أصول اللُّغة ونظريَّة دارون في النُّشوء والارتقاء للكائنات الحيَّة، وأنَّ هؤلاءِ افترضوا أنَّ الكلمات نشأت صغيرة الصُّورة، ثم نمت حتَّى صارت إلى ما نشهده الآن.
_________________
(١) ١ تطور البنية في الكلمة العربية ١٧٢. ٢ تطوّر البنية في الكلمة العربية١٧٢.
[ ١ / ١٧٠ ]
وممَّن رجَّح القول بالأصل الثُّلاثيِّ، وردَّ الثُّنائيَّة: الدُّكتور صبحي الصَّالح١، فقد ردَّ على العلايليِّ، ورماه بالتَّكلُّف، والبعدِ عن الواقعيَّة، وأنَّ نظريَّته لا تمتُّ إلى الحقيقة التَّاريخيَّة بسببٍ، فكيف لنا أن نردَّ (عَبْد) إلى (عَدَا) و(عَبَثَ) إلى (عَثَا) ونحو ذلك؟
ومنهم الدُّكتور إبراهيم نَجَا، الَّذي كان يرى أن نتَّبع مذهب القدامى في الأصول؛ لأنّها توافق ما هو جارٍ في الاستعمال؛ ولأنّ مرحلة الاشتراك في الحرفين مرحلةٌ تاريخيَّة لم يعدِ البحث فيها مُجْدِيًا، إلاَّ ضمن بحثٍ تاريخيٍّ، ولأنَّ الأمثلة الَّتي ذكرها الثُّنائيُّون لا تكفي لإثبات نظريَّتهم٢.
نعم، وثَمَّةَ خلاف بين اللُّغويِّين المتأخِّرين في أصل المشدَّدِ نحو (عَدَّ) و(صَدَّ) أثلاثيٌّ هو أم ثُنائيٌّ؟
فقد ذهب فريق إلى أنَّه ثنائيٌّ لا زيادة فيه، وأنَّ الحرف المشدَّد حرفٌ واحدٌ.
أمَّا الفريق الآخر فيوافق القدامى في أنَّ ذلك ثلاثيٌّ، وأنَّ الحرف المشدَّد حرفان؛ أوَّلهما ساكن، وثانيهما متحرِّكٌ.
ويحتجُّ الفريق الأوَّل بالنَّظرة الوصفيَّة الصَّوتيَّة للأصوات المتحرِّكة والصَّوامت الَّتي تؤكِّد –بزعمهم- أنَّ المشدَّد حرفٌ واحدٌ طويلٌ يساوي
_________________
(١) ١ ينظر: دراسات في فقه اللغة١٦٣، ١٦٤. ٢ ينظر: فقه اللغة العربية٨٨، ٨٩.
[ ١ / ١٧١ ]
زمنه زمن صوتين١.
ومن هنا كان يقول (ماريوباي): إنَّ "اصطلاح: السَّاكن المضعَّفِ (double consonant) هو اصطلاحٌ مُضَلَّلٌ حقًّا [!] لأنَّه قد استعير من طريقة الكتابة؛ ففي النُّطق يُمَدُّ الصُّوت السَّاكن بتطويل مُدَّة النُّطق به؛ إذا كان هذا المدُّ ممكنًا. ويكون هذا ممكنًا إذا لم يكن الصُّوت السَّاكن انفجاريًّا.
وبما أنَّ الانفجاريَّ لا يمكن مدُّه عند نُقْطَةِ مخرجه، فإنَّ ما يسمَّى تطويلًا بالنِّسبة له يكون عن طريق إطالة مُدَّةِ قفل الطَّريق أمام الصَّوت قبل تفجيره"٢.
ومن ثَمَّ قال (فندريس): "من الخطأ أن يقال بأنَّه يوجد ساكنان في: أَتَّ (atta) وساكنٌ واحدٌ في: أَتَ (ata) فالعناصر المحصورة بين الحركتين في كلتا المجموعتين واحدة، عنصر انحباسيٌّ يتبعه عنصر انفجاريٌّ، ولكن بينما نجد العنصر الانحباسيَّ في: أتَ (ata) يتبع العنصر الإنفجاريَّ مباشرةً، نجده في (atta) ينفصل عنه بإمساكٍ يطيل مدى الإغلاق"٣.
ومن هنا رأى (رِينَان) ٤ - أيضًا - أنَّ المضعَّف ثنائيٌّ، ولا يعدُّ
_________________
(١) ١ ينظر: المدخل إلى علم اللّغة٩٧. ٢ ينظر: أسس علم اللغة١٤٦. ٣ اللغة٤٩. ٤ ينظر: أصول اللغة العربية٧٠.
[ ١ / ١٧٢ ]
ثلاثيًّا إلاَّ لاعتباراتٍ صرفيَّةٍ.
ووافقهم الدُّكتور سلمان العانيُّ في تعريف التَّضعيف بأنَّه "إطالة الأصوات المتمادَّة، وقَفْلٌ أطولُ في الوقفيَّات"١.
والحروف المضعَّفة عند (كانتينو) "هي الَّتي يمتدُّ النُّطق بها، فيضاهي مداها مدى حرفين بسيطين تقريبًا، وتُرسم هذه الحروف عادةً في الأبجديَّة الأوروبِّيَّة بحرفين متتابعين: ب ب (bb) م م (mm) "٢.
وأخذ برأيهم الدُّكتور رمضان عبد التَّوَّاب بقوله: "إنَّ ما نعرفه باسم الحرف المشدَّد، أو الصَّوت المضعَّف ليس –في الحقيقة- صوتين من جنس واحدٍ؛ الأوَّل ساكنٌ، والثَّاني متحرِّكٌ؛ كما يقول نحاة العربيَّة؛ وإنَّما هو في الواقع صوتٌ واحدٌ طويلٌ؛ يساوي زمنه زمن صوتين اثنين"٣.
وهذا الَّذي قالوه لم يكن خافيًا على القدامى؛ فقد كان ابن جِنِّي يرى أنَّ "الحرف لمَّا كان مُدْغَمًا خَفِيَ؛ فنبا اللِّسان عنه وعن الآخر بعده نبوةً واحدةً؛ فجريا لذلك مجرى الحرف الواحد "٤. ورُويَ عن الزَّمخشريِّ٥ وغيره٦ نحوه.
وعلى الرّغم من ذلك فإنَّ القدامى كانوا يفرِّقون بين وصف
_________________
(١) ١ التشكيل الصوتي١١٩. ٢ دروس في علم أصوات العربيَّة ٢٥. ٣ المخل إلى علم اللُّغة٩٧. ٤ الخصائص١/٩٢. ٥ ينظر: الفلاح في شرح المراح٩٨. ٦ ينظر: بغية الآمال١١٥، وشرح المراح٩٨.
[ ١ / ١٧٣ ]
الظَّاهرة الصَّوتيَّة وحقيقة الأصول؛ فلم يؤثر عنهم أنَّهم يعُدُّون المضعَّف أصلًا وحدًا؛ وليس في وضعهم الثُّلاَثِيَّ المضعَّفَ في باب الثُّنائيِّ في معاجم التَّقليبات دليلٌ؛ كما سبق به البيان١، بل كانوا ينصُّون على أنَّ المضعَّف حرفان. ومن أقدم من نبَّه على ذلك الخليل في قوله٢: "اعلم أنَّ الرَّاء في اقْشَعَرَّ واسْبَكَرَّ هما راءان أُدغمتْ واحدةٌ في الأخرى، والتَّشديد علامة الإدغام"٣. ونحو ذلك ما قاله ابنُ يعيش٤ وابنُ الحاجبِ٥.
ولعلَّ وراء عَدِّ بعض المتأخِّرين المضَعَّفَ حرفًا واحدًا مذهَبَهم في الثُّناءيَّةِ، ومحاولةَ الانتصارِ له؛ لأنَّ الثُّلاثيَّ المضعّف نحو (صَدَّ) هو الأصل الثَّنائيُّ عند كثير من الثُّنائيِّين، ولابُدَّ أن يكون كذلك، لأنَّ الثُّلاثيَّ - عندهم - ليس أصلًا.
ومهما يكن من أمرٍ، فإنَّ مذهبهم في عدَّ المشدَّدِ حرفًا واحدًا؛ أطيلَ صوته، فيه نظرٌ؛ فالإدغام أن يؤتى بحرفين ساكنٍ فمتحرِّكٍ فيتَّصلان من غير أن يُفَكَّ بينهما، إلاَّ إذا أريد ذلك بالوقوف وقفةً لطيفةً على السَّاكن، ثمَّ الاستئناف بالمتحرِّك.
_________________
(١) ١ ينظر: ص ٧٢ من هذا البحث. ٢ العين١/٤٩. ٣ العين١/٤٩. ٤ ينظر: شرح المفصل١٠/٩٩. ٥ ينظر: الشَّافية (ضمن كتاب أبنية الفعل في شافية ابن الحاجب) ٢٥٠، وشرح الشافية للرَّضيِّ٣/٢٣٣.
[ ١ / ١٧٤ ]
ويظهر ذلك في الموازنة بين كلمتين متشابهتين في الفاء والعين، ومختلفتين في اللاَّم؛ وإحداهما مضَعَّفةٌ؛ نحو (عَدْلٍ) و(عَدٍّ) فإنَّكَ إذا تأمَّلتَ ذلك، ونطقتَ الكلمتين، ووقفتَ وقفةً لطيفةً على السَّاكن فيهما لن تجد فرقًا بينهما في عدد الحروف والحركات والسَّكنات؛ فالأولى ثلاثيَّةٌ، وكذلك الثَّانية؛ وهي (عَدْ-دٌ) وأصلها (عَدَدٌ) وكذلك (شَرْقٌ) و(شَرٌّ) و(بَرْقٌ) و(بَرٌّ) و(سِلْمٌ) و(سِلٌّ) ونحو ذلك. والفرق بينهما أنَّ اللِّسان انتقل من مخرج الدَّال إلى مخرج اللاَّم في الكلمة الأولى، ولم ينتقل من مخرج الدَّال السَّاكنة في الكلمة الثَّانية؛ لأنَّ ما بعدها دالٌ فبقي في مخرجه. وقد سُكِّنَ الحرفُ الأوَّلُ وأدغمَ فيما بعده طلبًا للخفَّةِ؛ فالأصل (عَدَدٌ) و(شَرَرٌ) .
ولعلَّ الإدغام مرحلة متأخِّرة في الاستعمال اللُّغويِّ؛ فيكون الأصل عدم الإدغام؛ أي: بنطق السَّاكن بوقفةٍ بسيطةٍ دون إدغامًٍ في المتحرِّك، فلمَّا ثقل ذلك -لاحتياجه لشيء من الأناة- أُدْغِمَ طلبًا للخفَّةِ. ويمكن أن يستدلَّ بورود كلمة لم يقع فيها الإدغام؛ وهي (رِيْيَا) ١ بمعنى المنظرِ الحسنِ، وأصلها (رِئْيَا) ٢ فلعلَّ ذلك من بقايا الأصل القديم
_________________
(١) ١ ينظر: شرح الشافية للرَّضي٣/٢٣٤، وشرح الشافية للجاربرديّ٣٢٦. ٢ يوجه بعضهم عدم الإدغام في (رِيْيَا) بأنَّ الهمزة فيها لم تقلب ياء لقصد الإدغام، بل لكسر الرّاء فحسب، ولو كان قصدهم الإدغام لأدغموا. ويرد عليهم أنّ موجب الإدغام طرأ بعد القلب، فما المانع من ارتكابه؟ ولو قالوا: إنَّها جاءت على الأصل القديم؛ وهو عدم الإدغام- لكان وجهًا.
[ ١ / ١٧٥ ]
في عدم الإدغام.
ومذهب القدامى في المضعَّف قويٌّ. ومن اليسير أن يستدلَّ على قوَّته ورجحانه بجملةٍ من الأدلّة؛ وهي تُضْعِفُ - في المقابل - مذهب هؤلاء المتأخِّرين.
وأحدُ تلك الأدلّة: جواز تضعيف الحرف الأوسط الصَّحيح قياسًا من الفعل الثُّلاثيِّ؛ فيقال في (كَسَرَ) و(قَتَلَ) و(خَرَمَ): (كَسَّرَ) و(قَتَّلَ) و(خَرَّمَ) .
ويقال - أيضًا - في نحو (عَدَّ) و(شَدَّ) و(مَدَّ): (عَدَّدَ) و(شَدَّدَ) و(مَدَّدَ) فهو كالثُّلاثيِّ الصّحيح. فماذا يقولون في ذلك؟ هل يقولون: إنَّ الحرفَ الواحدَ المشدَّدَ؛ أطيلَ صوته وزمنه حتَّى غدا يماثل ثلاثة أحرفٍ، ثمَّ فُصِلَ ثُلُثُهُ، وهو الحرف الأخير؟ أو يقولون: إنَّ نصف الحرف المشدَّد في نحو (عَدَّ) هو الَّذي أطيل بالتَّشديد؛ فانفصل نصفه الثَّاني المتحرِّك؟ أو يقولون: إنَّ الدَّال الطَّويلةَ (المشدَّدَةَ) في (عَدَّ) بقيت على حالها؛ فاجتُلِبَتِ الدَّالُ الأخيرةُ اجتلابًا؟ أو يقولون: إنَّ (عَدَّ) فعلٌ و(عَدَّدَ) فعلٌ آخر مستقلٌّ بنفسه؛ ولا صلة بينهما؟ فيلزم -حينئذٍ- انتفاءُ العلاقة بين (كَسَرَ) و(كَسَّرَ) ونحوهما، وكُلُّ ذلك بعيدٌ.
وثانيها هو: إدغام تاء الافتعال في فاء الكلمة؛ كقولهم (اذَّكَرَ) و(اطَّلَبَ) و(اصَّبَرَ) ونحو ذلك؛ فيلزمهم أن يقولوا: إنَّ الذَّالَ والطَّاءَ والصَّادَ المضعَّفات كلٌّ منها حرف واحد، ولا يجوز ذلك؛ لأنَّ أصل (اذَّكَرَ) و(اطَّلَبَ) و(اصَّبَرَ): (اذْتَكَرَ) و(اطْتَلَبَ) و(اصْتَبَرَ) قبل إبدال تاء الافتعال.
[ ١ / ١٧٦ ]
ومثله: (مُتَّقِدٌ) و(مُتَّعِدٌ) وأصلهما (مُوتَقِدٌ) و(مُوتَعِدٌ) ١.
ويَلحقُ بذلك نحو (عُدُّ) فيلزمهم أن يقولوا: إنَّ الدَّال حرف واحد؛ أطيل صوته، وأنَّى يكون ذلك؛ لأنَّ الدَّال الثَّانية هي الفاعل؛ ألا ترى أنَّها مبدلة من التَّاء وأنَّ أصلها (عُدْتُ؟)
ومثلها (خَبَطُّ) وأصلها (خَبَطْتُ) .
وثالثها: أنَّ نظريَّة المخالفة الصَّوتيَّة٣، الَّتي تبنَّاها الكثير من المتأخِّرين؛ ممَّن قالوا بأنَّ المشدَّد حرف واحد تنقض مذهبهم؛ لأنَّهم يقولون: إنَّ من المخالفة الصَّوتيَّة نوعًا يقوم على فَكِّ الإدغام بالإبدال؛ مثل (القُنْفُذِ) أصلها - عندهم - (القُفُّذُ) . وهذا النَّوع من تخالف الحروف المشدَّدةِ؛ الَّذي يكون بقلب أوِّل الحرفين إلى النُّون هو الأكثر وقوعًا في العربيَّة. وقد يصير الحرف الأوَّل من المشدَّدِ راءً، أو لامًا؛ نحو كلمة (فَرْقَعَ) الَّتي يرى (بر جشتراسر) ٤ أنَّ أصلها (فَقَّعَ) بتشديد القاف، ويرى أنَّ أصل (بَلْطَحَ): (بَطَّحَ) أي: ضرب بنفسه الأرض. والمخالفة تكون بين صوتين، وتفسيرهم وُقُوعَهَا في المشدَّد على هذا
_________________
(١) ١ ينظر: الكتاب٤/٣٣٤. ٢ ينظر: شرح الشافية للرضي٣/٢٨٣،٢٨٨. ٣ ينظر: فقه اللغات السامية٧٤، والأصوات اللغوية٢١٠، والتطور النحوي٣٣-٣٥، واللغة العربية معناها ومبناها٣٢٩، وأصوات اللغة العربية٣١٨، وأثر القوانين الصوتية٣٠٢. ٤ ينظر: التطور النَّحويّ٣٥.
[ ١ / ١٧٧ ]
النَّحو يخالف مذهبهم في أنَّ المشدَّد حرف واحد.
ورابع الأدلَّةِ: الإدغام بين حرفين في كلمتين؛ نحو (مَن نّامَ) و(مِن نّعِيم) وكذلك الإدغام بين حرفين من كلمتين؛ بعد قلب أحدهما؛ نحو (مَن يَّشَاءُ) و(مَن رَّامَ) و(هَرَّ أيْتَ) ونحو ذلك من الإدغام المذكور عند القُرَّاء١.
وقريب من ذلك إدغام لام التَّعريف٢ في ثلاثة عشر حرفًا؛ وهو ما يعرف بـ (لام التَّعريف الشَّمسيَّة) نحو (الدَّلْوِ) و(الشَّرْقِ) و(الصَّبْرِ) . وقد قلبت اللاَّم فيهنَّ من جنس ما بعدها، ثمَّ أدغمت فيه لسكونها. ولا أحدَ –خلا هؤلاء- يقول: إنَّ المُدْغَمَين حرفٌ واحدٌ.
وآخر الأدلَّة من العروض، ودلالته قويَّةٌ؛ لأنّه مبنيٌّ على أساسٍ صوتيٍّ لا وظيفيٍّ - كما يقولون - وذاك الأساس هو: المتحرِّك والسَّاكن؛ فقد أجمع العَرُوضيُّون - منذ زمن الخليل إلى زمننا هذا - على أنَّ الحرف المشدَّدَ حرفان؛ أوَّلهما ساكن.
قال الأخفش: "فأمَّا الثَّقيل فحرفان في اللَّفظ؛ الأوَّل منهما ساكن، والثَّاني متحرِّكٌ؛ وهو في الكتاب حرف واحدٌ؛ نحو راء شَرٍّ"٣.
_________________
(١) ١ ينظر: إدغام القرّاء٣ وما بعدها، وما ذكره الكوفيون من الإدغام٥٩، والكتاب٤/٤٣٧، والكشف عن وجوه القراءات السبع١/١٣٤-١٦٩. ٢ ينظر: الكتاب٤/٤٥٧. ٣ العروض٢.
[ ١ / ١٧٨ ]
وبمثل ذلك قال الجوهري١، وابن القطَّاع٢.
وبه استدلَّ عَلَمُ الدِّين السَّخاوي على أنَّ المدغم حرفان بقوله: "والدَّليل على ما قلته من كون الأوَّل ساكنًا أنَّ كلَّ حرفٍ مشدَّدٍ في تقطيع العروض حرفان، الأوَّل ساكنٌ؛ تقول:
بِسِقْطِلْ لِوَىَ بَيْنَدَ دَخُوْلِ فَحَوْمَلِ ٣
فإن قلتَ: فلِمَ أسكنوا الأوَّل: قلتَ: لو لم يُسكنوه لفصلت الحركة بينهما؛ فلم تحصل الدَّفعة الواحدة"٤.
وبالجملة فإنَّ مذهب القدامى في المشدَّدِ هو الصَّحيح، وعليه المعوَّل في الأصول وتداخلها. وأنَّ ما ذهب إليه بعض المتأخِّرين في المشدَّدِ اجتهاد لم يحالفه التَّوفيق. ولعلَّ من أهمِّ دوافعهم في تزعُّمِ ذلك: الانتصار لنظريَّة الثُّنائيَّة في الأصول؛ لعدِّهم المضعَّفَ أصلَ الثُّلاثيِّ.
رابعًا- الأصولُ الرُّباعيَّةُ والخماسيَّةُ:
امتدَّ خلاف اللُّغويِّين المتأخِّرين في موضوع الأصول –إلى الأصول الرُّباعيَّة والخماسيَّة؛ وهو نتيجة حتميَّةٌ لخلافهم في الأصول الثُّنائيَّة
_________________
(١) ١ ينظر: عروض الورقة٥٦. ٢ ينظر: البارع٨٥. ٣ عجز بيت من الطَّويل لامرئ القيس، والبيت بتمامه: قِفَا نَبْكِ من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدَّخول فحومل. ٤ جمال القرَّاء٢/٤٨٥.
[ ١ / ١٧٩ ]
والثُّلاثيَّة. فمن أقرَّ الأصول الثُّنائيَّة أنكر ما زاد عليها، وجعله مزيدًا. ومن أخذ بمذهب القدامى في الأصول، أقرَّ ما أقرُّوا، وأنكر ما أنكروا، وجُلُّهم يسير على مذهب البصريِّين في الأصول؛ فالأصول عندهم ثلاثة؛ ثلاثيَّة، ورباعيَّة، وخماسيَّة.
والَّذي يعنينا - هنا - هو الوقوف على أبرز اجتهاداتهم فيما يعتدّه جمهور اللُّغويِّين من المتقدِّمين والمتأخِّرين رباعيًّا أو خماسيًّا. ولعلَّ أوَّل ما يخرج به الباحث في ذلك أنَّ مذهبهم كان صَدَىً لبعض ما جاء عند ابن فارسٍ١، وأنَّهم تفنَّنوا في التَّوسُّع فيه بما يتوافق مع نظريَّة الثُّنائيَّة؛ فيرى كثير منهم أنَّ الخماسيَّ تطوَّرَ عن الرُّباعيِّ، والرُّباعيُّ تطوَّرَ عن الثُّلاثيِّ، والثُّلاثيُّ متطوِّرٌ عن الثُّنائيِّ، كما تقدَّم.
وفيما يلي بيان ذلك مع الوقوف على بعض الفروق فيما بينهم:
يتشكَّل الفعل الرُّباعيُّ عند (وليام رايت) ٢ بالطُّرق التَّالية:
أ- مُضاعفة جَذْرٍ ثنائيٍّ، يحاكي الصَّوتَ أو الحركة؛ مثل (وَسْوَسَ) و(بَأْ بَأْ) .
ب- إضافة حرفٍ إلى الثُّلاثيِّ، وعادةً ما يكون من الحروف التَّالية: النَّونِ، واللاَّمِ، والرَّاءِ، والزَّايِ، والسِّينِ، والصَّادِ. وهذه الزِّيادة قد تكون في صدر الثُّلاثيِّ؛ نحو (سَنْبَسَ) من (نَبَسَ)
_________________
(١) ١ ينظر: ص (١٤٠) من هذا البحث. ٢ ينظر: نشوء الفعل الرباعي٣٢، ٣٣.
[ ١ / ١٨٠ ]
أو في حشوه؛ نحو (زَحْلَفَ) من (زَحَفَ) أو في آخره؛ نحو (شَمْعَلَ) من (شَمَعَ) .
ج- المزجُ بين بعض الأصولِ؛ وهو ما يعرفُ بالنَّحتِ؛ نحو (حَمْدَلَ) و(حَوْلَقَ) ويلْتَقِي (رايت) بذلك مع ابنِ فارسٍ في ردِّه الرُّباعيَّ والخماسيَّ إلى الثُّلاثيِّ؛ بطريق الزِّيادة أو النَّحْتِ.
ويبدو أنَّ (جُرْجِي زيدان) متأثِّرٌ بما قاله (رايت) إذ يفصِّل في زيادة الرُّباعيِّ؛ فهي عنده: إمَّا قياسيَّةٌ أو غير قياسيَّةٍ. وتكون الزِّيادة القياسيَّة عند (زيدان) ١ سينًا أو شينًا في أوَّل الكلمة؛ على وزني (سَفْعَلَ) و(شَفْعَلَ) .
فمثال الأوَّلِ (سَقْلَبَهُ) أي: صَرَعَهُ، من (قَلَبَهُ) و(سَلْغَفَهُ) بمعنى ابتلَعَهُ، من (لَغَفَهُ) و(سَمْلَجَ) أي: جَرَعَ جرعًا سهلًا؛ وهو من (مَلَجَ) الصَّبِيُّ ضَرَعَ أمِّهِ.
ومثال الثَّاني (شَبْرَقَ) من (بَرَقَ) .
أمَّا المزيداتُ غير القياسيَّةِ فتأخذ صورًا مختلفةً؛ فقد تكون بمضاعفة حرفٍ أو أكثر، من الحروف الأصليَّة؛ كَجَلْبَبَ وبُلْبُلٍ وقَصْقَصَ، أو أن تكون بزيادة حرفٍ؛ وهو في الغالب أحد حروفٍ أربعةٍ؛ وهي (ل، م، ن، ر) . وربَّما تكون الزِّيادةُ في أوَّل الرُّباعيِّ؛ نحو (نَبْذَرَ) بمعنى (بَذَرَ) و(لَهْذَمَ) بمعنى (هَذَمَ) .
_________________
(١) ١ ينظر: الفلسفة اللغوية٧٢،٧٣.
[ ١ / ١٨١ ]
أو في وسطها؛ كـ (سَطْلَحَ) بمعنى (سَطَحَ) أي: اتَّسَعَ، و(سَلْحَفَ) بمعنى (سَحَفَ) أو في آخرها؛ كقولهم (بَعْثَرَ) من (بَعَثَ) .
ولا يرضى العلايليُّ١ برأيَي (رايت) و(زيدان) فالرُّباعيُّ أو الخماسيُّ عنده مردودٌ إلى الثُّلاثيِّ بزيادة الحرف الأخير في الرُّباعيِّ، والحرفين الأخيرين في الخماسيِّ.
فـ (جُخْدَبٌ) وهو الضَّخم الغليظ يرجع إلى (جَخَدَ) الضَّخمُ. ويرجع هذا إلى (جَدَىَ) الَّذي يظهر معناه في (جَدَّ) كما يقول.
و(طُحْلُبٌ) وهو الخُضرة؛ الَّتي تعلو الماءَ الآسنَ يرجع إلى (طَحَلَ) ويرجع هذا إلى (طَلَى) .
وكذلك (سَفَرْجَلٌ) و(شَمَرْدَلٌ) يجرَّدان من زوائدهما حتَّى يعودا إلى الثُّلاثيِّ؛ على النَّحو التَّالي:
سَفَرْجَل< سَفْرَجَ < سَفَرَ.
شَمَرْدَل< شَمْرَدَ < شَمَرَ.
ولا يبتعدُ (هنري فلش) ٢ في رأيه، في أصل الرُّباعيِّ أو الخماسيِّ، عن رأي (رايت) و(زيدان) .
وممَّا يتفرَّد به أنَّ الرُّباعيَّ يكون تطوُّرًا لأصلٍ ثلاثيٍّ عن طريق إدخال واوٍ أو ياءٍ بعد الصَّامت الأوَّلِ؛ نحو (شَوْقَلٍ) و(نَيْسَبَ) .
_________________
(١) ١ ينظر: تهذيب المقدمة اللغوية١٦٤-١٧٥. ٢ ينظر: العربية الفصحى١٥٥-١٥٨.
[ ١ / ١٨٢ ]
ويرى (مَكدونالد) ١ أنَّ الرُّباعيَّ قد ينشأ بإضافة الرَّاء أو اللاَّم إلى الثُّلاثيِّ؛ نتيجةً للمخالفة الصَّوتيَّة النَّاتجة عن فكِّ الإدغام؛ كما في (قَرْطَمَ) من (قَطَمَ) و(قَرْطَبَ) من (قَطَبَ) .
ويقول بمثل هذا الرأي (برجشتراسر) ٢ و(ديلاسي أو ليري) ٣ وغيرهما.
ويُضيف الدُّكتور مصطفى جَوَاد٤ بعض الحروف الصالحة لأن تكون عناصر تعويضٍ من التَّضعيف؛ كالحا والهاء. وبالجملة فإنَّهم يرون أنَّ كثيرًا من الكلمات (الكبيرة) أي: من الرُّباعيِّ والخماسيِّ ممَّا فيه راءٌ أو لامٌ أوميمٌ أو نونٌ أو حاءٌ أو هاءٌ - قد تولَّدَ تبعًا لقانون المخالفة المذكور٥.
وقد كان كثير من القدامى على وعيٍ بهذا القانون، ولكنَّهم يعبِّرون عنه بالكراهة والاستثقال، أو التَّقريبِ، أو المضارعةِ، أو التَّجنيسِ، أو فَكِّ الإدغامِ. وقد فسَّر بعضهم نشوء الفعل الرُّباعيِّ المضعَّفِ؛ (كَبْكَبَ) و(حَثْحَثَ) كما تقدَّمَ -٦ على نحوٍ قريبٍ ممَّا ارْتآهُ المتأخِّرون.
_________________
(١) ١ ينظر: نشوء الفعل الرباعي٤٣. ٢ ينظر: التطور النحوي٣٤،٣٥. ٣ ينظر: نشوء الفعل الرُّباعيّ٣٣. ٤ ينظر: أثر التَّضعيف في تطور العربية (مجلة مجمع اللُّغة العربيَّة بالقاهرةم١٩ ص٦١-٦٤) . ٥ ينظر: دراسة الصَّوت اللُّغوي٣٣٠. ٦ ينظر: ص (١٠٥) من هذا البحث.
[ ١ / ١٨٣ ]
ومن المنكرين لأصول تعدُّ رباعيَّةً عند القدامى الدُّكتور تمَّام حسَّان الَّذي قال: "وهناك طائفة من الأفعال في اللُّغة العربيَّة تعتبر رباعيَّة أصليَّة الحروف الأربعة في نظر الصَّرفيِّين، ولكنَّنا نرى أنَّ أحد هذه الحروف مزيد، حتَّى ولو لم يكن من حروف: سَأَلْتُمُونِيهَا، فمن ذلك: دَحْرَجَ < دَرَجَ، وبَعْثَرَ < بَثَرَ، وسَقْلَبَ <قَلَبَ، وعَرْبَدَ < عَرَدَ، وشَقْلَبَ < قَلَبَ، وزَغْرَدَ < غَرَدَ "١.
ومنهم الدُّكتور محمّد سالم الجَرْح٢ الَّذي جزَمَ بأنَّه لا يوجد جَذْرٌ رباعيٌّ أو خماسيٌّ في العربيَّة وأخواتها السَّاميات، وأنَّ ما جاء على هيئة الرُّباعيِّ من اليسير ردُّه إلى جذورٍ ثنائيِّةِ.
ومن أغرب ما وقفتُ عليه في الأصول عند المتأخِّرين رأي لكَرَامتْ حسين الكَنتُوريِّ٣ مُحَصِّلَتهُ أنَّ الرُّباعيَّ قد ينشأ من الثُّلاثيِّ بصيرورة لام التَّعريف مخلوطةً بحروف الكلمة [هكذا] ومثَّل له بكلمة (العَظْلَمِ) وهو اللَّيل؛ لاشتقاقه من الظُّلمة. وهذا غريب!!
وثَمَّةَ نوع من الرُّباعيِّ نال شيئًا يسيرًا من العناية عند القدامى والمتأخِّرين، وهو الرُّباعيُّ المضاعف٤؛ نحو: زَلْزَلَ، فلهم فيه مذهبان:
أنه على وزن (فعفع) .
_________________
(١) ١ مناهج البحث في اللغة٢١٩. ٢ ينظر: نشوء الفعل الرباعي٥٧. ٣ ينظر: نشوء الفعل الرباعي ٦٢. ٤ أرى أن الرباعي المضاعف يحتاج إلى دراسة مستقلة.
[ ١ / ١٨٤ ]
أنه على وزن (فعفل) .
فمن جعله على وزن (فَعْفَعٍ) سار في موكب الثُّنائيَّة.
وخيرُ من يمثِّل هذا الرأيَ الدَّومنكيُّ بقوله: "أمَّا المضاعف فهو- بالحقيقة - مركَّبٌ من حرفين، ويرى ذلك في المضاعف الرُّباعيِّ الَّذي ما هو سوى ثنائيَّين مكرَّرين وما هذه الأفعال وأسماؤها إلاَّ حكاية أصوات الطَّبيعة والحيوانات المندفعة إلى تَكرار مَقاطع لا حروف، وكلُّ مقطع مركَّبٌ من حرفين، متحرِّكٍ فساكنٍ"١. وعلى ذلك النَّحو فُسِّرَ عند أكثرهم ٢.
أمَّا المذهب الثَّاني؛ القائل بأنَّ وزنه (فَعْفَلَ) فممَّن كان يراه، ويقول به: الدُّكتور تمّام حسّان؛ وهو يوافق ما ذهب إليه جماعة من القدامى ٣.
وممَّا يحسب للّغويِّين المتأخِّرين: استعانتهم –للكشف عن أصول العربيَّة - بالمنهج المقارن للُّغات السَّامية الَّتي تشترك في كثير من الخصائص٤.
وممَّن عوَّل على هذا المنهج مَرْمَرْجِي الدُّومنكيُّ في أكثر كتاباته عن العربيَّة؛ فمن دأبه عرض الأصول على الحبشيَّة والأكَدِيَّةِ والعِبْريَّةِ
١ معجميات٩٧.
_________________
(١) ٢ ينظر: التَّطوُّر النّحويّ٩٧، وغرائب اللّغة٤٨، والعربية الفصحى١٥٧، والألسنية العربيّة٣٧٦، ونشوء الفعل الرّباعيّ٦٤. ٣ ينظر: ص (١٠٣، ١٠٤) من هذا البحث. ٤ ينظر: تاريخ اللّغات السّاميّة١٤، وفقه اللّغة لوافي١٧، والثّنائيّة والألسنية السّاميّة٣٧٦، وعلم اللّغة العربيّة١٣٩
[ ١ / ١٨٥ ]
والسُّريانيَّةِ والآرامِيَّةِ وغيرها. ومنهم جُرْجِي زيدان، غير أنه كان يَسْتَلْهِمُ ذلك من كتابات المستشرقين.
ومن أبرز المستشرقين ممَّن عوَّل على المنهج المقارن في اللُّغات السَّامية، ومنها العربيَّة: لِيتمان، ووليم رايت، ونُولدكه، وجزينيوس، وهوروفتس، وأوليري، وموسكاتي، وهِنرِي فِلِش، وبُروكلمان، وبِرْجِشتراسَر. وقد حذَّر فَندرس١ من التّمادي في الاعتماد على المنهج المقارن بين اللّغات، ورأي أنَّ استعمال عبارة القرابة في مسائل اللّغة ربّما أدّى إلى لَبْسٍ كبيرٍ، وكثيرًا ما أوقع في الخطأ.
وممَّا يدخل في هذا السياق ما وجَّهه الدُّكتور رمضان عبد التّوّاب إلى مَرْمَرْجي الدُّومنكيّ في مبالغته في التّعويل على المنهج المقارن بين اللّغات السَّاميّة، ومحصوله أنَّ المضعَّفَ العربيَّ؛ الَّذي يقال إنَّه مركَّبٌ من ثلاثة أحرفٍ لا تجد مقابلَه في السُّريانيّة إلاَّ بحرفين اثنين لا أكثر، ومثَّل له بأنَّ (قَصَّ) و(جَمَّ) و(مَسَّ) يقابلها: (قَصْ) و(جَمْ) و(مَسْ) وكذلك كلُّ المضاعفات؛ وهو دليل على أنَّها من الثُّنائيَّات - أيضًا - في العربيَّة على الرَّغم من تضعيفها فيها.
فقال الدُّكتور عبد التَّوَّاب: "وقد خدعه ما آل إليه المضعَّف الثُّلاثيُّ في بعض اللُّغات السَّاميَّة، بعد أن سُكِّنت أواخر كلماتها لسقوط
_________________
(١) ١ ينظر: اللّغة ٣٦٧.
[ ١ / ١٨٦ ]
الحركات الإعرابيَّة وغيرها؛ فضاع التَّضعيف منها، وصارت على حرفين، فظنَّ أنَّ هذا هو الأصل فيهاونسي الأَب مَرْمَرْجي أنَّه عند إسناد المضاعف إلى الضَّمائر في العربيَّة والسُّريانيَّة يظهر التَّضعيف؛ فيقال في العبريَّةِ مثلًا (s؟b) بمعنى: أحاطَ، بغير تضعيفٍ، وعند إسنادها إلى المتكلِّم مثلًا يقال (s؟bb؟ti) فيظهر التَّضعيفُ"١.
ولا يعني ذلك أن تُفقدَ الثِّقة في المنهج المقارن؛ بل إنَّ علماء اللّغة يثقون فيه، ويعدُّونه واحدًا من وسائل دراسة اللُّغات السَّاميّة، والتَّعرُّف على أدقِّ دقائقها. وعليه اعتمد جماعة في تفسير نوع من الرُّباعيِّ ينتهي بالميم؛ نحو (بُلْعُومٍ) و(خُرْطُومٍ) و(فُسْحُمٍ) و(زُرْقُمٍ) ونحوها؛ فتوصَّلوا إلى أنَّ تلك الميم هي علامة التَّنوين في اللُّغة الحِمْيَرِيَّةِ٢ القديمة، وأنَّ هذا الأصل قد تُنُوسيَ في هذه الكلمات وأمثالها، واستعملتها لهجات الشَّمال على توهُّم الأصالة في (الميم) ٣ وسمُّوا ذلك (تمييمًا) واستدلُّوا - أيضا ً- على وجوده في العربيَّة بوجوده في العبريَّة في نحو (صورة ٥) حَرْطَمَ؛ وهو مشتقٌّ من (حَرَطَ) أي: نَحَتَ ونَقَشَ، و(صورة٦) فَدْيُوم أي: فِدْيَةٌ، وهو مشتقٌّ من (فده) أي: افْتَدَىَ ولحظوا أنَّ تلك الميم
١ فصول في فقه اللغة٣٠٠.
_________________
(١) ٢ اختلفوا في الحميرية أعربيّة هي أم غير عربيّة، فذهب بعضهم إلى أنّها عربيّة، وذهب بعضهم إلى أنَّها غير عربيّة، والحق أنها عربية وإن كانت تختلف عن العربيّة بعض اختلاف. وينظر: مولد اللّغة٩٣-٩٥. ٣ من أسرار اللّغة٩.
[ ١ / ١٨٧ ]
تقابل في العربيَّة بالنُّون ١. وهذا الَّذي ذكروه اجتهادٌ حسنٌ؛ قد يفسِّر كثيرًا ممَّا نصَّ القدامى على زيادة الميم في آخره ٢ نحو (شَدْقَمٍ) و(سُتْهُمٍ) و(بُلْعُمٍ) وغيره.
النَّحْتُ عندَ المُحْدَثِينَ:
ما قيل عن النَّحت في المبحث الأوَّل يغني عن إعادة بحثه هنا؛ إذ لا كبير فرقٍ في آراء المتأخِّرين فيه؛ فأغلب الآراء الَّتي قيلت هي صَدَىَ لما جاء به ابن فارسٍ - ﵀ - ومن السَّهل ردُّها إلى مذهبه؛ وإن كان بعضها أكثر تنظيمًا، وأدقَّ عرضًا. ولم يكن النَّحتُ مقبولًا على إطلاقه عند بعض المتأخِّرين؛ فكان بعضهم أكثرَ تحفُّظًا فيه من ابن فارس. ومن هؤلاء: عبد الله العلايليّ٣، والكَرْمِليُّ٤، ومصطفى جَوَاد٥، ولُويس شَيخو٦، وعليّ عبد الواحد وافي٧.
وبالغ بعضهم في قبول النَّحت في العربيَّة؛ كجُرجِي زيدان،
_________________
(١) ١ ينظر: التَّمييم والتّنوين (مجلّة مجمع اللّغة بالقاهرة١٣ ص٥٤،٥٨) . ٢ ينظر: الجمهرة٣/١٣٣٢. ٣ ينظر: تهذيب المقدّمة اللّغويّة٦٨، ١٦٥. ٤ ينظر: مجلة لغة العرب (نيسان١٩٢٨ ص٦٠) . ٥ ينظر: دراسات في فقه اللّغة٢٦٧. ٦ ينظر: نشوء الفعل الرّباعيّ١٠٠. ٧ ينظر: فقه اللغة ١٨٨، ١٨٩.
[ ١ / ١٨٨ ]
ومَرْمَرْجي الدُّومنكيّ، اللّذين بالَغَا في نظرتهما إلى النَّحت؛ حين أعادا بعض الكلمات الثُّلاثيَّة إلى كلمتين ثنائيَّتين، أو ثلاث كلمات ثنائيَّة.
فقد كان جُرجي زيدان١ يرى أنَّ (قَطَفَ) الَّتي تفيد القطع والجمع منحوتة من (قَطَّ) و(لَفَّ) فتدلُّ الأولى على القطع، والثَّانية على الجمع، وأهملت اللاَّم لكثرة الاستعمال.
وذكر أنَّ (قَمَشَ) بمعنى: جمع ما على الأرض من الفُتات تردُّ إلى أصلين؛ هما (قَمَّ) و(قَشَّ) فالأولى بمعنى (كَنَسَ) والثَّانية بمعنى (جَمَعَ) . وتقدَّم أنَّ الدُّومنكيَّ٢ كان يرى أنَّ كلمة (نَهْرٍ) منحوتة من ثلاث كلمات: وهي (نَهْ) و(نَرْ) و(هَرْ) .
وما ذهبا إليه تكلُّفٌ لا دليل على صِحَّتِه، ولم يرضَ عنه كثير من الباحثين؛ ومنهم: الدّكتور صُبحي الصَّالح؛ الَّذي قال: "ولا ينادي بمثل هذا الرأي؛ على ذاك النَّحو من الغلوِّ؛ إلاَّ مُولَعٌ بضروب الاشتقاق؛ مأخوذٌ بما في الألفاظ من دِلالةٍ سحريَّةٍ؛ مؤمنٌ بأنَّ السَّوابق واللَّواحق بقايا كلمات قديمةٍ مستعلمة، ولكنَّ الغلوَّ في الاشتقاق والنَّحتِ لا يأتي بخيرٍ"٣
وبعدُ؛ فالرأي - بعد أن سقنا آراء القدامى والمتأخِّرين - ما ذهب إليه جُمهور اللُّغويِّين البصريِّين؛ كسيبويه، والمازِنِيِّ، والفَارِسِيِّ، وابنِ جِنِّي، وابنِ سِيدَه، ومن تابعهم من القدامى والمتأخِّرين؛ وهم أكثرُ أهل
_________________
(١) ١ ينظر: الفلسفة اللغوية٧٦. ٢ ينظر: معجميّات٩٧. ٣ دراسات في فقه اللّغة١٦٦.
[ ١ / ١٨٩ ]
اللُّغة قديمًا وحديثًا؛ وهم أكثرُ درايةً، وأصدقُ لَهْجةً، وأقوى حُجَّةً.
ولا يعني هذا أنَّ ما عدا هذا المذهب لا يلتفتُ إليه البتَّةَ، فمن الإنصاف أن ينظر إلى أكثره - قديمِهِ وحديثِهِ - بعين الاحترام؛ فلعلَّ له ما يعضده ممَّا تأتي به الدراسات اللاحقة في مستقبل الأيام.
ومهما يكن من أمرٍ فإنَّ للمذهب البصريِّ؛ الَّذي آخذ به في هذا البحث –أكثرَ من وجهٍ يعضده، ويدعو للأخذ به، ويكفي أنَّه مذهب الجمهور من اللُّغويِّين؛ فهو ضاربٌ بجذوره في الفكر اللُّغويِّ العربيِّ، وعليه أُسِّستْ أكثر القواعد في اللُّغة والتصْرِيف والنَّحو، وقامتْ على أُسُسِه جُلُّ المعاجم العربِيَّةِ.
[ ١ / ١٩٠ ]
الفصل الثاني: الزوائد
المبحث الأول: الزيادات المقيسة: حروفها ومواضعها وأعراضها
المبحث الأوّل: الزِّياداتُ المَقِيْسَةُ: حروفُها ومواضعُها وأغراضُها
لتمييز الزّائد من الأصليّ شأن عظيم في العربيّة؛ فعلى الأصول مدار كثير من مسائل التّصريف؛ كالتّثنية والجمع والتّصغير والنّسب، وعليها –أيضًا-مدار المعجم العربيَّ في بنائه.
وإذا عُرفت الزَّوائد عُرفت الأصول، وفُكَّ ما بينها من تداخلٍ. ومن هنا قال ابن دُريد في مقدّمة معجمه: "واعلم أنَّه لا يستغني النّاظر في هذا الكتاب عن معرفة الزَّوائد؛ لأنَّها كثيرة الدّخول في الأبنية، قلَّ ما يمتنع منها الرّباعيّ والخماسيّ والملحق بالسُّداسيِّ من البناء؛ فإذا عُرِفت مواضع الزَّوائد في الأبنية كان ذلك حريًّا ألاَّ تشِذَّ على النَّاظر"١.
والزَّوائد هي: ما يضاف إلى أصول الكلمة؛ لغرضٍ معنويًّ أو لفظيًّ؛ ممَّا يسقط تحقيقًا أو تقديرًا٢.
فممَّا يسقط تحقيقًا: الميم والواو في (مَسْتُورٍ) وهمزةُ (أَكْرَمَ) وتاءُ (قَتَّلَ) . وممَّا يسقط تقديرًا: واو (كوكب) ونون (غضنفر) .
_________________
(١) ١ الجمهرة١/٤٧. ٢ ينظر: شرح المرادي٥/٢٢٣،٢٣٤،وتصريف الأفعال٦٣،والمغني في تصريف الأفعال٤٨.
[ ١ / ١٩٣ ]
وتشترك الأسماء المتمكّنة والأفعال المتصرّفة في قبولها الزَّوائد١.
وسمِّيت حروف الزَّوائد زوائدَ؛ لأنَّ الزِّيادة في الاسم أو الفعل لا تقع إلاَّ منها٢.
والزِّيادة على ضربين: زيادةٌ لمعنىً؛ كألف (شاربٍ) لدلالته على الفاعلية، وميم (مَشْرُوب) لدلالته على المفعولية، وهمزة (أَكْرَمَ) لدلالتها على التَّعدية.
وهذا الضّرب من الزَّوائد ينقسم قسمين؛ أحدهما: ما يقع بحروف الزِّيادة العشرة، والآخر ما يقع بحروف الزِّيادة أو غيرها كراء (كرَّمَ) وباءِ (نَبّأ) ونحو ذلك من التضعيف؛ الَّذي يقع في جميع الحروف إلاَّ الألف.
والضّرب الثّاني: أن تكون الزِّيادة لغير معنىً ظاهر؛ بل لأغراضٍ أخرى كما يأتي.
وينقسم هذا الضّرب - أيضًا - قسمين: أوَّلهما: ما يقع بحروف الزِّيادة العشرة.
وثانيهما: ما يقع بغير حروف الزِّيادة أي بالتّضعيف (التّكرير) .
ومن النّوعين الأخيرين الإلحاق؛ فحروفه لا تفيد شيئًا من معنى الكلمة٣ بل تأتي لإلحاق بناءٍ ببناء آخر؛ ليأخذ حكمه في التّصريف -
_________________
(١) ١ ينظر: شرح المفصل لابن الحاجب٢/٣٧١. ٢ ينظر: الجمل في النحو للزجاجي٤٠. ٣ ينظر: المقتصد في شرح التكملة٢/٧٢٣.
[ ١ / ١٩٤ ]
كما سيأتي تفصيله في المبحث الثاني - إن شاء الله.
ويوَضِّحُ الرّسمُ التالي تقسيم الزَّوائد.
الزِّيادة (صورة ٧)
ويُمَيَّزُ الزائدُ بظهوره في الميزان الصرفيِّ، إن كان الزائد من حروف الزِّيادة؛ فوزنُ: أَكْرَمَ (أَفْعَلَ) واسْتَغْفَرَ (اسْتَفْعَلَ) وانْفَطَرَ (انْفَعَلَ) وهكذا. ويستثنى من ذلك المُبدَل من تاء الافتعال؛ فأنَّه بالتاء، فوزنُ: اصْطَفَى (افْتَعَلَ) وازْدَرَعَ (افْتَعَلَ) وأجاز الرَّضِيُّ١ أن يكونا (افْطَعَلَ) و(افْدَعَلَ) بالتعبير عن كلِّ زّائد مبدل منه بالبدل؛ لا المبدلِ منه. والمكرَّر، نحو: قَطَّعَ، وصَمَحْمَحٍ، ومَرْمَرِيْسٍ؛ فأنَّه (فَعَّلَ) و(فَعَلْعَل) و(فَعْفَعِيل) لا (فَعْطَلَ) و(فَعَلْمَحَ) و(فَعْمَرِيل) وأجاز ذلك عبد القاهر الجرجاني٢.
والملحق بالتّكرير فأنَّه يوزن بتكرار الحرف في الميزان؛ فوزنُ:
_________________
(١) ١ ينظر: شرح الشافية١/١٨. ٢ ينظر: المقتصد في شرح التكملة٢/٨٧٢.
[ ١ / ١٩٥ ]
جَلْبَبَ (فَعْلَلَ) لا (فَعْلَبَ) وذلك للتّنبيه -في الوزن - على أن الزّائد حصل من تكرار حرف أصليٍّ؛ سواء كان التّكرير للإلحاق كـ (جَلْبَبَ) أو لغيره كـ (كَسَّرَ) ٣. أما الملحق بغير التّكرير مثل (كَوْكَبٍ) و(سَيْطَرَ) فوزنهما (فَوْعَل) و(فَيْعَل) .
ويجوز في بعض الكلمات أن تُحمل الزِّيادة على التّكرير، وألاَّ تُحمل عليه؛ بشرط أن يكون الحرف من حروف الزِّيادة؛ وذلك نحو: حِلْتِيتٍ فأنَّه فِعْلِيلٌ للإلحاق بـ (قِنْدِيل) ويجوز أن يكون (فِعْلِيتًا) إن لم يقصد تكرير لامه؛ بل قُصد الزِّيادة؛ كما في (عِفْرِيتٍ) ٤.
واختلفوا في تعيين الحرف الزّائد في المكرَّر؛ نحو (كَسَّرَ) فجعل الخليل٥ الأوَّل هو الزائدُ؛ لأن الواو والياء والألف يقَعْنَ ثواني في (فَوْعَل) و(فَيْعَل) و(فَاعِل) وكذلك في (فَعلّل) و(فِعَلّ) لأن الواو والياء والألف يقعنَ ثوالث؛ نحو (جَدْوَل) و(عِثْيَرٍ) و(شِمَالٍ) .
وكذلك (عَدَبَّسٌ) ٦ فالباء الأولى فيه بمنزلة واوِ (فَدَوْكَسٍ)
_________________
(١) ١ ينظر: شرح الشافية١/١٨. ٢ ينظر: المقتصد في شرح التكملة٢/٨٧٢. ٣ ينظر: شرح الشافية للرّضيّ١/١٣،١٤. ٤ ينظر: شرح الشافية للرّضيّ١/١٥. ٥ ينظر: الكتاب٤/٣٢٩. ٦ العدبّس: الشديد أو الطويل أو سيّء الخلق من الرجال، وينظر: اللسان (عدبس) ٦/١٣٤. ٧ الفَدَوْكَسُ: الأسد، وينظر: اللسان (فدكس) ٦/١٥٩.
[ ١ / ١٩٦ ]
وياء (عَمَيْثَلٍ) ١.
وجعل يونس بن حبيب٢ الأخيرَ هو الزائد؛ فقاس زيادة (كَسَّرَ) وأخواتها على زيادة (جدولٍ) و(عِثْيَرٍ) و(شِمَالٍ) . وقاس زيادة (مَهْدَدٍ) وأخواتها على ألف (مِعْزًى) وجعل الأخيرةَ في (خِدَبٍّ) بمنزلة النون في (خِلَفْنَةٍ) وجعل زيادة (عَدَبَّسٍ) بمنزلة واوِ (كَنَهْوَرٍ) .
وصوَّب سيبويه٣ الوجهين. واختار ابنُ السَّرَّاج٤ مذهبَ سيبويه. وليس لهذا الخلاف أثرٌ في تداخل الأصول؛ لأن الأصول لا تتغير في الرأيين.
_________________
(١) ١ العميثل: الضخم الشديد، وينظر: اللسان (عمثل) ١١/٤٧٨. ٢ ينظر: الكتاب٤/٣٢٩، والهمع٢/٢١٦. ٣ ينظر: الكتاب٤/٣٢٩. ٤ ينظر: الأصول٣/٢٤٣.
[ ١ / ١٩٧ ]
حروف الزِّيادة:
يكاد اللُّغويُّون١ يُجْمِعون على أن حروف الزِّيادة عشرة؛ وهي: الواو، والياء، والألف، والهمزة، والميم، والنون، والسين، والتاء، واللام، والهاء. وجمعوها في قولهم (أمانٌ وتسهيلٌ) أو (سألتمونيها) أو (اليومَتنساه) ونحو ذلك. ونقلوا عن المبرِّد أنَّه أخرج الهاء٢ من حروف الزِّيادة؛ على الرغم من أنَّه نصَّ صراحةً في (المقتضب) ٣ على أنَّ الهاء من حروف الزِّيادة؛ وهو يبطل ما نُسبَ إليه.
وكان ثعلبٌ يعدُّ الباءَ في (زَغْدَبٍ) من حروف الزِّيادة في قول العجَّاج:
_________________
(١) ١ينظر: الجمهرة١/٤٧، واللاَّمات للزجاجي١٣٣، والواضح٢٦٤، والمنصف١/٤٨، والأفعال للسرقسطيّ١/٥٦، والتبصرةوالتذكرة٢/٧٨٨، والفصول في العربيّة١١٩، وشرح المفصل لابن يعيش٩/١٤١، والتسهيل٢٩٧، وشرح الشافية للرَّضيّ٢/٣٣٠، والممتع١/٢٠١، والارتشاف١/٩٤، والمبدع١١٨. ٢ ينظر: سرُّ الصّناعة١/٦٢،٥٦٣، وشرح المرادي٥/٢٣٥، والمساعد٤/٥١، والممتع١/٢٠٤، والمبدع١٢٢، وشرح الأشمونيّ٤/٦٩، والتَّصريح٢/٣٦٢، وتصريف الأفعال١٠٠، والخلاف بين المبرّد وسيبويه١٢٧. ٣ ١/٥٦، ٦٠، ٣/١٦٩، ولعل سبب ذلك أنَّ للمبرّد قولًا في هذه المسالة في غير (المقتضب) موافقًا لما نقل عنه؛ ثم اشتهر ذلك، وخمل ما في (المقتضب) .
[ ١ / ١٩٨ ]
يَمُدُّ زَأرًا وهَدِيرًا زَغْدَبًا١ وردَّ مذهبَه ابنُ جِنَّي٢
ولم يقتصر أبو الحسن كُرَاعُ النمل في الزَّوائد على حروف الزِّيادة العشرة المُجْمَعِ عليها؛ فقد عقد بابًا بعنوان (باب الزَّوائد من غير العشرةِ) ٣ وأضاف فيه عشرة أحرفٍ أخرى وهي: الغين، والقاف، والحاء، والفاء، والرَّاء، والزَّاي، والطَّاء، والدّال، والجيم، والباء.
فالغين زائدةٌ في (دَغْفَقْتُ الماءَ) لأنَّه من دَفَقْتُهُ٤.
والقاف في (العَسَلَّقِ) وهو الذئب؛ لأنَّه مشتق من العَسَلان٥.
والحاء في (الصَّلَنْقَحِ) وهو الصياح، وأصله (الصَّلقُ) ٦.
والفاءُ في قولهم: مِخْشَفٌ ومِخَشٌّ، بمعنى: جريءٍ على الليل ٧.
والرَّاءُ في قولهم: كَشَمْتُ أنفَه وكَشْمَرْتُهُ، أي: كَسَرْتُهُ، قال: "وإنما زيدت الرَّاء لقربها من اللام، واللاَّم من الزَّوائد"٨.
والزَّايُ في قولهم: أَرَمَّ وأرْزَمَ، بمعنى: سكتَ، ويرى أنَّها زيدت؛
_________________
(١) ١ ينظر: ديوانه٢/٢٧٠، والمبهج١٥٤. ٢ ينظر: الخصائص٢/٤٩. ٣ ينظر: المنتخب٢/٧٠٠. ٤ ينظر: المنتخب٢/٧٠١. ٥ ينظر: المنتخب٢/٧٠١. ٦ المنتخب ٢/٧٠٢. ٧ المنتخب ٢/٧٠٢. ٨ المنتخب ٢/٧٠٣.
[ ١ / ١٩٩ ]
لأنَّها أخت السين، والسينُ من الزَّوائد١.
والطَّاءُ في قولهم: فَرْشَطَ وفَرَشَ، بمعنى: بَرَكَ، ويرى أنَّها زيدت؛ لأنَّها أخت التاءِ٢.
والدَّالُ في قولهم: رِخْوَدٌّ بمعنى رِخْوٍ؛ وهي - أيضًا - أخت التاء٣.
والجيمُ في قولهم: دَحْرَجْتُه بمعنى: دَحَرْتُهُ٤.
والباءُ في قولهم: شَبْرَقْتُ الثَّوبَ، بمعنى: شَرَّقْتُهُ، أي: مَدَدْتُهُ٥.
وكلُّ هذا الَّذي ذكره كُراعٌ ليس من الزَّوائد؛ وإنما هي أصول تشابهت معانيها، وتقاربت ألفاظُها، وهو من المترادفات؛ كما يراه ابن جِنِّي في أمثالها٦. ومَنْحَى كُراعٍ في الزَّوائد ليس غريبًا؛ إذا عُرف أنَّه كوفيُّ المذهب٧، وأهل الكوفة يجعلون ما زاد عن ثلاثة أحرفٍ مزيدًا، كما تقدَّم٨.
_________________
(١) ١ المنتخب ٢/٧٠٣. ٢ المنتخب ٢/٧٠٣. ٣ المنتخب ٢/٧٠٤. ٤ المنتخب ٢/٧٠٤. ٥ المنتخب ٢/٧٠٥. ٦ ينظر: الخصائص٢/٤٩. ٧ ينظر: الفهرست٩١. ٨ ينظر: ص (١٩٣) من هذا البحث.
[ ١ / ٢٠٠ ]
ونحا ابنُ فارسٍ منحى كُراعٍ١، يؤكد ذلك تحليل ما زاد عن الثلاثة في معجمه (مقاييس اللُّغة) ففيه تسع وأربعون ومائتا كلمة رباعية أو خماسية؛ ممَّا جعله مزيدًا بحرفٍ أو حرفين من غير حروف الزِّيادة العشرة. فقال بزيادة الرَّاء في خمسٍ وثلاثين كلمةً ٢، وهي أكثر الحروف زيادةً عنده.
ويليها العين؛ في عشرين كلمة٣.
فالباءُ؛ في تسع عشرة كلمة٤.
فالدَّالُ؛ في إحدى عشرة كلمة٥.
فالفاءُ؛ في ستِّ كلماتٍ٦.
فالحاءُ؛ في خمسِ كلماتٍ٧.
_________________
(١) ١ لم يذكر أحدٌ –فيما أعلم- أنَّ ابن فارس متأثر- في الزَّوائد - بكراع، وأراه أخذ أساس فكرته في (المقاييس) ممَّا جاء به كراع في (المنتخب) وقد سبقه كراع بنحو قرنٍ فقد كانت وفاته في سنة (٣١٠هـ) في حين توفي ابن فارس سنة (٣٩٣هـ) . ٢ ينظر: المقاييس١/٣٣٢، ٢/٢٤٨، ٣/٢٧٢، ٤/٤٣١، ٥/١٩٤، ٦/٧١. ٣ ينظر: المقاييس١/٥١٠، ٢/٢٣٩، ٣/٣٥٢، ٤/٣٦٩. ٤ المقاييس١/٣٣٤، ٢/٥٠٩، ٥١٠، ٣/٤١٠، ٤/٣٥٨. ٥ المقاييس٢/٣٤١، ٣/٤٠١. ٦ المقاييس٢/٣٣٧، ٣٧٢، ٣/٣٥٠، ٤/٣٥٨، ٤/٥١٤. ٧ المقاييس٢/١٤٤، ١٤٥، ٣٤١، ٣/٢٧٢،٣٥٧.
[ ١ / ٢٠١ ]
فالجيمُ١؛ والقافُ٢؛ والكافُ٣؛ وكلٌّ منها في أربع كلماتٍ. فالشينُ؛ في ثلاثِ كلماتٍ٤.
فالزَّايُ٥؛ والطَّاءُ٦؛ في كلمتين لكٍّ منهما.
فالخاءُ، والذَّال، والضَّاد، والغينُ؛ في كلمةٍ لكلٍّ منها٧.
وهذا يعني أنَّ ابنَ فارسٍ يرى أنَّ حروف المعجم جميعها٨ قابلة لأن تكون زائدةً؛ باستثناء ثلاثة منها؛ وهي: الثاء، والصاد، والظاء؛ اللائي لم يردن في معجمه زوائد؛ ولعله لا يمتنع عنده زيادتهن -أيضًا.
والَّذي يؤخذ به، وعليه المعوَّل في دراسة تداخل الأصول: مذهب الجمهور في الزَّوائد؛ وهو أنَّها لا تقع من غير العشرة؛ الَّتي يجمعها قولهم: (سألتمونيها) أمَّا ما جاء به كُراعٌ، وابنُ فارسٍ، ومن سار على نهجهما، من اللُّغويِّين المتأخرين في زماننا؛ فلا يُعَوّل عليه؛ لأنَّ ما زعموا أنَّه زائد ثبتت أصالته عند جمهور اللّغويّين والصّرفيّين والنّحاة من المتقدّمين
_________________
(١) ١ المقاييس١/٥١١، ٥٠٨، ٢/٢٤٨، ٦/٧٢. ٢ المقاييس٢/٣٣٧، ٣/٥٢، ٥/١١٨، ٥/٤٨٤. ٣ المقاييس٢/١٤٤، ٣/٣٥١، ٣/٤٠١، ٦/٧١. ٤ المقاييس٣/٤٥٧، ٤/٣٥٩،٣٦٣. ٥ المقاييس١/٥٠٩، ٣/٥٤. ٦ المقاييس٤/٣٦٥، ٤/٥١٣. ٧ المقاييس - على الترتيب - ١/٣٣٣، ٣/٢٢٧٣، ٤/٣٦٢، ٢/٣٤٠. ٨ وذلك بإضافة تلك الحروف إلى حروف الزِّيادة العشرة، ولا شكَّ في أنَّه يعتدّها من حروف الزِّيادة؛ وقد ذكرها مزيدةً في تسع وعشرين ومائة كلمة.
[ ١ / ٢٠٢ ]
والمتأخرين؛ وهم السواد الأعظم من علماء العربيّة؛ وقد وضعوا قواعدهم على الكثير المستفيض من كلام العرب؛ الَّذي أدّاهم إلى نَوْطِ القواعدِ به.
مواضِعُ الزِّيادَاتِ المَقِيسَةِ: تنقسم الزَّوائد قسمين: مَقيسةٌ وغير مَقِيسَةٌ.
وأعرضُ فيما يلي للزّيادات المقيسة:
أوَّلًا- الهمزة:
تقع الهمزة أوّلًا وحشوًا وآخرًا، وتطّرد زيادتُها أوّلًا وآخرًا، إلاّ أنَّها إذا وقعت آخرًا بعد ألفٍ زائدةٍ نحو (حَمْرَاءَ) فأنَّها تكون مُبدلةً من ألف التأنيث. وفيما يلي بيان ذلك:
أ- إذا وقعت أوّلًا:
لا يخلو إن وقعت الهمزة في أوّل الكلمة أن يكون بعدها حرفان، أو أكثر، فإن كان بعدها حرفان فالهمزة أصل؛ نحو (أَكَلَ) و(أَمَرَ) إذ لا بدّ من الفاء والعين واللاّم١، وهي أقلّ الأصول.
وإن كان بعدها ثلاثة أحرفٍ أصولٍ فالهمزة زائدةٌ؛ سواء عُرف الاشتقاق في تلك الكلمة أو جُهِلَ ٢؛ نحو (أَحْمَرَ) و(أَصْغَرَ) و(أَكْرَمَ) و(أَشْرَفَ) .
وإنّما حُكم عليها بالزِّيادة في هذه المواضع؛ لأنّ كلَّ ما عرف
_________________
(١) ١ ينظر: الممتع١/٢٣٠. ٢ ينظر: سرُّ الصناعة١/١٠٧.
[ ١ / ٢٠٣ ]
اشتقاقه من ذلك فالهمزة فيه زائدة؛ فحُمل ما جُهِل اشتقاقه على ما عُلِمَ؛ فحُكِمَ بزيادة الهمزة فيه١. ويُعدّ هذا الموضع أكثرَ مواضع اطِّرادها زائدةً؛ إذ تزاد في سبعة وعشرين بناءً في الأسماء٢.
وإن كان بعدها أربعةُ أحرفٍ، فما فوق، مقطوعٌ بأصالتهنّ، فهي أصل٣؛ وذلك نحو (إِصْطَبْلٍ) و(إَبْرَيسَمٍ) .
قال ابنُ عصفور: "وإنّما قُطع بأصالة الهمزة في مثل هذا؛ لأنّ بنات الأربعة فصاعدًا، لا تلحقها الزّيادات من أوّلها أصلًا، إلاّ الأفعال، نحو: تَدَحْرَجَ، والأسماءَ الجاريةَ عليها، نحو: مُدَحْرِجٍ"٤.
وإن كان بعدها ثلاثةُ أحرفٍ، اثنان منها مقطوع بأصالتهما؛ فإمّا أن يكون الآخر مقطوعًا بزيادته، أو محتملًا للأصالة والزِّيادة؛ فالهمزة أصل فيما قُطع بزيادته؛ نحو: (آكِلٍ) و(آمِرٍ) لأنَّه لا بدّ من الفاء والعين واللاّم؛ فوزن ما تقدّم (فَاعِل) . وتكون الهمزة زائدة فيما احتمل الأصالة والزِّيادة؛ نحو: (أَبْيَنَ) اسم رجلٍ، و(أَفْعَى) فإنّ الياءَ في الكلمة الأولى والألفَ المقصورةَ في الثانية محتملتان للأصالة والزِّيادة، وقد قُضيَ على الهمزة في المثالين
_________________
(١) ١ ينظر: الممتع١/٢٣٢. ٢ ينظر: الاستدراك على سيبويه٦٢. ٣ ينظر: سر الصناعة١/١٠٧. ٤ ينظر: الممتع١/٢٣١.
[ ١ / ٢٠٤ ]
بالزِّيادة، وقُضِيَ على الحرفين بالأصالة "لأنّ جميع ما ورد من ذلك ممَّا له اشتقاقٌ الهمزة فيه زائدةٌ، وما عداها أصل، نحو: قولِه: أَغْوَى منه، وأَضْوَأُ منه، وأَيْدَعُ؛ لأنّ أغوى من الغَيِّ، وأضوأ من الضَّوء، ويقولون: يَدَّعْتُهُ"١ فـ (أَيْدَعُ) منه.
ويستثنى من ذلك ألفاظ قليلة شذّت من هذا النوع؛ كـ (الأَوْلَقِ) وهو الجنون، و(الأرْطَى) وهو نبات يدبغ به؛ فإنّ الهمزة فيهما أصل؛ لاشتقاق الأوّل من الأَلَقِ.
ولقولهم في الثاني: أَدِيمٌ مأْرُوْطٌ؛ أي: مدبوغ؛ ولذلك حمل ما ليس له اشتقاق؛ كـ (أَبْيَنَ) و(أَفْعَى) على الأكثر؛ فقُضِي بزيادة الهمزة. وتطّرد زيادة الهمزة أوّلًا في بعض الأفعال والمصادر؛ لسكون أوائلها؛ فيؤتى بالهمزة للتّوصّل إلى نطق الساكن؛ وهو ما يعرف بـ (همزة الوصل) وتقع في مزيد الماضي من الثُّلاثيّ أو الرّباعيّ؛ ممَّا جاء على خمسة أحرفٍ أو ستّةٍ؛ وهو ما يسمّى بـ (الخماسيّ) أو (السّداسيّ) بالزِّيادة٢، نحو (اكْتَسَبَ) و(انْفَطَرَ) و(اقْشَعَرَّ) و(اعْشَوْشَبَ) و(اسْتَغْفَرَ) وما جرى عليه من المصادر.
وتطّرد - أيضًا - في الأمر من تلك الأفعال؛ كما تطّرد في أمر المضارع ساكِنِ الثّاني، ولم تُحذف منه همزةٌ؛ كـ (يُكْرِمُ) ولم يكن
_________________
(١) ١ الممتع١/٢٣٣. ٢ ينظر: الألفات لابن خالويه٢٨،٢٩، ورصف المباني ١٣٠، وبغية الآمال١٢٢-١٣٤.
[ ١ / ٢٠٥ ]
مثل: أَخَذَ وأَكَل وأَمَرَ؛ وذلك نحو: اعْلَمْ، واضْرِبْ، واشْرُفْ.
ب- إذا وَقَعَتْ آخِرًا:
تقاس زيادة الهمزة إذا وقعت في آخر الكلمة، وقبلها ألفٌ مسبوقةٌ بثلاثة أصولٍ فأكثرَ؛ نحو: خَضْرَاءَ، وصَحْرَاءَ، وعاشوراءَ١؛ إلاّ أنّ تلك الهمزة منقلبةٌ عن ألف التأنيث؛ فأصل صحراءَ: صحرأأ٢، وكذلك الباقي.
ثانيا-ً التاءُ:
تزاد التّاء باطّرادٍ أوّلًا وحشوًا وآخرًا؛ على النحو التالي:
أ- زيادتُها أوّلًا:
تزاد أوّلًا في الأفعال والأسماء؛ فمن زيادتها في الأفعال: وقوعها في أوّل الماضي في صيغتي (تَفَعَّلَ) و(تَفَاعَلَ) ٣ نحو (تَكَسَّرَ) و(تَغَافَلَ) وفي الأمر من تلك الصّيغ.
وتقع في مضارع المخاطب في نحو (تَكْتُبُ) و(تَسْتَبِينُ) أو المخاطبة نحو (تَكْتُبينَ) أو الغائبة في (تخرجُ هندٌ) و(تَسْتَبينُ) . وتقع في الأسماء في مصادر (تَفَاعَلَ) و(تَفَعَّلَ) كـ (التَّسابقِ) و(التَّقَطُّعِ) وفي المصادر المصوغة من الثُّلاثيّ على وزن (تَفْعَالٍ) كـ
_________________
(١) ١ ينظر: تصريف الأفعال٨٤. ٢ ينظر: سر الصناعة١/٨٥. ٣ ينظر: الممتع١/٢٧٢.
[ ١ / ٢٠٦ ]
(التَّرْدَادِ) و(التَّلْعَابِ) ١.
ب- زيادتُها حشوًا:
وتكون باطّراد في صيغتي (افْتَعَلَ) كـ (اعْتَصَرَ) و(اسْتَفْعَلَ) كـ (اسْتَغْفَرَ) وفي مصدريهما، واسمي الفاعلِ والمفعولِ، واسمي الزّمان والمكان٢.
ج- زيادتُها آخِرًا:
تزاد باطِّرادٍ في الماضي المسند إلى مؤنثٍ؛ نحو (قامتْ) وفي وَصْفِ المؤنث نحو (قائمةٍ) و(مضروبَةٍ) .
وفي عَلَمِ المؤنثِ نحو (فاطمة) و(خديجة) وفي بعض جموع التكسير؛ وهي عوضٌ عن الياء، نحو: زَنَادِقَةٍ؛ فهي عوض عن ياء (زَنَادِيقَ) وكذلك (أَزَارِقَةٌ) و(صَيَارِفَةٌ) وفي جمع المؤنث، نحو: هِنْداتٍ، وشَجَرِاتٍ٣، وتاء المبالغة٤ نحو: رجلٍ علاَّمَةٍ، وضُحَكَةٍ.
_________________
(١) ١ ينظر: الكتاب٤/٨٣، ٨٤. ٢ ينظر: سر الصناعة١/١٥٨، وتصريف الأفعال٩٧. ٣ ينظر: تصريف الأفعال٩٧. ٤ ينظر: رسالة في الحروف العربيّة١٦٧.
[ ١ / ٢٠٧ ]
ثالثًا- السِّينُ:
تزاد السّين باطِّرادٍ في صيغةٍ واحدةٍ؛ وهي (اسْتَفْعَلَ) وما تصرّف منها؛ كالمضارعِ واسم الفاعلِ واسمِ المفعولِ والمصدرِ١. ولا تطَّرد زيادتُها في غير ذلك. ومثالها (سلقى) .
رابعًا- اللاَّم:
تزاد باطِّرادٍ في (ذلك) و(تلك) و(تالك) و(أولالكَ) و(هنالك) لقولهم فيها: (ذاك) و(تيك) و(أولاك) و(هناك) ٢. ولا تطَّرد زيادتُها في غير ما تقدّم.
خامسًا- الميمُ:
تزاد الميم أوَّلًا وحشوًا وآخرًا. ولا تطَّرد زيادتها إلاّ أوَّلًا؛ وهي بمنزلة الهمزة ٣؛ ومن هنا قال ابن مالكٍ:
وهَكذَا هَمْزٌ وميمٌ سَبَقَا ثلاثةً، تأصِيْلُهَا تُحُقِّقَا ٤
وتفصيل أحوالها أن يقال٥: إنّ الميمَ إن وقعت أوَّلًا لا يخلو أن يكون بعدها حرفان أو أكثر.
_________________
(١) ١ ينظر: الممتع١/٢٢٢. ٢ ينظر: سر الصناعة١/٣٢١، والممتع١/٢١٣. ٣ ينظر: الممتع١/٢٤٦. ٤ ينظر: شرح ابن الناظم٨٢٩. ٥ ينظر: الممتع١/٢٤٦.
[ ١ / ٢٠٨ ]
فإن كان بعدها حرفان؛ نحو (المَجْدِ) حُكِم على الميم بالأصالة؛ إذْ لا بدّ من الفاء والعين واللاّم.
وإن كان بعدها أكثر من حرفين فلا يخلو أن يقع بعدها ثلاثةٌ مقطوعٌ بأصالتها، أواثنان مقطوع بأصالتهما، وما عداهما مقطوع بزيادته، أو محتملٌ للأصالة والزِّيادة.
فإن كان بعدها ثلاثةٌ مقطوعٌ بأصالتها حُكِمَ على الميم بالزِّيادة؛ لأنّ كلّ ما ورد من ذلك ممَّا يعرف له اشتقاقٌ جاءت الميم فيه زائدةً؛ وهذا موضع اطِّرادها زائدةً؛ كوقوعها في المصدر الميميّ: (مَفْعَل) كـ (مَطْلَع) و(مَفْعِل) كـ (مَوْعِد) واسمِ الزّمان (مَفْعَل) كـ (مَسْعَى) و(مَصِيفٍ) و(مُفْتَعَل) كـ (مُسْتَقَرٍ) ونحوه؛ ممَّا زاد على الثلاثة، واسمِ المكانِ (مَفْعَل) كـ (مأوَىَ) و(مَصْرِفٍ) و(مُفَعَّل) كـ (مُصَلَّى) ونحوه؛ ممَّا زاد على الثلاثة.؛ و(مَفْعَلَة) للمكان الَّذي تكثر فيه الأعيان؛ كـ (مأسَدَةٍ) و(مَسْبَعَةٍ) واسمِ الفاعل ممَّا زاد على الثلاثة (مُنْفَعِل) كـ (مُنْفَطِرِ) و(مُفْتَعِل) نحو (مُجْتَهِدٍ) و(مُسْتَفْعِل) نحو (مُسْتَخْرِجٍ)، ونحو ذلك من صيغ ما زاد على الثلاثة؛ وهي كثيرة، واسمِ المفعول (مَفْعُول) نحو (مَكْتُوب) و(مُفَعَّل) نحو (مُرَكَّبٍ) ونحوه من أوزان ما زاد على الثلاثة وهي كثيرة، واسمِ الآلة (مِفْعَل) كـ (مِثْقَبٍ) و(مِفْعَال) كـ (مِفتَاح) و(مِفْعَلَة) كـ (مِسْطَرَةٍ) وفي نحو (مُفْعَل) كـ (مُصْحَفٍ) و(مُفْعُل) كـ (مُنْخُلٍ) و(مِفْعِل) كـ (مِنْتِنٍ) و(مُفْعُول) كـ (مُعْلُوقٍ) و(مَفْعَلٍّ) كـ (مَكْوِرٍّ) ونحو ذلك.
[ ١ / ٢٠٩ ]
وإن كان بعد الميم أكثر من ثلاثة أصول في غير المشتقّ –حُكم على الميم بالأصالة؛ لأنّ الزِّيادة لا تلحق بنات الأربعة أو الخمسة من أوّلها؛ نحو (مَنْجَنُونٍ) و(مَنْجَنِيقٍ) و(مَرْدَقُوشٍ) وهو الزّعفران، ولعدم الاشتقاق فيه على الزِّيادة، ولكونه أعْجَمِيًّا١.
وإن كان بعدها حرفان مقطوع بأصالتهما، وما عداهما مقطوع بزيادته؛ نحو (ماسِحٍ) و(مَالِكٍ) حُكِمَ على الميم بالأصالة. وإن كان ما عدا الأصلين محتملَ الأصالة والزِّيادة –حُكم على الميم بالزِّيادة؛ كما هو الحال في الألف؛ في هذا الموضع، لأنّ كلّ ما عرف له اشتقاق من ذلك وُجدتِ الميمُ في أكثره زائدةً، فحمل ما لم يعرف له اشتقاق على ما عرف اشتقاقه؛ وذلك نحو (المَذْرَى) وهو جانب الألية.
هذه حال الميم أوَّلًا؛ وهو الموضع الوحيد؛ الَّذي تطرد زيادتها فيه.
سادسًا- النُّونُ:
تُزادُ النّون باطِّرادٍ أوّلًا وحشوًا وآخرًا، وفيما يلي بيان ذلك:
أ- زيادتُها أوَّلًا:
تزاد النون أوَّلًا باطّراد في أول الفعل المضارع المسند للمتكلم المَشَارَكِ أو المعظّم نفسه؛ نحو (نكتب) و(نتكلَّم) .
_________________
(١) ١ ينظر: تصريف الأفعال٨٨.
[ ١ / ٢١٠ ]
ب- زيادتُها حشوًا:
إذا وقعت النّون حشوًا؛ فإنَّها تطرد في مواضع كثيرة في الأفعال والأسماء؛ ومن الصِّيغ الَّتي تطّرد فيها١:
١- (انفَعَلَ) وما تصرّف منه؛ كـ (انفَطَرَ انْفِطَارًا؛ فهو مُنْفَطِرٌ) .
٢- (افْعَنلَلَ) وما تصرَّف منه؛ كـ (احْرَنْجَمَ احرنْجَامًا؛ فهو مُحْرَنجِمٌ) .
٣- النون الثالثة السَّاكنة غير المدغمة في مثلها؛ في كلمة على خمسة أحرفٍ؛ نحو (فَعَنعَل) كـ (عَقَنقَلٍ) و(فَعَنلَل) كـ (جَحَنفَلٍ) ونحوهما؛ فالأولى من (ع ق ل) والثانية من (ج ح ف ل) .
وهي مطَّردة في هذا الموضع؛ لأنَّ كلّ ما ورد منه ممَّا عرف اشتقاقه وُجدتِ النّون فيه زائدة؛ فحمل ما ليس له اشتقاق ولا تصريف؛ نحو (عَبَنقَسٍ) وهو السيء الخُلُق- على ذلك،؛ فحكم على نونه بالزِّيادة٢.
أمّا النون المضعّفة في نحو (عَجَنَّسٍ) فأصلٌ عند سيبويه٣ ومن تبعه٤ ووزنُهُ (فَعَلَّل) "لأنَّها إذ ذاك تشَبَّثُ بالحركة، والنَّون إذا تحرّكت كانت من الفم، وضعُفتِ الغنَّة فيها؛ ولذلك لم تزد ثالثةً ساكنةً قبل حرف الحلق؛ لأنَّها إذ ذلك تكون من الفم وتضعف فيها الغنَّة؛ فلا تشبه
_________________
(١) ١ ينظر: الممتع١/٢٥٧. ٢ ينظر: الممتع١/٢٦٣، ٢٦٤. ٣ ينظر: الكتاب٤/٢٩٨. ٤ ينظر: مختصر شرح أمثلة سيبويه١٤٠، وشرح المرادي٥/٢٥٧.
[ ١ / ٢١١ ]
حرف العلّة. ولو ورد في الكلام مثل (جَحَنْعَل) مثلًا- لجُعلت النّون فيه أصليّةً كما جُعلت في (عَجَنَّسٍ) كذلك؛ لمفارقتها إذ ذاك الغُنّة؛ الَّتي أشبهت بها حرف العلّة"١.
وجعلها بعضهم زائدةً؛ قياسًا على القاعدة في هذا الموضع؛ فيكون وزنها حينئذٍ (فعَنْللا) .
وذهب أبو حَيَّان٢ إلى أنّ النُّونين زائدتان؛ فوزنُ الكلمة عنده (فَعَنَّل) وعند سيبويه (فَعَلَّل) .
ج- زيادتُها آخِرًا:
تُزاد النُّون آخرًا باطِّرادٍ في بعض الصِّيغ والمواضع؛ على النحو التالي:
١- نون التثنية؛ نحو (كِتَابَانِ) .
٢- نون الجمع؛ سواء كان جمعَ سلامة نحو (مُسْلِمِينَ) أو جمعَ تكسيرٍ على صيغة (فَعْلان) أو (فِعْلان) كـ (قُضْبان) و(غِرْبان) لعدم وجود (فُعْلال) في أبنية الجموع ٣.
٣- نون الرّفع اللاّحقةُ بالأفعال الخمسة؛ نحو (تَفْعَلونَ) و(يَفْعَلون) و(تَفْعَلانِ) و(يَفْعَلان) و(تَفْعَلِينَ) .
٤- نون التّوكيد الشديدةُ أو الخفيفةُ؛ كقوله ﷿: ﴿لَيُسْجَنَنَّ
_________________
(١) ١ الممتع١/٢٦٥. ٢ ينظر: شرح المراديّ٥/٢٥٧. ٣ ينظر: النّون وأحوالها في لغة العرب٢٥٥.
[ ١ / ٢١٢ ]
وَلِيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ ١.
٥- نون التَّنوين؛ نحو رجلٍ وقومٍ.
٦- النُّون الواقعة في بعض المصادر على صيغة (فَعَلان) كـ (الغَلَيانِ) و(فِعْلان) كـ (الحِرْمَان) و(فُعْلان) كـ (الغُفْران) .
وتكثر آخرًا بما يقرب من الاطِّراد؛ إذا كان قبلها ألف؛ نحو (عُثْمان) و(سَلْمَان) و(غَطَفَان) و(ظَمَآن) .
ويشترط في ذلك شرطان؛ أحدهما: أن تُسبَقَ الألفُ بأكثر من أصلين؛ إذ لو كان قبلها حرفان فحسب لوجب الحكم بأصالة النّون؛ نحو (سِنَانٍ) و(عِنَانٍ) لأنَّه لا بدّ من الفاء والعين واللام.
والآخر: ألاَّ تكون الكلمة من باب (جَنجَانٍ) ٢ فإنّ النّون فيه أصليّة؛ إذ لو كانت نونه زائدةً لأدّى ذلك إلى أن تكون الكلمة ثلاثيّةً من باب (سَلِسٍ) و(قَلِقٍ) أعني: ممَّا فاؤه ولامه من جنسٍ واحدٍ؛ وذلك قليل. وعدّ النّون أصليّةً يجعل الكلمة من باب الرّباعيّ المضاعف؛ نحو (زَلْزَلَ) و(كَبْكَبَ) وهو بابٌ واسعٌ. وزاد بعضهم شرطًا ثالثًا٣، وهو ألاَّ يكون ما قبل الألف مضاعفًا فيما كان قبل الألف ثلاثة حروفٍ؛ نحو (رُمَّانٍ) لاحتمال أن تكون
_________________
(١) ١ سورة يوسف: الآية٣٢. ٢ ينظر: المنصف١/١٣٤، والممتع١/٢٥٨، وفي المساعد٤/٦٥: (باب جيحان) وهو تصحيف. ٣ ينظر: الممتع١/٢٥٩.
[ ١ / ٢١٣ ]
النّون زائدةً؛ فتكون الكلمة من (ر م م) ووزنها (فُعْلاَن) أو أصليّةً؛ فتكون الكلمة من (ر م ن) فيكون وزنها (فُعَّالا) .
ورجّح ابنُ عُصفُورٍ١ أن تكون النّون زائدةً؛ لكثرة زيادتها في هذا الموضع؛ حتَّى يأتي دليل على أصالتها.
سابعًا- الهاءُ:
تطّرد زيادة الهاء في ثلاثة مواضع:
أحدها: في فعل الأمر الوارد على حرفٍ لبيان الحركة؛ نحو (فِهْ) و(عِهْ) أو حرفين؛ نحو (ارْمِه) و(اغْزهِ) ٢.
وثانيها: في الوقف على ما الاستفهاميّة، إن جُرّتْ بحرفٍ؛ نحو (لِمَهْ) .
وثالثها: في النُّدْبَةِ والاستغَاثَةِ عند الوقف؛ نحو (وا زيداه) و(وا مَنْ حَفَرَ بِئرَ زَمْزَمَاه) و(وا مُعْتَصِمَاه) .
ثامنًا- الواوُ:
تُعدُّ الواو والياء والألف أُمَّاتِ الزَّوائد في العربيّة، فلا تكاد تخلو كلمة مزيدة من أحدهنّ٣.
والواو لا تُزاد أوَّلًا؛ إذ لو زيدت أوَّلًا لم تكن إلاَّ متحرّكةً؛ لأنَّه لا يبتدأ بساكن، وحينئذٍ فإمَّا أن تكون مفتوحةً أو مضمومةً أو مكسورةً.
_________________
(١) ١ ينظر: الممتع١/٢٥٩. ٢ ينظر: جواهر الأدب١٦٠. ٣ ينظر: الكتاب٤/٣١٨، والمنصف١/١٥٣.
[ ١ / ٢١٤ ]
فإن كانت مضمومة ساغ قلبها همزةً، واطَّردَ ١ ذلك فيها؛ كقولهم: (أُقِّتَتْ) في (وُقِّتَتْ) و(أُجُوهٌ) في (وُجُوهٍ) . وكذلك إن كانت مكسورة؛ كـ (وِسَادةٍ) و(إِسَادةٍ) و(وِشَاحٍ) و(إِشَاحٍ) إلاَّ أنّ القلب في المضمومة أكثر.
وإن كانت مفتوحةً وجب ضمُّها في بعض الحالات؛ كالتّصغير في الأسماء، والبناء للمجهول في الأفعال؛ فيتطرّق إليها الهمز.
قال ابن يعيش: "فلمَّا كان زيادتها أوَّلًا تؤدّي إلى قلبها همزةً، وقلبها همزةً ربّما أوقعَ لَبْسًا، وأحدثَ شكًّا في أنّ الهمزة أصلٌ، أو منقلبةٌ؛ مع أنّ زيادة الحرف إنّما المطلوب منه نفسه، فإذا لم يَسْلم لفظه لم يحصل الغرض"٢. ومن هنا لم تُزَد الواو أوَّلًا. وتطّرد زيادتها في حشو الكلمة إذا توفَّر فيها شرطان٣:
الأول: أن تصحب أكثر من أصلين؛ فإن صحبت أصلين فحسب فهي أصل، مثل: (هَوَى) و(القَوْمِ) .
الثّاني: ألاَّ تكون الكلمة الَّتي فيها الواو من باب (سِمْسِمٍ) أي: من باب مضاعف الرّباعيّ؛ فهي - حينئذٍ -أصلٌ؛ نحو (وَزْوَزَ) بمعنى وَثَبَ، و(الوَكْوَاكِ) وهو الجَبَانُ، و(ضَوْضَيْتُ) لقلّة (فَعْوَلَ)
_________________
(١) ١ ينظر: الكتاب٤/٣٣١. ٢ شرح لمفصل٩/١٥٠، وينظر: الفصول المفيدة٤٠، ٤١. ٣ ينظر: التصريح٢/٣٦٤، وبلوغ الأرب٥٣.
[ ١ / ٢١٥ ]
و(فَعْوَالٍ) و(فَعْلَيْتُ) فحُمل على أوسع البابين؛ وهو الرّباعيّ المضاعف.
فكثرَ زيادتُها –مستوفاةً للشّرطين- في المواضع التّالية:
١- أن تكون ثانيةً؛ نحو (عَوْسَجٍ) وهو شجر له شوك، و(نَوْفَل) و(كَوْثَرٍ) .
٢- أن تكون ثالثةً؛ نحو (عَجُوزٍ) و(جَدْوَلٍ) .
٣- أن تكون رابعةً؛ نحو (عُنفُوَانٍ) و(اغْدَوْدَنَ) الشَّعْرُ، وتطّرد -أيضًا- في هذا الموضع في اسم المفعول من الثُّلاثيّ؛ نحو (مَكْتُوبٍ) و(مَعْلُومٍ) .
٤- أن تكون خامسة؛ نحو (عَضْرَفُوطٍ) وهو ذَكَرُ العِضَاءِ من الزَّواحف، و(قَلَنْسُوَةٍ) وهي ما يلبس على الرّأس.
٥- أن تكون سادسة في نحو (أَرْبُعَاوَى) وهو قِعْدة المتَرَبِّع. وهذا الموضع أقلُّ ممَّا سبق.
تاسعًا- الألفُ:
لا تكون الألف أصلًا - البتَّة - في الأسماء أو الأفعال؛ فهي إمّا زائدةٌ، وإمّا منقلِبةٌ عن واوٍ أو ياءٍ، ويقال - حينئذٍ - أنَّها أصلٌ ١ مجازًا؛ أي: منقلبة عن أصلٍ، وعلى هذا يجري استعمالها في هذا البحث.
ولا تُزاد الألف أوّلًا، البتَّة؛ لسكونها.
وتُزاد حشوًا وآخِرًا بشرطين٢:
_________________
(١) ١ ينظر: المنصف١/١١٨، والممتع١/٢٧٩. ٢ ينظر: تصريف الأفعال٧٨.
[ ١ / ٢١٦ ]
الأوَّل: أن تصحَبَ أكثرَ من أصلين؛ نحو (سَاجِدٍ) و(مُقَاتِلٍ) فإن صحبت أصلين؛ نحو (دارٍ) و(قَالَ) و(فَتَى) فهي أصل، أي: منقلِبةٌ عن أصل.
الثَّاني: ألاَّ تكون الكلمة من مضاعف الرّباعيّ؛ نحو (عَاعَى) لحكاية زجر الضأن؛ فالكلمة -حينئذٍ- رباعيّةٌ، والألفان منقلِبان عن أصلٍ؛ وهو الواو؛ فأصلها (عَوْعَوَ) ثم (عَوْعَى) فصارت (عَاعَى) لغير موجبٍ. وتكثر زيادة الألف –مستوفاةً للشّروط- في المواضع التالية:
١- أن تكون ثانيةً؛ في نحو (كَاتِبٍ) و(سَامَحَ) .
٢- أو ثالثةً؛ في نحو (كِتَابٍ) و(غَزَالٍ) .
٣- أو رابعةً،؛ في نحو (جِلْبَابٍ) و(صَحْرَاءَ) .
٤- أو خامسة؛ في نحو (انْطِلاَقٍ) و(احْتِكَامٍ) .
٥- أو سادسةً؛ في نحو (اغْرَنْدَى) بمعنى علاه بالشتم والضّرب، أو تسلّط عليه.
٦- أو سابعةً؛ في نحو (أَرْبُعَاوَى) .
وتقع زائدةً –أيضًا- لبعض المعاني أو الأغراض، فيما يلي ١:
١- أن تكون علامةَ تأنيثٍ؛ كـ (حُبْلَى) و(قَرْقَرَى) للضّحك.
٢- أو علامةً للاثنين؛ كما في قولهم: (الرَّجُلانِ) و(المرْأتانِ) .
_________________
(١) ١ ينظر: رصف المباني١٠٨-١٢٢، والجنى الداني١٧٥-١٨٠، واللسان١٥/٤٢٧.
[ ١ / ٢١٧ ]
٣- أو علامةً للوقف؛ في غير المُنَوَّن المنصوب؛ كقولهم في الوقف على (حَيَّهَلَ): (حَيَّهَلا) ومعناه: أَقْبِلْ.
٤- أو للفصل بين نوني التّوكيد، ونون ضمير الجمع المؤنّث في نحو (اضْرِبْنَانِّ زيدًا) .
٥- أو دالَّةً على النُّدبةِ في المنادى؛ نحو (يا زَيْدَاه) و(يا عُمَرَاه) .
٦- أو إطلاقًا للقوافي؛ كقول امرئ القيس:
أَلِمَّا عَلى الرَّبْعِ القَدِيمِ بعَسْعسَا كَأَنِّي أُنَادِيْ، أو أُكَلِّمُ أَخْرَسَا ١
٧- أو لتكثير أحرف الكلمة؛ كألف (كُمَّثْرَى) و(بَاقِلَّى) بدليل (كُمَثَّرَاة) و(باقِلاَّة) إذا لا يجتمع في اللفظ علامتا تأنيث.
٨- أو للإلحاق؛ كألف (مِعْزَى) و(أرْطَى) فهما للإلحاق بـ (ضِفْدَعٍ) و(جَعْفَرٍ) .
٩- أو للجمعِ؛ مثل (مَسَاجِدَ) و(جِبَالٍ) و(فُرْسَانٍ) .
_________________
(١) ١ ديوانه١٠٥.
[ ١ / ٢١٨ ]
عاشرًا- الياءُ:
تُزاد الياء إذا استوفت ثلاثة شروط؛ وهي١:
الأوَّل: أن تصْحَبَ أكثر من أصلين؛ فإن كانت مع أصلين؛ نحو (سَيْفٍ) و(ظَبْيٍ) و(هَدْيٍ) فهي أصلٌ.
الثَّاني: ألاَّ تكون الكلمة، الَّتي فيها الياء، من مضاعف الرّباعيّ؛ نحو (يُؤْيُؤْ) لطائر ذي مخلبٍ، و(صِيصِيَةٍ) وهو الحِصْنُ؛ فأنَّها أصليّةٌ، والعلة ما قيل في مثلها من الواو.
الثَّالث: ألاَّ تتصدَّر قبل أربعة أحرفٍ في غير مضارعٍ؛ فإن تصدّرت قبل أربعة أصولٍ؛ نحو (يَسْتَعُورٍ) اسم موضعٍ؛ فهي أصلٌ، ووزنها (فَعْلَلُول) ٢.
وتكثر زيادتها -مستوفاةً للشّروط- في مواضع؛ منها ٣:
١- في أوّل الكلمة؛ نحو (اليَلْمَعِ) وهو السّراب، و(اليَرْبُوعِ) وهو دُويّبة صغيرة كالفأر، و(يَثْرِبَ) اسم مدينة الرّسول - ﷺ - أو في أوّل المضارع؛ سواء كان بعدها ثلاثة أصول أو أكثر؛ نحو (يَكْتُبُ) و(يُدَحْرِجُ) .
_________________
(١) ١ ينظر: شرح المرادي٥/٢٤٦،٢٤٧، وتصريف الأفعال٧٩. ٢ ينظر: الكتاب٣/٣٦٨، والمنصف١/١٤٥، وشرح الملوكيّ١٤٣، وشرح الكافية الشافية٤/٢٠٣٩، والارتشاف١/٥٠،١٠٧. ٣ ينظر: المحلى (وجوه النصب) ٣٠٤-٣٠٧، وجواهر الأدب١٧٥-١٧٨، وتصريف الأفعال٧٩،٨٠.
[ ١ / ٢١٩ ]
٢- في ثاني الكلمة؛ نحو (زَيْنَبَ) و(جَيْأَلَ) وهو من أسماء الضَّبُع، و(القَيْصُومِ) وهو ضرب من النّبات.
٣- في ثالث الكلمة؛ نحو (الجَمِيْلِ) و(الطَّرِيْمِ) وهو الطّويل.
٤- في رابع الكلمة،؛ نحو (الحِلْتِيتِ) و(العِفْرِيْتِ) و(الصِّنْدِيدِ) وهو الشّريف، و(الشِّمْلِيلِ) وهو الخفيف من الإبل.
٥- في خامس الكلمة؛ نحو (الخَنشَلِيلِ) وهو الماضي من الرّجال في أموره، و(الخَنفَقِيقُ) وهي الدّاهية.
[ ١ / ٢٢٠ ]
أغراض الزِّيادةِ:
يمكن ردّ الأغراض؛ الَّتي تؤدّيها حروف الزّيادة العشرة، وبعضُ الزّوائد من غير العشرة؛ كتضعيف حرف ليس من الزّوائد إلى سبعةٍ؛ على النحو التالي ١:
١- الدِّلالة على المعنى؛ وهو أقوى الزّوائد؛ كحروف المضارعة، وزوائد (أَفْعَلَ) و(فَعَّلَ) و(انْفَعَلَ) و(افْتَعَلَ) و(تَفَاعَلَ) و(اسْتَفْعَلَ) و(فَاعَلَ) و(فَاعلٍ) و(مَفْعولٍ) .
٢- مَدُّ الصّوت؛ نحو واوِ (عجوزٍ) وألفِ (رسالةٍ) وياءِ (قَضِيبٍ) .
٣- إلحاقُ بناءٍ ببناءٍ آخر؛ كإلحاق (جَوْرَبٍ) بـ جَعْفَرٍ، و(شَرْيَفَ) بـ دَحْرَجَ.
٤- إمكان النّطق؛ كهمزة الوصل في (اسْمٍ) و(اسْتَخْرَجَ) و(انْفَطَرَ) .
٥- بيان الحركة أو الحرف؛ في قولهم: (سلطانية) و(يا زيداه) .
٦- التَّعويض؛ كتاء التأنيث في (عِدَةٍ) فأنَّها عوض عن الفاء، وتاءِ (اسْتِبانةٍ) وهي عوض عن عين الكلمة، وكالتاء الأخيرة في (تَسْميةٍ) فهي عوض عن لام الكلمة على مذهب البصرييّين؛ وهي الواو، وكتاءِ (زَنَادِقَةٍ) فَإِنَّها عوض عن ياءِ زناديق؛ ولذلك لا يجتمعان.
_________________
(١) ١ ينظر: نظم الفرائد٢٧٧، والفصول الخمسون٢٦٢، وشرح المراديّ٥/٢٣٥، والمساعد٤/٧١، والأشباه والنظائر٢/٣٣٢، والهمع٢/٢١٦، والتّصريح٢/٣٦٠.
[ ١ / ٢٢١ ]
٧- تكثير البناء؛ كألف (قَبَعْثَرَى) ونون (كَنَهْبُلٍ) ضرب من النّبات.
٨- الوقف على الكلمة الَّتي بقي منها حرف أو حرفين، مثل: قِهْ، وارْمِهْ.
[ ١ / ٢٢٢ ]
المَبْحَثُ الثَّانِي: الإِلْحَاقُ
الإلحاق في اللُّغة: الإدراك، والمُلحقُ: الدَّعِيُّ المُلْصَقُ بغير أبيه١.
وهو في اصطلاح اللُّغويّين: "أن يزاد على الحروف الأصليّة؛ في الاسم، أو الفعل، حرفٌ أو حرفان، زيادةً غير مطّردةٍ في إفادة معنىً؛ ليصير المزيد بتلك الزّيادة مثل كلمة أخرى أكبر منها؛ في عدد حروفها، وحركاتها، وسكناتها على الترتيب، وفي تصاريفها من الماضي، والمضارع، والأمر، والمصدر، وغيرها إن كان المُلحق به فعلًا، ومن التّثنية والجمع وغيرها إن كان الملحق به اسمًا"٢.
ومثال الملحق من الأفعال: (جَلْبَبَ جَلْبَبَةً) و(سَيْطَرَ سَيْطَرَةً) و(هَرْوَلَ هَرْوَلَةً) .
ومثاله من الأسماء: (الجَدْوَلُ) و(الكَوْكَبُ) و(الإنقَحْلُ) .
ويميَّزُ الملحق من الأصليّ بعلاماتٍ؛ منها:
أ- ألاَّ تطّرد الزّيادة فيه؛ لإفادة معنى زائد على معنى الملحق به؛ نحو: (جَحَنفَلٍ) و(جَحْفَلَةٍ) و(ضَرْبَبَ) و(ضَرَبَ) . وقد يتغيّر معنى الأصل الملحق به بزيادة الإلحاق؛ كما في (جَلْبَبَ) و(جَلَبَ) و(حَوْقَلَ) و(حَقَلَ) فإنّ معنى المزيد يخالف معنى الأصل
_________________
(١) ١ ينظر: التهذيب٤/٥٧، واللسان (لحق) ١٠/٣٢٨. ٢ الاشتقاق لعبد الله أمين٤١٣، وينظر: التّسهيل٢٩٨، والمساعد٤/٧١.
[ ١ / ٢٢٣ ]
في كلٍّ منهما.
بل ربّما كان الأصل بلا معنىً فيصبح بزيادة الإلحاق ذا معنىً؛ وذلك نحو (كَّوْكَبٍ) فأنَّه لا معنى لـ (ك ك ب) ١.
ب- ألاَّ يدغم المتماثلان مع موجب الإدغام؛ نحو: (قَرْدَدٍ) و(قُعْدُدٍ) و(اقْعَنْسَسَ) وذلك للحفاظ على الوزن الملحق به؛ بخلاف نحو (مَشَدٍّ) و(أَعَدَّ) و(اخْضَرَّ) لأنّ الزّيادة فيها لمعنىً؛ فلم يراعَ الغرض اللّفظيّ٢.
ج- موافقةُ الكلمة المزيدةِ فيها لوزنٍ من الأوزان الأصليّة في الحركات والسّكنات على ترتيبها ٣.
د- مجيء مصدر الملحق على قياس ما ألحق به؛ فمصدر الملحق بالرّباعيّ على قياس (الفَعْلَلَةِ) في مصدر الرّباعيّ؛ نحو (بَيْطَرَ بَيْطَرَةً) و(جَهْوَرَ جَهْوَرَةً) ٤.
وقبل أن نأتي على أوزان الملحق نعرض لجملة من الأمور؛ منها:
أنّ الأصل ألاّ يلحق إلاَّ بالبناء المجرّد؛ لأنّ ما فيه زيادة فرع، ولا يلحق بالفرع، ولكن جاء الإلحاق ببعض الفروع أو المزيدات، وأجيز
_________________
(١) ١ ينظر: تصريف الأفعال٧٢، والمغني في تصريف الأفعال٥٣. ٢ ينظر: شرح المفصل٧/١٥٦، وشرح الشافية للرّضيّ١/٦٤، والمساعد٤/٧٤، والهمع٢/٢١٦، وتصريف الأفعال٧٣. ٣ ينظر: تصريف الأفعال٧٣. ٤ ينظر: شرح الكافية الشافية٤/٢٠١٨.
[ ١ / ٢٢٤ ]
ذلك. ونصَّ عليه ابنُ النَّاظم١، والمراديّ٢، ومثَّلا له بـ (اقْعَنسَسَ) فأنَّه ملحق بـ (احْرَنْجَمَ) وهو مزيد. وقد جاز ذلك؛ لأنَّ أصول الملحق؛ وهو (اقْعَنسَسَ) ثلاثيّة، وأصول الملحق به - وهو: احرنجَمَ -رباعيّة؛ فكأنَّه ألحق ثلاثيًا برياعيٍّ٣.
وإن كانا - أي: الملحق والملحق به - يعودان إلى أصل واحد؛ فلا يجوز إلحاق (اعْثُوْجَجَ) بـ (اغْدَوْدَنَ) لأنّ (اعْثُوْجَجَ) ثلاثيّ؛ وهو من (ع ث ج) وكذلك (اغْدَوْدَنَ) فهو من (غ د ن) .
ومن الأمور الَّتي نعرض لها: أنّ الزّائد للإلحاق لا يكون أوّلًا؛ كهمزة (أَفْعَل) و(أَفْعُل) و(افْعَل) و(أفعِل) و(إِفْعَل) وتاءِ (تَفْعِل) وميمِ (مِفْعَل) ٤ "فإذا انضمّ إلى الزّيادة أوّلًا زيادةٌ أخرى، صارت للإلحاق، وذلك نحو: أَّلَندَدٍ٥، وأَلَنجَجٍ٦؛ الهمزة والنّون للإلحاق، وكذلك: يَلَندَدٌ، ويَلَنجَجٌ، فإن زالت النّون لم تكن الهمزة ولا الياء وحدهما للإلحاق؛ وذلك نحو: أَلَدَّ، ويَّلَجَّ؛ وعلّة ذلك أنّ الزّيادة، في أوّل الكلمة، إنّما بابُها معنى المضارعة، وحرف المضارعة إنّما يكون مفردًا أبدًا؛ فإذا
_________________
(١) ١ ينظر: شرح ابن الناظم٨٢٥. ٢ شرح المراديّ٢/٢٢٨. ٣ ينظر: حاشية الرّفاعي على شرح بحرق٥٧. ٤ ينظر: الخصائص٢/٤٨٠. ٥ الألندد: شديد الخصومة، وينظر: اللسان (لدد) ٣/٣٩١. ٦ الألنجج: عود طيب الرائحة، وينظر: اللسان (لجج) ٢/٣٥٥.
[ ١ / ٢٢٥ ]
انضمّ إليه غيره خرج بمُضَامَّتِه إيَّاه عن أن يكون للمضارعة، فإذا خرج عنها، وفارق الدِّلالة على المعنى، جُعِلَ للإلحاق؛ لأنَّه قد أُمِن بما انضمّ إليه أن يصلح للمعنى"١.
ومنها أنّ الإلحاق ليس له حروف مخصوصةٌ؛ فحروف الزّيادة حروف الإلحاق؛ لأنّ الإلحاق نوعٌ من الزّيادة، وكما وقعت الزّيادة بجميع الحروف - تقريبًا - في حال الزّيادة بالتّضعيف؛ فإنّ الإلحاق كذلك - أيضًا - في حال تكرير الحرف؛ نحو (جَلْبَبَ) و(قَرْدَد) .
ومنها أنّه لا يلحق بالثُّلاثيّ؛ لأنَّه أقلّ الأصول، إلاّ ما ذُكِرَ على سبيل النُّدْرَةِ؛ فقد قيل: إنّ تاءَ (بِنْتٍ) للإلحاق بـ (جِذْعٍ) وتاءَ (أُخْتٍ) للإلحاق بـ (قُفْلٍ) ٢.
ومنها أنّ الإلحاقَ سَماعيّ، لا يكاد يطّرد إلاّ في بناءين:
أحدهما: إلحاق الثُّلاثيّ بالرّباعيّ، بتضعيف اللاّم؛ نحو (قَرْدَدٍ) و(جَلْبَبَ) وعلى هذا اقتصر المازنيّ في المطّرد؛ بقوله: "فأمّا المطّرد الَّذي لا ينكسر فأن يكون موضعُ اللاّم من الثّلاثة مكرّرًا للإلحاق، مثل: مَهْدَدٍ، ومَرْدَدٍ، وسُرْدُدٍ، وعُنْدُدٍ، والأفعال: جَلْبَبَ يُجَلْبِبُ"٣.
وثانيهما: ما ذكره ابنُ جِنّي عن شيخه أبي عليّ؛ وهو بناء
_________________
(١) ١ الخصائص٢/٤٨٠. ٢ ينظر: المنصف١/٥٩، والمخصص١٣/١٩٦، ١٧/٨٩، وشرح المفصل لابن يعيش٥/١٢٢. ٣ ينظر: المنصف١/٤١، وانظر التصويبات في آخره.
[ ١ / ٢٢٦ ]
(فَعَنلَى) من الثُّلاثيّ؛ كقولهم: رجلٌ ضَرَنبَى١. ومعنى ذلك "أنّك لو احتجتَ في شعرٍ أو سجعٍ أن تشتقّ من: ضَرَبَ اسمًا أو فعلًا أو غير ذلك، لجاز، وكنت تقول: ضَرْبَبَ زيدٌ عَمْرًا، وأنت تريد ضَرَبَ، وكنتَ تقول: هذا ضَرْبَبٌ قد أقبلَ وكذلك تقول: رجلٌ ضَرَنبَى، ونحوه. وليس لك أن تقول: ضَوْرَبَ زيدٌ عَمْرًا، ولا: هذا رجلٌ ضَوْرَبٌ، أو ضَيْرَبٌ؛ لأنّ هذا الإلحاق لم يطّرد اطّراد الأوّل"٢.
وفيما يلي أذكر أهمّ ما وقفتُ عليه من أوزان المُلحق٣:
_________________
(١) ١ ينظر: المنصف١/٤٤. ٢ ينظر: المنصف١/٤٣. ٣ ينظر: الكتاب٤/٤٨٦-٤٩٠، والأصول٣/٢١٤-٢١٦، والجمهرة٢/١١٦٧-١١٨٣، والاستدراك على سيبويه٢٠٦،٢٠٨، والمزهر٢/٣٥،٣٦، وشرح لامية الأفعال لبحرق٥٥، والمغني في تصريف الأفعال٥٦-٦٩، ومناهل الرجال١٣٧.
[ ١ / ٢٢٧ ]
أوّلًا: أوزانُ الثُّلاثيّ المُلْحَقِ
أ- المُلْحَقُ بالرُّبَاعِيِّ:
١- ما أُلْحِقَ بـ (فَعْلَ):
ويُعَدّ هذا الوزن أكثرَ أوزان الرّباعيّ إلحاقًا به؛ لأنَّه يقع للأسماء والأفعال؛ نحو (جَعْفَرٍ) و(دَحْرَجَ) فممَّا ألحق به:
(فَعْلَل) نحو (جَلْبَبَ) في الأفعال، و(قَرْدَدٍ) في الأسماء.
و(فَوْعَل) نحو (جَوْرَبَ) في الأفعال، و(كَوْكَبٍ) في الأسماء.
و(فَيْعَل) نحو (سَيْطَرَ) في الأفعال، و(فَيْصَلٍ) في الأسماء.
و(فَعْوَل) نحو (هَرْوَلَ) في الأفعال، و(جَرْوَلٍ) في الأسماء.
و(فَعْيَل) نحو (شَرْيَفَ) .
و(فَعْنَل) نحو (قَلْنَسَه) إذا ألبسه القلنسوة.
و(فَعْلَى) نحو (سَلْقَى) في قولهم: سَلْقَاهُ على ظَهْرِه، أي: مَدَّه.
و(فَنْعَل) نحو (سَنْبَلَ) الرّجلُ الثّوبَ، بمعنى: أَسْبَلَه، و(عَنْسَلٍ) في الأسماء.
و(فَعْلَن) نحو (رَعْشَنٍ) وهو المرتعش.
و(سَفْعَل) نحو (سَنْبَسَ) بمعنى: نَبَسَ، إذا أسرعَ.
و(فَعْلَس) نحو (خَلْبَسَ) بمعنى: خَلَبَه؛ أي: فَتَنَه.
٢- ما أُلْحِقَ بـ (فُعْلُل) نحو (جُؤْذُر):
(فُعْلُل) نحو (قُعْدُد) .
و(فُعْلُم) نحو (زُرْقُم) .
[ ١ / ٢٢٨ ]
٣- ما أُلْحِقَ بـ (فِعلِل) نحو (زِبْرِج):
(فِعْلِم) نحو (دِلْقِم) وهي الهَرِمَةُ من النُّوق.
٤- ما أُلحقَ بـ (فِعْلَلٍ) نحو (ضِفْدَعٍ):
(فِعْوَل) نحو (خِرْوَعٍ) وهو نوع من النّبات.
و(فِعْلَى) نحو (مِعْزَى) .
٥- ما أُلحقَ بـ (فُعْلَل) نحو (جُؤْذَرٍ) وهو ما أثبته الكوفيّون:
(فُعْلَل) نحو (سُؤْدَدٍ) .
ب- الملحقُ بالخُماسيِّ:
(فَعَلْعَل) نحو (صَمَحْمَحٍ) أُلحق بـ (فَعَلّلِ) كـ (سَفَرْجَلٍ) .
(فَعَوْعَل) نحو (عَثَوْثَلٍ) وهو الكثير اللّحم ألحق –أيضًا- بـ (فَعَلّلٍ) .
(فَعَلَّى) نحو (حَبَنطًى) وهو –أيضًا- ملحق بـ (فَعَلَّل) .
(إِفْعَلّ) نحو (إِرْدَبٍّ) ألحقَ بـ (فِعْلَلٍّ) كـ (جِرْدَحْلٍ) .
(إِنْفَعَل) نحو (إِنْقَحْلٍ) أحلقَ –أيضًا- بـ (فِعْلَلٍّ) .
(نَفْوَعِل) نحو (نَخْوَرِشٍ) للجَرْوِ إذا تحرّك فَخَدَشَ؛ وهو ملحق بـ (فَعْلَلِلٍ) نحو (جَحْمَرِشٍ) .
(فعنعل) نحو: (عَقَنْقَل) و(عَصَنْصَر) ألحق بـ (فَعَلَّل) .
[ ١ / ٢٢٩ ]
ج- الملحق بمزيد الرُّباعيءّ
١- (فَعَوْلَل) نحو (جَبَوْنَنٍ) –اسم وادٍ- ألحق بـ (فَعَوْلَلٍ) كـ (حَبَوكَرٍ) وهو الدّاهية.
٢- (فُعْلُول) نحو (بُهْلُول) ألحق بـ (فُعْلُول) كـ (عُصْفُور) .
٣- (فُعْلال) نحو (قُرْطاطٍ) وهو الدّاهية، وغيرها – ألحق بـ (فُعْلالٍ) كـ (قُرْطَاسٍ) .
٤- (فَعَلُول) نحو (حَلَكُوكٍ) شديد السواد- ألحق بـ (فَعَلُول) كـ (قَرَبُوسٍ) .
٥- (فِعْيَوْل) نحو (عِذْيَوْطٍ) وهو من يُحْدِثُ عند الجماع؛ ألحق بـ (فِعْلَول) كـ (فِرْدَوْسٍ) .
٦- (افْعَنلأَ) نحو (احْبَنْطَأَ) ألحق بـ (افْعَنْلَلَ) كـ (احْرَنْجَمَ) .
٧- (افْعَنلَى) نحو (اسْلَنْقَى) ألحق بـ (افْعَنْلَلَ) كـ (احْرَنْجَمَ) .
٨- (افْعَنلَل) نحو (اقعَنسَسَ) ألحق بـ (افْعَنْلَلَ) كـ (احْرَنْجَمَ) .
٩- (افْوَعَلَّ) نحو (اكْوَهَدَّ) الفَرَخُ إذا ارتعدَ؛ ملحق بـ (افْعَلَلَّ) كـ (اسْبَطَرَّ) .
١٠- (أُفْعُول) نحو (أُمْلُودٍ) وهو النّاعم؛ ألحق بـ (فُعْلُولٍ) كـ (عُسْلُوجٍ) وهو الغضُّ النَّاعم.
١١- (إفْعِيل) نحو (إِمْلِيدٍ) وهو النَّاعم –أيضًا- ألحق بـ (فِعْلِيلٍ) كـ (قِطْمِيرٍ) .
١٢- (إفْعَوْل) نحو (إدْرَوْنٍ) وهو أصل الشّيء، ألحق بـ (فِعْلَولٍ)
[ ١ / ٢٣٠ ]
كـ (فِرْدَوْسٍ) .
١٣- (فُوَاعِل) نحو (دُوَاسِرٍ) ألحق بـ (فُعَالِلٍ) كـ (جُخَادِبٍ) وهو الضَّخمُ الغليظ من الرِّجال.
١٤- (تَمَفْعَلَ) نحو (تَمَسْكَنَ) ألحق بـ (تَفَعْلَلَ) كـ (تَدَحْرَجَ) .
ثانيًا: أوزان الرُّباعيّ الملحق بالخماسيّ:
أ- الملحق بالخماسيّ المجرَّدِ:
الملحق بـ (سَفَرْجَل):
١- (فَعَلَّل) نحو (سَبَهْلَلٍ) وهو الفارغ.
٢- (فَعَنْلَل) نحو (غَضَنْفَرٍ) وهو الأسد.
٣- (فَعَيْلَل) نحو (سَمَيْدَعٍ) وهو الكريم.
٤- (فَعَوْلَل) نحو (فَدَوْكَسٍ) وهو الأسد.
الملحق بـ (جِرْدَحْلٍ):
١- (فِعْلَلّ) نحو (عِرْبَدّ) وهو الشديد من كُلِّ شيء، و(قِرْشَبّ) وهو المُسِنّ.
٢- (فِعْلَوْل) نحو (فِرْدَوْسٍ) .
[ ١ / ٢٣١ ]
ب- الملحقُ بمزيد الخماسيِّ:
١- (فَيْعَلُول) نحو (خَيْسَفُوجٍ) وهو حَبُّ القطن؛ أُلحق بـ (فَعْلَلُول) نحو (عَضْرَفُوطٍ) وهي دويَّبة ناعمة بيضاء.
٢- (فَعْلَلُوت) نحو (عَنْكَبُوتٍ) على تقدير أصالة النُّون؛ وهو ملحق بـ (فَعْلَلُول) كـ (عَضْرَفُوطٍ) .
٣- (فُعَلّيل) نحو (قُشَعْرِيرَة) ألحق بـ (فُعَلّيل) كـ (خَزَعْبِيل) وهو الباطل.
[ ١ / ٢٣٢ ]
المَبْحَثُ الثَّالِثُ: الزِّيادَاتُ غَيرُ المَقِيسَةِ
تناولنا في المبحث الأوَّل من هذا الفصل الزِّياداتِ المنضبِطَةَ أو المقيسة. ونتناول في هذا المبحث الزِّياداتِ غير المنضبطةِ أو غير المقيسةِ:
أوَّلًا- الهَمْزَةُ:
لا تطَّرد زيادة الهمزة البتَّةَ إذا وقعت حشوًا؛ وهي أصل حتَّى يقوم دليل على زيادتها١.
فالأصل نحو قولك: (بَلأَزَ) الرَّجلُ؛ إذا فرَّ وأسرعَ، و(بَرَائِلُ) الدِّيك؛ وهي: ما يُنفش من ريشه عند المقاتلة، و(السَّأْسَم) وهو: نوعٌ من الشَّجرِ، و(ازْبَأَرَّ) الرَّجلُ؛ إذا اقشعرَّ، ونحو ذلك كثير.
وما زيد فيه الهمزة حشوًا أحرفٌ محفوظةٌ؛ نحو (شَمْأَلٍ) و(شَأَمْلٍ) لقولهم: شَمَلَتِ الرِّيحُ، ولو كانت أصليَّةً لقالوا: شَمْأَلَتْ، وشَأْمَلَتْ. و(جُرَائِضٌ) وهو الأسد؛ لقولهم: جِرْوَاضٌ. و(حُطَائِطٌ) لأنَّه الصَّغير المحطوط عن قدره المعتاد، و(قُدَائِم) لأنَّه في معنى القديم.
وأمَّا الهمزة في أوَّل الكلمة فتطَّرد زيادتها كما مرَّ، إلاَّ في همزة الوصل في الأسماء، فإنَّها لم تطَّرد إلاَّ في مصدر الخماسيِّ والسُّداسيِّ مثل: الانطلاق، والاستخراج، ولم يحفظ منها غير ذلك إلاَّ عشر كلماتٍ؛ هُنَّ: ابنٌ، وابنَةٌ، وامرؤٌ، وامرأةٌ، واثنانِ، واثنتانِ، واسمٌ، واسْتٌ، وابْنُمٌ، وايمَنٌ
_________________
(١) ١ ينظر: سر الصناعة١/١٠٧،١٠٨.
[ ١ / ٢٣٣ ]
في القسم١.
وكذلك الهمزة في آخر الكلمة لا تطَّرد زيادتها إذا لم تسبق بألفٍ زائدةٍ وقبلها ثلاثة أصول فأكثرُ، كما تقدَّم؛ فالهمزة في (تَكَرْفَأَ) السَّحابُ، بمعنى: تَرَاكَبَ.
وممَّا جاءت فيه زائدة في هذا الموضع (ضَهْيَأةٌ) في قولهم: امرأةٌ ضَهْيَأةٌ؛ وهي الَّتي لا ينبت ثديها؛ فوزنها (فَعْلأَةٌ) ٢ لقولهم في معناها: ضَهْيَاءُ.
وأجاز الزَّجَّاج٣ أن تكون الهمزة أصلًا؛ فوزنها –حينئذٍ- (فَعْيَلة) وقد ردَّه ابنُ جِنِّي٤، والجُرْجَانِيُّ٥.
وذهب الزَّجَّاج٦ إلى أنَّ الهمزة الأخيرة في (الغِرْقِئِ) وهو القشرة الرَّقيقة الملتزقة ببياض البَيْضِ- زائدةٌ.
ورُدَّ عليه بأنها أصلٌ؛ لأنَّها ليست بأوَّلَ فيُقضى عليها بالزِّيادةِ، ولا يوجد فيها معنى (غَرِقَ) ٧.
_________________
(١) ١ ينظر: شرح الشافية للرّضي٢/٢٥٠،٢٥١. ٢ ينظر: سر الصناعة١/١٠٨، ومختصر شرح أمثلة سيبويه١١٨. ٣ ينظر: معاني القرآن وإعرابه٢/٤٤٣. ٤ ينظر: سر الصناعة١/١٠٨. ٥ ينظر: المقتصد في شرح التكملة٢/٧٩٢. ٦ ينظر: معاني القرآن وإعرابه٢/٤٤٣. ٧ ينظر: سر الصناعة١/١٠٩.
[ ١ / ٢٣٤ ]
ثانيًا- التَّاءُ:
تقدَّمَ في المبحث الأوَّل١ المواضع الَّتي تطَّرد زيادة التَّاء فيها أوّلًا وحشوًا وآخرًا، وما عدا ذلك فالتَّاء أصلٌ، أو زائدة بغير اطِّراد، فحينئذٍ تحتاج إلى دليل على زيادتها. فمن زيادتها غير مُطَّردةٍ في أوَّلِ الكلمة قولهم: (تِجْفَافٌ) فحكم على التَّاء بالزِّيادةِ؛ لأنَّها من تركيب (جَفَّ) فوزنها (تِفْعَال) .
وحُكمَ على تاءِ (تَنْضُبٍ) بالزِّيادة؛ لعدم وجود مثل (جَعْفَرٍ) .
وتاءُ (تَنْبِيتٍ) زائدة؛ لأنَّه من النَّبْتِ، ومثالُ (تَفْعِيلٍ) لا يكون في غير المصادر٢.
وتقلُّ زيادة التَّاء حشوًا في غير الافتعال إلى حدِّ النُّدرةِ "ولذا أنكرها بعض العلماء، وحَكمَ عليها في: يَسْتَعُورٍ، وفي: كِلْتَا، بالأصالة، وهي في الثَّاني بدلٌ من أصلٍ"٣.
وتندُرُ زيادتها - أيضًا في آخر الكلمة، في غير ما تقدَّم؛ كزيادتها في (السَّنبَتَةِ) وهي الحِقْبَةُ؛ فوزنها (فَعْلَتَة) لأنَّهم قالوا في معناها: مَرَّتْ عليه سَنْبَةٌ من الدَّهرِ، على وزن: تَمْرَةٍ ٤.
_________________
(١) ١ ينظر: ص (٢٠١) من هذا البحث. ٢ ينظر: المقتصد في شرح التكملة٢/٨٤٧. ٣ تصريف الأفعال٩٧. ٤ ينظر: التكملة للفارسي٢٤١، والمقتصد في شرح التكملة٢/٨٤٨.
[ ١ / ٢٣٥ ]
ثالثًا- السِّينُ:
تقدَّم أنَّ السِّينَ لا تقاس زيادتها إلاَّ في صيغة (الاسْتِفْعَالِ) وما تصرَّف منها. ولا تطَّرد في غير ذلك؛ كمجيئها زائدة في (سَنبَسَ) على رأي من جعلها (سَفْعَلَ) من (النَّبْسِ) ١.
ومنه قولهم: (أسْطَاعَ يُسْطِيعُ) على مذهب سيبويه٢ فتقديره (أَسْفَعَلَ) ٣ من: أَطَاعَ يُطِيعُ، وقد زيدت السِّين عوضًا من حركة عين الفعل؛ لأنَّ أصل: أَطَاعَ: أَطْوَعَ؛ فنُقِلت فتحةُ الواو إلى ما قبلها؛ فصار (أَطْوَعَ) فقُلِبت الواو ألفًا؛ لتحرُّكها في الأصل، وانفتاح ما قبلها٤.
واعترض المبرِّد ٥ على ذلك بأنَّ التَّعويض يكون للشَّيء المفقود، فأمَّا إذا كان موجودًا في اللَّفظ فلا، وحركة العين الَّتي كانت في الواو موجودةٌ في الطَّاء؛ فلا وجه للتَّعويض؛ لأنَّ الحركة لم تذهب من الكلمة. وليس الأمر كما ظنَّ المبرِّد؛ لأنَّ مراد سيبويه أنَّ التَّعويض وقع لذهاب الحركة من نفس العين؛ لا من ذهابها أصلًا٦.
وما ذهب إليه سيبويه صحيحٌ؛ لأنَّهم لمَّا نقلوا حركة العين إلى الفاء
_________________
(١) ١ ينظر: شرح لامية الأفعال ٥٥. ٢ ينظر: الكتاب٤/٢٨٥. ٣ ذهب بعض العلماء إلى أنَّه يتعذّر وزنها لالتقاء ساكنين السّين والطَّاء قبل نقل الحركة؛ فلذا قال الشيخ خالد: إنَّ وزنها (أَفْعَلَ) ينظر: التصريح٢/٣٥٩. ٤ ينظر: سر الصناعة ١/١٩٩. ٥ ينظر: سر الصناعة ١/١٩٩، وشرح المفصل لابن يعيش١٠/٦، والممتع١/٢٢٤. ٦ ينظر: المقتصد في شرح التكملة٢/٢٥٢.
[ ١ / ٢٣٦ ]
السَّاكنة، وقلبوا العين ألفًا – لحقَ الكلمةَ توهينٌ وتغييرٌ، وصار الحرف معرَّضًا للحذف إذا سُكِّن ما بعده، في قولهم: أَطِعْ؛ فعُوِّضَ السِّين من هذا القدر من التَّوهينِ؛ وهو تعويض جوازٍ لا وجوب١؛ فلا يعترض - حينئذٍ - بنحو: أَقَامَ وأَقِمْ.
وقال الفرَّاءُ: "توهَّموا أنَّ قولهم: أَسْطَعْتُ (أَفْعَلْتُ) لأنَّه بوزنه"٢.
وحمل ابنُ جِنِّي٣ وابنُ عُصْفُورٍ٤ كلامه على أنَّ مراده أنَّ أصله: (اسْتَطَعْتُ) فلمَّا حذفت التَّاء بقي على وزن (إسْفَلْتُ) ٥ فَشُبِّهَ بـ (إفْعَلْتُ) ففُتحتْ همزته وقُطعتْ، فكأنَّه (أَفْعَلْتُ) .
قال ابنُ جِنِّي: "وهذا غير مرضيٍّ عندنا من قوله؛ وذلك أنَّه قد اطَّرد عنهم إسْطَعْتُ بكسر الهمزة، وكونِها همزة وصلٍ؛ فهذا يدلّ على أنَّهم إذا أرادوا اسْتَفْعَلْتُ وحذفوا التَّاء؛ وهم يريدونها، بَقَّوا الهمزة موصولةً
_________________
(١) ١ ينظر: شرح الملوكي٢٠٧. ٢ ينظر: أدب الكاتب٦٠٧، وسر الصناعة١/٢٠٠، والممتع١/٢٢٦. ٣ ينظر: سر الصناعة١/٢٠٠،٢٠١. ٤ ينظر: الممتع١/٣٢٦. ٥ قال ابن جنّي: " فلمّا حذفت التَّاء بقي على وزن (إفْعَلْتُ) " (سر الصناعة١/٢٠٠،٢٠١) . وصواب الوزن (إسْفَلْتُ) فلا أدري هل سها ابن جنّي ظنًّا منه أنَّ الكلمة مشتقَّةٌ من (س ط ع) أو أنَّه اختزل العبارة، فأراد أنَّها كذلك في التّقدير الأخير، وقد يكون ذلك من الطباعة.
[ ١ / ٢٣٧ ]
مكسورةً بحالها قبل حذف التَّاء"١.
ويقوِّي مذهب سيبويه قولهم: (أَهْرَقْتُ) فالهاء –على رأي من جعله من (ر ي ق) بمثابة السِّين في (أسْطَعْتُ) . ومن الزِّيادات غير المطَّردة في آخر الكلمة قولهم: (خَلْبَسَ قلبَهُ) أي: فَتَنَه، وذهب به؛ فالسِّين زائدةٌ، ووزنه (فَعْلَسَ) من (خَلَبَ) ٢.
رابعًا- اللاَّمُ:
تقدَّم أنَّ الزِّيادة تطَّرد في اسم الإشارة، نحو (ذلك) وما أشبهه، ولا تطَّرد فيما عداه. ومن زيادتها غير المطَّردة (زَيْدَلٌ) و(الفَحْجَلُ) وهو الَّذي في رجليه اعوجاج، ووزنهما (فَعْلل) بزيادة اللاَّم الثَّانية، ويدلّ على ذلك أنَّها من (زَيدٍ) و(الفَحْجِ) ٣.
واختلفوا في (الهَيْقَلِ) وهو الظَّلِيمُ، و(الطَّيْسَلِ) وهو الكثير من كلِّ شيءٍ، و(الفَيْشَلَةِ) وهي رأس الذَّكَرِ؛ فقال بعضهم: إنَّ اللاَّمَ أصلٌ في كلِّ ذلك، والياء زائدةٌ.
وقال بعضهم: إنَّ الياء أصلٌ، واللاَّمُ هي الزَّائدةُ ٤.
_________________
(١) ١ سر الصناعة١/٢٠١. ٢ ينظر: اللّسان (خلبس) ٦/٦٦، وشرح لامية الأفعال لبحرق٥٥. ٣ ينظر: الممتع١/٢١٣،٢١٤. ٤ ينظر: لامات الزّجّاجيّ١٣٤، وشرح المفصل لابن يعيش١٠/٧، وشرح الملوكي٢١١، والممتع١/٢١٤.
[ ١ / ٢٣٨ ]
خامسًا- الميمُ:
لا تطَّرد زيادة الميم في الأفعال، وقد زيدت فيها شذوذًا؛ كقولهم: (تَمَسْكَنَ) الرَّجلُ، وهو من: المَسْكَنَةِ، و(تَمَدْرَعَ) وهو من: المِدْرَعَةِ، و(تَمَنْدَلَ) وهو من: المِنْدِيلِ، و(تَمَنْطَقَ) وهو من: المِنطَقَةِ، وكلُّ ذلك (تَمَفْعَلَ) ١.
وحُكيَ٢ أيضًا: (مَرْحَبَكَ) اللهُ؛ وهو من: الرَّحْبِ، و(مَسْهَلَكَ) وهو من: السَّهْلِ، والميم فيهما زائدة.
ولا تطَّرد –أيضًا- في حشو الكلمة؛ إذ لا ترد في ذلك الموضع إلاَّ في كلماتٍ محصورة؛ مثل قولهم: دِرْعٌ (دُلامِصٌ) بمعنى: برَّاقٍ، ومثله (دُمَالِصٌ) ووزنهما (فُعَامِل) و(فُمَاعِل) وهو مذهب الخليل٣، و(قُمَارِصٌ) بمعنى: قارِصٍ ٤.
وذهب الأصمعيُّ٥ إلى أنَّ ميم (هِرْمَاسٍ) وهو الأسد زائدة؛ لأنَّه من (الهَرْسِ) وهي أصليَّةٌ عند ابنِ عُصفُور٦، وليست من (الهَرْسِ) بل مرتَجَلةٌ ارتِجَالًا.
_________________
(١) ١ ينظر: المنصف١/١٣٠، وسر الصناعة١/٤٣٣، والممتع١/٢٤٢. ٢ ينظر: سر الصناعة١/٤٣٣. ٣ ينظر: الأصول٣/٢٠٨، والمنصف١/١٥١، وسر الصناعة١/٤٢٨. ٤ ينظر: الممتع١/٢٤٠. ٥ ينظر: المنصف١/١٥٢، وتفسير أرجوزة أبي نواس١٣٦. ٦ ينظر: الممتع١/٢٤٣.
[ ١ / ٢٣٩ ]
وزيدت الميم آخرًا في عدد من الكلمات غيرِ قليلٍ١؛ نحو (زُرْقُمٍ) و(دِلْقِمٍ) و(دِرْدِمٍ) و(سُتْهُمٍ) وغيرها، غير أنَّ تلك الزِّيادة لم تصل إلى حدِّ الاطِّراد؛ فزيادتها في ذلك الموضع شاذَّةٌ عند العلماء٢.
سادسًا- النُّونُ:
زيدت النُّون أوَّلًا بغير اطِّراد في بعض الكلمات المعدودة، منها قولهم: (نِفْرِجُ) القلبِ، و(نِفْرِجَةٌ) إذا كان جبانًا غير ذي جَلاَدةٍ وحزمٍ؛ في قول الشاعر:
نَفْرِجَةُ القَلْبِ قَلِيلُ النَيْلِ يُلْقَىَ عليه النَّيْدُلاَنُ٣باللَّيْلِ٤
وهو من: الفَرْجِ، لقولهم: رجلٌ أفْرَجُ، وفُرُجٌ؛ وهو الَّذي لا يكتم سِرًّا، قال ابن جِنِّي: "هو في معنى نِفْرِجَةٍ، ومثاله: نِفْعِلَة"٥.
ومن ذلك زيادتها في (نَفَاطِير) وهي بَثْرٌ تخرج في وجه الغلام والجارية، و(نَخَارِيب) وهي خروق كبيوت الزَّنانير، واحدها (نُخْرُوبٌ) .
_________________
(١) ١ ينظر: القلب والإبدال١٤٧،١٤٨، والجمهرة٣/١٣٣٢. ٢ ينظر: المفتاح في الصرف٨٨، وشرح الملوكي١/٢٥٤. ٣ النَّيدلان: الكابوس. وينظر: اللسان (ندل) ١١/٦٥٥. ٤ الشَّاهد منسوب لحريث بن زيد الخيل (ت ٦٠هـ تقريبًا) وينظر: سر الصناعة١/١١١، والمنصف١/١٠٦، وإيضاح شواهد الإيضاح٢/٨٩١، وشرح شواهد الإيضاح٦٢٣. ٥ سر الصناعة٢/٤٤٤.
[ ١ / ٢٤٠ ]
ولا تطِّرد ثانية في غير (انْفَعَل) فإن دلَّ دليل على زيادتها في نحو (جُنْدَبٍ) و(عُنصَرٍ) و(قُنبَرٍ) فهي زائدة؛ لأنَّ بناء (فُعْلَل) لم يثبت عند البصريِّين؛ فحكموا على النُّون بالزِّيادة.
ولا تطَّرد ثالثةً متحرِّكةً؛ فهي أصلٌ، وشذَّ من ذلك (فِرْنَاسٌ) وهو من أسماء الأسد، و(ذُرْنُوحٌ) وهي دويبَّة صغيرة، والنُّون فيهما زائدةٌ؛ عند بعض العلماء١.
سابعًا- الهَاءُ:
زيدت الهاء بغير اطِّراد في أوَّل الكلمة في مواضع؛ منها: (هِجْرَعٌ) و(هِبْلَعٌ) لأنَّهما من (الجَرْعِ) و(البَلْعِ) وفي (هِرْكَوْلَةٍ) وهي المرأة الجسيمة؛ وهو من (الرَّكْلِ) ٢.
وزيدت حشوًا –بغير اطِّراد- في قولهم: أُمَّهَةٌ –بمعنى الأُمِّ- وأُمَّهَاتٌ، ووزنهما (فُعْلَهَةٌ) و(فُعْلَهَاتٌ) ويدلُّ على زيادة الهاءِ، قولهم: (أُمّ بَيِّنَةُ الأُمُومَةِ) .
وأجاز بعضهم٣ أن تكون (أُمَّهَةٌ) (فُعَّلَةٌ) بأصالة الهاء –بمنزلة (أُبَّهَةٍ) و(تُرَّهَةٍ) .
_________________
(١) ١ ينظر: الممتع١/٢٧٠. ٢ ينظر: شرح المفصل لابن يعيش ١٠/٥، والممتع ١/٢١٧. ٣ ينظر: سرّ الصناعة ٢/٥٦٤.
[ ١ / ٢٤١ ]
ثامنًا- الوَاوُ:
الواو والياء والألف أمَّاتُ الزَّوائد؛ كما سبق بيانه في المبحث السَّابق١؛ فليس غريبًا أن يكثر اطِّرادها في الزِّيادةِ، ويندر زيادتها بغير اطِّراد، وقد اختلفوا في واو (سُرَاوِع) وهو موضعٌ بالحجاز، في قول الشَّاعر:
عَفَا سَرِفٌ من أَهْلِهِ فَسُرَاوِعُ فَوَادِي قُدَيدٍ، فالتّلاعُ الدوافِعُ٢
وقد ذهب أبو حَيّان٣ إلى أنَّها زائدة؛ فوزنها (فُعَاوِل) وتابعه السُّيوطيُّ٤.
وذهب ابنُ عُصفور٥ إلى أصالة الواو، وأنَّ وزنها (فُعَالِل) .
ولكلٍّ من المذهبين ما يؤيِّده؛ فمن ذهب إلى زيادة الواو استند إلى أنَّ الواو لا تكون أصلًا في بنات الأربعة. ومن ذهب إلى أصالتها استدلَّ بعدم النَّظير في (فُعَاوِل) ووجود (فُعَالِل) فجعل الواو فيه كالواو في (وَرَنتَلٍ) وهو الشَّرُّ والأمر العظيم؛ فالواو فيه أصليَّةٌ؛ على الرغم من أنها في الرّباعيّ.
_________________
(١) ١ ينظر: ص (٢١٢-٢١٤) من هذا البحث. ٢ ينظر: الخصائص ٣/٢١٣، ومعجم البلدان ٣/٢٠٤، والممتع ١/١١٦. ٣ ينظر: الارتشاف ١/٣٦. ٤ ينظر: المزهر ٢/١٦. ٥ ينظر: الممتع ١/١١٦.
[ ١ / ٢٤٢ ]
تاسعًا- الألف:
تكاد الألف تكون مقيسة في كل ما زيدت فيه، غير أنّها قد تقلّ زيادتها في بعض المواضع،كأن تكون سابعة -مثلًا- في نحو: أُربَعَاوَى.
عاشرًا- الياء:
لا تطّرد زيادة الياء أوّلًا؛ إذا كان بعدها أربعةُ أصولٍ؛ فقد ذهبَ ابنُ دريد١ إلى أنّ الياء في (يَسْتَعُور) وهو شجر تصنع منه المساويك، زائدة؛ وهي - عنده - على وزن (يَفْتَعُول) .
وما ذهب إليه ابن دريد مخالف لمذهب الجمهور، ومن هنا قال ابن خالويه: "ليس أحد يقول: يَسْتَعُور (يَفْتَعُول) إلاّ ابن دريد؛ لأنّه عند النّحويين ليس في كلام العرب، وإنّما هو عندهم (فَعْلَلُول) مِثل: عَضْرَفُوط"٢.
_________________
(١) ١ ينظر: الجمهرة٢/١٢٢٢. ٢ ليس في كلام العرب٢٠٥.
[ ١ / ٢٤٣ ]
الفَصْلُ الثَّالثُ: مقاييس التَّفريقِ بينَ الأُصُولِ
تتفاوت الأصول في تداخلها بين الوضوح والغموض؛ وثَمَّة كلماتٌ تعمِقُ وتَدِقُّ؛ فتخفى أصولها - أوَّلَ وهلةٍ - على المختصِّين، وعلى أكثر العلماء دُربةً ودرايةً بأصول العربيَّة.
ومن هنا نشأت الحاجة في وقتٍ مبكِّرٍ إلى وضع مقاييسَ للتَّفريق بين الأصول؛ فجاءت في إشارات متفرِّقة في كتاب سيبويه، ومن جاء بعده، ثمَّ جُمعتْ على أيدي بعض العلماء، بعد القرن الرَّابع؛ فأوجزوها في سبعة أدلَّةٍ أو ثمانية١. وفيما يلي بيان لأهم الأدلَّة أو المقاييس، وتفصيلٌ لما استُنبط، أو جُمع ممَّا تناثر من كلام الأئمّة المتقدِّمين.
أوَّلًا- الاشتِقَاقُ:
يُعدُّ الاشتقاق من أهمِّ المقاييس أو الأدلَّة الّتي تُمَيَّزُ بها الأصول؛ بعضُها من بعضٍ، إن لم يكن أهمَّها على الإطلاق. والّذي أثبته الجمهور هو الاشتقاق الأصغر؛ وهو شقُّ كلمة من كلمةٍ، مع الحفاظ على أصلَي اللّفظ والمعنى، وترتيب الحروفِ؛ كَضَرَبَ يَضْرِبُ فهو ضَارِبٌ لا مَضْرُوبٌ من (الضَّرْبِ) ودَحْرَجَ يُدَحْرِجُ فهو مُدَحْرِجٌ لا مُدَحْرَجٌ من (الدَّحْرَجَةِ) .
وكان سيبويه يأنس بالاشتقاق، وكثيرًا ما يعوِّل عليه في التَّعرِّف على الأصول، وتمييزها من الزَّوائد؛ كقوله: "وممَّا جعلتُه زائدًا بثبتٍ:
_________________
(١) ١ ينظر: المنصف١/١٦٦،١٦٧، والتبصرة والتذكرة٢/٧٨٨، وشرح الكافية الشافية٤/٢٠٤٥، وشرح الشافية للرضي٢/٣٣٤، والمساعد٤/١٠٢.
[ ١ / ٢٤٧ ]
العَنسَلُ؛ لأنَّهم يريدون العُسُولَ. والعَنبَسُ؛ لأنَّهم يريدون العُبُوسَ. ونونُ عَفَرْنَى؛ لأنَّها من العَفْر؛ يقال للأسد عَفَرْنَى. ونونُ بُلَهْنِيَةٍ؛ لأنَّ الحرف من الثلاثة، كما تقول: عَيْشٌ أبْلَهُ. ونونُ فِرْسِنٍ؛ لأنَّها من فَرَسْتُ. ونونُ خَنفَقِيقٍ؛ لأنَّ الخَنْفَقِيقَ الخفيفةُ من النِّساءِ الجريئَةُ؛ وإنَّما جُعلت من خَفَقَ يَخْفِقُ كما تَخْفِقُ الرِّيحُ"١.
وكان ابنُ مالكٍ لا يقدِّم على الاشتقاق شيئًا، ويقول: "الاشتقاق إذا ظُفِرَ به رُجِّحَ على غيره من الأدلَّةِ"٢. ومن ثَمَّ استدلَّ على أصالة نونِ (رُمَّانٍ)؛ لثبوتها في قولهم: (أرضٌ مَرْمَنَةٌ) للبُقْعَةِ؛ الّتي يكثر فيها الرُّمَّان؛ فهي عنده من (ر م ن) ولا يَعبأ بمذهب سيبويه٣ فيها؛ إذ جعلها من (ر م م) بزيادة النُّون؛ حملًا على الأكثر.
وقال ابن مالك معقِّباَ على مذهب سيبويه: "ولو كان الأمر كما قال، لقيل: مَرَمَّةٌ لا: مَرْمَنَةٌ"٤.
ويستدلُّ بالاشتقاق - أيضا ً- على زيادة همزة (الثُّدَّاء) وهو نبتٌ في البادية، يقال له (المُصَاصُ) و(المُصَّاخُ) ٥ بقولهم: أَثْدَتِ الأرضُ وثَدِيَتْ؛ إذا أنبتت الثُّداءَ. ومنه قضاؤهم على نونِ (رَعْشَنٍ) بالزِّيادة؛ لقولهم: رَعْشَاءُ في
_________________
(١) ١ الكتاب٤/٣٢٠. ٢ شرح الكافية الشافية٤/٢٠٤٥. ٣ ينظر: الكتاب٣/٢١٨. ٤ شرح الكافية الشافية٤/٢٠٤٥. ٥ ينظر: النبات والشجر٤٣.
[ ١ / ٢٤٨ ]
معناه؛ فوزنه (فَعْلَن) ١.
واستدلُّوا على أنَّ (العُنْظُوانَ) وهو شَجَرٌ - من (ع ظ ي) وليس من (ع ظ ن) أو (ع ن ظ) أو (ع ن ظ ن) بقولهم: عَظِيَ البعيرُ عَظًا، فهو عَظٍ؛ إذا تأذَّى من أكل (العُنْظُوان) ٢.
وقضوا على ميم (الشَّدْقَمِ) بالزِّيادة، وأنَّه من (ش د ق) لا (ش د ق م) لأنَّه بمنزلة (الأشدَقِ) وهو العظيم الشِّدْقِ ٣. وممَّا يدلَّ على أنّ أصل (التَّألَبِ) وهو الحمار (أل ب) وليس (ت أل ب) أو (ت ل ب) قولهم: أَلَبَ الحمارُ أَتُنَهُ يَألِبُهَا؛ إذا طردها٤.
على أنَّه ينبغي أن يحذر كلَّ الحذر من التَّسليم المطلق للاشتقاق في تمييز الأصول؛ فثَمَّةَ ما يعكِّرُ صفوَه؛ وهو توهُّمُ أصالة الحرف الزَّائد؛ كما سبق به البيان في أنَّهم يقولون: تَمَسْكَنَ وتَمَدْرَعَ وتَمَنْدَلَ ونحو ذلك، والميم فيها زائدة، وقد توهَّموا أصالتها؛ فبنوا عليها الأفعال.
ومن هنا ندرك أنَّ استدلال ابن مالك على أصالة النُّون في (الرُّمَّانِ) بقولهم: أرضٌ (مَرْمَنَةٌ) واحتجاجه به على سيبويه –لا يخلو من مطعن. وثمَّة نوع من الاشتقاق من الممكن أن يُؤنس به؛ وهو الاشتقاق الأكبر؛ الّذي أثبته ابن جِنِّي ٥، وكان أبو عليٍّ الفارسيُّ يأنس به في بعض الأصول؛ وهو عَقْدُ تقليبات الكلمة على معنى واحدٍ؛ نحو: (جَبَرَ)
_________________
(١) ١ المنصف١/١٦٦،١٦٧. ٢ ينظر: اللسان (عظى) ١٥/٧٢. ٣ ينظر: الممتع ١/٢٤١. ٤ ينظر: الممتع ١/٢٧٤،٢٧٥. ٥ ينظر: الخصائص ٢/١٣٣.
[ ١ / ٢٤٩ ]
فكيف قلَّبتَها دلَّت على القوَّة والشِّدَّة.
وجعل عبد الله العلايليِّ هذا النَّوع من الاشتقاق وسيلة لمعرفة الأصول؛ فـ (المَحَارَةُ) وهي الصَدَفَةُ - من (م ح ر) وليست من (ح ور) كما فعل الجوهريُّ١؛ لأنَّ تقليباتها السِّتَّةَ تدلُّ على معنى واحدٍ؛ وهو "التَّخصيص في كيس الحمل الجَنِينَيِّ على فصائل النَّوع تخصيصًا ملاحَظًا فيه أدقُّ الميزات"٢ ويظهر ذلك المعنى بوضوح في تقليبين؛ وهما (ر ح م) ومنه: الرَّحمُ، و(م ح ر) ومنه: المَحَارَةُ.
غير أنَّ هذا النَّوع من الاشتقاق لا يمكن التَّعويل عليه (لعدم اطِّراده) ٣ ولو اطَّرد لعُدَّ من أعظم المقاييس للتَّفريق بين الأصول المتداخلة؛ لا سيَّما الواويَّةُ واليائِيَّةُ.
ثانيًا- التَّصريفُ:
يستدلُّ بسقوط الحرف من فرعٍ على زيادته؛ كسقوط ألف (كتاب) في جمعه على (كُتُبٍ) ويعرف هذا بالتَّصريف؛ وهو يشمل الجمع والتَّصغير وغيرهما. والتَّصريف يشبه الاشتقاق إلى حدٍّ بعيد، وربَّما يعدَّان شيئًا واحدًا، ومن يفرِّقُ بينهما يجعل الاشتقاق استدلالًا بالأصل، ويجعل التَّصريف استدلالًا بالفرع، وإلى هذا ذهب المراديّ٤.
فمن ذلك استدلالهم على أصل (ضِبْعَانٍ) من قولهم في الجمع:
_________________
(١) ١ ينظر: الصحاح (حور) ٢/٦٣٩. ٢ تهذيب المقدمّة اللّغوية ٦١. ٣ المساعد ٤/٨٣. ٤ ينظر: شرح المرادي٥/٢٣٦، وهو من الهامش رقم (١) لأنَّ ما في المتن معكوس.
[ ١ / ٢٥٠ ]
الضِّباعُ؛ وأنَّه دليل على زيادة النُّون١، واستدلالهم على زيادة النّون في (سِرْحان) من جمعهم إياّه على (سَرَاحٍ) ٢ وأنَّ قولهم في (إنسَانٍ): (أَنَاسِي) دليل على زيادة نونه الأخيرة.
ومن التَّصريف (التَّصغيرُ) وهو ما يستدلُّ به على الزَّائد؛ كقولهم: عُفَيْجِجٌ وعُفَيْجِيجٌ، في تصغير (عَفَنجَجٍ) ٣ فدلَّ سقوط النُّون على زيادتها. ومنه قولهم في تصغير (ذَرَحْرَحٍ): (ذُرَيرِحٌ) ٤ فدلَّ على أنَّ أصل ذَرَحْرَحٍ (ذ ر ح) .
ودلَّ قولهم في تصغير مَرْمَرِيسٌ: (مُرَيرِيسٌ) على أنَّه من (م ر س) "لأنَّ الياء تصير رابعةً؛ فصارت الميم أوْلَى بالحذف من الرَّاء؛ لأنَّ الميم إذا حذفت تبيَّن - في التَّحقير - أنَّ أصله من الثَّلاثة؛ كأنَّك حقَّرتَ: مَرَّاسًا، ولو قلتَ: مُرَيميسٌ؛ لصارت كأنَّها من باب سُرْحُوبٍ وسِردَاحٍ وقِنْدِيلٍ"٥ أي: صار رباعيًا.
ثالثًا- انعدامُ النَّظيرِ:
إذا لزم عدم النَّظير في أوزان أصول العربيّة بتقدير أصالة الحرف في كلمة حكم عليه بالزِّيادة؛ وهو من أقوى الأدلة. فقد قضوا بزيادة تاءِ (تَتْفُلٍ) وهو ولد الثَّعلب؛ لأنّها لو جعلت أصلًا لكان وزنه (فَعلُل) وهو
_________________
(١) ١ ينظر: الكتاب ٣/٢١٦. ٢ ينظر: الكتاب ٣/٢١٦. ٣ ينظر: الكتاب ٣/٤٢٩. ٤ الكتاب ٣/٤٣٢. ٥ الكتاب ٣/٤٣٢.
[ ١ / ٢٥١ ]
بناء مفقود في الرُّباعيّ؛ فوزنه (تَفْعُل) . ونون (سَعْدَان) و(مَرْجَان) زائدتان (لأنَّه ليس في الكلام مثل سَرْداحٍ ولا فَعْلالٍ إلاَّ مضعَّفًا) ١ كـ (زَلْزَالٍ) و(وَسْوَاسٍ) .
ويُقضى على تاءِ عِزْوِيتٍ بالزّيادة (لأنّه ليس في الكلام فِعْوِيل) ٢.
وأمَّا كَنَهْبُلٌ فنونه زائدةٌ؛ لأنّه ليس في الكلام (سَفَرْجُلٌ) على مثال (فَعَلُّل) ٣.
ويُقضى على أنَّ أصول (خَيوان) بلد باليمن (خ ون) وليس (خ ي و) لأنَّه ليس في الكلام شيء عينه ياءٌ ولامه واو٤، فهو (فَيعَال) وليس (فَعْلان) . وليس في ترك صرفه دليل على زيادة النُّون؛ لأنَّ ذاك كان للاسم والبُقعة. ويحكم على الميم في (المِلْوَطّ) وهو ما يضرب به من عصًا ونحوه- بالأصالة؛ لأنَّها لو قُدِّرت زائدةً لأدَّى ذلك إلى ثبوت (مِفْعَلّ) وهو وزن مهمل. فإذا جعلتَ الميمَ أصليَّةً كان الوزن (فِعْوَلًاّ) وهو وزن مستعمل؛ نحو (عِثْوَلّ) للكثير الشَّعر، و(عِسْوَدٍّ) للحيَّة؛ فوجب المصير إليه٥.
وكان ابن سِيده يعتدُّ بهذا المقياس في التَّفريق بين الأصول؛ وهو عنده (من أصحِّ ما تُحرَّرُ فيه أنواع التَّصاريف) ٦.
_________________
(١) ١ الكتاب ٣/٢١٨. ٢ الكتاب ٤/٣١٦. ٣ ينظر: المنصف ١/١٣٥. ٤ ينظر: اللّسان (خون) ١٣/١٤٦. ٥ ينظر: شرح الكافية الشافية ٤/٢٠٦٢، والارتشاف ١/١٦. ٦ المحكم ٤/٥٩.
[ ١ / ٢٥٢ ]
رابعًا- سقوط الحرف لغير علَّة من نظير؛ كسقوط ياءِ (أَيْطَلٍ) وهو الخاصرة- من: إِطِلٍ بمعناه ١.
وكذلك شأملٌ وشَمْأَلٌ من: شَمَالٍ، وشَمَلَتِ الرَّيْحُ.
خامسًا- وقوع الحرف - مع عدم الاشتقاق - في موضع تلزم فيه زيادته مع الاشتقاق في نحو (العَفَنقَسِ) وهو عَسِرُ الأخلاقِ؛ فإنَّ النُّون محكوم بزيادتها؛ مع أنَّه لا يعرف اشتقاقه.
وكذلك (عَصَنصَرٌ) اسم جبل- فإنَّ نونه في موضع لا تكون فيه مع الاشتقاق إلاَّ زائدةً؛ نحو (الجَحَنفَلِ) وهو العظيم الشَّفة من الجَحْفَلَةِ؛ وهي لذي الحافر كالشَّفة للإنسان٢.
سادسًا- اختصاص الحرف بموضعٍ لا يقع فيه إلاَّ حرفٌ من حروف الزِّيادة؛ كالنُّون في (كِنْثَأْوٍ) وهو العظيم اللِّحية، وفي (حِنْطَأْوٍ) وهو العظيم البطن، وفي (سِنْدَأْوٍ) وهو الشَّديدُ المُقدِمُ؛ فنوناتها زوائد؛ لأنَّهم لم يضعوا مكان حرف الزِّيادة حرفًا صحيحًا؛ فلم يقولوا -مثلًا- (سِرْدَأْوٌ) ولا نحوه٣.
سابعًا- دلالة الحرف على معنًى؛ كحروف المضارعة، وألف الفاعل، وميم المفعول، وواوُه٤.
ويزاد على ما تقدَّم من مقاييس أو أدلَّة ما استُنبط أو جُمِع من متَفَرِّق كلام الأئمة:
_________________
(١) ١ ينظر: شرح المرادي ٥/٢٣٦، واللسان (أطل) ١١/١٨. ٢ ينظر: التصريح ٢/٣٦٣،٣٦٤. ٣ ينظر: شرح المرادي ٥/٢٣٧. ٤ ينظر: شرح المرادي ٥/٢٣٧.
[ ١ / ٢٥٣ ]
أوَّلًا- الدُّخولُ في أوسعَ البابين:
وهو الحمل على الأكثر؛ وذاك أنَّ الحرف إذا تردَّد بين الأصالة والزِّيادة، واستوى الوزنان في النُّدرة؛ فالأولى الحكم بالزِّيادة لكثرة ذي الزِّيادة١.
فمن ذلك (الهُندَلِعُ) وهو بَقَلَةٌ؛ فإنَّه يحتمل أن يكون (فُعَلْلِلًا) على أصالة النُّون، أو (فُنْعَلِلًا) على زيادة النُّون؛ بالتَّساوي، ويرجَّح –على هذا المقياس- الثَّاني؛ خلافًا لابن السَّرَّاج٢.
ولو حمل (هُندَلِعٌ) على (فُعْلَلِل) لجاز حملُ (كَنَهْبُلٍ) على (فَعَلُّل) و(سِنْدَأوٍ) على (فِعْلَلْو) (وذلك خرق لا يرقع؛ فتكثر الأصول) ٣ وتقلُّ الزَّوائد؛ وهو يُنافي حقيقة اللَّغة.
ومن هنا حمل (كِشْخَان) وهو الدَّيُّوث- على (فِعْلان) فبابه أوسع من باب (فِعْلال) ٤ لأنَّ باب الزِّيادة أوسع من باب الأصالة. نعم، وإذا تردَّد الوزنان بين زيادتين حُملا على أوسع البابين؛ كترَدُّدِ (الأَيْدَعِ) وهو صَبغٌ أحمر- بين (أَفْعَلَ) و(فَيْعَلَ) فيحمل على (أَفْعَلَ) على الرُّغم من أنَّك لا تجد في (ي د ع) ما يناسب معناه؛ في حين وجدت الحمرة في (أحمَرَ) ونحوه؛ ألا ترى أنَّ (أَفْعَلَ) أكثر من (فَيْعَلَ) لأنَّ زيادة الهمزة أوَّلًا باب واسعٌ؛ لا يضاهيه باب زيادة الياء ثانية٥.
_________________
(١) ١ ينظر: شرح الشافية للرضي ١/٤٩. ٢ ينظر: الأصول ٣/٢٢٥. ٣ شرح الشافية للرضي ١/٤٩. ٤ ينظر: اللسان (كشخ) ٣/٤٩. ٥ ينظر: المقتصد في شرح التكملة ٢/٧٨٤.
[ ١ / ٢٥٤ ]
ومن ذلك أنَّ (موسى) ١ آلةَ الحلاقة- تتردَّدُ بين زيادتين (مُفْعَل) و(فُعْلى) فتحمل على زيادة الميم للدُّخول في أوسع البابين؛ لأنَّ (مُفْعَلًا) في الكلام أكثر من (فُعْلَى) ألا ترى أنَّ زيادة الميم أوَّلًا أكثر من زيادة الألف رابعة؟
وإذا تردَّد الوزنان بين أصلين حُملا على أكثرهما في بابه؛ كحملهم الألفَ المجهولة عينًا المنقلبةَ عن معتَلٍّ على الواو؛ لأنَّ انقلاب الألف عن الواو عينًا أكثر من انقلابها عن الياء في هذا الموضع في عموم كلام العرب٢. نصَّ على ذلك سيبويه؛ وقال: "إن جاء اسم نحو النَّاب، ولا تدري أمِنَ الياءِ هو أم مِنَ الواو، فاحمله على الواو؛ حتَّى يتبيَّن لك أنَّها من الياء؛ لأنَّها مبدلةً من الواو أكثرُ، فاحمله على الأكثر؛ حتَّى يتبيَّن لك"٣.
وإليه ذهب ابنُ جِنّي؛ الّذي قال: "إنَّ الألفَ إذا وقعت عينًا فينبغي أن يُحكم بأنَّها من الواو؛ حتَّى تقوم دلالة على كونها من الياء"٤.
ومن هنا حُكم على أنَّ أصل (عَاقَ) من قولهم (ما عَاقَتِ المرأَةُ عند زوجهَا) أي: ما حَظِيَتْ: (ع وق) وليس (ع ي ق) ٥ للدُّخول في أوسع البابين. واستنادًا إلى هذا المقياس يمكن الحكم على ألف (خَاشَ) بمعنى رجع؛ في قول الشَّاعر:
_________________
(١) ١ ينظر: الأصول ٣/٣٥١، وسر الصناعة ١/٤٢٨. ٢ ينظر: الكتاب٣/٤٦٢، والمنصف١/٣٣٢، والخصائص١/٢٥٣، والمحكم٢/١٩٥. ٣ الكتاب ٣/٤٦٢. ٤ المنصف ٢/١٤٠. ٥ ينظر: المحكم ٢/١٩٥.
[ ١ / ٢٥٥ ]
بَيْنَ الوِضَاءَ يْنِ وخَاشَ القَهْقَرَى١
بأنَّها منقلبةٌ عن واوٍ؛ لأنَّه "لا دليل فيه على أنَّ ألفه منقلبة عن واوٍ أو ياءٍ"٢.
وتُحملُ عينُ (الظَّابِ) وهو الكلام والجَلَبَة - على الواوِ؛ لخفاء اشتقاقه٣.
وإذا كانت العين واللاّم معتلَّتين تُحمل العينُ على الواوِ، فيما يجهل اشتقاقه؛ للدُّخول في باب (طَوَيْتُ) و(شَوَيْتُ) لأنَّه أكثر من باب (حَيِيْتُ) ٤.
ومن هنا قضى ابن جنّي على ألف (ثَايَةٍ) وهي الحجارة، و(طَايَةٍ) وهو سقف البيت- بأنَّها منقلبة عن واو٥.
أمَّا الألف المجهولة، والهمزة المنقلبة عن معتلٍّ، الواقعتان لامًا؛ فتُحملان على الياء؛ ما لم يعترض ذلك إهمال الياء. وقد نصَّ ابن جنِّي على أنَّ "الياء أغلب على اللاَّم من الواو عليها"٦.
_________________
(١) ١ ينظر: المحكم ٥/١٦٨، وفي اللّسان (خوش) ٦/٣٠١ (الوخاءين) بالخاء، ولعلَّ ما في المحكم هو الصَّحيح، فقد ذكر البكري (معجم ماستعجم٢/١٣٧٩) أنَّ (وَضَا) موضع بنجد. ٢ ينظر: اللسان (خوش) ٦/٣٠١. ٣ ينظر: اللسان (ظوب) ٦/٥٧٢. ٤ ينظر: المنصف ٢/١٤١. ٥ ينظر: المنصف ٢/١٤١. ٦ المقتضب في اسم المفعول ٢٥، وينظر: المبهج ٨٥.
[ ١ / ٢٥٦ ]
وكان ابن سِيده يعوِّل كثيرًا على هذا المقياس في تفريقه بين الواويِّ واليائيِّ في (المحكم) ١. وبذلك قضى٢ بأنَّ لام (أَكْهَى) في قول الشَّاعر:
كَمَا أَعْيَتْ عَلَى الرَّاقِينَ أَكْهَى تَعَيَّتْ لا مِيَاهَ ولا فِرَاغَا ٣
وهي هضبة في نجد- ياءٌ وليست واوًا، فأصله (ك هـ ي) .
وقضى بأنَّ (الفَظَى) وهو ماء الرَّحم- يائيٌّ، وأصله (ف ظ ى) في قوله: "وقضينا بأنَّ ألفه منقلبةٌ عن ياءٍ؛ لأنَّها مجهولة الانقلاب؛ وهي في موضع اللام، وإذا كانت في موضع اللام فانقلابُها عن الياء أكثر منه عن الواو"٤.
وكذلك الهمزة المنقلبة عن معتلٍّ، الواقعة لامًا؛ فإنَّها تحمل على الياء لا الواو؛ للدُّخول في أوسع البابين، ومثالها (السَّخَاءَ ةُ) وهي بَقَلَةٌ ترتفع على ساق كهيئة السُّنبُلَةِ، وفيها حَبٌّ كحَبِّ اليَنْبُوتِ؛ فإنَّها من (س خ ي) وليس (س خ و) ٥.
ومنه (الخَدَّاءُ) موضعٌ - قُضي بأنَّ همزته ياءٌ٦ لا واو؛ فأصله (خ د ي) وكذلك همزة (الفِنَاءِ) فهي منقلبة عن ياءٍ لا واوٍ٧.
_________________
(١) ١ ينظر: المحكم ٤/٢٦٤،٥/١٥١، واللسان (جمى) ١٤/١٥٣، (فتا) ١٥/١٤٨. ٢ ينظر: المحكم ٤/٢٦٤. ٣ ينظر: المحكم ٤/٢٦٤، واللسان (كهى) ١٥/٢٣٥. ٤ ينظر: اللسان (فظا) ١٥/١٥٩. ٥ ينظر: المحكم ٥/١٥١. ٦ ينظر: المحكم ٥/١٥٤. ٧ ينظر: اللسان (فنى) ١٥/١٦٥.
[ ١ / ٢٥٧ ]
وإذا عارضَ هذا المقياسَ في اللاَّم المعتلَّةِ مقياسٌ آخر أضْعَفَهُ؛ وربَّما منع الاستدلال به؛ وذاك أن يكون الأصل اليائيُّ مهملًا والأصل الواويُّ مستعملًا، فإنها تحمل على المستعمل؛ كقولهم: جَدْيٌ ذَكِيٌّ، بمعنى ذَبِيحٍ، فإنَّه يحمل على (ذ ك و) لاستعماله، وإهمال (ذ ك ي) على نحو ما قرَّره ابن سِيده١.
وإن كانا مستعملين، وكثر أحدهما كثرةً واضحةً، فغلبَ على صاحبه، وكان الغالبُ الواوَ، فإنَّ الألفَ المجهولةَ، أو الهمزةَ المنقلبةَ تُحملان عليه.
وذلك نحو (قِدَةٍ) موضعٌ- فإنَّها تحتمل الأصلين (ق د ي) و(ق د و) وكلاهما مستعمل؛ فإن أُخذ بالمقياس الأوَّل؛ وهو كثرة الياء لامًا حُمل على (ق د ي) وإن أُخذ بالمقياس الثَّاني؛ وهو كثرة الواويِّ في هذا التركيب، وقلَّة اليائيِّ فيه، حُكمَ عليه بأنَّه من (ق د و) . وقد أخذ ابن سِيده٢ بالأخير؛ فرجَّح الواويَّ، ولو أخذَ بالأوَّل لما ابتعد عن الصَّواب. ويجوز أن تكون (قِدَةٌ) من (وق د) مثل (عِدَةٍ) من (وع د) والتَّاء عِوَضٌ من فاء الكلمة المحذوفة؛ فإن صحَّ ذلك خرجتْ ممَّا نحن فيه.
ويجوز الوجهان السابقان في قولهم: رَكِبَ كَسَاهُ؛ إذا سقط على قفاه؛ فيكون أصله (ك س ي) و(ك س و) الأوَّلُ لأنَّ الياء لامًا أكثر من الواو، والثَّاني لأنَّ الواو غلبتْ على الياء في ذلك التَّركيب.
نعم، ولا يخلو مقياسُ حملِ المعتلِّ على الياء لامًا من اعتراضٍ مقدّرٍ؛
_________________
(١) ١ ينظر: المحكم ٧/٩٨. ٢ ينظر: المحكم ٦/٣٣٠.
[ ١ / ٢٥٨ ]
وهو أنَّ ما في بعض المعاجم كـ (لسان العرب) و(القاموس المحيط) من تلك المادَّة لا يؤكِّد ما قاله اللُّغويُّون والنُّحاة بأنَّ الياء لامًا أكثر من الواو؛ بل يبطل ما قالوا؛ لأنَّ الكثرة فيه للواويِّ، وليست لليائيِّ.
إنَّ إحصاء ما في المعجَمَينِ من الواويِّ واليائيِّ في باب المعتلِّ ليؤكِّد ذلك في ظاهر الأمر؛ فعدَّة ما في (لسان العرب) في باب المعتلِّ خمسة وعشرون وخمسمائة أصلٍ تقريبًا١؛ ما يقرب من ثلثيها من الواويِّ؛ إذ بلغ سبعة وسبعين وثلاثمائة أصلٍ، ونسبته (٨١و٧١؟) ولم يتجاوز اليائيُّ ثمانية وأربعين ومائة أصلٍ وهو ما نسبته (١٩و٢٨؟) . ونجد أنفسنا أمام النَّتيجة نفسِها في (القاموس المحيط) وهي غلبة الواويِّ على اليائيِّ، وإن اختلفت النِّسب قليلًا؛ ففيه خمسة وتسعون وستمائة أصلٍ٢ أكثر من نصفها واويّ، وعدَّته اثنان وسبعون وثلاثمائة أصلٍ؛ ونسبته (٥٣و٥٣؟) .
أمَّا اليائيُّ فعدَّته ثلاثة وعشرون وثلاثمائة أصل؛ ونسبته (٤٧و٤٦؟) .
ويمكن التَّوفيق بين نتيجة الإحصاء وما قاله اللُّغويُّون والنُّحاة، ودفع ما ظهر من تعارض باحتمالاتٍ؛ منها:
أ- أنَّ مراد اللُّغويّين والنُّحاة في تغليبهم الياءَ على الواو لامًا ينصرف إلى المُنْقَلِبِ، أي: الألفِ والهمزة، وقد صرَّح بذلك ابن سِيده غير مرَّةٍ؛ بقوله في (الفَظَى): "وقضينا بأنَّ ألفه منقلبة عن ياءٍ؛ لأنَّها مجهولة
_________________
(١) ١ لا يدخل في هذا الإحصاء ما جاء في باب الألف اللّينة من الحروف الثَّنائيَّة وما شابهها من الأسماء. ٢ ينظر الملحوظة السَّابقة في الإحالة رقم: (١) ويضاف إلى ذلك أنِّي أسقطت ثمانية أصول من المجموع العام؛ لأنّه ذكر أنَّها واويّة ويائيّة، فلم أر لها حاجة في الإحصاء.
[ ١ / ٢٥٩ ]
الانقلاب؛ وهي في موضع اللاَّم، وإذا كانت في موضع اللاَّم فانقلابها عن الياء أكثر منه عن الواو"١. ومثل ذلك ما ذكره في (المُفْتِي) ٢ وهو مِكْيال، و(الفِنَاءِ) ٣ وهو ساحة الدَّار، وفي (كَرَى) ٤ من قولهم: كَرَى الرُّجلُ بقدمَيهِ؛ أي: قَلَبَهما في العَدْوِ. فمن الممكن أن يعَدَّ هذا ونحوه تقييدًا لما أطلق.
أمَّا ما في المعجَمَين فيشتمل على المنقلِبِ وغير المنقلِبِ، ومن هذا الأخير (الثَّعْوُ) ٥ وهو ضرب من التَّمر، و(الثُّقْوَةُ) ٦ وهي السُّكُرُّجَةُ، و(الجَشْوُ) ٧ وهي القوس الخفيفة، و(ضَدَوان) ٨ وهو جبل، و(الطَّقْوُ) ٩ وهو سرعة المشي، و(القَهْوَةُ) ١٠ وهي الخمر، و(المَرْوَةُ) ١١ وهي حجارة بيضاء، ونحو ذلك ممَّا جاءت فيه الواو١٢
_________________
(١) ١ ينظر: اللسان (فظا) ١٥/١٥٩. ٢ ينظر: اللسان (فتا) ١٥/١٤٨. ٣ اللسان (فنى) ١٥/١٦٥. ٤ اللسان (كرا) ١٥/٢٢٢) . ٥ اللسان (ها) ١٤/١١٣. ٦ ينظر: القاموس (ثقو) ١٦٣٦. ٧ ينظر: اللسان (جشو) ١٤/١٤٧. ٨ ينظر: القاموس (ضدو) ١٦٨٣. ٩ ينظر: القاموس (طقو) ١٦٨٥. ١٠ القاموس (قهو) ١٧١٠. ١١ القاموس (مرو) ١٧١٩. ١٢ اخترتُ الأمثلة من الواو لأبيِّن كيف أَرْبَتْ على الياء.
[ ١ / ٢٦٠ ]
على أصلها بغير انقلاب فيها، أو فيما تصرَّف منها فيما وقفتُ عليه؛ ممَّا ذُكر في المعاجم. فإن كان الأمر كذلك فلا اعتداد بنتيجة الإحصاء؛ لأنَّ الكثرة عند اللُّغويِّين مقَيَّدة، وقد شَمِلَ الإحصاءُ المقَيَّدَ والمطلَقَ.
ب- ويجوز أن يكون ما في المعجَمَيْنِ من أصولٍ غيرَ دقيقٍ. ولستُ على يقين ممَّا جاء في (القاموس المحيط) أمَّا (اللِّسان) فإنِّي أقطع بأنَّ ما جاء فيه من مَدَاخِلَ واويّةٍ أو يائيَّةٍ ليس دقيقًا، ولا يمكن أن يعوَّل على نتائجه في الإحصاء إلاَّ بعد تمحيص ما في كلِّ جذرٍ من مادَّة؛ لأنَّ ابن منظور دمجَ اليائيَّ في الواويِّ أو العكس فيما اتَّحد من الجذور في الفاء والعين؛ وهو كثير جدًّا، وسيأتي تفصيله في الباب الرَّابع –إن شاء الله.
ج- فإن لم يصحَّ الاحتمالان السَّابقان، فإنَّه لا يَبْعُد أن يكون ما ذكره اللُّغويُّون والنُّحاة مَبْنِيًّا على كثرة الاستعمال في لغة العرب؛ لأنَّهم وجدوا أنَّ الثِّقل في الكلمة يتدرَّجُ بتدرُّجِ حروفها، من الأوَّل إلى الآخر؛ فينبغي أن يغلب على اللاَّمِ الحرفُ الأكثرُ خفَّةً، والياء أخفُّ من الواو. والآخِرُ موضعُ التَّغييرِ، فينبغي أن يغلب فيه الأخفُّ؛ ألا تراهم يبتدئون في الإعلال من آخر الكلمة؟
ويدلُّ على خفَّةِ الياء أنَّ باب (طَوَيْتُ) و(شَوَيْتُ) أكثرُ من بابِ (جَوٍّ) و(قَوٍّ) ١ وأنَّهم ربَّما جمعوا بين اليائين في نحو (حَيِّيٍّ) و(أُمَيِّيٍّ) ولم يجمعوا بين الواوات؛ لثقلها٢.
ويدلُّ على ثقل الواو أنَّها إذا كانت رابعة في الفعل قلبتْ ياءً؛ نحو
_________________
(١) ١ ينظر: المنصف ٢/١٤٦. ٢ ينظر: المنصف ٢/٢٧٥.
[ ١ / ٢٦١ ]
(تَقَصَّيتُ) و(تَعَدَّيتُ) وهما من (قَصَا يَقْصُو، وعَدَا يَعْدو) وكذلك (قَوْقَيْتُ) وأصلها (قَوْقَوْتُ) . ثُمَّ، ألا تراهم يُميلون الألفَ إلى الياء، ويَقلُّ إمالتها إلى الواو؛ على نحو ما هو مقرَّرٌ في باب الإمالة، وأنَّك لا تكاد تجد اسمًا متمكِّنًا؛ في آخره واوٌ قبلها ضمَّةٌ؛ كما وجدتَ في كلامهم اسمًا في آخره ألفٌ قبلها فتحةٌ، واسمًا في آخره ياءٌ، قبلها كسرةٌ؛ لأنَّ الواو أثقل من أختيها١. ومن ذلك أنَّهم اختاروا الياء آخرةً –مع تشديدها- لبابٍ واسعٍ في العربية، كثيرِ الاستعمال؛ وهو النَّسَبُ. وأخلصُ ممَّا تقدَّم إلى أنَّ هذا الاعتراض على مقياسهم مدفوعٌ بما ذُكرَ، وأنَّ مقياسهم في حمل المجهول لامًا على الياء صحيحٌ؛ من الممكن الاستفادة منه، والتَّعويلُ عليه في تداخل الأصول.
ثانيًا- الصَّرْفُ أو مَنْعُهُ:
من الممكن الاعتداد بمقياس الصَّرف أو منعِهِ؛ للتَّفريق بين بعض الأصول؛ لا سِيَّما الَّتي في أوَّلها همزة أو ياءٌ أو تاءٌ أو نونٌ؛ ممَّا وازنَ الفعل، أو الَّتي في آخرها ألف ممدودة أو مقصورةٌ، أو في آخرها نونٌ مسبوقةٌ بألف زائدةٍ. فممَّا في أوَّله همزة (أَفْكل) فيستدلُّ على زيادة همزته، وأنَّه (أَفْعَل) بمنعه من الصَّرف٢ لأنَّ (أَفْعَلَ) إذا كان صفةً، ثمَّ سمِّيَ به لم ينصرف في
_________________
(١) ١ ينظر: الكلام على عصي ومغزو١٤٩. ٢ ينظر: الكتاب٣/١٩٤.
[ ١ / ٢٦٢ ]
المعرفة ولا في النَّكرة عند سيبويه والخليل١، وهو قول المازِنِيِّ، والأخفشُ٢ يصرفه في النَّكرة. وكذلك (أَيْدَعُ) ممَّا يدلُّ على زيادة همزته، وأنَّه (أفْعَل) لا (فَيْعَل) منعه من الصَّرف٣.
أمَّا (أوَّلُ) فمَنْ صرَفَه فهو عنده (فَوْعَل) من (وول) أو (وأل) على مذهب الكوفيِّين - كما سيأتي إن شاء الله - وهو (أفْعَل) على مذهب البصريِّين؛ لأنَّهم لا يصرفونه٤.
وممَّا في أوِّله ياءٌ (يَرْمَعُ) وهو حجر أبيض، قُضِيَ على يائه بالزِّيادة بأمور؛ منها منع صرفه في المعرفة ٥؛ فهو (يَفْعَلُ) لا (فَعْلَل) . أمَّا التَّاء فدلَّ على أصالتها في (تَبْرَعٍ) و(تَرْعَبٍ) وهما موضعان صرْفُهُم ٦ إيَّاهما؛ فهما (فَلعْلَل) لا (تَفْعَل) . أمَّا التَّاء في (تألَبَ) علمٌ- فزائدة؛ لأنَّه غير مصروف ٧ فهو (تَفْعَل) .
ويدلُّ على أنَّ النُّون في (نُبَايِعَ) موضعٍ – زائدة؛ وأنَّ أصله (ب
_________________
(١) ١ ينظر: ما ينصرف ٧. ٢ ينظر: النكت ٢/٨١٤. ٣ ينظر: الكتاب ٣/١٩٤. ٤ ينظر: شرح لكافية للرضي ٢/٢١٨. ٥ ينظر: ما ينصرف ١٣. ٦ ينظر: المحكم ٢/٣٢٣. ٧ ينظر: الكتاب ٣/١٩٦، والنّكت ٢/٨١٤.
[ ١ / ٢٦٣ ]
ي ع) وليس (ن ب ع) منعه من الصَّرف؛ للعلميَّة ووزنِ الفعل١. ويستدلُّ على حال الهمزة آخرًا بالصَّرف أو منعهِ؛ فإن صُرفت الكلمة فهي أصلٌ، وإن منعت فهي زائدةٌ؛ وهي للتَّأنيث.
وأمَّا همزة (الغَوْغاَء) وهم سَفِلَة النَّاس- فتحتمل الزِّيادَةَ والأصالةَ. فمن العرب من يجعلها بمنزلة (عَوْرَاءَ) فَيُؤَنِّثُ ولا يصرفُ؛ فيقول (غَوْغَاءُ) ٢ فهي -حينئذٍ- زائدةٌ، وأصلها (غ وغ) .
وأمَّا من قال: (غَوْغَاءٌ) بالتّذكير والصَّرف - فهي عنده بمنزلة (القَمْقَامِ) و(القَضْقَاضِ) أي: يجعل الغينَ والواوَ مضاعفتين؛ بمنزلة القاف والميم من (القَمْقَامِ) والقاف والضَّادِ من (القَضْقَاضِ) ٣ وأصلها (الغَوْغَاوُ) فقلبتِ الواو همزةً لتطرُّفها بعد مدٍّ؛ فهي من باب الرُّباعيّ المضاعف، وأصولها (غ وغ و) .
ويُقضى بزيادة ألف (حَبَنطَى) بمنع الصَّرفَ في المعرفة "وإن لم يشتقُّوا منه شيئًا تذهب فيه الألف؛ لأنَّها عندهم بمنزلة الهمزة"٤.
وممَّا تعرف به حال النُّون المتطرِّفةِ بعد ألفٍ زائدةٍ: الصَّرفُ أو منعهُ؛ كنُوناتِ: (حَسَّان) و(تَبَّان) و(سَمَّان) فإن صرفتهنَّ فقلتَ: حَسَّانٌ وسَمَّانٌ وتَبَّانٌ؛ فهُنَّ (فّعَّال) من الحُسنِ والسَّمنِ والتَّبنِ؛ وهنّ
_________________
(١) ١ ينظر: المحكم ٢/١٨٩. ٢ ينظر: الكتاب ٣/٢١٥. ٣ ينظر: الكتاب ٣/١٢٥، ٤/٣٩٤. ٤ الكتاب ٤/٣١٠.
[ ١ / ٢٦٤ ]
بمنزلة (عَبَّادٍ) و(قَصَّابٍ) و(حَنَّاطٍ) . وإن مُنِعْنَ من الصَّرفِ فهُنَّ (فَعْلان) ١ من (الحِسِّ) و(السِّمِّ) و(التَّبِّ) وهو الخسران.
ومن ذلك (دِهْقَان) و(شَيْطَان) فإن صُرِفا فهما من (التَّدَهْقُنِ) و(التَّشَيطُنِ) فالنّون أصلٌ. وإن مُنعا من الصَّرفِ فهما من (الدَّهْقِ) و(الشَّيْطِ) ٢ ووزنهما على الأوَّل (فِعْلاَل) و(فَعْلاَل) وعلى الثَّاني (فِعْلاَن) و(فَعْلاَن) . ومن ذلك (جَابَان) اسم علَمٍ- فألفه منقلبة عن واوٍ؛ كأنَّه (جَوْبَان) فقلبت الواو لغير علَّةٍ. وهو (فَعْلاَن) من (ج وب) وليس (فَاعَال) من (ج ب ن) يدلُّ على ذلك قولُ الشَّاعر:
عَشَّيْتُ جَابَانَ حَتَّى اسْتَدَّ مَغْرِضُهُ٣ وكَادَ يَهْلِكُ لولا أَنَّه اطَّافَا
قُولا لجَابَانَ فَلْيَلْحَقْ بِطَيَّتِهِ نَوْمُ الضُّحَى بَعْدَ نَوْمِ اللَّيلِ إسْرَافَا٤
فتركُ صرفِهِ دليلٌ على أنَّه (فَعْلاَن) .
_________________
(١) ١ ينظر: ما ينصرف ٣٦، واشتقاق أسماء الله ٢٨٥. ٢ ينظر: الكتاب ٣/٢١٧،٢١٨. ٣ في التاج (جوب) ١/١٩٤ (معرضة) بالعين المهملة، و(اشتدّ) بالشين، و(استدّ) باسّين بمعنى: انسدَّ. ٤ كذا في المحكم٧/٣٩٤، وفي اللسان (جوب) ١/٢٨٧ (إسراف) بالرفع على أنه خبر المبتدأ، ومثله في التّاج (جوب) ١/١٩٤، وهو أقرب لولا الإصراف، وينظر: الكافي١٦٠،١٦١.
[ ١ / ٢٦٥ ]
ويجب أن يلزم الحذر في هذا المقياس، وأن لا يؤخذ به على إطلاقه؛ لأنَّ الممنوع من الصَّرفِ يجوز صرفه في الضرورة؛ باتِّفاق النُّحاةِ ١؛ ولأنَّ الكوفيِّين ٢ ذهبوا إلى أنَّ المصروف يجوز منعه من الصَّرف.
وذكر الفرَّاء - فيما حكاه المعرّيُّ٣ - أنَّهم يشبِّهون النُّون الأصليَّة بالزَّائدة؛ فيقولون: مررتُ بـ (طَحَّانَ) وذلك إذا سَمُّوا به.
ثالثًا- إهمالُ أحدِ الأصلَينِ:
إذا أدَّى التَّداخل إلى أصلين؛ أحدهما مهمل: حملت الكلمة على الأصل الآخَرِ المستعمل؛ مثل (مُزَّاءَ) اسمٌ للخمر- فالهمزة فيه زائدة؛ لأنَّ مادَّة (م ز أ) مهملةٌ؛ بخلاف (م زز) . وبخلاف ذلك كلمة (السَّقَّاءِ) فالهمزة أصليَّة؛ أي: بدلٌ من أصلٍ؛ لوجود (س ق ي) وفَقْدِ مادَّة (س ق ق) ٤.
وكان ابن سيدَة يأنس بهذا لمقياس، ويعوِّل عليه كثيرًا في (المحكم) كقوله: "والشَّاخَةُ: المعتدِلُ؛ وإنَّما قضينا على أنَّ ألف شاخةٍ ياءٌ لعدم (ش وخ) وإلاَّ فقد كان حقها الواو؛ لكونها عينًا"٥.
وحَمَلَ (غَادَةَ) وهي موضع في قول الشَّاعر:
_________________
(١) ١ ينظر: الإنصاف٢/٤٩٣. ٢ ينظر: الإنصاف ٢/٤٩٣. ٣ ينظر: عبث الوليد١١١،١١٢. ٤ ينظر: المساعد٤/٦٦. ٥ المحكم٥/١٤٩.
[ ١ / ٢٦٦ ]
فَمَا رَاعَهُمْ إلاَّ أخُوهُمْ كَأنَّه بِغَادَةَ فَتْخَاءُ العِظَامِ تَحُومُ١
على الياء بقوله: (وإنَّما حملناه على الياء؛ لأنَّا لم نجد في الكلام (غ ود) ٢.
وقضى ابن جِنّي٣ على لام (العَلاَيَةِ) وهو موضع- بأنَّها واوٌ، وليست ياءً، واستدلَّ بإهمال (ع ل ي) واستعمال (ع ل و) . وقضى - أيضًا٤ - على أنَّ (المَخِيمَ) موضع- (مَفْعِل) وليس (فَعِيلًا) لعدم (م خ م) . وحكم ابن الحاجب على الياء الأولى في (صِيصِيَةٍ) وهي شوكة الحائك؛ الَّتي يُسَوَّى بها السَّدَاةُ، أو شوكتا الدِّيك في رجليه- بأنَّها أصلٌ؛ لأنَّه لو حكم بزيادتها (لأدَّى إلى أن تكون من المهمل؛ إذ ليس في الكلام تركيب من صادين وياء) ٥.
ومن الممكن أن يحكم بأنَّ أصل (لَوْذَانَ) عَلَم- (ل وذ) لأنَّ (ل ذ ن) أصلٌ مهملٌ؛ فهم يقولون: لاَذَ به يَلُوذُ لَوْذًا ولِوَاذًا؛ إذا لجأ إليه٦.
وذهب ابن سيده إلى حدِّ الاستدلال بفقدان النَّظير في مقلوب
_________________
(١) ١ ينظر: شرح أشعار الهذليين٣/١١٦٤، واللسان (غيد) ٣/٣٢٨. ٢ المحكم ٦/٩. ٣ ينظر: المحكم ٢/٢٥٥. ٤ المحكم ٥/١٦٦. ٥ ينظر: الإيضاح في شرح المفصل٢/٣٧٨، وفيه صيصة وهو تحريف. ٦ ينظر: الهمع٢/٢١٦.
[ ١ / ٢٦٧ ]
الكلمة؛ فمن ذلك أنَّه قضى بأنَّ (التُّفَةَ) وهي عناق الأرض؛ وهو سَبُعٌ يقتات اللَّحم- من (ت ف و) وليس من (ت ف ي) بقوله: (وهو من الواو؛ لأنَّا وجدنا (ت وف) وهو قولهم: ما في أمرهم تَوِيفَةٌ، ولم نجد (ت ي ف) فإنَّ أبا عليٍّ يستدلُّ على المقلوب بالمقلوب) ١.
رابعًا- الإعْرَابُ بالحُروفِ:
من الممكن الاستئناس بالإعراب بالحروف في التَّمييز بين بعض الأصول المتداخلة؛ وإن قلَّ ذلك؛ كَفَكِّ التَّداخلِ بين (ص ف ن) و(ص ف ف) المتواردين على (صِفِّينَ) موضع- فقد ذكره الجوهريُّ٢ في الأصل الأوَّل، وتابعه الفيروزآباديُّ٣.
وحمَلَ صنيعُ الجوهريِّ ابنَ بَرِّيٍّ٤ على الاعتراض عليه بأنَّ حقَّ هذا اللَّفظ أن يذكر في (ص ف ف) واستدلَّ بقولهم: (صِفُّونَ) فيمن أعربه بالحروف؛ على أنَّ الكلمة عربيَّة.
وقد قيل لأبي وائل شقِيقِ بنِ سَلَمَةَ٥: "أشهدتَ صِفِّينَ" قال:
_________________
(١) ١ ينظر: اللسان (تفأ) ١٤/١٠٢. ٢ ينظر: الصحاح (صفن) ٦/٢١٥٢. ٣ ينظر: القاموس المحيط (صفن) ١٥٦٢. ٤ ينظر: اللسان (صفن) ١٣/٢٤٩. ٥ هو شقيق بن سلمة الأسدي الكوفيّ، وهو من أئمة الحديث، وتوفّي بعد سنة ٨٢هـ تقريبًا، ومن مصادر ترجمته: سير أعلام النُّبلاء٤/١٦١، وأسد الغابة٣/٣، وتهذيب التَّهذيب٤/٣٦١.
[ ١ / ٢٦٨ ]
"نعم، وبئستِ الصِّفُّونَ"١.
وردَّ ابنُ برِّيّ على الجوهريِّ - أيضًا - فصحَّحَ أصول (يَبْرِينَ) بأنَّها (ب ر ي) وليست (ب ر ن) كما فعل٢ فقال: "حقُّ يَبْرِينَ أن يذكر في فصل (برى) من باب المعتلِّ؛ لأنَّ يَبْرِينَ مثل: يِرْمِينَ والدَّليل على صحَّة ذلك قولهم: يَبْرُونَ في الرَّفعِ ويَبْرِينَ في النَّصبِ والجَرِّ؛ وهذا قاطع بزيادة النُّون"٣.
وما ذكره ابنُ برِّيّ صحيح؛ إن كانت الكلمة عربيَّة؛ وليس بعيدًا أن تكون أعجميَّةً، ثمَّ تحمل على ما شابهها من كلام العرب. وقد كان ابن جنّي دقيقًا في كلامه عن أسماء مواضع كأنَّها جُمعت جمعَ سلامةٍ، وأُعرِبتْ إعرابَهُ؛ وهي قولهم: (قِنَّسْرُونَ) و(فِلَسْطُونَ) و(يَبْرُونَ) و(نَصِيبُونَ) و(صَرِيفُونَ) و(عَانِدُونَ) و(السَّيلَحُونَ) إذا قال: "ووجه الجمع في هذه الأشياء أنَّهم جعلوا كلَّ ناحيةٍ من: فِلَسْطِينَ وقِنَّسرِينَ كأنَّه فِلَسْطٌ، وقِنَّسْرٌ، وكأنَّ واحدَ يَبْرِيتنَ يَبْرٌ، وواحدَ نَصِيبِينَ نَصِيبٌ، وواحدَ صَرِيفِينَ وعَاندِينَ: صَرِيفٌ وعَانِدٌ، وكذلك السَّيْلَحُونَ كأنَّ واحدها سَيْلَحٌ، وإن لم ينطق به مفردًا"٤.
ألا ترى أنَّه وقف بين المنزلتين، أصالة ما ذَكَرَ وعُجمته بقوله
_________________
(١) ١ أخرجه ابن سعد في طبقاته٦/٩٦، وينظر: سير أعلام النُّبلاء٤/١٦١. ٢ ينظر: الصحاح (برن) ٥/٢٠٧٨. ٣ ينظر: اللسان (برن) ١٣/٥٠. ٤ ينظر: سر الصناعة ٢/٦٢٦، ٦٢٧.
[ ١ / ٢٦٩ ]
(وكأنَّه) فإن صحَّتِ الأصالةُ فالنُّوناتُ زوائدُ؛ وإن صحَّتِ العجمة فَهُنَّ أصول. واستدلَّ ابن جنّي١ على أصالة النُّون في (المَاطِرُونَ) وهو اسم موضعٍ بالشَّام- بإعراب الكلمة على النُّون.
خامسًا- الإدْغَامُ:
يُعَدُّ تركُ الإدغامِ من العلاماتِ الَّتي تُعرفُ بها زيادةُ الملحَقِ؛ كالباء الثَّانية في (جَلْبَبَ) والدَّال الثَّانية في (قَرْدَدَ) فدلَّ ذلك على أنّه ثلاثيٌّ؛ وليس رباعيًّا؛ وهذا باب واسعٌ. ويستدلُّ - أيضًا - بترك الإدغام في بعض ما خفيت أصوله من كلماتٍ؛ كاستدلالهم على أنَّ الياءَ والهمزةَ أصلٌ في كلمة (يَأجَجٍ) اسم مكان- فأصله (ي أج) وليس (ي ج ج) أو (أج ج) ولولا ذلك لأدغموا، كما يُدْغمون في (مَفْعَل) و(يَفْعلُ) من رَدَدْتُ، فإنَّما الياءُ ههنا كميم (مَهْدَدٍ) لأنَّها أصلٌ، وهو من (م هـ د) كما قال سيبويه٢ وابنُ السَّرَّاج٣. وكذلك ميم (مأجَج) وهمزته أصليَّتان، والزَّائد إحدى الجيمين؛ بدليل ترك الإدغام٤.
_________________
(١) ١ ينظر: سر الصناعة ٢/٢٥، ٦٢٦. ٢ ينظر: الكتاب ٤/٣١٣. ٣ ينظر: الأصول ٣/٢٣٥. ٤ ينظر: الأصول ٣/٢٣٧.
[ ١ / ٢٧٠ ]
على أنَّ الرَّضيَّ١ يرى أنَّ: (يَأْجَج) (يَفْعَل) لأنَّ (أج ج) مستعمل في كلامهم، وفكُّ الإدغام عنده شاذٌّ. ويدلُّ على أصالة الهمزة في (إِيْوَانَ) غير العجمة- أنَّها "لو كانت زائدةً لوجب إدغام الياء في الواو، وقلبها إلى الياء؛ كما قلبت في أيَّامٍ؛ فلمَّا ظهرت الياء، ولم تدغم دلَّ أنَّ الياء عينٌ، وأنَّ الفاء همزة، وقلبت ياءً لكسرة الفاء وكراهة التَّضعيف؛ كما قلبت في دِيوَانٍ وقِيراطٍ، وكما أنَّ الدَّالَ والقافَ فاءان والياءَين عينان، كذلك الَّتي في إيوَانَ"٢.
ويُقضى بفكِّ الإدغام في قولهم: ناقةٌ (عُوطَطٌ) إذا لم تحمل السَّنةَ المقبلة، بأنَّه من (ع ي ط) ٣ وليس من (ع ط ط) وقد قلبت ياؤه واوًا لانضمام ما قبلها. ووزنُ عُوطَطٍ (فُعْلَل) ٤.
ونحوه (كُولَلٌ) من كِلْتُ٥؛ فهو (فُعْلَل) من (ك ي ل) وليس (فُوعَل) من (ك ل ل) .
على أنَّه يلزم ألاَّ يؤخذَ هذا لمقياس على إطلاقه؛ فثَمَّ ما فُكَّ إدغامه
_________________
(١) ١ ينظر: شرح الشّافية ٢/٣٨٧. ٢ الحلبيّات ٣٦٦. ٣ ينظر: المنصف ٢/١٢. ٤ ينظر: الكتاب ٤/٣٧٦. ٥ ينظر: الكتاب ٤/٣٧٥.
[ ١ / ٢٧١ ]
لغير الإلحاق؛ كـ (مَحْبَبٍ) وهو اسم عَلَمٍ جاء على الأصل١ لمكان العلميَّة الَّتي ربَّما خرجت (بالكلمة عن الموازين الأكثرِ مناسبةً لها) ٢ كما جاء (مَكْوَزَةٌ) و(مَزْيَدَةٌ) مصحَّحين. وإنَّما حملهم على أن يجعلوا الميم في (مَحْبَبٍ) زائدةً، وأنَّ وزنه (مَفْعَل) دون (فَعْلَل) أنَّهم وجدوا ما تركَّب من (ح ب ب) ولم يجدوا (م ح ب) ولولا ذلك لكان حملهم مَحْبَبًا على (فَعْلَل) أولى؛ لأنَّ فكَّ الإدغام في (فَعْلَل) هو القياس.
وحمل ابن سِيدَه٣ (مَنْدَدًا) بلدًا- على (مَحْبَبٍ) ولم يجعله من باب (مَهْدَدٍ) لعدم (م ن د) .
سادسًا- الموازَنَاتُ السَّاميَّةُ:
إنَّ التَّفريق بين الأصول المتداخلة بمقياس الموازنات السَّاميَّة مقياس مثمر؛ يعوِّل الباحثون المُحْدَثونَ عليه كثيرًا. ومن الرَّاجح أنَّه ما من "كُتلَةٍ من الأمم ترتبط لغاتها بعضها ببعضٍ؛ كالارتباط الَّذي كان بين اللُّغات السَّاميَّةِ"٤ ومن أهمِّها: العربيَّة، والسُّريانيَّةُ، والعبريَّةُ، والآراميَّةُ، والفِينيقِيَّةُ، والحَبَشِيَّةُ.
ومن أقدم من فطن إلى القرابة بين هذه اللُّغات ابنُ حزم القرطُبِيُّ إذ
_________________
(١) ١ ينظر: شرح الكافية للرّضيّ ٢/١٣٩. ٢ أثر التّسمية في بنية الكلمة العربيّة٣٩. ٣ ينظر: اللسان (ندد) ٣/٤٢١. ٤ تاريخ اللغات السّاميّة ٣، وينظر: السَّاميُّون ولغاتهم٢٠، ٢١.
[ ١ / ٢٧٢ ]
ذكر أنَّه ثبت له أنَّ العربيَّة والسُّريانيَّةَ والعبريَّةَ لغة واحدةٌ في الأصل١. فلا جرم أن يستفاد من المنهج المقارن في الكشف عن الجذور الخفيَّة، أو المتداخلة في بعض الكلمات العربيَّة. ولعلَّ ممَّا يعرف به أصل (هَرَاقَ) المنهج المقَارَن بين السَّاميَّات؛ فالّذي يظهر –لأوَّل وهلةٍ- أنَّ الفعل من (هـ ر ق) ألا ترى أنَّ ابن منظورٍ ذكره في هذا الأصل٢. ومن ذهب إلى أنَّ الهاء ليست أصليَّةً، بل هي الهاء الموجودة في (هَفْعَل) فمذهبه قريب؛ ألا ترى أنَّ "هذا الوزن قياس في العبريَّة، والعربيَّة الجَنُوبيَّةِ في مقابل وزن (أفْعَل) في العربيَّةِ الشَّماليَّةِ؟ ولعلَّ مقارنة كلمة أرَاقَ وكلمة هَرَاقَ بنفس المعنى توضِّحُ لنا أنَّ الأُولى بوزن (أفْعَل) والثَّانية بوزن (هَفْعَل) وكلا الوزنين للتَّعدية في اللُّغات السَّاميَّة؟ "٣
ويصدق ما ذُكر في كلمة (هَرَاقَ) على كلمات أُخَر في العربيَّة، نحو: هِجْرَعٍ، وهِبْلَعٍ "وقد يكشف بحث الكلمات المبدوءة بالهاء في العربيَّة عن أمثلة كثيرةٍ من هذا النَّوع، الهاء فيها زائدة لا أصليَّة"٤.
ومن ذلك أنَّه يمكن أن يستأنس بهذا المقياس للوصول إلى أنَّ أصل (نَاسٍ) و(أُنَاسٍ): (أن س) بأصالة الهمزة؛ لوجودها "في بعض
_________________
(١) ١ ينظر: الإحكام في أصول الأحكام ١/٣٠. ٢ ينظر: اللسان (هرق) ١٠/٣٦٥. ٣ علم اللغة العربيَة ٢٠٩. ٤ علم اللغة العربية ٢٠٩.
[ ١ / ٢٧٣ ]
اللُّغات السَّاميَّة كالعبريَّةِ، فهي فيها (صورة٨)؟n؟؟؟m (أنا شيم) وهو فيها جمعٌ مفرده (صورة ٩) (إيش) بمعنى: رجلٍ، والياء فيه بدل من النُّون؛ بدليل وجودها في الجمع. كما أنَّ هناك مفردًا نادر الاستعمال في العبريَّة، يحتوي على هذه النون كذلك؛ وهو (صورة١٠) (إنوش) ويقابل في العربيَّة كلمة: إنسٍ"١
وبهذا المقياس يمكن الوصول إلى أصل كلمة (الملائِكَةِ) الَّتي يتوارد عليها ثلاثة أصول؛ وهي: (ل أك) و(م ل ك) و(أل ك) .
فممَّا يرجِّحُ (ل أك) وجود نظيره في بعض اللّغات، وورودُ فعله الثُّلاثيِّ (ل أك) في اللُّغة الحبشيَّة بمعنى: أرسلَ رسالةً أو رسولًا٢.
ويشير معجم (جزينيوس) (GESENIUS) لكلمات العهد القديم للعبريَّة، ومعجم (جاسترو) (JESTROW) لكلمات التَّلْمود أنَّ (صورة١١) العبريَّة الَّتي معناها رسول مادَّتها (ل أك) لا غير. وصورة هذه الكلمة - بما يقرب من معناها العربيِّ في السُّريانيَّة والعبريَّة والحبشيَّةِ (مَلأَك) بينما لا نظير لمادَّةِ (ألك) في تلك اللغات٣.
ويساعد المنهج المقارن على الوصول إلى أصل كلمة (مَدِينَةٍ) في العربيَّة الَّتي يتوارد عليها أصلان؛ هما: (م د ن) و(د ي ن) فتُرَجِّحُ المقارنة الأصل الثَّاني (د ي ن) فـ (دِين) في العبريَّة بمعنى قانون، وفي الآراميّة
_________________
(١) ١ بحوث مقالات في اللغة ٨٢. ٢ ينظر: ملك، ملاك، ملائك، ملائكة ١١. ٣ ينظر: ملك، ملاك، ملائك، ملائكة ١١.
[ ١ / ٢٧٤ ]
(دينا) بالمعنى نفسه، وتعني عبارة (بَيت دِين) في العبرية المَحكمة، وقد ظهرت كلمة (مَدِينةٍ) في الآرامية في منطقة الشَّام قبل الإسلام بمعنى المنطقة الإدارية أو الدَّائرة القضائيَّةِ؛ بارتباط معناها القضائيِّ الّذي لم نزل نجده في كلمات عربيَّة مثل (دائنٍ) و(مَدِينٍ) و(أدانَ) و(إدَانَةً) .
ولعلَّنا لا نعدم هذا الملمح في إطلاق الرَّسول - ﷺ - على (يَثْرِبَ) اسم (المَدِينَةِ) مقرِّ الدَّولة الإسلامية النَّاشئة، ومكان حكمها وقضائها١.
_________________
(١) ١ ينظر: علم اللغة العربي ٢٠٩، واللغة العربية عبر القرون ٢٨.
[ ١ / ٢٧٥ ]
الباب الثاني: التداخل في البناء الواحد (الثلاثي، الرباعي، الخماسي)
الفصل الأول: التداخل في الثلاثي
المبحث الأول: التداخل بين المعتل والمعتل
المبحث الأوَّل: التّداخل بين المعتلّ والمعتلّ
تمهيد- المعتلّ:
لأَصْواتِ العلّة الثلاثة وضع متميز أوخاص في بناء الكلمة العربيّة؛ وتعدّ من أعتى المصاعب الّتي تواجه صُنّاع المعاجم العربيّة. وهذه الأصوات هي الواو والياء والألف؛ وتُسمّى: الحروف الهوائيّة١، أو حروف المدّ واللّين٢، أو المصوّتات٣، أو الحروف الضّعيفة٤.
على أنّ مصطلح حروف العلّة هو الأكثر شيوعًا عند علماء اللّغة٥؛ من القُدامى والمتأخّرين.
ويُقسّم اللّغويّون الكلمة إلى صحيح ومعتّل؛ وهذا التقسيم له أهميّةٌ كبيرةٌ في الدّرس اللّغوي الصّرفيّ؛ إذ على أساسه يُفهم ما يترتّب عليه من مّسائل؛ كالإعْلال والإبْدال.
والمُعتلّ من الأفعال ما في حروفه الأصول أحد حروف العلّة الثّلاثة (الواو والياء والألف) فإن كان فيه حرفان فهو اللّفيف؛ مَفْروقًا أو
_________________
(١) ١ ينظر: العين ١/٥٨، والتهذيب ١/٤٨. ٢ ينظر: سرّ الصّناعة ١/١٧. ٣ ينظر: مفاتيح الغيب ١/٢٩،٣٠، وفي الأصوات اللغوية ١٦،١٧. ٤ ينظر: اللّسان ١٤/٣. ٥ ينظر: الكتاب ٤/٣٥٨،٣٥٩.
[ ١ / ٢٨١ ]
مَقْرونًا؛ وهو نوعٌ من المعتلّ١.
ومصطلح الاعْتِلال أكثر التصاقًا بالفعل عند الصّرفيين، والاسم محمول عليه؛ فإن كان الفعل فرعًا عن الاسم في الاشتقاق فإنّه أصلٌ في الإعلال؛ والاسم محمولٌ عليه؛ لأنّ الفعل أولى بالتّخفيف من الاسم؛ لما يعتريه من زوائد وضمائر، ثمّ يتبعه المصدر الذي هو أصلٌ في الاشتقاق؛ كـ (العِدَةِ) و(الإقَامَةِ) و(الاسْتِقَامَةِ) وسائر الأسماء المُتّصلة بالفعل؛ كأسماء الفاعل والمفعول والمَوْضِعِ٢.
ومن ثمّ فإنّ وصف الاعتلال عند اللّغويّين - ولا سيّما المعجميّين - يُطلق على الكلمة - فِعْلًا كانت أو اسمًا - الّتي يكون أحد أصولها حرفَ علّة؛ سواء أكان واوًا أم ياءً أم ألفًا؛ فإن كان موضع حرف العلّة فاء الكلمة؛ نحو (وَعَدَ) فهي من باب (المِثَالِ) وإن كان في موضع العين؛ نحو (قَالَ) فهي من باب (الأَجْوَفِ) وإن كان في موضع الّلام؛ نحو (رَعَى) فهي من باب (النَّاقِصِ) وإن كان فيها حرفان من حروف العلّة فهي من باب اللّفيف؛ فإن تتابعا في الفاء والعين؛ نحو (يَوْمٍ)، أو في العين والّلام؛ نحو (هَوَى) فهي من اللّفيف المقرون، وإن فُصل بينهما بالعين؛ نحو (وَقَى) فهي من اللّفيف المفروق.
والإعلال هو تغيير حرف العلّة بالقلب أو بالنّقل أو بالحذف؛ فهو
_________________
(١) ١ ينظر: بغية الآمال ٨١، وشرح مختصر التّصريف الغزّيّ ١٠٥. ٢ ينظر: شرج الشّافية للرضى ٣/٨٨.
[ ١ / ٢٨٢ ]
ثلاثة أنواع عند الصرفيين١،وهي:
الإعلال بالقلب؛ وهو قلب حرف العلّة إلى حرف علة آخر للتّخفيف، أو مطلق حرف، نحو (قَالَ) و(بَاعَ) و(مُوقِنٍ) . الإعلال بالتَّسْكين؛ وهو تَسْكين حرف العلّة للتّخفيف؛ بنقل حركته إلى ما قبلها؛ كما في (يَقُول) و(يَسْتعين) أو بحذفها؛ كما في (يَدْعُو) و(يَرْمي) . الإعلال بالحذف؛ وهو حذف حرف العلّة للتّخفيف؛ كما في (يَقِفُ) و(تَعِدُ) و(عِدَة) .
ومعلوم أنّ المعتلّ يمثّل صعوبةً حقيقيّة للمُعْجميّين في بناء المعاجم؛ ولا سيّما معاجم القافية؛ بَدْءًا بالجوهريّ في (الصحاح) وانتهاءً بالزَّبيديّ في (التّاج) فثمّة كلمات من المعتلّ - قد يصعب حصرها -توقّف بعض الّلغويّين أمام أصولها حائرين؛ فقد روى ابن دريد عن أبي حاتم السّجستانيّ أنه قال في (تَضْحَى) من قوله -﷿- ﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ ٢: "لا أدري من الواو هو أو من الياء"٣. ومثل ذلك كثير. ولمَّا بلغ الجوهريُّ عقبة المعتلِّ في تأليفه (الصِّحاح) تخلَّص منها
_________________
(١) ١ ينظر: شرح الشافية للرضي ٣/٦٦،٦٧، ومنجد الطّالبين ٢٣،٢٤، والقواعد والتطبيقات ١٢. ٢ سورة طه: الآية ١١٩. ٣ الجمهرة ٢/١٠٥٠.
[ ١ / ٢٨٣ ]
بطريقة تدلُّ على ذكاء وفطنة؛ حتَّى صار صنيعه منهجًا يُحتذَى لدى كثير من المعجميِّين؛ وعلى رأسهم الصَّغانيُّ وابن منظور والفيروز آباديُّ؛ فقد دمج بين بابي الواو والياء، وجعلهما بابًا واحدًا.
ولم يسلم الجوهريُّ من نقدٍ فيما صنع؛ فقد قال ابن منظور: "ولقد سمعتُ بعض من يتنقَّصُ الجوهريَّ - ﵀ - يقول: إنَّه لم يجعل ذلك بابًا واحدًا؛ إلاَّ لجهله بانقلاب الألف عن الواو، أو عن الياء، ولقلة علمه بالتَّصريف؛ ولستُ أرى الأمر كذلك"١.
ومهما يكن من أمرٍ فإنَّ صنيع الجوهريِّ يعدُّ مخالفة معجميَّةً واضحة لنظام الباب في مدرسة القافية، وهي مخالفة لا يكاد يتوقف عندها أحد؛ لأنَّنا درجنا عليها. ومن أهمِّ نتائج هذه المخالفة: استمرار تداخل الأصول في المعتلِّ النَّاقص؛ بل ربَّما أسهم بذلك في تداخل بعض الأصول؛ ولا سيَّما في الأصلين المتشابهين في الفاء والعين، فإنَّه غلَّب أحد المعتلَّينِ الواوَ أو الياءَ؛ وذلك مثل (حَجِيَ) و(حَجَوَ) اللَّذين ذكرهما في أصل واحدٍ؛ وهو (ح ج و) ٢. وفرَّق بينهما ابن سيدةَ؛ فذكر كلًاّ منهما في أصله ٣ على الصَّواب.
_________________
(١) ١ اللِّسان ١٤/٣. ٢ ينظر: الصِّحاح ٦/٢٣٠٨. ٣ ينظر: المحكم (حجى) ٣/٣١٧، و(حجو) ٣/٣٥٣.
[ ١ / ٢٨٤ ]
وهذا من أهمِّ النَّتائج السَّيِّئة - في هذا الباب - لصنيع الجوهريِّ ومن تابعه، وسيأتي بحث هذه المسألة بالتَّفصيل في الباب الرَّابع - إن شاء الله -.
وقد أدرك العلماء مشكلة التَّداخل بين المعتلاَّت بعمومها منذ وقتٍ مبكِّرٍ؛ ولاسيَّما فيما وقع فيه تعاقب (قلبٌ) لعلَّةٍ صرفيَّةٍ، أو لغير علَّةٍ. ومن هؤلاء ابن السِّكِّيت في كتابه (إصلاح المنطق) إذ أفرد بابين للمعتلِّ:
أوَّلهما: "باب ما يقال بالياء والواو من ذوات الثَّلاثة"١.
وثانيهما: "باب ما يُغلط فيه، يتكلَّم فيه بالياء وإنَّما هو بالواو"٢.
ومنهم ابن قتيبة في كتابه (أدب الكاتب) في باب واحد، وهو: "باب ما يقال بالياء والواو"٣.
ومنهم الزَّجَّاجيُّ في كتابه (الإبدال والمعاقبة والنَّظائر) إذ أفرد بابًا لتعاقب الواو والياء٤.
وقد أدرك ابن جِنِّي المشكلةَ، وأراد أن يسهم في حلِّها؛ فوعد بتأليف كتاب مستقلٍّ يذكر فيه جميع المعتلاَّت في كلام العرب، ويميِّز فيه ذوات الواو من ذوات الياء، ويعطي كلًاّ منهما حظَّه من القول
_________________
(١) ١ ينظر: إصلاح المنطق ١٣٥. ٢ ينظر: إصلاح المنطق ١٨٥. ٣ ينظر: أدب الكاتب ٥٦٨. ٤ ينظر: الإبدال والمعاقبة والنَّظائر ٢٠.
[ ١ / ٢٨٥ ]
مستقصًى١. ولا أدري هل أنجز وعده أو حيل بينه وبين إنجازه؟
ويعدُّ ابن سيده من أعظم من فكَّ تداخل الأصول بالتَّفريق بين الواويّ واليائيّ في المعتلاَّت؛ وبذل جَهدًا يشكر عليه في سبيل ذلك؛ إذ جعل لكلٍّ منهما بابًا مستقلًاّ في معجمه الكبير (المحكم والمحيط الأعظم) .
وحاول بعض المعجميِّين بعد ابن سيده أن يستفيدوا من جهده، وعلى رأس هؤلاء: الفيروزآباديُّ في (القاموس المحيط) وكان يفخر بمحاولته تخليص الواويِّ من اليائيِّ بقوله: "ومن أحسن ما اختصَّ به هذا الكتاب تخليص الواو من الياء؛ وذلك قسم يَسِمُ المصنِّفين بالعيِّ والإعياء"٢.
بيد أنَّ عمل الفيروزآباديِّ اقتصر على تمييز الأصلين؛ وهما في مكانهما في بابٍ واحدٍ، واكتفى بوضع حرف (و) أمام الواويِّ، وحرف (ي) أمام اليائيِّ، ووضع الحرفين أمام ما جاء بالواو والياء، ولو جعل كلًاّ منهما في باب مستقل لكان أحسن، وأدقَّ في الصَّنعة المعجميَّة.
ولم يكن صنيع ابن سيده في التَّفريق منقبة في نظر أحد المعجميِّين الكبار؛ وهو ابن منظور؛ الّذي اختار منهج الجوهريِّ، ودافع عنه، وفي المقابل أبدى نقدًا لمنهج ابن سيده بقوله: "وأمَّا ابن سيده وغيره فإنَّهم جعلوا المعتلَّ عن الواو بابًا، والمعتلَّ عن الياء بابًا؛ فاحتاجوا فيما هو معتلٌّ عن الواو والياء إلى أن ذكروه في البابين؛ فأطالوا وكرَّروا، وتقسَّم الشَّرح
_________________
(١) ١ ينظر: سر الصِّناعة ٢/٦٠٦. ٢ القاموس ٣٤.
[ ١ / ٢٨٦ ]
في الموضعين"١.
والحقُّ أنَّه لا موجب لذكر الكلمة في البابين، أمَّا من فعل ذلك فكرَّر وأطال وقسَّم الشَّرحَ -كما قال ابن منظور- فقد أفسد ما أصلح، وخالف المنهج المعجميَّ، وأقلُّ ما يعترض به عليه أنَّ المعجميِّين فرَّقوا في الأجوف بين الأصلين الواويِّ واليائيِّ على الرَّغم من تشابه النَّاقص والأجوف فيما ذكر، فالمنهج المعجميِّ يقوم على وضع الكلمة في موضع واحد فحسب؛ تبعًا لأصلها، ولا تذكر الكلمة في بابين إلاَّ من قبيل الإحالة؛ فيؤمن بذلك تداخل الأصول، ويمنع التَّكرار.
ولا أزعم أنَّ تطبيق ذلك أمرٌ ميسورٌ؛ فالتَّداخل بين الواويِّ واليائيِّ شديد؛ بحيث خفي كثير ممَّا جاء في الأصلين على علماء كبار؛ كابن سيده والفيروزآبادي، وبحيث إنَّ الزَّبيديَّ الّذي حاول الاستفادة من جهود من سبقه في ذلك لم يستطع تخليص مائتي جَذْرٍ٢ فاضطرَّ إلى جعلها مشتركةً بين الواو والياء.
ويكثر التَّداخل في النَّاقص مع النَّاقص، ثمَّ الأجوف مع الأجوف، ويقلُّ في المثال مع المثال؛ لقلّة تأثُّر المثال بعوامل الإعلال والإبدال؛ وذلك راجع لطبيعة فاء الكلمة في التّصريف العربيِّ.
وقد أدرك سيبويه ذلك، وفسّره بقوله عن الواو والياء: "اعلم أنَّهنَّ لاماتٍ أشدُّ اعتلالًا وأضعف؛ لأنّهنَّ حروف إعرابٍ، وعليهنَّ يقع
_________________
(١) ١ اللِّسان ١٤/٣. ٢ ينظر: دراسة إحصائيّة لجذور معجم تاج العروس ٦٩.
[ ١ / ٢٨٧ ]
التّنوين والإضافة إلى نفسك بالياء والتّثنية وكلَّما بَعُدتا من آخر الحرف كان أقوى لهما؛ فهما عيناتٍ أقوى، وهما فاءات أقوى منهما عيناتٍ ولاماتٍ، وذلك نحو: غَزَوْتُ ورَمَيْتُ"١. وهذا يعني أنَّ الكلمة يتدرَّج ثقلها بتدرُّج حروفها.
وإذا زيد على ذلك قلّة المثال المبدوء بالياء في العربيَّة عُلِمَ أنَّ التّداخل فيه يقلُّ، ويقترب من حدِّ النُّدرة. ويجدر بنا - هنا - أن نعرض لبعض الوسائل الّتي تُميَّز بها المعتلاّت، في الأجوف والناقص.
أولًا: الأجوف:
يعرف الحرف المعتل في الأجوف بأمور؛ منها:
١- بناء ما يصحُّ فيه المعتلُّ؛ فيظهر؛ نحو (فَعْلَة) أو هو (أفْعَلُ) من كذا. وفي ذلك قال ابن جنِّي: "واعتبار الماضي المعتلّ العينِ إذا أردتَ معرفة عينه؛ هل هي واو أو ياء أن تبني منه (فَعْلَة) أو هو (أفْعَلُ) من كذا؛ فإنَّ هذا موضع يصحُّ فيه الحرفان، ويظهران على أصولهما؛ وذلك نحو: صَاغَ صَوْغَةً وهو أصوغُ منكَ، وخَاطَ خَيْطَةً وهو أخيطُ منك"٢.
وهذه قاعدة لا تنخرم إلاَّ فيما شذَّ؛ كقولهم: هو أحيل منه؛ مع قولهم: هما يتحاولان، ونحو ذلك.
٢- الاستدلال على عين الكلمة بالمضارع؛ نحو: بَاعَ يَبِيعُ، وقَادَ يَقُودُ، إلاَّ أنّ ذلك لا يطَّردُ اطِّراد الأوَّل٣.
_________________
(١) ١ الكتاب ٤/٣٨١. ٢ المقتضب في اسم المفعول ٢٤. ٣ ينظر: المقتضب في اسم المفعول ٢٥.
[ ١ / ٢٨٨ ]
٣- يُحمل ما جُهِل اشتقاقه على الواو دون الياء؛ لأنَّ الواو أغلب على العين من الياء في عموم تصريف اللُّغة، إلاَّ أن تقوم دلالة على أنَّها من الياء١.
ثانيًا: الناقص:
يعرف الحرف المعتل في الناقص بأمور؛ منها:
١- المضارع؛ كـ (يَدْعُو) و(يَرْمِي) .
٢- الماضي المردود إلى المتكلِّم، أو المخاطب، أو الغائبين، أو الغائبات؛ كقولك: دَعَوتُ أَدْعُو ودَعَوتَ ودَعَواَ ودَعُوتُمَا ودَعَوْنَ، ورَمَيتُ أَرْمِي، ورَمَيتَ ورَمَيَا ورَمَيتُمَا ورَمَينَ.
٣- المصدر؛ كـ (الدَّعْوَةِ) و(الرَّمْيَةِ) .
٤- اسم المرَّة؛ كـ (الدَّعْوَةِ) الواحدة.
٥- اسم الهيئة؛ كـ (المِشْيَةِ) .
٦- التَّثنية؛ كقولك: عَصَا وعَصَوَانِ ورَحَى ورَحَيَانِ.
٧-جمع المؤنَّث السَّالم؛ كقولك: عَصَا وعَصَوَاتٌ وفَتَى وفَتَيَات٢.
٨- إن كانت الفاء واوًا فاللاَّم ياءٌ؛ كقولك في الفعل: وَشَيتُ، وفي الاسم: الوَجَى؛ لأنَّه ليس في كلام العرب كلمة فاؤها واوٌ ولامها واوٌ إلاَّ كلمة (واو) ٣.
_________________
(١) ١ ينظر: المنصف ١/٣٣٢، والخصائص ١/٢٥٣. ٢ ينظر: نظم الفرائد ١٦١، والأشباه والنَّظائر ٢/٣٢٨. ٣ ينظر: المزهر ٢/٧٩.
[ ١ / ٢٨٩ ]
١٠- إذا جُهل الاشتقاق تحمل الألف المنقلبة عن معتلٍّ على الياء؛ لأنَّ الياء تغلب على لام الكلمة١.
بِعَشْرٍ يَبِينُ القَلْبُ في الألفِ الّتِي عن الواوِ تَبْدُو في الأخيرِ أو اليَاءِ
بِمُستَقبَلِ الفعلِ الثُّلاثِي وأمْسِهِ ومَصْدرهِ والفِعْلَتَينِ٣ وبالْفَاءِ
وعينٍ له إن كانتِ الواوُ فيهمَا وتثنيةٍ والجمعِ خُصَّا للاسْمَاءِ
وعَاشِرها سَبْرُ الإِمَالةِ في الَّذي يَشِذُّ عن الأذهَانِ عُنْصُرُه النَّائي٤
وقد نظم المهَلَّبِيُّ٢ بعض ذلك بقوله:
وتجدر الإشارة أن نشير إلى أنَّ أحرف العلَّة ينقلب بعضها إلى بعضٍ؛ وَفقَ ما يطرأ على بنية الكلمة، من تصريفٍ لعُرُوض تغييرٍ في موضع المعتلِّ، أو لمجاورته لحركةٍ لا تلائم طبيعته، ونحو ذلك في قواعد معروفة عند الصَّرفيين، ومواضعَ كثيرةٍ ليس من أهداف البحث الوقوف عليها٥
_________________
(١) ١ ينظر: المقتضب في اسم المفعول ٢٥، والمحكم ٤/٢٦٤. ٢ هو: مهذّب الدِّين أبو المحاسن مهلب بن الحسن بن بركات المهلِّبيّ المصريّ النّحويّ اللّغويّ الأديب، عاش بين سنتي (٥٤١هـ) و(٥٨٣هـ) . ومن مصادر ترجمته: إنباه الرواه٣/٣٣٣،٣٣٤، وإشارة التعيين٣٥٦، وبغية الوعاة٢/٢٠٤. ٣ المراد بـ الفعلتين هنا اسم المرَّة واسم الهيئة؛ لمجيء أحدهما على (فَعْلَة) والآخر (فِعْلَة) . ٤ ينظر: نظم الفرائد١٦١. ٥ ينظر: شرح الشافية للرضي٣/٦٦وما بعدها، ومنجد الطَّالبين٨٢ وما بعدها، والقواعد والتَّطبيقات٦١وما بعدها.
[ ١ / ٢٩٠ ]
أ- التَّدَاخُلُ في المثال:
القسمة الجامعة لتداخل المثال هي على الصُّور التّالية:
١- بين المثال والمثال.
٢- بين المثال والأجوف.
٣- بين المثال والنَّاقص.
٤- بين المثال واللَّفيف.
وفيما يلي تفصيل ذلك:
أوَّلًا: التَّداخلُ بين المثال والمثال:
تقدَّم أنَّ التَّداخل بين المثال والمثال أقلُّ أنواع التَّداخل في المعتلاَّت، ولذلك أسبابه١.
ويؤكِّد بعضَ ما سبق ذكره إحصاءُ ما في (لسان العرب) من المثال، وبيانُ نسبة الياء إلى الواو فيه؛ فقد توصَّل البحثُ إلى أنَّ هذا المعجم يحتوي على ثمانية وعشرين وأربعمائة جَذرٍ؛ بلغ الواويُّ منها خمسةً وخمسين وثلاثمائة جَذْرٍ؛ أمَّا اليائيُّ فلم يزد عن ثلاثة وسبعين جَذرًا؛ وهو ما نسبته (٠٦ر١٧ %) بينما بلغت نسبة الواويِّ (٩٤ر٨٢ %) . ويَتَبيَّن من الإحصاء –أيضًا- خلوُّ بعض الأبواب من اليائيِّ، وهي أبواب: الدَّالِ والذَّالِ والزَّايِ والشَّينِ والغينِ. ولم يأت في بعض الأبواب إلاَّ جَذرٌ يائيٌّ واحدٌ؛ وهي أبواب: الصَّادِ والضَّادِ والطَّاءِ والظَّاءِ والفاءِ والكافِ واللاَّمِ.
_________________
(١) ١ ينظر: ص (٢٨٧) من هذا البحث.
[ ١ / ٢٩١ ]
ولعلَّ من أهمِّ ما يستنتج من هذه الإحصائية تقلُّصُ الفُرَصِ لتداخل المثال مع المثال.
ونأتي - فيما يلي - على طائفة من أمثلة التَّداخل بين المثال والمثال:
فمنها تداخل الأصلين (ي ت ن) و(وت ن) في (اليَتْنِ) وهو الوِلادُ المنكوس؛ وذلك أن تَخْرجَ رِجْلا المولود قبل يديه ورأسه؛ وهو يحتمل الأصلين:
فذهب الجوهريُّ١ والفيروزآبادي٢ إلى انَّه من (ي ت ن) .
وجعله ابن منظور٣ من الأصلين، وتابعه الزَّبيدي٤ فذكره في الموضعين.
وجعل ابن خالوَيه (يَتَن) و(وَتَنَ) لغتين٥ ولعلَّه رجّح ذلك لقولهم: أوتَنَتِ المرأةُ، وأيتَنَتْ.
ويجوز أن يكون ذلك إبدالًا؛ لأنَّ الواو والياء من حروف الإبدال، والتعاقب بينهما كثيرٌ؛ فيكون أحدهما أصلًا والآخر فرعًا ولعلَّ اليائيَّ هو الأصل، فقد قال ابن السِّكِّيت - فيما يقال بالياء والهمزة: (ولدَتْهُ أمُّه
_________________
(١) ١ ينظر: الصحاح (يتن) ٦/٢٢١٩. ٢ ينظر: القاموس (يتن) ١٦٠١. ٣ ينظر: اللّسان (وتن) ١٣/٤٤٢، و(يتن) ١٣/٤٥٥. ٤ ينظر: التَّاج (وتن) ٩/٣٥٨، و(يتن) ٩/٣٦٩. ٥ ينظر: التَّاج (يتن) ٩/٣٧٠.
[ ١ / ٢٩٢ ]
يَتْنًا وأتْنًا) ١.
وزاد القاليُّ: (وَتْنًا) ٢: فلعلَّ الواويَّ مبدلٌ من المهموز، والتَّبادل بين الهمزة والواو شائع في أوَّل الكلمة، وإن قلَّ في المفتوح. ويقرِّب الأصلَ اليائيَّ إجماعهم على الأصل اليائيِّ في كلِّ ما ذكروه، واختلافهم على الأصل الواويّ أو المهموز.
ومن ذلك (الوَفْعُ) وهو المرتفع من الأرض؛ فهو يحتمل الأصلين (وف ع) و(ي ف ع) فقد ذكره ابن منظور في الأصلين؛ فقال في الواويّ٣: "الوَفْعُ المرتفع من الأرض، وجمعه أَوْفَاع".
وقال في اليائيِّ: "اليَفَاعُ: المشرف من الأرض والجبل، وقيل: هو قطعة منهما فيها غِلَظ وقيل: هو التَّلّ المشرف، وقيل: هو ما ارتفع من الأرض"٤.
والرّاجح أنّ الأصل في هذا (ي ف ع) لسببين:
أحدهما: أنّ تصرّفات الكلمة بمعناها مذكورة في (اللسان) في (ي ف ع) دون (وف ع) وهو اعتراف من ابن منظور بأنّ اليائيّ هو الأصل.
وثانيهما: أنّ الأئمة وضعوها في (ي ف ع) فحسب،
_________________
(١) ١ الإبدال ١٣٧. ٢ ينظر: الأمالي ٣/١٦٠. ٣ اللسان (وفع) ٨/٤٠٢. ٤ ينظر: اللسان (يفع) ٨/٤١٤.
[ ١ / ٢٩٣ ]
كالجوهري١ والصّغانيّ٢ والفيرزأبادي٣. ومن أمثلة التّداخل (الأيْدَح) وهو اللهو والباطل، تقول العرب: أخذتُه بأيدح، وأوْدَحَ الرّجلُ أقرّ بالباطل؛ وهو يحتمل الأصلين (ي د ح) و(ود ح) وقد ذكره ابن منظور٤ فيهما معًا.
ولم أقف على (ي د ح) في المعاجم التي رجعتُ إليها خلا (اللسان) . ومن ذلك (اليَسَعُ) وهو اسم نبيّ، ذكره ابن منظور في الأصلين؛ فقال في (ي س ع): "وأمّا اسم النّبيّ فاليَسَع"٥.
وقال في (وس ع): "واليَسَعُ اسم نبيّ؛ هذا إن كان عربيًّا وقد أُدخل عليه الألف واللاّم وقُرِئ ﴿وَالْيَسَعَ﴾ ٦ و﴿واللّيْسَع﴾ ٧
_________________
(١) ١ ينظر: الصحاح (يفع) ٣/١٣١٠. ٢ ينظر: التكلمة (يفع) ٤/٣٩٥. ٣ ينظر: القاموس (يفع) ١٠٠٤. ٤ ينظر: اللسان (ودح) ٢/٦٣١، ٦٣٢. ٥ اللسان (يسع) ٨/٤١٤. ٦ سورة الأنعام: الآية٨٦، وهي قراءة الجمهور. ٧ وهي: قراءة حمزة والكسائي، وحجّتهما في ذلك أنّ اللّيسع أشبه بالأسماء الأعجميّة، ودخول الألف واللاّم في (اليَسَع) قبيح؛ لأنّك لا تقول (اليزيد) ولا (اليحيى) وتشديد اللاّم أشبه بالأسماء الأعجميّة. ينظر: السبعة٢٦٢، والقراءات وعلل النحويين فيها١/١٨٩، وحجة القراءات٢٥٩.
[ ١ / ٢٩٤ ]
أيضًا- بلامين١.
وسبب التّداخل في ذلك أنّ (اليَسَع) على قراءة الجمهور يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون (يَفْعَل) . وثانيهما: أن يكون (فَعَلا) .
فقد رُويَ عن أبي عمرو أنَّ (اليَسَع) مثل (اليَسَرِ) فهما يَسَع ويَسَر؛ فأدخلت الألف واللاّم؛ فقيل: اليَسَع مثل (اليَرْمَعِ) وهو الحجارة، و(اليَحْمَدُ) قبيلة من العرب؛ وهو فعلٌ مضارع سُمِّيَ به؛ ولا ضمير فيه؛ فعُرِّف بالألف واللاّم ٢، وهي للمدح عند الفرّاء٣؛ فإن كان عربيًّا فهو (يَفْعَل) لأنّه في الأصل (يَوْسِع) بكسر السّين، كما أنّ أصل (يَعِدُ) (يَوْعِدُ) ثمّ حذفت الواو؛ لوقوعها بين الياء والكسرة، ثمّ فتحت السّين من أجل حرف الحلق، ولم تردّ الواو؛ لعروض الفتحة، وقريب منه يطأ ويَقَعُ ويَدَعُ٤، فيكون من (وس ع) . وإن كان أعجميًّا فلا اشتقاق له؛ ووزنه (فَعَل) على أصالة الياء٥.
أمّا (اللَّيْسَعُ) بلامين فوزنه (الفَيْعَل) من (ل س ع) كـ
_________________
(١) ١ اللسان (يسع) ٨/٣٩٣. ٢ ينظر: التبيان في إعراب القرآن ١/٥١٦. ٣ ينظر: معاني القرآن ١/٣٤٢. ٤ ينظر: التبيان ١/٥١٦. ٥ ينظر: حجة القراءات ٢٥٩.
[ ١ / ٢٩٥ ]
(الصَّيْرَف) ١.
وقد جزم أبو جعفر النّحّاس بأنّ (اليَسَع) اسم أعجميٌّ حين قال: "والحقّ في هذا أنّه اسم عجميّ، والعجميّة لا تؤخذ بالقياس؛ إنّما تؤدّى سماعًا"٢.
فعلى قول النّحّاس هو من (ي س ع) وقد أصاب ابن منظور في وضعه في هذا الأصل؛ وإن كان عربيًّا فهو من (وس ع) ولا وجه لوضعه في اليائيّ. وممن وضعه في (وس ع) الجوهري٣، والفيروزابادي٤، والزَّبيديّ٥.
ومن ذلك (الوَرَع) بمعنى: الجبان؛ سمّي بذلك لإحجامه ونكوصه، أو الصّغير الضّعيف الذي لا غناء عنده، والضّعيف في رأيه وعقله وبدنه؛ وهذا مذكور في (ور ع) من (الصحاح) ٦و (اللسان) ٧و (القاموس) ٨.
وثَمَّة أصل آخر يَرِدُ على هذه الكلمة بمعناها؛ وهو (ي ر ع) فقد
_________________
(١) ١ ينظر: حجة القراءات ٢٥٩، والكشف عن وجوه القراءات ١/٤٣٨. ٢ إعراب القرآن ٢/٨١. ٣ ينظر: الصحاح (وسع) ٣/١٢٩٨. ٤ ينظر: القاموس (وسع) ٩٩٦. ٥ ينظر: التاج (وسع) ٥/٥٤٢. ٦ ينظر: ٣/١٢٩٦. ٧ ينظر: ٨/٣٨٨. ٨ ينظر: ٩٩٥.
[ ١ / ٢٩٦ ]
قال الزَّبيديّ: "اليَرَاع: الجبان الذي لا فؤاد له؛ قال ربيعة بن مقروم الضَّبّي:
شَهِدتُ طِرَادَهَا فَصَبَرتُ فيها إذَا مَا هَلَّلَ النَّكْسُ اليَرَاعُ١
واليَرَاعُ: الرّجل الضّعيف، ومن لا رأي له ولا عقل"٢.
وقريب منه ما جاء في (الصحاح) ٣و (اللسان) ٤و (القاموس) ٥.
وأراه من (ور ع) لكثرة تصرّفه في هذا الأصل، وكثرة معانيه؛ وهي قريبة من معناه المذكور آنفًا، ومنها: التَّحَرُّج، والكفُّ عن القبيح أو الحرام، والمنع، والاحتشام، وضعف العقل وقلّة المال، وحبس الدَّابّة باللّجام، أو ردّها عن الحوض؛ فالجبان الضّعيف الذي لا فؤاد له ولا عقل هو من تلك المعاني.
_________________
(١) ١ ينظر: المفضليات ١٨٧، والاختيارين٥٧٤، وشرح اختيارات المفضّل٢/٨٥٤. ٢ التاج (يرع) ٥/٥٦٤،٥٦٥. ٣ ينظر: (يرع) ٣/١٣١٠. ٤ ينظر: (يرع) ٨/٤١٣. ٥ ينظر: (يرع) ١٠٠٤.
[ ١ / ٢٩٧ ]
ثانيًا- التَّداخُلُ بين المثَالِ والأجْوَفِ:
ومن صور تداخل المعتلاّت ما يقع منه بين المثال والأجوف؛ غير أنَّه قليل الحدوث - أيضًا- لطبيعة المثال؛ كما تقدَّم. ومن أمثلة هذا النّوع (السِّيمَا) في قوله ﷿: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ ١ و﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ ٢ و﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ﴾ ٣.
ويتداخل - في هذه الكلمة - أصلان؛ هما (وس م) و(س وم) فوزن (السِّيمَا) على الأصل الأوَّل (عِفْلا) ٤ على القلب، وعلى الثَّاني (فِعْلا) . وتفصيل ذلك أنَّ الظَّاهر أن تكون (السِّيمَا) مشتقَّةً من الوَسْمِ؛ وهو العلامة؛ فيكون أصلها (وِسْمَى) قُدِّمت العين على الفاء؛ فصار (سِوْمَى) ٥، فقلبت الواوُ ياءً؛ لوقوعها ساكنة غير مشدَّدة بعد كسرة؛ كقولهم في مِوْزَانٍ ومِوْعَادٍ ومِوْقَاتٍ: مِيزَانٌ ومِيْعَادٌ ومِيْقَاتٌ "وإنَّما
_________________
(١) ١ سورة البقرة: الآية ٢٧٣. ٢ سورة الفتح: الآية ٢٩. ٣ سورة الرحمن: الآية ٤١. ٤ ينظر: الدُّر المصون ٢/٦٢٢. ٥ ينظر: المجموع المغيث ٣/٤١٤، ومعجم مفردات الإبدال والإعلال١٥٠.
[ ١ / ٢٩٨ ]
قلبوا الواوَ ياءً؛ إذا سُكِّنت وانكسرَ ما قبلها، تشبيهًا بالألف من حيث إنَّ الواو والياء متى سُكِّنتا وكان قبلهما حركة من جنسيهما كانتا مدَّتين كالألف؛ فكما أنَّ الألف منقلبة إذا انكسر ما قبلها أو انضمَّ؛ نحو: ضُوَيْرِبٍ ومَفَاتِيحَ؛ فكذلك انقلبت الواو والياء إذا أشبهتاها"١.
وجاء في (اللّسان): "قولهم: عليه سِيمَا حسنةٌ؛ معناه: علامةٌ؛ وهي مأخوذة من: وَسَمْتُ أَسِمُ والأصل في: سِيمَا، وِسْمَى؛ فحُوِّلت الواوُ من موضع الفاء؛ فوُضعت في موضع العين؛ كما قالوا: ما أَطْيَبَه وأَيْطَبَه؛ فصار سِوْمَى"٢.
ويقال فيها: السِّيمَا والسِّيماءُ، بالقصر والمدِّ، ويجوز في رسم المقصورة: سِيمَا وسِيمَى٣.
وقيل: إنَّ السِّيمَا من (السَّومِ) فيكون وزنها (فِعْلا) والأصل (سِوْمَا) حدث فيها ما ذُكر آنفًا؛ لسكون الواو وكسر ما قبلها.
واختار الدّكتور أحمد الخرَّاط هذا القول ورجّحه "لأنَّ السُّومةَ: العلامةُ؛ ولا يقال بالقلب إذا تبيَّن النُّطق بالأصل "٤ وهو يرى أنّ الوَسْمَ بمعناه مقلوب من السَّوْمِ؛ ولم يقل بذلك أحد -فيما أعلم- وهو خلاف
_________________
(١) ١ شرح الملُّوكي، لابن يعيش ٢٤٢،٢٤٣. ٢ اللّسان (سوم) ١٢/٣١٢. ٣ ينظر: الممدود والمقصور، لابن السِّكّيت٦٨، واللّسان (سوم) ١٢/٣١٢. ٤ معجم مفردات الإبدال والإعلال ١٥٠.
[ ١ / ٢٩٩ ]
مذهب الجمهور١ فالوسم بمعناه أصلٌ مستقلٌّ متصرِّفٌ؛ ألا تراهم قالوا في (وسم): الوَسْمُ أَثَرُ الكيِّ، ووَسَمَه وَسْمًا وسِمَةً؛ إذا أثَّرَ فيه بِسِمَةٍ وكَيٍّ، واتَّسَمَ الرَّجلُ؛ إذا جعل لنفسه سمةً يُعرفُ بها، وأصله (اوْتَسَمَ) على (افْتَعَل) والسِّمَةُ والوِسَامُ: ما وُسِمَ به البعيرُ من ضُروبِ الصُّور، والوَسْمِيُّ: مطرُ أوَّل الرَّبيع؛ سمِّيَ بذلك لأنَّه يَسِمُ الأرضَ بالنَّبات، ويقال: تَوَسَّمْتُ في فلانٍ خيرًا؛ أي: رأيتُ فيه أثرًا منه، والوَسَامةُ: أثرُ الحُسْنِ، ونحو ذلك؛ ممَّا يدلُّ على أصالة (وس م) فالسِّيمَا إذن (عِفْلا) وليست (فِعْلا) والله أعلم. ومن تداخل المثال والأجوف ما وقع بين الأصلين في (الطَّادِي) وهو الثَّابت؛ قال القَطَامِيُّ:
ما اعْتَادَ حُبُّ سُلَيْمَى حينَ مُعْتَاد ولاَ تَقَضَّىَ بواقِي دَينِهَا الطَّادِي٢
فهذا مذكور في (اللّسان) في موضعين (ط ود) ٣ و(وط د) ٤. وواضحٌ أنَّ سبب التَّداخل في هذه الكلمة: القلب الواقع فيها؛ فوزنُ (الطَّادِي) (العَالِفُ) كـ (الحَادِي) وهو من: وَطَدَ يَطِدُ، ووَطَّدَ اللهُ مُلكَه،
_________________
(١) ١ ينظر: المجموع المغيث٣/٤١٤، واللسان (سوم) ١٢/٣١٢، والنّهر المادّ٢/٣٢٩، والدّرّ المصون٢/٦٢٢، والتّاج (سوم) ٨/٣٥٠. ٢ ديوانه٨٧. وينظر: الخصائص٢/٧٨، واللسان (طود) ٣/٧٢٠، و(وطد) ٣/٤٦١. ٣ ينظر: اللسان (طود) ٣/٢٧٠. ٤ ينظر: اللسان (وطد) ٣ /٤٦١.
[ ١ / ٣٠٠ ]
إذا ثبَّته.
قال أبوعبيدٍ معقِّبًا على بيت القَطَاميِّ: "يراد به الواطد؛ فأخَّر الواو؛ وقلبها ألفًا "١.
ومعنى الثَّباتِ في (وطد) موجود –أيضًا- في (ط ود) يقال: طادَ إذا ثبتَ، والطَّودُ: الجبل العظيم، وجمعه: أَطْوَادٌ٢.
ومن هنا كان تعيين الأصل منهما أمرًا صعبًا؛ فليس أحدهما بأولى من الآخر، ويجوز أن يكون كلٌّ منهما أصلًا مستقلًاّ برأسه؛ فيُدْرَجَا في باب التَّرادف.
ومن ذلك تداخل (ي ت أ) و(ت ي ت) في قولهم: رجلٌ (تَيْتَاءُ) وهو الّذي يقضي شهوته قبل أن يفْضِي إلى امْرأته، أو يُحْدِثُ؛ ويسمَّى العِذْيَوْطَ؛ وقد اختلفوا في أصله: فذهب فريق إلى أنَّه من (ت ي ت) ووزنه (فَعْلاء) . وممن رأى هذا الرأي: ابن منظور٣، وابن الطَّيِّب الفاسيُّ، الّذي قال -بعد أن ذكر معناه: (فظهر بهذا أنَّ مادَّته (ت ي ت) فيكون وزنه (فَعْلاء) ٤.
_________________
(١) ١ اللسان (وطد) ٣/٤٦١. ٢ ينظر: التهذيب١٤/٤. ٣ ينظر: اللسان (تيت) ٢/١٨. ٤ التَّاج (تيت) ١/٥٣٣.
[ ١ / ٣٠١ ]
وذهب فريق إلى أنَّه من (ي ت أ) وفيه المعَرِّيُّ١وأبو حَيَّان٢؛ إذ جعله من الأمثلة الَّتي زِيدت في أوَّلها التَّاء. ويكون وزنه - حينئذٍ (تَفْعَالًا) كما نقل الزَّبِيديُّ٣.
ويجوز في الكلمة أصلٌ ثالثٌ غير ما تقدَّم؛ فقد ذهب رَضِيُّ الدِّين الشَّاطِبِيُّ٤ - فيما حكاه الزَّبِيديُّ ٥ - أنَّها (تِفْعَال) من (التَّأَتِّي) أي: يتأتَّى له الماء قبل الجماع. فيكون أصلها على هذا الاشتقاق (أت ي) ويقَرِّبُ ذلك قولهم: (تِئْتَاء) بالهمز؛ فلعلَّ قولَهم: (تِيْتَاء) مخفَّفٌ منه.
ونُقِل عن ابن القطَّاع أنَّه كان يرى أنَّ (تِيْتَاء) على بناء (فِعَّال) قال: "وأمَّا (فِعَّال) فيكون اسمًا موضوعًا نحو قِثَّاء وحِنَّاء، ويكون نعتًا؛ نحو رجلٌ تِيتَاء للعِذْيَوطِ "٦.
_________________
(١) ١ ينظر: ثلاث رسائل في اللّغة (ما جاء على وزن تفعال) ٨. ٢ ينظر: الارتشاف١/١٠٤، وفيه أنَّه (تيتأ) وفي المخطوط (٣٤) (تِيتَاء) على الصواب. ٣ ينظر: التّاج (تيت) ١/٥٣٣. ٤ هو محمد بن علي بن يوسف الأنصاري الشّاطبي البلنسيُّ، مقرئ لغوي، أخذ عنه أبو حيَّان الأندلسيُّ وجمال الدِّين المزِّي؛ كانت وفاته بالقاهرة (سنة٦٨٤هـ) . من مصادر ترجمته: الوافي بالوفيات٤/١٩٠، وشذرات الذهب٥/٣٨٩، وكشف الظنون٢/١٠٧٢. ٥ ينظر: التَّاج (تيت) ١/٥٣٣. ٦ ينظر: التَّاج (تيت) ١/٥٣٣.
[ ١ / ٣٠٢ ]
ولا وجه لما ذهب إليه؛ إلاَّ أن يكون أراد أنَّ الياء جيء بها لفكِّ الإدغام، كأن يكون الأصل (تِتَّاء) فخُفِّفَ بقلب التَّاء الأولى ياءً، كما قالوا في دِنَّارٍ: دِينَارٌ.
وإن لم يكن الأمر كذلك فإنَّ صواب الوزن على تقدير أصالة التَّاء الأولى والهمزةِ (فِيعَال) من (ت ت أ) أو (فِعْتَال) من (ت ي أ) . والأوَّل أقرب؛ لأنَّ زيادة الياء في هذا الموضع أكثر من زيادة التّاء حَشْوًا في غير (الافْتِعَال) .
ومن أمثلة التّداخل: تداخل (ول هـ) و(ل ي هـ) أو (ل وهـ) في لفظ الجلالة (الله) وقد اختلفوا في أصله واشتقاقه اختلافًا بيِّنًا١:
فمنهم من جعل الأصل (ول هـ) ٢ من الوَلَهِ، وهو الحَيْرَةُ؛ فالخلق يَوْلَهُونَ إليه في حوائجهم، ويضرعون إليه فيما يصيبهم، ويفزعون إليه في كلِّ ما ينوبهم؛ كما يَوله كُلُّ طفلٍ إلى أمِّه؛ قال ﷿: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ ٣ وكان القياس أن يقال: (مَوْلُوهٌ) كما قالوا: مَعْبُود؛ إلاَّ أنَّهم خالفوا به ذلك البناء؛ ليكون اسمًا عَلمًا؛ فقالوا:
_________________
(١) ١ ينظر: العين١/٩٠، والكتاب٢/١٩٥، ٣/٤٩٨، وتفسير أسماء الله الحسنى٢٥، والزِّينة٢/١٣، والمخصّص١٧/١٣٤، وأمالي ابن الشّجري٢/١٤، والبيان في غريب إعراب القرآن١/٣٢، والجامع لأحكام القرآن ١/١٠٢، وبصائر ذوي التَّمييز٢/١٢، وعناية القاضي٧/٣٣٣، وموطئة الفصيح٥ب،٦أ. ٢ ينظر: مقاييس اللّغة٦/١٤٠، ونتائج الأفكار٥٢، واللّسان (أله) ١٣/٤٦٨. ٣ سورة النّحل: الآية٥٣.
[ ١ / ٣٠٣ ]
إِلَه كما قالوا للمكتوب كِتَابٌ، وللمحسوب حِسَابٌ١.
وأصل (إِلَهٍ) (وِلاَهٌ) فقلبت الواو همزةً لانكسارها؛ فقيل (إِلَهٌ) كما قيل في وِعَاءٍ: إِعَاءٌ، وفي وِشَاحٍ: إِشَاحٌ، ثمَّ أُدخلت عليه الألف واللاَّم؛ فقالوا (الإِلَهُ) - بمدّ اللام - فنقلوا حركة الهمزة إلى اللاَّم، ثمَّ حذفت الهمزة وسُكِّنت اللاَّمُ للإدغام، فقالوا: اللَّه.
أو أنَّهم حذفوا الهمزة تخفيفًا فعُوِّضَ منها (أل) التَّعريف؛ فاجتمع لامان؛ فأدغمت الأولى في الثَّانية.
وقريبٌ من ذلك صنيعهم في (النَّاس) على مذهبٍ٢، فأصله (أُنَاس) فأدخلوا الألف واللاَّم؛ فقالوا: (الأُنَاس) ثمَّ حذفوا الهمزة تخفيفًا؛ فقالوا (النَّاسُ) .
والألف واللاَّمُ في (اللَّهِ) عوضٌ- عند بعضهم٣ - من الهمزة المحذوفة، ودليل ذلك استجازتهم لقطع الهمزة الموصولة الدَّاخلة على لام التَّعريف في القَسَمِ والنِّداء؛ كقولهم (أَفَأَ للَّه لَتَفعَلَنَّ) و(يا أَللَّه اغْفِرْلِي) . ويكون وزن لفظ الجلالة على ما تقدَّم (العَال) .
ومن ذهب إلى أنَّه مِن (أل هـ) ٤ كان عنده مشتقًّا من (أَلَهَ)
_________________
(١) ١ ينظر: سفر السَّعادة ١/١٠،١١. ٢ ينظر: سفر السَّعادة ١/٥. ٣سفر السَّعادة ١/٦. ٤ ينظر: الكتاب ٢/١٩٥، وعناية القاضي ١/٥٥.
[ ١ / ٣٠٤ ]
الرَّجلُ يَألَهُ إليه بمعنى: عَبَدَ، أو أَلِهَ بمعنى: تَحَيَّرَ، أو فَزِعَ، أو بمعنى: أَلِهْتُ إلى فلانٍ؛ أي: سكنْتُ إليه؛ فليس ببعيد أن تكون الهمزة -أيضًا- بدلًا من الواو؛ فيعود إلى (ول هـ) . والوزن: (العَال) أيضًا.
وذهب بعضهم١ إلى أنَّ أصله (ل ي هـ) من (لاَهَ) على زنة فَعَلَ –يليه لَيْهًا؛ إذا احتجب وتستَّرَ. أو من (ل وهـ) من (لاَهَ) يَلُوهُ؛ إذا ارتفعَ؛ وقد كانت العرب تقول لكلّ شيء مرتفعٍ: لاَهٌ؛ يقولون إذا طلعت الشَّمس: لاَهَتْ، ثمَّ دَخَلَتِ الألفُ واللاَّم تعظيمًا؛ وفُخِّمَت اللاَّم الأولى. قال الأعشى:
كَحَلْفَةٍ مِنْ أبي رِيَاحٍ يَسْمَعُهَا لاَهُهُ الكُبَارُ٢
وأبو رياحٍ هو النَّبيُّ صالح - ﵇ -.
وقال ذو الإصبع العَدْوَانِيُّ:
لاَهِ ابْنُ عَمِّكَ لا أَفْضَلْتَ في حَسَبٍ عَنِّي، ولا أَنْتَ دَيَّانِي فَتَخْزُونِي٣
يريد: للَّه ابن عمِّك؛ فحَذَفَ لامَ التَّعريف؛ على قول جماعةٍ من
_________________
(١) ١ ينظر: الكتاب ٣/٣/٤٩٨، واشتقاق أسماء الله٢٧، والبارع١٠٨، والصِّحاح (ليه) ٦/٢٢٤٨، والجامع لأحكام القرآن١/١٠٣. ٢ ينظر: ديوانه ٣٣٣. ٣ ينظر: المفضليات١٦٠، وإصلاح المنطق٣٧٣، ومجالس العلماء٥٧، والزَّينة٢/١٤، واشتقاق أسماء الله٢٧، والبارع١٠٨، والأزهية٢٩٠.
[ ١ / ٣٠٥ ]
العلماء١.
فيكون وزن لفظ الجلالة على هذا الاشتقاق (الفَعَل) أو (الفَعِل) على تقدير تحرُّك العين، أو (الفَعْل) على تقدير سكونها.
وثَمَّةَ من قال: إنَّه غير مشتقٍّ؛ وذهب إلى هذا المازِنيُّ٢، والزَّجَّاج٣، والسُّهيليُّ٤ الّذي أشار إلى أنَّ الألف واللاَّم هي من الكلمة نفسها، ثمَّ وصلت الهمزة لكثرة الاستعمال، وكان يستدلُّ على أصالتها بقطعها في قولهم: (يا أَللَّه) .
ويدلُّ على أنَّه غير مشتقٍّ - عنده - أنَّه سبق الأشياء الّتي زعموا أنَّه مشتقٌّ منها؛ قال: "لا نقول: إنَّ اللَّفظ قديم، ولكنَّه متقدِّمٌ على كلِّ لفظٍ وعبارةٍ، ويشهد بصحة ذلك قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ ٥ فهذا نصٌّ في عدم المسمَّى، وتنبيه على عدم المادَّة المأخوذ منها الاسم"٦.
ثالثًا- التَّدَاخُلُ بين المِثَالِ والنَّاقِصِ:
ومن صُور التَّداخل في المعتلاَّت تداخل المثال مع النَّاقص؛ وهو
_________________
(١) ١ ينظر: الكتاب٣/٤٩٨، واشتقاق أسماء الله ٢٧،٢٨. ٢ ينظر: مجالس العلماء٥٦، واشتقاق أسماء الله ٢٨. ٣ ينظر: تفسير أسماء الله الحسنى ٢٥. ٤ ينظر: نتائج الفكر ٥١، ٥٢. ٥ سورة مريم: الآية ٦٥. ٦ نتائج الفكر ٥١، ٥٢.
[ ١ / ٣٠٦ ]
- أيضًا - قليل الحدوث؛ لما تقدَّم من حال المثال في اللُّغة العربيَّة.
ومن هذا النَّوع تداخل (وس م) مع (س م و) في (أَسْمَاءَ) اسمِ امرأةٍ؛ فهي تحتمل أن يكون وزنها (أَفعالًا) أو (فعلاء) وقد اختلفوا في ذلك:
فمن ذهب إلى أنَّها (أفعال) جعلها جمعَ (اسمٍ) من السُمُوِّ؛ فتكون سمِّيتْ بالجمع؛ و"قد اختصَّ به النِّساء؛ حتَّى كأن لم يكن جمعًا قطُّ"١. وإنَّما امتنع من الصَّرف للتأنيث والتَّعريف ٢.
وإذا سمِّي به الرِّجال جاز الوجهان؛ والأجود عند المبرِّد٣ الصَّرف؛ لأنَّه - عنده - من الأعلام المذكَّرة الَّتي غلبت تسمية المؤنَّث بها؛ فلحق بباب (سُعَادَ) و(زَينَبَ) ٤.
وممَّن قال بهذا؛ أعني (أَفْعَال) الأعلم الشَّنتَمَرِيُّ في ردِّه على سيبويه٥ لجعله أسْمَاءَ (فَعْلاء) بقوله: "ولا نعرف في الكلام اسمًا بهذا التأليف؛ فتكون أسْمَاءُ (فَعْلاَء) منه، والظَّاهر أنَّ أسمَاءَ (أَفْعَال) على أنَّه
_________________
(١) ١ المقتضب ٣/٣٦٥. ٢ ينظر: شرح المفصل، لابن يعيش١٠/١٤. ٣ ينظر: المقتضب٣/٣٦٥. ٤ ينظر: المبهج١٨٥. ٥ ينظر: الكتاب٢/٢٥٦،٢٥٧.
[ ١ / ٣٠٧ ]
جمع اسمٍ؛ فسمِّيَ به"١. ومنهم الجوهريُّ٢إذ ذكرها في (سمو) .
والصَّغانيُّ٣ إذ نصَّ على أنَّها (أَفْعَال) وأنَّهم شبَّهوها بـ (فَعْلاء) لكثرة التَّسمية.
وذهب فريق من العلماء٤وعلى رأسهم سيبويه إلى أنَّ (أسْمَاءَ) (فَعْلاَء) من (الوَسَامَةِ) وهو الحُسن؛ كقولهم: فلان وسيم الوجه؛ أي: ذو وَسامةٍ؛ فالأصل (وَسْمَاءُ) فأُبدلت الواو همزةً استثقالًا؛ كما قالوا: امرأةٌ أنَاةٌ من: الوَنَى، وقالوا: أحدٌ، والأصل (وَحَدٌ) . وعلى هذا لا ينصرف (أسْمَاءُ) في المعرفة ولا في النَّكرة.
وممَّن جعلها (فَعْلاء) غير سيبويه: ابن السّراج٥ وابن جنّي٦ والرَّضيّ٧ وابْن مَنْظُور٨ إذ ذكرها في (وس م) وكذلك
_________________
(١) ١ تحصيل ماء عين الذّهب٧٩ب. ٢ ينظر: الصحاح (سمو) ٦/٢٣٨٣. ٣ ينظر: التكملة (سمو) ٦/٤٤٠. ٤ ينظر: شرح المفصل’ لابن يعيش١٠/١٤، والمبهج١٨٤، وشرح الشافية للرّضي٣/٧٩، وشرح الشافية للرّكن الاستراباذيّ ١٢٦ب. ٥ ينظر: الأصول٢/٨٦. ٦ ينظر: المبهج١٨٦،وسرّ الصناعة١/٩٢. ٧ ينظر: شرح الشافية٣/٧٩. ٨ ينظر: اللسان (وسم) ١٢/٦٣٧،٦٣٨.
[ ١ / ٣٠٨ ]
الفيروزاباديّ١ والزَّبِيدي٢.
وأرى الحقَّ في جانب سيبويه، ومن نحى نحوه في أنّها من: الوَسَامَةِ، لسببين:
أحدهما: أنَّ التَّسمية بالصِّفة أكثر من التَّسمية بالجمع٣.
والآخر: أنَّ جعلها من الوَسَامَةِ –وهو: الحُسن-أقرب في تسمية النّساء من معنى جمع (اسمٍ) ٤.
وعلى هذا يكون الأصل (وس م) لا (س م و) .
ومن صور التّداخل بين المثال والنَّاقص أنَّ (ظُبَةً) وهي: حدُّ السَّيف والسِّنان والنَّصْلِ تحتمل الأصلين (وظ ب) و(ظ ب و) .
وكان ابن جنّي٥ يرى أنَّه من (ظ ب و) وأنَّه لا يجوز أن يكون المحذوف منه فاءً؛ لأنَّ الفاء لم يطّرد حذفها إلاَّ في مصادر المثال الواويِّ؛ نحو (عِدَةٍ) و(زِنَةٍ) و(جِدَةٍ) .
وليست (ظُبَةٌ) من ذلك؛ فأوّلها مضموم، وأوائل تلك المصادر مكسورة، ولم يطّرد حذف الواو فاءً من (فُعْلَة) إلاَّ في (الصُّلَةِ) بالضَّمِّ
_________________
(١) ١ ينظر: القاموس (وسم) ١٥٠٦. ٢ ينظر: التَّاج (وسم) ٩/٩٣. ٣ ينظر: شرح الشّافية للرّضيّ٣/٧٩. ٤ ينظر: المبهج١٨٦. ٥ ينظر: سرّ الصناعة ٢/٦٣٠،٦٠٤.
[ ١ / ٣٠٩ ]
- وهي من (الصَّلَةِ) ولا نظير له.
وذكر أنَّه لا يجوز أن يكون المحذوف من (ظُبَةٍ) العينَ؛ لأنَّ ذلك لم يأت إلاَّ في (سَهٍ) و(مُذ) وهما كلمتان نادرتان لا يقاس عليهما. وممَّا يدلُّ على أنَّها من (ظ ب و) قولهم في جمعها: (ظُبًا) فاللاَّم –كما ترى- هي المعتلّة؛ كـ (لُغَةٍ) و(لُغًى) .
وكان ابن سيده١يقول بقول ابن جنّي؛ لمَّا رأى قوّة مذهبه فيه. وإن صحَّ ما ذهب إليه ابن جنّي وابن سيده فإنَّه لا تداخل في كلمة (ظبة) .
ومن أمثلة هذا الباب: تداخل (وري) و(ت ري) في (التَّريَّةِ) وهي اسم ما تراه الحائض عند الاغتسال، وهو الشّيء الخفيّ اليسير، وفيها رأيان:
الأوَّل: مذهب أبي عليّ الفارسيّ٢؛وهو أنَّ وزنها (فَعِيلَة) إمَّا من (وَرَى) كأنَّ الحيض وأرَى بها عن منظرِهِ العينَ، أو من (وَرَى) ٣ الزَّندُ إذا أخرج النَّار؛ كأنَّ الطُّهر أخرجها وأظهرها بعد ما كان أخفاها الحيض.
_________________
(١) ١ ينظر: اللسان (ظبا) ١٥/٢٢. ٢ ينظر: اللسان (وري) ١٥/٣٩٠. ٣ يقال: وَرَى الزند إذا أخرج النّار، ووَرِيَ إذا صار واريًا، وقيل: وَرَى ووَرِيَ بمعنى واحد؛ أي: اتَّقد. ينظر: اللسان (وري) ١٥/٣٨٨،٣٩٠.
[ ١ / ٣١٠ ]
الثَّاني: ما ذهب إليه الأزهريّ١ وهو أنَّ الأصل (ت ر ي) ووزنها (فَعِيلة) أيضًا.
وتحتمل (التَّرِيَّة) أصلًا ثالثًا؛ فقد ذهب ابن سيده٢ إلى أنَّها من الرُّؤية، والتَّاء الأولى زائدة؛ فالأصل - حينئذٍ (رأي) وهو مذهب قويٌّ، فكأنَّها (تَرْئِيَةٌ) على زِنَةِ (تَفْعِلَة) من رأى، ثمَّ قلبت الهمزة ياءً، فقالوا: (تَرْيِيَة) فسكِّنت الياء الأولى للإدغام وحرِّكت الرَّاء لالتقاء السَّاكنين، أو نقلت حركة الياء - وهي الكسرة - إلى الرَّاء، وسكِّنت الياء الأولى، ثمَّ أدغمت في الياء الثَّانية.
_________________
(١) ١ ينظر: التَّهذيب (ترى) ١٤/٣٠٩. ٢ ينظر: اللسان (ترى) ١٤/١٠١.
[ ١ / ٣١١ ]
رابعًا- التَّدَاخُلُ بين المثالِ واللَّفِيفِ:
ثَمَّةَ تداخل بين المثال واللَّفيف، غير أنَّه قليل؛ لما تقدَّم من طبيعة المثال.
ومنه تداخل (وأل) و(وول) في (الأوَّل) نقيض الآخِرِ؛ وقد اختلفوا فيه:
فذهب البصريّون١ - وعلى رأسهم سيبويه -٢إلى أنَّ أصله (وول) وهو (أَفْعَل) وأصله (أَوْوَل) واستدلّوا باتّصال (مِنْ) به؛ على حدِّ اتّصالها بأَفْعَل التَّفضيل؛ لقولهم: ما لقيتكَ مذ أوَّلَ من أمسِ؛ فجرى هذا مجرى قولهم: هو أعلم من عمرٍو، وزيد أطول من بكرٍ.
ودلَّ على ذلك - أيضًا - قولهم في التَّأنيث: الأولى؛ فهو بمنزلة (الأَفْضَلِ) و(الفُضْلَى) فالأُولى (فُعْلَى) وهي في الأصل (وُوْلَى) فأُبدلت الواو همزةً.
ويدلّ على ذلك - أيضًا - ترك الصَّرف٣وأفعلُ ممّا لا ينصرف.
وبحثوا عن فعله؛ فلم يجدوه؛ فقالوا: لا يتصرَّف منه فعل "لأنَّ فاءه وعينه واوان، فلو قالوا فيه: (فَعَلَ يَفْعَلُ) لحدث هناك شيئان يتدافعان؛
_________________
(١) ١ ينظر: الكتاب ٣/١٩٥، والأصول ٣/٣٣٩، والشّيرازيات ٢أ، والمنصف٢/٢٠١، وسر الصناعة ٢/٦٠٠، والتبيان ١/٥٧،٥٨، وشرح الشافية للرضي ٢/٣٤٠. ٢ ينظر: الكتاب ٣/١٩٥. ٣ ينظر: المنصف ٢/٢٠١.
[ ١ / ٣١٢ ]
وذلك أنَّ (فَعَل) إذا كانت فاؤه واوًا، فالمضارع منه إنَّما يجيء على (يَفْعِل) نحو: وَعَدَ يَعِدُ، وعين الفعل إذا كانت واوًا؛ فالمضارع من: فَعَلَ، أبدًا مضموم العين؛ نحو: قَالَ يَقُولُ؛ فكان يجب أن تكون العين من (يَفْعَل) مضمومةً مكسورةً في حال؛ وهذا متنافٍ؛ مع ما ينضاف إليه من ثقل الواوين"١.
ولا يُردُّ على أصحاب هذا الرَّأي بأنَّ فيه اجتماع المثلين في أوَّل الكلمة؛ لأنَّه قد جاء عن العرب (ددن) ونحوه؛ كما مرَّ٢.
ولا يردُّ عليهم - أيضًا - بقولهم في جمعه (أوائل) بالهمز- كأنَّ العين همزة؛ لأنَّه في الأصل (أواوِل) فلمَّا اكتنف الألفَ واوان، ووليت الآخرةُ منهما الطَّرفَ، ضعفتْ، وانضاف ذلك إلى ثقل الجمع قلبت الأخيرة منهما همزة٣.
وذهب الكوفيّون، وعلى رأسهم الفرّاء٤ إلى أنَّ أصله (وأل) من (وَأَلَ يَئِلُ) إذا نجا؛ لأنَّ النّجاة في السَّبق، فقلبت الهمزة في موضع الفاء، أو هو من (وول) فـ (أَوَّل) عندهم (فَوْعَل) وأصلها (أَوْألْ) ثمَّ خفِّفت
_________________
(١) ١ المنصف٢/٢٠١،٢٠٢. ٢ ينظر: ص (١٠١) من هذا البحث، والأصول ٣/٣٤٠، والشيرازيات٢/ب. ٣ ينظر: الأصول ٣/٣٤٠، وسر الصناعة ٢/٦٠٠. ٤ ينظر: المنصف ٢/٢٠٢، والتبيان ١/٥٨، وشرح الشافية للرضي ٢/٣٤٠، وشرح الكافية له ٢/٢١٨.
[ ١ / ٣١٣ ]
الهمزة بأن أبدلت واوًا؛ فصارت (أوْوَل) فأدغمت الأولى في الثَّانية؛ فقالوا: (أوَّل) .
ويَرِدُ عليهم أمران:
أحدهما: أنَّهم خالفوا القياس في تخفيف الهمزة؛ لأنَّ القياس في تخفيف مثل هذه الهمزة أن تُلقى حركتُها على السَّاكن قبلها، وتحذف١.
وثانيهما: أنَّ استعمال (أوَّل) متلوًّا بـ (مِنْ) يردُّ قولهم؛ لأنَّ (فَوْعلًا) لا يستعمل بـ (مِنْ) فلا يقال: (فَوْعل) منه، ولكن يقال: (أفْعَل) منه.
ويبدو- لأوَّل وهلة - أنَّ في قراءة قالون٢: ﴿وأنَّه أهْلَكَ عَادٍ لُّؤْلَى﴾ ٣ بهمز الواو؛ وهي عين الكلمة –دليلًا على أنَّ الأصل الهمز؛ كما ذهبوا إليه، كما أنَّ في قولهم: (النَّبأ) و(بَرَأَ اللَّه الخلقَ) دليلًا على أنَّ (النَّبيَّ) و(البَرِيَّةَ) أصلهما الهمز. غير أنَّ الأمر بخلاف ذلك، لأنَّ الهمز في قراءة قالون بمنزلة قول جرير:
لَحَبَّ المُؤْقِدَانِ إِلَيَّ مُؤْسَىَ وجَعْدَةُ لو أضَاء هُمُا الوَقُودُ ٤
_________________
(١) ١ ينظر: التبيان ١/٥٨. ٢ ينظر: الكشف عن وجوه القراءات السبع ٢/٢٩٦، والإقناع ٢/٧٧٥. ٣ سورة النجم: الآية ٥٠. ٤ ينظر: ديوانه١/٢٨٨، وهو فيه غير مهموز، وروي بالهمز في كثير من المصادر المعتمدة؛ كالمنصف ٢/٢٠٣، والخصائص ٢/١٧٥، والكشّاف ١/٤٣.
[ ١ / ٣١٤ ]
ألا ترى أنَّ "من العرب من يبدِّل الواو السّاكنة المضموم ما قبلها همزةً؛ فيقول: مُؤْقِنٌ ومُؤْقِدٌ؛ وليس هكذا: أَنْبَأتُ، وبَرَأ اللَّه الخلقَ؛ لأنَّ الهمزة فيهما من الكثرة بحيث لا خفاء به"١ فلذلك لا يقاس ﴿عَادٍ لُّؤلَى﴾ على هذا؛ لشذوذه؛ كما في هذه اللُّغة.
وليس في قولهم: (أوَّلَةٌ) و(أوَّلَتَان) دليل على أنه (فَوْعَلةٌ) لأنَّ ذلك من كلام العوامِّ؛ وليس بفصيح٢.
وثَمَّةَ رأي ثالث؛ فقد قيل: إنَّ أصل (أوَّل) (أول) من: آلَ يؤُول٣.
فأصل الكلمة على هذا الرأي (أَأْوَل) ثمَّ أخِّرت الهمزة الثَّانية؛ فجعلت بعد الواو، ثمَّ عمل فيها ما عمل في الوجه السابق عند الكوفيّين؛ فوزن (أوَّل) على هذا الرأي (أعْفَل) .
ولولا القلب لقيل: (أَأْوَل) وإن خُفِّف قيل: (آوَل) وهو ضعيف؛ لعدم سماعه.
_________________
(١) ١ المنصف ٢/٢٠٣،٢٠٤. ٢ ينظر: تقويم اللسان ٦٧، وشرح الكافية للرضي ٢/٢١٨. ٣ ينظر: التبيان ١/٥٨.
[ ١ / ٣١٥ ]
ب- التَّدَاخلُ في الأجْوَفِ:
القسمة الجامعة لتداخل الأجوف في المعتلاّت على النّحو التَّالي:
١- التَّداخل بين الأجوف والأجوف.
٢- التداخل بين الأجوف والنَّاقص.
٣- التداخل بين الأجوف واللّفيف.
أمَّا التَّداخل بين الأجوف والمثال فقد تقدَّم ذكره في المبحث السَّابق١.
أوَّلًا- التَّداخُلُ بين الأجوفِ والأجوفِ:
هذا النوع من التَّداخل - في المعتلاَّت - كثير، ومعاجم القافية مليئة به؛ وهو ممَّا يصعب التَّمييز فيه بين الأصلين؛ وبخاصَّةٍ ما قلب فيه حرف العلّة ألفًا؛ وهو كثير.
ولعلَّ الأجوف؛ نحو: قَالَ وبَاعَ وخَافَ مرَّ بثلاث مراحل:
الأولى: ظهور الأصل المعتلّ؛ وهو (قَوَلَ) و(بَيَعَ) و(خَوِفَ) . وقد بقيت هذه المعتلات على حالها في اللُّغة الحبشيَّة٢، وفي كلمات حافظت –في العربية- على صورتها القديمة؛ فلم تتطوَّر إلى المرحلة التَّالية؛ نحو: (عَوِرَ) و(هَيِفَ) و(حَوِلَ) .
أمَّا الثَّانية فهي مرحلة التَّسكين للتَّخفيف؛ نحو: (قَوْلَ) و(بَيْعَ)
_________________
(١) ١ ينظر: ص (٢٩٨) من هذا البحث. ٢ ينظر: بحوث ومقالات في اللغة ٥٩.
[ ١ / ٣١٦ ]
و(خَوْفَ) وهي مرحلة ضروريَّة -كما يرى ابن جنّي١- للانتقال للمرحلة التَّالية؛ وهي قلب الواو أو الياء ألفًا؛ وتلك هي المرحلة الثَّالثة. ولعلَّ هذا ممَّا أكثر التَّداخل في الجوف بين الواو والياء؛ لأنَّ معرفة الأصل –وهو ما كانت عليه الكلمة الجوفاء في المرحلة الأولى- غير ميسورة في كلِّ حال؛ ولا سيَّما فيما هجر أصله، ولم يظهر في شيء من تصاريف الكلمة؛ فليس من سبيل إلى معرفته سوى التَّرجيح أو الظَّنِّ.
وكذلك يخفى المعتلّ في الأجوف إذا لم تسمع كلُّ تصاريفه أو بعضها، فيخلو ممَّا يكون دليلًا على أحد الأصلين، كـ (السِّيْدِ) وهو الذئب، كما سيأتي تفصيله؛ إن شاء الله.
على أنَّ ما جاء من المعتلّ بعامة، والأجوف بخاصة بالواو والياء جميعًا؛ على سبيل التَّعاقب أواللّغات، يعدّ من أشدّ المعتلاَّت خفاءً في الأصول.
ومن أهمِّ ما يترتبّ على التَّداخل بين الجوف والأجوف حركة عين المضارع؛ في المعتلّ والصّحيح؛ على حدٍّ سواء؛ فإن قياس المضارع أن يكون على (يَفْعُل) ٢ إن كانت العين واوًا؛ نحو: صَالَ يَصُولُ، وعَالَ يَعُولُ، وبَاحَ يَبُوح، ونَاحَ يَنُوحُ، وعَادَ يَعُودُ، ونَاءَ يَنُوءُ.
_________________
(١) ١ ينظر: الخصائص ٢/٤٧١، ٤٧٢. ٢ ينظر: تصريف الأفعال ١٥١.
[ ١ / ٣١٧ ]
وقياسه أن يكون على (يَفْعِل) ١ إن كانت العين ياءً؛ نحو: بَاعَ يَبِيعُ، وبَادَ يَبِيدُ، وهَامَ يَهِيمُ، ولاَنَ يَلِينُ، وغير ذلك. ومن أمثلة التَّداخل بين الأجوف والأجوف أنَّ (جَاسُوا) في قراءة أبي السَّمَّال٢ في قوله ﷿ ﴿فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ﴾ ٣ قرأها (فَحَاسُوا) ٤ قال أبو زيد الأنصاري: فقلت له: إنَّما هو (جَاسُوا) فقال: جَاسُوا وحَاسُوا واحد٥.
ويتداخل أصلان في هذه الكلمة؛ وهما (ح وس) و(ح ي س):
فذهب ابن جنّي إلى أنَّه من (ح ي س) في قوله: "وأنا أرى أنَّ حَاسُوا من: الحَيسِ؛ وهو الخلط؛ كأنَّه إذا وطئ المكان وذلَّله؛ فقد خلط بعضه ببعض"٦.
وقريب من ذلك قولهم: الحَوَاسَةُ؛ وهي الجماعة من النَّاس
_________________
(١) ١ ينظر: المغني في تصريف الأفعال ١٤٨. ٢ هو قَعْنَب بن أبي قَعْنَب العدوي (أبو السَّمَّال) وله اختيار في القراءة شاذّ عن العامّة، وروى عنه أبو زيد الأنصاري اللّغويّ. ينظر: غاية النّهاية ٢/٢٧. ٣ سورة الإسراء: الاية ٥. ٤ ينظر: المحتسب ٢/١٥. ٥ ينظر: المبهج ٥٢. ٦ المبهج ٥٢.
[ ١ / ٣١٨ ]
المختلطة١.
وجعل ابن فارس (ح ي س) أصلًا واحدًا؛ وهو الخليط ٢؛ فيجوز أن يكون (حَاسُوا) منه.
ويجوز أن يكون أصله (ح وس) وهو "من قولهم: حَوِسَ الرَجلُ يَحْوَسُ حَوَسًا؛ إذا كان شُجاعًا؛ وهو: الأحْوَسُ؛ وذلك أنَّه إذا كان شُجاعاَ أقدم على الأمور، وتَعَجْرَفَ فيها، وتورَّدَهَا "٣.
وقال الجوهريُّ: "يقال: تركتُ فلانًا يَحُوسُ بني فلانٍ؛ أي يتخلُّلهم ويطلب فيهم. وإنَّه لحوَّاس عَوَّاسٌّ؛ أي طَلاَّبٌ باللّيل وحَاسُوا خِلال الدِّيار: مثل: جَاسُوا"٤.
ولهذا أرى أنَّ الاشتقاق يبيح حمل الكلمة على أحد الأصلين.
ومن ذلك تداخل (أون) و(أي ن) في كلمة (الآنَ) وهو اسم يدلُّ على: الوقت الحاضر، والألف واللاَّم فيه زائدتان؛ لأنَّ الاسم معرفة بغيرهما ٥، وقد بُني عليهما؛ ولم يخلعا منه.
وهو يحتمل الأصلين:
_________________
(١) ١ ينظر: الصّحاح (حيس) ٣/٩٢١. ٢ ينظر: المقاييس ٢/١٢٤. ٣ المبهج ٥٢. ٤ الصِّحاح (حوس) ٣/٩٢٠. ٥ ينظر: اللسان (اين) ١٣/٤١.
[ ١ / ٣١٩ ]
يجوز أن يكون من (أي ن) لقولهم: (آنَ أيْنُكَ) أي: حان حِينُكَ، وآنَ لكَ أن تفعل كذا يَئِينُ أيْنًا، أي: حَانَ١.
وأصلُ آنَ (أَيَنَ) قلبت الياء ألفًا؛ لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، فأصبح تقديره (أانَ) ورسمه (آنَ) وكذلك (الآن) .
ونقلَ السّيوطي: "أنَّ منهم من يرى أنَّ أصله واويّ: أَوَان، ثمّ حذفت الألف بعد الواو، وقلبت الواو ألفًا، ومنهم من يرى أنَّ الواو حذفت وبقيت الألف بعدها؛ فوقعت بعد الهمزة"٢.
ومن أحد هذين الأصلين (الأَوَايِنُ) اسم موضع- في قول الشّاعر:
فَهَيهَاتَ نَاسٌ من أُنَاسٍ دِيَارُهُمْ دُفَاقٌ، ودَارُ الآخَرِينَ الأوَايِنُ٣
قال ابن منظور: (وقد يجوز أن يكون واوًا) ٤ أي: أن يكون من (أون) .
ومن هذا النّوع تداخل (س ي أ) و(س وأ) في (سَيَّاءٍ) من حديث (لا تُسَلِّمْ ابنَكَ سَيَّاءً) ٥ وهو الّذي يبيع الأكفان، ويتمنَّى موت
_________________
(١) ١ ينظر: الصحاح (أين) ٥/٢٠٧٦. ٢ ينظر: الأشباه والنّظائر ١/٩٨، ومعجم مفردات الإبدال والإعلال ٤١. ٣ هو مالك بن خالد الخُناعي الهُذلي. ينظر: شرح أشعار الهُذليين١/٤٤٤، واللّسان (أين) ١٣/٤٥، وفيه «هيهات» بدون الفاء. ٤ اللّسان (أين) ١٣/٤٥. ٥ ينظر: المجموع المغيث ٢/١٥٩، والنّهاية في غريب الحديث ٢/٤٣٠.
[ ١ / ٣٢٠ ]
النّاس.
وهذا ذكره أصحاب الغريب في (س ي أ) ١ وكذا في (اللّسان) ٢.
ويجوز أن يكون من (س وأ) على أن يكون اشتقاقه من (السُّوءِ) و(المَسَاءَ ةِ) ٣. وهذا أقرب؛ فليس في معاني مادّة (س ي أ) ما يجعله منها؛ وإنَّما ذُكر ثَمَّ أخذًا بظاهر اللّفظ.
ومن أمثلة هذا الباب تداخل (ص وأ) و(ص ي أ) في (الصَّاءَ ةِ) وهو ما يخرج من رحم الشاة بعد الولادة من القذى؛ وهو يحتمل الأصلين:
فقد ذكره الجوهريُّ٤ في (ص وأ) وتابعه الصَّغانيُّ في (العُبَابِ) ٥ وذكره في (التَّكملة) ٦ في (ص ي أ) وهو خلاف ما ذهب إليه في (العُبَابِ) وذكره ابن منظور٧في اليائيِّ.
_________________
(١) ١ ينظر: المجموع المغيث ٢/١٥٩، والنّهاية ٢/٤٣٠. ٢ ينظر: (سيأ) ١/٩٩. ٣ ينظر: المجموع المغيث ٢/١٥٩، والنّهاية ٢/٤٣٠، واللّسان (سيأ) ١/٩٩. ٤ ينظر: الصّحاح (صوأ) ١/٥٩. ٥ ينظر: (صوأ) ٧٩. ٦ ينظر: (صيأ) ١/٣١. ٧ ينظر: اللّسان (صيأ) ١/١١٠.
[ ١ / ٣٢١ ]
وذكره الفيروزآباديُّ في الأصلين١، وتابعه الزَّبِيديُّ٢.
وحمله على الأصل الواويِّ أولى؛ لأنَّ الواو أغلب على العين من الياء؛ كما تقدَّم٣.
ومن هذا النّوع تداخل (ف وج) و(ف ي ج) في (أفَاجَ) في قول الرَّاجز:
أُهدِي خَلِيلِي نَعْجَةً هِمْلاَجَا مَا يَجِدُ الرَّاعِي بِهَا لَمَاجَا
لا تَسْبِقُ الشَّيْخَ إذا أَفَاجَا٤
والإفاجة: الإسراع والعَدو؛ وهو يحتمل الأصلين:
فقد ذكرها أكثر المعجمييّن في (ف وج) ٥.
وخالفهم ابن فارس بقوله٦: "وأمَّا أفاجَ الرَّجل؛ إذا أسرع؛ فهو من ذوات الياء؛ والفَيْجُ منه".
_________________
(١) ١ ينظر: القاموس (صوأ) و(صيأ) ٥٧. ٢ ينظر: التَّاج (صوأ) و(صيأ) ١/٨٨، وفي هامشه أنَّ الأوَّل (صيأ) وهو سهو صوابه (صوأ) بدليل الجذر الثَّاني بعده وهو (صيا)، وبدليل ما في القاموس. ٣ ينظر: ص (٢٥٨) من هذا البحث. ٤ ينظر: التّنبيه والإيضاح١/٢١٦، واللّسان (فوج) ٢/٣٥٠. ٥ ينظر: التَّهذيب١١/١٢، والصحاح (فوج) ١/٣٣٦، والتنبيه والإيضاح١/٢١٦، والقاموس (فوج) ٢٥٩، والتّاج (فوج) ٢/٨٩. ٦ ينظر: المقاييس ٤/٤٥٨.
[ ١ / ٣٢٢ ]
ولعلَّ هذا ما دفع ابنَ منظور إلى ذكرها في الموضعين ١.
وأراه من (ف ي ج) كما قال ابن فارس؛ وقد ذكر ابن دُريد٢ أنَّ (الفَّيْج) معرَّبٌ؛ وهو: رسول السّلطان يسعى على رجليه. قال الجَواليقيُّ: "وليس بعربيٍّ صحيح؛ وهو فارسيٌّ"٣ وهو عند الفَيُّوميِّ٤ -أيضًا- معرٍّبٌ، وكذا في القاموس٥.
وقد رجّح ذلك الدّكتور ف. عبد الرحيم بقوله: "هو فارسيٌّ؛ وأصله: بيك؛ كما قال صاحب القاموس؛ وهو بالباء الفارسيّة والكاف، أو الكاف الفارسيّة، وأصل معناه الرَّاجل، ويطلق –أيضًا- على الرّسول؛ لأنّه يسعى على رجليه، ومنه (صورة١٢) بالسُّريانيّة، ومعناه: جُنديٌّ راجلٌ "٦.
فلعلّ الإفاجة من هذا؛ فيكون أصلها يائيًّا، ولا يمتنع أن تكون الإفاجة من (ف وج) وهو أصل عربيٌّ؛ وافقَ الأصلَ الأعجميَّ في معناه وقاربه في لفظه؛ فتداخلا.
_________________
(١) ١ ينظر: اللسان (فوج) و(فيج) ٢/٣٥٠. ٢ ينظر: الجمهرة ١/٤٩٠. ٣ المعرب ٤٧٢. ٤ ينظر: المصباح ٤٨٥. ٥ ينظر: (فوج) ٤٥٠. ٦ ينظر: المعرّب ٤٧٣.
[ ١ / ٣٢٣ ]
ومن ذلك تداخل (س ود) و(س ي د) في (السِّيْدِ) وهو الذّئب؛ يقال: سِيْدُ رَمْلٍ، والجمع: السِّيدان، والأنثى: سِيدَة، وربّما سمّي به الأسد.
وممّن رأى أنَّه من (س ود) الجوهريُّ١، والفيروزآباديّ٢، والزَّبِيديّ٣ الّذي ذكر أنَّه قول أكثر أئمة التَّصريف.
وحمله على (س ي د) جماعة من العلماء؛ على رأسهم سيبويه٤، إذ ذكر في باب تحقير ما ثانيه ياء ألفاظًا من الأسماء، منها: (بَيْت) و(شَيْخ) و(سِيْد) ٥.
ومنهم ابن فارس٦ وابن جنّي٧ الّذي ذكره في باب ما يحمل على الظَّاهر؛ وإن أمكن أن يكون المراد غيره، واستدلّ فيه برأي سيبويه؛ لأنَّ عين الفعل لا تمتنع أن تكون ياءً.
_________________
(١) ١ ينظر: الصحاح (سود) ٢/٤٩٢. ٢ ينظر: القاموس (سود) ٣١٧. ٣ ينظر: التّاج (سود) ٢/٣٨٥. ٤ ينظر: الكتاب ٣/٤٨١. ٥ في طبعة الأستاذ عبد السلام هارون أنَّه «سَيِّد» بفتح السّين وتضعيف الياء؛ وهو سهو أو تصحيف، وكذا في طبعة بولاق (٢/١٣٦) وصواب ذلك أنّه «سِيْد» . ينظر: الخصائص١/٢٥١، واللسان (سيد) ٣/٢٣٢. ٦ ينظر: المقاييس٣/١٢٠، والمجمل ٢/٤٨٠. ٧ ينظر: الخصائص١/٢٥١-٢٢٥.
[ ١ / ٣٢٤ ]
وقد أطال ابن جنّي الحديثَ في هذه المسألة وقلّب الرّأي في شتّى جوانبها، ولم يكد يترك لمعترضٍ حجَّةً يمكن أن يحتجّ بها على بطلان الياء إلاَّ ردَّ عليها.
فمن ذلك انَّه توهّم اعتراضًا بأنَّه لا يُعرف في كلام العرب تركيب (س ي د) فهلاَّ حُملت الكلمة على (س ود) وهو موجود؟ فردَّ بأنَّ ذلك لا يمنع حملها على (س ي د) وإن انفردت في بابها، واستدلَّ بأنَّ سيبويه أثبت بعض النَّوادر؛ كإثباته في الكلام: فَعُلْتَ تَفْعَلُ؛ وهو: كُدْتَ تَكَادُ١؛ ولم يذكر له نظيرًا، وإثباته بـ (إِنْقَحْلٍ) بابَ (إنفَعْلٍ) وإن لم يُحكَ غيره٢، وإثباته بـ (سُخَاخِين) - وهو الحار (فُعَاعيلًا) ولا يعلم غيره٣.
وتوهّم أنَّ معترضًا قال: إنَّ كثرة وقوع عين الفعل واوًا تقود إلى الحكم بأنَّه من (س ود) فردَّ بأنَّه إنَّما يحكم بذلك مع عدم الظَّاهر، فأمَّا هذا والظَّاهر معنا فلا يليق بنا العدول عنه، أمّا إذا جانبنا الظَّاهر احتجنا إلى العدول والحكم بالأليق والحملِ على الأكثر؛ وذاك إن كانت العين ألفًا مجهولةً، فحينئذٍ تحمل على أوسع البابين.
_________________
(١) ١ ينظر: الكتاب ٤/٤٠، ومعنى كاد-هنا- المقاربة، وليس الكَيْد والمكر؛ فهذا يائيٌّ. ٢ ينظر: الكتاب ٤/٢٤٧. ٣ ينظر: الكتاب ٤/٢٥٤.
[ ١ / ٣٢٥ ]
وبكلام ابن جنّي احتجَّ ابنُ سِيده١ لوضعها في اليائيِّ.
وأرى أنَّ ما احتجّا به من اليسير إضعافه، فأمَّا الظّاهر الّذي احتجّا به وأدارا القول عليه، فإنَّه لا يسلَّم به؛ فأيُّ ظاهر والسِّين مكسورة؟ فالياء في (السِّيْدِ) بمنزلة الياء في (القِيْلِ) من: القول، و(العِيْدِ) من: العَوْدَةِ. نعم يسلَّم بالظَّاهر لو كانت السِّين مفتوحة؛ وهو ما لم يرد فيها - فيما أعلم.
أمَّا سيبويه فإنَّه أثبت ما أثبت من الآحاد والمفاريد؛ خلافًا لنهجه العامِّ، والنَّهجِ المأخوذ به في تقعيد الأبنية عند علماء العربيّة. ولو أُخذ بهذا المنهج لما قيل: (ليس في كلام العرب) من الأبنية إلاّ كذا، ولبطل الاستدلال بعدم النّظير. ومهما يكن من أمرٍ؛ فإنَّ اختلافهم في أصل (السِّيْدِ) دليل واضح على خفاء أصله، ممَّا مكّن التَّداخل فيه. ومن هذا النّوع تداخل (ش وش) و(ش ي ش) في (التَّشْوِيشِ) وهو: التَّخليط من قولهم: تَشَوَّشَ عليه الأمرُ؛ إذا اختلط؛ فإن كان عربيًا فصيحًا ٢ فإنَّه يحتمل الأصلين:
_________________
(١) ١ ينظر: اللسان (سيد) ٣/٢٣٢. ٢ ذكر بعضهم أنّها لغة مولّدة، وقيل: إنَّها لحن، صوابه التهويش، وقد تهوّش بالهاء. ينظر: درَّة الغوّاص٤٧، وتقويم اللسان١٨٦، وتصحيح التصحيف٣٤٣، وقد أثبتها أكثر أصحاب المعاجم على أنَّها عربيّة صحيحة.
[ ١ / ٣٢٦ ]
فقد ذهب الجوهريُّ١ إلى أنَّ أصله (ش ي ش) .
وهو - عند الجمهور- من الأصل الواويِّ، ومنهم الصَّغانيُّ٢ الّذي ردَّ على الجوهريِّ فيه، ونصَّ على أنَّ التّشويش من (ش وش) وكذلك ابن منظور٣. ومنهم الفيروزآباديُّ٤، والفَيُّوميُّ٥، والزَّبِيديُّ٦.
وأرى أنَّ الكلمة واويّة؛ كما ذهب الجمهور؛ وليس للجوهريِّ دليل لوضعها في (ش ي ش) ولو كانت من ذلك لقالوا: تَشَيَّشَ؛ مثل تَخَيَّرَ. ومن هذا النّوع تداخل (ت وهـ) و(ت ي هـ) في (التُّوْهِ) من قولهم: وَقَعَ في التُّوْهِ؛ أي: الهلاكِ؛ وهو يحتمل الأصلين:
فكان الخليل وسيبويه يحملانه على (ت وهـ) .
قال ابن جنّي: "التُّوه لا يجوز عند الخليل وسيبويه، إلاَّ من الواو دون الياء؛ لأنَّهم لو بَنَيَا مثل: بُرُدٍ من:بِعْتُ -لقالا: بِيْعٌ، وهما يُجيزان في
_________________
(١) ١ ينظر: الصحاح (شيش) ٣/١٠٠٩. ٢ ينظر: التّكملة (شوش) ٣/٤٨٥. ٣ ينظر: اللسان (شوش) ٦/٣١١. ٤ ينظر: القاموس (شوش) ٧٦٩. ٥ ينظر: المصباح ٣٢٧. ٦ ينظر: التاج (شوش) ٤/٣١٨.
[ ١ / ٣٢٧ ]
: دِيكٍ، وفَيْلٍ أن يكونا (فِعْلًا) و(فُعْلًا) ويجريان الواحد في هذا المعنى مُجرى الجميع؛ نحو: بِيْضٍ في جمع: أَبْيَضَ؛ وإنَّما هي فُعْل"١.
ويمكن أن يكون (التُّوه) عند الأخفش من الأصلين الواوي واليائي؛ لأنَّه كان يقول: إنَّه لو بَنَى مثل (بُرُدٍ) من بِعْتُ لقال: بُوعٌ؛ وهو خلاف مذهب الخليل وسيبويه، وكان يبدل من الضَّمَّة كسرة في الجمع؛ نحو: بِيضٍ، أمَّا في المفرد فلا٢.
وقد ذكره ابن منظور في الأصلين؛ لقولهم: (التُّوهُ) و(التِّيهُ) وذكر ابن سِيده تَاهَ يَتُوهُ ويَتِيهُ تَوْهًا في (ت وهـ) وقال: "إنَّما ذكرت -هنا- يَتِيهُ، وإن كانت يائيّة اللَّفظ؛ لأنَّ يائها واو؛ بدليل قولهم: ما أَتْوَهَهُ، في ما أتْيَهَهُ"٣.
ويتداخل (ص وخ) و(ص ي خ) في قولهم: أَصَاخَ له؛ أي: استمع وأنصتَ لصوتٍ، ومنه حديث ساعة الجمعة: "ما من دابَّة إلاَّ وهي مُصِيخَةٌ"٤ أي: مستمعة مُنصِتةٌ؛ وهو محتمل الأصلين:
ذهب الجوهريُّ ٥ إلى أنَّه من (ص وخ) وتابعه أبو بكر
_________________
(١) ١ المنصف ١/٢٦٥. ٢ ينظر: المنصف /٢٦٥. ٣ المحكم ٤/٢٩٩. ٤ ينظر: المجموع المغيث ٢/٣٠٤، والنهاية ٣/٦٤. ٥ ينظر: الصحاح (صوخ) ١/٤٢٦.
[ ١ / ٣٢٨ ]
الرَّازي١.
وذهب الجمهور إلى انَّه من (ص ي خ) ومنهم ابن فارس ٢، وأبو موسى٣، وابن سِيده٤، والزَّمخشري٥، وابن الأثير٦، وابن منظور٧. ويحتمل كلام الفيروزآبادي ٨ والزَّبِيديِّ ٩ الأصلين بلا تحديد.
وفي الحقِّ فإنَّه يحتمل الأصلين؛ وإن ذهب الجمهور إلى أنَّه من (ص ي خ) وليس في قولهم: أَصَاخَ يُصِيخُ دليل؛ لأنَّ البناء -هنا - يطلب الياءَ؛ سواء كان المعتلّ واويًا أو يائيًّا؛ لأنَّ الواو تقلب في (يُفْعِل) من (أَفْعَلَ) الأجوف ياءً لمكان الكسرة؛ فيجوز أن يكون في الأصل (يُصْوِخُ)
_________________
(١) ١ ينظر: مختار الصحاح (صوخ) ٩٣. ٢ ينظر: المقاييس (صيخ) ٣/٣٢٥. ٣ ينظر: المجموع المغيث ٢/٣٠٥، وأبو موسى هو: الحافظ محمد بن عمر بن أحمد المديني الأصبهانيّ؛ صاحب التّصانيف في الحديث واللّغة وغيرهما. (توفّي سنة ٥٨١هـ) ومن مصادر ترجمته: سير أعلام النّبلاء٢١/١٥٢، وتذكرة الحفَّاظ٤/٢٤٦، وطبقات الشّافعية الكبرى٦/١٦٠. ٤ ينظر: المحكم٥/١٥٠. ٥ ينظر: أساس البلاغة٢٦٣. ٦ ينظر: النهاية٣/٦٤. ٧ ينظر: اللّسان (صيخ) ٣/٣٥. ٨ ينظر: القاموس ٣٢٦. ٩ ينظر: التّاج ٢/٢٦٧.
[ ١ / ٣٢٩ ]
ثمَّ نقلت الكسرة وسُكِّنت الواو فيكون تقديره (يُصْوِخُ) فقلبت الواو ياءً، لسكونها وانكسار ما قبلها؛ فقالوا: (يُصِيخُ) ومثله (مُصِيخٌ) كما تقول: أَعَادَ يُعِيدُ؛ وهو من العَوْدَةِ.
ولم يذكروا - فيما تحت يدي من مصادر - أنَّ العرب قالت: الصَّيخُ؛ ليكون دليلًا على الياء؛ لأنَّ الفعل استعمل مزيدًا بالهمزة.
ثانِيًا- التَّداخل بين الأجوف والنَّاقِصِ:
وهو نوع من أنواع التَّداخل في الأجوف؛ غير أنَّه أقلُّ وقوعًا من سابقه.
فمنه تداخل الأصلين (م ي د) و(م د ي) في (المِيدَاءِ) في قولهم: مِيدَاءُ الطَّريق، وقولهم: ما أدري ما مِيدَاء هذا الأمر؛ يعني: قدره وغايته. وقد اختلفوا في أصله:
فجعله بعضهم من (م ي د) على زنة (فِعْلاء) كابن سِيده١ والصَّغانيّ؛ إذا ذكره في (ميد) بقوله: "وإن كان بناء مستقلًاّ؛ فهو (فِعْلاَل) [هكذا] وهذا موضعه"٢ يعني (م ي د) وقد سها - ﵀ - في وزنه، وكذا نقله الزَّبِيديُّ ٣؛ دون أن ينبِّه عليه أو يصلحه، وصواب ما ذكر الصّغانيّ أن يكون (فِعْلاء) لأنَّه من (ميد) ولا يكون على
_________________
(١) ١ ينظر: اللسان (ميد) ٣/٤١٢. ٢ التَّكملة (ميد) ٢/٣٤٦. ٣ ينظر: التّاج (ميد) ٢/٥٠٧.
[ ١ / ٣٣٠ ]
(فِعْلاَل) إلاَّ أن يكون الأصل (م ي د أ) ولم يُرد الصّغانيّ ذلك، ومقاييس اللّغة تأباه؛ لأنَّ الياء لا تكون أصلًا في بنات الأربعة في غير المضاعف.
وذكره - أيضا ً - في (م ي د) ابنُ منظور١، والفيروزآباديّ٢، والزَّبِيديّ٣، وكأنَّهم متردِّدون في أصله؛ لأنَّهم أعادوه في (م د ي) . وذهب بعضهم إلى أنَّه من (م د ي) على وزن (فِيعَال) ومن أوائل من رأى ذلك الأزهريّ؛ فقد قال: "وهو (فِيعَال) من المَدَى؛ كأنّه مصدر: مَادَى مِيْدَاءً؛ على لغة من يقول: فَاعَلْتُ فِيْعَالًا "٤.
وهو عند ابن الأعرابي (مِفْعَالًا) من: المَدَى؛ وهو الغاية٥؛ ولعلّه يكون سهوًا منه - ﵀ - لأنَّ (مِفْعَالًا) لا يستقيم إن أراد اشتقاق (المِيدَاءِ) من (المَدَى) لأنَّ الميم زائدة في الوزن؛ وهي أصلية في المدى. وقد تعقّبه الأزهري بقوله: (قوله: المِيدَاء (مِفْعَال) في المَدَى غلطٌ؛ لأنَّ الميم أصليّة؛ وهو (فِيعَال) من المَدَى"٦.
وذهب ابن السِّكِّيت٧ مذهب ابن الأعرابيّ في وزنه، ولو كان
_________________
(١) ١ ينظر: اللسان (ميد) ٣/٤١٢. ٢ ينظر: القاموس (ميد) ٤٠٩. ٣ ينظر: التاج (ميد) ٢/٥٠٧. ٤ التهذيب ١٤/٢٢١. ٥ ينظر: التهذيب ١٤/٢٢١. ٦ التّهذيب ١٤/٢٢١. ٧ ينظر: التّاج (مدى) ١٠/٣٣٨.
[ ١ / ٣٣١ ]
كما ذكر لكان موضعه (يدا) كما نبّه عليه شيخ الزَّبِيديّ ابن الطّيب الفاسيّ١.
وأجاز الصّغانيّ أن يكون (المِيدَاء) (مِفْعَالًا) ولكن على سبيل الاعتقاب من: (أدَّاهُ كذا إلى كذا) فيكون أصله (أد ى) قال: "إن كان مِيْدَاءُ الطّريق سُمِعَ على طريق الاعتقاب لِمِئْتَائِهِ فهو مهموز (مِفْعَال) من: أدَّاه كذا إلى كذا، وموضعه أبواب المعتلّ؛ كموضع المِئْتَاءِ"٢.
ومن التَّداخل بين الأجوف والنّاقص ما يظهر بين كلمتي (التَّسْوِيفِ) و(السَّوَافِي) في قول الشَّاعر:
هِيَ الدُّنْيَا وقَدْ نَعِمُوا بِأُخْرَى وَتَسْوِيفُ العِدَاتِ مِنَ السَّوَافِي٣.
التَّسويف: المطل، والسَّوافي جمع: سَافِي؛ وهي: الرِّيح الّتي تصفي التُّراب وتَذْروه.
قال ابن جنّيّ: "فظاهر هذا يكاد لا يشكّ أكثر النّاس أنَّه مُجَنَّسٌ؛ وليس هو كذلك؛ وذلك أنّ تركيب تسويفٍ من (س وف) وتركيب السّوافي من (س ف ي) لكن لمّا وجد في كلّ واحدٍ من الكلمتين سينٌ وفاءٌ وواوٌ جرى في بادي السّمع مجرى الجنس الواحد "٤ فتداخلا.
ومن ذلك تداخل (ث وب) و(ث ب و) في (الثُّبَة) وهو: وسط
_________________
(١) ١ ينظر: التاج (مدى) ١٠/٣٣٨. ٢ التّكملة (ميد) ٢/٣٤٦. ٣ هو: عبد السلام بن رغبان، المعروف بـ «ديك الجن» . ينظر: ديوانه. ١٢١. ٤ الخصائص ٢/٤٧.
[ ١ / ٣٣٢ ]
الحوض؛ وقد ذهبوا في أصله مذهبين:
فمنهم من رأى أنَّه من (ث وب) وأقدم من وقفت له على نصٍّ في ذلك أبو إسحاق الزّجّاج؛ إذ قال: "وَثُبَةُ الحَوْضِ - وسطه حيث يثوب الماء إليه - تُصَغَّر: ثُوَيْبَةٌ؛ لأنّه محذوفةٌ منه عين الفعل"١.
وفرّق بين (ثُبَةٍ) بمعنى: وسط الحوض، و(ثُبَةٍ) بمعنى: الجماعة؛ فالأخيرة عنده ناقصةٌ؛ أي: أنّ المحذوف منها اللاَّم، وتصغيرها عنده: ثُبَيَّةٌ، واشتقاقها من: ثَبَيْتُ على الرَّجل؛ إذا أثنيتَ عليه في حياته؛ أي: أنَّك جمعت محاسنه.
ووافقه الجوهريّ بقوله: "الثُّبَةُ – أيضًا – وسط الحوض؛ الّذي يثوب إليه الماء، والهاء – هاهنا – عِوضٌ من الواو الذَّاهبة من وسطه؛ لأنَّ أصله ثُوبٌ؛ كما قالوا: أقام إقامةً، وأصله إقوامًا؛ فعوَّضوا الهاء من الواو الذَّاهبة من عين الفعل"٢.
ووافقه في التَّفريق بين الكلمتين في أصلَيْهما -أيضًا - حين قال: "والثُّبَةُ: الجماعة؛ وأصلها ثُبَيٌ"٣.
وجمهور العلماء لا يفرِّقون بينهما في الاشتقاق؛ فهما من أصلٍ واحدٍ، والجامع بينهما التّجمّع الموجود في الجماعة، وفي وسط الحوض؛
_________________
(١) ١ معاني القرآن ٢/٤٧. ٢ الصّحاح (ثبا) ٦/٢٢٩١. ٣ الصحاح (ثبا) ٦/٢٢٩١.
[ ١ / ٣٣٣ ]
لاجتماع الماء فيه١.
واشتقّها بعضهم٢ من (ثَابَ) بمعنى: عَادَ ورجع؛ وكأّن أصلها: ثَوبةٌ، ثُمَّ حُذِفَت الواو لمّا ضُمّتِ الثّاء. وذهب أكثر العلماء إلى أنّ (الثُّبَة) بمعنى: الجماعة، أو وسط الحوض من (ث ب و) وأنّ المحذوف منها لام الكلمة. ولعلّ أوّل من أشار إلى ذلك هو سيبويه؛إذ قسّم بنات الحرفين من مثيلاتها عند جمعه بالألف والتّاء قسمين:
أحدهما: ردّوا إليه لامه المحذوفة؛ مثل: سَمَوات وعِضَوَات.
وثانيهما: مالم تردّ له اللاّم المحذوفة، ومنه (ثُبَاتٌ) جمع: ثُبَةٍ٣.
ومن هؤلاء أبو عليّ الفارسيّ، وقد قاسه على الأكثر؛ وهو حذف اللاّم، وأشار إلى أنّ الحذف يقلّ في العين، ويندر في الفاء٤. ولا يَرِدُ على أبي عليّ -فيما قال- نحو: (عِدَة) و(صِلَةٍ) وهما ممّا حذفت فاؤه؛ لأنّهما من مصادر بنات الواو؛ وأوّلهما مكسورٌ؛ وليس (ثُبَة) من ذلك.
ويُعدّ ابن جنّيّ٥ من أشدّ الراغبين في إثبات أنّ المحذوف منها اللاّم، وليس العين، وممّا استدلّ به قول الرّاجز:
_________________
(١) ١ ينظر: البغداديّات ٥٣١، وسرّ الصّناعة ٢/٦٠٢. ٢ ينظر: اللّسان (ثوب) ١/٢٤٤. ٣ ينظر: الكتاب ٣/٥٩٨. ٤ ينظر: البغداديّات ٥٣١. ٥ ينظر: سرّ الصّناعة ٢/٦٠١-٦٠٢.
[ ١ / ٣٣٤ ]
هَلْ يَصْلُحُ السَّيْفُ بِغَيْرِ غِمْدِ فَثَبِّ مَا سَلَّفْتَهُ مِنْ شُكْدِ١
فمضارع قوله: (فَثَبِّ) يُثَبِّي، ومعناه: يجمّع، وهو يدلّ على أنّ اللاّم معتلّةٌ، وأنّ الثّاء والباء فاءٌ وعينٌ. وأراد أن يثبت أنّ لامها المعتلّة واوٌ، وليست ياءً؛ فحملها على الأكثر في الحذف؛ للدّخول في أوسع البابين- بقوله: "الّذي ينبغي أن يقضى به في ذلك أن تكون من الواو، وأن يكون أصلها: ثُبْوَةٌ؛ وذلك أنّ أكثر ما حذفت لامه إنّما هو من الواو؛ نحو: أبٍ، وأخٍ، وغدٍ، وهنٍ، وحمٍ، وسَنَةٍ -فيمن قال: سنوات - وعِضَةٍ - فيمن قال: عِضَوَات فهذا أكثر ممّا حذفت لامه ياءً؛ فعليه ينبغي أن يكون العمل فقد ثبت أنّ أصل ثُبَةٍ: ثُبْوَةٌ "٢.
ومنهم ابن يعيش٣ وقد استدلّ بما استدلّ به أبو عليّ وابن جنّي، وتابعهم ابن عصفورٍ٤.
ومن نتائج التّداخل في هذه الكلمة أنّها وضعت في بعض المعاجم كـ (الصّحاح) ٥ و(اللّسان) ٦ في الموضعين (ث وب) و(ث ب و) .
_________________
(١) ١ ينظر: سرّ الصّناعة ٢/٦٠٢، واللّسان (ثبو) ١٤/١٠٨، والتّاج (ثبو) ١٠/٥٥، والشّكد: العطاء. ٢ سرّ الصناعة ٢/٦٠٣. ٣ ينظر: شرح الملوكيّ ٢/٦٢٢. ٤ ينظر: الممتع ٢/٦٢٣. ٥ ينظر: (ثوب) ١/٩٥، و(ثبو) ٦/٢٢٩١. ٦ ينظر: (ثوب) ١/٢٤٤، و(ثبو) ١٤/١٠٨.
[ ١ / ٣٣٥ ]
ثالثًا- التَّداخل بين الأجوف واللَّفيف:
وهذا النّوع الثّالث من التّداخل في الأجوف، وهو تداخلٌ بين الأجوف واللّفيف؛ وهو أكثر وقوعًا من النّوع السّابق. فمنه تداخل (م وس) و(وس ي) في (موسى) آلة الحلاقة؛ وقد اختلفوا فيه اختلافًا بيّنًا:
فمنهم من ذهب إلى أنّ أصلها (م وس) ووزنها (فُعْلَى) ومن هؤلاء: صاحب (العين) إذا قال: "المَوسُ: تأسيسُ اسم المُوسى، وبعضهم ينوّن مُوسًى؛ لما يلحق به"١.
وإلى هذا ذهب الكسائيّ٢ والفرّاء٣، الّذي ذكر أنّها تؤنّث، ولا تنصرف في كلّ حالٍ؛ لكونها كالبُشرى.
وتابعهم الفيّوميّ؛ وروى قولهم: "مَاسَ رأسَه مَوْسًا – من باب قال: حَلَقَه، والمُوسى: آلة الحديد "٤.
ويؤيّد ذلك ما ذكره ابن فارسٍ بقوله: "والمَوس: حَلْقُ الرّأس"٥، وهذا يؤيّد أصالة الميم في (الموسى) وأنّ أصلها (م وس) على وزن
_________________
(١) ١ العين ٧/٣٢٣. ٢ ينظر: إصلاح المنطق ٣٥٩. ٣ ينظر: شرح الشّافية للرّضيّ ٢/٣٤٨. ٤ المصباح ٥٨٥. ٥ ينظر: المقاييس ٥/٢٨٥.
[ ١ / ٣٣٦ ]
(فُعْلَى) .
وذكر الرّضيّ أنّ الفرّاء اشتقّها من (المَيْس) وهو التَّبَخْتُر؛ لأنّ المُزيَّن يتبختر؛ قال: وهو اشتقاقٌ بعيدٌ١. وقد قلبت الياء واوًا؛لانضمام ما قبلها.
ويرد على أصحاب هذا الرّاي أنّ (مُوسًى) مصروفةٌ في التّنكير.
قال الجرجانيّ: "وأمّا ما ذهب إليه بعض أهل اللّغة من أنّه (فُعْلى) من مَأَسْتُ رأسه؛ فيجب له أن يدّعي منع صرفه؛ لأنّ مثال (فُعْلى) لا يكون ألفه لغير التّأنيث، وأصحابنا قد أثبتوا فيه الصّرف"٢.
على أنّ ما ذهب إليه الجرجانيّ من الممكن دفعه؛ فقد ذكروا أنّها تجرى ولا تجرى٣: أي: تصرف ولا تصرف، وأنّها تذكّر وتؤنّث.
فمن أجراها قال في التّصغير: هذه مُوَيْسِية صغيرةٌ، وقال في جمعها: المواسي؛ لأنّها (مُفْعَل) عنده.
ومن لم يجرها قال في التّصغير: هذه مُوَيْسَى صغيرةٌ، وقال في جمعها: المُوْسَيَات، على حدّ قولهم: (الحُبْلَيَات)؛ لأنّ (مُوْسَى) عنده (فُعْلَى) كحُبْلَى٤.
_________________
(١) ١ ينظر: شرح الشّافية ٢/٣٤٨. ٢ المقتصد في شرح التّكملة ٢/٧٩٩. ٣ ينظر: المذكّر والمؤنّث للفرّاء ٨٦، والمذكّر والمؤنث لابن التّستريّ ١٠٥. ٤ ينظر: المذكّر والمؤنّث للأنباريّ ٣٢٨.
[ ١ / ٣٣٧ ]
ويرى الأُمَويّ أنّ (المُوسَى) مذكّرٌ لا غير١، وحكى أبو عبيدٍ أنّ الأمويّ انفرد بذلك٢.
وشاهد التّذكير قول الرّاجز:
مُوْسَى الصَّنَّاعِ مُرْهَفٌ شَبَاتُهُ٣
وشاهد التّأنيث قول الشّاعر:
وَإِنْ كَانَتِ المُوْسَى جَرَتْ فَوْقَ فَعْلِهَا فَمَا خُتِنَتْ إِلاَّ وَمَصَّانُ قَاعِدُ٤
وذهب أكثر العلماء إلى أنّ (موسى الحلاّقة) من (وس ى) ووزنها (مُفْعَل) واشتقاقها - عندهم -من: أَوْسَيْتُ رأسه؛ إذا حَلَقْتَه.
وعلى رأس هؤلاء: سيبويه٥، وأبو زيدٍ الأنصاريّ؛ فيما حكى عنه الجرميّ بقوله: "سمعت أبا زيدٍ يروي عن العرب: هذه موسًى خَذِمَةٌ؛ وهي (مُفْعَل) ولو كانت الميم أصليّةً لم ينصرف؛ لأنّ (فُعْلَى) في جميع
_________________
(١) ١ ينظر: المذكّر والمؤنّث للأنباريّ ٣٢٩، والصّحاح (وسى) ٦/٢٥٢٤، والأمويّ هو: عبد الله بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص، اللّغوي، وأخذ عن فصحاء الأعراب، وكان ثقة في نقله ومن مصادر ترجمته؛ طبقات النّحويّين واللّغويّين ١٩٣، وإنباه الرّواة ٢/١٢٠، وبغية الوعاة ٢/٤٣. ٢ ينظر: الغريب المصنّف ٢١٣ ب. ٣ ينظر: المذكّر والمؤنّث للأنباريّ ٣٢٨، والمخصّص ١٧/١٧. ٤ ينظر: المذكّر والمؤنّث للأنباريّ ٣٢٨، واللّسان (وسى) ١٥/٣٩١، وفيه: «فوق بَظْرِها» . ٥ ينظر: الكتاب ٣/٢١٣.
[ ١ / ٣٣٨ ]
الكلام غير مصروفةٍ في معرفةٍ ولا نكرةٍ، ونحو: حُبْلَى وأُنْثَى؛ قال: فصرف العرب يدلّ على أنّ الميم زائدة ٌ"١. وبنحو ذلك استدلّ ابن السّرّاج٢.
وممّن ذهب - أيضًا - إلى أنّها (مُفْعَل) ابن جنّي٣، وابن القطّاع٤، والرّضيّ٥، وابن عقيلٍ٦.
والمذهبان متساويان؛ فالاشتقاق يسعفهما جميعًا؛ فكما جاء في اللّغة أنّ المَوْس: حلق الرّأس، ومنه قالوا: مَاسَ رأسه؛ أي: حلقه فإنّ في اللّغة - أيضًا - أنّ الوَسْيَ: الحلق، ومنه: أَوْسَيْت الشّيء: حلقه بالموسى. وحججهم الصّرفيّة تكاد تكون متوازنةً؛ فقد ذكروا أنّها ممّا يذكّر ويؤنّث، وينصرف ولا ينصرف.
وعلى الرّغم من ذلك فثمّة ما يرجّح به أحد الأصلين؛ وهو (مُفْعَل) وذلك بالدّخول في أوسع البابين؛ وهو ما فطن إليه ابن جنّي؛ فترك أدلّتهم جانبًا؛ لأنّ لكلّ دليلٍ ما يقابله؛ فقال: "اعلمْ أنّك إذا حَصَّلتَ حرفين
_________________
(١) ١ شرح أبنية الكتاب ٥٢٩. ٢ ينظر: الأصول ٣/٣٥١. ٣ ينظر: سرّ الصّناعة ١/٤٢٨. ٤ ينظر: الأفعال ٣/٣٣٥. ٥ ينظر: شرح الشّافية ٢/٣٤٨، ٣٤٧. ٦ ينظر: المساعد ٤/٦٩.
[ ١ / ٣٣٩ ]
أصلين في أوّلهما ميمٌ أو همزةٌ، وفي آخرهما ألفٌ – فاقض بزيادة الميم والهمزة؛ وذلك أنّا اعتبرنا اللّغة؛ فوجدنا أكثرها على ذلك؛ إلاَّ أن تجد ثبتًا تترك هذه القضيّة إليه؛ وذلك نحو موسى، وأروَى وأفعى، ومثالهما (مُفْعَل) و(أَفْعَل) وذلك أنّ (مُفْعَلًا) في الكلام أكثر من (فُعْلَى) و(أَفْعَل) أكثر من (فَعْلَى) ألا ترى أنّ زيادة الميم - أوَّلًا - أكثر من زيادة الألف رابعةً"١.
وقد انفرد ابن خالويه بأصل آخر غير (م وس) و(وس ى) وهو (أس و) إذ اشتقّه من؛ الأسوة بقوله: "ويكون (مُفْعَلًا) من الأسوة؛ وهذا حرفٌ غريبٌ؛ ما استخرجه أحدٌ - علمته - غيري، فاعرفه؛ فإنّه حسنٌ"٢.
والأسوة الّتي اشتقّ منها ابن خالويه هي: القدوة، والقوم أسوةٌ في هذا الأمر؛ أي: حالهم فيه واحدةٌ، وكأنّه لَمَحَ في (المُوسَى) أنّها تساوي بين الشّعر؛ فأخذه من هذا؛ وهو أضعف ممّا تقدّم.
أمّا (موسى) علَمٌ؛ وهو: موسى بن عمران - ﵇ - فينبغي أن تكون ميمه أصليّةً؛ لأنّه معرّبٌ، واشتقاق اسمه من الماء والشّجر؛ فـ (مو): الماء، و(سا): الشّجر سمِّي به لحال التّابوت
_________________
(١) ١ سرّ الصّناعة ١/٤٢٨. ٢ إعراب ثلاثين سورة ٦٤.
[ ١ / ٣٤٠ ]
والماء١. ويجوز أن يكون من القبطيّة، كما قال الدّكتور ف. عبد الرّحيم؛ وهو مركّبٌ من (mo) بمعنى الماء، و(USE) بمعنى أنقذ، أو (mes) أو (mesu) بمعنى الطّفل والابن٢.
ومن التّداخل بين الأجوف واللّفيف (المِينَاء) وهو الموضع الّذي ترفأ فيه السّفن؛ أي تجمع وتربط؛ وهو من (ون ي) فهو (مِفْعَال) من الوَني وهو: الفتور؛ لأنّ الرِّيح يقلّ فيه هبوبها.
غير أنّ ابن الأثير٣ ذكره في (م ي ن) فكأنّه عنده (فِعْلاء) وأشار إلى أنّه قد يُقصر؛ فتكون الميم زائدةً، وتابعه في ذلك ابن منظورٍ٤.
وغير بعيدٍ أنّه (مِفْعَال) من (ون ي) لدلالة الاشتقاق، وقَصْرُه يُقرّبه - أيضًا - لأنّ (مِفْعَل) اسم مكان، و(الميناء) كذلك؛ فهو اسمٌ لمكانٍ تُرفأ فيه السُّفُن.
ومن الأمثلة: تداخل (ل وهـ) أو (ل وت) و(ل وي) في (اللاَّت) في قوله – ﷿: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى﴾ ٥ وهي صنمٌ لثقيفٍ، كانوا يعبدونه في الجاهليّة، والألف واللاّم فيها زائدةٌ؛ وهي
_________________
(١) ١ ينظر: العين ٧/٣٢٣، والمعرّب ٥٦٧، والقاموس (موس) ٧٤٣. ٢ ينظر: المعرّب ٥٦٨ تعليق رقم ٦٠٩. ٣ ينظر: النّهاية (مين) ٤/٣٨٣. ٤ ينظر: اللّسان (مين) ١٣/٤٢٦، وذكرها -أيضًا- في (ونى) ١٥/٤١٦. ٥ سورة النجم: الآية ١٩.
[ ١ / ٣٤١ ]
معرفةٌ بغيرها؛ لأنّها عَلَمٌ، ودليل زيادتها لزومها إيّاها؛ كلزوم لام (الّذي) و(الآن) وبابهما١.
وقيل: إنّها صفةٌ غالبةٌ؛ مثل الحارث والعبّاس؛ فلا تكون اللاّم - حينئذٍ - زائدةً زيادة لازمة٢.
وللعلماء في أصلها ثلاثة مذاهب:
أوّلها: أن تكون من (ل وي) يقال: لويتُ على الشّيء؛ إذا أقمت عليه؛ ويدلّ على ذلك قوله -﷿ -: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ ٣، وقوله - ﷿ -: ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ ٤؛ فكأنّها سمّيت بذلك لإقامتهم على عبادتها، وصبرِهِم عليها٥.
ومنه قول الشّاعر:
عَمَّرْتُكِ اللهَ الجَلِيلَ فإِنَّنِي أَلْوِي عَلَيْكِ لَوَ انَّ لُبَّكِ يَهْتَدِي٦
وذاك أنّ الأصنام يُعكف عليها، ويُصبر للعبادة.
ويجوز أن يكون اشتقاقها في هذا الأصل من (ل وى) بمعنى:
_________________
(١) ١ ينظر: اللّسان (لوى) ١٥/٢٦٨. ٢ ينظر: التّبيان ٢/١١٨٧، والتصريح ١/١٥٠. ٣ سورة الأعراف: الآية ١٣٨. ٤ سورة ص: الآية ٦. ٥ ينظر: المنصف ٣/١٣٢. ٦ هو: عمرو بن أحمر الباهليّ؛ والشّاهد في ديوانه ٦٠، وينظر: الكتاب ١/٣٢٣، والمقتضب ٢/٣٢٩، وشرح أبيات سيبويه ١/١٥٦.
[ ١ / ٣٤٢ ]
طاف؛ فتكون بمعنى: يَلْتَوُون عليها؛ أي: يطوفون١.
والأصل في (اللاّت) على هذا الأصل (لَوَيَةٌ) ثمّ حذفت اللاّم؛ وهي الياء؛ فتحرّكت الواو، وانفتح ما قبلها؛ فصار إلى (لاتٍ) كما صار (شَوْهَةٌ) بعد حذف اللاّم إلى (شَاةٍ) ٢.
وعينها - عند ابن جنّي - ساكنةٌ ووزنها قبل الحذف (فَعْلَةٌ) بسكون العين، وكان الأصل (لَوْيَة) فحذفت الياء؛ فبقيت (لَوْةٌ) فانفتحت الواو لمجاورتها التّاء؛ فانقلبت ألفًا؛ فصارت إلى (لات) كما تقدّم، والتّاء للتّانيث، ووزنها بعد الحذف (فَعَة) ٣.
وثانيها أنّ منهم من يرى أنّ أصلها (ل وهـ) مشتقّ من (لاَهَة) وهي الحيَّة؛ كأنّ الصّنم سمِّي بها، ثمّ حذف منه الهاء؛ كما قالوا: شاةٌ، وأصلها: شَاهَةٌ ٤.
وقد كان الكسائيّ٥ يقف عليها بالهاء "لأنّها هاءٌ؛ فصارت تاءً في الوصل "٦.
_________________
(١) ١ ينظر: البحر المحيط ٨/١٦٠. ٢ ينظر: المقتصد في شرح التّكملة ٣/١٠٠٦. ٣ ينظر: المنصف ٣/١٢٣. ٤ ينظر: المحكم ٤/٣٠٧. ٥ينظر: معاني القرآن للفرّاء ٣/٩٧. ٦ اللّسان (لوه) ١٣/٥٣٩.
[ ١ / ٣٤٣ ]
ومن هنا وضعها الجوهريّ في (ل وهـ) ١ وتابعه في ذلك ابن منظورٍ٢.
وثالثها أنّه قيل: إنّ أصل (اللاّت) (ل ي ت) واشتقاقها من (اللّيت) من: لاَتَه يَلِيتُهُ؛ إذا نَقَصَه حقَّه، أو صرفه عن الشّيء؛ فالتّاء على هذا أصلٌ٣.
ويشيع التّداخل بين الأجوف واللّفيف في بنائين؛ هما (فَعْلاَن) و(فَعَّال) ممّا آخره نونٌ مسبوقةٌ بألفٍ قبلها حرفان؛ ثانيهما معتلٌّ مضعّفٌ؛ نحو (غَيَّان) و(حَيَّان) و(طَيَّان) و(جَيَّان) و(صَوَّان) ونحو ذلك، ومَرَدُّه أنّ التّركيب من هذه الأحرف يحتمل البنائين جميعًا.
فـ (غَيَّان) اسم قبيلةٍ – يحتمل الأصلين (غ وي) و(غ ي ن):
الأقربُ أن يكون (فَعْلان) من (غ وي) ويؤيّده ما جاء في الحديث الشّريف: " أن قومًا من العرب أتوا رسول الله - ﷺ - فقال لهم: "من أنتم" فقالوا: نحن بنو (غَيَّان) فقال لهم: بل أنتم بنو رَشْدان"٤.
_________________
(١) ١ ينظر: الصّحاح (لوه) ٦/٢٢٤٩. ٢ ينظر: اللّسان (لوه) ١٣/٥٣٩. ٣ينظر: التّبيان ٢/١١٨٨. ٤ طرف من الحديث في سنن أبي داود باب في تغيير الاسم القبيح؛ من كتاب الآداب: ح٤٩٥٦-ج٤/٢٨٩، وينظر: المحتسب ١/٨٨، والممتع ١/٢٦٢، و(رَشدان) بفتح الراء وتكسر.
[ ١ / ٣٤٤ ]
قال ابن جنّي: "أفلا تراه – ﵇- كيف تَكَرَّهَ لهم هذا الاسم؛ لأنّه جعله من الغيّ"١ فحكم بذلك بزيادة النّون؛ فهو بمنزلة ما لا تضعيف فيه؛ نحو: مَرْجَان وسَعْدان.
ويمكن أن يكون على (فَعَّال) مشتقًاّ من (غ ي ن) يقال: غانت السّماء غَيْنًا، وغَيَّنَتْ: إذا طَبَّقَها الغَيْمُ، والغين: السّحاب المطبِق٢، من قول الشّاعر:
كَأَنِّي بَيْنَ خَافِيَتَيْ عُقَابٍ تُرِيدُ حَمَامَةً فِي يَوْمِ غَيْنِ٣
وهذا مقبولٌ على مذهب السّيرافيّ٤ في أنّ النّون إذا وقعت آخرًا بعد ألفٍ زائدةٍ؛ لا يخلو جعلها أصليّةً أن يؤدّي إلى بناءٍ موجودٍ، أو إلى بناء غير موجودٍ؛ فإن أدّى إلى بناءٍ غير موجودٍ قُضِيَ عليها بالزّيادة؛ نحو (كَرَوَان) لعدم (فَعَلاَل) وإن أدّى ذلك إلى بناءٍ موجودٍ جاز أن يحكم عليها بالأصالة؛ نحو (دِهْقَان) لوجود (فِعْلاَل) .
وكذلك في (غَيَّان) فإنّ القول بأصالة النّون يؤدّي إلى بناءٍ موجودٍ؛ وهو (فَعَّال) فتُحمل عليه.
والمذهب الأوّل في جعل (غَيَّان) (فَعْلاَن) من (الغَيّ) أقوى لقرب الاشتقاق؛ ولأنّ (فَعْلان) أكثر في كلام العرب من (فَعَّال) فحملها على
_________________
(١) ١ المنصف ١/١٣٤، وينظر: المحتسب ١/٨٨، والممتع ١/٢٦٢. ٢ ينظر: اللّسان (غين) ١٣/٣١٦. ٣ ينظر: معجم الشّعراء ٤٣٨، والكامل ٢/٩٨٦، والإبدال لأبي الطّيّب ٢/٤٢٤. ٤ينظر: الممتع ١/٢٦١.
[ ١ / ٣٤٥ ]
الأكثر أولى للدّخول في أوسع البابين.
ومن ذلك تداخل (ح ي ن) و(ح وي) أو (ح ي ي) في (حَيَّان) اسم رجلٍ؛ وهو يحتملها:
فيجوز أن يكون على (فَعْلاَن) من: الحياة، أو من: حَوَيْتُ، وأصله على هذا (حَوْيَان) اجتمعت فيه الواو والياء، وكانت أولاهما ساكنةً، وهي الواو فقلبت ياءً، وأدغمت الياءان؛ كقولهم في طَوْيَان: طَيَّان١. ويجوز أن يكون أصله (ح ي ن) على زنة (فَعَّال) ٢بأصالة النّون، واشتقاقه - حينئذٍ -من (الحَيْن) وهو الدّهر أو الهلاك. ويجوز أن يكون (فَوْعَالًا) أو (فَيْعَالًا) ٣ من (الحَيْن) أيضًا.
والأصل الأوّل – أعْنِي (ح وي) أقرب؛ لترك صرفه، فلو كانت النّون أصليّةً لصُرِفَ.
ومن هذا النّوع (جَيَّان) عَلَمٌ لرجلٍ، فإنّ أصله يجوز أن يكون (ج ي ن) أو (ج وي) .
فمن اشتقّه من (ج ي ن) فهو عنده (فَعَّال) وقد ذكره الصَّغَاني٤ في (ج ي ن) وكذا فعل الفيروزاباديّ٥.
_________________
(١) ١ ينظر: المبهج ٧٢. ٢ ينظر: المبهج ٧٢. ٣ المبهج ٧٢. ٤ ينظر: التّكملة (جين) ٦/٢١٣. ٥ ينظر: القاموس (جين) ١٥٣٣.
[ ١ / ٣٤٦ ]
يجوز أن يكون أعجميًّا؛ فـ (جَيَّان) أيضًا قريةٌ من قرى أصفهان، وبلدٌ بالأندلس١؛ فإن صحّ هذا فالنّون أصليّةٌ. ويجوز أن يكون (فَعْلاَن) من (ج وي) وقد أجاز هذا الصّغَانيّ٢.
ومنه (طَيَّان) عَلَمٌ لرجلٍ؛ فإنّه يحتمل أن يكون من (ط ي ن) أو من (ط وي):
فإن كان من (ط ي ن) فاشتقاقه من (الطِّين) ٣، فهو - حينئذٍ (فَعَّال) بمعنى: صانع الطِّين، وحرفته: الطِّيانة؛ كأنّه على معنى النَّسب.
ويجوز أن يكون أصله (ط وي) واشتقاقه من الطّوى؛ وهو الجوع٤، فهو - حينئذٍ (فَعْلاَن) وأصله (طَوْيَان) قلبت الواو ياءً وأدغمت في الياء الّتي بعدها.
ومن ذلك (الصَّوَّان) وهو ضربٌ من الحجارة يُقدح بها؛ فإنّ أصله يحتمل أن يكون (ص ون) أو (ص وو):
فيجوز أن يكون من (ص ون) ووزنه (فَعَّال) وأكثر العلماء على هذا، ومنهم: الأزهريّ٥، وابن فارسٍ٦، والجوهريّ٧، وابن
_________________
(١) ١ينظر: التّكملة (جين) ٦/٢١٣. ٢ينظر: التكلمة (جين) ٦/٢١٣. ٣ ينظر: اللّسان (طين) ١٣/٢٧٠. ٤ينظر: اللسان (طوى) ١٥/٢٠. ٥ينظر: التّهذيب ١٢/٢٤٢. ٦ينظر: المقاييس ٣/٣٢٤. ٧ينظر: الصّحاح (صون) ٦/٢١٥٣.
[ ١ / ٣٤٧ ]
منظورٍ١، والفيروزاباديّ٢، والزّبيديّ٣.
بيد أنّ حمله على هذا الأصل غير قويّ؛ لأنّه ليس في تركيب (ص ون) ما يمكن أن يشتقّ منه (الصَّوّان) وقد أومأ إلى ذلك ابن فارسٍ٤، وخرّجه على أنّه شاذّ عن باب (ص ون) .
ويجوز أن يكون من (ص وو) واشتقاقه من (الصُّوَّة) وهي حَجَرٌ يكون علامةً في الطّريق، والجمع: صُوًى، وصَوَّان؛ فيكون - حينئذٍ -على (فَعْلاَن) .
وهذا مقبولٌ لولا اختلاف حركة الصّاد؛ فهي في (الصُّوَّة) مضمومةٌ، وفي (الصَّوَّةِ) مفتوحةٌ. ولعلّ هذا ما دعا الجماعة إلى وضعه في (ص ون) وإن كان اختلاف الحركتين – هنا – غير مانعٍ لاتّفاق البناءين في الأصل. وممّا يقوّي أن يكون من هذا الأصل أنّ (فَعْلاَنًا) أكثر من (فَعَّال) .
وقد أجاز الفيّوميّ الوجهين؛ بدون ترجيحٍ؛ بقوله: (وهو (فَعَّال) من وجهٍ، و(فَعْلاَن) من وجهٍ) ٥.
_________________
(١) ١ ينظر: اللّسان (صون) ١٣/٢٥١. ٢ ينظر: القاموس (صون) ١٥٦٣. ٣ ينظر: التّاج (صون) ٩/٢٦٢. ٤ينظر: المقاييس ٣/٣٢٤. ٥ المصباح ٣٥٣.
[ ١ / ٣٤٨ ]
ج- التَّداخل في النّاقص:
هذا هو النّوع الثّالث من المعتلاَّت؛ وهو النّاقص؛ والقسمة الجامعة فيه على النّحو التّالي:
١- التّداخل بين النّاقص والنّاقص.
٢- التّاداخل بين النّاقص واللّفيف.
أمّا التّداخل بين النّاقص والمثال، والنّاقص والأجوف، فقد تقدّما١.
أوّلًا- التّداخل بين النّاقص والنّاقص:
ويكثر هذا النّوع من التّداخل لأسبابٍ؛ من أهمّها٢:
١- طبيعة الصّوتين: الواو والياء، وقدتقدّمت الإشارة إلى ذلك٣.
٢- المعاقبة بين الحرفين.
٣- اللّغات.
٤- اختلاف الرّواية.
وتجدر الإشارة - هنا - إلى أنّ القطع بالأصل في تداخل النّاقص والنّاقص أمرٌ في غاية الصّعوبة، والأغلب فيه الاعتماد على التّرجيح؛ ولاسيّما فيما ورد بالمعاقبة، أو ما جاء فيه لغتان.
_________________
(١) ١ ينظر: ص (٣٠٦، ٣٣٠) من هذا البحث. ٢ ينظر: دراسة إحصائية لجذور معجم تاج العروس ٧٠. ٣ ينظر: ص (٢٨٤) من هذا البحث.
[ ١ / ٣٤٩ ]
ولعلّ ذلك ما حمل بعض المعجّمين على أن يقولوا في بعض الكلمات النّاقصة: إنّها بالواو والياء؛ دون ترجيحٍ؛ على الرّغم من أنّ الكلمة الواحدة ليس لها إلاّ أصلٌ واحدٌ؛ ألا ترى إلى قول ابن سيده: "كَرَا الأرض كرْوًا: حَفَرَها؛ وقد تَقَدَّم ذلك في الياء؛ لأنّ هذه الكلمة يائيّةٌ وواويّةٌ "١، وقال مثل ذلك في غير موضعٍ٢.
ومثل ذلك كثير في (اللّسان) ٣.
وثَمَّة مقياسٌ بين الأصول يصلح لهذا النّوع من التّداخل؛ وهو حمل ما جُهل أصله؛ ولم يظهر في الاشتقاق ممّا انقلب عن حرف علّةٍ - كالألف والهمزة المتطرّقة - على الأكثر؛ وهو الياء؛ كما تقدّم٤.
وفيما يلي بيان التّداخل في هذا النّوع؛ من خلال بعض الأمثلة:
فمن ذلك تداخل الأصلين (ط غ و) و(ط غ ي) في قوله ﷿: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ ٥، وهو مصدر الثّلاثيّ (طَغَى) ومعناه: جاوز القَدْرَ وارتفع وغلا في الكفر، وللعلماء في أصله قولان:
الأوّل على أنّه من (ط غ ي) قال الزّجّاج: "أي بطغيانها، وأصل
_________________
(١) ١المحكم ٧/٩٩. ٢ المحكم ٤/١٩. ٣ ينظر: على سبيل التّمثيل: (دغا) ١٤/١٤/٢٦٣، و(دها) ١٤/٢٧٥، و(عنا) ١٥/١٠٣، و(غطى) ١٥/١٣٠، و(هجا) ١٥/٣٥٣، و(هنا) ١٥/٣٦٩. ٤ ينظر: ص (٢٥٨) من هذا البحث. ٥ سورة الشّمس: الآية ١١.
[ ١ / ٣٥٠ ]
طغواها: طغياها، و(فَعْلَى) إذا كانت من ذوات الياء أبدلت في الاسم واوًا؛ ليفصل بين الاسم والصّفة. تقول: هي التّقوى، وإنّما هي من: اتّقَيْتُ١، وهي: البقوى، وإنّما هي من: بَقِيتُ (هكذا) وقالوا: امرأةٌ خَزْيا؛ لأنّها صفةٌ "٢.
وقد عَدَلَ بطَغْوَى من الطُّغيان لمشاكلة رؤوس الآيات، وهي الفواصل، وممّن كان يرى ذلك: الفرّاء٣ وابن خالويه٤. وأمّا قلب الياء واوًا فقد جاء للفصل بين الاسم والصّفة في (فَعْلَى) كما قالوا: التّقوى والبقوى والشّروى٥.
والقول الثّاني على أنّه من (ط غ و) وقد نقل ذلك أبو عليّ بقوله: "وحكى أبو الحسن: طَغَا يطغو؛ فهي على هذا تكون كالدّعوى من دَعَوْتُ "٦.
وحكاها العكبريّ حين قال: "ومن قال: طَغَوتُ كانت الواو أصلًا
_________________
(١) ١ في هذا النّصّ تصحيف، فقدجاء فيه ما صورته (معاني القرآن وإعرابه ٥/٣٣٣): «تقول هي التّقوى، وإنّما هي من أيقنت،وهي التّقوى وإنما هي من: يقنت » . ٢ معاني القرآن وإعرابه ٥/٣٣٣. ٣ ينظر: معاني القرآن ٣/٢٦٧. ٤ ينظر: إعراب ثلاثين سورة ١٠٣. ٥ ينظر: معاني القرآن وإعرابه٥/٣٣٣، والبحر المحيط ٨/٤٨١. ٦ التّكملة ٢٦٩.
[ ١ / ٣٥١ ]
عنده"١.
وأوردوا على هذا الأصل: طَغَوتُ أطغو، ومنه (الطُّغْوَان) والطّغْوَى٢، بغير قلبٍ؛ على الأصل.
وقد ذكره ابن سِيده في الموضعين٣، وذكره الرّاغب٤ في اليائيّ، وذكره السّمين٥ في الواويّ.
ومن أمثلة هذا الباب تداخل (ر ع ي) و(ر ع و) في (الرّعْوَى) من قولهم: (ارْعَوَى) ارْعِوَاءً؛ أي: كفَّ عن الجهل أو القبيح؛ وهو حسن الرّعوة والرّعوى.
و(ارْعَوَى) من الأبينة الّتي تحتمل أكثر من وزنٍ، لتداخل الأصول فيها:
قال الخيّاط٦: (أقمت سنين أسأل عن وزن: ارْعَوَى؛ فلم أجد
_________________
(١) ١ التّبيان ٢/١٢٩٠. ٢ ينظر: اللّسان (طغى) ١٥/٧. ٣ ينظر: المحكم (طغى) ٦/٨، (طغو) ٦/٢٩. ٤ ينظر: المفردات (طغى) ٣٠٤. ٥ ينظر: عمدة الحفّاظ ٣٢١. ٦ هو محمّد بن أحمد بن منصور؛ أحد النّحاة المتقدّمين؛ ممّن خلط المذهبين (توفّي سنة ٣٢٠) ومن مصادر ترجمته: نزهة الألبا ١٨٥، وإنباه الرّواة ٣/٥٤، وإشارة التّعيين ٢٩٣.
[ ١ / ٣٥٢ ]
من يعرفه) ١ وذكر أنّ وزنه له فرعٌ وأصلٌ؛ فأصله (افعلّ) مثل: احمرّ؛ كأنّه (ارْعَوَّى) فعدلوا عن ذلك؛ لأنّ الواو المشدّدة لم تقع آخر الماضي، ولا المضارع، وتقديره قبل القلب (ارْعَوَوَ) فانقلبت الواو الأخيرة؛ لأنّها خامسةٌ، ثمّ انقلبت ألفا؛ ً لتحرّكها وانفتاح ما قبلها.
أمّا فرعه، أعني (ارْعَوَى) فيحتمل وزنين:
(افْعَلَلَ)، وهو الأقيس.
و(افْعَلَى) .
وقد اختلفوا في أصله؛ لاختلافهم في اللاّم:
فمنهم من جعله من (ر ع و) ومن هؤلاء: أبو عليّ الفارسيّ، إذ ذهب إلى أنّ الواو فيها أصلٌ غير منقلبةٍ؛ لقولهم: ارْعَوَيْتُ٢.
وجعله الفيروزاباديّ٣ من هذا الأصل.
ومنهم في جعله من (ر ع ي) كالأزهريّ٤، وابن منظورٍ٥.
ووضعه بعضهم في الموضعين؛ كابن فارسٍ؛ إذ جعله من اليائيّ في
_________________
(١) ١ سفر السّعادة ١/٥٣، وينظر: المنصف ٢/٢٠٧، وثلاث رسائل في اللّغة ١٠، وطراز المجالس ٧٦. ٢ ينظر: مناهج الصرفيين ومذاهبهم ٤٥٥. ٣ ينظر: القاموس (رعو) ١٦٦٢. ٤ ينظر: التّهذيب ٣/١٦٣. ٥ ينظر: اللّسان (رعى) ١٤/٣٢٨.
[ ١ / ٣٥٣ ]
(المقاييس) ١، ومن الواويّ في (المُجْمَل) ٢، وهو دليلٌ على خفاء الأصلين. وحمله على اليائيّ أولى لما تقدّم من أنّها غالبةٌ على اللاّم.
ومن التّداخل بين النّاقص والنّاقص أنّ (سُدًى) في قوله - ﷿: ﴿أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ ٣، أي: مهملًا غير مأمورٍ، وهي صفةٌ مشبّهةٌ؛ على وزن (فُعَل) في موضع نصبٍ على الحاليّة – تحتمل الأصلين (س د و) و(س د ي) وقد اختلفوا فيه:
فمنهم من ذهب إلى أنّه (س د و) قال ابن فارسٍ: "السّين والدّال والواو أصلٌ واحدٌ؛ يدلّ على إهمالٍ وذهابٍ على وجهٍ "٤.
وممّن عدّها من هذا الأصل: الأزهريّ٥، والجوهريّ٦، وابن منظورٍ٧، والعكبريّ الّذي كان يقول: إنّ الألف في سُدًى مبدَلَةٌ من واوٍ٨.
_________________
(١) ١ ينظر: ٢/٤٠٨، ٤٠٩. ٢ ينظر: ٢/٣٨٤. ٣ سورة القيامة:الآية ٣٦. ٤ المقاييس ي٣/١٥٠. ٥ ينظر: التّهذيب ١٣/٤٠. ٦ ينظر: الصّحاح (سدو) ٦/٢٣٧٤. ٧ ينظر: اللّسان (سدو) ١٤/٣٧٦. ٨ ينظر: التّبيان ٢/١٢٥٦.
[ ١ / ٣٥٤ ]
وفريقٌ كان يرى أنّ الأصل (س د ي) ومنهم: السّمين١؛ إذ جعلها في اليائيّ.
وليس في قولهم: أَسْدَيْتها؛ أي: أهملتها ما يقطع بالياء، لاحتمال أن تكون منقلبةً عن الواو؛ كقولهم: أَرْبَيْت الشّيْء؛ وهو من: رَبَا يربو؛ إذا زاد ونما؛ لأنّ الواو تُقْلَب ياءً؛ إذا تطرّفت رابعةً فصاعدًا.
ويتداخل (أض و) و(أض ي) في (الأَضَاة) وهي: الغَدِير.
وللعلماء في أصلها رأيان:
الأوّل أنّه (أض و) وذكر ابن سِيدَه أنّ هذا رأي الجمهور؛ بدليل قولهم في الجمع: (أَضَوَاتٌ) ٢.
الثّاني على أنّه من (أض ي) وقد حكى ابن سِيدَه - كما نقل ابن منظورٍ - أنّ سيبويه حمله على الياء، وأنكره ابن سِيده بقوله: "ولا وجه له عندي البتّة ٣؛ لقولهم: أَضَوَات، وعدم ما يستدلّ به على أنّه من الياء"٤.
وأجاز ابن سِيدَه في توجيهه أن يكون (أَضَاةٌ) (فَلْعَة) من قولهم:
_________________
(١) ١ ينظر: عمدة الحفّاظ ٢٣٦. ٢ ينظر: اللّسان (أضو) ١٤/٣٨.
(٢) الهمزة في البتة مختلف فيها، هل هي همزة وصل أو همزة قطع، وأرى صحة الوجهين، لأسباب ذكرتها في كلمة نشرت في ملحق التراث بجريدة المدينة بعنوان (همزة البتة بين الوصل والقطع) وأنا أميل إلى أنها همزة وصل. ٤ ينظر: اللسان (أضو) ١٤/٣٨.
[ ١ / ٣٥٥ ]
آضَ يئيضُ، على القلب؛ قال: "لأنّ بعض الغدير يرجع إلى بعضٍ؛ ولا سيّما إذا صفّقته الرّيح "١.
ومن ذلك تداخل الأصلين (أل و) و(أل ي) في قوله ﷿: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ ٢.
وقد اختلفوا في معناه: فمنهم من يرى أنّه بمعنى: ولا يَحْلِف، ومنهم من يرى أنّه بمعنى: ولا يُقَصِّر في الجَهد، قال الفرّاء: هو من الحَلْف٣، وكذلك عند أبي عُبيدة٤، والزَّجَّاج٥، والعُكبريّ٦. ووزنه عندهم قبل الحذف (يَفْتَعِل) من أَلَيتُ، أي: حَلَفْتُ، فأصله حينئذٍ (أل ي) وهو بعد الحذف (يَفْتَع)، قال الرَّاغب: "وردّ هذا بعضهم بأنّ (افْتَعَلَ) قلّما يبنى من (أَفْعَلَ) إنّما يبنى من (فَعَلَ) وذلك مثل: كَسَبْتُ واكْتَسَبْتُ، وصَنَعْتُ واصْطَنَعْتُ، ورأيت وارْتَأَيْتُ "٧.
وما ذكره محمول على أنّه مأخوذٌ من (آلَيْتُ) (أفْعَلْتُ) ولا مانع
_________________
(١) ١اللسان (أضو) ١٤/٣٨. ٢ سورة النّور: الآية ٢٢. ٣ ينظر: معاني القرآن ٢/٢٤٨. ٤ ينظر: مجاز القرآن ٢/٦٥. ٥ ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٤/٣٦. ٦ ينظر: التّبيان ٢/٩٦٨. ٧ المفردات ٨٤.
[ ١ / ٣٥٦ ]
من أخذه من (أَلَيتُ) (فَعَلْتُ) وقد نصّ بعضهم على أنّه من هذا١.
وهو - وإن كان بمعنى الحلف - يحتمل الأصلين: (أل ي) لقولهم: أَلَيْتُ وآليْتُ؛ كما تقدّم، و(أل و) لقولهم: (الأَلْوَةُ، والإِلْوَةُ، والأُلْوَة: اليمين) ٢.
وذهب بعضهم إلى أنّ (لا يأتلِ) بمعنى: لا يُقَصِّر في الجَهد؛ من قولهم: ما أَلَوْتُ جَهْدًا، إذا لم تدّخر منه شيئًا٣، وقد أشار إلى هذا أبو عبيدة بقوله: "وله موضعٌ آخر من أَلَوتُ بالواو"٤، ورجّح السّمين هذا من وجهٍ بقوله: "وقد يترجّح ما قال أبو عبيدة من حيث الصّناعة؛ وذلك بأنّ يَأْتَلي (يَفْتَعِل) و(افْتَعَلَ) قليلٌ من (أَفْعَلَ) وإنّما يكثر من (فَعَلَ) نحو: كتب واكْتَتَبَ، وصَنَعَ واصْطَنَعَ؛ فأخذه من: أَلَوْتُ، موافقٌ للقياس "٥.
وإن صحّ أنّه من (أَلَوْتُ جَهْدًا) فهو من (أل و) فيكون الأصل في (يَأْتَلي): (يَأْتَلِوُ) تطرّفت الواو لامًا بعد كسرٍ؛ فقلبت ياءً، فصار (يَاْتَلِيُ) فاستثقلت الضّمّة على الياء فحذفت، ثمّ حذفت الياءُ للجزم٦.
_________________
(١) ١ ينظر: التّبيان ٢/٩٦٨. ٢ المثلّث ١/٣٠٣، وينظر إكمال الأعلام ١/٩، والدّرر المبثّثة ٧٢. ٣ ينظر: المحتسب ٢/١٠٦، والكشّاف ٣/٢٢٢. ٤ مجاز القرآن ٢/٦٥. ٥ عمدة الحفّاظ ٢٢. ٦ ينظر: معجم مفردات الإبدال والإعلال ٣٢٢.
[ ١ / ٣٥٧ ]
ويُرجّح المعنى الأوّل قراءة من قرأ ﴿ولا يَتَأَلّ﴾ ١ لأنّ معناه: "لا يحلفوا على أن لا يُحسنوا إلى المستحقّين للإحسان "٢ ووزنها (يَتَفَعَّل) كما قال ابن جني٣، وينبغي أن يُنَبَّه على أن وزنها (يَتَفَعَّلُ) قبل الحذف، أمّابعد الحذف فوزنها (يَتَفَعَّ) .
ويجوز أن يحمل (لا يَتَأَلَّ) على (يَتَفَعَّل) من (أل ل) على أن يكون قبل الجزم (يَتَأَلَّلُ)؛ فيكون من باب قَصَّيتُ أظفاري وتَقَضَّى، من قولهم: قصّصت وتقضَّض، والمعنى يجيز هذا الأصل؛ لأنّه قيل: إنّ (الإلّ) العهد٤ فيكون موافقًا للمعنى الأوّل للآية.
وبالجملة؛ فإنّ التَّداخل في قوله ﷿: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ﴾ شديدٌ؛ فإن كان بمعنى (لا يَحْلِفُوا) فإنّه يحتمل الأصلين، وإن كان بمعنى (لا يقصّروا) فإنّه من (أل و) والآية الكريمة تحتمل المعنيين؛ كما ورد في كتب التّفسير٥.
ويتداخل (د م و) و(د م ي) في الدّم؛ وقد حذفت لامه؛ وهو
_________________
(١) ١ وهي قراءة ابن عيّاش بن ربيعة وزيد بن أسلم والحسن البصري، وغيرهم. ينظر: إتحاف فضلاء البشر ٢/٢٩٥، والمحتسب ٢/١٠٦. ٢ الكشّاف ٣/٢٢٢. ٣ ينظر: المحتسب٢/١٠٦. ٤ ينظر: اللّسان (ألل) ١١/٢٦. ٥ ينظر: تفسير مجاهد ٢/٤٣٨، والجامع لأحكام القرآن ١٢/٢٠٧-٢٠٩، والكشّاف ٣/٢٢٢.
[ ١ / ٣٥٨ ]
حرف علّةٍ؛ لثقل الحركة على حرف العلّة فيه؛ فحذفت طلبًا للخفّة، وقد اختلفوا في لامه على فريقين١:
فريقٌ يرى أنّ لامه المحذوفة واوٌ؛ فأصله (د م و) وهم الأكثرون عند الأنباريّ٢.
والدّم عند هؤلاء أصله: (دَمْوٌ) بالتّحريك؛ وإنّما قالوا: دَمِيَ يَدْمَى؛ لحال الكسرة التي قبل الياء؛ كما قالوا: رَضِيَ يَرْضَى؛ وهو من الرّضوان٣.
ويرى الفريق الآخر أنّ أصله (د م ي) فالمحذوف ياءٌ لا واوٌ، وأصله (دَمَيٌ) وذكر الزّجّاج٤ أنّ هذا هو قول أكثر النّحويّين؛ وهو نقيض ما حكم به الأنباريّ؛ وهو الأعرف عند ابن الشّجريّ٥.
ودليل هذا الفريق قولهم: دَمِيَتْ يده٦، وقول الشّاعر:
فَلَوْ أَنَّا عَلَى حَجَرٍ ذُبِحْنَا جَرَى الدَّمَيَانِ بِالخَبَرِ اليَقِينِ٧
_________________
(١) ١ ينظر: الكتاب ٣/٤٥١، ٥٩٧، والمقتضب١/٢٣١، والأصول ١/٣٢٣، والمنصف ٢/١٤٨، والإنصاف ١/٣٥، وشرح الكافية للرّضيّ ٢/١٦٣، والخزانة ٧/٤٨٢. ٢ ينظر: الإنصاف ١/٣٥٩. ٣ ينظر: الصّحاح (دمو) ٦/٢٣٤٠. ٤ ينظر: معاني القرآن وإعرابه ١/١٦٥. ٥ ينظر: الأمالي ٢/٣٤. ٦ ينظر: الخزانة ٧/٤٩٠. ٧ ينظر: المقتضب ١/٢٣١، ومجالس العلماء ٣٢٨، والوحشيّات ٨٤، والبيان والتّبيين ٣/٦٠، والأصول ٣/٣٢٤، والمنصف ٢/١٤٨، وأمالي ابن الشّجريّ ٢/٣٤، وشرح المفصّل لابن يعيش ٤/١٥١، والخزانة ٧/٤٨٢.
[ ١ / ٣٥٩ ]
وحكى الجوهريّ١ أنّ سيبويه كان يرى أنّه (دَمْيٌ) بسكون العين، ويستدلّ بجمعه على: دماءٍ ودُمْيٍ، مثل ظَبْيٍ وظِبَاءٍ وظُبْيٍ، ودَلْوٍ ودِلاَءٍ ودُلْيٍ، ولو كان مثل: عَصًا وقَفًا، لما جمع على ذلك.
غير أنّ ما في (الكتاب) يختلف قليلًا عمّا ذكره الجوهريّ؛ ولم أجد فيه دليلا ً على أنّ المحذوف (ياءٌ) فليس فيه أنّ (دَمًا) بالياء؛ كما نقل الأزهريّ؛ وكلام سيبويه ثَمَّ يدور على تكسير ما جاء على حرفين؛ ممّا أصله ساكن العين على (فَعْلٍ)، ومن أمثلته (ظَبْيٌ) و(دَلْوٌ) والأوّل يائيٌّ والثّاني واويٌّ.
ولعلّه في موضعٍ من (الكتاب) لم أهتد إليه؛ والّذي تبيّنته فيه أنّ سيبويه كأنّه متردّدٌ بين الواو والياء في أصل (دَمٍ) إذ قال: في كلامه في التّصغير: "هذا باب ما ذهبت لامه، فمن ذلك دمٌ، تقول: دُمَيٌّ؛ يدلّك: دماءٌ؛ على أنّه من الياء أو من الواو "٢.
وليس في قولهم في تثنيته: (دَمَيَانِ) دليلٌ عند بعض العلماء؛ ومنهم ابن يعيش٣ الّذي كان يرى أنّ بعض العرب يقول في اليد والدّم: يدًى ودمًى بالقصر في كلّ الأحوال كـ (رَحًى) و(فَتًى) وعلى ذلك جرى
_________________
(١) ١ ينظر: الصّحاح (دمو) ٦/٢٣٤٠. ٢ الكتاب ٣/٤٥١. ٣ ينظر: شرح المفصّل ٤/١٥٢، ١٥٣.
[ ١ / ٣٦٠ ]
قول الرّاجز:
يارُبَّ سَارٍ بَاتَ مَا تَوَسَّدَا إلاَّ ذِرَاعَ العَنْسِ أو كَفَّ اليَدَا١
وقول الشّاعر:
فَلَسْنَا عَلَى الأَعْقَابِ تَدْمَى كُلُومُنَا لَكِنْ عَلَى أَقْدَامِنَا يَقْطُرُ الدَّمَا٢
وتثنيتهما على هذه اللّغة: يَدَيَانِ ودَمَيَانِ؛ مثل: رَحَيَانِ٣ وفَتَيَانِ.
وبالجملة؛ فإنّ (الدّم) يحتمل الأصلين: (د م ي) لقولهم في التّثنية (دَمَيَانِ) وفيه ما ذكره الجوهريّ٤.
والرّاجح أن يكون الأصل (د م ي) لغلبة الياء على الواو لامًا٥، وقال المبرِّد: (اعْلَم أَنَّهُ مَا كَانَ عَلَى حَرْفَيْن، وَلاَ يُدْرَى مَا أَصْلُهُ الّذِي حُذِفَ مِنْهُ، فَإِنَّ حُكْمَهُ فِي التَّصْغِيرِ وَالجَمْعِ أَنْ تُثْبَتَ فِيْهِ اليَاءُ؛ لأَنَّ أَكْثَرَ مَا يُحْذَفُ مِنْ هَذَا اليَاءُ وَالوَاوُ؛ وَاليَاءُ أَغْلَبُ عَلَى الوَاوِ عَلَيْهَا؛ فَإِنَّمَا
_________________
(١) ١ البيت بلا نسبة في الحجّة لابن خالويه ٢٠٤، ورسالة الملائكة ١٦٧، وشرح المفصّل لابن يعيش ٤/١٥٢، والهمع ١/٣٩، والخزانة ٧/٤٩٨، والدّرر اللّوامع ١/١٣. ٢البيت للحصين بن الحمام المرّي، كما في ديوانه ١١٥، وينظر: المنصف ٢/١٤٨، وديوان المعاني ١/١١٥، وشرح ما يقع فيه التّصحيف ٣٢٥، وأمالي ابن الشجري ٢/٣٤، والخزانة ٧/٤٩٠. ٣الأكثر في الرّحى أنّها يائيّة كما نقل ابن منظور (اللّسان (رحا) ١٤/٣١٢) وذكرها الفيروزاباديّ في الواويّ واليائيّ، وقال في الأوّل: رحوان، وفي الثّاني: رحيان. ينظر: القاموس ١٦٦٠. ٤ ينظر: الصّحاح (دمو) ٦/٣٣٤٠. ٥ينظر: المقتضب في اسم المفعول ٢٥.
[ ١ / ٣٦١ ]
القِيَاسُ عَلَى الأَكْثَرِ) ١.
ويتداخل الأصلان (ق هـ و) و(ق هـ ي) في (القَهَة) وهي من أسماء النَرْجِس، وتحتمل الأصلين: ذكرها ابن سِيدَه٢ في (ق هـ ي) وذكر أنّها تحتمل أن تكون من الواو؛ ولذلك أعادها هناك٣.
وذكرها ابن منظورٍ٤ في (ق هـ ي) ونقل عنهم أنّها تحتمل الأصلين.
وليس ثَمَّ ما يرجَّح به، إلا الحمل على الأكثر، وهو الياء لامًا، ولا سيّما أنّ الأصلين الواويّ واليائيّ مستعملان؛ كما في (المُحكَم) و(القاموس) .
_________________
(١) ١ المقتضب ١/٢٣٣. ٢ ينظر: المحكم ٤/٢٦٣. ٣ ينظر: المحكم ٤/٢٨٣. ٤ ينظر: اللّسان (قهو) ١٥/٢٠٦.
[ ١ / ٣٦٢ ]
ثانيًا- التّداخل بين النّاقص واللّفيف:
هذا النّوع هو الثّاني من أنواع التّداخل في النّاقص، والتّداخل فيه أقلّ حدوثًا من النّوع السّابق.
فمنه تداخل (ق ت و) و(ق وو) في (اقْتَوَتْهُ) من حديث عطاء بن السّائب وسؤاله عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن "امرأة كان زوجها مملوكًا فاشترته؛ فقال: إن اقْتَوَتْه فُرِّق بينهما، وإن أعتقته فهما على نكاحهم "١. وقد فُسِّر (اقْتَوَتْه) باسْتَخْدَمَتْه، وهو يحتمل الأصلين:
أن يكون من (ق ت و) والقَتْوُ: الخدمة؛ يقال: قَتَوتُ أَقْتُو قَتْوًا ومَقْتًى، وقيل: القَتْوُ حسن خدمة الملوك، ومنه قول الشّاعر:
إِنِّي امْرُؤٌ مِنْ بَنِي خُزَيْمَةَ لاَ أُحْسِنُ قَتْوَ المُلُوكِ والخَبَبَا٢
ذكر الزّمخشريّ أنّه (افْعَلّ) من القتو؛ وهو:الخدمة؛ كارْعَوَى من الرّعْوَى٣؛ ومراده أنّه (اقْتَوَى) قبل اتّصال الضّمير؛ كأحد الوجهين في (ارْعَوَى)، فلمّا اتّصل الضّمير حذف الألف لالتقاء السّاكنين، فصار وزنه - حينئذٍ - (افْعَلَتْ) وفيه نظرٌ؛ لأنّ (افْعَلَّ) لم يجئ متعدّيًا، والّذي سُمِعَ (اقْتَوَى) بمعنى: صار خادمًا، وعليه قول عمرو بن كلثوم:
_________________
(١) ١ أخرجه عبد الرّزاق في مصنفه ٧/٢٥٩. ٢ ينظر: العين ٥/١٩٨، والتّهذيب ٩/٢٥٣، والصّحاح (قتو) ٦/٢٤٥٩. ٣ ينظر: الفائق ٣/٢٣٦.
[ ١ / ٣٦٣ ]
تَهَدَّدْنَا وَأَوْعِدْنَا رُوَيْدًا مَتَى كُنَّا لأُمِّكَ مَقْتَوِينَا١
وجعله جماعةٌ من العلماء من هذا الأصل؛ أعني (ق ت و) ومنهم:
ابن الأثير٢، وابن سِيدَه٣، وابن منظورٍ٤.
ويجوز أن يكون أصله (ق وو) ووزنه حينئذٍ (افْتَعَلَ) من: الاقتواء؛ بمعنى الاستخلاص؛ فكنَّى به عن الاستخدام؛ لأنّ من اقتوى عبدًا ردفه أن يستخدمه٥.
ويقال: التّقاوي: تزايد الشّركاء "وَلاَ يَكُوْنُ الإِقْوَاءُ إِلاَّ مِنَ البَائِع، وَلاَ التَّقَاوِي إِلاَّ مِنَ الشُّرَكَاء، وَلاَ الاقْتِوَاء إِلاَّ مِمَّنْ يَشْتَرِي مِنَ الشُّرَكَاءِ، والّذِي يُبَاعُ مِنَ العَبْدِ أَوِ الجَارِيَةِ أَوِ الدَّابَّةِ مِنَ اللَّذِينَ تَقَاوَيَا أَصْلُهُ مِنَ القُوَّةِ؛ لأَنَّهُ بُلُوغٌ بالسِّلْعَةِ أَقْوَى ثَمنها "٦، ويقال: اقْتَوَى الشّيء: اختصَّه لنفسه؛ فهو من ذلك. ومن أسباب التّداخل في هذه الكلمة أنّ المعنى من الممكن أن يحمل على الأصلين؛ فيصحّ، ويضاف إلى ذلك وجود التّاء الثّالثة الّتي تحتمل أن
_________________
(١) ١ ينظر: ديوانه ٧٩، وهوفيه بفتح الميم، وقد روي بضمها في التّهذيب ٩/٣٧٠، وخزانة الأدب ٧/٤٣٢، والكلمة تحتمل الفتح والضمّ كما سيأتي إن شاء الله. ٢ ينظر: النّهاية ٤/١٥، ١٦. ٣ ينظر: المحكم ٦/٣٣٣. ٤ ينظر: اللّسان (قتو) ١٥/١٧٠. ٥ ينظر: الفائق ٣/٢٣٦. ٦ اللّسان (قوا) ١٥/٢١٢.
[ ١ / ٣٦٤ ]
تكون تاء الافتعال؛ فتكون زائدةً، وتحتمل أن تكون التّاء عين الفعل؛ فتكون أصليَّةً.
وممّن وضع الكلمة في (ق وو) الزّمخشريّ١، وأبو موسى الأصفهانيّ٢،وممّن وضعها في الموضعين: ابن الأثير٣، وابن منظورٍ٤.
ومن هذا النّوع تداخل (ت ح ي) و(ح ي ي) في (تِحْيَاة) وهي مفرد (التّحَايِي) وهي ثلاثة كواكب حِذاءَ الهَنْعَة٥
ويجوز فيها الوجهان٦:
أن تكون من (ح ي ي) فهي – حينئذٍ (تِفْعَلَة) كـ (تِحْلَبَة) ٧ من الأبنية؛ ويرجّح هذا الأصل أنّ نوءها كبير الحيا، من أنواء الجوزاء، قال النّابغة:
أَسْرَت عَلَيْهِ مِنَ الجَوْزَاءِ سَارِيَةٌ تُزْجِي الشَّمَالُ عَلَيْهِ سَالِفَ البَرَدِ٨
_________________
(١) ١ ينظر: الفائق ٣/٢٣٦. ٢ ينظر: المجموع المغيث ٢/٧٦٩. ٣ ينظر: النّهاية ٤/١٥، ١٢٨. ٤ ينظر: اللّسان (قتو) ١٥/١٧٠، و(قوو) ١٥/٢١٢. ٥ الهنعة:منكب الجوزاء الأيسر؛ وهو من منازل القمر، وقيل: هما كوكبان أبيضان؛ بينهما قيد سوط على أثر الهقعة في المجرّة. ينظر: اللّسان (هنع) ٨/٣٧٧. ٦ ينظر: اللّسان (حيا) ١٤/٢٢٢. ٧ وهي: الشّاة الّتي يخرج من ضرعها اللّبن قبل أن ينزي عليها، ينظر: القاموس (حلب) ٩٨. ٨ ينظر: ديوانه ١٨.
[ ١ / ٣٦٥ ]
أن يكون من (ت ح ي) فهي على هذا (فِعْلاَة) كـ (عِزْهَاة) وهو اللّئيم. بيد أنّ الأصل الأوّل أولى؛ لقرب الاشتقاق. ويتداخل الأصلان (م وهـ) و(م وو) في (الماوِيَّةِ) وهي: المِرَآةُ، أو حجر البِلَّوْرِ، وهي تحتمل الأصلين:
فالرّاجح أنّها من (م وهـ) فتكون منسوبةً إلى الماء؛ لصفائها، وأنّ الصّور تُرى فيها كما تُرى في الماء الصّافي١.
وأصل الماء (م وهـ) فهمزته منقلبة عن هاءٍ؛ بدلالة ضروب تصاريفه، ومنها التّصغير والجمع؛ إذ يقال فيهما: (مُوَيْهٌ) و(أمْوَاهٌ) و(مِيَاهٌ) فأصله قبل الإعلال (مَوَهٌ) ٢.
وذكر ابن منظورٍ٣ (االمَاويَّةَ) في (م وو) وليس له وجهٌ ظاهرٌ، والأوّل أقرب؛ لدلالة الاشتقاق والتّصريف.
_________________
(١) ١ ينظر: التّهذيب ١٥/٦٤٨. ٢ ينظر: الصّحاح (موه) ٦/٢٢٥٠. ٣ ينظر: اللّسان (موا) ١٥/٢٩٩.
[ ١ / ٣٦٦ ]
د- التّداخل في اللّفيف:
والقسمة في هذا النّوع تقتضي أربعةً - أيضًا -؛ تقدَّمت ثلاثةٌ منها في المثال والأجوف والنّاقص، ولم يبق إلاّ التّداخل بين اللّفيف واللّفيف؛ وهو نوعٌ يشيع فيه التّداخل؛ لغلبة حروف العلّة فيه، وفيما يلي بيان ذلك من خلال بعض الأمثلة:
فمنه تداخل (ح ي ي) و(ح ي و) في (الحَيَوَان) وهو مصدرٌ على وزن (فَعَلاَن) بمعنى: الحياة؛ وهو - أيضا - اسم جنسٍ يقع على كلّ شيءٍ حيٍّ. وقد اختلفوا في أصله١.
فذهب الجمهور إلى أنّ أصله (ح ي ي) وأنّ الواو فيه منقلبةٌ عن الياء؛ فأصله قبل القلب (الحَيَيَان) فقلبت الياء الثّانية واوًا؛ لئلاَّ يجتمع ياءان على التّوالي؛ استثقالًا للحرفين من جنسٍ واحدٍ؛ لأنّه اسمٌ، فخروجه عن الفعل كخروج آيةٍ، وبابها٢.
وأوّل من أثر عنه ذلك الخليل٣، وكان سيبويه يراه، ويوجّهه بقوله: "وأمَّا قَوْلُهُم: حَيَوان فَإِنَّهُم كَرِهُوا أَنْ تَكُونَ اليَاءُ الأُولَى سَاكِنَةً، وَلمَْ يَكُونُوا لِيُلْزِمُوهَا الحَرَكَةَ هَهُنَا، وَالأُخَرَى غَيْرُ مُعْتَلَّةٍ مَنْ مَوْضَعِهَا؛ فَأُبْدِلَتِ الوَاوُ، لِيَخْتَلِفَ الحَرْفَان، كَمَا أَبْدَلُوهَا فِي رَحَوِيٍّ، حَيْثُ كَرِهُوا اليَاءَات،
_________________
(١) ١ ينظر: المنصف ٢/٢٨٥، وشرح الملوكيّ ٢٦٤، وشرح الشّافية للرّضيّ ١/٧٣، والممتع ٢/٥٦٩. ٢ ينظر: المقتضب ١/١٨٦. ٣ ينظر: المقتضب ١/١٨٦، والأصول ٣/٣٨٥، واشتقاق أسماء الله ١٠٤.
[ ١ / ٣٦٧ ]
فَصَارَتِ الأُولَى عَلَى الأَصْلِ، كَمَا صَارَتِ اللاَّمُ الأُولَى فِي مُمِلٍّ، وَنَحْوِهِ، عَلَى الأَصْلِ حِيْنَ أُبْدِلَتِ اليَاءُ مِنْ آخِرِهِ) ١. وما ذهبوا إليه في أصله مذهبٌ قويٌّ؛ لأمور:
أحدها: أنّه ليس في كلامهم ممّا عينه ياءٌ ولامه واوٌ شيءٌ؛ فيقاس (الحَيَوَان) عليه٢.
وثانيها: أنّهم يقولون في تثنية حيّ: حَيَيَانِ بالياء لا غير، والتّثنية ممّا يردّ الأشياء إلى أصولها؛ فتثبت بذلك أنّ الواو في (حَيَوَان) بدلٌ من الياء٣.
وثالثها: أنّ الحيوان من: الحياة، ومعنى الحياة يرد في قولهم (الحَيَا) للمطر؛ ألا ترى أنّه يحيي الأرض والنّبات؛ كما قال تعالى: ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ ٤ والحَيَا لامه ياءٌ، وكذلك الحياة٥.
وربّ قائلٍ يقول: لماذا اختاروا قلب اللاّم دون العين؛ فيجاب عن ذلك بأنّهم لو أبدلوا العين واوًا لدخل في باب (طَوَيتُ) فيحمل عليه؛ لكثرته فيظنّ "أنّها أصلٌ في موضعها؛ لكثرة هذا الباب، فلمّا قلبت الثّانية
_________________
(١) ١ الكتاب ٤/٤٠٩. ٢ ينظر: المنصف ٢/٢٨٥، والخصائص ١/٢٥٥. ٣ ينظر: الممتع ٢/٥٦٩. ٤ سورة فاطر: الآية ٩. ٥ ينظر: المنصف ٢/٢٨٦.
[ ١ / ٣٦٨ ]
واوًا صارت مستنكرةً في موضعها؛ فيتنبّه بذلك على كونها غير أصلٍ"١.
على أنّه ليس في (الحَيَوَان) إعلالٌ؛ إذ لم يجز ذلك في الواو؛ وهي لام الكلمة؛ لما كان يلزم من حذفها؛ إذ يقال فيها (حَيَان) لأنّها قبل الحذف (حَيَاان) فلم تعلَّ، وأمّا عين الكلمة فصحّت - هنا - كما صحّت في (الجَوَلاَن) و(الهَيَمَان) مثلًا٢.
والأصل في حركة عين (الحَيَوَان) السّكون؛ قال المبرّد: "حَيَوَان أصله (فَعَلان) لأنّ (فَعَلانًا) إنّما يجيء فيما يكون اضطرابًا؛نحو الغَلَيان والنّزَوَان؛ فلو قلبوا اللاّم واوًا لزمها القلب إلى الياء؛ لأنّ الياء قبلها ساكنةٌ، وكان يلزمهالإدغام؛ فيصير: حَيَّان، مثل: أَيَّام؛ فحرّكوا العين وأبدلوا اللاّم واوًا كأنّهم قالوا: حَيَيَان؛ واستثقلوا جمع الياءين، فأبدلوا الثّانية واوًا؛ وإنّما استثقلوا حَيَيَان كما استثقلوا رَحَيِيًّا "٣.
وذهب المازنيّ٤ إلى أنّ الأصل (ح ي و) وأنّ الواو أصلٌ، وقد جاء على ما لا يستعمل؛ وهو أن تكون العين ياءً، واللاّم واوًا؛ فلذلك لم يشتقّوا منه فعلًا؛ لأنّه ليس في الكلام فعلٌ مستعملٌ موضع عينه ياءٌ ولامه واوٌ "ونظيره في هذا الباب على هذا القول: جَبَيْتُ الخراج جِبايةً، وجِباوَةً، وليس من جِباوَةٍ فعلٌ، ومثل ذلك: فاظَ الميّت فيظًا، وفَوظًا،
_________________
(١) ١ شرح الشّافية للرّضيّ ٣/٧٢. ٢ ينظر: البغداديّات ٢٣٢. ٣ التّبصرة والتّذكرة ٢/٩٢٤، ولم أقف على رأي المبرد في كتبه. ٤ ينظر: المقتضب ١/١٨٦، والأصول ٣/٣٨٥، والمنصف ٢/٢٨٤، ٢٨٥.
[ ١ / ٣٦٩ ]
وليس من فَوْظٍ فعل "١.
ولعلّ المازنيّ ذهب بذلك إلى أنّ الواو في (الحَيَوَان) أصلٌ؛ وليست منقلبةً من ياءٍ، وأنّ الياء - أيضًا - أصلٌ من باب اللّغتين، ثمّ يجوز أن يكون استُعمِلَ الفعل من لغة الياء؛ ولم يُستعمل من لغة الواو؛ لثقل ذلك عليهم؛ فقالوا: حَيِيْتُ.
ويجوز - أيضًا - أن يكون استُعْمِلَ فعل اللّغة الّتي تكون اللاّم فيه واوًا؛ فقلبت ياءً للكسرة التي قبلها؛ إذ جاؤوا به على: فَعِلَ يَفْعَلُ؛ مثل: عَلِمَ يَعْلَمُ؛ فقالوا: حَيِيتُ.
ويبدو أنّ السّمين الحلبيّ٢ كان يرجّح مذهب المازنيّ؛ إذ جعل (الحَيَوَان) في (ح ي و) وفَصَلَه عمَّا بعده؛ وهو (ح ي ي) ٣. والأقرب في هذا هو مذهب الجمهور لما تقدّم؛ ويؤيّده السّماع والقياس؛ أي: أنّ أصل حَيَوَان (ح ي ي) لا (ح ي و) .
ومن أمثلة التّداخل في هذا النّوع: تداخل (ل وي) و(ول ي) في قراءة ابن عامرٍ وحمزةَ ﴿وإِنْ تَلُوا﴾ ٤ بضمّ اللاّم وبواوٍ واحدةٍ؛ منقوله عزّ
_________________
(١) ١ المقتضب ١/١٨٦. ٢ ينظر: عمدة الحفّاظ ١٤٦. ٣ وجعل الأستاذ عبد السّلام هارون (الحيوان) من (حيو) ينظر: فهارس الكتاب ٥/١٠٩. ٤ ينظر: السبعة ٢٣٩، والتّذكرة في القراءات ٢/٣٧٩، والقراءات وعلل النّحويّين فيها ١/١٥٥، والحجّة في القراءات السّبعة ٣/١٨٥، والمبسوط ١٨٢، والتّيسير ٩٧، وإبراز المعاني ٤٢٣.
[ ١ / ٣٧٠ ]
وجلّ: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ١.
وهو يحتمل الأصلين:٢
يجوز أن يكون الأصل (ول ي) من: وَلِيَ يَلِي؛ وأصله (تَوْلِيُوا) ثمّ حذفت الواو؛ وهي فاء الفعل؛ لاعتلالها، ووقوعها بين ياءٍ وكسرةٍ؛ نحو: يَعِدُ ويَزِنُ: فصار (تَلِيُوا) فحذفت الضّمّة استثقالًا من على الياء؛ فالتقى ساكنان؛ فحذفت الياء، ثمّ ضمّ ما قبل الواو.
ومعناه من: الوِلاية؛ أي: ولاية الأمر؛ وهو ضدّ الإعراض عنه؛ من قولك: وَلِيْتُ الحكمَ والقضاءَ بين الرّجلين. والمعنى يؤيّد هذا الأصل؛ فدليل حمله على: وَلِيَ – أنّ بعده (أو تُعْرِضُوا) فهو نقيض: تَلُوا؛ لأنَ ولاية الشّيء: الإقبال عليه، ونقيضه: الإعراض عنه، فإنّما قيل لهم: "وإن تَلُوا الأمر فتعدلوا فيه أو تعرضوا عنه فلا تَلُوه، ولا تعدلوا فيه إن وليتموه، فإنّ الله كان بما تعملون خبيرًا"٣، فيجازى المحسن المقبل بإحسانه، ويحاسب المعرض على إعراضه.
_________________
(١) ١ سورة النساء: الآية ١٣٥. ٢ ينظر: معاني القرآن للفرّاء ١/٢٩١، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/١١٨، ١١٩، والقراءات وعلل النّحويّين فيها ١/١٥٥، والكشف ١/٣٩٩، والحجّة في القراءات السّبع ١٢٧، والحجّة للقراء السّبعة ٣/١٨٥، والتّبيان ١/٣٩٨، وإبراز المعاني ٤٢٣. ٣ الكشف ١/٣٩٩.
[ ١ / ٣٧١ ]
وانفرد الأخفش بتقدير محذوفٍ؛ وهو (عليهم) بعد (تَلُوا) قال: "وليس للولاية معنًى – هاهنا – إلاّ في قوله: وإن تلوا عليهم، فطرح: عليهم، فهو جائزٌ "١.
ويجوز أن يكون أصله (ل وي) من: لَوَى يَلْوي؛ إذا أعرض؛ فيكون أصل ﴿تَلُوا﴾ (تَلْوِيُوا) ثمّ ألقيت حركة الياء على الواو الأولى، وحذفت الياء؛ لسكونها وسكون الواو الأخيرة بعدها، أو لسكونها وسكون الواو قبلها٢ في الأصل، أي: قبل النّقل؛ فأبدل من الواو المضمومة همزةٌ؛ فصارت: (تَلُؤوا) ٣بإسكان اللاّم، ثمّ طرحت الهمزة، وطرحت حركتها على اللاّم؛ فصارت: (تَلُوا) كما قيل: في أَدْوُر: أَدْؤُر، ثمّ طرحت الهمزة؛ فصارت (أَدُر) ٤.
وعلى هذا الأصل تكون القراءتان بمعنى واحدٍ من: اللَّيّ٥، ولذلك
_________________
(١) ١ معاني القرآن للأخفش ١/٢٤٨. ٢ ينظر: الكشف ١/٤٠٠. ٣ ينظر: حجّة القرّاء ٢١٦. ٤ ينظر: القراءات وعلل النّحويّين فيها ١/١٥٥، وفيه: (فصارت أدور)، وهو تحريف؛ والصّواب ما أثبته. كما في طبعة الدّكتور عوض القوزي ٣١٩، واللّسان (ولي) ١٥/٤١٣. ٥ ينظر: زاد المسير ٢/٢٢٢، وتفسير ابن كثير ١/٥٧٠، وتفسير النّسفي ١/٢٥٩، وإبراز المعاني ٤٢٣.
[ ١ / ٣٧٢ ]
اختاره الزّجّاج١؛ وهو الرّاجح. وعلى ما تقدّم يكون معنى ﴿إِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ على التّرادف، ويكون معناهما على اختيار الأصل الآخر - أعني (ول ي) على التّضادّ، وكلاهما صحيحٌ في السّياق العامّ للآية، ومقبولٌ عند المفسّرين وأهل اللّغة؛ خلا الأخفش٢؛ فإنّه جعل هذه القراءة لحنًا؛ إن قدِّر هذا الأصل؛ أعني (ل وى) والأمر خلاف ما ذهب إليه؛ فالقراءة صحيحة؛ لأنّها سبعيّةٌ، وقد اتّفق عليها اثنان منهم؛ وهما: عبد الله بن عامرٍ، وحمزة بن حبيب الزّيَّات.
ومن التّداخل في اللّفيف بين (ح ي ي) و(ي ح ي) في (يَحْيَى) عَلَم لرجلٍ؛ وهو اسم النّبيّ يحيى - عليه وعلى نبيّنا الصّلاة والسّلام - فهو يحتمل الوجهين:
أن يكون من (ح ي ي) فيكون على وزن (يَفْعَلُ) موازنًا للفعل٣، ومشتقًّا من الحياة.
وهو يحتمل أن يكون عربيًّا أو أعجميًّا٤، كما أنّه ممنوعٌ من الصّرف، وليس في ذلك دليلٌ لأحدهما على الآخر؛ فإن كان عربيًاّ فمنعه من الصّرف للعَلَمِيَّة ووزن الفعل، وإن كان أعجميًا فذلك للعلمية
_________________
(١) ١ ينظر: معاني القرآن وإعرابه ١/١١٨. ٢ ينظر: معاني القرآن ١/٢٤٧، ٢٤٨. ٣ ينظر: الكشف ١/٣٥٩، والتّبيان ١/٢٥٧، والمساعد ٤/٦٩. ٤ ينظر: معاني القرآن وإعرابه ١/٤٠٦، والكشف ١/٢٥٩.
[ ١ / ٣٧٣ ]
والعُجمة؛ غير أنّ في العجمة – إن صحّت – دليلًا على أصالة الياء الأولى.
ومعناه يقرِّب اشتقاقه من: الحياة؛ ويؤيّد ما تقدّم في (الزّوائد) وهو أنّ الياء يقضى عليها بالزّيادة أوّلًا إن صحبها ثلاثة أصولٍ؛ كما في (يَزِيد) و(يَعْمُر) ويقوِّيه – أيضًا- أنّ (ي ح ي) أصلٌ مهملٌ في العربيّة. ولكن يجوز أن يكون أصله (ي ح ي) فقد نُقِلَ عن الكسائيّ١ أنّ يحيى (فَعْلَى) وهو وجهٌ مقبولٌ إن كان الاسم أعجميًّا، وقد رجّحه الزّمخشريّ٢.
ومن أمثلة هذا النّوع: تداخل (ح ي ي) و(ح وي) في (حَيَّة) وهي: واحدة الحَيَّات أو الهوَامِّ، وقد اختلفوا في أصلها:
يرى سيبويه٣ أنّ أصلها (ح ي ي) مستدلًاّ على ذلك بقول العرب في النّسب إلى (حَيَّة بنِ بَهْدَلَة): (حَيَوِيٌّ) وهي عنده (فَعْلَة) حرِّكت الياء في النّسب؛ لأنّه لا تكون الواو ثابتةً وقبلها ياءٌ ساكنةٌ. وعلى هذا المذهب لو كانت العين واوًا - لقالوا: (حَوَوِيٌّ) ٤ كما قيل في النّسب إلى (لَيَّةٍ) ٥: لَوَوِيٌّ.
_________________
(١) ١ ينظر: المساعد ٤/٦٩. ٢ ينظر: الكشّاف ١/٣٥٩. ٣ ينظر: الكتاب ٣/٣٤٥. ٤ ينظر: سرّ الصّناعة ٢/٧٣٠. ٥ وهي: المَرَّة: من: اللّي بمعنى: الجَدْل والفَتْل. ينظر: اللّسان (لوي) ١٥/٢٦٢.
[ ١ / ٣٧٤ ]
وكان أبو عليّ الفارسيّ١ يرى هذا - أيضًا - ويستدلّ له بغير ما استدلّ به سيبويه؛ وهو قولهم: أرضٌ مُحْيَاة، ومُعْفَاة؛ أي: كثيرة الحَيَّات والأفاعي.
على أنّه ليس في قولهم: رجلٌ حَوَّاءٌ - وهو: الّذي يجمع الحيّات - دليلٌ على الواو عند أبي عليّ٢؛ لأنّه غير مأخوذ من (الحَيَّة) ولكنّه من (حَوَيْتُ) فهما أصلان تقاربا في ألأصل والمعنى؛ كـ (سَبِطٍ وسِبْطَرٍ) و(دَمِثٍ ودِمَثْرٍ) فكما أنّ لفظ (لأّالٍ) بالهمزة المشددة الممدودة، وهو: بائع اللّؤلؤ – ليس من لفظ (لؤلؤ) كذلك (حَيَّةٌ) و(حَوَّاءٌ) فكلٌّ منهما أصلٌ مستقلٌّ.٣
على أنّ ما ذهب إليه أبو عليٍّ في (حَوَاءٍ) ليس قولًا قاطعًا؛ فهو يحتمل الأصل الآخر؛ بخلاف (لؤلؤٍ) و(لأّالٍ) فهما أصلان لا محالة؛ لأنّ أحدهما رباعيٌّ، والآخر ثلاثيٌّ، وأمّا (حيّةٌ) و(حوَّاءٌ) فهما من الثّلاثيّ، وانقلاب حروف العلّة بعضها عن بعضٍ كثيرٌ.
وذهب أبو حاتمٍ السِّجِستانيُّ إلى أنّ أصلها (ح وي) مستدلًاّ بالمعنى؛ وهو تحوِّي الحَيَّة في لِوائها، وبقولهم: رَجُلٌ: حَوَّاءٌ وحَاوٍ٤.
_________________
(١) ١ ينظر: البغداديّات ٢٣٠، ٢٣١. ٢ ينظر: البغداديات ٢٣٢. ٣ ينظر: سرّ الصّناعة ٢/٧٣٠. ٤ ينظر: المحكم ٤/٢٦.
[ ١ / ٣٧٥ ]
وقد تردّد فيه ابن سِيدَه؛ فذكره في الأصلين١، وتابعه ابن منظورٍ٢.
ومن ذلك تداخل (ث وو) و(ث ي و) في (ثَايَةٍ) وهو مَأوى الغنم والبقر٣.
و(ر وي) و(ر ي و) في (الرّايَة) ٤.
و(أي و) و(أي ي) في (أَيَا) الشّمس، وهو نورها٥.
و(هـ وي) و(هـ وو) في (الهَوَى) ٦.
و(وغ ي) و(وغ و) في (الأَوَاغي) وهي مَفَاجِر الماء في الدِّبار والمزارع، واحدتها آغِيةٌ٧.
_________________
(١) ١ ينظر: المحكم (حيي) ٣/٣٠٥، و(حوى) ٤/٢٦. ٢ ينظر: اللّسان (حوى) ١٤/٢٠٨، و(حيي) ١٤/٢٣٠. ٣ ينظر: اللسان (ثوا) ١٤/١٢٧. ٤ ينظر: المنصف ٢/١٤١. ٥ ينظر: اللّسان (أيو) ١٤/٦٣. ٦ ينظر: رسالة الملائكة ٩٦. ٧ ينظر: اللّسان (وغي) ١٥/٣٩٨.
[ ١ / ٣٧٦ ]
المبحث الثّاني: التّداخل بين المعتلّ والمهموز
ومما يكثر فيه تداخل الأصول: التّداخل بين المعتلّ والمهموز، وقد وقفنا على تعريف المعتلّ في المبحث السّابق.
أمّا المهموز فهو "ما كان أحد أصوله الثلاثة همزة"١، نحو: أَكَلَ وسَأَلَ ومَلأَ.
وثمّة علاقة بين المعتلّ والمهموز، تُعدّ من أهمّ أسباب التّداخل بينهما؛ وهي هَمْزُ المعتلّ، وتخفيف المهموز؛ وهما ممّا يكثر في النّوعين؛ أعني: المعتلّ والمهموز؛ حتّى تكاد تُعدّ من حروف العلّة؛ ألا ترى كيف وُضعت في معاجم التّقليبات في باب واحد، وأول من فعل ذلك الخليل في العين ٢؛ على الرّغم مما بينها وبين حروف العلّة من اختلاف في المخرج
_________________
(١) ١ المفتاح في الصرف ٤. ٢ ينظر على سبيل المثال: العي ن٨/٥٥،١٣٢،١٦٧،١٩٢، ٢٣٢،٢٧٣، ٣٢٥، ٣٣٢، ٣٧٥، ٤٣٧.
[ ١ / ٣٧٧ ]
والصّفات. فمخرج الهمزة من أقصى الحلق١ أو من الحنجرة (المزمار) ٢ وهي صوت شديد٣، مجهور.
أمّا الواو والياء فمخرجهما من الشّفة، ومن صفاتهما اللّين؛ لأن مخرجهما يتّسع لهواء الصّوت من اتّساع غيرهما ٤، والألف هاوية؛ ومخرجها أشدّ اتّساعًا من مخرج صاحبتيهما؛ وهنّ أخفّ الحروف؛ لاتّساع مخارجهنّ ٥. ولعلّ سبب ذلك أنّهم وجدوا حروف العلّة تُخفّف وتهمز في كثير من الحالات، ونُمهّد لهذا المبحث بالوقوف على ذلك - بإيجاز - لأنّه يُعين على معرفة الأصول:
أ - همز المعتلّ:
تُقلب حروف العلّة همزة، وله ثلاثة أحكام: قلبها وجوبًا أو جوازًا أو شذوذًا.
_________________
(١) ١ ينظر: الكتاب ٤/٤٣٣. ٢ ينظر: الأصوات اللغوية ٩١، ومناهج البحث في اللغة ٩٧. ٣ ينظر: الكتاب ٤٣٣، ومخارج الحروف وصفاتها ٨٨، والأصوات اللغوية ٩١، ودراسة الصوت اللغوي ٢٧٤، والمنهج الصوتي للبنية العربية ١٧٢. ٤ ينظر: الكتاب ٤/٤٣٥. ٥ ينظر: الكتاب ٤/٤٣٦.
[ ١ / ٣٧٨ ]
فأمّا القلب الواجب فتشترك أحرف العلّة الثّلاثة فيه في موضعين، وتشترك الياء والواو فيه في موضعين، وتختصّ الواو به في موضع واحد.
فالموضع الأول: المشترك بينها، هو أن يقع أحدها لامًا أو زائدًا في الطّرف الحقيقيّ، أو الحكميّ إثْر ألف زائدة.
فمثال قلبها في الطّرف الحقيقيّ قولهم: سماءٌ من السُّموّ، وبناءٌ من: البِنَايَة، وصحراءُ من: صَحْرَى.
والموضع الثّاني: المشترك بينهما هو أن يقع أحد الأحرف الثّلاثة بعد ألف الجمع الأقصى، وقد كان في المفرد مدًّا زائدًا كقولهم: عَجَائِزُ في جمع: عَجُوز، وصَحَائِفُ في: صَحِيفَةٍ، ورَسَائِلُ في: رِسَالَةٍ.
وتشترك الواو والياء في قلبهما همزة وجوبًا في موضعين:
الأول: أن تقع إحداهما عينًا لاسم فاعل من: فعل ثلاثيّ أُعلّت فيه، ما دامت العين في مكانها؛ نحو: قَائِمٍ وبَائِعٍ من: قَامَ وبَاعَ.
الثاني: أن يقع أحدهما ثاني حرفين ليّنين بينهما ألف الجمع الأقصى الذي بعد ألفه حرفان؛ سواء تماثل اللّيّنان أم اختلفا، فمثال الواوين: أَوّلُ وأَوَائِلُ أصله: أَواوِل.
ومثال اليائين: نَيّفٌ ونَيَائِفُ، وأصله: نَيَايِفُ.
ومثال ما اختلفا فيه: سَيّد وسَيَائِد، وأصله: سَيَاوِدُ.
أمّا الموضع الذي اختصّت فيه الواو بالقلب همزة وجوبًا، فذاك عند اجتماع واوين في صدر الكلمة بشرط ألاّ تكون ثانيتهما مدة غير
[ ١ / ٣٧٩ ]
أصلية، ومثال ذلك (أُوَلٌ) جمع أُوْلى، وأصله (وُوَلٌ) على مذهب من جعله من (وول) كما سبق به البيان١ و(أُوْلَى) وأصلها (وُولَى) وأُواصل جمع: وَاصِلة.
أمّا قلب أحرف العلّة همزة جوازًا، فهو خاصّ بالواو والياء؛ وهما كما يلي:
١- تُقلب الواو همزة جوازًا - باتفاق - إذا وقعت مضمومة ضمّة لازمة غير مشدّدة ولا موصوفة بموجب الإبْدال؛ وذاك نحو: (أَدْؤُر) في (أَدْوُر) جمع دَارٍ، وأُجُوه في (وُجُوُهٍ) جمع: وَجْهٍ.
ويُجيزُ المازنيّ قلب الواو المُصدّرة المكسورة همزةً قياسًا مُطّردًا؛ نحو: إِشَاحٍ في: وِشَاح، وإِسَادة في: وِسَادَة، وإِعَاءٍ في: وِعَاءٍ ٢. ويرى سيبويه أن يكون ذلك مقصورًا على السّماع ٣.
٢- تُقلب الياء همزة جوازًا في موضع واحد؛ وهو أن تقع بين ألفٍ وياء مشدّدة؛ نحو: غائيّ ورائيّ، وذلك في النَّسب إلى: غايةٍ ورايةٍ. وتقلب أحرف العلّة همزة شذوذًا:
مثال قلب الواو همزة قولهم: مُؤْسَى في: مُوسى، والمُؤْقِدَان في: المُوقِدَانِ في قول جرير:
_________________
(١) ١ ينظر: ص (٣١٣) من هذا البحث. ٢ ينظر: ينظر: المصنف ١/٢٢٩، وشرح الشافية للرضى ٣/٢٠٤. ٣ ينظر: الكتاب ٤/٣٣١.
[ ١ / ٣٨٠ ]
أَحَبُّ المُؤْقِدَانِ إليّ مُؤْسَى وَجَعْدَةُ إِذْ أَضَاءهُمَا الوَقُودُ١
ومثال قلب الياء همزة شذوذًا قولهم: في أسنانهم أَلَلٌ؛ أي: يَلَلٌ، وهو: قِصَرُ الأسنان، أو ميلها إلى داخل الفم.
ومثال قلب الألف همزة شذوذًا، قولهم: العَأْلَم والمُشْتَئِقُ؛ في قول الرّاجز:
صَبْرا فَقَدْ هَيّجْتَ شَوْقَ المُشْتَئِقْ٢
وأصله المُشتاق، فهَمَزه ضرورة؛ لأنها تُقابل لام (مُسْتَفْعِلُنْ) .
ب - تخفيف المهموز:
لا يخلو صوت الهمزة من صعوبة في النّطق؛ لبعد مخرجها في الحَلْق، وقد أشار إلى ذلك سيبويه؛ فقال: "اعْلَم أَنَّ الهَمْزَةَ إِنَّمَا فعَلَ بِهَا هَذَا مَنْ لّمْ يُخفّفها؛ لأنه بَعُدَ مخرجُها؛ ولأنّها نبْرةٌ في الصّدر تُخرج باجتهاد، وهِيَ أَبْعَدُ الحُرُوف مَخْرَجًا؛ فثَقُل عليهم ذلك؛ لأَنَّه كَالتَّهُوّع"٣.
ولعلّ هذا ما جعلهم يتّبعون مذاهب العرب في أدائها؛ من حيث التّحقيق، والتّخفيف، والبدل٤.
_________________
(١) ١ ينظر: ص (٣١٥) من هذا البحث. ٢ ينظر: سرّ الصناعة١/٩١، والخصائص ٣/١٤٥، وشرح الشافية للرضى ٢/٢٥٠، ٣/٢٠٤، وشرح شواهد الشافية ١٧٥. ٣ الكتاب ٣/٥٤٨. والتهوع: التقيؤ. ينظر: اللسان (هوع) ٨/٣٧٧. ٤ ينظر: الكتاب ٣/٥٤١.
[ ١ / ٣٨١ ]
وتحقيق الهمزة هو إعطاؤها حقّها من الأداء١؛ وهو لغة تميم٢؛ نحو قولك: قَرَأْتُ، وسَأَلَ، ولَؤُمَ، وبَئِسَ٣. أما التّخفيف ففيه ثلاث صور؛ وهي ٤:
١- أن تُجعل الهمزةُ بينَ بين.
٢- أن تُقلب (تُبْدل) ٥.
٣- أن تُحذف.
أمّا الأول: فنُطْقُ الهمزةِ مع إضعاف الصوت وإخفائه، وعدم إتمامه؛ وله صورٌ ذكرها الصرفيون٦.
أمّا الثّاني: وهو قلبها أو إبدالها حرفًا من حروف العلة الواو والياء والألف؛ وهو المهمّ هنا؛ لأنه من المواضع الّتي يكثر فيها تداخل الأصول؛ كالموضع السابق - أعني: همْز المعتلّ - ولكنّه على عكسه.
_________________
(١) ١ ينظر: اللهجات في الكتاب ٣١٤. ٢ ينظر: الكتاب٣/٤٢،٥٣٣، وشرح المفصل لابن يعيش ٩/١٠٧، والبحر المحيط ١/٢٠٤، ٣/٢٣٦، والمزهر ٢/٢٧٦، واللهجات في الكتاب ٣١٤. ٣ ينظر: الكتاب ٣/٥٤١. ٤ ينظر: الكتاب ٣/٥٤١، ودقائق التصريف٢٥٢. ٥ يجوز هنا أن يستخدم مصطلحان؛ لأن الإعلال بالقلب في حروف العلة، والهمزة فرع من الإبدال؛ بينهما العموم والخصوص؛ فكل قلب بين تلك الحروف إبدال؛ وليس العكس. ٦ ينظر: الكتاب ٣/٥٤١،٥٤٢.
[ ١ / ٣٨٢ ]
ومِلاكُ القول في هذا أنّ الهمزة تُقلب حرفَ علةٍ وجوبًا وجوازًا على النّحو التالي١:
أولًا: قلب الهمزة حرف علةٍ وجوبًا:
وهذا يكون في موضعين: أحدهما الجمع الأقصى على (مَفَاعِل) فتُقلب فيه الهمزة ياءً؛ إن كانت عارضة في الجمع، وكانت لام الجمع معتلة أو مهموزة؛ نحو: قَضَايا٢ جمع: قَضِيّةٍ، ومطايا جمع: مطيّة، وخطايا جمع: خَطِئةٍ.
وتُقلب واوًا: إذا كانت لام المفرد واوًا سلِمت فيه من الإعلال؛ نحو: أَدَاوَى، وأصله (أَدَائِوُ) .
وثانيهما: أن تلتقي همزتان في كلمة واحدة؛ فيجب قلب الثّانية حرف علة؛ لأن الثّقل حصل منها؛ نحو: آمَنَ، أصله: أَأْمَن، وإِيثَار أصله: إِئْثَار، وأُوتُمِن أصله: أُؤْتُمِن، وأَوَادِم في جمع آدَمَ، وأصلها: أَأَادِمُ.
ثانيًا: قلب الهمزة حرف علة جوازًا:
ويكون ذلك في موضعين:
_________________
(١) ١ ينظر: شرح الشافية للرضى ٣/٥٩، ومنجد الطالبين ٥٢، والقواعد والتطبيقات ٣٦-٤٧. ٢ قلبت الياء الأولى همزة لوقوعها بعد ألف (مفاعل) وهي - في المفرد - مدة زائدة؛ فصارت: قضائي، وفتحت الهمزة العارضة للتخفيف، كما في عَذاري ومَداري؛ فصارت: قضاءيُ، ثم قُلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها؛ فصارت قضاءا؛ فاجتمع شبه ثلاث ألفات فقلبت الهمزة ياء فصارت: قضايا. ينظر: القواعد والتطبيقات ٣٧.
[ ١ / ٣٨٣ ]
١- إذا سُكّنت الهمزة المفردة؛ وتحرك ما قبلها جاز قلب الهمزة من جنس الحركة السّابقة؛ نحو: رَاسٍ في رَأْسٍ، وبِير في: بِئْر، ومُومن في: مُؤْمن.
٢- إذا انفتحت الهمزة وضُمّ ما قبلها أو كُسر جاز قلب الهمزة من جنس حركة ما قبلها؛ نحو: جُوَنٍ في: جُؤَنٍ، ومِيرَة في: مِئَرَةٍ.
ومن هنا عُرف فيما جاء على التّحقيق أو جاء مهموزًا تارة ومخفّفًا تارةً أخرى أنّ الأصل فيه الهَمْز "لأن ما كان مهموز الأصل فتخفيفه جائز، وما لم يكن مهموزًا في الأصل فهَمْزُه لحن، إلاّ ما كانت فيه علة موجبة لذلك"١ كما تقدم في هَمْز المعتلّ.
على أن التسهيل - هنا - لا يُؤخذ على إطلاقه، فثمّة شرط يجب أن يتوفّر فيما يُخفّف؛ وهو ألاّ يؤدّي ذلك إلى تغيير دلالة اللّفظ؛ فالمُؤْكِلُ والمُوكِلُ، وزَأَرَ وزار، وبَدَأَ وبدا؛ ليس أحدهما مخفّفًا من الآخر؛ بل كلٌ منهما أصل مستقلٌ؛ لاختلاف المعنى بين الأصلين المهموز وغير المهموز٢؛ ألا ترى أنّ المُؤْكِل: المُطْعِمُ، والمُوكِل: مَنْ وكّل غيره على أمر ليقوم به، وزَأَرَ الأسد: إذا صاح وزمْجر، وزار الرجل جاره بمعنى: عاده، وبدأ بالشيء، أي: فعله ابتداءً قبل غيره، أمّا بدا فمن قولهم: بدا يبدو إذا ظهر، وبدا إذا تحول إلى البادية، ونحوه. وقد يؤدّي مثل ذلك إلى تداخل الأصول، أو الشّك فيها؛ كقول الرّاجز:
يَا صَاحِ أرْحِلْ ضَامِرَات العِيسِ وابْكِ عَلَى لَطْمِ ابْنِ خَيْرِ الفُوسِ ٣
_________________
(١) ١ اشتقاق أسماء الله ٢٩٤. ٢ ينظر: شرح النظم الأوجز (مقدمة المحقق) ١١.
[ ١ / ٣٨٤ ]
وبدأ بالشيء، أي: فعله ابتداءً قبل غيره، أمّا بدا فمن قولهم: بدا يبدو إذا ظهر، وبدا إذا تحول إلى البادية، ونحوه. وقد يؤدّي مثل ذلك إلى تداخل الأصول، أو الشّك فيها؛ كقول الرّاجز:
يَا صَاحِ أرْحِلْ ضَامِرَات العِيسِ وابْكِ عَلَى لَطْمِ ابْنِ خَيْرِ الفُوسِ ١
_________________
(١) ١ ينظر: اللسان (فأس) ٦/١٥٨، وأنبه على أن في طبعة (دار صادر) لـ (لسان العرب): (الفؤوس) ومثلها في طبعة (دار لسان العرب) وفي طبعة (بولاق): (الفُؤْس) والراجح (الفُوْس) . أما (الفؤوس) فيأباه الوزن، وأما (الفؤس) فتأباه القافية؛ لأنها مردوفة بالواو أو الياء؛ وهما يتعاقبان في الردف في القصيدة الواحدة؛ كـ (صَبُور) و(سَمير) فدّل ذلك على أنها (الفُوس) بدلالة ما في آخر البيت الأول وهو (العيس) لأن الظاهر أن البيتين من مشطور الرجز؛ وإنما لم أقطع بذلك لأنه يجوز أن يكونا بيتًا واحدًا مُصرّعًا؛ كما يقع في العادة في أول القصيدة. ومهما يكن من أمر فإن الرّويّ يرجح (الفُوْس) ويؤكد ذلك ما حكاه ابن منظور في تعليقه على أصل الكلمة، الذي أثبّته في المتن، أتراه يقول ما قال لو كانت: (الفُؤُوْس)؟ أو حتى (الفُؤْس)؟ بل إنه قال ذلك لما رآه (الفُوْس) فاحتملت الوجهين اللذين أشار إليهما، أي أنها في الأصل (الفؤوس) ثم حُذف منها للضرورة إما عين الكلمة وهو الهمزة، أو واو الجمع، وحذف العين أولى؛ لأن الواو جاءت لمعنى، وهو الجمع؛ فهي أولى بالبقاء؛ فإن كان المحذوف العين فوزن (الفوس) (الفُوْل)، وإن كان الواو فالوزن (الفُعْل) لأنه بعد الحذف: (الفُؤْس) سُكّنت الهمزة وقد كانت مضمومة لضرورة الشعر، ثم سهلت الهمزة لضرورة القافية. والله أعلم بالصواب.
[ ١ / ٣٨٥ ]
ألا ترى إلى ما حكاه ابن منظور في التّعقيب على البيت بقوله: "لا أدري أهو لجمع فأس، كقولهم: رُؤُوس في جمع: رأس، أم هي من غير هذا الباب؛ من تركيب (ف وس) "١.
ومنه تداخل الأصلين في (مُؤْهِب) في قول الشّاعر:
جَيْشُ المِحَمّيْنِ حَشّ النّارَ تَحْتَهُما غَرْثَانُ أَمْسَى بِوَادٍ مُؤهِبِ الحَطَبِ ٢
قال أبو علي: "فمن أخذه من: الأُهْبَةِ والتّأهّب هَمَزَ إن شاء، ومن أَخَذَه من: وَهَبَ، وجعل الفاء والواو لم يَهْمِز، إلا على قول من قال: مُؤْسَى، وقد تُؤُوِّلَ البيت على الأمرين جميعًا"٣.
ولِيَتَمَيَّزَ الأصلان اشتغل فريق من علماء العربية في جمع ما يُهمز وما لا يُهمز من النّوعين: فأفرد ابن السكيت - مثلًا - أبوابًا للهمْز في كتابه (إصلاح المنطق) ممّا يُقال بالهمزة مرّة وبالواو مرّة أخرى٤، وما
_________________
(١) ١ اللسان (فأس) ٦/١٥٨. ٢ ينظر: الحجة للقراء السبعة ١/٢٤٣، وأساس البلاغة (وهب) ٥١٠. ٣ الحجة للقرّاء السبعة ١/٢٤٣. ٤ ينظر: إصلاح المنطق ١٥٩.
[ ١ / ٣٨٦ ]
يُقال بالهمز والياء١، وما هَمَزَه بعض العرب وترك هَمْزه بعضهم٢، وما تركت العرب هَمْزه٣، ونحو ذلك. وأفرد ابن قتيبة٤ وابن سيده٥ مثل تلك الأبواب.
ثمّ جاء ابن مالك؛ فألّف كتابًا جامعًا في ذلك سمّاه: (شرح النظم الأوجز في ما يُهمز وما لا يهمز) جمع فيه أقوال السّابقين، وزاد عليها.
أمّا تخفيف الهمزة بحذفها - وهو الصورة الثالثة - فيكون في "كلّ همزة متحركة كان قبلها حرف ساكن؛ فأَردت أن تخفّف حَذَفْتَها، وألقيت حركتها على السّاكن الذي قبلها؛ وذلك قولك: مَنَ بُوكَ؟ ومَنُ مُّكَ؟ وكَمِ بِلُك؟ إذا أردت أن تُخفّف الهمزة في الأبّ والأمّ والإبل"٦.
ومن ذلك قولهم: المَرَةُ والكَمَةُ في: المرأة والكمأة؛ وهو نوع من النّبات.
_________________
(١) ١ ينظر: إصلاح المنطق ١٥٩. ٢ ينظر: إصلاح المنطق ١٥١. ٣ ينظر: إصلاح المنطق ١٥٨. ٤ ينظر: أدب الكاتب ٥٦٨-٥٧٠. ٥ ينظر: المخصص: ١٤/٢-١٩. ٦ الكتاب ٣/٥٤٥.
[ ١ / ٣٨٧ ]
أمّا البدل - وهو المذهب الثالث في مذاهب العرب في أداء المهموز - فالمقصود منه عموم البدل بين الهمزة وغيرها؛ فيدخل فيه المعتلّ وغير المعتلّ؛ كالتّبادل بين الهمزة والعين. أمّا المعتلّ فقد مرّ ذكره؛ وهو الصورة الثّانية من صور تخفيف الهمزة، أمّا التّبادل بين الهمزة وغير المعتلّ فليس من مواضع هذا المبحث.
والّذي يراه البحث فيما جاء مخفّفًا وأصله الهمز، أو جاء مهموزًا وأصله غير الهمز والمعنى واحد، أن يُذكر في المعاجم في موضع واحد؛ لأنّه ليس له إلاّ أصل واحد؛ وللحفاظ على اطّراد النّظام المعجميّ الدّقيق، ودرء اتّساع معاجم القافية؛ مما لا موجِب له، ولتيسير سبيل اطّلاع القارئ على كلّ ما جاء في المادّة الواحدة في مكان واحد.
ولا بدّ - هنا - من الإشارة إلى أنّ التّداخل بين المعتلّ والمهموز، في هذا المبحث، لا يُعزى كلُّه إلى همز المعتلّ أو تخفيف المهموز؛ إذ قد يُعزى إلى أسباب أخرى مختلفة؛ راجعة إلى طبيعة المعتلاّت كما أشرنا إلى ذلك فيما مضى، أو إلى طبيعة المهموز، أو إليهما معًا، وبخاصّة إذا وقعت الهمزة أو المعتلّ في أوّل الكلمة؛ وهو من مواضع زيادتهما؛ وكثيرًا ما تلتبس بالأصليّ.
والقسمة الجامعة للتّداخل في هذا المبحث على النحو التّالي:
أ- التّداخل بين المثال والمهموز.
ب- التّداخل بين الأجوف والمهموز.
[ ١ / ٣٨٨ ]
ج- التّداخل بين النّاقص والمهموز.
د- التّداخل بين اللّفيف والمهموز.
وعلى أنّ المراد من ذلك هو التّداخل بين الأصل المعتلّ والأصل المهموز؛ وليس المراد التّداخل بين الحرف والحرف.
أ - التّداخل بين المثال والمهموز.
يكثر التّداخل بين المثال والمهموز؛ لما مرّ من التّعاقب بين حرف العلّة والهمزة؛ أو لأن الهمزة وحروف العلّة قد يلتبس أمرها بين الأصالة والزّيادة في أوّل الكلمة. وفيما يلي بيان ذلك، وتفصيل حال التّداخل فيه:
فمن هذا النّوع تداخل (وح د) و(أح د) في (أحد) و(إحدى) أوّل العدد؛ وهما يحتملان الأصلين:
الرّاجح عند الجمهور أن الأصل (وح د) وأنّ الهمزة فيه مبدلة من الواو، وقد كان سيبويه يرى هذا؛ فقد قال: "وقالوا: أَحَدٌ؛ وأصله: وَحَدٌ؛ لأنّه واحد؛ فأبدلوا الهمزة لضعف الواو عوضًا لما يدخلها من الحذف والبدل"١. ويدلّ على أنّ أصله الواو - أيضًا - مجيئه بالواو؛ كقول النّابغة:
_________________
(١) ١ الكتاب ٤/ ٣٣١.
[ ١ / ٣٨٩ ]
كَأَنّ رَحْلِي وَقَدْ زَالَ النَّهَارُ بِنَا بِذِي الجَلِيلِ عَلَى مُسْتَأْنِسٍ وَحَدِ١
وقولهم (مَوْحَدٌ) يدلّ على أصالة الواو، ولو كانت الهمزة أصليّة لقالوا: (مَأْحَدٌ)؛ مثل: مَأْخَذٍ من: أَخَذَ، ومَأْكَلٍ من: أَكَلَ، قال الشّاعر:
ولَكِنّمَا أَهْلِي بِوَادٍ أَنِيسُه سِبَاعٌ تَبَغَّى النَّاسَ مَثْنى ومَوْحَد٢
ويجوز أن يكون أصله (أح د) وهو بعيد؛ يردّه ما تقدّم، ولا يجوز أن يُقال: إنّ (الواحد) لا دليل فيه؛ إذ يجوز أن يكون أُبدل من الهمزة واو؛ فرارًا من اجتماع الهمزتين٣؛ وهو ثقيل كما تقدّم؛ فيكون أصله حينئذ (آحِدًا) لأنّ ذلك غير مألوف في العربيّة؛ ألا تراهم لم يقولوا في: الآكِل والآمِل والآمِن والآسِر، ونحو ذلك: الواكل والوامل والوامن والواسر. وعلى الرُّغْم من ذلك فقد وضعه أكثر المعجميّين في الأصلين، ومنهم: الجوهريّ٤ وابن منظور٥ والفيروزآباديّ٦.
_________________
(١) ١ ديوانه ١٧، وينظر: الزّينة ٢/٣٦، واشتقاق أسماء الله ٩١. ٢ هو ساعدة بن جؤّيّة الهذلي. ينظر: شرح أشعار الهذليين ٣/١١٦٦، والزّينة ٢/٣٦. ٣ أعني الهمزة والألف. ٤ ينظر: الصحاح (أحد) ٢/٤٤٠، و(وحد) ٢/٥٤٨. ٥ ينظر: اللسان (أحد) ٣/٧٠، و(وحد) ٣/٤٤٦. ٦ ينظر: القاموس (أحد) ٣٣٨، (وحد) ٤١٤.
[ ١ / ٣٩٠ ]
ووضعه الزمخشريّ١ في (وح د) عل الصّحيح.
ومنه تداخل (أب ب) و(وب ب) في (الوَبِّ) وهو: التّهيّؤ للحملة في الحرب؛ يقال: وبّ الرّجل؛ إذا تهيّأ للحملة في الحرب؛ وهو يحتمل الأصلين:
جعله الأزهري٢ من (أب ب) وذكر أنّ الواو في (الوَبِّ) مبدلة من الهمزة.
وجعله الصّاغانيّ٣ من (وب ب) وتابعه الفيروزآباديّ٤. وذكره ابن منظور٥ في الأصلين.
ومن أمثلة هذا النّوع تداخل (ود د) و(أد د) في (أُدَد) وهو أبو عدنان؛ أدُّ بن طابخة بن إلياس بن مضر٦، وهو يحتمل الأصلين:
ذهب ابن دريد إلى أنّ أصله (ودد) وقال: "وأحسب أن الهمزة في: أُدٍّ، واو؛ لأنه من الوُدِّ أي الحب فقلبوا الواو همزة، لانضمامها؛ نحو
_________________
(١) ١ ينظر: أساس البلاغة (وحد) ٤٩٣. ٢ ينظر: التهذيب (١٥/٥٩٩) . ٣ ينظر: التكملة (وبب) ١/٢٨٢. ٤ ينظر: القاموس (وبب) ١٨٠. ٥ ينظر: اللسان (أبب) ١/٢٠٥، (وبب) ١/٧٩١. ٦ ينظر: جمهرة النسب ١٨٩، وجمهرة أنساب العرب ١٩٨.
[ ١ / ٣٩١ ]
﴿أُقِّتَتْ﴾ ١ وأُرِّخ الكتاب؛ الأصل: وُرِّخ٢، ووَقِّتَتْ"٣.
وذهب الجوهريّ٤ إلى أنّ أصله (أدد) وتابعه ابن منظور٥ والفيروزآباديّ٦.
ويتداخل في هذا النوع (أل ق) و(ول ق) في (الأَوْلَق) وهو: ضرب من الجنون؛ وهو يحتمل الأصلين.٧ يجوز أن يكون أصله (أل ق) من تألّق البرق إذا خفق؛ وذلك أنّ الخفوق ممّا يصحبه الانزعاج والاضطراب، وكذلك الأولق؛ فوزنه - حينئذ (فَوْعَل) وهو مذهب سيبويه٨ والجمهور، واستدلّوا على ذلك بقولهم: أُلق الرّجل؛ فهو مألوق٩؛ فدلّ ذلك على أصالة الهمزة.
_________________
(١) ١ سورة المرسلات: الآية ١١. ٢ الأعرف أن (وَرّخ) لغة في (أرّخ) وأن الهمزة هي الأصل. ينظر: اللسان (أرخ) ٣/٤. ٣ الجمهرة ١/٥٥. ٤ ينظر: الصحاح (أدد) ٢/٤٤٠. ٥ ينظر: اللسان (أدد) ٣/٧١. ٦ ينظر: القاموس (أدد) ٣٣٨. ٧ ينظر: الكتاب ٣/١٩٥، والأصول ٣/٢٣٢، وما ينصرف ١٥، والتكملة للفارسي ٢٣٢، والواضح ٢٦٤، والمنصف ١/١١٣، والتخمير ٤/٣٠٦، وسفر السعادة ١/٩٤. ٨ ينظر: الكتاب ٣/١٩٥. ٩ ينظر: المقتصد ٢/٧٨٧.
[ ١ / ٣٩٢ ]
وربّ قائل يقول: إنّه ليس في قولهم: (أُلِقَ) دليل على أصالة الهمزة؛ فقد تكون منقلبة عن الواو المضمومة؛ فيكون أصله - حينئذ (وُلِقَ) ثمّ قُلبت الواو همزة؛ على حدّ قولهم: (أُزِنَ) و(أُعِدَ) في: (وُزِنَ) و(وُعِدَ) فلا تكون حجة في (أُلِقَ) .
فالجواب أنّ قولهم: مألوق دليل أصالة الهمزة؛ فلو كانت الهمزة في (أُلِقَ) منقلبة عن الواو في (وُلِق) لزالت في اسم المفعول لزوال الضّمّة الموجبة للقلب؛ فكان يجب أن يُّقال - حينئذ (مَوْلُوقٌ) كما يقولون: (أُعِدَ) فهو (مَوْعود) ولم يُسمع قولهم: (مَأْعود) كما لم يقولوا: (مَوْلُوقٌ) وكقولهم: اُقِّتَت وتَوَقَّتَت؛ فاستُدلّ بذلك على أنّ الهمزة في (أُلِقَ) أصليّة غير منقلبة عن واو.١
قال ابن جنيّ: "ولو جاز لمدعٍ أن يقول: إنّ أصل أُلِقَ: وُلِقَ - من غير دلالة، ومع أنّ الهمزة ثانية في تصريف الكلمة بحيث لا موجب للقلب - لجاز لآخر - أيضًا - أن يقول: إنّ أصل: أُخذ: وُخِذَ، وإنّ أصل: أمّ: وُمّ، وإنّ أصل أُكل: وُكل، من غير دلالة ولا ثبت.
ولو جاز ذلك لخرج الأمر من باب طريق العلم إلى الجهل، وارتكاب ما لا حقيقة له، واعتقاد ما لا دليل عليه".٢
_________________
(١) ١ ينظر: المنصف ١/١١٤، والمقتصد ٢/٧٨٧. ٢ المنصف ١/١١٦.
[ ١ / ٣٩٣ ]
وهذا - أعني القول بأنّ الأصل (أل ق) - مذهب الجماعة؛ كابن السّرّاج١ والزّبيديّ٢ وأبي عليّ٣ وابن جنّيّ٤ والصّيمريّ٥ والجواليقيّ٦ وابن يعيش٧ والرّضيّ٨ والسّخاويّ٩.
وجعله الجوهريّ - أيضًا - من (أل ق) وفاقًا للجمهور، غير أنّه سها - ﵀ - في استدلاله على أنّه يجوز أن يكون (أَفْعَل) بقولهم: أُلِقَ الرجل فهو مَأْلوقٌ، وهو دليل لعكس ما ذكر، وهو (فَوْعَل) .
٢- ويجوز أن يكون أصله (ول ق) فيكون وزنه (أَفْعَل) واشتقاقه - حينئذ - من (وَلَقَ) يَلِق إذا أسرع، ومنه قراءة عائشة وابن عباس - ﵄ -: ﴿إذ تَلِقونَه بألسنتكم﴾ ١٠ وقول الشاعر:
_________________
(١) ١ ينظر: الأصول ٣/٢٣٢. ٢ ينظر: الواضح ٢٦٤. ٣ ينظر: التكملة ٢٣٢. ٤ ينظر: المنصف ١/١١٣-١١٦، والخصائص ٣/٢٩١. ٥ ينظر: التبصرة ٢/٧٨٩. ٦ ينظر: مختصر شرح أمثلة سيبويه ٤٧. ٧ ينظر: شرح المفصل ٩/١٤٥. ٨ ينظر: شرح الشافية ٢/٣٤٣. ٩ ينظر: سفر السعادة ١/٩٤. ١٠ سورة النور: الآية ١٥، وينظر: مختصر شواذ القرآن ١٠٠، والمحتسب ٢/١٠٤.
[ ١ / ٣٩٤ ]
جَاءَتْ بِهِ عَنْسٌ مِنَ الشَّامِ تَلِقْ١
وأصل (تَلِق) (تَوْلِقُ) . ولعلّ أول من ذهب إلى هذا: الكسائيّ.٢
ويحتمل - أيضًا - أن يكون على وزن (فَوْعل) كالسّابق، ولكن من الأصل (ول ق) فيكون أصل أَوْلَق: (وَوْلَق) أُبدلت الواو الأولى فيه همزة؛ لالتقاء الواوين في أولّ الكلمة؛ على حدّ قولهم في تصغير: وَاصل (أُوَيْصِلٌ) وأصله (وُوَيْصلٌ) ٣.
وتظهر ثمرة هذا الخلاف عند التّسمية به، فإن جُعل (أَفْعَل) فإنّه لا ينصرف، وإن جُعل على وزن (فَوْعَل) فإنّه ينصرف. والرّأي هو ما عليه الجمهور من أنّ أصله (أَلَقَ) وأنّه (فوعل) لقوّة ما استدلوا به.
وتبعًا لاختلافهم في أصل هذا اللفظ اختلفت المعاجم فيه؛ فقد ذكره الأزهريّ٤ في (أل ق) وكذا الجوهريّ٥.
_________________
(١) ١هو: القُلاح بن حزن المنقريّ؛ ينظر: تهذيب الألفاظ ٢٩٩، وما ينصرف ١٥، والتكملة ٢٣٢، والمحتسب ٢/١٠٤، والمحكم ٦/٣٥٠، وإيضاح شواهد الإيضاح ٢/٨٩٠. ٢ ينظر: المنصف ١/١١٦. ٣ ينظر: ما ينصرف ١٥، والخصائص ١/٩، وإيضاح شواهد الإيضاح ٢/٨٩٠. ٤ ينظر: التهذيب ٩/٣١٠. ٥ ينظر: الصحاح (ألق) ٤/١٤٤٧.
[ ١ / ٣٩٥ ]
وذكره ابن فارس١ في (ول ق) .
وذكره جماعة من المعجميّين في الموضعين؛ ومنهم: ابن سيده٢ وابن منظور٣ والفيروزآباديّ٤.
ومن ذلك (أوْهَدَ) وهو من أسماء يوم الاثنين؛ ويحتمل الأصلين (أهـ د) و(وهـ د):
ذهب كراعٌ٥ إلى أنه (فوعل) فيكون أصله (أهـ د) لأنّه نظير (أَوْلَق) .
على أنّه لا دليل فيه على أصالة الهمزة؛ كـ (أَوْلَق) وحمله عليه لا يكفي، ويُضعفه - أيضًا - أنّ (أهـ د) أصل مهمل. وقياس مذهب سيبويه٦ أن يكون (أوْهَد) من (وهـ د) ولا يُقاس على (أَوْلَق) عنده؛ لأنه لا دليل فيه - كما ذكرت - كما في (أَوْلَق) ولذلك حُمل على (أَفْعَل) لأنّه أكثر من (فَوْعَل) .
_________________
(١) ١ ينظر: المقاييس (ولق) ٦/١٤٥. ٢ ينظر: المحكم (ألق) ٦/٢٩٢، و(ولق) ٦/٣٥٠. ٣ ينظر: اللسان (ألق) ١٠/٧، و(ولق) ١٠/٣٨٤. ٤ ينظر: القاموس (ألق) ١١١٧، و(ولق) ١١٩٩. ٥ ينظر: المحكم ٤/٢٩٨، وذكره كراع في المجرد ٢٣٥ ولم يذكر وزنه. ٦ ينظر: الكتاب ٣/١٩٥.
[ ١ / ٣٩٦ ]
وفي هذا الأصل ذكره: ابن سيده١، وابن منظور٢، والفيروزآباديّ٣.
ومن ذلك تداخل (وأ ب) و(ت أب) في (التَّوْأَبَانِيَّينِ) وهما قادمتا الضّرع في قول الشاعر:
فَمَرَّتْ عَلى أَطْرَافِ هِرٍّ عَشِيَّةً لَهَا تَوْأَبَانِيَّانِ لَمْ يَتَفَلْفَلا ٤
وكان الأصمعي يقول: "ولا أدري ما أصل ذلك"٥ يريد أنه لا يعرف اشتقاقه، ومن أين أُخذ؟
وشكّك أبو عبيدة فيه، وذكر أنّ العرب لاتعرفه٦.
فإن كان هذا عربيًّا فإنه يحتمل الأصلين:
_________________
(١) ١ ينظر: المحكم (وهد) ٤/٢٩٨. ٢ ينظر: اللسان (وهد) ٣/٤٧١. ٣ ينظر: القاموس (وهد) ٤١٨. ٤ هو ابن مقبل. ينظر: الصحاح (تأب) ١/٩٠، وقوله: (لم يتفلفلا) أي: لم تسود حلمتهما. ٥ ينظر: التنبيه والإيضاح ١/٤٤. ٦ ينظر: الصحاح (تأب) ١/٩٠.
[ ١ / ٣٩٧ ]
يجوز أن يكون أصله (ت أب) وهو رأي الجوهريّ١، وتابعه ابن منظور٢.
ويجوز أن يكون أصله (وأ ب) وإلى هذا ذهب أبو عليّ الفارسيّ٣، وذكر أنّ تَوْأَبًَا (فَوْعَل) والتّاء بدل من الواو، فهو من الوَأْب؛ لأن الثّدْيَ الصّغير صُلب متوتِّر، وذاك أنّ نزول اللّبن فيه، وارتضاع الفصيل منه لم يُرْخه، ووصْفه بالصّلابة كوصفهم الحافر بها في قول الراجز:
بِكُلِّ وَأبٍ لِلْحَصَى رَضَّاخِ٤
وقاسه - أيضًا - على (حَوْفَزَان) وهو اسم رجل، و(حَوْتَنَان) وهو اسم موضع؛ وهما (فَوْعَلان) وكذلك (تَوْأَبَان) . فيكون أصله قبل القلب - على رأي أبي عليّ (وَوْأَبَان) ثمّ أُلحق ياءً مشدّدة زائدة٥، كما زادوها في (عاريّة) وهم يريدون (عارة) وفي (أَحْمَرِيٍّ) وهم يريدون (أحمر) ثمّ ثنّوه فقالوا: (تَوْأَبَانِيَّانِ) .
_________________
(١) ١ ينظر: الصحاح (تأب) ١/٩٠. ٢ ينظر: اللسان (تأب) ١/٢٢٥. ٣ ينظر: البصريّات ١/٢٣٣-٢٣٥. ٤ وهو: أبو النجم العجلي؛ ينظر ديوانه ٨١، والوأب: القدح الضخم الصلب، ورضّاخ من رضخ النّواهـ؛ إذا كسرها. ينظر: التّاج (وأب) ١/٤٩٩. ٥ ينظر: التنبيه والإيضاح (تأب) ١/٤٥.
[ ١ / ٣٩٨ ]
ب - التّداخل بين الأجوف والمهموز:
وهذا هو النّوع الثّاني من أنواع التّداخل؛ بين المعتلّ والمهموز، وهو ممّا يكثر فيه التّداخل.
فمنه تداخل (ل ي ت) و(أل ت) في قوله ﷿: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ١ أي: ما أنقصناهم؛ وهو يحتمل الأصلين:
يجوز أن يكون الأصل (أل ت) وذهب إلى ذلك الفرّاء؛ فقال: (الألت النّقص) ٢.
وهو مذهب الزّجّاج٣ - أيضًا- فقد ذكر أنّه يُقال: أَلَتَه يَألِتُهُ: إذا نَقَصَه، ومنه قول الشاعر:
أَبْلِغْ سَرَاةَ بَنِي سَعْدٍ مُغَلْغَلَةً جَهْدَ الرِّسَالَةِ لا أَلْتًا ولا كَذِبَا٤
أي: لا نقصان. وعلى هذا فـ ﴿أَلَتْنَاهُمْ﴾ على وزن (فَعَلْنَاهُمْ) .
_________________
(١) ١ سورة الطور: الآية ٢١. ٢ معاني القرآن ٣/٩٢. ٣ ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٥/٦٦. ٤ وهو: الحطيئة كما في ديوانه ١٧، ينظر: معاني القرآن للفراء ٣/٩٢، والمحتسب ٢/٢٩١، والجامع لأحكام القرآن ١٦/٣٤٩.
[ ١ / ٣٩٩ ]
ويقوّي هذا الأصل قراءة أبي عمرو ويعقوب في قوله - ﷿ -: ﴿لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ ١: ﴿لا يَأْلِتْكُم﴾ ٢
ويقوّيه - أيضًا - قراءة ابن هرمز: (ألتناهم) بالمدّ؛ من: آلَتَ على وزن (أَفْعَلَ) كما ذكر أبو حيّان٣.
ويجوز٤ أن يكون الأصل (ل ي ت) من قولهم: لاتَهُ يَليِتُهُ ليْتًا؛ إذا نقصه وصرفه، ومن ذلك قول الشّاعر:
وَلَيْلَةٍ ذَاتِ نَدًى سَرَيْتُ وَلَمْ يَلِتْنِي عَنْ سُرَاهَا لَيْتُ٥
أي: لم يصرفني عنها صارف، أو نقصٌ بي، أو عجزٌ منّي.
وعلى هذا التقدير فإنّ وزن ﴿أَلَتْنَاهُمْ﴾ (أَفَلْناهُم) وتقديره في الأصل: (أَليَتْنَاهُم) (أَفْعَلْنَاهُم) وتقديره بعد الإعلال: (أَلاْتنَاهُم) فَحُذِفَتِ العَين؛ وهيَ حرف العلّة؛ لالتقاء السّاكنين.
_________________
(١) ١ سورة الحجرات: الآية ١٤. ٢ ينظر: التبيان ٢/١١٧٢، وحجة القراءات ٦٧٦، وإتحاف فضلاء البشر ٢/٤٨٦. ٣ ينظر: البحر المحيط ٨/١٤٩. ٤ ينظر: معاني القرآن للفراء ٣/٩٢، ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج ٥/٦٦، والمحتسب ٢/٢٩٠، والتبيان ٢/١١٧٢. ٥ ينظر: معاني القرآن للفراء ٣/٩٢، ومجاز القرآن ٢/٢٢١، ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج ٥/٦٦، والمحتسب ٢/٢٩٠.
[ ١ / ٤٠٠ ]
ولات وألات من (ل ي ت) وهما من باب: فَعَلْتُ وأَفْعَلْتُ؛ بمعنى واحد١.
ويقوّي هذا الأصل - أعني: ل ي ت - قراءة: ﴿مَا لِتْنَاهُم﴾ ٢ وقوله ﷿: ﴿لا يَلِتْكُمْ﴾ ٣ فهو من (ل ي ت) والأصل فيه - قبل الجزم (يَلِيتُكم) وقد حُذِفت الياء بعد الجزم؛ لالتقاء السّاكنين.
وقد ذكره ابن منظور في الأصلين٤.
وليس - هنا - ما يُرجَّح به أصل على الآخر؛ فلكل منهما وجه في اللّغة والصّناعة، ولا أستبعد أن يكون (أل ت) و(ل ي ت) من مقلوب (ل أت) ثمّ خُفِّفَتِ الهمزة؛ فنُسي الأصل؛ فجاء المضارع بالياء، فقالوا: لاتَ يَلِيتُ.
ولو قال قائل: إنّهما أصلان من باب التّرادف لكان وجهًا؛ ألا ترى أنّ الجوهريّ٥ سوّى بينهما؛ فلا تداخل - حينئذ - لأنّهما أصلان مترادفان؛ مثل: جَدَّ ودَأَبَ، والأسد واللّيث.
_________________
(١) ١ ينظر: فعلت وأفعلت للزجاج ٨٥، وما جاء على فعلت وأفعلت ٦٦، وثلاثيات الأفعال ٧٤. ٢ ينظر: إتحاف فضلاء البشر ٢/٤٩٦، والمحتسب ٢/٢٩٠. ٣ سورة الحجرات: الآية ١٤. ٤ ينظر: اللسان (ألت) ٢/٤، و(ليت) ٢/٨٦. ٥ ينظر: الصحاح (ألت) ١/٢٤١.
[ ١ / ٤٠١ ]
على أنّ اليزيديّ١ جعل لغة أَلَت بمعنى: نقص أكثر من أختها؛ فإن صحّ ما قال يكون (أل ت) هو الأصل. ويتداخل (أون) أو (أي ن) و(م أن) في (مَؤُونَةٍ) وهي: الإنفاق على العيال وغيرهم، وقد اختلفوا في أصلها:
يرى سيبويه٢ أنّ الأصل (م ون) فهي (فَعُولَة) من: مُنْتُ الرّجل أمونُه، وأصلها (مَوُوْنَة) بلا همز؛ كقولهم: قَوُوْمٌ من القيام، ونَوُوْم من النّوم ثمّ هُمزت الواو الأولى استحسانًا للزوم الضّمّة لها؛ فصارت مَؤُونَة مثل: قَؤُوم ونؤُوم. ويدلّ على ذلك قولهم: مانه يمونه؛ إذا احتمل مَؤونته، وقام بكفايته؛ وهذا اشتقاق ظاهر٣.
وذهب الفرّاء إلى أن أصلها (أي ن) من الأيْن؛ وهو التّعب الشّديد؛ فيكون المعنى على هذا الاشتقاق أنّه عظيم التّعب في الإنفاق على من يعول ووزن مَؤُونَة عند الفرّاء (مَفْعُلَة) لأنّ الأصل (مَأْيُنَةٌ) نُقِلت الضّمة إلى ما قبلها، وقُلبت الياء واوًا.
_________________
(١) ١ ينظر: الصحاح (ألت) ١/٢٤١. ٢ ينظر: المحتسب ١/٢١٤، ولم أقف عليه في الكتاب، ولعله مما يُنسب إليه؛ ولم يكن في الكتاب. ٣ ينظر: شرح الشّافية للرضيّ ٢/٣٤٩.
[ ١ / ٤٠٢ ]
ولا يجوز على مذهب الخليل١ في الإعلال أن تكون (مَؤُوْنَةٌ) من (الأَيْن) لأنّها لو كانت منه لقالوا: (مَئِينَةٌ) كما قالوا: (مَعِيشَة) وهي (مفعلة) ولكنّ (مَعْيُشَةً) حين أُعلّت بنقل ضمّة الياء إلى العين أُبدل من الضمّة كسرة؛ لتسلم الياء بعدها.
ويجوز على مذهب الأخفش٢ أن تكون (مَؤُونَة) من (الأَيْنِ) لأنّه أجاز (مَعُوشَةً) من العيش.
ويرى ابن السّرّاج أنّ (مَؤُونة) (مَفْعَلة) ولكنّها من (أون) واشتقاقها من الأوْن؛ فهو يقول "ومَؤُونة - عندي؛ وهو القياس (مفعلة) مأخوذ من الأوْن، يُقال للأتان إذا أقْربت٣، وعظُم بطنها: قد أوّنت، وإذا أكل الإنسان وشرب، وامتلأ بطنه وانتفخت خاصرتاه، يقال: أوّن تأْوينًا؛ قال رؤبة:
سرًّا وقد أَوَّنَ تَأوين العُقُق٤
ويُقال - أيضا - الأوْنان جانبا الخُرج، فينبغي أن يكون: مَؤُونة مأخوذة من: الأوْن؛ لأنّها ثِقَل على الإنسان"٥.
_________________
(١) ١ ينظر: الأصول ٣/٣٤٩. ٢ ينظر: شرح الشّافية للرضيّ ٣/٣٤٩، والمنصف ١/٢٩٨. ٣ أي: فرب وقت ولادتها. ٤ ينظر: ديوان رؤبة ١٠٨. ٥ الأصول ٣/٣٤٩، ٣٥٠.
[ ١ / ٤٠٣ ]
ولا يرد على ابن السراج ما يرد على الفرّاء؛ لأنّ العين واو.
وما عُزي إلى سيبويه من أنّها (فعولة) من (المَوْن) أقرب - في الاشتقاق - من مذهب ابن السّرّاج؛ لقولهم: مانه يمونه؛ وهما متساويان في التّصريف.
على أنّ الشّيخ عبد القادر المغربيّ١ رجّح الأصل المعتلّ، وأنّها (مَفْعُلة) وذكر أنّهم إنّما قالوا: مَأَنَه يَمْؤُنُه؛ على توهّم أصالة الميم؛ لمّا كثر استعمال الكلمة، ثمّ خفّفوه إلى: مانه يمونه.
وقد تأثّر أصحاب المعاجم بالخلاف في أصل هذه الكلمة؛ فمنهم من اختار أصلا واحدًا، ومنهم من وضعها في الأصلين، ومنهم من وضعها في ثلاثة أصول؛ فقد وضعها الفيروزآباديّ٢ في (م أن) ووضعها الجوهريّ٣ في الأصلين، ووضعها ابن منظور٤ في ثلاثة: (أون) و(م أن) و(م ون) .
ومن أمثلة هذا النّوع تداخل (ق وب) و(ق ب أ) في (قُوْبَاء) على لغة تسكين الواو: داء يظهر على الجلد؛ وهو يحتمل الأصلين:
_________________
(١) ١ ينظر: الشواهد على قاعدة توهم أصالة الحرف ٣٦٥. ٢ ينظر: القاموس (مأن) ١٥٩٠. ٣ ينظر: الصحاح (مأن) ٦/٢١٩٨، و(مون) ٦/٢٢٠٩. ٤ ينظر: اللسان (أون) ١٣/٣٩، و(مأن) ١٣/٣٩٦، و(مون) ١٣/٤٢٥.
[ ١ / ٤٠٤ ]
ذهب سيبويه١ إلى أنه من (ق وب) ووزنه (فُعْلاء) وعلى هذا الجمهور٢.
ويجوز أن يكون أصله (ق ب أ) ووزنه (فُوعَال) ٣.
وقد يكون في قولهم: (هذا قُوْبَاء) بالتّذكير والصّرف دليل على أصالة الهمزة؛ غير أنّ سيبويه حمله على الإلحاق ببناء فُسطاط مستدلًا بالتّذكير والصّرف٤.
ومن التّداخل بين الأجوف والمهموز ما وقع في (أُعْيَبَ) وهو موضع باليمن، إذ يحتمل الأصلين (ع ي ب) و(أع ب):
فقيل٥ إنّه (فُعْيَل) فيكون أصله - حينئذ - (أع ب) .
وجعله الصّاغانيّ٦ من (ع ي ب) فيكون وزنه (أفْعَل) وقال: إنه الصّواب، وقد أُخرج على الأصل.
وأجاز الفيروزاباديّ٧ الوجهين، وأدّى ذلك إلى اعتراض الزّبيديّ عليه بقوله: (وقد سبق في كلام المصنّف في (ع ل ب) أنّه ليس في
_________________
(١) ١ ينظر: الكتاب ٤/٢٥٧. ٢ ينظر: الأصول ٣/١٩٦، وأدب الكاتب ٥٦٥، والممتع ١/١٢٢، والمساعد ٤/٦٥. ٣ ينظر: المساعد ٤/٦٥،٦٧،٨٦. ٤ ينظر: الكتاب ٣/٢١٥. ٥ ينظر: التكملة للصاغاني (عيب) ١/٢٢٤. ٦ ينظر: التكملة للصاغاني (عيب) ١/٢٢٤. ٧ ينظر: القاموس (عيب) ١٥٢.
[ ١ / ٤٠٥ ]
كلامهم (فُعْيَل) غير: عُلْيَب١، ولو كان: أُعْيَبُ (فُعْيَلًا) لوجب ذكره في الهمزة) ٢.
ويتداخل (ت ور) أو (ت ي ر) و(ت أر) في (تارة) وهو اسم يدل على وقت؛ ويحتمل الأصلين:
يجوز أن يكون أصله (ت ور) أو (ت ي ر) حملًا على الظّاهر، وقد أورده ابن منظور٣ في هذا الأصل، وجعله الجوهريّ٤ من (ت ي ر) وصنيع ابن منظور أقرب؛ لأنّ الواو أغلب على العين من الياء.
وجعله ابن الأعرابيّ٥ من (ت أر) وذكر أنّها في الأصل (تَأْرَةٌ) بالهمز، ولمّا كثُر استعمالها خُفّفت؛ فقالوا: تارة. وفيما يلي بعض ما وقع فيه التّداخل بين الأجوف والمهموز:
فيتداخل في الظَّأْب - وهو الزَّجَل (ظ أب) ٦ و(ظ وب) ٧.
_________________
(١) ١ وهو: واد على طريق اليمن بتهامة. ينطر: معجم ما استعجم ٢/٩٦٥. ٢ التّاج (عيب) ١/٤٠٣. ٣ ينظر: اللسان (تور) ٤/٩٦. ٤ ينظر: الصحاح (تير) ٢/٦٠٣. ٥ ينظر: التهذيب ١٤/٣٠٩. ٦ ينظر: اللسان (ظأب) ١/٥٦٨. ٧ ينظر: التاج (ظأب) ١/٣٦٠، و(ظوب) ١/٣٦٢.
[ ١ / ٤٠٦ ]
و(ث وج) و(ث أج) في قولهم: ثَاجَت البقرة؛ إذا صوّتت١.
و(ج ون) و(ج أن) في (جَوْنة) العطّار٢.
و(م وت) و(م أت) في (مُؤْتة) وهو موضع بالشّام٣.
و(ق ون) و(ق أن) في (القَان) وهو ضرب من الشّجر٤.
و(ز ور) و(ز أر) في (الَّزيّر) وهو: الغضبان من الرجال٥.
و(ف ور) و(ف أر) في (فأرة المسك) ٦.
و(ر ود) و(ر أد) في (الرِّئْد) وهو التّراب٧.
و(م وس) و(م أس) في (الرّجل الماس) وهو الذي لا يلتفت إلى موعظة من أحد٨.
_________________
(١) ١ ينظر: المحكم ٧/٣٧٥. ٢ ينظر: اللسان (جون) ١٣/١٠٣. ٣ ينظر: الصحاح (موت) ١/٢٦٨، واللسان (موت) ٢/٩٤. ٤ ينظر: المحكم ٦/٢٩٣. ٥ ينظر: التكملة للصاغاني (زور) ٣/١٦. ٦ ينظر: القاموس (فأر) ٥٨٣. ٧ ينظر: اللسان (رأد) ٣/١٧٠. ٨ ينظر: اللسان (مأس) ٦/٢١٣.
[ ١ / ٤٠٧ ]
ج - التّداخل بين النّاقص والمهموز:
وهذا ممّا يكثر فيه التّداخل - أيضًا.
فمنه تداخل (فِنْعَلْو) و(فِنْعَأل) في عدد من الكلمات المتشابهة في البناء، كـ (حِنْطَأْو) وهو عظيم البطن من الرّجال، و(سِنْدَأْوٍ) وهو الجريء المُقدم، و(عِنْدَأْوٍ) وهو الدّاهية أو الجريء المُقدم - أيضًا - و(قِنْدَأوٍ) وهو الصّلب الشديد، و(كِنْثَأْوٍ) وهو عظيم اللّحية.
وقد اختلف الّغويّون في أصول هذه الكلمات:
فذهب ابن دريد إلى أنّها (فِنْعَأل) وذكرها في هذا الباب من (الجمهرة) ١، وأشار إلى أنّ الهمزة زائدة، والواو المتطرفة أصليّة.
وذهب الجمهور٢ إلى أنّ وزنها (فِنْعَلو) .
ومن أوائل الذين نصّوا على ذلك سيبويه حين قال: "ويكون على (فِنْعَلو) في الصِّفة، قالوا: حِنْطَأْوٌ، وكِنْدَأْوٌ، وسِنْدَأْوٌ، وقِنْدَأْوٌ ولا نعلمه جاء اسمًا"٣.
_________________
(١) ١ ينظر: الجمهرة ٣/١٢٤٠. ٢ ينظر: الكتاب ٤/٢٦٩، والمنصف ١/٣٢، ١/١٦٤، والمقتصد في شرح التكملة ٢/٨٤٢، وشرح الملوكيّ ١٨٣، والممتع ١/٢٦٩. ٣ الكتاب: ٤/٢٦٩،٢٧٠.
[ ١ / ٤٠٨ ]
ولعلّ الّذي حمله على ذلك أنّهم وجدوا؛ في هذه الأمثلة، ثلاثة من أحرف الزّيادة؛ وهي النّون والهمزة والواو، ويتبقّى من كل مثال حرفان أصليّان ليسا من أحرف الزّيادة.
ومن هنا فإنّه يتعيّن أن يكون أحد الثّلاثة أصليًا؛ ليبلغ المثال حدّ الثّلاثيّ؛ فابتدؤوا بأقرب الثّلاثة إلى الزّيادة، وهي الواو، فقضوا عليها بالزّيادة؛ لأمور:
أحدها: أنّ الواو لا تكون أصلا في ذوات الخمسة أو الأربعة على هذا السّبيل١.
ثانيها: أنّهم وجدوا الواو ملازمة لهذا الموضع في تلك الأمثلة؛ فدلّ لزومها ذلك المكان - عندهم - على زيادتها٢؛ مثل لزوم الألف الموضع الثّاني من اسم الفاعل في صيغة (فاعل) والواو الرّابعة في اسم المفعول من صيغة (مفعول) وكذلك الواو في (قِنْدَأْوٍ) وأخوتها؛ الملازمة لموضعها؛ وإن لّم تدل على معنىً كما في (فاعل) و(مفعول) فشُبّهت بذلك.
ثالثها: أنّ العرب لا تكاد تجعل الواو في آخر الاسم٣.
ولعلّها زيدت في ذلك الموضع؛ لأن الهمزة قبلها تخفى في الوقف
_________________
(١) ١ ينظر: المنصف ١/١٦٤، والمقتصد ٢/٨٤٢. ٢ ينظر: شرح الملوكيّ لابن يعيش ١٨٣، والممتع ١/٢٦٩. ٣ ينظر: المنتخب ٢/٦٩٥.
[ ١ / ٤٠٩ ]
"فاختصّت بها ليكون لزوم البيان عوضًا في هذا لما يدخلها من الخفاء"١.
فإذا قُضي على الواو بالزّيادة لهذه الأمور أو ترجّح ذلك - بقيت الهمزة والنّون، كان لابدّ أن يكون أحدهما أصلًا، وكانت النّون أولى بالزّيادة من الهمزة؛ لأنّ الهمزة وقعت حشوًا؛ وهو موضع عزيز عليها في الزيادة٢. بخلاف النّون؛ وهي ثانية؛ فإنّ زيادتها في هذا الموضع أكثر من زيادة الهمزة حشوًا.
وثمّة أمر آخر؛ وهو أنّ النّون لازمت هذا الموضع في تلك الأمثلة؛ كما لزمت النّون باب (جُنْدَب) و(عُنْطب) و(عُنْضَل) فدلّ ذلك على زيادتها. قال الخليل: "وأُحتُجّ بأنّه لم يجئ بناء على لفظ (قِنْدَأوٍ) إلا وثانيه نون، فلمّا لم يجئ على هذا البناء بغير نون علِمْنا أنّ النّون زائدة فيه"٣.
فإن قيل: فإن الهمزة - أيضًا - قد لازمت المثال، فالجواب أنّه لا يمكن - أيضًا - القضاء بزيادتها مع زيادة النّون؛ لئلا يؤدّي إلى بقاء الاسم على أقلّ من ثلاثة أحرف؛ إذ الواو زائدة. فلمّا تعذرت زيادتهما معًا قُضي بزيادة النّون"٤.
_________________
(١) ١ الكتاب ٤/٣٢٢. ٢ ينظر: الممتع ١/٢٦٩. ٣ العين ٥/١٩٥. ٤ الممتع ١/٢٦٩.
[ ١ / ٤١٠ ]
ولعلّ مما يؤكد زيادة النّون ظهورها زائدة بالاشتقاق في أحد الأمثلة؛ وهو (كِنثَأْوٌ) لأنّهم قالوا: (كَثَأَثْ لحيته) إذا كانت كِنْثَأْوًا، ومن ذلك قول الشاعر:
وَأَنتَ امْرُؤٌ قَدْ كَثَأَتْ لَكَ لِحْيَةٌ كَاَنَّكَ مِنْهَا قَاعِدٌ فِي جُوَالِق١
فينبغي أن يُحمل ما لم يُعلم اشتقاقه من تلك الأمثلة على ما عُلم اشتقاقه؛ وهو (كِنْثَأْوٌ) ٢.
وعلى الرُّغم من ذلك فقد قيل: إنّ النّون أصليّة، وإنّ الزّائد الهمزة والواو٣؛ وهو قول ضعيف.
وليس غريبًا - على هذا - أن تختلف المعاجم في تحديد موضع هذا اللّفظ منها؛ ولكنّ الغريب أن يضطرب فيه المعجم الواحد فيقع في ما يُشبه التّناقض؛ ألا ترى كيف وضع ابن منظور بعضه في الثّلاثيّ، وبعضه في الرّباعيّ؛ فـ (عِنْدَأوٌ) و(قِنْدَأْوٌ) وضعهما في الثّلاثيّ٤ في حين وضع (حِنْطَأْوًا) و(سِنْدَأوًا) في الرّباعيّ (حنطأ) و(سندأ) ٥.
_________________
(١) ١ ينظر: الإبدال لابن السكيت ٨٥، والأمالي للقالي ٢/٧٩، والمنصف ١/١٦٥، وشرح الملوكي ١٨٤. ٢ ينظر: شرح الملوكي ١٨٤، والممتع ١/٢٧٠. ٣ ينظر: شرح الكواكب للسيرافي ٥/٦٠٩، والارتشاف ١/٢٩. ٤ ينظر: اللسان (عدأ) ١/١١٩، و(قدأ) ١/١٢٨. ٥ ينظر: اللسان (حنطأ) ١/٦١، و(سندأ) ١/٩٥.
[ ١ / ٤١١ ]
كما أنّه خالف فيما وضعه في الثّلاثيّ؛ فبعضه في المهموز ومنه (عِنْدَأْو) ذكره في (عدأ) ١، وبعضه في الحرف الذي قبل الهمزة، ومنه (حِنْتَأْوٌ) . ووضع بعضه في موضعين، ومنه (سِنْدَأْوٌ) ٢.
وقد كان الفيروزآباديّ دقيقًا في ذلك حين وحّد بينهما، واختار لنفسه أصلًا واحدًا٣.
ومن التّداخل بين النّاقص والمهموز ما وقع من تداخل بين (ن ب و) و(ن ب أ) في النّبيّ والنّبوة؛ وقد اختلفوا في أصله٤:
فذهب فريق إلى أنّ أصله (ن ب أ) واشتقاقه من قولهم: أنبأ عن الله؛ أي: أخبر عنه - ﷿ - والنّبأ: الخبر.
وهذا مذهب أكثر أهل اللّغة٥، وعلى رأسهم: الخليل٦،
_________________
(١) ١ ينظر: نفسه (عدأ) ١/١١٩. ٢ ينظر: نفسه (حنث) ٢/٢٦. ٣ ينظر: القاموس (حتأ) ٤٦، و(حطأ) ٤٧، و(سدأ) ٥٤، و(عدأ) ٦٠، و(قدأ) ٦٢، و(كثأ) ٦٣. ٤ ينظر: الكتاب ٣/٤٦٠، وشرح الكتاب للسيرافي ٥/٦٣٥، ومعاني القرآن للزجاج ١/١٤٥. ٥ ينظر: اشتقاق أسماء الله ٢٩٣. ٦ ينظر: العين ٨/٣٨٢.
[ ١ / ٤١٢ ]
وسيبويه١، وأصل النبي عندهم (النَّبِيْء) وهو (فعيل) بمعنى فاعل٢، ثمّ تركت العرب همزه على سبيل الإبدال لا التّخفيف؛ لأنّ ما تُرك همزه تخفيفًا قد يُهمز تارة ويُخفف أخرى، وأمّا ما تُرك همزه على طريق الإبدال، فهمزه غير جائز، إلا في لغة من لا يرى البدل فيه، ويُهمز على كل حال٣.
واستدلّ هؤلاء بجمعه على (نُبَآء) وهو القياس؛ لأن ما جاء على فَعِيل صحيح اللام قياسه أن يأتي على (فُعَلاء) مثل كريم وكُرماء وعظيم وعُظماء ونبيّ ونبآء؛ فقد جُمع على الأصل؛ وعلى هذا قول العباس بن مرداس:
يَا خَاتِمَ النُّبآء إنَّكَ مُرْسَلٌ بالحَقِّ كُلُّ هُدى السَّبِيل هُدَاكَا٤
وأمّا (النّبوة) فأصلها النّبُوءة، ثمّ خُفّف بقلب الهمزة واوًا، ووزنها (فُعُولة) .
_________________
(١) ١ ينظر: الكتاب ٣/٣٦٠، ٥٥٥. ٢ ينظر: اشتقاق أسماء الله: ٢٩٤. ٣ ينظر: اشتقاق أسماء الله ٢٩٣. ٤ ينظر: الكتاب ٣/٤٦٠، والمقتضب ١/١٦٢، واشتقاق أسماء الله ٢٩٥.
[ ١ / ٤١٣ ]
وذهب جماعة من اللّغويين، ومنهم: أبو عمرو بن العلاء١، واليزيديّ٢ - إلى أنّ أصلها (ن ب و) مشتقة من النّباوة، وهي: الرّفْعة، فكأنّه: نبا ينبو؛ أي: ارتفع على الخلق، وعلا عليهم في الرّتبة.
ويجوز أن يكون بمعنى: الطّريق؛ أي: الطّريق إلى الله. ٣
وعلى هذا فإنّ النّبي في الأصل (نَبِيْو) على وزن (فَعيل) فاجتمع الياء، والواو، وسُكِّنت؛ الأُولى، فقُلبت الواو ياءً، وأُدغمت الياء في الياء.٤
ويَستدلّ هذا الفريق بجمعه على (أنبياء) وأنّ ذلك يدل على أنّه معتلّ لا مهموز؛ لأن تكسير ما كان على (فعيل) مُعتلّ اللام أن يأتي على (أَفْعِلاء) ٥ كـ (صَفِيٍّ) و(أَصْفياء) و(تَقِيٍّ) و(أَتْقِياء) .
وردّ الفريق الأولُ على هذا بأنّهم لمّا ألزموه التّخفيف عاملوه معاملة المعتلّ؛ فأخذ حكمه في جمع التّكسير، إلا أنّ في ردّهم ضعفًا؛ لأنّ الحكم للأصل لا الفرع.
_________________
(١) ١ ينظر: اشتقاق أسماء الله ٢٩٤. ٢ ينظر: غريب الحديث للخطابي ٣/١٩٣. ٣ ينظر: غريب الحديث للخطابي ٣/١٩٣. ٤ ينظر: معجم مفردات الإبدال والإعلال ٢٥٥. ٥ ينظر: الكتاب ٣/٤٦٠، وشرح الشافية للرضي ٣/٣٥.
[ ١ / ٤١٤ ]
وانعكس ذلك على وضعه في المعاجم؛ فقد ذكره بعضهم في الموضعين١، ورجّح الفيروزآباديّ٢ أصلًا واحدًا؛ وهو (ن ب أ) فذكره فيه.
ومن ذلك التّداخل: ما وقع بين الأصلين (ث ف ي) و(أث ف) في (الأُثْفِيّةِ) واحدة: أثافي القِدْر؛ وهي ثلاثة أحجار؛ يوضع عليها القِدر؛ وهي تحتمل الوجهين٣:
أوّلها أنّه يجوز أن يكون أصلها (أث ف) ووزنها (فُعْلِيّة) ويدل على ذلك قولهم: (أَثْفَيْتُ القِدْر) وعلى ذلك قول الشّاعر:
وَصَالِياتٍ كَكَمَا يُؤَثْفَيْنْ٤
فالهمزة فاء الكلمة، ووزنها (يُفَعْليْنَ) ولا تُحمل على (يُؤَكْرَمُ) في قوله:
_________________
(١) ١ ينظر: الصحاح (نبأ) ١/٧٤، و(نبو) ٦/٢٥٠٠، واللسان (نبأ) ١/١٦٢، و(نبو) ١٥/٣٠٢. ٢ ينظر: القاموس (نبأ) ٦٧. ٣ ينطر: الكتاب ٤/٣٩٥، وشرح أبنية سيبويه للجرمي٤٥٤، والمنصف ٢/١٨٤، ٣/٨، وسر الصناعة ١/١٧٣، وشرح الكافية الشافية ٤/٢٠٥١، وسفر السعادة١/٢٨. ٤ ينظر: الكتاب ١/٢٢، وشرح أبيات سيبويه لابن السيرافي ١/١٣٨، والمنصف ٢/١٨٤.
[ ١ / ٤١٥ ]
وإنّه أَهْلٌ لأن يُؤَكْرَمَا١
وإن كان لا يمتنع حملها عليه فيكون وزنها على (يُؤَفْعَلْنَ) ٢ إلا أنّ (يُفَعْلَيْن) أرجح؛ لأنه لا ضرورة فيه٣، ونظيره (يُسَلْقَيْنَ) .
ويدل - أيضًا - على أنّ الهمزة فاء قول النّابغة:
لا تَقْذِفَنِّي بِرُكْنٍ لا كَفَاء لَه وإنْ تَأَثَّفَكَ الأعْدَاء بِالرَّفَدِ٤
أي: صار الأعداءحولك كالأثافي تضافرًا وتمالُؤًا؛ ولو كانت الهمزة زائدة - لقال: (تَثَفَّاكَ) .
ويرى الزّمخشريّ أنّ (الأُثْفِيَّة) في الأصل: (أثْفُوَّةٌ) ثمّ قُلبت الواو تخفيفًا؛ فقالوا: (أُثْفِيّةٌ) ٥ فيكون وزنها بعد القلب (فُعْلِيَّةً) وقبل القلب (فُعْلُوَّة) .
_________________
(١) ١ هو أبو حيان الفقعسيّ كما في التّصريح، وينظر: المقتضب ٢/٩٨، والمنصف ١/٣٧، ٢/١٨٤، والمخصص ١٦/١٠٨، والإنصاف ١/١١، والتصريح ٢/٣٩٦. ٢ ينظر: احتمال الصّورة اللفظية لغير الوزن ١١٧. ٣ ينظر: المنصف ٢/١٨٤. ٤ ينظر: ديوانه ٢٦، والمنصف ٢/١٨٥. ٥ ينظر: أساس البلاغة (أثف) ٢.
[ ١ / ٤١٦ ]
وثاني الوجهين أنه يجوز أن يكون أصلها (ث ف و) على وزن (أُفْعُولَة) في قول من قال: ثَفَّيْتُ١؛ لأنّه جعل الهمزة زائدة، والمعتلّ لام الكلمة، وشاهد ذلك قول الكميت:
ومَا استُنْزِلَتْ في غَيْرِنا قِدْرُ جَارِنَا ولا ثُفِّيَتْ إلا بِنَا حين تُنْصَبُ٢
وأصل (الأُثْفيّة) على هذا (أُثْفُوَّةٌ) على وزن (أُفْعُولَة) ثمّ قلبت الواو إلى الياء تخفيفًا؛ كما قالوا: (أُدْحِيّ) لبيْض النّعام، وقياسه (أُدْحُوٌّ) لأنّه من (دَحَوْتُ) .
ويدل على أنّها من الواو؛ وليست من الياء قولهم: جاء يَثْفُوهُ؛ أي: يَذْنُبُه ويَدْبُرُه؛ إذا جاء بعده.
قال ابن جنّي: "وهذا المعنى موجود في: الأُثْفِيَّة؛ لأنّها تتخلف بعد أهلها في الدّار؛ ولهذا يصفها الشّعراء كثيرًا بالإقامة والثُّواء والتَّخلّف بعد أهل الدّيار"٣.
وليس أحد الأصلين بأولى من صاحبه؛ فلكلٍّ منهما وجْه، وقد أجازهما سيبويه٤. ومن هنا وُضعت في أكثر معاجم القافية في
_________________
(١) ١ ينظر: الكتاب ٤/٣٥٩. ٢ ينظر: شعر الكميت ١/٩٤، وإيضاح شواهد الإيضاح ٢/٨٨٤. ٣ المنصف ٢/١٨٥. ٤ ينظر: الكتاب ٤/٣٩٥.
[ ١ / ٤١٧ ]
الأصلين١.
ونظير (أُثْفِيّة) في احتمالها الأصلين والوزنين: (أُرْبِيَّةٌ) وهي أصل الفخذ: فمن أخذها من: ربا يربو - لارتفاع ذلك الموضع - فهي عنده (أُفْعُولَة) .
ومن أخذها من (الإرْب) وهو التَّوفُّر - فهي (فُعْلِيَّة) ٢.
وقد ذكرها ابن منظور٣ في الأصلين.
ويتداخل (ر ط ى) و(أر ط) في (الأرْطى) وهو شجر ينبت في الرّمل يُدبغ به، وهو يحتمل الأصلين٤:
فيجوز أن يكون أصله (أر ط) والألف في آخره زائدة لقولهم: أديم مأْروطٌ؛ إذا دُبغ بالأَرْطى؛ فوزنه على هذا الأصل (فَعْلى) .
_________________
(١) ١ ينظر: الصحاح (أثف) ٤/١٣٣٠، (ثقي) ٦/٢٢٩٣، والعباب (أثف) ١٥، وأشار فيه فبلا أنه سيعيدها في المعتلّ، واللسان (أثف) ٩/٣، (ثفي) ١٤/١١٣، والقاموس (أثف) ١٠٢٢، (ثفو) ١٦٣٦، والتاج (أثف) ٦/٣٧، (ثفو) ١٠/٥٨. ٢ ينظر: المنصف٢/١٨٦. ٣ ينظر: اللسان (أرب) ١/٢١١، (ربا) ١٤/٣٠٧. ٤ ينظر: الكتاب ٤/٣٠٨، والمقتضب ٣/٣٨٥، وشرح أبنية الكتاب للجرمي ٤٥٧، والأصول ٣/٢٣٢، والمنصف ١/٣٦، وشرح الكافية الشافية ٤/٢٠٤٨، وسفر السعادة ١/٤٩.
[ ١ / ٤١٨ ]
قال سيبويه: "فلو كانت الألف زائدة لقلتَ: مَرْطِيٌ"١. وذكر ابن جنّي٢ أنّ الألف الأخيرة في (أَرْطَى) للإلحاق بـ (جَعْفَر) وأنّها ليست للتّأنيث بدليل صرفها.
ويجوز أن يكون الأصل (ر ط ي) لقولهم: أديم مَرْطِيٌّ، وقد نقل ذلك عنهم أبو عمر الجرميّ٣ والأخفش٤، فيكون وزنها (أفعل) . وإنّما حُملت على الياء دون الواو؛ لأنّ الياء لامًا أكثر من الواو٥.
وكان ابن مالك يرى أنّ الأصل الأوّل أظهر؛ لأنّ تصاريفه أكثر؛ فإنّهم قالوا: أرْطيْت الأديم؛ إذا دَبَغْته بالأرْطى، وأرْطَتِ الإبل؛ إذا أكلتِ الأرْطى، أو تأذّت بأكله، وأرْطَتِ الأرض إذا أنبتت الأرْطى٦.
_________________
(١) ١ الكتاب ٤/٣٠٨. ٢ ينظر: المنصف ١/٣٦. ٣ ينظر: شرح أبنية الكتاب ٤٥٧. ٤ ينظر: الاقتضاب ٢/٣٣٩. ٥ ينظر: المبهج ٨٥. ٦ ينظر: شرح الكافية الشافية ٤/٢٠٤٩، وذكر أبو الهيثم أن: أَرْطَت لحن، والصواب: آرطَتْ. ينظر: اللسان (أرط) ٧/٢٥٥.
[ ١ / ٤١٩ ]
وذكر بعض المعجميّين (الأَرْطَى) في الأصلين؛ ومنهم: الجوهريّ١ - وابن منظور٢ والزّبيديّ٣.
وذكرها الصّاغانيّ٤ في أصل واحد؛ وهو (أر ط) وتابعه في ذلك الفيروزآباديّ٥.
وقريب من ذلك (إِشْفًى) وهو المثقب؛ إذ يحتمل الأصلين (ش ف ي) و(أش ف) .
فقد ذهب أكثرهم إلى أنّ أصله (ش ف ي) وأنّ وزنه (إفْعَل) وهو منوّن غير مصروف؛ ولعلّ أوّل من قال بذلك سيبويه٦.
وإنّما قُضي على الهمزة الأولى بالزّيادة مع عدم الاشتقاق؛ لأن أكثر ما ورد من ذلك؛ ممّا له اشتقاق؛ الهمزة فيه زائدة، وما عداها أصل، كما أنّ زيادة الهمزة أوّلًا أكثر من زيادة الأف آخرًا٧.
_________________
(١) ١ ينظر: الصحاح (أرط) ٣/١١٤، و(رطى) ٦/٢٣٥٨. ٢ ينظر: اللسان (أرط) ٧/٢٥٤، و(رطى) ١٤/٣٢٥. ٣ ينظر: التاج (أرط) ٥/١٠١، و(رطى) ١٠/١٥٣. ٤ ينظر: التكملة (أرط) ٤/١٠٤. ٥ ينظر: القاموس (أرط) ٨٤٩. ٦ ينظر: الكتاب ٤/٢٤٥. ٧ ينظر: الممتع ١/٢٣٣.
[ ١ / ٤٢٠ ]
وذهب الجوهريّ١ إلى أنّ أصله (أش ف) ووزنه (فِعْلَى) وتابعه في ذلك الصّغانيّ٢.
ودفع صنيعُ الجوهريّ ابن برّيّ إلى تعقّبه فيه، والردِّ عليه بأنّ الصّواب أنّه (إفْعَل) بزيادة الهمزة وأصالة المعتلّ٣. ومن ذلك تداخل (س وط) و(أس ط) في (الأُسْطُوانة) وهي تحتمل الأصلين:
الأوّل: أنّه يجوز أن يكون أصلها (س ط و) ووزنها (أُفْعُلانَة) وهذا مَذْهب ابن السّرّاج٤؛ واستدلّ بقول بعض العرب (مُتَسَطّ) .
ومثلها عنده (أرْجُوانَة) و(أقْحُوَانَة) الهمزة فيهنّ جميعًا زائدة، وكأنّ الألف والنّون زيدتا على (أَفْعُل) ولا يجئ في الكلام (فُعْلُوّ) .
واستدلّ - أيضًا - بأنّ أُسْطوانة وما شابهها لو جُعل وزنها (فُعْلُوَانَة) لتَوالَتْ ثلاثة زوائد؛ وهي الواو والألف والنّون؛ وهذا لا يكاد يكون.
ولا يُرَدُّ على ابن السّراج بـ (عُنْفُوان) و(عُنْطُوان) لأنّه لم يُنكر ذلك البتة، وهذان من النّوادر، كما يُفهم من كلامه، ولا يُحمل عليهما بغير دليل قويّ.
_________________
(١) ١ ينظر: الصحاح (أشف) ٤/١٣٣١. ٢ ينظر: العباب (أشف) ٢٤. ٣ ينظر: اللسان (أشف) ٩/٦. ٤ ينظر: الأصول ٣/٣٥١.
[ ١ / ٤٢١ ]
والثّاني: أنّه يجوز أن يكون الأصل (أس ط) ووزنها (فُعْلُوَانة) وهو مذهب الأخفش١، ونظيره في الوزن (عُنْفُوان) من: اعْتَنَفْتُ الشّيءَ، إذا اسْتَأْنَفْتُهُ.
واستدلّ بجمعها على (أَسَاطين) ووزْنه (فَعَالين) وهو بناء موجود في كلام العرب. ولو كانت الهمزة زائدة لكان وزنه (أفاعين) وليس هذا من أوزان الجموع؛ لأنّ لام الثّلاثيّ لا تحذف في الجمع، ولا يجوز أن يُقال: إنّ الواو حُذفت وقُلبت الألف ياءً حتى يكون وزن (أساطين) (أفَاعين) ولا يجوز - أيضًا - أن يُقال: إنّ الألف حُذفت وقُلبت الواو الّتي هي لامٌ ياءً؛ ليكون وزنه (أَفَاعِلْن) فهو وزن مفقود؛ فلم يبقَ إلا أنْ يُقال: إنّه (فَعَالين) من (أس ط) ٢.
وبذلك يتساوى الدّليلان؛ وإن كان ثّمة مُرجّحٌ يُرجّحُ الأصل الأوّل (س وط) وهو أنّ (أس ط) أصل مهمل.
وهناك أصل ثالث يَرِدُ على هذه الكلمة؛ وهو (س ط ن) فيكون وزنها - حينئذ (أفْعُوَالة) وكان الجوهريّ٣ على هذا الرّأي، وشبّهه - في أصالة النّون - بـ (أُقْحُوَانة) .
_________________
(١) ١ ينظر: الأصول ٣/٣٥٠. ٢ ينظر: شرح الشافية ٢/٣٩٧. ٣ ينظر: الصحاح (سطن) ٥/٢١٣٥.
[ ١ / ٤٢٢ ]
على أنّ ما ذهب إليه الجوهريّ ضعيف، ولا دليل على أصالة النّون في (أُقْحُوانة) والرّاجح أنّ وزنها (أُفْعُلانة) كـ (أُسْطُوانة) عند ابن السّرّاج؛ لقولهم في جمعها: (أَقَاحي) و(أقاحِ) وقولهم في التّصغير: (أُقَيْحِيِةٌ) ١.
وليس في قولهم في التّصغير: (سُطَيْنَة) دليل على مذهب الجوهريّ؛ فقد حُمل على قاعدة توهّم أصالة الحرف٢؛ فالنّون زائدة، ولكنّهم توهّموا فيها الأصالة؛ كما توهّموا أصالة الميم في: مِسْكِين ومَسِيل؛ فقالوا: تَمَسْكَن، وقالوا: مِسْلان. ويُرجّح ذلك - أيضًا - أنّ (أُفْعُوَالَة) لم يثبت في كلامهم٣.
ومن التّداخل في هذا الباب ما وقع بين (أق ي) و(م أق) في (مَأْقِي العين) وهي لغة في: مُؤْقِ العين؛ وهو طرفها مما يلي الأنف. وقد اختلفوا في أصله؛ ولهم فيه رأيان٤:
فذهب الفرّاء٥ وابن السّكّيت٦ إلى أنّ أصله (أق ي) وأنّ وزنه (مَفْعِل) .
_________________
(١) ١ ينظر: اللسان (سطن) ١٣/٢٠٨. ٢ ينظر: الأصول ٣/٣٥١. ٣ ينظر: شرح الشافية للرّضي ٢/٣٩٧. ٤ ينظر: الخصائص ٣/٢٠٦، والارتشاف ١/٧٢، والمزهر ٢/١١،١٢. ٥ ينظر: أدب الكاتب ٥٥٤، والاقتضاب ٢/٣١٣. ٦ ينظر: إصلاح المنطق ٢٢٢.
[ ١ / ٤٢٣ ]
قال ابن السّكّيت: "وليس في ذوات الأربعة (مَفْعِل) بكسر العين إلا حرفان: مَأْقِي العَيْن، ومَأْوي الإبل؛ قال الفرّاء: سمعتها بالكسر، والكلام كلّه: (مَفْعَل) نحو: رَمَيْتُه مَرْمَى، ودَعَوْتُه مَدْعًى، وغَزَوتُهُ مَغْزً"١.
وتابعهما فيه ابن قتيبة٢ فجعله (مَفْعِلًا) .
وجَمْعُهُم إيّاه على (مَآقٍ) يُؤيّد - في ظاهره - زيادة الميم؛ لأنّه (مَفَاعِل) وهو: جمع (مَفْعِل) بكسر العين وفتحها. وذهب جماعة إلى أنّ الأصل (م أق) من المَأَقَة؛ وهي شبه الفَوَاق؛ يَأْخذ الإنسان عند البكاء والنّشيج، ومنه يُقال: مَئِق الصّبيّ يمأق مَأْقًا، وامتأق، ومنه قول رُؤْبة:
كَأَنَّما عَوْلَتُهَا بَعْدَ التَّأَقْ عَوْلَةُ ثَكْلَى وَلْوَلَت بَعْدَ المَأَقْ٣
قال الجوهريّ: "وهو (فَعْلى) وليس بـ (مَفْعِل) لأنّ الميم من نفس الكلمة؛ وإنما زيدت في آخره الياء للإلحاق؛ فلم يجدوا له نظيرًا
_________________
(١) ١ ينظر: إصلاح المنطق ٢٢٢. ٢ ينظر: أدب الكاتب ٥٥٤. ٣ ينظر: ديوانه ١٠٧، والصّحاح (مأق) ٤/١٥٥٢، والتّأق: الامتلاء عند الغضب حزنًا.
[ ١ / ٤٢٤ ]
يُلحقونه به؛ لأن (فَعْلِي) بكسر اللاّم نادر، لا أخت لها؛ فأُلحق بـ (مَفْعِل) فلهذا جمعوه على مآقٍ، على التَّوهّم"١.
وقد غلّط الجوهريّ مذهب ابن السّكّيت إن لم يُحمل على هذا؛ أي: توهّم زيادة الحرف الأصليّ، وهو الميم في (مَأْقي) العين؛ فيكون (مَفْعَلًا) توهّمًا و(فَعْلَى) حقيقة.
وعلى هذا الرّأي ابن برّيّ٢؛ وهو يخالف الجوهريّ في كون الياء في (مَأْقَى العين) للإلحاق؛ بل يرى أنّها زائدة كزيادة الواو في (عَرْقٌوَة) وهي الأكمة المُسْتطيلة في الأرض، وكما أنّ الياء في (عَرْقٍ) وهو اسم جنس جمعي لعَرْقُوَة٣ - ليست للإلحاق، كانت الياء في (مَأْقِى العين) كذلك.
_________________
(١) ١ الصّحاح (مأق) ٤/١٥٥٣) . ٢ ينظر: اللسان (مأق) ١٠/٣٣٧. ٣ جمع (عَرْقُوة) عَرْق، وأصله (عَرْقو) وليس في الكلام اسم آخره واو قبلها حرف مضموم؛ لأن هذا مختص بالأفعال نحو (سَرُوَ) و(بَهُوَ) . فإذا أدّى قياس إلى مثل هذا في الأسماء عُدل به إلى إبدال الواو ياء والضمة كسرة؛ فكأنهم حولوا (عَرْقوًا» إلى (عَرْقي) ثم كرهوا الكسرة على الياء فأسكنوها فالتقى ساكنان الياء والنون؛ فحذفوا الياء، وبقيت الكسرة دالة عليها، وثبتت النّون إشعارًا بالصّرف، فإذا لم يلتق ساكنان ردّوا الياء فقالوا: رأيت: عرقيها، كقول الشّاعر: حتّى تُقَضِّي عَرِقِيَ الدُّلِيِّ ينظر: اللسان (عرق) ١٠/٢٤٨.
[ ١ / ٤٢٥ ]
ونظير (مَأْقِى العين) في الكسر: (مَعْدِي كَرِب) على رأي من جعله من (معد) أي: أبْعَدَ؛ فهو (فَعْلِي) .
وأرى أنّ (مَأْقِى العين) ليس (فَعْلِي) كما ذهب الجوهريّ ومن تابعه؛ بل هو (فَالِع) على القلب بمنزلة (شَاك) و(لاَثٍ) في (شَائِك) و(لائث) وأصله (مَائِق) على (فَاعِل) فَقُلب، فقالوا: (مَاقِئ) فخُفِّفَتِ الهمزة، فقالوا: (مَاقِي) ثمّ هُمِزت الألف؛ فقالوا: (مَأقِي) .
وقد أشار إلى هذا أبو عليّ الفارسيّ١ وابن جني٢.
ولعلّ ممّا يُقوّي هذا الرّأي أنّ قومًا يُحقّقون الهمزة - فيما حُكي عن أبي زيد الأنصاريّ٣ - فيقولون: (مَاقِئ) ويقولون في الجمع (مَوَاقِئ) مثل (طَارِئ) و(طَوَارِئ) .
ويدلّ على أصالة الميم في الاشتقاق؛ لقولهم في معناه: مَئِق الصّبيّ، وامْتَأَق، والمأَقَةُ، ونحو ذلك.
وقد وَضعت معاجم القافية - فيما اطّلعت عليه منها - هذه المادة في (م أق) ٤.
_________________
(١) ١ ينظر: البغداديات ١٢١. ٢ ينظر: الخصائص ٣/٢٠٦. ٣ ينظر: البغداديات ١٢١. ٤ ينظر: الصّحاح ٥/١٥٥٣، والتكملة للصاغاني ٥/١٥٠، ومختار الصّحاح ٣٦٢، واللّسان ١٠/٣٣٧، والقاموس ١١٩١، والتاج ٧/٦٥، ولم تذكر في (أق ي) .
[ ١ / ٤٢٦ ]
د - التّداخل بين اللّفيف والمهموز:
وهذا هو النّوع الرّابع من أنواع التّداخل بين المعتلّ والمهموز، غير أنّ التّداخل فيه قليل؛ بخلاف الأنواع الأخرى. وفيما يلي بيان بعض ما وقع فيه من تداخل.
فمنه تداخل (ي د ي) و(أي د) في (أيد) في قوله ﷿: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ ١ وهو يحتمل الأصلين:
فذهب الجوهريّ٢ إلى أنّه (ي د ي) على أنّه جمع يد؛ ولذلك ذكره في هذا الأصل.
وقد تعقّبه فيه أبو بكر الرّازي بالرّدّ - بقوله: "قلتُ: قوله تعالى: ﴿بِأَيْدٍ﴾ أي: بقوة؛ وهو مصدر: آدَ يئيد؛ إذا قوي؛ وليس جمعًا ليد؛ ليُذكر هنا؛ بل موضعه باب الدّال.
وقد نصّ الأزهري٣ على هذه الآية في (الأَيْد) بمعنى المصدر، ولا أعرف أحدًا من أئمة اللّغة أو التّفسير ذهب إلى ما ذهب إليه الجوهريّ من أنّها جمع يد"٤.
_________________
(١) ١ سورة الذاريات: الآية ٤٧. ٢ ينظر: الصحاح (يدي) ٦/٢٥٤٠. ٣ ينظر: التهذيب ١٤/٢٢٨. ٤ مختار الصحاح (يدي) ٦٠٧.
[ ١ / ٤٢٧ ]
وثمّة وجه لما ذهب إليه الجوهريّ؛ وهو أنّ العرب تقول: ما لي يد؛ أي: ما لي به قوة، ومالي به يدان، وما لهم بذلك أيد؛ أي: قوة، ولهم أيد وأبصار، وهم أوْلو الأيدي والأبصار؛ أي: أولو القوّة والعقول١.
والذي عليه الجمهور من أهل اللّغة والتّفسير أنّها من (أي د) من: آد يَئيد؛ إذا قوي، ويُقال: قد تأيّد، وأُدْت أيْدًا؛ أي: قويت، وتأيّد الشّيء: تقوّى، ورجل أيد؛ أي: قوي.
قال الشّاعر:
إذَا القَوْسُ وتّرَهَا أَيِّدٌ رَمَى فَأَصَابَ الكُلَى والذُّرَا٢
وعلى هذا الأصل - في هذه الآية الكريمة - الأزهريّ٣ والرّاغب٤ وابن منظور٥، والسّمين الحلبيّ٦.
ومن ذلك تداخل (ط وي) و(ط وأ) في (طيّئ) اسم قبيلة، ولهم في أصله مذهبان:
_________________
(١) ١ ينظر: التهذيب (يدي) ١٤/٢٣٩. ٢ ينظر: اللسان (أيد) ٣/٧٦، والتاج ٢/٢٩٣. ٣ ينظر: التهذيب ١٤/٢٢٨. ٤ ينظر: المفردات ٩٧. ٥ ينظر: اللسان (أيد) ٣/٧٦. ٦ ينظر: عمدة الحفاظ ٣٣.
[ ١ / ٤٢٨ ]
فذهب جماعة من العلماء - ومنهم النسّابون - إلى أنّ أصله (ط وي) واشتقاقه من: طوى البئر يطويها طيًّا؛ فقد نقل ابن دريد عن الخليل أنّ (أصل بناء طيّئ من طاء وواو؛ فقلبوا الواو ياء؛ فصارت ياء ثقيلة؛ كان الأصل فيه: طَوى) ١. ونقل العوتبيّ٢ نحو ذلك.
وما عزاه ابن دريد والعوتبيّ للخليل مخالف لما في (العين) ٣.
ونقل ابن دريد - أيضًا - عن ابن الكلبيّ أنّه كان يقول: "سُمِّيَ طَيِّئًا؛ لأنه أوّل من طوى المناهل، ويُقال: طويت الشّيء أطويه طيًّا، وكذلك: طويت البئر أطويها بالحجارة، وبه سُمّيت الطّويّ"٤.
وأضاف الأزهريّ معلّلًا: "لأنّه أوّل من طوى المناهل؛ أي: جاز منهلًا إلى منهل آخر، ولم ينزل) ٥.
ولم يكن ابن قتيبة٦ يرتضي بهذا كلّه؛ فقد نصّ على شكّه فيه.
_________________
(١) ١ الاشتقاق ٣٨٠. ٢ ينظر: الاشتقاق للعوتبيّ نقلًا عن اشتقاق طيئ١٥١، والعوتبي هو: سلمة بن مُسلم العوتبي الصُّحاريّ؛ من علماء الأنساب؛ ولا يعرف عصره إلى وجه اليقين. ينظر: اشتقاق طيّئ١٥١. ٣ ينظر: ٧/٤٦٧. ٤ الاشتقاق ٣٨٠. ٥ التهذيب ١٤/٤٩. ٦ ينظر: أدب الكاتب ٨٢.
[ ١ / ٤٢٩ ]
وشكّك فيه - أيضًا - حمزة الأصفهانيّ، وبرئ منه. على أنّ ابن جنّيّ تجاوز الشّك في هذا الاشتقاق، ونصّ على أنّه خطأ بقوله: "ومن ذهب إلى أنّ طيّئًا سُمّي بذلك؛ لأنّه أوّل من طوى المنازل - فقد أخطأ خطأً فاحشًا"١.
وما ذهب إليه ابن جنّيّ صحيح "لأنّ طيّئًا مهموز الّلام، وطوى يطوي لامه ياء؛ فلا يجوز أن يكون أحدهما مشتقًا من الآخر، إلا أن يزعم أنّه ممّا هُمِز على غير قياس؛ كقولهم: حلأتُ السّويق، ولا ينبغي أن يُحمل الشّيء على الشّذوذ إذا وُجد له وجه صحيح من القياس"٢.
وذهب أكثر أهل العربيّة إلى أنّ أصله (ط وأ) من (طَاءَ) في الأرض يَطُوء؛ إذا أبعد، أو ذهب وجاء.
ومن أوّل من كان يرى ذلك الخليل٣؛ وهو خلاف ما نُسِب إليه في الأصل الأوّل.
ووزن طيّئ (فَيْعِل) من طاء يَطُوء، وأصلُهُ (طَيْوِئ) فقُلبت الواو ياء كـ (ميّت) و(سيّد) عند البصريّين؛ فإذا نُسب إليه قيل: (طائيّ) وأصله (طيّئيّ) كـ (طيّعيّ) فحُذفت العين تخفيفًا؛ فبقي
_________________
(١) ١ ينظر: اشتقاق طيّئ ١٥٤. ٢ المقتضب في اسم المفعول ٢٨. ٣ ينظر: العين ٧/٤٦٧.
[ ١ / ٤٣٠ ]
على (طَيْئيّ) كـ (طَيْعيّ) ثمّ أُبدلت الياء ألفًا استحسانًا لا وجوبًا١؛ فيكون قولهم في النّسب إليه (طائيّ) مخالفًا للقياس؛ وهو المسموع.
وأجاز الرّضيّ وجهًا آخر للشّذوذ؛ خلاف ما ذكره؛ وهو "أن يكون الشّذوذ فيه من جهة حذف الياء السّاكنة؛ فتنقلب الياء الّتي هي عينٌ ألفًا؛ لتحرّكها وانفتاح ما قبلها على ما هو القياس"٢.
وعلى هذا الأصل يتوافق الاشتقاق وتأْريخ القبيلة؛ فالمستفيض أنّ طيّئًا - جدّ قبيلة - كان يسكن بوادي الضّريب باليمن، وأنّه رحل من أقصى الجنوب إلى أقصى الشّمال؛ فصدق عليه أنّه طاء؛ بمعنى ذهب بعيدًا.
ومن ذلك تداخل (ر وى) و(أر و) في (أرْوَى) اسم امرأة و(الأُرويّة) وهي انثى الوعول؛ وبها سُمّيت المرأة؛ وهي تحتمل الأصلين:
أوّلهما أنّه يجوز أن يكون الأصل (أر و) فيكون وزنه (فَعْلى) وهو مذهب الأخفش٣ وتكون الألف فيه للتّأنيث عند منعه من الصّرف.
وعلى هذا الأصل قالوا في تصغير (أُرْويّة) وهي (فُعْليّة) كـ (قُمْريّة): (أُرَيّة) ولم يجُز فيها: (أُرَيْوِيّة) لأنّ الّلام واو؛ كما لا يجوز في (غَزْوة) (غُزَيْوَة)
_________________
(١) ١ ينظر: المبهج ٥٧. ٢ شرح الشّافية ٢/٣٢،٣٣، وينظر: شواذّ النّسب ٩٥. ٣ ينظر: المقتضب ١/٢٨٤.
[ ١ / ٤٣١ ]
وكان الأصل فيمن جعل (أُرْويّة) (فُعْليّة) أن يقول: (أُرَيْوِيّة) إلا أنّه لمّا كانت الّلام واوًا لزم أن تُقلب ياء، ولم يجز فيه قول من يقول: (أُسَيودٌ) لأنّ أكثر العرب يقلبون الّلام ياء؛ فيجب على هذا (أُرَيِّيِّة) ثمّ تُحذف ياء (فُعْلِيّة) فيكون (أُرَيّة) ١.
وثانيهما أنّه يجوز أن يكون أصلها (ر وي) وهو مذهب سيبويه٢؛ لأنّه جعل (أُرْويّة) (أُفْعولة) ووزن (أرْوَى) على هذا (أفعل) . ويجوز في تصغير (أروَى) على هذا (أَفْعل) .
ويجوز في تصغير (أرْوى) على هذا الأصل وجهان:
أحدهما: (أُرَيّة) مثل (أُسَيّد) .
وثانيهما: (أُرَيْوِيَة) على مذهب من قال: (أُسَيْوِد) ٣.
وهذا الأصل - أعني (ر وى) هو الرّاجح في (أَرْوَى) و(الأُرْوِيّة) عند أكثر العلماء؛ لأنّك إذا حصّلت حرفين أصلين في أوّلهما ميم أو همزة، وفي آخِرِهما ألف - قضيت بزيادة الميم والهمزة؛ لأنهم نظروا إلى اللّغة؛ فوجدوا الكثير على ذلك؛ ألا ترى أنّ (أَفْعَل) أكثرُ من (فَعْلَى)؟ فلا تحمله على الأقلّ إلاّ بثبت؛ وهو ما تَفْتقِده في (أَرْوَى) ٤. وأكثر معاجم القافية على هذا الأصل٥.
_________________
(١) ١ ينظر: البغداديات ١٢٨،١٢٩، والمقتضب ٢/٢٨٤. ٢ ينظر: الكتاب ٣/٤٦٩. ٣ ينظر: المقتضب ٢/٢٨٤. ٤ ينظر: سر الصناعة ١/٤٢٨. ٥ ينظر: الصحاح (روي) ٦/٢٣٦٣، واللسان (روي) ١٤/٣٥١، واللسان (روي) ١٦٦٥، والتاج (روي) ١٠/١٥٩.
[ ١ / ٤٣٢ ]
المبحث الثّالث: التَّداخل بين المعتلّ والصَّحيح
يكثر التّداخل بين المعتلّ والصّحيح في عمومه في الثُّلاثيّ. وقد تقدَّم تعريف المعتلّ. أمَّا الصَّحيح فهو مالم يكن أحد أصوله حرفًا من حروف العلّة الثّلاثة (الواو والياء والألف) نحو: كَتَبَ وأَخَذَ ورَدَّ والأسماء من ذلك ونحوه١.
ويعدّ المهموز من الصّحيح وليس المعتل؛ خلافًا لبعضهم ممَّن جعل الهمزة من حروف العلّة؛ فعدَّ المهموز من المعتلاَّت٢. فكلّ مهموز٣ صحيح، وليس العكس.
وينتج عن القسمة الجامعة للتّداخل في هذا النّوع؛ بالنّظر إلى المعتلاّت، أربعة أنواع؛ وهي:
أ- التّداخل بين المثال والصّحيح.
ب- التّداخل بين الأجوف والصّحيح.
ج- التّداخل بين النّاقص والصّحيح.
د- التّداخل بين اللّفيف والصّحيح.
_________________
(١) ١ ينظر: تصريف الأفعال ١٦٣، ودراسات في علم التّصريف ٢٩. ٢ ينظر: نزهة الطّرف للميدانيّ ١٢. ٣ لا حجة للقول بأنّ ذلك مقيّد بألاّ يكون من بين حروفه معتلّ، وإلاّ فهو من المعتلّ.
[ ١ / ٤٣٣ ]
وسيقف البحث بالتّفصيل على أنواع الثّلاثة الأولى؛ دون النّوع الرّابع؛ وهو اللّفيف؛ لأنّه ليس للتّداخل بينه وبين الصّحيح نصيب هنا؛ فلا يكاد يقع فيه، بل يتعذّر وقوعه.
وقد تدبّرت في ذلك طويلًا وبحثتُ عن أسبابه؛ فتوصّل البحث إلى نتيجةٍ مفادها أنّ تداخُل الأصول لا يقع بين اللّفيف والصّحيح في الثُّلاثيّ في اللُّغة العربيّة.
ويُعزَى ذلك إلى طبيعة النّوعين؛ فليس في العربيّة كلمةٌ ثلاثيّةٌ من الممكن أن يكون حرفان من حروف العلّة أصلين فيها، مع وجود ثلاثة أحرف صحيحة؛ لأنّ ذلك - لو وُجِدَ - يؤدِّي إلى تأصيل حرفين معتلّين، وزيادة حرفين صحيحين؛ ألا ترى أنّه ليس في العربيّة كلمةٌ ثلاثيّةٌ من اللّفيف؛ يكون فيها ثلاثة أحرف صحيحة؟ وأضرب لذلك مثلًا بكلمة (المَكْوَرَّى) وهو اللّئيم الفاحش المِكثار؛ فإن قيل: إنّ أصله (ور ى) أدّى ذلك إلى زيادة حرفين صحيحين؛ وهما الميم والكاف. وإن قيل: إنّه (ك وى) وجب القول بزيادة الميم والرّاء. وإن قيل: إنّه (م وى) كان الزّائد الكاف والرّاء؛ وكلّ ذلك لا يجوز؛ لأنّ الكاف والرّاء ليسا من حروف الزّيادة.
[ ١ / ٤٣٤ ]
وعلى افتراض أنّهما كانا من حروف الزّيادة - في غير هذا المثال - تكون بزيادة أحرف العلّة أولى من غيرها، لكثرة ما تقع زائدةً في أكثر المواضع؛ لذلك سمّاها سيبويه (أمّهات الزّوائد) ١.
فلا بدّ - في هذا المثال ونحوه - من أن يكون حرفان أصليّان - على أقلّ تقديرٍ - من حروفها الصّحيحة؛ فإن كان ذلك، فالتّدخل - حينئذٍ - بين معتلٍّ ومعتلٍّ؛ أحدهما لفيفٌ والآخر غير لفيفٍ، وليس بين لفيفٍ وصحيحٍ. ويدلّ على ذلك - أيضًا - أنّ جميع ما وقع من تداخل بين اللّفيف والمهموز - ممّا ذكرتُ في المبحث السّابق٢، أو ممّا لم أذكره - كان في كلّ مهموز حرف علّة، ولم يأت مهموز فيه حرفان صحيحان خلا الهمزة؛ لأنّ الهمزة حرفٌ صحيحٌ؛ فلم يقعْ ذلك لما تقدّم من أنّه لا يكون تداخلٌ بين لفيفٍ وصحيحٍ البتَّة.
أ - التّداخل بين المثال والصّحيح:
لم يكثر التّداخل في هذا النّوع؛ بخلاف صاحبيه؛ وفيما يلي بيان بعض ما وقع فيه من تداخل:
فمنه تداخل (ورق) و(م ر ق) في (مَوْرَقٍ) اسم رجلٍ وهو ممّا جُهل اشتقاقه، ويحتمل الأصلين:
الأوّل: أنّه يجوز أن يكون أصله (ورق) فيكون على وزن (مَفْعَل) .
_________________
(١) ١ ينظر: الكتاب ٤/٣١٨. ٢ ينظر: ص: (٤٢٧) من هذا البحث.
[ ١ / ٤٣٥ ]
وحمله على هذا الأصل لا يخلو من شذوذٍ؛ ذلك أنّ ما فاؤه واوٌ لا يُبنى منه (مَفْعَل) بفتح العين؛ وإنّما يجئ بكسرها١؛ نحو (مَوضِع) و(مَوْرِد) و(مَوْقِع) و(مَوْعِد) وشذَّ في هذا البناء بعض كلماتٍ منها: (مَوْهَب) و(مَوظَب) وكذلك (مَورَق) .
والثّاني: أنّه يجوز أن يكون أصله (م ر ق) فيكون وزنه (فَوْعَلاَ) .
وفيه أنّه ليس على قاعدة الدّخول في أوسع البابين؛ لأنّ (فَوْعَلاَ) ليس بأغلب الوزنين؛ بل الأغلب زيادة الميم في (مَفْعَل) . على أنّ جعله في هذا الأصل لا يستلزم مخالفة القياس٢، كما في الأصل السّابق.
وعلى هذا فإنّ الأصلين متقاربان، وليس أحدهما بأولى من صاحبه؛ ففي (ور ق) مخالفة القياس مع غلبة الوزن، وفي (م ر ق) قلّة الوزن، مع مجيئه على القياس.
على أنّ ابن جِنِّيّ٣ رجّح (ور ق) لأنّ (مَوْرَقًا) علم، وقد يجوز في الأعلام ما لا يجوز في غيرها.
وعلى هذا الأصل معاجم القافية٤.
ومن ذلك تداخل (ول ج) و(ت ل ج) في (تَولَج) وهو كِناس
_________________
(١) ١ ينظر: المبهج ٢٢، وشرح الشّافية للرّضيّ ٢/٣٩٥. ٢ ينظر: شرح الشّافية للرّضيّ ٢/٢٩٥. ٣ ينظر: المبهج ٢٢، ٢٤. ٤ ينظر: الصّحاح (ورق) ٤/١٥٦٦، واللّسان (ورق) ١٠/٣٧٨، والقاموس (ورق) ١١٩٨، والتّاج (ورق) ٧/٨.
[ ١ / ٤٣٦ ]
الظَّبْيِ أو الوحش، الّذي يلج فيه، وقد اختلفوا في أصله١:
فذهب الجمهور إلى أنّ أصله (ول ج) ولكنّهم اختلفوا في وزنه:
فمذهب البصريّين - وعلى رأسهم: الخليل وسيبويه - أنّه (فَوْعَلَ) من الولوج، وفعله: وَلَجَ يَلِجُ: وأصله - عندهم - (وَلَجَ) فأُبْدِلتِ الواو الأولى - وهي فاء الكلمة - تاءً؛ لاجتماع الواوين في أوّل الكلمة، ولو لم يفعلوا به ذلك لوجب إبدالها همزةً٢؛ على حدّ (أَوَاصِل) جمع (وَاصِلة) وأصلها (وَوَاصِلُ) .
وذهب الكوفيّون٣ والبغداديّون٤ إلى أنّ التّاء زائدة، وأنّ وزنه (تَفْعَلُ) .
وما ذهب إليه البصريّون أقرب "لأنّك لا تكاد تجد في الكلام (تَفْعَلا) اسمًا، و(فَوْعَل) كثير"٥ وإذا كان كذلك حملْته على الأكثر؛ وهو الأوجه٦.
وعلى المذهبين يكون الأصل (ول ج) .
_________________
(١) ١ ينظر: الكتاب ٤/٣٣٣، والمنصف ١/١٠٢، ٢٣٦، وسرّ الصّناعة ١/١٤٦، وشرح المفصّل لابن يعيش ٩/١٥٨، والارتشاف ١/١٠٥، والخلاف بين النّحويّين ٢٩٢. ٢ ينظر: سرّ الصّناعة ١/١٤٦. ٣ ينظر: شرح الشّافية للرّضيّ ٣/٨٢، والارتشاف ١/١٠٥. ٤ ينظر: سرّ الصّناعة ١/١٤٦، وشرح الملوكيّ لابن يعيش ٢٩٧. ٥ الكتاب ٤/٣٢٣. ٦ ينظر: سرّ الصّناعة ١/١٤٦.
[ ١ / ٤٣٧ ]
وحكى ابن سِيدَه١ عن كُراعٍ أنّه كان يرى أنّ تَوْلَجًا من (ت ل ج) وأنّ تاءه أصليّة، ووزنه (فَوْعَل) كوزنه عند البصريّين؛ مع اختلاف الأصل.
وإن صحّ ما حُكِي عنه٢ فهو رأيٌ ضعيفٌ؛ فالاشتقاق يردّه؛ فليس في (ت ل ج) ما يدلّ على معناه البتَّة، ومعناه كلّه في (ول ج) إذ يقال: وَلَجَ يَلِجُ وُلُوجًا إذا دخل، وأَوْلَجَه: أدخله، قال ﷿: ﴿يُولِجُ اللَّيلَ في النَّهَارِ ويُوْلِجُ النَّهَارَ في اللَّيل﴾ ٣. والوَلَجَة - بالتّحريك - موضع أو كهف تستتر فيه المارّة من مطر وغيره، ومن ذلك (التّولج) وهو ما يلج فيه الظّبي أو الوحش.
ويقترب من ذلك (التّوْأَم) وهو المولود مع غيره في بطن من الاثنين فما فوق؛ ذكرًا كان أو أنثى، وقد يستعار في جميع المزدوجات، فإنّه يحتمل الأصلين (وأ م) و(ت أم) وقد اختلفوا فيه:
فمنهم من ذهب إلى أنّ أصله (وأ م) واشتقّه من المواءمة والموافقة والمشاكلة.
_________________
(١) ١ ينظر: المحكم ٧/٢٤٩، واللّسان (تلج) ٢/٢١٩. ٢ ما في كتاب المجرّد لكراع (ص ٣٥١) يخالف ما حكي عنه فقد نصّ فيه على أنّ وزنه (تفعل) من ولجت. ٣ سورة فاطر: الآية ١٣.
[ ١ / ٤٣٨ ]
يقال: واءمه مواءمة ووِئامًا إذا وافقه وشاكله، وهو على هذا (فَوْعَل) وأصله (وَوْأَم) مثل (تَوْلَج) فأُبدلت الواو الأولى تاءً؛ لاجتماع الواوين في أوّل الكلمة.
وممّن كان يرى ذلك: الخليل١، والأزهرِيّ٢، وابن برّيٍّ٣، والصّغانيّ٤ الّذي تعقّب الجوهرِيّ، وقال: إنّ حقّ التّوأم أن يذكر في (وأم) .
وذهب بعضهم إلى أنّ أصله (ت أم) وهو عندهم (فَوْعَل) أيضًا - ولكن ليس فيه إبدال.
ومن هؤلاء: ابن فارس؛ إذ قال: (التّاء والهمزة والميم كلمة واحدةٌ؛ وهي التّوأمان؛ الولدان في بطنٍ) ٥.
ومنهم: ابن جِنِّيّ٦، وكان يستدلّ على زيادة الواو وأصالة التّاء بقولهم في الجمع: (تُؤَامٌ) وهو (فُعَال) ويستدلّ - أيضًا - على زيادة الواو بالحمل على أوسع البابين؛ وهو باب (فَوْعَلٍ) وترك باب (تَفْعَل) .
_________________
(١) ١ ينظر: الصّحاح (تأم) ٥/١٨٧٦. ٢ ينظر: التهذيب ١٤/٣٣٨. ٣ ينظر: اللّسان (تأم) ١٢/٦٢. ٤ ينظر: التّكملة (وأم) ٦/١٦٠. ٥ المقاييس ١/٣٦٢. ٦ ينظر: المنصف ١/١٠٣.
[ ١ / ٤٣٩ ]
ولا أدري ما الّذي منع ابن جِنِّيّ من جعله كـ (تَوْلَجٍ) ولو قال قائل: إنّ ابن جِنِّيّ لم يمنع ذلك، وإنّ قوله: إنّ التّاء أصلٌ يحمل على أنّها موضع الأصل؛ لأنّها مبدلةٌ من أصل - لقال قولًا حسنًا في التّوجيه، ولكن ليس لنا إلاّ الظّاهر.
ويبدو أنّ ابن عصفورٍ١ حمل كلام ابن جِنِّيّ على ظاهره - كما حملتُهُ - وتابعه فيه؛ إذ ذكر أنّ التّاء في (التَّوْأَم) أصلٌ؛ ولم يشرْ إلى أنّها مبدلة؛ وهذا ما فهمه - أيضًا - ابن الطّيّب الفاسيّ٢.
ومن نتائج هذا الاختلاف أنّ بعض معاجم القافية وضع (التّوْأَم) في الأصلين٣. وأحدهما ضعيفٌ؛ وهو (ت أم) فالرّاجح - عندي - أنّ أصل (التّوأَم) (وأ م) لدلالة الاشتقاق عليه؛ خلافًا لـ (ت أم) وليس فيما استدلّ به ابن جِنِّيّ وابن عصفورٍ من جمعه على (تُؤَام) دليلٌ قاطعٌ؛ لجواز حمله على غلبة البدل - وهو التّاء - على المبدل منه؛ وهو الواو؛ فنسي الأصل لترك استعماله وكثرة استعمال البدل؛ وهو التّاء. ويرجّح الاشتقاق (وأ م) فيكون اشتقاق (التّوْأم) من المُواءمة؛ بمعنى: الموافقة؛ لأنّ التّوأَم يوافق تَوْأَمَه ويلائمه.
_________________
(١) ١ ينظر: الممتع ١/٢٧٤. ٢ ينظر: التّاج (وأم) ٩/٨٩. ٣ ينظر: اللّسان (تأم) ١٢/٦١، و(وأم) ١٢/٦٢٨، والقاموس (تأم) ١٣٩٨، و(وأم) ١٥٠٤، والتّاج (تأم) ٨/٢٠، ٢٠٩، و(وأم) ٩/٨٨/٨٩.
[ ١ / ٤٤٠ ]
ومن التّداخل بين المثال والصّحيح ما وقع بين (ي ف ن) و(ف ن ن) في (اليَفَنِ) وهو الشّيخ الكبير؛ وهو يحتمل الأصلين. فيجوز أن يكون أصله (ي ف ن) وعلى هذا أكثر المعاجم١. ونصّ ابن عصفورٍ٢ على أصالة الياء؛ ولم أقف لهذا الأصل على اشتقاق واضحٍ.
وذهب بعضهم إلى أنّ أصله (ف ن ن) وقد حكى ذلك ابن منظورٍ عن ابن برّيّ بقوله: "وقال بعضهم: هو على تقدير (يَفْعَلُ) لأنّ الدّهر فنَّه وأبلاه"٣.
وما حكاه بعيدٌ؛ فلم يسمع - فيما أعلم - في (اليَفَن) تشديد النّون؛ حتّى يشتقّ من (الفَنَن) إلاّ أن يقال: إنّها خفّفت ثمّ نسي الأصل؛ فلم تُسمعْ مثقّلةً.
وثمّة أصلٌ - غير الأصلين المتقدّمين - وهو أن يكون (اليَفَن) مقلوبًا من (ف ن ي) مشتقًّا من (الفِنَاء) واشتقاقه - حينئذٍ قريبٌ، ثمّ قدّمتِ الياء، فقالوا: (اليَفَن) فإن صحّ ما ذهبتُ إليه فإنّ وزن (اليَفَن) (لَفَعَ) .
_________________
(١) ١ ينظر: المقاييس ٦/١٥٧، والصّحاح (يفن) ٦/٢٢١٩، والتّكملة (يفن) ٦/٣٢٩، واللّسان (يفن) ١٣/٤٥٧، والقاموس (يفن) ١٦٠١، والتّاج (يفن) ٩/٣٧٠. ٢ ينظر: اللّسان (يفن) ١٣/٤٥٧. ٣ ينظر: اللسان (يفن) ١٣/٤٥٧.
[ ١ / ٤٤١ ]
وهناك احتمالٌ آخر؛ وهو أن تكون الياء ياء المضارع؛ كأن يكون في الأصل (يَفْنَى) كـ (يَشْكُر) و(يَزِيْدُ) ثمّ حُذِفَ حرف العلّة؛ فجعلوا الإعراب على النّون، وأدخلوا لام التّعريف عليه؛ فيكون وزنه - حينئذٍ - (اليَفَع) .
ومن التّداخل في هذا الباب: تداخل (ي هـ ر) و(هـ ر ر) في (اليّهْيَرِّ) وهو: اللّجاجة والتّمادي في الأمر؛ ويحتمل الأصلين:
فيجوز أن يكون أصله (ي هـ ر) ويكون وزنه (فَيْعَلًا) .
وقد ضعّف الرّضيّ١ هذا الأصل مستدلًاّ بأنّه غير مستعملٍ.
غير أنّ الصّغانيّ٢ وابن منظورٍ٣ ذكراه في (ي هـ ر) فهو مستعمل عندهما. ويقوّيه قولهم: اسْتَيْهَرَ: إذا لجّ؛ فهو (اسْتَفْعَلَ) من (ي هـ ر) .
ويجوز أن يكون من (هـ ر ر) لتضعيف الرّاء؛ فهو - حينئذ - (يَفْيَعْلُ) وقد ذكر ذلك الرّضيّ٤.
وثمّة أصلٌ ثالثٌ يرد على هذه الكلمة؛ وليس ممّا نحن فيه؛ وهو (هـ ي ر) وكان سيبويه٥ يراه.
_________________
(١) ١ ينظر: شرح الشّافية ٢/٣٩٣. ٢ ينظر: التّكملة (يهر) ٣/٢٤٢. ٣ ينظر: اللّسان (يهر) ٣/٣٠٣. ٤ ينظر: شرح الشّافية ٢/٣٩٣. ٥ ينظر: الكتاب ٤/٣١٣.
[ ١ / ٤٤٢ ]
ب - التّداخل بين الأجوف والصّحيح:
وهذا النّوع ممّا يكثر فيه تداخل الأصول، ويمكن تصنيف ما فيه من تداخل إلى ثلاث مجموعات رئيسة؛ وهي:
الأولى: ما في أوّله ميم.
الثاّنية: ما في آخره نونٌ قبلها ألفٌ زائدةٌ.
الثاّلثة: ما لا رابط فيه.
وفيما يلي بيان ذلك:
أوّلًا: ما في أوّله ميم:
ويشترط في هذا الصّنف أن يكون بعد الميم ثلاثة أحرفٍ؛ قابلة لأن تكون أصولًا. وفي هذا الصّنف يتداخل عددٌ من الأوزان؛ من أهمّها:
مَفْعِل وفَعِيل.
مَفْعُول وفَعيل.
مُفْعَل وفُعَال.
مِفْعَل وفِعَال.
مَفْعَل وفَعَال.
١- مَفْعِل وفَعيل:
ويكثر التّداخل بين هذين الوزنين فيما أوّله ميمٌ من الأجوف الثّلاثيّ اليائيّ العين؛ وهو اسم الزّمان أو المكان؛ مع فَعيلٍ "لأنّ اسم
[ ١ / ٤٤٣ ]
الزّمان والمكان من مكسور العين في المضارع على مَفْعِل؛ فإن كانت عين الكلمة حرف علّة نقلت كسرتها إلى ما قبلها"١.
ومن ذلك تداخل (س ي ل) و(م س ل) في (مَسِيل) الوادي فإنّه يحتمل الأصلين:
فيجوز أن يكون أصله (س ي ل) من سَالَ يَسِيل؛ فيكون وزنه (مَفْعِل) وهو اسم مكانٍ لما يجري فيه السّيل. ومن قال في جمعه (أَمْسِلَة) و(مُسْلاَن) فقد حمله على (باب الغَلَط) كما عبّر عنه ابن جِنِّيّ٢؛ وهو يعني به باب توهّم أصالة الحرف الزّائد٣.
ويحتمل أن يكون (م س ل) وهو الشقّ في الأرض، وإليه ذهب ابن جِنِّيّ٤، وهو يُجرِي (أَمْسِلَة) و(مُسْلاَن) مُجرى: (أَجْرِبَة) و(جُرْبَان) ولا يحمله على التوهّم.
واحتجّ بأنّه لو كانت (أَمْسِلَة) و(مُسْلاَن) من السّيل لكان مثالهما (أَمْفِلَة) و(مُفْلاَن) وهما غريبان.
وفيما ذهب إليه ابن جِنِّيّ نظرٌ، وأراه من الأصل الأوّل (س ي ل) فالاشتقاق من السّيل أقرب، وإلى ذلك ذهب الأزهرِيّ بقوله: "القياس في مسيل الماء: مسَايِل؛ غير مهموز، ومن جمعه: أَمْسِلَة ومُسُلًا ومُسْلاَنًا
_________________
(١) ١ احتمال الصّورة اللّفظيّة لغير وزن ١١٩. ٢ ينظر: الخصائص ٣/٢٧٩. ٣ ينظر: شرح الشاّفية للرّضيّ ٢/٢٢٦. ٤ ينظر: الخصائص ٣/٢٧٩.
[ ١ / ٤٤٤ ]
- فهو على توهّم أنّ الميم في المسيل أصليّة، وأنّه على وزن (فَعِيل) ولم يُرَد به (مَفْعِلًا) كما جمعوا مكانًا: أَمْكِنَةً، ولهما نظائر.
والمسيل (مَفْعِل) من سَالَ يَسِيل مَسِيلًا ومَسَالًا وسَيْلًا"١.
ومن ذلك تداخل (ح ي ض) و(م ح ض) في (مَحِيض) فإنّه يحتمل الوجهين:
فيجوز فيه أن يكون الأصل (ح ي ض) مشتقًّا من الحيض؛ فهو اسم زمانٍ أو مكانٍ، ووزنه (مَفْعِل) ٢.
ويجوز أن يكون أصله (م ح ض) فيكون على وزن (فَعِيل) .
ومن ذلك تداخل (م ص ر) و(ص ي ر) في المصير؛ وهو المِعْيُ واحد المُصْران؛ فيحتمل الأصلين:
فيجوز أن يكون أصله (م ص ر) فيكون وزنه - حينئذٍ (فَعِيْلًا) ودليل ذلك قولهم في جمعه (أَمْصِرَة) و(مُصْرَان) إلاّ أن تحمله على التّوهّم كما حملت (أَمْسِلَة) و(مُسْلان) .
ويجوز أن يكون أصله (ص ي ر) من صَارَ يَصِيْرُ؛ بمعنى: رَجَعَ، فيكون المصير بمعنى: المَرْجِع؛ لأن الطّعام - بعد استقراره في المَعِدَة - يصير إليه٣، ووزنه على هذا الأصل (مَفْعِل) .
_________________
(١) ١ التّهذيب ١٣/٧١. ٢ ينظر: احتمال الصّورة اللّفظيّة لغير وزن ١١٩. ٣ ينظر: الشّواهد على قاعدة توهّم أصالة الحرف ٣٦٥.
[ ١ / ٤٤٥ ]
ويُخَرَّجُ قولهم في جمعه: أَمْصِرَة ومُصْرَان، وتركهم مصايِرَ على توهّم أصالة الميم؛ كراء رغيف؛ إذ قالوا في جمعه: أَرْغِفَة ورُغْفَان؛ لأنّه (فَعِيْل) وهذا قياسه. ويجوز أن يلحق بذلك ما وقع في (المَدِينة) من تداخل (م د ن) و(د ي ن) وقد اختلفوا في أصلها١:
وذهب بعضهم إلى أنّ الأصل (م د ن) من قولهم: مَدَنَ بالمكان إذا أقام به٢. وذكر ابن دريد٣ أنّه فعل مُمَات، وعلى هذا المذهب فهي (فَعِيْلَة) .
واستدلّوا بقولهم في الجمع (مَدَائِن) على (فَعَائِلُ) كقولهم: قَبِيلَةٌ وقَبَائِل؛ وهو مذهب الفرَّاء والأخفش٤، وكان ابن برّيّ٥ يستدلّ على صحّة هذا الأصل بقولهم في الجمع (مُدُنٌ) كقولهم (صُحُفٌ) في صحيفةٍ.
_________________
(١) ١ ينظر: المنصف ١/٣١١، والصّحاح (مدن) ٦/٢٢٠١، ورسالة الملائكة ١٧٧، وتذكرة النّحاة ٦٩٣، والبحر المحيط ٤/٣٤٢، والدّرّ المصون ٥/٤١٣. ٢ ينظر: الصّحاح (مدن) ٦/٢٢٠١. ٣ ينظر: الجمهرة ٢/٦٨٣. ٤ ينظر: اللّسان (مدن) ١/٤٠٢. ٥ ينظر: اللسان (مدن) ١٣/٤٠٢.
[ ١ / ٤٤٦ ]
واستدلّ السّمين١ على صحّة هذا الأصل - كذلك - بإجماع القرّاء على همز (المَدَائِن) كصحيفةٍ وصَحَائِف وسفينة وسَفَائِن، فلو كانت (مَفْعِلَة) لم تهمز كـ (مَعِيْشَةٍ) و(مَعَايِشَ) .
وذهب فريق إلى أنّ أصلها (دي ن) من قولهم: دِيْنَ أي مُلِكَ٢، فيكون وزنها - حينئذٍ (مَفْعِلَة) وهي في الأصل (مَدِيْنَة) فنُقِلت كسرة الياء إلى الدَّال٣.
وعلى هذا الرّأي يكون من قال في الجمع: (مَدَائِن) و(مُدُن) حملها على توهّم أصالة الميم، فأجراها مُجرى (فَعِيلَة) كـ (صَحِيْفَة) و(صَحَائِف) و(صُحُف) . وقد أشار إليه ابن دريد٤ والجوهرِيّ٥.
وهي تحتمل - أيضًا - في هذا الأصل أن يكون وزنها (مَفْعُولَةٌ) من: دَانَ يَدِيْنُ، إذا اطاع، وأصلها قبل الإعلال: (مَدْيُونَة) نقلت ضمّة الياء إلى الساكن قبلها؛ فالتقى ساكنان الياء والواو؛ فحذفوا الواو وكسروا ما قبل الياء فصار اللّفظ إلى (مَدِيْنَة) ٦.
_________________
(١) ١ ينظر: الدرّ المصون ٥/٤١٢. ٢ ينظر: الصّحاح (مدن) ٦/٢٢٠١. ٣ ينظر: معجم مفردات الإبدال والإعلال ٢٤٥. ٤ ينظر: الجمهرة ٢/٦٨٣. ٥ ينظر: الصّحاح (مدن) ٦/٢٠٠١. ٦ ينظر: أبنية الأسماء والمصادر ١٠٤ب.
[ ١ / ٤٤٧ ]
وسواءٌ كانت (مَفْعِلَة) أو (مَفْعُولَة) فالأصل واحدٌ؛ وهو الأجوف، والميم زائدةٌ، وهو ما يشير إليه المنهج المقارَن بين العربيّة وأخواتها السّاميّات؛ إذ وُجِدت الكلمة بمعنًى قريبٍ من معناها العربيّ في بعض اللُّغات السّامية، كالعبريّة والآراميّة، وأصلها فيهما (دي ن) وقد تقدّم١ ذلك.
ويحتمل (مَكِيْنٌ): (م ك ن) و(ك ون) و(مَخِيضٌ) (م خ ض) و(خ ي ض) و(مَجِيدٌ) (م ج د) و(ج ود) .
٢- مَفْعُول وفَعِيل:
وممّا يكثر فيه التّداخل في هذا النّوع ما يقع بين اسم المفعول من الثّلاثيّ اليائيّ العين و(فعيل) وهو قريبٌ ممّا تقدّم.
فمن ذلك تداخل (م ع ن) و(ع ي ن) في (مَعِين) من قولهم: ماءٌ مَعِين؛ وهو يحتمل الأصلين:
وقد ذهب ابن دريد٢ إلى أنّ أصله (م ع ن) لقولهم: مَعُنَ الوادي؛ إذا كثر فيه الماء المعين؛ فالمعين عنده بمعنى الكثير؛ فيكون وزنه - حينئذٍ (فَعِيل) .
وجعله الفرّاء٣ (فَعِيلًا) من (المَاعُون) وأصله (المَعْنُ) بمعنى: الاستقامة.
_________________
(١) ١ ينظر: ص (٢٧٤) من هذا البحث. ٢ ينظر: الجمهرة ٢/٩٥٣. ٣ ينظر: معاني القرآن ٢/٢٢٧.
[ ١ / ٤٤٨ ]
وذهب ثعلب - فيما رواه ابن منظورٍ١- إلى أنّ أصله (ع ي ن) لقولهم: عَانَ الماء يَعِيْنُ؛ إذا جرى طاهرًا، وأنشد للأَخْطَل:
حَبَسُوا المَطِيَّ عَلَى قَديْمٍ عَهْدُهُ طَامٍ يَعِيْنُ، وَمُظْلِمٌ مَسْدُومُ٢
وأجاز الفرّاء٣ هذا الوجه، وجعله (مَفْعُولًا) من العيون؛ وعلى هذا فأصله (مَعْيُون) فنقلت ضمّة الياء إلى العين، ثمّ حذفت الواو؛ لالتقاء السّاكنين؛ فصار (مَعُيْنًا) ثمّ كسرت العين لمناسبة الياء٤.
والاشتقاق من (ع ي ن) قريب؛ ألا تراهم يسمّون الماء الجاري (عَيْنًا) ولم يسمّوه (مَعْنًا)؟.
ومن ذلك تداخل (م هـ ن) و(هـ ي ن) في قوله ﷿ ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ ٥ وهو يحتمل الوجهين:
_________________
(١) ١ ينظر: اللّسان (معن) ١٢/٤١١. ٢ ينظر: ديوانه ١/٣٨٩. ٣ ينظر: معاني القرآن ٢/٢٣٧. ٤ ينظر: معجم مفردات الإبدال والإعلال ٢٠٠، والجدول في إعراب القرآن ٩/١٦٧. ٥ سورة الزخرف: الآية ٥٢.
[ ١ / ٤٤٩ ]
فقد ذهب العلماء١ إلى أنّ أصله (م هـ ن) من المَهَانَة؛ وهي الحقارة والصِّغَر والقلّة؛ فهي على هذا الاشتقاق (فَعِيل) .
وذهب الدّكتور أحمد الخرّاط مذهبًا آخر؛ فجعل أصله (هـ ي ن) واشتقَّه من: هَانَ يَهِيْنُ؛ بمعنى الذّلّ والضّعف والحقارة؛ فوزنه (مَفْعُول) وأصله (مَهْيُون) نقلت الضّمّة إلى الهاء؛ فالتقى ساكنان؛ فحذفت الواو، ثمّ كسرت الهاء؛ منعًا لقلب الياء واوًا٢.
وما ذهب إليه وجهٌ في العربيّة.
٣- مُفْعَل وفُعَال:
ومن التّداخل بين (مُفْعَل) و(فُعَال) ما وقع بين (م د ر) و(ر ود) في (مُرَادٍ) وهو: اسم جدّ قبيلةٍ؛ وهو يحتمل الوجهين:
فيجوز أن يكون أصله (م ر د) من التّمرّد؛ فقد جاء في الخبر٣ أنّ مرادًا تمرّدت؛ فسمّيت بذلك، واسمها يُحَابِر.
_________________
(١) ١ ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٥/٢٠٥، والصّحاح (مهن) ٦/٢٢٠٩، والنّهاية ٤/٣٧٦، وعمدة الحفّاظ (مهن) ٥٥٤، واللّسان (مهن) ١٣/٤٢٥، و(هون) ١٢/٤٣٨. ٢ ينظر: قراءة في تصريف لفظ مهين (ملحق التراث: جريدة المدينة) العدد ٣٠ السّنة الخامسة عشرة) . ٣ ينظر: أدب الكاتب ٨٢.
[ ١ / ٤٥٠ ]
وأجاز ابن السّيد البطليوسي هذا الوجه بقوله: "واشتقاق (مُرَادٍ) من التّمرّد ممكن، غير ممتنع؛ فتكون الميم على هذا أصلًا، ويكون وزن مُرَادٍ على هذا فُعَالًا"١.
ويجوز أن يكون الأصل (ر ود) من أَرَادَ يُرِيْد، ُ وهو قبل الإعلال: (مُرْوَد)، فيكون اسم مفعول على زِنة (مُفْعَل) بمنزلة: مُنَار؛ من: أَنَارَ.
وقد أجاز ذلك - أيضًا - ابن السِّيد بقوله: "وقد جاء في خبر لا أقف الآن على نصّه، ولا أعرف من حكاه أنّ مرادًا اسم جدّهم، أو أبيهم، وأنّه لُقِّب بذلك؛ لأنّ رجلًا قال له: أنت مُرَادي"٢.
ومن ذلك تداخل (م ط ر) و(ط ي ر) في (مُطَارٍ) وهو وادٍ بين الطّائف والسّراة؛ وهو يحتمل الأصلين:
فيجوز أن يكون أصله (ط ي ر) فيكون وزنه (مُفْعَلًا) وقد أجاز ذلك ابن منظورٍ٣.
ويجوز أن يكون أصله (م ط ر) فيكون وزنه (فُعَالًا) وأجاز هذا - أيضًا - ابن منظورٍ؛ فذكره في الأصلين٤.
_________________
(١) ١ الاقتضاب ٢/٤٥. ٢ الاقتضاب ٢/٤٦. ٣ ينظر: اللّسان (طير) ٤/٥١٤. ٤ ينظر: اللسان (طير) ٤/٥١٤.
[ ١ / ٤٥١ ]
٤- مِفْعَل وفِعَال:
ومن هذا تداخل (م ح ل) و(ح ول) في (المِحَال) من قوله ﷿: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ ١.
فذهب الجمهور إلى أنّ أصله (م ح ل) من (المَحْل) وهو القوّة والشِّدّة؛ يقال: مَحَلَ به؛ إذا غلبه، والمِحَال المُمَاحَلَة والمُكايَدة، ومنه تَمَحَّلَ لكذا، ومَحَلَ بفلانٍ؛ إذا كَادَه وسَعَى به إلى السُّلطان، ويقال: ماحَلْتُهُ مِحَالًا؛ إذا قاويته حتّى يتبيّن الأشدّ منّا؛ وبهذا فُسِّرت الآية الكريمة. والمِحَال عندهم مصدرٌ على (فِعَال) ٢.
وذهب ابن قتيبة إلى أنّ أصله (ح ول) والميم زائدة٣، وأصل المِحَال: الحِيْلَة والحَوْل؛ فيكون وزنه - حينئذٍ (مِفْعَلًا) وأصله (مِحْوَل) فأُعِلّ بالنّقل والقلب؛ حيث نقلت حركة الواو إلى الحاء؛ فصار (مِحول) ثمّ قلبت الواو ألفًا؛ لتحرّكها في الأصل وانفتاح ما قبلها٤.
_________________
(١) ١ سورة الرّعد: الآية ١٣. ٢ ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٣/٤٨٤، والبصريّات ١/٦٤٤، والعضديّات ١٠٠، وتهذيب اللّغة ٥/٩٥، وتفسير غريب القرآن لابن عزيز السّجستاني ٨٤، والكشّاف ٢/٥١٩، وزاد المسير ٤/٣١٦، والمفردات (محل) ٤٦٤، والتّكملة للصّغانيّ (محل) ٥/٥١٢، والبحر المحيط ٥/٣٧٥. ٣ ينظر: تفسير غريب القرآن ٢٣٦. ٤ ينظر: معجم مفردات الإبدال والإعلال ٢٤٤.
[ ١ / ٤٥٢ ]
وفي الحقّ أنّ ما ذهب إليه ابن قتيبة تأباه اللُّغة، ولهذا ردّوا عليه، وغلّطوه من وجهين:
الأوّل: ما ذكره الأزهرِيّ بقوله: "وقول القتيبيّ: أصل المِحال: الحِيْلَة: غلطٌ فاحشٌ، وأحسبه توهّم أنّ ميم المِحال ميم (مِفْعَل) وأنّها زائدة؛ وليس الأمر كما توهّمه؛ لأنّ (مِفْعلًا) إذا كان من بنات الثّلاثة - فإنّه يجيء بإظهار الواو والياء؛ مثل: المِزْوَد والمِرْوَد والمِجْوَل والمِحْوَر والمِزْيَل والمِعْيَر وما شاكلها، وإذا رأيتَ الحرف على مثال (فِعَال) أوّله ميمٌ مكسورةٌ فهي أصليّةٌ؛ مثل ميم: مِهَادٍ ومِلاكٍ ومِرَاسٍ ومِحَال، وما أشبهها"١.
والوجه الثّاني ما ذكره أبو عليّ٢؛ وهو أنّ المصادر لا تكون على (مِفْعَل) .
وثمّة لغةٌ في المِحَال؛ وهي فتح الميم، وقد قُرِئ بها في الشّواذّ٣؛ وعليها يَصِحّ ما ذهب إليه ابن قتيبة؛ فالمَحال في هذه القراءة (مَفْعَل) من الحِيلة؛ إذ يقال: ما له حيلة ولا محالة؛ فيكون تقديره: شديد الحيلة عليهم٤.
_________________
(١) ١ التّهذيب ٥/٩٥، ٩٦. ٢ ينظر: البصريّات ١/٦٤٤. ٣ وهي قراءة الأعرج والضّحاك، ينظر: مختصر في شواذّ القرآن ٦٦، والمحتسب ١/٣٥٦، والكشّاف ٢/٥١٩، والدرّ المصون ٧/٣٣. ٤ ينظر: المحتسب ١/٣٥٦.
[ ١ / ٤٥٣ ]
ومن ذلك - أيضًا - تداخل (م ز ح) و(ز ي ح) في المِزاح؛ وهو بكسر الميم مصدر: مازحه، ويجوز الضّمّ فيه. قال ابن سِيدَه: "مَزَح يَمْزَح مَزْحًا ومِزَاحًا ومُزَاحًا والاسم المُزَاح"١.
وهو يحتمل الأصلين:
فذهب بعضهم إلى أنّ أصله (ز ي ح) من: أَزَاحه عن موضعه، وهو مرويّ عن ابن دريدٍ فيما ذكره أبو حيّان التّوحيديّ بقوله: "سألت السّيرافيّ عن قول من قال: المِزَاح سمِّيَ مِزَاحًا؛ لأنّه أُزِيح عن الحقّ، فقال: هذا محكيّ عن ابن دريدٍ٢؛ وهو باطلٌ، والميم من سِنْخ الكلمة في: مَزَحْت أَمْزَح، ومن أُزِيحَ تكون زائدةً"٣.
ووزنه على الكسر (مِفْعَل) وهو ممّا نحن فيه؛ ووزنه على الضّمّ (مُفْعَل) اسم مفعول؛ وأصله (مُزْيَحٌ) ثمّ أُعلّ. والّذي عليه الجمهور أنّ أصله (م ز ح) وهو (فِعَال) بكسر الميم؛ مصدر: مَازَحَه، ويكوز فيه الضّمّ٤.
_________________
(١) ١ المحكم ٣/١٧٤. ٢ وما في الجمهرة خلاف ما نسب إلى ابن دريد: إذ قال (١/٥٢٩): "والمِزاح مصدر مازحته ممازحة ومزاحًا، والاسم المزاح، ورجل مازح وممازح، وهو مصدر مزحت أمزح مَزْحًا". ٣ البصائر والذّخائر ٩/٢٠. ٤ ينظر: اللّسان (مزح) ٢/٥٩٣.
[ ١ / ٤٥٤ ]
٥- مَفْعَل وفَعَال:
من ذلك تداخل (م ج ح) و(ج وح) في (مَجَاح) وهو اسم موضع من نواحي مكّة المكرّمة، ويحتمل الأصلين:
فيجوز أن يكون أصله (ج وح) فيكون وزنه (مَفْعَل) وأصله (مَجْوَحٌ) ثمّ أُعلّ بالنّقل والتّسكين والقلب؛ فقالوا: مَجَاح.
ويجوز أن يكون أصله (م ج ح) فيكون - حينئذٍ (فَعَالًا) مثل (سَلاَمٍ) و(كَلاَمٍ) .
وقد أجاز ابن سِيدَه١ وابن منظورٍ٢ الأصلين.
ومن ذلك - أيضًا - تداخل (ع ي ن) و(م ع ن) في (مَعَان) وهو موضع بالأردن٣؛ ويحتمل الأصلين:
فيجوز أن يكون أصله (م ع ن) ٤ على وزن (فَعَال) مثل (سَلاَم) .
ويجوز أن يكون الأصل (ع ي ن) فيكون وزنه (مَفْعَلًا) وأصله (مَعِيْن) أُعِلّ بالنّقل والتّسكين والقلب؛ فقالوا: (مَعَان) .
وعلى هذا حمله ابن السِّيد٥ في قول المعرِّي:
_________________
(١) ١ ينظر: المحكم (جوح) ٣/٣٥٥. ٢ ينظر: اللّسان (جوح) ٢/٤٣٢. ٣ ينظر: معجم ما ساتعجم ٢/١٢٤٢. ٤ ينظر: اللّسان (معن) ١٣/٤١١. ٥ ينظر: شروح سقط الزند ١/١٧٢.
[ ١ / ٤٥٥ ]
مَعَانٌ من أَحِبَّتِنَا مَعَانُ١ تُجِيْبُ الصَّاهِلاَتِ بِهِ القِيَانُ٢
وكان يرى أنّ المَعَانَ هو المكان المعمور، واشتقاقه من: المُعَايَنَة لأن الناس يكثرون فيه، فيعاين بعضهم بعضًا، وهو (مَفْعَل) من عَانَه يَعِينُه؛ إذا نظر إليه؛ لأنّ (مَفْعَلًا) لا يشتقّ إلاّ من الفعل الثّلاثيّ.
ومن ذلك تداخل (ذود) و(م ذد) في (المَذَاد) وهو وادٍ في المدينة بين سَلْعٍ والخندق؛ وهو يحتمل الأصلين:
فيجوز أن يكون أصله (ذود) فيكون على وزن (مَفْعَل) وأصله (مَذْوَد) ثمّ أُعلّ بالنّقل والتّسكين والقلب.
ويجوز أن يكون أصله (م ذ د) فيكون وزنه (فَعَالًا) مثل (سَلامٍ) .
وقد أجاز ابن منظورٍ الأصلين؛ إذ وضعه فيهما٣.
_________________
(١) ١ معان الأول موضع بعينه في الأردن، والمقصود من الثّاني معنى اللّفظ، يريد: هذا الموضع معمور بأحبتنا، كقول الشّاعر: فليت مَعَانًا كَانَ ممَن نُحِبّثهُ مَعَانًا ولَيْتَ اللهَ حمَ التَّلاقِيَا (ينظر: شروح سقط الزّند ١/١٧٢، ١٧٣) . ٢ ينظر: سقط الزّند ٦٤. ٣ ينظر: اللّسان (ذود) ٣/١٦٩، و(مذد) ٣/٤٠٠.
[ ١ / ٤٥٦ ]
ثانيًا- ما في آخره نونٌ قبلها ألفٌ زائدةٌ:
وهو الصّنف الثّاني في التّداخل بين الأجوف والصّحيح؛ وهو كثير لكثرة زيادة النّون آخرًا بعد الألف الزّائدة؛ فتقارَبَ - في حكم الزّيادة أو الأصالة - حرفُ العلّة في وسط الكلمة والنّون؛ فمن ثَمَّ يكثر التّداخل لتقاربهما في الحكم.
وهو يشيع في ثمانية أوزان؛ وهي:
فَعْلاَن وفَيْعَال.
فَعْلاَن وفَاعَال.
فُعْلاَن وفُوعَال.
فَعْلُون وفَيْعُول.
وفيما يلي بيان ما بين تلك الأوزان من تداخلٍ:
١- فَعْلاَن وفَيْعَال.
وهو أكثر هذه الأنواع تداخلًا، وشواهده كثيرةٌ، فمنه تداخل (ف ي ن) و(ف ن ن) في (فَيْنَان) في قولهم: رجل فَيْنَان الشّعْر طويلُه؛ وهو يحتمل الأصلين:
فقد ذهب الجوهرِيّ١ إلى أنّ أصله (ف ي ن) ونصّ على أنّ وزنه (فَعْلان) وإذا سمِّي به مُنِع من الصّرف.
_________________
(١) ١ ينظر: الصّحاح (فين) ٦/٢١٧٩.
[ ١ / ٤٥٧ ]
وذهب الخليل وسيبويه١ إلى أنّ أصله (ف ن ن) واشتقاقه من الفَنَن؛ أي: لشعره فنونٌ كأفنان الشّجر، فهو (فَيْعَال) وهو مصروف في العَلَمِيّة وغيرها.
والرّاجح هو هذا الأصل؛ فإنّ فيه غَالِبَين مُتساويين: الياء والنّون، فرجّح الاشتقاق زيادة الياء وأصالة النّون؛ لأنّ الفَنَن الغُصْن والشّعر كالغُصن. وذكره ابن منظورٍ في الأصلين٢.
ويتداخل (د ي ح) و(د ح ن) في (الدَّيْحَان) وهو الجراد؛ فيحتمل الأصلين:
فيجوز أن يكون أصله (د ي ح) ووزنه - حينئذٍ (فَيْعَال) وهو مذهب كُرَاعٍ فيما حكاه ابن سِيدَه٣.
ويتداخل (خ ي ف) و(خ ف ن) في (الخَيْفَان) وهو: الجراد أوّل ما يطير، ومنه: جرادة خَيْفَانةٌ: أشبُّ ما تكون، وكذلك النَّاقة السّريعة؛ وهو يحتمل الأصلين:
فقد جعله الخليل من (خ ف ن) من (الخَفْن) ٤ فهو عنده (فَيْعَال) .
_________________
(١) ١ ينظر: الكتاب ٣/٢١٨. ٢ ينظر: اللّسان (فنن) ١٣/٣٢٨، و(فين) ١٣/٣٢٩. ٣ ينظر: اللسان ٣/٣٣٠. ٤ ينظر: العين ٤/٢٧٥، ٢٧٦.
[ ١ / ٤٥٨ ]
وجعله الأزهرِيّ من (خ ي ف) ورد على صاحب (العين) بقوله: (قلت: جعل خَيْفَانًا (فَيْعَالًا) من الخَفْن، وليس كذلك؛ وإنّما: الخَيْفَان من: الجراد؛ الّذي صار فيه خطوطٌ مختلفةٌ، وأصله من الأَخْيَف، والنّون في: خَيْفَانٍ نون (فَعْلان) والياء أصليّةٌ) ١.
وإلى ذلك ذهب الصَّغانيّ٢. وجعله ابن منظورٍ من الأصلين٣.
ومن ذلك تداخل (ش ي ط) و(ش ط ن) في (الشَّيْطَان) وهو يحتمل الوجهين:٤
فمذهب الجمهور أنّ أصله (ش ط ن) وهو (فَيْعَال) عندهم، واشتقاقه من (الشّطْن) من قولهم: شَطَنَ يَشْطُنُ؛ أي: أَبْعَد؛ لأنّه بعيدٌ من رحمة الله تعالى، وعلى هذا المعنى قول النّابغة:
نَأتْ بسُعَادَ عَنْكَ نَوًى شَطُوْنُ فَبَانَتْ والفُؤَادُ بِهَا رَهِيْنُ٥
_________________
(١) ١ التّهذيب ٧/٤٣٧. ٢ ينظر: العباب (خيف) ١٨١. ٣ ينظر: اللّسان (خيف) ٩/١٠٢، و(خفن) ١٣/١٤٢. ٤ ينظر: الكتاب ٤/٢٦٠، ٣٤٠، والمقتضب ٤/١٣، والأصول ٣/٢٤٠، والمنصف ١/١٠٩، ١٣٥، ورسالة الملائكة ٢٤٩، واللّسان (شطن) ١٣/٢٣٨، و(شيط) ٧/٣٣٨، والدّرّ المصون ١/١٠، وبصائر ذوي التّمييز ٣/٣٢٠. ٥ ينظر: ديوانه ٢١٨.
[ ١ / ٤٥٩ ]
واستدلّوا على ذلك الأصل - أيضًا - باشتقاقهم فِعْلًا من لفظه؛ في قولهم: (تَشَيْطَنَ) وهو ممّا يدلّ على أصالة النّون فيه.
وإلى هذا ذهب سيبويه في أحد قَوْلَيْه١، وابن السّرّاج٢، وابن جِنِّيّ٣.
ويؤيّد مذهبهم هذا أمران:
أحدهما: قولهم: شَيْطَانَةٌ في قول الشَّاعر:
هِيَ البَازِلُ الكَوْمَاءُ لاَ شَيْءَ غَيره وَشَيْطَانَةٌ قَدْ جُنَّ مِنْهَا جُنُونُهَا٤
لأنّ تاء التّأنيث قلّما تدخل على (فَعْلان) ٥.
وثانيهما: قولهم في الجمع (شَيَاطِيْن) وهو يدلّ على أنّ شيطانًا (فَيْعَال)؛ لأنّهم لا يكسِّرون (فَعْلاَن) على (فَعَالِين) ٦.
وذهب بعضهم إلى أنّ أصله (ش ي ط) وأنّ وزنه (فَعلاَن) من شَاطَ يَشِيط؛ إذا هَاجَ والتَهَبَ الغَضَبُ؛ وهذا المعنى موجودٌ في (الشّيْطَان)
_________________
(١) ١ ينظر: الكتاب ٤/٣٢١. ٢ ينظر: الأصول ٣/٣٤٠. ٣ ينظر: المنصف ١/١٠٩. ٤ ينظر: رسالة الملائكة ٢٥١. ٥ ينظر: رسالة الملائكة ٢٥٠، ٢٥١. ٦ رسالة الملائكة ٢٥١.
[ ١ / ٤٦٠ ]
لأنّ الالتهاب في الغضب يشبه الجنون والتّخبُّط، وعليه قوله ﷿: ﴿كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ ١.
وكان سيبويه يجيز هذا الأصل في أحد قوليْه٢.
وثَمَّة ما يضعف هذا المذهب؛ وهو أنّه لم يسمع في تصاريفه إلاّ بثبوت النّون٣.
ولو قال قائلٌ منتصرًا لهذا المذهب: إنّ لزوم النّون لتصاريفه إنّما كان ذلك لتوهّمهم أصالة النّون؛ على قاعدة توهّم أصالة الحرف الزّائد - لذهب مذهبًا حسنًا.
وتظهر ثمرة هذا الخلاف في الصّرف ومنعه؛ فإن أُخِذ من (ش ط ن) فهو مصروفٌ، وإن أُخِذ من (ش ي ط) فهو ممنوعٌ من الصّرف٤. ومثل هذا التّداخل كثيرٌ٥.
_________________
(١) ١ سورة البقرة: الآية ٢٧٥. ٢ ينظر: الكتاب ٤/٢٦٠. ٣ ينظر: الدّرّ المصون ١/١٠. ٤ ينظر: المقتضب ٤/١٣. ٥ ومن ذلك – أيضًا تداخل (ع ود) و(ع دن) في العيدان وهو الطّويل من النّخل. و(ض ي ط) و(ض ط ن) في الضّيطان وهو كثير اللّحم الرّخو. و(ف ي ح) و(ف ح ن) في الفيحان وهو اسم موضع. و(م ي د) و(م د ن) في الميدان وهي محلة ببغداد. و(ع ي ر) و(ع ر ن) في العيرانة وهي النّجيبة من الإبل. و(غ ي س) و(غ س ن) في الغيسان وهو حدة الشّباب. و(ش ي ح) و(ش ح ن) في الشيحان وهو الطّويل. و(ص ي د) و(ص د ن) في الصيدان وهو الحصى الصّغار. و(ر ي ع) و(ر ع ن) في ريعان وهو اسم رجل. و(ب ي د) و(ب د ن) في البيدانة وهي الأتان. و(هـ ي د) و(هـ د ن) في الهَيْدَان وهو الثقيل الجبان.
[ ١ / ٤٦١ ]
٢- فَعْلان وفَاعَال:
ومنه تداخل (ع ي هـ) و(ع هـ ن) في (عَاهَان) وهو اسم رجلٍ؛ ويحتمل الأصلين:
فيجوز أن يكون أصله (ع ي هـ) فيكون وزنه - حينئذٍ (فعلان) .
ويجوز أن يكون أصله (ع هـ ن) فيكون وزنه (فَاعَالًا) .
وأجاز ابن سِيدَه الأصلين١، وتابعه في ذلك ابن منظورٍ٢.
ومنه تداخل (روذ) و(رذن) في (رَاذَان) وهو موضعٌ بالسّواد٣ في قول الشّاعر:
وَقَدْ عَلِمَتْ خَيْلٌ بِرَاذَانَ أَنَّنِي شَدَدْتُ وَلَمْ يَشْدُدْ مِنَ القَوْمِ فَارِسُ٤
وهو يحتمل الأصلين:
_________________
(١) ١ ينظر: المحكم ٢/١٩٣. ٢ ينظر: اللّسان (عهن) ١٣/٢٩٨، و(عيه) ١٣/٥٢٠. ٣ ينظر: معجم ما استعجم ١/٦٢٦. ٤ ينظر: اللّسان (رذن) ١٣/١٧٨.
[ ١ / ٤٦٢ ]
فيجوز أن يكون أصله (ر ي ذ) فيكون وزنه (فَعْلاَن) وعلى ذلك جاء في الشِّعر غير مصروفٍ.
ويجوز أن يكون أصله (رذن) فيكون وزنه (فَاعَالًا) .
وأجاز ذلك ابن سِيدَه بقوله: (فإن قلت: كيف تكون نونه أصلًا؛ وهو في الشِّعر الّذي أنشدته غير مصروفٍ؟ قيل: قد يجوز أن يعني به البقعة، فلا يصرفه، وقد يجوز أن تكون نونه زائدةً؛ فإن كان ذلك فهو من باب (ر وذ) أو (ر ي ذ) إمّا (فَعَلانًا) أو (فَعْلانًا) رَوَذان أو رَوْذان، ثمّ اعتلَّ اعتلالًا شاذًّا) ١.
٣- فُعْلاَن وفُوْعال:
منه تداخل (ش ور) و(ش ر ن) في (الشُّورَان) وهو القِرْطِن أو العُصْفُر، ويحتمل الأصلين:
فيجوز أن يكون أصله (ش ور) فوزنه - حينئذٍ (فُعْلاَن) .
ويجوز أن يكون من (ش ر ن) فهو - حينئذٍ (فُوْعَال) .
وقد أجاز الصّغانيّ٢ الأصلين، وذكره ابن منظورٍ٣، والفيروزاباديّ٤ في (ش ر ن) على أنّه (فُوَْال) وهو الرّاجح؛ لأنّ
_________________
(١) ١ اللسان (رذن) ١٣/١٧٨، ١٧٩. ٢ ينظر: التكملة (شرن) ٦/٢٥٧. ٣ ينظر: اللّسان (شرن) شرن) ١٣/٢٣٦. ٤ ينظر: القاموس (شرن) ١٥٦٠.
[ ١ / ٤٦٣ ]
(فُوْعَالًا) مخصوصٌ بالأسماء١.
ويتداخل (خ وذ) و(خ ذ ن) في (خُوذَان) وهو: الخامل؛ إذا تأخَّر عن أهل الفضل، ويحتمل الأصلين:
أن يكون من (خ وذ) على زنة (فُعْلاَن) .
أو من (خ ذ ن) على وزن (فُوْعَال) .
وكان أبو حَيّان٢ يجيز الوجهين. والرّاجح أنّه (فُعْلاَن) لأنّه صفةٌ، و(فُعْلاَن) يغلب على الصِّفات٣، كـ (خُمْصَان) وهو: الخالي البطن الضّامره، و(القُرْحَان) وهو الّذي لم يصبه الجُدَريّ.
وذكر الأزهرِيّ٤ والزّبيديّ٥ (الخَوْذَان) بالفتح؛ فلعلّ هذا ممّا جاء بالوجهين: الفتح والضّمّ.
ويتداخل (س وب) و(س ب ن) في (السُّوبَان) وهو: الرّجل الحسن الرّعاية للإبل؛ وهو يحتمل أن يكون أصله (س وب) ووزنه (فُعْلاَن) .
ويحتمل أن يكون أصله (س ب ن) فيكون على وزن (فُوْعَال) .
_________________
(١) ١ ينظر: شرح الكافية الشّافية ٤/٢٠٦٣. ٢ ينظر: الارتشاف ١/١١٢، وفيه أنّه خودان بالدّال المهملة، واللّسان (خوذ) ٣/٤٩٠. ٣ ينظر: شرح الكافية الشّافية ٤/٢٠٦٣. ٤ ينظر: التّهذيب ٧/٥٢٣. ٥ ينظر: التّاج (خوذ) ٢/٥٦٢.
[ ١ / ٤٦٤ ]
وقد رجّح ابن مالكٍ١ الأصل الأوّل؛ لأنّه صفةٌ، و(فُعْلاَن) يكثر في الصّفات؛ كـ (خُمْصَان) وهو: خالي البطن.
٤- فَعْلُون وفَيْعُول:
فمن التّداخل بين هذين الوزنين ما وقع بين (ز ي ت) و(ز ت ن) في (الزَّيْتُون) وهو الثّمر المعروف؛ وهو يحتمل الأصلين، وقد اختلفوا فيه٢:
فذهب أكثرهم٣ إلى أنّه من (ز ي ت) مشتقًّا من (الزَّيْت) ووزنه عندهم (فَعْلُون) .
وكان على ذلك جماعة من العلماء؛ كابن السَّرَّاج٤، والسِّيرافيّ٥، وابن جِنِّيّ٦، والجوهرِيّ٧، والزَّمخشريّ٨، والفيروزاباديّ٩.
_________________
(١) ١ ينظر: شرح الكافية الشّافية ٤/٢٠٦٣. ٢ ينظر: الخصائص ٣/٢٠٣، والبصائر والذخائر ٥/٢١٨، ورسالة الملائكة ٢٥٥، وسفر السعادة ١/٢٩٥، والارتشاف ١/١٠٢، والدر المصون ٥/٧٨. ٣ ينظر: شرح الكافية الشّفية ١/١٩٩. ٤ ينظر: الأصول ٣/٢٥٥. ٥ ينظر: البصائر والذخائر ٥/٢١٨. ٦ ينظر: الخصائص ٣/٢٠٣. ٧ ينظر: الصّحاح (زيت) ١/٢٥٠. ٨ ينظر: أساس البلاغة (زيت) ١٩٨. ٩ ينظر: القاموس (زيت) ١٩٥.
[ ١ / ٤٦٥ ]
وهو من الأبنية التي فاتت سيبويه، وكان ابن جِنِّيّ١ يعجب كيف يفوت سيبويه وهو في القرآن الكريم. وذهب قوم إلى أنه جمع لـ (زَيْت) كما تقول: زيدٌ وزيدون، وإلى ذلك ذهب الزَّجّاج٢.
وذهب بعضهم إلى أنّ أصله (ز ت ن) واشتقّوه من (الزَّتْن) وهو أصل مُمَات٣، ووزنه عندهم (فَيْعُول) كـ (قَيْصُوم) .
وكان ابن كيسان وابن دريد على هذا المذهب٤، ورجّحه ابن مالك؛ مستدلًاّ بسقوط الياء في الاشتقاق في قولهم: أرضٌ زَتِنَةٌ؛ إذا كانت كثيرة الزّيتون٥.
وبه استدلّ ابن عصفورٍ٦ - أيضًا - وأضاف دليلًا آخر على صحّة مذهبهم، وهو أن (فَعْلُونا) بناء لم يستقرّ في كلامهم.٠
واختاره السَّمين، وعضَّد أدلّتهم بقوله: "ولا يُتَوَهَّم أنّ ياءه٧ أصليّةٌ، ونونه مزيدةٌ بدلالة الزّيت؛ فإنّهما مادّتان متغايرتان؛ وإن كان
_________________
(١) ١ ينظر: الخصائص ٣/٢٠٣. ٢ ينظر: رسالة الملائكة ٢٥٥. ٣ ينظر: الخصائص ٣/٢٠٣. ٤ ينظر: الخصائص ٣/٢٠٣. ٥ ينظر: شرح الكافية الشافية ١/١٩٩. ٦ ينظر: الممتع ١/١٢٥. ٧ في الأصل: تاءه وهو تصحيف.
[ ١ / ٤٦٦ ]
الزّيت معتصرًا منه، ويقال: زَاتَ طعامه: أي: جعل فيه زيتًا، وزَاتَ رأسه؛ أي: دَهَنَه به"١.
وأرى أنّ الصّواب مع الجمهور؛ وهو أنّ الأصل هو (ز ي ت) ووزنه (فَعْلُون) كما قال ابن جِنِّيّ٢. أما استدلال ابن مالك بقولهم: (أرضٌ زَتِنَةٌ) فيمكن حمله على توهّم أصالة النّون. وأمَّا استدلال ابن عصفورٍ بأنّ (فَعْلُونًا) أصلٌ مهملٌ فهو استدلال في غير محلّه؛ ألا ترى أن الجمهور أثبتوه وعدّوه ممّا فات سيبويه؟ وإذا ثبت ذلك بطل ما ذهب إليه السّمين بجعله (الزّيت) و(الزَّيْتُون) مادّتين متغايرتين، كأنه حمله على باب: سَبْطٍ وسِبَطْرٍ؛ فليس ثمّة موجبٌ لحمله على هذا الباب؛ لأن النّون من حروف الزّيادة؛ وهي واقعةٌ في موضعٍ تُزَاد فيه، وهو الطّرف.
ويتداخل (م ي س) و(م س ن) في (مَيْسُون) وهو اسم امرأةٍ؛ ويحتمل الوجهين:
فيجوز أن يكون الأصل (م ي س) فيكون على وزن (فَعْلُون) مثل (زَيْتُون) على مذهب من جعل النّون زائدةً.
_________________
(١) ١ الدرّ المصون ٥/٧٨.
[ ١ / ٤٦٧ ]
وإلى هذا ذهب ابن جِنِّيّ١؛ وهو مذهب قويٌّ؛ لأن المَيَّاسة من النِّساء هي الّتي تميس في مشيتها؛ أي: تختال؛ وقد يقال للغلام الحسن الوجه والقدّ: مَيْسُون٢.
ويجوز أن يكون أصله (م س ن) على وزن (فَيْعُول) وهو قياس مذهب مَن جعل النّون أصلًا في (زَيْتُون) . وقد ذكره ابن منظورٍ في الأصلين٣:
ومن ذلك (قَيْعُونٌ) فهو يحتمل الأصلين (ق ي ع) و(ق ع ن) فيكون على الأوّل (فَعْلُونًا) وعلى الثّاني (فَيْعُولًا) . وأجاز ابن منطورٍ الأصلين٤.
_________________
(١) ١ ينظر: الخصائص ٣/٢٠٣. ٢ ينظر: اللسان (ميس) ٦/٢٢٤. ٣ ينظر: اللسان (ميس) ٦/٢٢٤، و(مسن) ١٣/٤٠٨. ٤ ينظر: اللسان (قعن) ١٣/٣٤٥، ٣٤٦.
[ ١ / ٤٦٨ ]
ثالثًا- ما لا رابط فيه:
وهو الصِّنف الثّالث؛ ويختلف عن سابقيه بأنّ التّداخل فيه متنوّعٌ، ولا رابط بين أمثلته، سوى الرّابط العامّ الّذي ينتظم الأصناف أو المجموعات الثّلاث؛ وهو التّداخل بين الأجوف والصّحيح.
فمن ذلك تداخل (ن ور) و(ت ن ر) في (التَّنُّور) وهو: نوعٌ من الكوانين يخبز فيه؛ وقد اختلفوا في أصله١:
فذهب ثعلبٌ - فيما نُسِبَ إليه٢- إلى أنّ أصله (ن ور) ومنه النّار والنّور؛ ووزنه على هذا الأصل (تَفْعُول) وهو في الأصل: (تَنْوُورٌ) فقلبوا الواو الأولى همزةً لانضمامها، ثمّ حذفوها تخفيفًا، ثم شدّدوا النّون كالعوض من المحذوف٣.
على أنّ ما في (الفَصِيح) ٤ خلاف ما نُسِب إلى ثعلب؛ وهو موافقٌ لرأي الجمهور.
_________________
(١) ١ ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٣/٥١، والخصائص ٣/٢٨٥، وشرح الفصيح للجبّان ٢١٠، والممتع ١/٣٠، وغرائب التّفسير ١/٥٥، والدّرّ المصور ٦/٣٢٣. ٢ ينظر: الخصائص ٣/٢٨٥، واللّسان (تنر) ٤/٩٥، والدّرّ المصون ٦/٣٢٣. ٣ ينظر: معجم مفردات الإعلال والإبدال ٦٥. ٤ ينظر: ٢٩٢.
[ ١ / ٤٦٩ ]
وذهب أبو عليٍّ الفارسيّ١ - وتابعه ابن جِنِّيّ - ٢ إلى أنّ أصله (ت ن ر) ووزنه (فَعُّول) .
ولم يكن ابن جِنِّيّ يرتضي ما ذهب إليه ثعلب، وكان يتّهمه بعدم التّوفيق، ويقول: "ولو كان (تَفْعُولًا) من النّار - لوجب أن يقال فيه تَنْوُور، كما أنّك لو بنيْتَه من القول لكان؛ تَقْوُولًا، ومن العَوْد: تَعْوُودًا وإنّما تَنُّورٌ: (فَعُّول) من لفظ (ت ن ر) وهو أصلٌ لم يستعمل إلاّ في هذا الحرف، وبالزّيادة كما ترى"٣.
وأجاز ابن جِنِّيّ - أيضًا - أن يكون (فَعْنُولا) وذكر أنَّ التنور لفظ اشترك فيه جميع اللُّغات من العرب وغيرهم.
وعلى هذا المذهب أكثر العلماء؛ كالجوهرِيّ٤، وابن سِيدَه٥، وابن عصفورٍ٦، وابن منظورٍ٧.
غير أنَّ في المنهج المقارَن، في هذه المادَّة، ما يؤيِّد مذهب ثعلبٍ - فيما نُسِبَ إليه - وهو اشتقاقها من النَّار أو النُّور، فقد ذكر طه باقر أنَّ
_________________
(١) ١ ينظر: الخصائص ٣/٢٨٥، والممتع ١/٣٠، والدّرّ المصون ٦/٣٢٣. ٢ ينظر: الخصائص ٣/٢٨٥. ٣ الخصائص ٣/٢٨٥. ٤ ينظر: الصّحاح (تنر) ٢/٦٠٢. ٥ ينظر: اللّسان (تنر) ٤/٩٥. ٦ ينظر: الممتع ١/٣٠. ٧ ينظر: اللّسان (تنر) ٤/٩٥.
[ ١ / ٤٧٠ ]
كلمة (تَنُّور) وردت في اللُّغة الأَكَدِيَّة، بصيغة مضاهيةٍ للعربيَّة بهيئة (تَنُّور) (tinuru) وذكر أنَّ المعاجم الأكادِيَّة الحديثة اشتقّتها من المادَّة الأَكَدِيَّة (نَار) أو (نور) الموافقتين - في معناهما - للعربيَّة، وأشار إلى أنَّ زيادة التّاء في أوَّل الجذر أسلوبٌ مألوفٌ في اللُّغة الأَكَدِيَّة١.
ويؤيِّد مذهب ثعلبٍ - أيضًا - أنَّ (ت ن ر) أصلٌ مهملٌ، كما أشار إلى ذلك الأزهرِيّ٢.
ومن التَّداخل بين الأجوف والصَّحيح: تداخل (ك ون) أو (ك ي ن) و(س ك ن) في قولهم: استكان ومستكين ويستكين، وقد اختلفوا في ذلك٣:
فذهب الجمهور إلى أنَّ الأصل الأجوف؛ ولكنَّهم اختلفوا فيه:
فذهب بعضهم٤ إلى أنَّه (ك ون) وهو (اسْتَفْعَل) من (الكَوْن) أي انتقل من كونٍ إلى كونٍ؛ كما قيل: استحال؛ إذا انتقل من حالٍ إلى حالٍ؛ كأنّه شيءٌ قد كان؛ أي: ذهب ومضى.
وأصله - حينئذٍ (اسْتَكْوَنَ) فأُعِلَّ بالنَّقل والقلب.
_________________
(١) ١ ينظر: من تراثنا اللغوي القديم ٦٧. ٢ ينظر: التهذيب ١٤/٢٧٠. ٣ ينظر: الحلبيّات ١١٥، والتّهذيب ١١/٦٨، ٣٧٥، والخصائص ٣/٣٢٤، ورسالة الملائكة ٢١٥، والأفعال لابن القطّاع ٢/١٧٦، والكشّاف ٣/١٩٧، وشرح الشافية للرّضيّ ١/٦٩، والبحر المحيط ٣/٧٥، ومعجم مفردات الإبدال والإعلال ٤٥٩. ٤ ينظر: الحلبيّات ١١٥، ورسالة الملائكة ٢١٦، والكشّاف ٣/١٩٧.
[ ١ / ٤٧١ ]
وذهب بعضهم١ إلى أنَّه (ك ي ن) مأخوذٌ من (الكَيْنِ) وهو: لحم باطن الفرج؛ لذلّ ذلك الموضع ومهانته.
وعلى هذا فأصله (استَكْيَنَ) فأُعِلَّ بالنَّقل والقلب كسابقه.
وذهب بعضهم - فيما حكى المَعَرِّيّ٢ - إلى أنَّ أصله (س ك ن) من السُّكون؛ بمعنى: الخضوع والذّلة، ووزنه على هذا الأصل (افْتَعَالَ) لأنَّه في الأصل (اسْتَكَنَ) على (افْتَعَلَ) ثم أُشْبِعَت فتحة الكاف؛ فقالوا: (اسْتَكَانَ) . وإلى مثل ذلك ذهب ابن سِيدَه٣.
و(يَسْتَكِينُ) و(مُسْتَكِينٌ) على هذا الأصل (يَفْتَعِيلُ) و(مُفْتَعِيل) وهي أبنيةٌ مستنكَرَةٌ يأباها قياس العربيَّة؛ فلا يجوز أن يذهب إلى مثلها غير مضطرٍّ - كما قال المَعَرِّيّ؛ لأنَّه لم تجر عادتهم بمثل ذلك، في منثور الكلام وسَعَته؛ وإنّما يستعمل مثلها في ضرورات الشِّعر٤؛ كقول ابن هَرْمَةَ حينما اضطرَّه الوزن:
وَأَنْتَ مِنَ الغَوَائِلِ حِيْنَ تَرْمِي وَعَنْ شَتْمِ الرِّجَالِ بِمُنْتَزَاحِ٥
_________________
(١) ١ ينظر: رسالة الملائكة ٢١٦، والأفعال لابن القطّاع ٢/١٧٦. ٢ ينظر: رسالة الملائكة ٢١٥، ٢١٦. ٣ ينظر: اللّسان (سكن) ١٣/٢١٨. ٤ ينظر: رسالة الملائكة ٢١٥، ٢١٦. ٥ ينظر: ديوانه ٩٢، والمحتسب ١/٣٤٠، وأسرار العربية ٤٥، وأمالي ابن شجري ١/١٢٢.
[ ١ / ٤٧٢ ]
يريد (بمُتْنَزَح) فهو (مُفْتَعَال) ولا ضرورة في قولهم: استكان يستكين.
ويتداخل (ت وب) و(ت ب ت) في (التَّابوت) وهو الصُّندوق؛ وهذا يحتمل الأصلين:
فذهب الجوهرِيّ إلى أنَّه من (ت وب) وأنَّ وزنه (فَعْلُوهُ) وأصله (تَابُوَة) مثل (تَرْقُوَة) فلما سُكِّنت الواو انقلبت هاءُ التَّأْنيث تاء. قال: "لم تختلف لغة قريشٍ والأنصار في شيءٍ من القرآن إلاَّ في التّابوت؛ فلغة قريشٍ بالتَّاء، ولغة الأنصار بالهاء"١.
وقيل: إنّه (فَعَلُوت) كـ (مَلَكُوت) من: تَابَ يَتُوب، والتَّوب: الرُّجوع؛ لأنَّ التَّابوت هو: الصُّندوق الَّذي توضع فيه الأشياء؛ فيرجع إليه صاحبه٢.
وذهب ابن برِّيّ إلى أنَّه من (ت ب ت) ووزنه (فَاعُول) مثل (حَاطُومٍ) و(عَاقُولٍ) وأنَّ من وقف عليه بالهاء فإنّما أبدلها من التاء؛ كما أبدلها في (الفُرَات) وليست فيه بتاء تأنيث؛ وإنّما هي أصليَّة من الكلمة نفسها، وكذلك في (تَابُوت) ٣.
_________________
(١) ١ الصّحاح (توب) ١/٩٢. ٢ ينظر: الدرّ المصون ٢/٥٢٢. ٣ ينظر: التّنبيه والإيضاح ١/٤٥.
[ ١ / ٤٧٣ ]
وإلى مثل ذلك ذهب العُكْبَرِيُّ، وحمله على أنَّه ممَّا لا يُعْرَف له اشتقاق في لغة العرب١.
ويتداخل (ن وف) و(ت ن ف) في (تَنُوفَ) أو (تَنُوفَى) وهي موضِعٌ ببلاد طيّئ٢ بحائل في قول امرئ القيس:
كأنَّ دِثَارًا حلّقتْ بِلَبُوْنِهِ عُقَابُ تَنُوفَى لاَ عُقَابُ القَوَاعِلِ٣.
ورواية ابن جِنِّيّ٤:
عُقَابُ تَنُوفَ لاَ عُقَابُ القَوَاعِلِ
والوجهان صحيحان في اسم الموضع، كما ذكره أبو عبيد البكريّ٥؛ وهما يحتملان الأصلين:
فذهب أبو عبيدٍ البكريّ٦ إلى أنَّ الأصل (ت ن ف) فوزن تَنُوفَ (فَعُول) ووزن (تَنُوفَى) (فَعُولَى) .
_________________
(١) ١ ينظر: التبيان ١/١٩٨. ٢ ينظر: معجم ما استعجم ١/٣٢٢، ٢/١١٠١. ٣ ينظر: ديوانه ٩٤، ودِثار: اسم راعي امرئ القيس، والقواعل: جبل من جبال سلمى، دون تَنُوفَى. ٤ ينظر: الخصائص ٣/١٩١. ٥ ينظر: معجم ما استعجم ١/٢٢٢. ٦ ينظر: معجم ما استعجم ١/٢٢٢.
[ ١ / ٤٧٤ ]
وذهب ابن جِنِّيّ إلى أنَّ الأصل (ن وف) من النَّوف؛ وهو: الارتفاع، بقوله: "وأنا أرى أنَّ (تَنُوفَ) ليست (فَعُولًا) بل هي (تَفْعُل) من النَّوف؛ وهو: الارتفاع؛ سمِّيت بذلك لعُلُوِّها.
ومنه: أنَافَ على الشَّيء؛ إذا ارتفع عليه، والنَّيِّف في العدد من هذا فتَنُوفُ -في أنَّه علم- على (تَفْعُل) بمنزلة يَشْكُر ويَعْصُر"١.
وما ذهب إليه أبو الفتح قريبٌ لدلالة الاشتقاق.
ومثل تَنُوفَ (تَحُوطُ) وهو: اسم للقحط والسّنة الشّديدة؛ فيحتمل الأصلين:
فيجوز أن يكون أصلها (ح وط) فيكون وزنها (تَفْعُلُ) منقولةً من الفعل المضارع؛ وأصلها (تَحْوُطُ) ثم أُعلَّت بالنّقل؛ مثل (تَقْوُل) و(تَقُول) وأشار إلى ذلك الأزهرِيّ٢.
ويجوز أن يكون أصلها (ت ح ط) فيكون وزنها (فَعُولًا) .
والأوَّل أقرب؛ فلعلّ اشتقاقه من: الإحاطة؛ وهو: الاكتناف؛ فكأنّها أحاطتهم بالقحط والشّدّة.
ولأنَّ الثّاني أصلٌ مهملٌ؛ فلا يكاد يتصرّف منه كلامٌ. وقد ذكرها ابن منظورٍ في الأصلين٣.
_________________
(١) ١ ينظر: الخصائص ٣/١٩٢. ٢ ينظر: التهذيب ٤/٣٨٠. ٣ ينظر: اللّسان (تحط) ٧/٢٦٦، و(حوط) ٧/٢٨٠.
[ ١ / ٤٧٥ ]
ويتداخل (هـ ي ق) و(هـ ق ل) في (الهَيْقَل) وهو ذكر النّعام؛ ويحتمل الأصلين١:
فيجوز أن يكون من (هـ ي ق) مشتقًّا من (الهَيْقِ) وهو: الطُّول قال الأزهرِيّ: "ولذلك سمِّي الظَّليم هَيْقًا، ورجلٌ هَيْقٌ، يُشَبّه بالظَّليم؛ لنفاره وجُبنه"٢.
وعلى هذا الأصل فاللاَّم زائدةٌ في (الهَيْقَل) ووزنه (فَعْلَل) .
ويجوز أن يكون (هـ ق ل) لقولهم لذكر النَّعام (الهِقْل) والأنثى (الهِقْلَةُ) ٣.
وعلى هذا الاشتقاق يكون من قال (الهَيْقَل) قد زاد الياء، ويكون وزنه - حينئذٍ (فَيْعلًا) بمنزلة (البَيْطَر) و(الحَيْدَر) .
والحقّ أنَّ الأصلين متساويين من ناحية الاشتقاق، وكلّ واحدٍ منهما كثر استعماله؛ بحيث حمل بعض علماء اللُّغة على أن يقولوا: إنّ كلًاّ منهما أصلٌ مستقلٌّ برأسه؛ وأنَّهما من باب التّرادف.
_________________
(١) ١ ينظر: اللامات للزجاجي ١٣٤، والتهذيب ٥/٤٠١، ٦/٣٤٣، وسر الصناعة ١/٣٢٣، وشرح المفصّل لابن يعيش ١٠/٧، والإيضاح في شرح المفصّل ٢/٣٩١، والممتع ١/٢١٥، والارتشاف ١/١٠٨. ٢ التّهذيب ٦/٣٤٣. ٣ ينظر: اللامات للزجاجي ١٣٤، والتهذيب ٥/٤٠١، والمقاييس ٦/٥٨.
[ ١ / ٤٧٦ ]
وممن أجاز ذلك ابن جِنِّيّ١؛ وهو اختيار ابن عصفورٍ٢؛ وهو رأيٌ قريبٌ، وأقرب منه - عندي - أن يكون الأصل (هـ ي ق) فيكون وزن الهَيْقَل (فَعْلَلًا) ثُلاَثِيًّا؛ ألا تراهم زادوا الميم في (الهَيْقَم) كما نصّ الجوهرِيّ٣؛ وابن يَعِيشَ٤؛ وهو بمعنى (الهَيْقَل) والميم فيها بمثابة ميم شَدْقَمٍ وزُرْقُمٍ، وكذلك اللاَّم في (الهَيْقَل) زائدةٌ؛ وهي بمثابة اللاَّم في: زَيْدَلٍ وعَبْدَلٍ، والإجماع شبه معقودٍ على زيادة اللاَّم فيهما٥.
ومثل الهَيْقَل في تداخل الأصلين (الطَّيْسَلُ) وهو الكثير من كلّ شيءٍ؛ لقولهم في معناه: (الطَّيْسُ) فهو يحتمل (ط ي س) و(ط س ل) وكذلك (الفَيْش) و(الفَيْشَلَة) رأس العضو المذكَّر - فإنّه يحتمل (ف ي ش) و(ف ش ل) ٦.
وحملها على (ط ي س) و(ف ي ش) كحمل (الهَيْقَل) على (هـ ي ق) إلاّ أنَّه لم يسمع فيهما الميم مكان اللاَّم. ولو حملا على (ط س ل) و(ف ش ل) لكان ذلك وجهًا؛ لأنَّ زيادة الياء ثانية - أكثر من زيادة اللاَّم آخرًا.
_________________
(١) ١ ينظر: سرّ الصّناعة ١/٣٢٢، ٣٢٣. ٢ ينظر: الممتع ١/٢١٥. ٣ ينظر: الصّحاح (هيق) ٤/١٥٧٠. ٤ ينظر: شرح المفصّل ١٠/٧. ٥ ينظر: سرّ الصّناعة ١/٣٢١، والممتع ١/٢١٣. ٦ ينظر: الممتع ١/٢١٤، ٢١٥.
[ ١ / ٤٧٧ ]
ج - التَّداخل بين النّاقص والصَّحيح:
هذا هو النوع الثالث في هذا المبحث، والتداخل فيه كثير؛ كسابقه الأجوف.
ويمكن تصنيف ما فيه من التداخل إلى أربع مجموعات؛ وهي:
١- ما في أوله ميم.
٢- مُضَعَّف العين في المعتل.
٣- ما يحتمل (فَعَوْلَى) و(فَعَوْعَلا) و(فَعَلْعَلا) .
٤- ما لا رابط فيه.
أوّلًا- ما في أوّله ميمٌ:
يتداخل - من هذا النّوع (ل ط ي) و(م ل ط) في (المِلْطَى) وهي الأرض السّهلة؛ فتحتمل الأصلين:
يجوز أن تكون من (ل ط ي) فتكون على وزن (مِفْعَل) مقصورةً من (مِلْطاء) وهي (مِفْعَال) .
ويجوز أن يكون أصلها (م ل ط) ووزنها (فِعْلَى) مقصورة؛ وأصلها (فِعْلاء) .
وإلى هذا ذهب أبو عليٍّ الفارسيّ؛ كما حكمى ابن منظورٍ١.
ومثلها (المِلْطى) في قولهم: شَجَّه حتّى رأيت المِلْطَى؛ وروى الأزهريّ٢ عن ابن الأعرابيّ أنّه ذكر الشِّجاج؛ فذكر المِلطَى؛ وهي التي
_________________
(١) ١ ينظر: اللّسان (ملط) ٧/٤٠٩. ٢ ينظر: التّهذيب ١٣/٣٦٠.
[ ١ / ٤٧٨ ]
تخرق اللّحم حتّى تدنو من العظم، وكان الأزهريّ قد ذكرها في (م ل ط) فقال: "وقول ابن الأعرابيّ يدلّ على أنّ الميم من المِلْطَى ميم (مِفْعَل) وأنّها ليست بأصليّة؛ كأنّها من: لَطَيْتُ بالشّيء؛ إذا لَصِقْتُ به"١.
ومن ذلك تداخل (ع ك و) في (المِعْكاء) ٢ وهي الإبل الغلاظ السمان، في قول أَوْسِ بن حَجَر:
الوَاهِبُ المِائَةَ المِعْكاءَ يَشْفَعُهَا يَوْمُ النِّضَالِ بأُخْرَى غَيْرُ مَجْهُودِ٣
وفي قول النابغة:
الوَاهِبُ المِائَةَ المِعْكاءَ زَيَّنَهَا سَعْدَانُ تَوْضِحَ فِي أَوْبَارِهَا اللِّبَدِ٤
وهي تحتمل الأصلين:
ذهب ابن السكيت - فيما حكاه ابن منظور٥ - إلى أن أصلها (ع ك و) ووزنها (مِفْعَال) .
ويجوز أن تكون الميم أصلية؛ فيكون أصلها (م ع ك) ووزنها (فِعْلاء) .
_________________
(١) ١ التّهذيب ١٣/٣٦٠. ٢ رواها ابن منظور في اللسان (معك) ١٠/٤٩٠ بفتح الميم، ورواها في (عكا) ١٥/٨٢ بكسرها. ٣ ينظر: ديوانه ٢٥. ٤ ينظر: ديوانه ٢٢. ٥ ينظر: اللّسان (عكا) ١٥/٨٢.
[ ١ / ٤٧٩ ]
وقد ذكرها ابن منظور في الأصلين١.
ومن ذلك تداخل (د ر ي) و(م د ر) في (المَدْرِيَّةِ) وهي رِماح كانت تُرَكَّبُ فيها القرون المُحَّدَدة مكان الأَسِنَّة، ومنه قول لبيد بن ربيعة يصف البقرة الوحشية والكلاب:
فَلَحِقْنَ واعْتَكَرَتْ لَهَا مَدْرِيَّةٌ كالسَّمْهَرِيَّةِ حَدُّها وتَمَامُهَا٢
وهي تحتمل الأصلين:
ذهب الجوهريّ٣ إلى أنَّ أصلها (م د ر) وهي (فَعْلِيّة) وتابعه ابن منظور٤.
وذهب الصغاني إلى أنها من (د ر ي) وأن الميم زائدة٥؛ فوزنها على الأصل (مَفْعِلَة) .
وما ذهب إليه الصغاني هو الصواب؛ لدلالة الاشتقاق؛ فقد ذكر ابن فارس أن الدال والراء والمعتل أصلان:
_________________
(١) ١ ينظر: اللسان (معك) ١٠/٤٩٠، و(عكا) ١٥/٨٢. ٢ ينظر: ديوانه ٣١٢، وفيه مَدَرِيَّة بفتح الدّال؛ وهي ساكنة في شرح القصائد السّبع الطّوال ٥٦٨، وشرح القصائد المشهورات ١/١٥٧، وشرح المعلقات العشر للشّنقيطيّ ١٣٠، والصّحاح (مدر) ٢/٨١٢، ونقل الصّغانيّ (التّكملة (مدر) ٣/١٩٥) رواية الفتح، ونصّ على أنّ التّسكين هو الصّواب. ٣ ينظر: الصّحاح (مدر) ٢/٨١٢) . ٤ ينظر: اللّسان (مدر) ٥/١٦٣. ٥ ينظر: التّكملة (مدر) ٣/١٩٥.
[ ١ / ٤٨٠ ]
أحدهما: قصد الشيء، واعتماده طلبا.
والآخر: حدة تكون في الشيء١؛ ولا تكاد تخرج (المِدْرِيَّة) وهي الرماح - عن تلك المعاني؛ فبان بالاشتقاق صِحَّة ما ذهب إليه الصَّغاني.
ويحتمل (المَدْعِيُّ) وهو المتهم في نفسه (د ع و) و(م د ع) وقد ذكره الأزهري٢ في (م د ع) ورجّح أن ميمه زائدة. وتابعه الصغاني٣ وأشار إلى رأي الأزهري.
ثانيا- مُضَعّف العين في المعتل:
تضعيف العين في المعتلّ يؤدّي إلى تداخل الأصول؛ إذ يحتمل التّضعيف في العين أن يكون من باب إدغام العين في اللام؛ أي يكون من باب (فعل) ويحتمل أن يكون من باب تضعيف العين؛ نحو (فعّل) فيقع التداخل.
فمن ذلك تداخل (ق ر ى) و(ق ر ر) في (القِرِّيّة) وهي الحوصلة؛ فتحتمل الوجهين:
يجوز أن يكون أصلها (ق ر ي) فيكون وزنها (فِعَّيلة) وفي هذا الأصل ذكرها ابن سيده٤.
_________________
(١) ١ ينظر: المقاييس ٢/٢٧١. ٢ ينظر: التّهذيب (٢/٢٦١. ٣ ينظر: التّكملة (مدع) ٤/٣٧٥. ٤ ينظر: المحكم ٦/٣٠٩.
[ ١ / ٤٨١ ]
ويجوز أن يكون أصلها (ق ر ر) فيكون وزنها (فِعِّيلة) وأجاز ابن سيده هذا الأصل - أيضا -؛ حين أتى على (قِرِّيّة) فقال: "وهذان قد يكونان ثُنائيين، فلا يكون بابهما"١ وهو يريد بقوله: (ثُنَائيين) أنهما من الثلاثي المضعّف.
ومن تداخل (ق ض و) و(ق ض ض) في (القَضَّاء) من الإبل؛ وهو يحتمل الأصلين:
ذهب الأزهري إلى أن أصله (ق ض ض) ٢ فوزنه - عنده (فَعْلاء) .
وذهب ابن بري إلى أن أصله (ق ض ي) مشتقا من: قضى يقضي؛ لأنه يُقضى بها الحقوق٣.
وقريب من هذا اختلافهم في قولهم: درع قَضَّاء، أي: فُرِغَ من عملها؛ وهي تحتمل الأصلين:
يجوز أن يكون أصلها (ق ض ي) فتكون على وزن (فَعَّال) ويمكن أن يُستدلّ بقولهم: قَضَيْتُ الدِّرْعَ؛ أي: أحكمت صنعها، وعلى هذا قول أبي ذؤيب الهذلي:
_________________
(١) ١ المحكم ٦/٣٠٩. ٢ ينظر: التّهذيب ٨/٢٥٢. ٣ ينظر: اللّسان (قضض) ٧/٢٢٣.
[ ١ / ٤٨٢ ]
وتَعَاوَرَا مُسْرُودَتَيْنِ قَضَاهُما دَاودُ أو صَنَعُ السَّوَابِغِ تُبَّعُ١
وجعل الأزهري (قَضَّاء) (فعلاء) غير منصرف٢، وأصلها (ق ض ض) واشتقاقها من (القَضِّ) وهو: خشونة ملمسها لجدّتها، إذ لم تنسحق٣.
ويبدو هذا الأصل أقرب من غيره؛ فلو كانت من (قَضَّيْتُهَا) أي: أحكمتها لقيل: (قَضْيَاء) ٤.
ومن أمثلة التداخل في هذا الباب: تداخل (ص ل ي) و(ص ل ل) في (الصِّلِّيان) وهو نبت له سنمة عظيمة؛ كأنها رأس القصبة؛ وهو يحتمل الأصلين:
يجوز أن يكون أصله (ص ل ي) أو (ص ل و) ووزنه - حينئذ (فِعّلان) وعلى هذا الأصل قالوا: (أرضٌ مصلاة) إذا كثر فيها هذا النبات.
ويجوز أن يكون أصله (ص ل ل) ووزنه - حينئذ (فِعْلِيان) وهو
_________________
(١) ١ ينظر: شرح أشعار الهذليين ١/٣٩، والتّهذيب ٨/٢٥١، مع اختلاف لا يضر بالشاهد. ٢ ينظر: التّهذيب ٨/٨٥١. ٣ ينظر: اللّسان (قضض) ٧/٢٢١. ٤ ينظر: المحكم ٦/٦٤.
[ ١ / ٤٨٣ ]
يشاكل (الحِرْصِيانة) من الحَرْص١، وهذا مذهب سيبويه٢ والجوهري٣.
وأجاز الخليل الأصلين؛ فقال: "والصِّلّيان: نبت على (فِعّلان) ٤ ويقال: (فِعْليان) فمن قال (فِعْليان) قال [هذه] ٥ أرض مَصْلاة"٦ أي: يكثر فيها هذا النّبات.
وفي قوله: "فمن قال (فِعْليان) قال [هذه] أرض مصلاة" تحريف واضح، والظاهر أنَّ صوابه أن يقال: "فمن قال (فِعّلان) إلخ" لأن (فِعْليان) من (ص ل ل) فلا يقال منه: أرض مصلاة؛ لأن (مَصْلاة) من (ص ل ي) وأصلها (مَصْليَة) فأعِلَّت بالقلب لتحرّك الياء وانفتاح ما قبلها؛ ووزنها (مَفْعَلَة) وهو يصاغ من أسماء الأعيان للمكان الذي تكثر فيه؛ كقولهم: (أرض مَأْسَدَة) و(مَذْأَبَة) و(مَوْعَلَة) إذا كثرت فيها الأسُود أو الذِّئاب أو الوُعُول.
ولو كانت من (فِعْليان) لقالوا: (أرض مَصَلَّة) كقولهم: (أرض مَخَزَّة) أي كثيرة الخُزَز؛ وهو ذكر الأرانب.
_________________
(١) ١ ينظر: التّاج (صلل) ٧/٤٠٦. ٢ ينظر: الكتاب ٤/٢٦٢. ٣ ينظر: الصّحاح (صلل) ٥/١٧٤٥. ٤ وضعت في الأصل شدة على اللام هكذا (فِعلاّن) وهو سهو. ٥ زيادة من التّهذيب ١٢/٢٣٩ لتوضيح المعنى. ٦ العين ٧/١٥٥.
[ ١ / ٤٨٤ ]
وأصل (مَصَلَّة): (مَصْلَلَة) على وزن (مَفْعَلَة) فسُكّنت اللام الأولى - وهي عين الكلمة - من أجل الإدغام.
وقد حكى بعض العلماء هذا القول - على ما فيه - وتناولوه دون توقّف عند ألفاظه؛ كالأزهري١ وابن منظور٢.
ومما يرجح هذا ما نقله ابن منظور٣ عن ابن سيده في جعله (الصّلّيانة) (فِعْليانة) من (الصَّلْي) ونقله الزبيدي٤. فالسهو فيه في غاية الوضوح؛ لأن (الصِّلّيانة) إن كانت مشتقة من (الصَّلْي) فإنها لا تكون على وزن (فِعْليانة) بل (فِعّلانة) فإن كانت مشتقة من (الصَّلّ) فإنها - حينئذ (فِعْلِيانة) لا غير.
وللإبدال نصيب في التدخل في مضعّف العين في المعتل؛ كقولهم: (لَبَّى) في: لَبَّبَ، و(تَمَطَّى) في: تَمَطَّط، و(تَظَنَّيْتُ) في: تَظَنَّنْتُ، ونحوه.
فمن ذلك تداخل (س ر و) و(س ر ر) في (السُّرِّيّة) وهي الجارية المتخذة للملك والجماع؛ يقال فيها: تسرَّرْتُ جارية وتسرَّيتها؛ وهي تحتمل الأصلين:
_________________
(١) ١ ينظر: التّهذيب ١٢/٢٣٩. ٢ ينظر: اللّسان (صلى) ١٤/٤٦٩. ٣ ينظر: اللسان (صلل) ١١/٣٨٥. ٤ ينظر: التاّج (صلل) ٧/٤٠٦.
[ ١ / ٤٨٥ ]
يجوز أن يكون أصلها (س ر و) من (السَّرو) وهو الارتفاع؛ لأنها تركب سراتها١، وقلبت الواو ياء طلبا للخفة، ثم أدغمت الياء في الياء، ثم حولت الضمة كسرة لمجاورة الياء.
ويجوز أن يكون أصلها (س ر ي) من (السَّرِيّ) أي: المختار؛ لأنها مختارة على سائر الجواري.
وعلى هذين القولين فوزن (السُّرِّيَة) (فُعِّيلة) كـ (مُرِّيق) وهو العُصْفُر.
ويجوز أن يكون أصلها (س ر ر) من (السِّرّ) وهو: الجماع، للفرق بين الحرة والأمة التي توطأ؛ فيقال للحُرَّة إذا نكحت سرًّا، أو كانت فاجرة: (سِرِّيّة) ويقال للمملوكة يتسرَّاها صاحبها: (سُرِّيَّة) مخافة اللبس٢ كما قالوا في النسب إلى الدهر: (دُهْرِيٌّ) يريدون به الشيخ الكبير، وقد ضموا أوله للتفريق بينه وبين (الدَّهْرِيّ) المُلْحد٣.
ويجوز أن يكون من: السّرّ؛ بمعنى: الخفية؛ لأن صاحبها يَسُرُّها ويستر أمرها عن حُرَّته؛ وهو اختيار ابن السّرّاج٤.
وكان الأخفش يشتقّها من السرور؛ لأنها موضع سرور الرجل٥.
_________________
(١) ١ ينظر: شرح الشافية للرضي ٢/٣٤٩. ٢ ينظر: اللّسان (سرر) ٤/٣٥٨. ٣ ينظر: شواذ النسب ٨٩، ٩٤. ٤ ينظر: الأصول ٣/٣٤٢. ٥ ينظر: شرح الشافية للرضي ٢/٣٤٩.
[ ١ / ٤٨٦ ]
وهي على هذا الأصل - أعني (س ر ر) - (فُعْلِيَّة) والياء فيها للنسب.
ومن ذلك تداخل (د س ي) و(د س س) في قوله - ﷿: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ ١ أي أخفاها؛ وهو يحتمل الوجهين، على اختلاف بينهم.
فمذهب الجمهور٢ أن الأصل (د س س) وأن الألف في (دَسَّاها) مبدلة من سين؛ كراهية اجتماع ثلاث سينات في (دسسها) كما قالوا: تَظَنَّيْتُ من: الظّنّ، وتقضّينا أي: تقضّضنا من (تَقَضَّض البازي) إذا أسرع في طيرانه، وهوى منقضا على فرسيته، والأصل: (دَسَّيَهَا) بالإبدال ياء، ثم قلبت الياء ألفًا؛ لتحرّكها وانفتاح ما قبلها.
وذهب الخليل إلى أنّ أصله (د س و) من (دَسَا يَدْسُو دُسُوًّا ودَسْوَةً، وهو نقيض زكا يزكو زكاء وزكاة؛ وهو داسٍ لا زاك) ٣. وبهذا فَسَّره أبو جعفر النّحّاس٤.
ورُوِي عن ابن الأعرابيّ٥ أنه قال: دَسَا: إذا استخفى.
_________________
(١) ١ سورة الشّمس الآية ١٠. ٢ ينظر: معاني القرآن للفراء ٣/٢٦٧، ومجاز القرآن ٢/٣٠٠، ومعاني القرآن وإعرابه ٥/٣٣٢، والتّهذيب ١٣/٤١، وإعراب ثلاثين سورة ١٠٢، والتّبيان ٢/١٢٩٠، وعمدة الحفّاظ ١٧٥. ٣ العين ٧/٢٨٣. ٤ ينظر: إعراب القرآن ٥/٢٣٧. ٥ ينظر: التّهذيب ١٣/٤١.
[ ١ / ٤٨٧ ]
قال الأزهريّ: "وهذا يقرُبُ ممّا قاله الليث وقد بيّنتُ في مضاعف السين أنَّ دَسَّاها في الأصل؛ دَسَّسَها، وأن السّينات توالت؛ فقلبت إحداهن ياء، وأمَّا دَسَا غيُر محولٍ عن المضعف من باب الدس؛ فلا أعرفه ولم أسمعه؛ وهو مع ذلك غير بعيد من الصواب"١.
ومن ذلك تداخل (م ط و) و(م ط ط) في قوله - ﷿: ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى﴾ ٢ أي: يتبختر؛ وهو يحتمل الأصلين:
ذهب الفراء إلى أنّ أصله (م ط و) مشتقًّا من (المَطَا) وهو الظهر؛ فكأنّه يلوي ظهره تبخترا٣.
والأصل فيه (يَتَمَطَّوُ) فقلبت الواو ياء؛ لوقوعها لاما فوق الثالثة؛ فصارت (يَتَمَطَّيُ) فقلبت الياء ألفا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، ووزنه (يَتَفَعَّلُ) ٤.
وذهب الزمخشري إلى أن أصله (م ط ط) من (المَطِّ) وأصله (يَتَمَطَّطُ) فقلبت الطاء الأخيرة ياء؛ لتوالي ثلاث طاءات؛ فصارت (يَتَمَطَّى) فقلبت الياء ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها٥.
_________________
(١) ١ التّهذيب ١٣/٤١. ٢ سورة القيامة: الآية ٣٣. ٣ ينظر: معاني القرآن ٣/٢١٢. ٤ ينظر: معجم مفردات الإبدال والإعلال ٤٧٠. ٥ ينظر: الكشاف ٤/٦٦٤.
[ ١ / ٤٨٨ ]
ويؤيد ما ذهب إليه الزمخشري قولهم: مَطّ حاجبيه مَطًّا؛ أي: مدّهما وتكبّر. ولعلّ المعنى أنه ذهب إلى أهله يمدّ خطاه، ويمدّ حاجبيه تبخترًا.
ثالثا- ما يحتمل فَعَوْلَى وفَعَوْعَلا وفَعَلْعَلا:
هذا صنف يقع التداخل فيه بين الناقص والصحيح في الثلاثي؛ وهو ما يحتمل أن يكون وزنه (فَعَوْلَى) أو (فَعَوْعَلا) أو (فَعَلْعَلا) كـ (الخَجَوجَى) وهو الطويل الرجلين، و(الشَّجَوْجَى) المفرط الطول، و(الذَّلَولَى) الحسن الخلق أو السريع، و(القَطَوْطَى) وهو من يقارب الخطو.
وقد اختلفوا في أصول تلك الكلمات:
ذهب فريق إلى أنها من الثلاثي المضعّف، وأصولها (خ ج ج) و(ش ج ج) و(ذ ل ل) و(ق ط ط) ووزنها (فعولى) .
وذهب إلى ذلك: أبو حيّان١، والفيروزابادي٢، والسّيوطي٣، والزَّبيدي٤.
_________________
(١) ١ ينظر: الارتشاف ١/٢٢. ٢ ينظر: القاموس (حجج) ٢٣٧، و(شجج) ٢٤٩، و(قطط) ٨٨٢، و(ذلل) ١٢٩٥. ٣ ينظر: المزهر ٢/٨. ٤ ينظر: التّاج (خجج) ٢/٢٧، و(شجج) ٢/٦٣، و(قطط) ٥/٢١٠، و(ذلل) ٧/٣٣٠.
[ ١ / ٤٨٩ ]
وذهب الجمهور إلى أنها من المعتلّ الناقص؛ وأصولها: (خ ج ي) و(ش ج و) و(ق ط و) و(ذ ل ي) . وكان يرى ذلك سيبويه١، والمبرّد٢ وابن السّراج ٣ وابن عصفور٤ وغيرهم.
وعلى رأي هؤلاء فهي تحتمل وزنين؛ وهما (فَعَوْعَل) و(فَعَلْعَل):
فذهب سيبويه - في أحد قوليه - إلى الأوّل حين قال: "وأمَّا قَطَوْطَى فَمْبنيّة٥ أنها (فَعَوْعَل) لأنّك تقول: قَطَوان، فتشتقّ منه ما يذهب الواو، ويثبت ما الألف بدل منه، وكذلك: ذَلَوْلى؛ لأنك تقول: اذْلَوْلَيْتُ، وإنما هي (افْعَوْعَلْتُ) وكذلك (شَجَوْجًى) وإن لم يشتق منه؛ لأنه ليس في الكلام (فَعَوْلى) وفيه (فَعَوْعَل) فتحمله على القياس؛ فهذا ثبت"٦.
_________________
(١) ١ ينظر: الكتاب ٤/٣١١. ٢ ينظر: شرح الشافية للرضي ١/٢٥٣، ولم أقف على رأي المبرد في المقتضب أو غيره من كتبه. ٣ ينظر: الأصول ٣/٢٣٤. ٤ ينظر: الممتع ١/٢٨٢-٢٨٤. ٥ هكذا في طبعتي الكتاب؛ ولعل الصواب «فَمُبينة» من الإبانة؛ وهو أقرب إلى سياق كلامه، والله أعلم. ٦ الكتاب ٤/٣١١.
[ ١ / ٤٩٠ ]
ولم يحمله ابن السّرّاج١ على (فَعَلْعَل) لأنّ باب (فَعَوْعَل) عنده - أولى به؛ لكثرته وقلة باب (صَمَحْمَح) و(دَمَكْمَك) وهما على وزن (فَعَلْعَل) .
أما الوزن الثاني - أعني (فَعَلْعَلا) فقد ذهب إليه سيبويه٢ في رأيه الآخر في المسألة، واحتجّ بأنه أكثر من باب (فَعَوْعَل) خلافا لما حكم به ابن السّرّاج. وكان المبرّد على هذا الرّأي، ويحتج -أيضا- بكثرة (فَعَلْعَل) بالقياس على (فَعَوْعَل) ٣ أيضا.
وتابعهما ابن عصفور٤ في الاختيار، وفصّل في المسألة تفصيلا جميلا، وكان يحتجّ لأصالة الألف الأخيرة بأنها لو جعلت زائدة لكان وزنها (فَعَوْلَى) وهو بناء غير موجود.
أما الواو المتوسّطة فلو جعلت أصلية؛ فنحن - عندئذ - أمام أمرين:
أحدهما: أن يجعل المضعّفان أصلين.
وثانيهما: أن يجعل أحدهما أصلا والآخر زائدًا.
_________________
(١) ١ ينظر: الأصول ٣/٢٣٤. ٢ ينظر: الكتاب ٤/٣٩٤. ٣ ينظر: شرح الشافية للرضي ١/٢٥٣. ٤ ينظر: الممتع ١/٢٨٢، ٢٨٣.
[ ١ / ٤٩١ ]
فلو جعلا أصلين لما جاز ذلك؛ لأنه يؤدّي إلى أن تكون الواو أصلا في بنات الأربعة؛ وهو مرفوض إلاَّ في نحو (ضَوْضَيْت) و(قَوْقَيْتَ) من بنات الأربعة.
ولو جعل أحدهما أصلا والآخر لأدّى ذلك إلى أن يكون الوزن (فَعَلْعَلا) وهو بناء موجود في العربية. فثبت بذلك أن الألف بدل من أصل.
وابن عصفور يريد - هنا - أن أصولها قبل الإبدال: (خَجَوْجَو) و(شَجَوجَو) و(قَطَوطَو) و(ذَلَوْلَو) فيحتمل (قَطَوطَو) وأخواتها الأصلين؛ فإما أن تجعل الواو الأخيرة أصلا، أو تجعلها تكريرا لأصل.
فإن جعلتها أصلا وجب أن تكون الواو الوسطى زائدة؛ فيكون وزنه (فَعَوْعَلا) مثل (عَثَوْثَل) وهو: الشيخ الثقيل.
وإن كانت تلك اللام تكريرا لأصل، كما أن الطاء الثانية في (قَطَوطَو) تكرير للأولى؛ وهي العين، وجب - حينئذ - أن تكون الواو الأولى أصلية؛ فيكون وزنها (فَعَلْعَلا) من باب (صَمَحْمَح) و(دَمَكْمَك) .
ولم يجز السّيرافيّ١ (فَعَلْعَلا) والصواب - عنده - أن تكون (فَعَوْعَلا) لقولهم فيه: (اقْطَوْطَى) وهو (افْعَوْعَلَ) لا غير؛ لأنه ليس في الأفعال (افْعَلْعَلَ) وكذلك قالوا في (ذَلَوْلَى): (اذْلَوْلَى) .
_________________
(١) ١ ينظر: اللّسان (قطا) ١٥/١٩٠.
[ ١ / ٤٩٢ ]
غير أن ابن عصفور خطَّأ السّيرافيّ؛ وإن لم ينصّ على اسمه صراحة؛ وجعل رأيه مما لا يلتفت إليه؛ إذ ليس (قَطَوْطَو) -على رأي ابن عصفور - باسم "جارٍ على: اقْطَوْطَى؛ فيلزم أن تكون الواو الزائدة فيه من غير لفظ اللام؛ كما هي في: اقْطَوْطَى، بل لا يلزم من كونهم قد اشتقّوا: اقْطَوْطَى، من لفظ: قَطَوْطى - أكثر من أن تكون أصولها واحدة، وذلك موجود فيهما؛ لأن: قَطَوْطى - إذا كان وزنه (فَعَلْعَلا) كانت إحدى العينين وإحدى اللامين زائدتين؛ فتكون حروفه الأصول: القاف والطاء والواو؛ وكذلك: اقْطَوْطَى؛ الواو وإحدى الطائين زائدتان، وحروفه الأصول: القاف والطاء والواو التي انقلبت ألفًا"١.
وما ذهب إليه ابن عصفور لإبطال رأي السيرافي بعيد؛ ألا ترى أنه يترتب عليه فساد مقياس من أهم مقاييس التفريق بين الأصول وتمييزها؛ وهو الاشتقاق الذي يعتد به العلماء، ويفزعون إليه في كثير من المسائل الصرفية، ولا يُترك الأخذ به إلا بثبت، كالتوهم ونحوه، ولا حاجة إلى حمل (اقْطَوْطَى) على التوهم. والقول - هنا - ما قاله السّيرافيّ، والأدلة تُؤيّده، فإن موضع الواو الوسطى في (قَطَوْطَى) وأخواتها؛ من المواضع التي تكثر فيها حروف الزيادة؛ كالألف والياء والواو والنون؛ نحو (عُلابِط) و(تُمَاضِر) و(عَمَيْثَل) وهو: الضَّخم الثقيل، و(سَمَيدَع) وهو: السَّيِّد، و(فَدَوكَس)
_________________
(١) ١ الممتع ١/٢٨٤.
[ ١ / ٤٩٣ ]
وهو: الأسد، و(سَرَومَطَ) وهو: الطويل، بل إن النون لا تأتي زائدة باطّراد مستمرّ إلا في هذا الموضع؛ نحو (فَلَنْقَس) وهو: البخيل، وشَرَنْبَث؛ وهو: غليظ الكفّين.
ويدلّ على قوة مذهب السّيرافيّ - أيضا - أنهم اعتادوا الفصل بين العينين بالمعتلّ؛ كقولهم: (عَثَوثَل) و(خَفَيفَد) وهو: الخفيف من الظّلمان، وفصلوا بينهما - أيضا - بالنّون: كقولهم (عَقَنْقَل) وهو: الكثيب الهائل.
فإذا كثر ذلك كان حمل (قَطَوْطى) وأخواتها على (فَعَوْعَل) هو الوجه الأقرب. ولو كان من سبيل إلى حمل (صَمَحْمَح) ونحوه على هذا الباب لفعلوه، والذي يمنعهم أن الحرف الأوسط ليس من حروف الزيادة.
رابعا- ما لا رابط فيه:
وهو ما جاء من أمثلة متفرّقة لا جامع بينها سوى أنها من باب التّداخل بين النّاقص والصّحيح.
ومن ذلك تداخل (ط غ و) أو (ط غ ي) و(ط غ ت) في (الطَّاغوت) وهو بناء مبالغة؛ كالجبروت والمَلَكُوت، وقد اختلفوا في أصله١:
_________________
(١) ١ ينظر: الكتاب ٣/٢٤٠، ومعاني القرآن للزجاج ١/٣٤٠، والمحتسب ١/١٣٢، ومشكل إعراب القرآن ١/١٠٧، والتبيان ١/٢٠٥، والمخصص ١١/٢٥، والبحر المحيط ٢/٢٧٢، والدر المصون ٢/٥٤٨، واللسان (طغي) ١٥/٩، ومعجم مفردات الإبدال والإعلال ١٧٢.
[ ١ / ٤٩٤ ]
فذهب الجمهور إلى أن أصله المعتل الناقص، واختلفوا في لامه أهي واو أو ياء:
فذهب بعضهم١ إلى أنه (ط غ ي) من: طغيتَ تَطْغَى؛ بدلالة قوله - ﷿: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ٢ والتاء فيه زائدة؛ وأصله (طَغَيُوت) على (فَعَلُوت) ثم حدث فيه قلب بتقديم اللاَّم موضع العين؛ فصار - بعد القلب - (طيغوتا) ووزنه (فلعوت) فلما تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفا؛ فقالوا: (طاغوت) ٣.
ويجوز أن يكون الأصل (ط غ و) من: طغا يطغو؛ فقد روى ابن جني٤ عن قطرب وغيره: طَغَا يَطْغُو طُغُوًّا وطُغْوَانا. وحكى الواو - أيضا - أبو عليّ الفارسيّ٥.
وعلى هذا فإنَّ أصله (طَغَوُوتا) ثم حدث فيه ما ذكر آنفا.
ويجوز أن يكون أصله (ط غ ت) فتكون تاؤه أصلية؛ ووزنه (فاعول) وقد حكى ذلك السمين الحلبي٦.
_________________
(١) ١ ينظر: المحتسب ١/١٣٢، والتبيان ١/٢٠٥. ٢ سورة البقرة الآية ١٥. ٣ ينظر: المحتسب ١/١٣٢. ٤ ينظر: المحتسب ١/١٣٢، ١٣٣. ٥ ينظر: التكملة ٢٦٩. ٦ ينظر: الدر المصون ٢/٥٤٨.
[ ١ / ٤٩٥ ]
والأول - وهو رأي الجمهور - أقوى؛ لقرب الاشتقاق.
ويتداخل (ر ق ي) و(ت ر ق) في (ترقوة) وهي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق؛ وقد اختلفوا في أصلها:
فذهب الجمهور١ إلى أنها من (ت ر ق) وصَحَّت الواو فيها؛ لأنهم أجروا الهاء فيها مُجرى الراء في منصور والطاء في عَضْرَفُوط، ولولا ذلك لقلبت ياء؛ فيقال فيها: تَرْقِيَةٌ٢، ومثلها في ذلك قَمَحْدُوَةٌ؛ وهي عظمة بارزة؛ في مؤخرة الرأس.
وذكر أبو حيان أن بعضهم يرى أن أصلها (ر ق ي) وأن التاء زائدة، وهي مشتقة من (رَقَى) ٣ فيكون وزنها (تَفْعُلَة) .
ولعل من ذهب إلى هذا رأى أن جعل التاء فيها أصلا يؤدّي إلى وزن نادر؛ وهو (فَعْلُوَةٌ) ورأى - أيضا - أن زيادة التاء أولا أكثر من زيادة الواو آخرًا.
ومن أمثلة هذا النوع: تداخل (خ ر ي) و(خ رت) في قولهم: (الخَراتان) لنجمين سُمّيا بذلك؛ لنفوذهما إلى جوف الأسد، ولا يعرف إلاَّ على التثنية؛ وهما يحتملان الأصلين:
يجوز أن يكون أصلها (خ ر ي) والواحدة (خراة) فتكون التاء في الخراتين تاء التأنيث، وليست لاما.
_________________
(١) ١ ينظر: الكتاب ٣/٤٤٣، والجمهرة ٣/١٢٤٠، والمنتخب ٢/٥٦٤، والممتع ١/٩١. ٢ ينظر: سر الصناعة ٢/٦١٦. ٣ ينظر: الارتشاف ١/١٠٥.
[ ١ / ٤٩٦ ]
والأصل (خَرْيَتَان) فأُعِلَّت الياء بالتسكين والقلب، ونقل الحركة؛ والوزن على هذا (فَعْلَتَان) .
ويجوز أن يكون المعتل واوا؛ فيكون أصلها (خروتان) ثم أعلت الواو كإعلال الياء، والوزن واحد.
ويجوز أن تكون العين متحركة في الأصل فالوزن (فَعَلَتَان) والإعلال - حينئذ - بالتسكين والقلب فحسب.
وقد حكاهما - أعني: الواو والياء - كراع١.
ويحتمل أصلها أن يكون من (خ ر ت) واشتقاقها من (الَخْرت) وهو: الثقب؛ فكأنهما نفذا من ثقب إلى جوف الأسد؛ فتكون التاء أصلية؛ فوزنهما - حينئذ - (فَعَالان) .
وقد أجاز ابن سيده الأصلين٢، وتابعه ابن منظور؛ فذكرها في الموضعين٣.
ومن ذلك تداخل (ع ظ و) و(ع ن ظ) في قولهم: رجل عُنْظُوان؛ أي: بَذِيء فَحَّاش؛ وهو - أيضا - نبت تأكله الإبل؛ فلا تستطيع أن تَجْتَرَّه، ولا أن تَبْعَره؛ فتحبط بطونها؛ وهو يحتمل الأصلين:
ذهب الجوهري٤ إلى أن أصله (ع ن ظ) ووزنه (فُعْلُوَان) .
_________________
(١) ١ ينظر: المحكم ٥/١٥٤. ٢ ينظر: المحكم ٥/٩٢، ١٥٤. ٣ ينظر: اللّسان (خرت) ٢/٢٩، و(خرا) ١٤/٢٣٦. ٤ ينظر: الصحاح (عنظ) ٣/١١٧٤.
[ ١ / ٤٩٧ ]
وذهب الأزهري١ إلى أن أصله (ع ظ و) والنون زائدة فوزنه - حينئذ - (فُنْعُلان) وهو كذلك؛ لدلالة الاشتقاق؛ فهم يقولون: (عظاه) إذا تناوله بلسانه٢، وعَظَا فُلانا يعظوه؛ إذا قطعه بالغِيبة.
ويقولون في معناه الآخر: عَظِيَ الجمل يَعْظَى عَظًى شديدا؛ فهو عَظٍ٣.
أما مذهب الجوهري في أنه من (ع ن ظ) فضعيف؛ ولا مستند له من دليل.
_________________
(١) ١ ينظر: التهذيب ٢/٣٠٠. ٢ ينظر: المحكم ٢/٢٤٠. ٣ ينظر: التهذيب ٣/١٤٦.
[ ١ / ٤٩٨ ]
المبحث الرّابع: التَّداخل بين الصَّحيح والصَّحيح
يكثر التَّداخل بين الأصلين الصَّحيحين؛ وهو يضارع في ذلك ما تقدَّم في التَّداخل بين المعتلّ، والمعتلّ أو المعتلّ والمهموز، أو المعتلّ والصَّحيح. غير أن التقسيم الّذي ينتظم هذا النوع من التَّداخل يختلف عما سبق؛ لأن التَّداخل - هنا - واقع بين كلمتين هما من نوع واحد؛ وهو (الصَّحيح) بخلاف ما سبق؛ فإن التَّداخل فيه كان بين نوعين مختلفين.
فالتقسيم الجامع لما في هذا المبحث من تداخل يقوم على موقعي الحرفين المتداخلين من الميزان؛ وله سِتّ صور؛ وهي:
أ- التَّداخل بين الفاء والفاء (×ع ل - ×ع ل) .
ب- التَّداخل بين الفاء والعين (×ع ل - ف× ل) .
ج- التَّداخل بين الفاء واللاّم (× ع ل- ف ع ×) .
د- التَّداخل بين العين والعين (ف × ل- ف × ل) .
هـ- التَّداخل بين العين واللاّم (ف × ل- ف ع ×) .
والتَّداخل بين اللاّم واللاّم (ف ع ×- ف ع ×) .
ونتناول فيما يلي كل واحدة منها بشيء من التفصيل:
أ- التَّداخل بين الفاء والفاء (× ع ل- × ع ل):
يكثر التَّداخل في الصَّحيح بين الفاء والفاء، فيما أوله ميم تحتمل الأصالة والزيادة، وثانيه همزة أو ألف؛ كتداخل (م ب د) و(أب د) في
[ ١ / ٤٩٩ ]
(مأبد) وهو اسم موضع بالسراة؛ كما جاء في قول أبي ذؤيب:
يَمَانِيَةٍ أَحْيَا لها مَظَّ مَأْبَدٍ وآلَ قَرَاسٍ صَوْبُ أَرْمِيَةٍ كُحْلِ١
وقد روي (مأبد) بالتخفيف؛ وهو يحتمل الأصلين:
يجوز أن يكون من (م ب د) ووزنه - حينئذ - (فاعل) ويكون وزن (مأبد) (فأعل) من باب همز غير المهموز كـ (عالم) وقد ذهب إلى مثل هذا ابن سيده٢.
ويجوز أن يكون من (أب د) فالميم زائدة، ووزنه - حينئذ (مفعل) .
وقد ذكره ابن منظور في الأصلين٣:
ومثل ذلك تداخل (م ر ب) و(أر ب) في (مَأْرِب) وهي: بلاد الأزد في اليمن؛ الّتي أخرجهم منها سيل العرم؛ فقد سمع فيها إبدال الهمزة ألفا، أو التُزِمَ فيها٤، وهي تحتمل الأصلين:
يجوز أن تكون من (م ر ب) على وزن (فاعِل) أو (فَأْعِل) على لغة الهمز؛ وهو اختيار ابن سيده٥؛ كاختياره في (مَأْبِد) .
ويجوز أن يكون أصلها (أر ب) على زيادة الميم؛ فوزنها - حينئذ
_________________
(١) ١ ينظر: شرح أشعار الهذليين ١/٩٦. ٢ ينظر: اللّسان (أبد) ٣/٧٠، و(مبد) ٣/٣٩٥. ٣ ينظر: اللّسان (أبد) ٣/٧٠، و(مبد) ٣/٣٩٥. ٤ ينظر: التّاج (أرب) ١/١١٦. ٥ ينظر: التّاج (أرب) ١/٢١٢.
[ ١ / ٥٠٠ ]
- (مَفْعِل) .
وقد ذكرها في الأصلين كلٌّ من ابن منظور١، والفيروزابادي٢، والزبيدي٣.
ومنه تداخل (م ج ل) و(أج ل) في (المأجل) وهو: مستنقع الماء، وقال بعضهم: (الماجل) بالتخفيف وكسر الجيم؛ فيحتمل الأصلين:
جعله ابن دريد٤ من (م ج ل) وتابعه الصغاني٥ فالوزن - حينئذ - (فاعِل) و(فَأْعَل) .
وذهب بعضهم إلى أن الأصل (أج ل) فيكون الوزن (مَفْعِلا) .
ومن هؤلاء ابن فارس الّذي رد على ابن دريد بقوله: "وغلط ابن دريد في هذا البناء في موضعين: ذكر أن الماجِل: مستنقعُ الماء؛ وهذا من باب (أَجَلَ) وذكر أن المَجَلَّة: الصحيفة [و] هو من (ج ل ل) ٦". أما ابن منظور فذكرها في الموضعين٧.
ومن أسباب التَّداخل فيها أنهم اختلفوا في روايتها؛ فبعضهم يهمز
_________________
(١) ١ ينظر: اللّسان (أرب) ١/٢١٢، و(مرب) ١/٧٤٧. ٢ ينظر: القاموس (أرب) ٧٤، و(مرب) ١٧٤. ٣ ينظر: التّاج (أرب) ١/١٤٦، و(مرب) ١/٤٧٦. ٤ ينظر: الجمهرة ١/٤٩١. ٥ ينظر: التكملة (مجل) ٥/٥١١. ٦ المقاييس ٥/٢٩٩. ٧ ينظر: اللّسان (أجل) ١١/١٢، و(مجل) ١١/٦١٦.
[ ١ / ٥٠١ ]
ويفتح الجيم، وبعضهم لا يهمز ويكسرها١.
ومنه - أيضا - (المأصِر) وهو: حبل يلقى في الماء؛ ليمنع السفن عن السير؛ حتّى يؤدّي صاحبها ما عليه من حق السلطان؛ وهو يحتمل الأصلين:
فمن خففه جعله من (م ص ر) ووزنه عنده (فاعِل) .
ومن همزه جعله من (أص ر) ووزنه عنده (مَفْعِل) .
وقد ذكره ابن منظور في الأصلين٢.
ومن التَّداخل بين الفاء والفاء، مما أوله ليس بميم، ما وقع بين (أن ر) و(هـ ن ر) في قولهم: هَنَرْتُ الثَّوب، بمعنى: أنرته، أَهَنيره؛ إذا علمته وهو يحتمل الأصلين:
ذهب ابن خالويه إلى أن أصله (أن ر) و(أَهَنِير) في الأصل عنده (أَأَنِير) ٣ فيكون وزنه على ما ذكره (أَفَعْيِل) فهو في الأصل (أَأَنِير) فأُعِلَّ بنقل حركة الياء إلى ما قبلها؛ فأصبحت (أَأَنِير) وهو على مذهب من جعل أَهَرَقْتُ الماء أَهَرِيقُهُ من (هرق) ٤ وهذا على تقدير أن الأصل (أن ر) وإلا فله في الاعتلال توجيه آخر.
_________________
(١) ١ ينظر: التّهذيب ١١/١٩٤، والنّهاية ٤/٣٠٠، وشرح النّظم الأوجز ١٢٩. ٢ ينظر: اللّسان (أصر) ٤/٢٤، و(مصر) ٥/٧٧. ٣ ينظر: ليس في كلام العرب ١١٢. ٤ ينظر: اللّسان (هرق) ١٠/٣٦٥.
[ ١ / ٥٠٢ ]
وجعله الأزهري١ من (هـ ن ر) وتابعه ابن منظور٢؛ وتقدير ذلك أن الهمزة مبدلة من الهاء، وأحسبه مُعتلاّ؛ فيخرج عما نحن فيه، مثل (أَهَرَقْتُ الماء) ألا تراهم قالوا: أَهَرَاقَتِ السماء ماءها؛ وهي تُهْرِيقُ٣؛ لأنهم أبدلوا من الهمزة الهاء، ثم أُلزمت فصارت كأنها من الكلمة نفسها، ثم أدخلوا الألف بعد على الهاء، وتركوا الهاء عوضا عن حركة العين المحذوفة؛ لأن أصل (أَهْرَقَ) أَرْيَقَ"٤ ومثله (أَهَنِيرُ) فيكون أصله - حينئذ - (ن ي ر) على ظاهر اللفظ لفقد الاشتقاق، أو (ن ور) حملا على أوسع البابين.
ب - التَّداخل بين الفاء والعين (× ع ل - ف × ل):
يكثر التَّداخل بين الفاء والعين في الصَّحيح، ولا يخرج ما فيه عن صنفين:
أحدهما: ما في ميم محتملة للأصالة والزيادة.
وثانيهما: ما ليس في أوله ميم.
فمن الأول تداخل (م ل ط) و(ل ط ط) في (المِلْطَاط) وهو: أعلى حرف الجبل، أو صحن الدار، أو ساحل البحر، في حديث عبد الله ابن
_________________
(١) ١ ينظر: التّهذيب ٦/٢٧٣. ٢ ينظر: اللسان (هنز) ٥/٢٦٧. ٣ ينظر: الأصول ٣/٣٣٣، ٣٣٤، والتّاج (هرق) ٧/٩٣،٩٤. ٤ ينظر: اللّسان (هرق) ١٠/٣٦٦.
[ ١ / ٥٠٣ ]
سعود - ﵁ -: "هذا المِلْطَاط طريقُ بَقِيَّةِ المؤمنين"١.
وهو يحتمل الأصلين:
جعله الجوهري٢ من (ل ط ط) على أن الميم زائدة؛ فوزنه عنده (مِفْعَال) وتابعه الزمخشري٣، والفيروزابادي٤، واشتقاقه من قولهم: لُطَّ الطريق؛ إذا وُطئ كثيرا؛ كقولهم: مِيتاء للذي أُتِيَ كثيرا من الطرق.
وجعله أبو موسى الأصفهاني من (م ل ط) على تقدير أصالة الميم٥ فوزنه - حينئذ (فِعْلال) .
والأصل الأول أرجحُ لقرب الاشتقاق؛ وقد وضعه بعض المعجميين في الأصلين٦.
ومن ذلك تداخل (م ل ك) و(ل أك) في الملائكة، جمع (مَلَكٍ) . وقد اختلفوا في أصله٧:
_________________
(١) ١ ينظر: المجموع المغيث ٣/٢٢٦، والفائق ٣/٣١٦، والنّهاية ٤/٢٥٧. ٢ ينظر: الصّحاح (لطط) ٣/١١٥٦. ٣ ينظر: الفائق ٣/٣١٦. ٤ ينظر: القاموس (لطط) ٨٨٥. ٥ ينظر: المجموع المغيث ٣/٢٢٦. ٦ ينظر: النّهاية (لطط) ٤/٢٥١، و(ملط) ٤/٥٧، واللّسان (لطط) ٧/٣٩٠، و(ملط) ٨/٤٠٨. ٧ ينظر: الكتاب ٤/٣٧٩، ومجاز القرآن ١/٣٥، ومعاني القرآن وإعرابه ١/١١٢، والأصول ٣/٣٣٩، والجمهرة ٢/٩٨١، والخصائص ٢/٧٩، والمنصف ٢/١٠٢، ورسالة الملائكة ٦، والأزهية ٢٥١، والمقتصد في شرح التّكملة ٢/٨٢٢، والمحكم ٧/٦٩، وشرح الشافية للرضي ٢/٣٤٦، والبحر المحيط ١/١٣٧، والدر المصون ١/٢٥٠، ومعجم مفردات الإبدال والإعلال ٢٤٨.
[ ١ / ٥٠٤ ]
ذهب الجمهور إلى أن أصله (مَلأَكٌ) من (ل أك) واشتقاقه من قولهم: لأَكَلَه؛ أي: أرسله، فحذفت همزة (مَلأَك) لكثرة الاستعمال وألقيت حركتها على اللاّم، أو خفف تخفيفا بطرح الفتحة علىاللاّم١؛ كما تقول في (مسألة): مسلة.
ووزن (مَلَك) قبل التخفيف (مَفْعَل) وبعده (مَفَل) وكأنه بمعنى المصدر جعل بمعنى المفعول؛ لأن المصادر تأتي بمعنى المفعول كثيرا٢.
واستدلوا على أنه من هذا الأصل بقول الشاعر:
أَلِكْنِي إلى قَوْمِي السَّلامَ رِسَالَةً بآيَةِ ما كَانُوا ضِعَافًا ولا عُزْلا٣
فأصله (ألئكني) فخففت الهمزة بأن طرحت كسرتها على اللاّم.
ورده الآخر إلى أصله؛ فقال:
فَلَسْتَ لإِنْسِيٍّ ولَكِنْ لِمَلأَكٍ تَنَزَّلَ من جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ٤
وبقولهم في جمعه: مَلائِك ومَلائكة؛ فردوا المحذوف إليه.
وقيل: إنه مشتق من (أل ك) فأصله (مَأْلَك) من الأَلُوكة؛ وهي:
_________________
(١) ١ ينظر: المنصف ٢/١٠٣. ٢ ينظر: شرح الشافية للرضي ٢/٣٤٧. ٣ ينظر: الكتاب ١/١٩٧، وشرح أبيات الكتاب لابن السيرافي ١/٧٩، والمنصف ٢/١٠٣. ٤ ينظر: المفضليات ٢٩٤، ومجاز القرآن ١/٣٣، والمنصف ٢/١٠٢، تهذيب إصلاح المنطق ١/٢٢٤، والمقتصد في شرح التكملة ٢/٨٢٤.
[ ١ / ٥٠٥ ]
الرسالة، ثم قلبت اللاّم بالتقديم، فقيل: مَلأَك، وتركت الهمزة لكثرة الاستعمال؛ فقالوا: مَلَك.
وأثر عن الكسائي١ أنه كان يقول بهذا الرأي.
والراجح أنه لا قلب فيه؛ فهو من (ل أك) كما ذهب الجمهور، ولو كان من (أل ك) لظهر في بعض تصاريفه، ولقالوا في جمعه (مَآلكة) وقد جاء الجمع على الأصل (ل أك) وهو (ملائكة) وقد ورد في القرآن الكريم أكثر من سبعين مَرَّة.
على أن بعضهم ذهب إلى أنه من (م ل ك) ووزنه (فَعَل) والهمزة في (مَلأَك) زائدة، ووزنه (فَعْأل) والملائكة عندهم (فَعَائِلة) .
وممن قال بهذا الرأي أبو عبيدة٢، وابن كيسان الّذي اشتقه من الملك "لأنه مالك للأمور الّتي جعلها الله إليه"٣
والّذي أراه أن ألأصل في ذلك (ل أك) لظهور الهمزة في المفرد في قولهم: (ملأك) وفي الجمع في قولهم: (ملائكة) فحمل (ملأك) على (فَعْأل) بعيد؛ لأن (فَعْأَل) قليل لا يرتكب مثله إلا بظهور اشتقاق: كما في (شَمْأَل) ٤.
ويُعَضِّد ذلك وجود نظيره في بعض اللغات السامية، ولا زال فعله
_________________
(١) ١ ينظر: الصّحاح (ملك) ٤/١٦١١، ورسالة اللائكة ٦. ٢ ينظر: مجاز القرآن ١/٣٥. ٣ ينظر: شرح الشافية للرضي ٢/٣٤٧. ٤ ينظر: شرح الشافية للرضي ٢/٣٤٧.
[ ١ / ٥٠٦ ]
الثلاثي (لأَكَ) يستعمل في بعضها؛ وهو في الحبشية والسريانية والعبرية (ملأك) على نحو ما تقدم في الكلام عن حسن الاستئناس بالموازنة بين اللغات السامية، في الدراسات اللغوية بعامة، وفي الأصول بخاصة١.
ومن ذلك تداخل (م ع د) و(ع د د) في (مَعَدّ) وهو: اسم قبيلة؛ ويحتمل الأصلين٢:
ذهب سيبويه إلى أن أصله (م ع د) وأن وزنه (فَعَلّ) واستدل بقولهم: (تَمَعْدَد) فحمله على (تَفَعْلَلَ) لقلة (تَمَفْعَلَ) ٣.
وذهب بعضهم٤ إلى أن أصله (ع د د) والميم زائدة؛ ووزنه (مَفْعَل) واحتجوا بأن (مَفْعَلا) أكثر من (فَعَلّ) بل الأخير في غاية القلة. أما قولهم: (تَمَعْدَدَ) فهو يشاكل - عند أصحاب الرأي (تَمَكَنَّ) و(تَمَنْدَل) و(تَمَدْرَعَ) و(تَمَغْفَر) وهي (تَمَفْعَلَ) بلا خلاف، فكما توهموا في (مِسْكين) و(مِنْدِيل) أنهما (فِعْلِيل) وفي (مِدْرَعَة) أنها (فِعْلَلَة) وفي (مُغْفُور) أنه (فُعْلُول) للزوم الميم في أوائلها، توهموا في (مَعَدّ) أنه (فَعَلّ) فقالوا: تَمَعْدَدَ٥.
_________________
(١) ١ ينظر: ص (٢٧٤) من هذا البحث. ٢ ينظر: الأصول ٣/٢٣٧، والتكملة للفارسي٢٣٧، وشرح الملوكي ١٥٤، والإيضاح في شرح المفصل٢/٣٨٣، وسفر السعادة١/٤٧٧. ٣ ينظر: الكتاب ٤/٣٠٨. ٤ ينظر: شرح الشافية للرضي ٢/٣٣٦. ٥ شرح الشافية للرضي ٢/٣٣٦.
[ ١ / ٥٠٧ ]
وأما الثاني - مما نحن فيه - وهو ما ليس في أوله ميم؛ فمنه تداخل (ت أف) و(أف ف) في (تَئِفَّة) و(تَئِفَّان) في قولهم: جاء على تَئِفَّة ذلك، وتَئِفَّان ذلك؛ أي: على وقته، وربما قالوا: تَفِيئَةٌ١) بمعناه. وقد اختلفوا في أصله٢.
ذهب سيبويه إلى أن الأصل (ت أف) ووزن (تَئِفَّة) عنده (فَعِلَّة) و(تَئِفَّان) (فَعِلاَّن) ٣ وتابعه في هذا المبرد٤.
وجعل الجواليقي (تَئِفَّة) (فَعِلَّة) أيضا وخالف في (تَئِفَّان) فجعله (تَفْعَلاَن) ٥.
ويبدو أن اللبس في وزن هذه الكلمة قديم منذ عهد سيبويه؛ فقد اختلفوا في النقل عنه خلاف ما وصلنا في الكتاب - فقد قال ابن السّرّاج: "وهذا الحرف في بعض النسخ٦ قد ذكر في باب التاء، وجعل
_________________
(١) ١ ينظر: مختصر شرح أمثلة سيبويه ٥٨. ٢ ينظر: الكتاب ٤/٢٦٤، والأصول ٣/٢١٢، وشرح السّيرافي (د/ فائز) ٦٤٢، والبغداديات ٤٠٧، والعضديات ٢٠٨، وشرح المقامات للمطرزي ٨٣ أ، ب، وسفر السعادة ١/١٧٥، وشرح الشافية للرضي ٢/٣٩٧، واللّسان (أفف) ٩/٨، و(تأف) ٩/١٦، والممتع ١/٨٥، والمزهر ٢/١٤. ٣ ينظر: الكتاب ٤/٢٦٤، ٢٧٨. ٤ ينظر: البغداديات ٤٠٧؛ ولم أقف عليه في كتب المبرد المطبوعة. ٥ ينظر: مختصر شرح أمثلة سيبويه ٥٨. ٦ يعني: نسخ الكتاب لسيبويه.
[ ١ / ٥٠٨ ]
على مثال: تَفْعِلَة"١.
وزاد الفارسيّ: "قال٢: والّذي أخذته عن أبي العَبَّاس٣: تَئِفَّة (فَعِلَّة"٤.
وذهب أبو علي الفارسي إلى أن أصله (أف ف) ووزنهما (تَفْعِلَة) واستدل على زيادة التاء باشتقاقهم من الكلمة ما تسقط منه في قولهم: أتاني في إفّان ذلك، وأفّان ذلك، وأَفَفِ ذلك وتَئِفّة ذلك٥.
فقولهم: (أَفَفٌ) يدل على زيادة التاء في (تَئِفَّة) ويدل على زيادة النون - أيضا - في (تَئِفَّان) .
وإلى مثل هذا ذهب الجوهري٦.
والرأي ما رآه الفارسي لقوة ما استدل به؛ وهو الاشتقاق؛ والقياس يعضّده - أيضا-؛ لأن (فَعِلّة) و(تَفْعِلَة) – غير المصدر - متساويان في الندرة؛ فإذا تساويا في ذلك رُجِّح الزائد؛ لأن باب الزيادة أوسع؛ والزائد فرع، ولا يستنكر في الفرع أن يجيء على الندرة.
وثمة دليل آخر على زيادة التاء؛ وهو قولهم فيها: (تفيئَة) وهي
_________________
(١) ١ الأصول ٣/٢١٢. ٢ أي: ابن السراج. ٣ يعني المبرد. ٤ البغداديات ٤٠٧. ٥ ينظر: البغداديات ٤٠٧. ٦ ينظر: الصّحاح (أفف) ٤/١٣٢١.
[ ١ / ٥٠٩ ]
مقلوبة من (تَئِفَّة) فلا تكون التاء فيه مزيدة والبنية؛ كما هي من غير قلب.
قال الزمخشري: "لأن الكلمة مُعَلَّة؛ مع أن المثال من أمثلة الفعل والزيادة من زوائده، والإعلال في مثلها ممتنع؛ ألا ترى أنك لو بنيت مثال: تضرب، أو: تكرم اسمين من البيع لقلت: تَبْيَع، وتُبْيِع من غير إعلال؛ إلا أن تبني مثال تِحْلِئ١؛ فلو كانت التَّفِيئَة (تَفْعِلَة) من: الفَيْئ لخرجت على وزن تَهْيِئَة؛ فهي إذن -لولا القلب (فَعِيلَة) لأجل الإعلال، كما أن يَأْجَجًا (فَعْلَل) لترك الإدغام، ولكن القلب عن التَّئِفّة هو القاضي بزيادة التاء. وبيان القلب أنَّ العين واللاّم - أعني: الفاءين - قدمتا على الفاء - أعني: الهمزة - ثم أبدلت الثانية من الفاءين ياء؛ كقولهم: تَظَنَّيت"٢.
ومراده أن (تَفِيْئة) كانت بعد القلب (تَفْفِئَة) على وزن (تَعْلِفَة) ثم قلبت الفاء الثانية ياء للتخفيف؛ فقالوا: (تَفِيئَة) فأعلت بنقل الكسرة إلى ما قبلها؛ فقالوا: (تَفِيئَة) كما أعلت (تَحِيَّة) وأصلها قبل الإعلال (تَحْيِيَة) ولولا قلب الفاء الثانية ياء في (تَفْفِئَة) لأدغم الفاءان؛ فيقال: (تَفِّئة) فتلتبس بـ (فَعِّلة) فاختير قلب الفاء الثانية ياء وإعلالها.
ومن ذلك تداخل (ن ق ض) و(ق ض ض) في قوله تعالى:
_________________
(١) ١ التحلئ: شعر وجه الأديم، ووسخه، وسواده. ينظر: القاموس (حلا) ٤٧. ٢ الفائق ٣/١٥٠.
[ ١ / ٥١٠ ]
﴿فَوَجَدا فيها جِدارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ ١ وهو يحتمل الأصلين:
ذهب أبو علي الفارسيّ٢ إلى أنّ أصله (ن ق ض) من النقض؛ وهو اسم البناء المنقوض؛ إذا هُدِمَ؛ ووزنه عنده (يَفْعَلّ) مثل: يَحْمَرّ.
وذهب الأزهري٣ إلى أن أصله (ق ض ض) من (قَضَضْتُ الشيء) إذا دققته؛ ومنه قيل للحصى الصَّغار (قضض) فوزنه - عنده (يَنْفَعِل) والأصل (يَنْقَضِض) فسكنت الضاد الأولى وأدغمت في الثانية.
وعلى هذا الأصل العكبري٤، ولكنه اشتقّه من: السُّقُوط؛ وشبهه بانقضاض الطائر.
ج - التَّداخل بين الفاء واللاّم (× ع ل- ف ع×):
على الرغم من كثرة ما في الصَّحيح من تداخل لم أعثر على مثال واحد للتداخل بين الفاء واللاّم. ولعل ذلك أن يكون بسبب من بعد الفاء عن اللاّم، وخلو الأصل الصَّحيح من حروف العلة الّتي تؤدي إلى التَّداخل كثيرًا. وبذلك فإنه بإمكاننا أن يصل إلى نتيجة، وهي أنّه لا يكاد يقع تداخل في أصلين صحيحين بين فاء الكلمة ولامها؛ لبعد ما بينهما.
_________________
(١) ١ سورة الكهف: الآية ٧٧. ٢ ينظر: التّكملة ٢١٨. ٣ ينظر: التهذيب ٨/٢٥٠. ٤ ينظر: التّبيان ٢/٨٥٧.
[ ١ / ٥١١ ]
على أنني مع ذلك لا أقطع بهذا، لاحتمال وجود شيء منه - ولو على سبيل الندرة - في لغة العرب الواسعة، مما لم أقف عليه.
د - التَّداخل بين العين والعين (ف × ل- ف× ل):
يقع التَّداخل بين العين والعين، ووقوعه غير كثير، ومنه تداخل (ع ت د) و(ع د د) في قوله ﷿: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ ١، وهو يحتمل الأصلين:
يجوز أن يكن الأصل (ع ت د) أي: هيأت من العتاد؛ وهو الشيء الّذي يُهَيَّئُ له.
وإلى ذلك ذهب الأزهري٢ ولم يحمله على الإبدال بين (عتد) و(عدد) وعلى ذلك حمله العكبري٣- أيضا.
وذهب بعضهم إلى أن العُدَّة إنما هي (العُتْدَة) وأعدّ يعد إنما هو (أعتد يعتد) ولكنهم أدغموا التاء بعد قلبها في الدال٤.
وذهب بعضهم٥ إلى أن أصله (ع د د) ثم أبدلت الدال تاء؛ فرارًا من الإدغام.
_________________
(١) ١ سورة يوسف الآية ٣١. ٢ ينظر: التّهذيب ٢/١٩٤، ١٩٥. ٣ ينظر: التّبيان ٢/٧٣٠. ٤ ينظر: التّهذيب ٢/١٩٤. ٥ ينظر: اللّسان (عدد) ٣/٢٨٤.
[ ١ / ٥١٢ ]
وإلى هذا ذهب الراغب١، ووضعه ابن منظور٢ في الأصلين.
ومثل ما تقدَّم اختلافهم في أصل (أَعْتَدْنا) فهي تحتمل الأصلين المذكورين.
ومن التَّداخل بين العين والعين في الصَّحيح ما وقع بين (ق ق ز) و(ق ز ز) في (القَاقُوزَة) و(القَاقزَّة) وهي: المشربة.
ذهب الصَّغَاني٣ إلى أنَّ أَصلها (ق ق ر) فَوَزْنُ (القَاقُوزَةِ) (فَاعُولة) و(القَاقُزَّةِ) (فَاعُلَّة) وهو الظَّاهر في أصلها.
وذهب الجَوْهَري إلى أنَّها من (ق ز ز) ٤ والأوَّلُ أقرب؛ لأنَّ (قَاقُوزَة) على هذا الأصل تحتمل أَحْدَ وَزنين: وهما (فَافُولَة) و(فَافُوعَة) الأوَّل على تقدير حذف العَيْنِ وهي الزَّاي والثاني على تقدير حذف اللاّم وهي الزَّاي - أيضًا - وهما غَريبان. وثَمَّةَ احتمالٌ؛ وهو: أن تكون القافُ الثانية مُبدلة من الزاي الأولى؛ وهو وَجهٌ ضعيف؛ لأنَّه لم يُعهد الإبدال بين القاف والزَّاي.
ومن ذلك تداخل (ص ن ت) و(ص ت ت) في (الصِّنتيت) وَصْفٍ للسَّيِّد الكريم، وهو يَحتمل الأصلين:
_________________
(١) ١ ينظر: المفردات ٣٢٤. ٢ ينظر: اللّسان (عتد) ٣/٢٧٩، و(عدد) ٣/٢٨٤. ٣ ينظر: التكملة (قزز) ٣/٢٩٣. ٤ ينظر: الصحاح (قزز) ٣/٨٩١.
[ ١ / ٥١٣ ]
ذهب الأزهريُّ١ إلى أنَّ أصله (ص ن ت) فيكون وزنه (فِعْلِيلًا) أو (فِعْلِيتا) كالوجهين في (حِلْتِيتٍ) وتابعه ابن منظور٢
ويرى أبو حَيَّان٣ أنَّ النُّون زائدةٌ؛ أصله (ص ت ت) ووزنه (فِنْعِيلًا) .
ومثله (صِنْدِيدٌ) في معناه وأصله.
ومن ذلك تداخل (ع ن ب) و(ع ب ب) في (العُنْبَبِ) للماء الكثير؛ وهو يحتمل الأصلين:
ذهب سِيبَوَيهِ إلى أنَّ أصله (ع ن ب) ووزنه (فُعْلل) كُرِّرَت الباء للإلحاق٤.
ويرى الأزْهَرِيُّ أنَّ أصله (ع ب ب) وأنَّ النون زائدة ووزنه (فُنعَل) واشتقاقه من العَبِّ؛ لأنه الماء٥. والاشتقاق يؤيّد الأزهَريَّ، والقياس في صَفِّ سيبويه؛ لأنه جعله من باب (قُعْدَدٍ) .
هـ - التَّداخل بين العَيْنِ واللاّم (ف×ل-ف ع×):
_________________
(١) ١ ينظر: التهذيب ١٢/١٥٥. ٢ ينظر: اللسان (صنت) ٢/٥٧. ٣ ينظر: الارتشاف ١/١٠٠. ٤ ينظر: الكتاب ٤/٢٧٧. ٥ ينظر: التهذيب ١/١١٧.
[ ١ / ٥١٤ ]
َقَعُ التَّداخل بين العَيْنِ واللاّم في الصَّحيح، وممَّا جاء منه تداخل (ع ن س) و(ع س ل) في (العَنسَلِ) وهو: الذِّئبُ أو الثَعْلَبُ، وقيل: النَّاقة السريعة، وهو يحتمل الوجهين:
ذهب سيبويه إلى أنَّ النُّونَ زائدة، وأنَّه مشتقٌّ من العُسُولِ، وهو العَدْوُ السَّريع المُضطرب، واستدل بقولهم: العَسَلان١ وهو عَدْوُ الذِّئبِ، ومنه قول الشاعر:
عَسَلانَ الذِّئبِ أَمْسَى قَارِبًا بَرَدَ اللَّيلُ عَلَيهِ فَنَسَلْ٢
وهذا مذهب ابن جِنِّي٣، وابن يَعِيشَ٤، وابن عُصْفُور٥ - أيضًا.
وذهب محمَّد بن حَبِيبَ٦ إلى أنَّ أصله (ع ن س) وأنَّ اللاّم زائدةٌ؛ فيكون وزنه عنده (فَعْلَل) بزيادة اللاّم الأخيرة؛ فلو بنيت على وزنه من (ضَرَبَ) لَقُلْتَ: (ضَرْبَلَ) ومن خَرَجَ لَقُلْتُ (خَرْجَلَ) وقد ذهب بها وفق
_________________
(١) ١ ينظر: الكتاب ٤/٣٢٠. ٢ هو: النابغة الجعدي، كما في ديوانه ٩٠، ونسب لغيره. ينظر: مجاز القرآن ٢/٤٢، والجمهرة ٢/٨٤٢، والاشتقاق لابن دريد ٢٢٧، والأضداد للأنباري ٢٧١، وشرح المفضليات ٧٥٥، والإبدال لأبي الطّيّب اللغوي ٢/٣٢٠، وسرّ الصّناعة ١/٣٢٤. ٣ ينظر: الخصائص ٢/٤٧، وسرّ الصناعة ١/٣٢٤. ٤ ينظر: شرح الملوكي ٢١٢. ٥ ينظر: الممتع ١/٢١٥. ٦ وهو، محمد بن حبيبَ البغدادي: و«حبيب» اسم أمه، وكان عالمًا بالنسب وأخبار العرب، مكثرًا من رواية اللغة (توفي سنة ٢٤٥هـ) . ينظر ترجمته في: تاريخ بغداد ٢/٢٧٧، وإنباه الرواة ٣/١١٩، وتلخيص ابن مكتوم ٢٠٧.
[ ١ / ٥١٥ ]
مذهبهم في زيادتها في (عَبْدَلٍ) و(زَيْدَلٍ) .
وكان ابن جِنِّي يُضَعّف قَوْلَ ابن حَبيبَ؛ ويَرُدُّهُ بقوله: (والّذي ذهب إليه سيبويه هو القول؛ لأنَّ زيادة النُّون ثانية أكثر من زيادة اللاّم؛ ألا ترى إلى كثرة باب: قُنْبَرٍ، وعُنْصَلٍ، وقِنْفَخْرٍ، وقِنعاسٍ، وقِلَّةِ بابِ، ذلك وأُولالِكَ.
ويلزم على ذلك أن تكون اللاّم في: فَلَندَعٍ زائدة، ويُجعل وزنه (فَلنعَل) لأنَّه الملتوي الرِّجل؛ فهوَ من الفَدْعِ؛ وهذا بعيدٌ) ١.
ويُقوي مذهب سيبويه - أيضًا - الاشتقاق؛ لقولهم: عَسَلَ الثعلب الطَّريقَ؛ وعليه قول الشاعر:
لَدْنٌ بِهْزِّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنَهُ فِيهِ كَمَا عَسَلَ الطَّريقَ الثَّعْلَبُ٢
وقول الآخر:
واللهِ لَولاَ وَجَعٌ في العُرْقُوب لَكُنْتُ أَبْقَى عَسَلًا مِنَ الّذيب٣
ويؤيدهُ - أيضًا - قولهم: فُلانٌ أَخبث من أبي عِسْلَةَ، يعني الذئب٤.
ومن ذلك تداخل (ج ذ ب) و(ج ب ذ) في قولهم: جَبَذَ الحَبْلَ ونحوه؛ وهو يحتمل الأصلين:
_________________
(١) ١ سر الصناعة ١/٣٢٤. ٢ هو: ساعدة بن جُؤية؛ كما في: شرح أشعار الهذليين ٣/١١٢٠. ٣ ينظر: اللسان (عسل) ١١/٤٤٦. ٤ ينظر: اللسان (عسل) ١١/٤٤٧.
[ ١ / ٥١٦ ]
ذهب ابن جِنِّي ١ إلى أنَّ (ج ب ذ) أصلٌ مستقلٌ؛ وليس مقلوبًا عن (جَذَبَ) لأنَّهما جميعًا يتصرّفان تصرّفا واحدًا؛ نحو: جَبَذَ يَجْبِذُ جَبْذًا؛ فهو: جَابذٌ، والمفعول: مَجْبُوذٌ، ويقولون في جَذَبَ: جَذَبَ يَجْذِبُ جَذْبًا، فهو: جَاذِبٌ والمفعول: مَجْذُوبٌ.
قال ابن جِنِّي: "فإن جعلت -مع هذا- أحدهما أصلًا لصاحبه فَسَدَ ذلك؛ لأنَّك لو فعلته لم يكن أحدهما أسعد بهذه الحال من الآخر؛ فإذا وقفت الحال بينهما؛ ولم يُؤثر بالمَزِيَّة أحدهما وجب أن يتوازنا، وأن يُمثَّلا بصفحتيهما معًا"٢.
وعلى هذا المذهب ابن سيده٣ وأبو حيَّان٤.
وأصل (جَبَذَ) على هذا الأصل (فَعَلَ) .
وذهب ابن فارس إلى أنَّ الأصل (ج ذ ب) حين قال: (الجيمُ والباءُ والذَّالُ ليس أصلًا؛ لأنَّه كلمةٌ واحدةٌ مقلوبةٌ. يقال: جَبَذْتُ الشَّيء، بمعنى جَذَبْتُهُ) ٥.
وأخذ الجوهريُّ بهذا الرَّأي، ونصَّ على أنَّ (جَبَذَ) مقلوب من
_________________
(١) ١ ينظر: الخصائص ٢/٦٩. ٢ الخصائص ٢/٧٠. ٣ ينظر: اللسان (جبذ) ٣/٤٧٨. ٤ ينظر: الارتشاف ١/١٢٥. ٥ ينظر: المقاييس ١/٥٠١.
[ ١ / ٥١٧ ]
(جَذَبَ) ١ وعلى هذا الرَّأي يكون وزن (جَبَذَ) (فَلَعَ) .
_________________
(١) ١ ينظر: الصحاح (جذب) ١/٩٧.
[ ١ / ٥١٨ ]
و- التَّداخل بين اللاّم واللاّم (ف ع× ف ع×):
يَكثُرُ التَّداخل في الصَّحيح بين اللاّم واللاّم في نوعين:
الأوَّل: ما آخِره نونٌ مسبوقة بألف زائدة قبلها مُضَعَّف.
الثاني: ما آخره همزةٌ مسبوقة بألف زائدة قبلها مضعف.
وتعود كثرة التَّداخل في النَّوعين إلى كثرة ما في اللغة من النَّوعين؛ ولأنَّ طبيعة البناء في الثُّلاثِيِّ المنتهي بنون أو همزة مسبوقتين بألف زائدة وقبلها حرفٌ مضعف تُؤَدِّي - إن عدم الاشتقاق - إلى احتمال أن تكون لام الكلمة ما بعدَ الألف النُّون أو الهمزة؛ فيكون التضعيف قبل الألف واقعًا على عين الكلمة، وتحتمل -أيضًا- أنَّ اللاّم أحدُ الحرفين المضعفين قبل الألف؛ وهو الحرف الثاني المتحرك؛ فتكون النون أو الهمزة زائدتين. وفيما يلي نأتي على تفصيل الكلام عن ذلك من خلال بعض الأمثلة:
أوَّلًا- ما آخره نونٌ:
في هذا النَّوع ثلاثة أوزان تتداخل مع ثلاثة أوزان أخرى؛ وهي:
١- (فَعْلان) و(فَعَّال) .
٢- (فِعْلان) و(فِعَّال) .
٣- (فُعْلان) و(فُعَّال) .
أمَّا (فَعْلان) و(فَعَّال) فمنه تداخل (ح س س) و(ح س ن) في
[ ١ / ٥١٩ ]
(حَسَّان) وهو اسم رجلٍ؛ يحتمل الأصلين١:
يجوز أن يكون أصله (ح س س) من الحَسِّ؛ فلا ينصرف؛ لأنَّه (فَعْلاَن) .
ومَن صَرَفه فإنَّ أصله عنده: (ح س ن) من: الحُسْنِ، ووزنه (فَعَّال) .
ومثله (طَحَّان) عَلَمٌ، فيحتمل أن يكون (فَعَّالًا) من: الطَّحْنِ؛ فيكون مَصروفًا، ويحتمل أن يكون (فَعْلان) من: الطَّحِّ والطَّحَّاء، وهو الممتد من الأرض٢؛ فلا ينصرف.
وقال ابن بَرِّي: "لا يكون الطَّحَّان مصروفًا إلاَّ من الطَّحن، ووزنه (فَعَّال) ولو جعلته من: الطَّحَّاء - لكان قياسه: طَحْوان؛ لا طَحَّان؛ فإن جَعَلْتَهُ من: الطَّحِّ كان وزنه (فَعْلان) لا فَعَّال"٣.
ومن ذلك (جَدَّان) وهو: اسم رجلٍ؛ فإن جُعل (فَعَّالا) فهو من (ج د ن) وإن جُعل على (فَعْلان) فهو من (ج د د) ٤.
ومثله (حَرَّان) وهو: اسم بَلَدٍ؛ فإنَّه يحتمل الأصلين (ح ر ر) و(ح ر ن) والوَزْنَينِ (فَعَّال) و(فَعْلاَن) ٥.
ومثل ذلك (غَسَّان) و(هَتَّان) و(قَبَّان) و(سَمَّان) .
وأمَّا (فِعْلاَن) و(فِعَّال) فمنه تداخل (ز م م) و(ز م ن) في (زِمَّان)
_________________
(١) ١ ينظر: المقتضب ٣/٣٣٦، وشرح المفصل لابن يعيش ٩/١٥٥، وشرح الشافية للرّضيّ ٢/٣٧٦. ٢ ينظر: المقتضب ٤/١٣. ٣ اللسان (طحن) ١٣/٢٦٥. ٤ ينظر: التكملة للصغاني (جدن) ٦/٢٠٦. ٥ ينظر: اللسان (حرر) ٤/١٨٥.
[ ١ / ٥٢٠ ]
وهو: اسم رجل، يَحتمل أن يكون من باب (زَمَمْتُ النَّاقَةَ) أي: عَلَّقْتُ عليها الزِّمام؛ فيكون على وزن (فِعْلان) .
ويحتمل أن يكون على (فِعَّال) من (الزَّمَنِ) وهو: الوقت.
والأصل الأوَّل أعلى عند ابن جِنِّي١؛ لأنَّ قياس مذهب سيبويه٢ أنَّ ما فيه حرفان ثانيهما مُضَعَّف وبعدهما ألفٌ ونون، يُحمل على زيادة الألف والنُّون ما لم يُعرف اشتقاقه.
ومن ذلك (حِطَّان) وهو: التَّيس؛ فهو يحتمل الأصلين (ح ط ط) على وزن (فِعْلان) و(ح ط ن) على وزن (فِعّال) .
وذهب ابن دريد٣ إلى أنَّه (فِعْلاَن) .
وجعله ابن منظور في (ح ط ن) وأشار إلى الاحتمالين٤.
ومنه (إِبَّان) كل شيء؛ وهو وقته وأوانه؛ فإنه يحتمل الأصلين:
جعله بعضهم من (أب ب) من قولهم: أَبَّ لكذا؛ إذا تهيَّأ له وعزم عليه؛ كأنَّه يقول: أتاني في تهيُّوء ذلك٥؛ فهو -حينئذ (فِعْلان) .
وجعله الجوهريُّ مشتقا من (أب ن) ٦.
ومنه تداخل الأصلين في (عِدَّان فرعون) فإنه يحتمل الأصلين. وقد ذكر ذلك الأزهري بقوله: (من جعل عِدَّان (فِعْلانا) فهو من العَدِّ
_________________
(١) ١ ينظر: المبهج ٣٥. ٢ ينظر: الكتاب ٣/٢١٨. ٣ ينظر: الاشتقاق ٢٢٦. ٤ ينظر: اللسان (حطن) ١٣/١٢٤. ٥ ينظر: البغداديات ٤٠٨. ٦ ينظر: الصحاح (أبن) ٥/٢٠٦٦.
[ ١ / ٥٢١ ]
والعِدادِ ومن جعله (فِعْلالا) فهو من: عَدَن) ١.
والأقرب عنده أنَّه من العَدِّ؛ لأنَّه جُعل بمعنى: الوقت.
وأمَّا (فُعَّال) و(فُعْلان) فيتداخل منه (ر ب ب) و(ر ب ن) في (رُبَّان) كُلِّ شيء؛ وهو مُعظَمُه وجَماعَتُه، ورُبَّان السفينة الّذي يقودها؛ وهو يحتمل الأصلين، والأقرب عند الصَّغانيِّ (ر ب ن) لقولهم: تَرَبَّن فُلانٌ٢؛ أي: صار رُبَّانَ سفينةٍ.
ومن: (الدُّكَّان) وهي: الدَّكَّة المَبْنِيَّة للجلوس عليها؛ وهو يحتمل الأصلين (د ك ك) و(د ك ن) ٣.
فمن اشتقه من قولهم: (دَكَنْتُ الشيء أَدْكُنُهُ دَكْنًا) إذا نَضَدْتُ بعضه فوق بعض؛ فأصله عنده (د ك ن) ووزنه (فُعَّال) وهو محكي عن ابن دريد٤.
ومن اشتقَّه من: الدَّكِّ، لقولهم: أَكَمَةٌ دَكَّاء؛ إذا كانت منبسطة، فهو عنده من (د ك ك) ووزنه (فُعلان) .
ومن ذلك تداخل (ر م م) و(ر م ن) في (رُمَّان) وهو الفاكهة المعروفة؛ وقد اختلفوا في أصله٥:
_________________
(١) ١ التهذيب ٢/٢١٩، ٢٢٠. ٢ ينظر: التكملة (ربن) ٦/٢٣٧. ٣ ينظر: المصنف ١/١٣٥. ٤ ينظر: الجمهرة ٢/٦٨٠. ٥ ينظر: الكتاب ٣/٢١٨، وما ينصرف ٣٧، والمنصف ١/١٣٤، والمحتسب ١/٨٧، وشرح الشافية الكافبة ٤/٢٠٤٥، وشرح الشافية للرّضي ٢/٣٨٨، وشرح المراديّ ٥/٢٥٥.
[ ١ / ٥٢٢ ]
وذهب الأخفش٢ وابن مالك٣ إلى أنَّ أصله (ر م ن) واستدل ابن مالك بثبوت النون في قولهم: (مَرْمَنةٌ) للبقعة الكثيرة الرُّمَّان؛ وكان يرى أنَّه لو كانت النُّون فيه زائدة لقالوا: (أرضٌ مَرَمَّةٌ) لا (مَرْمَنةٌ) .
وليس بعيدًا أن يكون ذلك على قاعدة توهم أصالة الحرف الزَّائد.
ومنه (دُرَّانَةُ) من أسماء النِّساء؛ فهو يحتمل الأصلين (د ر ن) و(د ر ر) .
قال الأزهريُّ: (النُّون في دُرَّانة إن كانت أصلية فهي (فُعْلالَة) [هكذا] من الدَّرَنِ.
فإن كانت غير أصلية فهي (فُعْلانة) مِنَ: الدُّرِّ أو الدَّرِّ؛ كما قالوا: قُرَّان مِنَ: القُّرِّ، أو مِنَ: القَرِينِ) ٤.
ولعلَّ الأزهريَّ وَهِم -﵀- حين قال: إنَّها (فُعْلالَة) مِنَ: الدَّرَنِ؛ لأنَّ قياس وزنها إن كانت مشتقة من (الدَّرَنِ) أن يكون (فُعَّالَة) ولا وجه لـ (فُعْلالة) .
وقد نقله ابن منظور٥ على ما فيه، ولعله سها عن إصلاحه، أو التَّنبيه عليه.
_________________
(١) ١ ينظر: الكتاب ٣/٢١٨. ٢ ينظر: شرح الشافية للرضي ٢/٣٨٨. ٣ ينظر: شرح الكافية الشافية ٤/٢٠٤٥. ٤ التهذيب ١٤/٩٣. ٥ ينظر: اللسان (درن) ١٣/١٥٤.
[ ١ / ٥٢٣ ]
(ثانيًا): ما آخره همزة:
منه تداخل (ص د د) و(ص د أ) في (صَدَّاءَ) وهو: اسم بئر في قَوْلِ الشَّاعر:
وإنِّي وتِهْيَامِي بِزَيْنَبَ كالّذي يُطالِبُ مِن أَحْوَاضِ صَدَّاءَ مَشْرَبَا١
وهي تحتمل الأصلين:
يجوز أن تكون (فَعْلاء) من (ص د د) فكأنَّها تَصُدُّ طالبها.
ويجوز أن تكون (فَعّالا) من (ص د أ) وأنَّه لذلك وضعها ابن منظور في المهموز٢، وقد يقال: (عَيْنٌ صَدآءُ) أي: عَذْبَةُ الماء، وفي المثل: (ماءٌ ولا كَصَدْآءَ) ٣.
ويحتمل أصلًا ثالثًا؛ وهو المعتلّ (ص د ي) ٤ ووزنها -حينئذ (فَعَّال) أيضًا- فيكون اشتقاقها من: صَدَا يَصْدُو أو صَدِيَ يَصْدَى؛ وهو: شدَّة العَطَشِ، والأصل الأخير -أعني: المعتلّ- ليس ممّا نحن فيه هنا.
ومن ذلك تداخل (ك ل أ) و(ك ل ل) في (كَلاَّء) وهو: مَرْفَأُ السُّفن؛ فيحتمل الأصلين:
ذهب سيبويه٥ إلى أنَّه (فَعّال) مثل (جَبَّار) من (ك ل أ) لأنَّه يَكْلأُ السُّفن من الرِّيحِ.
_________________
(١) ١ ينظر: اللسان (صدأ) ١/١٠٩. ٢ ينظر: اللسان (صدأ) ١/١٠٩. ٣ ورد هذا المثل بالصيغتين: صدّاء وصدآء. ينظر: الأمثال لأبي عبيد ١٣٥، وجمهرة الأمثال ٢/٢٤١، والمستقصى في أمثال العربية ٢/٣٣٩. ٤ ينظر: تهذيب اللغة ١٢/٢٣٠، واللسان (صدأ) ١/١٠٩. ٥ ينظر: الكتاب ٤/٢٥٧.
[ ١ / ٥٢٤ ]
وهو عند ثَعْلَبٍ (فَعْلاء) مِن (ك ل ل) لأنَّ الرِّيحَ تَكِلُّ فيه فلا يَنْخَرِقُ١، وقيل٢: إنَّه من (كَلَّ) إذا تَعِبَ.
وقولُ سيبويه أَرْجَحُ؛ لأنَّهم ذكروا أنَّ الكَلاَّءَ مُذَكَّرٌ لا يُؤنِّثُه أحدٌ مِنَ العرب٣.
وبتداخل في (الثُّفَاءِ) وهو حبُّ الرَّشاد أصلان (ث ف أ) و(ث ف ف) وهو يحتملهما؛ فيجوز أن يكون (فُعَّالا) ٤ مَن (ث ف أ) أو (فُعْلاَء) من (ث ف ف) والأوَّل أرجح؛ لأنَّ (ث ف ف) أصلٌ مهملٌ.
ومنه (الدُّبَّاء) وهو: القَرْعُ، وواحدها: دُبَّاءةٌ؛ وهو يحتمل الأصلين:
ذهب الهَرويُّ٥ إلى أنَّه (فُعْلاء) من (د ب ب) وتابعه ابن الأثير٦ ومُوَفَّق الدِّين البغداديُّ٧.
ويَرى الزَّمخشريُّ أنَّه (فُعال) ولامهُ همزةٌ؛ آخذًا بظاهر اللَّفظ، ومستدلًا بأنَّه لا يُعرف انقلاب لامِهِ عن واوٍ أو ياءٍ٨.
ويحتمل (القِثَّاءُ) الأصلين (ق ث أ) من قولهم: أَقْثَأَ القَوْمُ؛ إذا كثُرَ عندهم القِثَّاءُ؛ فوزنه -حينئذ (فِعّال) .
_________________
(١) ١ ينظر: اللسان (كلأ) ١/١٤٦. ٢ ينظر: شرح المفصل لابن يعيش ٦/١٢٧. ٣ ينظر: اللسان (كلأ) ١/١٤٦. ٤ ينظر: اللسان (ثقأ) ١٤/١٤. ٥ ينظر: الغريبين ٢/٢٧٧. ٦ ينظر: النهاية ٢/٩٨. ٧ ينظر: المجرد للغة الحديث ١/٤٩٢. ٨ ينظر: الفائق ١/٤٠٧.
[ ١ / ٥٢٥ ]
ويجوز أن يكون وزنه (فِعْلاَء) من (ق ث ث) .
وقد أجاز ابن عَقِيلٍ١ الأصلين؛ ولكنَّه ذكَرَ أنَّ وزنه على احتمال أصالة الهمزة (فِعْلال) ٢ وهو غير مستقيم كما ترى، وقياس وزنه (فِعَّال) .
_________________
(١) ١ ينظر: المساعد ٤/٦٥. ٢ وقع في المساعد شيء من الخلل في ثلاثة أوزان، وذاك أن ابن عقيل –﵀- ذكر أن قثّاء وحنّان وقُوباء وعِقيان تحتمل زيادة الحرف الأخير، فتكون أوزانها (فِعْلاء) و(فِعْلان) و(فُعلاء) و(فِعْلان) على التوالي؛ وهذا مستقيم. ثم ذكر أن أوزانها على الاحتمال الآخر، وهو أصالة الحرف الأخير بعد الألف: (فِعْلان) و(فِعّال) و(فُعَّال) و(فعلال) (هكذا بدون ضبط) فواحد من هذه الأربعة على قياس الوزن؛ وهو الثاني، والثلاثة الباقية ليس على قياس الوزن، وصوابها على التوالي: (فِعّال) وهو وزن قِثَّاء و(فَعّال) وهو وزن حَنّان وقد ذكر على الصّواب و(فُوْعال) مثل طُومار وهو وزن قُوباء و(فِعْيال) مثل جِرْيَال وهو وزن عِقْيَان. ولعلّ الخلل في هذه الأوزان وقع من النسّاخ أو من الطّباعة.
[ ١ / ٥٢٦ ]
الفصل الثاني: التداخل في الرباعي والخماسي
مدخل
الفصل الثَّاني: التَّداخل في الرُّباعيّ والخماسيّ
يقلّ تداخل الأصول بين الرّباعي والرّباعي قلّةً ظاهرةً، ويصل إلى حدّ النُّدرة بين الخماسيّ والخماسي. ولمّا كان الرّباعي والخماسيّ متشابهين في قلَّة المادّة وندرة التَّداخل؛ ولا سيّما الخماسي جاء الحديث عنهما- هنا - في موضع واحد.
إنَّ لندرة التَّداخل في الرُّباعيّ أوالخماسيّ أسبابًا من أهمّها:
الأوّل: قلّة ما جاء في اللّغة العربية من الرُّباعيّ أو الخماسيّ؛ قياسًا على ما جاء منها في الثّلاثيّ؛ ألا ترى أنَّ ما جاء على الرُّباعيّ في (الصّحاح) للجوهريّ لا يتعدّى ما نسبته (٦٦ر١٣؟) وهو ما يمثّل ثمانية وستين وسبعمائة أصل من مجموع ما في الصّحاح من أصول؛ وعدّتها عشرون وستمائة وخمسة آلاف أصل١.
وما فيه من الخماسيّ لا يتجاوز ما نسبته (٦٧ر..؟) وهي نسبة
_________________
(١) ١ ينظر: دراسة إحصائية لجذور مفردات اللّغة العربيّة في الصّحاح٢٣. ولا شكّ أن القارئ سيدرك اختلافًا يسيرًا في النّسبة المذكورة ومجموع الجذور بين ما ذكرته وما ورد في هذا المرجع، وسبب ذلك أنّني تركت واحدًا وعشرين جذرًا من المجموع العام لما في الصحاح من جذور؛ لأنّها من المبنيّات كالحروف الثّنائية ونحوها؛ كـ إذا وها وهلا ممَّا ذكره الجوهري في باب الألف اللّينة، وقد ذكروا أنَّه ليس من الأصول المتصرفة. وللموازنة ينظر: دراسة إحصائية لجذور معجم تاج العروس٩. ولا بدّ أنّ القارئ سيتنبه –أيضًا- إلى أنَّ الجذور الرباعية –هنا- نقصت أصلين عمّا جاء في كتاب: دراسة إحصائية لجذور مفردات اللّغة العربيّة في الصحاح، والمشار إليه في صدر هذه الإحالة.
[ ١ / ٥٢٩ ]
جدّ قليلة؛ لا تكاد تذكر؛ لأنّ ما في الصّحاح من الخماسيّ لا يتجاوز ثمانية وثلاثين أصلًا.
أمّا الثّلاثيّ في الصّحاح فبلغت نسبته (٨٥،٦٥؟) لأنَّ عدد الأصول الثّلاثية فيه أربعة عشر وثمانمائة وأربعة آلاف أصل؛ وهو ما يزيد على أربعة أخماس ما في الصّحاح من أصول.
وتختلف النسبة قليلًا في (لسان العرب) وفي (تاج العروس) ولكنّها لا تبتعد كثيرًا عمّا في (الصّحاح) .
فالرباعي في (اللّسان) ١ يبلغ ما نسبته (٤٧، ٢٧؟) لأنّه يمثّل ثمانية وأربعين وخمسمائة وألفي أصل من مجموع أصول (اللّسان) البالغ ثلاثة وسبعين ومائتين وتسعة آلاف أصل؛ بينما لا يتجاوز الخماسيّ ما نسبته (٠٢، ٢%) إذ لم تتجاوز الأصول الخماسية سبعة وثمانين ومائة أصل؛ في حين بلغ الثّلاثيّ ما نسبته (٥١، ٧٠%) لأنَّ ما فيه من ذلك يبلغ ثمانية وثلاثين وخمسمائة وستة آلاف أصل.
أمَّا (تاج العروس) ٢ فتبلغ الأصول الرّباعية فيه ما نسبته (٠٧، ٣٤%) فعدّتها واحد وثمانون وأربعة آلاف أصل رباعيّ من مجموع ما فيه من الأصول، وقدره ثمانية وسبعون وتسعمائة وأحد عشر ألف أصل؛ بينما لم يتجاوز الخماسيّ في (التّاج) ما نسبته (٥، ٢%) وهو يمثّل ثلاثمائة أصل خماسيّ؛ في حين بلغت نسبة الثّلاثيّ (٤٢، ٦٣%) وهي تمثّل سبعة وتسعين وخمسمائة وسبعة آلاف أصل ثلاثي.
_________________
(١) ١ ينظر: إحصائيّات جذور معجم لسان العرب٩٣. ٢ ينظر: دراسة إحصائيّة لجذور معجم تاج العروس٩.
[ ١ / ٥٣٠ ]
وفيما يلي إحصاء ما تقدم في الجداول الثلاثة التالية، لتسهل على القارئ الموازنة:
جدول عدد الأصول الثلاثية في المعاجم الثلاثة
المعجم
الثلاثي
نسبة الرباعي
الخماسي
المجموع
الصحاح
٤٨١٤
٧٦٨
٣٨
٥٦٢٠
اللسان
٦٥٣٨
٦٥٤٨
١٨٧
٩٢٧٣
التاج
٧٥٩٧
٤٠٨١
٣٠٠
١١٩٧٨
جدول يبين نسبة الأصول الثلاثة في كل المعاجم
المعجم نسبة الثلاثي نسبة الرباعي نسبة الخماسي
الصحاح ٨٥.٦٥‰ ١٣.٦٧‰ ٠٠.٦٧‰
اللسان ٧٠.٥١‰ ٢٧.٤٧‰ ٢.٠٢‰
التاج ٦٣.٤٣‰ ٣٤.٠٧‰ ٢.٥‰
[ ١ / ٥٣١ ]
الثّاني: أنَّ من أهمّ أسباب تداخل الأصول أن تزيد حروف الكلمة على عدد حروف الأصل؛ فإذا زادت زادت فرص التَّداخل.
والفرق في ذلك بين الثّلاثيّ من جهة، والرباعي والخماسي من جهة كبيرٌ؛ فالثّلاثي عرضة للزوائد بجميع أنواعها؛ ويساعد على ذلك خفّته؛ لقلّة أصوله؛ بينما تقلّ الزّوائد في الرّباعي لثقله، وهي أقلّ في الخماسيّ، وقد تقدّم في الباب الأوّل١ أنَّ الفعل لا يكون خماسيَّ الأصول للثّقل.
وإن وقع فيهما شيء من الزّوائد فهو في الغالب من حروف العلّة: الألفِ والواو والياءِ؛ وهنّ أمّهات الزوائد، وزيادتهن في الرّباعي أو الخماسيّ لا خفاء فيها؛ لأنّهنّ لا يكنّ أصلًا فيهما؛ كما قرّر جمهور علماء العربيّة.
ومثال الألف - فيما يكثر زيادته (سِرْدَاحٌ) وهي: النّاقة السّريعة، و(قَبَعْثَرَى) وهو: الجمل الضَّخم العظيم.
ومثال الواو (عُصْفُورٌ) و(عَضْرَفُوطٌ) وهو ذَكَرُ العِظَاء.
أمَّا الياء فمثالها (غِطْرِيفٌ) وهو: السِّيد الكريم، و(خُزَعْبِيلٌ) وهو: الباطل.
وممّا يكثر زيادته النّون؛ وهي مطّردة في الرّباعي وما شابهه؛ إذا توسّطت ساكنة؛ نحو (جَحَنْفَلٍ) و(غَضَنْفَرٍ) .
وأمر النّون في وضوحٍ زيادتها في ذلك الموضع كوضوح زيادة
_________________
(١) ١ ينظر: ص (١٣٦) من هذا البحث.
[ ١ / ٥٣٢ ]
حروف العلّة الثّلاثة؛ لأنَّ النّون من حروف الذّلاقة الّتي لا يكاد يَعرَى رباعيٌّ أو خماسي منها١.
وتزاد النّون آخرًا في الرّباعي؛ نحو (عُقْرُبَان) وهي: دُويّبة تدخل الأذن، و(حِدْرِجَان) وهو: القَصير من الرِّجال.
أمَّا زيادة النّون في الخماسيّ فنادرة؛ نحو (قُرَعْبَلانَة) وهي: دُوَيبة عريضةٌ؛ وهذا البناء من النَّوادر؛ لأنَّ الخماسيّ لا يكاد تلحقه إلاَّ زيادة واحدة٢؛ وهي في الغالب من حروف العلّة.
فيتّضح بذلك الفرق بينهما وبين الثّلاثيّ الّذي يحتمل أربعة أحرفٍ زوائد في آنٍ واحد؛ مثل (اشْهِيبَابٍ) و(احْمِيْرَارٍ) وهما على (افْعِيلال) ٣ و(كُذُبْذُبَان) .
فإذا زاد عليه قلّة الرّباعي والخماسي في اللّغة؛ على نحو ما ثبت بالموازنة؛ زادت الهوّة بينهما، وتكشَّفتْ؛ فقلّ التّداخل في الرّباعي إلى حدٍّ كبير، وندر في الخماسيّ حتّى كاد ينعدم وجوده.
الثَّالث: أنَّ أكثر ما جاء من تداخل الرُّباعيّ أو الخماسيّ إنَّما يقع بين كلِّ واحد منهما وما كان دونه في الأصول؛ أي: أنّ التَّداخل يكون بين الرُّباعيّ والثّلاثي، ويكون بين الخماسيّ والرباعي، أو الخماسيّ
_________________
(١) ١ ينظر: سر الصناعة١/٦٤،٦٥، وشرح الشّافية للرّضي٣/٢٦٢، ورسالة في الحروف الذّولقية١٥١. ٢ ينظر: الممتع١/١٦٣. ٣ ينظر: الممتع ١/١٤٤.
[ ١ / ٥٣٣ ]
والثلاثي، وكلّ ذلك ليس ممَّا نحن فيه في هذا الفصل؛ فله بحثٌ مستقلٌ يأتي -إن شاء الله- في محلِّه. ولعلَّ هذا ممّا يفسّر قلّة التّداخل - هنا - أيضًا.
على أنّه لا يجوز أن يقاس على الثّلاثي؛ لأنَّ الثّلاثي لا أصول أقلّ منه، ولو وجد ذلك في العربيّة لما كثر التَّداخل فيه على النّحو الّذي تقدَّم في الفصل السّابق.
[ ١ / ٥٣٤ ]
المبحث الأوَّلُ: التَّداخل بين الرّباعي والرّباعيّ
من ذلك تداخل (ب ل أص) و(ب ل هـ ص) في قولهم: (بَلأَص) إذا فرَّ وعَدَا من فزعٍ، وأسرع؛ ومنه قول الشّاعر:
ولَوْ أُرِي فَاكَرِشٍ لَبَلْهَصَا١
فهو يحتمل الأصلين:
ذهب ابن فارس إلى أنَّ أصله (ب ل هـ ص) على الإبدال؛ وكان يقول: "بَلأَصَ: غير أصلٍ؛ لأنَّ الهمزة مبدلة من هاء، والصَّاد مبدلة من سينٍ"٢. وتبعه في ذلك الأزهري٣.
وذهب ابن منظور٤ إلى أنَّ الأصل (ب ل أص) وذكر (بَلْهَصَ) في أصلٍ مستقلٍّ؛ ولم يستبعد الإبدال؛ حين قال: "وقد يجوز أن يكون هاؤه بدلًا من همزة بَلأصَ"٥.
_________________
(١) ١ ينظر: التهذيب٦/٥١٩، واللسان (بلهص) ٧/٨. ويروى –أيضًا ولو رأى قال الأزهري: فَاكَرشٍ؛ أي: مكانًا ضيّقًا يُستخفى فيه. ٢ المقاييس ١/٣٣٢. ٣ ينظر: التهذيب ٦/٥١٨. ٤ ينظر: اللّسان (بلهص) ٧/٨. ٥ اللّسان (بلهص) ٧/٨.
[ ١ / ٥٣٥ ]
ونقل ذلك الزَّبِيدي١. ولا يستبعد الإبدال بين الهمزة والهاء؛ لأنّهما من الحلق ومخرجهما واحد.
ويتداخل (ح ن ت ل) و(ح ت أل) في (الحُنْتَألِ) في قولهم: "مالي عنه (حُنْتَألٌ) أي: ما لي منه بدٌّ؛ وهو يحتمل الأصلين: يجوز أن يكون أصله (ح ن ت ل) فتكون الهمزة زائدة؛ ووزنه - حينئذً (فُعْلأل) وإلى هذا ذهب ابن سيده، وابن منظور٢.
وذهب الجواليقي إلى أنَّ الأصل (ح ت أل) بزيادة النّون؛ وأنَّ وزنه (فُنْعَلٌّ) ٣.
وما ذهب إليه ابن سيده وابن منظور هو الأقرب؛ فقد روى الجوهريّ أنَّهم يقولون: "ما أجد منه حُنْتاَلًا"٤ بلا همزٍ؛ وإن كان يجوز حمله على التّسهيل.
ويقوِّيه -أيضًا- سقوط الهمزة في (الحُنْتُلِ) وهو شبه المِخلب المُعَقَّفِ٥؛ فالاشتقاق يقوِّيه؛ لأنَّ المخلب هو الّذي ينشب في الشَّيء؛ فلا يكاد ينفكّ منه؛ فقولهم: (ما لي عنه حُنْتَألٌ) يعني: ما لي منه بدٌّ، وهو
_________________
(١) ١ ينظر: التّاج (بلهص) ٤/٣٧٥. ٢ ينظر: اللسان (حنتل) ١١/١٨٣. ٣ ينظر: مختصر شرح أمثلة سيبويه٨٦. ٤ ينظر: الصّحاح (حتل) ١٦٦٦. ٥ ينظر: التهذيب٥/٣٣٢.
[ ١ / ٥٣٦ ]
قريب من هذا المعنى.
ويحتمل (دَهْدَيتُ) في قولهم: (دَهْدَيتُ الحجرَ) أي: دَحْرجْته- الأصلين:
حمله بعضهم على ظاهره فجعله من (د هـ د ى) كما فعل ابن منظور١. وهو رأي ضعيف؛ لأنَّ حرف العلّة لا يكون أصلًا في رباعيٍّ خلا المضاعف؛ نحو عَوْعَى عَوْعَاةً: زجر الضَّأن، وقوقَتِ الدَّجاجة.
وجعله الخليل من (د هـ د هـ) ٢ فالياء الأخيرة مبدلة من هاء، وأصله (دَهْدَهْتُ) واستدلّ بقول عمرو بن كلثوم:
يُدَهْدِهْنَ الرُّؤُوسَ كَمَا تُدَهْدِي حَزَاوِرَةٌ بِأَيْدِيهَا الكُرِينَا٣
وكان يقول: "حوَّل الهاء الأخيرة ياءً؛ لأنَّ الهاء أقرب الحروف شَبَهًا بالياء؛ ألا ترى أنَّ الياء مَدَّةً والهاء نَفَسٌ، ومن هنالك صار مجرى الياء والواوِ والألف والهاء في رويِّ الشّعر واحدًا"٤.
وسار على هذا المبحث في أصل الكلمة: المازِنيّ وابن جنّي٥،
_________________
(١) ١ ينظر: اللسان (دهدى) ١٤/٢٧٦. ٢ ينظر: العين٣/٣٤٨. ٣ ينظر: ديوانه٨٨، وفيه يدهدون وفي شرح ديوان امرئ القيس بتحقيق السّندوبي ص٣٢٦ ما يوافق رواية الخليل. والحَزْوَر والحَزَوّر الغلام الّذي قد شبَّ وقوي، والجمع: حَزَاوِرة، ينظر: اللسان (حزر) ٤/١٨٦. ٤ العين٣/٣٤٨. ٥ ينظر: المنصف٢/١٧٥.
[ ١ / ٥٣٧ ]
واستدلاّ بقولهم: (دَهْدُوهَةُ الجُعْلِ) بمعنى: دَحْرُوجَتِه، وبقولهم: (دَهْدَهْتُ) فدلّ ذلك على أنَّ الهاء أصل؛ ولكنّهم أبدلوا منها الياء.
وثَمَّةَ أصل ثالثٌ يحتمله اللّفظ؛ ليس ممَّا نحن فيه؛ وهو أن يكون ثلاثيًا؛ فيكون وزن (دَهْدَى) (فَعْلَى) من باب سَلِسٍ وقَلِقٍ، ثمّ زيدت فيه الألف للإلحاق بالرّباعي١.
ويتداخل في الرّباعي (ط م أن) و(ط أم ن) في قولهم: (اطْمَأنَّ) فهو (مُطْمَئِنٌّ) بمعنى: سَكَنَ؛ وهو يحتمل الأصلين؛ وقد اختلفوا فيه٢:
ذهب سيبويه إلى أنَّ أصله (ط أم ن) وإنّما حدث فيه قلبٌ٣ بتقديم الهمزة؛ فيكون وزن (اطْمأنّ) و(مُطْمَئِنٌّ) على مذهب سيبويه (افْلَعَلّ) و(مُفْلَعِلاّ) على القلب.
وذهب أبو عمر الجَرمِيّ إلى أنَّ الأصل (ط م أن) ٤ وهو عكس مذهب سيبويه؛ فيكون وزن (اطْمَأَنّ) و(مُطْمَئِنٌّ) (افْعَلَلّ) و(مُفْعَلِلًاّ) مثل (اقْشَعَرَّ) و(ومُقْشَعِرٍّ) .
وقد وازن العلماء بين المذهبين وحجّة كلّ منهما، فاختار بعضهم مذهب سيبويه، واختار بعضهم مذهب الجَرميّ.
_________________
(١) ١ ينظر: احتمال الصّورة اللّفظية لغير وزن١١٨. ٢ ينظر: المنصف٢/١٠٤، والخصائص٢/٧٤،٧٥، والصحاح (طمن) ٦/٢١٥٩، وبغية الآمال١٣١، وشرح الشافية للرّضي٢/٧٤، والممتع٢/٦١٧. ٣ ينظر: الكتاب٣/٤٦٧. ٤ ينظر: المنصف٢/١٠٤، والممتع٢/٦١٧.
[ ١ / ٥٣٨ ]
وممّن اختاروا مذهب سيبويه: ابن جنّي١ الّذي يعدُّ خير من علّل مذهب سيبويه وأبرز حجّته؛ فذكر أنَّ سيبويه كان يرى أنَّه لمّا كان (طَأْمَنَ) مجرّدًا من الزّوائد، و(اطْمَأَنَّ) مزيدًا فيه، ولم يُمسع (طَمْأَنَ) من غير زيادة٢؛ فينبغي أن يكون المجرّد هو الأصل، وهو (طَأْمَنَ) والمزيد فيه هو المقلوب؛ وهو (اطْمَأَنَّ) لأنَّ الزّيادة إذا لحقت الكلمة لحقها ضربٌ من الوَهَن "لأنَّ مخالطتها شيء٣ ليس من أصلها مزاحمة لها وإذا كان في الزّيادة طرف من الإعلال للأصل كان أن يكون القلب مع الزِّيادة أولى؛ وذلك أنَّ الكلمة إذا لحقها ضربٌ من الضّعف أسرع إليها ضعفٌ آخر؛ كحذفهم ياَء حَنِيفَةَ في الإضافة إليها لحذف تائها في قولهم: حَنَفِيٌّ، ولمّا لم يكن في: حَنِيفٍ تاءٌ تُحذف فيحذف ياؤها جاء في الإضافة إليه على أصله، فقالوا: حَنِيفِيٌّ"٤.
وانبرى ابن جنّي إلى رأي الجَرميّ محاولًا إبطال حجّته الّتي تقوّي مذهبه؛ فقال: "فإن قال أبو عُمَر: جَرْيُ المصدر على: اطْمَأَنَّ، يدلّ على أنّه هو الأصل، وذلك قولهم: الاطْمِئْنَان- قيل: قولهم: الطَّاْمَنَةُ، بإزاء قولهم: الاطْمِئْنَان فمصدر بمصدر.
_________________
(١) ١ ينظر: الخصائص٢/٧٤،٧٥. ٢ ينظر: المنصف٢/١٠٤. ٣ كذا في الخصائص٢،٧٤، وهو فاعل مخالطة ويجوز النصب على أنه مفعول، كما قال محقق الخصائص الشيخ محمد علي النجار. ٤ الخصائص٧٤، ٧٥.
[ ١ / ٥٣٩ ]
وبقي على أبي عمر أنَّ الزّيادة جرت في المصدر جريها في الفعل والعلّة في الموضعين واحدة، وكذلك الطُّمَأنِينَةُ ذات زيادة؛ فهي إلى الإعلال أقرب"١.
وفي الحقّ أنّ ما ذكره ابن جنّي في الاحتجاج لسيبويه، وإضعاف رأي الجرمي، من الممكن نقضه ألا ترى أنّه أقام دليله وحجّته على أساس أنّ العرب لم تقل (طَمْأَنَ) البتّة٢ بل قالت: (اطْمَأَنَّ) في حين أنَّ الأمر بخلاف ذلك؛ فقد روى أئمّة اللّغة (طَمْأَنَ) بإزاء (طَأْمَنَ) .
قال الفارابِيُّ: "طَأْمَنَ ظهره، وطَمْأَنَ، بمعنى"٣.
وقال الجوهريُّ: "طَمْأَنَ ظهره وطَامَنَه بمعنى، على القلب، وطَأْمَنت منه: سَكَّنْتُ"٤.
ونقل نحو ذلك جماعة؛ منهم السَّرقُسْطِيُّ٥، وابن منظور٦،
_________________
(١) ١ الخصائص ٢/٧٥. ٢ ينظر: المنصف٢/١٠٤. ٣ ديوان الأدب٤/٢٤٥. ٤ الصحاح (طمن) ٦/٢١٥٩. ٥ ينظر: الأفعال٣/٢٨٤، والسّرقسطيّ هو: أبو عثمان سعيد بن محمّد المعافريّ السّرقسطيّ؛ المعروف بابن الحدّاد، وهو من أئمة اللّغة والنّحو في زمانه، توفي بعد (٤٠٠هـ) ومن مصادر ترجمته: الصِّلة١/٢١٣، وبغية الوعاة١/٥٨٩، وكشف الظّنون١/١٣٣. ٦ ينظر: اللِّسان (طمن) ١٣/٢٦٨.
[ ١ / ٥٤٠ ]
والفيروزآبادي١، والزَّبِيديّ٢، دون أن ينكره أحد منهم. ومن سمع أو روى حجّة على من لم يسمع أو لم يروِ.
وبذلك يتساوى الأصلان (طَمْأَنَ) و(طَأْمَنَ) في ورودهما متجرّدين من الزَّوائد؛ فيبقى ترجيح أحدهما على الآخر؛ بالنّظر إلى تصرّف كلّ منهما؛ وهي قاعدتهم في معرفة الأصل في القلب.
فإن تساويا فليس أحدهما بأولى من الآخر؛ وإن رَجَحَ أحدهما فهو - في الغالب - الأصل. وتقَصِّي ذلك في (طَأْمَنَ) و(طَمْأَنَ) يبيّن ما يلي:
قالوا في الأوّل: طَأْمَنَ يُطَأْمِنُ طَأْمَنَةً فهو مُطَأْمِنٌ٣.
وقالوا في الثّاني: طَمْأَنَ يُطَمْئِنُ طَمْأَنَةً، واطْمَأَنَّ يَطْمَئِنُّ اطْمِئْنَانًا وطُمَأْنِينَةً، وهو مُطْمَئِنٌّ.
وبذلك يتَّضح أنَّ (طَأْمَنَ) قصَّر عن (طَمْأَنَ) في التّصريف؛ فلم يأت منه (اطْأَمَنَّ يَطْأَمِنُّ اطْئِمْنَانًا فهو مُطأَمِنٌ، فيما يقابل: اطْمَأَنَّ يَطْمَئِنُّ اطْمِئْنَانًا فهو مُطْمَئِنٌّ. ولم يأتِ (طُؤَمْنِينَةٌ) فيما يقابل طُمَأْنِينَةً.
ولعلّ ذلك ما جعل الرَّضيّ٤ وابن عصفور يأخذان برأي الجَرميّ وقد كان ابن عصفور أكثر وضوحًا في ذلك حينما عرض للرّأيين، وعلّق
_________________
(١) ١ ينظر: القاموس (طمن) ١٥٦٥. ٢ ينظر: التَّاج (طمن) ٩/٢٧٠. ٣ ينظر: اللّسان (طمن) ١٣/٢٦٨، والقاموس (طمن) ١٥٦٥، والتَّاج (طمن) ٩/٢٧٠. ٤ ينظر: شرح الشّافية١/٢٢.
[ ١ / ٥٤١ ]
على رأي الجَرميّ بقوله: "وهو الصّحيح عندي؛ لأنَّ أكثر تصريف الكلمة أتى عليه"١ أي على (طَمْأَنَ) .
ولعلَّ ممّا يرجّح هذا الأصل - أعني (ط م أن) أنّ القرآن الكريم جاء عليه في ثلاث عشرة آية٢، ولم يأت فيه من الأصل الآخر شيء.
_________________
(١) ١ الممتع٢/٦١٧،٦١٨. ٢ وهي: ﴿اطْمَأَنّ﴾ في سورة الحج الآية١١، و﴿اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ في سورة النّساء، الآية١٠٣، و﴿اطْمَأَنُّوا﴾ في سورة يونس، الاية٧، و﴿تَطْمَئِنّ﴾ في سورة آل عمران، الاية١٢٦، والمائدة، الآية١١٣، والأنفال، الآية١٠، والرّعد، الآية ٢٨مرّتين، و﴿لِيَطْمَئِنَّ﴾ في سورة البقرة، الاية٢٦٠، و﴿مُطْمَئِنّ﴾ في سورة النّحل، الآية١٠٦، و﴿مُطْمَئِنِّينَ﴾ في سورة الإسراء، الآية٩٥، و﴿مُطْمَئِنَّةً﴾ في سورتي: النّحل، الآية١١٢، والفجر، الآية٢٧.
[ ١ / ٥٤٢ ]
المبحثُ الثَّاني: التَّداخل بين الخماسيّ والخماسيّ
تقدَّم أن التَّداخل بين الخماسيّ والخماسي نادر الوقوع للأسباب الّتي ذكرت ثَمَّ.
وممّا جاء منه تداخل (ز ب ر ج د) و(ز ب ر د ج) في (الزَّبَرْجَدِ) وهو الزُّمُرُّدُ؛ فيحتمل الأصلين:
يجوز أن يكون أصله (ز ب ر د ج) على ظاهر لفظه؛ كما وضعه ابن منظور١، وتابعه الفيروزآباديّ٢.
ويجوز أن يكون الأصل فيه (ز ب ر ج د) فيكون (زَبَرْدَجٌ) مقلوبًا من (زَبَرْجَدٍ) .
وإلى هذا ذهب ابن جنّي، وذكر أنَّه جاء مقلوبًا في ضرورة الشّعر؛ وهو مخصوص بالقافية.
والعلّة عنده في جعله مقصورًا على الضّرورة؛ أنَّ العرب لا تقلب الخماسيّ؛ لاستكراههم هذا البناء؛ لإفراط طوله٣.
ومن ذلك تداخل الأصلين (ق ر ط ع ب) و(ق ر ع ط ب) في قولهم: ما لفلان قُرُطْعُبَة، أي ماله قليل ولا كثير. قال الرّاجز:
فَمَا عَلَيهِ مِنْ لِبَاسٍ طِحْرِبَهْ
_________________
(١) ١ ينظر: اللّسان (زبردج) ٢/٢٨٥. ٢ ينظر: القاموس (زبردج) ٢٤٤. ٣ ينظر: الخصائص١/٦٢، والمحكم٧/٤١٤.
[ ١ / ٥٤٣ ]
وَمَالَهُ مِنْ نَشَبٍ قُرُطْعُبهْ١
وقال: رواها أبو زيد فيما حكاه ابن دُريد: قُرُعْطُبة٢، وعدّها السّيوطيّ من القلب٣.
وليس لدينا دليل قاطع لتمييز الأصل من المقلوب في هذه الكلمة، ويمكن أن يفهم من كلام أكثر الأئمّة أنّ الأصل (ق ر ط ع ب) بتقديم الطّاء؛ فقد ذكرها فيه كلٌّ من الجوهريّ٤، والصّغانيّ٥، وابن منظور٦، والفيروزآباديّ٧، والزَّبِيديّ٨، ولم يحكوا فيه القلب، أو يذكروه في الأصل الآخر.
ومن ذلك تداخل الأصلين (ق ن ع ص ر) و(ق ن ص ع ر) في (قِنْصَعْرٍ) على رواية كُراعٍ، وقد فسَّره بأنَّه القصير الظّهر والعنق من
_________________
(١) ١ ينظر: الجمهرة٢/١٢٢٣، والإبدال لأبي الطّيب١/٤٩، واللسان (قر طعب) ١/٦٧١، وقُرُطعبة في البيت بضمّ الرّاء على رواية الجمهرة، وبفتحها في اللّسان. وقد روى الفيروزآبادي الكلمة في غير البيت على ثلاث صور من الضّبط؛ وهي: قِرْطَعبة كجردحلة، وقُرُطعُبَة ككُذُبْذُبة، وقُرَطعَبَة كذُرَحْرَح. ينظر: القاموس (قرطعب) ١٥٩. ٢ ينظر: الجمهرة٢/١٢٢٣. ووزن (فُعُلّل) من أوزان الخماسيّ المختلف فيها. ٣ ينظر: المزهر١/٤٧٩. ٤ ينظر: الصِّحاح (قرطعب) ١/٢٠١. ٥ ينظر: التكملة (قرطعب) ١/٢٣٩. ٦ ينظر: اللسان (قرطعب) ١/٦٧١. ٧ ينظر: القاموس (قرطعب) ١٥٩. ٨ ينظر: التَّاج (قرطعب) ١/٤٢٧.
[ ١ / ٥٤٤ ]
الرِّجال١.
و(القِنْصَعْرُ) مقلوب من (قِنْعَصْرٍ) أو العكس؛ فإنَّ معناهما واحد. على أنّ كُراعًا خالف اللّغوييّن في روايته بتقديم العين على الصّاد؛ فلم أجد من يوافقه على ذلك؛ فجمهور اللّغويين مجمعون على أنّه من الأصل الثَّاني، أعني: (ق ن ص ع ر) ٢.
غير أنَّ الأزهري رواه بتقديم العين على النّون - أيضًا - قال -بعد أن ذكر ما يوافق الجمهور: "وضَرَبْتُهُ حَتَّى اقْعَنْصَرَ؛ أي: تقاصر إلى الأرض؛ وهو مُقْعَنْصِرٌ؛ قدّم العين على النّون حتّى يحسن إخفاؤها؛ فإنّها لو كانت بجنب القاف ظهرت؛ وهكذا يفعلوان في (افْعَنلَلَ) يقلبون البناء حتَّى لا تكون النّون قبل الحروف الحلقيّة"٣.
ولا يخفى أنّ قياس البناء في (اقْعَنصَرَ) يقتضي زيادة النّون؛ لتوسّطها ساكنة؛ كنون (احْرَنْجَمَ) فتكون الكلمة رباعيّة، فتخرج - حينئذ - ممَّا نحن فيه، أو تكونا من باب: سَبِطٍ وسِبَطْرٍ.
ويظهر ممَّا تقدَّم أنَّ الإبدال أو القلب من أهمِّ أسباب التَّداخل بين الرُّباعيّ والرّباعيّ أو الخماسيّ والخماسيّ.
_________________
(١) ١ ينظر: المنتخب١/١٦٨. ٢ ينظر: العين٢/٢٨٨، والجمهر ة٣/١٢٢٨، والتهذيب ٣/٢٧٩، واللسان (قنصعر) ٥/١١٨، والقاموس (قنصعر) ٥٩٩، والتَّاج (قنصعر) ٣/٥٠٩. ٣ التهذيب٣/٢٧٩.
[ ١ / ٥٤٥ ]
الباب الثالث: التداخل بين بناءين مختلفين
التداخل بين الثلاني والرباعي
الفصل الأوّل: التَّداخل بين الثّلاثيّ والرّباعي
لا يصل التَّداخل بين الثّلاثيّ والرباعيّ في شيوعه أو كثرته إلى ما وصل إليه التَّداخل بين الثّلاثيّ والثلاثي، كما تقدّم في الباب الثّاني؛ وهو - مع ذلك - كثير، وقد نبّه على كثرته ابن جنّي١.
والّذي يلفت النّظر من خلال فحص أمثلته الكثيرة وتأمّلها- أنّ أقسام التَّداخل فيها سبعة؛ وهو أحرى أن يدرس من خلالها؛ وهي على النّحو التّالي:
١-ما جاء على (فَعْلَل) المضاعف.
٢-ما تقارب فيه الأصلان فتداخلا.
٣-ماآخره ميم.
٤-ما في حشوه ميم.
٥-ما آخره نونٌ.
٦-ما ثانيه نونٌُ.
٧-ما تنوَّع فيه التَّداخل.
_________________
(١) ١ ينظر: الخصائص٢/٤٩.
[ ١ / ٥٤٩ ]
المبحث الأوّل: ما جاء على (فعْلل) المضاعف
من الرّباعي - عند البصريّين - نوع يماثل أوّلُه ثالثَهُ وثانيه رابعَه، نحو (صَلْصَلَ) و(زَلْزَلَ) و(قَلْقَلَ) و(كَبْكَبَ) وقد وقفنا - من قبل - على اختلاف علماء العربيّة القدامى في أصوله؛ وأنّ بعضهم ذهب إلى أنَّه ثنائيٌّ، وزنه (فَعْفَعَ) وذهب جمهور الكوفيّين ومن تابعهم من البصرييّن إلى أنّه ثلاثيٌّ، ووزنه: إمّا (فَعْفَلَ) أو (فَعَّل) وذهب جمهور البصرييّن -وهم أكثر أهل اللّغة- إلى أنَّه رباعيٌّ، ووزنه (فَعْلَلَ) .
ويكفي في هذا المبحث الوقوف على سبيل التَّداخل فيه؛ من خلال جملة من الأمثلة؛ دون الالتفات إلى مذهب من قال: إنّه ثنائيٌّ؛ إذ انتهى البحث إلى أنَّ الأصول ثلاثيّة ورباعيّة وخماسيّة فحسب؛ وهو مذهب جمهور المتقدمين من علماء العربيّة.
إنَّ هذا النّوع من الرّباعيّ كثير في العربيّة، إذ كاد يقع في جميع الحروف، واستثنى ابن عقيل١ الهمزة فاءً، وذكر أنَّه لم يسمع في كلامهم مثل: (أَجْأَجَ) إلاَّ أن تكون الهمزة عينًا؛ نحو: (بَأْ بَأَ) الرّجل إذا أسرع، و(دَأْدَأَ) حِملُهُ، بمعنى مالَ، و(رَأْرَأَ) إذا حرّك حَدَقَتَه.
وقلَّ مع الياء مطلقًا، أي فاءً كانت نحو (يُؤْيُؤ) وهو طائر من الجوارح، أو عينًا؛ نحو (صِيصِيَةٍ) وكذلك مع الواو عينًا؛ نحو (الضَّوْضَاةِ)
_________________
(١) ١ ينظر: المساعد٤/٢٧،٢٨.
[ ١ / ٥٥٠ ]
وهي الأصوات المختلطة.
وسبيل التَّداخل في أكثر ذلك؛ نحو (رَعْرَعَ) و(زَلْزَلَ) و(جَرْجَرَ) وما شابهه -أنّه- يحتمل أصلين، أحدهما ثلاثيّ والآخر رباعيّ:
فيرى جمهور الكوفييّن أنّه ثلاثيّ بإسقاط الحرف الثّالث من الأصل. وهذا يحتمل أن يكون تكريرًا للفاء١، على وزن (فَعْفَل) فتكون الأصول: (ر ع ع) و(ز ل ل) و(ج ر ر) .
ويحتمل على مذهب بعض الكوفييّن٢، والبغداديّين٣ أن يكون الحرف الثّالث مبدلًا من الحرف الأوسط المضعّف؛ فالأصل عندهم: (رَعَّعَ) و(زَلَّلَ) و(جَرَّرَ) فلمّا استثقل ذلك أُبدل الحرف الثّاني المضعّف حرفًا من جنس فاء الكلمة؛ فوزنه عندهم على الأصل (فَعَّلَ) ولم تتغيّر الأصول فهي (ر ع ع) و(ز ل ل) و(ج ر ر) كما هي عليه في الرّأي الأوّل.
ويتغيّر الوزن عند الزّجّاج٤ في أحد قوليه؛ فوزن (رَعْرَعَ) و(زَلْزَلَ) و(جَرْجَرَ) على التّوالي: (فَعْرَلَ) و(فَعْزَلَ) و(فَعْجَلَ) وهو غريب كما ترى؛ لأنَّه يؤدّي إلى القول بزيادة ما ليس من حروف الزّيادة؛ كالرّاء والزّاي والجيم.
_________________
(١) ١ ينظر: معاني القرآن للفرّاء٣/١١٤، وأبنية الأسماء والمصادر١١أ، والمساعد٤/٦١. ٢ ينظر: الإنصاف٢/٧٨٨. ٣ ينظر: سرّ الصناعة١/١٠٨. ٤ ينظر: شرح الكافية الشَّافية٤/٢٠٣٦، وشرح المراديّ٥/٢٤١، والمساعد٤/٦٠.
[ ١ / ٥٥١ ]
ومذهب جمهور البصريّين أنّ ذلك كلّه رباعيٌّ، وأنَّ وزنه (فَعْلَلَ) وجميع حروفه أصول١.
وترتّب على هذا الاختلاف أنّ (زَلَّ) و(زَلْزَلَ) عند الكوفيّين، من أصلٍ واحد، وكذلك (بَلَّ) و(بَلْبَلَ) و(صَرَّ) و(صَرْصَرَ) و(بَثَّ) و(بَثْبَثَ) ونحو ذلك.
أمّا البصريّون فيرون أنّ نحو: (زَلَّ) و(زَلْزَلَ) أصلان مختلفان؛ أحدهما ثلاثيّ والآخر رباعيّ، وكذلك الباقي؛ وهما بمثابة ما تقاربت أصوله واتّحدت معانيه، من المترادفات الّتي تبدو متداخلة؛ كباب: سَبِطٍ وسِبَطْرٍ٢؛ وهو باب واسع.
وثَمَّةَ كلمات من هذا النّوع تتداخل أصولها عند البصرييّن أنفسهم، أو على مذهبهم؛ وهي ما كانت عينُهُ حرف علّةٍ، وفي آخرها همزة قبلها ألف، نحو: (شَوْشَاء) وهي النّاقة الخفيفة في قول حُميد بن ثور الهلاليّ:
مِنَ العِيسِ شَوْشَاءٌ مِزاقٌ تَرَى بِهَا نُدُوبًا مِنَ الأَنْسَاعِ فَدًا وتَوْءَمًا٣
وهي تحتمل الأصلين:
_________________
(١) ١ ينظر: الكتاب٤/٢٩١، والمنصف٢/١٧٨، ودقائق التّصريف١٨٣، ورسالة الملائكة٢٨٠، والمقتصد في شرح التّكملة٢/٨٢٣، وشرح المفصل٦/١١٢، والإيضاح في شرح المفصّل٢/٣٧٨، والتّسهيل٢٩٦،٢٩٧، وشرح الشَّافية للرّضيّ١/٦٢، والملخّص٢/٢٥٧، وشرح المراديّ٥/٢٤١. ٢ ينظر: الخصائص ٢/٥٢. ٣ينظر: ديوانه٢١،والتكملة للصغانيّ (شوش) ٣/٤٨٤.
[ ١ / ٥٥٢ ]
فيجوز أن تكون رباعيّة من باب (فَعْلَل) المضاعف، وأصلها (ش وش و) ووزنها -حينئذٍ (فَعْلال) والهمزة منقلبة عن واو، وأصلها قبل القلب (شَوْشَاوٌ) .
ويجوز أن تكون ثلاثيّةً، على وزن (فَعْلاء) والأصل (ش وش) .
وقد أشار الأزهريّ إلى الاحتمالين، وقوله: "وسماعي من العرب: ناقةٌ شَوْشَاةٌ بالهاء وقصر الألف" ١يرجّح (ش وش) .
وإن صحّ (شَوْشَاءٌ) كما في الشّاهد على رواية الدّيوان، والأزهريّ والصَّغانيّ٢فإنّ حملها على (ش وش و) يكون أقرب؛ لكثرة هذا الباب ونُدرة باب (سَلِسٍ) وللدّخول في أوسع البابين.
وليس في صرفها دليل قاطع على هذا الأصل الرّباعيّ؛ لاحتمال أن تكون صُرفت للضّرورة الشّعريّة. ولو وردت في نثر غير مصروفة لقُطع بأنّها من (ش وش) فينتفي الرّباعيّ؛ لأنّها -حينئذٍ (فَعْلاء) .
ونحو هذا قولهم للتّمر الّذي لا يشتدّ نواه: (الشِّيشَاء) في قول الشّاعر:
يَا لَكَ مِنْ تَمْرٍ ومِنْ شِيشَاءِ يَنْشَبُ فِي المَسْعَلِ واللَّهّاءِ٣
فإنّه يحتمل الأصلين الثّلاثيّ (ش ي ش) والرّباعيّ (ش ي ش ي) فهو على الأوّل (فِعْلاء) وعلى الثّاني (فِعْلال) .
_________________
(١) ١ ينظر: التهذيب١١/٤٤٥. ٢ التكملة (شوش) ٣/٤٨٤. ٣ ينظر: التهذيب١١/٤٤١، والصحاح (شيش) ٣/١٠٠٩، واللسان (شيش) ٦/٣١١.
[ ١ / ٥٥٣ ]
وقد جعلها الجوهريّ١وابن منظور٢في الثّلاثيّ (ش ي ش) وهو الرّاجح؛ لأنّه لا يوجد (فِعْلال) مضاعف إلاّ مصدر؛ نحو: الزِّلْزَال والقِلْقَال، وإنّما يكون في الأ سماء غير المضاعفة؛ كالقِرْطَاسِ٣.
ومن ذلك (قِيقَاء) وهو المكان الظاهر الغليظ الحجارة، و(زِيزَاء) وهو الأكمة الصّغيرة، أو الأرض الغليظة، وهما يحتملان ثلاثة أصول: اثنان ثلاثيّان، والثّالث رباعيّ٤:
فيجوز أن يكون الأصل ثلاثيًّا؛ فهو إمّا (ق وق) و(زي ز) والوزن (فِعْلاء) كـ (عِلْبَاء) و(حِرْبَاء) . وإمّا (ق ق و) و(ز ز ر) فوزنهما -حينئذٍ (فِيعَال) مثل (قِيتال) . وهذان الأصلان مرجوحان؛ وهما لا يجوزان عند ابن جنّي٥؛ لئلاّ تجعل الفاء والعين من موضع واحد؛ يعني حرفًا واحدًا؛ نحو (د د ن) وهو قليل جدًّا؛ ولأنّهما ليسا مصدرين؛ فيحملان على (قِيتَال) .
ويبعد حملهما على (دِيبَاجٍ) و(دِيوَانٍ) بأن يكون أصلهما (قِقَّاء) و(زِزَّاء) كما أنّ (دِيوَانًا) و(دِيبَاجًا): (دِوَّانٌ) و(دِبَّاجٌ)؛ إذ لا دليل عليه، وفيه أنّه من باب: دَدَنٍ - أيضًا.
_________________
(١) ١ ينظر: الصِّحاح (شيش) ٣/١٠٠٩. ٢ ينظر: اللّسان (شيش) ٦/٣١١. ٣ ينظر: المنصف٢/١٨١. ٤ ينظر: المنصف ٢/١٨٠،١٨١، واحتمال الصورة اللّفظيّة لغير وزن١٣١. ٥ ينظر: المنصف٢/١٨٠.
[ ١ / ٥٥٤ ]
ويجوز أن يكون من الرّباعي؛ ووزنهما (فِعْلال) كـ (قِرْطَاسٍ) من (ق وق و) و(ز وز و) أو (ز ي زي) على ظاهر اللّفظ. وقد حملت الأوّل على الواو؛ لقولهم في جمعه: القواقي؛ وأصله القَوَاقِوُ.
وحملهما على الأصل الرّباعي مرجوح؛ لأنّه ليس في الكلام (فِعْلال) من المضاعف إلاَّ المصدر -كما تقدّم- نحو: الزِّلْزَال والقِلْقَال؛ وإنّما يكون في الأسماء غير مضاعفة؛ كالقِرْطَاسِ والجِرْهَاسِ وهو الجسم. ولذا؛ فإنّ الرّاجح في هاتين الكلمتين الأصل الثلاثيّ الأول؛ وهو (ق وق) و(ز ي ز) ووزنهما (فِعْلاء) مثل: عِلْبَاء.
ومنه قولهم: (صَاصَتِ النَّخْلَةُ تُصَاصِي صِيصَاءً) أي: صار تمرها حَشَفًا؛ فهو يحتمل الأصلين (ص ص ي) و(ص ي ص ي) .
فَصَاصتْ صِيصَاءً على الأصل الأوّل (فَاعَتْ فِيعَلًا) وهي في الأصل (فَاعَلَتْ) فحذفت اللاّم -وهي الألف المنقلبة- لالتقاء السّاكنين؛ كما قالوا: سَعَتْ وغَزَتْ؛ فَصَاصتْ صِيصَاءً بمنزلة: قَاتَلَتْ قِيتَالًا ١.
وهي على الأصل الثّاني الرّباعي: (فَعَلَتْ فِعْلالًا) والأصل (فَعْلَلَت فِعْلالًا) وقد حذفت اللاّم الثّانية لالتقاء السّاكنين؛ كما تقدّم في الثّلاثي؛ وهو بمنزلة: حَاحَيْتُ وعَاعَيْتُ، من الرّباعيّ المضاعف.
وفي ذلك قال ابن جنّي: (صَاصَتِ النَّخلة لا يخلو من أن يكون
_________________
(١) ١ ينظر: الكتاب٤/٨٠.
[ ١ / ٥٥٥ ]
(فَاعَلْتُ) ١ بمنزلة: دَاوَمْتُ وعَاوَدتُ، أو تكون (فَعْلَلْتُ) من مضاعف الياء بمنزلة: حَاحَيْتُ وعَاعَيْتُ، وتكون الألف منقلبة عن الياء، بمنزلتها في حَاحَيتُ وعَاعَيْتُ) ٢.
وحمله على كلا الوجهين لا يخلو من شذوذ؛ إذ لو جعل من الثّلاثيّ كانت الفاء والعين من موضع واحد كـ (دَدَن) وهو نادرٌ. وإن جعل رباعيًّا على (فَعْلَلْتُ) أضعفه أنّه لم يأتِ - من هذا الباب - إلاّكلمات ثلاثٌ؛ وهي: حَاحَيْتُ وعَاعَيتُ وهَاهَيْتُ، كما أنَّ هذا جاء في الأصوات كالأمثلة الثّلاثة المتقدّمة، و(صَاصَتِ النّخْلَة) ليس من الأصوات في شيء.
وعلى الرّغم من ذلك فإنّ ابن جنّي يميل إلى الأصل الرّباعيّ، ويراه كأنّه الأشبه ٣.
وثَمَّةَ أصل ثالثٌ غير بعيد وهو (ص وص) فيكون (صَاصَتْ) بمنزلة: قَالتْ، ووزنه -حينئذٍ (فَعَلَتْ) و(صِيْصَاء) (فِعْلاء) وفيه أنّ (فِعْلاء) ليس من المصادر؛ ولعلّه ممَّا جاء على غير فعله.
على أنَّ قولهم: (أَصَاصَ النَّخلُ) يقوّي هذا الأصل -أعني (ص
و
_________________
(١) ١ أسند الفعل –هنا- إلى تاء الفاعل المتحركة؛ لأجل إظهار اللاّم؛ لأنّ اتصال الفعل بتاء التأنيث الساكنة يوجب حذف اللاّم؛ لاعتلالها وسكونها. ٢ المنصف٢/١٨١. ٣ ينظر: المنصف٢/١٨٢،١٨١.
[ ١ / ٥٥٦ ]
ص) ولو حمل على اليائيّ (ص ي ص) لكان وجهًا، لقولهم: صَيَّصَتْ١. فيكون من باب: سَلِسٍ وقَلِقٍ.
ومن ذلك (الدَّودَاة) وهي الأُرجوحة، فإنَّها تحتمل ثلاثة أصول؛ أحدها رباعيّ:
فيجوز أن تكون (فَعْلاة) كـ (أَرْطَاة) من (د ود) .
ويجوز أن تكون (فَوْعَلة) كـ (جَوْهَرَة) من (د د و) .
ويجوز أن تكون من (فَعْلَلَة) كالقَرْقَرَةِ، من الرّباعيّ (د ود و) وأصلها (دَوْدَوَة) ثمّ قلبت الواو ياءً؛ لأنّها رابعة؛ فصارت في التّقدير (دَوْدَيَة) فانقلبت الياء ألفًا؛ لتحرّكها وانفتاح ما قبلها؛ فصارت (دَوْدَاة) .
وهذا الأصل الرّباعيّ هو الرّاجح؛ حملًا على أوسع البابين؛ لأنّها إن جعلت (فِعْلاة) كانت من باب: سَلِسٍ وقَلِقٍ؛ وهو قليل؛ وإن جُعلتْ (فَوْعَلَة) دخلتْ في باب أضيق؛ وهو باب: كَوْكَبٍ، ودَدَنٍ ٢.
ومن غرائب التَّداخل بين الثّلاثيّ والرباعي المضاعف ما رواه الأزهريّ٣من قول بعضهم في (زُحْزِحَ) في قوله عزّوجل: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ﴾ ٤إنّه مكرّر من باب المعتل، وأصله زَاحَ يُزِيحُ؛ إذا تأخّرَ. أو مأخوذ من (الزَّوْحِ) وهو السُّوق الشّديد؛ كما ذكره ابن
_________________
(١) ١المنصف ٢/١٨٣. ٢ ينظر: اللّسان (د وا) ١٤/٢٧٨. ٣ ينظر: التّهذيب٣/٤١٥. ٤ سورة آل عمران: الآية١٨٥.
[ ١ / ٥٥٧ ]
منظور١.
وما رواه الأزهري ونقله ابن منظور بعيد؛ لا دليل عليه غير المعنى، والأصول لا تقرّر بالمعنى فحسب؛ فلو جاز ذلك لأمكن إعادة كثير من المترادفات إلى أصل واحد.
ولو قيل: إنّه من (ز ح ح) لكان وجهًا؛ فهو مذهب طائفة من أهل اللّغة؛ وهم بعض الكوفيّين ومن وافقهم؛ كما تقدّم، والرّاجح أنّه رباعيٌّ من (ز ح ز ح) على مذهب جمهور البصرييّن.
_________________
(١) ١ ينظر: اللّسان (زحح) ٢/٤٦٨.
[ ١ / ٥٥٨ ]
المبحث الثاني: ما تقارب فيه الأصلان فتداخلا
أكثر الحروف فكثيرمنه قولهم: سَبِطٌ وسِبَطْرٌ؛ فهذان أصلان لا محالة؛ ألا ترى أنّ أحدًا لا يدَّعي زيادة الرّاء، ومثله سواء: دَمِثٌ ودِمَثْرٌ، وحَبِجٌ وحِبَجْرٌ"١.
وكان - ﵀ - يَرُدّ على بعض العلماء؛ لجعلهم بعض ما جاء من هذا أصلًا واحدًا؛ كالّذي روي عن ثعلب ٢؛ وهو أنَّه كان يرى أنّ الباء في (زَغْدَبٍ) زائدة في قول العجّاج:
يَرُدُّ قَلْحًا وَهَدِيرًا زَغْدَبًا ٣
لأنّه أخذه من: زَغَدَ البعيرُ زَغْدًا؛ إذا هَدَرَ. فقال ابن جنّي في ردّه: "وقوله: إنَّ الباء زائدة كلام تمجّه الآذان، وتضيق عن احتماله المعاذِير"٤.
وإنّما حَمَلَ ابنَ جنّي على هذا القول أنَّ الباء ليست من حروف الزّيادة؛ فوزن الزَّغْدَبِ على مذهب ثعلب: (فَعْلَبْ) .
وقاعدة ابن جنّي فيما كان من غير حروف الزّيادة؛ كالرّاء في (سِبَطْرٍ) والباء في (ثَعْلَبٍ) و(زَغْدَبٍ) ونحوه سليمة مطّردة؛ وهو شِقٌّ من القاعدة، وذاك أن يكون الحرف من غير حروف الزّيادة.
غير أنّ القاعدة عنده - ﵀ - لم تكن في شقِّها الآخر بذلك
_________________
(١) ١ الخصائص٢/٤٩، والحَبج والحِبَجْر: المنتفخ السّمين، أو الوتر الغليظ. ينظر: اللّسان (حبج) ٢/٢٢٥، و(حبجر) ٤/١٦٢. ٢ ينظر: المبهج١٥٤. ٣ ينظر: ص (١٩٩) من هذا البحث، وفيه اختلاف في الرواية هناك. ٤ الخصائص٢/٤٩.
[ ١ / ٥٦٠ ]
القدر من الاطّراد؛ إذ لم تخل ممَّا يدفع عنها تلك الصّفة؛ وهذا الشِّقّ من القاعدة؛ هو ما كان الحرف المختلف بين اللّفظين من حروف الزّيادة؛ كـ (دِلاصٍ) و(دُلامِصٌ) وهو الشّيء البرّاق، و(الهِبْلَعِ) و(البَلْعِ) و(الحَلْقِ) و(الحُلْقُومِ) وشيء (صَلْدٍ) و(صُلادِم) و(الهِرْمَاس) و(الهَرْسِ) وهو الأسد، و(الأَشْدَقِ) و(الشَّدْقَمِ) وهو البعير، ونحو ذلك؛ وهما أصلان عنده على الرّغم من أنَّ الحرف من حروف الزّيادة؛ فقد قال ابن جنّي في تلك الأمثلة: "وينبغي أن يكون جميع هذا من أصلين، ثلاثيّ ورباعيّ" ١.
وما ذهب إليه ابن جنّي في (دُلامِص) يوافق مذهب المازنيّ ٢؛ وهو خلاف مذهب الخليل؛ إذ كان يرى أنّ الميم زائدة ٣، على نحو ما نقل عنه المازني ٤ وابن جنّي ٥؛وهما يريان أنّها أصل، وأنَّ (دُلاَمِصًا) أصل مستقلّ ليس من (دِلاَصٍ) ومعناهما واحد؛ وذلك أنّهما وجدا أنّ زيادة الميم حشوًا قليلة.
ويشبه هذا: الخلاف في (هِجْرَعٍ) و(هِبْلَعٍ) فقد ذهب الأخفش٦ إلى أنّهما من (الجَرَعِ) و(البَلَعِ) وأنّ الهاء فيهما زائدة؛ لأنّ (الهِجْرَعَ)
_________________
(١) ١ الخصائص٢/٤٩. ٢ ينظر: المنصف٢/١٥١. ٣ ينظر: العين٧/١٠٠. ٤ ينظر: المنصف١/١٥١. ٥ ينظر: الخصائص٢/٥١. ٦ ينظر: سر الصناعة٢/٥٦٩.
[ ١ / ٥٦١ ]
الطّويل، و(الجَرْعُ) المكان السَّهل المنقاد، و(الهِبْلَعُ) الأكول وهو من البَلَعِ، ووزنهما عنده (هِفْعَل) .
وقد حُكي عن الخليل ١ أنّه كان يرى أنَّ الهاء في (هِرْكَوْلَةٍ) وهي: الضَّخمة الأوراك -زائدة؛ لأنّها تَرْكُل في مشيتها.
وكلّ ذلك عند ابن جنّي من أصول مختلفة؛ بعضها ثلاثيّ، وبعضها رباعيّ، والهاء أصل فيها؛ فوزن (هِجْرَعٍ) و(هِبْلَعٍ) عنده (فِعْلَل) ٢ و(هِرْكَوْلَةٍ) (فِعْلَوْلَة) وقد حمله على هذا ونحوه أنّه وجد الحرف تقلّ زيادته في ذلك الموضع؛ فرجّح الأصالة.
على أنّه - ﵀ - كان يشعر بما ينطوي عليه ذلك المذهب من عدم اطّراد فيما كان فيه الحرف الأوّل من الزّوائد، وربّما نسي جزمه بأصالة الحرف؛ فعاد وقَبِل ما كان رفَضه، بل ربّما حاول الاحتجاج له بقوله: "ولست أرى بما ذهب إليه أبو الحسن والخليل من زيادتها في هذه الأسماء الثّلاثة بأسًا؛ ألا ترى أنّ الدّلالة إذا قامكت على الشيء فسبيله أن يقضى به، ولا يلتفت إلى خلاف ولا وفاقألا ترى أنّهم قضوا بزيادة اللاّم في: ذلك وهنالك وعبدلفكذلك يقضي بزيادة الهاء في: هِجْرَعٍ وهِبْلَعٍ وهِرْكَولَة وأُمَّهاتٍ؛ لقيام الدّلالة على ذلك" ٣.
_________________
(١) ١ ينظر: المنصف ٢/٢٥، وسر الصناعة٢/٥٦٩. ٢ ينظر: المنصف١/٢٥. ٣ ينظر: سر الصناعة٢/٥٧٠،٥٧١.
[ ١ / ٥٦٢ ]
بل خالف رأيه -أيضًا- في (دُلامِصٍ) فاعترف في موضع ١بأنّ مذهب الخليل أكشف، وأوجه، وأقيس، وأجرى على الأصول. واختار في هذا الموضع - أيضًا - مذهب الأصمعيّ ٢في جعله (الهِرْمَاسَ) من (الهَرْسِ) بزيادة الميم الوسطى، وجعل القول به هو الأظهر؛ على مذهب كثيرين من أهل اللّغة ٣، غير الأصمعيّ؛ وهو خلاف ما كان قرّره ابن جنّي في موضع آخر ٤.
ويدلّ على ذلك - أيضًا - أنّه قرّر أصالة الميم في: بُلْعُومٍ، وحُلْقُومٍ، وصُلادِمٍ، وشَدْقَمٍ ٥. ثمّ عاد ورجّح زيادتها لأنّ زيادتها آخرًا أقرب مأخذًا؛ لمشابهتها في تطرّفها مجيئها في أوّل الكملة؛ لأنّ زيادة الميم آخرًا -كما قال: "أكثر منها أوّلًا ٦؛ ألا ترى إلى تلقّيهم كلّ واحد من دِلْقَمٍ، ودِرْهَمٍ، ودِقْعِمٍ، وفُسْحُمٍ، وزُرْقُمٍ، وسُتْهُمٍ، ونحو ذلك بزيادة الميم في آخرهوينبغي أن يكون ذلك؛ لأنَّ آخر الكلمة مشابه لأوّلها؛ فكانت
_________________
(١) ١ ينظر: المنصف ١/١٥٢. ٢ ينظر: الخصائص٢/٥٠،٥١. ٣ ينظر: التكملة للفارسي٢٣٨، ورسالة االملائكة٢٤٣، والمقتصدفي شرح التكملة٢/٨٢٢، والإيضاح في شرح المفصل٢/٣٨٣، وشرح الشَّافية للرضي٢/٣٣٤. ٤ ينظر: الخصائص٢/٥٠،٥١. ٥ ينظر: الخصائص ٢/٥٠. ٦ لعلّه يريد: حشوًا؛ لأنّ زيادة الميم أوّلًا كثير، وهو من مواضع اطّرادها.
[ ١ / ٥٦٣ ]
زيادة الميم فيه أمثل من زيادتها حشوًا" ١.
وكان يقول في أوّل الصّفحة: "وينبغي أن يكون جميع هذا من أصلين ثلاثيّ ورباعيّ".
وأكّد ابن جنّي على أصالة الهمزة في نحو (زَرِمَ) و(ازْرَأَمَّ) بمعنى: انقطعَ، و(خَضِلَ) و(اخْضَأَلَّ) أي: ابتلّ ونَدِيَ، و(أَزْهَرَ) و(ازْهأَرَّ) و(ضَفِدَ) و(اضْفأَدَّ) إذا كثر لحمه وثَقُل، و(زَلِمَ) القوم و(ازْلأَمُّوا) إذا أسرعوا، وأنّ ذلك أصلان ثلاثيّ ورباعيّ ٢، ورفض حملها على باب: شَأْمَلٍ وشَمْألٍ من قولهم: شَمَلَتِ الرّيحُ؛ لقلّته.
وما أحراه - حينئذٍ - أن يدخلهما - أيضًا - في الرّباعيّ -أعني: شَمْألًا وشَأْمَلًا؛ ويكون قولهم: (شَمِلَتِ الرّيح) أصلًا ثلاثيًا مستقلًاّ لا صلة له بشَمْأَلٍ، وشَأْمَلٍ إلاّ بمعناه؛ ليدخل فيما ذكر.
وأرى أنّ زَرِمَ وازْرَأَمَّ أصل واحد؛ وهو الثّلاثيّ، وأنّ الهمزة زائدة؛ لأنَّها من حروف الزّيادة؛ ووزنه: (افْعَأَلّ) لإلحاق الثّلاثيّ بمزيد الرّباعيّ نحو: اسْبَطَرَّ، وكذلك باقي ما ذكره.
وكان أبو جعفر اللَّبْليُّ ٣يرى مثل هذا حين قال: "وقد أُلحق بهذا
_________________
(١) ١ الخصائص٢/٥١. ٢ ينظر: الخصائص ٢/٥١. ٣هو: أبو جعفر أحمد بن يوسف بن علي بن يعقوب اللّبليّ الفهريّ (المتوفى سنة ٦٩١هـ) وهو من علماء اللّغة بمدينة لَبْلَة بغرب الأندلس. ومن مصادر ترجمته: مَلْء العَيْبَة٢/٢٠٩، وعنوان الدراية٣٠٠،ونفح الطّيب٢/١٠٨.
[ ١ / ٥٦٤ ]
المثال -أعني (افْعَلَلَّ) (افْعَألّ) وإن كان سيبويه قد زعم أنّه لم يُلحق به شيء؛ قالوا: اغضَألَّ الشّجرُ؛ إذا كثر أغصانها، واشتدّ التفافها، واقْسَأنَّ: إذا كَبِرَ، وازْوَألّ، في معنى: زَال، واجْفَألّ القوم: انهزموا وكذا قياس كلّ فعل على زنته؛ ممَّا لم نذكره"١.
وذهب قوم - ومنهم الأزهريّ ٢إلى أنّ الهمزة في نحو: اشْمَأزَّ -زيدت؛ لئلاَّ يجتمع ساكنان؛ إذ الأصل: اشْمازَّ.
وقيل: حذفت لضرورة الشّعر؛ على نحو ما يأتي تفصيله في الباب الرّابع -بمشيئة الله.
وعلى المذهبين تكون الهمزة زائدة؛ وهما أقوى من مذهب ابن جنّي، ومذهب اللّبليّ أقوى المذهبين.
وينبغي طرد الباب على مذهب ابن جنّي؛ فيقال بأصالة كثير ممَّا ذكروا أنّه زائد؛ كهمزة (شَمْألٍ) و(جُرَائِضٍ) و(حُطَائطٍ) و(قُدَائِمٍ) و(النَّئدُلان) وهاءِ (أُمَّهاتٍ) وميمِ (سُتْهُمٍ) و(زُرْقُمٍ) و(فُسْحُمٍ) لأنَّ الزّوائد وقعت في مواضع تقلّ فيها زيادتها، وفي ذلك ضرر لا يخفى؛ إذ يختلط الزّائد بالأصلي، وتستغلق كثير من الأصول؛ فليس في هذا المذهب الّذي أخذ به ابن جنّي حدود بيّنّة؛ تمنع دخول أصل على آخر.
ولعلّ القاعدة المناسبة لهذا الباب أن يقال: إذا وجد لفظان أحدهما
_________________
(١) ١ بغية الآمال١٣١،١٣٢. ٢ ينظر: التهذيب١٥/٦٨٢.
[ ١ / ٥٦٥ ]
ثلاثيّ والآخر رباعيّ ومعناهما واحد؛ وليس بينهما إلاَّ حرف واحد، نُظرَ إلى ذلك الحرف؛ فإن كان من حروف الزّيادة فالكلمتان من أصل واحدٍ؛ نحو: الجَرْعِ، والهجْرَعِ، والبَلْعِ، والبُلْعُومِ، والدَّلِصِ، والدُّلامِصِ، والهَرْسِ، والهِرْمَاسِ، وزَرِمَ، وازْرَأمَّ، والشَّمال والشَّأْمَلِ. إلاَّ ان يكون من باب الرّباعي المضاعف؛ نحو: سَلَّ وسَلْسَلَ، ومَرَّ ومَرْمَرَ، وهَفَّ وهَفْهَفَ؛ فهما أصلان لا محالة، كما تقدّم. أو يعترض هذا قاعدة أخرى تمنعه؛ كأن يؤدّي القول بالزّيادة إلى بناء مفقود.
وإن كان من غير حروف الزّيادة فهما أصلان مختلفان نحو: سَبِطٍ وسِبَطْرٍ، ودَمِثٍ ودِمَثْرٍ؛ فيطّرد الباب، وينكشف الطّريق، ويحسم الخلاف.
وإنّما استُثني الرّباعي المضاعف من هذا؛ لثبوت أصوله عند جمهور البصرييّن وأكثر أهل اللّغة كما تقدّم؛ ولأنّ باب الرّباعي أوسع من باب: سَبِطٍ وسِبَطْرٍ.
وبهذه القاعدة يمكن أن يحكم بزيادة السّين في (خَلْبَسَ) ١ قلبَه بمعنى فَتَنَه؛ لأنّه في معنى (خَلَبَ) قلبَه، وفي (القُدْمُوسِ) ٢ لأنَّه بمعنى القديم.
والهاءِ في (السّهْلَبِ) لأنّه بمعنى (السَّلَبِ) وهو الطّويل. واللاّمِ في (نَهْشَلٍ) لأنّه بمعنى (النَّهشِ) ٣وفي (عِثْوَلٍ) وهو: الأحمق الثَّقيل؛ لقولهم
_________________
(١) ١ ينظر: شرح لامية الأفعال لبحرق٥٥. ٢ ينظر: الارتشاف١/١٠٦. ٣ ينظر: الارتشاف ١/١٠٨.
[ ١ / ٥٦٦ ]
بمعناه (أعْثَى) ١. والنّونِ في (كُنَادرٍ) و(كُنْدُرٍ) وهو: الرّجل الغليظ القصير مع شدّة، ويوصف به الغليظ من حُمُر الوحش؛ لقولهم: (كُدُر) بمعناه.
ونحو ذلك؛ وهو كثير.
_________________
(١) ١ ينظر: اللّسان (عثل) ١١/٤٢٤، و(عثو) ١٥/٢٩.
[ ١ / ٥٦٧ ]
المبحث الثّالث: ما في آخره ميمٌ
تكاد تكثر زيادة الميم آخراَ في الرّباعيّ كـ (زُرْقُمٍ) و(سُتْهُمٍ) و(ضِرْزِمٍ) و(فُسْحُمٍ) ومع ذلك فإنَّ زيادتها ليست مقيسة؛ لأنّها لم تبلغ حدّ الاطّراد١.
وثَمَّةَ تداخل بين الثّلاثيّ والرّباعي يقع بسبب الميم المتطرّفة؛ فمنها ما هو زائد عند بعض العلماء، ومنها ما هو أصل عند بعضهم الآخر.
وقد حاول بعضهم جمع ما في آخره ميم زائدة، ومن أوائل هؤلاء: ابن السّكّيت٢، وابن دريد ٣.وعقد السّيوطيّ ٤فصلًا لذلك؛ جمع فيه ما وقف عليه ممَّا جمعه المتقدّمون.
وقد أشرت فيما مضى إلى أنَّ بعض المُحدثين فسّر هذه الميم بأنّها بقايا التّمييم في اللّغة الحِمْيَرَيَّة أو اليمنيّة الجنوبيّة القديمة، وفي بعض اللّغات السّاميّة كالعبريّة؛ وهو ما يقابل التّنوين في العربيّة، وأنّ تلك الميم قد تُنُوسيت في بعض الكلمات العربيّة، واستُعملت على توهّم أصالتها٥.
ومهما يكن من أمر فإنَّ القاعدة السّابقة لـ (سَبِطٍ) و(سِبَطْرٍ) الّتي
_________________
(١) ١ ينظر: المفتاح في الصّرف٨٨، وشرح الملوكي٢٤. ٢ ينظر: القلب والإبدال١٤٧. ٣ ينظر: الجمهرة٣/١٣٣٢. ٤ ينظر: المزهر٢/٢٥٧. ٥ ينظر: من أسرار اللّغة٩٠، والتمييم والتّنوين٥٨.
[ ١ / ٥٦٨ ]
تقدّم ذكرها في المبحث الماضي يمكن أن تكون أنجح الوسائل للوقوف على حقيقة التَّداخل بين الثلاثيّ والرّباعيّ ممَّا في آخره ميم؛ فإن كان للكملة ما يقابل معناها في أصلٍ ثلاثيّ مجرّدٍ من الميم فإنّها زائدة، وإلاّ فالكلمة رباعيّة، حتّى يقوم دليل على خلاف ذلك. وأذكر فيما يلي بعض ما وقع فيه التَّداخل، ممَّا في آخره ميم:
فمنه (الخَلْجَمُ) وهو الطّويل؛ فهو رباعيّ عند سيبويه١؛ ووزنه عنده (فَعْلَل) .
وذهب كُراع ٢إلى أنّه ثلاثيّ، والميم زائدة، على وزن (فَعْلَم) ومذهبه مقبول لقولهم للطّويل من الخيل: أَخْلَج. قال الشّاعر:
وأَخْلَجُ نَهَّامًا إذا الخَيْلُ وْ عَنَت جَرَىَ بِسِلاحِ الكَهْلِ، والكَهْلُ أَجْرَدُ٣.
وإلى مثل هذا ذهب بن دُريد٤.
وذهب سيبويه٥ إلى أنّ (شَجْعَمًا) رباعيٌّ، وميمه أصليّة؛
_________________
(١) ١ ينظر: الكتاب٤/٢٨٨. ٢ ينظر: المنتخب٢/٦٩٠. ٣ ينظر: اللّسان (خلج) ٢/٢٦٠. ٤ ينظر: الجمهرة٣/١٣٣٢. ٥ ينظر: الكتاب٤/٨٨.
[ ١ / ٥٦٩ ]
ووزنه (فَعْلَل) وذهب غيره١إلى أنَّ الكلمة ثلاثيّة بزيادة الميم؛ ووزنها (فَعْلَم) واستدلّوا بأنّ (الشَّجْعَمَ) في معنى (الشُّجَاعِ) .
قال الرّاجز:
قَدْ سَالَمَ الحَيَّاتُ منه القَدَما الأفْعُوانَ والشُّجَاعَ الشّجْعَمَا٢
وهذا يدلّ على أنَّ زيادة الميم هي الرّجحة.
وذهب ابن جنّي٣ إلى أنّ (صُلادِمًا) وهو الشّديد الصّلب رباعيّ، على أصالة الميم؛ فيكون وزنه -حينئذٍ (فُعَالِلًا) .
ومذهب الجرجانيّ٤أنّه ثلاثيّ من (ص ل د) لأنّه بمعنى (الصّلدِ) فوزنه (فُعَالِمُ) وهو مذهب قويٌّ؛ لدلالة الاشتقاق.
وذهب ابن دريد٥ إلى أنَّ (سَعْدَمًا) وهو: أبو بطنٍ من بني تميم؛ يقال لهم: السَّعَادِمُ -ثلاثيّ، بزيادة الميم؛ ووزنه (فَعْلَم) وكأنّه اشتقّه من: السَّعَادةِ. وليس فيما ذهب إليه دليل قويّ، فكثير من الأعلام مرتجل.
_________________
(١) ١ ينظر: المقتصد في شرح التكملة٢/٨٢٢، والممتع١/٢٤٠، والمزهر٢/٨٨. ٢ ينظر: تأويل مشكل القرآن ١٩٥، والمقتضب٣/٢٨٣، والمنصف٣/٦٩، والإفصاح للفارقي٣٣٧، وشرح الفصيح للخميّ١٩١، ورصف المباني٢٧٤. وكان حق الأفعوان وما بعده الرّفع على البدليّة من الحيّات، ولكنّه نصبه حملًا على المعنى؛ فكأّنه قال: وسالمت القدَمَ الأفعوانَ (ينظر: الإفصاح للفارقي٣٣٨) . ٣ ينظر: الخصائص٢/٥٠. ٤ ينظر: المقتصد في شرح التكلمة٢/٨٢٢. ٥ ينظر: الاشتقاق٥٥٧.
[ ١ / ٥٧٠ ]
المبحثُ الرَّابعُ: ما في حَشْوِهِ ميمٌ
زيادة الميم حشوًا أمرٌ نادرٌ؛ كما قرّره العلماء١، ومع ذلك وقع تداخل في عدد غير قليل ممَّا في حشوه ميم؛ فاختلفوا في بعضه؛ فمنهم من عدَّ الكلمة ثلاثيّة، ومنهم من عدّها رباعيّة؛ على أصالة الميم.
فمن ذلك تداخل (ط ر ح) و(ط ر م ح) في قولهم: طَرْمَحَ بِنَاءَ هـ؛ أي: طَوَّله، ومنه قولهم: طِرِمَّاح؛ وهو الطّويل، أو المرتفع العالي؛ وقد اختلفوا فيه:
فذهب كُراع٢ إلى أنَّه ثلاثيّ بزيادة الميم؛ ووزنه (فِعِمَّال) وإلى هذا ذهب ابن فارس٣، والجوهريّ٤، والسّيوطيّ٥وهم يشتقّونه من (الطّرَّحِ) وهو: البعيد الطّويل، ومنه قول الأعشى:
تَبْتَنِي الحَمْدَ وتَسْمُو للعُلَى وتُرَى نَارُكَ من نَاءٍ طَرَحْ٦
ومنه قولهم: نخلة طَرُوحٌ؛ إذا كان أعلاها بعيدًا عن أسفلها، أو
_________________
(١) ١ ينظر: الخصائص٢/٥١. ٢ ينظر: المنتخب٢/٦٩٠. ٣ ينظر: المقاييس٣/٤٥٧. ٤ ينظر: الصِّحاح (طرح) ١/٣٨٧. ٥ ينظر: المزهر٢/٢٣. ٦ ينظر: ديوانه٢٨٩، وينظر: الصِّحاح (طرح) ١/٣٨٧،وفيه اختلاف في الرواية لا يضرّ بالشّاهد.
[ ١ / ٥٧١ ]
طويلة العَرَاجِينِ. وطَرَحَ الشَّيء طَوَّله، وقيل: رفعه وأعلاه، وخصَّ بعضهم به البناء؛ فقال: طَرَّحَ بناءَ هـ تَطْرِيحًا طَوَّله، وكذلك طَرْمَحَ١.
ومذهب سيبويه أنّه رباعيّ؛ بأصالة الميم؛ وجعل وزنه (فِعِلاَّلًا) ٢ وتابعه جماعة من العلماء؛ منهم: ابن السَّرّاج٣، والجواليقيّ٤، وابن عصفور٥.
ومذهبهم غير قويّ؛ لأنّ الاشتقاق ليس في صفهم، فجعله ثلاثيًا هو الرّاجح.
ومن ذلك (الشَّمْحَطُ) و(الشَّمْحَاطُ) و(الشُّمْحُوط) وهو: المفرط طولًا؛ فهو يحتمل الأصلين:
فذهب الجوهريّ إلى أنّه ثلاثيّ من (ش ح ط) والميم زائدة٦؛ ودليله الاشتقاق؛ لأنَّ (الشَّحْطَ) البُعْدُ٧، يقال: شَحَطَ المزارُ؛ أي: بَعُدَ.
وجعله ابن دريد٨ من الرّباعيّ، وذكره سيبويه٩بالنّون:
_________________
(١) ١ ينظر: اللّسان (طرح) ٢/٥٢٩. ٢ ينظر: الكتاب٤/٢٩٥. ٣ ينظر: الأصول٣/٢١٨. ٤ ينظر: مختصر شرح أمثلة سيبويه١٢٢. ٥ ينظر: الممتع١/١٥٥. ٦ ينظر: الصِّحاح (شحط) ٣/١١٣٦. ٧ ينظر: المقاييس٣/٢٥١. ٨ ينظر: الجمهرة٢/١١٤٢. ٩ ينظر: الكتاب٤/٢٩١.
[ ١ / ٥٧٢ ]
(شُنْحُوطٌ) وهو عنده رباعيٌ، وتابعه ابن عصفور١. ولعلّ النّون مبدلة من الميم، ويجوز العكس. وقد ذكره ابن منظور في الموضعين٢.
والرّاجح في هذا- أيضا ً- أنّه ثلاثيّ لدلالة الاشتقاق؛ فلا يجوز - على ما تقرّر - أن يكون (الشَّحْطُ) و(الشُّمْحُوط) من باب: سَبِطٍ وسِبَطرٍ؛ لأنّ الميم من حروف الزّيادة.
واختلفوا في أصل (القَمَحْدُوَةِ):عظمٍ خلف الرّأسِ؛ وهو يحتمل الأصلين:
فذهب الجوهريّ ٣ إلى أنّه ثلاثيّ، ووزنه على كلامه (فَمَعْلُوة) .
وذهب سيبويه ٤ ومن تابعه ٥ إلى أنّه رباعيٌ، على وزن (فَعَلُّوَة) .
ولعلّ في جمعها على (فَعَالِل) في قولهم: (قَمَاحِدُ) ما يستأنس به على أصالة الميم، وإن كان حمله على التّوهّم غير بعيد.
ومن ذلك (الدَّهْمَجَةُ) وهو: المشي للكبير؛ كأنّه في قيد، ومقاربة خطو البعير أو العير.
قال الشَّاعر:
_________________
(١) ١ ينظر: الممتع١/١٤٩. ٢ ينظر: اللّسان (شحط) ٧/٣٢٩، و(شمحط) ٧/٣٣٧. ٣ ينظر: الصِّحاح (قحد) ٢/٥٢٢. ٤ ينظر: الكتاب٤/٢٩٢. ٥ ينظر: الأصول٣/٢١٥، والممتع١/١٥٤.
[ ١ / ٥٧٣ ]
وعَيْرٌ لَهَا مِنْ بَنَاتِ الكُدَادِ يُدَهْمِجُ بالوَطْبِ والمِزْوَدِ١
وهو يحتمل الأصلين:
ذهب الجوهريّ إلى أنّه ثلاثيّ من (د هـ ج) بزيادة الميم٢، ووزنه - حينئذٍ - (الفَعْمَلَة) .
وذهب الأزهريّ إلى أنّه رباعيّ بأصالة الميم٣، وتابعه الصَّغانيّ٤، وابن منظور٥، والفيروزآباديّ٦، والزَّبِيديّ٧، وما ذهبوا إليه هو الصّواب؛ فليس ثَمَّةَ اشتقاق يدعم مذهب الجوهريّ في أنّه ثلاثيّ بزيادة الميم.
_________________
(١) ١ ينظر: الصِّحاح (دهج) ١/٣١٦، واللسان (دهج) ٢/٢٧٦، والتّاج (دهمج) ٢/٤٦. ٢ ينظر: الصِّحاح (دهج) ١/٣١٦. ٣ ينظر: التهذيب٦/٥١٠. ٤ ينظر: التكملة (دهنج) ١/٤٣٤. ٥ ينظر: اللّسان (دهمج) ٢/٢٧٦. ٦ ينظر: القاموس (دهمج) ٢٤٢. ٧ ينظر: التَّاج (دهمج) ٢/٤٦.
[ ١ / ٥٧٤ ]
المبحث الخامس: ماآخره نون
تقدَّم أنَّ النّونَ تزاد كثيرًا في آخر الكلمة في بعض الصّيغ المخصوصة، وتزاد -أيضًا- بما يقرب من الاطّراد، إذا كان قبلها ألفُ مدٍّ مسبوقة بأكثر من أصلين؛ وليست من باب: جَنْجَان وبَنْبَان.
ويكثر التَّداخل في نوع تزاد فيه النّون آخرًا غير مسبوقة بألف؛ نحو: (رَعْشَنٍ) للمُرْتَعِش، و(بِلَغْنٍ) وهو الّذي يبلِّغُ النّاس أحاديث بعضٍ، و(العَلْجَنِ) وهي النّاقة الغليظة الجَسْرَة، و(الخِلَفْنَة) في قولهم: (في خُلُقِ فُلانٍ خِلَفْنَةٌ) أي: خلاف، و(السِّمْعَنَّةِ) و(النِّظْرَنَّةِ) من: السَّمْعِ والنَّظَرِ، ومثل هذا كثير١؛ ممَّا كان الاشتقاق دليلًا على زيادة النّون فيه، ولا يجوز أن يجعل من باب سَبِطٍ وسِبَطْرٍ؛ لأنَّ النُّون من حروف الزّيادة.
ومما تداخل فيه الثّلاثيّ بالرّباعي؛ ممَّا آخره نون (ارْجَحَنَّ) بمعنى: اهتزَّ ومالَ، فإنّه يحتمل الأصلين:
فذهب قوم إلى أنّ أصله (ر ج ح) وأنَّ النّون زائدة؛ لأنّهم أخذوه من الرّجحان؛ فوزنه -حينئذٍ- (افْعَلَنَّ) .
ومذهب البصرييّن أنّ النّون أصل، والكلمة -عندهم- رباعيّة من (ر ج ح ن) وكان المَعَرِّي يقول ردًا على من قال بزيادة النّون: (وليس ذلك على مذهب البصرييّن؛ لأنّهم يجعلون ارْجَحَنَّ (افْعَلَلَّ) ولا يجعلون
_________________
(١) ١ ينظر: القلب والإبدال١٤٩،١٥٠،والمزهر٢/٢٥٩.
[ ١ / ٥٧٥ ]
من أبنية الأفعال (افْعَلَنَّ) وإنّما تزاد النّون في أواخر الأسماء بالقياس الصحيح أو بالاشتقاق) ١.
ولعلّه من أجل ذلك وضعه ابن منظور٢ في الرّباعيّ، والمذهب الأوّل قويّ؛ للاشتقاق؛ ولا يردّه ما ذكره المعرِيّ؛ لأنّه يمكن حمل (ارْجَحَنَّ) على توهّم أصالة النّون، قياسًا على (اقْشَعَرَّ) .
واختلفوا في: (بَرْهَنَ) من قولهم بَرْهَنَ فلانٌ؛ إذا جاء بالبرهان؛ فجعله بعضهم ثلاثيًا؛ وهو -عند بعضهم- رباعيّ.
ذهب الأزهريّ إلى أنّه ثلاثيّ من (ب ر هـ) من الظّهور والإيضاح وجعل قولهم: بَرْهَنَ فلانٌ: إذا جاء بالبرهان مولّدًا، وذكر أنَّ الصّواب أن يقال: (أَبْرَهَ) إذا جاء بالبرهان؛ فالنّون عنده نون المصدر، وأجاز أن تكون نون الجمع على (فُعْلان) ثمّ جعلت كالنّون الأصليّة على التّوهّم، فاشتقّوا منها الفعل، بثبوت النّون٣. وإلى ذلك ذهب الزّمخشريّ٤والخَفَاجيّ٥، وجعلا قولهم: (بَرْهَنَ) مولّدًا.
وكان ابن جنّي يرى أنَّ قولهم: (بَرْهَنْتُ) عربيٌّ فصيح، وبه استدلّ
_________________
(١) ١ رسالة الملائكة٢٤٧. ٢ ينظر: اللّسان (رجحن) ١٣/١٧٧. ٣ ينظر: التهذيب٦/٢٩٤. ٤ ينظر: أساس البلاغة٢١. ٥ ينظر: عناية القاضي٤/٧٤.
[ ١ / ٥٧٦ ]
على أنّ البُرهان رباعيٌّ من (ب ر هـ ن) ووزنه (فُعْلال) ١. وهو مذهب الجوهريّ٢ - أيضًا - وتابعه الفيروزآباديّ٣.
وقريبٌ من ذلك قولهم: (دِهْقَانٌ) للرَّجل القويّ على التّصرّف مع شدّةٍ وخُبْرٍ، ومنه قالوا: (تَدَهْقَنَ) وهو يحتمل الأصلين:
فذهب سيبويه إلى أنّه رباعيّ، وأصله (د هـ ق ن) مستدلًاّ بقولهم: (تَدَهْقَنَ) إذ ليس في الأفعال (تَفَعْلَنَ) ٤ وتابعه ابن السَّرَّاج٥، وابن جنّي٦، وغيرهما٧.
وأجاز الزّجَّاجيّ٨ الوجهين الثّلاثيّ والرّباعي، وفصّل فيه، فذكر: أنّه من الرُّباعيّ عند من صَرَفه، ومن الثّلاثيّ عند من منعه من الصّرف. ولهذا جعله ابن منظور في الموضعين٩.
ومن ذلك (هِيرُون) وهو ضربٌ من التّمر، فإنّه يحتمل عند ابن سيده الأصلين: (فِعْلَونًا) و(فِعْلَولًا) الأوّل من (هـ ي ر) والثّاني من
_________________
(١) ١ ينظر: التنبيه على شرح مشكلات الحماسة١٢. ٢ ينظر: الصِّحاح (برهن) ٥/٢٠٧٨. ٣ ينظر: القاموس (برهن) ١٥٢٢. ٤ ينظر: الكتاب٤/٣٢١. ٥ ينظر: الأصول٣/٢٤٠. ٦ ينظر: المنصف١/١٣٥. ٧ ينظر: الممتع١/٢٦١. ٨ ينظر: اشتقاق أسماء الله٢٨٥. ٩ ينظر: اللّسان (دهق) ١٠/١٠٧، و(دهقن) ١٣/١٦٣.
[ ١ / ٥٧٧ ]
(هـ ي ر ن) ١.
ولا يردُ على ابن سيده أنّه جعل الياء أصلًا في بنات الأربعة، لقوله: إنّه يحتمل أن يكون (فِعْلَولًا) بأصلة النّون، وأنّ حرف العلّة لا يكون أصلًا في بنات الأربعة، كما تقرّر في الأصول؛ لعدم وجود (فِيعُول) في الأصول، ولو كانت الفاء مفتوحة لحمل على (قَيْصُومٍ) و(حَيْزُومٍ) و(خَيْشُومٍ) بزيادة الياء.
ومن ذلك العِرَضْنَةُ، الاعتراض في السَّير والنّشاط، وهو يحتمل الأصلين الثّلاثيّ والرّباعي:
ذهب سيبويه إلى أنّه ثلاثيّ، من (ع ر ض) وأنّ وزنه (فِعَلْنَة) واستدلّ بأن اشتقاقه من الاعتراض٢. وتابعه جمهور العلماء٣.
وذهب الأزهريّ٤إلى أنَّه رباعيّ، وتابعه ابن منظور فذكره في الرُّباعيّ٥.
_________________
(١) ١ ينظر: المحكم٤/٢٧٤. ٢ ينظر: الكتاب٤/٣٢٠. ٣ ينظر: الأصول ٣/٢٣٨، وشرح الشَّافية ٢/٣٤٠، والممتع ١/٤٧١، والارتشاف ١/١٠٢. ٤ ينظر: التهذيب٣/٣٢٨. ٥ ينظر: اللّسان (عرضن) ١٣/٢٨٤.
[ ١ / ٥٧٨ ]
وما تقدّم يقال - أيضًا - في (عِرَضْنَى) وهي مشية بها اعتراض١.
ومن ذلك (فَرْتَنَى) وهي: الأمة البغيّ الفاجرة؛ فالنّون فيها - وإن كانت ليست آخرًا - هي كالآخرة، في الحكم؛ ألا تراهم قالوا: الفَرْتَنَة والفَرْتَنَى، كما قالوا: العِرَضْنَة والعِرَضْنَى؟ وهي تحتمل الأصلين الثلاثيّ والرّباعي:
فذهب سيبويه٢إلى أنّها (فَعْلَلَى) من (ف ر ت ن) وإلى ذلك ذهب الجوهريّ٣، والصَّغانيّ٤.
وذهب ابن حبيب - فيما حكاه ابن منظور٥- إلى أنّها ثلاثيّة من (ف ر ت) بزيادة النّون والألف؛ فوزنها عنده (فَعْلَنَى) وأراه الأقرب؛ لقولهم: فَرَتَ الرَّجلُ يَفْرُتُ فَرْتًا؛ إذا فجر٦.
وقد ذكرها في الموضعين كلٌّ من ابن منظور٧، والفيروزآباديّ٨، والزَّبِيديّ٩.
_________________
(١) ١ ينظر: شرح الشَّافية للرّضي٢/٣٤٠. ٢ ينظر: الكتاب٤/٢٩٦. ٣ ينظر: الصِّحاح (فرتن) ٦/٢١٧٧. ٤ ينظر: التكملة (فرتن) ٦/٢٨٦. ٥ ينظر: اللّسان (فرتن) ١٣/٣٢٢. ٦ ينظر: اللّسان (فرتن) ١٣/٣٢٢. ٧ ينظر: اللّسان (فرت) ٢/١٦، و(فرتن) ١٣/٣٢٢. ٨ ينظر: القاموس (فرت) ٢٠١، و(فرتن) ١٥٧٦. ٩ ينظر: التَّاج (فرت) ١/٥٦٨، و(فرتن) ٩/٣٠٠.
[ ١ / ٥٧٩ ]
ومن التَّداخل في هذا النّوع: التباس (فِعْلاَل) و(فِعْلان) فإنّ كلّ فعل في آخره نونٌ رابعة، مع ثلاثة أحرف أصول، ليس في أوّله همزة، فإنّ النّون تجيء في مصدره ملتبسة بنون (فِعْلان) حتّى يكون الاشتقاق مميّزًا بين النّونين؛ كقولهم في مصدر (سَلْعَنَ) وهو ضربٌ من المشي: السَّلْعَنَة، والسِّلْعَان، فيلتبس السِّلْعَان - والنّون فيه أصليّة - بالسِّلْعَان؛ إذا جعلته جمعَ سَلْعٍ، وهو ضربٌ من الشّجر، والنّون فيه زائدة١.
_________________
(١) ١ ينظر: رسالة الملائكة٢٤٩.
[ ١ / ٥٨٠ ]
المبحَثُ السَّادسُ: ما ثَانِيه نُونٌ
القاعدة الّتي قرّرها العلماء هي أنّ النّون إذا كانت ثانية ساكنة فهي أصل حتّى يقوم الدّليل على زيادتها.
قال سيبويه: "فأمّا إذا كانت ثانية ساكنة فإنّها لا تزاد إلاّ بِثَبَتٍ. وذلك: حِنْزَقْرٌ ١، وحِنْبَتْرٌ ٢، لقلّة الأسماء من هذا النَحو؛ لأنّك لا تجد أمّهات الزّوائد في هذا الموضع"٣.
وعلى الرّغم من ذلك فإنّ النّون السّاكنة - هن ا- من المواضع الّتي يكثر التَّداخل فيها بين الثّلاثيّ والرّباعي؛ بخلاف النُّون الثّالثة السّاكنة المتوسّطة بين أربعة أحرف؛ كنون (عَقَنْقَلٍ) و(جَحَنْفَلٍ) فإنّها زائدة؛ لأنّ هذا موضع زيادتها مطلقًا. إلاَّ أمثلةً نوادرَ احتملت فيها الأصالة؛ كما تقدّم٤.
فمن التَّداخل بين الثّلاثيّ والرّباعي؛ بسبب النُّون السّاكنة الثانية؛ ما وقع في قولهم: (القِنَّسْرُ والقِنَّسْرِيُّ) للكبير المُسِنِّ الّذي أتى عليه الدّهر؛ كقول العَجَّاج:
_________________
(١) ١ وهو القصير الدّميم، أو الحيّة. ينظر: القاموس (خنزقر) ٤٨٦. ٢ وهي الشّدّة. ينظر: القاموس (حنبتر) ٤٨٦. ٣ الكتاب٤/٣٢٣. ٤ ينظر: ص (٢١١) من هذا البحث.
[ ١ / ٥٨١ ]
أَطَرَبًا وأَنْتَ قِنَّسْرِيٌّ والدَّهْرُ بالإنْسَانِ دَوَّارِيٌّ ١
وهو يحتمل الأصليين:
فذهب الجوهريّ إلى أنّه ثلاثيٌ من (ق س ر) بزيادة النُّون٢؛ فوزنه - حينئذٍ - (فِنَّعْلِيٌّ) .
وذهب ابن دريد إلى أنّه رباعيٌّ من (ق ن س ر) بأصالة النُّون٣، وتابعه الصّغانيّ فذكره في الرّباعي، وردّ على الجوهريّ بقوله: "وذكر الجوهريّ القِنَّسرِيَّ في (ق س ر) ظنًّا منه أنّ النُّون زائدة؛ واشتقاق: تَقَنْسَرَ منه يدفع ذلك، وموضع ذكره في هذا الموضع [يعني: ق ن س ر] وقد ذكره ابن دريد والأزهريّ٤في الرّباعي) ٥. وما ذهبوا إليه -هنا- هو الأقرب؛ لقولهم: (تَقَنْسَرَ الإنسَانُ) إذا شَاخَ، وتَقَبَّضَ. قال الشَّاعر:
_________________
(١) ١ ينظر: ديوانه (بتحقيق د. عبد الحفيظ السّطلي) ١/٤٨٠. ٢ ينظر: الصِّحاح (قسر) ٢/٧٩١. ٣ ينظر: الجمهرة٢/١١٥١. ٤ ينظر: التهذيب٩/٣٩٤. ٥ التكملة (قنسر) ٣/١٧٨.
[ ١ / ٥٨٢ ]
وَقَنْسَرَتْه أُمُورُ فاقْسَأَنَّ لَهَا وقَدْ حَنَى ظَهْرَه دَهْرٌ وقَدْ كَبِرَا١
ويحتمل (شِنْظِيرٌ) وهو السَّخيف العقل، والفاحش البذيء من الرّجال - الأصلين الثّلاثيّ والرّباعي:
فذهب الأصمعيّ إلى أنّه ثلاثيّ من (ش ظ ر) بزيادة النُّون٢، وإلى هذا ذهب أبو حَيَّان٣.
ومذهب سيبويه أنّه رباعيّ من (ش ن ظ ر) على وزن (فِعْليل) ٤ وهو مذهب الجمهور٥.
وما ذهب إليه الأصمعيّ لا دليل عليه، ومذهب الجمهور أقرب؛ لأنّ النُّون - في هذا الموضع - أصليّة حتّى تقوم الدّلالة بزيادتها.
ومن ذلك (عِنْفِصٌ) وهي: المرأة البذيئة القليلة الحياء، واللّفظ يحتمل الأصلين:
فذهب سيبويه إلى أنّه رباعيّ، على وزن (فِعْلِل) ٦ وهو مذهب
_________________
(١) ١ ينظر: الجمهرة٢/١١٥١،والمخصص١/٤٤،واللسان (قنسر) ٥/١١٧. ٢ ينظر: اللّسان (شطر) ٤/٤٠٩. ٣ ينظر: الارتشاف١/١٠٠. ٤ ينظر: الكتاب٤/٢٩٣. ٥ ينظر: مختصر شرح أمثلة سيبويه١١٢، والممتع١/١٤٩. ٦ ينظر: الكتاب٤/٢٨٩.
[ ١ / ٥٨٣ ]
الجمهور١.
وذهب الجوهريّ٢ إلى أنّه ثلاثيّ من (ع ف ص) وأنّ النُّون زائدة، ولا دليل لمذهبه.
ويتداخل ثلاثة أصول: (م ج ن) و(ج ن ن) و(م ن ج ن) في (المَنْجَنُونِ) وهي الدُّولاب الَّتي يستقى عليها. قال الشّاعر:
اعْجَلْ بِغَرْبٍ مِثْلِ غَرْبِ طَارِقِ وَمَنْجَنُونٍ كَالأَتَانِ الفَارِقِ٣
وهي تحتمل الأصول الثّلاثة٤:
فذهب بعضهم إلى أنّها ثلاثيّة، ويجوز فيها أصلان:
أحدهما: (م ج ن) فيكون وزنها (فَنْعَلُولًا) بزيادة النُّون الأولى وتكرير النُّون الآخرة؛ وهو مذهب سيبويه في أحد قوليه٥.
_________________
(١) ١ ينظر: مختصر شرح أمثلة سيبويه١٣٦،وسفر السّعادة١/٣٨٩، والممتع١/٦٦. ٢ ينظر: الصِّحاح (عفص) ٣/١٠٤٥. ٣ ينظر: اللّسان (منجنون) ١٣/٤٢٣. ٤ ينظر: الكتاب٤/٢٩٢، والأصول٣/٢١٦،٢١٧،والتكملة للفارسي٢٣٨، والمنصف١/١٤٥، والصحاح (جنن) ٥/٢٠٩٥، وشرح أبنية سيبويه١٥٥، وشرح الملوكي١٥٦، وشرح المفصل لابن يعيش٩/١٥٢، وشرح الشَّافية للرضي٢/٣٥٣، والارتشاف١/٢٣. ٥ ينظر: الكتاب٤/٢٩٢.
[ ١ / ٥٨٤ ]
وإلى ذلك مال جماعة من العلماء، وقد قضوا بأنّ نون خَنْدَرِيسٍ زائدة؛ لئلاّ يؤدّي القول بأصالتها إلى ما ليس من أبنيتهم، والنون الأولى في مَنْجَنُون كنون خَنْدَرِيسٍ، وقد قيل: مَنْجَنِينٌ كخَنْدَرِيسٍ؛ فوجب - على رأيهم - الحكم بزيادة نون مَنْجَنِينٍ؛ وإذا وجب هذا وجب الحكم بزيادتها في مَنْجَنُونٍ١.وهو وجه مقبول لولا الجمع -كما سيأتي.
والآخر: ما ذهب إليه الجوهريّ من أنّها من (ج ن ن) بزيادة الميم والنّون في أوّل الكلمة ٢، فوزنها على مذهبه: (مَنْفَعُول) وهو بعيد -كما سيأتي.
ومذهب الجمهور وعلى رأسهم سيبويه - في أحد قوليه٣ - أنّها رباعيّة من (م ن ج ن) ووزنها عندهم (فَعْلَلُول) .
ولا يجوز أن تكون الميم زائدة عند الجمهور؛ لأنّه لا يعلم في الكلام (مَفْعَلُول) ولا يجوز أن تكون الميم والنون زائدتين؛ على نحو ما ذهب إليه
_________________
(١) ١ ينظر: الإيضاح في شرح المفصل٢/٣٨٢. ٢ ينظر: الصِّحاح (جنن) ٥/٢٠٩٥. ٣ ينظر: الكتاب٤/٢٩٢، ويتضح الرأيان في قوله: ويكون على مثال (فَعْلَلوَل) وهو قليل، قالوا: منجنون؛ وهو اسم، وحندقوق وهو صفة. ولا نعلم في بنات الأربعة فَعْليولًا، ولا شيئًا من هذا النحو لم نذكره، ولكن (فَنْعَلَول) وهو اسم، قالوا: منجنون؛ وهو اسم. على أنَّ سيبويه - ﵀ - ذكر في موضع آخر أنّ منجنونًا رباعي، بمنزلة: عرطليل (الكتاب٤/٣٠٩) ولعلّه كان يميل إلى الأصل الرُّباعيّ.
[ ١ / ٥٨٥ ]
الجوهريّ لوجهين:
أحدهما: أنّ ذلك يؤدّي إلى أن تجتمع في أوّل الكلمة زيادتان؛ وليست الكلمة جاريةً على فعلٍ؛ نحو: مُنْطَلِقٍ ومُسْتَخْرِجٍ؛ وذلك لايكون في اللّغة إلاّ على سبيل النّدرة؛ كـ (إنْقَحْلٍ) على زنة (إنْفَعْلٍ) .
والآخر: أنَّه لا يعلم في الكلام (مَنْفَعُول) فتُحمل هذه عليه.
وحملُها على الأصل الثّلاثيّ (م ج ن) بزيادة النُّون كما في خَنْدَرِيسٍ وجهٌ مقبول لولا ثبوت النُّون في الجمع في قولهم: مَنَاجِينَ؛ وهو حجّة سيبويه١؛ فلو كانت زائدة لقيل: مَجَانِينَ، إلاّ أن يكون قولهم في الجمع: مَنَاجِينَ على توهّم أصالة النُّون؛ كقولهم: تَمَسْكَنَ وتَمَدْرَعَ؛ فيضعُف الدّليل؛ غير أنّ حملها على الظّاهر هو الأولى؛ لأنّه الأكثر؛ ولانعدام الدّليل على أنّها جمعت على توهّم أصالة النُّون.
ولمّا انتفت زيادة الميم، ورجَحت أصالة النُّون، ولم يجز زيادتهما معًا، لم يبقَ إلاَّ أن يكونا أصلين؛ على وزن (فَعْلَلُول) بتكرير اللاّم؛ كما في حَنْدَقُوقٍ؛ وهو ضربٌ من النّبات، وهما ملحقان بعَضْرَفُوطٍ٢.
_________________
(١) ١ ينظر: الكتاب٤/٣٠٩. ٢ ينظر: المنصف١/١٤٦، والإيضاح في شرح المفصل٢/٣٨٢.
[ ١ / ٥٨٦ ]
المبحث السَّابعُ: ما تنَوَّعَ فيه التَّدَاخلُ
ثَمَّةَ تداخل بين الثّلاثيّ والرّباعي جاء في أمثلة متناثرة متنوّعة؛ ليست ممَّا تقدَّم؛ كتداخل (غ ر ق) و(غ ر ن ق) في (الغُرْنَيقِ) ضربٍ من طير الماء؛ وهو يحتمل الأصلين:
فذهب الجوهريّ ١إلى أنّه ثلاثيّ من (غ ر ق) بزيادة النُّون؛ ووزنه -حينئذٍ- (فُعْنَيل) وليس في الصّنعة ما يدلّ على زيادة النُّون؛ فهي - وإن وقعت موقع النُّون الَّتي يجزم بزيادتها لتوسّطها بين أربعة أحرف - ليست هنا من هذا الباب؛ لتحرّكها.
ولكنّ الاشتقاق يسعف الجوهريّ؛ ألا ترى أنّ (الغُرْنَيقَ) من طيور الماء الَّتي تغوص في الماء تارةً وتطفو تارةً؛ فكأنّها تغرق فيه.
وذهب سيبويه ٢ إلى أنّه رباعيّ، من (غ ر ن ق) على وزن (فُعْلَيل) وعلى هذا جمهور اللّغوييّن٣.
وإن قيل: من أين لهم عدّ النُّون أصلًا، ولا نظير له في بنات الأربعة يقابله، فما ينكر أن تكون زائدة؛ كما في: خُنَثْعَبَة، وكَنَهْبُلٍ، وعُنْصُلٍ، وعُنْظُبٍ؟
_________________
(١) ١ ينظر: الصِّحاح (غرق) ٤/١٥٣٧. ٢ ينظر: الكتاب٤/٢٩٣. ٣ ينظر: أدب الكاتب ٥٩٩، والمحكم٦/٤٨، والممتع١/١٤٩.
[ ١ / ٥٨٧ ]
فالقول في ذلك عند ابن سيده: "إنَّ هذه النُّون قد ثبتت في هذه اللّفظة أَنَّى تصرّفت، ثَبَاتَ بقيّة أصول الكلمة؛ وذلك أنّهم يقولون: غُرْنَيقٌ، وغِرْنِيقٌ، وغُرْنُوقٌ، وغُرَانِق، وغَرَوْنَق.
وثبتت - أيضًا - في التّكسير؛ فقالوا: غَرَانِيقُ وغَرَانِقَةٌ. فلمّا ثبتت النُّون في هذه المواضع كلّها، ثبات بقيّة أصول الكلمة؛ حُكِمَ بكونها أصلًا"١.
وأمّا استدلال أبي عليّ الفارسيّ على أصالة النُّون؛ بأنّه قد أُلحق بها (العُلَّيقُ) ولا يلحق إلاَّ بالأصول - فمردود بأمرين:
أحدهما: أنّ (العُلَّيقَ) (فُعَّيْل) وتضعيف العين لا يكون للإلحاق؛ لأنَّ أصل تضعيف العين إنّما هو للفعل؛ نحو: قَطَّع وكَسَّر؛ فهو في الفعل مفيد للمعنى، وكذلك هو في بعض الأسماء؛ نحو: شَرَّابٍ وقَطَّاعٍ وسِكِّيرٍ، ومن ثمَّ لم يجعل التّضعيف للإلحاق؛ لأنَّ الإلحاق صناعة لفظية لا معنويّة -كما قال ابن سيده٢.
والآخر: أنّ قوله: إنّه لا يلحق إلاّ بالأصول يخالف ما قرّره العلماء بجواز الإلحاق ببعض الفروع والمزيدات؛ كإلحاقهم (اقْعَنْسَسَ) بـ (احْرَنْجَمَ) و(حَبَونَن) بـ (حَبَوكَرٍ) على نحو ما تقدَّم في الباب الأوّل٣.
والرّأي عندي في أصل هذه الكلمة أنّها ثلاثيّة من (غ ر ق) كما
_________________
(١) ١ المحكم٦/٤٨. ٢ ينظر: المحكم ٦/٤٨. ٣ ينظر: ص (٢٢٦) من هذا البحث.
[ ١ / ٥٨٨ ]
ذهب الجوهريّ لقوّة الاشتقاق.
ويتداخل الأصلان الثّلاثيّ والرّباعي في (السُّبرُوتِ) من الأرض؛ وهي: القَفْرُ، ويوصف به الرّجل الفقير؛ وهو يحتمل الأصلين:
فمذهب سيبويه١ أنَّه رباعيّ من (س ب رت) على وزن (فُعْلُول) .
وذكر أبو حيَّان أنّه عند غير سيبويه ثلاثيّ من (س ب ر) على وزن (فَعْلُوت) ٢.
ولعلّهم استدلّوا بقولهم: (السُّبْرُور) في معناه؛ فقد قال الشَّاعر:
تُطْعِمُ المُعْتَفِينَ ممَّا لَدَيها مِنْ جَنَاهَا، والعَائِلَ السُّبْرُورَا٣
قال ابن سيده: "فإن صحَّ هذا فتاء سُبْرُوت زائدة"٤.
ويتداخل في (الكَوْكَبِ) وهو ضرب من النّجوم في السماء- خمسة أصول ثلاثة ثلاثيّة ورباعيّان:
فيرى الجمهور٥ أنّه من (ك ك ب) ووزنه (فَوْعَل) من باب ما جاء عينه من جنس فائه؛ كـ (دَدَن) إلاَّ أنّه فُرِّق بين الفاء والعين في
_________________
(١) ١ ينظر: الكتاب٤/٣١٨. ٢ ينظر: الارتشاف١/١٠٥. ٣ ينظر: اللّسان (سبر) ٤/٣٤٢. ٤ ينظر: اللّسان (سبر) ٤/٣٤٢. ٥ ينظر: الأصول٣/٢٠٩، والخصائص٢/٥٦، والصحاح (ككب) ١/٢١٣، والمقتصد في شرح التكملة٢/٧٨٦، والممتع١/٨٢، والبحر المحيط٤/١٦٢، والدّر المصون٥/١١.
[ ١ / ٥٨٩ ]
(كَوْكَبٍ) بحرف علّةٍ زائد.
ونظيره (قَوْقَل) وهو: ذَكَرُ القَطَا؛ فأصله (ق ق ل) و(لَوْلَب) إن كان عربيًّا- وهو: استدارة الماء عند فم الصُّنْبُور؛ فإنّه من (ل ل ب) .
وذهب الأصمعيّ إلى أنّه ثلاثيّ من (وك ب) وقد صُدِّر بكاف زائدة١، وذكر الأزهريّ أنّه من هذا الأصل عند حذَّاق النّحوييّن٢.
وكان الصَّغانيّ٣يرى ذلك؛ ووزنه حينئذٍ (كَفْعَل) وهذا مردود بأنّ الكاف ليست من حروف الزّيادة، وأمّا قولهم: هِنْدِيٌّ وهِنْدِكِيٌّ فهو من باب: سَبِطٍ وسِبَطْرٍ؛ أي أنّهما أصلان. وإلى ذلك ذهب أبو حيّان في ردِّه على الصَّغانيّ؛ لحكايته ما نقل عن الأصمعيّ حين قال: "وليت شعري من حذَّاق النّحوييّن الّذين تكون الكاف عندهم من حروف الزّيادة في أوّل الكلمة؟
فأمّا قولهم: هِنْدِيٌّ وهِنْدِكِيٌّ في معنى واحدٍ؛ وهو المنسوب إلى الهند؛ قال الشَّاعر:
وَمَقْرَبَةٌ دُهْمٌ وَكُمْتٌ كَأَنَها طَمَاطِمُ يُوفُونَ الوِفَازَ٤هَنَادِكُ٥
فخرّجه أصحابنا على أنّ الكاف ليست زائدة؛ لأنّه لم يثبت زيادتها
_________________
(١) ١ ينظر: التهذيب١٠/٤٠٢. ٢ ينظر: التهذيب ١٠/٤٠٢. ٣ ينظر: التكملة (ككب) ١/٢٦١. ٤ الوِفاز: المرتفع من الأرض. ينظر: اللّسان (وفز) ٥/٤٣٠. ٥ البيت لكُثيّر، كما في ديوانه٣٤٧، وفيه اختلاف لايضرّ بالشّاهد.
[ ١ / ٥٩٠ ]
في موضع من المواضع فيحمل عليه؛ وإنّما هو من باب: سَبِطٍ وسِبَطْرٍ"١.
ويجوز أن تكون تلك الكاف سرت لبعض العرب من لغة الحبش؛ فإنّهم يدخلون الكاف - مشوبة بالياء - في النِّسَب ٢.
وذهب الرّاغب الأصبهانيّ إلى أنّ أصله (ك ب ب) إذ ذكرها في (كَبَّ) ٣وظاهر قياسه أنّ الواو زائدة والكاف الثّانية في (كَوْكَبٍ) بدل من إحدى الباءين، وهذا غريب جدًّا -كما قال السَّمين٤.
وذهب الخليل إلى أنّه رباعي من (ك وك ب) ٥فوزنه - حينئذٍ (فَعْلَل) لوضعه في الرّباعيّ؛ وهو فهم الأزهريّ٦. ويردّه أنّ الواو لا تكون أصلًا في بنات الأربعة؛ كما تقرّر في الأصول٧.
وذهب بعض المستشرقين - ومنهم بروكلمان٨وبرجشتراسر٩ - إلى أنّه في الأصل (كَبْكَب) (kabkab) كما في الأصول السّاميّة، وأنّه لم يبق على حاله إلاّ في الأمهَرِيَّة؛ فالكوكب فيها: (kabkib) وهو في
_________________
(١) ١ ينظر: البحر المحيط٤/١٦٢. ٢ ينظر: البحر المحيط ٤/١٦٢،١٦٣. ٣ ينظر: المفردات٦٩٥. ٤ ينظر: الدّر المصون٥/١١. ٥ ينظر: العين٥/٤٣٣. ٦ ينظر: التهذيب١٠/٤٠٢. ٧ ينظر: الممتع١/٢٩٢. ٨ ينظر: فقه اللغات السامية٧٤. ٩ ينظر: التطور النّحوي٩٧.
[ ١ / ٥٩١ ]
الأكَدِيَّةِ: (kakkabu) وفي العبريّةِ: (kokab) وهو أقرب إلى العربيّة- وفي السّريانيّة: (kawkba) وفي الحبشية: (kokab) .
وقارب بعض علماء العربيّة القدامى بين (الكَوْكَبَةِ) و(الكَبْكَبَةِ) في المعنى؛ فقد قال البندنيجيّ: (الكَبْكَبَة: الجماعة من النّاس. والكَوْكَبَةُ: مثلها) ١فكأنّها عنده من التّرادف.
_________________
(١) ١ ينظر: التقفية٢٠٨.
[ ١ / ٥٩٢ ]