قال ابن جني: اعلم أن الفاعل عند أهل العربية كل اسم ذكرته بعد فعل، وأسندته، ونسبت ذلك الفعل إلى ذلك الاسم. وهو مرفوع بفعله، وحقيقة رفعه بإسناد الفعل إليه، والواجب وغير الواجب في ذلك سواء، تقول في الواجب: قام زيد، وفي غير الواجب: ما قام زيد، وهل يقوم زيد. واعلم أن الفعل لابد له من الفاعل.
_________________
(١) = وحمله على حذف الخبر أحسن، لأن الاتساع في الخبر أكثر من الاتساع في المبتدأ وإن حذفت المبتدأ كان التقدير: أمرنا طاعة. وأما البيت الذي أنشده وهو قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
(٢) فقالت على اسم الله أمرك طاعة وإن كنت قد كلفت ما لم أعود فلم يستشهد به على الحذف، وإنما استشهد به على صحة تقدير «أمرنا» في الآية والإخبار عنه بطاعة، والجار في قوله: «على اسم الله» متعلق بمحذوف، أي: أفعل ذلك على اسم الله. وطاعة بمعنى مطاع، وكذلك في الآية، أي: أمرك مطاع، كما يقال: هذا ٢٥/ب الثوب نسج/ اليمن، أي: منسوج اليمن. (باب الفاعل) قال ابن الخباز: (اعلم أن الفاعل عند أهل العربية كل اسم ذكرته بعد فعل)، وإنما قال: (عند أهل العربية) لأن غيرهم يخالفهم في معناه، فمذهب الفلاسفة: أن الفاعل عبارة عن المؤثر كالنار التي تؤثر الإحراق وغير ذلك. ومذهب علماء الكلام: أن الفاعل عبارة عن المؤثر القادر الذي يصح منه الفعل والترك، ومذهب اللغويين: أن الفاعل عبارة عن الذي يوجد الفعل، وهو عند النحويين: كل اسم أسند إليه فعل حقيقي غير معير الصيغة أو شبهه مقدما عليه أبدا، وفي هذا الحد احترازات نحن نبينها
[ ١١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الأول: كونه اسما، وإنما لزم ذلك، لأنه مخبر عنه والفعل والحرف غير مخبر عنهما فلا يكونان فاعلين. الثاني: حقيقي، وذلك احتراز من كان وأخواتها، لأنها أفعال غير حقيقة، فالمرفوع منها مشبه بالفاعل. الثالث: قولنا: «غير مغير الصيغة» احتراز من الفعل المبني للمفعول به كقولنا: ضرب زيد. ويريد بشبهه الأسماء العاملة ما خلا أسماء المفعولين: لأن المرفوع بها مفعول غير مسمى الفاعل، وذلك اسم الفاعل، والصفة، والمصدر، واسم الفعل كقولك: مررت برجل قائم أبوه، وزيد حسن وجهه، وسرني ذهاب أخوك، وشتان ما زيد وعمرو. والرابع: قولنا: مقدم عليه أبدًا، وذلك احترازًا من مثل قولنا: زيد قام، فإن الفاعل لا يقدم على الفعل، وسنذكر علته. ويلزم من وجوب تقديم الفعل على الفاعل أن لا يكون الفاعل شرطًا ولا استفهامًا: لأنهما لا يعمل فيهما ما قبلهما، وإذا عرفت حد الفاعل فلا فرق بين الواجب وغيره، تقول في الواجب: /قام زيد، وفي غير الواجب: ما قام زيد، ٢٦/أوهل يقوم زيد، وليقيم زيد، والواجب الخبر الثابت. وقوله: (وحقيقة رفعه بإسناد الفعل إليه) فيه نظر، لأن الفاعل لم يرتفع بنفس الإسناد، وإنما ارتفع بالمسند، والإسناد شرط في وجود الرفع، وإنما جعلنا المسند هو الرافع، لأن الفعل هو المقتضي للفاعل فكان هو العامل فيه. وذهب قوم إلى أن رافعه الفاعلية وهذا باطل لثلاثة أوجه: الأول: أنه يرتفع في النفي ولا فاعلية. والثاني: تقول: رخص السعر، وانقض الجدار، ومات زيد ولا فاعلية. والثالث: أن اسم كان مرتفع بها بلا خلاف، وهي فعل غير حقيقي
[ ١٢٠ ]
قال ابن جني: ولا يجوز تقديم الفاعل على الفعل. فإن لم يكن مظهرًا بعده، ٩/ب فهو مضمر فيه / لا محالة، تقول: زيد قام، فزيد مرفوع بالابتداء، وفي قام ضمير زيد، وهو مرفوع بفعله. فإن خلا الفعل من ضمير لم تأت فيه بعلامة تثنية ولا جمع، لأنه لا ضمير فيه تقول: قام زيد، وقام الزيدون كله بلفظ واحد في قام. فإن كان فيه ضمير جئت فيه بعلامة التثنية والجمع تقول: الزيدان قاما، والزيديون قاموا فالألف في قاما علامة التثنية والضمير والواو في قاموا علامة الجمع والضمير.
_________________
(١) = فلا يقصر باع الفعل الحقيقي عنها، ولا فرق بين المضارع والماضي والأمر في اقتضاء الفاعل وعملها فيه كقولك: قام زيد، ويذهب عمرو واجلس. وليس للفعل بد من الفاعل لوجهين: أحدهما: أن الفعل حديث، والحديث عن غير محدث عنه معدوم الفائدة. والثاني: أنك لو ذكرت الفعل بغير فاعل لكان مفردًا، والمخاطب لا يستفيد من المفرد شيئًا لأنه يساويك في معرفة معناه. قال ابن الخباز: وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز تقديم الفاعل على الفعل، فلا تقول: زيد ضرب معتقدًا أنه فاعل مقدم، واحتجوا في ذلك بثلاثة أوجه: الأول: أن الفاعل كالجزء من الفعل وجزء الشيء لا يقدم عليه. والثاني: أن الفاعل يلزم ذكره فجيء به بعد الفعل إشعارًا باللزوم. والثالث: أن الفاعل لو ذكر قبل الفعل لم يشعر اللفظ بأنه فاعل. ٢٦/ب وذهب الكوفيون إلى جواز تقديمه، فمما احتجوا به / قول الراجز:
(٢) لسن بأنياب ولا حقائق ولا ضعاف مخهن زاهق أراد زاهق مخهن، واحتجوا بقول الشاعر:
[ ١٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ٣٢ - ولابد من وجناء تشري براكبٍ إلى ابن الجلاح سيرها الليل قاصد أراد: قاصد سيرها الليل، والجواب: عن البيت الأول: أن مخهن بدل من الضمير في ضعاف. وعن البيت الثاني: أن قاصدًا صفة لراكب. وقوله: (لا محالة) كقوله: (لابد) وهي في الأصل مصدر حال يحول أي: لا تحول عن ذلك، وأما قوله: (زيد قام) فزيد فيه مبتدأ، وفاعل في المعنى، أما الأول فلأن العوامل تدخل عليه كقولك: إن زيدًا قام وظننت زيدًا قام. وأما الثاني: فلأن في قام ضميرًا يعود عليه وهو هو في المعنى، وإنما استكن في قام ضمير لوجهين: أحدهما: أن زيدًا لا يجوز أن يكون فاعلًا، ولابد للفعل من فاعل. والثاني: أنك تقول في التثنية والجمع الزيدان قاما، والزيدون قاموا، فبروزه في التثنية والجمع دليل على استكنانه في الواحد. وإنما أكنوه، لإحاطة العلم بأن الفعل لا يخلو من الفاعل الواحد، وإنما برزوه في التثنية والجمع، لأنه يجوز أن يخلو منهما. وإذا كان الفاعل مفردًا مذكرًا لم يؤت في الفعل بعلامة كقولك: قام زيد، لأن الإفراد والتذكير أصلان فلا يحتاجان إلى دليل. وإن كان مثنى أو مجموعًا كقولك: قام أخواك، وقام الزيدون، فاللغة الشائعة الفصيحة إخلاؤه من العلامة، لأن وجود التثنية والجمع في الفاعل مغن عن إلحاقهما الفعل، وفي التنزيل: ﴿وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله﴾ وقال بعض العرب: قاما أخواك، وقاموا / إخوتك، وقمن جواريك، وفي ذلك ثلاثة أقوال: ٢٧/أأحدها: أن المضمرات ملحقات وما بعدها بدل منها. والثاني: أن المظهرات مبتدآت، والأفعال أخبار مقدمات. والثالث: أن الألف والواو والنون أدلة على التثنية والجمع كالتاء في قامت هند. وأما قوله تعالى: ﴿وأسروا النجوى الذين ظلموا﴾ ففي الذين أقوال كثيرة، فقيل: =
[ ١٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بدل من الناس، وقيل: بدل من الضمير في حسابهم، وقيل: يدل من هم. وقيل: بدل من معرضون، وقيل: بدل من الضمير فيه، وقيل: بدل من الضمير في يأتيهم، وقيل: بدل من الضمير في ربهم. [و] قيل: بدل من الضمير في استمعوه. وقيل: بدل من هم. وقيل: بدل من الواو في يلعبون. وقيل: بدل من الهاء والميم في قلوبهم. وقيل: بدل من الواو في أسروا. وقيل: فاعل النجوى. وقيل: فاعل أسروا. وقيل: مبتدأ، أسروا خبره. وقيل: خبر مبتدأ محذوف. فإن أسندت الفعل إلى ضمير المثنى والمجموع كقولك: الزيدان قاما والزيدون قاموا، والهندان قامتا، والهندات قمن، وجب إبراز الضمير لما ذكرنا. ومذهب سيبويه أن الألف والواو والنون أسماء مرتفعات بأفعالها، وحجته: أنها حلت محل المظهرات فكانت أسماء، ألا ترى أن الأصل: الزيدان قام الزيدان: والزيدون قام الزيدون؟ كقوله تعالى: ﴿الحاقة﴾، ﴿ما الحاقة﴾ و﴿القارعة﴾، ﴿ما القارعة﴾ فالألف حالة محل الزيدان، والواو حالة محل الزيدون. ومذهب أبي الحسن أنها أدلة على تثنية الضمير المستكن وجمعه، وحجته أنه ضمير غائب فكان مستكنًا قياسًا على ضمير الواحد.
[ ١٢٣ ]
قال ابن جني: فإن كان الفاعل مؤنثًا جئت في الفعل بعلامة التأنيث، تقول: قامت هند، وقعدت جمل، فالتاء علامة التأنيث، فإن كان التأنيث غير حقيقي كنت في إلحاق العلامة وتركها مخيرًا، تقول، حسنت دارك، واضطرمت نارك، وإن شئت حسن واضطرم، إلا أن إلحاقها أحسن من حذفها، فإن فصلت بين الفعل والفاعل ازداد ترك العلامة حسنًا، تقول: حسن اليوم دارك، واضطرم الليلة نارك، وقد يجوز مع الفصل تذكير الفعل مع التأنيث الحقيقي قال الشاعر:
إن أمرأ غره منكن واحدة بعدي وبعدك في الدنيا المغرور
/ ولم يقل: غرته، ولك في كل جماعة تذكير فعلها وتأنيثه، تقول: قام الرجال، ١٠/أوقامت الرجال، وقام النساء، فمن ذكر أراد الجمع، ومن أنث أراد الجماعة.
_________________
(١) قال ابن الخباز: وإن كان الفاعل مؤنثًا لم يخل من أن يكون حقيقيًا أو غير حقيقي، والمذكر كذلك أيضًا حقيقي وغير حقيقي / فالمذكر الحقيقي: ما كان يازائه ٢٧/ب أنثى من الحيوان كالرجل والحمار والجمل والحمل. والمذكر غير الحقيقي: ما لم يكن حيوانًا كحجر وثوب. والمؤنث الحقيقي: ما كان يازائه مذكر من الحيوان كالمرأة، والأتان، والناقة، والرحل والحقيقي أقوى، لأنه خلقى، فإن كان الفاعل مؤنثًا حقيقيًا وجب إلحاق التاء بالفعل الماضي المسند إليه، كقولك: قامت هند وقعدت جمل. وإن كان الفعل مضارعًا وجب مجيء التاء في أوله، كقولك: تقوم هند وتقعد جمل، وأصل إلحاق التاء إرادة الدلالة على تأنيث الفاعل، وعلة وجوبها: كون التأنيث حقيقًا غير زائل. وسألت شيخنا ﵀ فقلت له: هلا اكتفوا بتأنيث الفاعل؟ فقال: هذا لا يستقيم، لأن المذكر قد يسمى بالمؤنث. قال الشاعر:
(٢) تجاوزت هندًا رغبة عن قالته إلى مالك أغشو إلى ذكر مالك =
[ ١٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والمؤنث قد يسمى بالمذكر كجعفر، أنشد المبرد في الكامل:
(٢) يا جعفر يا جعفر يا جعفر إن أك دحداحًا فأتت أقصر ومثناه بمنزلة مفرده، تقول: قامت الهندان وقعدت الزينبان، لأن صيغة المفرد باقية، فإن كان المؤنث غير حقيقي: لم يخل من أن يفصل بينه وبين الفعل أولًا، فإن لم يفصل بينهما فإلحاق العلامة أحسن كقولك: حسنت دارك، واضطرمت نارك، وذلك لأن علامة التأنيث فيه مقدره فروعي لفظه، والدار والنار مؤنثتان، ومن كلامهم: هذه الدار ونعمت البلد، وفي التنزيل: ﴿النار وعدها الله الذين كفروا﴾ فإن فصل بينهما حسن ترك العلامة كقولك: حسن اليوم دارك، لأن ٢٨/أتاء التأنيث ألحقت بالفعل لما بينه / وبين الفاعل من الجزئية، والفصل يضعف هذه الجزئية وإلحاق العلامة أحسن، لأن الفصل لا يزيل التأنيث. فإن أسندت الفعل إلى مضمر المؤنث غير الحقيقي، وجب إلحاق العلامة كقولك: الأرض أعشبت، لأن اتصال الفعل بالمضمر أشد (من) اتصاله بالمظهر، وأما ما أنشده أبو علي ﵀:
(٣) تجوب بنا الفلاة إلى سعيد إذا ما الشاة في الأرطاة قالا فإنما طرح العلامة، لأنه عنى بالشاة الثور الوحشي. وقال ابن القابلة: ويجوز للشاعر طرح التاء من الفعل المسند إلى المؤنث الحقيقي إذا فصل بينهما، =
[ ١٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وذلك محمول على الضرورة لإقامة الوزن. وأما ما أنشده أبو الفتح ﵀، وهو:
(٢) إن امرأ غره منكن واحدة بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور فلا حجة فيه، لأنه يجوز أن يريد بواحدة خصلة أو فعلة. والجيد ما أنشده أبو علي، وهو قول جرير:
(٣) لقد ولد الأخيطل أم سوء على قمع استها صلب وشام وأما الفعل المسند إلى الجماعة ففيه مسائل تبنيه: المسألة الأولى: جمع التصحيح بالواو والنون لا يؤنث فعله كقولك: قام الزيدون، لأن لفظ المذكر الحقيقي باق. وذهب ابن بابشاذ إلى جوازه حملًا على أنه جماعة. ويجوز تأنيث فعل. بنين، قال النابغة:
(٤) قالت بنو عامر، خالوا بني أسد يا بؤس للجهل ضرارًا لأقوام وعلة جوازه أن بنين مبني على واحد غير مستعمل. المسألة الثانية: جمع التأنيث بالألف والتاء، إن كان للمؤنث كالهندات، جاز إلحاق / العلامة وتركها. فالتذكير نظر إلى أنه جمع، والتأنيث نظر إلى أنه جماعة. ٢٨/ب وإن كان للمذكر كالطلحات فهو كذلك، فالتذكير (نظر) إلى أن وجدانه =
[ ١٢٦ ]