قال ابن جني: ومعنى التمييز: تخليص الأجناس بعضها من بعض، ولفظ المميز اسم نكرة يأتي بعد الكلام التام، يراد به تبيين الجنس. وأكثر ما يأتي ١٨/ب بعد الأعداد / والمقادير، فالأعداد: من أحد عشر إلى تسعة وتسعين. نحو قولك: عندي أحد عشر رجلًا، واثنا عشر غلامًا، وثلاثون جارية، وخمسون درهمًا، وأما المقادير: فعلى ثلاثة أضرب: ممسوح، ومكيل، وموزون، فالممسوح نحو قولك: ما في السماء قدر راحة سحابًا، ولا في الثوب مقر درهم نسيجًا، والمكيل نحو قولك: عندي قفيزان برًا، وجريتان شعيرًا، ومكوكان دقيقًا.
والموزون نحو قولك: عندي منوان سمنًا، واشتريت رطلين زيتًا.
_________________
(١) (باب التمييز) قال ابن الخباز: ويسمي التبيين والتفسير، وهي في الأصل مصادر. وقوله في تفسيره: (تخليص الأجناس بعضها من بعض) الأمر كما ذكر، لأنك إذا قلت: له عشرون، احتمل كل جنس يصلح أن يدخل عليه العدد، فإذا قلت: درهمًا، فقد خلصت هذا الجنس من سائر الأجناس، هذا معنى قول أبي علي: «جملة التمييز أن يحتمل الشيء وجوهًا فتبيينه بأحدها». ويجوز في (بعضها) الجر والرفع والنصب، فالجر: على أنه يدل من لفظ الأجناس، والرفع: على أنه بدل من موضعها إذا قدر تخليصها بأن تخلص، وهو فعل غير مسمى الفاعل. وإنما كان التمييز اسمًا، لأنه أشبه المفعول الذي لا يكون إلا اسمًا، وها هنا علة أدق من هذه، وهو أن التمييز إما أن يكون فاعلًا في المعنى، كقولك: طاب زيد نفسًا، أي: طابت نفسه، أو مفعولًا في المعنى، كقوله تعالى: ﴿وفجرنا الأرض عيونًا﴾ أي: =
[ ٢٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فجرنا (عيون الأرض)، أو معرضا لدخول من عليه، كقولك: «له عشرون درهمًا» أي: من الدراهم، وهذا كله لا يصح إلا في الأسماء. وإنما كان نكرة، لأن الغرض بيان الجنس، والنكرة أخف من المعرفة. والمميز نوعان: أحدهما: ما يكون بعد تمام الكلام وهو الذي يجيء بعد الجملة والثاني: ما يكون بعد تمام الاسم. ٥٩/ب والبداءة بما يأتي بعد تمام الكلام أولى، لقوة عامله، لأن العامل فيه فعل / وأبو الفتح أخره، وما أراه قدم الثاني إلا لكثرته وأخر الأول لقلته، فنسلك منهاجه. اعلم أن المميز الذي ينتصب عن تمام الاسم خمسة أقسام: الأول: مميز العدد: وذلك من أحد عشر إلى تسعة وتسعين. وفي التنزيل: ﴿أحد عشر كوكبًا﴾ و﴿اثني عشر نقيبًا﴾ و﴿أربعين ليلة﴾ و﴿سبعين مرة﴾ و﴿تسع وتسعون نعجة﴾ والإفراد فيه لازم، لأن العدد قد بين الكمية، فهو جمع في المعنى وإن كان مفردًا في اللفظ. الثاني: مميز المساحة، قال أبو بكر بن محمد الحاسب الكرجي ﵀: المساحة: تقدير المبسوطات بسطح مربع مجعول مقدارًا معلومًا يقدر به. والمساحة للسطوح كالكيل للمكيلات، والوزن للموزونات، والذرع للأشياء الطويلة، هذا كلامه. وقال أبو علي: قولنا: «ما في السماء قدر راحة سحابًا» فقدر الراحة مقدار يجوز أن يكون من السحاب ومن غيره، فإذا قال: سحابًا «بين به ذلك =
[ ٢٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = المبهم» وكذلك قولك: له جريب نخلًا، والجريب: ثلاثة آلاف وستمائة ذراع مكسرة من ستين في ستين، كل ذراع ذراع وثلث بذراع اليد فيصير ذلك (ستة آلاف وأربعمائة ذراع). الثالث: المكيل: كقولك: عندي قفيزان برًا. والقفيز (ثمانية) مكاكيك. والمكوك: خمسة عشر رطلًا، وكل واحد من هذه المقادير يحتمل أجناسًا، فقد بين ببر القفازين كما بين بالشحاب قدر الراحة. الرابع: الموزون: كقولك: عندي منوان سمنًا، وهو تثنية منًا، وهو مائة وثمانون مثقالًا، والرطل نصفه، وهو تسعون مثالًا، كل مثقال درهم وثلاثة أسباع، وجملته مائة درهم وثمانية وعشرون درهمًا، وأربعة أسباع درهم. فالمناة مائتا درهم وسبعة وخمسون درهمًا وسبع. الخامس: المقاييس: وهي / أشياء ليست بمقادير معلومة بين الناس يتعامل بها، ٥٤/أولكنها أشياء موثلت أبها أشياء أخر فمن ذلك: هذا راقود خلا، والراقود: الدن، فموثل به من لخل ما يملأه ويحاذي حجمه، ومن ذلك: على التمرة مثلها زبدًا، فالثمرة قد موثلت من الزائد بما يحيط بحجمها ويحاذيه. والراقود ومثلها يحتملان أشياء، فتبينا بالخل والزبد. ويجوز في هذه المسألة أوجه ثلاثة: أحدهما: رفع مثلها ونصب زيد على التمييز والثاني: رفعهما على أن يكون زبد بدلا أو عطف بيان. والثالث: رفع زبد بالابتداء ونصب مثلها على الحال، ومن ذلك: لله درك شجاعًا، الدر في الأصل: در اللبن فسمى به الخير وهذا كلام مورده التعجب والاستعظام، فإذا قلت: شجاعًا فقد بينت من أي وجه تعجبت من المخاطب. وأما قوله: (حسبك به فارسًا) فحسبك مبتدأ، «وبه» في موضع رفع به، كأنك =
[ ٢١٠ ]
قال ابن جني: ومن المنصوب على التمييز قولك: طبت به نفسًا وضقت به ذرعًا، وعلى التمرة مثلها زبدًا، وهذا راقود خلا. وحسبك به فارسًا، والله درك شجاعًا، فلابد في جميع التمييز من معنى من أي: من شجاع، ومن فارس، ونحو ذلك.
_________________
(١) = قلت: يكفيك، وفارسا إن شئت جعلته حالًا، وإن شئت جعلته تمييزًا، فإن كان حالًا فالمعنى: يكفيك في حال فروسيته، وإن كان تمييزًا فالتقدير: يكفيك من فارس. قال ابن الخباز: وأما قوله: (طبت به نفسًا وضقت به ذرعًا) فمن مميز الجملة، وهو كما ذكرنا فاعل (في) المعنى، والأصل: طابت نفسي وضاق ذرعي، فجعل الفعل للمتكلم، فصار في الكلام إبهام، فميز. ويدلك على أنه فاعل في الأصل: ما أنشده المبرد ﵀ في الكلام وهو"
(٢) ولكن نفسي لم تطب لعشيرتي وطابت له نفسي بأبناء قحطان وأجمع النحويون على أن مميز المفرد لا يتقدم عليه فلا تقول: له درهما عشرون لأن العامل ضعيف، والأصل عدم التقديم. ٥٣/ب واختلفوا في تقديم مميز الجملة: فسيبويه لا يجيزه، فلا يقول: نفسًا طاب / زيد، وحجته: أنه فاعل في المعنى والفاعل لا يتقدم، وأجاز المبرد تقديمه وزعم أنه رأي المازني وأنشد:
(٣) أتهجر سلمى للفراق حببيها وما كان نفسًا بالفراق تطيب
[ ٢١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قال أبو إسحاق: الرواية: وما كان نفسي، فلا حجة إذن، وإن صحت الأولى: فنفسًا خبر كان. وقوله: (ولابد في جميع التمييز من معنى من) خطأ، لأنا لا نقول: طاب زيد من نفسي، ولا هو أحسن الناس من وجه، وقد صرح ابن السراج بامتناع ذلك في ثلاثة مواضع من كتاب الأصول. واستهوى قول ابن جني بعض الحمقى، فزعم أن مميز أفعل التفضيل يصح دخول من عليه، وقول ابن السراج متعين لاعتضاده بأن مميز الجملة وأفعل التفضيل لا يصح دخول «من» عليه، لأنه فاعل في المعنى. والحق ما قاله أبو علي وجميع ما يفسر من المقادير والأعداد فمن تدخل عليه نحو قولك: ما في السماء قدر راحة من السحاب، ولي عشرون من الدراهم، ولله دره من الرجال، هذا كلامه. وإنما جاز دخول «من» على ما ذكر، لأنها أجناس مبينة لمقادير مجملة، والتبيين بعض معاني «من».
[ ٢١٢ ]