قال ابن جني: معنى الإمالة: هو أن تنحو بالفتحة نحو الكسرة، فتميل الألف نحو الياء، لضرب من تجانس الصوت، وذلك قولك في عالم: عالم، وفي عابد: عابد، وفي سالم: سالم، وفي جالس: جالس، وفي رمى: رمى، وفي سعى: سعى. والأسباب التي تجوز لها الإماة ستة: وهي الكسرة، والياء، وأن تكون الألف منقلبة عن الياء، أو بمنزلة المنقلبة عن الياء، أو لأن الحرف الذي قبل الألف قد ينكسر على حال، أو إمالة الكسرة، نحو قولك: في حائد: حائد، وفي عابد عابد، أملت الألف لكسرة الهمزة بعدها. وكذلك واحد وعالم، وكذلك كتاب وحساب/
والياء نحو قولك في شيبان: شيبان وفي قيس عيلان: قيس عيلان. ولألف المنقلبة عن الياء نحو قولك في سعى: سعى وفي يدعى: يدعى، وفي يشقى: يشقى لقولك: سعيت، ويدعيان ويشقيان، وكذلك نحوه.
_________________
(١) وهل قمت في إظلالهن عشية مقام أخي البأساء واخترت ذلك ويجوز إفراد الكاف، وأنت تخاطب غير الواحد كقوله تعالى: ﴿كذلك كنتم من قبل﴾ ولا يجوز أن تقول: «يا رجال غلامك حاضر» لأن هذه اسم بابها التثنية والجمع وتلك حرف، والباب في الحروف أن لا تغير، ومن تأمل ما ذكرته في المضمرات وأسماء الإشارة من التصرف عرف تعليل هذه المسائل ولدلك عن إعادته. (باب الإمالة) قال ابن الخباز: الإمالة في الأصل: مصدر قولك: أملت الشيء أميله إمالة، إذا عدلت به إلى الجهة التي هو فيها. وهي عند النحويين: عبارة عن أن تنحو بالفتحة
[ ٥٩٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = نحو الكسرة وبالألف نحو الياء، وحقيقة ذلك أن تشرب الفتحة والألف شيئًا من صوت الكسرة والياء، فتصير الفتحة بينها وبين الكسرة، والألف بينها وبين الياء، فمثال إشراب الفتحة صوت الكسرة قولك: «مررت بالبقر، وعجبت من الضرر» أشربت فتحة القاف والراء صوت الكسرة، وقالوا: «رأيت خبط الريف» فأمالوا الطاء لكسرة الراء، ومثال إمالة/ الألف قولك: «عالم وعابد وسعى ورمى» ومتى أملت الألف أملت الفتحة التي قبلها، لأنه لا يمكن إمالتها إلا بإمالة الفتحة. والإمالة لغة قيس وأسد وتميم، والتفخيم لغة أهل الحجاز، وهو الأصل، لأن الألف إذا لم تمل كانت حقيقية، وإذا أميلت ترددت بين الألف والياء، والأصل في الحرف أن يمازج صوته صوت غيره، ونظير الإمالة في تقريبهم الحرف من الحرف لتجانس الصوتين قولهم: «صدر» فأشربوا الصاد صوت الزاي، لأن الصاد مهموسة والدال مجهورة، فأشربوا الصاد صوت الزاي، لأنها توافق الدال في الجهر والصاد في الصفير، فكذلك قالوا: عالم، فأمالوا الألف ليتناسب الصوتان، لأن الألف تستعلى إلى الحنك الأعلى، والكسرة تنزل إلى وسط اللسان، فجذبوا الألف إلى خير الكسرة ليكون العمل من موضع واحد. ولما كان الغرض بالإمالة مجانسة الألف للياء اعتبرت في الإمالة، فلابد للإمالة من سبب يتعلق بالياء على وجه «ما» والأسباب ستة: الكسرة: وتجويزها للإمالة، لأنها بعض الياء: وهي أقوى من الكسرة، لأن الكسرة إنما جوزت، لأنها بعضها، وانقلاب الألف عن الياء. والمقصود بالإمالة فيه التنبيه على الأصل. وكون الألف بمنزلة الألف المنقلبة عن الياء، والمقصود الإيذان بالمشابهة وأن يكون الحرف الذي قبل الألف منكسرًا في حال والمقصود بالإمالة التنبيه على حركة الحرف الذي انقلبت عنه الألف، لأن كسرة الحرف الذي قبله منقولة عنه إليه. والإمالة للإمالة، والغرض منه تجانس الصوتين. أما الكسرة: فتكون قبل الألف وبعدها، فإذا كانت قبلها فلها حالتان:
[ ٦٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = إحداهما: أن تكون في مجاور مجاور الألف، وذلك نحو: كتاب وحساب، وأهل العراق يسرفون/ في إمالة هذا النحو من الأسماء حتى يجعلوا الألف ياء محضة وهو من اللحن الفاحش، لأنه خارج عن كلام العرب. الثانية: أن يكون بين الكسرة والألف حرفان أولهما ساكن، وذلك قولك في شملال ومفتاح: شملال ومفتاح. وإذا كانت بعدها، شرط فيها أن تكون مجاورة الألف، تقول في عابد: عابد، وفي حايد: حايد، وهو اسم فاعل من «حاد يحيد» إذا عدل. فإن حال بينها وبين الألف حرف مفتوح أومضموم امتنعت الإمالة كقولك: مررت بتابل وعجبت من آجر، لأن الضمة والفتحة مجاورتان للألف فمناسبتهما لها في الاستعلاء أولى. وأما الياء: فتميل إذا كانت قبل الألف، ولها حالتان: إحداهما: أن تكون مجاورة الألف، تقول في «سيال وضياح: سيال وضياح والثانية: أن يكون بينها وبين الألف حرف كقولك في «شيبان وعيلان»: «شيبان وعيلان»، وإنما جازت الإمالة، لأن الياء ساكنة، والحاجز قليل، وشيبان: رجل من بكر بن وائل وهو شيبان بن ثعلبة، ويجوز أن يكون فعلان من الشيب. وقال لنا الشيخ ﵀: إن أصله: شيبان فحذفت عين الفعل. وعيلان بالعين المهملة: وهو لقب إلياس بن مضر، وكان متلافًا فكلما أعسر أتى أخاه إلياس فأعطاه مالًا، فقال له مرة: غلبت عليك العيلة فأنت عيلان، والعيلة: الحاجة وفي التنزيل: ﴿ووجدك عائلًا فأغنى﴾.
[ ٦٠١ ]
قال ابن جني: والألف التي بمنزلة المنقلبة عن الياء نحو قولك في حبلى: حبلى، وفي سكرى: سكرى وفي حباري: حباري، لأنك لو اشتققت منه فعلًا بالزيادة لقلت: حبليت وسكرت وحبريت.
وكذلك كل ألف تجاوزت الثلاثة: الألف التي يكسر ما قبلها في بعض الأحوال، نحو قولك في خاف: خاف، وفي صار: صار، لقولك: خفت وصرت.
الإمالة للإمالة نحو قولك: رأيت عمادًا، أملت فتحة الميم لكسرة العين، ثم أملت فتحة الدال للإمالة قبلها، وكذلك كتبت كتابًا وعملت حسابًا.
_________________
(١) قال ابن الخباز: وأما الألف المنقلبة، فلا تخلو من أن تكون عينًا أو لامًا، فإن كانت عينًا أميلت إن كانت منقلبة عن الياء، تقول في «ناب وعاب»: «ناب وعاب» لقولك: أنياب وعيوب، وإن كانت من الواو: لم تمل، وذلك نحو «باب ومال»، وقد أميلا على جهة الشذوذ قالوا: مررت ببابه، وأخذت من ماله. وأما الفعل فسيأتي/ حكمه. وإن كانت لامًا: فإن كانت في الاسم أو الفعل، وهي منقلبة عن الياء أميلت، فالفعل: نحو سعى، ورمى، والاسم: نحو الفتى والرحا كقولك: «سعيت ورميت» «والفتيان والرحيان» ولذلك أميل: يدعى ويشقى، وإن كانتا من بنات الواو، لأن الواو لما وقعت رابعة انقلبت ياء، ألا ترى أنك تقول في الاثنين: يدعيان وتدعيان ويشقيان وتشقيان؟ وإن كانت من الواو: لم تمل في الأسماء نحو: الرجا والمنا، كقولك: رجوان ومنوان، وأميلت في الأفعال نحو: غزى ودعى تقول: دعى وغزى، لأن هذه الألف تنقلب ياء، والكلمة على هذه العدة كقولك: دعي وغزي وليس كذلك «الرجا والمنا» من بنات الواو من الأسماء، لأن ألفه تنقلب ياء، والكلمة متجاوزة ثلاثة أحرف، كقولك في التصغير: «رجي ومني». وأما الألف التي بمنزلة المنقلبة عن الياء: فهي ألف التأنيث نحو حبلى وسكرى وحبارى، فهذه ليست بمنقلبة عن شيء، لأنها مزيدة من أول وهلة للتأنيث، وإنما
[ ٦٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = جعلت بمنزلة المنقلبة عن الياء، لأنك لو اشتققت نم حبلى وسكرى فعلًا، ومن حبارى بإسقاط الألف الثالثة وإبقاء الألف الأخيرة، لوجب أن نقلبها ياءً إذا أسندت الفعل إلى ضميرك، فقلت: حبليت وسكريت وحبريت، وإنما وجب ذلك، لأنها تقلب في المضارع ياء لإنكسار ما قبلها كقولك: يحبلي ويسكري وتحبري، ألا ترى أنهم قالوا: أخليت وأعليت، وهو من الواو، والأصل أخلوت وأعلوت فبنوهما على المضارع، لأنهم يقولون فيه: يخلي ويعلي، فقلبوا الواو ياء في الماضي، وإن شئت قلت: أميلت ألف التأنيث، لأنه تنقلب في التنثية والجمع بالألف والتاء ياء، تقول: سكريان وحبليات وحباريات وقد شرحت علة ذلك في باب/ جمع التأنيث. وأما الألف التي ينكسر ما قبلها في بعض الأحوال: فقد مثلها أبو الفتح يخاف وهاب وصار، وأما تمثيله بخاف، فجيد، لأن الألف واوية، فهي بعيدة من الإمالة، وإنما سوغ إمالتها انقلابها عن حرف مكسور، لأن الأصل «خوف» كعلم فإذا أسندت الفعل إلى الضمير قلت: خفت، فكسرة الخاء هي كسرة الواو محولة وهذا معنى قوله: (ينكسر ما قبلها في بعض الأحوال). وأما تمثيله «بهاب وصار»: ففيه نظر، لأن «هاب وصار» من بنات الياء كقولك: «هيبة ومصير» فتكون الإمالة لأن الألف يائية، لا للكسرة، وسمع كثير، وهو يقول: صار في مكان كذا بالإمالة. وأما الإمالة للإمالة: فنحو قولك: رأيت عمادا في الوقف، وكذلك كتبت كتابًا وعملت حسابًا. فإن قلت: أي الإمالتين السبب؟ قلت: الأولى، لأنك أملت ميم عماد لكسرة العين، وأملت الألف المبدلة من التنوين في الوقف، لئلا يخرج من إمالة إلى تفخيم. ولا يجوز أن تفخم الأولى وتميل الثانية، لأنه ليس لإمالتها سبب، وأما قراءة من قرأ: ﴿واليتامى﴾ ﴿والنصارى﴾ بإمالتين فإن الأولى مسببة عن الثانية =
[ ٦٠٣ ]
قال ابن جني: واعلم أن في الحروف: حروفًا تمنع الإمالة في كثير من المواضع، وهي حروف الاستغلاء وعدتها سبعة: وهي الصاد، والضاد، والطاء، والظاء، والغين، والخاء، والقاف، إذا كان واحد من هذه الحروف قبل الألف أو بعدها، مفتوحًا، أو / مضمومًا، منع الإمالة، فالذي هو قبل الألف نحو قولك: صالح، وضامن، وطالب، وظالم، وغالب، وخالد، وقاسم، وقول العامة: فلان قاعد خطأ منهم فاحش. وأما إذا وقعت هذه الحروف بعد الألف فنحو: حاصل، وفاضل، وعاطل، ومتعاظم، وساحل، وشاغل، ونافق، وكذلك: التواصل، والتواقع، والتنافق، فإن كل شيء من هذه الحروف مكسورًا قبل الألف لا بعدها جازت معه الإمالة، وذلك نحو: ضفاف، وقفاف، وخفاف، وطلاب، وغلاب.
_________________
(١) = لأن الألف الأخيرة أمليت لكونها خامسة، فهي معرضة للانقلاب عن الياء. وها هنا سببان آخران لم يذكرهما أبو الفتح: أحدهما: إمالة ما قبل هاء التأنيث وقد أمالت القراء خمسة عشر حرفًا قبل هاء التأنيث في الوقف يجمعها: «فجئت زينب لذوذ شمس» كقولك: «نطفة وبهجة ومبثوثة وبغتة وعزة وراضية وجنة وحبة وأذلة ولذة وقوة والعدة وعيشة ورحمة والمقدسة». الثاني: مشاكلة رؤوس الآي، كقوله تعالى: ﴿والشمس وضحاها * والقمر إذا تلاها﴾ أمال ضحاها/ وهو من بنات الواو، ليشاكل تلاها، وقد عرفت أن الاسم من الواو لا يمال، والفعل من الواو يمال. قال ابن الخباز: واعلم أنه يعرض لها موانع كما عرضت لها أسباب، وموانعها ثمانية أحرف، حروف الاستعلاء السبعة، والراء. فالمستعلية: الصاد، والضاد،
[ ٦٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والطاء، والظاء، والخاء، والغين، والقاف، وإنما سميت مستعلية، لأن اللسان يصعد معهن إلى الحنك الأعلى، وأنا أذكر مخارجهن لتفهم حقيقة الاستعلاء فيهن، «فالصاد» تخرج من طرف اللسان، وفويق الثنيتين السفليين، «والضاد» تخرج من أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس، وهي من الجانب الأيسر أسهل، وقال صاحب الكشاف: إن عمر بن الخطاب ﵁ كان قادرًا على إخراجها من كلتا لجهتين «والطاء» تخرج من طرف اللسان وأصل الثنيتين العليين «والظاء» تخرج من طرف اللسان وطرف الثنيتين العليين «والغين» تخرج من أدنى الحلق إلى الفم. والقاف تخرج من أقصى اللسان وما يليه من الحنك الأعلى «والخاء» أعلى من الغين بقليل. فهذه الحروف إن كانت قبل الألف تليها منعت الإمالة كقولك: «صالح وضامن وطالب وظالم وخالد وغالب وقاسم» وكذلك إذا كانت بعد الألف تليها نحو: حاصل وفاضل وحاطم وناظم وباخل وواغل وناقف. وكذلك إذا كانت بعد الألف بحرف (نحو): ناهض وفاحص وشاحط ولافظ وسالخ وسالغ ونافق». وكذلك إذا كانت بعد الألف بثلاثة أحرف أوسطها ياء كقولك: معاريض، ومعاريص، ومناشيط، ومواعيظ، ومنافيخ، ومباليغ، ومفاريق. وإنما منعت هذه الحروف الإمالة، لتجانس الصوت، كما أمليت/ فيما تقدم طلبًا لها، لأن هذه الحروف تصعد وتستعلي إلى الحنك الأعلى، كما تستعلي الألف وتصعد إليه، فلو أمليت في نحو: واقد لكنت مصعدًا بعد انحدار، لأنك بالإمالة تنحدر وبالمستعلي تصعد وذلك شاق، قال سيبويه: «ولا نعلم أحدًا يميل هذه الألف إلا من لا يؤخذ بلغته» وقول العامة: فلان قاعد خطأ منهم فاحش، لأن العرب لا تقول ولا تميله، وقال لي بعض البغداديين: «أنتم تلحنون لأنكم
[ ٦٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = تميلون قاعدًا» فقلت له: «لحنكم أقبح من لحننا، لأنا نحن نميل ألفه وأنتم تقلبوها ياء». وإذا كان «حاصل» ونحوه لا يمال مع أن المستعلي مكسور، فألا يمال فتح فيه المستعلى أو انضم أولى، وذلك نحو: تفاصل، وتفاضل، وتباطش، وتعاظم، وتباخل، وتشاغل، وتناقل. وكذلك: تحامص، وتناهض، وتباسط، وتلافظ، وتناسخ، وتبالغ، وتساوق». والمفتوح نحو: مناصب، ومباضعة، ومشاطرة، ومواظبة، ومفاخرة، ومشاغبة، ومناقلة، وكذلك: «مفاحصة، ومناهضة، ومباسطة، ومغايظة، ومناسخة، ومبالغة، ومعالقة». وإنما مثلت هذا كله، لأن أبا الفتح تعرض لبعضه فأكملت تمثيله، فإن كان واحد من الحروف المستعلية مكسور قبل الألف بحرف لم تمتنع الإمالة، وذلك نحو: صباح وضعاف وطلاب وظلال وخلال وغلال وقلال، وإنما جازت الإمالة لأن المستعلى متقدم، فإذا أملت انحدرت بعد إصعاد، وذلك أخف عليهم من الإصعاد بعد الانحدار، والدليل عليه: أنهم قالوا في «سبقت وسويق» «صبقت وصويق». فأبدلوا من السين صادًا، لأن بعدها القاف المستعلية، فلو جمعوا بين السين والقاف لأصعدوا بعد انحدار، فأبدلوا من السين صادًا، ليكون العمل من موضع واحد فيصعدوا/ مع الحرفين. وقالوا: «قشور وقاسم»، فلم يبدلوا من السين صادًا، لأن البداءة بالمستعلى والتثنية بالمستفل فصار انحدارًا بعد إصعاد، وقد لمح هذا المعنى البحتري في شعره، فقال:
(٢) ومصعد في هضاب المجد يطالعها كأنه لسكون الجاش منحدر
[ ٦٠٦ ]
قال ابن جني: فإن كانت بعد الألف راء مكسورة، جازت إمالة الألف، وإن كانت قبل الألف هذه الحروف غير مكسورة وذلك نحو: «ضارب، وصارم، وطارد، وظافر، وخارب، وغارم، وقادر». قال الشاعر:
عسى الله يغني عن بلاد ابن قادر بمنهمر جون الرباب سكوب
فإن كانت الراء مضمومة أو مفتوحة، منعت الإمالة كما/ تمنع المستعلية وذلك نحو: رأيت فراشًا، وهذا سراج، وهذا حمار، ورأيت حمارًا.
_________________
(١) = فإن كان المستعلى ساكنًا وقبله حرف مكسور، وذلك نحو: مصباح ومضحاك ومطعام وإظلام وإخلاف ومعناج ومقلات، فإن العرب مختلفون فيه: منهم من يميله، ومنهم من يفخمه، فمن أمال: احتج بأن الكسرة التي تجاور المستعلي كأنها فيها فصار «مصباح كصباح» وكذلك البواقي، ومن فخم: احتج بأن الفتحة التي في الحرف الذي بعد المستعلى كانها فيه فصار مغناج كغزالوكذلك البواقي. قال ابن الخباز: وأما الراء فليست بحرف مستعل، وإنما هي مكررة، وإنما سميت مكررة، لأنك إذا نطقت بها تعثر طرف اللسان فكنت كالناطق براءين، ومن حكمها في الإمالة: أنها تمنع كمنع المستعلية في بعض المواضع، وتغلب المستعلية في بعض المواضع، فمن مواضع غلبتها: أنها إذا كانت مكسورة بعد الألف التي بعد المستعلية جازت إمالتها، وذلك نحو: صارف، وضارب، وطارد، وخارج، وغارب، وقارب. وكذلك إن كانت الراء بعد الألف بحرف، نحو: صادر وضامر وطاهر وظافر وخاسر وقادر وغادر، وقرأ أبو عمرو: ﴿ثاني اثنين إذ هما في الغار﴾، ﴿وما للظالمين من أنصار﴾، ﴿إن في ذلك لعبرة لأولى الأبصار﴾ و﴿إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور﴾ وقال
[ ٦٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = هدبة بن خشرم:
(٢) إنا وجدنا العجز ذي ابن عامر نسيب العميريين شر نسيب عسى الله يغني عن بلاد ابن قادر بمنهمر جون الرباب سكوب المنهمر: المنصب، والجون: الأسود، والرباب/: سحاب صغار يتعلق بالسحاب الأعظم، قال الشاعر:
(٣) كأن الرباب ذوين السحاب نعام يعلق بالأرجل وإنما غلبت الراء المستعلية: لأنها لما كانت مكررة كانت كسرتها بمنزلة كسرتين. فإن كانت الراء مفتوحة قبل الألف تليها: كفراش وسراج وجراب منعت الإمالة، لأن فتحتها بمنزلة فتحتين، وقول العامة: فراش وسراج لحن، ويقولون: «سراج» فيخطئون من وجهين: أحدهما: إمالة السراج. والثاني: أنهم يعنون بالسراج الوعاء الذي فيه القتيل، وإنما ذلك المشرجة، والسراج: الفتيل المشتعل، ويكفيك دليلًا على خطئهم قوله تعالى: ﴿وجعل الشمس سراجًا﴾ ولم تمنع الراء لأنها مستعلية، وإنما شبهت بالمستعلى للتكرير، وبعض اللثغ بجعلها ياء، فيقول «وجئت ميه» أي: مرة، وأكثر لثغة الناس فيها أنهم يجعلونها غينًا، وكذلك كان أبو بكر بن السراج، ﵀، وأنشد أصحابه يومًا قول ذي الرمة:
(٤) ويوم يزير الظبي أقصى كناسه وتنزو كنزو المعلقات جنادبه فقال: يزيغ فكتبوها بالغين، فقال: بالغاء بالغاء. فإن كانت بعد الألف مضمومة أو مفتوحة منعت الإمالة، لأن ضمتها بمنزلة
[ ٦٠٨ ]
قال ابن جني: فإن كانت قبل الألف راء مفتوحة، وبعدها راء مكسورة، غلبت المكسورة المفتوحة فجازت الإمالة، وذلك قولك: جئتك في سرار الشهر، وهذا من شرار الناس، قال الله ﷿: ﴿وإن الآخرة هي دار القرار﴾.
وقد اطردت الإمالة في الفعل، وإن كانت فيه حروف الاستعلال لتمكن الفعل في الاعتلال، وذلك نحو: سقى وقضى وغزى ودعا، وهو يشقى والأشقى. ولا تمال الحروف لبعدها من الاشتقاق، إلا أنهم قالوا: «بلى» لأنها قويت لما قامت بنفسها. وقالوا: يا زيد، فأمالوا أيضًا، لأنها قويت لما نابت عن الفعل أي: أدعوا زيدًا، أو أنادي زيدًا. وكذلك الأسماء الموغلة في شبه الحرف نحو: إذا ولدا وعلى، وأني، وأمالوا «متى، وأني، وذا» فأمالوا حملًا على الأسماء.
_________________
(١) ضمتين وفتحتها بمنزلة فتحتين، تقول: «هذا حمارك، ورأيت حمارك». وإن كانت مكسورة: جازت الإمالة كقولك: مررت بحمارك، لأنها إذا غلبت المستعلى فغلبتها غير المستعلى أولى، وقرأ أبو عمرو: ﴿عذاب النار﴾، ﴿والمستغفرين بالأسحار﴾ / ﴿وانظر إلى حمارك﴾، ﴿والجار ذي القربى﴾ وهو كثير. قال ابن الخباز: فإن اكتنفت الألف راءان مفتوحة قبلها، ومكسورة بعدها، أميلت الألف، لأن الراء الأولى المفتوحة لا تكون أقوى من المستعلي، وإنما شبهت بالمستعلى وليس فيها استعلاء، وإذا غلبت المكسورة المستعلية التي تمنع الإمالة مكسورة في نحو: «حاصل». فإن تغلب الراء المكسورة الراء المفتوحة التي لا تمنع الإمالة مكسورة أولى، وذلك كقولك: جئتك في سرار الشهر «وفلان من شرار الناس» ويقرأ أبو عمرو: ﴿كنا
[ ٦٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = نعدهم من الأشرار﴾، ﴿وتوفنا مع الأبرار﴾، ﴿وإن الأخرة هي دار القرار﴾ وقد ذكرنا علته. وإذا قلت مررت بالأخبار وبسيار، فإمالته أقوى من الإمالة في قولك: مررت بحمار، لأن الألف ها هنا اكتنفتها ياء وراء مكسورة. مسألة: فعال المبنية على الكسر إذا كانت علمًا كحذام وعرار وظفار، فإن أهل الحجاز يبنونه على الكسر، وبني تميم يعربونه، ويمنعونه الصرف، إلا ما كان آخره راء نحو: عرار في اسم بقرة، «وظفار» في اسم بلد. وسألت شيخنا ﵀ عن علة موافقتهم أهل الحجاز في كسر ما آخره راء، فقال: لأن بني تميم لغتهم الإمالة فلو أعربوا ما آخره راء لضموه وفتحوه والراء تمنع الألف من الإمالة مضمومة ومفتوحة، فبنوه على الكسر لتتهيأ لهم الإمالة. واعلم أن مبنى الفعل على التصريف، ألا ترى أنه يكون منه الماضي والمضارع والأمر؟ وهذا التصرف جعله متمكنًا في باب الاعتلال، فتسلط التغيير عليه، فخالف الاسم/ في الإمالة من وجهين: أحدهما: أنه يمال وإن كانت الألف الأخيرة فيه منقلبة عن الواو، وذلك نحو: دعا وعدا، وقد ذكرت علة ذلك، ومنع ابن بابشاذ أن يمال «تاب» ونحوه مما ألفه التي هي عين منقلبة عن واو وسأل نفسه فقال: لم لا يجوز إمالته وهو إذا بني للمفعول به قلبت الألف ياء، كقولك تيب عليه؟ فأجاب: بأن بناء الفعل لما لم يسم فاعله غير لازم، والأصل بناؤه للفاعل. واعلم أن يرد عليه: دعا وغزى، وقد أميل: دعى وغزى، وله أن يفرق بأن الأطراف محال التغييرات. الجهة الثانية: أنه يمال وإن كانت فيه حروف الاستعلاء، وذلك نحو: قضى
[ ٦١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وطغى للعلة التي ذكرنا من انقلابها ياء ولا يوجد في النسخ الأشقى بالشين المعجمة. قال الجوهري: يقال شاقني فشقوته أي: غلبته في الشقاء. وما كان من الحروف آخره ألف لا يمال، وذلك نحو: «ما» و«ها» و«على» و«إلى» «وحتى». و«أما» علته: أنها صيغ جوامد لا مشابكة بينها وبين الاشتقاق، ولا أصل لألفاتها. بل هي مبنية هكذا من أول وضعها، ويدلك على أن ألفاتها لا أصول لها ما ذكره أبو الفتح في «المنصف» وهو أن ألف «ما» لو كان أصلها واوا أو ياء لقيل: مو أو مي وصحت، كما قالوا: كي لأن الحرف الثنائي مبني على السكون، فلما قالوا «ما» علمت أن الألف لا أصل لها، ولو سميت «بعلى وإلى» لم يجز إمالتهما، لأنك تجعلهما من بنات الواو أكثر. فإن قلت: فقد قالوا: عليك وإليك فقلبوا الألف ياء مع المضمر. قلت: ذلك ليس بأصل الألف، لأن هذه الياء لو كانت أصل الألف لقيل/ من غير الدخول على المضمر: على زيد، ولو سميت «بحتى» و«وأما» جازت إمالتهما لأن ألفهما رابعة، وهي تقلب «ياء» في التثنية، كما قلبت ألف حبلى فقيل: حبليان. وقد أمالوا بعض الحروف على غير قياس، فمن ذلك: أنهم قالوا: بلى، أمالها أبو بكر عن عاصم، وذلك لأنها أشبهت الفعل حيث قامت بنفسها في الجواب وأغنت عن الجملة المذكور في السؤال، وفي التنزيل: ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾ أي: بلى أنت ربنا. واختلف النحويون في «بلى» فقال البصريون:
[ ٦١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = هي مفردة وقال الكوفيون: أصلها: «بل» ضمت إليها الألف، وقول البصريين أولى، لأن الإفراد هو الأصل. وقالوا: «يا زيد» فأمالوا «يا» لأنها قويت حيث قامت مقام الفعل وقوى إمالتها أن أولها «ياء». ومما لم يذكره أبو الفتح قولهم: «افعل كذا إما لا» وتقديره: «افعل كذا إن كنت لا تفعل غيره» ومعنى هذا الكلام أن الرجل يؤمر بأشياء فلا يفعلها فيقع منه بعضها. وإنما أمالوا «لا» لأنها قامت مقام الفعل المحذوف، ولا يفعلون هذا بها في كل موضع (قامت» فيه مقام محذوف، ألا ترى أنك تقول في الجواب «لا» فلا تميل، وإن قامت مقام الجملة. والأسماء الموغلة في شبه الحروف كالحروف في منع الإمالة، وذلك نحو: إذا ولدى وعلى إذا كانت اسمًا، وذلك لأن ألفاتها لا أصل لها، والعلة ما ذكرناه من كلام أبي الفتح في «ما» فليستعمل ها هنا، والعجم يميلون «إذا» وهو لحن، وبعض أهل العراق يميلون «على» وهو لحن أيضًا، وبعضهم يميل «إلى» وهو لحن أيضًا. وقد أمالت (القراء) «متى، وذا، وأنى» أما «متى»: فلأنه يوصف به ويصغر/ فتصرف تصرف (الأسماء) المتمكنة. وأما «أنى»: فلأن ألفها رابعة، وهي تقوم بنفسها في الاستفهام، وقرأ أبو الحسن: ﴿أنى صببنا الماء صبًا﴾ وهو استفهام على سبيل استعظام الأمر، حكى القراءة صاحب الكشاف، ودلك على أن الأسماء الموغلة في شبه الحروف مثلها في منع الإمالة أنهم لا يميلون «إيا» مع أن فيه ثلاثة أشياء تحسن الإمالة: انكسار أوله، ومجاورة يائه الألف، ووقوع ألفه
[ ٦١٢ ]
قال ابن جني: وقد أمالوا بعض الكلام على غير قياس، قالوا: عندي ناس، وقال العجاج والحجاج وذلك لكثرة الاستعمال لا غير.
انتهى اللمع، وفرغ منه نسخًا بتاريخ الأربعاء ثالث عشر من شعبان سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، غفر الله له ولوالديه ولمن نظر فيه، ودعا له بالمغفرة والرحمة ولجميع المؤمنين.
_________________
(١) رابعة. فتأمل هذه التنبيهات فإنها معينى على استنباط التعاليل. قال ابن الخباز: وقد شذت أشياء من الإمالة لا يقاس عليها، لأنها مخالفة للقواعد المبنية فمن ذلك قولهم: العشى والمكا، فأمالوهما، وهما من بنات الواو، والعشى: ضعف البصر وقرئ: ﴿فأعشيناهم﴾ ويدلك على أنه من (بنات) الواو قولهم: عشواء. والمكا: جحر الضب، وهو من بنات الواو لقولهم في التثنية مكوان، قال الشاعر: أنشده الجوهري:
(٢) كأن خليفي زورها ورحاهما بنى مكوين ثلما عند صيدان وقالوا: ألكبا للكناسة وهو من (بنات) الواو، لأنه مشتق من الكبوة وقالوا الربا وهو من (بنات) الواو، يقال: ربى الشيء يربوا، والذي جرأهم على إمالته أن أوله راء مكسورة، وقالوا: ناس فأمالوه في موضع الرفع، والألف زائدة، لأن أصله «أناس» ولما حذفوا الهمزة ألزموه الألف واللام عوضًا، والذي جاء في القرآن منه معرف باللام. وقال عمران بن حطان:
[ ٦١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ٥٢٣ - أنكرت بعدك من قد كنت أعرفه ما الناس بعدك يا مرداس بالناس ويقل استعمالهم إياه بالألف واللام إذا ردوا الهمزة/ كقول الشاعر:
(٢) إن المنايا يطلعـ ـن على الأناس الآمنينا وقد يستعملونه مع حذف الهمزة بغير لام، وهو قليل. قال أبو خراش الهذلي:
(٣) إذ الناس ناس والزمان بقرة وإذ نحن لا تذوى علينا المداخل وقالوا: الحجاج والعجاج، فأمالوهما علمين في الرفع والنصب، وذلك لأن الأعلام موضوعة على التغيير، والتغيير يونس بالتغيير، فإن كانا صفتين لم يمالا إلا في موضع الجر، والحجاج: فعال من حج يحج إذا قصد، أو من حج إذا غلب بالحجة، أو من حججت الشجة إذا سبرتها بالمثل لتعلم عمقها، قال أبو ذؤيب:
(٤) وصب عليها الطيب حتى كأنها أسي على أم الدماغ حجيج والعجاج: فعال من العج، وهو رفع الصوت، ومنه بعير عجاج، إذا كان له هدير عال، والعجاج: لقب أبي رؤبة، قال رؤبة:
(٥) قدنوه العجاج باسمى فادعني به إذا ناديت باسمي تكفني
[ ٦١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وسمعت في بعض (المجالس) الأدبية أن اسمه عبد الله بن الطويل. فأما قول أبي الفتح ﵀: (وذلك لكثرة الاستعمال لا غير) فيريد أن الشيء إذا كثر في كلامهم تصرفوا فيه كما قال أبو على. وإذا لم تكثر الكلمة لم يكثر التصرف فيها. هذا آخر ما عمدت لإملائه من شرح كتاب «اللمع» وقد جئت به كما ضمنت في خطبته، ومن تصفحه وتأمله علم صدق دعواي/ ولم أستعن في مدة إملائه عليه بمطالعة كتاب، وقد أودعته نبذًا مما رويته عن شيخي مجد الدين ابن أبي حفص عمر بن أحمد بن أبي بكر بن مهران، برد الله مضجعه وطيب مهجعه، فإن حالي معه كما أنشد الإمام عبد القاهر الجرجاني:
(٢) وكم سبقت منه إلى عوارف ثنائي من تلك العوارف وارف وكم غرر من بره ولطائف لشكري على تلك اللطائف طائف ومن عثر لي في هذا الإملاء على عثرة فليكن العاثر عذارًا، غافرًا لزلها، وسادا لخللها فإن السعيد من عدت سقطاته، وما أحسن ما أنشد أبو إسحاف الزجاج في كتاب المعاني:
(٣) أردت لكيما لا ترى لي عثرة ومن ذا الذي يعطى الكمال فيكمل ويمهد عذري في التقصير أني لما فتحت باب تأليفه فجئني مرض، غشيتني به
[ ٦١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = من الغماء ما يغشى الغريق من الماء، أشمت بي العدا، وكدت منه أسلم النفس إلى الردى، فلما وطنت النفس على البأساء، وقلت لها: إن الجزع من شيم النساء وأنشدتها قول أبي تمام:
(٢) خلقنا رجالًا للتجلد والأسى وتلك الغواني للبكا والمآتم رميت الجزع بسهم الهجر، وأعرضت عنه رجاء الأجر، فما تجاوزت ذلك الزمان بنغبة طائر خائف إلا وقد رذى بعض من يعنيني أمره من أهلي بمرذئة: استعذب (بها) أمر الحمام، وآثر على برد الماء حر السمام، فقلت:
(٣) مصائب شتى جمعت في مصيبة ولم يكفها حتى قفتها مصائب وأنا مع ذلك بين أهل بدة تجعل رؤيتهم الذكي بليدًا، ينفرون/ من الفضائل وأهلاه نفور الضب من البحار، والنون من البيد القفار، كلما زاد المرء بينهم فضلا زاد عندهم نقصًا، وقرأ مساعفتهم له: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ يبتغون الشكر على الأذى، وتنيور العيون بالقذى، والموت دون الحكم بذا، واللائق أن تطوى أحوالهم على غرها خوفًا من عدوى عرها، فأسأل الذي صان أوجهنا عن السجود لغيره أن يصون ألسنتنا عن السؤال لغيره، وأن يعرفنا عيوب أنفسنا، ويشغلنا بسترها، وأن يفتح علينا أبواب رزقه العميم ومنه الجسيم، وأن يجمع لنا بين العلم والعمل، وأن يحقق لنا هذا الأمل، وأن يصلي على نبيه محمد الذي أرسله شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، وعلى آله الهادين وأصحابه المهديين، وأن يجعل ما أمليته خالصًا لوجهه الكريم، إنه أكرم مسئول، ولديه تحقيق كل مأمول. فهو حسبي ونعم الوكيل، غفر الله لكاتبه ولوالديه ولأولاده ولذريته ولمن أعان على نسخه ولمن نظر فيه ودعا لهما بالمغفرة ولجميع المسلمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
[ ٦١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ووافق الفراغ من نسخ هذا الكتاب يوم الخميس سادس عشر المحرم سنة ست وثمانين وسبع مائة، ٧٨٦ هـ.
[ ٦١٧ ]