_________________
(١) والمراد به هنا الوقف الاختياري. وهو الوقف المقصود لذاته فإن لم يقصد أصلًا بل عرض للقارئ بسبب ضيق النفس ونحوه فاضطراري، وإن قصد به اختبار حال الطالب هل يحسن الوقف فهو اختباري.
[ ٢٨٣ ]
قوله: (الوَقْفُ في الأَفْصَحِ عَلَى نَحْوِ: رَحْمَةٍ بِالهَاءِ، وَعَلَى نَحْوِ: مُسْلِمَاتٍ بِالتَّاءِ) .
الوقف: قطع النطق عند آخر الكلمة، ويتعلق به الأحكام الآتية:
١-إذا وقف على كلمة منتهية بتاء التأنيث التي قبلها متحرك قلبت التاء هاء، في أفصح اللغتين نحو: ما أشبه الليلة بالبارحهْ، ويجوز إبقاؤها - كما سيذكر المصنف - وكذا إن كان ما قبل التاء ساكنًا معتلًا نحو: قد قامت الصلاه، فإن كان ما قبل التاء ساكنًا صحيحًا كأُخْتٍ وبِنْت، وقف عليها بالتاء من غير إبدال.
وأما إذا كان جمعًا بالألف والتاء فالأفصح الوقف بالتاء، نحو: رُبَّ أكلةٍ منعت أكلاتْ، وبعضهم يقف بالهاء (١) - كما سيأتي - فقد سمع من كلامهم: كيف الأخوةُ والأخواه؟
قوله: (وَعَلَى نَحْو: قَاضٍ رَفْعًا وَجَرًّا بِالحَذْفِ، وَنَحْوُ: القَاضِي فِيهمَا بِالإِثْبَاتِ، وَقَدْ يُعْكَسُ فِيهِنَّ، وَلَيْسَ في نَصْبِ قَاضٍ وَالقَاضِي إِلا اليَاءُ) .
٢-إذا وقف على الاسم المنقوص وهو ما آخره ياء مكسور ما قبلها، فإما أن يكون معرفة، وهو: المحلى بأل، أو نكرة، وهو: المنون، فإن كان منونًا فالأفصح الوقف عليه رفعًا وجرًا بحذف الياء نحو: جاء داعٍ، سلمت على داعٍ.
_________________
(١) وهم عرب طيئ كما في المطالع النصرية ص (١٤٥) وفي الأشموني (٤/٢١٤) .
[ ٢٨٤ ]
ويجوز الوقف عليه بإثبات الياء فتقول: جاء داعي، وسلمت على داعي. وقد قرأ ابن كثير - من السبعة - في قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ (٤) قرأ ابن كثير بياء في الوقف في الألفاظ الأربعة حيث وقعت، وقرأ الباقون بالحذف. (٥)
وإن كان غير منون فالأفصح الوقف عليه رفعًا وجرًا بالإثبات نحو: شر القلوب القلبُ القاسي، تدور الدوائر على الباغي، ويجوز الوقف عليه بحذفها، ومنه قوله تعالى: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ (٦) وقوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ (٧) فقد قرأ الجمهور بالحذف، وقرأ ابن كثير بإثبات الياء. (٨)
فإن كان المنقوص منصوبًا ثبتت ياؤه مطلقًا محلى بأل، أو منونًا، فإن كان منونًا أُبدل من تنوينه ألف، نحو: كفى برسول الله - - ﷺ - - إمامًا وهاديا، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾ (٩)، وإن كان غير منون وقف على الياء نحو: اشمل بمعروفك الدانيَ والقاصيْ. قال تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ (١٠) .
_________________
(١) سورة الرعد، آية: ٧.
(٢) سورة الرعد، آية: ١١.
(٣) سورة الرعد، آية: ٣٤.
(٤) سورة النحل، آية: ٩٦.
(٥) انظر الكشف لمكي (٢/٢١) .
(٦) سورة الرعد، آية: ٩.
(٧) سورة غافر، آية: ١٥.
(٨) انظر الكشف لمكي (٢/٢٤، ٢٤٦) .
(٩) سورة آل عمران، آية: ١٩٣.
(١٠) سورة القيامة، آية: ٢٦.
[ ٢٨٥ ]
وقول المصنف (وقد يعكس فيهن) الضمير في قوله (فيهن) راجع إلى قلب تاء (رحمة) هاء. وإثبات تاء (مسلمات) وحذف ياء (قاض) وإثبات ياء (القاضي) فيوقف على (رحمة) بالتاء بدل الهاء، وعلى (مسلمات) بالهاء بدل التاء، وعلى (قاض) بالياء بدلًا من حذفها، وعلى (القاضي) بالحذف وقد ذكر ذلك كله. (١)
قوله: (وَيُوقَفُ عَلَى (إِذًا) وَنَحْوِ: ﴿لَنَسْفَعَنْ﴾ (٢) وَ(رَأَيْتُ زَيْدًا) بِالأَلِفِ كَمَا يُكْتَبْنَ) .
٣-يجب في الوقف قلب النون الساكنة ألفًا في ثلاث مسائل:
الأولى: إذن الجوابية، وهي حرف جواب وجزاء في نحو: أزورك غدًا إن شاء الله، فتقول: أكرمك إذا، وأصلها (إذن)، فتبدل عند الوقف ألفًا كما يفعل بالمنون المنصوب - الذي سيأتي ذكره - وهذا على ما ذكر ابن هشام، وهو مذهب بصري، والكوفيون يكتبونها بالنون مطلقًا سواء كانت ناصبة أم لا، للفرق بينها وبين (إذا) الظرفية والفجائية، والقول الثالث للفراء وهو: أن الناصبة تكتب بالنون، والملغاة بالألف، وهذا في غير ما ورد في القرآن؛ لأن ما ورد فيه فهو سنة متبعة في رسمه مقصورة عليه. (٣)
_________________
(١) اعلم أن هناك فرقا بين تاء التأنيث وهاء التأنيث وخلاصته كما يلي:
(٢) أن تاء التأنيث لا تبدل في الوقف هاء. وهاء التأنيث يوقف عليها بالهاء.
(٣) أن تاء التأنيث تكتب مبسوطة، وهاء التأنيث تكتب مربوطة.
(٤) أن تاء التأنيث لا تمنع من الصرف وهاء التأنيث تمنع من الصرف.
(٥) أن تاء التأنيث تكون في الأسماء والأفعال نحو: بنت خرجت، وهاء التأنيث لا تكون إلا في الأسماء مثل: فاطمة. أن هاء التأنيث يفتح ما قبلها دائمًا لفظًا نحو حفصة وطلحة، أو تقديرًا نحو فتاة وقضاة. بخلاف تاء التأنيث فقد يكون ما قبلها ساكنًا نحو: بنت وأخت، وقد يكون متحركًا نحو: قالت ونعمت. راجع المطالع النصرية ص ١٤١.
(٦) سورة العلق، آية: ١٥.
(٧) انظر المطالع النصرية ص١٣٥، ١٣٦.
[ ٢٨٦ ]
الثانية: نون التوكيد الخفيفة الواقعة بعد الفتحة نحو: احذرَنْ صحبة الفاسق، فتقول في الوقف: احذرا، ومنه قوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعَنْ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ﴾ (٢) وقف جميع القراء عليها بالألف. (٣)
الثالثة: تنوين الاسم المنصوب: رأيت خالدًا، وعلى هذا جمهور العرب إلا ربيعة، فإنهم وقفوا بالحذف: رأيت خالدْ.
وقوله: (كما يكتبن) أي أن الوقف في هذه المسائل الثلاث بالألف كما يكتبن بها. لأن الأصل في كتابة الكلمة أن تكتب بصورة لفظها بتقدير الابتداء بها والوقف عليها.
قوله: (وَتُكْتَبُ الأَلِفُ بَعْدَ وَاوِ الجَمَاعَةِ كَقَالُوا دُونَ الأَصْلِيَّةِ، كَزَيْدٌ يَدْعُو، وَتُرْسَمُ الأَلِفُ يَاءً إِنْ تَجَاوَزَتِ الثَّلاثَةَ، كَاسْتَدْعَى وَالمُصْطَفَى أَوْ كَانَ أَصْلُهَا اليَاءَ كَرَمَى وَالْفَتَى، وَأَلِفًا في غَيْرِهِ كَعَفَا وَالعَصَا وَيَنْكَشِفُ أَمْرُ أَلِفِ الفِعْلِ بِالتَّاءِ كَرَمَيْتُ وَعَفَوْتُ، وَالاسْمِ بِالتَّثْنِيَةِ كَعَصَوَيْنِ وَفَتَيَيْنِ) .
ذكر المصنف - ﵀ - مسألتين من مسائل الكتابة:
_________________
(١) سورة العلق، آية: ١٥.
(٢) سورة يوسف، آية: ٣٢.
(٣) لا بد من قرينة تدل على أن الألف في المثال المذكور أصلها نون التوكيد الخفيفة ولذا قال الفاكهي في شرح القطر (٢/٢٧٨): (محل كتابة النون الخفيفة بالألف، عند عدم اللبس، أما إن حصل لبس نحو: لا تضربَنْ زيدًا واضربن عمرًا. فتكتب بالنون على الأصح؛ لئلا يلتبس أمر الواحد أو نهيه بأمر الاثنين أو نهيهما في الخط) .
[ ٢٨٧ ]
الأولى: أنهم فرقوا بين الواو في قولك (زيد يدعو) وبينها في قولك (الطلاب لم يحضروا) فزادوا ألفًا بعد واو الجماعة، وجردوا الأصلية من الألف، قصدًا للتفرقة بينهما، وعلى هذا فتزاد الألف بعد الواو بشرط كونها ضميرًا في فعل ماض نحو: كتبوا، أو أمر نحو: اكتبوا، أو مضارعًا محذوف النون نحو: لم يكتبوا، فخرج بذلك: الواو التي من بنية الفعل نحو: ندعو الشباب إلى الاستقامة (١) والواو التي هي علامة الرفع في جمع المذكر السالم والأسماء الخمسة نحو: متقدمو العلماء هم أولو الفضل وذوو السبق، وخرج أيضًا: الواو التي لإشباع ضمة الميم، وتسمى (واو الصِّلة) كما في قول الشاعر:
إلامَ الخلفُ بينكمُو إلاما وهذه الضجة الكبرى علاما
وفيمَ يكيدُ بعضكمُو لبعضوتبدون العداوة والخصاما
الثانية: في كيفية رسم الألف المتطرفة فإن كانت رابعة فصاعدًا رسمت ياء نحو: استدعى، المصطفى، إلا إن كان قبلها ياء فترسم ألفًا مثل: دنيا، محيا، أحيا. كراهة اجتماع ياءين في الخط إلا (يحيى) علمًا فيرسم ياء، فرقًا بين كونه علمًا وكونه فعلًا، لأنه إذا كان فعلًا يكتب بالألف نحو: وسميته يحيى ليحيا.
وإن كانت ثالثة نظر إلى أصلها فإن كان أصلها ياء رسمت ياء نحو: رحى، الفتى، وإن كان أصلها واوًا رسمت ألفًا نحو: دعا، العصا.
وطريقة الكشف عن الأصل أن الفعل يوصل بتاء المتكلم أو المخاطب فما ظهر فهو أصله، ألا ترى أنك تقول في رمى: رميت، وفي: دعا: دعوت. والاسم يثنى، فما ظهر فيها فهو أصله، ألا ترى أنك تقول: في الفتى والعصا: الفتيان والعصوان. والله أعلم.