قال ابن جني: وهو كل ما أسندته إلى المبتدأ حدثت به عنه، وهو على ضربين: مفرد وجملة، فإذا كان الخبر مفردًا فهو المبتدأ في المعنى، وهو مرفوع بالمبتدأ، تقول: زيد أخوك، ومحمد صاحبك، فزيد هو الأخ، ومحمد هو الصاحب. فإن اجتمع في الكلام معرفة ونكرة جعلت المبتدأ هو المعرفة، والخبر هو النكرة ٧/ب تقول: زيد جالس، فزيد هو المبتدأ، لأنه معرفة / وجالس هو الخبر، لأنه نكرة. فإن كانا جميعًا معرفتين كنت فيهما مخبرًا، أيهما شئت جعلته المبتدأ، وجعلت الآخر الخبر تقول: زيد أخوك، وإن شئت قلت: أخوك زيد.
_________________
(١) = يستحق إعرابًا، لأن الاسم لا يستحق الإعراب إلا بعد العقد والتركيب. ويدلك على ذلك: أن أسماء العدد وأسماء حروف التهجي إذا سردت متوالية من غير أن تعقد بشيء جاءت موقوفات الأعجاز كقولك واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، ونحو قوله تعالى: ﴿كهيعص﴾، ﴿حم﴾، ﴿عسق﴾، فلأجل ذلك افتقر إلى الخبر، لأنه إذا ركب معه استحق الإعراب. واعلم أن الجملة من المبتدأ والخبر تسمى «جملة اسمية»، لأن أولها اسم. والجملة من الفعل والفاعل «تسمى فعلية»، لأن أولها فعل، وأما ذكر المبتدأ من جهة التعريف والتنكير فسيأتي ذكره في باب خبر المبتدأ. واعلم أن من أسماء الشرط والاستفهام ما يقع مبتدأ، كقولك: من يقم أقم معه. ومن أبوك؟ ولا يقع غيره من المرفوعات، لأن عامل المبتدأ معنوي، وعامل غيره من المرفوعات لفظي. (باب خبر المبتدأ) قال ابن الخباز: (وهو كل ما أسندته إلى المبتدأ وحدثت [به] عنه والظاهر أن قوله: (وحدثت به عنه) تكرير، لأنه لا يسند إليه إلا وهو حديث عنه، واعلم أن الإسناد أعم من الإخبار، لأن الإسناد يكون إخبارًا وغير إخبار، أمرًا أو نهيًا =
[ ١٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أو استفهامًا والإخبار على قسمين: نفي وإيجاب، فكل إخبار إسناد، وليس كل إسناد إخبارًا. ولا يخلو خبر المبتدأ من أن يكون مفردًا أو جملة، لأن الكلم لا تخلو من هذين، وبدأ بذكر المفرد لأنه / أصل الجملة، وإن شئت قلت: يتبين فيه الإعراب، ٢٠/ أوالجملة لا يتبين فيها، فإذا كان مفردًا لم يكن إلا اسما، وذلك لأن الفعل وحده لا يكون خبرًا، والحرف لا يخبر به، فإذا كان مفردًا فهو المبتدأ في المعنى، كقولك: زيد أخوك، فأخوك في المعنى هو زيد، وكذلك إذا قلت: زيد قائم، فالقائم في المعنى هو زيد، وإنما قلنا ذلك، لأنه إن كان إياه في المعنى فهو المطلوب، وإن لم يكن إياه فهو كذب، ولا يعني بقولنا: إن قائمًا هو زيد في المعنى أن حقيقة قائم من حيث هو هو حقيقة زيد من حيث هو هو هذا محال، لأن قائمًا عبارة عن شيء ذي قيام، وزيدًا دال على رجل معين، فكيف يكون هذا ذاك؟ وإنما تعني به أن الشيء الذي يصدق عليه أنه زيد يصدق عليه بعينه أنه قائم. وقوله: (وهو مرفوع بالمبتدأ) وفي رافع [الخبر] خمسة أقوال، ومذهب أبي علي وابن جني أن رافع الخبر هو المبتدأ بعد أن رفع المبتدأ الابتداء، وذلك لأن الابتداء لما عمل في المبتدأ صار مقتضيًا للخبر، فلما اقتضاه عمل فيه. ولا يخلو المبتدأ والخبر في التعريف والتنكير من أربع صور: الأولى: أن يكون المبتدأ معرفة والخبر نكرة كقولك: زيد جالس وهذه الصورة هي الواردة على نمط الإخبار، لأن حق المخبر عنه أن يكون معرفة لكونه أتم فائدة. وحق الخبر أن يكون نكرة، لأنه مجهول، ولأن المخبر به شبيه بالفعل والفعل نكرة. الصورة الثانية عكس هذه: وهو أن يكون المبتدأ نكرة والخبر معرفة كقولك: جالس زيد، إذا جعلت جالسًا مبتدأ وزيدًا خبره، وذلك لا يجوز، لأنه لا يصح =
[ ١٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ٢٠/ب = معنى، في نثر، ولا تقود إليه ضرورة في شعر، ولأن الخبر / المفرد هو المبتدأ في المعنى، فإذا فسرت المعرفة بالنكرة أخرجتها من الوضوح إلى الخفاء، وذلك فاسد. ويجيء في الشعر في باب (كان وأخواتها) الاسم نكرة والخبر معرفة، وذلك على القلب وسيذكر في موضعه. الصورة الثالثة: أن يكونا معرفتين، والجيد أن تخبر بالأضعف تعريفًا عن الأقوى تعريفًا، فإذا اجتمع المضمر وغيره، جعلت المبتدأ هو المضمر كقولك: أنت زيد. وإذا اجتمع العلم وغيره، جعلت المبتدأ هو العلم كقولك: زيد أخوك، والأمر مسوق على هذا. فإن قلت: فما الفائدة في الإخبار بالمعرفة عن المعرفة؟ قلت: هي نسبة الخبر إلى المبتدأ وكان ذلك مجهولًا قبل الإخبار. فإن قلت: فما الفرق بين قولنا: زيد أخوك وقولنا: أخوك زيد؟ قلت: الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن قولناك زيد أخوك تعريف للقرابة وأخوك زيد تعريف للاسم. الثاني: أن قولنا: زيد أخوك لا ينفى أن يكون له أخ غير زيد، لأنك أخبرت بالعام عن الخاص، وقولنا: أخوك زيد ينفى أن يكون له أخ غير زيد، لأنك أخبرت بالخاص عن العام، وهذا ما يشير إليه الفقهاء من الفرق بين قولهم: زيد صديقي وقولهم: صديقي زيد. الصورة الرابعة: أن يكون المبتدأ والخبر نكرتين، ومتى كانا نكرتين محضتين لم يجز ذلك، لأنه لا فائدة فيه، ألا ترى أنك إذا قلت: رجل قائم، وجعلت رجلًا مبتدأ وقائمًا خبره لم تفد المخاطبة شيئًا، لأنه لا ينكر أن يكون رجل من الرجال قائمًا فصار كقولك: الثلج بارد، والنار حارة، وكل أحد يعلم هذا؟ ! . وقوله: (جعلت المبتدأ هو المعرفة والخبر هو النكرة) المعرفة والنكرة منصوبان، ٢١/ألأنهما ثانيا مفعولي جعلت / «وهو» فصل كقوله سبحانه: ﴿وجعلنا ذريته هم الباقين﴾، ولو رفعا لجاز.
[ ١٠٧ ]
قال ابن جني: وأما الجملة فهي كل كلام مفيد مستقل بنفسه، وهي على ضربين: جملة مركبة من مبتدأ وخبر، وجملة مركبة من فعل وفاعل، ولابد لكل واحدة من هاتين الجملتين إذا وقعت خبرًا عن المبتدأ من ضمير يعود إليه منها، تقول: زيد قام أخوه، فزيد مرفوع بالابتداء، والجملة بعده خبر عنه، وهي مركبة من فعل وفاعل.
_________________
(١) قال ابن الخباز: القسم الثاني من خبر المبتدأ: الجملة، والكلام والجملة بمعنى واحد، قال الرماني في حده: هو ما دل بالتأليف من الحروف على معنى يحسن السكوت عليه، وسمى كلامًا، لأنه يؤثر في نفس السامع، واشتقاه من الكلم، وهو الجرح، لأن له تأثيرًا في الجسم. قال الشاعر:
(٢) حتى اتقوني فهم منى على حذر والقول ينفذ ما لا ينفذ الإبر وسمي جملة، لضم بعضه إلى بعض والتئامه وفي التنزيل: ﴿لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة﴾. وائتلافه من اسمين، كقولك: زيد ذاهب، أو من فعل واسم، كقولك: ذهب زيد ولابد في الجملتين من إفادة معنى يمكن جهله. وجملة الأمر: أن المعنى لا يخلو من أن يكون واجبًا أو ممكنًا أو ممتنعًا، فالواجب: هو الذي لابد من وجوده كقولك: الثلج بارد، والممتنع: الذي يستحيل وجوده، كقولك الحجر إنسان، والممكن: الذي يجوز وجوده، وعدمه، كقولك: زيد ذاهب. فالواجب لا يخبر به لأنه معلوم، والممتنع لا يخبر به لأنه كذب، والثالث: يخبر به، فإن عرض فيه كذب أو صدق فذلك بالنسبة إلى القائل أو إلى شيء من علق المعنى.
[ ١٠٨ ]
قال ابن جني: فالفعل قام، والفاعل أخوه، والهاء عائدة على «زيد» ولولا هي لما صحت المسألة، وموضع لجملة رفع بالمبتدأ. وتقول: زيد أخوه منطلق، فزيد مرفوع بالابتداء، والجملة بعده خبر عنه، وهي مركبة من مبتدأ وخبر، فالمبتدأ أخوه، والخبر منطلق والهاء عائدة إلى زيد أيضًا. ولو قلت: زيد قام عمرو، لم يجز، لأنه ليس في الجملة إلى المبتدأ، فإن قلت: إليه أو معه أو نحو ذلك صحت المسألة لأجل الهاء العائدة، فأما قولهم: السمن ٨/أمنوان بدرهم، فإنما تقديره السمن / منوان منه بدرهم، ولكنهم حذفوا منه للعم به وكذلك قولهم: البر الكر بستين، أي: الكر منه بستين.
_________________
(١) = وإنما أخبر عن المبتدأ بالجملة لوجهين: أحدهما: التوسع في العبارة، لأن الجملة تتضمن ضميرًا يعود على المبتدأ، والضمير هو المبتدأ في المعنى، فيكون قد ذكر مرتين، فيكون في الإخبار بالجملة توكيد. وإنما وجب أن يكون في كل واحدة من الجملتين ضمير يعود على المبتدأ، لأن الجملة مستقلة بنفسها فولا الضمير لم ترتبط بالمبتدأ، وأما المفرد فلا يفتقر إلى ضمير، لأنه لا يستقل بنفسه فهو محتاج إلى ٢١/ب المبتدأ ليرتبط / به، فإن كان مشتقًا كذاهب وجالس تضمن ضميرًا يعود على المبتدأ، فإذا قلت: زيد ذاهب، ففي ذاهب ضمير مرتفع به، والمشتق تضمن الضمير، لأنه اسم جار مجرى الفعل، والفعل يتضمن الضمير، تقول في الإخبار بالجملة الفعلية: زيد قام أخوه فالعائد إلى زيد الهاء في أخوه. وموضع الجملة من الإعراب الرفع، ورافعها المبتدأ في قوله. قال ابن الخباز: وتفرق بين الجملة التي لها موضع من الإعراب، وبين الجملة التي لا موضع لها من الإعراب بأن كل جملة وقعت موقع مفرد فلها موضع من الإعراب، وكل جملة لم تقع موقع المفرد فلا موضع لها من الإعراب، فلزم من ذلك أن يكون لقولك: قام أخوه، موضع من الإعراب، لأنها قد وقعت موقع خبر المبتدأ، وهو مفرد في الأصل. وتقول في الإخبار بالجملة الاسمية: زيد أبوه منطلق فزيد مبتدأ أول وأبوه مبتدأ =
[ ١٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ثانٍ، ومنطلق خبر المبتدأ الثاني، والمبتدأ الثاني وخبره جميعًا في موضع رفع لوقوعهما موقع خبر المبتدأ الأول كما كان قولك: قام أخوه في المسألة الأولى. ولابد للجملة الاسمية من العائد كما لابد للجملة الفعلية منه، فلا يجوز أن تقول: زيد قام عمرو، ولا زيد عبد الله ذاهب، لخلوهما من العائد إلى المبتدأ، فإن جئت بعائد بعد الجملتين صحت المسألتان كقولك: زيد قام عمرو في داره، وزيد عبد الله ذاهب إليه. ولا يشترط أن يكون العائد أحد جزئي الجملة، بل يجوز أن يكون أحد جزئيها وأن يكون فضلة، فالذي هو أحد جزئيها كقولك: زيد هو أبوك، والفضلة كقولك: زيد ضربته، وزيد مررت به، ورأيت من ينكر على ابن جني قوله: (ولولا هي) ما علم الجاهل بكلام العرب، إن هذا هو الجيد الموافق لمقايستها، لأن «لولا» يقع بعدها المظهر مبتدأ كقوله: لولا علي لهلك عمرو فإذا وقع المضمر بعدها وجب أن يكون منفصلًا كقوله / تعالى: ﴿لولا أنتم لكنا مؤمنين﴾ وأما قولهم: السمن منوان بدرهم والبر الكر بستين: فأنما أورده على أن الجملة لا تخلو من العائد، وهاتان جملتان قد خلتا منه، وذلك لأن السمن والبر مبتدآن، ومنوان والكر مبتدآن آخران وبدرهم وبستين خبرًا المبتدأين الثانيين، ولم يعد ضمير إلى السمن والبر، والتقدير في المسألتين: منوان منه بدرهم، والكر منه بستين، ولابد من تقدير هذا ليعود الضمير إلى المبتدأ، ومسوغ الحذف: أن قولك: منوان بدرهم والكر بستين تسعير، ولابد للتسعير من مسعر ينصرف إليه ويحمل عليه، وإلا فذكره كلا ذكر. ألا ترى أنك لو قلت: ذراعان بدينار ورطلان بدرهم، ولم يجر ذكر مسعر لم تكن في الكلام فائدة؟ أنشد الجوهري ﵀ للأخطل:
(٢) الخبر كالعنبر الهندي عندهم والقمح سبعون إردبًا بدينار
[ ١١٠ ]
قال ابن جني: واعلم أن الظرف قد يقع خبرًا عن المبتدأ، وهو على ضربين: ظرف زمان، وظرف مكان، والمبتدأ على ضربين: جثة، وحدث، فالجثة: ما كان عبارة عن شخص نحو: زيد وعمرو والحدث: هو المصدر نحو: القيام والقعود.
فإذا كان المبتدأ جثة ووقع الظرف خبرًا عنه، لم يكن ذلك الظرف إلا من ظروف المكان تقول: زيد خلفك، فزيد مرفوع بالابتداء، والظرف بعده خبر عنه، والتقدير: زيد مستقر خلفك، فحذف اسم الفاعل تخفيفًا للعلم به، وأقيم الظرف مقامه، فانتقل الضمير الذي كان في اسم الفاعل إلى الظرف، وارتفع ذلك الضمير بالظرف كما كان يرتفع باسم الفاعل، وموضع الظرف رفع المبتدأ. ولو قلت: زيد يوم الجمعة أو نحو ذلك لم يجز، لأن ظروف الزمان لا تكون أخبارًا عن الجثث، لأنه لا فائدة في ذلك، فأما قولهم: الليلة الهلال، فإنما تقديره الليلة حدوث الهلال أو طلوع الهلال، فحذف المضاف ٨/ب وأقيم المضاف إليه مقامه / قال الله تعالى: ﴿وسئل القرية التي كنا فيها﴾ أي: أهل القرية، ومثله قول الشاعر:
أكل عام نعم نحوونه يلقحه قوم وتنتجونه
= أي: أكل عام حدوث نعم أو إحراز نعم.
_________________
(١) أراد سبعون إردبًا منه بدينار. قال ابن الخباز: وإنما جاز وقوع الظرف خبرًا عن المبتدأ، لأن الظرف ضربان: ظرف زمان، وظرف مكان، والحاجة داعية إلى معرفة زمان الشيء ومكانه كما تدعو إلى معرفة صفته، لأن ذلك يجوز أن يجهل، ويدلك على دعاء الحاجة إليه أنهم وضعوا للسؤال عن الزمان والمكان «متى، وأيان، وأنى» كما وضعوا للسؤال عن الصفة كيف وما ذلك إلا لطلب العلم.
[ ١١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وإذا أردت الإخبار عن المبتدأ بالظرف نشأ للمبتدأ تقسيم إلى الجثة، والحدث فالجثة: الجسم كزيد وفرس وحجر. والحدث: المصدر كالقيام والقعود والأكل والشرب، وإنما قسم المبتدأ إلى هذين مع الظرف، لأن حكمها مختلف مع الإخبار بالظرف، فإن كان المبتدأ إلى هذين مع الظرف، لأن حكمها مختلف مع الإخبار بالظرف، فإن كان المبتدأ جثة لم يخبر عنه إلا بظرف المكان كقولك: /زيد ٢٢/ب خلفك، لأن مكانه يجوز أن يجهل وحكم المكان أن يكون خاصًا إما بكونه معرفة كمثالنا، أو بكونه موصوفًا كقولك: زيد مكانًا صالحًا، فإن كان باقيا على عمومه لم يكن في الإخبار فائدة كقولك: زيد مكانًا، لأنه لا يجهل أنه في مكان. واختلف النوحيون في قولنا: زيد خلفك: فذهب أبو العباس الشيباني إلى أن الظرف خبر عن المبتدأ [و] لا يتعلق بشيء، وأنشد أصحابنا بأن الظرف منصوب فلابد له من ناصب. والذين قدروا ناصبًا اختلفوا، فذهب ابن السراج وابن جني إلى أن التقدير: زيد مستقر خلفك، فقدروا اسم الفاعل، وذلك لأن المفرد أصل للجملة، ولأن في تقديره تقليلًا للحذف. وذهب أبو علي الفارسي إلى أن التقدير: زيد استقر خلفك فقدر الفعل، لأنه =
[ ١١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الأصل في العمل، ويظهر أثر الخلاف في أن الظرف في القول الأول مفرد، لأنه نائب عن مفرد وفي القول الثاني جملة، لأنه نائب عن جملة، وعلى كلا التقديرين في المحذوف ضمير، واختلفوا بعد الحذف في الضمير، فمنهم من قال: هو داخل في الحذف، لأنه لما حذف رافعه حذف معه. وقال قوم: نقل الضمير إلى الظرف فصار مرتفعًا على جهة النيابة عن المحذوف. واحتج هذا القائل بقول الشاعر:
(٢) فإن يك جثماني بأرض سواكم فإن فؤادي عندك الدهر أجمع فرفع أجمع لابد أن يستند إلى مؤكد مرفوع، وليس في الكلام شيء غير الضمير، المستكن في «عندك» وروى سيبويه عن العرب: «مررت بقوم مع فلان أجمعون» وهو مثل البيت. ٢٣/أولا يجوز حذف ما يتعلق به الظرف / إلا إذا كان حالة عامة للاستقرار والكون. فإن كان حالة خاصة كالقيام والقعود لم يجز حذفها فلا تقول: زيد خلفك وأنت تريد قائم خلفك، لأنه لا يلزم من استقراره خلفه قيامه. ولا يجوز الإخبار عن الجثة بظرف الزمان فلا تقول: زيد يوم الجمعة، لأنه لا فائدة فيه، وذلك لأن يوم الجمعة متى وجد لم يخل زيد منه، فحاصل الفرق بين الزمان والمكان: أن الجثث لا تشترك في المكان الواحد، ولكن تشترك في الزمان الواحد، فلذلك أخبر عنها بظرف المكان ولم يخبر بظرف الزمان، فأما قولهم: «الليلة الهلال» فوجه إيراده أن الهلال جثة، وقد أخبر عنها بظرف الزمان، والقول في ذلك أن التقدير: الليلة طلوع الهلال وحدوث الهلال، فالظرف خبر عن المصدر لا عن الجثة، والذي سوغ حذف المضاف: أن قولهم «الليلة الهلال» لا يقال في الليلة التاسعة والعشرين، لأن الشهر لا يكون ثمانية وعشرين، ولا في الليلة الحادية والثلاثين، لأنه لابد من طلوعه، وإنما يقال في الليلة الثلاثين، لأنه يجوز طلوعه وعدم طلوعه، ففي الإخبار به فائدة.
[ ١١٣ ]
قال ابن جني: فإن كان المبتدأ حدثًا جاز وقوع كل واحد من الظرفين خبرًا عنه، تقول: قيامك خلف زيد، وقعودك يوم الجمعة، والتقدير: قيامك كائن خلف زيد، وقعودك كائن يوم الجمعة. فحذف أسماء الفاعلين وأقيم الظرفان مقامها، فانتقل الضميران إليهما. وتقام حروف الجر مقام الظروف وذلك قولهم: زيد من الكرام، وقفيز البُر بدرهمين، والتقدير: زيد كائن من الكرام، وقفيز البر كائن بدرهمين، ثم عمل فيهما كما عمل في الظرف، والظرفان وما أقيم مقامهما جاريان مجرى المفرد الذي تقدم ذكره.
ويجوز تقديم خبر المبتدأ عليه تقول: قائم زيد، وخلفك بكر، والتقدير: زيد قائم، وبكر خلفك، فقدم الخبران اتساعًا، وفيهما ضمير، لأن النية فيهما التأخير.
_________________
(١) قال ابن الخباز: وقد أجازوا أن تقول إذا كان زيد غائبا: زيد يوم الجمعة، تريد قدوم زيد يوم الجمعة واستشهاده بقوله تعالى: ﴿وسئل القرية﴾ على حذف المضاف فقط فالتقدير: واسأل أهل القرية، والضمير في قوله: «ومثله قول الشاعر يعود إلى قولهم: «الليلة الهلال» وتوهم بعض الجهال على أن الضمير يعود إلى الآية، وهذا البيت من أبيات الكتاب وهو قولهك
(٢) أكل عام نعم تحوونه يلقحه قوم وتنتجونه وبعده / ٢٣/ب أربابه نوكى فلا يحمونه ولا يلاقون طعامًا دونه هيهات هيهات لما ترجونه
[ ١١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فكل عام زمان مثل الليلة، ونعم مثل الهلال، والتقدير: حدوث نعم وإحراز نعم، والحذف في البيت أحسن منه في المسألة لوجهين: أحدهما: أن قوله (تحوونه) يشعر بالمحذوف. والثاني: أن طول الكلام بصفة المبتدأ يسد مسده، والنعم: الإبل خاصة، والأنعام: الإبل والبقر والغنم، وبذلك استدل أنه ليس بجمع له. قال أبو علي: وقد حكي تأنيث النعم عن يونس، والتذكير أعرف، فمن التذكير هذا البيت، ومن التأنيث: هذه نعم واردة، والإلقاح من قولهم: «لقحت الناقة» إذا حملت، وتنتجونه أي: تستولدونه عندكم، يقال: نتجت الناقة ونتجها أهلها. وإن كان المبتدأ مصدرًا كالقيام والقعود جاز أن يخبر عنه بكل واحد من الظرفين تقول: قيامك خلف زيد وجلوسك يوم الجمعة، أما جواز الإخبار عنه بظرف المكان: فلأن فيه فائدة، لأن قيام المخاطب لا يكون وجوده خلف زيد ضروريًا فيجب علمه. وأما جواز الإخبار عنه بظرف الزمان: فلأن المصادر أمور متجددة يجوز اختصاص وجودها بزمان دون زمان، فإذا قلت: جلوسك يوم الجمعة فقد خصصت وجود جلوسه بيوم الجمعة مع أنه يجوز أن لا يوجد فيه، وليست كذلك الجثث، فإنها أمور ثابتة لا تخلو من كل زمان، فمتى وجد يوم الجمعة كانت الجثث، فإنها أمور ثابتة لا تخلو من كل زمان، فمتى وجد يوم الجمعة كانت كلها فيه متساوية. والكلام في المقدر مع الظرفين في المسألتين كالكلام في المقدر في قولنا: زيد خلفك وقد ذكر. ويجوز الإخبار بحرف الجر، كما يجوز / بالظرف، لأن فيه فائدة على حسب معنى الحرف الجار، ألا ترى أن قولك: «زيد من الكرام» يفيد التبعيض «وقفيز البر بدرهمين» يفيد المقابلة في البيع، وحرف لجر يجري مجرى الظرف في الخلاف في المقدر معه وقد ذكر، واختيار أبي الفتح أن المقدر في هذه المواضع كلها مفرد. فإن دخل حرف الجر على زمان لم يجز الإخبار به عن الجثة فكما لا تقول: عبد الله يوم الخميس لا تقول: عبد الله في يوم الخميس، لأن الظرف مقدر بفي، وإذا لم يجز الإخبار مع حذفها لم يجز مع إثباتها، فأما قول الشاعر:
(٢) لعمرك إنا والأحابيش كلهم لفي حقبة أظفارها لم تقلم
[ ١١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فإنما إخباره عن الجثة بحرف الجر الداخل على ظرف الزمان، لأنه وصفه، فبعد عن الظرفية، وصارت فيه فائدة زائدة. ويجوز: زيد في الدار، لأنها مكان، وزيد جثة ويجوز: قيامك في اليوم، وذهابك إلى السوق، وهذا كله ظاهر. وأما تقديم خبر المبتدأ عليه ففيه تفصيل، وأبو الفتح أطلق فيه، فنقول: لا يخلو خبر المبتدأ من أن يكون مفردًا أو جملة، فإن كان مفردًا: لم يخل من أن يكون معرفة أو نكرة، فإن كان معرفة: كان المبتدأ معرفة، لأن الخبر لا يكون معرفة والمبتدأة نكرة، وحينئذ لا يجوز تقديمه على المبتدأ، فإذا قلت: «زيد أخوك» لم يجز أن تقول: «أخوك زيد» معتقدا أنه خبر مبتدأ، مقدم لأنه صالح لأن يبتدأ به من أجل التعريف ولو جعلته خبرًا لانقلب المعنى، وقد أشرت إلى ذلك، فإن أمن اللبس جاز التقديم كقول الشاعر:
(٢) بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد / فالمعنى: بنو أبنائنا وبناتنا، لأن المعنى على جعل بني بينهم كبنيهم وتمام البيت ٢٤/ب يدل عليه. وإن كان نكرة وكان المبتدأ معرفة: جاز تقديمه عليه، فيجوز في قولك: «زيد غلام رجل» أن تقول: «غلام رجل زيد» لأنه قد علم أنه لا يبتدأ بالنكرة مع وجود المعرفة ومن كلامهم: تميمي أنا، ومشنؤ من يشنؤوك وقال الهذلي:
(٣) فتى ما ابن الأغر إذا شتونا وحب الزاد في شهري قماح
[ ١١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وإن كان المبتدأ والخبر نكرتين كقولك: إلام رجل أفضل منك، فينبغي أن لا يجوز التقديم: لأن كل واحد منهما صالح أن يبتدأ به لاختصاصه. وإن كان الخبر جملة، فإن كانت اسمية جاز تقديمها عند البصريين كقولك: أبوه منطلق زيد، وكذلك الفعلية، إذا كان العائد على المبتدأ ضميرا منصوبًا كقولك: ضربته عمرو، وكذلك إذا كان العائد ضمير تثنية أو جمع، كقوله تعالى: ﴿وأسروا النجوى الذين ظلموا﴾ في أحد الأقوال. فإن كان العائد ضميرا مفردا: كقولك: «زيد قام» لم يجز التقديم، لأنك لو قلت: قام زيد، لصار فاعلا. والظرف وحرف الجر والمشتق عند أكثر البصريين يكون خبرا مقدمًا، كقولك: خلفك زيد، وفي الدار عمرو، وقائم عبد الله. وذهب الكوفيون إلى أن هذه الأسماء في هذه المواضع كلها مرفوعة بما تقدم عليها، ووافقهم أبو الحسن الأخفش ويبطل مذهبهم أنا نقول: «إن خلفك زيدا» «وإن في الدار عمرًا» والعامل لا يدخل على العامل، وأما قولنا: «قائم عبد الله» فلا يجوز أن يرتفع عبد الله بقائم، لأنه لم يعتمد، وقول أبي الفتح: (وفيهما ضمير) يؤكد أنهما خبران مقدمان، لأنهما لو رفعا ما بعدهما لم يكن فيهما ضمير.
[ ١١٧ ]
قال ابن جني: واعلم أن المبتدأ قد يحذف تارة، ويحذف الخبر أخرى، وذلك إذا كان في الكلام / دليل على المحذوف، فإذا قال لك القائل: من عندك؟ ٩/أقلت: زيد، أي: عندي زيد، فحذفت عندي وهو الخبر. وإذا قال لك: كيف أنت؟ قلت: صالح، أي: أنا صالح، فحذفت «أنا» وهو المبتدأ. قال الله سبحانه جل من قائل: ﴿طاعة وقول معروف﴾ أي: طاعة وقول معروف أمثل من غيرهما، وإن شئت كان التقدير: أمرنا طاعة وقول معروف، قال الشاعر:
فقالت: على اسم الله أمرك طاعة وإن كنت قد كلفت ما لم أعود
_________________
(١) قال ابن الخباز: وحذف / المبتدأ على ثلاثة أقسام: ممتنع: وهو ما ليس في ٢٥/أالكلام دليل عليه فلا تقول: ذاهب، وأنت تريد عمرو، لأنه لا دليل عليه. وواجب: وهو في قولهم: «لا سواء» وتأويله عندهم: هذان لا سواء، والتعويل في ذلك على الاستعمال. وجائز: وهو أن يجري له ذكر فيجوز حذفه كقولك: «صالح» لمن قال: كيف أنت؟ لأن جري ذكره في السؤال مغن عن جرى ذكره في الجواب، ولو قلت: أنا صالح لكان إثباته توكيدًا. وحذف الخبر ثلاثة أقسام: ممتنع: وهو ما لا دليل عليه كقولك: زيد وأنت تريد: ذاهب، وواجبك وذلك مع الظرفين وحرف الجرز قال أبو علي الفارسي: «إظهار العامل في الظرف شريعة منسوخة» وجائز: وهو ما في الكلام دليل عليه كقولك: زيد، لمن قال: من عندك؟ ولو قلتك زيد عندي لكان توكيدًا. وأما قوله تعالى: ﴿طاعة وقول معروف﴾ فمحمول على حذف الخبر وحذف المبتدأ، فإن حذفت الخبر كان التقدير: طاعة وقول معروف أمثل من غيرهما، وأمثل بمعنى أجود وأصلح، قال امرؤ القيس:
(٢) ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي بصبح وما الإصباح منك بأمثل
[ ١١٨ ]