الفصل الأول: ابن جني وكتابه «اللمع»
ابن جني:
اسمه ونسبه: هو أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي، وكان أبوه «جني» مملوكًا روميًا لسليمان بن فهد بن أحمد الأزدي الموصلي.
مولده: ولد ﵀ بالموصل قبل الثلاثين والثلاثمائة للهجرة النبوية الشريفة.
ثقافته: إن القارئ لمؤلفات هذا العالم ليدرك من أول وهلة ويفهم من أول نظرة أنه إمام عالم واسع الثقافة طويل الباع، كثير الاطلاع، غزير العلم، كتب في النحو والتصريف، ودرس الأصوات والحروف دراسة «وألف كتبًا كثيرة أبر بها على المتقدمين وأعجز المتأخرين، ولم يتكلم أحد في التصرف أدق كلامًا منه».
وذكر أبو الفتح ﵀ أنه أخذ عن شيوخ كثيرين، فقد ذكر في إجازته لأبي عبد الله الحسين بن أحمد بن نصر أنه سمع شيوخًا وقرأ عليهم بالعراق والموصل والشام وغير هذه البلاد التي أتاها وأقام بها.
مكانته العلمية:
لقد بلغ أبو الفتح مكانه علمية راقية اعترف له بها المتقدمون والمتأخرون على السواء. قال الثعالبي فيه: «هو القطب في لسان العرب، وإليه انتهت الرياسة في الأدب وكان الشعر أقل خلاله لعظم قدره وارتفاع حاله» وقال ياقوت: «عثمان بن جني النحوي من أحذق أهل الأدب وأعلمهم بالنحو والتصريف».
شيوخه:
سمع ابن جني عن كثير من علماء العراق والموصل والشام، واغترف من منهلهم
[ ٩ ]
العذب، حتى تكونت شخصيته العلمية، وأهم هؤلاء الشيوخ الذين أخذ عنهم واستفاد منهم ما يلي:
١ - أبو علي الفارسي: هو أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي الفسوي، وهو أعظم أستاذ تخرج عليه ابن جني وتأثر به، مات سنة (٣٧٧ هـ).
٢ - أبو بكر محمد بن الحسن بن يعقوب المعروف بابن مقسم، وهو أحد القراء ببغداد، وكان عالمًا باللغة والشعر، ومن أحفظ الناس لنحو الكوفيين مات ﵀ سنة (٣٥٤ هـ).
٣ - أبو الفرج الأصفهاني: هو علي بن الحسين بن الهيثم القرشي من ولد هشام ابن عبد الملك، وكان شاعرًا مصنفًا أديبًا، مات سنة نيف وستين وثلاثمائة.
٤ - أحمد بن محمد أبو العباس الموصلي النحوي، ويعرف بالأخفش، قال ابن النجار: «كان إمامًا في النحو، فقيهًا فاضلًا، عارفًا بمذهب الشافعي».
وغير هؤلاء كثير ممن استفاد منهم ابن جني ونقل عنهم.
تلاميذه:
لما ذاع صيت ابن جني وطبقت شهرته الآفاق أقبل عليه الناس يأخذون عنه وينهلون من مورده، ومن أشهر هؤلاء ما يأتي:
١ - الشريف الرضي: هو أبو الحسن محمد بن الحسين بن موسى الشاعر المشهور وقد تلقى دروس اللغة على أبي الفتح. مات ببغداد سنة (٤٠٦ هـ).
٢ - الثمانيني: هو أبو القاسم عمر بن ثابت الثمانيني النحوي الضرير، أخذ عن أبي الفتح، وشرح كتابه «اللمع» مات سنة (٤٤٢ هـ).
٣ - أبو أحمد عبد السلام البصري: هو عبد السلام بن الحسين بن محمد أبو أحمد البصري اللغوي، قرأ على الفارسي والسيرافي وابن جني وغيرهم، مات سنة (٤٠٥ هـ).
[ ١٠ ]
٤ - أبو الحسن السمسمي: هو علي بن عبيد الله بن عبد الغفار السمسمي اللغوي كان لغويًا بارعًا، أخذ عن أبي الفتح، مات سنة (٤١٥ هـ).
٥ - ثابت بن محمد أبو الفتوح الجرجاني الأندلسي النحوي، كان من أئمة اللغة العربية البارزين، وقد روى ببغداد عن ابن جني وعلي بن عيسى الربعي وعبد السلام بن الحسين البصري مات سنة (٤٣١ هـ).
***
كتاب اللمع لأبي الفتح ابن جني:
لقد ترك لنا ابن جني ﵀ ثروة تأليفية ضخمة ذات قيمة علمية عظيمة في النحو والتصريف واللغة والعروض والقراءات وغير ذلك من الفنون، ومن هذه الثروة كتاب اللمع في النحو، جمع فيه صاحبه بين النحو والتصريف، وقد ضمنه الكلام على الأبواب التالية:
الكلام، المعرب والمبني، الإعراب والبناء، إعراب الاسم الواحد، إعراب الاسم المعتل، التثنية، جمع التذكير، جمع التأنيث، جمع التكسير، الأفعال معرفة الأسماء المرفوعة، المبتدأ، الخبر، الفاعل، المفعول الذي لم يسم فاعله، كان وأخواتها، إن وأخواتها، باب «لا» في النفي، معرفة الأسماء المنصوبة المفعول المطلق، المفعول به، المفعول فيه، ظروف الزمان، ظروف المكان، المفعول له، المفعول معه، المشبه بالمفعول في اللفظ، الحال، التمييز، الاستثناء، معرفة الأسماء المجرورة، حروف الجرو مذ ومنذ، حتى، الإضافة، معرفة ما يتبع الاسم في إعرابه، الوصف، التوكيد، البدل، عطف البيان، عطف النسق، النكرة والمعرفة، النداء، الترخيم، الندبة، إعراب الأفعال وبناؤها الحروف التي تنصب الفعل، حروف الجزم، الشرط وجوابه، التعجب، نعم وبئس، حبذا، عسى، كم، معرفة ما ينصرف وما لا ينصرف، العدد، الجمع، القسم، الموصول والصلة، النونين، النسب التصغير، ألفات القطع وألفات الوصل، الاستفهام، ما يدخل على الكلام فلا يغيره، الحكاية، الخطاب، الإمالة.
تلك هي الأبواب التي اشتمل عليها كتاب «اللمع» في النحو لابن جني، وهي كما نرى موزعة بين النحو والتصريف، وإن كان النحو قد نال حظه موفورًا منها،
[ ١١ ]
إذا لم يشمل التصريف سوى ستة أبواب هي باب جمع التكسير، وباب النسب، وباب التصغير، وباب ألفات القطع وألفات الوصل، وباب الخطاب، وباب الإمالة، وشمل النحو باقيها.
وبالنظر في كتاب «اللمع» نجد أن أبواب التصريف قد أخذت مكانها في آخر الكتاب، كما هو شأن كتب النحو جميعها، قال ابن جني: «لا تجد كتابًا في النحو إلا والتصريف في آخره» غير أن ابن جني لم يذكر أبواب التصريف متوالية كما هي عادة النحاة جميعًا وإنما ذكرها متداخلة مع بعض أبواب النحو، كما هي واضح من العرض السابق.
ويذكر لنا ابن جني ﵀ العلاقة بين النحو والتصريف مبينًا السبب الذي دعا إلى تقديم النحو في الذكر مع أن التصريف أحق منه بذلك، فيقول:
«فالتصريف إنما هو لمعرفة أنفس الكلم الثابتة، والنحو إنما هو لمعرفة أحواله المتنقلة
وإذا كان ذلك كذلك فد كان من الواجب على من أراد معرفة النحو أن يبدأ بمعرفة التصريف، لأن معرفة ذات الشيء الثابتة ينبغي أن يكون أصلًا لمعرفة حاله المتنقلة، إلا أن هذا الضرب من العلم لما كان عويصًا صعبًا بدئ قبله بمعرفة النحو، ثم جيء به بعد ليكون الارتياض في النحو موطئًا للدخول فيه، ومعينا على معرفة أغراضه ومعانيه».
وبالنظر فيما استعمله ابن جني في كتابه من شواهد نجد أنها متنوعة فتارة يستشهد بالقرآن المجيد، وتارة بالشعر العربي وفصيح كلام العرب.
أما استشهاده بالقرآن فواضح في كتابه، حيث استشهد باثنين وأربعين آية منه، إذ هو ممن يقول: بجواز الاحتجاج بمتواتر القرآن وشاذه.
وأما شواهده الشعرية فقد بلغت في كتابه ثمانية وسبعين شاهدًا نسب بعضها وأغفل نسبة الباقي.
وقد وقع من ابن جني خطأ في نسبة شاهدين من شواهده الشعرية المنسوبة أولهما: قول الشاعر:
بالوارث الباعث الأموات قد ضمنت إياهم الأرض في دهر الدهارير
فقد نسب ابن جني هذا البيت في كتابيه «اللمع والخصائص» إلى أمية بن أبي
[ ١٢ ]
الصلت والصحيح أن هذا البيت للفرزدق، فإنه ذكر في ديوانه ولم تعثر عليه في ديوان أمية بن أبي الصلت وقد نبه على هذا الخطأ ابن الخباز في «توجيه اللمع» فقال وقوله: أي ابن جنى في البيت الثاني لأمية تخليط، وقد رأيت البيت في شعر الفرزدق ثانيهما: قول الشاعر:
* يا حكم الوارث عن عبد الملك *
نسب ابن جني هذا البيت إلى العجاج، وتبعه في هذه النسبة الخاطئة ابن الخباز في كتابه «توجيه اللمع» ولكنه في كتابه «الغرة المخفية» قد صحح هذا الخطأ، وأثبت أن البيت لرؤبة بن العجاج، وتلك هي النسبة الصحيحة.
ومما يلاحظ على ابن جني أيضًا أنه ذكر شاهدًا شعريًا مركبًا من شطري يتبين وهو كما ذكره ابن جني:
حاشا أبي ثوبان أن به ضنا على الملحاة والشتم
وقد تنبه ابن الخباز في كتابه «توجيه اللمع» إلى هذا الخلط، فقال: «والبيت الذي أنشده أبو الفتح ﵀ أنشده المفضل، وقد حرفه فجعل صدر غيره له، والصواب ما أذكره لك، قال:
حاشا أبي ثوبان أن أبا ثوبان ليس بزمل قدم
عمرو بن عبد الله أنه به ضنًا على الملحاة والشتم
وقد استشهد ابن جني كذلك بالنثر العربي في كتابه «اللمع» ومن ذلك استشهاده على زيادة الألف بين النونات تخفيفًا بكلام أبي مهدية، وهو قوله: «اخسأنان عني».
شروح كتاب اللمع
وجد كتاب اللمع لابن جني اهتمامًا بالغًا لدى كثير من علماء العربية، فقد
[ ١٣ ]
حفظ لنا التاريخ منذ القرن الخامس الهجري حتى القرن الثامن أسماء نخبة ممتازة من جلة وكبار العلماء الذين عكفوا على دراسة هذا الكتاب، وبذلوا ما في وسعهم من جهد في شرحه أو تخريج شواهده، وجعلوا منه مدرسة نحوية في مصر والشام والعراق وجزيرة العرب.
وإليك ما أمكن التعرف عليه من هذه الشروح التي حظى بها كتاب اللمع لابن جني:
١ - شرح أبي القاسم عمر بن ثابت الثمانيني النحوي الضرير المتوفى سنة (٤٤٢ هـ).
٢ - شرح أبي نصر الحسن بن أسد بن الحسن الفارقي المتوفى سنة (٤٨٢ هـ) وأسماء صاحبه بالتصنيف البديع في شرح اللمع.
٣ - شرح الحسن بن علي بن محمد بن عبد العزيز الطائي من أهل مرسية ويكنى أبا بكر، توفي سنة (٤٩٨ هـ).
٤ - شرح أبي نصر القاسم بن محمد بن مناذر الواسطي النحوي الضرير.
٥ - النظامي في النحو، وهو لمحمود بن حمزة بن نصر الكرماني النحوي المتوفى بعد الخمسمائة اختصره من كتاب اللمع لابن جني.
٦ - شرح أبي القاسم ناصر بن أحمد بن بكر الخويي النحوي الأديب توفي سنة (٥٠٧ هـ).
٧ - شرح أبي البركات عمر بن إبراهيم بن محمد بن محمد العلوي الزيدي الكوفي توفي عام (٥٩٣ هـ).
٨ - شرح أبي السعادات هبة الله بن علي عبد الله العلوي المعروف بابن الشجري البغدادي المتوفي سنة (٥٤٢ هـ).
٩ - شرح أبي عبد الله محمد بن علي بن أحمد الحلي المعروف بابن حميدة
[ ١٤ ]
النحوي المتوفي سنة (٥٥٠ هـ).
١٠ - شرح أبي محمد عبد الله بن أحمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر بن الخشاب النحوي المتوفى سنة (٥٦٧ هـ).
١١ - شرح أبي محمد سعيد بن المبارك بن علي بن عبد الله بن سعيد بن محمد ابن نصر بن عاصم المعروف بابن الدهان، المتوفى بالموصل سنة (٥٦٩ هـ).
١٢ - شرح أسعد بن نصر بن أسعد أبي منصور العبرتي المتوفى سنة (٥٨٩ هـ).
١٣ - شرح أبي الحسن الباقولي علي بن الحسين بن علي الضرير الأصفهاني النحوي المتوفى سنة (٥٤٣ هـ).
١٤ - شرح أبي الحسن علي بن الحسن بن عنتر بن ثابت الحلي الأديب المعروف بشميم المتوفى سنة (٦٠١ هـ) وهذا الشرح قد سماه مؤلفه بالمخترع في شرح اللمع.
١٥ - شرح أبي البقاء عبد الله بن الحسين بن عبد الله النحوي الضرير العكبري الأصلي البغدادي المولد والدار المتوفى سنة (٦١٦ هـ).
١٦ - شرح أبي محمد القاسم بن القاسم بن عمر بن منصور الواسطي النحوي اللغوي المتوفى سنة (٦٢٦ هـ).
١٧ - شرح أبي بكر بن يحيى بن عبد الله الجذامي المالقي النحوي المعروف بالخفاف، المتوفى سنة (٦٥٧ هـ).
١٨ - شرح أحمد بن عبد الله المهابا ذي الضرير، قال ياقوت: «من تلاميذ عبد القاهر الجرجاني من مصنفاته: شرح اللمع».
[ ١٥ ]
١٩ - شرح اللمع ليحيى بن علي بن محمد بن الحسن بن محمد بن موسى بن بسطام الشيباني أبي زكريا ابن الخطيب التبريزي المتوفي سنة (٥٠٢ هـ).
٢٠ - هناك نسخة لأحد شروح اللمع غير منسوبة إلى معين، وهي بدار الكتب تحت رقم (٥٣٥١ هـ) وكتبت سنة (٦٥٩ هـ) بخط أبي بكر بن عثمان بن أبي بكر.
٢١ - أشار بروكلمان في تاريخ الأدب العربي (٢/ ٢٤٧) إلى وجود نسخة غير منسوبة من شرح اللمع لابن جني بمكتبة بايزيد تحت رقم (١٩٩٢).
٢٢ - شرح شواهد اللمع لابن هشام الأنصاري، وقد سماه مؤلفه «بالروضة الأدبية في شواهد علوم العربية».
٢٣ - شرح اللمع لابن الخباز وقد أسماه «بالإلماع في شرح اللمع» وهذا الشرح قد أشار إليه العلامة ابن الخباز في ثناينا كتابه «توجيه اللمع» حيث قال عند الكلام على نون الوقاية وفي هذه النون مسائل كثيرة استقصيتها في كتاب «الإلماع في شرح اللمع».
٢٤ - ولعل من أهم هذه الشروح «شرح اللمع» لابن الخباز أبي العباس أحمد ابن الحسين بن أحمد بن معالي بن منصور بن علي الشيخ شمس الدين، المتوفى بالموصل عاشر رجب سنة تسع وثلاثين وستمائة.
وهذا الشرح أسماه ابن الخباز في مقدمة كتابه «بتوجيه اللمع» وهو موضوع دراستنا، ويوجد منه نسخة وحيدة بمكتبة الأزهر الشرف تحت رقم (٢٣٤٨ السقا) (٢٨٦٧٦ نحو)، والنسخة في مجلد واحد ومكتوبة في سنة (٧٨٦ هـ) بقلم نسخ قديم وتقع في (٢٠٨ ورقة)، والشرح من الشروح المختصرة.
وسوف أبسط الكلام على هذا الشرح في الفصل الثالث من هذه الدراسة إن شاء الله.
***
[ ١٦ ]
الفصل الثاني: ابن الخباز عصره ونشأته
عاش ابن الخباز أحمد بن الحسين بين القرنين السادس والسابع الهجريين.
الحالة السياسية في عصره:
ضعفت الدولة العباسية الثانية ضعفًا شديدًا أدى إلى انفصال كثير من ولاياتها عنها، واستقلالها استقلالًا تامًا، مما كان له أكبر الأثر في تمزق أواصر هذه الدولة وانفراط عقدها، وكان من نتائج ذلك أن عاشت هذه الدولة في بؤرة من الفساد الداخلي والنزاع الخارجي، فكان ولاة الأقاليم في نزاع مستمر، واحتكاك دائم، حيث كان كل منهم يود أن يفوز - بطريقة أو بأخرى - بأكبر عدد من الألوية والقطاعات ليسيطر عليها ويتولى مقاليد أمورها.
الحالة الاجتماعية في عصره:
بالنظر إلى المجتمع الإسلامي في القرن السابع الهجري نجده قد تألف من عناصر بشرية متباينة الأشكال والألوان مختلفة الأجناس، والطباع، فقد كان منهم العربي، والفارسي، والتركي، والأرمني، بالإضافة إلى طائفة الرقيق.
وكان الناس في هذا العصر يكونون طبقتين: طبقة الخاصة، وطبقة العامة.
أما طبقة الخاصة: فكانت تضم الخليفة وأهله ورجال دولته، ورجال البيوتات، وتضم كذلك توابع الخاصة من الجند والأعوان، والموالي والخدم.
أما طبقة العامة وهم السواد الأعظم من الأمة: فكانت تشمل الزراع، والصناع، والعيارين، والشطار واللصوص، والمخنثين، والصعاليك، وغيرهم ممن لا يحصى.
وكان المجتمع الإسلامي حيننذاك غير قاصر على المسلمين، بل كان يضم بجانبهم المسيحيين واليهود، وكانوا يؤدون شعائرهم الدينية في حرية تامة، لأن التسامح الديني كان صفة غالبة على المسلمين، فكانوا يعاملون غيرهم من أهل، الديانات الأخرى معاملة حسنة، وأكثر من ذلك كانوا يتيحون لهم فرص العمل في أجهزة الدولة المختلفة.
وكان المسلمون وأهل الذمة يرتعون في بحبوحة من العيش في ظل المحبة والمعاملة الطيبة، ولكن هذه الحالة لم تدم طويلًا فقد عصفت بها أعاصير التعصب الممقوت الذي
[ ١٧ ]
ظهر بين المسلمين وأهل الذمة.
وكلما كانت الخلافة العباسية تتقدم نحو الشيخوخة، كان هذا التعصب يشتد لهيبة ويستعر أواره.
الحالة العلمية:
رغم الحروب والفتن التي سادت العراق إبان ذلك القرن، فقد كانت الحياة العلمية قائمة، ومزدهرة، وكان العلماء يمارسون نشاطهم العلمي ويؤدون مهامهم الثقافية والدينية، وكان من نتائج ذلك: أن ظلت المعارف رائجة والعلوم منتشرة وبخاصة علوم اللغة العربية، فإنها لقيت عناية كبيرة باعتبارها لغة القرآن المجيد والسنة النبوية الشريفة، وأنها اللغة الرسمية للدولة.
ومن أوضح مظاهر ازدهار المعارف وانتشار العلوم في هذه الفترة: بقاء المدارس تؤدي أغراضها العلمية مثل: المدرسة المستنصرية التي أنشأها الخليفة العباسي المستنصر بالله جعفر المنصور بن الظاهر بأمر الله، فقد بدأ في تشييد هذا الصرح عام (٦٢٥ هـ) أي بعد تولية الخلافة بسنتين وهذه المدرسة قد احتضنت النحو واحتفت به أيما احتفاء، وإن كان لم يجعل له فيها جناح خاص به كبقية علوم تلك المدرسة، وما ذلك إلا لأنه كان قاسمًا مشتركًا بين جميع الفروع والأقسام العلمية فيها دون استثناء. وهذا يترجم عن مدى العناية به ومبلغ الاهتمام بدراسته.
ومن هذه المدارس أيضًا: المدرسة النظامية، والمدرسة البشرية، ومدرسة القلعة بأربل، وغير هذه المدارس كثير، وكانت هناك أيضًا الرباطات ومشيخاتها.
ومن المدن العراقية التي راجت فيها الحركة العلمية رغم ما كان ينزل بها من زوابع ويحل بها من اضطرابات وعوائل: إربل، والموصل، وسوف نورد تعريفًا موجزًا عن هاتين المدينتين، وقد خصصتهما بالذكر دون غيرهما باعتبارهما مولد ومنشأ ابن الخباز موضوع دراستنا.
إربل:
قال ياقوت: قال الأصمعي: الربل ضرب من الشجر إذا برد الزمان عليه وأدبر
[ ١٨ ]
الصيف تفطر بورق أخضر من غير مطر، ويقال: تربلت الأرض: لا يزال بها ربل، فيجوز أن تكون إربل مشتقة من ذلك، وقال الفراء: الريبال: النبات الكثير الملتف الطويل، فيجوز أن تكون هذه الأرض اتفق فيها في بعض الأحيان من الخصب وسعة النبت ما دعاهم إلى تسميتها بذلك، ثم استمر، كما فعلوا بأسماء الشهور.
وإربل هذه قلعة حصينة ومدينة كبيرة في فضاء من الأرض واسع بسيط، ولقلعتها خندق عميق، وهي في طرف من المدينة، وسور المدينة ينقطع في نصفها، وهي على تل عال من التراب عظيم واسع الرأس. وفي هذه القلعة أسواق ومنازل للرعية وجامع للصلاة وهي شبيهة بقلعة حلب إلا أنها أكبر وأوسع رقعة ومع سعة هذه المدينة فبنيانها وطباعها بالقرى أشبه منها بالمدينة، وأكثر أهلها أكراد قد استعربوا وبينها وبين بغداد مسيرة سبعة أيام للقوافل، وليس حولها بستان ولا فيها نهر جار على وجه الأرض، وأكثر زروعها على القنى المستنبطة تحت الأرض وشربهم من آبارهم العذبة الطيبة المرئية، التي لا فرق بين مائها وماء دجلة في العذوبة والخفة.
الموصل:
بفتح الميم وكسر الصاد «المدينة المشهورة العظيمة، إحدى قواعد بلاد الإسلام، قليلة النظير كبرًا وعظمًا، وكثرة خلق، وسعة رقعة، فهي محط رحال الركبان، ومنها يقصد إلى جميع البلدان» وهو بلد جليل حسن البناء، طيب الهواء، صحيح الماء، كبير الاسم، قديم الرسم، حسن الأسواق والفنادق، كثير الملوك والمشايخ، لا يخلو من إسناد عال وفقيه مذكور وقال ياقوت: «وكثيرًا ما وجدت العلماء يذكرون في كتبهم أن الغريب إذا أقام بالموصل سنة تبين في بدنه فضل قوة وما نعلم لذلك سببًا إلا صحة هواء الموصل وعذوبة مائها».
ابن الخباز
اسمه ونسبه: هو أحمد بن الحسين بن أحمد بن معالي بن منصور بن علي
[ ١٩ ]
المعروف بابن الخباز الإربلي الموصلي النحوي الضرير أبو العباس شمس الدين.
شهرته: اشتهر هذا العالم الفذ النحوي البارع بلقلب «ابن الخباز» وشاع ذلك في كتب النحاة والمترجمين.
كنيته: من اطلاعي على كتب التراجم التي اهتمت بالتعريف بابن الخباز وجدت أنه كان يكنى بإحدى كنيتين: إما بأبي العباس كما في (هدية العارفين)، (الفلاكة والمفلوكين)، وكما في مقدمة كتابه (شرح اللمع) وإما بأبي عبد الله كما في (شذرات الذهب) و(تلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب)، (نكت الهميان في نكت العميان) و(الأعلام).
مولده: لم تشر كتب التراجم إلى السنة التي ولد فيها ابن الخباز، ولكن ابن العماد ذكر في كتابه (شذرات الذهب) أنه مات وله من العمر خمسون سنة وأشار إلى ذلك أيضًا ابن شهبة الأسدي في كتابه (طبقات النحاة) وبما أن معظم المترجمين له ذكروا أنه قد توفي سنة (٦٣٩ هـ) فتكون سنة ولادته (٥٨٩ هـ)، ويغلب على الظن أنه قد ولد في هذه السنة أو قريبًا منها ليتهيأ له السن المناسبة والعقل الكبير للأخذ عن أستاذه الذي طالما نقل عنه في كتابه «توجيه اللمع» وقد مات أستاذه هذا في سنة (٦١٣ هـ) فيكون لابن الخباز من العمر أربعة وعشرون عامًا، وهي سن مناسبة للأخذ والتلقي.
نشأته: يبدو أن أن ابن الخباز (أحمد بن الحسين) قد ولد بأريل، وسكن الموصل ونشأ بها وتلقى علومه فيها، وتخرج على شيوخها وعاش فيها إلى أن وافاه الأجل بها أيضًا، وقد كانت كتب التراجم تنسبه دائمًا إلى إربل فالموصل فتقول: ابن الخباز الإربلي الموصلي.
ويبدو أنه عاش حياته رغم علمه وفضله فقيرًا مغمورًا غير منصف من أهل
[ ٢٠ ]
زمانه كثير العناء مغمورًا بالهموم والأوجال، فتراه دائمًا يندب حظه، ويرثي حاله ويشكو من أهل بلدته، وكثيرًا ما كان يعتذر عن الخطأ الذي عساه يقع في مؤلفاته بما كان يعانيه من الهموم والأوصاب، قال صاحب إشارة التعيين: «وكان كثير العتب على الزمان مستحضر الجمل من الأشعار والنوادر» وقد نقل صاحب كتاب «الفلاكة والمفلوكين» عن ابن هشام قوله في ابن الخباز: «وكأنه كان غير منصف من أهل زمانه، وقد وقفت له على عدة تآليف، يشكو فيها حاله، فمن ذلك قوله في خطبة كتابه الذي سماه «الفريدة في شرح القصيدة» وهي قصيدة أبي عثمان سعيد بن المبارك الشهير بابن الدهان: «فإن أصبت فمن فضل الله الرحيم، وإن أخطأت فمن الشيطان الرجيم، ومن علم حقيقة حالي عذرني إذا قصرت بأن عندي من الهموم ما يزع الجنان عن حفظه، ويكف اللسان عن لفظه، ولو أن ما بي بالجبال لهدها، وبالنار أطفأها، وبالماء لم يجز، وبالناس لم يحيوا، وبالدهر لم يكن، وبالشمس لم تطلع، وبالنجم لم يسر».
فيبدو من هذه العبارة أن الهموم قد تزاحمت عليه، وأن المشاكل قد تسابقت إليه، والأوجال تطرق أبوباه والمتاعب تقف على أعتابه، تريد أن تقيم في رحابه وتسير في ركابه، فهو في ظلمات بعضها فوق بعض.
وقال يشكو أهل بلدته: «وأنا مع ذلك بين أهل بلدة تجعل رؤيتهم الذكي بليدًا، ينفرون من الفضائل وأهلها نفور الضب من البحار، والنون من البيد القفار، كلما زاد المرء بينهم فضلًا زاد عندهم نقصًا يبتغون الشكر على الأذى وتنوير العيون بالقذى، والموت دون الحكم بذا، واللائق أن تطوى أحوالهم على غرها خوفًا من عدوى عرها».
ولعل فقر هذا الرجل وعماه كانا من الأسباب التي جعلته يعيش حياته مغمورًا منعزلًا، فلم ينل حظه من الترجمة الموسعة، التي توضح لنا جوانب حياته المختلفة، وقد حاولت جهدي في هذا المقام أن أتلمس الخيوط التي تشير من بعيد أو قريب إلى ملامح شخصيته، وأستشف من النصوص التي وردت عنه طرفًا من نشأته وأخلاقه وسيرته.
أخلاقه: لم تنص كتب التراجم على ما يقيد في هذا الموضوع، ولكن يبدو من
[ ٢١ ]
النظر في بعض النصوص التي وردت عنه أنه كان عارفًا بربه حق المعرفة، ويثق بما عنده ويلجأ إليه في كل الأمور، ويجأر إليه بالدعاء كلما حزبه أمرٌ أو نزل به مكروه، فتراه يقول: «وأنا أسأل الله العظيم أن يكفيني شر شكواي، وأن لا يزيدني على بلواي، فإني كلما أردت خفض العيش صار مرفوعًا، وعاد بالحزن سبب المسرة مقطوعًا، والله المستعان في كل حال، ومنه المبدأ وإليه المآل» وكان معتزًا بكرامته يصون وجهه عن الخضوع لغير الله، فيقول في خاتمة كتابه «شرح اللمع»: فأسأل الذي صان أوجهنا عن السجود لغيره أن يصون ألسنتنا عن السؤال لغيره، وأن يعرفنا عيوب أنفسنا، ويشغلنا بسترها، وأن يفتح علينا أبواب رزقه العميم ومنه الجسيم، وأن يجمع لنا بين العلم والعمل، وإن يحقق لنا هذا الأم، وأن يصلي على نبيه محمد الذي أرسله شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا وعلى آله الهادين، وأصحابه المهديين، وأن يجعل ما أمليته خالصًا لوجهه الكريم، إنه أكرم مسئول، ولديه تحقيق كل مأمول، فهو حسبي ونعم الوكيل».
فمثل هذه العبارات لا تنبع إلا من قلب صاف عمر بالإيمان، وأضار بنور اليقين، ولا تجري إلا على لسان رطب بذكر الله، ومن هنا يمكن القول بأنه كان عالمًا بارعًا متدينًا صالحًا، وكان ﵀ متمتعًا بخلق العلماء من تواضع ووفاء، فكان إذا تعرض لذكر شيخه الذي أخذ عنه كثيرًا في كتابه ترفع عن ذكره باسمه إجلالًا له وتقديرًا وذكره يلقب الشيخ، ثم يتبع هذا اللقب بالترحم عليه أو الترضي عنه.
قال ابن الخباز (باب الحال): وقال لنا الشيخ ﵀: إذا كان اسم الفاعل والمفعول صلة للام، لم يجز تقديم الحال عليه تقول: زيد المنطلق مسرعًا، ولا يجوز زيد مسرعًا المنطلق، لتقديمك بعض الصلة على الموصول «وقال في (باب التصغير) معللًا تصغير وراء وقدام وأمام، مع إلحاقها تاء التأنيث: قال الشيخ رحمه لله: لأن الغالب على الظروف التذكير، وهذه مؤنثات، فلو صغرت بغير تاء لألحقت بالغالب.
«وأيضًا كان وفيًا لمن استفاد من علمهم ونهل من موردهم فلا يذكر أحدهم إلا ويتبع اسمه بالترحم عليه مثل قوله: أنشد يعقوب ﵀، وأنشد ابن فارس ﵀، وأنشد سيبويه ﵀ وهكذا كان يأبى عليه وفاؤه إلا أن يكرم أهل الفضل، ويعترف بأياديهم عليه، شكرًا وامتنانًا، وتلك هي أخلاق العلماء وصفات الصالحين الفضلاء.
[ ٢٢ ]
ثقافته: لم تكن ثقافة ابن الخباز محصورة في فن بعينه، أو مقصورة على لون من ألوان المعرفة، ولكنها تعدت هذا النطاق الضيق، وتجاوزت ذلك القدر المحدود، وشملت عدة فروع من المعرفة، شملت: النحو، والصرف، واللغة، والعروض، والفقه، والفرائض، والأدب والحساب، فقد أشار ابن العماد إلى أن له تصانيف أدبية وذكر ابن تعرى بردي أنه كان أديبًا وشاعرًا وأورد له يتبين من الشعر في العناق هما:
كأنني عانقت ريحانة تنفست في ليلها البارد
فلو ترانا في قميص الدجى حسبتنا في جسد واحد
وذكر له أبو المحاسن في كتابه (إشارة التعيين) يتبين من الشعر في ذم أهل الزمان هما:
أعراضهم لو تزل مسودة فإذا قدحت فيهم أصاب القدح إحراقًا
بلوتهم وطعمت السم في عسل وما وجدت سوى الهجران ترياقا
وأوضح صاحب (إشارة التعيين) وابن شهبة الأسدي إلى أنه كان له معرفة بالحساب وأنه كان مستحضر الجمل من الأشعار والنوادر، وكان من جملة محفوظة: الإيضاح، والتكملة، والمفصل، ومجمل اللغة لابن فارس.
ويتضح من كتابه «توجيه اللمع» أنه كان يجيد حفظ القرآن الكريم وعلى معرفة بقراءته القرآنية، وكان أيضًا حافظًا للجيد الكثير من أشعار العرب كما هي عادة الدارسين في عصره، فإملاؤه هذا يدل بوضوح على أنه كان حسن النظر واسع الإطلاع.
***
مكانته العلمية:
يبدو أن ابن الخباز (أحمد بن الحسين بن أحمد) كان ذا منزلة علمية عالية ومكانة رفيعة بين أقرانه من العلماء فقد كان ﵀ عالمًا فاضلًا مجيدًا لفنون النحو والصرف واللغة والفقه والعروض والفرائض والأدب والحساب، وشخصيته تجيد كل
[ ٢٣ ]
هذه الفنون جديرة بالإجلال والتقدير، قال صاحب (إشارة التعيين) في حق ابن الخباز «وجلس مكان شيخه يقرئ النحو واللغة والعروض والقوافي والفرائض والحساب، وتزاحم الناس عليه، ولم ير في زمانه أسرع حفظًا منه».
وقال السيوطي: وكان أستاذًا بارعًا علامة زمانه في النحو واللغة، والفقه والعروض والفرائض» وقال ابن تغرى بردي مشيدًا بابن الخباز: «كان إمامًا بارعًا مفتيًا عالمًا بالنحو واللغة والأدب» وقال شهاب الملة والدين الدلجي في الحديث عن ابن الخباز: «أنه كان من علماء النحو وفرسانه، أدبيًا لطيف الروح عذب العبارة».
ومما يبرز لنا مقدرته العلمية أنه أملى كتابه «توجيه اللمع» من محفوظه، ولم يستعن في مدة إملائه عليه بمطالعة كتاب» فالسيوطي قد وصفه بالأستاذية وهي لقب علمي مرموق، ووصفه كذلك بالبراعة، وهي صفة تشير إلى مدى رسوخ قدمه وطول باعه وقال: إنه علامة زمانه، وابن تغرى بردي خلع عليه وصفي الإمامة والبراعة، والدلجي وصفه بأنه فارس من فرسان النحو، وأجدر بمن يوسم بكل هذه السمات ويوصف بكل تلك الصفات، أن يكون علامة عصره وإمام دهره ذا علم جم وأدب رفيع وذكاء خارق وعقل راجح وحافظة قوية.
***
شخصيته وأمانته العلمية:
تبدو شخصية ابن الخباز واضحة في ثنايا كتابه «توجيه اللمع» وذلك بما يسوق من تعليل للأحكام النحوية وبما يستدركه على ابن جني من أمور، وهاتان الناحيتان سوف نتكلم عنهما فيما بعد، وتبدو شخصيته كذلك بتعقيبه على النحاة مبينًا صحتها أو بطلانها، وتتضح كذلك في طريقة عرضه للمادة العلمية، وذلك بما يبرزه لنا من تقسيم للقضايا وتفريع للمسائل، فتبدو واضحة المعالم سهلة التناول، مما ييسر على الباحث استيعابها وضبطها.
وكان لديه أمانة عليمة، فغالبًا ما ينسب الآراء إلى أصحابها والنقول إلى ذويها.
[ ٢٤ ]
من اشتهروا بلقب ابن الخباز:
١ - أحمد بن الحسين بن أحمد بن معالي بن منصور بن علي الشيخ شمس الدين ابن الخباز الأربلي الموصلي النحوي الضرير، توفي سنة (٦٣٩ هـ).
٢ - محمد بن أبي بكر بن علي الموصلي الشافعي المعروف بابن الخباز نجم الدين نحوي، قدم مصر ثم عاد إلى حلب، من تصانيفه: شرح ألفية ابن معطي في النحو مات في السابع من ذي الحجة سنة (٦٣١ هـ).
٣ - محمد بن عبد الله بن أحمد بن حبيب العامري المعروف بابن الخباز أبو بكر، من تصانيفه شرح الشهاب، مات سنة (٥٣٠ هـ).
٤ - محمد بن عبد الله المعروف باتمكجي زاده، أي ابن الخباز الرومي «محيي الدين» وهي صوفي. من تصانيفه: أخلاق الكرام، وحق اليقين، والرسالة الشمسية، والرسالة العينية، والمصادر السنية، مات سنة (١٠١٤ هـ).
٥ - أبو عبد الله محمد بن مبارك، ويعرف بابن الخباز، أديب لغوي إخباري من أهل سرقسطة، له تآليف، مات سنة (٤٨٣ هـ).
***
شيوخه:
لم تسعفنا كتب التراجم بشيء عن أساتذة وشيوخ ابن الخباز، ولكنه صرح في خاتمة كتابة «توجيه اللمع» بأستاذه الذي اغترف من بحره ونهل من مورده، واستفاد منه الكثير، ونقل عنه الجم الغفير من النصوص في كتابه هذا، وسوف نورد طرفًا من هذه النقول عقب ذكر ترجمة قصيرة له فنقول: شيخ ابن الخباز: هو عمر ابن أحمد ابن أبي بكر بن أحمد بن مهران العراقي النحوي مجد الدين أبو حفص الضرير.
كان ﵀ بارعًا في علم النحو، وله ذكاء وفكرة حسنة، وكان في لسانه حبسة
[ ٢٥ ]
عظيمة، وعنده ثقل في كلامه فلا يكاد يبين، أراد مناظرة محمود بن الأرملة فلم يجبه خوفًا منه، وتخرج على مكي بن ريان بن شبة بن صالح الماكسيني الضرير وتصدر بعده لإقراء علم النحو، وصار أنحى أهل عصره، وأتقن العروض والنحو واللغة والشعر، وكان مفرط الذكاء تخرج به أئمة، ومنهم ابن الخباز، توفي يوم عيد الفطر سنة (٦١٣ هـ).
وقد ظهر أثره واضحًا في كتاب ابن الخباز، قال ابن الخباز: وحكى له شيخنا ﵀ أن بعض العصريين من أهل بلدنا تخيل أن المراد بتغيير الآخر تنحية حرف ووضع حرف مكانه.
وقال ابن الخباز: من الناس من يرى تقديم الفاعل على سائر المرفوعات، قال شيخنا ﵀: لأن عامله لفظي وهو فعل.
وقال: وسألت شيخنا ﵀ فقلت له: هلا اكتفوا بتأنيث الفاعل فقال: هذا لا يستقيم، لأن المذكر قد يسمى بالمؤنث.
وقال: وسألت شيخنا ﵀ لم لم تصغر (يعني عند) فقال: لأن تصغير الظروف يفيد التعريف، وعند مستغنية عنه.
ويذكر العلماء أنه روى عن محمد بن أحمد بن محمد المعروف بالشريشي المالكي النحوي، وزين الدين أبي العباس أحمد بن عبد الدايم بن إبراهيم
[ ٢٦ ]
والجمال البغدادي عبد الرحمن بن سليمان ومحب الدين أبي العباس أحمد بن عبد الله شيخ الحرم الطبري المكي، ومجد الدين محمد بن الظهير الأربلي ورشيد الدين البصروي الحنفي النحوي مع أنهم جميعًا قد ماتوا بعده بزمن طويل حيث إن ابن الخباز قد توفي سنة (٦٣٩ هـ) على الأرجح، وهم قد عاشوا بعده فترة تتراوح بين الثلاثين والخمسين عامًا. ولكن بالتأمل في سني ميلادهم نجد أنهم قد عاصروه وإن كانت قد طالت أعمارهم بعده فلا مانع من أن يكون روى عنهم أثناء حياته. ويحتمل أن يكون ابن الخباز الراوي عنهم هو غير صاحبنا. والله أعلم.
من تلاميذه:
١ - محمد بن ميكال بن أحمد بن راشد مجد الدين الموصلي الفرضي النحوي، وقد استملى على ابن الخباز كتاب «التوجيه في العربية» ومات في شوال سنة ثمانين وستمائة عن ثمان وسبعين سنة.
٢ - عز الدين أبو محمد عبد الوهاب بن إبراهيم بن محمد الزنجاني الأديب الفاضل نزيل تبريز.
كان فاضلًا عالمًا أديبًا حكيمًا عارفًا بالمنقول والمعقول، واستوطن تبريز، وكان قد
[ ٢٧ ]
أقام بالموصل، واستملى من الشيخ شمس الدين ابن الخباز تصنيفه وكان عالمًا بالنحو واللغة والتصريف وعلم المعاني والبيان.
من مؤلفاته: الهادي في علم النحو والصرف، وشرحه شرحًا وافيًا بسيطًا سماه: الكافي، وكتاب معيار النظار في علوم الأشعار في علم العروض، والتصريف العزي المطبوع المشهور. مات سنة (٦٦٠ هـ).
آثاره العلمية:
ترك ابن الخباز - بعد حياة علمية حافلة بالنشاط - آثارًا علمية وافرة منها:
١ - شرح اللمع وهو المسمى «بتوجيه اللمع» وهو موضوع دراستنا ومنه نسخة وحيدة بمكتبة الأزهر تحت رقم «٢٣٤٨ السقا ٢٨٦٧٦) وهي نسخة كاملة تبتدأ بمقدمة وتنتهي بخاتمة.
٢ - الإلماع في شرح اللمع لابن جني، وهذا الكتاب - وإن كان لم تشر إليه كتب التراجم أو فهارس المكتبات - أشار إليه ابن الخباز في ثنايا كتابه توجيه اللمع حين قال - في معرض الحديث عن نون الوقاية: «وفي هذه النون مسائل كثيرة، استقصيتها في كتاب الإلماع في شرح اللمع».
٣ - الغرة المخفية في شرح الدرة الألفية لابن معطي ومنه نسخة بمكتبة الأزهر تحت رقم (٣٢٨٦ عروس ٤٢٦١٣) وهي في مجلد واحد وكتبت بقلم معتاد، وتقع في (١٥٧) ورقة، ونسخة أخرى نفيسة بالإسكوريال تحت رقم (٢٢) وكتبت سنة (٦٤٤ هـ) ومنها ميكروفيلم بمعهد المخطوطات بالجامعة العربية تحت رقم (١١٧) وهي تقع في (١٥٠ ورقة)، وقد كتبها عبد الله بن محمد الزرندي الساوي بالمدرسة القاهرية بالموصل، وقدمها لحاكم أربل محمد بن سعيد بن محمد سنة (٦٤٧ هـ) وعليها خط الصفدي.
٤ - الكفاية في النحو - وهو وإن لم تشر إليه الفهارس التي أمكنني الاطلاع
[ ٢٨ ]
عليها قد أشار إليه ابن الخباز في كتابه «الغرة المخفية» حيث قال: «وقد ذكرت هذه الأبواب في النحو مسرودة المسائل في كتاب الكفاية.
٥ - شرح ميزان العربية للأنباري.
٦ - النظم الفريد في نثر التقييد.
٧ - النهاية في النحو وقد نقل ابن هشام في مغني اللبيب نصوصًا عن هذا الكتاب في (١/ ١٧٩ و٢/ ٤٨٨) ويقول خبراء المكتبات: إن هذا كان ضمن مخطوطات برنستن بولاية نيوجرسي بأمريكا.
٨ - شرح الجزولية وأشار إليه أيضًا ابن هشام في مغني اللبيب (٢/ ٣٤٣)، والمرادي في شرح التسهيل (ق ١٠٥)، والسيوطي في الأشباه والنظائر (٢/ ٦٦، ١٠٨).
٩ - شرح الإيضاح للفارسي، وقد أشار إليه ابن هشام في مغني اللبيب (١/ ١٩١، ٣٠٧، ٢/ ٤٩٤).
١٠ - الفريدة في شرح القصيدة، وهي قصيدة أبي عثمان سعيد بن المبارك الشهير بابن الدهان، وأشار إلى هذا الكتاب نقلًا عن ابن هشام شهاب الملة والدين أحمد بن علي الدلجي في كتابه المسمى «بالفلاكة والمفلوكين».
١١ - التوجيه في النحو.
هكذا ذكروا كتاب التوجيه في النحو بين مؤلفات ابن الخباز، فهل هل كتاب توجيه اللمع الذي بأيدينا؟ أو هو كتاب آخر؟ لم نجد ما يبين هذا بيانًا شافيًا.
[ ٢٩ ]
١٢ - مناقب الشيخ ابن قدامة (إبراهيم بن عبد الله الحنبلي) المتوفى سنة ٦٦٦ هـ وهذا الكتاب يقع في مجلد واحد كما أشار إلى ذلك صاحب كشف الظنون.
١٣ - الفصول الخمسون في النحو، وهو بمكتبة برلين.
مذهبه النحوي:
إذا ما تأملنا مناقشات ابن الخباز للمسائل النحوية ومواقفه من آراء النحاة بصريين وكوفيين، أدركنا بوضوح ميوله للمذهب البصري، إذ كثيرًا ما كان يبطل المذهب الكوفي، ويدمغه بالفساد، مبينًا أسباب ذلك، وأيضًا مما يقوي لدينا الحكم بميله البصري: أنه كثيرًا ما يعبر عن البصريين بقوله: «هذا عندنا» أو «ومذهب أصحابنا» كذلك إذا نظرنا إلى الاصطلاحات التي استعملها في أسلوبه وجدنا أنها اصطلاحات بصرية غالبًا، ويتضح ذلك بالنماذج الآتية:
قال ابن الخباز: (باب الإعراب والبناء): وبنى خذ وكل، لأنهما فعلان، وسكنًا لأنه الأصل، وذهب الكوفيون إلى أن الأمر معرب مجزوم بلام الأمر المحذوفة، فالأصل عندهم: لتأخذ ولتأكل، فحذف اللام والتاء، والسكون جزم لا وقف، وهذا عندنا فاسد، لأنه لما حذف منه حرف المضارعة جرى مجرى الماضي في التعري منه، فعاد إلى البناء.
وقال: (باب الأفعال) «الأفعال مشتقة من المصادر».
وقال: (باب المفعول المطلق) «وإنما سمي مصدرًا، لأن الفعل يصدر عنه من حيث إنه مشتق عنه».
ونحن ندرك جيدًا أن البصريين هم الذين يقولون: إن الأفعال مشتقة من المصادر، فإطلاقه هذا القول دليل اتباعه مذهبهم واعتناقه نزعتهم.
وقال: (باب المفعول به): واختلف النحويون في ناصب المفعول الثاني، فقال البصريون: إذا قلت: أعطيت زيدًا درهمًا، فناصب درهمًا أعطيت، لأنه اقتضاه فعمل فيه، وقال الكوفيون: هو منصوب بفعل محذوف، دل عليه أعطيت، كأنه
[ ٣٠ ]
قال: أعطيت زيدًا، فأخذ درهمًا لأن الإعطاء يدل على الأخذ وهذا عندنا فاسد، لأنا نقول: أعطيت زيدًا درهمًا فلم يأخذه، فلو كان التقدير كما زغموا، لصار معنى الكلام: أعطيت زيدًا فأخذ درهمًا فلم يأخذه، وتلك مناقضة ظاهرة.
وقال: (باب عطف النسق): ولا يجوز أن تقول: قام زيد لكن عمرو، وأجازه الكوفيون، واحتج أصحابنا بأن «بل» أغنت عنها، واحتج الكوفيون بقياسها على «بل» وأجاب أصحابنا بأن لكن تزول عن العطف إذا دخلت الواو عليها.
وقال: (باب إعراب الاسم الواحد): «وتوهم بعض العصريين أن قسمة الصحيح إلى المنصرف وغير المنصرف مؤذنة بأن المعتل ليس كذلك وهذا توهم باطل».
وقال: (باب خبر المبتدأ): وإنما أخبر عن المبتدأ بالجملة لوجهين: أحدهما: التوسع في العبارة، لأن الجملة تتضمن ضميرًا يعود على المبتدأ والضمير هو المبتدأ في المعنى.
فتعبيره عن نحاة البصرة بقوله: «أصحابنا» وقوله: «وهذا عندنا» واستعماله اصطلاحات المدرسة البصرية كالمنصرف والضمير، دليل قاطع على نزعته البصرية، وإن كان من متأخري النحاة.
***
وفاته:
اختلفت كلمة المترجمين له في تحديد سنة وفاته، فيرى صاحب النجوم الزاهرة وصاحب كتاب الذيل على الروضتين، وابن العماد في شذرات الذهب، وابن الفوطي في تلخيص مجمع الآداب، وكحالة في معجم المؤلفين، والزركلي في الأعلام، واليافعي في مرآة الجنان، وابن شهبة الأسدي في طبقات النحاة، وأبو المحاسن في إشارة التعيين أنه مات في سنة (٦٣٩ هـ)، ويرى صاحب هدية العارفين وصاحب كشف الظنون والسيوطي في البغية أنه توفي سنة (٦٣٧ هـ).
وكانت وفاته ﵀ بالموصل في شهر رجب، وذكر المقدسي أنه توفى في السابع من رجب، أما السيوطي وابن شهبة فيقولان: إنه مات في العاشر من ذلك الشهر ودفن ﵀ بظاهر الموصل.
[ ٣١ ]
الفصل الثالث: كتاب «توجيه اللمع» ومنهج ابن الخباز فيه
كتاب «توجيه اللمع»:
هو كتاب في النحو، يشرح به مؤلفه كتاب «اللمع لابن جني» بأسلوب سهل وعبارة واضحة سلسة، مع تعليل النحوية وإظهار الأسرار التي تنطوي عليها قضاياها، ويبين لنا ابن الخباز في مقدمة كتاب الأسباب والدواعي التي حفزته إلى تأليف هذا الكتاب فيقول: أما بعد: فإن جماعة من حفظة كتاب «اللمع» في النحو لأبي الفتح عثمان بن جني رحمه لله أطمعهم فيه صغر حجمه، وآيسهم منه عدم فهمه، وذلك لأن الكتب المصنوعة لتفسيره منها الكبير الممل، ومنها الصغير المخل، والمتوسط بينهما إما يفقد، وإما يقل، فضمنت لهم إملاء مختصرًا.
وهذا الكتاب يشتمل على كل الأبواب التي اشتمل عليها كتاب «اللمع» لأنه شرح له.
وقد التزم ابن الخباز في كتابه الترتيب الذي وردت عليه أبواب «اللمع» فلم يقد فيه ولم يؤخر، بل ابتدأ بما ابتدأ به ابن جني، وتتبع أبوابه شرحًا وتعليلًا وعرضًا لآراء النحاة في القضايا الخلافية، ثم اختتم كتابه بالأبواب التي أنهى بها ابن جني كتابه.
وينهي ابن الخباز شرحه هذا بخاتمة يقول في مستهلها: «هذا آخر ما عمدت لإملائه من شرح كتاب «اللمع» وقد جئت به كما ضمنت في خطبته ومن تصفحه وتأمله علم صدق دعواي، ولم أستعن في مدة إملائه عليه بمطالعة كتاب، وقد أودعته نبذًا مما رويته عن شيخي مجد الدين أبي حفص عمر بن أحمد بن أبي بكر ابن مهران، يرد الله مضجعه، وطيب مهجه، ومن عثر لي في هذا الإملاء على عثرة، فليكن العاثر غادرًا لزللها، وسادًا لخللها، فإن السعيد من عدت سقطاته.
مصادره:
بالتأمل في كتاب «توجيه اللمع» لابن الخباز نستطيع التعرف بوضوح على المصادر التي استقى منها الشارح مادة كتابته العلمية، فقد كان ﵀ يشير إلى من روى عنهم أو نقل من كتبهم أو استعان بآرائهم المثبوتة في كتب غيرهم، ومن أبرز
[ ٣٣ ]
من استفاد منهم ابن الخباز في كتابه هو شيخه مجد الدين بن أبي حفص عمر بن أحمد، فكثيرًا ما كان يصنع معه صنيع سيبويه مع الخليل، وابن جني مع الفارسي، فكان يقول: وسألت شيخنا ﵀ أو وحدثنا ﵀، أو قال شيخنا ﵀، وقد ذكرت نبذا مما نقله عنه ابن الخباز في كتابه، عندما تحدثت عنه في الفصل الثاني ومن أهم هذه المصادر أيضًا ما يأتي.
(١) البصريون. (٢) الكوفيون.
(٣) البغداديون ومن تلاهم.
أولًا - البصريون:
يعد سيبويه شيخ المدرسة البصرية في مقدمة البصريين الذين أفاد منهم ابن الخباز في كتابه هذا، فكتاب سيبويه كان ولا يزال موردًا عذبًا ومنهلًا فريدًا، لطالبي علم العربية أو راغبي التعمق فيه، حيث إنه بلغ من الشمول والسعة درجة كبيرة، فحق على من أراد التأليف في هذا الفن أن يرد حياضه، ويرشف من رحقيقه، ويعب من سلافه، ولهذا فقد صح إلى حد بعيد القول المشهور الذي يقول: «من أراد أن يعمل كتابًا كبيرًا في النحو بعد كتاب سيبويه فليستحي» فلا عجب إذن أن يغترف من بحره كل نحوي يأتي بعده، فما من كتاب في النحو إلا واسم سيبويه يرتدد بين جنباته أكثر من غيره، فالنحاة جميعًا عيال عليه.
والقارئ لكتاب «توجيه اللمع» يدرك بوضوح مدى الأثر الكبير الذي تركه سيبويه عليه، فاسم سيبويه يتردد في ثنايا الكتاب أكثر من غيره من أعلام النحو واللغة وهذا لأثر بدأ في كتاب ابن الخباز متخذًا أشكالًا متنوعة، منها:
أولًا - إفادته الكثير من آراء سيبويه، ونجدها منتشرة في معظم أبوابه.
ثانيًا - إفادته كثيرًا من الشواهد الشعرية، فكان كثيرًا ما يقول: أنشد سيبويه.
ثالثًا - أفاد ابن الخباز من كتاب سيبويه بنقل آراء بعض النحويين الذين وردت لهم آراء فيه كالخليل بن أحمد ويونس.
ومن البصريين الذين استعان ابن الخباز في كتابه بآرائهم: الأصمعي، وعيسى بن عمر والأخفش ويونس وأبو محمد اليزيدي وأبو عثمان المازني والمبرد.
[ ٣٤ ]
ثانيًا الكوفيون:
أما الكوفيون فقد كان ابن الخباز يذكر رأيهم في المسائل الخلافية، وبناقشه مناقشة حرة، بعيدة عن العصبية الممقوتة التي تجافي العلم، ولا تتفق وطبع العلماء. علمًا بأن ميله إلى المذهب البصري كان واضحًا، لكن ولاءه للمدرسة البصرية لم يمنعه من عرض آراء رجل المدرسة الكوفية، وبيان موقفهم من قضايا النحو المختلفة، مما يشعر بأنه قرأ كتبهم وتفهم أسرارها بدقة، وكان ﵀ ذا عقلية ناقدة فاحصة، فكان يقبل ما يراه صحيحًا- وإن كان من غير المدرسة التي ينتمي إليها - ويرد ما يراه فاسدًا - وإن كان من رجال مدرسته - ومن الكوفيين الذين ذكر لهم آراء فردية الكسائي وثعلب والفراء.
ثالثًا: البغداديون ومن تلاهم:
وهم من استفاد ابن الخباز من آرائهم أو كتبهم ولم يشملهم إصطلاح بصري أو كوفي، وقد كونوا لهم آراء خاصة بهم في المسائل النحوية، تتفق أو تختلف عن مذهب المدرستين التقليديتين: البصرية، والكوفية، وفي مقدمة من استفاد منهم من رجال هذه المدرسة: أبو سعيد السيرافي وأبو علي الفارسي فآراؤهما تنتشر في كتابه بكثرة، ومن هؤلاء أيضًا: الزجاج وابن السراج والزجاجي والزمخشري والرماني، وابن الدهان وغيرهم، ولست أراني بحاجة إلى ذكر النماذج هنا لكثرتها ووضحوها في كتابه.
توثيق نسبة كتاب «توجيه اللمع» إلى ابن الخباز:
يمكن أن نثبت بما لا يدع مجالًا للشك - أن كتاب «توجيه اللمع» لأحمد بن الحسين المعروف بابن الخباز بثلاثة أدلة:
الأول: إشارة كتب التراجم إلى أن لابن الخباز شرحًا على كتاب «اللمع» لابن جني ومن هذه الكتب معجم المؤلفين، وهدية العارفين، وكشف الظنون.
الثاني: اتفاق كتابي ابن الخباز (توجيه اللمع) و(الغرة المخفية) في الأسلوب وعرض بعض المسائل التي ينقلها العلماء منسوبة لابن الخباز كقول السيوطي في (الأشباه والنظائر) (٢/ ١٤): قال ابن الخباز في شرح (الدرة الألفية): الحروف العاملة أربعة أقسام: قسم يرفع وينصب، وهو أن وأخواتها، ولا المشبهة بأن وما ولا المشبهات بليس، وقسم ينصب فقط، وذلك حروف النداء ونواصب الفعل المضارع وقسم يجر فقط
[ ٣٥ ]
وهي حروف الجر. وقسم يجزم فقط وهي حروف الجزم.
فهذا النص ثابت في (الغرة المخفية) لابن الخباز ق ٧ - و(توجيه اللمع) (باب أن وأخواتها).
وكذلك اتفاق الكتابين في نقل ابن الخباز عن شيخه أبي حفص الضرير نقلًا كثيرًا لا يوجد في غير تأليف ابن الخباز.
والثالث: أني وجدت كثيرًا من النصوص والآراء التي نقلها عنه المتأخرون في كتبهم موجودة في كتاب «توجيه اللمع» وهذا دليل قاطع على إثبات إن الكتاب له وليس لغيره، ومن هذه النصوص ما يأتي:
قال ابن باز: «اختلف النحاة في تعريف العامل، فقال المطرزي: هو ما أوجب كون آخر الكلمة على وجه مخصوص من الإعراب، وقال ابن الخباز: هو ما أحدث في آخر الكلمة رفعًا أو جرًا أو جزمًا وكلام ابن الخباز موجود في كتاب «توجيه اللمع» ونصبه: والعامل كل ما أثر في كلمة رفعًا أو نصبًا أو جرًا أو جزمًا».
قال ابن إياز أيضًا عند الكلام على «ما دام»: فسرها الجزولي وابن عصفور أنها لمقارنة الصفة الموصوف في الحال، إذا كانت ناصبة كقولك: أزورك ما دمت محسنًا، وقال ابن الخباز: فيه خلل، وذلك لأن معناها التأييد ورأى ابن الخباز هذا في (توجيه اللمع) ونصه: وما دام للتأييد.
وقال المرادي في «الجني الداني» (الواو) قال ابن الخباز: وذهب الشافعي إلى إنها للترتيب وقول ابن الخباز هذا في «توجيه اللمع» أيضًا ونصه: وحكوا عن الشافعي أنه ذهب إلى أنها تفيد الترتيب.
وقال المرادي أيضًا (قد): قال ابن الخباز: إذا دخل «قد» على الماضي أثر فيه معنيين: تقريبه من زمن الحال، وجعله خبرًا منتظرًا.
وكلام ابن الخباز هنا موجود في (توجيه اللمع) أقال: «قد» تلى المضارع والماضي فمعناها في الماضي تقريبه من الحال.
[ ٣٦ ]
وقال المرادي في (حتى): إذا عطف بحتى على مجرور، قال ابن عصفور: الأحسن إعادة الجار، ليقع الفرق بين العاطفة والجارة. وقال ابن الخباز: لزم إعادة الجار فرقًا بينها وبين الجارة، وقال ابن الخباز في (توجيه اللمع): «وإذا قلت: مررت بهم حتى بزيد، وجب إعادة الجار، لأن المعطوف عليه مضمر مجرور، وقد حصل من ذلك الفرق بين العاطفة والجارة» فمضمون كلامه في توجيه اللمع هو ما نص عليه المرادي في الجني الداني.
وقال السيوطي: «قال ابن الخباز: إن قلت ما الفرق بين: زيد أخوك وأخوك زيد؟
قلت: من وجهين:
أحدهما: أن زيدًا أخوك، تعريف للقرابة، وأخوك زيد، تعريف للاسم.
والثاني: أن زيدًا أخوك، لا ينفي أن يكون له أخ غيره، لأنك أخبرت بالعام عن الخاص، وأخوك زيد، ينفي أن يكون له أخ غيره، لأنك أخبرت بالخاص عن العام، وهذا ما يشير إليه الفقهاء في قولهم: زيد صديقي وصديقي زيد، نقله ابن هشام في تذكرته وهذا النص وجد بحروفه في (توجيه اللمع) لابن الخباز (باب خبر المبتدأ) وقال السيوطي: قال ابن الخباز: إنما لم يبنوا «اثني عشر» لأنه لا نظير له، إذ ليس لهم مركب صدره مثنى وهذا النص بعينه ذكره ابن الخباز في (باب العدد) قال: أما اثنا عشر فإن شطره الأول معرف، لأنهم لو بنوه للتركيب لم يكن له في كلامهم نظير، لأنه ليس في كلامهم مركب أول شطريه مثنى.
وقال السيوطي أيضًا: قال ابن الخباز: الاثنان هجر جانبة في موضعين:
الأول: أن الأعداد من الثلاثة إلى العشرة بنوا منها صيغ الجمع من ثلاثين إلى تسعين، ولم يقولوا من الاثنين: ثنيين.
والثاني: أن من الثلاثة إلى العشرة اشتقت من ألفاظها الكسور، فقيل: ثلث وربع إلى العشر، ولم يقل في الاثنين: ثني، بل نصف وهذا النص كذلك في توجيه اللمع (باب العدد).
فهذه النصوص التي نقلها العلماء بعده عنه وأودعوها بطون كتبهم والتي ثبت أنها موجودة في ثنايا كتاب «توجيه اللمع» تدل دلالة قاطعة على صحة نسبة هذا الكتاب إلى ابن الخباز.
[ ٣٧ ]
منهج ابن الخباز في «توجيه اللمع»
لقد ألمح ابن الخباز في مقدمة كتابه «توجيه اللمع» إلى بعض خصائص منهجه حين قال في شأن كتابه هذا: فضمنت لهم إملاء مختصرًا أقتصر به على توجيه مسائله وتبليغ وسائله، وكلما مررت ببيت ذكرت إعرابه، أو بلفظ لغوي جليته تجلية تزيل استغرابه، ونحن في هذا المجال نبرز أهم السمات المنهجية التي وضحت في كتابه، فنقول:
١ - التقسيمات:
إن القارئ لكتاب «توجيه اللمع» ليدرك بوضوح مدى حرص ابن الخباز وولعه بتقسيم الفكرة نظرًا لاعتبار معين فلا يكاد يخلو منها باب من أبواب كتابه، وهو يفعل ذلك سواء بالنسبة للمسائل العامة، أو بالنسبة لتفريعاتها وإليك بعض النماذج التي توضح لنا هذه الناحية.
قال ابن الخباز (باب معرفة الأسماء المرفوعة): وانقسم المرفوع إلى هذه الأقسام الخمسة، لأن عامل الرفع لا يخلو من أن يكون معنويًا أو لفظيًا، فإن كان معنويًا: فهو عامل الابتداء والخبر، وإن كان لفظيًا: لم يخل من أن يكون فعلًا أو حرفًا، فإن كان فعلًا: لم يخل من أن يكون حقيقيًا أو غير حقيقي، فإن كان حقيقيًا: لم يخل من أن يكون مسمى الفاعل أو غير مسمى الفاعل، فإن كان مسمى الفاعل: فالمرفوع به فاعل، وإن لم يكن مسمى الفاعل: فالمرفوع به مفعول لم يسم فاعله، وإن كان غير حقيقي: فهو باب (كان وأخواتها) والمرفوع به مشبه بالفاعل وإن حرفًا فهو (باب إن وأخواتها) والمرفوع به مشبه بالفاعل أيضًا.
وقال (باب خبر المبتدأ): وإذا أردت الإخبار عن المبتدأ بالظرف نشأ للمبتدأ تقسيم إلى الجثة والحدث، فالجثة: الجسم كزيد وفرس وحجر، والحدث: المصدر كالقيام والقعود والأكل والشرب، وإنما انقسم المبتدأ إلى هذين مع الظرف، لأن حكمهما مختلف مع الأخبار بالظرف.
وغير ذلك كثير من نماذج التقسيم التي انتشرت في ثنايا كتابه، وهذا يدل على أنه
[ ٣٨ ]
كان متمتعًا بذكاء مفرط، وقريحة وقادة، وبصيرة نافذة، ودقة بالغة في تصوير المعاني التي يريد إبرازها، وقدرة فائقة في حصر مسائل الموضوع الذي يريد الحديث عنه.
ومن الملاحظ أن نظرته هذه إلى التقسيم تجعله يري في بعض المسائل التي يبحثها قسمين أو أكثر تتفرع عليهما، ولذلك فهو يشطر المسألة بينهما، ويضع قوله: لا يخلو أو لا تخلو، أو إما أن يكون كذا وإما أن يكون كذا، فاصلًا بين هذه الأقسام.
٢ - التعريفات:
من الملاحظ أن ابن الخباز في كتابه «توجيه اللمع» يبدأ أكثر أبوابه بالتعريفات، وهي أقرب إلى روح اللغة والنحو، وفي بعض الأحيان يقف بعضها عند حدود المعنى اللغوي، وإليك بعض هذه التعريفات.
قال ابن الخباز: (باب الاستثناء) هو استفعال من ثنيت أثنى إذا عطفت، وذلك أنك إذا ذكرت المستثنى فقد عطفته عن الحكم الذي لغيره وثنيته عنه.
وقال: (باب الإضافة) للإضافة معنيان: لغوي، وصناعي، فاللغوي: الإسناد، تقول: أضفت ظهري إلى الحائط أي: أسندته إليه وأما الصناعي: فهو ضم اسم أول إلى اسم ثان ليس بخبر ولا تابع ولا حال من غير فاصل بينهما.
وقال: (باب الوصف) يقال: وصف، وصفة، ونعت، فالوصف: المصدر والصفة: اللفظ الجاري على الموصوف.
وقال: (باب الندبة): الندبة مصدر قولك: ندبت الميت أندبه ندبًا وندبة إذا بكيت عليه وعددت محاسنه.
وقال: (باب العدد): العدد: مصدر قولك: عددت الشيء أعده عدا والعدد بمعنى المعدود كما أن القبض بمعنى المقبوض.
ومما تقدم ندرك بجلاء أن ابن الخباز كان في تعريفاته يميل إلى اللغة أكثر منه إلى الحدود النحوية، وهذه ظاهرة واضحة في كتابه مما يجعلنا نوقن أنه كان عالمًا باللغة كما كان عالمًا بالنحو.
٣ - المصطلحات:
يغلب على ابن الخباز - كما هو واضح من كتابه - استعمال المصطلحات
[ ٣٩ ]
البصرية، أما المصطلحات الكوفية فقليلة جدًا في كتابه.
وإليك بعض النصوص التي تبرز لنا هذه الحقيقة.
قال ابن الخباز: (باب الإعراب والبناء) والجر اختصاص الآخر بالكسرة التي يحدها العامل.
وقال في (الباب السابق): ويدخل حرف الجر على أين ولا يدخل على كيف.
وقال: (باب إعراب الاسم الواحد) وتوهم بعض العصريين أن قسمة الصحيح إلى المنصرف وغير المنصرف مؤذنة بأن المعتل ليس كذلك وهذا توهم باطل.
وقال: (باب خبر المبتدأ): «إنما أخبر عن المبتدأ بالجملة لوجهين: أحدهما: التوسع في العبارة، لأن الجملة تتضمن ضميرًا يعود على المبتدأ والضمير هو المبتدأ في المعنى».
وقال: (باب إن وأخواتها): «فإن كان الخبر ظرفًا أو حرف جر، جاز تقديمه على الاسم».
فهذه المصطلحات التي استعملها ابن الخباز وهي الجر، والمنصرف، والضمير والمضمر، والظرف، كلها مصطلحات بصرية، ومع ذلك لم يمتنع عن استعمال بعض المصطلحات الكوفية كالصفة والموصوف.
٤ - القياس:
القياس اللغوي: هو عملية فكرية يقوم بها الإنسان الذي ينتمي إلى جماعة لغوية، ويجري بمقتضاها على الاستعمال المطرد في هذه الجماعة. وقد عرفه النحويون بتعريفات كثيرة متقاربة، أهمها: أنه حمل غير المنقول على المنقول في حكم لعلة جامعة، ففي عملية القياس أصل هو المنقول، وفرع هو غير المنقول، وعلة تجمع بينهما، وحكم يحكم به لغير المنقول بواسطة العلة.
وإذا استقرأنا المؤلفات النحوية المتقدمة منها والمتأخرة أدركنا بوضوح مدى مواكبة فكرة القياس لفكرة التأليف النحوي، فلقد وصف عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي بأنه أول من بعج النحو ومد القياس ووصف الخليل بن أحمد بأنه
[ ٤٠ ]
كاشف قناع القياس.
وقال الكسائي: إنما النحو قياس يتبع وقال المازني ﵀: ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب وقد بالغ النحويون في اهتمامهم بالقياس حتى كأنه هو النحو، وكان في طليعتهم أبو علي الفارسي وابن جني وقسموا الكلام على مطرد في القياس والاستعمال، ومطرد في القياس شاذ في الاستعمال، ومطر في الاستعمال وشاذ في القياس، وشاذ في القياس والاستعمال وغير ذلك من التقسيمات.
والحقيقة أن للغة منطقها الخاص بها، قال أبو الفتح: على أن الفصيح من العرب قد يتكلم باللغة غيرها أقوى في القياس عنده منها.
وقال ابن الأنباري: إن العربي قد يتكلم بالكلمة إذا استهواه ضرب من الغلط فيعدل عن قياس كلامه، وينحرف عن سنن أصوله، وذلك ما لا يجوز القياس عليه.
وحينما عالج ابن الخباز قضايا هذا السفر موضوع دراستنا كانت نظرية القياس نصب عينيه، فكان يبين وجه القياس في كثير من المسائل ويشير إلى ما هو غير قياسي فيها، بل أكثر من ذلك كان يشير إلى رأي العامة فيها إن وجد. وإليك طرفًا من النصوص التي توضح لنا هذه القضية.
قال ابن الخباز: (العلم المرتجل): وينقسم إلى معدول وغير معدول، فالمعدول: مذكر كعمر، ومؤنث كحذام، وغير المعدول: قياسي وشاذ، فالقياسي: ما وافق نظيره في النكرات، كغطفان وعمران اللذين هما كنزوان وسرحان، والشاذ: ما خالف نظيره في النكرات، وذلك إما بفك إدغام كمحبب، وإما بفتح ما حقه الكسر كموهب، وإما بتصحيح ما حقه الإعلال كمكورة.
وقال: (باب كم): والقياس في الخبرية أن تبين بالواحد، لأنهما عدد كثير، فهي كالمائة والألف، ولا يبينان إلا بالواحد كقولك: مائة رجل وألف دينار.
وقال: (في باب العدد) مبينًا كيفية تعريف العدد المركب: وأنه يعرف بدخول الألف واللام على الاسم الأول قال: وقد روي أن قومًا من العرب يقولون: الخمسة
[ ٤١ ]
العشر، وليس له في القياس وجه، لأن المركب إنما يعرف أو شطريه.
وقال: (باب النسب) وقد شذت ألفاظ من النسب عما ذكرنا من المقاييس، وسبيلها أن تحفظ، قالوا في «الحيرة»: «حاري» والقياس «حيرى» وقالوا في «طيئ»: «طائى» كطاعي والقياس «طيئي» كطيعي، وقالوا في «زينية»: زباني «والقياس» «زبني» كحنفي، وقالوا في «أمسى» «إمسي» بكسر الهمزة، والقياس «أمسي كعمرى».
وهو كثير في كتابه مما يدل بوضوح على تمام عنايته ببيان ما هو قياسي وما هو غير قياسي من اللغة العربية.
٥ - التعليل:
العلل النحوية هي الأسباب الداعية إلى الأحكام، وكانت العلة دائمًا تعين النحاة وتساعدهم على بناء قواعدهم، ولذلك صاحبت النحو منذ نشأته إلى أن تم واكتمل بنياته.
ومن استقراء كتاب «توجيه اللمع» ندرك أن ابن الخباز قد أبدى عنايته الفائقة واهتمامه البالغ بالعلل النحوية، فلا يدرس مسألة إلا ويعلل أحكامها ويوضح أسرارها، وبالتأمل في عنوان كتابه نجد أنه يشير إلى ذلك حيث أسماه «بتوجيه اللمع» وأيضًا أشار ابن الخباز إلى هذه الناحية في مقدمة كتابه فقال: «وقد سميته توجيه اللمع وعللت فيه المسائل جميع» ولكي ينجلي الأمر نذكر بعض النصوص التي توضح لنا هذه القضية.
قال ابن الخباز (مبينًا سبب إعراب الأسماء الستة بالحروف) وإنما أعربت بالحروف. لأنها أشبهت المثنى والمجموع، وذلك أن منها ما يلزم الإضافة، وهو فوك وذو مال، ومنها ما تغلب عليه الإضافة وهو باقيها، والإضافة فرع على الإفراد كما أن التثنية والجمع فرعان عليه، وإنما أعربت بحروف العلة لأنها مشابهة الحركات.
وقال: (باب التثنية): وإنما لم تثن الأفعال، لأن حق المثنى أن يدل على شيئين، ولو ثنى الفعل لدل على أربعة أشياء حدثين وزمانين، ولم تثن الحروف، لأن التثنية ضرب من التصريف، والحروف جوامد لا تصرف.
وقال: (باب أن وأخواتها) وإنما أعملت أن وأخواتها لأنها أشبهت الأفعال من أربعة أوجه، الأول: أنها مختصة بالأسماء كالأفعال، الثاني: أنها تدخل على المبتدأ والخبر ككان وظننت وأخواتهما، الثالث: أنها مبنيات على الفتح كالأفعال الماضية.
[ ٤٢ ]
الرابع: أن نون الوقاية تتصل بها كقولك: إنني كما تقول: ضربني.
وقال: (باب معرفة الأسماء المنصوبة) وإنما ذكر المنصوب بعد المرفوع لوجهين: أحدهما: أن المنصوب والمرفوع يعملان لعامل واحد كالفاعل والمفعول والاسم والخبر - والثاني: أن كل واحد من المرفوع والمنصوب يكون صاحبه في المعنى في باب المفاعلة كقولك: ضارب زيد عمرًا.
وأكتفى بهذا القدر من النماذج التي توضح لنا مدى اهتمام ابن الخباز بتعليل الأحكام وتوجيه المسائل، وهي كثيرة جدًا في كتابه، وهذا بحق اتجاه حسن يمكن الأحكام من الأذهان، ويزيل الغموض الذي يكتنفها، ويكشف الإبهام الذي يحيط بها، وبذلك يسهل استيعاب المعلومات وإدراك كنه الحقائق.
٦ - الاستشهاد بالقرآن وقراءته:
ما من نحوي إلا وله باع طويل في التزود بالقرآن والارتشاف من رحيقه والاقتطاف من شهي ثماره، وآية ذلك احتجاجهم على القواعد النحوية والأحكام العربية بالكثير من الآيات القرآنية، ومؤلفاتهم بين أيدينا شاهد عدل على ذلك
ولكن موقفهم من قراءات القرآن كان موقفًا عكسيًا، حيث إنهم كانوا يحتجون بها إذا وافت قواعدهم، وتطابقت مع أحكامهم، أما إذا خالفتها وانفردت بحكم جديد، رموها بالشذوذ، مع أن قراءات القرآن كلها حتى ما يعتبرونه شاذًا في نظرهم أقوى سندًا من كل ما يحتجون به من كلام العرب. وقد أجمع الناس على الاحتجاج بالقراءات الشاذة في العربية إذا لم تخالف قياسًا معروفًا، بل ولو خالفته يحتج بها في مثل ذلك الحرف بعينه، وإن لم يجز القياس عليه، كما يحتج بالمجمع على وروده ومخالفته للقياس في ذلك الوارد بعينه ولا يقاس عليه نحو: استحوذ.
ولقد كان قوم من النحاة المتقدمين يعيبون على عاصم وحمزة وابن عامر قراءات بعيدة في العربية، وينسبونهم إلى اللحن، والحقيقة أنهم مخطئون في ذلك، لأن قراءات هؤلاء ثابتة بالأسانيد الصحيحة المتواترة التي لا مطعن فيها، وثبوت ذلك دليل جوازه في العربية، وقد رد المتأخرون ومنهم ابن مالك على من عاب عليهم ذلك بأبلغ رد.
ومن النظر في كتاب «توجيه اللمع» ندرك من أول وهلة أن ابن الخباز قد استشهد - كغيره من النحاة - بكثير من الآيات القرآنية وقراءتها بغية دعم الأحكام النحوية وتصويرها
[ ٤٣ ]
في واقع اللغة واضحة جلية. وإليك بعض النصوص من احتاجه بالقرآن وقراءاته.
قال ابن الخباز: (باب الأفعال): والأصل في «الآن» أن يطلق على زمان الحال، ويجوز إطلاقه على الماضي والمستقبل القريبين من الحال كقوله ﷾: ﴿آلن خفف الله عنكم﴾ وقوله: ﴿فمن يستمع الآن﴾ واللفظية المخصصة بالاستقبال كقوله تعالى: ﴿سيقولون ثلثة﴾.
وقد يستشهد بالآية من القرآن المجيد على معنى لغوي يتعرض له في ثنايا كلامه، ومن ذلك قوله: (باب خبر المبتدأ) وسمى جملة لضم بعضه إلى بعض والتئامه، وفي التنزيل: ﴿لولا نزل عليه القرءان جملة واحدة﴾.
وربما يستشهد بأكثر من آية على حكم يقرره دون اللجوء إلى مصدر آخر ومن ذلك قوله: (رب الأفعال): والمستقبل يكون من الصيغ الثلاث، فكونه من الماضي إذا دخل عليه «إن» إن كقولك: إن قام زيد ذهب عمرو، وكونه من المضارع إذا دخل عليه بعض المخصصات المذكورة كقوله تعالى: ﴿وأن تصوموا خيرٌ لكم﴾، و﴿لن يخلف الله وعده﴾، ﴿لكيلا تأسوا على ما فاتكم﴾، وقوله: ﴿وإذا لا يلبثون خلفك إلا قليلا﴾.
وقد استشهد أيضًا بالكثير من القراءات القرآنية منها:
قال ابن الخباز: (باب كان وأخواتها): والمعرفتان كقولنا: كان زيد أخاك، ويجوز: كان أخوك زيدًا .. قال الله ﷾: ﴿فما كان جواب قومه إلا أن قالوا﴾ يقرأ برفع الجواب ونصبه.
وقال: (باب إعراب الاسم المعتل) مبينًا حكم الوقف على المنقوص والثاني وهو اختيار يونس أن تثبت الياء كقولك: هذا قاضي ومررت بقاضي وبه قرئ في إحدى الروايتين عن ابن كثير ﴿وما عند الله باق﴾.
[ ٤٤ ]
وقال: (باب حروف الجر) ويقال: رب بضم الراء وتشديد الباء وفتحها، ورب بضم الراء وتخفيف الباء وفتحها، وقرئ بهما قوله تعالى: ﴿ربما يود الذين كفروا﴾.
هذا قليل من كثير مما ورد ذكره في صفحات هذا الكتاب من الآيات القرآنية وقراءتها إلى حد فاقت به غيرها من الشواهد كثرة، وعددًا.
٧ - الاستشهاد بالشعر:
إذا ما استقرأنا كتاب «توجيه اللمع» لابن الخباز وقفنا على مجموعة كبير من الشواهد الشعرية، تربوا على خمسمائة شاهد مع أن الكتاب مسوق في أخصر أسلوب وأوجر عبارة، فما بالنا لو كان شرحًا مبسوطًا؟ إذًا لوقفنا على أضعاف ما بين أيدينا من الشواهد الشعرية، التي هي أكبر دليل وأسطع برهان على سعة محفوظه، وغزارة مادته، وحسن نظره، ومشاركته للمتقدمين من اللغويين بما أضافه من شواهد جديدة، وكتاباه اللذان بين أيدينا وهما «توجيه اللمع، وشرح الدرة الألفية» يفصحان عن هذه الإضافات، ويدلان بوضوح على مبلغ ثقافته اللغوية والأدبية تلك الثقافة التي تضعه في مكانته بين الباحثين الذين كانوا يداومون النظر ويتابعون الدرس لنصوص اللغة محاولين جهدهم التعرف على ظواهرها وما تشير إليه من قواعد وأحكام.
ومن الملاحظ أن ابن الخباز في استشهاده بالشعر لم يقتصر على فترة أدبية معينة، بل تناول بالاستشهاد شعر كل العصور التي يحتج بأشعار رجالها، فبالنسبة للعصر الجاهلي نجده قد استشهد بأبيات لمعظم أصحاب المعلقات العشر، أمثال: امرئ القيس الكندي، وطرفة بن العبد، وزهير بن أبي سلمى، ولبيد بن ربيعة العامري، وعمرو بن كلثوم التغلبي، وعنترة العبسي، والأعشى، والنابغة الذيباني، وعبيد بن الأبرص الأسدي، وغيرهم من شعراء العصر الجاهلي.
واستشهد أيضًا بشعر مشاهير شعراء العصر الأموي كجرير والفرزدق، كما استشهد بشعر الهذليين إذا جاز لنا أن تعتبرهم يمثلون مجموعة لغوية متجانسة، واستشهد كذلك بشعر ذي الرمة، وكعب بن زهير، ومتمم بن نويرة، والكميت
[ ٤٥ ]
وحميد بن ثور، وتأبط شرًا، والأخطل وغيرهم.
واستشهد أيضًا بأشعار مشاهير الرجاز: كالعجاج ورؤبة وأبي النجم، مما يدل على سعة اطلاعه على أشعار العرب وإفادته منها في تقرير مسائله النحوية. ونلاحظ أن ابن الخباز في كتابه ينقل كثيرًا من الشواهد الشعرية عن سيبويه والسيرافي وأبي علي الفارسي وابن جني والمبرد ويعقوب بن السكيت وأحمد بن فارس والجوهري وعبد القاهر وأبي إسحاق الزجاج وابن الشجري وثعلب وحمزة الأصفهاني والاشنانداني وابن السراج والواحدي وأبي محمد والزجاج وابن قتيبة وغيرهم.
ومن الملاحظ أن ابن الخباز في كتابه «توجيه اللمع» لم ينسب جميع شواهده الشعرية إلى أصحابها، بل قد نسب البعض وأغفل نسبة الباقي، وما ذلك إلا جريًا على سنن الأقدمين، أمثال سيبويه وغيرهم من فحول العربية وأئمتها، ولعلهم سلكوا هذا النهج حرصًا على تحقيق الأمانة العلمية وخوفًا من نسبة أبيات لغير قائليها، وأحيانًا كان يكتفي ببيان المنشد للبيت من النحويين أو اللغويين أو غيرهم ممن يتعرضون للشعر العربي بالنقد والدرس، وأحيانًا أخرى يذكر الكتاب الذي أنشد فيه الشعر الذي هو بصدد الاستشهاد به.
ويتخذ استشهاده بالشعر صورًا متعددة، فأحيانًا يستشهد بنصف البيت أو بالبيت كاملًا، كما في معظم شواهده، وأحيانًا يستشهد بالبيتين أو الثلاثة وربما كرر الشاهد الواحد مرة أو مرتين.
وقد يذكر أكثر من شاهد للاحتجاج على ظاهرة لغوية أو نحوية واحدة كما في استشهاده (باب ألفات القطع وألفات الوصل) على أن النون من «ابنم» تتبع الميم في الإعراب: قال:
السابع «ابنم» وهو بمعنى «ابن» والميم زائدة، وتتبع نونه ميمه في الإعراب قال النمر بن تولب:
لقيم بن لقمان من أخته فكان ابن أخت له وابنما
وقال أبو كبير الهذلي:
أخلي وإن الدهر مهلك من ترى من ذى بنين وأمهم وابنم
وقال: (باب النسب) إن بعض العرب يقول في النسب إلى قريش وهذيل:
[ ٤٦ ]
قريشي وهذيلي، واستشهادًا على ذلك ذكر ثلاثة أبيات، موطن الشاهد في ثالثهم وهو:
بحي قريشي عليه مهابة سريع إلى داعي الندى والتكرم
ثم قال: وقال الآخر:
هذيلية تدعو إذا هي فاخرت أبا هذليًا من غطارفة نجد
أما ما وجد في كتابه من شعر «أبي تمام والبحتري» وهما شاعران محدثان، فهذا لا يعاب عليه، لأنه ذكر لأبي تمام بيتين: أحدهما: في باب التصغير وأعتقد أنه ذكره لمجرد التمثيل والائتناس لا للاحتجاج. والثاني ذكره في خاتمة كتابه استشهادًا على معنى لغوي. أما بيت البحتري فقد ذكره في باب الإمالة واستشهد به على معنى لغوي أيضًا.
وبعد ما تقدم ما يمكن أن نقول: إن ابن الخباز كان واسع الفكر دائم البحث فيما خلفه المتقدمون من تراث أدبي عريض، جدير بالتنقيب عن لآلئه والغوص في أعماقه، لاستخراج درره، مما يشعر بأنه كان قوي الحافظة، حاد الذهن نادر الذكاء.
٨ - الاستشهاد بالحديث:
الاستشهاد بالحديث ظاهرة واضحة في مؤلفات ابن مالك ﵀ قال السيوطي: قال أبو حيان في شرح التسهيل: قد أكثر هذا المصنف من الاستدلال بما وقع في الأحاديث على إثبات القواعد الكلية في لسان العرب، وما رأيت أحدًا من المتقدمين والمتأخرين سلك هذه الطريقة غيره.
ومنع الاستشهاد بالحديث ابن الضائع وأبو حيان، قال السيوطي: قال أبو حيان: «وإنما ترك العلماء ذلك لعدم وثوقهم أن ذلك لفظ الرسول ﷺ إذا لو وثقوا بذلك لجرى مجرى القرآن في إثبات القواعد الكلية، وإنما ذلك لأمرين: أحدهما: أن الرواة جوزوا النقل بالمعنى الثاني: أنه وقع اللحن كثيرًا فيما روي من الحديث، لأن كثيرًا من الرواة كانوا غير عرب بالطبع. وقال السيوطي أيضًا: قال أبو الحسن بن الضائع في شرح الجمل: تجويز الرواية بالمعنى هو السبب عندي في ترك الأئمة كسيبويه وغيره الاستشهاد على إثبات اللغة بالحديث، واعتمدوا في ذلك على القرآن وصريح النقل عن العرب، ولولا تصريح العلماء بجواز النقل بالمعنى في الحديث لكان
[ ٤٧ ]
الأولى في إثبات فصيح اللغة كلام النبي ﷺ لأنه أفصح العرب.
وبالنظر في كتاب «توجيه اللمع» نجد أن ابن الخباز قد استشهد بالأحاديث النبوية لكن معظم الأحاديث التي ذكرها استشهد بها على معان لغوية، إذ لم يذكر في الاستشهاد على الأحكام النحوية إلا حديثًا واحدًا، وهو: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل» احتج به في باب (نعم وبئس) على أن «نعم» فعل بدليل اتصال تاء التأنيث بها، وهو مذهب البصريين. ومن استشهاده بالأحاديث على المعاني اللغوية ما يأتي:
قال ابن الخباز (باب الحروف التي تنصب الفعل): وزعموا أن في بعض المصاحف (تقاتلونهم أو يسلموا) فمعنى هذه الآية على هذه القراءة كمعنى قوله صلوات الله عليه: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله».
وفي (باب الجمع) استشهد بحديث: «من استمع إلى قينة صب في أذنيه الآنك» على أن الآنك معناه الرصاص.
وقال في: (باب التصغير): والمنقلبة عن ياء ألف عاب وناب وتقول في تحقيره: عييب ونييب، لأنهم قالوا: عيب في معنى عاب وفي الحديث: «لا تكونوا عيايين».
وقال في: (باب القسم): وصناعة الإعراب تسوغ الحلف بكل اسم يجوز دخول حروف القسم عليه كقولك: والله، وأبيك، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تحلفوا بأبائكم وأمهاتكم، ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون».
تلك هي بعض الأحاديث التي استشهد بها في كتابه وتبلغ تسعة أحاديث أردت أن أضعها بين يدي القارئ ليدرك بوضوح أن ابن الخباز كان يعتد بالأحاديث النبوية كمصدر من مصادر اللغة.
[ ٤٨ ]
٩ - الاستشهاد بالنثر:
جرت عادة علماء العربية على الاعتماد على المنثور من فصيح كلام العرب وبخاصة الأمثال في الاحتجاج على اللغة وأحكامها العامة، ومن هؤلاء ابن الخباز، فقد ذكر في كتابه «توجيه اللمع» جملة من أمثال العرب استشهادًا على بعض قواعد اللغة، ومنها ما يأتي:
قال ابن الخباز في (باب المعرب والمبني في معرض الحديث عن قد) ومعناها في المضارع تقيله كقولهم: إن الكذوب قد يصدق وقال في (باب المفعول به) ويجوز تقديمه على الفعل أيضًا وفي مثل:
* إياك أعني فاسمعي يا جارة *
وقال في (الباب السابق أيضًا) ويجوز في ظننت وأخواتها الاقتصار على الفاعل، لأن فيه فائدة، قال أكثم بن صيفي: من يسمع يخل وقال في (باب الترخيم) ومن قال يا حار فضم الراء قلت على قوله: يا كرا وياصحا، لأنك جعلت الواو والياء نهايتين للاسم، فقلبتهما ألفًا، ومن أمثالهم: «طرق كرا إن النعام في الغرى».
ويتضح مما سبق أن ابن الخباز قد اعتد - كغيره من النحاة - بالنثر العربي واعتبره مصدرًا من مصادر استشهاده.
١٠ - الإشارة إلى مذاهب النحاة في المسائل الخلافية:
تناول ابن الخباز في كتابه «توجيه اللمع» كتاب اللمع لابن جني بالشرح والتفصيل والتعليل، وكان إذا عرض لبعض المسائل الخلافية ذكر آراء النحاة فيها مع تعيين أصحاب هذه الآراء حينًا، وعدم تعيينهم أحيانًا أخرى فمن النوع الأول قوله في (باب خبر المبتدأ): واختلف النحويون في قولنا: «زيد خلفك» فذهب أبو العباس الشيباني إلى أن الظرف خبر عن المبتدأ ولا يتعلق بشيء وأنشد أصحابنا بأن الظرف منصوب فلابد له من ناصب، الذين قدروا ناصبًا اختلفوا، فذهب ابن
[ ٤٩ ]
السراج وابن جني إلى أن التقدير: زيد مستقر خلفك، فقدروا اسم الفاعل، وذلك لأن المفرد أصل الجملة، ولأن في تقديره تقليلًا للحذف، وذهب أبو علي الفارسي إلى أن التقدير: زيد استقر خلفك، فقدر الفعل، لأنه الأصل في العمل.
ومن النوع الثاني قوله في (باب الفاعل): وقال بعض العرب: قاما أخواك، وقاموا إخوتك، وقمن جواريك، وفي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أن المضمرات ملحقات وما بعدها بدل منها. الثاني: أن المظهرات مبتدآت والأفعال أخبار مقدمات، والثالث: أن الألف والواو والنون أدلة على التثنية والجمع كالتاء في قامت هند.
ولم يكن ابن الخباز - تجاه هذه الآراء المتعارضة والخلافات النحوية الحادة ليقف موقفًا سلبيًا، ويكتفي بترديد هذه الآراء وعرضها، بل كان يقتحم ميدان هذه المعارك، ويقيم من نفسه قاضيًا عادلًا، ويعرض على مخيلته القضايا النحوية، ويتولى الفصل فيها موضحًا وجهة نظره، ومبينًا سبب حكمه، ومن ذلك قوله في (باب المفعول معه): مذهب سيبويه وأكثر البصريين أنه منصوب بالفعل الذي قبله بتوسط الواو بينهما. وذهب أبو الحسن الأخفش إلى أن الأصل في قولك: قمت وزيدًا، قمت مع زيد، وأقيمت الواو مقام مع ونقل نصب مع إلى ما بعد الواو، وهذا فاسد، لأن مع ظرف وزيدًا ليس بظرف، وذهب أبو إسحاق، إلى أنه منصوب بفعل محذوف تقديره: قمت ولابست زيدًا، فعلى قول أبي إسحاق فقد ناصب المفعول معه من الكلام، وذهب الكوفيون إلى أن المفعول معه انتصب على الخلاف، قالوا: إذا قلت: استوى الماء والخشية، لم يكن العطف جائزًا، لأن الخشية لم تكن معوجة فتستوي، فلما خالفت الفاعل نصبت، ويفسد ما قالوه أن الخلاف مشترك بين الماء والخشبة، فإذا وجب نصب الخشبة لأنها مخالفة للماء، وجب نصب الماء لأنه مخالف للخشبة ولا قائل به، وقول أبي إسحاق لا ينفك من ضعف لما فيه من حذف الفعل، فبان أن المعتمد عليه مذهب سيبويه.
ويتضح من استعراض كلامه في «توجيه اللمع» أنه كان يُعنى كثيرًا بعرض آراء سيبويه، ويغلب عليه متابعة جمهور النحاة.
١١ - الإشارة إلى معاني بعض الألفاظ الغريبة:
لقد وضع ابن الخباز هذا الأمر في اعتباره حينما أقدم على شرح هذا الكتاب
[ ٥٠ ]
وأشار إليه في مقدمة كتابه: «وكلما مررت ببيت ذكرت إعرابه أو بلفظ لغوي جليته تجلية تزيل استغرابه» ومن أمثلة ذلك: قوله في (باب الاستثناء) قال النابغة:
وقفت فيها أصيلالًا أسائلها عبت جوابًا وما بالربع من أحد
إلا أواري لأيامًا أبينها والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد
أصيلال: جمع أصيل، والأصيل: بعد العشي، وعبت: أصله عييت، فأدغمت، وجوابًا: منصوب على حذف حرف الجرو أي: عيت بجواب، ويجوز أن يكون تمييزًا، والربع: منزل القوم في الربيع، استعمل في كل منزل، والأواري: واحدها أري. واللأى: البطء، يقال: ألأى أمره أي: أبطأ، و«ما» زائدة، والنؤى: حفيرة تحفر حول البيت تمنع المطر منه، والمظلومة: الأرض المحفورة، والجلد: الصلبة.
وقال في (باب حروف الجر) وأما قوله:
* لواحق الأقراب فيها كالمقق*
فإنه يصف حميرًا، واللواحق: الضوامر، والأقراب: جمع قرب وهي الخواصر، والمقق: الطول، وإنما يريد فيها مقق.
تلك بعض النصوص التي توضح لنا اهتمام ابن الخباز بتفسير بعض الألفاظ الغربية وهي كثيرة في كتابه مما يشعر بأنه كان لغويًا بارعًا.
١٢ - استخدام أسلوب التساؤل:
كثيرًا ما يستعمل ابن الخباز في كتابه أسلوب التساؤل متمثلًا في قوله: «فإن قلت قلت» وذلك ليوضح لنا بعض العلل والأحكام النحوية، ومن أمثلة ذلك قوله في (باب إن وأخواتها) فإن قلت: فهلا نصبتهما؟
قلت: إن غير فعل، ولو نصبتها لخلا الكلام من المرفوع.
فإن قلت: فهلا رفعتهما؟
قلت: لو رفعتهما لزادت على الفعل بشيء لا يكون فيه، وذلك أن الفعل لا يكون له فاعلان، فكيف يكون لأن مشبهان بالفاعل؟
فإن قلت: فلم قدم المنصوب على المرفوع؟
قلت: لوجهين: أحدهما: أن الخبر قد يكون مضمرًا، فلو قدم لاتصل بإن
[ ٥١ ]
وتغيرت صيغتها، تقول: إن الكرام أنتم، فلو قدم المرفوع لقلت: إن أنتم الكرام.
والثاني: أن إن حرف وهي أضعف من الفعل، فأعطيت أضعف أحواله وهو لزوم تقديم المنصوب، لأن الأصل في الفعل تقديم المرفوع.
وهكذا يتنبه ابن الخباز إلى ما عساه يدور في عقول الناس من أسئلة فيبرزها وبتولى الإجابة عنها، وهذا إن دل فإنما يدل على أن مؤلفه هذا تعليمي، حيث إن أسلوب التساؤل يستعمل كثيرًا لإفهام الطلاب وتثبيت المعلومات في أذهانهم.
١٣ - الإشارة إلى لغة العامة:
يعرض ابن الخباز كثيرًا إلى اللغة التي تجري على لسان العامة وذلك ليبين لنا مدى مطابقتها أو مخالفتها لقوانين اللغة الفصحى، وهذا يشعر بحسن نظره، وقوة ملاحظته، وسعة فكره، وتمكنه من اللغة، ومن أمثلة ذلك قوله في (باب ظرف المكان): وعندك جهة مبهمة، تقول: زيد عندك، وفي أي جهة كان من جهاتك جاز فيها ثلاث لغات: ضم العين، وفتحها، وكسرها، ولها حكمان تخالفهما العامة، الأول: أنها لا تجر بغير «من» وفي التنزيل ﴿قل كل من عند الله﴾ ولا تقول: جئت إلى عندك.
الثاني: أنها لا تصغر ويجري ذلك في لسان أهل الشام كثيرًا.
وقال في (الباب السابق): وإزاء وتلقاء بمعنى حذاء، يقال آزيته أي: حازيته، وهما متآزيان متحازيان، والعامة تقول: متوازيان.
وقال في (باب العدد) ومن المعرب من يسكن العين فيقول أحد عشر وهي لغة العامة، وذلك لكثرة المتحركات.
وقال في (باب التصغير) تقول في مرآة: مريئية بوزن مريعية، والعامة تقول: مرية وهو خطأ.
تلك بعض النصوص التي توضح لنا اهتمام ابن الخباز بدراسة لغة العامة، وبيان ما انطوى تحتها من أخطاء لغوية، أو نحوية، مما يدل على أنه لم يكن حابسًا عقله وفكره في نطاق ما خلفه السابقون، بل كان ﵀ مفكرًا مجددًا كثير البحث والنظر.
[ ٥٢ ]
١٤ - الاختصار:
بنى ابن الخباز منهجه في كتابه «توجيه اللمع» على الاختصار، وقد نبه على ذلك في مقدمة كتابه فقال: «فإن جماعة من حفظة «كتاب اللمع» أطمعهم فيه صغر حجمه وآيسهم منه عدم فهمه، فضمنت لهم إملاء مختصرًا، أقتصر به على توجيه مسائله وتبليغ وسائله» وأشار إلى ذلك أيضًا في ثنايا كتابه في عدة مواضع منها ما يأتي:
قال ابن الخباز في (باب المفعول الذي لم يسم فاعله) ويتعلق بالفعل الذي لم يسم فاعله مباحث من علم التصريف، لولا أني بنيت كتابي على الاختصار لذكرتها.
وقال في (بعد أن ذكر مذاهب العلماء في ناصب المستثنى): وتحتمل هذه المذاهب أكثر من هذا القول، ولكن لا يليق بهذا المختصر وقال في (باب مذ ومنذ): ولولا اغترار كثير من العامة بزخارف الحمقى لاقتضى اختصار هذا الكتاب الإضراب عن الإطالة.
وقال في (عند حديثه عن الضمائر): وتحت هذه الأحكام كلها مباحث يطول ذكرها، والإملاء مبني على الاختصار وغير ذلك كثير من أمارات التزامه بالاختصار في منهجه.
تلك هي أهم خصائص المنهج الذي اتبعه ابن الخباز في معالجة كتابه «توجيه اللمع» وقفت عليها بكثرة النظر فيه.
تعقب ابن الخباز لابن جني:
لم تكن شخصية ابن الخباز شخصية تقليدية، تكتفي بترديد ما أقره المتقدمون، بل كان ﵀ يتمتع بشخصية ناقدة، لها آراؤها الخاصة ووجهة نظرها المستقلة، فكان لا يلتزم التسليم بما سبق به، بل كان يدرس وينقد ويعترض إذا وجد لذلك سبيلًا، ويبطل رأى غيره إذا وجد أسباب الفساد محطية به، وبالتأمل في كتابه «توجيه اللمع» نجد أنه لم يكن على اتفاق تام مع ابن جني، بل كان يختلف معه ويستدرك عليه، فكثيرًا ما كان يرى أن الصواب في غير ما قال. وإليك بعض النصوص التي توضح ذلك:
لم يختلف ابن الخباز مع ابن جني في الناحية المنهجية إلا في باب: (المعرب
[ ٥٣ ]
والمبني) فقال: وعيب عليه تقديم هذا الباب على باب الإعراب والبناء، لأن المعرب والمبني مشتقان منهما، ومعرفة المشتق منه متقدمة على معرفة المشتق.
أما في الناحية العلمية فقد اختلف معه في مواضع كثيرة، منها ما يأتي:
قال ابن جني (باب الكلمة والكلام) مبينًا علامات الحرف: والحرف ما لم يحسن فيه علامات الأسماء ولا علامات الأفعال.
وقال ابن الخباز معقبًا على ذلك: وقوله: (ما لم يحسن فيه إلخ) فيه نظر من وجهين: أحدهما: أنه جعل حقيقة الحرف سلبًا، والسلب لا يكون حقيقة. والثاني: أن من علامات الأسماء والأفعال الحروف فصار التقدير: والحروف ما لم يحسن فيه الحرف، فيلزم من هذا أن يكون الشيء معروفًا قبل معرفته.
قال ابن جني في (الباب السابق، عند حديثه عن علامات الفعل) وكونه أمرًا، وقال ابن الخباز معلقًا عليه: وقوله (وكونه أمرًا) لا يستقيم، لأن «مه» أمر وليس بفعل، وينبغي له أن يقول: وكونه أمرًا مشتقًا جاريًا على المضارع.
قال ابن جني مبينًا حد الاسم المتمكن: ما تغير آخره لتغير العوامل فيه ولم يشابه الحرف.
وقال ابن الخباز معلقًا عليه: «وقوله: ولم يشابه الحرف غير محتاج إليه في حد المتمكن، لأنه متى ثبت له تغير آخره لتغير العوامل لزم من ذلك عدم مشابهة الحرف».
قال ابن جني (باب الإعراب والبناء) والفرق بينهما زوال الإعراب لتغير العامل وانتقاله، ولزوم البناء الحادث من غير عامل وثباته وقد عقب على ذلك ابن الخباز بقوله: وقوله (الحادث) في صفة البناء فيه نظر، لأنه إن أراد به بناء الأفعال والحروف فهو أصلي، وإن أراد به بناء الأسماء فلا معنى للفرق بين الإعراب وبعض البناء.
وهكذا يقف ابن الخباز من ابن جني موقف الناقد البصير الخبير بأساليب العربية، وما تدل عليه من معان، فيقدر كل كلمة قدرها بحسه المرهف وذوقه السليم.
***
[ ٥٤ ]
وصف نسخة الكتاب المحققة
اعتمدت في تحقيق هذا الكتاب على نسخة وحيدة منه توجد بمكتبة الأزهر وهي تحت رقم (٢٣٤٨ السقا) باسم «توجيه اللمع» ولم أتمكن من العثور على غيرها مع طول البحث ومداومة التفتيش، وقد كدت أول الأمر أن أعدل عنها لا لشيء إلا لأنها وحيدة، ولكن بعد أن أعدت النظر فيها كثيرًا، وقلبت صفحاتها طويلًا اتضح لي أن النسخة كاملة غير منقوصة واضحة المبدأ والمنتهي ثابتة النسب إلى صاحبها، عند ذلك لم أجد حرجًا في اختيارها والإقدام على تحقيق نصها.
أما عنوان الكتاب فكتب في الصفحة الأولى على النحو التالي: «كتاب شرح لمع ابن جني» للشيخ أبي العباس أحمد بن الحسين المعروف بابن الخباز الموصلي، وفي مقدمة الكتاب أشار ابن الخباز إلى أنه أسماه «بتوجيه اللمع» فقال: وقد سميته «توجيه اللمع» وعللت فيه «المسائل جمع» وقد آثرت هذه التسمية واعتمدت عليها، لأنها تسمية صاحب الكتاب، وهو في جملته يشير إليها، وكذلك أشار ابن الخباز في خاتمة كتابه إلى التسمية المذكورة في الصفحة الأولى، فقال: هذا آخر ما عمدت لإملائه من شرح كتاب اللمع.
وهذه النسخة في مجلد، وتقع في مائتين وثمانية أوراق من القطع الكبير ومسطرتها ثلاثة وعشرون سطرًا.
أما الصفحة الأولى فعليها عنوان الكتاب واسم المؤلف، وقد كتبا بخط قريب من خط سائر النسخة، ويوجد على الصفحة الأولى ختمان: أحدهما في أعلى الصفحة من جهة اليمين وبه توقيف نصه: «وقف محمد عبد العظيم السقا وأخيه محمد إمام» والختم الثاني في أعلى النصف الأسفل من الصفحة الأولى أيضًا وكتبت فيه «الكتبخانة الأزهرية» وعلى الصفحة الأولى أيضًا كتب أسفل عنوان الكتاب توقيف آخر نصه: وقف هذا الكتاب الحسيب النسيب السيد محمد المؤيد الشهير بالخطيب على طلبة العلم بالأزهر وغيره، كبقية ما ملكه من الكتب.
وتوجد مجموعة من الأختام في الأوراق الآتية من النسخة ٣، ٧، ٩، ١١، ٢١، ٢٩، ٣١، ٢٠٨، وفي هذه الأختام جميعها كتب توقيف باسم محمد عبد العظيم السقا وأخيه محمد إمام.
[ ٥٥ ]
وأما خط النسخة فواضح وعادي، حيث إنها مكتوبة بقلم نسخ قديم وهي مشكولة غالبًا، وإن كان الشكل أحيانًا خطأ.
وأما الإعجام فليس ملتزمًا في جميع ألفاظ النسخة وإن كان غالبًا عليها.
سمات عامة على المخطوطة:
١ - هناك بعض الكلمات لم تكتب على ما نعرفه اليوم من قواعد الإملاء فمثلًا كلمة «مسألة» تكتب فيها «مسئلة» وكلمة «هؤلاء» تكتب «هاؤلاء» على حسب نطقها، وكلمة «ثلاثين» تكتب في النسخة «تلتين» وهكذا.
٢ - توضع الهمزة المتطرفة المسبوقة بالألف فوق الألف كثيرًا.
٣ - غالبًا ما تكتب الألف الممدودة مقصورة.
٤ - تكتب الضاد ظاء كثيرًا كما هو معروف في لهجة أهل الموصل.
٥ - تكتب ألف المد - أحيانًا - ألفين.
٦ - هناك تصويبات في الهامش، وإحالات إليها مما يدل على أن النسخة مراجعة.
٧ - تمتاز هذه النسخة بوجود التعقبية في آخر الصفحة اليمنى غالبًا.
٨ - كثيرًا ما تكتب الهمزة المتطرفة المسبوقة بالألف مدًا فوق الألف مثل «جاء» يكتبها «جآ».
وليس في النسخة ما يدل على اسم كاتبها ولا على الأصل الذي نسخت عنه.
وقد تمت كتابتها في القرن الثامن الهجري، وناسخها أشار إلى ذلك بقوله: وافق الفراغ من نسخ هذا الكتاب يوم الخميس سادس عشر المحرم سنة ست وثمانين وسبع مائة.
***
[ ٥٦ ]
منهج تحقيق الكتاب
لما كان الهدف من تحقيق النصوص إنما هو إخراجها صحيحة سليمة كما سبق أن وضعها أصحابها، فقد بذلت كل ما في وسعي من جهد وقدمت كل ما لدي من طاقة في هذا السبيل، واضعًا في اعتباري ما تحتاجه إعادة النص إلى طبيعته الأولى من حيطة وحذر ودقة وأمانة، حيث إن إعادة النص إلى أصله السابق أصعب بكثير من إنشاء أصل جديد، وقد كان لا يغادر مخيلتي منذ - اللحظة الأولى التي عزمت فيها على انتهاج هذا السبيل - قول الجاحظ: لربما أراد مؤلف الكتاب أن يصلح تصحيفًا أو كلمة ساقطة، فيكون إنشاء عشر ورقات من حر اللفظ وشريف المعاني أيسر عليه من إتمام ذلك النص حتى يرده إلى موضعه من اتصال الكلام وقد التزمت في تحقيق نص الكتاب الأمور الآتية:
١ - احترمت نص الكتاب فلم أتدخل فيه إلا بالقدر الذي لا يمس جوهره ككتابته وفق القواعد الإملائية المعروفة لنا اليوم.
٢ - وجددت في النص جملًا قليلة وغير مستقيمة، فحاولت تقويمها بما يناسب السياق من زيادة حرف أو كلمة أو جملة، ونبهت على ذلك بوضع الزائد بين قوسين معقوفين، وأشرت إلى هذه الزيادة في الهامش.
٣ - وجدت في النص بعض العبارات المرتبكة بتقديم الجمل على بعضها الآخر فحاولت تقديم ذلك بما يناسب المعنى والسياق، وأشرت إلى ذلك في الهامش.
٤ - وجدت في النص ألفاظًا وردت مخالفة للقواعد النحوية والأوزان الصرفية فصححتها ونبهت على ذلك في الهامش.
٥ - ترجمت لبعض الأعلام الذين وردت أسماؤهم في الكتاب ولما كان الاسم يتكرر أكثر من مرة فقد اكتفيت بترجمته في المرة الأولى.
٦ - خرجت الشواهد القرآنية والشعرية والنثرية من حديث أو أثر ما استطعت إلى ذلك سبيلًا.
٧ - وثقت كثيرًا من النصوص والآراء النحوية التي نقلها عن غيره من النحاة،
[ ٥٧ ]
وذلك بالرجوع إلى مؤلفات أصحابها - إن وجدت - أو إلى أمهات الكتب النحوية.
٨ - فسرت بعض الألفاظ الغربية لغويًا.
٩ - أعجبت الحروف التي لم تكن معجمة.
***
[ ٥٨ ]
كتاب
للعلامة أحمد بن الحسين بن الخباز
شرح كتاب اللمع لأبي الفتح ابن جني
القسم الثاني: التحقيق
[ ٥٩ ]