قال ابن جني: / اعلم أن القسم ضرب من الخبر، يذكر ليؤكد به خبر آخر، ٤٩/أوالحروف التي يصل بها القسم إلى المقسم به ثلاثة وهي: الباء، والواو، والتاء. فالباء هي الأصل، والواو بدل منها، والتاء بدل من الواو، والباء تدخل على كل مقسم به مظهرًا كان أو مضمرا، فالمظهر نحو قولك: بالله لأقومن، والمضمر / نحو قولك: به لأنطلقن، أنشد أبوزيد: ٤٩/ب
ألا نادت أمامة باحتمال لتحزنني فلا بك من أبالي
والواو تدخل على المظهر دون المضمر تقول: «والله لأذهبن وأبيك لأنطلقن».
_________________
(١) (باب القسم) قال ابن الخباز: القسم: اسم للمصدر الذي هو الإقسام، وليس بمصدر، لأن المصدر أقسم إقسامًا، وقد استعمل في موضعه، قال أبو خراش الهذلي:
(٢) قد كنت أقسمت فتثبت القسم والقسم ضرب من الخبر، لأنه جملة من فعل وفاعل كقولك: حلفت بالله أو من مبتدأ وخبر كقولك: علي عهد الله، وإنما يؤكد (به) لتوكيد جملة المحذوف عليه، لأن المخبر إذا أخبر بجملة موجبة أو منفية وخاف أن يظن به الكذب أقسم بمن يعظم في اعتقاده، على أن الأمر كما ادعى من إيجاب أو نفي، وصناعة الإعراب تسوغ الحلف بكل اسم يجوز دخول حروف القسم عليه، كقولك، والله وأبيك، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تحلفوا بآبائكم وأمهاتكم / ولا تحلفوا ١٥٥/أبالله إلا وأنتم صادقون» وقيل: مما عوقبت به السحرة بإبطال سحرها قولهم:
[ ٤٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ﴿بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون﴾ والله أعلم. إن فعل القسم فعل غير متعد بنفسه، وذلك نحو: أقسمت وحلفت وآليت فلابد من حروف جر يوصله إلى الاسم المقسم به. والحروف التي تعديه في أكثر الأمر ثلاثة: الباء والواو والتاء، فالباء هي الأصل لثلاثة أوجه: الأول: أن فعل القسم يظهر معها، قالت غنية الأعرابية:
(٢) أحلف بالمروة يومًا والصفا أنك خير من تفاريق العصا الثاني: أنها تدخل على الظاهر والمضمر تقول: بالله لأفعلن، وبك لأعبدنك أنشد أبو زيد، وهو من أبيات الحماسة:
(٣) ألا نادت أمامة باحتمال لتحزنني فلا بك لا أبالي وأنشد أبو زيد أيضًا، وهو من أبيات الإيضاح:
(٤) رأى برقًا فأوضع فوق بكر فلا بك ما أسأل ولا أغاما وإنما دخلت على المضمر، لأنها تكون حرف جر في غير القسم كقوله تعالى: ﴿فخسفنا به وبداره الأرض﴾.
[ ٤٧٥ ]
قال ابن جني: والتاء تدخل على اسم الله ﷿ وحده، تقول: تالله لأركبن، قال الله ﷿: ﴿وتالله لأكيدن أصنامكم﴾، والأصل في هذا كله أحلف بالله، وأقسم بالله، فحذف الفعل تخفيفًا في أكثر الأمر.
فإن حذفت حرف القسم، نصبت الاسم بعده بالفعل المقدر. تقول: الله لأذهبن أباك لأقومن، قال امرؤ القيس:
فقالت يمين الله مالك حيلة وما إن أرى عنك الغواية تنجلي
ومن العرب من يجر اسم الله تعالى وحده مع حذف الجر، فيقول: الله لأقومن وذلك لكثرة استعمالهم هذا الاسم، وتقول: إي هالله فتجر الاسم بها. لأنها صارت بدلًا من الواو، وكذلك قولهم في الاستفهام:
آلله لأذهبن، صارت همزة الاستفهام عوضًا من الواو، فجرت الاسم / ٥٠/أوتقول في التعجب. لله لأقومن، وتقول: من ربي ومن ربي لأذهبن.
_________________
(١) الثالث: أنها تستعمل في الاستعطاف كقولك بالله متى تزورنا، أنشد أبو علي:
(٢) خليلي هل من حيلة تعلمانها يدنيكما من وصل مي احتيالها فتحتالها أولا وإلا فلم تكن بأول راج حاجة لا ينالها والواو بدل من الباء، وإنما أقاموها مقامها، لأنها شابهتها في المخرج، لأنهما شفويتان، ولا تدخل إل على المظهر، تقول: والله، وقد كثر القسم بالواو في القرآن ولا يجوز أن تقول: وك كما تقول: بك لأن الواو لا تكون جارة إلا في القسم. قال ابن الخباز: والتاء بدل من الواو، ولا تدخل إلا (على) اسم الله تعالى كقوله تعالى: ﴿وتالله لأكيدن أصنامكم﴾ وفيها معنى التعجب، وقد = ١٥٥/ب
[ ٤٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = حكى الأخفش: «ترب الكعبة» وهو قليل. ولا شبهة في أن الأصل ظهور فعل القسم، فيقال: أحلف بالله، وفي التنزيل: ﴿قالوا تقاسموا بالله﴾ وإنما جاز حذفه لأن الحال تدل عليه. وقد يزيدون الاتساع بأن يحذفوا حرف الجر، فإذا حفوه وصل فعل القسم إلى الاسم المحلوف به فنصبه كقولك: الله لأفعلن، وأباك لأذهبن والأصل: أحلف بأبيك، فحذف أحلف والباء، وذلك لكثرة القسم في كلامهم. قال امرؤ القيس:
(٢) فقالت يمين الله مالك حيلة وما إن أرى عنك الغواية تنجلي وقال ذو الرمة:
(٣) ألا رب من قلبي له الله ناصح ومن قلبه لي في الظباء السوانح وبعض العرب يجر اسم الله تعالى وحده بعد حذف الحرف، فيقول: الله لأفعلن لأن حلفهم بهذا الاسم كثير ولا يجيز البصريون جر غيره، فلا يقولون: أبيك لأقومن لأن الحلف لم يكن به ككثرته بالله ﷿، وأجازه الكوفيون، وحجتهم أن موضع الحرف قد علم، فجاز حذفه وإعماله، والجواب: أن حرف الجر ضعيف جدًا، فلا يجوز إعماله بعد الحذف، وقيل: إنه قرئ: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ وقال بعض الجهال بالعربية: إنه بدل من اسم الله تعالى في قوله تعالى: ﴿تلك آيات الله﴾ أسخن الله عينه ما هذا الإبدال، وقد فصلت بينهما =
[ ٤٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = آيتان تشتمل على جمل كثيرة أنسين المبدل منه، والصواب أن يقال: إنه مقسم به مجرور بالباء المحذوفة والجواب: ﴿لا تأخذه سنة﴾ وأما قول المتلمس:
(٢) آليت حب العراق الدهر أطعمه والحب يأكله في القرية السوس قال سيبويه: تقديره: آليت على حب العراق، فحذف الجار / ووصل الفعل ١٦٥/أوقيل: إن حب العراق منصوب بفعل دل عليه أطعمه، تقديره: آليت لا أطعم حب العراق. واعلم أنهم يعوضون من حرف الجر المحذوف في القسم ثلاثة أشياء، فيجرون بها المقسم به، الأول: «ها» التي للتنبيه، قالوا: إي ها الله ذا، ولاها الله ذا، وفيها لغتان: الأولى: أن يقال: إي هالله ذا بحذف ألف «ها» لالتقاء الساكنين. والثانية: إثباتها فيقولون: إي ها الله ذا كقولك: ﴿ولا الضالين﴾ وقال الخليل: إن قولهم: إي ها الله ذا مشتمل على القسم وجوابه، كأنه قال: إي ها الله للأمر ذا. فإن قلت: فكيف تقدير هذا الكلام وما أصله؟ قلت: كأنك سألت إنسانًا عن أمر فقلت له: أقام زيد؟ فقال: إي ها الله ذا وتقديره إي والله للأمر هذا، فحذفت الواو، وقدمت «ها» مكان الواو، وحذف للأمر، فالمقسم به فاصل بين حرف التنبية واسم الإشارة. وقال أبو الحسن: =
[ ٤٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = جواب القسم محذوف «وذا» توكيد لجملة القسم، كأنه قال: إي ها الله ذا الأمر كذا قد أشار به إلى القسم. الثاني: ألف الاستفهام كقوله: ألله لتفعلن جروا الاسم بها، لأنها صارت عوضًا من الباء. الثالث: قطع ألف الوصل، وذلك لا يكون إلا مع فاء العطف، تقول: أنا أبيع داري، فيقول لك السائل: أفألله لتبيعن، فلابد من قطع ألف الوصل «لأنها صارت عوضًا من الباء المحذوفة. وقد استعملوا في القسم حرفين آخرين، وهما اللام ومن، أما اللام فكقولك لله لأفعلن، ومعناها: الاختصاص، كأنك قلت: أحلف لله، أي: أختص بيميني الله، ولا أحلف بغيره، وقد أنشد سيبويه بيتًا لبعض الهذليين:
(٢) لله يبقى على الأيام ذو حيد بمشمخر به الظيان والآسي ١٥٦/ب وذكر الزمخشري: أن البيت لعبد مناة الهذلي / ولم يؤجد إلا في شعر أبي ذؤيب ومالك بن خويلة الخناعي، وأنشد سيبويه:
[ ٤٧٩ ]
قال ابن جني: والحروف التي يجاب بها القسم أربعة: وهي إن واللام وكلاهما للإيجاب، وما ولا وكلاهما للنفي، تقول:
والله إنك قائم، ووالله إنك لقائم، والله ليقومن. ووالله لقد قام، ووالله لزيد أفضل من عمرو، وتقول: والله ما قام ووالله ما يقوم والله لا يقوم. وربما حذفت «لا» وهي مرادة، قال امرؤ القيس:
فقلت: يمين الله أبرح قاعدًا ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
أي: لا أبرح قاعدًا.
_________________
(١) * لله يبقى * (٣٩٩) والذي وجد في شعريهما:
(٢) * يامي لن يعجز الأيام ذو حيد * (٣٩٩) الثاني: من، ولا تدخل إلا على ربي، قالوا: من ربي إنك لأشر، يقال من ومن ولا تضم ميم من إلا في القسم، واستهوى بعض النحويين ضم ميمها إلى أن قال: أصلها: أيمن، وسنذكر لغاتها في موضعها إن شاء الله. فإن قلت: ما معنى من (في) قولك: «من ربي إنك لأشر»؟ . قلت: إن جعلناها حرف جر فهي إما لابتداء الغاية، وإما للتعليل. واعلم أن جملتي القسم والشرط أختان، فكما لابد للشرط من الجزاء كذلك لابد للقسم من الجواب. وسألت شيخنا ﵀ لم افتقر القسم إلى الجواب؟ فقال: لأن القسم مؤكد ومؤكد، والمؤكد من غير مؤكد لا يكون. قال ابن الخباز: ولما كانت جملة القسم وجملة الجواب متباينتين جيء بحرف يربط إحداهما بالأخرى والحروف أربعة: إن واللام وما ولا، لأن المحلوف عليه لا يخلو من أن يكون موجبًا أو منفيًا، فإن كان موجبًا تلقي باللام، وإن كان منفيًا تلقي بما، ولهذه الحروف مواضع لا تتجاوزها، وأنا أفصلها واحدًا واحدًا، أما =
[ ٤٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = إن: فقد عرفت أنها من عوامل الأسماء فلا تدخل إلا على المبتدأ والخبر، تقول: والله إن زيدًا قائم، وقد أجيب القسم بإن في القرآن كثيرًا، وفي التنزيل: ﴿والصافات صفا﴾ ثم قال: ﴿إن إلهكم لواحد﴾ ويجوز والله إن زيدًا قائم، (و) والله إن زيدًا لقائم والإتيان باللام أكثر توكيدًا، ويجوز والله إن زيدًا لم يقم، لأن العبرة بالمصدر. وأما اللام فتدخل على الجملة الاسمية والفعلية، تقول في الاسمية: والله ١٥٧/ألزيد أفضل من عمرو وأنشد حمزة الأصفهاني /:
(٢) حلفت برب مكة والمصلى لها والراقصات بذات جمع لأنت على التنائي فاعلميه أحب إلي من بصري وسمعي وإن دخلت على الفعلية فلا يخلو الفعل من أن يكون ماضيًا أو مضارعًا فإن كان ماضيًا فالجيد أن يؤتى معه بقد كقولك: والله لقد فعل، ويجوز طرح اللام وإقامة قد مقامها وفي التنزيل: ﴿والشمس وضحاها﴾ ثم قال: ﴿قد أفلح من زكاها﴾ وتقول: «والله للذب» فتطرح قد إن شئت. وإن كان الفعل مضارعًا فلك فيه ثلاثة أوجه: الجيد الشائع أن تجمع بين اللام وإحدى نوني التوكيد، وفي التنزيل: ﴿ليسجنن وليكونا من الصاغرين﴾ الثاني: أن تأتي بالنون وحدها، قال عامر بن الطفيل:
(٣) وقتيل مرة أثأرن فإنه فرغ وإن أخاكم لم يثأر الثالث: أن تأتي باللام وحدها، تقول: والله لأفعل.
[ ٤٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = مسألة: تقول: والله لئن قمت لأكرمنك، ووالله إن قمت لأكرمنك، فاللام الثانية جواب القسم، والقسم جوابه جواب الشرط، واللام الأولى هي الموطئة لجواب القسم لأن الشرط صدر الجملة، وأكثرما جاء في القرآن بإدخال اللام كقوله تعالى: ﴿لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون﴾ وقال تعالى: ﴿لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك﴾ وقال تعالى: ﴿وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم﴾ فجاء بغير اللام. وأما «لا»: فإن دخلت على الجملة الاسمية كررت كقولك: «والله لا زيد فيها ولا عمرو، وقد ذكرناها في باب «لا» وإن دخلت على الفعلية، فإن كان الفعل ماضيًا صار في معنى المستقبل كذلك قال ابن السراج / قال المؤمل: ١٥٧/ب
(٢) حسب المحبين في الدنيا عذابهم والله لا عذبتهم بعدها سقر وإن كان الفعل مضارعًا صار مخلصًا للاستقبال كقولك: والله لا أفعل، ويجوز حذفها تقول: والله أفعل، والمعنى النفي، قال أبو علي «لأنه لو كان إيجابًا لم يخل (الكلام) من اللام أو من النون أو منهما جميعًا» قال الله تعالى: ﴿تفتأُ تذكر يوسف﴾ أي: لا تفتأ، وقال امرؤ القيس:
(٣) فقلت: يمين الله أبرح قاعدًا ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
[ ٤٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أي: لا أبرح، والأوصال جمع وصل بكسر الواو، وهو ما وصل بين العضوين. وقالت زوجة سالم بن قحفان:
(٢) حلفت يمينًا يا بن قحفان بالذي تكفل بالأرزاق في السهل والجبل تزال جبال مبرمات أعدها لها ما مشى يومًا على خفه جمل أي: لا تزال. وأما «ما» فتلى الجملة الإسمية عمالة في لغة أهل الحجاز، ومهملة في لغة بني تميم، تقول: والله ما زيد قائمًا، أو قائم، قال الراجز:
(٣) والله ما ليلي بنام صاحبه ولا مخالط الليان جانبه وتدخل على الفعل الماضي فتقربه من الحال، وعلى المضارع فتخلصه للحال، تقول والله ما قام زيد، والله ما يقوم زيد. ويجاب القسم بإن النافية، وقد جاء في القرآن، وفي التنزيل: ﴿ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده﴾. واعلم أن الأصل في القسم أن يكون بالفعل، لأن العبارة عنه بالفعل كقوله تعالى: ﴿ويحلفون بالله إنهم لمنكم﴾، ﴿وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين﴾ و﴿تقاسموا بالله لنبيتنه﴾ وقول الشاعر:
(٤) آليت أثقف منهم ذا لحية أبدًا فتنظر عينه في مالها
[ ٤٨٣ ]
قال ابن جني: وقد عقدت العرب جملة القسم من المبتدأ والخبر. كما عقدتها من الفعل والفاعل، فقالت: لعمرك لأقومن، ولأيمن الله لأذهبن، فعمرك مرفوع بالابتداء.
وخبره محذوف، والتقدير: لعمرك ما أحلف به، وقولك: لأقومن جوب القسم، وليس بخبر المبتدأ، ولكن صار طول الكلام بجواب القسم عوضًا من خبر المبتدأ، وكذلك القول في لأيمن الله، قال الشاعر:
فقال فريق القوم لما نشدتهم نعم وفريق لأيمن الله ما تدري
/ فإن حذفت اللام نصبت على ما تقدم فقلت: عمرك لا قمت، وأيمنك لا انطلقت. ٥٠/ب
_________________
(١) = وقال تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبييين / لما آتيتكم من كتاب وحكمة﴾. ١٥٨/أ قال ابن الخباز: وقد عقدت العرب جملة القسم من المبتدأ والخبر، نزلوهما منزلة الفعل والفاعل، لأن كل واحدة من الجملتين مشتملة على مسند ومسند إليه، قالوا: لعمرك لأفعلن أيمن الله لأذهبن. أما عمرو: فمعناه: الحياة، وفيه ثلاث لغات: عمرو كفلس وعمرو كقفل، وعمرو كعنق، واختاروا للقسم الفتح لكثرته في كلامهم، وخفة الفتحة فإذا قلت: لعمرك لأفعلن، (فعمرك) مرتفع بالابتداء، وخبره محذوف، كأنك قلت: لعمرك ما أقسم به أي: الذي أقسم به حياتك، فحذف، لأن طول الكلام بجواب القسم صار عوضًا من الخبر. وليس قولك: «لأفعلن» خبر المبتدأ. لوجهين: أحدهما: أنه لو كان خبرا له بقي القسم بلا جواب. والثاني: أنه جملة والجملة إذا أخبر بها عن المبتدأ وجب أن يكون فيها ذكر ظاهر كقولك: زيد ضربته أو مقدر كقولك: «البر الكر بستين» وليس في قولك: «لأفعلن» ذكر ظاهر ولا مقدر. وتقول: لعمري لأفعلن، فتقسم بحياة نفسك، قال الشاعر:
(٢) لعمري وما عمري على بهين لقد ساءني طورين في الشعر حاتم
[ ٤٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وروى أبو الفتح أنهم يقولون رعملي، فيقلبون ذكره، في سر الصناعة. وأما قولهم: «ايمن الله لأذهبن» فأيمن مبتدأ، والقول في خبره كالقول في خبر لعمرك. واختلف النحويون فيه، فذهب الكوفيون إلى أنه جميع يمين، يقال: يمين وأيمن، قال أبو النجم:
(٢) يبري لها من أيمن وأشمل وذهب البصريون إلى أنه مفرد على أفعل كآجر، فيمن خفف الراء، واشتقاقه من اليمن، وحجتهم أنا لم نجد جمعًا موصول الهمزة، وفيه عشر لغات،] قال أيمن بفتح الهمزة، وإيمن الله بكسرها، وأيم الله بحذف النون، والهمزة ١٥٨/ب مفتوحة / ومكسورة، وأم الله بحذف الياء والنون، والهمزة مفتوحة ومكسورة. ومن الله، بحذف الهمزة والياء، والميم مكسورة ومضمومة، وم الله، بحذف الهمزة والياء والنون، والميم مضمومة ومكسورة، فوزن أيمن الله على أفعل الله. ووزن إيمن الله على إفعل الله، ووزن أيم الله على أفع الله، ووزن إيم الله على إفع الله ووزن أم الله: أع الله، ووزن إم الله: إع الله. ووزن من الله: عل الله، ووزن=
[ ٤٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = من الله: عل الله، ووزن م الله: ع الله. ووزن م الله: ع الله. قال الشاعر:
(٢) ولا أسأل الركبان إلا تعلة بواضحة الأنياب طيبة النشر فقال فريق القوم لما نشدتهم نعم، وفريق ليمن الله ما ندري نشدتهم: أقسمت عليهم، وقوله: «ليمن الله» اللام لام الابتداء والهمزة محذوفة، لأنها همزة وصل. فإن حذفت اللام من قولك: لعمرك، ولأيمن الله، نصبتهما مصدرين فقلت: عمرك لأفعلن، وأيمنك لأنطلقن، قيل: إنهما مصدران، والجيد عندي أن يكونا منصوبين على حذف حرف القسم، وتعدية الفعل إليهما، وتقول: عمرك الله وعمرك الله، فإذا نصبتهما كأنك قلت: أقسمت عليك بتعميرك الله أي: بوصفك إياه بالعمر، وإذا رفعت فكأنك قلت: أقسم عليك بأن يعمرك الله أي: يبقيك. ويستعمل بعد عمرك الله الاستثناء، كقولك: عمرك الله إلا فعلت والأمر كقولك: عمرك الله قم إلينا، والنهي كقولك: عمرك الله لا تفعل، والاستفهام كقولك: عمرك الله هل فعلت.
[ ٤٨٦ ]