قال ابن جني: ومعنى الاستثناء: أن تخرج شيئًا مما أدخلت فيه غيره، أو تدخله فيما أخرجت منه غيره، وحرفه المستولى عليه إلا، وتشبه به أسماء وأفعال وحروف.
فالأسماء: غير، وسوى. والأفعال: ليس، ولا يكون، وعدا، وحاشى، ١٩/أوخلا /. والحروف: حاشا، وخلا، فإذا استثنيت بإلا من موجب، كان ما بعدها منصوبًا على كل حال، تقول: قام القوم إلا زيدًا، ورأيتهم إلا زيدًا، ومررت بهم إلا زيدًا، فإن كان ما قبلها غير موجب، أبدلت ما بعدها منه تقول: ما قام أحد إلا زيد، وما رأيت أحدًا إلا زيدًا، وما مررت بأحد إلا زيد.
_________________
(١) (باب الاستثناء) قال ابن الخباز: وهو استفعال من ثنيت أثني إذا عطفت، وذلك لأنك إذا ذكرت المستثنى فقد عطفته عن الحكم الذي لغيره وتثنيته عنه. وقوله: (ومعنى الاستثناء أن تخرج شيئًا مما أدخلت فيه غيره أو تدخله فيما أخرجت منه غيره) يوجب دخول الاستثناء المتصل والاستثناء المنقطع تحته، ويكون في كليهما حقيقة. فالمتصل: كقولك: قام القوم إلا زيدًا، ومعنى المتصل: ٦١/أأن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه. والمنقطع: كقولك / ما فيها أحد إلا حمارًا، ومعنى المنقطع: أن لا يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، وكل واحد من المستثنيين في المسألتين يصدق عليه أنه غير ما استثنى منه، فبان أن معنى الاستثناء عنده يشمل النوعين. ومن قال في حد الاستثناء: إنه إخراج بعض من كل بمعنى إلا أو ما أقم مقامها، كان الاستثناء المنقطع عنده مجازًا، لأن المستثنى ليس بعض المستثنى منه، فإخراجك الشيء مما دخل فيه غيره كقولك: قام القوم إلا زيدًا، أخرجت زيدًا من القيام الذي حكمت به على القوم لا من القوم، ومن توهم ذلك فقد أخطأ. ألا ترى أنك لو قلت: قصدت العرب إلا قريشًا، لم تخرج قريش باستثنائها من =
[ ٢١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = العرب عن أن تكون منها، فبان أن الإخراج من الحكم لا من المحكوم. ومثال إدخال الشيء فيما خرج منه غيره: قولك: (ما) قام القوم إلا زيدًا أخرجت زيدًا من الحكم بنفي القيام المحكوم به على القوم. والاستثناء معنى فلابد له من لفظ يدل به عليه، ولو كلم من الأسماء والأفعال والحروف، فأصل كلمة «إلا»، وذلك لوجهين: أحدهما: أنها تقع حيث لا يقع غيرها فتكون في المتصل والمنقطع، وقد مثلناهما. و(الثاني: أنها) تجيء في تفريغ العامل كقولك: ما قام إلا زيد، ويظهر فيما بعدها عمل الفعل الذي قبلها وغير وسوى محمولتان عليها لما فيهما من معنى النفي، وكذلك «ليس» لأنها تنفي ما في الحال. وكذلك: لا يكون، لأنها مشفوعة بلا، ولو أسقطت «لا» منها لم يجز الاستثناء بها. «وعدا وحاشا وخلا» وإن كن واجبات في الظاهر معناهن المجاوزه، وذلك من انواع النفي فلأجل ذلك دخلن في باب الاستثناء. / ٦١/ب ولما كانت «إلا» هي الأصل وجب أن تقدم فنقول: إذا استثنيت بإلا فلا (يخلو) من أن يكون ما قبلها محتاجًا إلى ما بعدها أو غير محتاج، فإن كان محتاجًا، فسيأتي ذكره، وهو المسمى بتفريغ العامل. وإن كان غير محتاج، فلا يخلو من أن يكون الكلام موجبًا أو غير موجب، فالموجب: الخبر الثابت كقولك: قام القوم، وانطلق الناس، فإذا استثنيت من هذا اسمًا لم يكن إلا منصوبًا، متصلًا كان المستثنى أو منقطعًا، كقولك قام القوم إلا زيدًا، وذهب الحي إلا إبلهم.
[ ٢١٤ ]
قال ابن جني: ويجوز النصب على أصل الباب فتقول: ما قام أحد إلا زيدًا، فإن كان ما بعدها ليس من جنس ما قبلها، فالنصب هو الباب على كل حال. تقول: ما بالدار أحد إلا وتدًا، وما مررت بأحد إلا حمارًا. قال النابغة:
وقفت فيها أصيلالًا أسائلها أعيت جوابًا وما بالربع من أحد
إلا أواري لأيامًا أبينها والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد
فنصب أواري لما ذكرنا، وقد يجوز البدل. وإن لم يكن الثاني من جنس الأول فتقول: ما بالدار أحد إلا وتد، وذلك في لغة بني تميم، وينشدون قول النابغة:
«إلا أواري» بالرفع.
_________________
(١) قال ابن الخباز: واختلف في ناصبه، فذهب سيبويه ومن تابعه من البصريين إلى أنه منصوب بالفعل الذي قبله أو معنى الفعل بتوسط إلا، وهي والواو التي في باب المفعول معه نظيرتان، لأن كل واحدة منهما تعدى الفعل الذي قبلها إلى الاسم الذي بعدها مع ظهور النصب فيه، وحجة سيبويه أنك لو أسقطت إلا لكان الفعل غير مقتض للاسم ولا واصلا إليه. وذهب أبو العباس المبرد إلى أن «إلا» بمعنى استثنى، ويفسد قوله أن معاني الحروف لا تعمل. وذهب الفراء إلى أن الأصل: قام القوم إن لا زيدًا، فالنصب بإن، والنفي «بلا» وهذا تحكم، ويفسده أن الإفراد أصل التركيب. وذهب الكسائي إلى أن الأصل: قام القوم إلا أن زيدًا لم يقم، ويفسده ثلاثة أوجه: الإضمار: وهو على خلاف الأصل.
[ ٢١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وإعمال أن مضمرة وهي عامل ضعيف. وحذف الحرف وهو على خلاف الأصل. وتحتمل هذه المذاهب أكثر من هذا القول، ولكن لا يليق بهذا المختصر. فأما ما أنشد أبو علي من قول الشاعر: / ٦٢/أ
(٢) وبالصريمة منهم منزل خلق عاف تغير إلا النؤى والوتد فإنما رفعه، لأنه حمله على المعنى، لأنه لما استثناه من ضمير المنزل في تغير دل على أنه لم يتغير فكأنه قال: لم يتغير النؤي والوتد. فإن قلت: فلم لا يجوز الإبدال في الموجب فتقول: قام القوم إلا زيد؟ قلت: لفساد لمعنى، لأن قولك: قام القوم إلا زيد نقيض قولك: ما قام القوم إلا زيد، والنفي يدل على نفي القيام عن القوم مجتمعين ومفترقين، فينبغي أن يكون نقيضه إثباتُا لقيامهم مجتمعين ومفترقين وهو محال، لأنه جمع بين ضدين، وفي النفي لا يلزم ذلك، ألا ترى أنك تقول: هذا الثوب لا أسود ولا أبيض، لجواز أن يكون أحمر، ولا تقول: هذا الثوب أسود وأبيض، لأنه جمع بين السواد والبياض، وهو محال؟ . ولا فرق بين أن يكون المستثنى منه في الواجب مرفوعًا أو منصوبًا أو مجرورًا كقولك: قام القوم إلا زيدًا، ورأيتهم إلا زيدًا، ومررت بهم إلا زيدًا، ينصب المستثنى على كل حال، لأن البدل ممتنع لما ذكرنا. فإن كان ما قبلها غير موجب وهو استفهام أو نهي أو نفي، فلا يخلو المستثنى [من] أن يكون من جنس المستثنى منه، أو من غير جنسه، فإن كان من جنسه: أبدلته من المستثنى منه، فرفعته بعد المرفوع كقولك: ما قام أحد إلا زيد، =
[ ٢١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ونصبته بعد المنصوب كقولك: ما رأيت أحدًا إلا زيدًا، وجررته بعد المجرور، كقولك: ما مررت بأحد إلا زيد، فهذا بدل بعض من كل، والدليل على أنه بدل صحة وقوعه موقع الأول، لأنه يصح أن تقول: ما قام إلا زيد وما رأيت إلا زيدًا، وما مررت إلا بزيد. ٥٥/ب ورد الفراء والكسائي على سيبويه تسمية هذا / بدلًا، قالوا: إذا قلنا: ما قام أحد إلا زيد فالفعل منفي عن أحد، ومثبت لزيد، فكيف يكون بدلًا منه؟ وأجاب أصحابنا: بأنه يجوز أن يختلف التابع والمتبوع في الإثبات والنفي كقولنا: مررت برجل لا كريم ولا شجاع، ويجوز النصب، فتقول: ما قام أحد إلا زيدًا، وما مررت بأحد إلا زيدًا، فإذا قلت: ما رأيت أحد إلا زيدًا، كان نصبه من وجهين: البدل، والاستثناء، ويظهر أثر الوجهين في مسألة، وهي: ما أعطيت الناس درهمًا إلا زيدًا دانقًا، تجوز في البدل وتمتنع في الاستثناء. قال أبو علي في تعليل النصب: «لأن الكلام قد تم هاهنا في النفي كما تم في الإيجاب». والإبدال أجود من النصب لوجهين: أحدهما: أن المعنى واحد في النصب والبدل، وفي الإبدال مشاكلة بين إعراب المستثنى وإعراب المستثنى منه. الثاني: أن سنة من القراء قرأوا: ﴿ما فعلوه إلا قليل منهم﴾ بالرفع ولم يقرأ بالنصب إلا عبد الله ابن عامر. وإن كان ما بعدها ليس من جنس ما قبلها فللعرب فيه لغتان: أما أهل الحجاز فينصبون =
[ ٢١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = لا غير، فيقولون: ما بالدار أحد إلا وتدا، وما مررت بأحد إلا حمارًا. قال النابغة:
(٢) وقفت فيها أصيلالا أسائلها عيت جوابًا وما بالربع من أحد إلا أوارى لأياما أبينها والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد أصيلال: جمع أصيل، والأصيل بعد العشى، وعيت أصله عييت. فأدغمت، وجوابًا: منصوب على حذف الجر، أي: عيت بجواب، ويجوز أن يكون تمييزًا. والربع: منزل القوم في / الربيع، استعمال في كل منزل، والأواري: واحدها ٦٣/أآري، واللأى: البطء يقال: التأى أمره: أي أبطأ، وما: زائدة، والنؤى: حفيره تحفر حول البيت تمنع المطر منه، والمظلومة: الأرض المحفورة، والجلد: الصلبة. والمراد: أنه نصب الأوارى، لأنها ليست من جنس أحد. فإن قلت: فإذا كان المستثنى ليس من جنس الأول فما فائدة ذكره؟ قلت: فائدته إثبات معنى ممكن الوجود، تذهب نفس السامع إلى تجويزه، ألا ترى أنه إذا قال: ما مررت بأحد أجاز السامع أن يكون قد مر بحمار، لأنه لا يلزم من نفي مروره عن الأحدين نفيه عن الحمير. وقال عبد القاهر: الاستثناء المنقطع مشبه بالعطف، لأن لك عطف الشيء على ما ليس من جنسه، كقولك: جاءني رجل لا حمار، فشبهت إلا بلا، لأن الاستثناء والنفي متقاربان. ويجوز البدل في لغة بني تميم فقيل: ما مررت بأحد إلا حمار وينشدون بيت النابغة: «إلا أواري» بالرفع. قال الراجز:
[ ٢١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ١٢٩ - وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيش ومسوغ الإبدال أمران نوعان: أحدهما: قاله أبو عثمان المازني: وهو أنه إذا قال ما مررت بأحد إلا حمار قصد نفي المرور عن النوعين، فغلب الأحدين فعبر بلفظهم عنهم وعن غيرهم، كما قال تعالى: ﴿فمنهم من يمشي على بطنه﴾ فعبر بلفظ العقلاء عنهم وعن غيرهم. والثاني أن الحمار بالنسبة إلى غيره [من الأحدين مثلهم في الحكم] وهذا كقول العرب: «عتابك السيف» ومنه قول أبي ذؤيب:
(٢) فإن تمس في قبر برهوه ثاويًا أنيسك أصداء القبور تصيح جعل الأصداء أنيسة، لأنهن أنيس الموتى، كما أن الأحياء أنيس الأحياء.
[ ٢١٩ ]
قال ابن جني: فإن تقدم المستثنى، لم يكن فيه إلا النصب، تقول: ما قام إلا زيدًا أحد، وما مررت إلا زيدًا بأحد، قال الكميت/: ١٩/ب
فمالي إلا آل أحمد شيعة ومالي إلا مذهب الحق مذهب
فإن فرعت العامل قبل إلا عمل فيما بعدها لا غير، تقول: ما قام إلا زيد، وما رأيت إلا زيدًا، فترفعه بفعله، وتنصبه بوقوع الفعل عليه.
_________________
(١) قال ابن الخباز: ويجوز تقديم المستثنى على المستثنى منه، كما / جاز تقديم ٦٣/ب المفعول على الفاعل، لأن التقديم توسع في الكلام، وسبب لإقامة الأوزان والقوافي والأسجاع، تقول: ما قام أحد إلا زيد، فيجوز فيه الإبدال والنصب كما ذكرنا، فإذا قدمته فقلت: ما قام إلا زيدًا أحد، لم يكن فيه إلا النصب، مرفوعًا كان مع التأخير أو منصوبًا أو مجرورًا: قال أبو علي ﵀ في تعليل ذلك: «لأن البدل الذي كان يجوز في قولك: ما قام أحد إلا زيد، قد بطل بتقديم الذي كان يكون بدلا على المبدل منه، فبقي النصب على أصل الاستثناء، ولم يجز غيره» قال الكميت:
(٢) فمالي إلا آل أحمد شيعة ومالي إلا مذهب الحق مذهب والأصل: مالي شيعة إلا آل أحمد، ومالي مذهب إلا مذهب الحق، فلما قدمته نصبته. وقال الشاعر:
(٣) بقبر امرئ تقري المئين عظامه ولم يك إلا غالبًا ميت يقري
[ ٢٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = مسألة: تقول: ما قام إلا زيدًا أحد إلا أخوك، فتنصب زيدًا، لأنه مستثنى مقدم، وترفع أخوك، لأنك تجعله بدلًا، فإذا قدمته نصبته، تقول: ما قام إلا زيدًا إلا أخاك أحد. فإن عطفت على المستثنى المتقدم اسما قبل المستثنى منه وجب نصبه، كقولك مالي إلا أباك وبشرًا صديق، فإن كان المعطوف بعد المستثنى منه جاز فيه الرفع والنصب تقول: مالي إلا أباك صديق وبشر وبشرًا، فالرفع: لأنه قد وقع في موضع لو كان فيه ما عطف عليه لكان مرفوعًا. والنصب: لأن الذي عطف عليه منصوب. فإن فرغت العامل قبل إلا كان عاملًا فيما بعدها معها كما يعمل فيه لو ٦٤/أسقطت، وهذه حقيقة التفريغ / وهو أن تجعل إلا سبيلا لما فبلها على ما بعدها. ولك أن توسطها بين شيئين أحدهما: مفتقر للآخر، قال الله ﷿: ﴿وما أمرنا إلا واحدة﴾ فوسطها بين المبتدأ والخبر، وقال تعالى: ﴿هل يهلك إلا القوم الظالمون﴾ فوسطها بين الذي لم يسم فاعله وبين المفعول. وقال تعالى: ﴿ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا﴾ فوسطها بين خبر كان واسمها. وقال تعالى: ﴿وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين﴾ فوسطها بين الحال وصاحبها. وقال ذو الرمة:
(٢) كأنها جمل وهم وما بقيت إلا النحيرة والألواح والعصب وهذا كثير. وإذا لت: ما قام إلا زيد، وما رأيت إلا زيدًا، فزيد في الموضعين مرفوع =
[ ٢٢١ ]
قال ابن جني: وأما غير فإعرابها في نفسها إعراب الاسم الواقع بعد «إلا» وما بعدها مجرور بإضافتها إليه، تقول: قام القوم غير زيد. كما تقول: إلا زيدًا، وما قام أحد غير زيد، كما تقول: إلا زيد، وما بالدار أحذ غير زيد كما تقول: إلا زيدًا.
وأما سوى: فمنصوبة على الظرف، وما بعدها مجرور بإضافتها إليه تقول: قام القوم سوى أبيك، وما رأيت أحدًا سوى أخيك.
وأما ليس، ولا يكون، وعدًا: فما بعدهن منصوب أبدًا تقول: قام القوم ليس زيدًا. وانطلقوا لا يكون بكرًا، وذهبوا عدا جعفرا.
_________________
(١) = بالفعل الذي قبله، ومنصوب به، ولا يكون بدلًا، لأنك لم تذكر اسمًا غير زيد فتبدله منه، وإذا قلت: ما مررت إلا بزيد، فالباء متعلقة بمررت. ولا يجوز ما قام إلا زيدًا، بالنصب، لأن الفعل لم يستوف الفاعل، وجاء منصوبًا في الشعر وهو رديء قال:
(٢) يطالبني عمي ثمانين ناقة وما لي يا عفراء إلا ثمانيا وهذا على حذف المستثنى منه، أي: وما لي يا عفراء إبل أو نوق، لأن سياق الكلام يدل عليه. قال ابن الخباز: وأما غير: فقد ذكرنا وجه شبهها بإلا فإذا استثنيت بها جررت ما بعدها بإضافتها إليه، فلم يبق سبيل إلى ظهور الإعراب فيه كما ظهر في المستثنى بإلا، فأقاموا غيرا مقامه، فحيث يجب نصب المستثنى يجب نصب غير، وحيث يجوز الإبدال والنصب فيه يجوزان فيها، وحيث يفرغ العامل ويعمل فيما بعد إلا يعمل في غير، تقول: قام القوم / غير زيد، فتنصب، لأنك لو جئت بإلا لقلت: ٦٤/ب قام القوم إلا زيدًا، والفرق بين النصبين: أن زيدًا منتصب بتوسط إلا بينه وبين =
[ ٢٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الفعل، وغير منصوبة بالفعل بلا متوسط. وسألت شيخنا ﵀ من أي المنصوبات هي؟ فقال: مشتبهة بالظرف، لإبهامها فلذلك عمل فيها الفعل غير المتعدي. ولا يجوز أن تقول: غير زيد قام القوم كما (لا) تقول: إلا زيدًا قام القوم، لتقديم المستثنى على العامل. وتقول: ما قام أحد غير زيد وغير زيد، كما تقول: ما قام أحد إلا زيدًا وإلا زيد، لأنه موضع يجوز فيه الأمران. وتقول: ما بالدار أحد غير وتد، فتنصبها في لغة أهل الحجاز لا غير، ويجوز البدل في لغة بني تميم، لأن المستثنى منقطع. وتقول: ما قام غير زيد، وما رأيت غير زيد، كما تقول: ما قام إلا زيد، وما رأيت إلا زيدًا. وليس من ضرورة غير أن تكون للاستثناء في كل موضع، لأنها تقع حيث لا تقع «إلا» ولو كانت استثناء لم تقع إلا حيث تقع إلا، ألا ترى أنك تقول: جاءني غير زيد، ورأيت غير زيد ومررت برجل غيرك، وهذا كله ليس من مواضع «إلا»؟ فإذا قلت: جاءني غير زيد، فالمتعارف في مخاطبات الناس أن زيدًا قد امتنع من المجيء لذكر غير، والذي تقتضيه اللغة عدم الامتناع، لأن إثبات الحكم لشيء لا يوجب نفيه عما عداه، ألا ترى أنك إذا قلت: أهل مكة يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، لم يوجب ذلك الإثبات نفي الحكم بالأمرين عن أهل بغداد؟ ثم أبلغ ما في غير أن تكون بمعنى ضد. وأنت لو قلت: جاءني ضد زيد لم يوجب ذلك عدم مجيء زيد. وأما سوى ففيها أربع لغات: سوى كمعًا، وسوى كهدى، وسواء كبقاء، ٦٥/أوسواء كجدار وهي منصوبة / على الظرفية. والعامل فيها ما قبلها، واستدل =
[ ٢٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = النحويون على ظرفيتها بأن الموصول يوصل بها كقولك: الذي سوى زيد عندك، والنصب يستبين في الممدودتين، لا المقصورتين. والبصريون لا يجيزون نقلها عن الظرفية إلا في الشعر، كقول الأعشى:
(٢) تجانف عن جو اليمامة ناقتي وما قصدت من أهلها لسوائيكا وأجازه الكوفيون في غير الشعر. والفرق بين قولك: مررت برجل غيرك، وبين قولك: مررت برجل سواك: أن غيرًا تفيد أن الممرور به ليس المخاطب، وأن سواء تفيد أن الممرور به يغني معناه المخاطب ويسد مسده، ذكره أبو سعيد. وأما ليس ولا تكون وعدا: فما بعدهن منصوب على كل حال، تقول: قام القوم ليس زيدًا، وانطلقوا لا يكون بكرًا، وذهبوا عدا جعفرًا. والفرق بين عدا وبينهما: أن المنصوب بعد عدا مفعول به، والمنصوب بعدهما خبر من باب كان، وفي عدا فاعل مضمر، وفي ليس ولا تكون اسم مضمر، والمعنى: عدا بعضهم وليس بعضهم ولا تكون بعضهم، وهذا الضمير لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، لأنه كناية عن بعض وهو مذكر مفرد. مسألة: لا يجوز تقديم المستثنى على ليس ولا يكون ولا عدا، لأنهن جرين مجرى إلا ولا يقدم المستثنى به عليها. ولا يجوز طرح «لا» من لا يكون لذهاب النفي، وإذا قلت: انطلقوا لا يكون =
[ ٢٢٤ ]
قال ابن جني: وأما خلا وحاشا: فيكونان فعلين فينصبان، ويكونان حرفين فيجران تقول: قام القوم خلا زيد، وخلا زيد، وحاشى عمرو، وحاشى عمرًا. قال الشاعر:
حاشى أبي ثوبان إن به ضنا على الملحاة والشتم
٢٠/أفإن قلت: ما خلا زيدًا / نصبت مع «ما» لا غير. قال الشاعر:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل
_________________
(١) = بكرًا، فموضع قولك: لا يكون بكرًا نصب على الحال، والكلام مع عدا وليس ولا ٦٥ - ب يكون جملتان، ومع إلا وغير وسوى جملة. قال الشاعر في الاستثناء بليس /.
(٢) وأصبح ما في الأرض مني بقية لناظرها ليس العظام البواليا قال ابن الخباز: (وأما حاشى وخلا: فيكونان فعلين فينصبان، ويكونان حرفين فيجران). أما حاشى: فذهب الكوفيون إلى أنها فعل لا غير، واستدلوا على ذلك بتصرفها، قالوا: حاشى يحاشي مثل نادى ينادي. قال النابغة:
(٣) ول أرى فاعلًا في الناس يشبهه ولا أحاشى من الأقوام من أحد وحكى الزجاج في كتاب المعاني: «اللهم اغفر لي ولمن سمع حاشى الشيطان وأبا الأصبع» بالنصب. وذهب أبو العباس المبرد إلا أنها تكون حرف جر وفعلًا، فلك أن تجر مستثناها وتنصبه تقول: قام القوم حاشى زيد، فموضع الجار والمجرور نصب والكلام جملة. وقام القوم حاشى زيدًا، فالكلام جملتان، وفيها فاعل مضمر، أي: حاشى =
[ ٢٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بعضهم زيدًا، وذهب سائر البصريين إلى أنها حرف جر لا غير واستدلوا على ذلك بقول الشاعر أنشده الجوهري ﵀:
(٢) في فتية جعلوا الصليب إلاههم حاشاي إني مسلم معذور فلو كانت فعلًا لقال: حاشاني، لأنك تقول زماني، ولا تقول: رماى، والبيت الذي أنشده أبو الفتح ﵀ أنشده المفضل، وقد حرفه فجعل صدر غيره له، والصواب ما أذكره لك قال: وبنوا رواحة ينظرون كما نظر الندي بانف خثم حاشى أبي ثوبان إن أبا ثوبان ليس بزمل فدم عمرو بن عبد الله إن به ضنا على الملحاة والشتم رواه الكسائي: حاشى أبا ثوبان. الندي: الجماعة. وآنف خثم، أي: غلاظ، والزمل الضعيف. والفدم الثقيل، والضن: البخل. والملحاة: الملامة. وأما خلا: فروى سيبويه أن من / العرب من يجر بها فيقول: ما أتاني القوم = ٦٦/أ
[ ٢٢٦ ]