قال ابن جني: وهو ثلاثة أضرب تنقسم بأقسام الزمان: ماض، وحاضر، مستقبل. فالماضي: ما قرن به الماضي من الأزمنة نحو قولك: قام أمس وقعد أول من أمس، والحاضر: ما قرن به الحاضر من الأزمنة نحو قولك: هو يقرأ الآن، وهو يصلي الساعة. وهذا اللفظ قد يصلح أيضًا للمتسقبل مجازًا واتساعًا إلا أن الحال أولى به من الاستقبال تقول: هو يقرأ غدًا، ويصلي بعد غد، فإن أردت إخلاصه للمستقبل أدخلت في أوله السين أو سوف فقلت: سيقرأ غدًا، وسوف يصلي بعد غد.
والمستقبل: ما قرن به المستقبل من الأزمنة نحو قولك: سينطلق غدًا، وسوف يقوم غدًا، وكذلك جميع أفعال الأمر والنهي: قم غدًا ولا تقعد غدًا.
_________________
(١) (باب الأفعال) قال ابن الخباز: الأفعال مشتقة من المصادر، وفائدة الاشتقاق: الدلالة على اقتران الأحداث بالأزمنة المحصلة من ماض وحاضر ومستقبل. وانقسامها إلى ثلاثة أقسام ضروري، وذلك لأن الفعل لا يخلو من أن يكون زمان الإخبار به زمان وجوده أو غير زمان وجوده، فإن كان الأول: فهو الحال. وإن كان الثاني: فلا يخلو زمان وجوده من أن يكون وجوده مترقبًا أو متقضيا، فالأول /: المستقبل، ١٧/ب والثاني: الماضي. وهذا الحصر ضروري، لأنه دائر بين النفي والإثبات. واختلف النحويون في الأصل من الأقسام الثلاثة، فقال قوم: الماضي هو الأصل، لأنه يكون مجردًا من الزيادة ثم تلحقه زيادات المضارعة، والأصل عدم الزيادة. وقال قوم: الأصل فعل الحال، لأنه موجود والماضي والمستقبل معدومان، ولا شبهة في أن الموجود أقوى من المعدوم. وقال قومك المستقبل هو الأصل، لأن العدات به تكون وهو يصير إلى الحال ثم إلى الماضي. والماضي ثلاثة أقسام: ماضٍ في اللفظ والمعنى: وهو الفعل المبني على الفتح المجرد =
[ ١٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = من الزيادة، الذي لم تلحقه قرينة تخرجه عن موضوعه كقولك: قام وجلس، وتعرف بقاءه على أصله بصحة اقتران الزمان الماضي به، كقولك: قام أمس وقعد أول من أمس. وماض في اللفظ دون المعنى: وهو هذا الفعل إذا لحقه حرف الشرط كقولك: إن قام زيد جلس عمرو، فاللفظ (ماض) والمعنى مستقبل، لأنه يصح أن يقول: إن قام زيدًا غدا جلس عمرو بعد غد، فتقرن به الزمان المستقبل. وماض في المعنى دون اللفظ: وهو المضارع الذي دخلت لم كقولك: لم يفعل، ويدلك على أنه ماض في المعنى أنك تقول: لم يقم زيد أمس، فتقرن به (الزمان) الماضي. قال أبو علي: ولو كان المعنى كاللفظ لم يجز هذا كما لا يجوز تقوم زيد أمس. والحاضر هو الفعل الذي في أوله زيادة المضارعة، وكان زمان الإخبار به زمان وجوده كقولك: يصلي ويقوم ويقرأ، تقول ذلك وهو في الصلاة والقيام والقراءة. وأكثر ما يمثل النحويون بالأفعال التي لها أجزاء متصلة كالأفعال الثلاثة التي ذكرناها، لأنهم ١٨/أيقصدون / بيان الحال، وذلك لا يبين إلا بالأفعال المتصلة الأجزاء. والمضارع مشترك بين زماني الحال والاستقبال، فإن تجرد من القرائن اللفظية والمعنوية حمل على الحال، لأن الفعل خبر، والأصل في الخبر أن يكون صدقًا، وذلك إنما يتحقق في الحال وإن عرضت له قرينة لفظية أو معنوية تخصصه بأحد الزمانين تخصص به، فالقرينة المعنوية المخصصة بالحال كقولك مخبرًا عن نفسك: أجلس وأنت في الجلوس، والقرينة المعنوية المخصصة بالاستقبال كقولك: يقدم زيد وهو غائب، واللفظية المخصصة بالحال كقولك: يقوم الآن ويصلي الساعة، والأصل في «الآن» أن يطلق على زمان الحال، ويجوز إطلاقه على الماضي والمستقبل القريبين من الحال كقوله سبحانه: ﴿الآن خفف الله عنكم﴾. وقوله: ﴿فمن يستمع الآن﴾ واللفظية المخصصة بالاستقبال كقوله تعالى: ﴿سيقولون ثلاثة﴾ والقرائن اللفظية المخصصة بالحال: «ما» النافية، والساعة والآن، ولام الابتداء والمخصصة بالاستقبال: السين وسوف وأن ولن وكي وإذن=
[ ١٠١ ]