قال ابن جني: وهي أربعة: أن، ولن، وكي، وإذن، تقول: أريد أن تقوم. ولن تنطلق، وقمت كي تقوم. فأما إذن: فإذا اعتمد الفعل عليها فإنها تنصبه، تقول إذا قال لك قائل: أنا أزورك، فتقول: إذن أكرمك، وإذن أحسن ٣٤/ب إليك، فتنصب الفعل لاعتماده على إذن. فإن اعترضت حشوا / واعتمد الفعل على ما قبلها سقط عملها تقول: أنا إذن أزورك فترفع لاعتماد الفعل على أنا.
_________________
(١) = فإنما أسكن، لأنه نوى الوقف، أو لأنه شبه المنفصل بالمتصل، فترش كفخذ فلذلك أسكن. (باب الحروف التي تنصب الفعل) قال ابن الخباز: وهي أربعة: أن ولن وكي وإذن، لما كان الفعل فرعًا على الاسم في الإعراب قلت: عوامله فكان إعرابه غير حقيقي، فرفعه لا يدل على فاعلية ونصبه لا يدل على مفعولية ونواصبه الأصلية أربعة: أن ولن وكي وإذن. أما أن فهي أصل النواصب، لأنها تعمل ظاهرة كقولك: آمرك أن تذهب ومضمرة كقولك: يعجبني ضرب زيد ويغضب، وإنما عملت في الفعل النصب، لأنها أشبهت أن الثقيلة من ثلاثة أوجه: الأول: أن لفظها كلفظها إلا في التشديد. الثاني: أنه مختصة بالأفعال كما أن تلك مختصة بالأسماء. الثالث: أنها والفعل بعدها مصدر كما أن تلك ومعمولها مصدر، وكل واحدة منهما معمولة لغيرها، والفرق بينهما أن الخفيفة لا يعمل فيها إلا الفعل الذي وقوعه غير متحقق نحون ١١٤/ب كرهت، وأحببت واشتهيت وأردت، لأنها لمحض الاستقبال / وفي التنزيل: ﴿والذي أطمع أن يغفر لي﴾ و﴿أتعدانني أن أخرج﴾ والثقيلة لا يعمل فيها إلا فعل العلم كقوله تعالى: ﴿ويعلمون أن الله هو الحق المبين﴾ وأما قوله تعالى: =
[ ٣٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ﴿ولا تخافون أنكم أشركتم بالله﴾ فتقديره: «ولا تخافون عاقبة أنكم أشركتم بالله». وأما لن: فلتوكيد النفي تقول: لا أكرم، فإذا أردت التوكيد قلت: لن أكرمك، وفي التنزيل: ﴿لن تراني﴾ ﴿ولن يخلف الله وعده﴾ وعن الخليل في إحدى الروايتين أن أصلها لا أن فحذفت همزة أن وألف لا فالنصب مستفاد من «أن»، ورد سيبويه هذا بأنا نقول: زيدًا لن أضرب، فتقدم منصوب منصوبها عليها، فلو كانت مركبة لم يجز ذلك لأن ما في صلة أن لا يتقدم عليها، وإنما نصبت الفعل لأنها جرت مجرى أن في إخلاصه للاستقبال. وأما كي: فمعناه التعليل، وهي في الكلام على ضربين: حرف جر وحرف نصب وإذا دخلت على الفعل فهي على ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون حرف جر لا غير كقول جميل:
(٢) فقلت أكل الناس أصبحت مانحا لسانك كيما أن تعر وتخدعا فلو كانت ناصبة لجمعت بين ناصبتين. والثاني: أن تكون حرف نصب كقول عامر بن الطفيل:
(٣) أردت لكلا يعلم الله أنني صبرت وأخشى مثل يوم المشقر فلو كان حرف جر لجمعت بين جارين. الثالث: أن يجوز فيها الأمران كقولك: زرت زيدًا كي يكرمني، يجوز النصب
[ ٣٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بها وبأن المضمرة وإنما عملت النصب لأنها بمنزلة أن في إخلاص الفعل للاستقبال. وأما إذن: فمعناها الجواب والجزاء، يقول القائل: أنا أزورك فتقول له: إذن أكرمك، تأويله: إن كان ما ذكرت من الزيارة حقًا فإني أكرمك، ولها ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: أن تقع متقدمة / ويكون بعدها فعل مستقبل، وتكون جوابًا لكلام فيجب أن تنصب، لأنها قد وقعت في أقوى مراتبها، فتارة تكون جوابًا صريحًا كمثالنا، وتارة تكون في تقدير الجواب كبيت الحماسة:
(٢) أزجر حمارك لا يرتع بروضتنا إذن يرد وقيد العير مكروب كأن قائلًا قال له: وماذا يكون إذا رتع حماره؟ فقال: إذن يرد. الحالة الثانية: أن تقع متوسطة بين شيئين: ثانيهما محتاج إلى أولهما وذلك إما مبتدأ وخبر كقولك: زيد إذن يخرج، وإما قسم وجواب كقولك: والله إذن لا أفعل، وشرط وجواب كقولك: إن تكرمني إذن أكرمك، وإنما بطلت، لأنها لا تقتضي ما بعدها، وإنما الاقتضاء لما قبلها. مسألة: تقول: زيد (يقوم) وإذن يخرج، فيجوز في يخرج الرفع والنصب بتأويلين مختلفين: إن عطفت يخرج على يقوم رفعت، وإن عطفته على: زيد يقوم نصبت، وهذا الذي يقال فيه: الجملة الصغرى، والجملة الكبرى. الحالة الثالثة: أن تقع متأخرة فلا تعمل، لأنها لم تدخل على شيء، وفي التنزيل: ﴿قد ضللت إذًا وما أنا من المهتدين﴾ و﴿فعلتها إذًا وأنا من الضالين﴾ فقد
[ ٣٥٩ ]
قال ابن جني: وتضمر أن بعد خمسة أحرف، وهي: الفاء، والواو، وأو، ولام الجر، وحتى.
فأما الفاء: فإذا كانت جوابًا لأحد سبعة أشياء. وهي الأمر، والنهي، والاستفهام، والنفي، والتمني، والدعاء، والعرض - فإن الفعل ينتصب بعدها بأن مضمرة، تقول في الأمر: زرني فأزورك، والتقدير: زرني فأن أزورك ولا يجوز إظهار أن هنا لأنه أصل مرفوض وكذلك ببقية أخواتها قال الشاعر:
يا ناق سيري عنقًا فسيحًا إلى سليمان فنستريحا
وتقول في النهي: لا تشتمه فيشتمك قال الله ﷿: ﴿لا تفتروا على الله كذبًا فيسحتكم بعذاب﴾ وتقول في الاستفهام: أين بيتك فأزورك، وتقول في النفي ما أنت بصاحبي فأكرمك، وتقول في التمني: ليت لي مالًا فأنفقه وتقول في الدعاء: اللهم ارزقني بعيرًا فأحج عليه، وتقول في العرض: ألا تزورنا فنكرمك.
_________________
(١) جرت إذن في عوامل الأفعال مجرى ظننت في عوامل الأسماء، لأنها تقدمت وتوسطت وتأخرت كما أن ظننت كذلك، وإنما عملت، لأنها أخلصت الفعل للاستقبال، ولس في هذه النواصب الأربعة ما يدخل على الفعل الماضي إلا «أن» «وإذن» تقول: سرني أن قام، ويقول القائل: زرتك أمس فتقول له: إذن اتخذت عندي يدًا. ومنهم من يرفع الفعل بعد أن تشبيهًا بما المصدرية. قال:
(٢) أن تقرآن على أسماء وبحكما مني السلام وأن لا تشعرا أحدا قال ابن الخباز: وقد ذكرنا أن أصل نواصب الفعل «أن» وأنهم نصبوا بها
[ ٣٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = مضمرة، وإضمارها على ضربين: إضمار لا يسوغ معه الإظهار، وإضمار ١١٥/ب يسوغ معه الإظهار. فمن الأول إضمارها بعد الفاء، وذلك مع / ثمانية أشياء: الأمر كقولك: زرني فأزورك، ومنه قول أبي النجم:
(٢) يا ناق سيري عنقًا فسيحًا إلى سليمان فنستريحا العنق: ضرب من السير، وانتصابه على المصدر، ويعني: سليمان عبد الملك: والنهي: كقولك: لا تشتمه فيشتمك، ومنه: ﴿لا تفتروا على الله كذبًا فيسحتكم بعذاب﴾، ﴿ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي﴾ والنفي: كقولك: ما تأتينا فتحدثنا وفي التنزيل: ﴿لا يقضى عليهم فيموتوا﴾ والاستفهام: كقولك: أين بيتك فأزورك، وفي النتزيل: ﴿فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا﴾. والتمني: كقولك: ليت لي مالًا فأنفقه، وفي التنزيل: ﴿يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزًا عظيمًا﴾ والعرض: كقولك: ألا تنزل فتصيب خيرًا، والتخصيص: كقوله سبحانه: ﴿لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين﴾ والدعاء: كقولك: اللهم ارزقني بعيرًا فأحد عليه، ويجمع ذلك كله أنه غير واجب والواجب الخبر الثابت، وهذا يسميه النحويون الجواب بالفاء، وإنما سموه جوابًا، لأن الأول سبب الثاني، ألا ترى أنك إذا قلت: زرني فأزورك كان المعنى: إن تزرني، وإنما قلنا: إنه منصوب بإضمار «أن» لأن الفاء حرف عطف وهو غير عامل، ومعنى الكلام المصدر كأنه قال: لتكن منك =
[ ٣٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = زيارة فزيادة مني، وإنما لم يجز إظهار «أن» لأنك لم تصرح في المعطوف عليه بمصدر، وإنما هو جملة، فجاءوا بالكلام الثاني على نمط الأول في الظاهر. فإن قلت: فإذا كان منصوبًا بأن المضمرة وهي الفعل في تقدير المصدر، فما محلهما من الإعراب؟ قلت: ذكر عبد القاهر: أن هذا يجيء على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون موضع أن والفعل الرفع كقولك: لا تنقطع عنا فتجفوك، فالتقدير: لا يكن منك انقاع فجفاء منا. والثاني: أن يكون موضعها النصب كقولك / ليت لي مالًا فأنفقه ١١٦/ألأنك ذكرت ليت وهي ناصبة، كأنك قلت: ليت أن يستقر لي مال فأن أنفقه. الثالث: أن يجوز في الموضع الرفع والنصب كقولك: اذهب فتدرك زيدًا، إن شئت كان التقدير: ليكن منك ذهاب فإدراك زيدًا، وإن شئت كان التقدير: افعل أن تذهب فتدرك زيدًا. مسألة: يجوز رفع الفعل بعد الفاء على أحد وجهين: إما على القطع، وإما بالعطف على فعل متقدم، فمن القطع قول كثير أنشده سيبويه:
(٢) ألم تسأل الرابع القواء فينطق وهل تخبرنك اليوم بيداء سملق ومن العطف قوله تعالى: ﴿هذا يوم لا ينطقون * ولا يؤذن لهم فيعتذرون﴾ وإذا قلت: ما تأتينا فتحدثنا جاز في الفعل النصب والرفع، أما النصب فله معنيان: أحدهما: نفي الإيان والحديث معًا، أي: ما تأتينا فكف تحدثنا أي لا إتيان منك ولا حديث. والثاني: إثبات الإتيان، ونفي الحديث كأنك قلت: =
[ ٣٦٢ ]
قال ابن جني: وأما الواو: فإذا كانت بمعنى الجمع / والجواب، فإن الفعل ينتصب بعدها بأن مضمرة أيضًا تقول: لا تأكل السمك وتشرب اللبن: أي لا تجمع بينهما فتنصب قال الشاعر:
لاتته عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم
أي: لا تجمع بين أن تنهى عن خلق وأن تأتي مثله، فإن أردت أن تنهاه عن الأكل والشرب على كل حال جزمت فقلت: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، وكذلك قولك: لا يسعني شيء ويعجز عنك أي: لا يجتمع في شيء أن يسعني وأن يعجز عنك.
_________________
(١) منك إتيان كثير ولا حديث منك، ويحمل على المعنى الأول قولهم: ما بالله حاجة فيظلمك، أي إنما يظلم من يحتاج والله غير محتاج فلا يظلم. وأما الرفع فله معنيان: أحدهما: نفي الإتيان والحديث كأنك قلت: ما تأتينا فما تحدثنا. والثاني: نفي الإتيان وإثبات الحديث كأنك قلت: ما تأتينا ولكن أنت ممن يحدثنا كما تقول: ما تأتينا فأنت تجهل أمرنا، ولا يجوز ما بالله حاجة فيظلمك بالرفع لأنك إن رفعته على القطع أثبت الظلم - تعالى الله - وإن رفعته بالعطف فهو قبيح جدًا، لأ (نه) لم يتقدم فعل تعطف عليه، ومسائل الفاء كثيرة، وهذا القدر كاف. ١١٦/ب قال ابن الخباز: وأما الواو فتنصب في كل موضع / نصبت فيه الفاء، فالأمر: كقولك: زرني وأزورك قال الشاعر:
(٢) فقلت ادعي وأدعو إن أندى لصوت أن ينادي داعيان =
[ ٣٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والنهي: كقولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، وفي التنزيل: ﴿ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق﴾ وقال أبو الأسود:
(٢) لاتته عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم والاستفهام: كقولك: أتجلس وتحدثنا، قال الحطيئة:
(٣) ألم أك جاركم وتكون بيني وبينكم المودة والإخاء والنفي: كقولك: لا يسعني شيء ويعجز عنك وفي التنزيل: ﴿ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين﴾ قال دريد بن الصمة:
(٤) قتلت بعد الله خير لداته ذؤابًا فلم أفخر بذاك وأجزعا =
[ ٣٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والتمني كقولك: ليته يزورنا ويحدثنا، وقرأ بعض القراء: ﴿يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين﴾ بنصب الفعلين الثاني والثالث. والعرض: كقولك: ألا تجلس وتحدثنا. والدعاء: كقولك: اللهم اغفر لي وتدخلني الجنة. والتحضيض كقولك: هلا تزور زيدًا وتعطيه، وهذه الواو تسمى واو الجمع، لأن الغرض منها في المواضع الثمانية الجمع، فإذا قال: لا تأكل السمك وتشرب اللبن فكأنه قال: لا يكن منك أكل السمك وشرب اللبن مجتمعين، ولو أردت أن تنهاه عنهما على كل حال متفرقين ومجتمعين جزمت الفعلين، فقلت: لا تأكل السمك وتشرب اللبن أنشد سيبويه ﵀:
(٢) فلا تشتم المولى وتبلغ أذاته فإنك إن تفعل تسفه وتجهل ١١٧/أوأنشد سيبويه لكعب بن سعيد الغنوي بيتًا / مشكلًا وأنا أذكر زبدة ما فيه وهو:
(٣) وما أنا للشيء الذي ليس نافعي ويغضب منه صاحبي بقؤول فأجاز في يغضب الرفع والنصب: فالرفع على أنه معطوف على الصلة كأنه قال: وما أنا للشيء الذي ليس نافعي، والذي يغضب منه صاحبي بقؤول، والنصب على أنه معطوف على الشيء فكأنه قال: وما أنا للشيء الذي ليس نافعي ولأن يغضب منه صاحبي بقؤول وكان شيخنا ﵀ يطيل ذيل الكلام في هذا البيت، ولا يليق إثبات ما قال بهذا المختصر. =
[ ٣٦٥ ]
قال ابن جني: وأما أو: «فإذا كانت بمعنى إلا أن فإن الفعل ينتصب بعدها بأن مضمرة أيضًا تقول: لأضربنه أو يتقيني بحقي» معناه: إلا أن يتقيني، قال الشاعر:
فقلت له لا تبك عينك إنما نحاول ملكًا أو نموت فنعذرا
معناه: إلا أن نموت، وتقديره في الإعراب: أو أن نموت.
وأما «اللام»: فنحو قولك: زرتك لتكرمني، معناه: لكي تكرمني، وتقديره، لأن تكرمني، ويجوز إظهار أن هنا، قال الله ﷿: ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ أي: لأن يغفر لك الله. فإن اعترض الكلام نفي لم يجز إظهار أن مع اللام، وذلك نحو قول الله تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ وتقديره: لأن يعذبهم. ولا يجوز إظهار أن مع النفي. وأما حتى فقد مضى ذكرها في بابها. وجميع هذه الحروف لا يجوز إظهار أن معها إلا اللام في الواجب وقد ذكرناها.
_________________
(١) وانتصاب ما بعد الواو بأن المضمرة وهي والفعل مصدر معطوف على مصدر مقدر من الكلام المقدم. فإذا قال: لا تحضر وتؤذينا فكأنه قال: لا يكن منك حضور وإيذاء. وموضع أن وما بعدها مع الواو كموضع «أن» وما بعدها مع الفاء، وقد ذكرته. قال ابن الخباز: وأما «أو» فيجوز النصب بعدها مع كل كلام من واجب وغيره، وهي في العطف لأحد الشيئين أو الأشياء، فإذا قلت: يقوم زيد أو يأتي عمرو فمعناه: وجود أحد هذين الأمرين: قال الله ﷿: ﴿تقاتلونهم أو يسلمون﴾. أي: يكون القتال أو الإسلام، فإذا نصبت فقلت: يقوم زيد أو يأتي عمرو، استحال معناها وصار المعنى استغراق القيام لكل زمان يأتي إلى أن يحصل زمان إتيان عمرو، فإنه ينقطع عنده، ومنه قوله: (لأضربنه أو يتقيني بحقي) المعنى: إن ضربي إياه لا يزال مستمرًا حتى يوجد منه الاتقاء بالحق، وزعموا أن في بعض المصاحف: (تقاتلونهم أو يسلموا) فمعنى هذه الآية على هذه القراءة كمعنى
[ ٣٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قوله صلوات الله عليه: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولون: لا إله إلا الله» ١١٧/ب قال امرؤ القيس/:
(٢) فقلت له إن تبك عينك إنما نحاول ملكًا أو نموت فنعذرا كأنه قال: إنما نحاول ملكًا إلا أن نموت، وهم يفسرونها بالاستثنائية. وانتصاب الفعل أيضًا بإضمار «أن» وهي والفعل مصدر معطوف على مصدر مقدر من الكلام المقدم، وتفصيل موضعه من الإعراب قد ذكر مع الفاء. فإن قلت: هلا نصبت الفعل بهذه الأشياء؟ قلت: هذه حروف عطف، وحرف العطف لا يعمل، لأنه يلي الأسماء والأفعال، ويروى عن الجرمي أنه جعل نصب الفعل بعد الواو والفاء بهما. وذهب الكوفيون إلى أن الفعل ينتصب بعد الفاء والواو بالخلاف، لأن الثاني مخالف الأول في المعنى. وأما الحرفان الجاران فاللام وحتى، أما اللام: فمذهب البصريين أنه إذا قلت: زرتك لتكرمني، نصبت بأن مضمرة، لأن هذه اللام حرف جر، لأنك تقول: زرتك للإكرام، وإن كانت جارة لم تعمل في الفعل، لأن عامل الأسماء لا يعمل في الفعل. وذهب الكوفيون إلى أنها ناصبة بنفسها قالوا: لو كانت حرف جر لما دخلت على الفعل، ولو كانت قد دخلت على الفعل، وهي حرف جر جاز دخول من والباء كقولك: عجبت من تكرم زيدًا، وأحسن البناء بنجلس، وتقديره عندكم:
[ ٣٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = من أن تكرم وبأن نجلس، ولا يقولونه. والجواب: أما قولهم: لو كانت حرف جر لم تدخل على الفعل فنقول: لم تدخل على الفعل وإنما دخلت على «أن». وأما قولهم: لو كانت حرف جر (و) دخلت على الفعل، لجاز دخول من والباء. فالجواب: أن اللام حرف معناه التعليل، وهو لا يكون إلا بالأحداث، لأنها أغراض الفاعلين، فلذلك اختصت اللام بالدخول. واللام تستعمل على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يجوز معها إظهار أن وذلك في الواجب، قال الله تعالى في الإضمار: ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا * ليغفر لك الله﴾ / وقال تعالى: ﴿وأمرن لأن أكون أول المسلمين﴾ في الإظهار. أما ١١٨/أجواز الإظهار: فلأنه قد علم أن اللام ليست من عوامل الأفعال، وأما الإظهار: فلأنه الأصل. الثاني: أن يجب معها إظهار «أن» وذلك إذا توسطت «لا» بينهما وبين الفعل كقوله تعالى: ﴿لئلا يعلم أهل الكتاب﴾ وذلك أنه لا يجسر أن يؤتي بفاصل بين الجار والمجرور في الظاهر، ولئلا يدخل الجار على لا مع الفعل. وقال شيخنا ﵀: الإتيان بزائد لا يحتاج الكلام إليه وطرح ما يحتاج الكلام إليه غير مناسب فلذلك وجب إظهار «أن». الثالث: أن يجب إضمار أن وذلك في سياق النفي كقوله تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ وسألت شيخنا ﵀: لم وجب الإضمار؟ فقال: لأن قولك: ما كان ليفعل، نقيض قولك: لقد كان يفعل. وليس في ذلك «أن»، فيجيء بهذا على طريق ما يناقضه. وأما حتى فقد ذكرتها في بابها. ولا يجوز إظهار «أن» بعد الواو والفاء، لأنه لما لم يكن في الكلام الأول مصدر معطوف عليه صريح لم تأت بأن، لأنها تصرح بالمصدر. وجاز إظهار أن مع اللام، لأن اللام متمكنة في الدخول على الأسماء،
[ ٣٦٨ ]