قال ابن جني: اعلم أن الزمان مرور الليل والنهار، نحو: اليوم، والليلة، والساعة، والشهر، والسنة، قال أبو ذؤيب:
هل الدهر إلا ليلة ونهارها وإلا طلوع الشمس ثم غيارها
وجميع أسماء الزمان من المبهم والمختص يجوز أن يكون ظرفًا، تقول: صمت يومًا، وسرت شهرًا، وأقمت عندك حولًا، وصمت الشهر الذي تعرف، وزرتك صفرًا.
١٦/ب ولقيتك / يوم الجمعة، تنصب هذا كله على الظرف بالفعل الذي تبعه، فإن قلت: يوم الجمعة مبارك رفعته، لأنه ليس فيه معنى «في» فقس عليه.
_________________
(١) (باب ظروف الزمان) قال ابن الخباز: وإنما قدمها على ظروف المكان لوجهين: أحدهما: أن كل أسماء الزمان تكون ظروفًا وليست كذلك أسماء المكان، لأن مختصها لا يكون ظرفًا كالدار والمسجد، والثاني: أن الزمان يضارع المصدر، لأنه مفهوم من صيغة الفعل كما أن المصدر مفهوم من لفظه. وقوله: (اعلم أن الزمان مرور الليل والنهار) فيه نظر، لأنه قد عرف الزمان بشيء لا يعرف إلا بعد معرفته، لأن الليل والنهار هما الزمان، فكأنه قال: اعلم أن الزمان مرور الزمان، وفيه نظر من وجه آخر، وهو أن الليل والنهار ليسا - على قوله - زمانًا، لأنه قال: (مرور الليل والنهار) فيجعل الزمان المرور لا المار، ولم يقل أحد إن الليل والنهار ليسا من الزمان. ثم إن بيت أبي ذؤيب الهذلي وهو:
(٢) هل الدهر إلا ليلة ونهارها وإلا طلوع الشمس ثم غيارها ينافي قول أبي الفتح في الظاهر، لأنه قال: (الزمان مرور الليل والنهار) وقال أبو ذؤيب:
[ ١٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ١٠١ - * هل الدهر إلا ليلة ونهارها * وله أن يصححه بتقدير مضاف، كأنه قال: هل الدهر إلا مرور ليلة ونهارها، والغيار: الغروب، والدهر والزمان بمعنى واحد، وهو عند الفقهاء يطلق على أقل شيء من الوقت، والقرآن ينافي قولهم، لأن الله تعالى قال: ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر﴾ فجعل الحين بعض الدهر، والحين ها هنا أربعون سنة، وبعض الشيء أقل منه، فدل على أن الدهر يراد به الزمان المتطاول. وأما اليوم /: فهو مقدار انبساط الشمس على الأرض مذ طلوعها إلى غروبها. ٥٣/أوقد يسمى العرب الوقائع [أيامًا] ومنه أيام العرب. وأما الليلة: فهو في التقدير من ليل كتمرة من تمر، وهي مقدار مدة خفاء الشمس عن الأرض. وأما الساعة: فهي معروفة وقسم النهار إلى أربعة وعشرين جزءًا، سمي كل جزء ساعة، ويقال في جمعها: ساع، وقال القطامي:
(٢) وكنا كالحريق أصاب غابًا فيخبو ساعة ويهب ساعا وأما الشهر: فهو معروف، وهو مقدار حلول القمر الثماني والعشرين منزلة التي ذكرها الله تعالى في كتابه، وقد يسمى الهلال شهرًا، لأنه يكون في أول الشهر قال الشاعر:
(٣) فأصبح أجلى الطرف ما تستزيده يرى الشهر قبل الناس وهو نحيل وأما السنة: فمعروفة: وهي مقدار قطع البروج الاثنى عشر التي ذكرها الله تعالى في كتابه. فإن قلت: فما الفرق بين السنة والعام؟
[ ١٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قلت: العام: مذ أول المحرم إلى آخر ذي الحجة. والسنة: كل يوم إلى مثله من القابل. ذكر ذلك أبو منصور في تهذيب أدب الكاتب. وإنما كانت جميع أسماء الزمان ظروفًا، لأنها أشبهت المصادر بما ذكرته، فتعدى الفعل إلى جميع ضروبها، كما تعدى إلى جميع ضروب المصادر، ولا فرق بين ذلك أن يكون الزمان معرفة [ونكرة. ومؤقتًا] ومبهما، فالمعرفة: كأسماء الشهور وأسماء أيام الأسبوع كقولك: قدمت شعبان، وصمت الخميس. ٥٢/ب والنكرة كقوله تعالى: ﴿تؤتي أكلها كل حين﴾ وقول النابغة يصف حية ١٠٥ تناذرها الراقون من سوء سمها تطلقه حينًا وحينًا تراجع والمؤقت: ما دل على مقدار محصور - وإن كان نكرة - كيوم وليلة وأسبوع وشهر وسنة، لأن مقادير هذه الأشياء كلها محدودة. والمبهم: ما لم يوضع لمقدار محدود - وإن كان معرفة - كالليل والنهار، فجميع ذلك ينتصب على أنه ظرف، قال الله ﷿: ﴿أتاها أمرنا ليلًا أو نهارًا﴾ قال الشاعر:
(٢) جعلت وما بي من جفاء ولا قلى أزوركم يومًا وأهجركم شهرًا وكل ذلك «في» معه مقدرة، لأنها الحرف الدال على الظرفية. وقال الشاعر في المخصوص:
[ ١٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ها إن ذا ظالم الدين متكئًا على أسرته يشقى الكوانينا أراد: يشقى في الكوانين، وهو جمع كانون، وهو الشهر المعروف، وهما اثنان الأول: يسمى ملخان. والثاني: يسمى شيبان، ويسميان أيضًا شهري قماح. وها هنا تقسيم لا بأس بذكره، وهو يشتمل على تتمة الباب، وهو أن أسماء الزمان أربعة أقسام: الأول: ما كان متصرفًا منصرفًا، فالمتصرف: ما جاز نقله عن الظرفية، والمنصرف: ما دخله التنوين، وذلك نحو: يوم وليلة. تقول: مضى يوم، ويوم الجمعة مبارك، فتجعله فاعلًا ومبتدأ. الثاني: ما لم يكن متصرفًا ولا منصرفًا، وذلك سحر إذا أردته من يوم معين كقولك: جئت اليوم سحر، فهذا لا يتصرف، لأنك أخرجته عن موضوعه، لأن أصله أن تريد به كل سحر، ولا يتصرف للتعريف والعدل عن الألف واللام، كذا قالوا، وفيه نظر. الثالث: ما تصرف ولم ينصرف، كقولك: جئت اليوم غدوة، وقدمت أمس بكرة، فهذا يتصرف، ومنه مسألة الكتاب (صيد عليه يوم /٥٣/أالجمعة غدوة)، ولا يتصرف للتعريف والتأنيث. الرابع: ما انصرف ولم يتصرف، وذلك كقوله: خرجت ضحى وضحيًا، وأنت تعنى ضحى يومك، وأزورك عتمة ومساء، وأنت تعني عتمة ليلتك ومساءها، فهذا يتصرف لأنه نكرة، ولا يتصرف، لأنك أخرجته عن موضوعه =
[ ١٩٠ ]