قال ابن جني: اعلم أن حتى في الكلام على أربعة أضرب: تكون غاية فتجر الأسماء على معنى إلى، وتكون عاطفة كالواو ويبتدأ بعها الكلام. ويضمر بعدها أن فتنصب الفعل المستقبل على أحد معنيين: معنى «كي» ومعنى إلى أن، تقول إذا كانت غاية: قام القوم حتى زيد، ورأيت القوم حتى بكر. ومررت بالقوم حتى جعفر. وإذا كانت عاطفة قلت: قام القوم حتى زيد، ورأيت القوم حتى زيدًا، ومررت بالقوم حتى زيد.
_________________
(١) = الحمقى لاقتضى اختصار هذا الكتاب الإضراب عن الإطالة - والله أعلم. (باب حتى) قال ابن الخباز: كل العرب يقول: حتى بالحاء إلا هذيلًا فإنهم يقولون: [عتى] و[كان] ابن مسعود يقرأ: ﴿عتى حين﴾ فنهاه عمر ﵁. وذكر أبو الفتح أنها تستعمل في الكلام على أربعة أضرب: حرف جر، وعاطفة، وحرف ابتداء، وناصبة للفعل المضارع، وهذا التقسيم بناء على الظاهر، لأن ناصبة الفعل المضارع جارة على مذهبه، ومذهب سائر البصريين. والقول أنها على ثلاثة أضرب: جارة، وعاطفة، وحرف ابتداء، وكذلك قسمها أبو علي في الإيضاح. ومعناها انتهاء الغاية. وهي من الكلم اللوازم للحرفية. واعلم أنها غير أصلية في الجر، لأنها تدخل على المفردات، وعلى الجمل، وشأن حرف الجر أن يلزم المفردات. وإنما جرت الأسماء تشبيها بإلى، لأنها مثلها في المعنى. ولا يخلو المجرور بها من قسمين: أحدهما: أن يكون آخر جزء مما قبلها =
[ ٢٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = كقولك: «أكلت السمكة حتى رأسها» فالرأس آخر السمكة. والثاني: أن يكون مجاورًا لآخر جزء مما قبلها / كقولك: «صمت رمضان حتى ١٩/ب يوم العيد» وإنما كان الأمر كذلك، لأن الغرض منها تعدية الفعل المتعلقة هي به إلى المجرور بها شيئًا فشيئًا حتى يأتي على آخره. وذكر الزمخشري أن المجاورة لآخر جزء مما قبلها داخل في الفعل، وهذا يبطله تمثيل ابن السراج في الجارة بقوله: صمت الأيام حتى يوم العيد، لأن يوم العيد غير داخل في الصوم. ومن أحكام الجارة: أنها لا تدخل على المضمر فلا تقول: قام القوم حتاك استغناء عنها بإلى، وفي التنزيل: ﴿والأمر إليك﴾ وأجازه المبرد. وإذا كانت عاطفة شرك ما بعدها ما قبلها في الإعراب كقولك: قام القوم حتى زيد بالرفع، ورأيت القوم حتى زيدًا، بالنصب، ومررت بالقوم حتى زيد بالجر. وقال ابن السراج: إذا كانت عاطفة في الجر فالجيد إعادة الجار، فعلى هذا تقول: مررت بالقوم حتى يزيد، لئلا تلتبس بالجارة، وإذا [قلت]: مررت بهم حتى يزيد، وجب إعادة الجار لأن المعطوف عليه مضمر مجرور، وقد حصل من ذلك الفرق بين العاطفة والجارة. وإذا كانت حرف ابتداء وقعت بعدها الجملتان الاسمية والفعلية، فالاسمية: كقولك: قام القوم حتى زيد قائم، هذه بمنزلة أما. وذكر أبو إسحاق الزجاج أنها حرف جر، ورده عليه أبو علي بأن حروف الجر لا تعلق عن العمل، وأما قول جرير:
[ ٢٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ١٥٩ - فما زالت القتلى تمج دماءها بدجلة حتى ماء دجلة أشكل فقد دخل فيه حتى على الجملة الاسمية. ولا يجوز في «ماء دجلة» إلا الرفع، [لأن] أشكل خبره، تمج: تقذف، ودجلة: علم لهذا النهر. الأشكل: الذي في لونه اختلاف كحمرة وبياض وسواد وبياض، وأما قول الشاعر:
(٢) ألقى الصحيفة كي يخفف رحله والزاد حتى نعله ألقاها ٢٢/أ / فمبني على مسألة: وهي أكلت السمكة حتى رأسها أكلته، ويجوز في رأسها الرفع والنصب والجر، فالرفع بالابتداء، وأكلت خبره، وكذلك نعله ألقاها. والنصب على وجهين: أحدهما: أن تكون حتى عاطفة، وأكلته توكيدًا، لأنه قد دخل الرأس في الأكل بالعطف. والثاني: أن تكون حتى حرف ابتداء فينتصب رأسها بفعل مضمر دل عليه أكلته، وكذلك نعله ألقاها. والجر بحتى، وأكلته توكيدًا أيضًا، لأنه قد دخل الرأس في الأكل لما ذكرنا في المجرور بحتى، وكذلك حتى نعله ألقاها.
[ ٢٤٥ ]
قال ابن جني: وإذا ابتدئ بعدها الكلام، قلت: قام القوم حتى زيد قائم، ومررت بهم حتى جعفر ممرور به، ويروى هذا البيت على ثلاثة أوجه:
ألقى الصحيفة كي يخفف رحله والزاد حتى نعله ألقاها
برفع النعل، ونصبها، وجرها، فمن رفعها فبالابتداء، وجعل ألقاها خبرًا عنها، ومن نصبها عطفها على الزاد، وجعل ألقاها توكيدًا، وإن شاء نصبها بفعل مضمر يكون ألقاها تفسيرًا له، ومن جرها فبحتى، وجعل / ألقاها ٢٢/ أتوكيدًا أيضًا قال جرير:
فما زالت القتلى تمج دماءها بدجلة حتى ماء دجلة أشكل
فصرف ما بعدها إلى الابتداء.
_________________
(١) قال ابن الخباز: وإذا دخلت حتى [التي] هي حرف ابتداء على الفعل، فلا يخلو من أن يكون ماضيًا أو مضارعًا، فإن كان ماضيًا، كان مجاورًا لآخر جزء من الفعل الذي قبلها كقولك: وقفت حتى وصلت إلى الأمير. وقضية قول أبي إسحاق: أن يكون الفعل في موضع جر، وهذا فاسد، لأن حرف الجر لا يدخل على الفعل، وإذا دخلت على المضارع فإنه يرتفع كقول الشاعر:
(٢) أحب لحبها السودان حتى أحب لحبها سود الكلاب وإذا ارتفع [ما] بعدها كان على معنيين: أحدهما: أن يكون السبب والمسبب جميعًا قد مضيا كقولك: سرت حتى أدخل المدينة. المعنى: سرت حتى دخلتها فإن قلت: كيف يكون ماضيًا، ولفظه لفظ المضارع، قلت: هذا على حكاية الحال، كأنه يمثلها موجودة كقوله تعالى: ﴿فوجد فيها رجلين يقتتلان﴾ وإن كانا حين إنزال الآية معدومين، وأنشد الواحدي ﵀: =
[ ٢٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ١٦٢ - جارية في رمضان الماضي تقطع الحديث بالإيماض ٧٣/أوالمعنى الثاني: أن يكون السبب قد مضى وقد تراخى وجود / المسبب إلى وقت حديثك، ثم أخذ في الوجود، وذلك كقولك: لقد رأى مني عامًا أول شيئًا حتى لا أستطيع أن أكلمه الآن بشيء أي حتى هذه حالي، وعلى كل حال لا تعمل حتى فيهما، أما في الأول: فلأنه ماض، والماضي غير معمول. وأما الثاني: فلأنه فعل حال، وفعل الحال لا تعمل فيه عوامل الأفعال. وينتصب الفعل بعد حتى، كقولك: سرت حتى أدخلها، وليس النصب بها، وإنما النصب بأن المضمرة بعدها كأنك قلت: سرت حتى أن أدخلها، هذا مذهب البصريين وحجتهم: أن حتى حرف جر كقوله تعالى: ﴿سلام هي حتى مطلع الفجر﴾ وإذا ثبت أنها الجارة للاسم لم تعمل في الفعل، لأن عوامل الاسم لا تعمل في الفعل، وإذا لم تعمل في الفعل - والنصب يقتضي عاملًا له - ثبت أنه بأن المضمرة، لأن المعنى: سرت إلى دخولها، فكون حتى حرف جر يوجب للفعل إضمار ناصب، وكون الفعل منصوبًا مقدرًا بمصدر يوجب تعيين أن في الإضمار، لأنها ناصبة مصدرية. وإذا انتصب الفعل بعد حتى (فهي) على ضربين: أحدهما: أن تكون بمعنى الغاية كقولك: سرت حتى تطلع الشمس، وسرت حتى يؤذن المؤذن، وفي =
[ ٢٤٧ ]
قال ابن جني: وتقول: إذا كانت بمعنى «كي» أطع الله حتى يدخلك الجنة، معناه: كي يدخلك الجنة. وإذا كانت بمعنى إلى أن، قلت: لانتظرنه حتى يقدم، معناه: إلى أن يقدم. وتقديرهما في الإعراب: حتى أن يدخلك الجنة، وحتى أن يقدم، إلا أنه، لا يجوز إظهار أن ها هنا، لأنه أصل مرفوض.
_________________
(١) = التنزيل: ﴿ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ فقد جعل ولوج الجمل في السم غاية لنفي دخولهم الجنة، وتلك غاية لا توجد، فلا يزال دخولهم الجنة منفيًا، وغالى بعض الشعراء في صفة جسمه بالنحول فجاء بما يناقض الآية، فقال:
(٢) ولو أن ما بي من جوى وصبابة على جمل لم يتق في النار خالد غفر الله له، لأن معارضات مبالغات القرآن لا تجوز، ولذلك أنهم الحريري حيث قال: «وأوهن من بيت العنكبوت» فأتى / بمعنى أبلغ من معنى أكده الله ٧٣/ب من ستة أوجه، قال الله تعالى: ﴿وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت﴾ فأدخل إن، وبنى أفعل التفضيل، وبناه من الوهن، وأضافه إلى الجمع، وعرف الجمع باللام، وأتى في خبر إن باللام، وقد قال تعالى: ﴿وإذا قلتم فاعدلوا﴾ فكان اللائق بالحريري أن لا يتجاوز هذه المبالغة. قال ابن الخباز: المعنى الثاني: أن ينتصب الفعل على معنى «كي»، وذلك كقولك: كلمته حتى تأمر لي بشيء، وأسلمت حتى أدخل الجنة، ولا =
[ ٢٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = يجوز أن تكون ها هنا بمعنى الغاية، لأنه لا يجعل دخول الجنة غاية الإسلام. وأما قوله تعالى: ﴿وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها﴾ فحتى فيه للغاية، ولا يجوز جعلها للتعليل، لأنهم لا يمتنعون من دخوله الأجل خروج أولئك منها، وإذا لم يدخلوها فأولئك لا يخرجون منها، وإذا قلت: شتمته حتى يغضب، فحتى يجوز أن تكون غاية، أي اشتمه إلى الغضب. ويجوز أن تكون تعليلًا، أي: أشتمه ليغضب، فبان أن لحتى ثلاثة مواضع للنصب: موضع تكون فيه غاية لا غير، وموضع تكون فيه تعليلًا لا غير، وموضع يحتمل المعنيين. فإن قيل: لم لا يجيزون سرت حتى أن أدخلها بالإظهار؟ فالجواب: أن حتى في حالة نصب الفعل مثلها في حالة رفعه، فقد صار بمنزلة الابتداء به في تأديتها معنى الغاية وتلك لا تظهر بعدها أن فكذلك هذه، والفرق بينهما التقدير مع الجارة وعدم التقدير مع تلك. وذهب الكوفيون إلى أن النصب بحتى نفسها. وذهب الفراء إلى أنها تكون جارة وناصبة، فإذا قلت: سرت حتى أدخلها، فالنصب بها. وإذا قلت: سرت حتى مطلع الفجر، فالجر بها. وذهب الكسائي: إلى أن حتى لا تكون ٧٤/أحرف جر، فإذا قلت: ضربت القوم حتى زيد فالتقدير عنده / حتى انتهى ضربي إلى زيد، ومذهب البصريين أنها لا تكون ناصبة، وقد جاء بيت يدل على مذهبهم دلالة صريحة أنشده عبد القاهر الجرجاني في شرح الإيضاح وهو:
(٢) داوبت عين أبي الدهيق بمطله حتى المصيف وتغلو القعدان موضع الاستدلال: أنه جر المصيف ونصب تغلو، فإن كانت حتى هي الجارة =
[ ٢٤٩ ]