قال ابن جني: الاسم المعرب على ضربين: صحيح ومعتل. فالصحيح: ما لم يكن حرف إعرابه ألفًا، ولا ياء قبلها كسرة، نحو: زيد وعمرو، وهو على ضربين: منصرف، وغير منصرف، فالمنصرف: ما لم يشابه الفعل من وجهين، وتدخله الحركات الثلاث: الضمة، والفتحة، والكسرة، والتنوين، ويكون آخره في الرفع مضمومًا، وفي النصب مفتوحًا، وفي الجر مكسورًا.
تقول في الرفع: قام زيد يا فتى، وفي النصب: رأيت زيدًا يا فتى، وفي الجر: مررت بزيد يا فتى، فضمة الدال علامة الرفع، وفتحتها علامة النصب، وكسرتها علامة الجر. ودخل التنوين الكلام علامة للأخف عليهم، والأمكن عندهم.
_________________
(١) (باب إعراب الاسم الواحد) قال ابن الخباز: (الواحد) احترازًا من التثنية والجمع، لأن حكمهما يأتي بعد ذلك. والصحيح والمعتل إنما ينقسم إليهما الاسم المعرب، لأن تقسيم المبني إلى الصحيح والمعتل معدوم الأثر، لأن حكم ذلك راجع إلى حرف الإعراب. فالصحيح: ما لم يكن حرف إعرابه ألفًا ولا ياءً قبلها كسرة، ذكر حرف الإعراب، لأنه لا يكون إلا للمعرب، فإن سمي آخر المبني حرف إعراب فلذلك مجاز. والذي حرف إعرابه ألف هو المقصور، والذي حرف إعرابه ياء قبلها كسرة هو المنقوص. وبدأ بذكر الصحيح لأنه الأصل في احتمال حركات الإعراب، وتوهم بعض العصريين أن قشمة الصحيح إلى المنصرف وغير المنصرف مؤذنة بأن المعتل ليس كذلك، وهذا توهم باطل، ألا ترى أن قولنا: «الاسم معرب ومبني» لا ينفي انقسام الفعل إلى المعرب والمبني. واختلف النحويون في حد المنصرف، فقال قوم: المنصرف ما دخله التنوين وحجتهم من وجهين: أحدهما: أن التنوين زيادة دالة على خفة الاسم ومكانته. الثاني: أن الشاعر إذا اضطر إلى تنوين ما لا ينصرف في موضع الجر نون وجر، ولو =
[ ٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = كان الجر من الصرف لم يجرر، لأنه لا يزيد على قدر الضرورة. وقال قوم: المنصرف: ما دخله الجر والتنوين، وحجتهم من وجهين: أحدهما: أن المنصرف من التصرف وهو مع الجر أكثر. / والثاني: أن الجر من خصائص الأسماء، فكان من الصرف كالتنوين. وأدخل أبو الفتح في حد المنصرف ما ليس منه بقوله: (وتدخله الحركات الثلاث) والمراد بنفى مشابهة الفعل عدم الوجهين، والمراد بالوجهين: أن يكونا سببين من أسباب تسعة يأتي ذكرها في موضعها من الكتاب بحول الله تعالى. وجمعها بعض المولدين في بيتين تسهيلًا لحفظها فقال: إذا اثنان من تسع ألما بلفظة فدع صرفها وهي الزيادة والصفه ووزن وتأنيث وعدل وعجمة وجمع وتركيب ووجدان معرفه وسميت الحركة حركة لإقلاقها الحرف عن مخرجه، والحركات قسمان: خالصات، ومشوبات، فالخالصات ثلاث: الضمة، ومنشأها من بين الشفتين، وهي أثقلها، والكسرة، ومنشأها من وسط اللسان وما يحاذيه من الحنك الأعلى، وهي أخف منها، والفتحة، ومنشأها من أقصى الحلق، وهي أخف منهما. والمشوبات: كسرة ممالة إلى الضمة نحو: قيل، وضمة ممالة إلى الكسرة نحو: منصور، وفتحة ممالة إلى الضمة نحو: الصلاة، وفتحة ممالة إلى الكسرة نحو: عالم. والتنوين: نون ساكنة تلحق الاسم بعد حركة الإعراب، وهو مصدر قولك: «نؤنث الحرف» أي: ألحقته النون، كما تقول: «كوفت تكويفًا» أي: كتبت كافًا. والاسم الصحيح لا مانع من ظهور الحركة في آخره، لأن الحروف الصحيحة بعيدة من مشابهة الحركات، فتقول في الرفع: جاء زيد، فتضمه، وفي النصب: رأيت زيدًا، فتفتحه، وفي الجر: مررت بزيد، فتكسره، وزاد قوله: (يا فتى) ليجعل الكلام وصلًا =
[ ٧٥ ]
قال ابن جني: وهو الواحد النكرة، والمضاف كالمفرد فيما ذكرنا، تغرب الأول بما يستحقه من الإعراب إلا أنك تحذف منه التنوين للإضافة، وتجر الثاني بإضافة الأول إليه على كل حال، تقول: هذا غلام زيد، ورأيت غلام زيد، ومررت بغلام زيد.
وغير المنصرف ما شابه الفعل من وجهين: وتدخله الضمة والفتحة ولا يدخله جر ولا تنوين، ويكون آخره في الجر مفتوحًا. فإن أضف أو دخلته الألف واللام فأمن فيه التنوين دخله الجر في موضع الجر، تقول في الرفع: هذا أحمد وعمر، وفي النصب: رأيت أحمد وعمر، وفي الجر: مررت بأحمد وعمر، وتقول مع الإضافة: عجبت من أحمدكم وعمركم، ومع الألف، واللام: عجبت من الفرس الأشقر، ونظرت إلى الرجل الأسمر.
_________________
(١) = واختلف النحويون في علة دخول التنوين الأسماء، والأقوال في ذلك أربعة: الأول: أنه علامة للأخف الأمكن، وذلك لأنهم فرقوا بين ما أشبه الفعل وبين ما لم يشبه الفعل / لأنه أخف وأحمل للزيادة. والثاني: أنه فارق بين الاسم والفعل، وهذا باطل، لأنه الاسم والفعل معروفان بدون التنوين. والثالث: أنه فارق بين المنصرف وغير المنصرف، وهذا باطل، لأن المنصرف هو المنون، وغير المنصرف هو غير المنون، فصار المعنى أن التنوين فارق بين المنون وغير المنون. والرابع: أنه فارق بين المفرد والمضاف، وهذا باطل، لأن ما فيه الألف واللام مفرد ولا يدخله التنوين. قال ابن الخباز: وقوله: (وهو الواحد النكرة) هو يعود إلى الأخف الأمكن، وإنما كان كذلك، لأن الواحد أخف من الجمع ومن المركب، والنكرة أخف من المعرفة. واعلم أن الأمكن أخص من المتمكن، لأن المتمكن هو المعرب، والأمكن هو المنصرف. وقوله: (فيما ذكرنا) يعني في دخول الحركات في مواضعها والتنوين. والأول هو المضاف. وقوله: (إلا أنك) استثناء من الإجمال في قوله: (والمضاف كالمفرد)، وإنما حذف التنوين من الإضافة، لأن التنوين بدل على الانفصال، والإضافة تدل على الاتصال فتناقضا. وقال الكوفيون: لم يجتمعا لأنهما من خصائص الأسماء، ولا =
[ ٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = يجمع بين التنوين والألف واللام، لأن التنوين دليل التنكير [والألف] واللام دليل التعريف. ولا يجمع بين الإضافة والألف واللام، لأن الإضافة للتعريف [والألف] واللام للتعريف فتساويا. فإن كان المضاف إليه نكرة، فالإضافة للتخصيص، فيتكون الجمع بينهما نقضًا لمعنى [الألف] واللام. واختلف النحويون في جر المضاف إليه، فقيل: إنه بحرف جر مقدر، لأن الجر في الأصل للحروف. وقيل: إنه بالمضاف، لأنه أقيم مقام الحرف حيث فهم معناه منه. وغير المنصرف يسمى متمكنًا، ولا يسمى بالأمكن، ولابد من أن يشبه الفعل من وجهين من تلك الوجوه. ويباين المنصرف بأمرين: أحدهما: طرح التنوين، لأنه أشبه الفعل / والفعل لا ينون. والثاني: إزالة الكسرة من الجر لأنه أشبه الفعل، والفعل لا يعرب بالكسرة، ولم يجعل آخره ساكنًا في موضع الجر، لئلا يكون المعرب على لفظ المبني، وإنما فتحوه في موضع الجر، لأن الجر يشارك النصب في كونهما فضلتين فاستعيرت له حركته. وإنما أعرب بالكسرة مع [الألف و] اللام والإضافة لأنهما يبعدانه من شبه الفعل، لأن الفعل لا يضاف، ولا تدخله الألف واللام. وقوله: (وأمن فيه التنوين) مؤذن بأن ترك الكسرة [مع غير المعرف] باللام والإضافة بعدم الأمن من دخول التنوين، لأنه ليس في كلامهم معرب مكسور الآخر إلا وفيه تنوين أو ما يعاقب من اللام والإضافة. «وأحمد» أشبه الفعل بالوزن والتعريف، «وعمر» أشبه الفعل بالتعريف والعدل، وإنما جاء مع الأشقر والأشمر بالفرس، والرجل توفية للصناعة، لأن الأشقر والأسمر صفتان فلابد من ذكر الموصوف معهما.
[ ٧٧ ]
قال ابن جني: فإن وقفت على المرفوع والمجرور حذفت التنوين، لأنه زائد لا يوقف عليه، وأسكنت آخرهما، لأن المعرب تبتدئ بالمتحرك وتقف على الساكن، تقول في الوقف: هذا زيد، ومررت يزيد، فإذا وقفت على المنصوب المنون أبدلت من تنوينه في الوقف ألفا تقول في الوقف: رأيت زيدًا، فإن لم يكن المنصوب منونًا كان الوقف عليه ساكنًا كالمرفوع والمجرور، تقول في الوقف: ضربت عمر، وأكرمت الرجل.
_________________
(١) قال ابن الخباز: واعلم أن ذكر أحكام الوقف في أوائل كتب النحو مستهجن، لأن أوائلها مبنية على مقدمات الإعراب، ثم إن سيبويه الذي لم يرتب النحو ذكر الوقف في الأواخر مجاورًا للتصريف، فما ظنك بمن رتب. وإنما جيء بالوقف في الكلام لراحة المتكلم، وحذف التنوين من الموقوف عليه، لأنه لو أثبت لالتبس بالنون الأصيلة، هذا قول سيبويه. وحذف الحركة، لأن السكون أشد تحصيلًا لراحة المتكلم، وإنما ابتدأوا بالمتحرك، لأن المبتدأ بالحرف لا يأتي قبله بما يعتمد عليه ويبينه، فلو رام إسكانه لأخفاه عن السميع، والابتداء بالساكن متعذر، وقيل: إنه ممكن في اللغة الفارسية، واللغة الشائعة إسكان المرفوع والمجرور / في الوقف، لأنهم لو أبدلوا من تنوين المرفوع واوًا لثقل عليهم، ولو أبدلوا من تنوين المجرور ياء لالتبس بالمضاف إلى ياء المتكلم، وإنما أبدلوا من تنوين المنصوب ألفًا، لأن الألف أخف من الواو والياء. وإنما كان غير المنون ساكنًا في الأحوال الثلاث، لأنه ليس ثم تنوين فيبدل منه. ومثل: بعمر والرجل، لأن عمر غير منصرف، والرجل لا يدخله التنوين من أجل لام التعريف. وقوله: (كان الوقف عليه ساكنًا) ساكن فيه حال من الهاء، ولا يكون خبر كان، لأن الوقف ليس بتساكن، إنما الساكن الموقوف عليه.
[ ٧٨ ]