قال ابن جني: اعلم أن الظرف: كل اسم من أسماء الزمان أو المكان يراد فيه معنى «في» وليست في لفظه كقولكك قمت اليوم، وجلست مكانك، ومعناه: قمت في اليوم، وجلست في مكانك.
فإن ظهرت «في» في اللفظ كان ما بعدها اسمًا صريحًا، وصار التضمين لفي تقول: سرت في يوم الجمعة، وجلست في الكوفة، والظرف على ضربين: ظرف زمان، وظرف مكان.
_________________
(١) (باب المفعول فيه وهو الظرف) قال ابن الخباز: (اعلم أن الظرف: كل اسم من أسماء الزمان أو المكان يراد فيه معنى في وليست في لفظه) وإنما لزم أن يكون اسمًا، لأنه مفعول، والمفعول لا يكون إلا اسمًا. وإنما لزمه أن يكون زمانًا أو مكانًا، لوجهتين: أحدهما: أنهما عامان للأشياء من الأعيان والأحداث. والثاني: أن الفعل يدل على الزمان بصيغته، وعلى المكان بالالتزام. وإنما اعتبر بفي، لأنها الحرف الموضوع للظرفية. وإنما لزم سقوطها من اللفظ، لأنها لو ظهرت لجرت ما بعدها فصار بمنزلة غيره مما تعدى إليه الفعل بحرف الجر. ٥١/أوالبصريون/ يسمون أسماء الزمان والمكان ظروفًا، قال الأصمعي: أنا نبهت الخليل على تسمية هذه الأسماء ظروفًا، لأني قلت له: إذا كان الشيء وعاء لغيره فما يسمى؟ 'فقال: طرفًا. ويسميها الكوفيون: المحال والأوعية. وهذا النزاع اصطلاحي ولا منافاة بين التسميتين. وقد جاءت ظروف من غير أسماء الزمان والمكان، كقولهم: حقًا أنك ذاهب، =
[ ١٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وجهد رأيي أنك ذاهب. أي: في حق أنك ذاهب، وفي جهد رأيي أنك ذاهب. قال الشاعر:
(٢) أفي الحق أني مغرم بك هائم وأنك لا خل هواك ولا خمر (فإن ظهرت في «في» اللفظ) بطلت الظرفية كقولك: سرت في اليوم، وجلست في مكانك، وذلك لأنها هي الدالة على معنى الظرفية بظهورها، ولا يستقيم أن تقدرها وهي موجودة، لأن التقدير إنما يكون للمحذوف كقول طرفة:
(٣) ألا أبهذا اللائمي أحضر الوغى وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي؟ فأحضر، «أن» معه مقدرة كأنه قال: في أن أحضر، وهي مع أشهد غير مقدرة لأنها موجودة، فإن قلتك فإذا زعمت أن في مقدرة في قولك: سرت اليوم وجلست مكانك، فهلا بنيت الاسمين لأنهما تضمنتا معنى الحرف؟ قلت: أجابوا عن هذه بأن الحرف ها هنا يصح ظهوره مع الاسم كقولك: سرت في اليوم، وجلست في مكانك. وحق الاسم المتضمن معنى الحرف أن لا يظهر معه لقيامه مقامه، وهذا الجواب عندي باطل، لأنهم يقولون: بني أمس، لتضمنه لام التعريف، ويجوز ظهورها معه كقوله تعالى: ﴿وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس﴾ وقال تعالى: ﴿كما قتلت نفسًا بالأمس﴾ وقال تعالى: ﴿كأن لم تغن بالأمس﴾ والجواب / الصحيح: أن الظروف كثيرة فلو بنيت ٥١/ب لتضمنها معنى في، لكان البناء غالبًا على الأسماء، وهو خلاف الأصل.
[ ١٨٦ ]