قال ابن جني: اعلم أن المصدر كل اسم دل على حدث وزمان مجهول، وهو وفعله من لفظ واحد، والفعل مشتق من المصدر، فإذا ذكرت المصدر مع فعله فضلة فهو منصوب به، تقول: قمت قيامًا، وقعدت قعودًا، وإنما يذكر المصدر مع فعله لأحد ثلاثة أشياء: وهي توكيد الفعل، وبيان النوع، وعدد المرات، تقول في توكيد الفعل: قمت قيامًا وجلست جلوسًا. وتقول في التبيين: قمت قيامًا حسنًا، وجلست جلوسًا طويلًا، وتقول في عدد المرات: قمت قومتين، وجلست جلستين، وضربت ثلاث ضربات.
_________________
(١) = أن كل واحد من المرفوع والمنصوب يكون صاحبه في المعنى في باب المفاعلة كقولك: ضارب زيد عمرًا. والمفعول خمسة أضرب: مفعول مطلق، ومفعول به ومفعول فيه، ومفعول له، ومفعول معه، وأما المشبهة بالمفعول فسيأتي ذكرها. وما سمعته للنحويين حدًا للمفعول من حيث إنه مفعول ولكنهم حدوه مع التنوين؟ وإنما بدأ بالمفعول، لأنه أقوى من المشبه به، وزاد بعض النحويين مفعولًا منه ومثله بقوله تعالى: ﴿واختار موسى قومه سبعين رجلا﴾ أي: من قومه. وأسقط أبو إسحاق الزجاج المفعول معه، وذكر في المعاني أن المفعول له ينتصب انتصاب المصادر، فصارت المفاعيل عنده ثلاثة، ومن أثبت المفعول منه صارت عنده ستة، وهي في قول الجمهور خمسة، فهذه ثلاثة أقوال. (باب المفعول المطلق) قال ابن الخباز: وهو المصدر. ذكر أبو بكر بن السراج المصدر في أول المنصوبات، وتلاوة النحويون. وإنما بدأوا به لأنه هو المفعول الحقيقي، لأن فاعله =
[ ١٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = يخرجه من العدم إلى الوجود. وكان أبو العباس المبرد يرى البداء بالمفعول به، لأن عامله أقوى من عامل غيره. وإنما سمي مطلقًا، لأنه لم يقيد بحرف جر، وحقيقة ذلك أنك / تسميه مفعولًا، وغيره يقيد في التسمية فيقال: مفعول به وكذلك ٤٤/أسائرها. وإنما سمي مصدرًا، لأن الفعل يصدر عنه من حيث إنه مشتق منه، يقال: وردت الإبل الماء، وصدرت عنه إذا تركته، فقد بان (أن) المصدر ضد المورد. قال تأبط شرًا:
(٢) وأخرى أصادي النفس عنها وإنها لمورد حزم إن عزمت ومصدر وقوله (اعلم أن المصدر كل اسم دل على حدث وزمان مجهول) الحدث: اسم لجميع الأعراض القائمة بالجواهر إما قيامًا ذهبيًا كالإضافيات، وإما قيامًا خارجيًا كالألوان. وسميت بذلك لأنها حادثة متجددة. وقوله: (وزمان مجهول) لا يحتاج إليه، لأن دلالة المصدر على الزمان المجهول دلالة التزامية، وتلك لا مدخل لها في مفهوم اللفظ، ولو أجزنا ذلك في تحديد المصدر لأجزنا في تحديد الجواهر أن يقال: الجوهر: كل مشار إليه بالجهة دال على مكان، ولقلنا في حد الجسم: هو كل مؤلف دال على حيز. وقال بعضهم: إنما أتى بقوله: (وزمان مجهول) ليفصل المصادر من الأفعال، لأن النوعين مشتر كان في الدلالة على الحدث، وينفصل الفعل بأن زمان الحدث معه محصل، وينفصل المصدر بأن زمان الحدث معه مجهول، ولا خفاء في أن الفعل والمصدر من لفظ واحد، ألا ترى أن ضربًا وضرب كليهما مركبان من الضاد والراء والباء، وهذا لا يؤذن =
[ ١٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = باشتقاق أحدهما من الآخر، لأن اسم الفاعل واسم المفعول كضارب ومضروب مشتركان في التركيب من الضاد والراء والباء، وليس أحدهما بمشتق من الآخر. واختلف النحويون في الفعل والمصدر من جهة الاشتقاق، فذهب البصريون إلى أن الفعل مشتق من المصدر، واحتجوا على ذلك بثلاثة أوجه: / الأول: أن زمان المصدر ٤٤/ب مطلق وزمان الفعل مقيد، والمطلق قبل المقيد. الثاني: أن المصدر يدل على معنى واحد وهو الحدث، والفعل يدل على معنيين: وهما: الحدث والزمان والواحد قبل الاثنين. الثالث: أن المصدر اسم، وهو أولى بأن يكون أصلًا للفعل منه بأن يكون أصلًا له. وذهب الكوفيون إلى أن المصدر مشتق من الفعل، واحتجوا على ذلك من ثلاثة أوجه، الأول: أن الأفعال عاملة في المصادر والعامل أصل المعمول، والجواب: أن حروف الجر تعمل في الأسماء وليست بأصل لها. الثاني: أن المصدر يؤكد به الفعل، والمؤكد أصل المؤكد. والجواب: أن تقول: قام القوم كلهم وليس أحدهم أصلًا للآخر. الثالث: أن المصدر يصح بصحة الفعل ويعتل باعتلاله كقولك: عور عورًا وقام قيامًا، فدل على أنه مشتق منه. والجواب. أن المضارع يصح بصحة الماضي ويعتل باعتلاله كصد يصد وهاب يهاب، وليس أحدهما مشتقًا من لآخر. وقوله: (فإذا ذكرت المصدر مع فعله فضلة) يحترز من ذكره معه غير فضلة، وذلك في باب ما لم يسم فاعله كقولك: سير سير شديد. وإنما كان منصوبًا [به] لأنه هو المقتضي له، وذلك كقولك: قمت قيامًا وقعدت قعودًا، وفي التنزيل: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ وفيه: ﴿صلوا عليه وسلموا تسليما﴾. وإنما يذكر المصدر مع فعله لأحد ثلاثة أشياء: وذلك لأن المصدر مفعول وهو فضلة ولابد للفضلة من فائدة، الأول: توكيد الفعل، وذلك حاصل بذكر المصدر وحده في التنزيل: ﴿ثم نعيدكم فيها ونخرجكم إخراجا﴾ فإخراج بمنزلة تكرير =
[ ١٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = يخرجكم كأنه قال: ويخرجكم / يخرجكم، وعلة ذلك أن الفعل يدل على ١٣/أالمصدر، والمصدر يدل على الفعل، فذكر الفعل كذكر مصدرين، وذكر المصدر كذكر فعلين. الثاني: بيان النوع، وذلك حاصل بصفة المصدر كقولك: قمت قيامًا طويلًا، وفي التنزيل ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضًا حسنًا﴾. وفي المصدر الموصوف زيادة على مفهوم الفعل، لأنه خرج بالصفة من الجنس العام إلى النوع الخاص، ولا يفهم من الفعل إلا المصدر المطلق. الثالث: عدد المرات، وذلك حاصل بثلاثة أشياء: الأول: إدخال التاء على بناء المصدر طلبًا للتوحيد كقولك: قمت قومة وجلست جلسة فقومة من قيام كثمرة من ثمر، وفي التنزيل: ﴿فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة﴾ وفيه ﴿فدكتا دكة واحدة﴾ الثاني: التثنية كقولك: ضربت ضربتين. الثالث: مجيئة مميزًا للعدد كقوله تعالى: ﴿فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ وقال تعالى: ﴿فاجلدوا كل واحد منهم مائة جلدة﴾ وفائدة هذا زائدة على ما يفهم من الفعل، لأن هذا يفهم منه العدد، وأضافوا إلى ذلك فائدتين أخريين: إحداهما: مجيء المصدر لبيان الحالة كالركبة والقعدة والجلسة، وهي الهيئات التي يفعل عليها الركوب والقعود والجلوس، والثانية: مجيء المصدر حالًا كقولك: آتيته ركضًا أي: راكضًا.
[ ١٦٨ ]
قال ابن جني: ولا يجوز تثنية المصدر ولا جمعه، لأنه اسم جنس، ويقع بلفظه على القليل والكثير، فجرى لذلك مجرى الماء والزيت والتراب، وإن ١٤/ب اختلفت أنواعه جازت تثنيته وجمعه / تقول: قمت قيامين، وقعدت قعودين. واعلم أن الفعل يعمل في جميع ضروب المصادر من المبهم والمختص، تقول في المبهم: قمت قيامًا، وانطلقت انطلاقًا، وتقول في المختص: قمت القيام الذي تعلم، وذهبت الذهاب الذي تعرف، ويعمل أيضًا فيما كان ضربًا من فعله الذي أخذ منه تقول: قعد القرفصاء، واشتمل الصماء، ورجع القهقرى، وسار الجمزى، وعدا البشكى.
_________________
(١) قال ابن الخباز: ولا يجوز تثنية المصدر ولا جمعه، لأن الغرض منهما التكثير في الواحد، وذلك حاصل بدونهما، وهذا معنى قوله: (ويقع بلفظه على القليل والكثير). ويوضحه أنك إذا قلت: قمت قيامًا، صح أن تريد بالقيام مرة منه وأكثر، وجريه مجرى الماء والزيت والتراب من حيث أن هذه أجناس تقع على القليل والكثير ٤٥/ب مما وضعت له / تقول: رأيت ماء وزيتًا وترابًا رأيت قطرة منهما [أ] ودرة أو أكثر. وفي التنزيل: ﴿فالتقى الماء على أمرٍ قد قدر﴾. ويجوز صفة أسماء الأجناس كما جازت صفة أسماء المصادر، لأن الحاجة تدعو إلى تفصيل أنواعها. وفي التنزيل: ﴿ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر﴾. فإن اختلفت أنواعه [جازت] تثنيته وجمعه، لأن اسم المصدر المفرد لا بدل على اختلاف الأنواع، ومثل التثنية بقيامين وقعودين، ولم يذكر الجمع، فإذا قلت: قمت قيامين فكأنه أراد: قمت قيامًا حسنًا، وقيامًا قبيحًا أو قيامًا ما في مكان كذا، وقيامًا في مكان كذا. وأسماء الأجناس تجري هذا المجرى فتثنى وتجمع لاختلاف أنواعها: وقرئ: =
[ ١٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ﴿فالتقى الماءان﴾ وقال الراجز:
(٢) * وبلدة قالصة أمواؤها* وجمع المصادر قليل جدًا، قالوا: عقل وعقول، وعلم وعلوم، وحلم وحلوم وأحلام، قال الهذلي:
(٣) ولقد نقيم إذا الخصوم تناقدوا أحلامهم صعر الخصيم المجنف وقالوا: لب وألباب. وفي التنزيل: ﴿وما يذكر إلا أولوا الألباب﴾ وقالوا: شغل وأشغال. قال الأعشى:
(٤) فاذهبي ما إليك أدركتي الحلم عداني عن هيجكم أشغالي ولا فرق في المصدر بين أن يكون معرفة أو نكرة، تقول: قمت قيامًا، وقمت القيام الذي تعلم، لأن الفعل قد تعدى إلى مصدر الذي اشتق منه، وهو موجود أنشده عبد القاهر:
[ ١٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ٨٠ - لعمري لقد أحببتك الحب كله وزدتك حبًا لم يكن قط يعرف وأما الأسماء الموضوعة لهيئات خاصة من الأفعال فتفسير ألفاظها: أن القرفصاء: أن يقعد الإنسان مقيمًا رجليه وملصقًا فخذيه إلى جوفه. والصماء: اشتماله القصارين. والقهقرى: الرجوع إلى وراء. ومنه قيل للحجر المتدحرج: قهقر. والبشكي: ضرب من العدو سريع، يقال: ناقة بشكى أي: سريعة. والجمرى: ضرب من السير سريع. يقال: حمار جمرى. قال أمية الهذلي:
(٢) كأني ورحلي إذا رعتها على جمرى جازي بالرمال فإذا قلت: قعد القرفصاء. فللنحويين في نصبه ونصب بقية الأمثلة ثلاثة أقوال: الأول: أنه منصوب بقعد، قال أبو علي: «لأن قعد إذا تعدى إلى القعود الذي يشمل القرفصاء [وغيره فقد تعدى إلى القرفصاء] في الجملة، إذا كان ضربًا من القعود، وكذلك الرجوع والاشتمال. وذهب قوم إلى أنها صفات مصادر محذوفة، كأنك قلت: قعد القعدة القرفصاء كما تقول: سرت سريعًا أي: سيرًا سريعًا، وذلك لأن قعد غير مشتق من لفظ القرفصاء فلا يقتضيه ولا يدل عليه. وذهب قوم إلى أنه منصوب بفعل من لفظه - وإن لم يستعمل - كأنك قلت: تقرفص القرفصاء، وذلك لأن الأصل في المصدر أن يعمل فيه الفعل المشتق منه.
[ ١٧١ ]
قال ابن جني: وما أُضف إلى المصدر مما هو وصف له في المعنى بمنزلة المصدر تقول: سرت أشد السير، وصمت أحسن الصوم، فتنصب أشد وأحسن نصب المصادر، وتقول: إنه ليعجبني حبًا شديدًا، لأن أعجبني وأحببته في معنى واحد. قال الشاعر:
يعجبني السخون والبرود والتمر حبًا ما له مزيد
فتنصب حبًا على المصدر بما دل عليه يعجبني، وكذلك إني لأبغضه كراهية، وإني لأشنؤه بغضًا.
_________________
(١) قال ابن الخباز: وإذا أضفت أفعل التفضيل إلى المصدر انتصب انتصاب المصادر كقولك: سرت أشد السير، لأن أفعل التفضيل بعض مما يضاف إليه. وكذلك إذا قلت: سرت أشد من سيرك، لأنك تفاضل بين سيرين. وفي التنزيل: ﴿وعمروها أكثر مما عمروها﴾ أي: وعمروها أكثر من عمارتهم. وإذا كان الفعلان موضوعين لمعنى واحد كأعجبني وأحببته وشنأنه [وأبغضته جاز أن يتعدى أحدهما إلى مصدر الآخر كقولك: أحببته إعجابًا]. / وشأنه ٤٦/ب بغضًا، وأبغضته كراهية، وذلك لأنهما دالان على معنى واحد. قال الراجز: أنشده الجوهري ﵀:
(٢) يعجبه السخون والبرود والتمر حبًا ماله مزيد السخون: ما يسخن من الطعام، والبرود منه: البارد. ويروى:
[ ١٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) * حتى ماله مزيد* فعلى هذا [لا] دليل فيه. واختلف الخليل وسيبويه في ناصب المصدر ها هنا، فذهب الخليل إلى أن ناصبه الفعل المذكور، لأنه في معنى فعله المشتق منه، فإذا قلت: أبغضته كراهية، فكأنك قلت: كرهته كراهية. وذهب سيبويه إلى أن ناصبه فعل من لفظه حذف للدلالة عليه، لأنك لما قلت: أبغضته دل على أنك تكرهه، لأن الأصل في المصدر أن ينصبه فعله، ويقوي قول سيبويه ﵀ قول المتنخل الهذلي:
(٢) السالك الثغرة اليقظان كالئها مشى الهلوك عليها الحيعل الفضل قاليقظان صفة للسالك، فلو كان مشى الهلوك منصوبًا (به) لكان الموصول موصوفًا قبل تمامه. ولا يجوز: مررت بالمضاربين الظرفين زيدًا، وإنما يجوز: مررت بالضربين زيدًا الظريفين. ***
[ ١٧٣ ]