قال ابن جني: اعلم أن التوكيد لفظ يتبع الاسم المؤكد لرفع اللبس وإزالة الاتساع، وإنما تؤكد المعارف دون النكرات مظهرها ومضمرها، والأسماء المؤكد بها تسعة وهي: نفسه، وعينه، وكله، وأجمع، وأجمعون، وجمعاء، وجمع، وكلا، وكلتا.
تقول: قام زيد نفسه ورأيت زيدًا نفسه، ومررت بزيد نفسه، وكذلك: قام أخوك عينه، ورأيته عينه ومررت به عينه.
وتقول: جاء الجيش كله أجمع ورأيته كله أجمع / ومررت به كله أجمع وجاء ٢٣/ب القوم كلهم أجمعون، ورأيتهم كلهم أجمعين، ومررت بهم كلهم أجمعين. وجاءت القبيلة كلها جمعاء، ورأيتها كلها جمعاء، ومررت بها كلها جمعاء، وجاء النساء كلهن جمع، ورأيتهن كلهن جمع، ومررت بهن كلهن جمع.
_________________
(١) = الواحدة وينبغي أن تعلم أن عمل عامل الصفة فيها أضعف من عمله في موصوفها. وبيانه أن الموصوف لا يجوز أن يخالف به عن عامله، والصفة يجوز أن تقطع فتنصب أو ترفع وذهب أبو الحسن إلى أن عامل الرفع في الصفة كونها صفة لمرفوع، وكذلك عامل النصب والجر فيها، وفي الذي قاله نظر، لأن حق العامل أن يكون متحققًا بدون المعمول، وهذا لا يتحقق إلا به ومعه. ولم أذكر هذه المسائل إلا تكملة لفائدة الباب، وحاجته إليها ضرورية. (باب التوكيد) قال ابن الخباز: يقال: توكيد وتأكيد، والأولى لغة القرآن، وفيه: ﴿توكيدها﴾ وله معنيان: لغوي وصناعي، فمعناه في اللغة: إحكام الشيء، وفي الاصطلاح: أوكدت الحبل والسرج وأكدته، أي: أحكمته.
[ ٢٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ومعناه الصناعي: تمكين المعنى في النفس بذكر لفظه ثانيًا أو مثله دلالة عليه وهو ينقسم قسمين: أحدها: أن تكرر اللفظ بعينه، ويسمى التوكيد الصريح، والتوكيد اللفظي، وهذا لا يختص بشيء، يكون في الاسم والفعل والحرف والجملة والمعرفة والنكرة، فمثال الاسم قولك: قام زيد زيد، وأكلت خبزًا خبزًا، فهذان، مثال المعرفة والنكرة، قال الراجز:
(٢) كم نعمة أسديتها كم كم كم ومثال الفعل: قام قام زيد، وأنشد ابن الشجري في الأمالي:
(٣) فأين إلى أين النجاة ببغلتي أتاك أتاك اللاحقون احبس احبس ٨٢/أ / ومثاله في الحرف: إن إن زيدًا منطلق، ولا يجوز تكرير الحرف الواحد لما فيه من توالي الأمثال، فلا تقول: الدار للزيد. ومثاله في الجملة قولك: ذهب عمرو ذهب عمرو، وأما قوله سبحانه: ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾ فليس بتوكيد لأن كل مرة =
[ ٢٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ذكرت فيها الجملة تتناول قضية مخصوصة، فالأولى تتناول المكذبين بيوم الفصل، والثانية تتناول المكذبين بالإهلاك، وهلم جرا إلى آخر السورة، وكذلك قوله تعالى: ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ لاختلاف المواضع التي تطأ الآية عقبها. الثاني: التكرير المعنوي، ويسمى التكرير غير الصحيح، ويكون بتسعة أسماء: نفس، وعين، وكل، وأجمع، وأجمعون، وجمعاء، وجمع، وكلا، وكلتا، وكل واحد من هذه يحتاج إلى كشف. أما النفس: فهي عبارة في الأصل عن حقيقة الشيء، المراد منها في التوكيد إثبات الحقيقة تقول: قام زيد نفسه، ورأيت زيدًا نفسه ومررت بزيد نفسه، يرد أن الحكم [تعلق]. بزيد لا بغيره وتؤكد بها التثنية والجمع فتقول: قام الزيدان أنفسهما، ورأيت الزيدين أنفسهم، وكذلك: قامت هند نفسها، والهندان أنفسهما والهندات أنفسهن، والأصل أن تقول: نفساهما فجمعت المثنى كقوله تعالى: ﴿فقد صغت قلوبكما﴾. وأما العين: فهي عبارة عن العضو المعروف في الأصل فأجريت مجرى النفس في التوكيد، كأنهم جعلوا المذكور كله عينًا، لأنها ذريعة إلى معظم المصالح كما سموا الرجل الحافظ لأصحابه على الأماكن المشرفة عينًا، لأنه لولا العين لبطلت الخصلة المرادة منه، فكأنه قد صار كله ذلك العضو، ويقارب هذا قوله تعالى: ﴿ذلك بما قدمت يداك﴾ نسب العمل إلى اليدين، لأن أكثر / ما يتولاه، الإنسان يعمله ٨٢/ب بيديه. وتقول قام الزيدان أعينهما فتجمع. وللنفس والعين شأن ليس لغيرهما، وهو إذا أكدت بهما ضميرًا مرفوعًا متصلًا أكدته قبلهما بضمير منفصل كقولك زيد ذهب هو نفسه، وإخوتك سادوا هم أعينهم، وإنما فعلوا ذلك، لأن النفس والعين اسمان يليان العوامل فلو لو تؤكد الضمير المتصل بالضمير المنفصل لتوهم أنهما مرفوعان بالفعل الذي قبلهما. وأما كل: فمعناه الشمول والإحاطة وتؤكد بها كل ما يجوز وقوع الحكم ببعض =
[ ٢٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أجزائه تقول: جاء الجيش كله، وأكلت الرغيف كله، وبعت العبد كله، ولا يجوز: جاء زيد كله، لأنه لا يجيء بعضه، ولا تقول أيضًا: خاطبت زيدًا كله، لأنك لا تخاطب بعضه، وتقول: رأيت الثوب كله لجواز رؤية بعضه، وتضيف كلا إلى ضمير المؤكد أي شيء كان، وفي التنزيل: ﴿فسجد الملائكة كلهم﴾ وفيه: ﴿ويرضين بما آتيتهن كلهن﴾ يقرأ بالرفع توكيدًا للنون وبالنصب توكيدًا للمفعول. وأما أجمع: فمعناها معنى كل ومذهبها كمذهبها تقول: جاء الجيش أجمع ولا تقول: جاء زيد أجمع. وقال الكحلبة الغرني أنشده المفضل:
(٢) ونادى منادى الحي أن قد أتيتم وقد شربت ماء المزادة أجمعا وأجمع معرفة، لأنه يجري على المعرفة. فإن قلت: من أي أقسام المعارف هو؟ قلت: هو علم موضوع لمعنى، وهو العموم، والدليل على أنه علم أنه ليس بمضمر ولا اسم إشارة، ولا معرفًا باللام، ولا مضافًا فلم يبق إلا أن يكون علمًا، لأن المعارف منحصرة، فإذا انتفت أربعة منها لم يبق إلا الخامس. وكذلك القول في تعريف أجمعين وجمعاء وجمع. ٨٣/ب وأما أجمعون: فيؤكد بها الذكور من ذوي العلم / كقولك: جاء القوم أجمعون، وفي التنزيل: ﴿وإن جهنم لموعدهم أجمعين﴾ وقال بعض المتأخرين: هو حال، وهذا مستطرف. ولا يجوز اشتريت الثياب أجمعين. وأما جمعاء: فمثل أجمع في توكيد المفرد المحتمل للتجزئة تقول: جاءت القبيلة =
[ ٢٦٩ ]
قال ابن جني: ويتبع أجمع أكتع أبصع، ويتبع أجمعين أكتعون أبصعون، ويتبع جمعاء كتعاء بصعاء، ويتبع جمع كتع بصع، ومعنى هذه التوابع كلها شدة التوكيد.
ولا يجوز تقديم بعضها على بعض، لو قلت: جاء القوم أجمعون كلهم، لم يجز أن تقدم أجمعون على كل لضعفها وقوة كل عليها، وتقول في التثنية: قام الرجلان كلاهما، ورأيتهما كليهما، ومررت بهما كليهما، وقامت المرأتان كلتاهما، ورأيتهما كليتهما، ومررت بهما كلتيهما.
_________________
(١) = جمعاء، وبعت الدار جمعاء ولا يجوز جاءت هند جمعاء، لأنه لا تجيء بعضها وجمع جمع جمعاء في المعنى كما أن أجمعين جمع أجمع في المعنى، وإنما قلنا: إن أجمعين جمع أجمع في المعنى لا في اللفظ، لأنه لو كان جمعه على حد زيد وزيدين لتنكر، فدل على أنه صبغة مرتجلة، وكذلك جمع لو كان جمع جمعاء لتنكر، ولا تصرف جمع، لأنه معرفة معدول عن جماعي الذي هو في الأصل جمع جمعاء كصحراء وصحارى، ولا تؤكد بشيء من هذه الأسماء النكرات، لأنها معارف لا تتبعها وهذا معنى قوله: (وإنما تؤكد المعارف دون النكرات مظهرها ومضمرها) ويؤكد المضمر بهذه الأسماء كما يؤكد المظهر، وفي التنزيل: ﴿لأغوينهم أجمعين﴾ وقد ذكرت حكم نفس وعين في تأكيد المرفوع المتصل. قال ابن الخباز: وأما أكتع وأبصع: فتابع لأجمع، وأكتعون وأبصعون تابع لأجمعون، وكتعاء وبصعاء تابع لجمعاء، وكتع وبصع تابع لجمع، وحكم كل تابع حكم متبوعه في التعريف العلمي والجمع والمثنى على غير واحده، والتأنيث والتعريف والعدل المانعين من الصرف. ولم يذهب أبو الفتح إلى اشتقاق، بل قال: (ومعنى هذه التوابع كلها شدة التوكيد) وذهب غيره إلى أنها مشتقة، وأخذ أكتع من قولهم: [حول كتيع أي تام وأبصع من قولهم] تبصع العرق أي: سال. قال أبو ذؤيب:
[ ٢٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ١٧٧ - تأبى بدرتها إذا ما استغضبت إلا الحميم فإنه يتبصع ونقل شيخنا ﵀ عن الزجاجي أنه قال: قام القوم كلهم، فمعناه عموم القيام لهم مجتمعين كانوا أو مفترقين، وإذا قال: قام القوم كلهم أجمعون فمعناه اجتماعهم في القيام في زمان واحد ولا شك أن هذا مستمد من قوله تعالى: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون﴾، لأن الله تعالى لما أمرهم بالسجود سجدوا في زمان واحد مرة واحدة. وأما كلا وكلتا: فاسمان يراد بهما عموم الاثنين والاثنين كما أن كلام لعموم الجمع، وكلا اسم على زنة معا وكلتا اسم على زنة ذكرى فألفه للتأنيث، وتاؤه كتاء بنت وأخت في أنها بدل من الواو التي هي لام الفعل ووزنه فعلا. وقال الجرمي: وزنه فعتل، وهذا لم يجئ ثبتًا. واختلف النحويين في كلا وكلتا، فقال البصريون: هو مفرد اللفظ مثنى ٨٣/ب المعنى / واحتجوا على ذلك بوجهين: أحدهما: أنه لا يخبر عنهما (إلا) بالمفرد قال الله ﷿: ﴿كلتا الجنتين آتت أكلها﴾ وقال الشاعر:
(٢) كلا أخوينا إن يرع يدع قومه ذوي جامل دثر وجمع عرمرم كلا أخوينا ذو رجال كأنهم أسود الشرى من كل أغلب ضيغم
[ ٢٧١ ]
قال ابن جني: فكلا وكلتا متى أضيفتا إلى المضمر كانتا في الرفع بالألف وفي النصب والجر بالياء على، ما مضى، وإن أضيفتا إلى المظهر كانتا بالألف على كل حال تقول: جاءني كلا أخويك، ورأيت كلا أخويك، وجاءتني كلتا أختيك، لأن كلا وكلتا اسمان / مفردان غير مثنيين، وإن أفادا معنى التثنية. ٢٤/أ
_________________
(١) = ولو كان مثنى لثنى الخبر. الوجه الثاني: أنهما يضافان إلى ضمير التثنية كقولك: كلاهما وكلتاهما، ولو كانا مثنيين ما أضيفا، ألا ترى أنك لا تقول: اثناهما ولا اثنتاهما وذهب الكوفيون إلى أنه مثنى اللفظ واحتجوا على ذلك من وجهين: أحدهما: أن الشاعر قد استعمل مفردها، قال الراجز:
(٢) في كلت رجليها سلامى واحدة كلتاهما مقرونة بزائدة فإن كان للمؤنث مفرد فالمذكر كذلك، لأنه فرعه. قال ابن الخباز: الوجه الثاني: أنهما يكونان في الرفع بالألف وفي الجر والنصب بالياء يقول: / جاءني كلاهما وكلتاهما ورأيت كليهما وكلتيهما ومررت بكليهما ٨٤/أوكلتيهما، وهذه طريقة التثنية، والجواب أن قوله:
(٣) في كلت رجليها (١٧٩) أراد في كلتا رجليها، فحذف الألف - وهو يريدها - ضرورة، قال رؤبة:
(٤) وصاني العجاج فيما وصني
[ ٢٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أراد فيما وصاني. والجواب عن الثاني أنهما لو كانا مثنيين لرفعا بالألف ولجرا ونصبا بالياء في كل حال، وذلك لا يكون إلا إذا أضيفا إلى المضمر. فإن أضيفا إلى الظاهر كانا بالألف في كل حال تقول: جاءني كلا أخويك وكلتا أختيك، ورأيت كلا أخويك وكلتا أختيك، ومررت بكلا أخويك وكلتا أختيك، وإنما كان ذلك في الإضافة إلى المضر، لأنهما أشبهتا إلى وعلى ولدى بلزوم الإضافة، وأولئك تقلب ألفاتها ياءات إذا ولين المضمر كقولك: إليكما وعليكما ولديكم، وتبقى ألفاتها إذا ولين الظاهر كقولك: إلى زيد ولدى بكر وعلى عمرو، واختص القلب بالجر والنصب، لأنهما مثنيان في المعنى، فكان القلب في موضع تقلب فيه ألف التثنية ياء. ويجوز تثنية خبرها حملًا على المعنى، قال الفرزدق:
(٢) كلاهما حين جد الجري بينهما قد أقلعا وكلا أنفيهما رابى فقال: أقلعا، حملًا على المعنى، وقال: «رابي» حملًا على اللفظ، وتقول: كلتا أختيك ذاهبة، وكلتا أختيك ذاهبتان، والحمل على اللفظ أولى، لأنه الظاهر ولم يأت في التنزيل إلا هو في قوله تعالى: ﴿كلتا الجنتين آتت أكلها﴾.
[ ٢٧٣ ]