قال ابن جني: وهو على ضربين: مبني، ومعرب، والمبني على ضربين: مبني على الفتحة وهو جميع أمثلة الماضي قلت حروفه أو كثرت نحو: قام وجلس وذهب وظرف واستتخرج. ومبني على السكون، وهو جميع أمثلة الأمر للمواجه مما لا حرف مضارعة فيه، وذلك نحو قولك: قم وخذ واضرب وانطلق واستخرج.
وأما المعرب: فهو الذي في أوله إحدى الزوائد الأربع وهي الهمزة والنون والتاء والياء، وقد تقدم ذكره، وهذا الفعل المضارع إنما أعرب لماضرعته ٣٣/ب الأسماء، وهو مرفوع أبدًا بوقوعه / موقع الاسم حتى يدخل عليه ما ينصبه أو يجزمه، ويكون في الرفع مضمومًا، وفي النصب مفتوحًا، وفي الجزم ساكنًا تقول: هو يضرب، ولن يضرب، ولم يضرب، هذا الصحيح.
_________________
(١) (باب إعراب الأفعال وبنائها) قال ابن الخباز: الأصل في الأفعال أن تكون مبنية، لأنها تدل بصيغ مختلفة على معان مختلفة فلا حاجة إلى إعرابها، والمبني منها نوعان: أحدهما: الفعل الماضي وقد ذكرنا علة تحريكه وفتحه في باب الإعراب والبناء، ونزيدها هنا ثلاث مسائل: الأولى أنه يسكن إذا اتصل بضمير الفاعل كقولك: ضربت، وإنما أسكن لأن الفعل والفاعل بمنزلة الكلمة الواحدة فكرهوا أن يوالوا بين أربع متحركات وخصوا الآخر بالإسكان لأن الأول لا يسكن، لأنه مبتدأ به، والثاني عين الفعل فبناؤه معروف منه والضمير على حرف واحد فكرهوا الإجحاف به فلم يبق إلا ١١١/ب الآخر / الثانية: أنه يضم إذا اتصل بواو الضمير، كقولك ضربوا، وذلك ليدلوا على شدة امتزاج الفعل بالفاعل. الثالثة: أنهم يسكنونه في ضرورة الشعر، قال كعب ابن زهير:
[ ٣٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أقول مقالات كما قال عالم بهن ومن أشبه أباه فما ظلم وقال شيخنا ﵀: هذه ضرورة حسنة، لأن الأصل في الفعل أن يكون ساكنًا الثاني: فعل الأمر إذا لم يكن في أوله حرف المضارعة، كقولك: قم وانطلق واذهب وقد ذكرنا بناءه، ونزيدها هنا مسألتين: إحداهما: أن ثاني المضارع لا يخلو من أن يكون متحركًا أو ساكنًا، فإن كان متحركًا لم يحتج إلى إلحاق شيء في الأمر كقولك: دحرج، وإن كان ساكنًا ألحقت همزة تكون وصلة إلى النطق بالساكن تكسر إذا ما كان (ما قبل) آخر المضارع مفتوحًا أو مكسورًا كقولك: اذهب واضرب، وتضم إذا كان مضمومًا كقولك: أقتل. الثانية: إذا كان قبل آخر الفعل واو أو ياء أو ألف كقولك: يقوم ويبيع ويخاف فأمرت حذفتهن لالتقاء الساكنين، فقلت: قم وبع وخف، وكان حذف حروف اللين أولى لأن الحركات التي قبلها تدل عليها، وقد تقدم ذكر المضارع وتفسير حروف المضارعة. وإنما أعرب المضارع لأنه شابه الأسماء من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه تدخل عليه لام الابتداء، تقول: إن عبد الله ليفعل كما تقول: إن عبد الله لفاعل. والثاني: أنه يكون شائعًا بين زماني الحال والاستقبال فأشبه النكرة. الثالث: أنه يختصر بأحدهما فأشبه المعرف باللام، وإعرابه: رفع ونصب وجزم ولا يعرب بالجر لثلاثة أوجه: أحدها: أن عامل الجر لا يصح دخوله / عليه ١١٢/أوالثاني: أنه فرع على الاسم في الإعراب فينبغي أن يعرب بحركتين. والثالث: أن أن الجزم عوض عن الجر فلو أعرب به لجمعت بين العوض والمعوض. وينقسم إلى قسمين: إلى صحيح وإلى معتل، فأما الصحيح: فهو ما لم يكن آخره ألفًا ولا واوًا ولا ياء، كيضرب وينطلق ويستخرج، وحقه أن يكون في الرفع مضمومًا وفي النصب مفتوحًا، وفي الجزم ساكنًا، تقول: زيد يضرب وعبد الله لن
[ ٣٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = يخرج وعمرو لم يقدم، لأن آخره حرف صحيح فصار كزيد في الأسماء، وقد يسكن المرفوع ضرورة كقول امرئ القيس:
(٢) فاليوم أشرب غير مستحقب إثمًا من الله ولا اغل ولا يجوز إسكان المنصوب، لأن الفتحة حركة خفيفة. واختلف النحويون في رافعه: فذهب سيبويه إلى أن رفعه بعامل معنوي وحقيقته: وقوعه بحيث يصح وقوع الاسم كقولك: مررت برجل يكتب، لأنه قد وقع صفة، وهي من مظان صحة وقوع الاسم، وذهب الكسائي إلى أنه يرتفع بالزائد الذي في أوله فإذا قلت: يقوم فرفعه بالياء، وذهب الكسائي إلى أنه يرتفع بالزائد الذي في أوله فإذا قلت: يقوم فرفعه بالياء، وكذلك البواقي، وهذا باطل لوجهين: أحدهما: أن الزائد بعض الكلمة فلا يعمل فيها. والثاني: أن العوامل تدخل عليه فتغيره كقولك: لن يقوم ولم يقم، فلو كان الزائد عاملًا لم يدخل عليه عامل. وذهب الفراء إلى أن رفعه لخلوه عن الناصب والجازم، وضعفوا هذا القول بأنه يستدعى تقدم الجزم والنصب على الرفع، لأن قوله: «لخلوه عن الناصب والجازم» يستدعي تقدمهما.
[ ٣٥١ ]
قال ابن جني: وأما المعتل: فهو كل فعل وقعت في آخره ألف أو ياء أو واو نحو يخشى ويسعى ويقضي ويرمي ويغزو ويدعو، وهذه الأحرف الثلاثة تكون في الرفع ساكنة.
فأما في النصب فتفتح الياء والواو، وتبقى الألف على سكونها، لأنه لا سبيل إلى حركتها، تقول: لن يقضي ولن يرمي ولن يدعو ولن يخلو، فإذا صرت إلى الجزم حذفت الأحرف الثلاثة كلها تقول: لم يخش ولم يسع، ولم يرم، ويم تغز، ولم يخل. فإن ثنيت الضمير في الفعل وجمعته للمذكر أو خاطبت المؤنث كان رفعه بثبات النون وجزمه ونصبه بحذفها، تقول: أنتما تقومان وهما يقومان وأنتم تنطلقون، وهم ينطلقون، وأنت تذهبين وتنطلقين، ولم يقوما، ولن ينطلقا، ولم يذهبوا، ولن ينطلقوا، ولم تفعلي، وأحب أن تتفضلي، وكذلك المعتل أيضًا تقول:
أنتما ترميان ولا ترميا، وأنتم تخشون / ولن تخشوا، وأنت تغزين، وأحب ٣٤/أأن تعزي ولم لم ترضى.
_________________
(١) قال ابن الخباز: والمعتل: ما كان آخره ألفًا أو ياء أو واوًا، كيخشى ويسعى ويرمي ويقضي ويغزو ويدعو ويعلو، وهو كثير. وإنما وقعت الواو المضموم ما قبلها / آخرًا في الفعل، لأن الفعل لا يعتقب على آخره الأشياء التي تعتقب على آخر ١١٢/ب الاسم. وهذه الحروف تسكن كلها في الرفع كقولك: زيد يخشى ويقضي ويغزو. أما سكون الألف: فلامتناع حركتها، وأما سكون الواو والياء: فلاستثقال الحركة فيهما، فالأصل يقضي ويدعو فأسكنت الياء والواو استثقالًا للضمة عليهما كما أسكنت ياء المنقوص ولو اضطر شاعر إلى تحريكه لجاز. وأما النصب فتبقى الألف (لإيه) على سكونها لأنه لا سبيل إلى حركتها، كما سكنت في الرفع، لأنها في نفسها ممتنعة من الحركة فجرى يخشى مجرى ألف العصا والرحا تقول: لن يخشى كما تقول: رأيت العصا وأما الياء والواو فتفتحان كما تفتح ياء المنقوص =
[ ٣٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = تقول: لن يغزو ولن يرمي كما تقول: رأيت القاضي، ويجوز إسكانهما في ضرورة الشعر كما تسكن ياء المنقوص، قال عامر بن الطفيل:
(٢) وما سودتني عامر عن وراثة أتى الله أن أسموا بأم ولا أب وقال الأعشى:
(٣) فآليت لا أرثي لها من كلالة ولا من حفا حتى تلاقي محمدًا وأما الجزم فإنهن يحذفن فيه، تقول: لم يخش ولم يغز ولم يرم، وفي ذلك وجهان: أحدهما: أن علامة الرفع لا تدخلهن فجرين مجرى الحركات، لأن الحركات لا تدخلهن. والثاني: أن الجازم لابد له من الحذف فلما لم يصادف حركة حذف من نفس الفعل، ولذلك شبهة ابن السراج بالدواء لأنه إن صادف خلطأ فاضلًا أسهله، وإن لم يصادف خلطأ فاضلًا أسهل خلطًا طبيعيًا، فأما قوله تعالى: ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ فيجوز أن تكون لا نافية، ويجوز أن تكون ناهية، وقد أثبت الألف لموافقة رؤوس الآي. ١١٣/أوإذا لحق الفعل / ضمير الاثنين المخاطبين كقولك: تفعلان، أو ضمير الاثنين الغائبين كقولك: يفعلان، أو ضمير الجماعة المخاطبين كقولك: تفعلون، أو ضمير الجماعة الغائبين كقولك: يفعلون، أو ضمير الواحدة المخاطبة كقولك: تفعلين، لم يجز الفصل بينه وبين هذه الضمائر، ولم يكن له حرف إعراب، لأن حرف إعرابه
[ ٣٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = صار حشوًا، ولا يكون الضمير حرف إعرابه، لأنه أجنبي منه في الأصل، ولا يكون النون حرف إعرابه، لأنه يسقط، ولما اتصل الضمير به اتصالا شديدًا جعلوا إعرابه بعده، فأثبتوا النون في موضع الرفع تقول: أنتما تذهبان كما تقول: أنت تذهب فتثبتها كما تثبتها، وقد جاء حذفها في ضرورة الشعر كما جاء حذفها (قال الشاعر):
(٢) أبيت أسري وتبيتي تدلكي وجهك بالعنبر والمسك الزكي وتحذفها في حالة الجزم والنصب، تقول: لم تذهبوا ولن تذهبوا، قال عنترة:
(٣) لا تذكرى مهري وما أبليته فيكون جلدك مثل جلد الأجرب وقال عمر بن أبي ربيعة:
(٤) إنى لأذكر عهدكم ويسرني لو تعلمين بصالح أن تذكري وحذفها مستحسن للجزم، لأن الجزم بابه الحذف، والنصب محمول عليه. وهذه النون مكسورة بعد الألف كما تكسر نون الاثنين، وحكى الزجاج أنه قرئ:
[ ٣٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أتعدانني بفتح النون، واستهجنه. وأما قوله تعالى: ﴿فبم تبشرون﴾ وقوله: ﴿أفغير الله تأمروني﴾ فأصله: تبشرونني وتأمرونني فحذفت النون الأولى لاجتماع النونين، وليس هذا الحذف بلازم، لأنه لم يدخل جازم. ١١٣/ب والمعتل كالصحيح في إلحاق الضمائر الثلاثة، فما كان / آخره ألفًا كيخشى قلبت مع ألف الاثنين ياء فقلت: يخشيان، لأنه لا سبيل إلى حركتها. وحذفت مع واو الجمع وياء المؤنث فقلت: يخشون ويخشين، لأنك لو قلبتها ياء لحركتها مع الواو بالضم ومع الياء بالكسر، وذلك مستثقل. وما كان آخره واوا سلم لفظها مع الألف، لأنها تحرك بالفتح فتقول: يدعوان، وحذفت مع الواو والياء فقلت: يدعون وتدعين، لأنها لو ثبت لحركت مع الواو بالضم، ومع الياء بالكسر وذلك مستثقل. وما كان آخره ياء سلمت مع الألف، لأنها تحرك بالفتح، فقلت: يرميان، وحذفت مع الواو والياء فقلت: يرمون وترمين، لأنها لو ثبتت لحركت مع الواو بالضم ومع الياء بالكسر وذلك مستثقل. وحال المعتل في الرفع والنصب والجزم كحال الصحيح، تقول: أنتما ترميان ولم ترميا ولن ترميا، وكذلك البواقي، وفي التنزيل: ﴿أيًا ما تدعوا﴾ و﴿ألا تعلوا علي﴾ و﴿أبشر يهدوننا﴾. وإذا جمعت ضمير الإناث جئت بنون الجمع كالواو التي للمذكرين فقلت: يذهبن ويخرجن، وهذه النون تثبت في الرفع والنصب والجزم، وفي التنزيل: ﴿تكاد السموات يتفطرن منه﴾ وفيه: ﴿وعلى كل ضامرٍ يأتين﴾ وقال: ﴿إلا أن يعفون﴾.
[ ٣٥٥ ]
قال ابن جني: فإن جمعت الضمير المؤنث كانت علامته نونًا مفتوحة ساكنًا ما قبلها ثابتةً في الأحوال الثلاثة، وذلك قولك: هن يضربن وأنتن تضربن، ولن تضربن، ولم يقمن، ولم يقعدن، قال الله تعالى: ﴿إلا أن يعفون﴾ فأثبت النون في موضع النصب لما ذكرت. واعلم أن لفظ الوقف كلفظ الجزم سواء. تقول: اضرب كما تقول: لا تضرب وتقول: قوما كما تقول: لا تقوما، وتقول: قوموا كما تقول: لا تقوموا: وتقول: قومي كما تقول: لا تقومي، وتقول: اعز وادع وارم واخش كما تقول: لا تغر ولا تدع ولا ت رم ولا تخش.
_________________
(١) قال ابن الخباز: والضمير لجماعة النساء، وموضع هذه النون من الإعراب الرفع لأنها فاعل، وإنما لم تحذف لأنها اسم مرفوع بالفعل، فلو جاز حذفها في النصب والجزم لجاز حذف الألف والواو والياء فيهما من تفعلان وتفعلون وتفعلين. واعلم أن الفعل مع هذه النون مبني، قال سيبويه: «بنو فعلن» يعني أنهذه النون إذا لحقت الماضي سكن آخره للعة التي ذكرناها، فيحمل المضارع على الماضي فيبنى على السكون مثل / بنائه، لأنهم إذا أعربوا الفعل المضارع الذي أصله ١١٤/أالبناء لمشابهته الأسماء فأن يثنوه، لأنه فعل مثله - مع أن أصله البناء - أولى. وقد تقرر أن الجازم يحذف الحركة وحرف العلة والنون كقولك: لا تضرب ولا تعز ولا تذهبوا. فإذا أمرت من هذه الأمثلة أسقطت في الأمر ما تسقطه في الجزم فقلت: اضرب واعز واذهبوا، أما إسقاط الضمة: فلأن آخر الأمر ساكن. وأما إسقاط الواو والنون: فلان الجازم لما حذفهما جرتا مجرى الحركة. وتقول: اشتر لحمًا فتحذف الياء وتبقى الكسرة لتدل عليها، وأما قول الراجز:
(٢) واشتر شحيمًا نتخذ خرديقا
[ ٣٥٦ ]