قال ابن جني: وحروفه عشرة: وهي: الواو، والفاء، وثم، وأو، ولا، وبل، ولكن الخفيفة، وأم، وإما مكسورة مكررة، وحتى وقد مضى ذكرها، فهذه الحروف كلها تجتمع في إدخال الثاني في إعراب الأول: ومعانيها مختلفة، فمعنى الواو الاجتماع، ولا دلالة فيها على المبدوء تقول: قام زيد وعمرو أي: اجتمع لهما القيام، لا يدرى كيف ترتيب حالهما فيه ومعنى الفاء التفرق مع مواصلة، أي: الثاني يتبع الأول بلا مهلة تقول: قام زيد فعمر أي: يليه لم يتأخر عنه.
_________________
(١) (باب عطف النسق) قال ابن الخباز: النسق بمعنى المنسوق وهو المنظوم، تقول: نسقت العقد أي: نظمته. ولما كان التابع في هذا الباب غير المتبوع احتاجا إلى رابط، وكان الحرف أولى، لأن الحروف نوائب عن الأفعال. وفي حروف العطف اختصار بديع وهو أنها تكفي مؤونة تكرير العامل، والعطف في المختلفين نظير التثنية في المتفقين. وحروف العطف عشرة، وحكي عن ابن درستويه أنها ثلاثة الواو والفاء وثم، وأسقط الفارسي والزجاجي إما المكسورة، وسنذكر الحجة عند / ذكرها. وقال بعض المتأخرين عد إما في حروف العطف سهو ظاهر. وحروف العطف أربعة أقسام: قسم يشترك بين الأول والثاني في الإعراب والحكم وهو الواو، والفاء، وثم، وحتى، وقسم يجعل الحكم للأول دون الثاني =
[ ٢٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وهو «لا» وقسم يجعل الحكم للثاني دون الأول وهو بل ولكن، وقسم، يجعل الحكم لأحدهما لا يعنيه وهو «أو» و«إما» و«أم». وقبل تفسير الحروف نذكر العامل في المعطوف، وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن العامل الأول بتوسط الحرف، وحجة هذا القائل أنك تقول: اختصم زيد وعمرو ولا يجوز تكرير العامل. الثاني: أن العامل حرف العطف، وحجته أنه لو سقط لاختل الكلام والعامل لا يقتضيه. الثالث: أن العامل محذوف دل عليه العامل المذكور وحجته تكرير العامل كقولك: مررت بزيد وبعمرو، وفي التنزيل: ﴿إذا جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم﴾ وهو كثير في القرآن. أما الواو فإنما بدأنا بها، لأن معناها الجمع المطلق، فنسبتها إلى غيرها نسبة العام إلى الخاص، وقال أبو سعيد ﵀ في شرح الكتاب: «أجمع النحويون واللغويون من البصريين والكوفيين على أن الواو ليست للترتيب» ويدل عليه أربعة أوجه: الأول: أن تقول: اختصم زيد وعمرو، فلو كانت للترتيب لانفرد الأول وهو محال. الثاني قوله ﷿: ﴿ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلًا هدينا ونوحًا هدينا من قبل﴾ فلو كانت للترتيب لكان نوح موجودًا بعد إبراهيم وقبل إبراهيم وهذا محال. الثالث: أن الصحابة ﵃ قالوا للنبي ﷺ في أمر الصفا والمروة: بم نبدأ؟ قال: ابدأوا بما بدأ الله به «فلو فهم أهل اللسان منها الترتيب لما / سألوا». الرابع: أن ابن عباس كان يأمر بالبداءة بالعمرة قبل الحج، وهي مؤخرة في اللفظ فلو أفادت الترتيب كان ابن عباس عاصيًا، وحكوا عن الشافعي أنه ذهب
[ ٢٨٤ ]
قال ابن جني: ومعنى ثم المهلة والتراخي تقول: قام زيد ثم عمرو أي: بينهما مهلة ومعنى أو الشك تقول: قام زيد أو عمرو، ويكون تخيرًا تقول: اضرب زيدًا أو عمرًا أي: أحدهما. وتكون إباحة تقول: جالس الحسن أو ابن سيرين، أي: قد أبحتك مجالسة هذا الضرب من الناس، وأين وقعت أو فهي لأحد الشيئين. ومعنى لا التحقيق للأول والنفي عن الثاني تقول: قام زيد لا عمرو. ومعنى بل: الإضراب عن الأول / والإثبات للثاني تقول: قام زيد بل عمرو.
_________________
(١) = إلى أنها تفيد الترتيب، ولذلك ذهب إلى ترتيب الأعضاء في الوضوء. وذكر أنه يحكيه عن الفراء، ولا شبهة في أن الشافعي ليس أعلم بالنحو من أبي سعيد، وقد قال: ما سمعته. ثم إن الحجج التي أوردناها ظاهرة الدلالة وما الأمر بعد ذلك كله إلا كما قال أبو الفتح بن جني: «وما يحكى عن بعض الأئمة فإني أعيذه منه». وأما الفاء فقال: (معناها التفرق على مواصلة) وهذا تفسير حسن، فمعنى التفرق أن كل واحد من المعطوف والمعطوف عليه منفرد. ومعنى المواصلة: أن الثاني بعد الأول بلا مهلة، فإذا قلت: مررت بزيد فعمرو، فهذا يسميه سيبويه مرورين، وإذا قلت: مررت بزيد وعمرو فهذا يسميه مرورا. فإن قلت: فما تصنع بقولهم: «دخلت البصرة فالكوفة» وبين المدينتين مسافة طويلة؟ قلت: معناه أن المتكلم بعد دخوله البصرة لم يشتغل بشيء غير الدخول إلى الكوفة. قال ابن الخباز: وأما [ثم] فمعناها المهلة والتراخي، فإذا قلت: مررت بزيد ثم عمر فهذا مروران بينهما فاصل، وسألت شيخنا ﵀ عن قوله تعالى في =
[ ٢٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = آخر سورة البلد: ﴿ثم كان من الذين آمنوا﴾ أين المهملة؟ وقد علم أنه إذا أطعم اليتيم وفك الرقبة كان من الذين آمنوا، فقال: ثم إذا دخلت على الجمل لا تفيد الترتيب، وأما قول الهذلي:
(٢) فرأيت ما فيه فثم رزئته فلبثت بعدك غير راضٍ معمري فإن رويته بضم الثاء زدت أحد الحرفين، لئلا تجمع بين حرفي عطف. وإن رويته بفتح الثاء فالفاء هي العاطفة. وأما أو / فلها ثلاثة معان: الشك والتخيير والإباحة، أما الشك: فعلى وجهين أحدهما: أن تقول: قام زيد أو عمرو وأنت جاهل بالقائم فيصير السامع مثلك. والثاني: أن تقول: قام زيد أو عمرو، وأنت عالم بالقائم لكنك تقصد الإبهام، وفي التنزيل: ﴿أتاها أمرنا ليلًا أو نهارًا﴾. وأما التخيير: فكقولك: كن عدوي أو صديقي، وتزوج زينب أو أختها. وأما الإباحة: فكقولك: كل الخبز أو اللحم، وجالس الحسن أو ابن سيرين، والفرق بين التخيير والإباحة: أنك في التخيير لا تجمع بين الشيئين، وفي الإباحة يجوز لك الجمع، والفرق بين أول في الإباحة وبين الواو أنه إذا قال: كل خبزًا أو تمرًا فأكل واحدًا من هذه الأشياء كان متمثلًا الأمر، ولو كانت كالواو لم يمتثل حتى يجمع بينهما كلهما. وقوله: (وأين وقعت «أو» فهي لأحد الشيئين) يشير به إلى الخلاف، لأن الكوفيين يذهبون إلى أنها تكون بمعنى الواو أو بمعنى بل، أما الأول فكقول الشاعر:
(٣) فلو كان البكاء يرد شيئًا بكيت على بجير أو عفاق
[ ٢٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أراد على بجير وعفاق. وأما الثاني فكقوله تعالى: ﴿وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون﴾ معناه: بل يزيدون، والجواب: أما البيت فمحمول على أنه كان يبكي على بجير في وقت وعلى عفاق في وقت آخر، فتكون لأحد الشيئين. وأما الآية فجاءت على الحزر أي: أن الرائي إذا رأهم قال: هم مائة ألف أو أكثر. وأما «لا» فمعناها: إخراج الثاني مما دخل فيه الأول تقول: قام زيد لا عمرو ولا يجوز تكرير العامل بعدها فلا تقول: قام زيد لا قام عمرو / لأنه يلتبس بالدعاء قال ابن السراج ﵀: فإن لم يلتبس جاز. ولا يجوز العطف بها بعد النفي فلا تقول: ما قام زيد لا عمرو فأما قوله تعالى: ﴿ولا تستوي الحسنة ولا السيئة﴾ فلا غير عاطفة، لأنها جاءت بعد النفي، ولأن الواو دخلت عليها. وأما بل فمعناها الإضراب عن الأول والإثبات للثاني، ويجوز العطف بها بعد النفي والإيجاب تقول: قام زيد بل عمرو، وما جاءني عبد الله بل محمد ونص أبو سعيد على أن المضرب عنه لا يستدعي تركه بطوله بدليل قوله تعالى: ﴿أتأتون الذكران من العالمين﴾، ﴿وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون﴾.
[ ٢٨٧ ]
قال ابن جني: ومعنى لكن الاستدراك تقول: ما قام زيد لكن عمرو، وما رأيت أحدًا لكن جعفرًا. إلا أنها لا تستعمل في العطف إلا بعد النفي، ولو قلت: قام زيد لكن عمرو، لم يجز، فإن جاءت بعد الواجب لزم أن تكون بعدها الجملة، تقول: قام زيد لكن عمرو لم يقم، ومررت بمحمد لكن جعفرًا لم أمرر به. ومعنى أم الاستفهام ولها فيه موضعان: أحدهما: أن تقع معادلة متصلة لهمزة الاستفهام على معنى أي. والآخر: أن تقع منقطعة مما قبلها على معنى بل. الأول نحو قولك: أزيد عندك أم عمرو.
معناه: أيهما عندك؟ وأزيدًا أم عمرًا، معناه: أيهما رأيت.
الثاني نحو قولك: هل زيد عندك أم عندك عمرو، معناه: بل أعندك عمرو تركت السؤال الأول، وأخذت في الثاني، وقد تقع في هذا الوجه بعد الخبر.
تقول: قام زيد أم قعد عمرو، ومعناه: بل أقعد عمرو، ومثله من كلامهم: إنها لأبل أم شاء، مضى صدر الكلام على اليقين ثم أدركه الشك فاستثبت فيما بعد / فقال: أم شاء، إلا أن ما بعد بل متحقق، وما بعد أم مشكوك فيه مسئول عنه. قال علقمة بن عبدة:
هل ما علمت وما استودعت مكتوم أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم
أم هل كبير بكى لم يقض عبرته إثر الأحبة يوم البين مشكوم
_________________
(١) قال ابن الخباز: وأما لكن: فهي للاستدراك بعد النفي تقول: (ما) قام زيد لكن عمرو والنهي بمنزلته تقول: لا تأخذ درهمًا لكن دينارًا، ولا يجوز أن تقول: قام زيد لكن عمرو وأجازه الكوفيون، واحتج أصحابنا بأن بل أعنت عنها. واحتج الكوفيون بقياسها على بل، وأجاب أصحابنا بأن لكن تزول عن العطف إذا دخلت الواو عليها كقوله تعالى: ﴿ولكن لا يعلمون﴾ فإذا أردت =
[ ٢٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = العطف بها في الإيجاب جئت بجملتين إحداهما منافية للأخرى كقولك: قام زيد لكن عمرو لم يقم، ولم يقم زيد لكن عمرو قام، وحق الجملتين نوارد النفي والإيجاب على حكم واحد، فلا يجوز: قام زيد لكن عبد الله لم يأكل، لأن الحكمين كليهما يجوز أن يجتمعا لزيد ولعبد الله. وأما «أم» فليست من حروف الاستفهام، كالهمزة وهل ولكنك تعطف بها في الاستفهام وهي على وجهين: أحدهما: أن تكون معادلة لهمزة الاستفهام على معنى أي، وحقيقة هذا اللفظ أنك إذا / أسقطها والهمزة والمعطوف والمعطوف عليه جاز أن تقيم أيا مقام الجميع تقول في معنى قولك: أزيدًا ضربت أم عمرًا؟ أيهما ضربت. وفي معنى قولك: أبزيد مررت أم عمرو؟ بأيهما مررت، فهذا معنى المعادلة. وهي على وجهين: أحدهما: أن يتعدد الحكم ويتحد المحكوم عليه كقولك: أقام زيد أم قعد وأتضرب زيدًا أم تحبسه كأنك قلت: أيهما تفعل بزيد. والثاني: أن يتعدد المحكوم عليه ويتحد الحكم كقولنا: أزيدًا ضربت أم عمرًا، فإن قلت: فما جواب هذا؟ قلت: جوابه بتعيين أحد الشيئين. وهاهنا مسألة يحتاج إلى ذكرها: إذا قلت: أضربت زيدًا أو عمرًا. فجوابه نعم أو لا، (لأن) المعنى أضربت أحدهما، فإذا قلت له: نعم علم به كون أحدهما مضروبًا لا بعينه فيسأل بأم، فتقول: أزيدًا ضربت أم عمرًا فيكون الجواب بذكر أحدهما زيدًا إن كان المضروب زيدًا، وعمرًا إن كان المضروب عمرًا، فأما قول ذي الرمة:
(٢) أذو زوجة في المصر أم ذو خصومة أراك بها بالبصرة العام ثاويًا فقلت لها: لا إن أهلي جيرة لأكثبة الدهنا جميعًا وماليًا =
[ ٢٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فإنما أجابها بلا، لأنه جعلها منقطعة كأنها قالت: أذو زوجة بالمصر بل أنت ذو خصومة. وأما المنقطعة: فتستعمل بعد الخبر والاستفهام جميعًا، تقول في الاستفهام هل عندك زيد أم (عندك عمرو، بدأت السؤال) بالاستفهام عن استقرار زيد عنده ثم (تركت السؤال الأول وأخذت في الثاني) بالاستفهام عن عمرو. وجوابه نعم أو لا. (ومعناه: بل أعندك عمرو) لأن في أم إضرابًا واستفهامًا فجيء ببل والهمزة في التفسير. وتقول في الخبر وهو من كلامهم: «إنها لأبل أم شاء» هذا القائل رأى أشخاصًا من بعد فسبق إلى نفسه برؤيتها أنها إبل، فأخبرنا على اعتقاده، فلما قرب منها تجلت له فنقض اعتقاده أنها إبل وتردد في أنها شاء، فلذلك استثبت فكأنه في التمثيل: بل أهي شاء وجوابه نعم أم لا. / قال علقمة بن عبدة وهو شاعر من تميم، عبدة بفتح الباء، وعبدة بن الطبيب بسكونها، وهذا البيتان أنشدهما المفضل:
(٢) هل ما علمت وما استودعت مكتوم أم حبلها إذ نأتك اليم مصروم أم هل كبير بكى لم يقض عبرته إثر الأحبة يوم البين مشكوم وقوله: أم هل كبير يوجب تقدير أم ببل وحدها، لأنك لو قدرته ببل والهمزة =
[ ٢٩٠ ]
قال ابن جني: ومعنى إما كمعنى أو في الشك والإباحة والتخيير تقول: اضرب إما زيدًا وإما عمرًا، وكل إما سمكًا وإما تمرًا، إلا أنها أقعد في لفظ الشك من أو.
ألا ترى أنك تبتدئ بها شاكًا فتقول: قام إما زيد وإما عمرو، وتقول: قام زيد أو عمرو، تمضي صدر كلامك على اليقين ثم تأتي بأو فيما بعد فيعود الشك ساريًا من آخر كلامك إلى أوله.
واعلم أنك تعطف الاسم على الاسم إذا اتفقا في الحال، والفعل على الفعل إذا اتفقا في الزمان تقول: قام زيد وعمرو، لأن القيام يصح من كل واحد منهما، ولا تقول: مات زيد والشمس، لأن الشمس لا يصح موتها، وتقول: قام زيد وقعد، لاتفاق زمانيهما. ولا تقول: يقوم زيد وقعد لاختلاف زمانيهما.
_________________
(١) = لأدخلت الهمزة على هل، وفي سورة الطور اثنتا عشرة آية مصدرة بأم كل واحدة فيها إضراب عما قبلها من القصة. قال ابن الخباز: وأما إما فبمنزلة أو في الشك والتخيير والإباحة، تقول في الشك: قام إما زيد وإما عمرو، وتقول في التخيير: خذ إما درهمًا وإما دينارًا، وتقول في الإباحة: جالس إما الفقهاء وإما المحدثين، وهي أبلغ في الشك من أو لأنك تقول: قام إما زيد وإما عمرو فتبني كلامك معها على الشك، وإذا قلت: قام زيد أو عمرو احتمل وجهين: أحدها: أن تقول: قام زيد، شاكًا ولكن الشك لا يتبين للسامع إلا بأو ومع إما يتبين من أول الأمر. والثاني: أن تقول: قام زيد متيقنًا ثم يدركك الشك، فتقول: أبو عمرو. =
[ ٢٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = واحتج أبو علي على أن إما ليست بحرف عطف من وجهين: أحدهما: أنك تقول ضربت إما زيدًا وإما عمرًا، / فتقدمها على المعطوف عليه، وهذا لا يكون في حروف العطف والثاني: أنك تقول: وإما عمرًا فتدخل عليها الواو، ولا يجتمع حرفان بمعنى. وأما حتى فقد ذكرت في بابها. فهذه الحروف تعطف بها الأسماء على الأسماء، والأفعال على الأفعال، والمفرد على المفرد، والجملة على الجملة تقول: قام زيد وعمرو، وزيد يقوم ويقعد، وزيد قائم وعمرو جالس، ولك أن تغاير بين الأسماء المعطوفة فتعطف المعرفة على المعرفة وعلى النكرة، والنكرة على النكرة وعلى المعرفة. والمذكر على المذكر وعلى المؤنث، والمؤنث على المؤنث، وعلى المذكر، وكذلك المفرد والمثنى والمجموع، وفي التنزيل: ﴿إن المسلمين والمسلمات﴾ وفيه ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة﴾. وإذا عطفت المرفوع على المرفوع، والمنصوب على المنصوب والمجرور على المجرور، والمجزوم على المجزوم وجب أن يشتركا في عامل واحد، فإذا [قلت] قام زيد والعبد تبع، كان العبد مبتدأ. ولا يعطف على زيد مع جعله مبتدأ، لأنه لا يرتفع من وجهين. وكذلك إذا قلت إن زيدًا أكرمته وعمرًا شتمته إن نصبت عمرًا بفعل محذوف لم يكون لك أن تعطفه على زيد ولا على الهاء في أكرمته. وإذا لم يمكن اتفاق الاسمين في الحكم، لم يجز العطف فلا تقول: مات زيد والشمس، ولا كلمت زيدًا والحجر، لأن الشمس لا تموت والحجر لا يتكلم. وكذلك سائر حروف العطف. وإذا لم يتفق الفعلان في الزمان لم يجز العطف فلا تقول: قام زيد ويقعد ولا يقوم زيد وقعد، لأن الذي يدل عليه الفعل الزمان المحصل والحدث، فإذا نافيت بين الزمانين زالت الشركة. وليس في عطف الظاهر على الظاهر إشكال.
[ ٢٩٢ ]
قال ابن جني: وتعطف المظهر / على المظهر، والمضمر على المضمر، والمظهر على المضمر، والمضمر على المظهر.
تقول في عطف المظهر على المظهر: قام زيد وعمرو، وفي عطف المضمر على المضمر رأيتك وإياه، وفي عطف المظهر على المضمر: رأيتك وزيدًا، وفي عطف المضمر على المظهر: قام زيد وأنت، فإن كان المضمر مرفوعًا متصلًا لم تعطف عليه حتى تؤكده فتقول:
قمت أنت وزيد، ولو قلت: قمت وزيد من غير توكيد لم يحسن، قال الله ﷿: ﴿أسكن أنت وزوجك الجنة﴾ وربما جاء في الشعر غير مؤكد، قال عمر ابن أبي ربيعة:
قلت إذا أقبلت وزهر تهادى كنعاج الفلا تعسفن رملا
فإن كان المضمر منصوبًا حسن العطف عليه تقول: رأيتك وزيدًا.
_________________
(١) قال ابن الخباز: وها هنا تقسيم في المظهر والمضمر، فتقول: إذا كان المعطوف عليه مظهرًا، والمعطوف مضمرًا، فإن كان مرفوعًا وجب أن يكون منفصلا كقولك: قام زيد وأنت، وكذلك إن كانا منصوبين كقولك: دعوت عمرًا وإياك، وفي التنزيل: ﴿يخرجون الرسول وإياكم﴾ وإن كانا مجرورين فلابد من ذكر العامل كقولك: مررت بزيد وبك وعلة ذلك كله أن حرف العطف ليس بعامل فلا يتصل به المرفوع والمنصوب والمجرور. وإن كان المعطوف عليه مضمرًا والمعطوف مظهر فإن كان الأول مرفوعًا أو منصوبًا منفصلًا فهو كالظاهر كقولك: (أنت) قائم وزيد، وإياك دعوت وعمرًا، وإن كان المعطوف عليه متصلا فإن كان مرفوعًا لم يعطف عليه حتى يؤكد بمرفوع منفصل كقوله تعالى: ﴿أسكن أنت وزوجك الجنة﴾، ﴿فاذهب أنت وربك﴾ وعلته أن المتصل المرفوع اشتد اتصاله بالفعل فلو عطف عليه من غير =
[ ٢٩٣ ]
قال ابن جني: فإن كان المضمر مجرورًا لم تعطف عليه إلا بإعادة الجار تقول: مررت بك وبزيد، ونزلت عليك وعلى عمرو، ولو قلت: مررت بك وزيد كان لحنًا على أنهم قد أنشدوا:
فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا فاذهب فما بك والأيام من عجب
_________________
(١) = توكيد لكان في الظاهر كعطف الاسم على الفعل. وذهب الكوفيون إلى جواز ترك التوكيد، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آبناؤنا﴾ وبقول عمر بن أبي ربيعة:
(٢) قلت إذا أقبلت وزهر تهادى كنعاج الفلا تعسفن رملًا والجواب عن الآية أن الفصل بلا قام مقام التوكيد، وعن البيت أنه ضرورة. قال ابن الخباز: وإن كان المعطوف عليه مجرورًا وجبت إعادة الجار كقولك: مررت بك وبزيد. وسرت إليك وإلى عمرو، وكذلك المعطوف على المجرور بالإضافة كقولك: بينك وبين زيد درهم. قال أبو علي: لأن المضمر المجرور أشبه التنوين حيث كان على حرف واحد، ولم يجز الفصل بينه وبين ما هو معه، فلذلك أعيد الجار. وذهب الكوفيون إلى جواز ترك الإعادة، واحتجوا بقوله: ﴿وصد عن سبيل الله وكفروا به والمسجد الحرام﴾ وبقوله تعالى: ﴿تساءلون به والأرحام﴾. ويقول الشاعر:
(٣) فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا فاذهب فما بك والأيام من عجب
[ ٢٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والجواب عن الآية الأولى: أن جر المسجد بالعطف على سبيل الله أو على الشهر وعن الآية الثانية: أن الواو للقسم، وعن البيت: أنه ضرورة. ولا إشكال في العطف على المنصوب كقولك: دعوتك وزيدًا، لأن المنصوب منفصل في الحكم، وإن كان متصلا في اللفظ فلذلك لا تعيد عامله. والجواب غير ممنوع. وأما الألفاظ التي في الأبيات المنشدة، فنأتك: أبعدتك. أو يكون التقدير نأت عنك، والمصروم: المقطوع، والحبل: العهد، والعبرة: الدمعة. ويقال إثر وأثر، والبين: الوصل والفراق، ومنه: ﴿لقد تقطع بينكم﴾ أي: وصلكم والمشكوم: المجزي. وأما بيت عمر فالزهر جمع زهراء، وهي البيضاء، وتهادى تمشي مشيا رويدًا، والنعاج: جمع نعجة: وهي البقرة الوحشية. الفلاة: الصحراء وتعسفن: سلكنه على غير قصد.
[ ٢٩٥ ]