قال ابن جني: اعلم أن الندبة إنما وقعت في الكلام تفجعًا على المندوب وإعلامًا من النادب أنه قد وقع في أمر عظيم وخطب جسيم، وأكثر من يتكلم بها النساء، وعلامتها ياووا لابد من أحدهما، وتزيد ألفًا في آخر الاسم لمد الصوت، فإذا وقفت ألحقتها هاء، وإذا وصلت حذفت الهاء، وإن شئت لم تلحق الألف، وذلك قولك: وازيداه واعمراه، وإن شئت / قلت: وازيد ٣٢/ب ووا عمرو. وتقول: وازيدًا واعمراه تلحق الهاء في الذي تقف عليه.
واعلم أنك لا تندب إلا بأشهر أسماء المندوب ليكون ذلك عذرًا لك في تفجك عليه، ولا تندب نكرة ولا مبهما فلا تقول: واهذاه ولا واتلكاه، وكذلك لا تقول:
وامن لا يعنيني أمر هوه، لما قدمنا. ولكن تقول: وامن حفر بئر زماماه، لأنه معروف. وإذا ندبت مضافًا أوقعت المد على آخر المضاف إليه تقول: واعبد الملكاه ويا أبا الحسناه.
_________________
(١) (باب الندبة) قال ابن الخباز: الندبة مصدر قولك: ندبت الميت أندبه ندبًا وندبةً إذا بكيت عليه وعددت محاسنه وذلك لأن الإنسان إذا / فقد من يعز عليه أحب أن يسعد ١٠٩/ب على ما نزل به من المصيبة، فإذا ندب الفقيد عرف بفقده من لم يعرف، فكان ذلك ذريعة إلى إسعاده. والخطب الأمر العظيم، والجسيم بمعنى العظيم، وأصله من قولهم للعظيم الجسم: جسيم. قال أبو الحسن الأخفش: وأكثر من يتكلم بها النساء، لأنها ضعيفات عن احتمال المصائب، وكذلك قال أبو تمام ﵀:
(٢) خلقنا رجالًا للتجلد والأسى وتلك الغواني للبكا والمآتم =
[ ٣٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وللندبة حرفان: حرف مشترك بينها وبين غيرها وهو «يا» وحرف مختص بها وهو «وا» ولابد من أحدهما، ولا يجوز حذف الحرف، لأن الندبة يمد فيها الصوت لاشتهار المصيبة، فالأليق بها إثبات حرف النداء، لأنه يناسب ما وضعت له، ولك أن تلحق في آخر المندوب ألفًا لمد الصوت، (و) إذا وقفت ألحقتها هاء تبيينًا لها، لأنها خفية، فإذا وصلت أسقطت الهاء، لأن ما بعد الألف يقوم مقام الهاء في بيانها، تقول في الوصل: وازيدا يا قوم، فإذا وقفت قلت: وازيداه - وإنما خصوا الألف بالإلحاق، لأنها أبلغ في المد من أختيها. ولا يكون المندوب إلا أحد شيئين: إما الاسم العلم كقولك: واعمراه. وإما الصفة الغالبة التي يعرف بها كقولك: وامطعم الضيفاه، وذلك (لأنك) إذا ندبته بأحد هذين عرف فعذرت في تفجعك عليه. ولا يجوز ندب النكرة الشائعة ولا المقصودة فلا تقول: وارجلاه، لأنه ليس باسم خاص به الميت. ولا يجوز ندب المبهم، لأنه صالح بأن تشير به إلى جميع من يحضرك، فليس في أصل وضعه مختصًا بواحد، وكذلك الموصول لأنه غير موضوع لمعين وإنما الصلة تخصصه، فلا تقول: واهذاه ولا وامن هزم ١١٠/أالحيشاه. وذهب الكوفيون إلى جواز ندبة / الموصول. واحتجوا على ذلك بقول العرب: (وا) من حفر بئر زمزماه، ولا حجة في هذا، لأنه معروف عندهم لأنه عبد المطلب جد النبي ﷺ فكأن النادب قال: واعبد المطلباه. وأما قوله: (وامن لا يغنيني أمر هوه) ففيه نكتة: وهي أنك لو ندبت النكرة لم تعذر في التفجع، لأن المندوب غير معروف، فهو كما تقول: «وامن لا يعنيني أمر هوه» فإنك لا تعذر في تفجعك عليه، ولما فيه من المناقضة، لأن ندبتك إياه تؤذن بعنايتك به، فإذا قلت: «لا يعنيني أمر هوه» فقد ناقضت.
[ ٣٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وإذا ندبت مضافًا أوقعت المدة في آخر المضاف إليه، لأنه نهاية الاسم ولأنه المضاف جريا مجرى الكلمة الواحدة حيث لم يجز الفصل بينهما، فتقول: واعبد الملكاه وواأبا الحسناه، وأجاز قوم واعبد الملكيه فقلبوا الألف ياء للكسرة قبلها. وإن كان المضاف إليه منونًا كغلام زيد فلك في الندبة أوجه: أحدها: أن تقول: واغلام زيداه فتحذف التنوين، لأنه لاقى ألف الندبة، وكلاهما ساكن. الثاني: أن تقول: واغلام زيدناه، فتحرك التنوين بالفتح ليسلم لفظ الألف. الثالث: أن تقول: واغلام زيدنيه، فتكسر النون لالتقاء الساكنين. وتقلب الألف ياء للكسرة قبلها. الرابع: أن تقول: واغلام زيديه فتحذف التنوين لالتقاء الساكنين، وتقلب الألف ياء، والجيد سلامة ألف الندبة لمد الصوت أنشد أبو الفتح في المعرب:
(٢) واعمرو واعمراه وعمرو ابن الزبيراه فإذا ندبت موصوفًا ألحقت الموصوف علامة الندبة، لأن الموصوف يجوز الفصل بينه وبين صفته كقولك: هذا رجل زيدًا ضارب فتقول: وازيدا ذا الفضل. وأجاز يونس والكوفيون إلحاق الصفة علامة الندب فتقول: وازيد الظريفاه واحتج بقول العرب: واجمجمتي «الشاميتيناه».
[ ٣٤٦ ]
قال ابن جني: واعلم أن ألف الندبة يفتح أبدًا ما قبلها كما تقدم إلا أن تخاف اللبس فإنك تتبعها إياه، تقول إذا ندبت غلام امرأة:
واغلامكيه، تقلب الألف ياء للكسرة قبلها، ولم تقل: واغلامكاه لئلا يلتبس بالمذكر وتقول إذا ندبت غلامه: واغلامهوه، تقلب الألف واوًا، لانضمام ما قبلها، ولم تقل: واغلامهاه، لئلا يلتبس بالمؤنث.
وتقول إذا ندبت غلامهم: واغلامهموه، فتبدل أيضًا الألف واوًا. ولم تقل: ٣٣/أواغلامهماه لئلا يلتبس بالتثنية. وتقول إذا ندبت / غلامك في قول من قال: يا غلام: واغلاماه تفتح الميم للألف، ومن قال: يا غلامي بإسكانها فله وجهان: إن شاء حذفها لالتقاء الساكنين فقال: واغلاماه، وإن شاء حركها للألف فقال: واغلامياه. ومن قال: يا غلامي بتحريكها لم يقل إلا واغلامياه بإثباتها.
فإن قال: واغلام علامياه أثبت الياء لا غير.
_________________
(١) قال ابن الخباز: وحق ألف الندبة أن نتبعها ما قبلها ليسلم لفظه لمد الصوت، ولا يستثنى من ذلك إلا ثلاثة مواضع: الأول: إذا اندبت المضاف إلى ضمير المخاطبة أبقيت الكسرة، وقلبت الألف ياء فقلت: واغلامكيه لأنك لو أتبعت الكاف الألف فقلت: واغلامكاه لالتبس بالمضاف إلى الضمير المذكر. فإن قلت: كيف جازت ندبة المضاف إلى المخاطب، ولم يجز نداؤه؟ قلت: لأن المندوب لا ينادى ليجيب (ولكن) ليشهر النادب مصيبته. الثاني: إذا ندبت المضاف إلى ضمير المذكر الغائب أثبت الضمة وقلبت الألف واوا فقلت: واغلامهوه، لأنك لو أتبعت الهاء الألف فقلت: واغلامهاه لالتبس بالمضاف إلى ضمر المؤنثة. الثالث: إذا ندبت المضاف إلى ضمير المخاطبين أو الغائبين بقيت ضمة الميم فقلبت الألف واوًا فقلت: واغلامكموه، وواغلامهموه، لأنك لو أتبعت الميم
[ ٣٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الألف فقلت: واغلامكماه وواغلامهماه لالتبس بالمضاف إلى ضمير الاثنين، وتقول إذا ندبت غلام الاثنين: واغلامهماه وواغلامكماه. وإذا ندبت غلام المؤنث (قلت) واغلامهاه فتحذف الألف الأولى لأجل الندبة. وتقول إذا ندبت غلام جماعة الإناث: واغلامهماه وواغلامكناه. لو سميت رجلًا بجملة أوقعت علامة الندبة على آخرها فتقول في ندبة تأبط شرًا: وا تأبط شراه. وإذا ندبت المضاف إلى ضميرك، فمن قال: يا غلام بكسر الميم قال: واغلاماه بفتحها لأجل الألف. ومن قال: يا غلامي بإسكان الياء فله وجهان: أحدهما: حذفها لالتقاء الساكنين فتقول: واغلاماه، وهذا ضعيف، لأنها / ليست عريقة في ١١١/أالسكون، ألا ترى أنها تفتح إذا وقعت بعد ساكن ألبته كقولك: عصاي وبشراي والثاني: أن تحركها لالتقاء الساكنين فتقول: واغلامياه. ومن قال: يا غلامي بفتح الياء وجب عليه إثباتها فيقول: واغلامياه، ومن قال: يا غلاما بقلبها ألفا قال واغلاماه، فحذف الأولى لالتقاء الساكنين. وإن لم تلحق علامة الندبة قلت: واغلاميه في الوقف، ولك أن تسكن الياء، قال ابن اقيس الرقيات:
(٢) تبكيهم دهماء معولة وتقول سلمى يا رزيتيه وإن أضفت إلى الياء مقصورًا أو منقوصًا أثبتها على كل حال تقول واقاضي ووا موساي فإن ندبت قلت: واقضياه ووا موساياه، وإن لم تلحق علامة الندبة فوقفت جاز أن تقول: وامواساي وواموسايه، وهو أجود للبيان. قال الراجز:
(٣) أنا سحيم ومعي مدرايه
[ ٣٤٨ ]